صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض المعطار في خبر الأقطار
المؤلف : محمد بن عبد المنعم الحميري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج
الطبعة : 2 - 1980 م
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

ثمرتها وهزمه بعد أن قتل أكثر رجاله والجملة التي بها كان يصول من أبطاله، وفر اللعين وسيوف المجاهدين تأخذ منه، وعزيمتهم لا تقلع عنه، إلى أن أوى إلى حصن خرب في رأس جبل شاهق مع الفل الذي بقي معه بعد الامساء وأحدق المسلمون تلك الليلة بذلك الحصن يرقبونه ولما أيقن أنه سيصطلم إن أقام هناك تسلل في ظلمة الليل من ذلك الموضع واتخذ الليل جملا، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلا، وانصرف المسلمون مغتبطين بغنيمتهم وأجرهم، وكان ذلك سببا لبقائها بأيدي المسلمين إلى أن ينقضي أجل الكتاب ففي صفة الحال يقول شاعر الشرق في وقعة يحيى بن علي هذه أبو جعفر ابن وضاح المرسي من قصيدة يمدحه بها:
شمرت برديك لما أسبل الواني ... وشب منك الأعادي نار غيان
دلفت في غابة الخطي نحوهم ... كالعين يهفو عليها وطف أجفان
عقرتهم بسيوف الهند مصلتة ... كأنما شرقوا منها بغدران
هون عليك سوى قوم قتلتهم ... من يكسر النبع لم يعجز عن البان
أودى الصميم وعاقت عن بقيتهم ... مقادر أغمدت أسياف شجعان
وقفت والجيش عقد منك منتثر ... إلا فرائد أشياخ وشبان
والخيل تنحط من وقع الرماح بها ... كأن تصهالها ترجيع ألحان في أبيات غير هذه.
أفسيس أو أفسميس أو أفسبين (1)
مدينة في رستاق من عمل من الأعمال التي دون خليج القسطنطينية من جهة بلاد الأرمن، وكانت مدينة أفسيس هذه على البحر الرومي فبعد البحر عنها وخربت وأحدثت مدينة على نحو ميل منها، فبعض الناس يقول أصحاب الكهف غير أصحاب الرقيم وكلا موضعيهما بأرض الروم. وذكر محمد بن موسى المنجم (2) حين أنفذه الواثق إلى بلاد الروم أنه أشرف على أصحاب الرقيم بخرمة (3) من بلاد الروم، ويقال إن أفسيس هذه هي مدينة أصحاب الكهف، قالوا: وهم في كهف في رستاق بين عمورية ونيقية، وهذا الكهف في جبل علوه (4) أقل من ألف ذراع وله سرب من وجه الأرض ينفذ إلى الموضع الذي فيه أصحاب الكهف، وفي أعلى الجبل شبيه بالبئر ينزل فيها إلى باب السرب ويمشي فيه مقدار ثلثمائة خطوة ثم يفضي منه إلى ضوء، وهناك رواق على أساطين منقورة فيه عدة أبيات منها بيت مرتفع العتبة مقدار القامة، عليه باب حجارة منقورة وفيه الموتى وهم أصحاب الرقيم وعددهم سبعة، وهم نيام على جنوبهم، وهي مطلية بالصبر والمر والكافور، عند أرجلهم كلب دائر في استدارة رأسه عند ذنبه ولم يبق منه إلا القحف وأكثر أعظمه باقية حتى لا يخفى منه شيء.
قال مؤلف نزهة المشتاق (5) : ووهم أهل الأندلس في أصحاب الرقيم حين زعموا أن أصحاب الرقيم هم الشهداء الذين هم في مدينة لوشة، قال ورأيت القوم في هذا الكهف عام عشرة وخمسمائة فنزلنا إليهم من فم بئر عمقها نحو من قامة وزائد، ومشينا في سرب فيه ظلمة خطوات قلائل ثم اتسع الغار فألفينا هناك الموتى وهم رقود على جنوبهم وعددهم سبعة وعند أرجلهم كلب ملتو، وقد ذهب لحمه وجلده وبقيت عظامه في فقاراته كما هي في الحياة، ولا يعلم أحد في أي زمن دخلوا هذا الكهف أو ادخلوا إليه، وأول رجل يلفى منهم له خلق عظيم ورأس كبير، وأهل الأندلس يقولون إن هؤلاء القوم الذين في هذا الكهف هم أصحاب الكهف، والصحيح ان أصحاب الكهف من قدمنا ذكرهم وفي ذكرنا في الرقيم في حرف الراء بعض خبرهم أيضا فتأمله.
__________
(1) في الأصل: أقشين أو أمشين أو أقشبين، وانظر ابن خرداذبه: 106، وعند ياقوت: أفسوس، وفي نزهة المشتاق: أقسمين.
(2) انظر ياقوت: ((الرقيم))، وابن خرداذبه: 106، والتنبيه: 134.
(3) ع: بحارطي، وسقطت من: ص، المروج: حارمي؛ التنبيه: خارمي.
(4) ابن خرداذبه: قطر أسفله.
(5) نزهة المشتاق: 256.

(1/49)


إفليل
مدينة برأس عين من أرض الجزيرة ما بين دجلة والموصل منها أبو القاسم إبراهيم بن محمد الإفليلي (1) من ولد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كان صدرا في علم الأدب يقرأ عليه ويختلف فيه إليه، وله رواية.
افرن
بناحية الأربس (2) من البلاد الإفريقية، وهما: افرن الكبرى وافرن الصغرى، وإلى الكبرى منهما انتهى أحمد بن مرزوق (3) الثائر بإفريقية في طلب عبد العزيز بن ابراهيم فوجد الجموع وأخلاط الناس قد سبقوا إليه وأحاطوا به فقتلوه ونهبوا المحلة ورجع أحمد هذا غانما إلى تونس.
إفرنجة (4)
في وسط الإقليم الخامس، هواؤها غليظ لشدة بردها، ومصيفها معتدل، وهي بلاد كثيرة الفاكهة غزيرة الأنهار المنبعثة من ذوب الثلج، ومدائنها متقنة الأسوار محكمة البناء، وآخر حدودها بحر الشام (5) والبحر المحيط بجوفها وتتصل ببلاد رومة أيضا من ناحية القبلة، وتتصل أيضا من ناحية الجوف ببلاد القالبة بينهما شعراء ملتفة مسيرة الأيام الكثيرة، وتتصل في الشرق بالقالبة أيضا، وتتصل في الغرب بالبش كنس، وتتمادى أعمال إفرنجة في الطول والعرض مسيرة شهرين في شهرين، ويحجز بين بلاد إفرنجة وبلد الصقالبة من الجوف والشرق الجبل المعترض بين البحرين، فيتمادى بلد الأفرنج مع ساحل البحر الشامي حتى يلزق بجزيرة رومة (6) ، ويتمادى مع الجبل المعترض في الجوف إلى البحر المحيط ويتصل بالصقالبة بلاد المجوس المعروفين بالانقلش (7) ، وسيوف افرنجة تفوق سيوف الهند، ومنها يرد الرقيق النفيس وإليها يرد الرقيق من بلاد الصقالبة (8) ولا يكاد يرى ببلد افرنجة زمن ولا ذو عاهة، والزنا في غير ذوات الأزواج عند الافرنج غير منكر، وإذا حلف أميرهم أو كبيرهم حانثا استهانوه ولم يزالوا يعيرونه بذلك، وأبناء الأشراف عندهم يسترضعون في الأباعد ولا يعرف الابن أبويه حتى يعقل وإذا عقل رد إليهما فيراهما كالسيدين ويكون لهما كالعبد.
وكانت مملكتهم مجتمعة وأمرهم ملتئما حتى ثار على (9) رجل منهم يسمى قارله، قومس (10) يقال له ردبيرت (11) وذلك في عهد الإمام عبد الله، فحشد له قارله وزحف بعضهما إلى بعض فقتله قارله وأسر أصحاب ردبيرت قارله فمكث عندهم أسيرا أربعة أعوام ثم هلك بأيديهم فافترق ملكهم واقتسم.
والافرنجة من ولد يافث هم والجلالقة والصقالبة والنوكبرد والاشبان والترك والخزر وبرجان واللان ويأجوج ومأجوج، والافرنجة تدين بدين النصرانية برأي الملكية منهم، ودار ملكهم الآن بويرة (12) وهي مدينة عظيمة ولهم من المدائن نحو من خمسين ومائة مدينة، وقد كانت مملكتهم قبل ظهور الإسلام بإفريقية وجزيرة صقلية وجزيرة اقريطش، والافرنجة أكثر هذه الأمة عدة وأحسنهم انقيادا لملوكهم وأكثرهم مددا وأول ملوكهم قلوديه (13) وهو أول من تنصر، وكانوا مجوسا، فنصرته امرأته واسمها قلوطلد (14) .
ويحكى أن موسى لما غزا الأندلس أراد أن يخرق ما بقي عليه من بلاد افرنجة ويفتح الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام مؤملا أن يتخذ مخترقه تلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحرا وأنه أوغل في بلاد افرنجة حتى انتهى إلى مغارة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي: يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا فهاله ذلك وقال: ما كتب هذا إلا لمعنى، وشاور أصحابه في الإعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه، فاختلفوا عليه، فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس وقد أشرفوا على قطع البلد وتقصي الغاية.
__________
(1) ابن خلكان 1:51.
(2) في الأصل: الأرسن.
(3) أحمد بن مرزوق: أكبر الظن أنه الثائر الذي ادعى أنه الفضل بن الواثق الحفصي وقد بويع بتونس في 27 شوال 681 وقتل سنة 683، وقد أنخى عليه ابن قنفذ فيكتابه: الفارسية 143 - 145، وانظر أيضا تاريخ الدولتين: 37 وما بعدها.
(4) بروفنسال: 26 والترجمة: 32 والبكري (ح): 137.
(5) بروفنسال: بحر الشام بقبليها.
(6) زاد في بروفنسال: وبلاد لنقبرذية.
(7) زيادة في بروفنسال.
(8) روفنسال: ومنها يرد الرقيق من بلاد الصقالبة.
(9) في الأصل: عليهم.
(10) زاد في بروفنسال: مع ملك.
(11) في الأصل: رد بينرت، وهو روبرت الأول الذي توج في ريمس سنة 922 (بروفنسال).
(12) في الأصل: نويرة، وعند بروفنسال: لوذون (Lyon).
(13) قلوديه: (Clovis).
(14) في الأصل: عرطله، وهي: (Clotide).

(1/50)


افكان (1)
مدينة بين تلمسان وتنس وبها أرحاء وحمامات وقصور وفواكه كثيرة وعليها سور تراب تهدم وبقي الآن أثره، وواديها يشقها بنصفين ويمضي منها إلى تيهرت.
اقريطش (2)
جزيرة في البحر الشامي، وهي جزيرة عامرة كثيرة الخصب وبها مدن عامرة ودورها خمسة عشر يوما وبينها وبين ساحل البحر يوم وليلة، وقال هرشيوش: طولها مائة واثنان وسبعون ميلا في عرض خمسين ميلا، وقال غيره: دور أقريطش ثمانمائة ميل. وقال آخرون: طولها من الشرق إلى الغرب ثلثمائة ميل ويقال هي مجريان ونصف وبينها وبين الأرض الكبيرة ستون ميلا من ناحية الغرب ومن شرقيها إلى الأرض الكبيرة يومان، والأرض الكبيرة هي أرض الروم التي تتصل بالشام. ونظر اقريطش إلى صاحب القسطنطينية، وبينها وبين جزيرة صقلية مسيرة تسعمائة ميل وفيها من المدن مدينة ربض الخندق، وبها معدن ذهب وأشجار وفواكه وفي أجبلها الوعول الكثيرة وقيل طولها من الشرق إلى الغرب اثنا عشر يوما في ستة أيام. وبين اقريطش وجزيرة قبرس أربعة مجار، وسميت اقريطش لأن أول من عمرها رجل يقال له قراطي، وتسمى أيضا اقريطش البتربلش وترجمته مائة مدينة، وكذلك كان بها مائة مدينة وباقريطش أول ما استنبطت صناعة الموسيقى، وهي كثيرة المعز وليس بها إبل ولا سبع ولا ثعلب ولا غيرها من الدواب الدابة بالليل ولا فيها حية وإذا دخلت فيها ماتت في ذلك العام، وهي كثيرة الكروم والأشجار، ومراسيها من ناحية الشرق مرسى الفتوح وهو مرسى مشتى لا نظير له في موضع، ومراس كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
وذكر عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة، ان عبد الله بن سعد بن أبي سرح افتتح جزيرة اقريطش وكان غزا بامرأته قتيلة بنت عمرو بن عبد كلال في البحر، فرأت في المغانم خاتما أعجبها فسألت عبد الله بن سعد أن يعطيها الخاتم فقال: لا أستطيع إنما هو للمسلمين ولكن إن أردت أن تشتريه فاشتريه.
ولما جرى على أهل الأندلس من الربض أيام الحكم بن هشام ما جرى خرج منهم عدد عظيم فنزل منهم طوائف ساحل البربر واستوطنوها، وذهبت أيضا منهم فرق نحو المشرق فلحقوا بمدينة الإسكندرية وهم أزيد من عشرة آلاف ولهم هناك أثر باق إلى اليوم فثاروا بالإسكندرانيين ثورة أهلكت منهم خلقا كثيرا، وتملك الأندلسيون الإسكندرية، وكان سبب ثورة الأندلسيين بهم أن قصابا منهم رمى وجه رجل من الأندلسيين بكرش فأنفوا من ذلك وصاروا إلى ما صاروا إليه، ثم صالحهم عامل من عمال العباسية بمصر على أن ينزلوا حيث شاءوا من أطراف الإسكندرية ومصر فاختاروا جزيرة اقريطش فتحملوا إليها ونزلوها وتملكوها، وكان الأمير منهم أبو حفص عمر بن عيسى وولده بعده فكانت مدة تملكهم لها نحو ثمانين سنة، وغزاها الطاغية سنة خمس وأربعين وثلثمائة، فغلب على مدينتها بعد حصار طويل، وامتنعت عليه منها حينئذ حصون كثيرة ثم استولى على جميعها بعد حين، فجميع من بقي باقريطش من المسلمين إنما هم تحت حكم النصارى.
وكان باقريطش علماء جلة من الأندلسيين منهم الفتح بن العلاء قاضيها وإسحاق بن سالم وموسى بن عبد الملك ومحمد بن عمر أخو يحيى بن عمر المعروف بابن أبي الدوانق ثم خرج إلى مصر وبها توفي، وإسماعيل بن بدر وابنه محمد وابن ابنه إسماعيل ابن محمد، وهلك إسماعيل هذا في الحصار وأصاب العدو أهله وماله. وممن شهر بالعلم من ذرية أبي حفص: عمر بن عيسى بن محمد بن يوسف بن أبي حفص وله كتاب في معاني القرآن وغرائبه، ألفه في حبس القسطنطينية يدل على علمه باللسان واتساع باعه في العلم.
وباقريطش الافثيمون الذي لا يعدل به ولا عوض عنه في جميع البلاد.
اقنت (3)
مدينة في أرض الحبشة على الساحل في الجنوب وهي صغيرة وأكثرها خراب وأهلها قليل وأكلهم الذرة والشعير وسمكهم موجود وصيدهم كثير، وعامة أهلها يعيشون من لحوم الصدف المتكون في أقاصير بحرهم يملحونه ويصيرونه إداما لهم.
اقليش (4)
مدينة لها حصن في ثغر الأندلس، وهي قاعدة كور شنتبرية وهي محدثة بناها الفتح بن موسى بن ذي النون وفيها كانت ثورته وظهوره في سنة ستين ومائة، ثم اختار اقليش دارا
__________
(1) الإدريسي (ب/ د): 56/ 82.
(2) نزهة المشتاق: 193 وياقوت ((اقريطش))، وصبح الأعشى 5: 371.
(3) الإدريسي (د): 25.
(4) بروفنسال: 28 والترجمة: 35 (Ueles).

(1/51)


وقرارا فبناها ومدنها وهي على نهر منبعث من عين على رأس المدينة فيعم جميعها ومنه ماء حمامها ومن العجائب البلاط الأوسط من مسجد جامع اقليش فإن طول كل جائزة من جوائزه مائة شبر وأحد عشر شبرا وهي مربعة منحوتة مستوية الأطراف.
اقليبيا (1)
مدينة كبيرة قديمة على ساحل البحر بأقصى جزيرة شريك قبلي مدينة تونس إلا أنها خربت ولم يبق منها الآن إلا قلعتها في قنة جبل وبقية سورها القائم على الساحل ظاهر اليوم وبينه وبين القلعة مسافة، وهي على نظر واسع وعمل كبير وعمارات عريضة وجبايات واسعة، والسفن تقصدها للميرة ولها مرسى، وجبل ادار قريب منها.
أقش (2)
مدينة هي كانت قاعدة الجليقيين بينها وبين ليوزذال ثلاثون ميلا، وكانت أقش قبل هذا منسوبة إلى غرسية بن لب، وهي مبنية بالصخر المربع الكبير، وهي على نهر كبير يدخل منه المجوس بمراكبهم إليهم، وفي المدينة حمة غزيرة الماء واسعة الفضاء يستحم أهلها في جنباتها على بعد من عنصرها لشدة سخونته.
اقيانس (3)
هو اسم لبحر الظلمات ويقال له البحر الأخضر والمحيط الذي لا يدرك له غاية ولا يحاط بمقداره ولا فيه حيوان، وهو الذي يخرج منه البحر الرومي الذي هو بحر الشام ومصر والمغرب والأندلس، فإنه خليج يخرج من هذا البحر وقد خاطر بنفسه خشخاش من الأندلس، وكان من فتيان قرطبة، في جماعة من أحداثها فركبوا مراكب استعدوها ودخلوا هذا البحر وغابوا فيه مدة ثم أتوا بغنائم واسعة وأخبار مشهورة.
وإنما يركب من هذا البحر ما يلي المغرب والشمال وذلك من أقاصي بلاد السودان إلى برطانية وهي الجزيرة العظمى التي في أقصى الشمال، وفيه ست جزائر تقابل بلاد السودان تسمى الخالدات ثم لا يعرف أحد ما بعد ذلك، وستأتي إن شاء الله تعالى حكاية أخرى عمن دخل هذا البحر أطول من هذه في موضعها في ذكر الأشبونة.
اسكر (4)
قرية من أعمال مصر، ويقال إنها القرية التي ولد فيها موسى بن عمران عليه السلام قال حسين بن الاسكري المصري (5) : كنت في جلاس تميم بن أبي تميم ومن يخف عليه جدا قال: فأرسل إلى بغداد فابتيعت له جارية رائقة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه وكنت فيهم ثم مدت الستارة وأمر بالغناء فغنت:
وبدا له من بعدما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنع أركانه
وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه فطرب الأمير تميم ومن حضره، ثم غنت:
سيسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره قال: فطرب تميم أشد من الأول، ثم غنت:
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه قال: فاشتد طرب تميم وأفرط جدا ثم قال لها: تمني ما شئت فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته، فقال: والله لا بد لك من التمني، قالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى قال: نعم،
__________
(1) اقليبية (بالتاء المربوطة) عند البكري: 45 والإدريسي (د): 125.
(2) بروفنسال: 28 والترجمة: 35، ويبدو من وصف المؤلف لهذه المدينة أنها تقابل (Lugo) البلدة الرئيسية في مقاطعة جلقية، وكانت في القديم تسمى (Lucus Augusti) وربما قرئت ((لقش)).
(3) بروفنسال: 28 والترجمة: 36، والبكري (مخ): 34.
(4) ترد بالشين ((أشكر)) في بعض المصادر.
(5) جذوة المقتبس: 66 والمطرب: 62.

(1/52)


فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد، قال: فامتقع لون تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس، وقام وقمنا، قال ابن الاسكري: فلحقني بعض خدمه وقال: ارجع فالأمير يدعوك، فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني، فسلمت وقمت بين يديه، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنا به! فقلت: نعم أيها الأمير، قال: لا بد لنا من الوفاء وما أثق في هذا بغيرك فتأهب لتجلبها إلى بغداد فإذا غنت هناك فاصرفها، قلت: سمعا وطاعة، قال: ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب وأصحبها جارية لها سوداء تخدمها وأمر بناقة ومحمل فأدخلت فيه وحملتها معي وسرت إلى مكة مع القافلة فقضينا حجنا ثم دخلنا قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية، فانصرفت إليها فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء تقول:
لما وردنا القادسية حيث مجتمع الرفاق ... وشممت من أرض الحجاز نسيم أنفاس العراق ... أيقنت لي ولمن أحب بجمع شمل واتفاق ... وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراق ... ما بيننا إلا تصرم هذه السبع البواقي ... حتى يطول حديثنا بصنوف ما كنا نلاقي ... فتصايح الناس من أقطار القافلة: بالله أعيدي، قال: فما سمع لها كلمة، قال: ثم نزلنا الياسرية وبينها وبين بغداد خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد، فلما كان قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت: ما لك. قالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك وأين هي؟ قالت: والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثرا بعد ذلك. ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها وانصرفت إلى تميم فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه واغتم له ثم ما زال بعد ذلك واجما عليها.
استجة (1)
بين القبلة والمغرب من قرطبة، بينهما مرحلة كاملة، وهي مدينة قديمة لم يزل أهلها في جاهلية وإسلام على انحراف وخروج عن الطاعة، ومعنى هذا الاسم عندهم جمعت الفوائد، وفي أخبار الحدثان انه كان يقال: استجة البغي مذكورة باللعنة والخزي، يذهب خيارها ويبقى شرارها.
وكانت هيئتها التي ألفاها عليها طارق بن زياد أن سورها كان قد عقد بسورين أحدهما صخر أبيض والثاني صخر أحمر بأجمل صنعة وأحكم بناء، وردم بينهما وسوي ووضع في موضع الشرفات من المرمر صور بني آدم من كل الجهات تواجه القاصد نحوها فلا يشك الناظر أنها رجال وقوف.
وكان لها من الأبواب: باب القنطرة شرقي، باب اشبونة قبلي، باب رزق غربي، باب السويقة جوفي، وغير ذلك من الأبواب، والمدينة مبنية على الرصيف الأعظم المسلوك عليه من البحر إلى البحر، وكانت استجة واسعة الأرباض ذات أسواق عامرة وفنادق جمة وجامعها في ربضها مبني بالصخر له خمس بلاطات على أعمدة رخام وتجاوره كنيسة للنصارى. وباستجة آثار كثيرة ورسوم تحت الأرض موجودة، وهي منفسحة الخطة عذبة الأرض زكية الريع كثيرة الثمار والبساتين نضيرة الفواكه والزروع، ولها أقاليم خمسة.
وكان أهل استجة ممن خلع وخالف فافتتحها عبد الرحمن بن محمد على يد بدر الحاجب سنة ثلاثمائة فهدم سورها ووضع بالأرض قواعدها وألحق أعاليها بأسافلها وهدم قنطرة نهرها وفي ذلك يقول أحمد بن محمد بن عبد ربه:
ألا انه فتح يقر له الفتح ... فأوله سعد وآخره نجح
سرى القائد الميمون خير سرية ... تقدمها نصر وتابعها فتح
ألم تره أردى باستجة العدى ... فلاقوا عذابا كان موعده الصبح
فلا عهد للمراق من بعد هذه ... يتم لهم عند الإمام ولا صلح
تولوا عباديدا بكل ثنية ... وقد مسهم قرح وما مسنا قرح وبين استجة ومرشانة عشرون ميلا وكذلك بينها وبين قرمونة.
__________
(1) بروفنسال: 14 والترجمة: 20 (Ecija).

(1/53)


إسكندرية (1)
مدينة عظيمة من ديار مصر بناها الإسكندر بن فيلبش فنسبت إليه، وهي على ساحل البحر الملح، وذلك أن الإسكندر لما استقام له الملك في بلاده وهي رومة وما والاها من بلاد الروم وكان روميا فيما يقال خرج يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء ليبني فيها مدينة يسكنها فأتى موضع الإسكندرية فأصاب فيها أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المسند وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: أنا شداد بن عاد، شددت بساعدي الواد، وقطعت عظيم العماد، وشوامخ الجبال والأطواد، وبنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني هنا مدينة كإرم، وانقل إليها كل ذي قدم، من القبائل والأمم، فأصابني ما أعجلني، وعما ذهبت إليه قطعني، فارتحلت عن هذه الدار، لا لقهر ملك جبار، ولا لخوف جيش جرار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، فلا يغتر بالدنيا بعدي. فلما رأى الإسكندر طيب أرض ذلك المكان وصحة هوائه ومائه عزم على بناء مدينة في ذلك الموضع، فبعث إلى البلاد فحشد الصناع واختط الأساس واستجلب العمد الرخام وأنواع المرمر الملون والأحجار في البحر من جزيرة صقلية وبلاد إفريقية واقريطش، فبناها على آزاج وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفسات للضوء يسير الفارس وبيده رمح فيه فلا يضيق عليه منها طريق من تلك الآزاج حتى يدور جميع بلد الإسكندرية وكانت أسواقها مقنطرة كلها فلا يصيب أهلها المطر، وبنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون وكذلك جميع قصورها ودورها فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام وربما علق على أسوارها وقصورها شقق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس، وبنى عليها سبعة أسوار أمام كل سور خندق وسور فصيل، فيقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت في معمور الأرض وأغربها بنيانا.
وبنى المنار الذي ليس على قرار الأرض مثله على طرف اللسان الداخل في البحر من البر وجعله على كرسي من زجاج على هيئة السرطان في جوف البحر، وجعل طوله في الهواء ألف ذراع وجعل في أعلاه المرآة، وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط عجيبة غريبة فيبصر فيها ما يأتي من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقها وجعل في المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، منها تمثال مشير بيده نحو العدو فإذا صار منه على مقدار ليلة فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر سمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين وثلاثة، وتمثال آخر كلما مضى من الليل أو من النهار ساعة سمع له صوت طرب بخلاف الصوت الذي كان منه قبل ذلك، فمن الناس من يرى أن هذه المنارة من بناء الإسكندر ومنهم من يرى أن دلوكة الملكة بنتها ومنهم من يرى أن جيرون الملك بناها، وقيل إن الذي بنى الأهرام بمصر بناها، وقيل الذي بنى رومة بناها وبنى الإسكندرية، قال: وإنما أضيفت إلى الإسكندر لسكناه بها وغلبته على ممالك الأرض، وقيل إن الإسكندر كان لا يخاف أن يطرقه عدو في البحر ولا يهاب ملكا فيجعل لذلك مرقبا وحراسا، وقيل إن أول من ملك الإسكندرية فرعون واتخذ فيها مصانع ومجالس وهو أول من عمرها ثم تداولتها الملوك من بعده، وأن سليمان عليه السلام اتخذها مسكنا وبنى فيها قصورا ومصانع عجيبة من بناء الجن له وبنى في المنار مسجدا متقنا هو باق إلى الآن، والأصح أن الإسكندر بناها من أولها واختط أساسها وبنى المنار فيها وعمل المرآة في أعلاها، فيقال إنه ما ظهر العدو في البحر إلا بعد زوال تلك المرآة، وكان ملك الروم أعمل الحيلة في زوال المرآة من المنار: فبعث خادما من خواص خدمه ذا دهاء ومعرفة، فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور فحمل إلى الوليد فأعلمه أنه كان من خواص ملك الروم وأنه أراد قتله لموجدة لم يكن لها حقيقة وأنه هرب منه ورغب في الإسلام، فأسلم بين يدي الوليد وأظهر له النصح في أشياء خدمه فيها ثم إنه استخرج له دفائن في دمشق وغيرها من بلاد الشام بكتب كانت عنده، فلما رأى ذلك الوليد شرهت نفسه وتمكن طمعه وباحثه عما عنده من هذا الفن فقال: إن الإسكندر استولى على ممالك العالم واحتوى على الأموال والذخائر التي كانت لشداد بن عاد وغيره من ملوك العرب والعجم فبنى لها الآزاج والسرادب والأقباء وأودعها تلك الذخائر والأموال والجواهر ثم بنى فوقها تلك المنارة التي بالإسكندرية فلو هدم ذلك المنار لاستخرج من تحته من الأموال والذخائر التي كانت لشداد بن عاد. فصدق ذلك الوليد وطمع فيه وبعث من خواصه من يقف معه على هدم المنار، وأمر صاحب الإسكندرية
__________
(1) الاستبصار: 91 وما بعدها والمصادر في الحاشية.

(1/54)


أن يعينه على جميع ما يريد، فهدم ذلك الرومي قدر نصف المنار فأزال المرآة التي كانت غرضه وأراد هدم الكل فضج أهل الإسكندرية وعلموا أنها مكيدة وحيلة، فلما استفاض ذلك خشي الرومي على نفسه فهرب في الليل في مركب كان قد أعده لذلك الوقت، وبقيت المنارة على ذلك المقدار. وارتفاع هذا المنار ثلثمائة ذراع بالرشاشي (1) وهو ثلاثة أشبار، وأمر الإسكندرية ومنارها أشهر من أن يطال الكتاب بذكره، وبين الإسكندرية والمنارة في البحر ميل وفي البر ثلاثة أميال.
والإسكندرية من عمالة مصر قاعدة من قواعدها، وأرض مصر تتصل حدودها من جهة الجنوب ببلاد النوبة ومن جهة الشمال بالبحر الشامي ومن جهة الشام بفحص التيه ومن جهة الشرق ببحر القلزم ومن جهة الغرب ببلاد الواحات.
فأما المنار اليوم فهو ثلاثة أحزم، الأول مربع البناء قد عمل أحسن عمل بحجارة مربعة قد أخفي الصاقها حتى صارت كالحجر الواحد لم يغيره الزمان، وارتفاعه ثلثمائة ذراع وعشرون ذراعا ثم ترك في أعلاه قدر غلظ الحائط وهو ثمانية أشبار ونحو عشرة أذرع سوى الغلط ورفع ما بقي من البناء مثمن الشكل طوله ثمانون ذراعا ثم ترك غلظ حائطه وهو أقل من غلظ الأسفل وهو ثمانية اذرع سوى ذلك، ثم أقيم عليه بناء مربع الشكل ارتفاعه خمسون ذراعا أو نحوها، وفي أعلى ذلك مسجد ينسب لسليمان عليه السلام وفي الناحية الشمالية من البناء كتابة بالنحاس لم يقدر أحد على فكها ولا معرفة ما هي، وباب المنار من حديد لا يعلم له عهد ويرقى إلى الباب من أسفل المنار في علوة لا تتبين وكذلك إلى أعلى الحزام الأول في طريق يمشي فيه فارسان متواكبان (2) في أرض سهلة لا يعلم الراقي فيه هل هو راق أو ماش، وفي كل عطف من هذا العقد باب دار في داخلها بيوت مربعة، سعة كل بيت منها من عشرين ذراعا إلى عشرة أذرع قد فتح لها مضاو ومنافس للهواء لئلا تهدمها الرياح، وعدد ما في المنار من البيوت ثلثمائة وأربعة وستون بيتا، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها اثنان وسبعون عطفا في كل عطف اثنتا عشرة درجة، وبيوتها كلها آزاج معقودة، وبناء المنار كله معقود بخشب الساج، وعدد أبوابه الظاهرة اثنان وعشرون بابا فتحت لتخترقه الرياح ولولا ذلك لهدمته وهذا المنار من دخله ولم يعرف مسالكه تاه فيه وضل لأن فيه طرقا تؤول إلى أسفله وإلى البحر، ويقال إن جيش صاحب المغرب حين وصل الإسكندرية وذلك في خلافة المقتدر دخل جماعة منهم المنار على خيولهم ليروا ما فيه من الغرائب فتاهوا وتهوروا هم ودوابهم وفقد منهم عدد كبير. وكان البحر أثر في أسفل المنارة من غربيها كالكهف العظيم فسد بعض أمراء مصر ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض، فالبحر يضرب اليوم في تلك الأساطين فلا يوثر فيها شيئا. وفي جهة الشمال من المنار، بناء عظيم عريض قد ارتفع من فم البحر حتى ظهر على وجه الماء يدل على أنه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمى ذلك البنيان الفاروس، وتحته مرسى السفن لأنه يكف عنها الريح والموج، وقد زعم قوم أن ذلك الظاهر ليس ببناء وإنما هو هدم من حجارة المنار الذي ذكرناه. ولهذه المنارة بالإسكندرية مجمع في العام يسمونه بخميس العدس، وهو أول خميس من شهر نيسان لا يتخلف في الإسكندرية عن الخروج إلى المنار ذلك اليوم أحد، وقد أعدوا لذلك الأطعمة والأشربة، ولا بد في ذلك الطعام من العدس، فيفتح بابها للناس ويدخلون فيها، فمن ذاكر لله تعالى ومصل ومن لاه متفرغ، فيقيمون إلى نصف النهار ثم ينصرفون، ومن ذلك اليوم بعينه يحترس البحر. وفي المنارة قوم مرتبين يوقدون النار بالليل كله في الحزام الأول، ليؤم أهل السفن سمت تلك النار من جميع البلاد، ويوقد صاحب السفينة النار في سفينته، فإذا رأى المحترسون النار في البحر زادوا في وقود النار وأوقدوها من جهة المدينة، فإذا رأى ذلك محرسو المدينة ضربوا الأبواق والأجراس حذرا من العدو.
وكان حول المنار مغايص يستخرج منها أنواع الأحجار، يتخذ منها فصوص الخواتم، وكان حول المنارة من تلك الجواهر كثير، فيقال إن الإسكندر غرق ذلك حول المنار ليوجد هناك إذا طلب فيكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهر عظم ملكه وما قدر عليه من وجود ما عز عند غيره، وقيل إنها كانت آلات شراب الإسكندر فلما مات كسرتها أمه ورمتها في تلك المواضع غيرة أن لا تصير لأحد بعده.
والقصر الأعظم الذي بالإسكندرية الذي لا نظير له في معمور الأرض اليوم خراب، وهو على ربوة عظيمة بازاء باب الموسم، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك، ولم يبق منه إلا بعض سواريه، وبابه من أعظم بناء وأتقنه كل عضادة منه
__________
(1) الذراع الرشاشي نسبة غلى الرشاش الذي اتخذ ذراعه وحدة للقياس (انظرابن الفرضي 1: 196).
(2) الاستبصار: متناكبان.

(1/55)


حجر واحد وعتبته حجر واحد فيه نحو مائة اسطوانة وفي نحو الشمال منه اسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها ستة وثلاثون شبرا وهي في العلو بحيث لا يدرك أعلاها قاذف حجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أن بناء كان عليها، وتحتها قاعدة حجر أحمر بديع الشكل محكم عرض كل ضلع من أضلاعه عشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار، والاسطوانة منزلة في عمود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدت الرياح رأيتها تتحرك وربما جعلت تحتها الحجارة فتطحنها لشدة حركتها، وهذه الاسطوانة من عجائب العالم، ويقال إن الجن صنعتها لسليمان عليه السلام، وكانت في وسط قبة وحولها أساطين، وعلى الكل قبة شبه الصحفة من حجر واحد رخام أبيض بأحسن صنعة وأغرب إتقان، فلما مات سليمان رفعت الجن تلك القبة ورمت بها في البحر فإنها كانت من أغرب ما عملت الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام.
ودخل بعض ملوك مصر الإسكندرية ورأى قصرها فرآه عجيب الشان غريب البنيان فدعا الصناع وسألهم أن يبنوا له مثله فقالوا: لا نقدر على ذلك، فعزم عليهم، فقام إليه شيخ فقال: أنا أبني لك مثله وأحسن منه إن فعلت لي ما أريد، قال: بلى، قال: ايتوني بثورين مطيقين وعجلة فأمر له بذلك، فدخل مقابر الأولين فيها واحتفر قبرا منها واستخرج جمجمة عظيمة فوضعها في العجلة فما جرها الثوران إلا بعد مشقة وجهد فجاءه بها فقال: أصلح الله الملك إن أعطيتني من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر، فعلم أنه لا يقدر على ذلك. ورئي بالإسكندرية قصاب عنده ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال. وكان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم وأخذ آرائهم، فكان كل جالس فيها إنما جلوسه تلقاء وجه صاحبه لا يخفى على أحد منهم شيء من حال غيره يتساوى قريبهم وبعيدهم في ذلك، وكان لهم يوم مهرجان يجتمعون فيه في هذا الملعب ويحضره رؤساؤهم وأبناء ملوكهم وعامتهم ويلعب فيها الفتيان بالصوالج وبينهم كرة فإن دخلت تلك الكرة كم رجل ممن حضر ذلك اليوم فلا بد له من ولاية مصر، كان هذا عندهم معروفا لا ينكره أحد. وكان عمرو بن العاصي رضي الله عنه قد سافر إلى الإسكندرية في الجاهلية تاجرا بالقطن والأدم فحضر ذلك الملعب في ذلك اليوم، فلعبوا فيه بالكرة، فدخلت كم عمرو بن العاصي رضي الله عنه، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا اليوم، فكان ما قدر الله تعالى من مجيء الإسلام وولاية عمرو بن العاصي رضي الله عنه مصر ثلاث مرات.
والإسكندرية تعجب كل من رآها لبهجتها وحسن منظرها وارتفاع مبانيها وإتقانها وسعة شوارعها وطرقاتها، وهي برية بحرية وفيها من النعم والأرزاق والفواكه ما ليس ببلد، مع طيب هوائها وتربتها. ومن المفسرين من قال إنها إرم ذات العماد، وقال عوف بن مالك حين دخل الإسكندرية لأهلها ما أحسن مدينتكم، فقالوا له: إن الإسكندر حين بناها قال: أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها على الدهور، وكان الفرما أخوه قال: أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم كل يوم فيها شيء. وأمر ملك الروم مرة باحصاء ملوك الإسكندرية ورؤسائها خاصة، فوجدهم ستمائة ألف ملك، وأخبار هذا الصقع كثيرة مستقصاة في المطولات فلنقتصر على هذا القدر.
إسكندرونة (1)
مدينة أو حصن بينه وبين انطاكية خمسة وأربعون ميلا، وهو حصن على ساحل البحر فيه نخيل وزروع كثيرة وغلات، وبينها وبين المصيصة أربعون ميلا.
اسبيجاب (2)
مدينة متصلة ببلاد الشاش لها قهندز وربض ودار الإمارة والجامع في المدينة الداخلة، وفي ربضها مياه وبساتين، وهي مدينة في مستو من الأرض، وهي ذات خصب وسعة، وليس بخراسان كلها وما وراء النهر منها بلد لا خراج عليه إلا اسبيجاب.
أسطور (3)
مدينة من مدن الكيماكية، وهم بشر كثير وخلق عظيم من المجوس يعبدون النار، وأسطور عامرة بالأتراك ممتدة الزراعات ومياهها كثيرة وغلاتهم الحنطة والأرز، وبها معدن الحديد ويصنع الصناع بها منه كل عجيبة، وأهلها أنجاد لهم عزم ولذلك لا يمشون إلا وهم حذرون شاكون في سلاحهم وهم أشجع
__________
(1) نزهة المشتاق: 195.
(2) يكتبها ياقوت: أسفيجاب، وانظر ابن حوقل: 418.
(3) كذا في الأصل، وفي نزهة (225): أمطور، وترد ((بالسين)) في بعض المواضع.

(1/56)


الترك نفوسا وأنفذهم عزما وأنجحهم طلبا، ولهم عند ملوكهم حظوة وإعزاز ولهم أموال واسعة.
ومدينة ملكهم خاقان مدينة عظيمة لها أسوار حصينة وأبواب حديد، وللملك بها أجناد وعساكر والملوك بها تهاب سلطانه وتخاف سطوته، وهو ملك عظيم لا يتولى الملك فيهم إلا وهو من أهل الملك. وملك الكيماكية يلبس عليه (1) الذهب وقلنسوة الذهب ويظهر لأهل مملكته في أربعة أوقات من السنة، وله حاجب ووزراء ودولة عادلة، وأهل دولته يحبونه لإحسانه إليهم ونظره في أمورهم، وله قصور ومبان شامخة ومنتزهات وهمم عالية وكرم طبع، وأهل مدينة أسطور، لا يقولون بالهموم ولا تجدها قلوبهم ولا يكترثون بالمصائب، وهم أخصب أهل البلاد وأطيبهم معايش وأكثرهم انفاقا وأعلاهم همما ولباسهم الحرير الأحمر والأبيض، ولا يلبس هذا النوع منهم إلا الخاصة، والمياه تخترق أزقتهم وأسواقهم، ومنهم من يدين بدين الصابئة.
اسفرايين
هي مهرجان (2) في آخر عمل نيسابور من خراسان وبينهما خمس مراحل وقيل اثنان وثلاثون فرسخا، وهي مدينة كبيرة فيها أسواق ومياه جارية وخانات.
اسفي
مرسى اسفي في أقصى المغرب، وفي بعض الأخبار أن الشيطان نزغ بين بني حام وبني سام أو ساسان، فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه، وكان آخر أمر حام أن هرب إلى ناحية مصر وتفرق بنوه، ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى انتهى إلى السوس الأقصى إلى موضع يعرف اليوم باسفي، وهو آخر مرسى تبلغه المراكب من عند الأندلس إلى ناحية القبلة وليس بعده للمراكب مذهب، وخرج بنوه في أثره يطلبونه فكل طائفة من ولده بلغ موضعا وانقطع عنهم خبره أقامت بتلك الناحية وتناسلوا فيه، ولما مات دفنوه بنوه في حجر منقور في جبل أصيلا.
ووقوف المراكب عند اسفي (3) لأنه آخر مرسى تصل إليه المراكب كان فيما سلف، وأما الآن فهي تجوزه بأربعة مجار. واسفي عليها عمارات وبشر كثير من البربر، والمراكب تحمل منها أوساقها في وقت السفر وسكون حركة البحر المظلم، ومن مرسى اسفي إلى مرسى ماست مائة وخمسون ميلا وقد أوردنا في ذكر اشبونة خبر القوم المغررين الذين ركبوا البحر المظلم ليقفوا على نهايته انهم صيروا إلى موضع اسفي، وأن جماعة من البربر رأوهم فتعرفوا أمرهم فقال زعيمهم وا أسفي تحسرا عليهم لما قاسوه، فسمي المكان إلى اليوم اسفي بتلك الكلمة.
اسنخوا (4)
مدينة بالصين، وهي على بطحاء أرض ممتدة لا ينبت بها شيء إلا الزعفران غرسا ومن ذات نفسه بريا، ومنها يتجهز بالزعفران إلى سائر أمصار الصين ويباع بها منه ما يعم الكل كثرة وطيبا، وقد يعمل بهذه المدينة الحديد (5) والغضار، وليس في بلاد الصين صنعة أجمل من الفخار والرسم، لا يقدمون على الرسم والتصوير صنعة، وإنما تلحق بها في الفضل عندهم صنعة الفخار حتى إنهم يسمون الفخار خالقا صغيرا والمصور خالقا كبيرا، ولا يفوق الرسم عندهم صنعة، وملوك الهند والصين لا يتركون الرسم بل يقولون به ويتعلمونه، لا يدني الملك من أولاده إلا أرسمهم وأمهرهم في صنعة الرسم.
أسوان (6)
في الصعيد آخر بلاد مصر، وفي بلادهم من الجبال والأوعار التي تحول بينهم وبين النوبة ولولا هي لأفسدت النوبة بلاد مصر، والنيل إنما يهبط من بلاد النوبة على صخور وأوعار لا يدخل ذلك الموضع مركب، وأسوان من ثغور النوبة إلا انهم في أكثر الأوقات مهادنون، وكذلك مراكب مصر لا تصعد في النيل إلا إلى مدينة أسوان فقط وهي في آخر الصعيد الأعلى. وإلى أسوان تصعد المراكب من فسطاط مصر وعلى أميال منها جبال وأحجار يجري النيل في وسطها وهذا الموضع فارق بين سفن الحبشة في النيل وسفن المسلمين.
وأسوان مدينة صغيرة كثيرة الحنطة وسائر أنواع الحبوب والفواكه والبطيخ الأخضر وسائر البقول، وبها اللحوم الكثيرة من البقر والغزلان والمعز وغيرها من صنوف اللحم العجيبة البالغة في الطيب والسمن وأسعارها أبدا رخيصة، وبها تجارات وبضائع تحمل منها إلى بلاد النوبة، وليس يتصل بأسوان من جهة المشرق
__________
(1) النزهة: حلة.
(2) مهرجان اسمها القديم، كما ذكره ياقوت.
(3) قارن الإدريسي (د/ ب): 74/ 49.
(4) نزهة المشتاق: 148.
(5) نزهة: الحرير.
(6) الإدريسي (د): 21، ونزهة المشتاق: 27، والمروج 3: 40.

(1/57)


بلد للإسلام، وعلى مقربة من أسوان، جنوبا من النيل، جبل في أسفله معدن الزمرد وفي برية منقطعة من العمارة، ولا يوجد الزمرد في شيء من الأرض بأجمعها إلا فيه وله طلاب كثيرة، ومن هذا المعدن يخرج ويتجهز به إلى سائر البلاد؛ وأما معدن الذهب فمن أسوان إليه نحو خمسة عشر يوما من شرق وشمال، ويتصل بأسوان من جهة المغرب الواحات وهي الآن خالية لا ساكن بها وكانت فيما سلف عامرة والمياه تخترق أرضها وبها معز وغنم قد توحشت فهي تتوارى من الناس وتصاد كما يصاد الحيوان البري.
ومن أسوان الطريق إلى عيذاب، وعيذاب مدينة على ضفة البحر المغربي المعروف ببحر القلزم، ومن عيذاب يعبر إلى ساحل الحجاز إلى جدة، ومن عيذاب يسلك إلى اليمن والهند وغير ذلك من البلاد.
وأهل أسوان عرب من قحطان وربيعة ومضر وقريش ناقلة من الحجاز، وهو خصيب كثير النخل توضع النواة في تربته فتنبت نخلة تثمر لسنتين تمرا، وببلاد البصرة وغيرها لا يغرس النخل إلا من الفسيل وما يخرج من النواة فليس يثمر، وكان لقمان عليه السلام عبدا نوبيا أسود ذا مشافر، ومن النوبة النساء المعروفات بالمقورات لا يقدر أحد على افتضاض أبكارهن ولا مباشرتهن حتى يفتق القوابل من قبلها بقدر ما يحتاج للوطء، وهن أطيب النساء خلوة، فإذا حملت المرأة منهن وأقربت زاد القوابل في شق ذلك المكان فإذا وضعت حملها عادت تلك الزيادة بالأدوية الملحمة حتى يلتئم، أخبر بذلك الثقات.
اسلي (1)
مدينة في شرقي ارشجول وبمقربة من وهران من أرض المغرب، وهي مدينة قديمة عليها سور صخر وكانت حصينة، ولها نهر يسقي بساتينها وثمارها.
أسيوط (2)
مدينة على الضفة الغربية من نيل مصر وهي كبيرة عامرة آهلة جامعة لضروب المحاسن كثيرة الجنات والبساتين واسعة الأرضين جميلة حسنة بينها وبين اخميم صاعدا من النيل نصف مجرى.
اسقيريا (3)
مدينة من مدن الصين على نهر، وهي عامرة وبها ملوك وسادات وجلة وعمال، وبها مجمع أموال الصين التي تصل إلى ملكها الأكبر بعد تخليصها من جميع النوايب، لأن جميع التجارات (4) المجموعة في بلاد الصين برا وبحرا يصل بها عمالها إلى مدينة اسقيريا هذه فيدفعونها هنالك إلى عمال وأمناء يخلصونها ويحاسبون بها وعليها ثم ينصرف العمال إلى بلادهم، فإذا اجتمعت الأموال.بمدينة اسقيريا وكان الوقت المعلوم من العام المؤرخ عندهم جمعت تلك الأموال بأسرها ورفعت إلى مدينة باجة، وهي مدينة الملك الأعظم (5) فيستودع هنالك المال الذي جيء به في خزائن الملك البغبوغ، وهذه سيرة دائمة لا تنقطع، ولا يصل إلى بيت مال الملك شيء يحتاج فيه إلى الإخراج منه إنما يوصل إليه ما كان مخلصا من جميع النوائب. وأهل اسقيريا يرمون موتاهم في النهر ولا يدفنونهم ألبتة.
اشبيلية (6)
مدينة بالأندلس جليلة بينها وبين قرطبة مسيرة ثمانية أيام ومن الأميال ثمانون، وهي مدينة قديمة أزلية يذكر أهل العلم باللسان اللطيني ان أصل تسميتها اشبالي معناه المدينة المنبسطة ويقال إن الذي بناها يوليش القيصر وإنه أول من تسمى قيصر، وكان سبب بنيانه إياها أنه لما دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجبه كرم ساحته وطيب أرضه وجبله المعروف بالشرف، فردم على النهر الأكبر مكانا وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوار من صخر، وبنى في وسط المدينة قصبتين متقنتين عجيبتي الشأن تعرفان بالأخوين، وجعلها أم قواعد الأندلس واشتق لها اسما من اسمه ومن اسم رومية فسماها رومية يوليش. ويقال إن اشبانية اسم خاص ببلد اشبيلية الذي كان ينزله اشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس اشبانية، ولم تزل معظمة عند العجم من ذلك الوقت، وقد كان فيها رجال ولوا قيادة العجم العظمى
__________
(1) الاستبصار: 134.
(2) الإدريسي (د): 48.
(3) نزهة المشتاق: 69، وفي الأصل ((اسفيريا)) بالفاء، وتكتب في نزهة المشتاق أيضا ((اسقيرا)).
(4) نزهة: الجبايات.
(5) نزهة: العظمى.
(6) بروفنسال: 18 والترجمة: 24 (Sevilla) والبكري (ح): 107.

(1/58)


والمملكة بمدينة رومية، وروي (1) أن المرأة التي قتلت يحيى بن زكريا عليه السلام من اشبيلية من قرية طالقة.
وهي كبيرة (2) عامرة لها أسوار حصينة وسوقها عامرة وخلقها كثير وأهلها مياسير، وجل تجاراتهم الزيت يتجهزون به إلى المشرق والمغرب برا وبحرا، يجتمع هذا الزيت من الشرف، وهو مسافة أربعين ميلا كلها في ظل شجر الزيتون والتين، أوله مدينة اشبيلية وآخره مدينة لبلة، وسعته اثنا عشر ميلا وفيه ثمانية آلاف قرية عامرة بالحمامات والديار الحسنة، وبين الشرف واشبيلية ثلاثة أميال.
ومدينة اشبيلية موفية على النهر وهو في غربيها. ويذكر في بعض الأخبار أن اشبان بن طيطش من ذرية طوبيل بن يافث بن نوح كان أحد أملاك الاشبانيين خص بملك أكثر الدنيا وان بدء ظهوره كان من اشبيلية فغلظ أمره وبعد صيته وتمكن في كل ناحية سلطانه، فلما ملك نواحي الأندلس وطاعت له أقاصي البلاد خرج في السفن من اشبيلية إلى إيليا فغنمها وهدمها وقتل بها من اليهود مائة ألف وسبى مائة ألف وفرق في الأرض مائة ألف، وانتقل رخامها إلى اشبيلية وماردة وباجة، وانه صاحب المائدة التي الفيت بطليطلة وصاحب الحجر الذي وجد بماردة وصاحب قليلة الجوهر التي كانت بماردة أيضا على حسب ما ذكر في فتح الأندلس، وأنه حضر خراب بيت المقدس الأول مع بخت نصر وحضر الخراب الذي كان مع قيصر بشبشيان، واذريان قيصر يذكر أنه من طالقة اشبيلية. وفي سنة عشرين من دولته اتفق بنيان إيليا، وكان من مضى من ملوك الأعاجم يتداولون بمسكنهم أربعة من مدن الأندلس: اشبيلية وماردة وقرطبة وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.
وكان سور اشبيلية من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم بناه بعد غلبة المجوس عليها بالحجر، وأحكم بناءها، وكذلك جامعها من بنائه، وهو من عجيب البنيان وجليلها، وصومعته بديعة الصناعة غريبة العمل، أركانها الأربعة عمود فوق عمود، إلى أعلاها، في كل ركن ثلاثة أعمدة فلما مات عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج في محرم سنة إحدى وثلثمائة قدم أهلها أحمد بن مسلمة وكان من أهل البأس والنجدة فأظهر العناد وجاهر بالخلاف، فأخرج إليه عبد الرحمن قائدا بعد قائد حتى افتتحها عليه بدر الحاجب سنة إحدى وثلثمائة واستعمل عليها سعيد بن المنذر المعروف بابن السليم، فهدم سورها وألحق أعاليه بأسفله وبنى القصر القديم المعروف بدار الإمارة وحصنه بسور حجر رفيع وأبواب منيعة، وبني سور المدينة في الفتنة بالتراب.
وباشبيلية آثار للأول كثيرة، وبها أساطين عظام تدل على هياكل كانت بها. واشبيلية من الكور المجندة، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق، وهي من أمصار الأندلس الجليلة الكثيرة المنافع العظيمة الفوائد.
ويطل على اشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولا وعرضا لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه، وزيته أطيب الزيوت كثير الرفع (3) عند العصر لا يتغير على طول الدهر، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق برا وبحرا. وكل ما استودع أرض اشبيلية وغرس فيها نمى وزكا وجل، والقطن يجود بأرضها ويعم بلاد الأندلس ويتجهز به التجار إلى إفريقية وسجلماسة وما والاها، وكذلك العصفر بها يفضل عصفر الآفاق. وبقبلي مدينة اشبيلية بساتين تعرف بجنات المصلى وبها قصب السكر، وفي آخر نهر اشبيلية من كلتا جانبيه جزائر كثيرة يحيط بها الماء كلأها قائم لا يصوح لدوام ندوتها ورطوبة أرضها، ويصلح نتاجها وتدوم ألبانها ويمتنع ما فيها من الحافر والظلف على العدو فلا يصل إليه أحد، وهذه الجزائر تعرف بالمدائن وبعضها يقرب من البحر.
وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة في جماداها الآخر كان السيل العظيم الجارف باشبيلية المربي على كل سيل وهو مذكور في الثاني من " جالي الفكر " في أول ورقة منه سنة سبع وتسعين وخمسمائة فانقله من هناك.
__________
(1) بروفنسال: وروى ابن وضاح.
(2) الإدريسي (د): 178.
(3) ص ع: الدفع.

(1/59)


وفي سنة ست وأربعين وستمائة تغلب العدو على مدينة اشبيلية في شعبان منها بعد أن حوصرت أشهرا حتى ساءت أحوال أهلها وخافوا ويئسوا من الاعانة، فأصفق رأيهم على إسلامها للعدو والخروج عنها فكان ذلك، وأجلهم الفنش ريثما يستوفون احتمال ما استطاعوا حمله من أموالهم ثم خرجوا عنها وأقامت خالية ثلاثة أيام وسرح معهم الطاغية خيلا توصلهم إلى مأمنهم وكان صاحب أناة وسياسة، ويقال إنه لما مات دفن في قبلة جامعها الأعظم.
اشكلطورية
أرض في ناحية من ايطالية (1) بأرض افرنجة فيها عين ماء من شرب منها من الخلق ارتكبه الهم وخبثت نفسه ولا يزال حزينا مغموما فاترا عابسا.
اشروسنة (2)
في بلاد خراسان من سمرقند إليها خمس مراحل مشرقا، واشروسنة اسم للإقليم وليس باسم لمدينة كما أن العراق اسم للأرض والشام مثله وكذلك الصغد وفرغانة والشاش كلها أسماء أرضين فيها عدة بلاد كثيرة، واشروسنة أرض يحيط بها من إقليم ما وراء النهر من شرقيها بعض فرغانة، ومن غربيها بلاد الصغد والصغانيان، وشمالها بلاد الشاش ولأشروسنة مدن كثيرة ومملكتها واسعة جليلة ويقال إن فيها أربعمائة حصن ولها واد عظيم يأتي من نهر سمرقند، وتوجد في ذلك الوادي سبائك الذهب وبين اشروسنة وفرغانة مرحلتان، وأكبر مدن اشروسنة بومنجكث وفيها سكنى الولاة ولها سوران سور على مدينتها وسور على ربضها، وللمدينة بابان: باب الأعلى وباب المدينة، وداخل المدينة المسجد الجامع مع القهندز ودار الإمارة في الربض. وفي المدينة الداخلة نهر كبير عليه رحى، والسجن في قهندزها، والجامع خارج القهندز، وأسواقها في المدينة والربض جميعا، وسور الربض يشتمل على بساتين وكروم وهو مقدار فرسخ.
اشير (3)
بلدة أو حصن بينها وبين المسيلة مرحلة، من بلاد الزاب بناها زيري بن مناد الصنهاجي وتعرف بأشير زيري، وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة وإنما بنى زيري سورها وحصنها وعمرها فليس في تلك الأقطار أحصن منها، وهي بين جبال شامخة محيطة بها، وداخل المدينة عينان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك لهما قعر من بناء الأول، وبالقرب من المدينة بنيان عظيم عجيب يعرف بمحراب سليمن ولم ير بنيان أعظم منه ولا أحكم، فيه من الرخام والأعمدة والنقوش ما يقصر عنه الوصف، وهي جليلة حصينة، وفيها يقول عبد الملك بن عيشون:
يا أيها السائل عن غربنا ... هذا وعن محل اشير
عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور
أشمخها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري
أشتبين (4)
حصن بالأندلس على يسار الطريق تحت أصل جبل ممتنع لا يدركه لمقاتل طمع، بنى عليه بعض الملوك حصونا كثيرة، وحوصر مدة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وبعد لأي ما افتتح وذلك في عقب سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
أشك (5)
قرية عامرة على طريق من جاء من فارس، بها حدائق نخل كثيرة وزراعات وغلات جمة، ومنها تحمل الأدياس المنسوبة إلى أشك، وتعمل منها الحصر بالعراق، وهذا الديس مفضل على كل ديس، وبهذه القرية كانت وقعة الأزارقة وكانوا أربعين رجلا من الشراة امتنعوا في مكان منها فخرج إليهم من الجند ألفا رجل فقتلتهم الازارقة حتى أتوا على آخرهم.
أشونة (6)
من كور استجة بالأندلس بينهما نصف يوم، وحصن أشونة ممدن كثير الساكن.
أشكوني (7)
بالأندلس من كور تدمير معروف، ومن الغرائب أن من أراد أن يتخذ فيه جنانا صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقي من النهر فتنبت الأرض هناك بطبعها شجر التفاح
__________
(1) في الأصل: أنطاكية.
(2) نزهة المشتاق: 415، وابن حوقل: 314.
(3) البكري: 60، والإدريسي (ب/ د): 59/ 58.
(4) بروفنسال: 22 والترجمة: 28 (San Estaban).
(5) صواب اللفظة ((آسك)) كما أثبتها ياقوت، وانظر ما تقدم.
(6) بروفنسال: 23 والترجمة: 29 (Osuna).
(7) بروفنسال: 22 والترجمة: 28، ولم يستطع أن يعين موقع هذا المكان.

(1/60)


والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه حاشا شجر التوت، من غير غراسة ولا اعتمال.
اشبونة (1)
بالأندلس من كور باجة المختلطة بها، وهي مدينة على طريق العساكر فإن الطريق من باجة إلى الأشبونة يعترض مدينة الأشبونة، والأشبونة بغربي باجة، وهي مدينة قديمة على سيف البحر تتكسر أمواجه في سورها واسمها قودية، وسورها رائق البنيان بديع الشان، وبابها الغربي قد عقدت عليه حنايا فوق حنايا على عمد من رخام مثبتة على حجارة من رخام، وهو أكبر أبوابها، ولها باب غربي أيضا يعرف بباب الخوخة مشرف على سرح فسيح يشقه جدولا ماء يصبان في البحر، ولها باب قبلي يسمى باب البحر تدخل أمواج البحر فيه عند مده وترتفع في سوره ثلاث قيم، وباب شرقي يعرف بباب الحمة، والحمة على مقربة منه ومن البحر بمائين: ماء حار وماء بارد، فإذا مد البحر واراهما، وباب شرقي أيضا يعرف بباب المقبرة. والمدينة (2) في ذاتها حسنة ممتدة مع النهر لها سور وقصبة منيعة، والأشبونة على نحر البحر المظلم، وعلى ضفة البحر من جنوبه قبالة مدينة الأشبونة حصن المعدن ويسمى بذلك لأن عند هيجان البحر يقذف بالذهب التبر هناك، فإذا كان الشتاء قصد إلى هذا الحصن أهل تلك البلاد فيخدمون المعدن الذي به إلى انقضاء الشتاء، وهو من عجائب الأرض.
ومن مدينة الأشبونة كان خروج المغررين في ركوب بحر الظلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه، ولهم باشبونة موضع بقرب الحمة منسوب إليهم يعرف بدرب المغررين، وذلك أن ثمانية رجال كلهم أبناء عم اجتمعوا فابتنوا مركبا وادخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية فجروا بها نحوا من أحد عشر يوما، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح كثير التروش قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف فردوا قلعهم في اليد الأخرى وجروا في البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوما، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي سارحة لا ناظر لها ولا راعي فقصدوا الجزيرة ونزلوها فوجدوا عين ماء جارية عليها شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوما إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها إلى عمارة وحرث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها فما كان إلا غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر فأنزلوا بها في دار فرأوا بها رجالا شقرا زعرا شعورهم سبطة وهم طوال القدود، لنسائهم جمال عجيب، فاعتقلوا في بيت ثلاثة أيام ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي، فسألهم عن حالهم وفيم جاءوا وأين بلادهم، فأخبروه بكل خبرهم فوعدهم خيرا وأعلمهم أنه ترجمان، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم احضروا بين يدي الملك فسألهم عما سألهم عنه الترجمان، فأخبروه بما أخبر به الترجمان بالأمس وأنهم اقتحموا البحر ليروا ما فيه من العجائب وليقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: أخبر القوم أن أبي أمر قوما من عبيده يركبون هذا البحر وأنهم جروا في عرضه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير فائدة تجدي، ثم وعدهم خيرا وصرفوا إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية فعمر بهم زورقا وعصبت أعينهم وجرى بهم في البحر برهة من الدهر، قال القوم: قدرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيام بلياليها حتى جاء بنا إلى البر فأخرجنا وكتفنا إلى خلف وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناس فصحنا بجملتنا، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلوا وثاقنا وسألونا فأخبرناهم بخبرنا وكانوا برابر، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا، فقال: مسيرة شهرين، فقال زعيم القوم: وا أسفي، فسمي المكان إلى اليوم اسفي، وهو المرسى الذي في أقصى المغرب.
الأهواز (3)
مدينة متصلة بالجبل، فتحها حرقوص بن زهير السعدي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأهواز هي خوزستان وهي رام هرمز، وبين الأهواز وأصبهان خمسة وأربعون فرسخا، قالوا: ومن أقام بالأهواز حولا ثم تفقد عقله فإنه يجد فيه نقصا بينا. وقصبة الأهواز تغلب كل من نزل بها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ولا يوجد بها أحد له وجنة حمراء،
__________
(1) بروفنسال: 16 والترجمة: 22 (Lisbonne).
(2) من هنا عن الإدريسي (د): 184.
(3) انظر آثار البلاد: 152، وياقوت: ((الأهواز))، ولطائف المعارف: 175.

(1/61)


والحمى بها دائمة، وزعم الجاحظ أن عدة من قوابل الأهواز أخبرنه أنه ربما قبلن المولود فوجدنه محموما، وجمعت مع ذلك كثرة الأفاعي في جبلها المطل عليها وكثرة العقارب.
وكان صاحب الأهواز الهرمزان وفتحها وما يليها حرقوص بن زهير كما قدمناه وكانت له صحبة، بعث به عتبة بن غزوان من البصرة بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وحكى البلاذري (1) أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه غزا سوق الأهواز في ولايته حين شخص عتبة بن غزوان من البصرة آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة فقاتله البيروان (2) دهقانها ثم صالحه على مال ثم إنه نكث، فغزاها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حين ولي البصرة بعد المغيرة وفتح سوق الأهواز عنوة وفتح نهر تيرى عنوة وولي ذلك بنفسه في سنة سبع عشرة. وروي أنهم غدروا وافتتحت رام هرمز عنوة في آخر أيام أبي موسى، وفتح أبو موسى سرق على مثال رام هرمز.
والأهواز موضع يجمع سبع كور، وبلغ عمر رضي الله عنه أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه والجبل كؤود يشق على الناس، فكتب إليه: بلغني أنك نزلت منزلا كؤودا لا يؤتى إلا على مشقة، فأسهل ولا تشقق على مسلم ولا معاهد وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ولا تدركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك.
أهناس (3)
موضع في صعيد مصر، قال الجاحظ: ولد عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بأهناس إلى اليوم.
أوطاس (4)
وادي ديار هوازن فيه اجتمعت هوازن وثقيف، إذ أجمعوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتقوا بحنين ورئيسهم عوف بن مالك النضري، وقال لهم دريد بن الصمة وهو في شجار يقاد به بعيره: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا لين دهس، وهي قصة حنين بطولها، وفيها قال الله تعالى " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا " وقد استوفى خبر هذه القصة ابن إسحاق (5) .
أوارة (6)
موضع لبني تميم كانت فيه قصة لعمرو بن هند عم النعمان بن المنذر على بني دارم، وكان أسعد بن المنذر أخا عمرو بن هند، وكان مسترضعا في بني تميم في بني دارم في حجر حاجب بن زرارة، وقيل في حجر زرارة، فخرج يوما متصيدا فلم يصب شيئا فمر بإبل سويد بن ربيعة الدارمي فنحر منها بكرة فقتله سويد فقال عمرو بن لقيط الطائي يحرض عمرو بن هند:
من مبلغ عمرا بأ ... ن المرء لم يحلق صباره
وحوادث الأيام لا ... تبقى عليهن الحجاره
ها إن عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أواره
تسفي الرياح خلال كش؟ ... حيه وقد سلبوا أزاره
فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره فنذر عمرو بن هند، وكان شديد البأس، أن يقتل من بني تميم مائة من خيارهم بدل ذلك المقتول، فغزاهم يوم القصيبة ويوم أوارة ثم أقسم ليحرقن منهم مائة رجل فلهذا سمي محرقا، فأخذ له منهم تسعة وتسعون رجلا، فقذفهم في النار، وأراد أن يبر قسمه بعجوز منهم ليكمل العدة التي أقسم عليها، فلما أمر بها قالت: ألا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه، ثم قالت: هيهات، صارت الفتيان حمما (7) وأقبل رجل من البراجم كان أبصر الدخان ووجد قتار لحومهم على بعد فظن أنه طعام يصنع للناس، فلما بلغ ورأى ما رأى جزع فقال عمرو: انظروا ممن الرجل، فأتي به إليه، فقال: ممن أنت: قال: من البراجم، فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم (8) ألقوه في النار ليتم نذري، فتم نذره بالبراجم من بني تميم، وفي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق وينسب بني تميم إلى الشره والنهم:
أين الذين بنار عمرو حرقوا ... أم أين اسعد فيكم المسترضع
__________
(1) فتوح البلدان: 464.
(2) فتوح البلدان: البيرواز.
(3) انظر ياقوت: ((أهناس)).
(4) معجم ما استعجم 1: 212.
(5) ابن هشام 2: 437.
(6) شرح النقائض: 652 - 654، 1084 - 1087.
(7) مجمع الأمثال 1: 266 - 267.
(8) مجمع الأمثال 1: 7.

(1/62)


وقال الطرماح (1) :
ودارم قد قذفنا منهم مائة ... في جاحم النار إذ ينزون بالجدد
ينزون بالمشتوى منهم ويوقدها ... عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد فلطمع البرجمي في الأكل عيرت تميم بحب الطعام، وقال الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد الأبيات.
وقد ذكر ابن دريد في مقصورته هذه القصة في قوله (2) :
ثم ابن هند باشرت نيرانه ... يوم أوارات تميما بالصلى
أوال (3)
جزيرة في بلاد البحرين بين اليمامة والبصرة وعمان، وهذه الجزيرة بينها وبين الساحل مجرى يوم وهي كثيرة النخل والموز والجوز والأترج والأشجار والزرع والأنهار. وأوال جزيرة طويلة مسيرة ستة عشر يوما وفيها معادن اللؤلؤ ولذلك قال أبو العلاء المعري في قصيدة له (4) :
فإن صلحت للناظرين دموعنا ... فأنتن منها والكثيب حوالي
جهلتن أن اللؤلؤ الذوب عندنا ... رخيص وأن الجامدات غوالي
فلو كان حقا ما ظننتن لاغتدت ... مسافة هذا البر سيف أوال وكانت هذه الجزيرة حبسا لكسرى، وأكثر أهلها يمانيون ومن أهل اليمامة، وإليها لجأ من أفلت من أهل هجر عند محنتهم مع القرمطي، وإليها فر أهل اليمامة والبحرين، وبينها وبين هجر اثنا عشر فرسخا في البر وعشرة فراسخ في البحر.
أوثان (5)
جبل في البحر في طريق الإسكندرية من إفريقية وهذا الطرف الخارج منه في البحر هو طرف أوثان وهو ما بين طرابلس والإسكندرية، وإذا رآه الناس المسافرون استبشروا بالسلامة، ويقال إنه طرف جبل درن المشهور في الغرب.
أوزاع
اسم قرية على مقربة من باب الفراديس من دمشق، وإليها ينسب الأوزاعي.
أونبة (6)
من مدن جبل العيون بالأندلس، وهي مدينة ممتنعة بين جبال ضيقة المسالك، وهي قديمة بها آثار للأول فيها ماء مجلوب في قناة واسعة قد خرق بها الجبال الشامخة حتى وصل الماء إلى أسفل هذه المدينة فيسقي بعض بساتينها، ولا يدرى من أين أصل هذا الماء، وشرقي هذه المدينة كنيسة كبيرة معظمة عندهم يزعمون أن أحد الحواريين بها، وما أكثر ما يوجد في حفائر هذه المدينة آثار عجيبة، وهذه المدينة برية بحرية بينها وبين البحر نحو ميل وبينها وبين لبلة ستة فراسخ.
أودغشت (7)
مدينة بين صحراء لمتونة والسودان، وهي مدينة عظيمة آهلة لكنها صغيرة، وفي صحرائها ماء قليل، وهي بين جبلين شبه مكة في الصفة، وليس بها تجارة كبيرة ولأهلها جمال منها يعيشون، ومنها إلى غانة اثنتا عشر مرحلة وكذلك من أودغشت إلى مدن واركلان إحدى وثلاثون مرحلة، وفي أودغشت أمم لا تحصى، ولها بساتين كثيرة ونخل كثير ويزدرعون فيها القمح بالحفر بالفؤوس ويسقونه بالدولاب، وكذلك يسقون بساتينهم، وإنما يأكل القمح عندهم الملك وأهل اليسار منهم، وسائر أهلها يأكلون الذرة، والمقاثي تجود عندهم، والبقر والغنم عندهم أكثر شيء وأرخصه فيشترى في أودغشت عشرة أكبش بدينار وأكثر من ذلك، وهم أرباب نعم جزيلة وأموال جليلة، ولهم أسواق حافلة عامرة الدهر كله لا يكاد يسمع الإنسان فيها
__________
(1) ديوانه: 163.
(2) شرح المقصورة: 81.
(3) البكري (مخ): 68.
(4) شروح السقط: 1202 - 1203.
(5) عند الإدريسي (ب/ د): 34، 140/ 64، 138 تفصيلات أخرى عن أوثان.
(6) بروفنسال: 35، والترجمة: 44 (Huelva).
(7) البكري: 158 وأول المادة من الإدريسي (ب/ د): 19/ 32، وانظر الاستبصار: 215؛ وترد بالسين المهملة أحيانا.

(1/63)


صوت جليسه لكثرة غوغاء الناس، وتجاراتهم إنما هي بالتبر ليست عندهم فضة.
وبأودغشت مبان حسنة رفيعة، وأهلها أخلاط من جميع الأمصار قد استوطنوها لكثرة خيرها ونفاق أسواقها وتجاراتها، هكذا حكي وكأنه مناقض لما سبق، ولعل ذلك في وقتين مختلفين. وحريم أودغشت لا يوجد مثله في بلد، يجلب منها جوار بيض الألوان رشيقات القدود لطاف الخصور ضخام الأرداف واسعات الأكتاف ضيقات الفروج، المستمتع بإحداهن كأنما يستمتع ببكر أبدا من غير أن ينكسر لإحداهن ثدي طول عمرها، وأخبرني (1) من رأى امرأة منهن بمدينة أودغشت راقدة على جنبها وكذلك يفعلن في أكثر أحوالهن اشفاقا من الجلوس على أردافهن ورأى ابنا لها طفلا يلعب حواليها، وهو يدخل تحت خصرها ويخرج من الجهة الأخرى من غير أن تتجافى له، وذلك لعظم ردفها ودقة خصرها.
وبين مدينة بريسي (2) وأودغشت اثنتا عشرة مرحلة، وليس في بلاد السودان شيء من الفواكه الرطبة ولا اليابسة إلا ما يجلب إليها من التمر من بلاد سجلماسة أو بلاد الزاب يجلبه إليهم أهل واركلان الصحراء. والنيل يجري في هذه الأرض من المشرق إلى المغرب وينبت على ضفتيه شجر الأبنوس والشمشار والخلاف والطرفاء والأثل غياضا متصلة وبها يستظلون عند شدة الحر وحمارة القيظ، وفي غياضها الأسد والزراريف والغزلان والضبعان والأرانب والقنافذ، وفي النيل أنواع من السمك وضروب من الحيتان الكبار والصغار، ومنه طعام أكثر السودان يتصيدونه ويملحونه وهو في غاية الحسن والغلظ.
وأسلحة أهل هذه البلاد القسي وعليها عمدتهم ويتخذون الدبابيس من شجر الأبنوس ولهم فيها حكمة وصناعة متقنة، وأما قسيهم فمن القصب وحليهم النحاس وخرز الزجاج.
وهي بلاد حر ووهج شديد، وأهل المدن منها يزرعون البصل والقرع والبطيخ ويجلب منها سودانيات طباخات محسنات تباع الواحدة منهن بمائة دينار كبار وأزيد لحسن عمل الأطعمة الطيبة ولا سيما أصناف الحلاوات مثل الجوزينيات واللوزينجات والقاهرات والكنافات والقطائف والمشهدات وأصناف الحلاوات فلا يوجد أحذق بصنعتها منهن. ومنها تجلب الدرق الجيدة فإن اللمط بأرض أودغشت كثير جدا ويجلب أيضا منها العنبر الطيب لقربها من البحر المحيط، ويجلب منها الذهب الإبريز الخالص خيوطا مفتلة، وذهب أودغشت أطيب ذهب الأرض وأصحه، وكان صاحب أودغشت في عشر خمسين وثلاثمائة (3) رجلا من صنهاجة وكانت له جيوش كثيرة فدانت له أزيد من عشرين ملكا من ملوك السودان كلهم يؤدون إليه الجزية، وكان عمله مسيرة شهرين في مثلها في عمارة متصلة، وكان يعتد في أزيد من مائة ألف نجيب فإن الخيل في تلك البلاد قليلة، فيقال إنه غزا ملكا من ملوك السودان فدخل بلده وأحرقه وقتل جنده والملك في قصره ينظر إليه، فلما رأى ما حل ببلده هان عليه الموت فخرج ورمى بدرقته إلى الأرض وقاتل حتى قتل، فلما عاين نساؤه ذلك تردين في الآبار وقتلن أنفسهن بضروب القتل أسفا على ملكهن وأنفة أن يملكهن البيضان. وبين أودغشت وسجلماسة نحو خمسين مرحلة ومنها إلى غانة نحو عشرين مرحلة.
أسكر (4)
قرية على شط النيل في البلاد المصرية، وهي على الضفة الشرقية من النيل مياسرة للصاعد، يذكر أن فيها مولد موسى الكليم صلوات الله عليه.
أوجلة (5)
مدينة بينها وبين برقة في البر عشر مراحل، وهي مدينة صغيرة متحضرة، وهي في ناحية البرية يطيف بها نخل وغلات لأهلها، ومنها يدخل إلى كثير من أرض السودان، والوارد عليها والصادر عنها قليل، وأرض أوجلة وبرقة واحدة، وشرب أهلها من المواجل.
أوليل (6)
جزيرة في الإقليم الأول من أرض السودان على مقربة من الساحل وبها ملاحة مشهورة ولا يعلم في بلاد السودان ملاحة غيرها، ومنها يحمل الملح إلى جميع بلاد السودان، ومن هذه الجزيرة إلى مدينة سلى ست عشرة مرحلة.
__________
(1) هذا ما قاله البكري.
(2) في الأصل: برسين، والتصويب عن نزهة المشتاق، وقد عاد غلى النقل عنه، انظر الإدريسي (ب): 5، والنزهة: 12 (نسخة آياصوفيا).
(3) في الأصل: وخمسمائة.
(4) ص ع: أو سكون، وهو خطأ متابعه لابن جبير: 57؛ وقد مرت أسكر: 52.
(5) الإدريسي (ب/ د): 99/ 133.
(6) الإدريسي (ب/ د): 3/ 2.

(1/64)


أوراس (1)
هو جبل قريب من باغاية بإفريقية بينه وبين نقاوس ثلاث مراحل وهو المتصل بالسوس، ويقال إنه قطعة من جبل درن بالمغرب ومتصل به وطوله نحو اثني عشر يوما، ومياهه كثيرة وعمارته متصلة وفي أهله نخوة وتسلط على من جاورهم من الناس.
ومن هذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد الزناتي النكاري في سنة ثلاث وثلاثمائة واستفحل أمره وعظم شأنه واستولى على كثير من البلاد الإفريقية، وعظمت فتنته وأكثر القتل في الناس فكانت فتنته شنيعة وأمره عظيما إلى أن قتل واستراح المسلمون منه ومن خبائث سيره وقبيح أفعاله على ما سيرد إن شاء الله تعالى.
وفي جبل أوراس كانت الملكة المعروفة بالكاهنة المقتولة في الفتح الأول على يدي المسلمين، فروي أن حسان بن النعمان الغساني لما أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية سنة تسع وستين في جيش فيه نحو من ستة آلاف فارس لما وصل إفريقية قصد قرطاجنة فوافقه أهلها فقتل رجالهم وفرسانهم فهربوا في البحر في سفن كانت لهم إلى الأندلس وإلى صقلية ثم دخلها بالسيف وأرسل إلى ما حولها من العمران فاجتمعوا له مسرعين خوفا منه فأمرهم بهدم قرطاجنة وقطع القناة عنها ثم رجع إلى روم سطفورة فقاتلهم فهزم الله تعالى الروم بعد بلاء عظيم ثم سأل عن أعظم ملك بإفريقية ومن إذا قتل دانت إفريقية لقاتله، ويئس البربر والروم من أنفسهم، فقيل له ليس بإفريقية أعظم قدرا ولا أبعد صيتا ولا أشد حزما من امرأة يقال لها الكاهنة، وهي في جبل أوراس وجميع من بإفريقية خائفون منها، والروم سامعون لها مطيعون، فإن قتلتها يئس الروم والبربر أن تكون لهم دولة. فلما سمع ذلك حسان خرج إليها بجيوشه، فلما بلغ مجانة نزل بها، وكانت قلعتها لم تفتح فتحصن فيها الروم فمضى وتركهم، وبلغ الكاهنة أمره فرجعت إليه من جبل أوراس في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى فنزلت مدينة باغاي فأخرجت من بها وظنت أن حسان يريد حصنا يتحصن به، ثم أقبل حسان وزحفت الكاهنة فانتهوا إلى نهر كان حسان ومن معه يشربون من أعلاه وكانت الكاهنة ومن معها يشربون من أسفله، وأبى حسان أن يقاتلها ليلا فوقف كل فريق على مصافهم، فلما أصبح زحف بعضهم إلى بعض ثم اقتتلوا قتالا شديدا وقتل من العرب خلق عظيم وانهزم حسان بعد بلاء عظيم وسمي النهر نهر البلاء، واتبعته الكاهنة بمن معها حتى حد قابس، فأسلم إفريقية ومضى على وجهه وأسرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل ثمانين، فيهم خالد بن يزيد العبسي وكان رجلا مذكورا، فلما فصل من قابس كتب إلى عبد الملك يخبره بما نزل من البلاء بالمسلمين من قبل الكاهنة وترفق في السير طمعا في لحاق أصحابه، فكتب إليه عبد الملك: أقم حيث يأتيك كتابي ولا تبرح حتى يأتيك أمري، فأتاه كتابه وهو بالموضع الذي يقال له اليوم قصور حسان فابتنى هناك قصرا لنفسه وأقام بمن معه ثلاث سنين وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأرسلت من معها من أسرى المسلمين إلا رجلا واحدا يقال له خالد بن يزيد العبسي، فإنها حبسته عندها، وعمدت إلى دقيق الشعير وهم يسمونه البسيسة، ثم دعت خالد بن يزيد وابنين لها فأمرتهم فأكلوا ثلاثتهم منها، وقالت لهم: أنتم الآن قد صرتم إخوة وذلك عند البربر من أعظم العهد في جاهليتهم إذا فعلوه، ثم بعث حسان إلى خالد بن يزيد وهو عند الكاهنة يقول له: ما منعك من الكتاب إلي بخبر الكاهنة فكتب إليه مع رسوله في خبزة ملة قد أنضجها ليظن من رأى الخبزة أنها زاد للرجل فلم يغب شخص الرسول عنهم حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول: يا معشر بني هلاككم فيما يأكل الناس، كررت ذلك ثلاث مرات.
ومضى الرسول حتى قدم على حسان بالكتاب فيه كل ما احتاج إليه من خبرها، وفيه أن البربر تجتمع عساكرهم بالنهار ويفترقون بالليل وليس لهم حزم في رأيهم، وإنما ابتلينا بأمر أراده الله عز وجل وأكرم به من أراد منا بدرجة الشهادة، فإذا نظرت في كتابي فاطو المراحل وجد في السير فإن الأمر لك ولست أسلمك إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم كتب خالد بن يزيد بعد ذلك إلى حسان بخبر ما قبله، وعمد إلى قربوس فنقره ثم وضع فيه الكتاب وأطبق عليه وأخفى مكان النقر ثم حمل رسولا على دابة بالكتاب إلى حسان، فلما فصل خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول: يا بني هلاككم في شيء من نبات الأرض، وكانت من أعلم أهل زمانها بالكهانة، ومضى الرسول حتى قدم على حسان، فلما علمت الكاهنة أن حسان يقيم بقصوره لا يبرح قالت للبربر والروم: إنما
__________
(1) أول المادة عن الإدريسي (ب/ د): 66/ 94 ثم عن البكري: 50، 144، وقارن قصة حسان والكاهنة بما عند ابن عذاري 1: 34 - 39، والمالكي 1: 32 - 36.

(1/65)


يطلب حسان من إفريقية المدائن والذهب والفضة والشجر ونحن إنما نريد منها المراعي والمزارع فما أرى لكم إلا خراب إفريقية، فوجهت البربر يقطعون الشجر ويهدمون الحصون، قالوا: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا وقرى متصلة فأخربت ذلك كله، فخرج من النصارى ثلاثمائة رجل مستغيثين بحسان مما نزل بهم من الكاهنة من خراب الحصون وقطع الشجر، وكان قد وجه إليه عبد الملك بن مروان يأمره بالنهوض إلى إفريقية قبل أن تخربها الكاهنة، فوافق ذلك قدوم الروم عليه وقدوم رسول خالد بن يزيد عليه، فرجع بجميع عسكره إلى إفريقية؟ فيقال إن الكاهنة خرجت ناشرة شعرها تقول: يا بني انظروا ماذا ترون، فقالوا: نرى شيئا من سحاب أحمر، قالت: بلى وإلهي ما هو إلا رهج خيل العرب قد أقبلت إليكم، ثم قالت لخالد بن يزيد الذي كانت أسرته: إنما كنت تبنيتك لمثل هذا اليوم، أما أنا فمقتولة ولكن أوصيك بأخويك هذين خيرا، تريد ولديها، فانطلق بهما إلى العرب فخذ لهما أمانا. فانطلق بهما خالد بن يزيد فأخذ لهما أمانا، ولقي حسان وهو مقبل يريد الكاهنة، فوصل إلى قابس فلقيته الكاهنة، وكانت مع حسان جماعة من البربر فولى عليهم الأكبر من ولدي الكاهنة وأكرمه وأقربه، ولقيته الكاهنة في جيوش عظيمة فاقتتلوا فهزمهم الله تعالى، وانهزمت الكاهنة تريد قلعة بشر لتتحصن بها فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض فهربت تريد جبل أوراس ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده يحمل بين يديها على جمل، فتبعها حسان حتى قرب من موضعها، فلما كان الليل قالت الكاهنة لابنيها: إني مقتولة وإن رأسي تركض به الدواب وتمضي به إلى المشرق من حيث تطلع الشمس وأراه موضوع بين يدي ملك العرب الذي بعث إلينا بهذا الرجل، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلي البلاد، قالت: وكيف أفر وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت فأقلد قومي عارا إلى آخر الدهر، قالوا لها: أفلا تخافين على قومك قالت: إذا أنا مت فلا أبق الله منهم أحدا في الدنيا، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فما نحن صانعون؟ فقالت: أما أنت يا خالد بن يزيد فستنال ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما أولادي فسيدركون بإفريقية ملكا عظيما مع هذا الملك الذي يقتلني، ثم قالت لهم: اركبوا فاستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل إلى حسان، فلما أصبح حسان زحف إليها، وأقبلت الكاهنة راجعة إليه فلقيت أعنة الخيل خالدا وولديها فسلموا عليهم ومضوا بهم إلى حسان فدخل ابن يزيد على حسان وأخبره بما قالت الكاهنة، وأنها وجهت إليه بولديها فأمر بهما حسان فأدخلهما ووكل بهما قوما، وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل، فالتقى القوم ووضعوا السلاح بعضهم على بعض ووقع الصبر، وانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر سماه الناس بئر الكاهنة إلى اليوم، ويقال إنها قتلت عند طبرقة، فنزل حسان على الموضع الذي قتلت فيه وعجب الناس من خلقها وكانت الأترجة تجري فيما بين عجيزتها وأكتافها.
ثم إن الروم تحزبوا بعد ذلك وأجمعوا على قتال حسان فقاتلهم فهزمهم الله تعالى، وخافته البربر فاستأمنوا إليه فلم يقبل منهم حتى أعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألف فارس يكونون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه، وعقد لولدي الكاهنة بعد إسلامهما لكل واحد منهما ستة آلاف فارس من البربر، وأخرجهم مع العرب يفتتحون إفريقية ويقتلون الروم، فمن أجل ذلك صارت الخطط بإفريقية للبربر فكان يقسم الفيء بينهم والأراضي، وحسنت طاعتهم له، فدانت له إفريقية ودون الدواوين.
أوش (1)
من مدن فرغانة بينها وبين قبا عشرة فراسخ، وهي مدينة عامرة، وقهندزها عامر ودار الإمارة والحبس في القهندز، وعلى ربضها سور وهي ملاصقة للجبل الذي عليه مرقب الأتراك الذي تحرس منه ولها ثلاثة أبواب.
أولية السهلة (2)
بالأندلس قريبة من قرطبة تعرف بالرملة وهي أم الأقاليم، كثيرة الأهل واسعة الخطة مثمرة الأرضين، بها ديار للعجم متقنة البنيان في إحداها أربع سوار مجزعة من نفيس الرخام في نهاية العظم والطول عليها الناقوس.
أوريط (3)
مدينة قديمة بالأندلس كانت عظيمة مذكورة مع طليطلة، وهي معها في حد واحد من مدن قسطنطين، وإنما عمرت قلعة رباح وكركي بخراب أوريط.
__________
(1) انظر ياقوت: (أوش)، وابن حوقل: 420.
(2) بروفنسال: 34،والترجمة: 43.
(3) بروفنسال: 33، والترجمة 42 (Oreto).

(1/66)


أورشين (1)
مدينة صغيرة من مدن الهند على الساحل، وجزيرتها عظيمة المقدار كثيرة الجبال والأشجار، وفيها فيلة كثيرة وبها تصاد ويتجهز بأنيابها منها، وللناس في صفة صيدها أقوال، منهم من يقول إن الصائدين لها يقصدون إلى مواضع مبيتها والأماكن التي تأوي إليها فيحفرون لها حفائر كما تفعله عربهم (2) في صيد الأسود، ويكون أعلاها واسعا وأسفلها ضيقا، ويسترونها بالخشب الرقاق والحشيش ويسوى بالتراب فوق ذلك حتى تخفى الحفرة، فإذا جاءت الفيلة إلى مواضعها التي اعتادت المبيت فيها وفي طرق مائها الذي اعتادت الشرب منه سقطت في الحفرة على رأسها وفر باقي الفيلة على وجوهها وصائدوها يكونون هناك في أماكن لهم ينظرون منها إلى ما يسقط في الحفرة من الفيلة فإذا رأوا ذلك أسرعوا إلى ما سقط في الحفرة وفتحوا خواصرها وبطونها واستخرجوا أنيابها وأخذوا كعوبها. قالوا: وهي تمشي قطارا وتبيت في الغياض اثنين في واحدة، وثلاثة وأربعة في واحدة وصفة رقادها أن تقصد الشجر فتورك على أصولها فيورك بعضها على بعض وتنام وقوفا لغلظ أرساغها وطول مفاصلها فيأتي الصائدون إلى تلك الأشجار بالنهار فيقطعون أكثرها، ويتركون الشجر قائمة مستهلكة، فإذا جن الليل وأتت الفيلة على عادتها إلى تلك الأشجار التي عادتها الرقاد بالاعتماد عليها فلا يزال يثقل بعضها على بعض إلى أن تسقط الشجر وتسقط الفيلة مع سقوطها فلا تقدر أن تقوم، فيثب الصيادون إليها بالخشب فيضربون رؤوسها إلى أن تموت وتستخرج أنيابها وتباع من التجار بأموال كثيرة وتحمل إلى البلاد وتصرف في كثير من الأعمال والترصيع، ويكون في النابين الكبيرين من الفيلة ستة عشر قنطارا إلى ما فوقها ودونها قالوا: والإناث منها تلد أولادها في المياه الراكدة فإذا وضعت أولادها سقطت في الماء فتسرع الأمهات إليها وتقيمها في الماء على سوقها وتخرجها منه وتديم لحسها إلى أن تجف وتستدرجها إلى أن تكمل تبارك الله أحسن الخالقين. ولا يدرى في الحيوانات أفهم من الفيل ولا أقبل منه للتعليم، ومن خواصه أنه لا ينظر إلى عورة الإنسان، وتتنافس ملوك الهند في اقتناء الفيلة وتتغالى في أثمانها وتحافظ عليها وتجلب إلى مرابطها عندهم صغارا فتنشأ على التأنس بالناس ويقاتلون عليها لأن الفيل الكبير يقاتل على ظهره اثنا عشر رجلا بالحجف والسيوف والدبابيس الحديد، ويقف على رأس كل فيل رجل يسوقه بمخاطف، ويضرب على رأسه بخشبة ويحمل بعضها على بعض فيمر الأقوى على الأضعف، ولها كرات ورجعات، كل ذلك من أمر الفيلة مشهور في بلاد الهند. وقد عاين ذلك المسلمون في صدر الإسلام وفي حروب القادسية، والفيلة في جزيرة أورشين كثيرة ويستولدونها وتخرج منها إلى سائر البلاد من الهند وغيره، وفي هذه الجزيرة معدن الحديد، وينبت في أكثر جبالها الراوند، والذي يجلب منه من الصين أفضل لأنه أصلب جسما وأصبغ لونا وأبلغ فيما يراد منه من إصلاح الكبد وجملة منافعه، وفي هذه الجزيرة شجر يسمونه الشهكير (3) على صفة الخروع كثير الشوك بارزه له عروق سود، وملوك الهند والصين تدبر منه سم ساعة، وأهل الهند والصين لا يقتلون أحدا من ذوي محارمهم ولا من خدامهم إلا بالسم.
أوفة (4)
مدينة من مدن هراة وهي أصغر قدرا من هراة، ولها أسواق عامرة وعمارات وتجارات كثيرة وبساتين وجنات وكروم.
أوريولة (5)
حصن بالأندلس وهو من كور تدمير وأحد المواضع التي صالح عليها تدمير بن غندرس عبد العزيز بن موسى بن نصير حين هزمه عبد العزيز ووضع المسلمون السيف فيهم فصالحه على هذه المعاقل على أداء الجزية، وكان حصن أوريولة قاعدة تدمير وذلك مشروح في ذكر قرطاجنة. وبين أوريولة وألش خمسة عشر ميلا وقيل عشرون ميلا، ومدينة أوريولة قديمة أزلية كانت قاعدة العجم وموضع مملكتهم، وتفسيرها باللطيني الذهبية ولها قصبة في غاية من الامتناع على قنة جبل، ولها بساتين وجنات فيها فواكه كثيرة وفيها رخاء شامل وأسواق وضياع، وبينها وبين مرسية اثنا عشر ميلا، وبينها وبين قرطاجنة خمسة وأربعون ميلا، ولي قضاءها أبو الوليد الباجي.
__________
(1) نزهة المشتاق: 143 (نسخة آيىصوفيا)، والإدريسي (ق): 76، وكتبها: أوريسين، وهذا الشكل يرد في مخطوطة آياصوفيا أيضا ومعه ((لوريشن))، وفي مخطوطة كوبريللي " أورسين، أوربسين، لورسيق، على التوالي.
(2) نزهة المشتاق: البرابر.
(3) في الأصل: الهسكير.
(4) انظر ابن حوقل: 267.
(5) بروفنسال: 34، والترجمة: 43 (Orihuela) وتقع على بعد 23 كيلومترا غلى الشمال الشرقي من مرسيه؛ والإدريسي (د): 193.

(1/67)


إيليا (1)
ويقال أيليا بفتح الهمزة، مدينة بالشام وهي بيت المقدس، وهي مدينة قديمة جليلة على جبل يصعد إليها من كل جانب، وهي طويلة من المغرب إلى المشرق، وفي طرفها الغربي باب البحر وهذا الباب عليه قبة داود عليه السلام، وفي طرفها الشرقي باب يسمى باب الرحمة وهو مغلق لا يفتح إلا من عيد الزيتون إلى مثله، وفي المشرق منها زقاق شارع إلى الكنيسة العظمى المعروفة بكنيسة القيامة، وهي الكنيسة المحجوج إليها من جميع بلاد الروم التي في مشارق الأرض ومغاربها فيدخل من باب في غربيها فيجد الداخل القبة التي تشتمل على جميع الكنيسة، وهي قالوا من عجائب الدنيا، والكنيسة أسفل ذلك الباب، ولها باب من جهة الشمال ينزل منه إلى أسفل الكنيسة على ثلاثين درجة، ويسمى هذا الباب باب شنتمرية، وعند نزول الداخل إلى الكنيسة تلقاه مقبرة عيسى عليه السلام فيما زعموا ولها بابان، وعليها قبة محكمة البناء، وعلى الباب في يسار الكنيسة منحرفا بشيء إلى الجنوب الحبس الذي حبس فيه المسيح عليه السلام، والقبة الكبيرة قوراء مفتوحة إلى السماء، وبها دار فيها الأنبياء مصورون، وعلى المقبرة ثلاثة قناديل من ذهب معلقة على المكان.
وإذا خرجت من هذه الكنيسة وقصدت شرقا ألفيت البيت المقدس الذي بناه سليمان بن داود عليهما السلام، وكان مسجدا محجوجا إليه في أيام دولة اليهود ثم انتزع من أيديهم وأخرجوا عنه إلى مدة الإسلام، فهو معظم في مدة الإسلام وهو المسجد الأقصى وليس في الأرض مسجد على قدره إلا جامع قرطبة، وصحن المسجد الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة.
ومدينة إيليا مسورة في نشز من الأرض، والجبال محيطة بها، والمدينة في غربي المسجد، وماء إيليا من الأمطار، ولداود عليه السلام بها حياض مصهرجة فيها مياه الأمطار، وخارجها بساتين ومزارع وأشجار وزيتون وليس بها من شجر النخل إلا واحدة، ويقال إنها المذكورة في التنزيل في شأن مريم، وهي منحنية، ويقال إنها غرست منذ زيادة على ألف سنة.
والأرض المقدسة أربعون ميلا في مثلها، فأما بيت المقدس فأول من بناه وأوري موضعه يعقوب عليه السلام، وقيل إن أول من بناه داود عليه السلام، وكان بناؤه له إلى وقت تخريب بخت نصر له وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة، فلم يزل خرابا إلى أن بناه ملك من ملوك الطوائف من الفرس يقال له كوشك، ثم تغلبت ملوك غسان على الشام بتمليك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم، إلى أن جاء الله بالإسلام، وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم ففتح الله الشام على المسلمين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمير الجيش قد كتب إلى بطاركة إيليا يدعوهم إلى الإسلام أو أداء الجزية فالتووا عليه فنزل عليهم وحاصرهم حصارا شديدا فلما رأوا أنه غير مقلع عنهم واشتد عليهم الحصار سألوه أن يصالحهم على أن يعطوه الجزية فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: فأرسل إلى خليفتك فيكون هو الذي يعطينا العهد ويكتب لنا الأمان فإنا لا نرضى إلا به، فاستوثق منهم أبو عبيدة بالأيمان المغلظة إن قدم أمير المؤمنين فأعطاهم الأمان ليقبلوا ذلك منه، ثم خاطب عمر رضي الله عنه بما دعوا إليه وباستيثاقه منهم، فسار عمر رضي الله عنه نحو إيليا وخرج المسلمون يستقبلونه فخرج أبو عبيدة رضي الله عنه بالناس، وأقبل عمر رضي الله عنه على جمل له عليه رحل ملبس جلد كبش حولي حتى انتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يتبادرونه حتى نزل عن بعيره وأخذ بزمامه وهو من ليف، ثم دخل بين يديه حتى صار إلى أصحاب أبى عبيدة رضي الله عنهما فإذا معهم برذون يجنبونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين اركب هذا البرذون فإنه أحجى بك وأهون عليك في ركوبه ولا نحب أن يراك أهل الذمة في مثل هذه الهيئة، واستقبلوه بثياب بيض فركب البرذون وترك الثياب، فلما هملج به نزل عنه وقال: خذوا هذا عني فإنه شيطان، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو لبست هذه الثياب البيض وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر، فقال عمر رضي الله عنه: ويحكم لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا، ثم مضى ومضى المسلمون فيهم أبو الأعور السلمي قد لبسوا ثياب الروم من الديباج وغيره، فقال عمر رضي الله عنه: احثوا في وجوههم التراب حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا، وأمر بذلك الديباج فخرق، فقال له يزيد بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين إن الدواب والسلب عندنا كثير والعيش رفيغ والسعر رخيص وحال المسلمين كما تحب فلو أنك لبست هذه الثياب البيض وركبت هذه المراكب الفره وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير لكان أبعد في الصيت
__________
(1) نزهة المشتاق، الورقة: 216 وما بعدها.

(1/68)


وأعظم في أعين الأعاجم، فقال له عمر رضي الله عنه: يا يزيد لا والله لا أتزين للناس بما يشينني عند الله تعالى ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس ويصغر عند الله عز وجل، ثم سار حتى أتى إيليا فخرج إليه أبو الجعيد فصالحه، وكتب له عمر رضي الله عنه كتابا (1) أمنهم فيه على أنفسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم وكنائسهم واشترطوا أن لا يساكنهم اليهود فيها، فلما قبضوا كتاب الصلح فتحوا للمسلمين أبواب إيليا، فدخل عمر رضي الله عنه والمسلمون معه، وسخر عمر رضي الله عنه أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس، وكانت فيه مزبلة عظيمة، وجاء عمر رضي الله عنه ومعه كعب فقال: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: اذرع من الحائط الذي يلي موضع كذا، كذا وكذا ذراعا ثم احفر فإنك تجدها، قال: وهي يومئذ مزبلة، فحفروا فظهرت، فقال عمر رضي الله عنه لكعب: أين ترى أن نجعل قبلة المسجد قال: اجعلها خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمد صلى الله عليهما وسلم، قال: ضاهيت اليهود يا أبا إسحاق، خير المساجد مقدمها. قال: فبنى القبلة في مقدم المسجد، ثم بنى عبد الملك بن مروان مسجد بيت المقدس سنة سبعين، وحمل إلى بنيانه خراج مصر سبع سنين، وبنى القبة على الصخرة وجعل على أعلى القبة ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب، في كل صفيحة سبعة مثاقيل ونصف من ذهب، وأفرغ على رؤوس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهبا وخارج القبة كلها ملبس بصفائح الرصاص، وطول مسجد بيت المقدس بالذراع الملكي ويقال إنه ذراع سليمان عليه السلام وهو ثلاثة أشبار سبعمائة وخمس وخمسون ذراعا، وفيه من الأساطين ستمائة وأربع وثمانون اسطوانة، والعمد التي في قبة الصخرة ثلاثون عمودا وفيه خمسة آلاف قنديل توقد فيه ليلة كل جمعة.
الإيوان
هو إيوان كسرى بدار ملك الأكاسرة المدائن من العراق وبالمدينة العتيقة منها التي كان ينزلها ملوك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف هو الذي بناه، وهو من أكابر ملوكهم. وهذا الإيوان هو الذي يقول فيه البحتري من قصيدة وصف في أولها القصر الأبيض فأجاد ما شاء ثم قال يصف الإيوان هذا:
وكأن الإيوان من عجب الصن؟ ... عة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذ يب؟ ... دو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجا بالفراق عن أنس ألف ... عز أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات ال؟ ... مشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدا وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرس
لم يعبه إن بز من بسط الديبا ... ج واستل من سور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تب؟ ... صر منها إلا غلائل ورس
لست تدري أصنع أنس لجن ... صنعوه أو صنع جن لأنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس وروي أن أبا جعفر المنصور (2) لما أفضت الخلافة إليه هم بنقض هذا الإيوان واستشار في ذلك جلساءه وذوي الرأي عنده من رجاله، فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك فإنه قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه آية الإسلام وإذا رآه من يأتي في مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من الله تعالى وتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم، وبقاؤه فخر لكم وذكر ومع ذلك فالمؤونة في هدمه أكثر من العائد منه فاستغشه المنصور في ذلك فقال له: يا خالد أبيت إلا ميلا مع العجمية ثم أمر بنقض الإيوان،
__________
(1) انظر نص الكتاب في الطبري 1: 2405.
(2) قارن بما أورده ياقوت، ((الايوان)).

(1/69)


فبلغت النفقة في نقض شيء يسير منه مبلغا عظيما، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه وقال لخالد بن برمك: قد صرنا إلى رأيك، فقال له خالد: إن رأيي الآن أن تبلغوا به الماء، فقال له المنصور: وكيف ذلك؟ قال: إني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء. ففكر المنصور في قوله فعلم أنه قد صدق، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. وكان بعد يقول: لقد حبب إلي هذا ألا أبني إلا بناء جليلا يصعب هدمه.
وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بافتتاح المدائن فضرب صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعترضت عليهم في الخندق، فكسر ثلثها بضربة وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة " ، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثاني وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض " ، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني الساعة " ، فصدق الله وعده وأنجز لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بشرهم به واستأصل بهم مملكة فارس، وفتح عليهم المدائن في زمان عمر رضي الله عنه.
والمدائن على مسافة يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقا وغربا، ودجلة يشق بينهما، ولذلك سميت المدائن، فالغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها وفيها إيوان كسرى المتقدم الذكر.
ونزل الرشيد مرة على قرب من الإيوان فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر: هذا الذي بنى هذا البناء أراد أن يصعد إلى السماء، فأمر الرشيد بضربه مائة عصا وقال لمن حضره: إن الملك نسبة بين الملوك لهم به إخوة وإن الغيرة بعثتني على أدبه لصيانة الملك وما يلحق الملوك للملوك.
قالوا: ولما بنى أنوشروان سور الباب والأبواب وفدت عليه الملوك بالهدايا فكان في جملتهم رسول قيصر فنظر إلى الإيوان وحسن بنائه وإعجاب صنعته ورأى تعريجا في ميدانه واعوجاجا فسأل عن معنى ذلك فقيل له إن عجوزا لها منزل في جانب الاعوجاج، وأن الملك أرادها على بيعه وأرغبها فأبت فلم يكرهها فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء.
ولما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتج هذا الإيوان وسقط منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان وهو القائم بأمر الدين عندهم خيلا عرابا قد قطعت دجلة فأفزع ذلك كسرى أنوشروان، وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتين وأربعين سنة من ملكه، فكتب أنوشروان إلى النعمان بن المنذر وهو ولاه أمر العرب أن يوجه إليه رجلا من مشاهير العرب يسأله عما يريد فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو إلى آخر القصة وهي مشهورة.
وللإيوان بناء عال شديد البياض.
أيلة (1)
في طريق مكة، حاطها الله، من مصر، وهي أول حد الحجاز، وهي مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح بها يجتمع حاج مصر والمغرب، وبها التجارة الكثيرة وأهلها أخلاط من الناس. وسميت بأيلة بنت مدين قالوا: وهي القرية التي كانت حاضرة البحر المذكورة في القرآن.
قال ابن إسحاق (2) : ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية وكتب له كتاب أمنه هو مذكور في سير ابن إسحاق. وروى أبو حميد الساعدي في خبر تبوك أن صاحب أيلة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له.
وتسير من أيلة فتلقى العقبة التي لا يصعدها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلا في طول اليوم لطولها ثم تسير مرحلتين في فحص التيه، وأيلة حد مملكة الروم في الزمن الغابر وعلى ميل منها باب معقود لقيصر قد كان مسلحة يأخذون عنده المكوس ومن أيلة إلى بيت المقدس ست مراحل، والطور الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام على يوم وليلة من أيلة، وينزلها اليوم قوم من بني أمية وأكثرهم موالي عثمان رضي الله عنه كانوا سقاة الحاج، وبها علم كثير وآداب ومتاجر وأسواق عامرة، وهي كثيرة النخل والزرع واصلح عقبة أيلة فائق مولى خمارويه بن أحمد بن طولون
__________
(1) رحلة الناصري: 201 - 202.
(2) ابن هشام 2: 525.

(1/70)


وسوى طريقها وردم ما استرم فيها، وبأيلة أسواق ومساجد، وفيها كثير من اليهود يزعمون أن عندهم برد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه وجهه إليهم أمانا وهم يظهرونه رداء عدنيا ملفوفا في الثياب قد أبرز منه مقدار شبر فقط.
ثم أصلحها السلطان الأشرف قانصوه الغوري آخر ملوك الجراكسة من جملة ما أصلح في طريق الحجاج في أواخر عمره قبل العشرين والسبعمائة (1) .
الأيكة
المذكورة في كتاب الله تعالى: قيل إنها مدين وقيل من ساحل البحر إلى مدين، وقيل هي غيضة نحو مدين وهو مدين بن إبراهيم عليه السلام، ونبيهم شعيب عليه السلام، وفيهم قال الله تعالى " ولقد كذب أصحاب الأيكة المرسلين " ، وفي آية أخرى " وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم " ومن ملوكهم أبو جاد وهوز وحطي على تواليها فكان أبو جاد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز وحطي ببلاد وج وهي الطائف وما اتصل بها من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقريشات ببلاد مصر، وفيما لحق بهم من عذاب الله تعالى يقول المنتصر بن المنذر:
ملوك بني حطين وسعفص ذي الندى ... وهوز أرباب البنية والحجر
هم ملكوا (2) أرض الحجاز بأوجه ... كمثل شعاع الشمس أو صورة البدر
وهم قطنوا أرض الحرام وزينوا ... (3) قصورا وفازوا بالمكارم والفخر وسلط الله على قوم شعيب عليه السلام حرا شديدا أخذ بأنفاسهم ثم بعث الله سبحانه سحابة فوجدوا لها بردا فلما صاروا تحتها أرسلها الله عليهم فذلك قوله تعالى: " فأخذهم عذاب يوم الظلة " فاحترقوا كما يحترق الجراد، وكانوا أهل كفر وبخس في الميزان والمكيال.
إيلاق (4)
من بلاد خراسان، لها قصبة ونهر وربض، ولهم في الربض والمدينة ماء جار، وبجبل إيلاق معادن ذهب وفضة، ويتصل بهذا الجبل حدود فرغانة، وبها دار ضرب وليس فيما وراء النهر دار ضرب إلا بسمرقند وبخارى وإيلاق، ولإيلاق بضع عشرة مدينة، وإيلاق متصلة ببلاد الشاش وهما جميعا لا فصل بينهما عمارتهما متصلة متكانفة لا تنقطع، مقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان وما وراء النهر كورة ولا إقليم على مقدارها في المساحة أكثر منابر وقرى عامرة من هذه الناحية، وآخر حدودها ينتهي إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم وعامة دور مدنها يجري فيها الماء، وقد أهلك ذلك (5) .
ايكلي (6)
هي قاعدة بلاد السوس الأقصى وهي مدينة كبيرة قديمة في سهل من الأرض على نهر كبير، وهي كثيرة البساتين والتمر وجميع الفواكه ربما بيع فيها حمل التمر بما دون كراء الدابة من الجنان إلى السوق، وقصب السكر بها كثير، وأكثر شرب أهلها إنما هو ماء قصب السكر، ويعمل بها النحاس المسبوك ويتجهز به إلى بلاد السودان. ودخل عقبة بن نافع إلى هذه المدينة عند دخوله بلاد المغرب وافتتحها وأخرج منها سبيا لم ير مثله حسنا، كانت تباع الجارية الواحدة منهن بألف دينار وأكثر لحسنها وتمام خلقها. ويعمل بهذه المدينة زيت اليرجان (7) وشجره يشبه الكمثرى إلا أنه لا يعلو شجر الكمثرى ولا يفوت وأغصانه نابتة من أصله لا ساق لشجرته ولها شوك وثمرته تشبه الأجاص فيجمع ويترك حتى يذبل ثم يوضع في مقلاة فخار على النار فيستخرج دهنه، وطعمه يشبه طعم القمح المقلو وهو حينئذ محمود الغذاء يسخن الكلى ويدر البول.
إيكجان (8)
جبل بين سطيف وقسطنطينة فيه قبائل كتامة، وبه حصن حصين ومعقل منيع كان قبل هذا من أعمال بني حماد، وتمتد عمارة كتامة بهذه الأرض إلى أن تجاور أرض القل وبونة، وفيهم كرم وبذل طعام لقاصدهم، وهم أكرم الرجال للأضياف حتى استسهلوا مع ذلك بذل أولادهم للأضياف فلا يرون
__________
(1) ما بين معقفين سقط من ع، وقد نقله الناصري؛ اقرأ ((والتسعمائة)).
(2) في الأصل: ملوك.
(3) انظر هذه الأبيات في التاج (بجد) والمروج 3: 304.
(4) معظمه عن ابن حوقل: 417 - 418، 416.
(5) كذا ورد في المخطوطتين، ويبدو فيه بتر.
(6) كتبها البكري (162): ايجلي، مما يدل على أن الجيم مصرية النطق.
(7) البكري: الهرجان.
(8) الإدريسي (ب/ د): 70/ 98.

(1/71)


بذلك عارا، وبالغت الملوك في عقوبتهم على ذلك فما انتقلوا عنه ولا امتنعوا عن عادتهم، وقد فنوا وكانوا قبل هذا أعدادا لا تحصى.
ايالي (1)
مدينة على خمسة فراسخ من مدينة الشيرجان عادلا عن الشمال إلى المغرب، ولها سور عتيق ومسجد وبها منبر ومسجد جامع، وهي مدينة جميلة لها رساتيق يمنة ويسرة وبها معادن صفر وحديد، وعلى أربعة فراسخ منها مدينة الروذان وهي من عمل فارس.
__________
(1) لم أجد من ذكرها، ولعل اللفظة تصفحت على المؤلف، وأقرب الصور إليها " اناس " عند ابن حوقل والمقدسي والإدريسي.

(1/72)


حرف الباء
بابل
بالعراق، كانت بابل من عظمها واستبشاع أمرها لا تكاد تجعل من عمل الآدميين، وهي المذكورة في قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين ببابل " ويقال إن الضحاك أول من بناها، وسكنها العمالقة (1) ، ودخلها إبراهيم عليه السلام، ويقال إن بها مولده، وقيل بل ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل بكوثى من أرض السواد، وينسب إليها السحر والخمر، ويقال إن بها هاروت وماروت يعذبان إذ اختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وأنهما معلقان في سرب تحت الأرض كالحبلين، وأن بعض الناس رآهما كذلك، فجادله يهودي بها لرغبته في ذلك، فلما رأى منظرهما رأى منظرا عظيما وأمرا هائلا أفزعه، هذا سمعته من الفقيه ابن البراء يحكيه عن مجاهد صاحب التفسير ولا أدري أهو الرائي لهما أو غيره فالله أعلم. ويقال إن نمرود أسسها وهي مدينة ضاحكة المنظر جميلة المنصب زاهرة البناء واسعة الفناء قد جمعت إلى حسن المنظر من كل جانب رصانة البنيان وبهاء المنصب، وكانت سهلة بطحاء ديمومة فيحاء مربعة لها في كل تربيع حصنان عظيمان، وسائر ذلك من سورها لا يكاد من يبلغه خبره يصدق بصفته لكثرة ارتفاعه وفرط اتقانه، وكان خمسين ذراعا عرضا في ارتفاع مائتي ذراع في دور أربعة وستين ميلا، مبنيا بالآجر المرصص، وقد خندق حولها بخندق يجري فيه الفرات وفيه مائة باب من نحاس، وسعة السور في أعلاه كسعته في أسفله، وقد بني في أعلاه مساكن للمقاتلة، والجوابي متصلة في جميع دوره. قالوا: وبابل أقدم بناء بني بعد الطوفان وأن منها تفرق ولد نوح عليه السلام، وأن الذي هدمها كسرى الأول ملك الفرس لما تغلب على أرض بابل، وملوك بابل هم النبط، وزعموا أنهم أول ملوك العالم وأن الفرس أخذت الملك منهم كما أخذته الروم من اليونانيين وأول ملوكهم نمرود، وهم الذين شيدوا البنيان ومدنوا المدن وكوروا الكور وشقوا الأنهار ورتبوا الجيوش وجعلوا الألوية والأعلام. قالوا: وأول صنم يعبد من دون الله تعالى ود وكان رجلا مسلما من أهل بابل وكان محببا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى الشيطان جزعهم عليه تشبه بصورة إنسان وقال: أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم في أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه، قالوا: نعم، فصنع لهم تمثالا فجعلوا يقبلون عليه ويعظمونه، حتى اتخذ كل واحد منهم تمثالا في منزله يعظمه ويتبرك به، ثم تناسلوا على ذلك حتى اتخذوه الها يعبدونه من دون الله تعالى.
باذغيس
في خراسان، من بوشنج إلى باذغيس ثلاث مراحل، افتتحها عبد الرحمن بن سمرة في أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وفي خبر المدائني أن ابن عامر حين صالح أهل مرو وصالح الأحنف أهل بلخ (2) وبعث خليد بن عبد الله الحنفي إلى هراة وباذغيس فافتتحها، ولما رجع الأحنف قال لابن عامر (3) ما فتح الله على أحد ما فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وسائر خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري لله تعالى على مثل ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي وأحرم بعمرة من نيسابور، فلما
__________
(1) ص ع: الشايعة.
(2) في الأصل: أهل مرو والتصويب عن الطبري 1: 2904.
(3) الطبري: قال الناس لابن عامر.

(1/73)


قدم على عثمان رضي الله عنه لامه على إحرامه من خراسان وقال له: ليتك تضبط الميقات الذي يحرم منه الناس.
ومنها كانت مراجل أم المأمون بن الرشيد وهلكت بعد مولد المأمون بمديدة ولقبها صواحبها بمراجل لأنها كانت حسنة الشعر مولعة بترجيله وخدمته.
الباميان (1)
في خراسان، يخرج من جبل الباميان عيون عظام فيمر منها واد إلى القهندار مسيرة شهر، ونهر آخر إلى سجستان، ونهر آخر إلى هراة، ونهر آخر إلى مرو مسافة شهر، ونهر آخر إلى بلخ مسيرة اثني عشر يوما، ونهر آخر إلى خوارزم مسيرة أربعين يوما، كل هذه الأنهار تخرج من جبل الباميان لارتفاعه، وفيه معادن نحاس ورصاص وزئبق. والباميان مضافة إلى مرو الشاهجان وبرسمها، وفي سنة إحدى عشرة وستمائة استولى خوارزم شاه على الباميان بجموعه الكثيفة وبها علي بن سام فأناخ عليها حتى ضاق ذرعا بالحصار فنزل على أن لا يقتله وينزله من بلاده حيث أحب، وحلف على ذلك بمحضر الأمراء والعلماء بالأيمان المغلظة، فلما نزل إليه ودخل للسلام عليه أشار إلى مماليكه الأتراك أن يستعملوا سرا فيما بينهم، فضربه أحدهم بدبوس على الرأس سال منه دماغه فأظهر أنه قتل خطأ فطلب المملوك الذي فعل هذا فهرب، ومر دمه هدرا واستولى على جميع بلاده.
بانياس
مدينة قريبة من دمشق هي ثغر بلاد المسلمين، وهي صغيرة ولها قلعة يستدير بها نهر يفضي إلى أحد أبواب المدينة ولها مصب تحت أرحاء، وكانت بيد الفرنج فاسترجعها نور الدين رحمه الله، ولها محترث عظيم واسع في بطحاء متصلة.
البانس (2)
قرية في آخر عمارة الزنج، وهي جامعة آهلة بالناس، وهم يعبدون الرجيم، والرجيم عندهم طبل كالبتية (3) مجلد من جهة واحدة، ويربطون في ذلك الجلد شريطا يجذبونه به فيكون له صوت هائل يسمع على ثلاثة أميال ونحوها، ومدينة البانس آخر عمالة الزنج وتتصل بها أرض سفالة الذهب، وجميع بلاد الزنج بضائعهم الحديد وجلود النمور الزنجية وهي جلود حمر ناعمة جدا وليس عندهم دواب، إنما يتصرفون بأنفسهم وينقلون أمتعتهم على رؤوسهم وعلى ظهورهم إلى مدينتي منبسة وملندة (4) فيبيعون هناك ويشترون، وليس للزنج مراكب يسافرون بها إنما تدخل إليهم المراكب من عمان وغيرها إلى جزائر الهند فيبيعون هناك متاعهم، وللعرب في قلوب الزنج رعب عظيم ومهابة، فلذلك متى عاينوا رجلا من العرب تاجرا أو مسافرا سجدوا له وعظموا شأنه وقالوا بكلامهم: هنيئا لكم يا أهل اليمن (5) ، والمسافرون لبلادهم يسرقون أبناء الزنج بالتمر يخدعونهم به، فينقلونهم من مكان إلى مكان حتى يقبضوا عليهم ويخرجوهم من بلادهم إلى البلاد التي يكونون بها، ويقابل بلاد الزنج الساحلية جزائر تسمى الزابج وهي كبيرة وأرضها واسعة وأهلها سمر جدا وتزرع بها الذرة وقصب السكر وشجر الكافور.
باجرا
مدينة في الجزيرة من أعمال الموصل بناها عبد الأعلى بن يزيد بن أمية السلمي في الفتنة وبها منزله.
باجروان
من بلاد الجزيرة أيضا وهي قرية كبيرة كثيرة الأهل، وهي كثيرة الأسواق والحمامات، وهي على نهر وبها زروع وكروم وبساتين، ومنها إلى الرقة ثلاثة فراسخ.
بازبدى
مدينة من كور الموصل وعندها يلتقي نهر الخابور الخارج من بلاد ارمينية بدجلة، وهذه الديار ديار بني حمدان، وفيها يقول الشاعر6:
بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود
وبغداد ما بغداد أما ترابها ... فجمر وأما حرها فشديد
باخرزه (7)
من نواحي نيسابور منها علي بن الحسن الباخرزي
__________
(1) قال ياقوت: بلدة وكورة في الجبال بين بلخ وهراة وغزنة.
(2) نزهة المشتاق: 40؛ وفي نسخة آياصوفيا وبعض المواضع من نسخة كوبريللي (البايس) - بياء تحتية.
(3) ص ع: كالبقية.
(4) ع: ومادنة؛ ص: ومادونة، والتصويب عن نزهة المشتاق.
(5) نزهة المشتاق: يا أهل بلاد التمر،وهو أصوب.
(7) أثبتها ياقوت دون هاء، ولكن الهاء موجودة في اسمها الأصلي ((بادهرزه)).

(1/74)


الأديب صاحب كتاب دمية القصر، ذكر فيه شعراء عصره وديوان شعره مشهور في الآفاق، وقتل سنة سبع وستين وأربعمائة، أنشد للعميد أبي نصر الحافظ:
قد قلت لما فاق خط عذاره ... في الحسن خط يمينه المستملحا
من يكتب الخط المليح لغيره ... فلنفسه لا شك يكتب أملحا
بادس (1)
مدينة بينها وبين تهودة بالمغرب مرحلة، وبادس حصنان لهما جامع وأسواق وبسائط ومزارع جليلة يزدرعون بها الشعير مرتين في العام على مياه سائحة كثيرة، وبها نخل كثير وفواكه وثمار، وهي قديمة فيها آثار للأول وبها مياه وعيون كثيرة، ومن بادس إلى قيطون بياضة (2) وهي أول بلد مطماطة (3) ومنه تفترق الطرق إلى بلاد السودان وإلى طرابلس وإلى القيروان وإلى نفطة ومنها يخرج إلى جميع البلاد، وهي آخر بلاد الزاب.
باجة
في إفريقية باجة (4) وفي الأندلس وفي الصين، فالتي في إفريقية مدينة كبيرة أولية قديمة فيها آثار للأول ولها حصن حصين قديم مبني بالصخر الجليل أتقن بناؤه يقال إنه من عهد عيسى عليه السلام، وباجة على جبل شديد البياض يسمى الشمس لبياضه، وهي في وطاء من الأرض، وبين باجة وطبرقة مرحلة وبعض أخرى، وهي كثيرة الأنهار والعيون، وإحدى تلك العيون عين كبيرة تسمى عين الشمس، وهي تحت سور المدينة وباب المدينة بازاء العين ويسمى الباب باب عين الشمس، وباجة رخيصة الأسعار جدا أمحلت البلاد أو أخصبت، فإذا أخصبت البلاد لم تكن للحنطة فيها قيمة، وتسمى باجة هري إفريقية فإن منها يمتار جميع تلك البلاد عربها وبربرها لكثرة طعامها ورخصه، وباسمها سميت باجة الأندلس، وباجة إفريقية على مقربة من فحص قل المشهور بكثرة الزرع، وأرض هذا الفحص أرض مشققة سوداء يجود فيها جميع البذر ويكون فيه حمص وفول قلما يوجد مثله في موضع، ولباجة نظر كبير وقرى كبيرة عامرة، وكان الولاة يتنافسون في ولاية باجة ويقولون: من يترك قمح عندة وسفرجل زانة وعنب بلطة وحوت درنة؟ ودرنة بحيرة كبيرة بين باجة وطبرقة.
وأما باجة الأندلس (5) فهي من أقدم مدائنها بنيت في أيام الأقاصرة، وبينها وبين قرطبة مائة فرسخ، وهي من الكور المجندة نزلها جند مصر وكان لواؤهم في الميسرة بعد جند فلسطين، وهم النازلون بشذونة، فحمل الأمير عبد الرحمن بن معاوية لواءهم وأسقط جندهم وأخمل ذكرهم، وكان سبب ذلك أن العلاء بن مغيث اليحصبي (6) كان رأس جند باجة فثار بها وقام بدعوة بني العباس ولبس السواد ورفع راية سوداء واجتمع إليه فئام من الناس، فقاتله عبد الرحمن بن معاوية في قرية من قرى اشبيلية تعرف بالكرم حتى هزمه الإمام وقتله. ومدينة باجة أقدم مدن الأندلس بنيانا وأولها اختطاطا وإليها انتهى يوليش جاشر وهو أول من تسمى قيصر وهو سماها باجة، وتفسير باجة في كلام العجم الصلح وحوز باجة وخطتها واسعة ولها معاقل موصوفة بالمنعة والحصانة، ومنها الإمام القاضي أبو الوليد الباجي سليمان ابن خلف (7) شارح الموطأ الفقيه الأديب العالم المتكلم، رحل إلى الحجاز والعراق ولقي العلماء وتجول ثلاثة عشر عاما وصنف في الأصول والفروع وله:
إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه ذكر ابن عساكر في تاريخه أنه توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة بالمرية، وقبره في الرباط على حاشية البحر.
وأما باجة الصين (8) فهي مدينة البغبوغ، والبغبوغ ملك الصين بأجمعه، وإلى مدينته ينتهي مسافرو بلاد العرب (9) ، وبها جميع
__________
(1) البكري: 74 والاستبصار: 175، وعند البكري ((بادبس)).
(2) الاستبصار: وبالقرب منها قيطون بياضة.
(3) البكري والاستبصار: سماطة.
(4) في باجة افريقية انظر البكري: 56 والاستبصار: 160.
(5) بروفنسال: 36 - 37، والترجمة: 45 (Beja)، وهي في البرتغال.
(6) كانت ثورة العلاء سنة 146، انظر ابن عذاري 2: 51 - 52.
(7) انظر نفح الطيب 2: 67 وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى في ترجمته، ومنها تاريخ ابتن عساكر (التهذيب 6: 248).
(8) نزهة المشتاق: الورقة: 30.
(9) نزهة المشتاق: المغرب.

(1/75)


الفواكه والبقول والحنطة والشعير والأرز، ولا يوجد بجميع بلاد الهند والصين عنب ولا تين البتة، وهذه المدينة دار ملك البغبوغ وموضع رجاله وخزائن أمواله وقصور حرمه وعياله، ولهذا الملك مائة زوجة بمهور وانفاذ، ومن لم يملك منهم هذا العدد لا يسمى عندهم ملك الملوك ولهم الفيلة المعدة للحروب ألف فيل بعدتها وأسلحتها ومن لم يكمل له هذا العدد فليس بملك الملوك، ولا يلي الصين إلا من ورثه عن آبائه وإخوته أو أقاربه، وهم جادون على سنن العدل وطريق الأمان وسيرهم حميدة، وهذه المدينة على ضفة نهر الصين.
باشو (1)
بلد بجزيرة شريك العبسي كان عاملا عليها في قديم الزمان، وباشو قبلة مدينة تونس وباشو هذه أم أقاليمها، وكانت مدينة كبيرة آهلة بها جامع وحمامات وثلاث رحاب وأسواق عامرة وبها قصر أحمد بن عيسى القائم على بني الأغلب. وبجزيرة شريك اجتمعت الروم بعد دخول عبد الله بن أبي سرح المغرب وتبادروا منها مدينة اقليبيا وما حولها، ثم ركبوا منها إلى جزيرة قوصرة وهي بين صقلية وإفريقية وكانت إذ ذاك عامرة، فيقال إنهم أقاموا بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان، فاغتزى عبد الملك بن قطن في البحر ففتح ما كان هناك من الجزائر والقصور وخربها وقفل ظافرا. ومن تونس إلى منزل باشو مرحلة وبينهما قرى كثيرة، ويقال إن سواري جامع منزل باشو نقلت إلى تونس فبني عليها جامع القصبة بتونس، ومدينة باشو اليوم خراب لم يبق منها إلا مكانها وفيه قصر معمور وكانت أراضيها مباركة طيبة ذات شجر وزيتون وعمارات متصلة.
بانقيا (2)
أرض بالنجف دون الكوفة وكان إبراهيم الخليل ولوط عليهما السلام نزلا بها يريدان بيت المقدس مهاجرين وكانت تزلزل في كل ليلة وكانت ضخمة، فلما باتا بها لم تزلزل في تلك الليلة، فمشى بعضهم إلى بعض تعجبا من عافيتهم في ليلتهم فقال صاحب منزل إبراهيم عليه السلام: ما رفع عنكم إلا شيخ يبات عندي كان يصلي ليله ويبكي فاجتمعوا إليه فسألوه المقام عندهم على أن يجمعوا له من أموالهم فيكون أكثرهم مالا فقال: لم أؤمر بذلك وإنما أمرت بالهجرة، فخرج حتى أتى النجف فلما رآه رجع أدراجه فقال لمن تلك الأرض بعد النجف قالوا: هي لنا (3) ، قال: فتبيعونها؟ قالوا: هي لك فوالله ما تبت شيئا قال: لا أحب إلا أن يكون شراء، فدفع إليهم غنيمات كن معه، والغنم يقال لها بالنبطية نقيا.
باغاية (4)
مدينة بإفريقية أولية جليلة بقرب مسكيانة ذات أنهار وثمار ومزارع ومسارح، وهي على مقربة من جبل أوراس المتصل بالسوس، وبهذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد النفزي الزناتي النكار على أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي وبه كان مستقر الكاهنة، وكانت حين نهدت إلى حرب حسان بن النعمان الغساني حين أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية اجتازت على باغاية فأخربتها وأخرجت من فيها وظنت أن حسان يريد أن يتحصن بها إلى أن كان من أمرها ما ذكرناه في حرف الألف عند ذكر أوراس.
ورأيت في موضع آخر أنه مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوارة ومسكيانة وهم على رأي الخوارج الاباضية.
وباغاية (5) مدينة كبيرة عليها سوران من حجر، وربض وعليه سور، وكانت الأسواق فيه وأما الآن فالأسواق بالمدينة والأرباض خالية بإفساد العرب لها، ولها واد يجري إليها من جهة القبلة منه شربهم، ولهم أيضا آبار عذبة وكانت لها بواد وقرى وعمارات والآن قل ذلك فيها، وحولها عمارات برابر،، وغلاتهم الحنطة والشعير، وقبض مغارسها لأشياخها.
وعلى أميال منها جبل أوراس المذكور، وهو يشق بلاد الغرب وبلاد إفريقية، فطرفه من البحر الغربي حيث البحر المحيط حيث انتهى عقبة المستجاب رحمه الله، وطرفه الثاني في البحر الشرقي بقرب الإسكندرية وهو المسمى بطرف أوثان الذي إذا عدته المراكب استبشرت بالسلامة، مبدؤه هو الذي بالمغرب وهو جبل المصامدة المسمى بدرن وهو جبل جزولة المسمى بانكسيت، وهو جبل أوراس هذا، ويسكنه لواتة وهو جبل نفوسة، ويدخل طرفه في البحر نحو مائة ميل وأزيد، وله جون عظم، فإن أدخلت
__________
(1) البكري: 45.
(2) انظر ياقوت: (بانقيا).
(3) زيادة من ياقوت، سقطت من الأصل.
(4) البكري: 50، وبعض النص من الصفحة: 144، ومتفق في أكثره مع الاستبصار: 163.
(5) من هنا عن الإدريسي (ب/ د): 74/ 103.

(1/76)


الرياح سفينة في هذا الجون عدمت الرياح التي تخرجها منه فلا تجد هناك قرية (1) لأنه جبل صلد وهو أملس مثل الحائط وهذا الجون أعجب عجائب الدنيا.
وبقرب باغاية قبر مادغوس (2) وهو قبر مثل الجبل العظيم مبني بآجر رقيق معقود بالرصاص وبنيت فيه طبقات (3) صغار وصورت فيه جميع الصور من الإنسان والطير والوحوش وهو مدرج النواحي، وقد رام كثير من الناس هدم هذا القبر فلم يقدروا على ذلك، ولا يعلم على الحقيقة ما هو، هل هو قبر أو هيكل، إنما هو بناء قديم لا يعلم له حقيقة وهو مجمع لكل طائر ويقال إن لهم هناك طلاسم.
ويسكن فحص هذه المدينة قبائل من لواتة وضريسة. وإلى مدينة باغاية لجأ البربر والروم وبها تحصنوا من عقبة بن نافع القرشي فدارت بينهم حروب وكانت الدبرة على أهل باغاية فهزمهم عقبة وقتلهم قتلا ذريعا ولجأ فلهم إلى الحصن وغنم منهم خيلا لم يروا في مغازيهم أصلب منها ولا أسرع، من نتاج خيل أوراس، فرحل عنهم ولم يقم كراهية أن يشتغل بهم عن غيرهم. وأهلها اليوم كلهم على رأي الاباضية، وكان حماد عتب على أهل باغاية وشن عليهم الغارات، حكي عنه أنه قال: ما تداهى قط أحد علي ولا خدعني إلا امرأة وكعاء من البربر، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال (4) : إن صاحبا لي كان بالقيروان نشأ معي نشأة واحدة لم يفرق بيننا مكتب ولا مشهد، كنت قد خلطته بنفسي وجعلته انسي، فلم يزل على ذلك حتى صرت إلى ما أنا فيه ففقدته، فجعلت أتفقده فلا أقدر عليه ولا أجد سبيلا إلى الوصول إليه، فلما أن عتبت على أهل باغاية وشننت عليهم الغارات لم أنشب في صبيحة ذلك اليوم أن سمعت مناديا ينادي: أنا بالله والأمير، فقلت: ما لك ومن أنت؟ قال: أنا فلان ابن فلان، فإذا هو صاحبي المطلوب قد حبسه عني نسكه وتغلب على هواه، وأظهرت البشر بمكانه ولو شفع في أهل باغاية لشفعته، فجعلت ألطفه وأؤنسه وهو كالولهان، فسألته عن أمره فقال إنه فقد ابنته في من فقد من النساء فقلت: والله لو خرجت إلي بالأمس لحقنت دماء أهل بلدك لحرمتك عندي، فقال: القدر غالب والمحروم خائب، قال حماد: ثم أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان في جيوشهم من النساء فعرف فيهن ابنته، قال: فأمرت بسترها وحملها مع أبيها فرفعت صوتها قائلة: لا بالله يا حماد لا رجعت مع أبي ولا رجعت مع الذي غصبني، قلت: فما تريدين؟ قالت: إني لا أصلح إلا للملوك فلا حاجة لي في السوق، قال: فلما سمعت ذلك منها أمرتها أن تكن ما في نفسها، وظننت أنها قد فتنت أو فسدت، قال حماد: ومن، أين تصلحين للملوك؟ قالت: لأن عندي علما لا أشارك فيه ولا يدعيه غيري، قلت: ألا أريتنا شيئا من ذلك؟ قالت: نعم، تأمر بقتل إنسان وتحضر أمضى سيف عنك وأتكلم عليه بكلمات تمنع من تأثيره ويعود بيد حامله أكل من قائمه، قال حماد: إن الذي يجرب فيه لمغرور، قالت: أو يتهم أحد أنه يريد قتل نفسه؟ قلت: لا، قالت: إني أريد أن تجرب ذلك في، فتكلمت على سيف اختاره، ومدت عنقها فضربها السياف ضربة أبان رأسها فاستيقظت من غفلتي وعلمت أنها تداهت علي وكرهت الحياة بعد ما جرى عليها واستبان لأبيها من ذلك مثل الذي بان لي، فجعل يلقي نفسه عليها ويتمرغ في دمها حزنا لما حل به وأسفا لما رأى من عظيم أنفتها واحتيالها في الموت على ما نزل بها، وكانت الكلمات التي تكلمت بها الشهادة.
الباب والأبواب (5)
قالوا: جبل القبج جبل عظيم وصقع مشتمل على كثير من الأمم فيه اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها ملك ولغة مخالفة لغيرها، ومدينة باب الأبواب على شعب من شعابه بناها كسرى أنوشروان وجعلها حاجزا بين بلاده وهذه الأمة لما كان من إفسادهم، فجعل مبدأ السور من جوف البحر على مقدار ميل مارا في البحر، بناه بالصخر والحديد والرصاص المفرغ على أزقاق البقر المنفوخة، فكلما ارتفع البنيان نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرت في قرار البحر، ولما ارتفع السور غاصت الرجال حينئذ بالخناجر على تلك الأزقاق فثقبتها وتمكن السور على الأرض في قعر البحر، ثم مد السور في البر ما بين جبل القبج والبحر مارا في أعالي الأرض ومنخفضاتها نحوا من أربعين فرسخا
__________
(1) الاستبصار: مرسى.
(2) البكري: 50 والاستبصار: 164.
(3) البكري: طيقان.
(4) وردت القصة في الاستبصار: 169، والبكري: 187.
(5) ياقوت: (باب الأبواب) وقال: يقال له الباب غير مضاف، وهو الدربند، دربند شروان، وانظر نزهة المشتاق: 498، 502 وابن حوقل: 291، وآثار البلاد: 506، ومروج الذهب 2: 1 - 6.

(1/77)


إلى أن انتهى إلى قلعة طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور بابا من حديد، وأسكن من داخله أمة تراعيه وتحرس ما يليه، وجعل لكل أمة ملكا، وحول هذا السور أمم لا يحصيهم إلا خالقهم، ولم يبنه (1) أنو شروان إلا عن استيلاء عليهم، وحينئذ أذعنت له ملوك الآفاق وهادنته وراسلته.
وكان ملك الباب والأبواب في بعض أعصار الإسلام محمد بن يزيد من ولد بهرام جور وكانت مملكته نحوا من شهر، وكان أهلها أسلموا حين دخلها مسلمة بن عبد الملك، وكان محمد هذا غلب على كثير من ممالك القبج وهو الذي يقال له شروان، قالوا: ولولا هذا السور بالباب والأبواب لغزت الأمم التي خلفه بلاد برذعة: الران والبيلقان واذربيجان وقزوين وهمذان والدينور ونهاوند وغيرها، ولوصلت إلى الكوفة والبصرة والعراق، لا سيما مع ضعف الإسلام في هذا الزمان. وهذا الجبل تكون مسافته طولا وعرضا نحوا من شهرين بل أكثر، وعليه وحوله أمم لا يحصيهم إلا الخالق جل وعز، والمدينة على بحر الخزر وفي وسطها مرسى للسفن وعلى فم هذا المرسى كالسد من جانبيه، وهناك سلسلة تمنع الداخل والخارج إلا بأمر من صاحب البحر، وهذان السدان من الصخور المحكمة أفرغ بينها الرصاص. وهي مدينة كبيرة بساتينها يسيرة وفواكهها قليلة وأكثر ذلك يجلب إليها من غيرها، وعليها سور حجارة وآجر وهي في نهاية (2) من المنعة، وهي فرضة بحر الخزر والسرير وسائر بلاد طبرستان وجرجان، وتصنع بها ثياب الكتان وأهلها يلبسونها دون سائر البلدان وبلاد ارمينية واذربيجان، والأبواب التي ينسب إليها البلد هي أفواه شعاب في الجبال فيها حصون منها باب صول وباب اللان وباب صاحب السرير وباب فيلان شاه، وغيرها، ومن أهل هذه المدينة معتمر بن أحمد البابي أنشد في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه " :
سألتك حاجة وعلمت أني ... ألاقي في سؤالكها نجاحا
لقول نبينا إذ قال حقا ... وصرح في مقالته صراحا
سلوا الحاجات أحسنكم وجوها ... ولا تسلوا اللئام ولا القباحا وفي سنة ثمانين ومائة جاشت الخزر وخرجوا من الباب والأبواب وقتلوا من المسلمين وأهل نعمهم مائة ألف وأربعين ألفا وفضحوا المسلمات وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع بمثله في الإسلام. وكان فتح الباب (3) في خلافة عمر رضي الله عنه على يد سراقة بن عمرو، وكان بكير بن عبد الله بازاء الباب قبل قدوم سراقة، وكان ملك الباب يومئذ شهربراز (4) ، رجل من آل شهربراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى منهم الشام، وكان عمر رضي الله عنه جعل على مقدمة سراقة: عبد الرحمن بن ربيعة فقدم سراقة عبد الرحمن بن ربيعة وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب قدم عليه بكير في أداني الباب، فلما أطل عبد الرحمن على الباب كاتبه شهربراز واستأمنه على أن يأتيه فأمنه عبد الرحمن على (5) ذلك فأتاه فقال: إني بازاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينتسبون إلى حسب وليس ينبغي لذي الفضل والحسب أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب من ذي الحسب حيث كان، ولست من القبج في شيء ولا من الأرمن، وإنكم قد غلبتم على بلادي، وأمتي، فأنا اليوم منكم، يدي مع أيديكم، وصغوي معكم، فمرحبا بكم وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم ولكم النصر والقيام بما تحبون، ولا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم، فقال عبد الرحمن: فوقي رجل قد أظلك فسر إليه فجوزه، فسار إلى سراقة بمثل ذلك، فقال له سراقة: قد قبلت ذلك في من كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء على من يقيم ولا ينهض، فقبل ذلك شهربراز وصارت سنة فيمن يحارب العدو من المشركين وفي من يستنفر من أهل الجزية فتوضع عنه جزية تلك السنة التي استنفر فيها، وكتب سراقة بذلك إلى عمر رضي الله عنه فأجازه وحسنه.
باغه (6)
قالوا على بحر باب الأبواب وهو بحر الخزر والديلم وجرجان وأنواع الترك مما يلي الباب والأبواب الموضع المسمى
__________
(1) ص: ينته.
(2) ع، وهي في نهاية من نهاية.
(3) الطبري 1: 2663.
(4) ص ع: شهريار، والتصويب عن الطبري.
(5) سقط من: ع.
(6) هكذا يكتبها المؤلف، وهي ((باكو)) عند الكرخي: 112؛ وباكويه عند ياقوت.

(1/78)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية