صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المواعظ والاعتبار
المؤلف : المقريزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال : والمد كله واحد وهو أن القمر يقابل الماء كما تقابل الشمس الأرض، فنور القمر إذا قابل كرة الأرض سخنها كما تسخن الشمس الهواء المحيط فيعتري الهواء المحيط بالماء بعض تسخين يذيب الماء، فيفيض وينمى بخاصته كالمرآة المحرقة الملهبة للجو حتى تحرق القطنة الموضوعة بين المرآة والشمس. فهذا مثاله في المقابلة ومثاله في المسرار كون الزجاجة المملوءة ما يلقى الشعاع إلى حلقها، فتحترق القطنة أيضا. فالقمر جسم نوري باكتسابه ذلك من الشمس. فإذا حال بين الشمس والأرض خرج عن جانبي الماء شعاع نافذ يمر مع جنبي الماء فيسخن ما قابله فينمو. والماء جسم شفاف عن جانبيه يخرج الشعاع كما يخرج عن جانبي الزجاجة، فيحدث لها نور يسخن الهواء الذي يحيط بالزجاجة أو بالأرض، فيقترف الماء شبه تسخين ينمي به ويزيد وذلك قبالة القرص، وقبالة مخرج الشعاع من قبالة وتد القمر، فهذا هو المد دائما، ويستدير باستدارة الفلك، وتدويره لفلك القمر وتدوير فلك القمر للقمر.
والمد الشهري هو أن يقابل القمر الشمس أو يستتر تحتها. لأنه ليس إلا كون القمر قبالة الشمس لكونه في تربيع الشمس أضعف وفي المقابلة أقوى، وكذلك إذا قابلها على وسط كرة الأرض بحيث تكون الحركة أشد، ولأكتناف للماء والأرض أعم فذلك هو المد السنوي.
الرد على من اعتقد أن النيل من سيل يفيض
أما العامة فليس عندهم ما يجيء على وجه الأرض أنه سيل، ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض، ولا هواء. نسب ذلك إلى الخيال المحض.
كما فعل صاحب كتاب المسالك والممالك: الذي زعم أن الماء يسافر من كل أرض، وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمده لأن النيل إنما يفيض في الخريف. والعيون والآبار في ذلك الوقت يقل ماؤها، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال، ومما يدلك على أنه ليس عن سيل يفيض أن السيل يكون في غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر، فيصل السيل ويمر نحو البحر، فلا يردعه رادع..
ومنها: أن فيض النيل على تدريج مدة ثلاثة أشهر من حلول الشمس رأس السرطان إلى حلولها بآخر برج السنبلة، والناس يحسبون به قبل فيضه بمدة شهرين ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم..
ومنها : أن فيضه أبدا في وقت واحد، فلو كان بالسيل لاختلف بعض الاختلاف.
ومنها: أنه قد يجيء السيل في غير هذا الوقت فلا يفيض.
ومنها : أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد لأن شدة الحر تذيب الهواء فيذوب الماء، ولا يكون إلا عن زيادة كوكب، ودنو نور.
ومنها: أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما أسحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحوا من مائة ميل وأسوان هو منتهى بلوغ الردع، فما ظنك بسيل مسيره نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله، كيف كان يكون أعلاه لو كان امتلاء أسفله عن السيل! ومنها: أن أهل أسوان إنما يرقبون بلوغ الردع إليهم مراقبة، ويحافظون عليه بالنهار محافظة، فإذا جن الليل أخذوا حقة خزف، فوضعوا فيها مصباحا، ثم يضعونه على حجر معد عندهم لذلك. وجعلوا يرقبونه فإذا طفئ المصباح يطفو الماء عليه علموا أن الردع قد وصل غايته المعهودة عندهم بأخذه في الجزر فيكتبوا بذلك إلى أمير مصر يعلموه أن الردع قد وصل غايته المعهودة عندهم وأنهم قد أخذوا بقسطهم من الشرب. فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التي على أفواه قرص المشارب، فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة.
ومنها: أن جمبع تلك المشارب تسد عند ابتداء النيل بالخشب، والتراب ليجتمع ما يسيل من الماء العذب في النيل، ويكثر ويعم جميع أرضهم ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه. فلو كان سيلا ما احتاج إلى ذلك، ولفتحت له أفواه قرص المشارب عند ابتداء ظهوره. ومنها: أن الخلجان إذا سدت ولم يكن لها رادع من البحر كان السيل من جنبه إلى البحر إذ أسفل النيل أوسع وأخفض من أعلاه.

(1/69)


ومنها: أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنيس ودمياط، كما يفعل في سائر الأودية التي تدخل المد والجزر، فلو كان النيل خاليا من الماء العذب، وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع، لأن الماء يطلب بطبعه ما انخفض من الأرض وأن يكون في صفحة كرة مستوية الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط متساوية.
ومنها: أنها إذا فتحت تلك الأسداد، وكسرت الخلج، وفاض النيل على بطائح أرض مصر. شعر بذلك أهل أسوان للحين، وقالوا في هذه الساعة كسرت الخلج، وفاض ماء النيل على أرض مصر، لأن ذلك يتبين لهم بتحول الماء دفعة، فلو كان سيلا وهم على أعلى المصب لقالوا: قد ارتفع المطر عن الأرض التي يسيل منها السيل.
ومنها: أن قسميه الذي يمر ببلاد الحبشة المنبعث وإياه من جبل القمر لا يفيض كمدة فيض النيل ثلاثة أشهر، ولا يقيم على وجه الأرض مدة مقامه. لكنه إذا كثر فيه السيل غمر جوانبه على قدر انبساطها، وإذا نصبت مادته أردع عليه، فلو كان فيض النيل عن السيل وهما من شعب واحد لكان شأنهما واحدا، ولا نقول: إن فيض النيل بسبب فيض البحر فقط إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه ولكان شاطئ ديار مصر كسائر السواحل المجاورة له. ولولا السيل السائل فيه لردمه البحر إذ عادة البحر ردم السواحل، وإنما دخل الشك على أهل مصر في أيام النيل، لأنهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأه من جبل القمر. لأنه في موضع لا ساكن عليه، ولا تحققوا المد السنوي الرادع له، فلم يتحققوا شيئا من أمره، لأنه بعيد من أذهان العامة أن يعلموا: أن ماء البحر يعظم في أيام الصيف، لأن المعهود عندهم في البحر أن يعظم في أيام الشتاء، وطمو البحر في الشتاء إنما يكون عن الرياح الهابة عليه من أحد جانبيه، فيفيض ويخرج إلى الجانب الآخر، إلا ما كان من البحر المحيط فإنه. يتحرك أبدا من داخل البحر إلى البر.
وهو أن المحيط يطلب بطبعه أن يكون على وجه الأرض، والأرض ليست بسيطة، فهي تمانعه بما فيها من التركيب فهو يطلب أبدا أن يعلوها ويركبها ببردها. قال: والسبب في عظم المد والجزر كثرة الأشعة. فإذا زاحمت الشمس والقمر، الكواكب السيارة عظم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السيارة ارتفع البخار، وصعد إلى كورة الزمهرير، ونزل المطر فإذا فارق القمر الكواكب ارتفع المطر لكثرة التحليل. كما يكون في نصف النهار عند توسط الشمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكبيرة على وسط خط أرين، والله تعالى أعلم بالصواب.
كال مؤلفه رحمه الله تعالى: الذي تحصل من هذا القول إن النيل مخرجه من جبل القمر. وأن زيادته إنما هي من فيض البحر عند المد فأما كون مخرجه من جبل القمر فمسلم، إذ لا نزاع في ذلك.

(1/70)


وأما كون زيادته لا تكون إلا من ردع البحر له بما حصل فيه من المد فليس كذلك. نعم توالى هبوب الرياح الشمالية على وفور الزيادة، وردع البحر له إعانة على الزيادة، ومن تأمل النيل علم أن سيلا سال فيه، ولا بد فإنه لا يزال أيام الشتاء، وأوائل فصل الربيع ماؤه صافيا من الكدرة فإذا فرغت أيام زيادته، وكان في غاية نقصه تغير طعمه، ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع في إناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك: أن البطيحة التي في أعالي الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتى يتغير ماؤها فإذا كثرت أمطار الجنوب في فصل الصيف، وعظمت السيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغير من الماء وجرى إلى أرض مصر فيقال عند ذلك: توحم النيل، ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغير، ويزاد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع منه أيام الزيادة شيء في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيام الزيادة وهذا الطين هو الذي تحمله السيول التي تنصب في النيل حتى تكون زيادته منها وفيه يكون الزرع بعد هبوط النيل، وإلا فأرض مصر سبخة لا تنبت، ولا ينبت منها إلا ما مر عليه ماء النيل، وركد منه هذا الطين وقوله: إن السيل يكون في غير وقت فيض البحر ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر فيصل السيل، ويمر نحو البحر، فلا يردعه رادع غير مسلم وإن العادة أن السيول التي عليها زيادة ماء النيل لا تكون إلا عن غزارة الأمطار ببلاد الجنوب وأمطار الجنوب لا تكون إلا في أيام الصيف، ولم يعهد قط زيادة النيل في الشتاء. وأول دليل على أن كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنما يزيد بتدريج على قدر ما يهبط فيه من السيول.
وأما استدلاله بصب النيل في أسوان واتساعه أسفل الأرض فإنما ذلك لأنه يصب من علو في منخرق بين جبلين، يقال لهما : الجنادل وينبطح في الأرض حتى يصب في البحر، فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الانبساط. وأما قوله: إن الأسداد إذا كثرت فاض الماء على الأرض دفعة فليس كذلك. بل يصير الماء عند كسر كل سد من الأسداد في خليج، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلى ما على جانبه من الأراضي حتى يروى. فمن تلك الأراضي ما يروى سريعا، ومنها ما يروى بعد أيام، ومنها ما لا يروى لعلوه.
وأما قوله: إن جميع تلك المشارب تستد عند ابتداء صعود النيل ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل، ويكثر فيعم جميع أرضهم، ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه، فغير مسلم أن تكون السداد كما ذكر. بل أراضي مصر أقسام كثيرة منها: عالي لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة، ومنها: منخفض يروى من يسير الزيادة والأراضي متفاوتة في الارتفاع والانخفاض تفاوتا كثيرا. ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر الترع. وفي أسفل الأرض إلى عمل الجسور حتى يحبس الماء ليروي أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج. وإلا فهو يزيد أولا في غير سقي الأراضي حتى إذا اجتمع من زيادته المقدار الذي هو كفاية الأراضي في وقت خلو الأراضي من الغلال. وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح سد الخليج حتى يجري فيه الماء إلى حد معلوم، ووقف حتى يروي ما تحت ذلك الحد الذي وقف عنده الماء من الأرض.
ثم فتح ذلك الحد في يوم النيروز حتى يجري إلى حد آخر، ويقف عنده حتى يروي ما تحت هذا الحد الثاني من الأراضي، ثم يفتح هذا الحد في يوم عيد الصليب بعد النوروز بسبعة عشر يوما حتى يجري الماء، ويقف على حد ثالث حتى يروي ما تحت هذا الحد من الأراضي، ثم يفتح هذا الحد فيجري الماء، ويروي ما هنالك من الأراضي، ويصب في البحر الملح.
هذا هو الحال في سدود أراضي مصر وقوله: إن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنيس ودمياط فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع فنقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإن النيل عند مصبه بأعالي أسوان يكون أعلى منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة. فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل، وربما غلب ماء البحر ماء النيل في أيام نقصان النيل حتى يملح ماء النيل فيما بين دمياط وفارس كور.

(1/71)


وأما في أيام زيادة النيل، فإني شاهدت مصب النيل في البحر من دمياط وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه حتى صارا متمانعين عبرة لمن اعتبر. وقوله: إن الأسداد إذا فتحت علم أهل أسوان بذلك في الحال غير مسلم، بل لم نزل نشاهد النيل في الأعوام الكثيرة إذا فتح منه خليج أو انقطع مقطع فأغرق ماؤه أراضي كثيرة لا يظهر النقص فيه إلا فيما قرب من ذلك الموضع، وما برح المفرد يخرج من قوص ببشارة وفاء النيل. وقد أوفى عندهم ستة عشر ذراعا، فلا يوفي ذلك المقياس بمصر إلا بعد ثلاثة أيام ونحوها. وأما قوله: إن ما كان من النيل يمر ببلاد الحبشة يخالفه فليس كذلك، بل الزيادة في النيل أيام زيادته تكون ببلاد النوبة، وما وراءها في الجنوب كما تكون في أرض مصر، ولا فرق بينهما إلا في شيئين : أحدهما: أنه في أرض مصر يجري في حدود وهناك يتبدد على الأراضي، والثاني: أن زيادته تعتبر بالقياس في أرض مصر، وهناك لا يمكن قياسه لتبدده ومن عرف أخبار مصر علم أن زيادة ماء النيل تكون عن أمطار الجنوب.
ويقال: إن النيل ينصب من عشرة أنهار من جبل القمر المتقدم ذكره. كل خمسة أنهار من شعبة، ثم تتبحر تلك الأنهار العشرة في بحرين، كل خمسة أنهار تتبحر بحيرة بذاتها، ثم يخرج من البحيرة الشرقية بحر لطيف يأخذ شرقا على جبل قاقولي، ويمتد إلى مدن هناك، ثم يصب في البحر الهندي.
ويخرج من البحيرتين ستة أنهار من كل بحيرة ثلاثة أنهار، وتجتمع الأنهار الستة في بحيرة متسعة تسمى البطيحة، وفيها جبل يفرق الماء نصفين يخرج أحدهما من غرب البطيحة، وهو نيل السودان، ويصير نهرا يسمى بحر الدمادم، ويأخذ مغربا ما بين سمغرة وغانة على جنوبي سمغرة وشمالي غانة، ثم ينعطف هناك. منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة، ثم تمر على مدينة برنسة، وتأخذ تحت جبل في جنوبها خارج خط الاستواء إلى زفيلة، ثم تتبحر في بحيرة هناك وتستمر الفرقة الثانية مغربة إلى بلاد مالي والتكرور، حتى تنصب في البحر المحيط شمالي مدينة قلبتو، ويخرج النصف الآخر متشاملا آخذا على الشمال إلى شرقي مدينة حيما، ثم يتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرت. ثم ترجع جنوبا ثم تعطف شرقا بجنوب إلى مدينة سحرتة، ثم إلى مدينة مركة.
وينتهي إلى خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة، ويتبحر هناك بحيرة ويسمى: عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقي مدينة شيمي متشاملا آخذا على أطراف بلاد الحبشة، ثم يتشامل على بلاد السودان إلى مدينة دنفلة حتى يرمي على الجنادل إلى أسوان، وينحدر وهو يشق بلاد الصعيد إلى مدينة فسطاط مصر، ويمر حتى يصب في البحر الشامي، وقد استفيض ببلاد السودان أن النيل ينحدر من جبال سود يبين على بعد كأن عليها الغمام ثم يتفرق نهرين يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبي، والآخر يتصل إلى مصر حتى يصب في البحر الشامي. ويقال: إنه في الجنوب يتفرق سبعة أنهار تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع الأنهار السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا في بلاد السودان.
ذكر مقاييس النيل وزيادته
قال ابن عبد الحكم: أول من قاس النيل بمصر، يوسف عليه السلام، وضع مقياسا بمنف ثم وضعت العجوز. دلوكة ابنة زبا وهي صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا. وهو صغير الذرع، ومقياسا بحلوان، ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان، وهو صغير ووضع أسامة جم زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة، وهو أكبرها. قال يحيى بن بكير: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط.
وقال القضاعي: كان أول من قاس النيل بمصر، يوسف عليه السلام وبنى مقياسا بمنف وهو أول مقياس وضعه عليه السلام. وقيل: إن المنهل كان يقاس بمصر بأرض علوة إلى أن بنى مقياس منف.

(1/72)


وأن القبط كانت تقيس عليه إلى أن بطل ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بانصنا، وهو صغير الذرع وآخر بأخميم وهي التي بنت الحائط المحيط بمصر. وقيل: إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع المقياس بالرصاصة فلم يزل المقياس فيما مضى قبل الفتح بقيسارية الأكسية ومعالمه هناك إلى أن ابتنى المسلمون بين الحصن، والبحر أبنيتهم الباقية الآن. وكان للروم أيضا مقياس بالقصر خلف الباب يمنة من دخل منه في داخل الزقاق أثره قائم إلى اليوم وقد بني عليه وحواليه.
ثم بنى عمرو بن العاص عند فتحه مصر مقياسا بأسوان ثم بنى بموضع يقال له: دندرة، ثم بنى في أيام معاوية مقياس بانصنا، فلم يزل يقاس عليه إلى أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وكانت منزله، وكان هذا المقياس صغير الذرع. فأما المقياس القديم الذي بنى في الجزيرة فالذي وضعه أسامة بن زيد. وقيل: إنه كسر فيه ألفي أوقية، وهو الذي بنى بيت المال بمصر. ثم كتب أسامة بن زيد التنوخي، عامل خراج مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه، فكتب إليه سليمان بأن يبني مقياسا في الجزيرة فبناه في سنة سبع وتسعين، ثم بنى المتوكل فيها مقياسا في أول سنة سبع وأربعين ومائتين في ولاية يزيد بن عبد الله التركي على مصر. وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد وأمر بأن يعزل النصارى عن قياسه، فجعل يزيد بن عبد الله التركي على المقياس أبا الرداد المعلم واسمه: عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي الرداد المؤذن. كان يقول القمي : أصله بالبصرة قدم مصر وحدث بها وجعل على قياس النيل، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير في كل شهر فلم يزل المقياس من ذلك الوقت في يد أبي الرداد وولده إلى اليوم، وتوفي أبو الرداد سنة ست وستين ومائتين.
ثم ركب أحمد بن طولون سنة تسع وخمسين ومائتين، ومعه أبو أيوب صاحب خراجه، وبكار بن قتيبة القاضي فنظر إلى المقياس، وأمر بإصلاحه وقدر له ألف دينار فعمرو بني الحارث في الصناعة مقياسا وأثره باق لا يعتمد عليه.
وقال ابن عبد الحكم: ولما فتح عمرو بن العاص مصر، أتى أهلها إلى عمرو حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمر: وإن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى، وهو لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك فكتب إليه عمر: أن قد أصبت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة، فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب إلى عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، وأصبحوا يوم الصليب، وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليله، وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر.

(1/73)


وذكر بعضهم: أن جاحلا الصدفي هو الذي جاء ببطاقة عمر رضي الله عنه إلى النيل حين توقف، فجرى بإذن الله تعالى. وقال يزيد بن أبي حبيب: أن موسى عليه السلام دعا على آل فرعون، فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء، فطلبوا إلى موسى أن يدعو الله، فدعا الله رجاء أن يؤمنوا، وذلك ليلة الصليب، فأصبحوا، وقد أجراه الله في تلك الساعة ستة عشر ذراعا، فاستجاب الله بطوله لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيه موسى عليه السلام. قال القضاعي: ووجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال : لما فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل عن حده في مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعو إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه: إني وجدت ما تروي به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحد الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم، ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستئجار اثنا عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة هذا، والبلد في ذلك الوقت محفور الأنهار معقود الجسور عندما تسلموه من القبط، وخميرة العمارة فيه.
فاستشار أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، عليا رضي الله عنه في ذلك فأمره أن يكتب إليه أن يبني مقياسا وأن ينقص ذراعين من اثني عشر ذراعا، وأن يمر ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين، ففعل ذلك، وبناه بحلوان فاجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الإرجاف، وزوال ما منه كان يخاف بأن جعل الإثني عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون إصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أولها إلى الإثني عشر ذراعا يكون مبلغ الزيادة على الإثني عشر ثمانيا وأربعين إصبعا وهي الذراعان، وجعل الأربع عشرة ست عشرة والست عشرة ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين.
قال القضاعي: وفي هذا الحساب نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك: أن المقاييس القديمة الصعيدية من أولها إلى آخرها أربع وعشرون إصبعا، كل ذراع، والمقاييس الإسلامية على ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي بالجزيرة، وهو الذي هدمه الماء وبنى المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات وبنى المتوكل آخر بالجزيرة، وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدم ذكره.
قال ابن عفير عن القبط المتقدمين إذا كان الماء في اثني عشر يوما من مسرى اثنتي عشرة ذراعا فهي سنة ماء وإلا فالماء ناقص، وإذا تم ست عشرة ذراعا قبل النوروز فالماء يتم فاعلم ذلك. وقال أبو الصلت: وأما النيل وينبوعه فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ في التزايد في شهر أبيب، والمصريون يقولون: إذا دخل أبيب كان للماء لحبيب، وعند ابتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته، ويفسد. والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه آجنة يخالطها فيجتلبها معه إلى غير ذلك مما يحتمله فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا وزاد من السادس عشر إصبعا واحدا كسر الخليج، ولكسره يوم معدود، ومقام مشهود، ومجتمع خاص يحضره العام والخاص، فإذا كسر فتحت الترع وهي فوهات الخلجان ففاض الماء، وساح وغمر القيعان والبطاح، وانضم الناس إلى أعالي مساكنهم من الضياع والمنازل وهي على آكام وربا لا ينتهي الماء إليها ولا يتسلط السيل عليها، فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها ريثما يبلغ الحد المحدود في مشيئة الله عز وجل له، وأكثر ذلك يحوم حول ثماني عشرة ذراعا، ثم يأخذ عائدا في صبه إلى مجرى النيل ومسربه، فينضب أولا عما كان من الأرض عاليا ويصير فيما كان منها متطامنا، فيترك كل قرارة كالمرهم، ويغادر كل ملقة كالبرد المسهم.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية: وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي إصبع، وأول من وضعها أمير المؤمنين هارون الرشيد قدرها بذراع خادم أسود كان على رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذرع البز والتجارة والأبنية، وقياس نيل مصر.

(1/74)


وأكثر ما وجد في القياس من النقصان سنة سبع وتسعين ومائة وجد في المقياس تسعة أذرع وأحد وعشرون إصبعا. وأقل ما وجد منه سنة خمس وستين ومائة فإنه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع، وكثر ما بلغ في الزيادة سنة تسع وتسعين ومائة فإنه بلغ ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا، وأقل ما كان في سنة ست وخمسين وثلثمائة الهلالية فإنه بلغ اثني عشر ذراعا وتسع عشرة إصبعا، وهي أيام كافور الإخشيدي.
والمقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، وهذا العمود مفصل على اثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مفصل على أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع ما عدا الإثني عشر ذراعا الأولى، فإنها مفصلة على ثمان وعشرين إصبعا كل ذراع.
وقال المسعودي: قالت الهند: زيادة النيل ونقصانه بالسيول ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار.
وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته، ونقصانه من عيون كثرت واتصلت.
وقالت القبط: زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه يراها من سافر ولحق بأعاليه. وقيل: لم يزد قط وإنما زيادته بريح الشمال إذا كثرت، واتصلت تحبسه، فيفيض على وجه ا لأرض.
وقال قوم: سبب زيادته هبوب ريح تسمى ريح الملتن، وذلك أنها تحمل السحاب الماطر من خلف خط الاستواء فيمطر ببلاد السودان، والحبشة، والنوبة فيأتي مدده إلى أرض مصر بزيادة النيل، ومع ذلك فإن البحر الملح يقف ماؤه على وجه النيل، فيتوقف حتى يروي البلاد وفي ذلك يقول:
فاسمع فللسامع أعلى يدا ... عندي وأسمى من يد المحسن
فالنيل ذو فضل ولكنه ... الشكر في ذلك للملتن
ويبتدئ النيل بالتنفس، والزيادة بقية بؤنة وهو حزيران، وأبيب وهو تموز، ومسرى وهو آب، فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت كله، وهو أيلول إلى انقضائه. فإذا انتهت الزيادة إلى الذراع الثامن عشرة ففيه تمام الخراج وخصب الأرض وهو ضار بالبهائم لعدم الرعي والكلا.
وأتم الزيادات كلها العامة النفع للبلد كله سبعة عشر ذراعا وفي ذلك كفايتها وري جميع أرضها، وإذا زاد على ذلك، وبلغ ثمانية عشر ذراعا، وغلقها استبحر من أرض مصر الربع. وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرنا من الاستبحار، وإذا كانت الزيادة على ثمانية عشر ذراعا كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا.
وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز اثني عشر ذراعا، ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثنتي عشرة ذراعا، ثمان وعشرون أصبعا، ومن اثنتي عشرة ذراعا إلى ما فوق ذلك يكون الذراع أربعا وعشرين إصبعا، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا، والأذرع التي يستستقى عليها بمصر هي ذراعان تسميان منكرا ونكيرا، وهي الذراع الثالث عشر، والذراع الرابع عشر، فإذا انصرف الماء عن هذين الذراعين وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة استستقى الناس بمصر. فكان الضرر الشامل لكل البلدان، وإذا تم خمس عشرة ودخل في ست عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه وكان ذلك نقصا من خراج السلطان، والنبيذ يتخذ بمصر من ماء طوبة، وهو كانون الثاني بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون ماء النيل في ذلك الوقت، وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النيل في هذا الوقت، وفيه يخزن الماء أهل تنيس ودمياط وتونة وسائر قرى البحيرة.
وقد كانت مصر كلها تروي من ست عشرة ذراعا، غامرها وعامرها لما أحكموا من جسورها وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع، دخل خليج المنهي، وخليج الفيوم، وخليج سردوس، وخليج سخا.

(1/75)


قال: والمعمول عليه في وقتنا هذا، وهو سنة خمس وأربعين وثلثمائة إنه إن زاد على الستة عشر ذراعا أو نقص عنها نقص من خراج السلطان، وقد تغير في زماننا هذا عامة ما تقدم ذكره لفساد حال الجسور والترع والخلجان وقانون اليوم: أنه يزيد في القيظ إذا حلت الشمس برج السرطان والأسد والسنبلة حين تنقص عامة الأنهار التي في المعمور، ولذلك قيل: إن الأنهار تمده بمائها عند غيضها، فتكون زيادته وتبتدئ الزيادة من خامس بؤنة، وتظهر في ثاني عشره، وأول دفعه في الثاني من أبيب وتنتهي زيادته في ثامن بابه، ويؤخذ في النقصان من العشرين منه. فتكون مدة زيادته من ابتدائها إلى أن ينقص ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وهي: أبيب ومسرى وتوت وعشرون يوما من بابه، ومدة مكثه بعد انتهاء زيادته اثنا عشر يوما ثم يأخذ في النقصان.
ومن العادة أن ينادى عليه دائما في اليوم السابع والعشرين من بؤنة بعدما يؤخذ قاعه، وهو ما بقي من الماء القديم في ثالث عشر بؤنة، وبفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا وأدركت الناس يقولون: نعوذ بالله من إصبع من عشرين وكنا نعهد الماء إذا بلغ أصابع من عشرين ذراعا فاض ماء النيل، وغرق الضياع والبساتين وفارت البلاليع، وها نحن في زمن منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة إذا بلغ الماء في سنة إصبعا من عشرين لا يعم الأرض كلها لما قد فسد من الجسور، وكان إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة قانون النيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهي في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا، وكانوا يقولون: إذا زاد على ذلك ذراعا واحدة، زاد خراج مصر مائة ألف دينار لما يروي من الأراضي العالية، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية القصوى، فإن الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة اثنان وعشرون ذراعا في الصعيد الأعلى، فإن زاد على الثمانية عشر ذراعا واحدا نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من الأرض المنخفضة.
قال ابن ميسر في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وبلغ الماء الباب الجديد أول الشارع خارج القاهرة، وكان الناس يتوجهون إلى القاهرة من مصر من ناحية المقابر، فلما بلغ الخليفة الحافظ لدين الله أبا الميمون عبد المجيد بن محمد أن الماء وصل إلى الباب الجديد أظهر الحزن، والانقطاع فدخل إليه بعض خواصه، وسأله عن السبب، فأخرج له كتابا فإذا فيه: إذا وصل الماء بالباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد، ثم قال: هذا الكتاب الذي تعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا، وما يأتي بعدها فمرض الحافظ في آخر هذه السنة، ومات في أول سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وقال القاضي الفاضل: في متجددات سنة ست وسبعين وخمسمائة وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، وهو السادس عشر من مسرى. وفي النيل على ستة عشر ذراعا، وهو الوفاء ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدم، وهذا أيضا مما تغير فيه قانون النيل في زماننا فإنه صار يوفي في أوائل مسرى ولقد كان الوفاء في سنة اثنتي عشرة، وثمانمائة في اليوم التاسع والعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم، وهذا من أعجب ما يؤرخ في زيادات النيل، واتفق أن في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة تسع وسبعمائة، وفي النيل وكان ذلك اليوم التاسع عشر من بابه بعد النوروز بتسعة وأربعين يوما.
قال: وفي تاسع عشرة يعني شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. كسر بحر أبي المنجى وباشر الملك العزيز عثمان كسره وزاد النيل فيه إصبعا وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثمان عشرة ذراعا، وهذا الحد يسمى عند أهل مصر اللجة الكبرى. فانظر كيف يسمي القاضي الفاضل هذا القمر اللجة الكبرى، وإنه والعياذ بالله لو بلغ ماء النيل في سنة هذا القمر فقط لحل بالبلاد غلاء يخاف منه أن يهلك فيه الناس، وما ذاك إلا لما أهمل من عمل الجسورة ويحصل لأهل مصر بوفاء النيل ست عشرة ذراعا فرح عظيم، فإن ذلك كان قانون الري في القديم واستمر ذلك إلى يومنا هذا. ويتخذ ذلك البوم عيدا يركب فيه السلطان بعساكره، وينزل في المراكب لتخليق المقياس.

(1/76)


وقد ذكرنا ما كان في الدولة الفاطمية من الاهتمام بفتح الخليج عند ذكر مناظر اللؤلؤة. وقال بعض المفسرين رحمهم الله تعالى: إن يوم الوفا هو اليوم الذي وعد فرعون موسى عليه السلام بالاجتماع في قوله تعالى: " قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " طه59.
وقد جرت العادة أن اجتماع الناس للتخليق يكون في هذا الوقت. ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق في سيرة المعز لدين الله قال : وفي هذا الشهر، يعني شوال، سنة اثنتين وستين وثلثمائة منع المعز لدين الله من النداء بزيادة النيل، وأن لا يكتب بذلك إلا إليه، وإلى القائد جوهر، فلما تم أباح النداء، يعني لما تم ست عشرة ذراعا، وكسر الخليج فتأمل ما أبدع هذه السياسة، فإن الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته، أو زاد قليلا يقلقون، ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة، إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء. فإن زاد الماء انحل السعر وإلا كان الجدب والقحط ففي كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة، وأجل عائدة.
وقال المسبحي في تاريخ مصر : وخرج أمر صاحب القصر إلى ابن حيران بتحرير ما يستفتح به القياسون كلامهم إذا نادوا على النيل، فقال: نعم لا تحصى من خزائن الله لا تفنى زاد الله في النيل المبارك كذا، ومن عادة نيل مصر إذا كان عند ابتداء زيادته اخضر ماؤه، فتقول عامة أهل مصر: قد توحم النيل، ويرون أن الشرب منه حينئذ مضر. ويقال في سبب اخضراره: إن الوحوش سيما الفيلة ترد البطيحات التي في أعالي النيل، وتستنقع فيها مع كثرة عددها لشدة الحر هناك، فيتغير ماء تلك البطيحات، فإذا وقع المطر في الجهة الجنوبية في أوقاته عندهم تكاثرت السيول حينئذ في البطيحات، فخرج ما كان فيها من الماء الذي قد تغير، ومر إلى مصر، وجاء عقيبه الماء الجديد، وهو الزيادة بمصر وحينئذ يكون الماء محمرا لما يخالطه من الطين الذي تأتي به السيول فإذا تناهت زيادته غشي أرض مصر، فتصير القرى التي في الأقاليم فوق التلال والروابي، وقد أحاط بها الماء، فلا يتوصل إليها إلا في المراكب، أو من فوق الجسور الممتدة التي يصرف عليها إذا عملت كما ينبغي ربع الخراج ليحفظ عند ذلك ماء النيل حتى ينتهي ري كل مكان إلى الحد المحتاج إليه، فإذا تكامل ري ناحية من النواحي قطع أهلها الجسور المحيطة بها من أمكنة معروفة عند خولة البلاد، ومشايخها في أوقات محدودة لا تتقدم، ولا تتأخر عن أوقاتها المعتادة على حسب ما يشهد به قوانين كل ناحية من النواحي، فتروى كل جهة مما يليها مع ما يجتمع فيها من الماء المختص، ولولا إتقان ما هنالك من الجسور، وحفر الترع والخلجان لقل الانتفاع بماء النيل كما قد جرى في زماننا هذا. وقد حكى أنه كان يرصد لعمارة جسور أراضي مصر في كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم في القديم بها من أجل أنه يترتب على عملها ري البلاد الذي به مصالح العباد، وستقف إن شاء الله تعالى عن قريب على ما كان من أعمال القدماء، ومن بعدهم في ذلك، وكان للمقياس في الدولة الفاطمية رسوم لكنس مجاري الماء خمسون دينارا في كل سنة تطلق لابن أبي الرداد،
ذكر الجسر الذي كان يعبر عليه في النيل
اعلم أنه كان في النيل جسر من سفن فيما بين الفسطاط والجزيرة التي تعرف اليوم: بالروضة، وكان فيما بين الجزيرة، والجيزة أيضا جسر في كل جسر منهما ثلاثون سفينة.
ذكر ما قيل في ماء النيل من مدح وذم

(1/77)


قال الرئيس أبو علي ابن سينا عفا الله عنه، وقوم يفرطون في مدح النيل إفراطا شديدا، ويجمعون محامده في أربعة: بعد منبعه، وطيب مسلكه، وغمورته، وأخذه إلى الشمال عن الجنوب. فأخذه إلى الشمال عن الجنوب: ملطف لما يجري فيه من المياه، وأما غمورته فيشاركه فيها غيره. قال: فأفضل المياه مياه العيون، ولا كل العيون ولكن مياه العيون الحرة الأرض التي لا يغلب على تربتها شيء من الأحوال والكيفيات الغريبة أو تكون حجرية فتكون أولى بأن لا تعفن عفونة الأرضية لكن التي هي من طينة حرة خير من الحجرية، ولا كل عين حرة، بل التي هي مع ذلك جارية، ولا كل جارية بل الجارية المكشوفة للشمس، والرياح وإن هذا مما يكسب الجارية فضيلة. وأما الراكدة فربما اكتسبت بالكشف رداءة لا تكسبها بالغور والستر.
واعلم أن المياه التي تكون طيبة المسيل خير من التي تجري على الأحجار، فإن الطين ينقي الماء ويأخذ منه الممزوجات الغريبة ويروقه، والحجارة لا تفعل ذلك. لكنه يجب أن يكون طين مسيله حرا لا حمأة، ولا سبخة، ولا غير ذلك. فإن اتفق أن كان هذا الماء غمرا شديد الجرية يحيل بكثرة ما يخالطه إلى طبيعته. فإن كان يأخذ إلى الشمس في جريانه فيجري إلى المشرق، وخصوصا إلى الصيفي منه، فهو أفضل لا سيما إذا بعد جدا من ميدانه، ثم ما يتوجه إلى الشمال والمتوجه إلى المغرب والجنوب رديء خصوصا عند هبوب ريح الجنوب، والذي ينحدر من مواضع عالية مع سائر الفضل أفضل، وما كان بهذه الصفة كان عذبا يخيل، إنه حلو ولا يحتمل الخمر إذا مزج به منه إلا قليلا، وكان خفيف الوزن سريع البرد، والتسخين لتخلخله باردا في الشتاء حارا في الصيف لا يغلب عليه طعم ألبتة، ولا رائحة ويكون سريع الانحدار من الشراسيف سريعا لهري ما يهري فيه وطبخ ما يطبخ فيه.

(1/78)


قال الرئيس علاء الدين علي بن أبي الحرم بن نفيس في شرح القانون: هذه المحامد التي ذكرها ليست علامات للحمد بل هي من الأشياء الموجبة لكونه محمودا وأحد هذه الأربعة بعد منبعه، وقد بينا أن ذلك يوجب لطافة الماء بسبب كثرة حركته، واعلم أن منبع النيل من جبل يقال له جبل القمر، وهذا الجبل وراء خط الاستواء بإحدى عشرة درجة وثلاثين دقيقة، فماؤه أعظم دائرة في الأرض بثلاثمائة درجة وستين، وابتداء هذا الجبل من السادسة والأربعين درجة وثلاثين دقيقة من أول العمارة من جهة المغرب، وآخره عند آخر إحدى وستين درجة وخمسين دقيقة، فيكون امتداد هذا الجبل مقدار خمس عشرة درجة وعشرين دقيقة، مما به أعظم دائرة في الأرض ثلثمائة وستون درجة، ويخرج من هذا الجبل عشرة أنهار من أعين فيه ترمي كل خمسة منها إلى بحيرة عظيمة مدورة، وإحدى هاتين البحيرتين مركزها حيث البعد من ابتداء العمارة بالمغرب خمسون درجة، والبعد من خط الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة، ومركز الثانية حيث البعد عن أول العمارة بالمغرب سبع وخمسون درجة، وحيث البعد من خط الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة، وهاتان المحيرتان متساويتان وقطر كل واحدة منهما مقدار خمس درج، ويخرج من كل واحدة من البحيرتين أربعة أنهار ترمي إلى بحيرة صغيرة مدورة في الإقليم الأول بعد مركزها عن أول العمارة بالمغرب ثلاث وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعن خط الاستواء من الشمال درجتان من الإقليم الأول، ومقدار قطرها درجتان ويصب كل واحد من الأنهار الثمانية في بحيرة وفي، هذه البحيرة نهر واحد وهو: نيل مصر، ويمر ببلاد النوبة نهر آخر ابتداؤه من غير مركزها على خط الاستواء كبيرة مستديرة مقدار قطرها ثلاث درج وبعد مركزها من أول العمارة بالمغرب: ثلاث وأربعون درجة، ويلقي نهر هذه العين لنهر النيل حيث البعد من أول العمارة بالمغرب ثلاث وأربعون دقيقة، وإذا تعدى النيل مدينة مصر إلى بلد يقال له : شطنوف يفرق هناك إلى نهرين يرميان إلى البحر المالح أحدهما يعرف ببحر رشيد، ومنه يكون خليج الإسكندرية، وثانيهما يعرف ببحر دمياط، وهذا البحر إذا وصل إلى المنصورة تفرع منه نهر يعرف ببحر أشمون يرمي إلى بحيرة هناك. وباقيه يرمي إلى البحر المالح عند دمياط، وزيادة النيل هي من أمطار كثيرة ببلاد الحبشة، والله أعلم. واعلم أن الوزن من الدستورات المنتخبة من حال الماء فإن الأخف في أكثر الأحوال أفضل فهذا ما ذكره الرئيس ابن سيناء من صفات المياه الفاضلة، واعتبر ما قاله تجد ذلك قد اجتمع في ماء النيل.
فأوله أن ماء النيل عين تمر على أراضي حرة، ولا يغلب على تربه ما يمر به شيء من الأحوال والكيفيات الردية كمعادن النفط، والشب والأملاح والكباريت، ونحوها بل يمر على الأراضي التي تنبت الذهب بدليل ما يظهر في الشطوط من قراضات الذهب، وقد عانى جماعة تصويل الذهب من الرمل المأخوذ من شطوط النيل فربحوا منه مالا وفضيلة كون الذهب في المال لا تنكر.
الثاني: أن النيل في جريانه أبدا مكشوف للشمس والرياح.
الثالث: أن طينه من طين مسيل مياه مجتمعة من أمطار تمر على أراضي حرة، ويظهر لك ذلك من عطرية روائح الطين إذا نديته بماء.
الرابع: غمورة ماء النيل، وشدة جريته التي تكاد تقصف العمد إذا اعترضتها، وتدفع الأثقال العظيمة إذا عارضتها.
الخامس: بعد مبدأ خروجه من مصبه في البحر المالح، وقد تقدم من طول مسافته ما لا نجده في نهر غيره من أنهار المعمور.
السادس : انحداره من علو فإن الجنوب مرتفع عن الشمال لا سيما إذا صار إلى الجنادل انحط من أعلى جبل مرتفع إلى وادي مصر.
وذكر ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث من حديث جرير بن عبد الله البجلي حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منزله ببلنسة فذكره إلى أن قال: وماؤنا يمتنع أن يجري من علو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خير الماء السنم " أي ما كان ظاهرا على وجه الأرض والسنم: الماء على وجه الأرض، وكل شيء علا شيئا فقد تسنمه مأخوذ من سنام البعير لعلوه. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: " ومزاجه من تسنيم " المطففين27، أي يمزج بما ينزل من علو.
السابع: أنه يمر من الجنوب إلى الشمال فتستقبله ريح الشمال الطيبة دائما.

(1/79)


الثامن: من خفته في الوزن، وقد اعتبر ذلك غير مرة مع غيره من المياه فخف عنها في الوزن.
التاسع: عذوبة طعمه وحسن أثره في هضم الغذاء وأحداره عن المعدة بحيث إنه يحدث بعد شربه جشاء، وهذه صفات إن كنت ممن مارس العلم الطبيعي، وعرف الطب فإنه يعظم عندك قدر ماء النيل، وتبين لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه.
ويقال: إن ذا القرنين كتب كتابا فيه ما شاهده من عجائب الدنيا فضمنه كل أعجوبة، ثم قال في آخره: وليس ذلك بعجب بل العجب نيل مصر، وقال بعض الحكماء : لولا ما جعل الله في نيل مصر من حكمة الزيادة في زمن الصيف على التدريج حتى يتكامل ري البلاد، وهبوط الماء عنها عند بدء الزراعة لفسد إقليم مصر، وتعذر سكناه لأنه ليس فيه أمطار كافية، ولا عيون جارية تعم أرضه إلا بعض إقليم الفيوم، ولله در القائل:
واها لهذا النيل أي عجيبة ... بكر بمثل حديثها لا يسمع
يلقي الثرى في العام وهو مسلم ... حتى إذا ما مل عاد يودع
مستقبل مثل الهلال فدهره ... أبدا يزيد كما يريد ويرجع
وقال آخر:
كأن النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه
فيأتي حين حاجتهم إليه ... ويمضي حين يستغنون عنه
وقال تميم بن المعتمر:
يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر
والسفن تجري كالخيول بنا ... صعدا وجيش الماء منحدر
وكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر
وقال أيضا:
أما ترى الرعد بكى واشتكى ... والبرق قد أومض واستضحكا
فاشرب على غيم بصنع الدجى ... يضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل في مده ... كأنما صندل أو مصطكا
وقال آخر:
والله مجرى النيل منه إذا الصبا ... أرينا به من برها عسكرا بحرا
بشط بنهر السمهرية دبلا ... وموج بنهر البيض هندية بترا
إذا مر حاكى الورد غضا وإن صفا ... حكى ماءه لونا ولو بعده مرا
وقال أبو الحسن محمد بن الوزير في تدريج زيادة النيل وعظم منفعته:
أرى أبدا كثيرا من قليل ... وبحرا في الحقيقة من هلال
فلا تعجب فكل خليج ماء ... بمصر مسيب بخليج مال
زيادة أصبع في كل يوم ... زيادة أذرع في حسن حال
وقال الشهاب أحمد بن فضل الله العمري:
بمصر فضل باهر ... لعيشها الرغد النضر
في سفح روض يلتقي ... ماء الحياة والخضر
وقال ابن قلاقس:
انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وألقت شعاعا منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق
وللهلال فها وافى لينفدها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق
وقال بشر الملك ابن المنجم:
يا رب سامية في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرض من الأفق
حيث العشية في التمثيل معترك ... إذا رآها جبان مات للفرق
للشمس غاربة للغرب ذاهبة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق
وللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقى في دم الشفق
وقال القاضي الفاضل رحمه الله تعالى عليه: وأما النيل، فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذراع، فكأنما غار على الأرض، فغطاها وأغار عليها فاستقعدها، وما تخطاها فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إياه.
ونيل مصر: مخالف في جريه لغالب الأنهار، فإنه يجري من الجنوب إلى الشمال وغيره، ليس كذلك إلا نهران فإنهما يجريان كما يجري النيل، وهما نهر مكران بالسند ونهر الأريط، وهو الذي يعرف اليوم بنهر العاصي في حماه إحدى مدائن الشام. وقد عاب ماء النيل قوم.

(1/80)


قال أبو بكر ابن وحشية في كتاب الفلاحة النبطية: وأما ماء النيل فمخرجه من جبال وراء بلاد السودان يقال لها جبال القمر، وحلاوته وزيادته يدلان على موقعه من الشمس أنها أحرقته لا كل الإحراق، بل أسخنته إسخانا طويلا لينا لا تزعجه الحرارة، ولا تقوى عليه بحيث تبدد أجزاءه الرطبة وتبقى أجزاءه الراسخة، بل يعتدل عليه فصار ماؤه لذلك حلوا جدا، وصار كثرة شربه يعفن البدن، ويحدث البثور، والدماميل والقروح، وصار أهل مصر - الشاربون منه دمويين محتاجين إلى استفراغ الدم عن أبدانهم في كل مدة قصيرة، فمن كان عالما منهم بالطبيعة، فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النيل، وإلا فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وانتشار البثر والدماميل.
وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه قد صير له الطبخ قواما هو أثخن من قوام الماء، فصار إذا خالط الطعام في الأبدان كثر فيها الفضول الردية العفنة، فيحدث من ذلك ما ذكرناه. ودواء أهل مصر الذي يدفع عنهم ضرر ماء النيل، إدمان شرب ربوب الفاكهة الحامضة القابضة، وأخذ الأدوية المستفرغة للفضول ولو زادت حرارة الشمس على ماء النيل، وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماء البحار الراكدة التي لا حركة لها إلا وقت جزر البحر، وهبوب الرياح، وهو أوفق للزروع والمنابت من الحيوان.
وقال ابن رضوان : والنيل يمر بأمم كثيرة من السودان، ثم يصير إلى أرض مصر، وقد غسل ما في بلاد السودان من العفونات، والأوساخ ويشق مارا بوسط أرض مصر من الجنوب إلى الشمال إلى أن يصب في بحر الروم. ومبدأ زيادته في فصل الصيف، وتنتهي زيادته في فصل الخريف، ويرتقي في الجو منه في أوقات مدة رطوبات كثيرة بالتحلل الخفي، فيرطب ذلك يبس الصيف، والخريف، وإذا مد النهر فاض على أرض مصر فغسل ما فيها من الأوساخ نحو جيف الحيوانات، وأزبالها وفضول الآجام، والنبات ومياه النقاع، وأحدر جميع ذلك معه،. وخالطه من تراب هذه الأرض، وطينها مقدار كثير من أجل سخافتها وباض فيه من السمك الذي تربى فيه وفي مياه النقائع، ومن قبل ذلك تراه في أول مدة يخضر لونه بكثرة ما يخالطه من مياه النقائع العفنة التي قد اجتمع فيها العرمض، والطحلب واخضر لونها من عفنها ثم يتعكر حتى يصير آخر أمره مثل الحمأة، وإذا صفا اجتمع منه في الإناء طين كثير، ورطوبة لزجة لها سهوكة، ورائحة منكرة. وهذا من أوكد الأشياء في ظهور رداءة هذا الماء، وعفنه.
وقد بين بقراط وجالينوس: أن أسرع المياه إلى العفن ما لطفته الشمس بمياه الأمطار ومن شأن هذا الماء أن يصل إلى أرض مصر، وهو في الغاية من اللطافة من شدة حرارة بلاد السودان، فإذا اختلط به عفونات أرض مصر زاد ذلك في استحالته، ولذلك يتولد منه من أنواع السمك شيء كثير جدا فإن فضول الحيوانات والنبات وعفونة هذا الماء، وبيض السمك يصير جميعها موادا في تكون هذه الأسماك.
كما قال أرسطاطالس في كتاب الحيوان: وذلك شيء ظاهر للحس فإن كل شيء يتعفن يتولد من عفونته الحيوان، ولهذا صار ما يتولد من الدود، والفأر والثعابين والعقارب والزنابير والذباب، وغيرها بأرض مصر كثيرا، فقد استبان أن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرطوبة الفضلية. وإنها ذات أجزاء كثيرة، وإن هواءها وماءها رديان، وربما انقطع النيل في آخر الربيع وأول الصيف من جهة الفسطاط. فيعفن بكثرة ما يلقي فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن يصير له رائحة منكرة محسوسة. وظاهر أن هذا الماء إذا صار على هذه الحالة غير مزاج الناس تغيرا محسوسا، وينبغي أن يستقي ماء النيل من الموضع الذي فيه جريه أشد، والعفونة فيه أقل، ويصفي كل إنسان هذا الماء بحسب ما يوافق مزاجه. أما المحرورون في أيام الصيف فبالطباشير، والطين الأرمني، والمغرة والنبق المرضوض، والزعرور المرضوض، والخل. وأما المبرودون في أيام الشتاء فباللوز المر، داخل نوى المشمش، والصعتر والشب. وينبغي أن ينظف ما يروق ويشرب وإن شئت أن تصفيه بأن تجعله في آنية الخزف، والفخار والجلود، وما يمصل من ذلك بالرشح، وإن شئت طبخته بالنار، وجعلته في هواء الليل حتى يروق، ثم نظفت منه ما يروق واستعملته.

(1/81)


وإذا ظهرت فيه كيفيات رديئات فاطبخه بالنار ثم برده تحت السماء في برودة الليل، وصفه بأخلاط الأدوية التي ذكرتها وأجود ما اتخذ هذا الماء أن يصفى مرارا، وذلك بأن يسخنه أو يطبخه، ثم يبرده في هواء الليل، ويقطف ما يروق منه فتصفيه أيضا ببعض الأدوية ثم تأخذ ما يروق فتجعله في آنية تمصل في برد الليل، وتأخذ الرشح فتشربه، واجعل آنية هذا الماء في الصيف الخزف، والفخار المعمولين في طوبة والظروف الحجرية، والقرب ونحوها مما يبرد. وفي الشتاء الآنية الزجاج والمدهون، وما يعمل في الصيف من الفخار، والخزف ويكون موضعه في الصيف تحت الأسراب وفي مخاريق ريح الشمال، وفي الشتاء بالمواضع الحارة، ويبرد في الصيف بأن يخلط معه ماء الورد، ويؤخذ خرقة نظيفة ويشد فيها طباشير وبزر رجلة أو خشخاش أبيض أو طين أرمني، أو مغرة ويلقي فيه كيما يأخذ من بردها، ولا يخالطه جسمها، وتغسل ظروفه في الصيف بالخزف المدقوق وبدقيق الشعير، والباقلاء والصندل.
وفي الشتاء بالأشنان والسعد ويبخر بالمصطكى، والعود. وأردأ ما يكون ماء النيل بمصر عند فيضه، وعند وقوف حركته، فعند ذلك ينبغي أن يطبخ ويبالغ في تصفيته بقلوب نوى المشمش وسائر ما يقطع لزوجته. وأجود ما يكون في طوبة عند تكامل البرد، ومن أجل هذا عرفت المصريون بالتجربة أن ماء طوبة أجود المياه حتى صار كثير منهم يخزنه في القوارير الزجاج والصيني ويشربه السنة كلها، ويزعم أنه لا يتغير وصاروا أيضا لا يصفونه في هذا الزمان لظنهم أنه على غاية الخلاص، وأما أنت فلا تسكن إلى ذلك وصفه على أي حالة كان فالماء المخزون لا بد أن يتغير فهذا ما عندي من ذم ماء النيل. وحاصله: أن الماء تتغير كيفيته بما يمر عليه، لا أن ذاته ردية، فلا يهولنك ما تسمع، فما الأمر إلا ما قلت لك، وإذا كان الضرر بحسب ما تغير من كيفيته لا من كميته، فقد عرفت ما تعالجه به كي يزول ما يخالطه من الكيفيات الردية، والله الموفق بمنه وكرمه.
ذكر عجائب النيل
ومن عجائب النيل فرس البحر. قال عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب أخبار النوبة: ومسافة ما بين دنقلة إلى أول بلد علوة أكثر مما بين دنقلة وأسوان، وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر، والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم. أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام.
وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام فيها الحيات والوحوش والسباع، ومفاوز يخاف فيها العطش، وماء النيل ينعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس، وإلى مغربها مسافة أيام حتى يصير الصعيد كالمنحدر، وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف بالشتكة وهي بلد معروف بشنقير، ومنه يخرج القمري وفرس البحر يكثر في هذا الموضع.
وحدثني سيمون صاحب عهد علوة أنه أحصى في جزيرة سبعين دابة منها، وهي من دواب الشطوط في خلق الفرس في غلظ الجاموس قصيرة القوائم لها خف، وهي في ألوان الخيل بأعراف وآذان صغار كآذان الخيل، وأعناقها كذلك، وأذنابها مثل أذناب الجواميس، ولها خرطوم عريض يظن الناظر إليها أن عليها مخلاة لها صهيل وأنياب لا يقوم حذاءها تمساح، وتعترض المراكب عند الغضب فتغرقها ورعيها في البر العشب، وجلدها فيه متانة عظيمة يتخذ منه دبابيس، انتهى.
وهو كفرس البر إلا أنه أكبر عرفا وذنبا وأحسن لونا وحافره مشقوق كحافر البقر، وجثته أكبر من الحمار بقليل، وهو يأكل التمساح أكلا ذريعا، ويقوى عليه قوة ظاهرة، وربما خرج من الماء ونزا على فرس البر، فيتولد بينهما فرس في غاية الحسن.
واتفق أن بعض الناس نزل على طرف النيل ومعه حجرة، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض، فنزا على الحجرة، فحملت منه، وولدت مهرا عجيب الصورة، فطمع في مهر آخر. فجاء بالحجرة والمهر إلى ذلك الموضع، فخرج الفرس من الماء، وشم المهر ساعة، ثم وثب إلى الماء، ومعه المهر فصار الرجل يتعهد ذلك المكان كثيرا فلم يعد الفرس ولا المهر إليه.

(1/82)


قال المسعودي: وفي نيل مصر وأرضها عجائب كثيرة من الحيوانات، فمن ذلك السمك المعروف بالرعاد والواحدة نحو الذراع إذا وقعت في شبكة الصياد ارتعدت يده، وعضده، فيعلم بوقوعها فيبادر إلى أخذها، وإخراجها من شبكته ولو أمسكها بخشب أو قصب فعلت ذلك. وقد ذكرها جالينوس أنها إن جعلت على رأس من به صداع شديد أو شقيقة وهي في الحياة هدأ من ساعته.
قال ابن البيطار عن جالينوس: هو الحيوان البحري الذي يحدث الخدر، وزعم قوم أنه أدنى من رأس من يشتكي الصداع سكن صداعه، وإن أدنى من مقعدة من انقلبت مقعدته أصلحها، ولكن أنا جربت الأمرين جميعا فلم أجد يفعل ولا واحدا منهما، ففكرت أني أدنيته من رأس المصدوع والحيوان ما هو حي لأنني ظننت أنه على هذه الحال يكون دواء يمكن أن يسكن الصداع بمنزلة الأدوية، فوجدته ينفع ما دام حيا. قال ديسقوريدوس: هو سمكة بحرية مخدرة إذا وضعت على الرأس الذي عرض له الصداع المزمن سكن شدة وجعه، وإذا احتمله ذو المقعدة التي تبرز إلى خارج أصلحها.
وقال يونس: الزيت الذي يطبخ فيه يسكن أوجاع المفاصل الحريفة إذا دهنت به.
قال ابن البيطار: رأيت بساحل مدينة مالقة من بلاد الأندلس سمكة عريضة لون ظاهرها لون رعاد مصر سواء، وباطنها أبيض، وفعلها في تخدير ماسكها كفعل رعاد مصر، أو أشد إلا أنها لا تؤكل ألبتة. وقال بعضهم: إذا علقت المرأة شيئا من الرعاد عليها لم يطق زوجها البعد عنها، وكذلك إن علق منها الرجل عليه لم تكد المرأة أن تفارقه.
والسقنقور: هو صنف يتوالد من السمك، والتمساح فلا يشاكل السمك، لأن له يدين ورجلين، ولا يشاكل التمساح لأن ذنبه أجرد أملس عريض غير مضرس، وذنب التمساح سخيف مضرس، ويتعالج بشحم السقنقورا للجماع، ولا يكون بمكان إلا في النيل، وفي نهر مهران من أرض الهند، وقد بلغني أن أقواما شووها وأكلوا منها فماتوا كلهم في ساعة واحدة.
والسقنقور قال ابن سيناء: هو ورن يصاد من نيل مصر. يقولون: إنه من نسل التمساح، وأجود ما يصطاد في الربيع. وقال آخر: إنه فرخ التمساح فإذا خرج من البيض فما قصد الماء صار تمساحا، وما فصد الرمل صار سقنقورا.

(1/83)


وقال ابن البيطار: هو جنس من الجراد يحفف في الخريف إذا شرب منه وزن درهمين من المرضع الذي يلي كلاه بشراب أنهض الجماع، وهو شديد الشبه بالورن. يوجد بالرمال التي تلي نيل مصر في نواحي صعيدها، وهو مما يسعى في البر، ويدخل في الماء يعني النيل، ولهذا قيل له: الورن المائي لشبهه به، ولدخوله في الماء وهو يتولد من ذكر وأنثى، ويوجد للذكر خصيتان كخصيتي الديك في خلقهما وموضعهما، وإنانة تبيض فوق العشرين بيضة وتدفنها في الرمل، وللذكر من السقنقور إحليلان، وللأنثى فرجان، والسقنقور يعض الأنسان، ويطلب الماء فإن وجده دخل فيه وإن لم يجده بال، وتمرغ في بوله، وإذا فعل ذلك مات المعضوض لوقته وسلم السقنقور، فإن اتفق أن سبق المعضوض إلى الماء فدخله تبل دخول السقنقور الماء وتمرغه في بوله مات السقنقور لوقته وسلم المعضوض. والأفضل الذكر منه والأبلغ في نفع الباه بل هو المخصوص بذلك دون الأنثى. والمختار من أعضائه ما يلي أصل ذنبه ومحاذى سرته، والوقت الذي يصاد فيه : الربيع فإنه يكون فيه هائجا للسفاد، فيكون في هذا الوقت أبلغ نفعا فإذا أخذ ذكى في يوم صيده فإنه إن ترك حيا زال شحمه، وهزل لحمه، وضعف فعله، ثم يقطع رأسه وطرف ذنبه من غير استئصال ويشق جوفه طولا ويلقي ما فيه إلا كلاه، وكيسه فإذا نظف حشي ملحا وخيط الشق، وعلق منكوسا في ظل معتدل الهواء حتى يجف ويؤمن فساده، ثم يرفع في إناء متخرق للهواء كالسلال المضفورة من قضبان شجر الصفصاف، والخوص ونحوه إلى وقت الحاجة. ولحمه طريا حار رطب والمجفف أشد حرارة، وأقل رطوبة ولا يوافق استعماله من مزاجه حار يابس. وإنما يوافق ذوي الأمزجة الباردة الرطبة، وخاصة لحمه وشحمه. إنهاض شهوة الجماع، ويهيج الشبق ويقوي الإتعاظ، وينفع أمراض العصب الباردة وخاصة ما يلي سرته، ويحاذي ذنبه وينفع مفردا ومركبا، واستعماله مفردا أبلغ والمقدار منه بعد تجفيفه من مثقال إلى ثلاثة مثاقيل بحسب السن، والمزاج والبلد والوقت الحاضر يسحق ويذاب بشراب أو ماء العسل، أو نقيع الزبيب أو يذر على صفرة بيض الدجاج التيمرشت ويتحسى، وكذلك يفعل بلحمه، إذا أخذ منه من درهم إلى درهمين، وذر على صفرة البيض بمفرده أو مع مثله بزر جرجير مسحوق، ولا يوجد السقنقور إلا في بلاد الفيوم خاصة وأكثر صيده في الأربعينات إذا اشتد البرد، وخرج من الماء إلى البر فحينئذ يصاد.
وقال المسعودي: والفرس الذي يكون في نيل مصر إذا خرج من الماء وانتهى وطؤه إلى بعض المواضع من الأرض، علم أهل مصر أن النيل يزيد إلى ذلك الموضع بعينه غير زائد عليه، ولا مقصر عنه لا يتخلف ذلك عندهم لطول العادات، والتجارب وفي ظهوره من الماء ضرر بأرباب الأرض والغلات لرعيه الزرع، وذلك أنه يظهر من الماء في الليل، فينتهي إلى موضع من الزرع ثم يولي عائدا إلى الماء، فيرعى في حال رجوعه من الموضع الذي انتهى إليه مسيره، ولا يرعى من ذلك الذي قد رعاه شيئا في ممره، وإذا رعى ورد الماء وشرب ثم قذف ما في جوفه في مواضع شتى فينبت ذلك مرة ثانية، وإذا كثر ذلك من فعله واتصل ضرره بأرباب الضياع طرحوا له من الترمس في الموضع الذي يعرف خروجه منه مكاكي كثيرة مبدرا مبسوطا فيكله ثم يعود إلى الماء، فإذا شرب منه ربا الترمس في جوفه وانتفخ، فينشق جوفه منه، ويموت ويطفو على الماء، ويقذف به إلى الساحل والموضع الذي يرى فيه لا يرى به تمساح، وهو على صورة الفرس إلا أن حوافره وذنبه بخلاف ذلك، وجبهته واسعة.
وقال المسبحي : إن الصنف المعروف بالبلطي من أصناف السمك أول ما عرف بنيل مصر في أيام الخليفة العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله - ولم يكن يعرف قبله في النيل، وظهر في أيامه أيضا سمك يعرف باللبيس، وإنما سمي باللبيس لأنه يشبه البووي الذي بالبحر الملح، فالتبس به وغالب الظن أنها من أسماك البحر الملح دخلت في الحلو.
ومن حيوان البحر: التمساح. قال ابن البيطار: التمساح حيوان معروف يكون في الأنهار الكبار. وفي النيل كثيرا ويوجد في نهر مهران، وقد يوجد في بلاد السودان، وهو الورن النيلي.

(1/84)


وقال ابن زهران : كل حيوان يحرك فكه الأسفل إذا أكل ما خلا التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى دون الأسفل وشحم التمساح إذا عجن بالسمن، وجعل فيه فتيلة وأسرج في نهر أو أجمة لم ينعق ضفادعها، ما دامت تقد، وإن طيف بجلد تمساح حول قرية، ثم علق على سطح دهليز لم يقع البرد في تلك القرية، وإذا عض التمساح إنسانا فوضع على العضة شحم التمساح برأ من ساعته، وإن لطخ بشحمه جبهة كبش نطاح نفر كل كبش يناطحه، وهرب منه. ومرارته يكتحل بها للبياض في العين فيذهبه، وكبده ينجر بها المجنون فيبرأ، وزبل التمساح يزيل البياض من العين الحديث والقديم، وإن قلعت عيناه وهو حي وعلقت على من به جذام أوقفه، ولم يزد عليه شيء، وإن علق شيء من التي بجانب الأيمن رجل زاد في جماعه، وعينه اليمنى لمن يشتكي عينه اليمنى، وعينه اليسرى لمن يشتكي عينه اليسرى، وشحمه إذا أذيب بدهن ورد نفع من وجع الصلب والكليتين وزاد في الباه، وإذا أخذ دم التمساح وخلط به هليلج وأملج وطلي به على الوضح أذهبه، وغير لونه، وإذا طلي به على الجبهة والصدغين نفع من وجع الشقيقة، وإذا أكل لحمه اسفيدباجا سمن البدن النحيف، وشحمه إذا قطر بعد أن يذاب في الأذن الوجعة نفعها، وإن أدمن تقطيره في الأذن نفع من الصمم، وإذا دهن به صاحب حمى الربع سكنت عنه، ولحمه رديء الكيموس.
وقال المسعودي: وكذلك التمساح آفته من دويبة تكون في سواحل النيل وجزائره، وهو أن التمساح لا دبر له وما يأكله يتكون في بطنه دودا، فإذا أذاه ذلك خرج إلى البر فاستلقى على قفاه فاغرا فاه فينقض إليه طير الماء، وقد اعتاد ذلك منه، فيأكل ما يظهر من جوفه من ذلك الدود العظيم وتكون تلك الدويبة قد كمنت في الرمل فتثب إلى حلقه وتصير إلى جوفه وتخرج فيخبط بنفسه إلى الأرض ويطلب قعر النيل حتى تأتي الدويبة على حشو جوفه، ثم تخرق جوفه وتخرج. وربما قتل نفسه قبل أن تخرج فتخرج بعد موته، وهذه الدويبة تكون نحو الذراع على صورة ابن عرس ذات قوائم شتى ومخالب. ويقال: إن بجبال فسطاط مصر طلسم معمول بها، وكان التمساح لا يستطيع القرب حوله بل كان إذا بلغ حدوده انقلب، واستلقى على ظهره فيعبث به الصبيان إلى أن يجاوز نهاية المدينة، ثم يعود مستويا ويعود إلى طباعه، ثم إن هذا الطلسم كسر فبطل فعله، ويقال: إن التمساح يبيض كبيض الأوز، وربما تولد فيه جرادين صغار ثم تكبر حتى يبلغ طولها عشرة أذرع، وتزداد طولا كلما عمرت، والتمساح يرتعش ستين مرة في حركة واحدة ومحل واحد، وسنه اليسرى نافعة للنافض.
تقدمة المعرفة بحال النيل
في كل سنة
قال ابن رضوان في شرح الأربع: وقد يحتاج أمر النيل إلى شروط. منها: أن تكون الأمطار متوالية في نواحي الجنوب قبل مدة، وفي وقت مده، ولذلك وجب أن يكون النيل متى كانت الزهرة وعطارد مقترنين في مدخل الصيف، كثير الزيادة لرطوبة الهواء، ومتى كان المريخ، أو بعض المنازل في ناحية الجنوب في مدخل الربيع أو الصيف كان قليلا لقلة الأمطار في تلك الناحية، ومنها: أن تكون الرياح شمالية لتوقف جريه.
فأما الجنوبية: فإنها تسرع انحداره ولا تدعه يلبث فإذا علمت ما يكون في ناحية الجنوب من كثرة الأمطار أو قلتها وفي ناحية مصر من هبوب مصر في فصلي الربيع والصيف، فقد علمت حال النيل كيف يكون، وتعلم من حاله ما يعرض بمصر من الخصب والجدب.
وقال أبو سامر بن يونس المنجم عن بطليموس : إذا أردت أن تعلم مقدار النيل في الزيادة والنقصان، فانظر حين تحل الشمس برج السرطان إلى الزهرة، وعطارد، والقمر، فإن كانت أحوالها جيدة وهي برية من النحوس، فالنيل يمتد وتبلغ الحاجة به وإن كانت أحوالها بخلاف ذلك وهي ضعيفة فانكس القول فإن ضعف بعضها وصلح البعض توسط الحال في النيل، والضابط أن قوة الثلاثة تدل على تمام النيل، وضعفها على توسطه، وانتحاسها أو احتراقها أو وقوعها في بعدها الأبعد من الأرض على النقص، وإنه قليل جدا إلا أن احتراق الزهرة في برج الأسد يستنزل الماء من الجنوب.

(1/85)


وقال أبو معشر: ينظر عند انتقال الشمس إلى برج السرطان للزهرة وعطارد والقمر، فإن كانت في سيرها الأكبر فإن زيادة النيل عظيمة، وإن كانت في سيرها الأوسط فاعرف كم أكثر مسيرها، وكم أقله وأنسبه بحسب ما تراه، وإن كانت بطيئة السير فزيادة النيل قليلة، وإن اختلف مسير هذه الثلاثة فكان بعضها في مسيره الأكبر، وبعضها بطيء السير، فغلب أقواها وأمزج الدلالة وقل بحسب ذلك.
وقالت القبط: ينظر أول يوم من شهر برمودة ما الذي يوافقه من أيام الشهر العربي، فما كان من الأيام فزد عليه خمسة وثمانين، فما بلغ خذ سدسه فإنه يكون عدد مبلغ النيل من الأذرع في تلك السنة.
قالوا: ومن المعتبر أيضا في أمر النيل أن تنظر اليوم الذي تفطر فيه النصارى اليعاقبة بمصر وما بقي من الشهر العربي فزد عليها أربعا وثلاثين، فما بلغ أسقطه اثني عشر فإن بقي بعد ذلك الإسقاط من العدد زيادة على اثني عشر، فهو زيادة النيل من الأذرع في تلك السنة، مع الإثني عشر وإن بقي اثني عشر فهي سنة رديئة. قالوا: وإذا كان العاشر من الشهر العربي موافقا لشهر أبيب، والقمر في برج العقرب، فإن كان مقارنا لقلب العقرب كان النيل مقصرا وإلا فهو جيد. قالوا: وينظر أول يوم من بؤنة فإن هبت الريح شمالا في بكرة النهار كان النيل عاليا، وإن هبت وسط النهار فإنه متوسط، وإن هبت آخر النهار كان نيلا قاصرا، وإن لم تهب لم يطلع تلك السنة. وقيل: يعتبر هكذا أول خميس من بؤنة.
ومن المعتبر الذي جربته أنا سنين، وأخبرني بعض شيوخنا: أنه جربه وأخبره به من جربه فصح أن ينظر أول يوم من مسرى كم مبلغ النيل، فزد عليه ثمانية أذرع، فما بلغ فهو زيادة النيل في تلك السنة، ومما اشتهر عند أهل مصر وجربته أيضا، فصح أن يؤخذ قبل عيد ميكائيل بيوم في وقت الظهر من الطين الذي مر عليه ماء النيل قطعة زنتها ستة عشر درهما سواء، وترفع في إناء مغطى إلى بكرة يوم عيد ميكائيل وتوزن فما زاد على وزنها من الخراريب كان مبلغ النيل في تلك السنة بقدر عدد تلك الخراريب لكل خروبة ذراع، ومن ذلك أخذ شيء من دقيق القمح، وعجنه بماء النيل في إناء فخار، وقد عمل من طين مر عليه النيل، وتركه مغطى طول ليلة عيد ميكائيل، فإذا وجد بكرة يوم العيد قد اختمر بنفسه، كان النيل تاما وافيا، وإن وجده لم يختمر دل على قصور هذا النيل، ثم ينظرون مع ذلك بكرة يوم عيد ميكائيل إلى الهواء، فإن هبت طيابا فهو نيل كبير، وإن هبت غير طياب فهو نيل مقصر، لا سيما إن هبت مريسيا فإنه يكون نيلا غير كاف، والشأن عندهم إنما هو في دلالة العلامات الثلاث على شيء واحد، فأما إذا اختلف فالحكم لا يكاد يصح.
وقال أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية، وذكر أصحاب التجارب: أنه إذا تقدم فعمد إلى لوح وزرع عليه من كل زرع ونبات حتى إذا كانت الليلة الخامسة والعشرون من شهر تموز أحد شهور الروم وهي آخر أيام الباحور، ثم وضع اللوح بارزا لطلوع الكواكب، وغروبها لا يحول بينه وبين السماء شيء، فإن كل ما لا يزكو في تلك السنة من الزروع يصبح أصفر، وما يصلح ريعه منها يبقى أخضر، وكذلك كانت القبط تفعل ذلك وقد جربت أنا على ما أفادنيه بعض الكتاب أنه إذا حصل مطر ولو قل في شهر بابة ينظر ما ذلك اليوم من الشهر القبطي فإنه يبلغ سعر الويبة القمح تلك السنة من الدراهم بعدد ما مضى من أيام شهر بابة. وأول ما جربت هذا أنه وقع مطر في بابة يوم الخميس الخامس عشر منها فبيعت الويبة تلك السنة بخمسة عشر درهما.
ذكر عيد الشهيد
ومما كان يعمل بمصر عيد الشهيد، وكان من أنزه فرج مصر، وهو اليوم الثامن من بشنس أحد شهور القبط، ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يلقي النصارى فيه تابوتا من خشب فيه أصبع من أصابع أسلافهم الموتى. ويكون ذلك اليوم عيدا ترحل إليه النصارى من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل، ويلعبون عليها، ويخرج عامة أهل القاهرة، ومصر على اختلاف طبقاتهم، وينصبون الخيم على شطوط النيل وفي الجزائر، ولا يبقى مغن ولا مغنية، ولا صاحب لهو، ولا رب ملعوب، ولا بغي ولا مخنث ولا ماجن، ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم.

(1/86)


وتصرف أموال لا تنحصر ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصي والفسوق، وتثور فتن وتقتل أناس ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا وباع نصراني في يوم واحد بإثني عشر ألف درهم فضة من الخمر، وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرى من ضواحي القاهرة، وكان اعتماد فلاحي شبرى دائما في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشهيد.
ولم يزل الحال على ما ذكر من الاجتماع كذلك إلى أن كانت سنة اثنتين وسبعمائة، والسلطان يومئذ بديار مصر: الملك الناصر محمد بن قلاوون، والقائم بتدبير الدولة الأمير : ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستا دار السلطان، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر، فقام الأمير بيبرس في إبطال ذلك قياما عظيما، وكان إليه أمور ديار مصر هو والأمير سلار والناصر تحت حجرهما لا يقدر على شبع بطنه إلا من تحت أيديهما، فتقدم أمر الأمير بيبرس أن لا يرمي أصبع في النيل، ولا يعمل له عيد، وندب الحجاب ووالى القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشبرى على عادتهم، وخرج البريد إلى سائر أعمال مصر، ومعهم الكتب إلى الولاة بإجهار النداء وإعلانه في الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى، ولا يحضر لعمل عيد الشهيد، فشق ذلك على أقباط مصر كلهم من أظهر الإسلام منهم، وزعم أنه مسلم، ومن هو باق على نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض وكان منهم رجل يعرف: بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة، وهو يومئذ في خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله واستولى على جميع أموره كما هي عادة ملوك مصر، وأمرائها من الأتراك في الانقياد لكتابهم من القبط سواء منهم من أسر الكفر ومن جهر به.
وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك، وخيل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد. فإن أكثر خراج شبرى إنما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لم يطلع النيل أبدا. ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النيل، ونحو ذلك من هتف القول، وتنميق المكر فثبت الله الأمير بيبرس، وقواه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القول واستمر على منع عمل العيد. وقال للتاج: إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع، وإن كان الله سبحانه هو المتصرف فيه فنكذب النصارى، فبطل العيد من تلك السنة ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وعمر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النيل ليرمي قوة التيار عن بر القاهرة إلى ناحية الجيزة كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فطاب الأمير يلبغا اليحياوي، والأمير الطنبغا المارديني من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة، فلم تطب نفسه بذلك لشدة غرامه بهما، وتهتكه في محبتهما، وأراد صرفهما عن السفر، فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشهيد، فيكون تفرجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد، وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد فرضيا منه بذلك، وأشيع في الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد، فلما كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه ركب الأمراء النيل في الشخاتير بغير حراريق، واجتمع الناس من كل جهة، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات، وتوسع الأمراء في تنوع الأطعمة والحلاوات، وغيرها توسعا خرجوا فيه عن الحد في الكثرة البالغة، وعم الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته، واستمروا على ذلك ثلاثة أيام، وكانت مدة انقطاع عمل عيد الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر، ستا وثلاثين سنة، واستمر عمله في كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، تحرك المسلمون على النصارى وعملت أوراق بما قد وقف من أراضي مصر على كنائس النصارى، ودياراتهم. وألزم كتاب الأمراء بتحرير ذلك وحمل الأوراق إلى ديوان الأحباس، فلما تحررت الأوراق اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدان كلها موقوفة على الديارات والكنائس، فعرضت على أمراء الدولة القائمين بتدبير الدولة في أيام الملك الصالح: صالح بن محمد بن قلاوون وهم: الأمير شيخو العمري، والأمير صرغتمش، والأمير طاز، فتقرر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم، وألزم النصارى بما يلزمهم من الصغار، وهدمت لهم

(1/87)


عدة كنائس كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر الكنائس، فلما كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة خرج الحاجب والأمير علاء الدين علي بن الكوراني والي القاهرة إلى ناحية شبرى الخيام من ضواحي مصر، فهدمت كنيسة النصارى، وأخذ منها أصبع الشهيد في صندوق وأحضر إلى الملك الصالح، وأحرق بين يديه في الميدان، وذرى رماده في البحر حتى لا يأخذه النصارى، فبطل عيد الشهيد من يومئذ إلى هذا العهد، ولله الحمد والمنة.
ذكر الخلجان التي شقت من النيل
اعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع، يتخرق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل، وأكثر الخلجان والترع والجسور، والأخوار بالوجه البحري. وأما الوجه القبلي: وهو بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هنالك.
والمشهور من الخلجان: خليج منجا، وخليج منف، وخليج المنهى، وخليج أشموم طناح، وخليج سردوس، وخليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج القاهرة، وبحر أبي المنجا، والخليج الناصري ظاهر القاهرة.
قال ابن عبد الحكم عن أبي رهم السماعي قال: كانت مصر ذات قناطر، وجسور بتقدير وتدبير حتى إن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها، فيحبسونه كيف شاءوا، ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى، عما حكى عن قول فرعون : " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون " الزخرف51، ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنات بحافتي النيل من أوله إلى آخره في الجانبين معا جميعا مما بين أسوان إلى رشيد، وسبع خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهي، وخليج سردوس، جنات متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزرع ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء. وكانت جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما قدروا ودبروا من قناطرها وخلجها وجسورها، فذلك قوله تعالى: " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم " الدخان26،. قال : والمقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر.
خليج سخا وخليج سخا: حفره ندارس بن صا ابن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح وهو : أحد ملوك القبط القدماء الذين ملكوا مصر في الدهر الأول.
قال ابن وصيف شاه: ندارس الملك أول من ملك الأحياز كلها بعد أبيه صا، وصفا له ملك مصر، وكان ندارس محتنكا مجربا ذا أيد وقوة، ومعرفة بالأمور، فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهلها قياما حسنا، ودبر جميع الاحياز. ويقال: إنه الذي حفر خليج سحا وارتفع مال البلد على يده مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار، وقصده بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه، ودخل فلسطين، وقتل بها خلقا، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر، وهابته الملوك وعلى رأس ثلاثين من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في أرضه، وعادوا وأفسدوا، فجمع الجيوش من أعمال مصر وأعد المراكب، ووجه قائدا يقال له: فلوطس في ثلثمائة ألف، وقائدا آخر في مثلها، ووجه في النيل ثلثمائة سفينة في كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب، ثم خرج في جيوش كثيرة، فلقي جمع السودان، وكانوا في زهاء ألف ألف فهزمهم، وقتل أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقا وتبعتهم جيوشه حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من بلاد الزنج، فأخذوا منها عدة ومن النمور والوحوش وساقوها إلى مصر فذللها وعمل على حدود بلده منارا وزبر عليه مسيره، وظفره الوقت الذي سار فيه، ومات بمصر فدفن في ناووس نقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب، ومن الذهب والجوهر والصيغة والتماثيل، وزبر عليه اسمه وتاريخ هلاكه، وجعل له طلسمات تمنع منه وعهد إلى ابنه ماليق بن ندارس.
خليج سردوس : حفره هامان. قال ابن وصيف شاه طلما بن قومس الملك: جلس على سرير الملك، وحاز جميع ما كان في خزائنهم، وهو الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى.
فأما أهل الأثر فيزعمون أنه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة، وذكروا أن الفراعنة سبعة، وكان طلما فيما حكي عنه: قصيرا طويل اللحية أشهل العينين صغير العين اليسرى في جبينه شامة، وكان أعرج. وزعم قوم: أنه من القبط ونسب أهل بيته مشهور عندهم.

(1/88)


وذكر آخرون: أنه دخل منف على أتان عليها نطرون جاء ليبيعه، وكانوا قد اضطربوا في تولية الملك فرضوا أن يملكوا عليهم أول من يطرأ من الناس، فلما رأوه ملكوه عليهم، ولما جلس في الملك بذل الأموال، وقرب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره، واستخلف هامان، وكان يقرب منه في نسبه، وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات وحفر خلجانا كثيرة. ويقال: إنه الذي حفر خليج سردوس، وكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا حتى اجتمع من ذلك مال كثير فأمر برده على أهله.
وقال ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم، ويعطونه مالا، قال: وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو الشرق، ثم يرده إلى قرية من نحو دبر القبلة، ثم يرده إلى قرية في الغرب ثم يرده إلى أهل قرية في القبلة، ويأخذ من أهل كل قرية مالا حتى اجتمع له من ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون فسأله عن ذلك، فأخبره بما فعل في حفره فقال له فرعون: ويحك إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عباده، ويفيض عليهم، ولا يرغب فيما بأيديهم رد. على أهل كل قرية ما أخذت منهم فرده كله على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر انعطافا منه لما فعل هامان في حفره كان هامان نبطيا.
خليج الإسكندرية: قال ابن عبد الحكم: ويقال: إن الذي بنى منارة الإسكندرية فليطرة الملكة وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يدخلها الماء كان يعدل من قرية يقال لها: كسا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية وهي التي بلطت قاعته. وقال الكندي: إن الحارث بن مسكين قاضي مصر حفر خليج الإسكندرية. وقال الأسعد بن مماتي في كتاب قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه عدة ترع وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة، وعرضه من قصبتين ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف، ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان مقصر أقصرت مدة إقامته فيه، وإن كان عاليا أقام فيه ما يزيده على شهرين.
ورأيت جماعة من أهل الخبرة، وذوي المعرفة يقولون: إنه إذا عملت من قبالة منية نتيج إلى نتيج زلاقة استقر الماء فيه صيفا وشتاء ورأيت البحيرة جميعها وحوف ودمسيس والكفور الشاسعة، وقد زرعت عليه القصب، والقلقاس والنيلة وأنواع زراعة الصيفي وجرى مجرى بحر الشرق والمحلة، وتضاعفت عليه البلاد، وعظم ارتفاعها وإقامة هذه الزلاقة ممكنة لوجود الحجارة في ربوة والطوب في البحيرة، وإنهم قدروا ما يحتاج إليه فوجدوه يناهز عشرة آلاف دينار.
ويقال: إنه كان الماء فيه جاريا طول السنة، وكان السمك فيه غاية من الكثرة بحيث تصيده الأطفال بالخرق فضمنه بعض الولاة بمال، ومنع الناس من صيده، فعدم منه السمك، ولم ير بعد ذلك فيه سمكة فصار يخرج بالشباك.
خليج الفيوم والمنهى: مما حفره نبي الله يوسف الصديق عليه السلام عندما عمر الفيوم كما هو مذكور في خبر الفيوم من هذا الكتاب، وهو مشتق من النيل لا ينقطع جريه أبدا، وإذا قابل النيل ناحية دورة سريام التي تعرف اليوم بدورة الشريف يعني ابن يغلن النائب في الأيام الظاهرية بيبرس تشعبت منه في غربيه شعبة تسمى المنهى تستقل نهرا يصل إلى الفيوم، وهو الآن عرف: ببحر يوسف، وهو نهر. لا ينقطع جريانه في جميع السنة، فيسقي الفيوم عامة سقيا دائما، ثم ينجر فضل مائه في بحيرة هناك، ومن العجب أنه ينقطع ماؤه من فوهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندي ثم يجري جريا ضعيفا دون معاد البلل، لم يستقل نهرا جاريا لا يقطع إلا بالسفن، ويتشعب منه أنهار وينقسم قسما يعم الفيوم ويسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامة أماكنه، والله أعلم.

(1/89)


خليج القاهرة: هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربي فيما بينها وبين المقس عرف في أول الإسلام: بخليج أمير المؤمنين، وتسميه العامة اليوم: بخليج الحاكمي، وبخليج اللؤلؤة، وهو خليج قديم أول من حفره طوطيس بن ماليا أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذي قدم إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في أيامه إلى مصر، وأخذ منه امرأته سارة، وأخدمها هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليهما، فلما أخرجها إبراهيم هي وابنها إسماعيل إلى مكة بعثت إلى طوطيس تعرفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر هذا الخليج، وبعث إليها فيه بالسفن تحمل الحنطة وغيرها إلى جدة، فأحيا بلد الحجاز، ثم إن أندرومانوس الذي يعرف: بإيليا أحد ملوك الروم بعد الإسكندر بن فيلبس المقدوني، جدد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السفن، وذلك قبل الهجرة النبوية بنيف وأربعمائة سنة. ثم إن عمرو بن العاص رضي الله عنه، جدد حفره لما فتح مصر وأقام في حفره ستة أشهر، وجرت فيه السفن بحمل الميرة إلى الحجاز فسمي: خليج أمير المؤمنين، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه هو الذي أشار بحفره، ولم تزل تجري فيه السفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم التي كانت على حافة البحر الشرقي حيث الموضع الذي يعرف اليوم على البحر: بالسويس، وكان يصب ماء النيل في البحر من عند مدينة القلزم إلى أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمه في سنة خمسين ومائة، فطم وبقي منه ما هو موجود الآن، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا إن شاء الله تعالى عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب.
بحر أبي المنجا: هذا الخليج تسميه العامة: بحر أبي المنجا الذي حفره: الأفضل بن أمير الجيوش في سنة ست وخمس مائة، وكان على حفره أبو المنجا بن شعيا اليهودي. فعرف به، وقد ذكر خبر هذا الخليج عند ذكر مناظر الخلفاء، ومواضع نزههم من هذا الكتاب.
الخليج الناصري: هذا الخليج في ظاهر المقس، حفره : الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقد ذكر في موضعه من هذا الكتاب.
ما كانت عليه أرض مصر
في الزمن الأول
قال المسعودي: وقد كانت أرض مصر على ما زعم أهل الخبرة والعناية، بأخبار شأن العالم يركب أرضها ماء النيل، وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض وموضع الفسطاط في وقتنا هذا، وكان بدء ذلك من موضع يعرف: بالجنادل بين أسوان والنوبة إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء، وجريانه وما يتصل من النوبة بتياره من موضع إلى موضع، فنضب الماء عن بعض المواضع من بلاد مصر، وسكن الناس بلاد مصر، ولم يزل الماء ينضب عن أرضها قليلا قليلا حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر، وطرقوا للماء، وحفروا له الخلجان، وعقدوا في وجهه المسببات إلى أن خفي ذلك على ساكنيها لأن طول الزمان ذهب بمعرفة أول سكناهم كيف كان انتهى.
قلت: ومما ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية : أن أرض مصر كان النيل ينبسط عليها، فيطبقها كأنها بحر، ولم يزل الماء ينضب عنها، وييبس ما علا منها أولا فأولا، ويسكن إلى أن امتلأت بالمدن والقرى والناس. ويقال: إن الناس كانوا قبل سكنى مدينة منف يسكنون بسفح الجبل المقطم في منازل كثيرة نقروها، وهي المغاير التي في الجبل المقابل لمنف من قبلي المقطم في الجبل المتصل بدير القصير الذي يعرف: بدير البغل المطل على ناحية طرى، ومن وقف عند أهرام نهيار، أي المغائر في الشرقي، وبينهما النيل، ومن صعد من طرا إلى الجبل وسار فيه دخلها وهي: مغاير متسعة، وفيها مغائر تنفذ إلى القلزم تسع المغارة منها أهل مدينة، وإذا دخلها أحد، ولم يهتد على ما يدله على المخرج هلك في تحيره، ويقال: كانت مصر جرداء لا نبات بها فأقطعها متوشلح بن أخنوخ بن يازد بن مهلاييل بن فتيان بن أنوس بن شيث بن آدم لطائفة من أولاده، فلما نزلوها وجدوا نيلها قد سد ما بين الجبلين فنضب الماء عن أرض زروعها، فأخرجت الأرض بركاتها، ثم بعد زمان أخذها عنقام الأولى بن عرياب بن آدم بالغلبة، ونسل بها خلقا عظيما، وجهز لقتال أولاد يزد سبعين ألف مقاتل، وحفر من البحر إلى الجبل نهرا عرضه أربعون قصبة ليمنع من يأتيه، فأتاه بنو يزد، فلم يجدوا إليه سبيلا ففزعوا إلى الله تعالى فبعث على أرض مصر نارا.
ذكر أعمال الديار المصرية وكورها

(1/90)


اعلم أن أرض مصر كانت في الزمن الأول الغابر مائة وثلاثا وخمسين كورة، في كل كورة مدينة وثلثمائة وخمس وستون كورة، فلما عمرت أرض مصر بعد بخت نصر، صارت على خمس وثمانين كورة، ثم تناقصت حتى جاء الإسلام، وفيها أربعون عامرة بجميع قراها لا تنقص شيئا، ثم استقرت أرض مصرها كلها في الجملة على قسمين: الوجه القبلي: وهو ما كان في جهة الجنوب من مدينة مصر. والوجه البحري: وهو ما كان في شمال مدينة مصر.
وقد قسمت الأرض جميعها قبليها وبحريها على ستة وعشرين عملا وهي : الشرقية، والمرتاحية، والد قهلية، والإيوانية، وثغر دمياط.
الوجه البحري: جزيرة قويسنا، والغربية، والسمنودية، والدنجاوية، والمنوفية، والستراوية، وفوه، والمزاحمتين، وجزيرة بني نصر، والبحيرة، وإسكندرية وضواحيها، وحوف دمسيس.
والوجه القبلي: الجيزة، والأطفيحية، والبوصيرية، والفيومية، والبهنساوية، والأشمونين، والمنفلوطية، والأسيوطية، والأخميمية، والقوصية. وهي أيضا ثلاثون كورة، وهي : كورة الفيوم، وفيها مائة وست وخمسون قرية، ويقال: إنها كانت ثلثمائة وستين قرية، وكورة منف ووسيم خمس وخمسون قرية، وكورة الشرقية وتعرف بالأطفيحية سبع عشرة قرية، وقرى أهناس ومنه: قمن ثماني قرى، وكور تادلاص، وبوصير ست قرى، وكورة أهناس خمس وتسعون قرية، سوى الكفور، وكورة البهنسا مائة وعشرون قرية، وكورة الفشن سبع وثلاثون قرية، وكورة طحا سبع وثلاثون قرية، وحوز سنودة ثمان قرى، وكورة الأشمونين مائة وثلاث وثلاثون قرية، وكورة أسفل انصنا إحدى عشرة قرية، وكورة سيوط سبع وثلاثون قرية، وكورة شطب ثمان قرى، وكورة أعلا أنصنا ثنتا عشرة قرية، وكورة قهقوه سبع وثلاثون قرية، وكورة أخميم والدوير ثلاث وستون قرية، وكورة السبابة والواحات ثلاث وستون قرية سوى الكفور، وكورة هو عشرون قرية، وكورة فاو ثمان قرى، وكورة قنا سبع قرى، وكورة دندرة عشر قرى، وكورة قفط ثنتان وعشرون قرية، وكورة الأقصر خمس قرى، وكورة أسنا خمس قرى، وكورة أرمنت سبع قرى، وكورة أسوان سبع قرى، فجميع قرى الصعيد ألف وثلاثون وأربعون قرية سوى المنى، والكفور في ثلاثين كورة.
كورة أسفل الأرض: الحوف الشرقي خمس وستون قرية، كورة أتريب مائة وثمان قرى سوى المنى والكفور، كورة بنو سبع وثمانون قرية سوى المنى والكفور، كورة نما مائة وخمسون قرية سوى المنى والكفور، كورة بسطة تسع وثلاثون قرية، كورة طرابية ثمان وعشرون قرية منها: السدير والهامة وفاقوس، كورة هربيط ثمان عشرة قرية سوى المنى والكفور، كورة صا وإبليل ست وأربعون قرية منها: سنهور والفرما والعريش.
فجميع قرى الحوف الشرقي خمسمائة وتسع وعشرون قرية سوى المنى في سبع كور. بطن الريف كورتادمسيس، ومنوف مائة وأربع قرى سوى المنى والكفور. كورة تاطورة منوف اثنتان وسبعون قرية سوى المنى والكفور، كورة سخا مائة وخمس عشرة قرية، كورة بيدة والأفراحون ثلاث وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورة البشرود أربع وعشرون قرية، كورة نفر اثنتا عشرة قرية سوى المنى، كورة ببا وبوصير ثمان وثمانون قرية سوى المنى والكفور، كورة سمنود مائة وثمان وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورة نوسا إحدى وعشرون قرية سوى المنى، كورة الأوسية أربعون قرية سوى المنى، كورة النجوم أربعون قرية سوى المنى، تنيس ودمياط ثلاث عشرة قرية سوى المنى، وهي شيء كثير.
الإسكندرية، الحوف الغربي: كورة صا ثلاث وسبعون قرية سوى المنى والكفور، كورة شباس اثنان وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورة اليدقون ثلاث وأربعون قرية سوى المنى والكفور، حيز اليدقون تسع وعشرون قرية سوى المنى والكفور، الشراك تسع قرى، كورة ترنوط ثمان قرى، كورة خربتا اثنا وستون قرية سوى المنى والكفور، كورة قرطسا اثنان وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورتا مصيل والمليدس تسع وأربعون قرية سوى المنى، كورتا احنور ورشيد سبع عشرة قرية، البحيرا والحصص بالإسكندرية والكرومات والبعل ومريوط ومدينة الإسكندرية ولويبه ومراقبه مائة وأربع وعشرون قرية سوى المنى. فالحوف الغربي: أربعمائة وتسع وأربعون قرية سوى المنى في ثلاث عشرة كورة.

(1/91)


قال المسبحي في تاريخه : تصير قرى مصر أسفل الأرض ألفا وأربعمائة وتسعا وثلاثين قرية، ويكون جميع ذلك بالصعيد، وأسفل الأرض ألفين وثلثمائة وخمسا وتسعين قرية.
وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي: أرض مصر قسمين: فمن ذلك صعيدها وهو ما يلي : مهب الجنوب منها، وأسفل أرضها وهو ما يلي: مهب الشمال منها، فقسم الصعيد على ثمان وعشرين كورة، فمن ذلك كورة الفيوم كلها، وكورتا منف ووسيم، وكورة الشرقية، وكورتا دلاص وأبوصير، وكورة أهناس، وكورتا الفشن والبهنسا، وكورة طحا وحيز سنودة، وكورة بويط، وكورتا الأشمونين وأسفل أنصنا وأعلاها وشطب قوص قام، وكورة سيوط، وكورة قهقوه، وكورتا أخميم والدير وأبشاية، وكورة هو وأقنا وفاو ودندرة، وكورة قفط والأقصر، وكورة اسنا وارمنت، وكورة أسوان.
فهذه كور الصعيد، ومن ذلك كور أسفل الأرض وهي خمس وعشرون كورة. وفي نسخة: ثلاث وثلاثون كورة، وفي نسخة: ثمان وثلاثون كورة، فمن ذلك: كورة الجوف الشرقي: كورتا اتريب وعين شمس، وكورتا بني ونمى، وكورتا بسطه وطرابية، وكورة هربيط، وكورة صا وإبليل، وكورة الفرما والعريش والجفار ومن ذلك: كور بطن الريف من أسفل الأرض، كورة ببا وبوصير، وكورتا سمنود وبوسا، وكورتا الأوسية والنجوم، وكورة دقملة، وكورتا تنيس ودمياط. ومنها: كورة الجزيرة من أسفل الأرض، وكورة دمسيس ومنوف، وكورة طوه ومنوف، وكورة سخا وبيدة والأفراحون، وكورة مقين وديصا، وكورة البشرود.
ومن ذلك كور الحوف الغربي: كورة صا، وكورة شباس، وكورة اليدقون وحيزها، وكورة الخيس والشراك، وكورة خربتا، وكورة قرطسا ومصيل والمليدس، وكورتا اخنا والبحيرة ورشيد، وكورة الإسكندرية، وكورة مريوط، وكورة لويبة ومراقية.
ومن كور القبلة: كرى الحجاز وهي: كورة الطور وفاران، وكورة راية والقلزم، وكورة ايلة وحيزها ومدين وحيزها والعونيد والحوراء وحيزها، ثم كورة بدا أو شغب.
وذكر من له معرفة بالخراج، وأمر الديوان أنه وقف على جريدة عتيقة بخط ابن عيسى بقطر بن شغا الكاتب القبطي المعروف: بالبولس متولي خراج مصر للدولة الإخشيدية. يشتمل على ذكر كور مصر وقراها إلى سنة خمس وأربعين وثلثمائة إن قرى مصر بالصعيدين، وأسفل الأرض ألفان وثلثمائة وخمس وتسعون قرية منها بالصعيد: تسعمائة وست وخمسون قرية، وبأسفل الأرض: ألف وأربعمائة وتسع وثلاثون قرية، وهذا عددها في الوقت الذي جردت فيه الجرائد المذكورة، وقد تغيرت بعد ذلك بخراب ما خرب منها.
وقال ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد رضي الله عنه: لما ولي الوليد بن رفاعة مصر، خرج ليحصي عدة أهلها، وينظر في تعديل الخراج عليهم، فأقام في ذلك ستة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان، ومعه جماعة من الكتاب، والأعوان يكفونه ذلك بجد وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، وأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحصر في أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين تفرض عليهم الجزية يكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف رجل.
والذي استقر عليه الحال في دولة الناصر محمد بن قلاوون أن الوجه القبلي ستة أعمال وهي من عمل قوص، وهو أجلها، ومنه أسوان وغرب قوله، وعمل أخميم، وعمل أسيوط، وعمل منفلوط، وعمل الأشمونين وبها الطحاوية، وعمل البهنساوية الغربي، وهو عبارة عن قرى على غربي المنهي المار إلى الفيوم، وعمل الفيوم، وعمل أطفيح، وعمل الجيزة.
والوجه البحري ستة أعمال: عمل البحيرا، وهو متصل البر بالإسكندرية وبرقة، وعمل الغربية جزيرة واحدة يشتمل عليها ما بين البحرين، وهما البحر المار مسكبه عند دمياط ويسمى الشرقي، والبحر الثاني مسكبه عند رشيد ويسمى الغربي، والمنوفية ومنها: ابيار، وجزيرة بني نصر، وعمل قليوب، وعمل الشرقية، وعمل أسموم طناح ومنها: الدقهلية والمرتاحية، وهناك موقع ثغر البرلس، وثغر رشيد والمنصورة، وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط ولا عمل لهما.
وأما الواحات: فمنقطعة وراء الوجه القبلي مغاربة لم تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها والي السلطان وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها، والله تعالى أعلم.
ذكر ما كان يعمل في أراضي مصر
من حفر الترع وعمارة الجسور ونحو ذلك من أجل ضبط ماء النيل وتصريفه في أوقاته

(1/92)


قال ابن عبد الحكم عن يزبد بن أبي حبيب: وكانت فريضة مصر بحفر خليجها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا. معهم المساحي والطوريات والأداة يعتقبون ذلك لا يدعونه شتاء ولا صيفا.
وعن أبي قبيل قال: زعم بعض مشايخ أهل مصر: أن الذي كان يعمل به مصر على عهد ملوكها أنهم كانوا يقرون القرى في أيدي أهلها كل قرية، بكراء معلوم لا ينقص عنهم إلا في كل أربع سنين من أجل الظمأ، وتنقل اليسار فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك، وعدل تعديلا جديدا، فيرفق بمن استحق الرفق ويزاد على من احتمل الزيادة، ولا يحمل عليهم من ذلك ما يشق عليهم، فإذا جبي الخراج وجمع كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه يصنع به ما يريد، والربع الثاني لجنده ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوه، والربع الثالث في مصلحة الأرض وما تحتاج إليه من جسورها وحفر خلجها، وبناء قناطرها والقوة للزارعين على زرعهم وعمارة أرضهم، والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كل قرية من خراجها، فيدفن ذلك لنائبة تنزل أو جائحة بأهل القرية، فكانوا على ذلك، والذي يدفن في كل قرية من خراجها هي: كنوز فرعون التي يتحدث الناس بها أنها ستظهر فيطلبها الذين يتتبعون الكنوز.
وذكر أن بعض فراعنة مصر جبى خراج مصر اثنين وسبعين ألف ألف دينار، وأن من عمارته أنه أرسل ويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى الصعيد في وقت تنظيف الأرض والترع من العمارة، فلم يوجد لها أرض فارغة تزرع فيها، وذكر أنه كان عند تناهي العمارة يرسل بأربع ويبات برسيم إلى الصعيد، وإلى أسفل الأرض وإلى أي كورة، فإن وجد لها موضعا خاليا فزرعت فيه، ضرب عنق صاحب الكورة، وكانت مصر يومئذ عمارتها متصلة أربعين فرسخا في مثلها، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ، فتكون عشرة برد في مثلها، ولم تزل الفراعنة تسلك هذا المسلك إلى أيام فرعون موسى فإنه عمرها عدلا وسماحة، وتتابع الظمأ ثلاث سنين في أيامه، فترك لأهل مصر خراج ثلاث سنين، وأنفق على نفسه وعساكره من خزائنه، ولما كان في السنة الرابعة أضعف الخراج واستمر فاعتاض ما أنفق وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن اسئل المقوقس عن مصر، من أين تأتي عمارتها وخرابها. فسأله عمرو، فقال له المقوقس: عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، ويحفر في كل سنة خلجانها، وتسد ترعها وجسورها، ولا يقبل مطل أهلها يريد البغي، فإذا فعل هذا فيها أ عمرت وإن عمل فيها بخلافه خربت.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما استبطأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عمرو بن العاص رضي الله عنه، في الخراج كتب إليه: أن ابعث إلي رجلا من أهل مصر، فبعث إليه رجلا قديما من القبطة فاستخبره عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن مصر وخراجها قبل الإسلام فقال: يا أمير المؤمنين مصر كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريدها إلا لعام واحد، فعرف عمر رضي الله عنه ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه للمقوقس: أنت وليت مصر فبم تكون عمارتها؟ فقال: بخصال أن تحفروا خلجانها، وتسد جسورها وترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها، ولا يقبل مطل أهله، ويوفي لهم بالشروط، ويمر الأرزاق على العمال لئلا يرتشوا، ويرتفع عن أهله المعاون والهدايا، ليكون قوة لهم، فبذلك تعمر ويرجى خراجها.
ويقال : إن ملوك مصر من القبط كانوا يقسمون الخراج أربعة أقسام: قسم لخاصة الملك، وقسم لأرزاق الجند، وقسم لمصالح الأرض، وقسم يدخر لحادثة تحدث فينفق فيها.
ولما ولي عبيد الله بن الحبحاب خراج مصر، لهشام بن عبد الملك خرج بنفسه، فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل، فوجد فيها مائة ألف ألف فدان، والباقي استبحر وتلف، واعتبر مدة الحرث، فوجدها ستين يوما، والحراث يحرث خمسين فدانا، وكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حراث.
ذكر مقدار خراج مصر
في الزمن الأول

(1/93)


قال ابن وصيف شاه : وكان منقاوس قسم خراج البلاد أرباعا، فربع للملك خاصة يعمل فيه ما يريد، وربع ينفق في مصالح الأرض وما تحتاج إليه من عمل الجسور وحفر الخلج وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث أو نازلة تنزل، وربع للجند، وكان خراج البلد ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف ألف دينار وقسمها على مائة وثلاث كور بعدة الآلاف.
ويقال: إن كل دينار عشرة مثاقيل من مثاقيلنا الإسلامية وهي اليوم: خمس وثمانون كورة. أسفل الأرض : خمس وأربعون كورة، والصعيد: أربعون كورة، وفي كل كورة كاهن يدبرها، وصاحب حرب وارتفع مال البلد على يد ندارس بن صا مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار، وفي أيام كلكن بن خربتا بن ماليق بن ندارس مائة ألف ألف دينار وبضعة عشر ألف ألف دينار ولما زالت دولة القبط الأولى من مصر وملكها العمالقة اختل أمرها، وكان فرعون الأول يجبيها تسعين ألف ألف دينار يخرج من ذلك عشرة آلاف ألف دينار لأولياء الأمر والجند والكتاب، وعشرة آلاف ألف دينار لمصالح فرعون، ويكنزون لفرعون خمسين ألف ألف دينار.
وبلغ خراج مصر في أيام الريان بن الوليد وهو فرعون يوسف عليه السلام، سبعة وتسعين ألف ألف دينار، فأحب أن يتمه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح جسور البلد، والزيادة في استنباط الأرض حتى بلغ ذلك وزاد عليه. وقال ابن دحية: وجبيت مصر في أيام الفراعنة فبلغت تسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعوني وهو ثلاثة مثاقيل في مثقالنا المعروف الآن بمصر الذي هو: أربعة وعشرون قيراطا، كل قيراط: ثلاث حبات من قمح، فيكون بحساب ذلك مائتي ألف ألف وسبعين ألف ألف دينار مصرية.
وذكر الشريف الجواني: أنه وجد في بعض البرابي بالصعيد مكتوبا باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف عليه السلام، وهو الريان بن الوليد من أموال مصر بحق الخراج مما يوجبه الخراج، وسائر وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف، والرسوم الجارية من غير تأول ولا اضطهاد ولا مشاحة على عظيم فضل كان في يد المؤدي لرسمه وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظرا للعاملين وتقوية لحالهم من العين أربعة وعشرون ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، وذكر ما فيه كما في خبر الحسن بن علي الأسدي.

(1/94)


وقال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية، مما نقل إلى اللغة العربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون مصر بحق الخراج الذي يوجد وسائر وجوه الجبايات لسنة كاملة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة على عظيم فضل كان في يد المؤدي لرسمه وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان رفقا بالمعاملين وتقوية لهم من العين أربعة وعشرين ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار من جهات مصر، وذلك ما يصرف في عمارة البلاد لحفر الخلج وإتقان الجسور، وسد الترع وإصلاح السبل، والساسة ثم في تقوية من يحتاج التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار وغير ذلك، وثمن الآلات وأجرة من يستعان به من الأجراء لحمل الأصناف، وسائر نفقات تطريق أراضيهم من العين ثمانمائة ألف دينار، ولما يصرف في أرزاق الأولياء الموسومين بالسلاح وحملته والغلمان، وأشياعهم مع ألف كاتب موسومين بالدواوين سوى أتباعهم من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدتهم مائة ألف وأحد عشر ألف رجل من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ولما يصرف في الأرامل، والأيتام فرضا لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين إليه حتى لا تخلو آمالهم من بر يصل إليهم من العين أربعمائة ألف دينار، ولما يصرف في كهنة برابيهم، وأئمتهم وسائر بيوت صلواتهم من العين مائة ألف دينار، ولما يصرف في الصدقات، وينادى في الناس: برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة، فليحضر فلا يرد عند ذلك أحد، والأمناء جلوس فإذا رؤي رجل لم تجر عادته بذلك أفرد بعض قبض ما يقبضه، حتى إذا فرق المال، واجتمع من هذه الطائفة عدة دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال، ودعوا له بالبقاء والسلامة وأنهوا حال الطائفة المذكورة، فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، وبمد الأسمطة، ويأكلون ويشربون، ثم يستعلم من كل واحد سبب فاقته، فإن كان من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان وأكثر، وإن كان عن سوء رأي وضعف تدبير ضمه إلى من يشرف عليه، ويقوم بالأمر الذي يصلح له من العين مائتا ألف دينار.
فذلك جملة ما تبين، وفصل في هذه الجهات المذكورة من العين تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه فرعون في بيوت أمواله عدة لنوائب الدهر، وحادثات الزمان من العين أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار.
وقيل لبعضهم: متى عقدت مصر تسعين ألف ألف دينار؟ قال: في الوقت الذي أرسل فرعون بويبة قمح إلى أسفل الأرض إلى الصعيد فلم يجد لها موضعا تبذر فيه لشغل جميع البلاد بالعمارة.
ما عمله المسلمون عند فتح مصر في الخراج
وما كان من أمر مصر في ذلك مع القبط
قال زهير بن معاوية: حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " منعت العراق درهمها وقفيرها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها وعدتم من حيث بدأتم " قال أبو عبيد: قد أخبر صلى الله عليه وسلم بما لم يكن، وهو في علم الله كائن فخرج لفظه على لفظ الماضي لأنه ماض في علم الله وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه، ما دل على إثبات نبوته، ودل على رضاه من عمر رضي الله عنه ما وظفه على الكفرة من الخراج في الأمصار.
وفي تفسير المنع وجهان: أحدهما : أنه علم أنهم سيسلمون ويسقط عنهم ما وظف عليهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظف عليهم، يدل عليه قوله : " وعدتم من حيث بدأتم " وقيل معناه: أنهم يرجعون عن الطاعة، والأول أحسن.
وقال ابن عبد الحكم عن عبيد الله بن لهيعة: لما فتح عمرو بن العاص مصر صولح على جميع من فيها من الرجال من القبط من راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم امرأة ولا صبي ولا شيخ على دينارين دينارين، فأحصوا ذلك، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف.

(1/95)


وعن هشام بن أبي رقية اللخمي: أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر: إن من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه قتلته، وإن قبطيا من أرض الصعيد يقال له: بطرس، ذكر لعمرو: إن عنده كنزا فأرسل إليه فسأله، فأنكر، وجحد فحبسه في السجن، وعمرو يسأل عنه: هل تسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا: لا، إنما سمعناه يسأل عن راهب في الطور، فأرسل عمرو إلى بطرس، فنزع خاتمه، ثم كتب إلى ذلك الراهب : أن ابعث إلي بما عندك، وختمه بخاتمه، فجاء الرسول بقلة شامية مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو، فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها : ما لكم تحت الفسقية الكبيرة فأرسل عمرو إلى الفسقية، فحبس عنها الماء، ثم قلع البلاط الذي تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مصريا مضروبة، فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد، فأخرج القبط كنوزهم شفقا أن يبغي على أحد منهم، فيقتل كما قتل بطرس.
وعن يزيد بن أبي حبيب: إن عمرو بن العاص، استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه يظهر الروم على عورات المسلمين، ويكتب إليهم بدلك، فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا دنانير.
قال ابن عبد الحكم: وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه، يبعث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه، وكانت فريضة مصر لحفر خلجها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا معهم الطور والمساحي والأداة يعتقبون ذلك لا يدعون ذلك صيفا ولا شتاء، ثم كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن تختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى، ولا يضربوا على النساء، ولا على الولدان، ولا تدعهم يتشبهون بالمسلمين في ملبوسهم.
وعن يزيد بن أسلم : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى، وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق، وأربعة دنانير على أهل الذهب، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مدان من حنطة، وثلاثة أقساط من زيت في كل شهر لكل إنسان من أهل الشام، والجزيرة، وودك وعسل لا أدري كم هو، ومن كان من أهل مصر، فأردب في كل شهر لكل إنسان، ولا أدري كم الودك والعسل، وعليهم من البز الكسوة التي يكسوها أمير المؤمنين الناس ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكل إنسان، ولا أدري كم لهم من الودك، وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان، وكان يختم في أعناق رجال أهل الجزية، وكانت ويبة عمر في ولاية عمرو بن العاص: ستة أمداد.
قال: وكان عمرو بن العاص، لما استوثق له الأمر أقر قبطها على جباية الروم، فكانت جبايتهم بالتعديل إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن قل أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرافوا كل فرية وأمراءها ورؤساء أهلها فيتناظرون في العمارة والخراب حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع ثم يجتمع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية، وما فيها من الأرض العامرة، فيبتدئون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماياتهم ومعدياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين، ونزول السلطان فإذا فرغوا نظروا لما في كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر احتمالهم، فإن كانت فيهم جالية قسموا عليها بقدر احتمالها، وقلما كانت تكون إلا لرجل الشاب أو المتزوج ثم ينظرون ما بقي من الخراج، فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم، فإن عجز أحد منهم وشكا ضعفا عن زرع أرضه، وزعوا ما عجز عنه على ذوي الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطي ما عجز عنه أهل الضعف، فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم، وكانت قسمتهم على قراريط الدنانير أربعة وعشرين قيراطا يقسمون الأرض على ذلك. ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا " .

(1/96)


وجعل لكل فدان عليهم: نصف أردب قمح، ويبتين من شعير إلا القرظ فلم يكن عليه ضريبة، والويبة ستة أمداد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ ممن صالحه من المعاهدين ما سمى على نفسه لا يضع من ذلك شيئا، ولا يزيد عليه، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا يؤديه نظر عمر في أمره فإذا احتاجوا خفف عنهم، وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.
وقال هشام بن أبي رقية اللخمي: قدم صاحب أخنا على عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال له : أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصير لها. فقال عمرو، وهو يشير إلى ركن كنيسة : لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، ومن ذهب إلى هذا الحديث ذهب إلى أن مصر فتحت عنوة.
وعن يزيد بن أبي حبيب قال : قال عمر بن عبد: العزيز أيما ذمي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنها من فيء الله على المسلمين، وأيما قوم صالحوا على جزية يعطونها فمن أسلم منهم كانت داره وأرضه لبقيتهم.
وقال الليث: كتب إلي يحيى بن سعيد: أن ما باع القبط في جزيتهم، وما يؤخذون به من الحق الذي عليهم من عبد أو وليدة أو بعير أو بقرة أو دابة فإن ذلك جائز عليهم، فمن ابتاعه منهم فهو غير مردود عليهم أن أيسروا وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضر بالجزية التي عليهم فلعل الأرض إن ترد عليهم أن أضرت بجزيتهم وإن كان فضلا بعد الجزية، فإنا نرى كراءها جائزا لمن يكراها منهم.
قال يحيى: فنحن نقول: الجزية جزيتان: جزية على رؤوس الرجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية يؤخذ بها أهل القرية، فمن هلك من أهل القرية التي عليهم جزية مسماة على القرية ليست على رؤوس الرجال، فإنا نرى أن من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث إن أرضه ترجع إلى قريته في جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممن جزيته على رؤوس الرجال، ولم يدع وارثا فإن أرضه للمسلمين.
وقال الليث عن عمر بن العزيز: الجزية على الرؤوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذمة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح: أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم، وهذا يدل على أن عمر كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هي على القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم وإن موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا. قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقي منهم وإن موت من مات منهم لا يضع عنهم ممن صالحوا عليه شيئا.
قال الليث: وضع عمر بن عبد العزيز الجزية على من أسلم من أهل الذمة من أهل مصر، وألحق في الديوان صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديه، وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم، وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة: الحجاج بن يوسف، ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان: أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة، فكلمه ابن حجيرة في ذلك فقال: أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أول من سن ذلك بمصر، فوالله إن أهل الذمة ليتحملون جزية من ترهب منهم، فكيف نضعها على من أسلم منهم فتركهم عند ذلك.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح: أن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، فإن الله تبارك وتعالى قال: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " التوبة5، وقال : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " التوبة 29،.
وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد: فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينارا تمت بها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل، فكتب إليه عمر: أما بعد: فقد بلغني كتابك، وقد وليتك جند مصر، وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عن من أسلم قبح الله رأيك فإن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه.

(1/97)


قال: ولما استبطأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخراج من قبل عمرو بن العاص كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص سلام الله عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد : فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، وقد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط، ولا جدب، وقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلي ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي لست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما الذي نفرك من كتابي، وقبضك، فلئن كنت مجربا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة، وإن كنت مضيعا نطعا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك، وقد تركت أن أبتلي ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق، فترفع إلي ذلك وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا أن أعمالك عمال السوء، وما توالس عليك وتلفف أتخذوك كهفا، وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك فيه فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه، فإن النهر يخرج الدر والحق أبلج ودعني وما عنه تلجلج، فإنه قد برح الخفاء والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص سلام الله عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغني كتابك أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلي وإعجابه من خراجها على أيديهم ونقص ذلك منها مذ كان الإسلام، ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر لأنهم كانوا على كفرهم، وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا مذ كان الإسلام، وذكرت أن النهر يخرج الدر، فحلبتها حلبا قطع درها، وأكثرت في كتابك وأنبت وعرضت وتربت وعلمت أن ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر، فجئت لعمري بالمقطعات المقدعات، ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق، ولقد عملنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن بعده، فكنا نحمد الله مؤدين لأماناتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به شينا، فتعرف ذلك لنا وتصدق فيه قلبنا معاذ الله من تلك الطعم ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم، فامض عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية، والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا، ولم تكرم فيه أخا، والله يا ابن الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد غضبا لنفسي ولها إنزاها وإكراما، وما عملت من عمل أرى عليه فيه متعلقا، ولكني حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من يهود يثرب ما زدت، يغفر الله لك ولنا، وسكت عن أشياء كنت بها عالما وكان اللسان بها مني ذلولا، ولكن الله عظم من حقك ما لا يجهل.
فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد : فإني قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج، وكتابك إلى بثنيات الطرق، وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة، ولا لقومك ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون، والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم لعمر بن الخطاب، من عمرو بن العاص سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج ويزعم أني أحيد عن الحق، وأنكث عن الطريق، وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم، فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرا من أن نخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه، والسلام.

(1/98)


وقال الليث بن سعد رضي الله عنه: جباها عمرو بن العاص رضي الله عنه اثني عشر ألف ألف دينار، وجباها المقوقس قبله لسنة عشرين ألف ألف دينار.، فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطاب بما كتب، وجباها عبد الله بن سعد بن سرح حين استعمله عثمان رضي الله عنه على مصر أربعة عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان لعمرو بن العاص بعدما عزله عن مصر: يا أبا عبد الله درت اللقحة بأكثر من درها الأول. قال: أضررتم بولدها، فقال: ذلك أن لم يمت الفصيل.
وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى وردان، وكان قد ولي خراج مصر: أن زد على كل رجل من القبط قيراطا، فكتب إليه وردان: كيف نزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم شيء؟. فعزله معاوية وقيل في عزل وردان غير ذلك.
وقال ابن لهيعة: كان الديوان في زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين، فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الديوان عطياتهم، وعطيات عيالهم، وأرزاقهم ونوائب البلاد من الجسور، وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز، ثم بعث إلى معاوية بستمائة ألف دينار فضل.
وقال ابن عفير: فلما نهضت الإبل لقيهم برح بن كسحل المهري فقال: ما هذا؟ ما بال مالنا يخرج من بلادنا. ردوه، فردوه حتى وقف على باب المسجد، فقال: أخذتم عطياتكم، وأرزاقكم وعطاء عيالكم ونوائبكم، قالوا: نعم، قال : لا بارك الله لهم فيه خذوه فساروا به.
وقال بعضهم: جبى عمرو بن العاص عشرة آلاف دينار فكتب إليه عمر بن الخطاب بعجزه، ويقول له جباية الروم: عشرون ألف ألف دينار فلما كان العام المقبل جباه عمرو اثني عشر ألف ألف دينار، وقال ابن لهيعة: جبى عمرو بن العاص الإسكندرية الجزية ستمائة ألف دينار، لأنه وجد فيها ثلاثمائة ألف من أهل الذمة فرض عليهم دينارين دينارين، والله تعالى أعلم.
ذكر انتقاض القبط
وما كان من الأحداث في ذلك
خرج الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارا ولا درهما؟ قالوا: وكيف نرى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق والمصدوق، قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك ذمته وذمة رسوله فيشد الله عز وجل قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم.
قال أبو عمرو محمد بن يوسف الكندي في كتاب أمراء مصر، وأمرة الحر بن يوسف أمير مصر كتب عبد الله بن الحبحاب صاحب خراجها إلى هشام بن عبد الملك، بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد على كل دينار قيراطا، فانتقصت كورة تنو ونمي وقربيط وطرابية، وعامة الحوف الشرقي، فبعث إليهم الحر بأهل الديوان، فحاربوهم فقتل منهم بشر كثير، وذلك أول انتقاض القبط بمصر، وكان انتقاضهم في سنة سبع ومائة، ورابط الحر بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر، ثم انتقض أهل الصعيد، وحارب القبط عمالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة، فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر، أهل الديوان، فقتلوا من القبط ناسا كثيرا، وظفر بهم وخرج بخنس رجل من القبط في سمنود، فبعث إليه عبد الملك بن مروان: موسى بن نصير أمير مصر، فقتل بخنس في كثير من أصحابه، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائة، وخالفت القبط برشيد.
فبعث إليهم مروان بن محمد الجعدي لما دخل مصر فارا من بني العباس، بعثمان بن أبي قسعة، فهزمهم، وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا، ونابذوا العمال وأخرجوهم، وذلك في سنة خمسين ومائة، وصاروا إلى شبرا سنباط، وانضم إليهم أهل اليشرود والأريسية والنجوم، فأتى الخبر يزيد بن حاتم، فعقد لنصر بن حبيب المهلبي على أهل الديوان، ووجوه مصر، فخرجوا إليهم فبتهم القبط، وقتلوا من المسلمين. فألقى المسلمون النار في عسكر القبط، وانصرف المسلمون إلى مصر منهزمين.
وفي ولاية موسى بن علي بن رباح على مصر خرج القبط ببلهيب في سنة ست وخمسين ومائة، فخرج إليهم عسكر فهزمهم، ثم انتقضوا مع من انتقض في سنة ست عشرة ومائتين، فأوقع بهم الإفشين في ناحية اليشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين، عبد الله المأمون، فحكم فيهم بقتل الرجال، وبيع النساء والأطفال. فبيعوا وسبى أكثرهم.

(1/99)


ومن حينئذ أذل الله القبط في جميع أرض مصر، وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم على الخروج، ولا القيام على السلطان، وغلب المسلمون على القرى، فعاد القبط من بعد ذلك إلى كيد الإسلام وأهله بإعمال الحيلة، واستعمال المكر، وتمكنوا من النكاية بوضع أيديهم في كتاب الخراج، وكان للمسلمين فيهم وقائع يأتي خبرها في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ذكر نزول العرب بريف مصر
واتخاذهم الزرع معاشا وما كان في نزولهم من الأحداث
قال الكندي : وفي ولاية الوليد بن رفاعة الفهمي على مصر، نقلت قيس إلى مصر في سنة تسع ومائة، ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك إلا ما كان من فهم وعدوان، فوفد ابن الحبحاب على هشام بن عبد الملك، فسأله أن ينقل إلى مصر منهم أبياتا، فأذن له هشام في لحاق ثلاثة آلاف منهم، وتحويل ديوانهم إلى مصر على أن لا ينزلهم بالفسطاط، فعرض لهم ابن الحبحاب وقدم بهم فأنزلهم الحوف الشرقي، وفرقهم فيه.
ويقال: إن عبيد الله بن الحبحاب لما ولاه هشام بن عبد الملك مصر قال: ما أرى لقيس فيها حظا إلا لناس من جديلة وهم فهم وعدوان. فكتب إلى هشام: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قد شرف هذا الحي من قيس ونعشهم ورفع من ذكرهم وإني قدمت مصر، ولم أر لهم حظا إلا أبياتا من فهم، وفيها كور ليس فيها أحد، وليس يضر بأهلها نزولهم معهم، ولا يكسر ذلك خراجا وهي بلبيس. فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزلها هذا الحي من قيس، فليفعل.
فكتب إليه هشام: أنت وذاك، فبعث إلى البادية فقدم عليه مائة أهل بيت من بني نضر، ومائة أهل بيت من بني سليم، فأنزلهم بلبيس، وأمرهم بالزرع، ونظر إلى الصدقة من العشور فصرفها إليهم، فاشتروا إبلا فكانوا يحملون الطعام إلى القلزم، وكان الرجل يصيب في الشهر العشرة دنانير وأكثر، ثم أمرهم باشتراء الخيول فجعل الرجل يشتري المهر، فلا يمكث إلا شهرا حتى يركب، وليس عليهم مؤونة في علف إبلهم ولا خيلهم لجودة مرعاهم.
فلما بلغ ذلك عامة قومهم تحملوا إليهم فوصل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية، فكانوا على مثل ذلك فأقاموا سنة فأتاهم نحو من خمسمائة أهل بيت، فصار ببلبيس: ألف وخمسمائة أهل بيت من قيس، حتى إذا كان زمن مروان بن محمد، وولى الحوثرة بن سهيل الباهلي مصر. مالت إليه قيس فمات مروان، وبها ثلاث آلاف أهل بيت، ثم توالدوا وقدم عليهم من البادية من قدم.
وفي سنة ثمان وسبعين ومائة، كشف إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس أمير مصر أمر الخراج، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم، فخرج عليهم أهل الحوف وعسكروا فبعث إليهم الجيوش، وحاربهم فقتل من الجيش جماعة، فكتب إلى أمير المؤمنين: هارون الرشيد يخبره بذلك، فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم، وبعث به إلى مصر، فنزل الحوف وتلقاه أهله بالطاعة، وأذعنوا بأداء الخراج فقبل هرثمة منهم واستخرج خراجه كله، ثم إن أهل الحوف خرجوا على الليث بن الفضل البيودي أمير مصر، وذلك أنه بعث بمساح يمسحون عليهم أراضي زرعهم، فانتقصوا من القصبة أصابع فتظلم الناس إلى الليث، فلم يسمع منهم فعسكروا، وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم الليث في أربعة آلاف من جند مصر في شعبان سنة ست وثمانين ومائة، فالتقى معهم في رمضان فانهزم عنه الجند في ثاني عشره وبقي في نحو المائتين، فحمل بمن معه على أهل الحوف، فهزمهم حتى بلغ بهم غيفة، وكان التقاؤهم على أرض جب عميرة، وبعث الليث إلى الفسطاط بثمانين رأسا من رؤوس القيسية، ورجع إلى الفسطاط، وعاد أهل الحوف إلى منازلهم، ومنعوا الخراج.
فخرج ليث إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد في محرم سنة سبع وثمانين ومائة، وسأله أن يبعث معه بالجيوش فإنه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الحوف إلا بجيش يبعث معه، وكان محفوظ بن سليم بباب الرشيد، فرفع محفوظ إلى الرضيد يضمن له خراج مصر عن آخره بلا سوط ولا عصا، فولاه الخراج، وصرف ليث بن الفضل عن صلاة مصر، وخراجها، وفي ولاية الحسين بن جميل امتنع أهل الحوف من أداء الخراج، فبعث أمير المؤمنين هارون الرشيد يحيى بن معاذ في أمرهم فنزل بلبيس في شوال سنة إحدى وتسعين ومائة، وصرف الحسين بن جميل عن أمارة مصر في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين ومائة.

(1/100)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية