صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية |
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن سلمة الحبيشي الوصابي. وكان ذا علم وعمل وزهد وله الشهرة في التعبد والصلاح وكان قد تفقه بالفقيه إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل المازني وعلى غيره من العلماء. وتولى القضاء في ناحية وصاب. ولم يزل على الطريقة المثلى إلى أن توفي يوم الاثنين الخامس عشر من جمادى الأخرى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. (1/136)
وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن علي بن جبير. وكان فقيها عارفا محققا ولد في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وستين وستمائة وتفقه في بدايته بخاله الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الأصبحي ثم الإمام محمد بن علي ابن أحمد الأصبحي ثم الفقيه صالح بن عمر ثم بفقهاء تعز كابن صفي وابن النحوي ثم ارتحل إلى عدن فأخذ بها عن أبي العباس القزويني وعن أبي العباس بن الحواري. وأخذ صحيح مسلم عن التاجر المعروف بالشهاب صقر البكربتي لعلو سنده فيه. ثم رجع إلى بلده ودرس في المدرسة الجديدة بالحميراء في مدينة تعز. وكانت وفاته في شهر محرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتين وسبعمائة جهز السلطان الملك المؤيد رحمه الله الشريف إدريس بن علي فاخرب الجاهلية ورجانة وجهز الأمير شمس الدين عباس بن محمد إلى جبل جشم فأخرب زورعهم. وكان السلطان رحمه الله قد قض رهائن الأشراف حين أراد النهوض من محطة ورور وهم الأميران محمد بن أحمد بن القاسم وأخوه الأمير داود بن أحمد بن القسم والشيخ علي بن دحروج وولده وولد القاضي أحمد الذماري. وجهز الفقيه شرف الدين أحمد بن علي الجنيد لقبض تلمص. وصدر معه الأشراف رسولا منهم كما ذكرنا. فامتنع أيهل الحصن من تسليمه وسلموه إلى الشريف أبي سلطان فسار الشريف شكر إلى الأشراف بظفار لتمام ما قد قيدوه من تسليم حصن تلمص فأقام عندهم أياما. ثم وصل كتابه بطلب وصول الأمير محمد بن حاتم فسيره السلطان إليهم. وفي خلال ذلك وصل الأمير سيف الدين طغريل من أقطاعه بلحج فاقطعه السلطان صنعاء وذلك في النصف الثاني من صفر. وأقام الأمير شكر والأمير محمد بن حاتم أياما بظفار. ثم عاد إلى السلطان بذمة ستة أشهر على رهائن أخر بذلها الأشراف. وطال الحديث في ذلك فغضب السلطان غضبا شديدا وجهر الأمير سيف الدين طغريل والأمير بن وهاس فحطوا في ورور ومعهم الشيخ محمد بن علي دحروج في الترسيم وقد اظهر الخدمة والنصيحة وتكفل للسلطان بأخذ ظفار في ثمانية أيام. فلما صاروا في ورور صدروا جيشا فلزموا القنة وشرعوا في عمارتها وأقامت المحطة بورور. ووقع في البلاد قحط شديد فبلغ الزيدي في المحطة أربعة دنانير واكثر من ذلك. وخلا كثير من البلاد من أهلها وماتوا جوعا وابتيعت الأطيان بأرخص الأثمان. وعم القحط اليمن جميعه سهلا ووعرا واستمر الشريف أبو سلطان في تلمص وخالف الأمراء إلى عز الدين وعاودوا أهل صعدة من فللة. وجهز السلطان الأمير نجم الدين موسى بن أحمد إلى صعدة لصلاح أمرها. وجهز الأمير عباس بن محمد في عسكر إلى بلاد الأمير تاج الدين لحربه. ولزم الأشراف القاضي محمد الذماري وأخذوا ما وجدوا في بيته.
وفي شهر رجب وقع في مخلاف صنعاء أمطار عظيمة والسع على حاله ودخل ظفار من هذا المطر ما ملأ مواطنه. ولم تزل المحطة على تلمص وظفار وازداد الغلاء حتى بلغ الزيدي من الدقيق في المحطة ثلاثين درهما. وفي بواقي آثام من رجب تداعى الناس إلى الصلح على رد المال المسلم في تلمص فسلموا منه ستة عشر ألفا وحريرا وحليا باثني عشر ألفا وامتهلوا في الباقي إلى عشرة أيام في شوال ورهنوا فيه ولدي الأمير أحمد بن قاسم. وحصن المدارة على يد الأمير وهاس. واخرج بنود حروج حريمهم من ظفار وسكنوا صنعاء.
وسلم الأمير تاج الدين الحدود ورهن ولده مه رهينه الأمير سليمان بن قاسم وانعقد الصلح بين السلطان وأصحاب ظفار وتاج الدين على أن السلطان يحارب تلمص ويفعل فيه ما شاء ولا عيب.
وفي هذه السنة اقطع السلطان رحمه الله الشريف عماد الدين إدريس ابن علي لحجا حين انفصل منها طغريل وذلك في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فسار إليها فوصلها يوم الرابع من شهر ربيع الآخر. وكانت الجحافل قد جمعت جموعا. وحطت بالصعيد فلما وصل الشريف عماد الدين إلى الدعبس ارتفعوا من محطتهم. فأغار عليهم العسكر فأدركوا جماعة منهم يوسف بن مدقة فقتلوه واحترزوا رأسه وأقامت الجحافل بعد ذلك بصهيب مدة وهم يعدون إلى الساحل وغيره ثم قصدهم الشريف عماد الدين ولقبه الأمير بدر الدين محمد بن الحسن بن نور. وكان مقطع أمين يومئذ فدخلوا عليهم موضعا يسمى الشعبة. وبلغوا مواضع من بلادهم لم يبلغها أحد من العساكر السلطانية قبل ذلك. ولما رجع الأمير عماد الدين من غزوته جهز عسكرا فظفروا بإبراهيم بن سعد بن عبد العزيز وكان فارس الجافل يومئذ فقتلوه واحترزوا رأسه فظفرت خيل الصعيد بخمسة من العجالم فقتلوهم. (1/137)
وفي شهر شعبان من هذه السنة توجه السلطان إلى اليمن فدخل حصن تعز المحروس آخر يوم من شعبان وقيل أول يوم من رمضان.
في هذه السنة توفي الملك العادل صلاح الدين أبو بكر بن الملك الأشرف وكانت وفاته رحمه الله في قرية ضراس وفي آخر شهر رمضان طلع الشريف عماد الدين إدريس بن علي إلى تعز المحروس بسبب العيد. وحضر جماعة من الشعراء وقام الفقيه عفيف الدين عبد الله بن جعفر بقصيدة طنانة من عيون شعره فأنشدت يوم العيد وهي
أثمار هذا القضيب الرطب ألوان ... كرم وطلع وتفاح ورمان
أهكذا الفضة البيضاء قد نبتت ... غصن وزهر بها في الخد عقيان
ظبي مباسمه در وريقنه ... خمر وأنفاسه روح وريحان
وأضرم الحسن في أمواج وجنته ... نارا لها مهج الأكباد قربان
عجبت إذ نبت المرجان في فمه ... وقبلها لم يكن في العذب مرجان
تصوير شخصك في عيني ممتنع ... أن يلتقي لي فوق النوم أجفان
هذى دموعي بوجدي فيك شاهدة ... ينبيك بالشان ما يجري به الشان
ما اختص ناظرك الساجي لأنفسنا ... بفتنة كل شيء منك فتان
لا تمش بالصب في طرق الهوى مرحا ... واقصد كما قال في فحواه لقمان
أتستبيح جهارا قتل أنفسنا ... والأرض فيها هزبر الدين سلطان
سيف من الله لولا حده عبدت ... مع المهيمن أصنام وأوثان
ملك مكارمه غيث ونجدته ... غوث وأيامه أمن وإيمان
في سلمه لشديد الناس مدراة ... يرضى الإله وحد السيف غضبان
مستحسنات صفات الناس قد جمعت ... فيه فدعهم فأهل الأرض إنسان
لم لا ويوسف شمس الدين منبته ... ومنبت الأصل قابوس ونعمان
وتبع الأكبر السامي وذو يزن ... عم وبيتك صرواح وغمدان
إذ كان في فرع صنعاء بناؤهم ... قد تستضيء سمرقند وحلوان
تلك المعاهد من قحطان أن عدموا ... فللمؤيد عادوا مثل ما كانوا
كأنما الشهب من ظلمائه قنص ... تخطفته من الرايات عقبان
كأن رؤوس رماح فوقها رفعت ... منها على الجو أحواض وغدران
فيها القنا شهب والحلو ملتهب ... والسيف محتطب والقوس مرنان
كأن حصن ظفار تحت لجتها ... من الهلاك ابن نوح وهي طوفان
حتى تظنوا بأن الأرض قد طويت ... وان موضعها خيل وفرسان
يمدها من دواهي الأرض ماثلة ... تمخضت بحجاز وهي عيدان
مطاعة كلما نادت برفع يد ... تبادرت نحوها دور وحيطان
حتى إذا طحنتهم تحت كلكلها ... شهباء منها يطيش الإنس والجان
تشفعوا بكتاب الله وارتفعت ... أمامه صحف فيهن قرآن
فرد عنهم حياء من كرامتها ... زاكي الأصول كريم الخيم يقظان
ومن داود في الأسرى فأطلقهم ... دودا وإن هزبر الدين منان
وواثق القنة الشماء مشرقة ... على ظفار بها جيش وبنيان
كمثل جنة نون الأرض تحرسه ... من أن يميل له بالأرض أركان
ما ضر داود مال ظل ينفقه ... داود بحر به المرجان مجان
ما صاع من ضيعوه في رفاقتهم ... لقد وقفت لهم في حيث ما كانوا
واستحسنوا الغصب في أمواله فأبى ... بكفك تحمى وهي جيران
أنت المليك الذي في عصره أمنت ... من عصرهن عناقيد وقنوان (1/138)
وطهر الله أرضا أنت مالكها ... من أن يكون لها كفر وعصيان
جددت في مشترى عنقي لكم شرفا ... وللعبيد من المعروف إثمان
سقيت غرسي بأنعام تجدده ... ومن سجاياك للإحسان إحسان
هنئت يا مالك الدنيا ابن مالكها ... ثلاثة هن للأفواج صيوان
نصر وجيش قدوم جاء بعدهما ... عيد بوجهك من داود مزدان
وفي الليالي فنون من سعادتكم ... أن الليالي لما تهواه خزان
فلا برحت على مر الزمان كذا ... ولا خلت منك أوقات وأحيان
وفي هذه السنة المذكورة أمر السلطان رحمه الله ببناء مدرسته المعروفة بالمويدية في ممزية تعز ورتب فيها إماما ومؤذنا وقيما ومعلما وأيتاما يتعلمون القرآن الكريم ومدرسا على مذهب الإمام الشافعي معيدا وطلبة للعلم الشريف ومقرئا يقرئ القرآن بالسبعة الأحرف ووقف عليها من الأراضي والكروم ما يقوم بكفاية الكل منهم ووقف عليها عدة من الكتب النفيسة.
وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير نجم الدين موسى بن الأمير الكبير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة وكانت وفاته يوم السادس والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة في نواحي سعدة ورحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي عمران بن القاضي عبد الله بن أسعد بن محمد بن موسى العمراني وكان فقيها فاضلا وأخذ أيضا حسنا واستوزره إبراهيم بن الملك المظفر فلما اقطعه والده إقليم ظفار امتنع أهله العمرانيون عليه من السفر مع مخدومه فلم يسافر معه وأقام مع أعمامه بتعز وتولى القضاء بها ثم صودر أهله كان من اشد الناس عداء يوم أنزل هو وعمه محمد بن حسان ابن أسعد إلى زبيد على صفة الرهائن فأقام في زبيد تحت الاعتقال إلى أن توفي في السنة المذكورة وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو القاسم بن علي بن موسى الروائي الحربي لقبا والزيلعي بلدا. وكان فقيها عارفا فاضلا تفقه بتهامة على فقهها الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وأحمد بن موسى بن عجيل فأخذ على محمد بن علي بن عمر الإمام ثم طلع الجبال فورد مدينة إب فرتب مدرسا في مدرسة لبني سنقر. فانتفع به الناس انتفاعا عظيما لا سيما أهل إب وما قرب منها وكان يعرف المهذب معرفة شافية ولم يزل بأب إلى أن توفي بها في هذه السنة المذكورة وله يومئذ نيف وتسعون سنة وقبر في حناط الإمام سيف السنة إلى قبر الفقيه محمد الأصبحي ورحمة الله عليهم أجمعين.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو حفص عمر بن عيسى محمد بن سليمان المسلمي ثم العامري. وكان منزله العفلة بضم العين المهملة وسكون الهاء وفتح اللام وبعد اللام هاء تأنيث. وكان فقيها متأدبا راويا للشعر ويقول شعرا حسنا وكان عارف أدبيا أربيا مقبول الكلمة في بلده توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
فيها توفي الفقيه البارع أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن عبد الحميد المسابي نسبة إلى قوم يعرفون ببني المساب وشهر بابن الحميدي نسبة إلى جده عبد الحميد. وكان في بدايته إسماعيليا. ثم انتقل إلى مذهب الشافعي. وتفقه بابن جبر وبالقاضي عمر بن سعد في الفقه والحديث وأخذ الأصول على رجل غريب يعرف بالأريلي وأخذ النحو عن الوشاح وأيه انتهت رئاسة الفتوى في مدينة صنعاء ونواحيها على مذهب الإمام الشافعي وتوفي في شوال من السنة المذكورة وله نيف وتسعون سنة والله أعلم رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن عمرو بن محمد بن عمرو الساعي وكان فقيها ورعا وصالحا فاضلا عارفا بالفقه والحديث تفقه بابيه عمرو بن علي وبسليمان بن الزين وأخذ عن أبي الخير بن منصور الشماخي. وكان له صهر يصحب عباس بن عبد الجليل. فلما توفي الأمير عباس بن عبد الجليل وشا بعض الوشاة إلى الملك الأشرف بصهر الفقيه. وذكر أن تحت يده مالا لأمير عباس فلزم الأشرف وأراد مصادرته فتقم الفقيه إلى باب الأشرف وكان يومئذ في المهجم إذ هي أقطاعه من أبيه المظفر فلما علم الأشرف بوصول الفقيه إلى بابه استدعاه فلما دخل عليه رحب به وأكرمه واجله فلما كلمه في صهره قال له قد شفعتك فيه بشرط انك تقف تدرس في المسجد الذي بناه الوالد في أواسط المحالب فأجاب بالقبول والطاعة. ثم تقدم ودرس في المسجد المذكور مدة وهو قلق غير راض وكان مهما حصل له من الطعام أنفقه على الطلبة المنقطعين أو في بعض وجوه البر ولم يزل على ذلك حتى دخل عليه يوما فقير فسلم عليه وسأله أن يكتب له شفاعة إلى صاحب الحادث بان يركبه في بعض الجلاب إلى جده فكتب له الفقيه فلما فرغ قال له لفقير يا فقيه أجدك في فكر وفي نفسك شيء وقد أحببت أن أسمعك أبياتا توافق المعنى وهي (1/139)
كن عن همومك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا
وابشر بعاجل فرحة ... تنسى بها ما قد مضى
فلربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا
ولرب أمر مسخط ... لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشا ... فلا تكن متعرضا
فوقع في نفس الفقيه الترك للمسجد والزهد في جميع العلائق ثم جعل يفكر في الأبيات ثم أفاق فمل يجد الفقر. فطلبه وأمر من تبعه الطريق فلم يوجد له خبر فخرج الفقيه من فوره عن المسجد سائرا قاصدا يريد بلده فمر بالجبرية وهي قرية من قرى تلك الناحية. وكان فيها تلميذ لأبيه فلقيه هنالك فاستوقفه يريد إكرامه فوافقه ودخل لمسجد بينما يهيئ رأسه شاخصا ببصره إلى السماء حتى انقضى النهار وبقي مطروحا لا يجيب ولا يتكلم. فحمل عن المسجد إلى بلده فادخل يته فأقام سنة لا يفهم منه أمرا ولا أكل شيئا من الطعام غير شربة لبن ثم فتح عليه عقيب ذلك بمكاشفات وكرامات وبكلام في الحقيقة.
فمن قوله لذعات الغفلة في قلب المراقب أعظم من لدغات الحيات والعقارب.
ثم أقام سنة أخرى لا يأكل شيئا وفي السنة التي مات فيها أقام تسعة أشهر لم يذق طعاما. ثم أكرمه أهله قبل موته تسعة أيام على طعام وكانت وفاته يوم الاثنين ثاني عشر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة أيضا توفي الفقيه الفاضل أبو محمد الحسن الشرعبي نسبة إلى شرعب بن سهل بن زيد الجمهور بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم العطمي بن عبد شمس الملك بن وايل بن الغوث بن حمدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبأ أو إلى الناحية التي تسمى شرعب. وهي ناحية مشهورة قبلي مدينة تعز سميت باسم شرعب بن سهل المذكور.
وكان المذكور فقيها فاضلا بارعا في الفقه مشهورا خرج من بلده نقدم زبيد. وكان فقيها يومئذ علي بن قاسم الحكمي ثم خرج من زيد فقدم موزع فأقام بها مدة ثم انتقل عنها إلى البرقة فأقام بها أيضا فلم تطب له فطلع إلى تعز وقصد القاضي بهاء الدين وهو يومئذ قاضي القضاة ووزير فشكى عليه حاله فولاه قضا موزع والزمه الدخول فيه الزما. فنزل إلى موزع قاضيا فسار في القضا سيرة مرضية ووقفت عليه امرأة من الرسابيين أرضا وبنت مسجدا وسألت من الفقيه أن يكون مدرسا في ذلك المسجد وله غلة الأرض الموقوفة فأجابها إلى ذلك. وتفقه به جمع كثير من موزع ونواحيها.
وفي تلك المدة ابتنت الحرة مريم بنت الشيخ العفيف زوجة السلطان الملك المظفر مدرسة في زبيد وهي المدرسة المعروفة في زبيد بمدرسة مريم. وتعرف بالسابقية أيضا. ثم سألت من الفقيه أن يكون هو الذي يدرس فيها إذ كان أكبر فقهاء الوقت العاملين وذلك لما بلغهم من فضله فاستدعاه السلطان إلى تعز وسأله أن ينتقل إلى زبيد بسبب التدريس في المدرسة المذكورة فاشترط إبقاء. ولده في قضاء موزع نائبا. فأجيب إلى ذلك ثم انتقل إلى زبيد فدرس في المدينة المذكورة.
قال الجندي وأدركته فيها فقرأت عليه بعض المهذب تبركا لما ذكر أنه من أكابر أصحاب الفقيه علي بن قاسم. وقد تفقه به جماعة وقصده الطلبة من نواح كثيرة. وأقام في زبيد عدة سنوات حتى كبر وهرم وضعف عقله وبصره. ثم عاد إلى موزع وجعل مكانه في تدريس المدرسة المذكورة محمد بن عبد الله الحضرمي. وكان إذ ذاك معيده في هذه السنة المذكورة وهي سنة المجاعة الشديدة رحمه الله تعالى. (1/140)
وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن يوسف بن شعيب بن إبراهيم. وكان فقيها فاضلا عارفا تفقه بابن النحوي وابن البويم. وكانت وفاته في المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وسبعمائة وصل الأمير بدر الدين مكتوب المرقبي سفيرا من الديار المصرية إلى اليمن يخبر بانتصار المسلمين على عسكر التتر بمرج الصفر وكانت عدة قتلى في الوقعة المذكورة يومئذ مائة ألف قتيل فاحتفل السلطان بالرسول الوارد إليه بكتاب النصر ودقت الطبلخانة وأعلن السرور والبشائر وخرج أعيان الدولة بأسرهم من الوزراء والأمراء والمقدمين يتلقون السفير. وقال الشريف إدريس بن علي في ذلك
لم تأتك الرسل من مصر وساكنها ... إلا مؤدية حقا لكم يجب
وحين لاحت قصور الحصن لاح لهم ... من نور وجهك ما لا تستر الحجب
واستقبل العسكر المنصور فانصدعت ... قلوبهم فهي في أجوافهم تجب
كتائب مثل ضوء الشمس قسطلها ... غيم فساروا بليل والقنا شهب
خفت بهم فرأوا أسدا ضراغمة ... عاداتهم في الورى أن غولبوا غلبوا
وكيف لا والأمين الروح يقدمهم ... في كل روع وحيزوم به يثب
وعاينوا منك وجها طال ما سجدت ... له الملوك وقامت باسمه الخطب
وأمر السلطان رحمه الله تعالى بإكرام السفير المذكور وإنزاله مكانا يناب حاله. وأفيض عليه الأنعام التام. وكتب له جواب في معنى ما جاء به وعاد إلى مخدومه قافلا إلى مصر.
ثم وصلت الأخبار بوصول عسكر جرار من الديار المصرية إلى مكة المشرفة حرسها الله تعالى فاخذ السلطان بالحرم. وتوجه من تعز إلى زبيد في آخر ذي القعدة وأمر بعمارة البرك. وبعث بمقدم في قطعة من العسكر المنصور إلى هناك. ولما انقضى الحج وصل العلم بان الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة في الديار المصرية حج في جيش عظيم. وإنه تصدق على أهل الحرمين بصدقة عظيمة.
قال ابن عبد المجيد في كتابه بهجة اليمن ان صدقته تنيف على ستمائة ألف درهم. ومن الغلة الجيدة المحمولة في البحر من جهة القصير إلى جدة عشرة آلاف أردب وإنه لم يترك بالحجاز في تلك السنة من عليه دين. قال بلغني أنه أدخل أقطاعه وضماناته مستأجراته وأجرة عقاره بمصر والشام في يوم مائة ألف درهم خاصة لحراسه خارجا عن كلفته المختصة بحاشيته انتهى.
وفي هذه السنة وصل رجل من التجار من بلاد الخطأ عن طريق الصين يقال له عبد العزيز بن منصور الحلبي بمال يعظم شأنه وكان معه من الحرير ثلاثمائة بهار البهار الواحد ثلاثمائة رطل بالبغدادي ومن المسك المفرغ في أواني الرصاص أربعمائة رطل وخمسون رطلا ومن الفخار الصيني جملة مستكثرة ومن الأواني الشم المطعمة بالذهب من الصحون الكبار جملة جيدة. ومن الثياب المختلفة الألوان مثل ذلك. ومن المماليك والجواري شيء كثير. ومن الفضة الماس خمسة أرطال زعم إنها صدقة للمحرمين على يديه من تجار تلك الناحية فتقرر عشور ما وصل به إلى ثغر عدن المحروس ثلاثمائة ألف درهم.
فلما استقر بعدن توجه إلى الباب الشريف فتلقاه الكريم الهزبري بالأنعام العام فقم بين يدي نجواه هدايا عينا وتحفا استحسنها فبرز المرسوم بقبولها. وأفاض السلطان عليه خلعا نفيسة وأعطاه المراكب السنية. وكتب عوضا عما قدمه بأضعاف ذلك. وتقدم المرسوم الشريف إلى نواب الثغر المحروس بإجلاله واحترامه. وخير بين السفر والإقامة فاختار الرحلة إلى صور مصر ونواحيها ليحدد عهدا بأهله.
وفي هذه السنة المذكورة أوقع الشريف إدريس بن علي بالجحافل وقعة أبان فيها عن همة علوية وشهامة حسنية. وكان جملة من اجتمع فيها من الجحافل أربعين فارسا وألفا ومائتي راجل. وكان الشريف في مائتي راجل وأربعين فارسا فقتل من الجحافل مقتلة عظمة وقتل من العسكر نفر يسير منهم الشريف علي بن محمد الأبرص وهو ابن عم الشريف إدريس وفي هذه الوقعة يقول الشريف عماد الدين إدريس بن علي رحمه الله حيث يقول (1/141)
ولو لم تخني عند صنوى كبوه ... من الأحمر الحناس ما فات مطلب
ولكن خرصان الرماح تشاجرت ... هنالك حتى كاد يؤدي ويعطب
فلو كان فيمن أدركته رماحنا ... صريع لنا وثأر يعد ويحسب
فقد صرعتت حوليه سبعون أغلبا ... تهاد أهم في القفر ذئب وثعلب
وفي هذه السنة توفي الأمير أبو سلطان المستولي على تلمص وكان قد اتفق هو والأمير جمال الدين علي بن بهرام على تسليم الحصن للسلطان وتراهنا على ذلك فغلب المرتبون بعد موته على تمام الأمر وباعوه بعد موته على الأمير علي بن موسى بن أحمد بن الإمام فسار نحوه بشحنة من الطعام آخر الليل. فلما علم بن بهرام خرج من صعدة نحوهم. فوقع بينهم قتال شديد وتلازم الأميران علي بن موسى علي بن بهرام وقتل فارسان من الفريقين. وكان السلطان قد أرسل الأمير علي بن موسى لصلاح صعدة. وأرسل الأمير عباس بن محمد بن عبد الجليل إلى بلا تاج الدين لمحاربته. فكان من علي بن موسى ما كان.
ولما طلعت الشحنة إلى تلمص وصل الأمير المؤيد بن أحمد الهدوي. وكان من علماء الزيدية وفضلائها وذوي السن والرئاسة فأقام في محطة الأشراف أياما. وكانت محطتهم تحت حصون الأمير موسى.
وفي خلال ذلك وصل الأمير محمد بن مظهر بن طليمة قاصدا صعدة فلقبه الأمير المؤيد بن أحمد إلى بلدي عوير ثم لقبهم الأشراف بجمع جيد من الخيل وساروا جميعا يريدون تلمصا فركب الغز من صعدة وعارضوهم فحصل بين العسكرين قتال عظيم. فانهزمت ميمنة عسكر السلطان وميسرته وثبت القلب ثباتا حسنا فلما انهزم أصحابهم لم يتمكنوا الاستقرار بعد انهزام الجيش فساروا بعدهم. وقتل يومئذ أيبك الحجازي الأشرفي وكان من الشجعان المعدودين وقتل معه ثلاثة فرسان وأربعة من الرجل وأخذ من أخيل سبعة رؤوس وسار الأشراف من فورهم إلى مدينة صعدة. وذلك في النصف الثاني من شعبان من السنة المذكورة. فأقتم الأشراف في صعدة أياما ثم كاتبوا في الصلح فانعقدت الذمة إلى سلخ الحجة على إخلاء صعدة من الفيقين. ونزل الشريف شكر إلى الأبواب الشريفة السلطانية لتمام الصلح وسار معه الشريف داود بن عز الدين فلم ينصف فعاد غاضبا إلى أصحابه فعلموا على تمام الذمة. وجهز السلطان جيشا للأمير شمس الدين عساس بن محمد في مائتي فارس ومقدمين من مذحج في آخر القعدة وتراسلوا في الصلح على تمام الذمة الأولى.
وفي هذه السنة توفي الملك الظافر قطب الدين عيسى بن الملك المؤيد. وكانت وفاته في حصن تعز يوم الرابع والعشرين من المحرم. وحضر دفنه أخوه الملك المظفر وعمه الملك المنصور. وكافة أعيان الدولة وقبر في مدرسة والده التي أنشأها في ناحية المعزية من مدينة تعز ورثاه العفيف عيد الله بن جعفر بقصيدة بديعة الاستهلال فأولها
يحق لكل قلب أن يذوبا ... من الحزن الذي صدع القلويا
على قطب رسولي جواد ... أصيب به الورى لما أصيبا
وكان ملكا ذا همة بارعة. وعزمة لإبكار المعالي فارعة. وأمر والده السلطان يومئذ بذبح خيله الخواص حين حملوه على الرقاب. وما كان أحقه بقول الأول
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ترجى الحيا منه وتخشى الصواعقا
وفيها توفي الفقيه الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن أسعد بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي الفتوح بن علي بن أبي الفتوح بن علي بن صبح الأصبحي. وكان مولده لخمس بقين من ذي الحجة سنة أربع وأربعين وستمائة. وتفقه بالفقيه عبد الوهاب بن الفقيه أبي بكر بن ناصر. ثم بابن خاله محمد بن أبي بكر وعليه أتقن الفقه وحققه فكان غالب قراءته عليه بالمصنعة يختلف إليه من الذيتين كل يوم اثنين وكل خميس وقد يقف في المصنعة الأيام ذوات العدد. ثم لما أكمل الفقه أخذ عنه كتب الحديث أيضا وكان من المحققين للفقه العارفين به لم يكن له نظير في عصره وتصنيفه الموجودة تشهد بذلك. ومن تصانيفه المعين وغرائب الشرحين وأسرار المهذب وكفى بالمعين شاهدا. وله فتاو كثيرة مشهورة. وكان فقهاء عصره جميعا يرجعون إلى قوله ويسألونه ويعتمدون جوابه وكان جميل الخلق دائم البشر حسن الألفة محب الأصحاب ويتألفهم ويعجبه اجتماعهم. وله كرامات كثيرة ومكاشفات. واجمع أهل عصره على ورعه وزهده ونزاهة عرضه وانه يقول الحق ولو على نفسه. وتفقه به عدة من أهل عصره من نواح شتى منهم سعيد بن أبي بكر وسعيد بن العودري وعمر الحبيشي ومحمد بن جبير وإسماعيل ابن أحمد الحلي ومحمد بن علي وعمه حسن وهما من العماكر. وعبد الله بن عمر ابن ايمن وأبو بكر بن المقري من أهل تعز. وأبو بكر بن حاتم السلماني وأبو بكر المغربي من الجند ويوسف بن النعمان. هؤلاء شهروا وقد أخذ عنه جمع كثير من غيرهم. ودرس في المدرسة المظفرية أياما قلائل ثم امتنع من التدريس بها. (1/142)
ومن غريب ما يروى عنه أنه خرج يباشر أرضا له للزراعة وفيها إنسان يحرث على ثورين له فنظرها مليا ثم سأل الغلام الذي يحرث له هل عنده شيء من الماء ليشرب منه. فأشار الحارث له إلى موضع فقصد الفقيه ذلك الموضع فوجد هنالك حنشا عظيما فقتله الفقيه. وإذا بالفقيه يجد نفسه في ارض لا يعرفها بين أقوام لا يعرفهم لهم خلق غريب. وفيهم من يقول للفقيه قتلت أخي. وبعضهم يقول قتلت أبي. وبعضهم يقول قتلت ابني. ففزع الفقيه منهم فزعا شديدا. فدنا منه شخص وقال له قل أنا بالله وبالشرع فقال أنا بالله وبالشرع فمضى هو وهم حتى أتوا دارا فخرج إليهم منها شيخ على هيئة الرخمة البيضاء فقعد على شيء مرتفع فادعى عليه بعض أولئك فدنا منه صاحبه الأول وقال له قل ما قتلت إلا حنشا فقال ما قتلت إلا حنشا. قال قاضيهم سمعت بإذني هاتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول من تشبه من الهوام فلا قود عليه ولا دية. قال فسقط في أيدي القوم وتأخروا عنه وتركوه وإذا بالفقيه في موضعه عند الماء الذي يريد أن يشرب منه. قال فلما رجع إلى الغلام الذي يحرث قال له إني رأيتك واقفا عند الماء ثم لم أرك بعد ذلك. ثم ما عتمت حتى رأيتك الساعة في موضعك فأين كنت. قال ما كان شيء مما ذكرت وما كان إلا خيرا إن شاء الله تعالى. وكان الفقيه مسدد الجواب موفقا للصواب. وانتفع الناس بكتبه التي صنعها نفعا عظيما وطارت في البلاد وارتحل بها إلى الأماكن البعيدة. وكان الملوك يجلونه كثيرا. وسامحه السلطان الملك المظفر في أرضه. ثم سامحه الملك الأشرف بأكثر مما سامحه أبوه. وكان وجيها عند الخاص والعام وإليه انتهت الرئاسة في اليمن أجمع. وكانت وفاته في ليلة الأربعاء الرابع عشر من المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن أبي بكر عمر بن الشيخ الحافظ علي بن أبي بكر الغرشاني كان فقيها نبيها كريما سخي النفس يطعم الطعام ويكرم من قصده. وكان صاحب إجازات وسماعات ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم السابع عشر من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو العباس أحمد بن سليمان الحكمي. وكان مولده سنة خمس وأربعين وستمائة. وتفقه بصالح بن علي الحضرمي والريمي. وكان مشهورا بالذكاء والفقه التام. وإليه انتهت رئاسة الفتوى في مدينة زبيد وأعمالها وبه تفقه جمع كثير. وكان مدرس المنصورية بزبيد ثم عزل عنها في أول سنة سبع وتسعين وستمائة. وذلك في أول الدولة المؤيدية فلزم بيته واقبل على نشر العلم تارة في بيته وتارة في الجامع إلى أن توفي سخر ليلة الاثنين الثامن من شهر شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. (1/143)
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن علي اللحي الزيادي. وكان فقيها فاضلا تفقه بالريمي واستمر مدرسا في الهكارية بزبيد وأعاد بالنظامية. وكان مذكورا بالخير إلى أن توفي ليلة الجمعة الثالث من شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عثمان بن عبد الله بن أبي بكر بن علي الوهبي ثم الكندي. وكان فقيها فاضلا تفقه بالفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وابن عمه محمد وكان معاصرا لأحمد بن عبد الله الوزيري توفي في مدينة زبيد لأربع خلون من صفر من السنة المذكورة رحمه الله. وخلفه ابن له اسمه محمد توفي بعد أبيه في رجب من السنة المذكورة بعد أن بلغ عمره سبعا وخمسين سنة والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العتيق أبو بكر بن عيسى بن عمر وكان يعرف بالسراج. وكان فقيها كبيرا مشهورا من أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وكان صالحا سليم الصدر تغلب عليه البداوة لكونه من أهل البادية من قرية من وادي زبيد تعرف بالهرمة. وكان قائلا بالحق آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يحاشم في ذلك صغيرا ولا كبيرا. وكان مدرسا في المنصورية الحنفية بزبيد بعد الصمعي. وكانت وفاته في زبيد يوم السابع من شهر جمادى الآخرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو الخطاب عمر بن علي العلوي الحنفي وكان فقيها ماهرا ورعا كريما جوادا. ولد سنة أربع وستين وستمائة وتفقه بجده لامه ألفيه الإمام أبي بكر بن عمر بن حنكاش وابتنى مدرسة في مدينة زبيد خص بها أهل مذهبه من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله. وله تصنيف حسن جيد يدخل في سبعة مجلدات يسمى منتخب الفنون. وكان شاعرا فصيحا مفوها. وقد أودع المذكور كثيرا من شعره وهو كتاب نفيس حسن ممتنع يدل على إطلاع كثير وعلم غزير وكان له خزانة كتب ليس لأحد مثلها يقال أنه كان فيها خمسمائة ديوان من الشعر. وكان له عدة أولاد وهم محمد وأبو بكر وعلي وعثمان وإبراهيم وإسماعيل ويوسف وداود وغيرهم. وقد انتهت رئاسة العلم إلى ولده إبراهيم وانتهت رئاسة الدنيا إلى ولده يوسف وهما أكثر أولاده ذرية وامتحن الفقيه عمر المذكور في آخر عمره بخدمة الملوك فصادره السلطان الملك المؤيد مصادرة شاقة توفي عقيبها. وكانت وفته يوم السابع من رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر عبد الله بن محمد بن سليمان وكان يعرف بابن زريق واصله من جبلة. وكان فقيها حبرا له مروءة تفقه بابن العزاف وابن الصفي وابن عباس. وكان مآلفا للأصحاب واستمر مدرسا في الوزيرية. وكان القضاة بنو محمد بن عمر يشفقون عليه إلى أن توفي على ذلك غرة جمادى الآخرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو القاسم بن علي بن عامر بن حسين بن علي ابن أحمد الهمداني. وكان فقيها فاضلا تفقه بحجة. وكان قد قدمها في جملة عسكر علي بن عبد الشغدري. ثم ولي قضاء عدن من قبل بني محمد بن عمر فأقام في القضاء هنالك سنين إلى ان توفي على ذلك ليلة الخميس الثاني عشر من القعدة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه المشهور أبو بكر بن قيصر. وكان فقيها ماهرا تفقه بابي الحسن الأصبحي وغيره. توفي في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح عثمان بن الفقيه هاشم الحجري. وكان فقيها ماهرا تفقه بالفقيه عمر بن علي الساعي ثم صحب الشيخ عيسى بن حجاج الغيثي والشيخ علي السنيني. ففتح الله عليه في الحكمة فكان يقول أقوالا كثيرة. وفسر أقوال المحققين تفسيرا نافعا. وكان يتكلم بحضرة الشيخين فيقبلان منه ولا ينكران عليه. توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. (1/144)
وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن عيسى بن عمر بن عثمان الهرمي الملقب بالصفي وهو أخو الفقيه أبي بكر بن عيسى المعروف بالسراج الحنفي المذكور أولا. وكان الصفي فقيها ويغلب عليه الأدب وله شعر رائق ويتعانى الزراعة توفي في السنة المذكورة. وكان له ولد اسمه يوسف كان من أعيان الرعية خيرا جيدا له مروءة قل أن تلد النساء مثله. توفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الخير أحمد بن إبراهيم بن سالم بن مقبل كان فقيها خيرا محبا لأبناء الجنس توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن شبيل تصغير شبل. قال الجندي نسبه همدان وكان يسكن ريمة الأسابط. وكان فقيها صالحا عارفا بالفقه توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن محمد بن علي بن أبي بكر بن علي بن محمد الحكمي. وكان فقيها صالحا عالما درس بالعاصمية في زبيد إلى أن توفي في المحرم أول شهور السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن صالح الحسيني نسبة إلى جد له أسمه حسين. وكان فقيها فاضلا تفقه بتهامة على عمرو بن علي الساعي وعلى عبد الله بن محمد الدياني. وكان فقيها نقالا لفروع المذهب. وكان الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل يراجعه ويثني عليه. وله أجوبة فقهية تدل على تجويده. وكانت وفاته في السنة المذكورة تقريبا والله أعلم.
وفي سنة أربع وسبعمائة توجه الأمير جمال الدين نور بن حسن من حرض إلى صعدة مددا لعباس بن محمد بن عباس وعلي بن بهرام. فأخرب الأمير عباس بن محمد زرع الأشراف بصعدة ومخاليفها. ودخل علائق ومحريم نيف وثلاثين فارسا في ثغر صعدة وثلاثمائة رجال ونزل الجوف. ثم وصل صنعاء ثم توجه نحو اليمن. فلما خلت صعدة من العسكر جمع آل شمس الدين عسكرهم ونزلوا الجوف فأقاموا بسوق آل دعام ثلاثة أيام وقد جمعت المخاليف السلطانية في الراهز وكانت لهم عمولة في نعمان.
وفي صفر لزم السلطان الأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين وولده والشريف شكر بن علي القاسمي وأمر بلزم أولاده حيث كانوا. وذلك لما وقع في خاطر السلطان من فعلهم في صعدة وتلمص فأدبهم بآداب مثلهم.
وفي هذا التاريخ برز الأمر العالي بتجهيز الأمير أسد الدين محمد ابن نور سفيرا إلى الديار المصرية فاتصل العلم أن الأمراء بمصر عبثوا بالسلطان وإن البلاد على غير وضع فأخر السلطان ذلك العزم وحمل لابن نور أربعة أحمال طبلخانة وأربعة أعلام وعاد إلى أقطاعه.
وفي جمادا الأولي من السنة المذكورة زالت الشدة وارتفع الغلاء ورخصت الأسعار في جميع نواحي اليمن ورجع المقدم الذي تقدم لعمارة البرك وهو موسى بن أبي بكر بن علاء الدين وكان الشريف طاهر ابن أبي يمي قد وصله إلى البرك من مكة حرسها الله تعالى قاصدا للباب الشريف السلطاني فسارا معا فلما بلغا قريبا من اللؤلؤة لقيتهم جهينة فانهزم العسكر وتأخر الشريف طاهر على الناس فقتل وأخذت أثقالهم ودوابهم.
وفي شهر رجب من السنة المذكورة تقدم الركاب العالي من زبيد إلى محروسة تعز فأقام شعبان وحصل عليه توعك عقيب طلوعه فأرجف الناس بذلك وامتلأ اليمن خوفا فمن الله تعالى بعافيته في النصف الأخير من شعبان ولم يزل في ثعبات إلى يوم العاشر من شهر رمضان ثم طلع الحصن وكان يوم طلوعه يوما مشهودا.
وفي شهر شوال أقطع السلطان ابن بهرام مدينة أبين وأعمالها. وتجهز ابن نور نحو الديار المصرية في أول شوال وقد أقطعه السلطان القحمة فسار في أوائل الشهر المذكور بأنواع التحف السنية من الفضيات على اختلاف أنواعها كالطشوف والأباريق والصلاحيات والمجامر والأكر والقرابات وسواري العود والصندل والقطع الكبار من العنبر ونوافج المسك وما عظم شأنه من فخار الصيني واليشم من الصحون والزبادي ما لم يكن شرحه من الحسن. ومن الخدام الحبش والقنا الهندي والمراقد الصينية ومن المراتب المذهبة والشاشات الرفاع والسلقانيات. ومن الثياب المذهبة الصينية ما عظم شأنها. ومن الأواني والأطباق والصناديق مملوءة بالمسك المفرغ والشاه صيني والكافزر التيار جملة أخرى. وما يتعلق بالحوائج خاناة كالفلفل والقرنفل والزنجبيل واللك والبقم أبهره. ومن الوحوش كالفيل وحمار الوحش والزرافة كلها مكسوة بالحرير والأطلس الملمع بالذهب ومن الخيل المسومة العربية الأصائل اللائقة بحال المرسل إليه. نقل ذلك مركبان عظيمان. ومثل هذه الهدية لا تكاد تتأخر بين عامين أو ثلاثة طلبا للمودة والمحبة واستمرار على ما يعهد من الصحبة. (1/145)
وفي هذه السنة توجه الأمير سيف الدين طغريل نحو الباب الشريف متبرئا من صنعاء بسبب معارضة حصلت بينه وبين الطواشي ياقوت متولي الأملاك السلطانية فأبرأه السلطان منها وأقطعها ولده المظفر وسار نائبه لقبضها في ثاني عشر ذي القعدة.
ثم أن الأمير شمس الدين عاد إلى عمان مرة أخرى وجاءهم الإمام محمد ابن المطهر إلى هنالك فجهز السلطان لحربهم الأمير سيف الدين طغريل فقصدهم إلى عمان فنزلوا الجوف فقصدهم إليه فطلعوا صعدة فسار بعدهم وأغار إلى فللة وأخرب ما قدر عليه من مخلافهم. ووقعت ذمة إلى آخر القعدة. وعاد إلى صنعاء فدخلها خامس خروجه من صعدة.
وفي شهر ذي الحجة كانت الوقفة بالجمعة وحج خلق كثير من مصر وكان الأمير الحاج الكبير ركن الدين بيبرس الحاسكي وحج معه عدة من الأمراء المصريين. ووصل معهم الشريفان رميثة وحميصة ولدي أبي نمي. وكانا بمصر معتقلين كما ذكرنا أولا. فلما انقضى الحج أحضر الأمير ركن الدين بيبرس الشريفين أخويهما أبا الغيث وعطيفة وعلمهما أن صاحب مصر قد ولى أخويهما رميثة وحميصة فلم يقابلا بالسمع والطاعة. فحصلت بينهما منافرة. وكان في مكة والمدينة غلاء عظيم حتى بلغ المد الحنطة عشرين درهما والذرة ستة درهما. واستمر رمثية وحميصة في البلد وأظهرا حسن السيرة وأبلا شيئا من المكوس.
وفي هذه السنة وصل عبد الباقي بن عبد الحميد من ثغر عذر إلى الأبواب الشريفة السلطانية يريد أن يكون كاتب الإنشاء فحصلت معارضات أوقعت عدم الاستمرار وكان عمره يومئذ ثلاثا وعشرين سنة. فلما لم يتفق له ذلك توجه نحو الديار المصرية وهو ينشد قول الشاعر
أيا ماء العذيب وأنت عذب ... تعرض دونك الماء الوخيم
وفي هذه السنة توفيت الحجة المصونة بنت الأمير الأجل الكبير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول زوج مولانا السلطان الملك المؤيد وكانت عنده عزيزة كريمة لأنها بنت عمه ابن عم أبيه. وكانت كثيرة المروءة حسنة الشفاعة. فعز عليه فقدها وأمر بالقراءة عليها في سائر جوامع مملكته. وحملت من رأس حصن تعز تحت الشخانات الحرير وإمامها ملوك بني رسول. ودفنت في مدرسته التي أنشأها. وكان دفنها يوما مشهودا رحمة الله عليها.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن آدم المعوف بالجبرتي نسبة إلى ناحية من بلاد الحبش يقال لها جبرت وكان فقيها ورعا زاهدا صاحب مسموعات وإجازات أخذها عن الإمام أبي الخير بن منصور الشماخي وغيره. وهو الذي يعرف به مسجد الجبرتي الذي في مدينة زبيد عند الخان الجديد المجاهدي.. وكان غالب دهره لا يفارق المسجد إلى أن توفي على ذلك ليلة الأحد الثالث من شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن أبي القسم الشعبي وأصله من أشعوب دنجان. وكان رجلا صالحا كثير العباد له قدر عظيم عند الناس. توفي في السنة المذكورة وخلفه ولده أبو الخطاب عمر بن أبي بكر. وكان من خيار أولاد الفقهاء شريف النفس عالي الهمة له دين رصين. وكان صبورا على إطعام للخاص والعام فلذلك لحقه دين كثير. وتوفي على الحال المرضي سلخ صفر من سنة تسع عشر وسبعمائة رحمه الله تعالى. (1/146)
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن أحمد العسيل. وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة وأربعين وستمائة وأهله يعرفون ببني عسيل من فقهاء قائمة بني حبيش وخطبائها. قدم هذا إلى جبلة طالبا للعلم ثم تقدم إلى رباط المقداحة على حياة الشيخ علي بن عبد الله فجعله إماما له وللجماعة.
ويروى أنه رآه يوما وفي يده خاتم فضة فأبعدها منه ثم لما عاد إلى جبلة أقبل على قراءة الفقه. فلما كان في بعض الأعياد التي يتحارب فيها أهل جبلة وأهل البادية دخل الفقيه سفين الجامع فلم يجد فيه أحدا إلا هذا الفقيه مكبا على مطالعة البيان فأعجبه ذلك منه وعزمه على القعود معه ثم زوجه بابنته. ولما توفي استخلفه على مسجده فلم يزل به مدة. ثم ارتحل إلى مصنعة سير فتفقه بها. ومن شيوخه الذين تفقه بهم أبو بكر العراف وعباس البريهي وصهره سفين. ولما ولى بنو محمد بن عمر بامرأته وولدين له. وكانا قد تفقها فلما وصلوا حازان توفيت الزوجة رحمها الله في منتصف شعبان من السنة المذكورة ثم لما صاروا في مكة توفي ولده الأصغر وكان اسمه أحمد وكان جيدا تقيا شريف النفس عالي الهمة. ثم حج الفقيه وابنه الآخر فلما انقضى الحج عزما على الرجوع إلى اليمن فتوفي الفقيه في جدة سلخ ذي الحجة من السنة المذكورة رحمهم الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أحمد بن عمر الزيلعي الحبرتي وهو الذي يعرف بصاحب المحمول نسبة إلى مسجد على ساحل المحالب. وكان فقيها كبير القدر مشهور الذكر معروفا بالعلم والعمل صاحب كرامات ومكاشفات.
قال الجندي أخبرني الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد الحلي وكان قدم علينا الجند قال قدمت عليه زائرا فبينا أنا عنده إذ قدم عليه جماعة يزورونه ومعهم دراهم قد جاءوا بها فوضعوها بين يديه فعجل يقلبها بمسواك في يده درهما درهما فاخرج منها ثلاثة دراهم فردها على شخص وستة عشر درهما ردها على شخص ثم أمر الخادم بقبض الباقي فداخلني من ذلك تعجب كثير. فحلوت ببعضهم فسألت عن سبب رد الفقيه الدراهم التي ردها. فقال أن الذي جئت بالثلاثة الدراهم وليست مني بل أعطتنيها عجوز تحت يدها أيتام ولم يمنعها من الوصول إلا خشية أن يعرفها الفقيه فيردها عليها وقد جعلتها بين دراهم مني فانتقاها الفقيه فأخرجها كأنه قد عرفها وإما الستة عشر درهما فاسأل عنها صاحبها فهو ذاك الرجل. فأتيت الرجل الذي أشار إليه وسألته عن قصة رد الدراهم فقال هي من شيخ الصميين كان مرض له فرس فنذرها للفقيه أن شفي فرسه. فلما شفي وعلم إني واصل إلى الفقيه أمر بها معي لعلمه أن الفقيه لا يأخذها منه لو وصل بها ولا يقبلها منه. فلما اجتمعت جماعة معهم دراهم فتح ناولهم إياها فجعلوها بين دراهمهم فأخرجه الفقيه بأعيانها وأعادها إلي كما رأيت.
قال الجندي وسألت هذا الذي اخبرني عنه بقصة الدراهم عن سيرته فقال أنه كان لا يكتسب بحراثة ولا زراعة ولا دروزة ومتى علم بأحد من أصحابه أنه بدروزة طرده وكرهه. وتوفي في قرية اللحية تصغير لحية الرجل وكان وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح حسين بن أبي بكر بن حسين السودي بفتح السين المهملة نسبة إلى بني سود. وكان فقيها صالحا فاضلا مشهورا بالفقه والصلاح وشهرت له كرامات كثيرة وكان معظما عند الناس. تفقه على سليمان بن الزبير ثم غلبت عليه العبادة والورع وسلوك طريق فقهاء الناحية لكن بلغ الملوك عنه أنه يتصل بإمام الزيدية في عصره وهو محمد بن مطهر فكرهوه وهموا بأذيته فكان لا يستقر في موضع ينالونه فيه. وكان ينكر على القراء الرقص والسماع فلذلك أجمع الفقراء والفقهاء عليه ولم يزل حذرا من السلطان حتى توفي في السنة المذكورة بعد الفقيه أحد الزيلعي بشهرين أعني المذكور قبله.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو سعيد محمد بن الفقيه عبيد بن أحمد بن مسعود. وكان فقيها ماهرا ولد في شوال من سنة إحدى وخمسين وستمائة تفقه بأبيه. وكان ذا دين وورع وصلاح توفي في السنة المذكورة والله أعلم. (1/147)
وفي سنة خمس وسبعمائة أقطع السلطان الأمير سيف الدين طغريل أبين فنزل إليها في النصف الأخير من المحرم وانفصل عنها ابن بهرام. فلما وصل الأبواب الشريفة منفصلا من أبين أمر السلطان أربعة أحمال طبلخانة وأربعة أعلام وأقطع الأعمال الرحبانية. وكانت الأشراف آل شمس قد غزوا حرض قبل وصول ابن بهرام إليها وافسدوا في نواحيها. وكان فيها مقدم ورتبة من عسكر السلطان فخرجوا لقتال الأشراف وقاتلوهم عند المدينة فانهزموا إلى الدرب ودخل الأشراف المدينة فنهبوا ما أمكنهم ورجعوا من فورهم. وخالف الأشراف بنو حمزة وانضم إليهم ابن وهاس فجهز السلطان حينئذ الأمير بدر الدين محمد بن عم بن ميكائيل إستاد داره في جيش أجش إلى جهة صنعاء فوقف هنالك إلى آخر شهر رمضان. ونزل بعد تمام الصلح بين السلطان وبين الأشراف على أن للسلطان ثلث مخلاف تلمص وقبضت رهائنهم على ذلك. ورجع أهل مدينة صعدة إلى صعدة فسكنوها.
وفي آخر شهر شعبان من السنة المذكورة تبرأ الملك المظفر من صنعاء وتوجه إلى حرم أبيه فاقطعها السلطان الأمير سيف الدين طغريل فسار حصنا فلما وصل ذمار أقام بها إلى شهر ذي القعدة. وقبض في مدة وقوفه حصنا من حصون بني عبيدة. وفي الرابع والعشرين من رمضان اقطع السلطان الأمير عماد الدين إدريس بن علي أبين وما ينضاف إليها. وفي النصف من شوال أمر السلطان بإعادة الجحافل على جوامكهم قد قطعها منهم منذ سنتين على سبيل الأدب.
وفي هذه السنة المذكورة رجع الأمير أسد الدين نور من الديار المصرية بعد أن عومل بما يجب من الإكرام. ووصل معه سفير من هنالك يقال له مبارز الدين الطوري فأقام في تعز أياما. وحضر المقام السلطاني فقوبل بالإكرام والأنعام. ثم سار إلى زبيد أقام إلى أن تهيأ له السفر إلى مخدومه فسافر.
وفي هذه السنة المذكورة حج من مصر والمغرب وبلاد العراق والعجم ومن اليمن خلق كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. واجتمع في عرفة ثلاثة ألوية لصاحب اليمن ولصاحب مصر ولصاحب العراق حذابذة وهو الشجاع باللغة التركية. وحصل الحرب بمنى بين المصريين والحجازيين. وكان أمير الركب المصري الأمير سيف الدين أنغه وكان فظا غليظا سفاكا مقدما على الجرائم. فقتل جماعة من السرو وشظهم ولم تدخله شفقته عليهم ولا رحمة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الكاشغري نسبة إلى بلد في أقصى بلاد الترك. وكان حنفي المذهب. وقدم مكة حاجا فأقام فيها أربع عشرة سنة صنف أيها كتابا سماه مجمع الغرائب ومنبع العجائب يدخل في أربعة مجلدات. ثم انتقل إلى مذهب الشافعي هنالك فسئل عن ذلك فقال رأيت القيمة قد قامت والناس يدخلون زمرة بعد زمرة فسرت مع زمرة منهم أيريد الدخول فحدثني شخص وقال الشافعية يدخلون قبل أصحاب أبي حنيفة فلا جل هذا أردت أن أكون مع المتقدمين وتظاهر بمذهب الصوفية. وابتنى ربطا كثيرة في أماكن متفرقة. وحكم جماعة أيضا ولما دخل اليمن ورأى أن الغالب في اليمن مذهب الشافعي تظاهر به وقرأ كتبه فقرأ المهذب في إب على الفقيه يحيى بن إبراهيم وإما النحو وغالب مصنفات ابن الجوزي ورتبه القاضي بهاء الدين في المدرسة المظفرية بتعز. وكان انثنى رباطا في ساحل موزع وغرس هنالك نخلا كثيرا وكان يختلف إليه في أيام ثمرته ويعود إلى مدينة تعز عند فراغه فلما كان في سنة خمس وسبعمائة نزل إلى موزع في أيام ثمرة النخل فأدركته الوفاة هنالك. فلما توفي قبر عند قبر الشيخ الصالح الخطيب المقدم ذكره رحمة الله عليهما.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عيسى بن أبي بكر الحكمي. وكان فقيها حبرا دينا تفقه بالفقيه أبي بكر عبد الله الريمي. وامتحن في آخر عمره بكفاف البصر إلى أن توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن أبي بكر بن رشيد بضم الراء وفتح الشين. وكان فقيها صالحا ورعا زاهدا درس في المنصورية بزبيد بعد الفقيه أحمد بن سليمان الحكمي لما عزل عنها. ولم يزل على التدريس إلى أن توفي وقت الأذان بالظهر من يوم الأربعاء ثاني عشر شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. (1/148)
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الطيب ظاهر بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عيسى المهدي اصله من قرية الملكحي ولي قضاء بغدان مدة وكان تفقه بجبلة بعبد الله بن علي العرشاني ولم يزل حاكما حتى توفي في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست وسبعمائة ملك السلطان حصن الفرائع وهو مصاقب الطويلة بحيث يختلف بينهما النشاب والحجر. فحط الريف تاج الدين علي بالفرائع ولزم حصن سريت. فخرج الأمير سيف الدين من صنعاء في شهر ربيع الآخر والأمير عباس بن محمد فكسروه وشحن الأمير سيف الدين الحصنين بأنواع الشحن بعد أن عمرها ورجع ظافرا منصورا. وكان رجوعه في شهر شعبان.
وفي يوم الثالث عشر من شهر جمادى الأخرى وكان ميلاد السلطان الملك المجاهد في مدينة زبيد. وقيل كان ميلاده في العاشر من شهر رمضان من السنة المذكورة في مجلس في دار المعروفة بدار السلطنة زبيد ويعرف المجلس بمجلس الولادة لكونه ولد فيه والله أعلم.
وفي النصف الأخير من جمادى الأخرى المذكور أخذ ابن أصهب حصن النشابة بوصاب وهو حصن عظيم يناطح النجوم وبلتبس بالغيوم من أحرز الحصون وأمنعها وأضرها وانفعها وهو من آخر معاقل اليمن والذي يحط عليه لا يراه لأنه في رأس جبل عال وليس له إلا طريق واحدة فأهم السلطان وأخذه فجهز الوزير موفق الدين إلى جبلة فجمع منها الرحل وسار السلطان إلى زبيد مبادرا كما قال الشاعر أبو الطيب المتنبي حيث يقول
أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا
ثم خرج السلطان فحط على النشابة أياما فأذعن ابن أصهب بالطاعة ووقف على قدم الاستطاعة ونزل على الذمة الشريفة وتسلم السلطان الحصن المذكور وتسلم حصونا أخرى وانثنى راجعا. فلما استقر في مدينة زبيد عملت الأفراح وضربت البشائر وهنأه بذلك شعراء دولته. وهنأه الفقيه عفيف الدين عبد الله بن جعفر فقال:
ترك الجبال أشم قاعا صفصفا ... من وعده ووعيده ما اخلفا
متقاضيا ميراثه مستشهدا ... سمر العوالي والصفيح المرهفا
تغفو عيون الصابرين نفوسهم ... عن نيل ما طلبوا وكلا ما غفا
جمع الجيوش إلى المغار ولو أتى ... للحرب قبل جيوشه فردا كفى
لا يستقر الدارعون نفوسهم ... حسب الرماد يعاصف أن ينسفا
دأب المؤيد أن يسل على العدى ... سيفا ودأب رقابها أن تقطفا
يرضى ملوك الأرض ايسر حقها ... منه وتفرح من وفاه باللفا
لا تقدر الآثام ترفو خرقه ... أبدا ولا الأيام تخرق ما رفا
العاقد الرايات لم يك زاجرا ... طيرا بمسرحها ولا متعيفا
بخبائس للحرب ليس خنائس ... تمسي وتصبح في المراكز عكفا
قامت عقاب المنجنيق وراءها ... فأشار مولانا بان تتخلفا
جمعت جناحيها ومدت عنقها ... للسير في أثر الخميس وتزحفا
نوء يجلجل من زبيد رعده الساري فصاب وصاب غيثا وكفا
حتى إذا ما السيف بالغ خطوة ... فيها وحثحثه السباق فأوجفا
وجرت سيول من دم لو أنها ... ماء لكان ربيعهم والصيفا
ورأوا من النيران حول قلاعهم ... عدد الكواكب في السماء ونيفا
فتوجسوا أن الطبول زلازل ... كادت بهم وبطودهم أن تخسفا
طرحوا نفوسهم على أبوابه ... فعفى ومثل أبي المظفر من عفا
هربوا إليه منه فاعتصموا به ... ولكم أجار الهارب المتخوفا
مستشفعين بآل بيت محمد ... أهل الشفاعة للمسيء إذا هفا
فأقال عثرتهم وعاد بهم إلى ... ما أورثته بنو الرسول من الوفا
واتت عقائل في الححال فجاوبت ... منه الكريم الطاهر المتعففا
من لم يمد إلى الخنا طرفا ولم ... يسحب إلى طرق الفواحش مطرفا
يدعون يا سلطان عفوا بالرضا ... فأجابهم وأثابهم وتعطفا
نظر البوارق من بلاد ربيعة ... وفدت وخاف بلمعها أن تخطفا (1/149)
وهي قصيدة طويلة هذا عنوانها وفي شهر شوال من السنة المذكورة نقض الجحافل الصلح وأغاروا على لحج فقتل بينهم عباس بن أبي سقرة وكان من وجوههم وفرسانهم. وكان في ثامن الشهر أغاروا على الأجنة فقتل أيضا أحمد بن سقرة وكان أعظم من أخيه محلا فيهم. وفي يوم العشرين من القعدة تجمعوا جموعا كثيرة وقصدوا الأجنة أيضا ولم يستقروا عندها فرجعوا طريق الرحاح فتبعهم العسكر وأدركوهم بعد العصر وقد أصابهم سموم وتفرقوا فقتل العسكر منهم نحوا من أربعين رجلا فانكف شرهم وفسادهم.
وفي سنة سبع وسبعمائة جاءت النجوع إلى ناحية حوض فجرد السلطان لهم إلى تلك الناحية نحوا من ثلاثمائة فرس من حلقته المنصورة فأغاروا عليهم وشتتوا شملهم.
وفي هذه السنة المذكورة هرب الشريف محمد بن خالد من زبيد وكان السلطان يومئذ بها وترك رهينة أمه وأخته.
وفي جمادى الأولى خالف والي سبعان على الأمير تاج الدين وباع الحصن على السلطان فصده الأمير تاج الدين وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة فجرد السلطان لحرب الأمير تاج الدين سيف الدين طغريل وسار معه بالمنجنيق لرمي عزان فلما صار بالضلع التقى بالأمير تاج الدين وأخيه الأمير علم الدين حمزة أو كان ملتقاهم اسفل عقبة بكر فاتفقوا على الصلح وعلى خدمة السلطان وحلفهما على ذلك وخلع عليهما ورجع إلى محطته ومعه الأمير علم الدين حمزة فلما أصبحوا من النهار الثاني طلعت الأعلام السعيدة المنصورة السلطانية حصن بكر وخفقت ذوائبها هنالك طاعة السلطان. ثم نزل الأمير تاج الدين إلى المحطة فانصفه الأمير سيف الدين وخلع عليه وأعطاه جندا وكسا غلمانه وأصحابه. وانعقد الصلح بينهم وبين السلطان خمس سنين وتوجه الأمير سيف الدين إلى الباب الشريف وصبحته الأمير علم الدين حمزة ابن أحمد صهر الأمير تاج الدين محمد بن أحمد ولم يكن وصل أبواب السلطان قبل ذلك. وكان معه ابن أخيه عبد الله بن تاج الدين وجماعة من العرب.
وفي هذه السنة عزم الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة في الديار المصرية على أن يجهز الأمير بيبرس في جيش كثيف إلى اليمن. وأمر على الأمير عز الدين الأشقر شاد الدواوين أن يتقدم إلى جهة قوص لعمارة المراكب فعمر نفيفا وخمسين مركبا. وقدر الله موته وموت أولاده وعائلته وجميع أهل داره في أيام قلائل ولم يبق منهم أحد. فرجع الأمير سيف الدين سلار عن ذلك الرأي وأشار بأن يحضر الفقهاء والقضاة ومشائخ الخوانق وأصحاب الزوايا وأرباب الخير والصلاح إلى مقام السلطان الملك الناصر ليعلموه أن هذا الأمر لا يحل الأقدام عليه لان اليمن بلاد الإيمان وهي بلاد العلم والعلماء والفقهاء والصلحاء وأرباب الخير وملكها ثابت الولاية مستمر الحكم قد انعقد الإجماع عليه فلا يجوز البغي عليه. فرجع السلطان عن ذلك الرأي وجعل هذا لتأخير المشير.
ولما علم السلطان الملك المؤيد بذلك منع الكارم تلك السنة حتى الرسول بالعلم بذلك واستقرت الأمور على تسفير رسول من الديار المصرية إلى اليمن ومتعمم فكان الرسول رجلا يسمى السعدي من مماليك الملك الظاهر. والمتعمم القاضي شمس الدين محمد بن عدلان أحد القضاة. وكان مضمون الرسالة تقرير الحال وإن السلطان قد رجع عما قدم عزم عليه. وفي خلال ذلك الرغبة إلى الصلح والموادعة. ثم توجه الرسولان إلى بلاد اليمن فحضرا مقام السلطان وكان السلطان يومئذ مريضا لا يستطيع الكلام واتفق أن حدث بالأمير الواصل مرض أفضى به إلى الموت فتوفي في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من سنة ثمان وسبعمائة. وكانت وفاته بزبيد في ظاهر المدينة. ورجع القاضي شمس الدين إلى الديار المصرية وصحبته جواب ما جاء بسببه.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل محمد بن عيسى بن علي بن محمد ابن أبي بكر بفتح اللام. وكان فقيها حافظا لكتاب الله تعالى ومن احسن الناس لجهة به من سمعه يقرأ استغرب قراءته وطرب له. رتبه بنو عمران إماما في الجامع بعد أبيه ولم يكن لديه فقه شاف. فلما انفصل بنو عمران أقام إماما بعدهم نحو سنة ثم فصله بنو محمد بن عمر فأقام منفصلا عدة سنين إلى أن توفي في الجنيد. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن عبد الله الجبرتي واصلح من جبرت وهي ناحية من نواحي بلاد السواد. وكان فقيها فاضلا قدم طالبا للعلم فأقام بالمصنعة أياما فقرأ على الفقيه محمد بن أبي بكر الأصبحي فتفقه به ثم بتلميذه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي صاحب المعين ثم رتبه القاضي إماما في قبة هنالك جعلوها مسجدا. ثم لما خرجوا عن سير خرج هذا الفقيه إلى الذبيتين فأقام بها إلى أن توفي في السنة المذكورة. وقبره قريب من تربة شيخه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد المذكور رحمة الله تعالى عليهما. (1/150)
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن عبد علي المعروف ووالده بالصفي الميموني. وكان فقيها فاضلا جيدا في بدايته بفقهاء تعز كان البابة وابن العراف وغيرهما. وارتحل إلى تهامة فأخذ عن الفقيه إسماعيل ابن محمد الحضرمي وغيره. ثم لما عاد إلى الجبل درس بذي جبلة. ثم انتقل إلى تعز فدرس بالرشيدية. ثم لما ابتنى الملك الأشرف مدرسته بالمغربة جعله مدرسا بها. فلم يزل بها إلى أن توفي الملك الأشرف في تاريخه المذكور أولا وكان وقف الملك على مدرسته وإنما كان يتفقد الفقيه في سائر أوقاته فلما توفي الملك الأشرف كما ذكرنا أولا قيل للفقيه هل لا انتقلت إلى بعض هذه المدارس فإن وقف هذه المدرسة لا يحملك. فقال لا أغير صحبة الأشرف حيا ولا ميتا. وكان أخذه لكتب الحديث عن الفقيه أبي العباس أحمد بن علي السرددي وعن إسحاق الطبري وعن إبراهيم بن عجلان. واليه انتهت رئاسة الفتوى في مدينة تعز ونال من الأشرف مكانة جيدة. وكان موته فجأة ليلة الخميس بقين بن صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن عثمان الأشبهي وكان فقيها عارفا قدم اليمن غريبا من ناحية الحجاز فلما وصل تعز أقام في السفينة أياما فأخذ عنه جماعة من الفقهاء فبلغ العلم به إلى قاضي القضاة يومئذ وهو الصاحب موفق الدين فرتبه مدرسا في المدرسة المظفرية. وكان يدرس كتاب الحاوي الصغير ولم يكن يعرف كتب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ولا كتب الشيخ أبي حامد الغزالي فاخذ الناس عنه الحاوي الصغير وغيره. ويقال أنه كان مدرسا ببغداد ومعيدا ولما وقف على كتاب المعين تصنيف الفقيه علي بن أحمد الأصبحي اعجب به واستنسخه وقال ما كنت أظن أن مثل هذا يوجد في زماننا ثم لم تطب له الإقامة في اليمن فاستأذن في السفر إلى عدن وسافر إلى عدن هذه السنة المذكورة سنة سبع وسبعمائة فذكروا أن المركب الذي سافر فيه غرق والله أعلم.
وفيها توفي الفقيه الفاضل الخضر بن عبد محمد بن مسعود الحبي نسبة إلى قبيلة من خلان يعرفون ببني حبي وكان فقيها مرضيا تفقه بأحمد بن سليمان الحكمي وأخذ عن محمد بن عمر بن علي الساعي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح صالح بن أحمد بن محمد بن يوسف بن أبي الخل وكان فقيها كبيرا عالما وعاملا ورعا كثير الصيام والقيام وكان يقو لدرسته لا تأتون إلا في وقت كراهة الصلاة لأنه كان لا يمل الصلاة ليلا ولا نهارا تفقه بعمر بن علي الساعي. وكان غالب أيامه صائما لا يفطر غير الأيام المكروهة للصوم وكان راتبه في كل يوم وليلة ألف ركعة. وامتحن في آخر عمره بالعمى فكان يعرف الرجل الداخل عليه قبل أن يتكلم. وكانت وفاته في السنة المذكورة بعد أن جاوز عمره سبعين سنة رحمه الله تعالى.
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد عمر بن علي بن محمد الخزرجي الأنصاري الساعدي نسبة إلى ساعدة بن كعب بن الخزرجي. وكان مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة. وتفقه بعلي بن ابن إبراهيم النحلي. وكان أول من لزم مجلسة. وكان الفقيه عمر بن إبراهيم زميله في القراءة وهو من أتراب محمد بن حسين من أهل عواجه. ودرس هذا محمد بن عمر في جامع المنكسة. وهو جامع أحدثه السلطان الملك المظفر يوسف بن عمرو جعل فيد مدرسا ودرسة. ولم يزل هذا محمد بن عمر على التدريس به إلى أن توفي إلى رحمة اله تعالى يوم التاسع من المحرم وقيل يوم العاشر منه من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثمان وسبعمائة اتفق عمارة القصر السلطاني المسمى بالمعقلي في ثعبات. وكان فراغه في النصف من صفر من السنة المذكورة. وهو قصر قصرت المحاسن في نواحيه. وأطلعت الإجادة في أفق معاليه. (1/151)
أجمع أرباب اختراق الآفاق أنه لا مثل له في شام ولا عراق. وأنهم لم يشاهدوا مثله أبدا وهو مجلس طوله خمسة وعشرون ذراعا في عرض عشرين ذراعا بسقفين بغير أعمدة له أربع مناظر بأربعة وراشن ليس فيه إلا رخام وذهب وإمامه بركة طولها مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا على حافاتها صفة طيور ووحوش من صفر أصفر ترمي الماء من أفوافها. وفي وسط البركة فواره ترمي الماء إلى السماء فيبلغ مدا بعيدا. وقباله شاذر وإن بعيد المدا يصب ماؤه إلى البركة المذكورة كان لوح من بلور لا يمكن التعبير عنه بغير هذا وفي المجلس شبابيك تفضي إلى بستان عجيب المنظر حسن المختبر والمخبر.
وكان الصناع في عمله مدة سبع سنين قال المصنف أيده الله وسمعت من حكى ممن أدرك أيام عمار أنه كان يطلع في كل يوم نحو من سبعين بغلة من الصناع الغرباء ما بين نجار ودهان ونحاس وصانع ومكندج ومرخم ومزخرف. ومصور خارجا عمن يركب الحمير ومن لا يركب من اتباعهم. وهذا ما عدا صناع البلاد وهم أضعاف أضعافهم. ولما فرغت عمارته على الصفة المذكورة أمر السلطان رحمه اله تعالى بعمل فرحة عظيمة جامعة حضرها أعيان الناس. بل عامتهم على اختلاف حالاتهم وتنوع طبقاتهم.؟ وكان السلطان رحمة الله عليه ينظر إليهم من الطبقة الثانية وأمر بإضافة الخلع على أعيان الناس وأجرى للمجمع من كرمه نوالا وبلغهم من جوده آملا. وهنأه الشعراء بذلك. وفي هذا عبد الله بن جعفر يقول
هنئت قصرا على كل القصور سما ... يا حبذا برج سعد فيه بدر سما
بنيته مستجدا تستجد به ... نصرا من الله قد أجرى به القلما
ويلتقي الأمن واليمن المقيم به ... والخلد والعز والأفراح والنعما
ففي الخلافة آيات تشاهدها ... وقوف سقف ولا شيء به دعما
أنصر التبر مبذولا لطالبه ... فنال من دونه ذوبا به رقما
بين الحدائق والأعناب قد نشرت ... منها ثياب تلف الوهد والاكما
كأنما عاد غمدان كمبدئه ... واظهر الله من أستاره إرما
كأن أربعة الجوزا رواشنه ... والجركتان كأن الفرقدين هما
بين الشبيهين شاذروان قبلته ... هما الجناحان وهو القصر بينهما
تظل منه صفوف الماء ساجدة ... مؤبات لسلطان الورى خدما
إلى سواقي رخام فوق فسقية ... فاعجب لجامد ماء فيه ذائب ما
ولخورنق حين المعقلي بدا ... كمثل ضد إذا قابلته انهزما
لم يستطع لوقوف في مناظرة ... أمامه فتولى عنه محتشما
كأنه رب جيش قد طلعت له ... ففر عنك بروح منه مغتنما
فحله في سعود في علويد ... في رفعة في بقاء ليس منصرما
في حقن كل دم أو كشف كل غما ... أوري طل ظما أو منع كل حما
أصحييت من يوسف السامي مآثرة ... فمذ وجدت بحمد الله ما عدما
وقال عبد الباقي بن عبد المجيد في ذلك ويمدح السلطان الملك المؤيد رحمه الله تعالى
دع رامة الوادي ودع سمراتها ... واترك بيوت الشعر في ابياتها
والحظ منازل آل جفنة في العلى ... من ارض صهلتها إلى ثعباتها
تجد القصور الشامخات على السها ... شرفا تريك العز في شرفاتها
تلك الجنان أما ترى أنهارها ... قد أعربت بالطيب عن ثمراتها
تجلى زواهرها ويشرق زهرها ... فكأنها الأقمار في هالاتها
مثل المجرة في انتظام قصورها ... أين المجرة من نما زهراتها
برزت بها الأغصان شبه عرائس ... نظمت عقود الدر في آيها
في كل عود من سواجع طيرها ... عود يريك اللحن من نغماتها
فخرت بها ثعبات أمصار الورى ... بجميل منظرها وجل صفاتها
وسمت بعينيها وحسن نباتها ... وتسلسل الأنهار في بحراتها
فلذا بها الطاووس فرق ريشه ... فشياته في العين مثل شياتها
ما سعت بوار وغوطة ... يوما بأزهى من بها غوطاتها
بنيانها من عسجد ومياهها ... من فضة تجري على حافاتها
وبها مشيد المعقلي فكم به ... من صنعة فخرت بحسن ثباتها (1/152)
قصر يقصر عن لحاق كماله ... باهي النجوم إذا سمت بسماتها
هذي المنازل لا منازل غيرها ... في حسنها الباهي وفي حسناتها
فلك به الملك المؤيد طالع ... كالشمس كاشفة دجى ظلماتها
فلك به الأفلاك جامدة على ... مجرى بما يختار من حركاتها
متعود بذل النوال لقاصد ... والنفس جارية على عاداتها
أيامه للقاصدين مواسم ... وبواسم عن فضلها وهباتها
ملك له في العلم أو في غاية ... أربت على الأملاك في غاياتها
بذ الملوك أبو المظفر في العلى ... لما علت هماته هماتها
حازت مناقبه شتات فضائل ... فلذاك أضحى جامعا لشتاتها
يلقى أعاديه كتائب جيشه ... والنصر معقود على راياتها
لم تلق أن شاهدت ضوء جبينه ... خططا من الأيام في نكباتها
أيامه مخلوقة لهباته ... مقصورة أبدا على لذاتها
وهذه قصيدة طويلة هذا عنوانها ولما فرغ بناء المعقلي في التاريخ المذكور أمر السلطان ببناء قصر ثان في بستان صالة وتوجه إلى محروسة زبيد يوم الرابع من جمادى الأولى فأقام بها نصف شهر وتوجه نحو مدينة المهجم فأقام بها إلى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رجب وسار إلى حجة في جيش أجش
يخف أعزلا قود عليه ... ولادية تساق ولا اعتذار
تريق سيوفه مهج الأعادي ... فكل دم أراقته جبار
وذلك حين طال الحصار على الطهرين ولم يتصل المقدمون إلى غرض فوصل السلطان إلى الجاهلي يوم الثالث والعشرين من رجب وتسلم الطهرين يوم الرابع والعشرين من رجب. ونقل المحطة والمنجنيق إلى شمسان وتواتر القتال عليه ورماه بالمنجنيق فعمل فيه المنجنيق عملا عظيما.
وكان الملك المظفر والصاحب موفق الدين ينزلان لحضور الزحفة عليه وتطاول عليه القتال إلى النصف من شعبان. ثم سلمه صاحبه وبعد تسليمه وصل الأمير تاج الدين إلى المحطة. وقد كان وصل قبله الأمير ابن وهاس وصاحب ثلا وعساكر اليمن الأعلى حتى امتلأت حجة بالعساكر. وتوسط ابن وهاس في الصلح لصاحب جراف. فعاد إلى الخدم السلطانية ورهن ولده وتوسط أيضا في صلح الإمام محمد بن مطهر على تسليم عزان وبراش ثم رجع السلطان من حجة. وكان انفصاله عنها يوم السبت التاسع عشر من شعبان. فدخل المهجم يوم الثالث والعشرين منه. وخرج من المهجم يوم الخامس والعشرين منه متوجها إلى زبيد. فأقام بها وصام شهر رمضان وعيد العيد بها.
وفي اليوم السادس عش من شوال وصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة إلى الأبواب السلطانية بزبيد بعد الامتناع الشديد والمرام البعيد. فأكرمه وأتحفه وانصفه. ولك يكن قبل ذلك وصل إلى السلطان. وكان من أعيان الشرفاء ورؤسائها. وهو صاحب الحصون الغربية كحلان والطويلة. وعدة حصون كثيرة من الحصون الصغار. فعامله السلطان بأنعامه. وأفاض عليه صيب إكرامه. وتوجه الركاب العالي إلى بحر الأهواب على ساحل زبيد. فركب الفيل عند دخوله الغارة. وأردف الأمير تاج الدين خلفه. فارتاع قلب الشريف من ركوب الفيل.
وفي ركوب الفيل يقول عبد الباقي بن عبد المجيد
الله أولاك يا داود مكرمة ... ومعجزا ما أتاها قط سلطان
ركبت فيلا فظل الفي في رهج ... مستبشرا وهو بالسلطان فرحان
لك الإله أذل الوحش اجمعه ... هل أنت داود فيها أم سليمان
وأقام السلطان في البحر أياما. ثم عاد إلى زبيد فأقام فيها أياما ثم توجه إلى تعز فدخلها يوم السابع والعشرين من ذي القعدة وأحضر الأمير تاج الدين للنزهة والفرجة في قصور ثعبات وقراصة وصهلة وصالة فرأى ملكا كبيرا وجنة وحريرا. ولما وصل السلطان إلى ثعبات كما ذكرنا هنا الأمير عماد الدين إدريس بن علي بقدومه إليها في أول العشر من ذي الحجة فقال
تهنى بك العشر الكريمة والشهر ... وتزهو بك الأيام والملك والدهر
وباليمن والإقبال حلت ركابكم ... بحيث استقر الملك والنهي والأمر
سمت ثعبات فوق كيوان رتبة ... وطالت على الآفاق وابتهج القصر
وأشرق نور المعقلي كأنما ... تبدى لنا من بين أركانه الفجر
وقد كان ظن الهجر لما رحلتم ... ورام اصطبارا وهو ليس له صبر (1/153)
فلما أتت منكم بشائر حجة ... وما فعلت فيها صوارمك البتر
تسلى عن البعد الملم وسره ... لك العز والإقبال والفتح والنصر
وحين بدا فيه جبينك مشرقا ... ولاح صياء منه يحسده البدر
زها حين ما جل ابن جفنة صدره ... ولا غزوان يزهو بك الدست والصدر
لعمري لقد آنستموا غرضا به ... وما رضيت بعدا تهامة والبحر
ولا يئست منكم أباطح مكة ... وما زال مشتاقا لك البيت والحجر
وفي كل ارض من سطاك مخافة ... وفي كل قلب من مخافتكم ذعر
وفوق محل الشمس قدرا ورفعة ... ضربتم رواق المجد فاتضح الفخر
وقلدتم كل الأنام صنائعا ... فما أحد من رق إحسانكم حر
فلا زلت للدنيا وللدين بهجة ... لياليكم زهو وأيامكم غر
تجدد في الأيام كل مسرة ... تدوم وتبقى ما لآخرها حصر
وفي شهر شوال من هذه السنة أخذ محمد بن عامش وولده من مشائخ حجة حصن ما دون وقتلا صاحبه علي بن صفصفة وأخاه إسحاق.
وفي شهر ذي القعدة وصل العلم من مكة المشرفة أن أهل مصر سلطنوا ركن الدين بيبرس الخاسكي وتسمى بالملك المظفر وكان السبب في ذلك أن بيبرس وسلار استوليا على الملك وتصرفا على الأموال والخزائن ولم يكن للسلطان منهما إلا اسم السلطنة فراجعهم في الحج وجهز أولاده في الركب المصري وسار هو نحو دمشق ليسير مع الركب الشامي. فلما خرج من مصر وملك نفسه صار نحو الكرك وصدر مماليكه بعد أولاده فاستعادوهم ولزم نفسه عن مصر وأهلها فسلطنوا بيبرس كما ذكرنا.
وفي هذه السنة المذكورة ظهر من الشريفين رميثة وحميصة في مكة المشرفة من الجور والعنف والطمع في أموال الناس ما لم يعهد منهما قبل ذلك.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بكر بن زاكي اليعلوي نسبة إلى عرب يعرفون ببني يعلي وكان رجلا مباركا صالحا. وكان من أعرف الناس بفن القرآن وانتفع الناس به وقصدوه من نواح شتى. وأخذوا عنه مصنفات في علم القرآن. وشهر عنه أنه كان يقرئ الجن أيضا ومسكنه قرية أسخن بهمزة وسين مهملة وخاء معجمة ونون على وزن أحمد. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة تسع وسبعمائة توجه الشريف عماد الدين لافتتاح الشرفين وصحبته العساكر المنصورة واتفق أن ولد علي بن صعصعة تمت له عمولة في حصن مادون فدخلته العساكر السلطانية وتمكنوا منه ولزموا ابن عامس وولده وتسلم نواب السلطان الحصن. وكذلك حصن الحربوش في بلد الحبر أيضا تسلمه العسكر أيضا. ووصل أمر السلطان بتسليم ابن عامس وولده إلى ولد علي بن صعصعة وابن عمه وولد إسحاق بن صعصعة فقتلاهما بأبويهما عند باب الجاهلي وتقدم الشريف بالعساكر من الظهيرة نحو الشرف الأعلى فاستولى على بلد سعد ببلد الحبر وحصن القاهرة ببلد المحاسنة وأخذ رهائن أهل الشريفين وتوجه نحو الشرف الاسفل يوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول فحط بلقحاح وتسلم في يومه ذلك حصن القفل وكان في يد ابن مقرعة مولى الشريف إبراهيم بن قاسم واجتمعت عساكر الشرفين مع العساكر السلطانية فكان الجميع خمسة آلاف فقصد بهم الأمير عماد الدين جبل الساهل وهو من أحرز الجبال وامنعها. وكان عند الشريف يحيى بن أحمد القاسمي يقاتل منه فجعل الشريف عماد الدين بني عمه في عسكر العرب أول الناس. وسار في العسكر السلطاني آخر الناس فلم يلقهم دون حصن أصاب أحد من الناس فحط عليه وأخذه واستولى على حصن الناصرة وسار نحو جبل المسهلة فدخل الشريف يحيى بن أحمد القاسمي رعب عظيم. وطلب الصلح على تسليم حصن العروس وهو مستقر الشريف حيث أمواله وطعامه وحصن شمسان وحصن السمول ولم يبق في يده إلا المنصورة فانتقل إليها وسلم ولده رهينة في نزوله إلى الباب الشريف السلطاني. فلما صفا الشرف الأسفل ولم يبق فيه إلا حصن المسولة للأشراف أهل جبل الحرام. ومنهم بالباب محمد بن علي وأخوه يطلبان بيعها على السلطان. فحط عليه الأمير عماد الدين في العسكر المنصور ثلاثة أيام فسلمه أصحابه بألفي دينار وطلوع الشريفين من الباب. وجاءت البشارة إلى السلطان وقد اشتراه الصاحب من الشريفين بخمسة آلاف وإفراس وكساوي فسر السلطان بأخذه وأبطل ما شرع فيه الصاحب. وسار الشريف عماد الدين إلى الشرف الأعلى. (1/154)
وفي يوم الاثنين السادس عشر قتل الأمير سيفد الدين طغريل قتله الأكراد في ذمار وكان على باب المدينة في قصر السلطان. وكان قد طلب جريدة من الباب فطلعت إليه جريدة جيدة بسبب تسليم القطع التي في البلاد فتوهموا أنه يريد القبض عليهم فقصدوه لغر الليل فاتاه النذير في تلك الليلة مرارا فضيع الحزم. وكان أمر الله قدرا مقدورا. فلما عزموا على قتله اجمعوا وخرجوا من المدينة فقصدوا محطة عسكر صنعاء فعقروا خيلهم وساروا نحو القصر فأخذوا الإسطبل فجاءهم عسكر السلطان من المماليك البحرية وغيرهم فكسروهم وطردوهم عن القصر إلى باب المدينة. ورجعت المماليك إلى الأمير سيف الدين وهو في القصر وسألوه الخروج إليهم فامتنع ولم يحفل بهم فتفرق العسكر عنه ثم قصده الأكراد فحاصروه إلى بعد طلوع الشمس فخرج إليهم على ذمة فقتلوه معه صهره وهو أستاذ داره وكاتبه ووالي ذمار وأربعة من مماليكه. فكان جملة من قتل معه ثمانية نفر وهو تاسعهم ونهبوا المحطة وما فيها من جمل وعدد وهرب من هرب سالما. ولما وصل العسكر إلى السلطان وقد أخذت خيولهم وعددهم وأثاثهم عوضهم السلطان عما فات.
وجهز العسكر مع الأمير شجاع الدين عمر بن القاضي العماد وهو يومئذ أمير جاندار وسير الأمير عباس بن محمد نحو صنعاء على طريق تهامة وحجة ومعه مال جيد استخدم به عسكرا فتأني ابن العماد في مسيره حتى خرج عباس من صنعاء وفيه الأمير علم الدين حمزة بن أحمد والأمير بن وهاس وصاحب ثلا وهمدان وعيال شريح وغيرهم فكان دخولهم هم وابن العماد ذمار في يوم الأحد وقد انحازت الأكراد إلى الوادي الحار واستولوا على حصن هزان وشحنوه ورتبوا فيه جماعة فقصدتهم العساكر إلى الوادي فقاتلوهم ثلاثة أيام فقتل في يوم منها ثلاثة من الأكراد وأخذت خيلهم. ثم تفرقت الأكراد في كل ناحية وخرب العسكر المنصور أموال الفضل بن منصور وعاد العسكر إلى ذمار فتوجه الأشراف نحو بلادهم وأقام الأميران بذمار. وحصلت المكاتبة والمراسلة بين الأكراد والإمام بن مظهر فأجابهم وسار إلى بلدي شهاب وطلب الأكراد إلى هنالك فأجابوه وسار عباس بعسكر صنعاء إلى صنعاء وسار الأكراد والإمام وغيرهم إلى قرن عنتر فأخذوه قهرا وقاتل من كان فيه وكان فيه نحو من مائة رجل. وأخذت العرب بيت برام وبيت ردم. وقاهر حضور وردمان بني خوال وزحف الإمام على صنعاء آخر شهر رمضان. وكان الأمير عباس قائما بعض العسكر بن بستان السلطان ورجعوا ورجع الإمام إلى حدة وسباع فأقام بها هنالك وكان معه من الأكراد وغيرهم نحو من مائة فارس وتابعت الإمداد نحو صنعاء ثم طلع السلطان بنفسه النفيسة فلما وصل ذمار جعل رحيله من ذمار صبحا فأمسى على باب صنعاء فلم يطمع الإمام في معاودة القتال عليها. (1/155)
وفي شهر شوال خالف الشرفاء إلى شمس الدين في صعدة واخرجوا إليها الكردي وسيروه على طريق حوض فغضب السلطان وجهز ولده الملك المظفر إلى قاع بيت الناهم. فحط هنالك يوم السادس من ذي القعدة ولوقته سار إلى بيت حبيض فاستولى وظهرت عساكره على الإمام ابن مطهر بجدة فانهزم هو ومن معه من الأكراد طريق الحارة إلى حافد ثم طلعوا إلى سبا وكان الميعاد بين السلطان وولده الملك المظفر إلى يوم الثلاثاء بان يركب العسكر السلطاني من صنعاء إلى حدة فاستعجل الملك المظفر آخر نهار الاثنين فكانت عجلته سببا لسلامة ابن مطهر والأكراد ولكل اجل كتاب.
وفي أول ذي القعدة نقض الأمير تمام الدين الصلح الذي بينه وبين السلطان وكاتب آل شمس الدين باللقاء والاتفاق وأقام الإمام محمد بن مطهر بجبل رهقة والأكراد في الروبة والملك المظفر في محطته في قاع بيت الباهم مدة نصف شهر وعامل محمد بن الذئب الشهابي في الإمام والأكراد فطلع العسكر الجبل فانهزم الإمام والأكراد ثم نزلوا طريق مفحق وافترقوا من هنالك فسار الإمام نحو ذروان. ثم سار نحو ظليمة فعيد بها عيد الأضحى وسار الأكراد نحو طوران ثم وصل الأمير علي بن موسى إلى الإمام محمد بن مظهر ووصل معه آل الإمام فقصدوا الشريف لما بلغهم من تأخر الفقيه على العسكر وافتراقهم من أجل ذلك. فطلعوا من طريق كحلان فركز لهم الأمير عماد الدين فعادوا خائبين نحو الظاهر وقصدوا القنة وليهم الأمير همام الدين إلى هنالك فحطوا عليها ثلاثة أيام ثم افترقوا ورجع الأمير همام الدين ظفار وسار الإمام محمد بن مطهر والشريف علي بن موسى إلى صعدة.
وفي غرة ذي الحجة أمر السلطان بالقبض على الشريف جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس وولديه داود والمؤيد بصنعاء. واحتج عليه بأمور أوجبت ذلك وسير العساكر مع عباس بن محمد للمحطة على حصنه عزان وسير معه المنجنيق وعيد السلطان عيد الأضحى في صنعاء.
وفي هذه السنة توفي الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة وكانت وفاته يوم العشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وكان مع السلطان من يوم نزل إليه إلى زبيد في شوال من السنة الماضية إلى يوم وفاته رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام الفاضل رضي الدين أبو بكر بن محمد بن عمر اليحيوي وكانت وفاته في مدينة زبيد وكان مولده في شهر رجب من سنة ست وأربعين وستمائة وكان تفقه بأبيه وبغيره كابن النابه. وربما أخذ عن المقدسي ثم تصوف وصحب الأكابر من الصوفية كابي السرور وغيره وحج مكة فلقي فيها جمعا من الأكابر وانتسخ كتبا من كلام ابن العربي الصوفي فعكف عليها واعتقد ما فيها ثم لما عاد إلى اليمن أقبل عليه أعيان الأمراء والملوك والخواتيم وصار لهم معتقد عظيم. ومثل أصحابه عنه أمورا تدل على صلاحه وجلالة قدره. وحصل بينه وبين الملك المؤيد ائتلاف وصحبة قبل مصير الملك إليه واعتقد صلاحه اعتقادا جاوز الحد وكان مظهرا لإقامة المعروف والنهي عن المنكر وإبطال الخمر وما شابهه. ولم يكن السلطان مغيرا ما فعله اعتقادا أن ما فعله هو الصواب. وله أشعار معجبة ويقال إن بإشارته انتقلت الأوقاف من حكام الشرع إلى أرباب الدواوين. ولم تكن قبل إلا إلى حكام الشرع الشريف. وكان نزوله إلى زبيد في سنة ثمان وسبعمائة فأقام بها إلى إن توفي في لسلة الخميس لعشر بقيم من شهر ربيع الآخر من سنة تسع المذكورة. (1/156)
وحضر دفنه أخوه القاضي موفق الدين علي بن محمد بن عمر الصاحب نزل مزعجا عليه من تعز فأدركه منزولا به وقبر إلى جنب قبر الشيخ الصالح علي بن أفلح في مقابر باب سهام رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه القيه الصالح عثمان بن الفقيه يحيى بن الفقيه وكان فقيها حيرا وله قريحة في الشعر ومن قوله بيتان يجمع فيهما أولو العزم وهما.
أولو الحزم فاحفظهم لعلك ترشد ... فنوح وإبراهيم هود محمد
قال المصنف أيده الله إنما هذا بيت واحد ولكنه مقفى إلا أن يكون سقط البيت الثاني من الأصل فيمكن ذلك ولأنه لم يستوعب أهل العزم في البيت المذكور. فدل على سقوط بيت آخر والله أعلم. وهو الذي خمس مديح ابن حمير الذي أوله
يا من لعين قد أضر بها السهر ... وأضالع جدب كوين على الشرر
فقال
قلبي المعنى حار حلفا للفكر ... وكذاك سمعي خانني ثم البصر
ودموع عيني في المحاجر كالمطر ... يا من لعين قد اضربها السهر
وأضالع جدب طوين على الشرر
وكانت وفاته مبروقا يوم الحادي عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة والله أعلم.
وتوفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله بن عمران المتوجي بضم الميم وفتح التاء والواو ومع التشديد وجيم قبل ياء النسب. وكان مولده سنة ست وأربعين وستمائة بمخلاف شيبة. ثم سار إلى تعز فدرس فيها في المدرسة العمرية. وكان يغلب عليه العزلة والانفراد والعبادة وكلفه دين عظيم. فارتحل إلى عدن بسبب قضاء دينه. فأدركته منيته هنالك فتوفي بها يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الشيخ الرئيس محمد بن بطال بن محمد بن بطال بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبي نسبة إلى قبيلة كبيرة يقال لهم الركب من ولد أنعم بن الأشعر يسكنون مواضع كثيرة في عدة نواح من اليمن كان جده محمد بن بطال يخدم السلطنة. وتولى ناحية المفاليس مدة فلما هلك تولى بعده ولده بطال بن محمد فأقام مدة في ولايته ثم قتله بعض بني عمه وكان ولده هذا محمد بن بطال رهينة في الدملؤة عند خادم يقال له ياقوت فأقامه مقام أبيه وولاه الجهة فقوي أمره به واكتسب أموالا وصحب أعيان الدولة فقوي بذلك أمره واستمر على ذلك دهرا طويلا فهرب منه الذين قتلوا أباه وكان يحب الرئاسة ويتقرب إلى الرؤساء من أهل الدين والجنيا إلى أن توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن مفلح الكوفي وكان فاضلا أخذ عن ابن الحرازي القراءات والفقه وكان خيرا من أكثر الناس إحسانا إلى ابن الحرازي وكان أبوه مفلح صاحب دنيا واسعة وكان ولده هذا علي يتحمل الغالب من مؤنة ابن الحرازي من طعام وكسوة له ولعياله. فكان ابن الحرازي يجتهد في اقترابه فوق ما يجب ويبالغ في إكرامه. ويؤثره على سائر الطلبة لذلك فكان يحسن إلى سائر الطلبة أيضا ويواسيهم. ثم حج في آخر عمره. وامتحن بالفقر. وكانت وفاته في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل إسماعيل بن علي بن محمد بن أحمد بن نجاح المعروف بابن ثمامة. وأمه بنت الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي. وكان فقيها عارفا حسن الأخلاق وكريم النفس توفي إلى رحمة الله تعالى في جمادى الأولى من السنة المذكورة. (1/157)
وفيها توفي الفقيه المقري أبو عبد الله محمد بن عمر بن وكان ميلاده في شهر محرم أول سنة أربعين وستمائة وقرأ القرآن وصحب الأستاذ أبا وسبب صحبته اتصل بالملك الواثق وسافر معه إلى ظفار وغلب على أمره ولم يزل وزيرا له إلى أن توفي هنالك وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة عشر وسبعمائة تسلم الأمير شمس الدين عباس بن محمد ابن عباس حصن ظفار ونقل محطته نحو ظفار وحط بالطفة عند حصن تعز ونصب المنجنيق عليه فرغب الأشراف في الصلح وأذعنوا للخدمة الشريفة على يد الشيخ نجم الدين محمد بن عبد الله بن عمر بن الجند بصعدة ورهن الأشراف على تمامه. وسار معدا نحو السلطان إلى صنعاء فأتم السلطان ما فعله وصاح الصائح بالصلح ليلا على كره من الأمير عباس مقدم الحرب يومئذ. وكان ذلك خديعة من الشيخ ابن الجند لما علم مضرة أهل ظفار أن أقام عليهم الحصار فاستغاثوا به فبادر مسرعا لرفع المحطة عنهم فعدها السلطان له من جملة الذنوب وأتم السلطان ما تقرر من الصلح.
وتوجه السلطان من صنعاء إلى محروسة تعز يوم الخامس والعشرين من صفر وترك في البلاد الصنعائية الأمير أسد الدين محمد بن حسن بن نور مقطعا بها.
وفي هذه السنة المذكورة تسلم الأمير عماد الدين إدريس بن علي حصن المفتاح مضافا إلى ما تسلم من حصون الشرفين وسلم الجميع إلى نائب السلطان. وهو حسن بن الطماح بن ناجي وقد ولاه السلطان جهات الشرق.
وفي السابع عشر من جمادى الآخرة تقدم الركاب العالي من محروسة تعز إلى محروسة زبيد.
وفي هذا التاريخ اصلح الأكراد ودخلوا في الطاعة بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبذلوا الطاعة من أنفسهم ولجئوا إلى الحرم الشريف متفيئين ظلاله مستمطرين نواله فعادت الشنشنة الرسولية عليهم بالإقبال واستقر الحال على بقاء هزان بأيديهم واستخدم من أراد الخدمة منهم وتسلم خمس رهائن.
وفي هذه السنة أقطع السلطان الأمير جمال الدين نور حسن بن نور الأعمال الصعدية والجوفية والجثة بتهامة وعوض الأمير عماد الدين عن الجثة بالقحمة.
وفي جمادى الآخرة سار الإمام محمد بن مطهر يريد لقاء الأكراد وقد طلبوه فوصل برأس الناقر وأقام ينتظرهم فبدأ لهم في الصلح فاصلحوا السلطان على أنفسهم فرجع الإمام إلى ورور وطلع السلطان من زبيد إلى تعز في آخر ذي القعدة من السنة المذكورة.
وفي هذه السنة حج من مصر عدة من الأمراء في عسكر كثيف وكان قصدهم لزم الشريفين رميثة وحميضة. فلما علما بذلك نفرا من مكة ولم يحصل العسكر على قبضهما. فلما انقضى الحج ورجعت العساكر المصرية إلى مصر عادا إلى مكة.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الخطاب عمر بن عثمان بن يحيى ابن إسحاق وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة. وكان فقيها مجودا غلب عليه الاشتغال بالحديث. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح عبد الرزاق بن محمد الجبرتي الزيلعي ويقال أنه شريف النسب. وكان فقيها فاضلا من أهل المروءة والدين محبا في السعي في قضاء حوائج الأصحاب راغبا في ذلك. ودرس بالناجية في مدينة تعز وتفقه بمحمد بن عباس وعلي بن أحمد الجنيد. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. ويروى أنه لما حمل نعشه وساروا به نحو المقبرة جاء طائر من الهواء فدخل في أكفانه ولم ير بعد ذلك والله أعلم.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه يحيى بن سالم وكان فقيها عارفا بالفقه والأصول ذكيا درس بعد أبيه وصحب الفقيه أبا بكر بن محمد بن عمر بن اليحيوي مدة طويلة فنال مالا جيدا وبسببه جعل أمر المدرسة إليه والى أهله وأبعثه الملك المؤيد سفيرا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوم حماز علي أبي نمى صاحب مكة لأمر كان بينهما فلزم أبو نمى وصادره هو وصاحبه بمال فاقترضوا من حجاج اليمن وعادوا. قال الجندي وأظن ذلك كان في سنة ثمان وتسعين وستمائة. وكانت وفاته في سنة عشر وسبعمائة بعد أن اتسعت دنياه اتساعا كبيرا والله أعلم. (1/158)
وفيها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن أبي القاسم بن أحمد بن أسعد نسبة إلى عرب يسكنون جارة يقال لهم بنو خطاب. وكان مولده سنة ست عشرة وستمائة وتفقه بابن ناصر المذكور أولا. وكان فقيها محققا مدققا سكن قرية من مخلاف جعفر يقال لها منزل جديد بفتح الجيم وكسر الدال المهملة. وامتحن في آخر عمره بالعمى وتوفي على ذلك في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله ولد صاحب المقداحة. وكان خرج في حياة أبيه قاصدا السياحة والتعبد فبلغ مدينة ظفار الحبوضي وأقام هنالك مدة. فلما توفي والده وخلا الموضع من قائم يقوم فيه أرسلوا له رسولا قاصدا وسألوه الوصول إليهم فوصل وابتنى رباطا على صفة رباط ظفار وقام بالموضع قياما مرضيا إلى أن توفي في سلخ جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد محمد بن أحمد الخلي نسبة إلى قرية بحجر يقال له الخلة بفتح الخاء. وكان فقيها عارفا صالحا ورعا عابدا زاهدا تفقه بأحمد بن جزيل بسهفنة والفقيه إسماعيل الحضرمي وعاد إلى بلده فاخذ عنه ابن أخيه إسماعيل ابن أحمد بن علي ثم عرض لهذا الفقيه أن سلك طريقة الزهد والعبادة فابتنى رباطا وأنفق ماله على الواردين والقاصدين ولم يزل به حتى توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة حصل من الإمام محمد بن مطهر عزم عظيم وتوجه إلى الشرق في جمع من العساكر. وكان قد أيصاب قبائل الشرق من ولاة السلطان بعض ما يكرهونه فسار بهم الإمام نحو جبل الساهل فلم يظفر منه بشيء. وطلع بلد المحانشة فقاتل على القاهرة واستولى عليها وأخذ حصن هبيب وجبل سعد والشجعة والمفتاح وأجابه أهل الشرف الأعلى كافة فنزل السلطان إلى تهامة وجرد الجرائد إلى تلك الجهة وأمر الشريف عماد الدين إدريس بالتوجه إليها على عادته فسار إلى جبل أقناب وجمع العساكر وكاتب القبائل فما أجابوا وسار إلى عكاش في اليوم السابع من شعبان فقاتلهم ثمانية أيام وكان عسكرهم يومئذ ألفا وخمسمائة وكان كل يوم ينقص من عسكره جماعة واستمد الإمام بقبائل حجة وشطب والأهيوم وقبائل الشام فاقبلوا إليه فقصدوا المحطة يوم الخامس عشر من شعبان في ستة آلاف راجل فانهزم العسكر السلطاني قبل وصول الإمام ولم يبق إلا الشريف عماد الدين في أربعة أفراس فأسر الشريف عماد الدين وقتل ابن عمه قاسم بن الإبريس وأسر خاله وسلم الرابع بعد أن عقر حصانه وقتل في الوقعة الأمير جمال الدين غازي بن أبي بكر بن خضر. وكان يومئذ والي الموقر والمخلافة والسرددية وقتل سبعة من الرجل. وأقام الشريف عماد الدين مأسورا نحوا من نصف شهر. ثم افلت فلحق بحصن عزان الذي لابني شرحبيل فجمع الإمام جموعه وزحف عليه فلم يظفر بشيء. وتسلم الأمير حصن المفتاح يوم الخامس عشر من شهر رمضان بعد أن أفرغ ابن الطماح جميع ما فيه من شحنة وصبر وهو ومن معه على أهون القوت. وانتقل الشريف عماد الدين إلى الظفر حصن الإماء بني صفي الدين في نصف شهر رمضان. وقد كان السلطان جهز ولده الملك المظفر والصاحب موفق الدين إلى الشرف قبل الواقعة فلقيهما الخبر وهما بالمهجم فسارا وحظا في قلحاح. ثم ساروا إلى موضع محطة الشريف عماد الدين فهزموا عسكر الإمام وقتل السيخ الرياحي صاحب جبل تيس. ثم انتقل الشريف من الحصن المذكور إلى محطة الملك المظفر بقلحاح فأقام عنده على أحسن حال إلى الرابع عشر من شوال وأمره بالإقامة في جبل الساهل وترك عنده من العسكر ألف راجل. ونزل المظفر والصاحب موفق الدين إلى تهامة. وتجهز الأمير شمس الدين عباس بن محمد بن عباس إلى حجة لحرب إبراهيم بن مطهر بذروان فقط عباس في سهل شمسان. ولما تطاولت الفتنة بين السلطان والإمام استقر الحال على ذمة من السلطان مدة سنة كاملة يستريح الناس من الفتنة وتضع الحرب أوزارها ورجع الملك المظفر والصاحب والأمير شمس الدين إلى الأبواب السلطانية بزبيد. (1/159)
وفي هذه السنة توفي السلطان الملك الواثق إبراهيم بن السلطان الملك المظفر شمي الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول في ظفار الحبوضي وكان فريدا في محاسنه وله معرفة في الأدب ومشاركة في فنون العلم وكان يقول الشعر ويحسر عليه الجوائز السنية.
ومن يك ذا ود بن يوسف صنوه ... فليس غريبا أن يرى بكريم
ويروى آن ولد أحمد الرفاعي وصل إلى ظفار يريد الحج فتلقاه السلطان بالإجلال والإكرام فأقام عنده ثلاثة أيام في الضيافات النفيسة وكان يرسل له كل يوم في مدة الضيافة بألف دينار ملكية وتشريف فتلك شنشنة مظفرية وأخوة هزبرية. فلما وصل العلم بوفاته أمر السلطان بالقراءة عليه سبعة أيام وحضر القراءة ملوك بني رسول وأعيان الدولة ووجوه الناس في كل يوم ينصرفون بعد القراءة إلى سماط نفيس حتى انقضت السبعة الأيام رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي منتخب الدين إسماعيل بن عبد الله بن علي الحلبي بلدا المعروف بالنقاش الملقب بالمنتخب وكان رجلا فاضلا كاملا له جاه عريض وثناء مستفيض سافر من بلده إلى مكة المشرفة فأقام بها مدة ثم ارتحل إلى اليمن وقد تكرر ذكره فيها. فلما قدم زبيد وواليها يومئذ نجم الدين ابن الخرتبرتي كتب إلى الملك يعلمه بوصوله فأمر السلطان أن يبجل ويعظم ويعزز ويكرم. وكان متورعا متزهدا له يد في الفقه والأصول وصحب الفقيه عمر بن عاصم مقدم الذكر ثم بعد ذلك حصل مجلس ذكروا فيه الصحابة رضي الله عنهم والمفاضلة بينهم فسمع منه تقديم علي عليه السلام على غيره من الصحابة فاتهموه بالرفض وأشاعوا ذلك عنه فلزم بيته وهجرهم وتعانا الزراعة وكان محترما فيها لأجل ما كان المظفر يجله ويحترمه ويوصي به الولاة ثم تزوج السلطان الملك المؤيد ابنته فولدت له المجاهد رحمه الله عليهم أجمعين وكانت وفاة المنتخب المذكور في مدينة زبيد في السنة المذكورة وأمر السلطان بالقراءة عليه في جامع المغربة ثلاثة أيام رحمه الله تعالى. (1/160)
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله ابن محمد بن جابر بن أسعد ابن أبي الخير العودري ثم السكسكي وكان يعرف بالرباعي لأنه كان له أربع أصابع وكان تفقه بفقهاء الجند كإبراهيم بن عيسى وغيره. وأخذ النحو عن أحمد ابن أبي بكر وغيره وجمع كتب الحديث على عبد الله بن عمران الخولاني وحصل بينه وبين أهل قريته وحشة فنفر بسببها إلى البلد العليا فعلم للشريف علي بن عبد الله ولديه داود وإدريس وحصلت له شفقة كلية من الشريف وأقام معه مدة سنين فانتفع أولاده به وقرأ القرآن واستخلص الشريف له خراج أرضه من السلطان فلم تزل مسموحة إلى أن توفي. وجمع كتبا كثيرة في الأدب وغيره. وكانت وفاته في النصف من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن مياس الوافدي. وكان فقيها جيدا تفقه بأهل عدن وكان ينوب ابن الجنيد على القضاء بعدن فلما توفي ابن الجنيد جعل مكانه فسار سيرة الغالب عليها الخير وكان يتعانى التجارة مع المسافرين في البحر والزراعة في بلدة لحج وكان مسكنه مسكن أخواله القريطين. فما أنه العليا على قضاء عدن سنين حتى ولي القضاء الأكبر بنو محمد بن عمر فعزلوه من عدن وجعلوه حاكما في بلده واستمر بعده في القضاء الحجافي واستمر هو على القضاء في بلده إلى أن توفي وكانت وفاته في شهر رجب من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بن الحسين بن محمد بن أحمد بن مصباح. وكان مولده سنة اثنتين وستين وستمائة. وكان فقيها عالما بارعا عارفا بالفقه توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة طلع السلطان الملك المؤيد من زبيد إلى تعز وكان خروجه من زبيد أول يوم من المحرم من السنة المذكورة. وفي اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول قتل الشريف عماد الدين يحيى ابن تاج الدين. وكان سبب قتله أن بعض القبائل من أهل ملحان جزوه على آخرين غيرهم وعذلوا فيه وفي عسكره فلما أراد الخروج رد حصون أهل العدالة قبل انفصاله من الجبل فدعموا فيه فقتل وقتل معه نيف وأربعون رجلا من أصحابه.
وفي هذا التاريخ وصلت رسل الإمام إلى الشريف عماد الدين إدريس ابن علي للسعي في الصلح بينه وبين السلطان قبل انقضاء الذمة فسيرهم الشريف إلى الباب الشريف فتلقاهم الشيخ محمد بن عبد الله بن عمر بن الجند وكان الصاحب موفق الدين يومئذ مريضا. فاستقر الأمر على صلح عشر سنين أولها جمادى الآخرة من السنة المذكورة. على أن الشرف الأعلى وحصونه والحبر بحجة وصاحب بيت ردم وشركاءه وأموال آل الوشاح حيث كانت وظفر به وهاس وسائر ما هو معروف للإمام بحجة وظليمة وغيرهما إليه وثلاثة آلاف دينار في كل سنة. وصاح الصائح في تعز بالصلح عشر سنين فلما تم صلح الإمام وانفصل عنه الأكراد جرد السلطان من عسكر الباب مائتي فارس ورجل مدجج للحظة على هزان. وأمر الأمير أسد الدين محمد بن نوران يسير بعسكره من صنعاء فتوجه الشيخ إلى الجند حينئذ وعقد صلحا للأكراد على ترك دخول ذمار ورداع وترك الإقطاع وإن تستمر رهائنهم بالعروس. وأمر السلطان الأمير أسد الدين بسكنى ذمار واستيطانها فامتثل الأمر. (1/161)
وفي الثالث من جمادى الآخرة سار السلطان إلى الجند بسبب الصيد فأقام هنالك إلى الحادي عشر منه وعاد إلى تعز ثم سار إلى زبيد يوم الرابع والعشرين منه فدخل زبيد يوم الرابع من رجب. وفي ليلة الجمعة السابع عشر من شهر رجب احترقت دار المرتبة بتعز لأسباب اختلف الناس فيها فتلف فيها شيء كثير من الأثاث والفروش والكتب النفيسة وغير ذلك مما لا ينحصر. وكان في حملة ما احترق بشخانتان كبيرتان كاملتان من الزركش إحداهما صفراء والأخرى حمراء وكان السلطان يومئذ في زبيد وفي يوم السبت الثامن والعشرين من رجب خرج السلطان إلى فشال بسبب الصيد فأقام هنالك إلى آخر الشهر المذكور ورجع إلى زبيد.
وفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاء قصر بزبيد على ظاهر باب الشبارق في البستان الذي أمر بإنشائه المعروف بحائط لبيق. وكان صورة بناء القصر يومئذ إيوان طوله خمسة وأربعون ذراعا وفي صدره مقعدة ستة اذرع وله دهليز متسع وفوق الدهليز قصر بأربعة أواوين يشرف على البستان المذكور من جميع نواحيه.
وفي هذه السنة حج الملك الناصر صاحب مصر في مائة فارس من مماليكه وستة آلاف مملوك على الهجن وسلاحهم القسي فوصل مكة المشرفة في اثنين وعشرين يوما من يوم خروجه من دمشق محرما مقرعا فطاف بمرأى من الناس وكان أعرج قبيح العرجة فقضى مناسكه كلها فلما حل حلق رأسه وأحسن إلى الناس وتصدق وعاد ومعه الشريف أبو الغيث ابن أبي نمى. وقد هرب رميثة وحميضة لما أحسا بوصوله خشيا أن يقبض عليهما فخرجا من مكة ونهبا التجار الواصلين إلى مكة نهبا شديدا ولم يتركا لأحد شيئا وفعلا من الأفعال القبيحة ما لا يفعله أحد. وأقاما غائبين عن مكة حتى فرغت أيام الحج وعادا إلى مكة.
وفي شهر شعبان من هذه السنة حصل على الملك المظفر حسن بن السلطان المؤيد توعك في جسمه وذلك بعد وصوله من الشرف. وكان من قبل طلوعه غير طيب وكانت الحمى لا تفارقه مع سعال. فلما اشتد عليه الأمر أمره والده بالطلوع فطلع فاشتد به الأمر في رمضان فهم السلطان بالطلوع ثم توقف. فلما كان يوم العيد أتاه خبر أزعجه فأمر الصاحب موفق الدين بالطلوع لفوره فطلع يوم العيد وقت الظهر وهو يوم الاثنين فوصل تعز يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس وخرج السلطان من زبيد ظهر يوم الثلاثاء فدخل تعز يوم الخميس وأرسل لابنه إلى ثعبات وأرسل الأطباء لمعالجته فلم يزدد إلا ضعفا ونحفا. ولم يزل كذلك إلى أن توفي في يوم الأحد السادس من ذي القعدة بعد أن أوصى وتثبت في وصيته.
وفي جملة وصيته أن لا يصاح عليه ولا يشق عليه ثوب ولا يغطى نعشه إلا بثوب قطن وإن لا يعقر على قبره شيء من خيله وإن يدفن في مقابر المسلمين. فنفذ والده وصيته في جميع ما أوصى به إلا في الدفن فإنه أمر أن يدفن عند أخيه الظافر في المدرسة المؤيدية في معزية تعز. وكان من اجل الملوك قدرا وأوصى في جملة وصيته لن يبتنى له مدرسة في قرية المحارب وإن يجرى لها الماء وإن يجري الماء منها إلى حوض تحتها. ففعل والده جميع ذلك. وكان يوم دفنه يوما مشهودا. وحضر دفنه ملوك بني رسول بأجمعهم وشهدوا القراءة سبعة أيام وأمر والده بالقراءة عليه في سائر مملكته. وكتب العفيف ابن جعفر إلى السلطان يعزيه بهذه الأبيات: (1/162)
أمولى الملوك وسلطانها ... ويا من له طاعة تفترض
فلا ملك ناقض عقده ... ولا ملك عاقد ما نقض
ولا عوض منك في ذا الورى ... وكل الورى أنت منهم عوض
وفي يوم العاشر من ذي القعدة توفي القاضي جمال الدين محمد بن احمد ابن محمد بن عمر اليحيوي وهو الذي كان ينوب عن القاضي موفق الدين الصاحب في قضاء الأقضية فكان يباشر الأحكام ويفصل القضايا ولا يعارضه أحد وكان الغالب عليه سلوك طريق الزهد بحيث أن أكثر أهله وأصحابه يقولون عنه أنه لم يكتسب شيئا من الدنيا. وكان عمه أبو بكر هو الذي يربيه ولم يصر إليهم أمر القضاء والوزارة إلا بعد أن تفقه وتعبد وحج وجاور في مكة والمدينة وعرف الناس يمنا وشاما وحجازا ولم يكتسب شيئا من الدنيا كما اكتسب أهله أجمعون ولا تزوج امرأة قط وكانت إشارته من إشارة عميه أبي بكر وعلي ولم يخالفاه وفي أصحاب عمه أبي بكر جماعة يعترفون له بالصلاح وربما يفضلونه على عمه أبى بكر. وقال الجندي كانت وفاته يوم الخميس تسع عشر ذي القعدة من السنة المذكورة والله أعلم.
وفيها توفي القاضي موفق الدين الصاحب علي بن محمد بن عمر اليحيوي المعروف بالصاحب. وكان رجلا كاملا رئيسا فاضلا فقيها نبيها فصيحا شهما ولي الوزارة والقضاء في الدولة المؤيدية إلى يوم وفاته. وكانت وفاته يوم الثالث من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله.
وفيها توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد السبتي. وكان فقيها فاضلا محققا حسن الأخلاق مرضي الفتوى وردت منه أسئلة إلى الفقيه الإمام أبى الحسن الأصبحي صاحب المعين تدل على تحقيقه وتدقيقه. وكان ممن يذكر بالكرم وعلو الهمة وشرف النفس وحسن القيام بمن قصده من أبناء الجنس وغيرهم. نقل ذلك عنه جميع المسافرين ولا يمكن تواطؤهم على كذب. وكان خطيبا فصيحا مصقعا. توفي على الطريق المرضي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ثلاث عشرة وسبعمائة توجه السلطان من تعز إلى الجند فأقام فيها مدة. وفي شهر ربيع الآخر برز مرسوم السلطان إلى الأمير أسد الدين محمد بن حسن بن نوربان يخرج من ذمار ويحط على حصن هزان وينصب عليه المنجنيق ففعل ما أمر به ونصب المنجنيق عليه ووصل الأمير شمس الدين عباس بن وهاس معزولا من حرض.
وفي شهر ربيع الآخر قتلت الأكراد حسن بن إياس والي صنعاء في ستة نفر من الغز منهم بن الغلاب والتاج بن العز وابن منقار وجماعة من الرحالة فجرد السلطان عباس بن محمد في خمسين فارسا غير عسكره فخرجوا من تعز يوم الخامس من جمادى الأولى فأقاموا مع ابن نور في محطته ولم يزل المنجنيق يصك هزان حتى أتلفه إتلافا كليا لم يعلم قط إن كسفا عمل في حصن ما عمل المنجنيق في هزان. فلما ضاق الأمر على الأكراد واشتد عليهم ورأوا الموت عيانا لجئوا إلى السلطان فكاتب لهم الشيخ محمد بن عبد الله بن عمرو بن الجند واستعطف خاطر السلطان عليهم وراجع في ذمة وبرز أمر السلطان بالذمة عليهم للأمير إبراهيم بن شكر والجلال بن الأسد فحضروا مقام السلطان بالجند ودخلا تحت الطاعة واستعطفا خاطره الشريف فرجع إلى شنشنته الكريمة وعفى عنهم بشرط أن لا يبدو منهم ما يوجب الغبار عليهم وسلموا هزان وعادوا إلى ذمار على عادتهم في الخدمة. وأمر السلطان برفع المحاط عنهم فارتفعت عنهم في مستهل رجب من السنة المذكورة. وتوجه الأمير أسد الدين محمد بن حسن بن نور إلى صنعاء والأمير عباس بن محمد إلى بلاد همذان لخراب زروعهم وبلادهم والمحطة على بيت أنعم لأنهم بدا مهم ما لا يحسن. فأمر السلطان بخراب زروعهم في مقابلة ما فعلوه. (1/163)
وفي هذا التاريخ تقدم الركاب العالي إلى زبيد فدخلها يوم الثاني عشر من رجب المذكور ووصل إلى السلطان وهو مقيم بزبيد الأمير الكبير الهادي ابن عماد الدين وداود بن موسى مخاطبين في الأمير أسد الدين محمد بن أحمد ابن عز الدين فلم يجابا إلى خروجه من السجن. وبرز أمر السلطان بتوجه الأمير عماد الدين إدريس بن علي إلى صوب صهيب في جمع كثير من الخيل والرجل فأقام في بلاد الأشاودة حتى رهنوا رهائن أكيدة ثم سار إلى مقمح فاخرب العسكر بلدهم وأتلفوا عليهم طعاما كثيرا واتلف الشريف للجحافل زرعا كثيرا وغيره.
وفي أول يوم من ذي الحجة اخرج السلطان الأمير جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس من سجن تعز. وكان السلطان يومئذ في زبيد فنزل الأمير جمال الدين وصحبته والي تعز إلى الباب الشريف مخاطبا في رجوعه إلى الخدم الشريفة. ويسلم حصن ظفر فأجيب إلى ذلك. وكانت إقامته في السجن أربع سنين لا تزيد يوما ولا تنقص يوما فأقام في زبيد أياما وقد نزل إليه جماعة من أصحابه وبني عمه فاعلموه بامتناع ولده على الحصن المذكور. فسأل من السلطان أن يقبل أولاده وبني عمه رهينة مع أربع حلل من حريمه قد صرن في صنعاء ويترك يطلع على حسب حاله ليتوصل إلى دخول الحصن ويسلمه إلى نواب مولانا السلطان فأذن له في ذلك فسار أي ولده. ولما طلع الحصن وتمكن منه أخرج ولده وأمره بالمسير إلى الباب السلطاني. ويسلم الحصن إلى نواب السلطان.
وفي هذه السنة وصل الشريف أبو الغيث بن أبى نمى من مص في عسكر جرار إلى مكة فيهم من المماليك الأتراك ثلاثمائة وعشرون فارسا وخمسمائة فارس من أشراف المدينة خارجا عما يلحقهم من المتخطفة والحرامية فلما علم بهم رميثة وحميضة هربا إلى صوب حلي بن يعقوب واستولى الشريف أبو الغيث على مكة وكان المقدم الأمير سيف الدين طقصنا. فلما وصل المحمل السعيد والعلم المنصور المؤيدي برز الأمير سيف الدين طقصنا والشريف أبو الغيث للقائه وطلعا به جبال عرفات على عادته.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عثمان بن عبد الله بن الفقيه محمد بن يحيى بن إسحاق بن علي بن إسحاق الغاني ثم السكسكي. وكان فقيها صالحا عارفا محققا تفقه بتهامة على الفقيه عبد الله بن علي بن إبراهيم بن عجيل وأخذ عنه أخيه يحيى. وكان كثير العزلة في بيته ويدرس فيه وقل أن يخرج عنه إلا يوم الجمعة. وكان زاهدا ورعا متعبدا لزوما للسنة.
قال الجندي اخبرني ابن أخيه الفقيه علي بن أبى بكر. وكان أحد فقهائهم أنه أسر إليه أنه قال: " رأيت رؤيا إن عشت لا أخبرت بها أحدا وإن مت فأنت الخيرة رأيت لثمان بقين من رجب جماعة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنا وقبل بين عيني اجعلها عندك وديعة وذخرا فاغفر لي يا خير الغافرين " وما أظنني أعيش بعدها. فقلت ولم ذلك قال إن ابن نباتة الخطيب رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقبله فلم يعش بعد ذلك إلا أثنى عشر يوما. ثم أنه لم يعش بعد ذلك إلا عشرين يوما بل توفي يوم السبت الخامس من شعبان من السنة المذكورة وهو ابن ثلاث وستين سنة رحمه الله تعالى. (1/164)
وفي هذه السنة توفيت الحرة المصونة مريم ابنة الشيخ الشمس بن العفيف زوج السلطان الملك المظفر. وكانت من عقائل النساء طاهرة عاقلة لبيبة لها عدة مآثر جيدة منها المدرسة التي في زبيد وهي التي تسمى السابقية وكثير من الناس يقولون مدرسة مريم وهي من احسن المدارس وضعا رتبت فيها إماما ومؤذنا وقيما ومعلما وأيتاما يتعلمون القرآن ومدرسا للفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ومعيدا وطلبة وأوقفت على الجميع وقفا جيدا يقوم بكفايتهم وابتنت في تعز مدرسة في المعزية في الناحية التي تسمى الحميرا ووقفت عليها وقفا جيدا ولها مدرسة في ذي عقيب وهي التي دفنت فيها. ودار مضيف. وكانت وفاتها بجبلة في جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمها الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل عمر بن محمد بن مسعود بن يحيى بن محمد بن المبارك. وكان فقيها عارفا مجتهدا تفقه بالإمام أبى الحسن علي بن أحمد الأصبحي وقبله بشيخه محمد بن أبى بكر الأصبحي وبابن الرنبول وأصل بلاده قائمة بني حبيش. وكان مدرسا في مدرسة شنين في بلد السحول. وكان يختلف بين بلده والسحول إلى أن توفي مقتولا من بعض قطاع الطريق وكان قتله في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
ثم إن شيخ البلاد بحث عن قاتله حتى عرفه فأخذه برقبته وأتى به إلى قبر الفقيه يوم ثالث القراءة عليه واستدعى الشيخ بولد الفقيه وكان له ولد صغير فأعطاه الشيخ فأسا وقال اضربه به فهو قاتل أبيك فقربه حتى قتله بعد ساعة لصغره.
وفي هذه السنة توفي الأديب الفاضل أبو محمد عبد الله بن علي بن جعفر أديب اليمنيين وشاعر الدولتين وكان شاعرا فصيحا بارعا فاضلا ظريفا بليغا وقد أوردنا في كتابنا هذا من شعره ما فيه دليل على فضله. وكان ذا دين رصين لم يحك عنه شيء يشين دينه ولا عرضه. وكان وصولا لرحمه قائما ناصحا باذلا لهم جاهه وقد خالطته ولم أحك عنه ما حكيته إلا عن نظر لا عن خبر. وكان كثير العبادة محافظا على الصلوات المفروضة والمسنونة نظيف الأدب صائن العرض واستمر كاتب إنشاء في الدولة المؤيدية. وكان مداحا للملوك والأمراء في عصره وله مدائح كثيرة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وله مدائح ربانية. وكان أهله الذين يقوم بهم نحوا من أربعين بيتا. وتوفي في النصف من جمادى الأولى من السنة المذكورة وقيل في السابع منه والله أعلم رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو القاسم بن الحسين بن أبى السعود الهمداني نسبا الفراوي بلدا. وكان ميلاده في شهر رجب من سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان المشار إليه في الفقه والزهد والورع والدين والقيام بأمن الموضع ومال إلى الطريقة الصوفية وصحب الشيخ عمر المقدسي وتحكم على يده فنصبه شيخا. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الواردين إليه والقيام بحالهم. والاشتغال بمطالعة الكتب. وحج مرارا وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة أربع عشرة وسبعمائة سار الشريف أبو الغيث بن أبى نمى والأمير سيف الدين طقصنا إلى صوب حلي بن يعقوب يريدان رميثة وحميضة فلم يجدا لهما خبرا وكانا قد لحقا ببلاد السراة. فلما وصل الأمير سيفد الدين طقصنا إلى حلي لم يدخلها بل قال هذه أوائل بلاد صاحب اليمن ولا ندخلها إلا بمرسوم من السلطان الملك الناصر وعاد على عقبه.
وفي صفر من السنة المذكورة سلم الأمير عبد الله بن علي بن وهاس حصن ظفر عدالة إلى الأمير سليمان بن محمد صاحب العروس. وسلم إليه حصن اللخام فانتقل إليه ونقل ما كان معه في ظفر من أهل وخبرات وسلم ظفر وخرج منه. وأخرجت رهائنه من صنعاء ووصلت كتب الأمير سليمان بقبضة ليلة الخميس الرابع من شعر ربيع الأول فضربت البشائر وكسى المبشرون وجهز السلطان أصحابه وأولاده الرهائن وسيرهم إليه. ونزل الأمير عبد الله إلى الباب الشريف السلطاني فرفعت له الطبلخانة والأعلام وأقطع مدينة القحمة. (1/165)
وفي ليلة العشرين من شهر ربيع الآخر توفي الشريف عماد الدين إدريس بن علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي ابن حمزة وكان شريفا ظريفا شجاعا كريما جوادا متلافا. وكان عالما لبيبا عاقلا أريبا متصفا بصفات الإمامة. وكان شاعرا فصيحا بليغا. وقد تدم من شعره ما شهد بفضله. وهو مصنف كتاب كنز الأحبار في معرفة السير والأخبار. وهو كتاب حسن ممتع. وله عدة تصانيف في فنون كثيرة. ومدحه عدة من الشعراء فكان يميزهم الجوائز السنية. وكان رحمه الله تعالى غاية في الجود والكرم والشجاعة رحمه الله تعالى.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد الله الزيلعي الفرضي شهر بذلك لإحكامه علم الفرائض والحساب مع أنه كان مشاركا في العلوم الدينية. مشاركة مرضية لاسيما الفقه والحديث والتفسير والنحو. وكان تفقهه بالفقيه أبي العباس احمد بن موسى بن عجيل. وأخذ الحديث على الإمام أبى الخير بن منصور وانتفع به جمع كثير من زبيد وغيرها. وكان من خيار الفقهاء واستمر مدرسا في المدرسة الناجية بزبيد من قبل بني محمد ابن عمر وتوفي على ذلك. وكانت وفاته في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل الكبير أبو بكر بن احمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الصائغ وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وكان فقيها عارفا محققا متفننا تفقه بابن حنكاش. وتأدب بابن دعاس. وكان فاضلا في النحو والفقه والأدب. توفي في مدينة زبيد في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل مفضل بن أبى بكر بن يحيى الخياري الهمداني والخياري منسوب إلى خيار وهم قوم من همدان يسكنون جبل عنة تفقه بفقهاء تعز كمحمد بن عباس الشعبي وغيره. واستمر مدرسا في المدرسة المنصورية بالجند. فقرأ عليه جماعة من أهل الجند كابن الصارم وغيره.
قال الجندي وعنه أخذت الوجيز والمستعذب ومنسك مكي وغيرها. ثم استمر قاضيا في الجند مع التدريس إلى أن توفي في صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو العتيق أبو بكر بن عمر بن سعد المعروف بابن النحوي. وكان ميلاده في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة. وكان فقيها عارفا محققا تفقه بابن آدم وابن العراف والوزيري المتأخر وبعبد الله بن محمد الحضرمي. وكان مبارك التدريس قل ما قرأ عليه أحد إلا انتفع. وكان يذكر بشرف النفس وعلو الهمة استنابه بنو عمران في القضاء فأقام كذلك إلى أن انقرضوا فعزله بنو محمد بن عمر في أول قيامهم وبقى على تدريس المدرسة العرابية إلى أن توفي بعد أن تفقه به جماعة منهم عمر بن أبى بكر العراف وغيره. وكانت وفاته في منتصف شوال من السنة المذكورة رحمه الله.
وفيها توفي الفقيه البارع أبو بكر بن احمد بن عمر بن مسلم بن موسى الشعبي المعروف بابن المقري. وكان مولده ليلة الخميس في رجب من سنة خمس وسبعين وستمائة وكان فقيها بارعا متفننا بجماعة من أهل تعز أولا ثم ارتحل إلى الدبيتين فاكمل تفقهه على الإمام أبى الحسن علي بن احمد الأصبحي ثم عاد بلده. وكان فاضلا في الفقه والنحو والفرائض والعروض والحساب. ودرس في المدرسة الاشرفية في مدينة تعز بعد ابن الصفي. وتوفي على ذلك ليلة الثلاثاء العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام البارع ابن محمد صالح بن عمر بن أبى بكر بن إسماعيل البريهي. وكان مولدة سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان فقيها بارعا فاضلا عالما محققا مدققا متقنا تفقه بمحمد بن مسعود المذكور أولا واليه انتهت رئاسة الفنون بعده في ذي السفال وارتحل هو والإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي إلى أبين فأخذ عن ابن الرنبول. وكان هذا صالحا فقيها فرضيا حسابيا نحويا لغويا عارفا بالحساب والجبر والمقابلة. وله تصنيف جيج في الفرائض قصد به شرح الكافي الذي للصردفي. وعنه أخذ الإمام أبو الحسن الأصبحي نظام الغريب في الفقه وغيره. وبه تفقه جماعة منهم محمد بن احمد بن سالم وأبو بكر بن علي وابن أخيه واحمد الشوافي وجماعة كثيرون. وممن أخذ عنه ابن أخيه محمد بن عبد الرحمن وإبراهيم الأصبحي وحسن العماكري. وكان يقول لأصحابه كما كان يقول الصعبي إن بلغت ثمانين سنة عملت لكم سكراته فتوفي قبل ذلك اليوم. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. (1/166)
قال الجندي وفي كل ليلة ترى على قبره نورا صاعدا إلى السماء حتى يظن الجاهل أن ثم نارا توقد أخبر بذلك من شاهده مرارا.
وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن محمد بن علي بن محمد ابن سعيد الرعيني المعروف بابن المقري. وكان مولده سنة اثنتين وأربعين وستمائة وكان تربا لابن الحرازي وزميلا له قل ما قرأ كتابا إلا وسمعه معه. وكان محققا في علم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة. ولما صار تدريس المدرسة بعدن إلى ابن الحرازي جعل هذا معيدا فأقام مدة طويلة في الإعادة.
قال الجندي وأخبرني بعض من قرأ عليه الفرائض قال كنت أغلط في ضرب المسألة وأستمر ثم أستدرك فأريد تغيير ما قد صورته على البحث فيقول لا تطمس إلا من موضع كذا فاعمل بما قال فأجده صوابا. قال وكان ذا حمية على الأصحاب وصولا لرحمه. وكانت دنياه متسعة بخلاف ابن الحرازي فإنه كان الغالب عليه الفقر. وكانت وفاته في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح صالح بن جبارة بن سليمان الطرابلسي المغربي وكان رجلا مباركا فقيها محدثا صالحا خشوعا. أخذ في بلده عن محمد بن إبراهيم الأنصاري التلمساني وانتفع به جماعة من أهل عدن وغيرها واخذوا عنه. وكان كثير الخشوع.
قال الجندي اخبرني عبد الله بن أبي حجر أنه أقام سبع سنين يصلي خلف هذا الفقيه قال فكان يصلي الصبح بطوال سور المفصل وقد يصلي بالزخرف والأحقاف. وكان خاشعا تتحدر دموعه على خديه. وأدركته الوفاة وهو بعدن في السنة المذكورة وقبر إلى جنب قبر أبى شعبة رحمة الله تعالى عليهما.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن سالم بن عمران الشهابي المنبهي. وكان ميلاده سنة ثلاث وسبعين وستمائة تفقه بأخيه وأبيه وكان أحد أعيان زمانه في الزهد والورع والعلم أخذ بطرفي الأمرين واشتهر بفضل الذكرين.
ويروى أنه نسخ المهذب وهو يدرس القرآن بدرس على كل جزء منه عشر ختمات مع نسخة فدرس أربعين ختمة على أربعة مجلدات وهذا أمر غريب لان الناسخ لا يستطيع عمل شيء آخر مع النساخة وهذا دليل على الكرامة الواضحة توفي في أثناء السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين كشدغدي ومعه جماعة من المطلوبين من الديار المصرية والشامية. وكان الأمير علاء الدين المذكور أستاذ دار الملك المظفر صاحب حماة. وكان فاضلا في أبناء جنسه جمع بين شهامة السنان وفصاحة اللسان. وكان على ذهنه جملة من أشعار الجاهلية والمخضرمين وغيرهم من المحدثين والمولدين وكان يعرف شيئا من أنواع البزدرة. ويقال أنه كان يعرف شيئا من ضرب الملاهي وتقدم عند السلطان تقدما كليا لم يعهد مثله فقابله السلطان رحمة الله عليه بالإقطاع المتسع ورفع له الطبلخانة وعقد له الألوية وجعله من جملة ندمائه.
وفي هذه السنة رجع الشريف حميضة أبي ابن نمى إلى مكة وقتل أخاه أبا الغيث واستولى على مكة فغضب من ذلك السلطان الملك الناصر وجهز جيشا كثيفا صحبة الشريف سيف الدين عطيفة. فلما علم حميضة بوصولهم هرب من مكة فاستولى عطيفة على مكة ولحق حمضة بالشرق.
وفي هذه السنة تولى القاضي جمال الدين محمد بن الفقيه رضي الدين أبي بكر بن محمد بن عمر اليحيوي قضاء الأقضية. وكان السلطان يعظمه إكراما لأبيه. وكان عمره يومئذ عشرين سنة. (1/167)
وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام العلامة أبو الحسن علي بن الفقيه إبراهيم ابن محمد بن حسين البجلي. وكان مولده سنة ثلاث وقيل سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان رجلا مباركا مشهورا بجودة الفقه وكرم النفس وحسن الأخلاق. تفقه في بدايته بعمه إسماعيل ثم ارتحل إلى بيت حسين فأكمل تفقهه بالفقيه عمر بن علي التباعي فأخذ عنه المهذب أخذا مرضيا والزمه أن يتغيبه فتغيبه تغيبا ميز فيه بين الفاء والواو وأخذ عنه البيان وغيره وتهذب به تهذبا معجبا ثم سار إلى الفقيه احمد بن موسى بن عجيل فاخذ عنه أيضا ثم عاد إلى بلده فسكن قرية شحينة ولزم طريق الورع لزوما تاما. وأقام يدرس فاتاه الناس من القرب والبعد واشتهر بالعلم والصلاح. وكان من أشرف أهل عصره نفسا وأدراهم بالعلم حسا وأكثرهم للكتاب والسنة درسا.
قال الجندي واخبرني عبد الله بن محمد الأحمر أحد المدرسين بزبيد قال صبحت الفقيه علي بن إبراهيم ولزمت مجلسه عشرين سنة ما عملت سائلا سأله فاعتذر بل يعطيه ما سأل. وكان مستعملا لجميع الطاعات الواجبة والمستحبة استعمال مداومة. وكان من ابرك الفقهاء تدريسا. قال واخبرني محمد بن عبد الله الحضرمي فقيه زبيد ومفتيها في عصره قال لما جئت إلى الفقيه علي بن إبراهيم أريد أن اقرأ عليه وأنا على حال متبلبل أريد أن أجمع قلبي على تحصيل العلم فأول درس قرأته عليه قمت وأنا بخلاف ما أنا عليه من الرغبة. فكان في نفسي عدة مسائل قد اشتبهت علي فحين بدأت وقرأت عليه أول يوم عرضت أنا على خاطري جميع المسائل فما عرضت مسألة في خاطري إلا زال إشكالها وتبين لي خطؤها من صوابها. وما زلت أجد الزيادة إلى وقتي هذا وما أشك أن ذلك من بركته. قال وكان لديه دنيا واسعة إن وقف في بيته أطعم الواردين والزائرين والطلبة المنقطعين. وكان كثيرا ما يحج فيصرف في الطريق وفي مكة وما يجاوز الحد. وأحصوا حجاته فكانت نيفا وثلاثين حجة. وكان من أكثر الناس تعقلا للفقه وأحسنهم تغيبا للمهذب خرج من بين يديه نحو من مائة مدرس ولم يكن في مدرسي تهامة ولا الجبال المتأخرين أكثر أصحابا منه. وكانت وفاته يوم الثاني عشر من المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن احمد بن يحيى بن مضمون وكان فقيها عارفا نحويا بارعا ولي قضاء صنعاء من قبل بني محمد بن عمر وكان شديد الأحكام مبالغا في إقامة الحق وإقامة مذهب السنة وإماتة البدعة. وكان يحلف الإسماعيلية بإيمان تشق عليهم. ثم بلغه أن بعضهم لما مات ودفن دفن معه مصحف فأمر من ينبش القبر عنه وأخرج المصحف فشق ذلك عليهم وكادوه وبذلوا في عزله الأموال الجزيلة فعزل بغير وجه يوجب العزل فعاد إلى بلاده وأقام مدة ثم رتبه بعض أولاد أسد الدين مدرسا في مدرسة جده بأب فلم يزل بها حتى توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه أبو حفص عمر بن أبى الربيع سليمان الملقب بالجنيد بن محمد بن اسعد بن أبى النهى. وكان إماما فاضلا صالحا له كرامات كثيرة تفقه بسعد الغولي. وتوفي يوم الثامن من المحرم أول شهور السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الأجل الفاضل أبو العباس احمد بن أبى بكر بن اسعد بن زريع بن أسعد تفقه بالفقيه صالح بن عمر البريهي تفقها جيدا. وكان عارفا مجتهدا ذا صيانة وعفة وعبادة ودرس بسهفنة على حياة شيخه وتوفي لسبع بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفي سنة ست عشرة حصل على السلطان مرض شديد حتى خيف عليه منه التلف واشرف منه على الهلاك وارجف بموته. فيروى إن القاضي جمال الدين محمد بن أبى بكر بن محمد اليحيوي راسل الملك الناصر جلال الدين محمد ابن الملك الأشراف بالأمور الباطنة وأمر أن ينشر دعوة إنابته من عمه وكتب الكتب إلى المدائن. فلما انتشر ذلك العلم خرج السلطان الملك المؤيد مسارعا من تعز إلى الجند وهو في أثر الوعك فخشي ابن أخيه من ذلك فالتجأ إلى جبل سورق وهو جبل حصين مطل على مدينة الجند فجهز السلطان له العساكر وكان مقدمها الأمير جمال الدين نور بن حسن بن نور فحط عليه وأحاط بالجبل من كل ناحية فطلب الملك الناصر الذمة من السلطان فأذم عليه فنزل إليه على الذمة وحصل بينهما اتفاق وصلح. ويقال أنه عرف السلطان سبب ذلك وإن الذي حمله على ذلك الفعل إنما هو القاضي جمال الدين محمد بن أبى بكر اليحيوي فلما تحقق السلطان الأمر عزل القاضي جمال الدين عن القضاء واعتقله في حصن تعز وفوض أمر القضاء إلى القاضي رضي الدين أبي بكر بن أحمد بن عمر الأديب أحد الفقهاء الشافعية. وكان ذلك بمحضر من السلطان وجماعة كثيرة من فقهاء الجبال والتهائم فحصل الإجماع عليه. وكان فقيها فاضلا له سلطة في العلم يعرف جانبا كبيرا من المعقولات والمنقولات مع حنكة وتجربة قد حلب الدهر أشطره. (1/168)
وفي هذه السنة المذكورة توفق الفقيه الفاضل أبو حفص عمر بن علي الضفار من أهل عدن. وكان يصحبه بن الخطيب المقدم ذكره ولكن غلبت عليه الزهادة والعبادة وخلف شيخه في مسجده المعروف به في عدن فلا يكاد المسجد يخلو من درسة ومتعبدين. وكانت وفاته ليلة الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الصالح علي بن أسعد بن علي الحراري. وكان فقيها زاهدا عابدا معتزلا عن الناس كثير التلاوة ولم يزل على ما ذكرناه من حسن السيرة إلى أن توفي رحمه الله تعالى وكانت وفاته في السنة المذكورة.
وفي سنة سبع عشرة وصل القاضي أبو المحاسن عبد الباقي بن عبد المجيد من دمشق على طريق مكة بطلب من السلطان الملك المؤيد فناله من إحسانه ما صغر عنده إحسان من مضى من الأجواد الكرماء. وولي كتابة الإنشاء في المملكة اليمنية. وكان أوحد عصره وفريد دهره فصاحة وفضلا وسؤددا ونبلا. ومن شعره قوله يمدح السلطان الملك المؤيد رحمة الله عليه وهو يومئذ في الإيوان بقصر الحائط المعروف بحائط لبيق
يا ناظم الشعر في نعم ونعمان ... وذاكر العهد في لبنا ولبنان
ومعمل الفكر في ليلى وليلتها ... بالسفح من عقدات الضال والبان
قصر فبالواد من وادي زبيد علا ... عالي النار عظيم القدر والشان
به التغزل أحلى ما يرى لهجا ... فدع حديث لييلات بعسفان
هذا الخورنق بل هذا السدير أتى ... في قصر داود لا في قصر غمدان
قصر بناه هزبر الدين مفتخرا ... فشاد ذلك بان أيما بان
فقف بساحته تنظر بها عجبا ... كم راحة هطلت فيها بإحسان
أنسى بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذلك من كسرى بإيوان
سامي النجوم علا فهي راجعة ... عن السمة " لإيوان " ابن غسان
تود فيه الثريا لو بدت سرجا ... مثل الثريا به في بعض أركان
تحفه دوح دهر كله عجب ... كم فيه من فنن زاه بأفنان
من أبيض يقق حال بأحمره ... يميس في حلتي در ومرجان
تجمعت فيه ألوان محيرة ... للعقل في سرها الزاهي بإعلان
إذا حللت به أبصرت معجزة ... الشام اصبح في واد بسيلان
فالسنبل الغض والورد الطري معا ... من أخضر ناصع أو أحمر قان
صنوان حصن به من كل فاكهة ... وكم رأى مختليه غير صنوان
ظل ظليل وماء سلسل غدق ... تخاله من صفاء بطن ثعبان
هذا وكم فيه من ورقاء صادحة ... يغنيك عود لها عن ضرب عيدان
كأنهن قيان والقصور لها ... في ذلك الدست أوراق لأغصان
تهوى الغزالة لو أضحت مقبلة ... منه مراشف أنهار لنيسان
وكيف يمكنها والدوح منعقد ... فحالة الشمس عنه حال ظمآن
فأرضه كسماء منه مشرقة ... وهاهما في بديع الوصف شبهان