صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الروض المعطار في خبر الأقطار
المؤلف : محمد بن عبد المنعم الحميري
المحقق : إحسان عباس
الناشر : مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج
الطبعة : 2 - 1980 م
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أهلها كتابا (1) : هذا ما أعطاه عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان، سهلها وجبلها وحواشيها وشعابها وأهل مللها كلهم، على الأمان على أنفسهم وأموالهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس ذلك على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه من الدنيا شيء ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته، ومن حشر منهم في سنة رفع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام في ذلك ومن خرج فله الأمان حتى يرجع إلى حرزه.
ثم غزا الوليد بن عقبة رضي الله عنه أذربيجان وأرمينية في السنة التي بويع فيها عثمان رضي الله عنه، وقيل سنة خمس وعشرين بعدها، وقيل سنة ست، فصالحهم على ثلاثمائة ألف درهم وعلى التي صالح عليها حذيفة بن اليمان أيام عمر رضي الله عنهما.
وفي سنة سبع عشرة وستمائة نزل الططر على أذربيجان وهو إقليم جليل آهل المدن خصيب الضياع كثير الخيرات فداراهم سلطانه ابن البهلوان عن مدينة المراغة ومدينة توريز (2) بعدما فتكوا فيما مروا عليه (3) وهذه المدينة هي المراغة، وسيأتي لها ذكر في حرف الميم إن شاء الله.
أذاخر (4)
ثنية بين مكة والمدينة، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة.
أذرح (5)
بحاء مهملة على وزن أذرع، مدينة في أداني الشام وقيل بفلسطين، وبها بايع الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم وأعطاه معاوية مائتي ألف دينار، ولما انفصل علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهم إلى الشام اعتزل أذرح ونزل الحميمة وبنى بها قصرا لأن أذرح افتتحت صلحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من بلاد الصلح التي كانت تؤدي الجزية وكذلك دومة الجندل والبحران وهجر، وفي الصحيح (6) : " أمامكم حوضي كما بين جرباء إلى أذرح " .
الأردن
بضم أوله، نهر بالشام وهو نهر طبرية عليه مدن، وكل من على جنبيه أردني، وكان ملك داود عليه السلام في الأردن وفلسطين، وكان عسكره ستين ألفا أصحاب درق وسيوف وفي سير ابن إسحاق (7) أن أبا جهل قال للذين بيتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتك به وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها، وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: " نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم " ، وأخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، إلى آخر الخبر.
وفي حديث مكحول (8) : لما فتحت جزيرة العرب قال رجل عند ذلك: أبهوا الخيل والسلاح فقد وضعت الحرب أوزارها، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد قوله وقال: " لا تزالون تقاتلون الكفار حتى يقاتل بقاياكم الدجال بقطر الأردن (9) ، أنتم من غربيه والدجال من شرقيه " قال الراوي: ما كنت أدري ما الأردن حتى سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: احتاج الوليد بن عبد الملك إلى رصاص حين بنى مسجد دمشق فقيل له: إن بالأردن منارة فيها رصاص فبعث إليها، فذهب رجل يضرب بمعوله فأصاب رجلا فسال دمه فقيل: هذا طالوت.
وكان أهل الأردن قد رفضوا (10) بيعة ابن الزبير رضي الله عنهما.
__________
(1) الطبري 1: 2662 (حوادث سنة: 22).
(2) يعني تبريز.
(3) ابن الأثير 12: 347 وصاحب أذربيجان هو أوزبك بن بهلوان، قال: فلم يخرج إليهم ولا حدث نفسه بقتالهم لاتشغاله بما هو بصدده من أدمان الشرب ليلا ونهارا لا يفيق، وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب... الخ.
(4) معجم ما استعجم 1: 128، وأوجر المؤلف كثيرا.
(5) معجم ما استعجم: 130.
(6) شرح النووي على صحيح مسلم 15: 61.
(7) سير ابن هشام 1: 483.
(8) معجم ما استعجم 1: 137.
(9) معجم البكري: ببطن.
(10) ص ع: توقعوا.

(1/21)


أريس (1)
بئر أريس، بفتح الألف وكسر الراء، على ميلين من المدينة وكانت من أقل تلك الآبار ماء، وفيها تفل النبي صلى الله عليه وسلم فعاد ماؤها عذبا وكان أجاجا، وفيها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان رضي الله عنه فلم يوجد إلى الآن على قلة مائها وذلك سنة ثلاثين. قال ابن عمر: لبس خاتم النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر بعده ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم حتى وقع من عثمان في بئر أريس فلم يقدر عليه.
أباض (2)
قرية من قرى اليمامة لبني حنيفة فيها كانت وقعة خالد بن الوليد رضي الله عنه ومسيلمة. وسيأتي (3) لها ذكر في حرف العين في لفظ عقربا إن شاء الله تعالى.
إرم ذات العماد
من الناس من قال: إرم قبيلة عاد وهو قول مجاهد وقتادة، وعليه أنشدوا لابن قيس الرقيات (4) :
مجدا تليدا بناه أوله ... أدرك عادا وقبلها إرما وقال زهير (5) :
وآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم قال ابن إسحاق: فإرم أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وقال جمهور المفسرين: إرم مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية، وقال سعيد بن المسيب: هي دمشق، قال البكري: دمشق هي ذات العماد، وكذلك روى هوذة عن عوف بن خالد وقاله عكرمة، وحكى البلاذري قال: حدثني محمد بن موسى الصانع عن جعفر بن محمد العطار بمدينة السلام، قال حدثني علي بن داود القنطري وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث بن سعد، قال حدثني عبد الله بن لهيعة بن علقمة الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة قال: أنه خرج في إبل له شردت، فبينما هو في صحارى عدن أبين والشحر يطلب إبله في تلك الفلوات إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال، فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فإذا لا خارج يخرج من باب حصنها ولا داخل يدخل منه، فلما رأى ذلك نزل عن ناقته وعقلها ثم استل سيفه ودخل من باب الحصن، فلما خلف الحصن بشيء إذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا أعظم منهما ولا أطول، وإذا خشبهما مجمر يعني عودا، وفي ذينك البابين نجوم من ياقوت أبيض وياقوت أحمر، يضيء ذانك البابان فيما بين الحصن والمدينة فلما رأى ذلك الرجل أعجبه وتعاظم الأمر، ففتح أحد البابين ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قط، وإذا هي قصور كل قصر معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، ومن فوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وكل مصاريع تلك القصور وتلك الغرف مثل مصراعي باب المدينة، كلها مفصص بالياقوت الأبيض والياقوت الأحمر مقابلة بعضها ببعض، ينور بعضها من بعض، مفروشة تلك القصور وتلك الغرف كلها باللؤلؤ وبنادق من مسك وزعفران، فلما عاين الرجل ما عاين ولم ير فيها أحدا هاله ذلك وأفزعه، ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بالشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار كلها، وإذا تحت تلك الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها في قنوات من فضة، كل قناة منها أشد بياضا من الشمس، تجري تلك القنوات تحت الأشجار، فداخل الرجل العجب مما رأى وقال: والذي بعث محمدا بالحق ما خلق الله عز وجل مثل هذه في الدنيا وإن هذه للجنة التي وصفها تقدست أسماؤه، ما بقي مما وصف الله العزيز شيء إلا وهو في هذه المدينة، هذه الجنة، الحمد لله الذي أدخلناها فبينما هو يؤامر نفسه ويتدبر رأيه إذ دعته نفسه أن يأخذ من لؤلؤها وياقوتها وزبرجدها ثم يخرج حتى يأتي بلاده ثم يرجع إليها، ففعل، فحمل معه من اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها شيئا ولا من ياقوتها لأنه مثبت في أبوابها، وكان ذلك اللؤلؤ والبنادق والمسك والزعفران منثورا في تلك القصور والغرف كلها، فأخذ ما أراد وخرج حتى أتى ناقته وحل عقالها
__________
(1) معجم ما استعجم 1: 143 - 144.
(2) في ص ع: إراص، والتصحيح عن الهمداني: 162، وانظر ياقوت: أباض.
(3) لها: يريد وقعة خالد، وإلا فإن ((أباض)) لا ترد في مادة عقربا.
(4) ديوانه: 155.
(5) ديوانه: 158.

(1/22)


وركبها ثم سار راجعا يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وأعلم الناس أمره وما كان من قصته، وباع بعض اللؤلؤ، وكان ذلك اللؤلؤ قد اصفر وتغير من طول كرور الأيام والليالي عليه، فلم يزل أمر ذلك الرجل ينمي ويخرج حتى بلغ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فأرسل رسولا وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره بالبعثة بالرجل إليه يسأله عما كان من أمره، فخرج به رسول معاوية رضي الله عنه من اليمن حتى قدم به الشام، فأمر صاحب صنعاء الرجل أن يخرج معه ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة، فسار الرجل ورسول معاوية رضي الله عنه معه حتى قدم على معاوية رضي الله عنه، فخلا به معاوية رضي الله عنه وساءله عما رأى وعاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئا فشيئا، فأعظم ذلك معاوية رضي الله عنه وأنكر ما حدثه به وقال: ما أظن ما قلته حقا، فقال الرجل: عندي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها، قال: ما هو قال: لؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فقال له معاوية رضي الله عنه، هات حتى أراه، فأراه لؤلؤا أصفر من أعظم ما يكون من اللؤلؤ وأراه تلك البنادق فشمه معاوية رضي الله عنه فلم يجد له ريحا فدق بندقة من تلك البنادق فسطع ريحها مسكا وزعفرانا، فصدقه معاوية رضي الله عنه عند ذلك، وقال: كيف لي أن أعلم ما اسم هذه المدينة ومن بناها ولمن كانت، فوالله ما أعطي أحد مثل ما أعطي سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وما ملك سليمان مثل هذه المدينة، فقال بعض جلساء معاوية رضي الله عنه: إنك لن تجد خبر هذه المدينة عند أحد من أهل الدنيا في زماننا هذا إلا عند كعب الأحبار، فإن رأيت أن تبعث إليه وتأمر أن يغيب هذا الرجل عنه فإنه سيخبر بأمرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها، لأن مثل هذه المدينة على مثل هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها إلا أن يكون قد سبق في الكتاب دخوله إياها، فابعث إلى كعب فإنه لم يخلق الله عز وجل أحدا على ظهر الأرض أعلم منه، ولا شيء مضى من الدهر ولا يكون بعد اليوم إلا وهو في التوراة مفسرا منصوبا معروفا مكانه، فليبعث إليه أمير المؤمنين فإنه سيجد خبرها عنده، قال: فأرسل معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار فأتاه، فلما أتاه قال له معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك، قال كعب: على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك، قال: أخبرني يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها زبرجد وياقوت، وحصباء قصورها وغرفها لؤلؤ فيها جناتها وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار؟ قال كعب: والذي نفسي بيده لقد ظننت أني لأتوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ولمن هي، ولكن أخبرك بها ولمن هي ومن بناها، أما تلك المدينة فهي حق على ما بلغك ووصف لك، وأما صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد، وأما المدينة فإرم ذات العماد التي وصف الله عز وجل في كتابه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " التي لم يخلق مثلها في البلاد " ، وهي كما وصف لك لم يبن مثلها في البلاد، قال معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق حدثني حديثها يرحمك الله، قال: أخبرك أن عادا الأولى ليس عاد قوم هود، ولكن عاد الأولى إنما هود وقوم هود ولد لذلك، فكان عاد له ابنان أحدهما شديد والآخر شداد، فهلك عاد فبغيا وتجبرا، وملكا فقهرا البلاد وأخذا أهلها عنوة وقهرا حتى دان لهما جميع الناس، ولم يبق أحد من الناس في زمانهما إلا وهو في طاعتهما لا في مشرق الأرض ولا في مغربها، وأنه لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد بن عاد وبقي شداد وحده لم ينازعه أحد، ودانت له الدنيا كلها بأجمعها، وكان مولعا بقراءة الكتب الأول وكلما مر فيها بذكر الجنة وما يسمع ما هو فيها من البنيان والياقوت واللؤلؤ دعته نفسه إلى أن يفعل تلك الصفة، فلما قر ذلك في لبه أمر بصنعة تلك المدينة وأمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، ثم قال: انطلقوا إلى أطيب بلاد الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصور، ومن فوق تلك القصور غرف، واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت الأشجار، فإني أستمع في الكتاب صفة الجنة فأحب أن أجعل مثالها في الدنيا أتعجل سكناها، فقال له قهارمته وكانوا مائة قهرمان: كيف لنا أن نقدر على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة ينبني منه مدينة من المدائن كما وصفت لنا، ومتى نقدر على هذا الذهب كله وهذه الفضة؟ فقال لهم شداد: أليس تعلمون أن ملك الدنيا كله بيدي؟ قالوا: بلى، قال: فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الزبرجد والياقوت أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهب أو معدن فضة قوم رجلا يخرج لكم ما كان من كل معدن في تلك البلاد، ثم انظروا إلى ما كان في أيدي الناس فخذوه سوى ما يأتيكم به

(1/23)


أصحاب المعادن. قال: فخرجوا من عنده إلى كل ملك في الدنيا يأمره أن يجمع له ما في بلاده من جوهرها ويحضر معادنها، فانطلق أولئك القهارمة فبعثوا إلى كل ملك من الملوك بكتاب في أخذ ذلك وأخذ الفعلة في طلبهم له موضعا كما أراد ووصفه لهم من البساتين وإجراء الأنهار وغرسهم الأشجار، وعملوا في ذلك عشر سنين، فقال معاوية رضي الله عنه: وكم عدد الملوك الذين كانوا تحت يده؟ قال: مائتان وستون ملكا قسمها بينهم كل ملك على حدة وما عليه من الخراج، قال: فخرج القهارمة فشدوا في الصحراء ليجدوا ما يوافقه، فلم يجدوا ذلك حتى وقعوا على صحراء عظيمة نقية من التلال والجبال، فإذا هم بعيون مطردة، فقالوا: هذه صفة إرم التي أمرنا بها، فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطول ثم جعلوا ذلك حدودا محدودة ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الحدود فأجروا فيها قنوات لتلك الأنهار ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني وصبوا طين ذلك الأساس من مر ولبان ومحلب، فلما فرغوا مما وضعوا من الأساس وأجروا القنوات أرسلت إليهم الملوك بالزبرجد والياقوت والذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر، كل ملك قد عمل ما كان في معدنه، فمنهم من بعث بالعمد مفروغا منها، ومنهم من بعث بالذهب والفضة مفروغا منها مصنوعا، فدفعوه إلى أولئك القهارمة والوزراء، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها وهي على تلك العمد، وهي قصور وفوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة والزبرجد والياقوت، وأقاموا في بنائها إلى أن فرغوا منها ثلثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، قال كعب: فلما أخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر يكون في كل قصر وزير من وزرائي وألف ناطور، قال: فخرجوا فعملوا تلك الحصون والقصور ثم أخبروه بالفراغ مما أمرهم به، قال: فأمر ألف وزير من خاصته أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر لتلك الأعلام برجال يسكنونها وأمر لهم بالعطاء والأرزاق والجهاز إلى تلك القصور، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار الملك فيمن أراد وخلف من قومه في عدن أبين والشحر أكثر ممن سار، فلما صار منها على مقربة من يوم وليلة بعث الله تعالى العظيم عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكهم جميعا ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل ذات العماد منهم أحد، ولم يقدر على دخولها أحد منهم حتى الساعة، فهذه صفة ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا ويرى ما فيها ويحدث بذلك فلا يصدق، قال له معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق هل تصفه لنا؟ قال: نعم، رجل أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرجل في طلب إبل له في تلك الصحارى فيقع على ذات العماد، فيدخلها ويحمل مما فيها والرجل جالس عندك، فالتفت كعب فرأى الرجل فقال: هذا ذلك الرجل قد دخلها فسله عما حدثتك به، فقال معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق إن هذا من خدمي، قال: فقد دخلها وإلا فسيدخلها أو يدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان، فقال معاوية رضي الله عنه: لقد فضلك الله يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أعطيت من علم الأولين، والآخرين ما لم يعط أحد، فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما خلق الله عز وجل شيئا إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى وكفى بالله وكيلا.بها، فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطول ثم جعلوا ذلك حدودا محدودة ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الحدود فأجروا فيها قنوات لتلك الأنهار ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني وصبوا طين ذلك الأساس من مر ولبان ومحلب، فلما فرغوا مما وضعوا من الأساس وأجروا القنوات أرسلت إليهم الملوك بالزبرجد والياقوت والذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر، كل ملك قد عمل ما كان في معدنه، فمنهم من بعث بالعمد مفروغا منها، ومنهم من بعث بالذهب والفضة مفروغا منها مصنوعا، فدفعوه إلى أولئك القهارمة والوزراء، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها وهي على تلك العمد، وهي قصور وفوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة والزبرجد والياقوت، وأقاموا في بنائها إلى أن فرغوا منها ثلثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، قال كعب: فلما أخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر يكون في كل قصر وزير من وزرائي وألف ناطور، قال: فخرجوا فعملوا تلك الحصون والقصور ثم أخبروه بالفراغ مما أمرهم به، قال: فأمر ألف وزير من خاصته أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر لتلك الأعلام برجال يسكنونها وأمر لهم بالعطاء والأرزاق والجهاز إلى تلك القصور، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار الملك فيمن أراد وخلف من قومه في عدن أبين والشحر أكثر ممن سار، فلما صار منها على مقربة من يوم وليلة بعث الله تعالى العظيم عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكهم جميعا ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل ذات العماد منهم أحد، ولم يقدر على دخولها أحد منهم حتى الساعة، فهذه صفة ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا ويرى ما فيها ويحدث بذلك فلا يصدق، قال له معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق هل تصفه لنا؟ قال: نعم، رجل أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرجل في طلب إبل له في تلك الصحارى فيقع على ذات العماد، فيدخلها ويحمل مما فيها والرجل جالس عندك، فالتفت كعب فرأى الرجل فقال: هذا ذلك الرجل قد دخلها فسله عما حدثتك به، فقال معاوية رضي الله عنه: يا أبا إسحاق إن هذا من خدمي، قال: فقد دخلها وإلا فسيدخلها أو يدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان، فقال معاوية رضي الله عنه: لقد فضلك الله يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أعطيت من علم الأولين، والآخرين ما لم يعط أحد، فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما خلق الله عز وجل شيئا إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى وكفى بالله وكيلا.
أربونة (1)
مدينة هي آخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي بلاد الإفرنجية، وقد خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثين وستمائة مع غيرها مما كان في أيديهم من المدن والحصون.
الأربس (2)
مدينة بينها وبين قيروان إفريقية مسيرة ثلاثة أيام وبينها وبين باجة مرحلتان، وهي في وطاء من الأرض، بوسطها عين جارية لا تجف منها شرب أهلها وماؤها صحيح، وبها معدن حديد ولا شجر بها إنما هي مزارع الحنطة والشعير ويدخر منها الكثير، وهي مدينة مسورة ولها ربض كبير وبأرضها يكون أطيب الزعفران، وتعرف ببلد العنبر، وإليها سار إبراهيم بن الأغلب حين خرج من القيروان، وفي سنة ست وتسعين ومائتين زحف إليها أبو عبد الله الشيعي فنازلها وبها جمهور أجناد إفريقية مع إبراهيم ففر عنها إبراهيم في جماعة من القواد والجند إلى طرابلس، ودخلها الشيعي أبو عبد الله عنوة، ولجأ أهلها ومن بقي فيها من الجند إلى جامعها وقيل إنه قتل بداخل المسجد ثلاثون ألفا وذلك من وقت صلاة العصر إلى آخر الليل، فكانت ولاية بني الأغلب بإفريقية مائة سنة وإحدى عشرة سنة، ومدينة الأربس في وطاء من
__________
(1) روفنسال: 11 - 12 والترجمة: 16 (Narbonne).
(2) الإدريسي (د): 117، ونزهة المشتاق: 86، والبكري: 46 (اربس).

(1/24)


الأرض (1) وعليها سور تراب وهي على اثني عشر ميلا من مدينة أبة وهي بغربي الأربس.
أرشذونة (2)
بالأندلس وهي قاعدة كورة ريه ومنزل الولاة والعمال، وهي بقبلي قرطبة تسقي أرضها وتطرد في نواحيها عيون غزار وأنهار كبار وهي برية بحرية، سهلها واسع وجبلها مانع وسورها الآن مهدوم، ولها حصن فوق المدينة ولها مدن كثيرة وبها آثار قديمة، ومن مدنها مالقة بينهما ثمانية وعشرون ميلا.
أريحا
مدينة من أجل بلاد الغور بالشام، وفي الخبر أن عمر رضي الله عنه أجلى اليهود إلى أريحا وكانوا طلبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين غلب عليهم أن يقرهم على أن لهم نصف الثمر فقال: " نقركم متى شئنا " ، فبقوا كذلك خلافة أبي بكر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنه ثم أجلاهم إلى أريحا، ذكره مسلم بن الحجاج.
؟أرجان
مدينة بين فارس وأهواز، بناها قباذ بن فيروز ملك الفرس وهو أنوشروان وأسكن فيها سبي همدان، وفيها قبر يوحنا الحواري صاحب عيسى، عليه الصلاة والسلام، وهي المذكورة في قول المتنبي:
أرجان أيتها الجياد فانه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا ومنها أحمد بن الحسين الأرجاني (3) أبو بكر فاضل شاعر ورد بغداد ومدح خليفتها المستظهر بالله، ومن شعره:
ولما بلوت الناس أطلب منهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلعت في حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد ومنها:
تمتعتما يا ناظري بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد ذكره ابن السمعاني وأثنى عليه في ذيل كتاب الخطيب وأطنب في ذكره والثناء عليه.
الرملة (4)
إحدى مدن الشام وهي مدينة عامرة بها أسواق وتجارات ودخل وخرج، ومنها إلى يافا التي على ساحل البحر نصف يوم، ومن الرملة إلى نابلس يوم، ومنها إلى قيسارية مرحلة.
أريانة
قرية من عمل قرطاجنة إفريقية بمقربة من تونس مسندة إلى الحنية العادية، منها كان العابد محرز بن خلف التميمي المؤدب العابد المشهور، قبره بتونس بداره (5) يتبرك به، وتوفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وله أخبار مصنفة (6) .
ارمينية
بكسر أوله وإسكان ثانيه بلد معروف يضم كورا كثيرة، سميت بكون الأرمن فيها، وهي أمة كالروم وغيرها فتحت في زمان عثمان رضي الله عنه، فتحها سلمان بن ربيعة الباهلي سنة أربع وعشرين، قالوا (7) : وفي السنة التي بويع فيها عثمان رضي الله عنه غزا الوليد بن عقبة رضي الله عنه أذربيجان وارمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أيام عمر رضي الله عنه، فدعا الوليد سلمان بن ربيعة الباهلي فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد في جماعة الناس يريد أن يمعن في أرض ارمينية فمضى حتى دخل أذربيجان، وبعث سلمان بن ربيعة إلى ارمينية في اثني عشر ألفا فسار في أرضها فقتل وسبى وغنم وانصرف مملوء اليد إلى الوليد، فانصرف
__________
(1) كذلك أورده مكرراص، وكله عن نزهة المشتاق.
(2) بروفنال: 12 والترجمة: 17 (Archidona).
(3) ابن خلكان 1: 151؛ وديوانه: 86.
(4) هذا وهم من المؤلف، فقد حسب الألف واللام أصليتين في الكلمة، وسورد الرملة في حرف ((الراء)).
(5) بداره: سقطت من: ص.
(6) نشرت مناقبه مع مناقب أبي إسحاق الجبنياني في كتاب واحد (باريس: 1959).
(7) الطبري 1: 2804.

(1/25)


الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته، فلما دخل الموصل راجعا أتاه كتاب عثمان رضي الله عنه بأن معاوية رضي الله عنه كتب إليه بأن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة وقد رأيت أن نمدهم بأخوانهم من أهل الكوفة وحكى الواقدي أن عثمان أمر معاوية، رضي الله عنهما، باغزاء حبيب بن مسلمة في أهل الشام ارمينية، فوجهه إليها معاوية، فبلغ حبيبا أن الموريان الرومي قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم والترك، وكان حبيب صاحب كيد، فأجمع على أن يبيت الموريان، فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية يذكر ذلك فقالت له: فأين موعدك؟ فقال: سرادق الموريان أو الجنة، ثم بيتهم فقتل من أشرف له، ثم أتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق، ثم مات عنها فخلف عليها الضحاك بن قيس الفهري فهي أم ولده.
قلت: وارمينية من الثغور الجزرية، وقيل سميت ارمينية باسم ارمين قومس ياشور الملك فسمي البلد باسمه وسميت المراحل بأسماء بنيه: اردبيل وورثان ودبيل وبيلقان بني أرمين، وفي بعض الأخبار أن الرشيد خرج ذات يوم إلى الصيد ببلاد الموصل وعلى يده باز أبيض فاضطرب على يده فأرسله فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء، ثم أقبل بعد اليأس منه وقد علق بدابة شبه الحية أو السمكة ولها ريش كأجنحة السمك، فأمر الرشيد فوضعت في طست، فلما عاد من قنصه أحضر العلماء فسألهم: هل تعلمون للهواء ساكنا؟ فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك عبد الله بن العباس رضي الله عنهما أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق سكان فيها أقربها منا دواب بيض في الهواء تفرخ فيه يرفعها الهواء الغليظ ويربيها حتى تنشأ كهيئة الحيات أو السمك لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بزاة بيض تكون بارمينية فأخرج الطست إليهم بالدابة وأجاز مقاتلا.
وفي سنة تسع وتسعين احتفر عدي بن عدي نهرا بأرمينية يقال له اليوم نهر عدي.
ومن عجائب ارمينية واد لا يقدر أحد أن ينظر إليه ولا يشرف عليه ولا يدرى ما فيه وإذا وضعت القدر على شفيره غلت ونضج ما فيها. وبارمينية ماء حامض يعرف بالحمض إذا أخذ ورفع في إناء عذب وشرب.
أردبيل
من الثغور الجزرية بينها وبين المراغة نحو أربعين فرسخا، سميت باسم اردبيل بن أرمين كما سميت ارمينية باسم أبيه ارمين، وهي مدينة حسنة كبيرة، وهي دار الإمارة وبها الأجناد والعسكر، وتكون أعمالها تسعين ميلا في مثلها، وأبنيتها بالطين والآجر، وأسعارها راخية، ولها بساتين كثيرة، ونزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة فقتلوا أهلها عن آخرهم وتركوها يبابا (1) وكان أهلها مشهورين بالدعارة.
أرديس
مدينة بينها وببن ميافارقين خمسين ميلا وهي في تخوم بلاد الروم وبينها وبين حصن زياد شجرة لا يعرف أحد ما هي ولا ما اسمها ولها حمل شبيه باللوز يؤكل بقشره وهو أحلى من الشهد (2) .
أرزن
مدينة بينها وبين ميافارمين سبعة فراسخ، فتحها عياض بن غنم على مثل صلح الرها (3) ، وهي مدينة كبيرة كثيرة الأسواق والعمران سهلية جبلية.
أرمية
بضم أوله مدينة في ديار بكر وكانت ارمية وخوي وسلماس من فتوح الموصل، وكان خراجها يجبى إلى الموصل ثم حولت ينسب إليها أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الحافظ الأرموي وتاج الدين (4) مختصر الحاصل من محصول الإمام الفخر بن الخطيب الذي في أصول الفقه.
اربل
أظنها من أعمال الشام (5) .
أرجونة (6)
مدينة أو قلعة بالأندلس إليها ينسب محمد بن يوسف بن الأحمر الأرجوني من متأخري سلاطين الأندلس.
أرشقول (7)
مدينة في ساحل تلمسان من أرض المغرب بينهما فحص طوله خمسة وعشرون ميلا، ومدينة أرشقول على نهر تافنا
__________
(1) انظر معجم ياقوت (أردبيل) في الحديث عما صنعه التتر بها.
(2) قارن بما أورده ابن الفقيه: 287، ونزهة المشتاق: 267.
(3) البلاذري: 208: على مثل صلح نصيبين.
(4) سماه صاحب كشف الظنون (1615) سراج الدين، وهو ابو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفى 682.
(5) أربل: تقع بين الزابين، وكانت تعد من أعمال الموصل. أنظر وصفها في معجم ياقوت وآثار البلاد: 290.
(6) بروفنال: 12 الترجمة: 17 (Arjona).
(7) انظر الإدريسي (د): 172، والنص عن البكري: 77 - 78، والاستبصار: 134.

(1/26)


يقبل من قبليها ويسير بشرقيها تدخل فيه السفن اللطاف من البحر إلى المدينة وبينهما ميلان، وهي مدينة مسورة، وبها جامع حسن فيه سبع بلاطات وفي صحنه جب كبير، وصومعته متقنة البناء، وفيها حمامان أحدهما قديم، وسعة سورها ثمانية أشبار وأمنع جهاتها جوفيها، وبها آبار عذبة لا تغور تقوم بأهلها وبمواشيهم، ولها ربض من جهة القبلة ويقابله جزيرة في البحر تسمى جزيرة أرشقول بينها وبين البر قدر صوت رجل جهير في سكون البحر والريح.
أرم آسك
هل هي بالراء أو بالزاي (1) ، وهي مدينة على نهر تستر وهي متحضرة ولها سوق متحركة وبها بيع وشراء، وهي رصيف متوسط لمن جاء من فارس يريد العراق، ويحاذيها من خلف النهر قرية آسك، وفيها جنات كثيرة وقصبة طويلة من القبلة إلى الجوف عالية منيعة.
أركنده (2)
هي آخر مدن فرغانة مما يلي دار الترك، وهي نحو ثلثي مدينة أوش ولها بساتين ومياه جارية وليس فيما وراء النهر أكثر قرى من فرغانة وربما بلغ حد القرية مرحلة لكثرة أهلها وانتشار مواشيهم ومراعيهم.
الأرك (3)
هو حصن منيع بمقربة من قلعة رباح أول حصون أذفونش بالأندلس، وهناك كانت وقيعة الأرك على صاحب قشتالة وجموع النصارى على يد المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ملك المغرب في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وكان بلغ المنصور يعقوب أن صاحب قشتالة شن الغارات على بلاد المسلمين بالأندلس شرقا وغربا في يوم واحد، وعم ذلك جهات اشبيلية ونواحيها، فامتعض من ذلك، ثم تحرك من حاضرته مراكش إلى الأندلس واستقر باشبيلية فأعرض الجند وأعطى البركات، ثم نهض في الحادي عشر من جمادى الأخرى ووصل قرطبة فروح بها، والتقى الجمعان بحصن الأرك والتحم القتال، فانهزم العدو وركبهم السيف من ضحى يوم الأربعاء تاسع شعبان إلى الزوال وانتهب محلة الروم وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، واستشهد من المسلمين دون الخمسمائة، وأفلت أذفونش واجتاز على طليطلة لا يعرج على شيء في عشرين فارسا وحصر المسلمون فلهم بحصن الأرك وكانوا خمسة آلاف فصالحوا بقدرهم من أسارى المسلمين.
وسمعت من يحدث أن هذا الفتح كان اتفاقيا بسبب إحراز الروم بعض رايات المسلمين وذهابهم بها قائمة منتصبة وانبعاث حفائظ بعض القبائل لما عاينوا راية إخوانهم مقدمة على العدو، إذ ظنوا أن أصحابهم حملوا على العدو فأوغلوا وهم لا يعلمون الحال، وكيف ما كان فهو فتح مبين ونصر مؤزر.
ثم رجع المنصور إلى اشبيلية ظافرا فأقام مدة ثم غزا بلاد الجوف فحاصر ترجاله ونزل على (4) بلنسية ففتحها عنوة وقبض على قائدها يومئذ مع مائة وخمسين من أعيان كفارها ووجههم إلى خدمة بناء الجامع الكبير بسلا مع أسرى الأرك، ثم انتقل إلى طلبيرة ومكادة فخربهما ثم برز على طليطلة فشن عليها الغارات، ثم نازل مجريط وشرع في القفول فأخذ على جيان إلى قرطبة إلى استجة إلى قرمونة، ووصل إلى اشبيلية في رمضان.
وبإفريقية بقرب تيفاش مدينة أركو (5) بها جنات وعيون ومياه وبساتين وغلات وخير واسع.
أرنيط (6)
مدينة بالأندلس أولية بينها وبين تطيلة ثلاثون ميلا، وحواليها بطاح طيبة المزارع، وهي قلعة عظيمة منيعة من أجل القلاع، وفيها بئر عذبة لا تنزح قد انبطت في الحجر الصلد، وهذه القلعة مطلة على أرض العدو وبينها وبين تطيلة ثلاثون ميلا (7) وبينها وبين سرقسطة ثمانون ميلا.
ارغون (8)
هو اسم بلاد غرسية بن شانجة يشتمل على بلاد ومنازل وأعمال.
أركش (9)
حصن بالأندلس على وادي لكه وهو مدينة أزلية
__________
(1) يبدو أن صوابها بالزاي، كذلك وردت عند ياقوت: ((وأزم منزل بين سوق الأهواز ورامهرمز))، والتساؤل - هل هي بالراء أو بالزاي - إن كان من المؤلف فإنه مستغرب، ولعله مقحم وضعه أحد المعلقين.
(2) عند ابن حوقل: 421 أوزكندة، وكذلك عند ياقوت وهو الصواب، وبعضه منقول عن ابن حوقل: 420، وانظر نزهة المشتاق: 149 (اوركندة).
(3) بروفنسال: 12 والترجمة: 18 (Alarcos) وتسمى اليوم: Santa Maria de Alarcos.
(4) ص ع: ونازل أهل.
(5) الإدريسي (د): 120.
(6) بروفنسال: 14 والترجمة: 20 (Arnedo).
(7) كذا مكررا.
(8) بروفنسال: 12 والترجمة: 17 (Aragon).
(9) بروفنسال: 14 والترجمة: 20 (Arcos de la Frontera).

(1/27)


قد خربت مرارا وعمرت وعندها زيتون كثير.
أرزاو (1)
مدينة فحص سيرات وبينها وبين وهران أربعون ميلا وهي في جبل فيه قلاع ثلاث مسورة ورباط يقصد إليه، وفي هذا الجبل معدن الحديد والزئبق وإذا أرسلت في شجرة منه النار فاحت منه رياح طيبة.
أزقار (2)
موضع قوم رحالة في بلاد السودان ألبانهم غزيرة وهم أهل نجدة وقوة ويسالمون من سالمهم ويميلون على من حاولهم، وأهل أزقار يذكر أهل المغرب الأقصى أنهم أعلم الناس بعلم الخط المنسوب إلى دانيال عليه الصلاة والسلام ليس يدرى بجميع بلاد البربر على كثرة قبائلها أعلم بهذا الخط من أهل أزقار، ولأن الرجل منهم صغيرا كان أو كبيرا إذا تلفت له ضالة أو عدم شيئا من أموره خط لها في الرمل خطا فيعلم بذلك موضع ضالته فيسير حتى يجد متاعه كما أبصر في خطه، وربما سرق الرجل منهم متاع صاحبه ويدفنه في الأرض بعيدا أو قريبا فيخط الرجل الذي فقد متاعه ويقصد موضع الخبيئة ويخط بازائه خطا ثانيا حتى يقصد موضع الخبيئة فيستخرج منه متاعه وما ضاع له ويعلم مما خطه الرجل الذي أخذ متاعه، ويجمع أشياخ القبيلة فيخطون له خطا فيعلمون بذلك البريء من الفاعل، وهذا عندهم مشهور، ولقد أخبر بعضهم أنه رأى رجلا من هذه القبيلة في سجلماسة وقد خبئت له خبيئة فخط لها خطا وقصد موضعها فاستخرجها وأعيد عليه العمل بذلك ثلاث مرار فاستخرجها في كلها، وهذا شيء عجيب من قوتهم على هذا العلم على كثرة جهلهم وغلظ طباعهم.
أزكي (3)
مدينة بالمغرب وهي أول مراقي الصحراء، ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة ومنها إلى نول لمطة سبع مراحل، وليست بالكبيرة ولكنها متحضرة، وإذا بلغت المرأة التي لا زوج لها منهم أربعين سنة تصدقت بنفسها على من أرادها فلا تدفع عن نفسها من يريدها، ولا بد من الدخول على هذه المدينة لمن أراد تكرور وغانة من بلاد السودان.
اطراغي (4)
مدينة بالصين كبيرة على بركة ماء عذب لا يوجد لوسطها قعر وماؤها مائل إلى الدكنة، وبها سمك وجوهها كوجه البومة على رؤوسها شبه قلانس يزعمون أنها تفعل بالرجال ما يفعله السقنقور من كثرة الانعاظ.
اطرابنش (6)
بجزيرة صقلية مدينة قديمة أزلية على ساحل البحر، والبحر يحدق بها من جميع جهاتها وإنما يسلك إليها على قنطرة على باب شرقيها، ومرساها بالجانب الجنوبي منها، وعلى نحو عشرة أميال منها جبل يدعى بجبل حامد والصعود إليه هو من إحدى جهاته، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة ولا يتركون مسلما يصعد إليه، ولذلك أعدوا فيه ذلك المعقل فلو أحسوا بحادثة حملوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة، واطرابنش هذه في البسيط لا ماء لها إلا من بئر على البعد منها.
إلبيرة
من كور الأندلس جليلة القدر نزلها جند دمشق من العرب وكثير من موالي الإمام عبد الرحمن بن معاوية، وهو الذي أسسها وأسكنها مواليه ثم خالطهم العرب بعد ذلك، وجامعها بناه الإمام محمد على تأسيس حنش الصنعاني، وحولها أنهار كثيرة. وكانت حاضرة إلبيرة من قواعد الأندلس الجليلة والأمصار النبيلة فخربت في الفتنة وانفصل أهلها إلى مدينة غرناطة فهي اليوم قاعدة كورها، وبين إلبيرة وغرناطة ستة أميال، ومن الغرائب أنه كان بناحية مدينة إلبيرة فرس قد نحت من حجر صلد قديم هناك لا يعلم واضعه فكان الغلمان يركبونه ويتلاعبون حوله إلى أن انكسر منه عضو فزعم أهل إلبيرة أن في تلك السنة التي حدث فيها كسره تغلب البربر على مدينة إلبيرة فكان أول خرابها.
ومدينة إلبيرة بين القبلة والشرق من قرطبة، ومنها إبراهيم بن خالد سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وسمع من سحنون وهو أحد السبعة الذين اجتمعوا في إلبيرة في وقت واحد من رواة سحنون، ومنها أبو إسحاق بن مسعود الإلبيري صاحب القصيدة الزهدية التي أولها (7) :
__________
(1) في الأصلين: ارزار، والتصويب عن البكري: 70 والإدريسي (د): 100 والنص عن البكري وكتب في الاستبصار: 178 أزواوا.
(2) كتبه آزقار - بالمد - في الإدريسي (د): 36 وانظر الإدريرسي (ب): 22.
(3) كتبت بمد الألف في طبعة دوزي من الإدريسي: 59 - 60 والإدريسي (ب): 37 وتكتب أيضا بالقاف.
(4) نزهة المشتاق: 133 وربما قرئت: ((أطراغن)).
(6) بروفنسال: 29 والترجمة: 37 (Elvira) والعذري: 88.
(7) ديوانه: 63.

(1/28)


تفت فؤادك الأيام فتا ... وتنحت جسمك الساعات نحتا وهي طويلة جدا، وهو القائل (1) :
من ليس بالباكي ولا المتباكي ... لقبيح ما يأتي فليس بزاك القصيدة بطولها، وهو القائل (2) :
ما أميل النفس إلى الباطل ... وأهون الدنيا على العاقل
آه لسر صنته لم أجد ... خلقا له قط بمستاهل
هل يقظ يسألني علني ... أكشفه لليقظ السائل
لو شغل المرء بتركيبه ... كان به في شغل شاغل
وعاين الحكمة مجموعة ... ماثلة في هيكل ماثل
يا أيها الغافل عن نفسه ... ويك أفق من سنة الغافل وبساحل إلبيرة كان نزول الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل إلى الأندلس حين عبوره إليها.
أليس
على صلب (3) الفرات، فتحها خالد بن الوليد رضي الله عنه، قالوا (4) : لما أصاب خالد من أصاب يوم الولجة من بكر بن وائل الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم قومهم فكاتبوا الأعاجم وكاتبهم الأعاجم، فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الأسود العجلي، وكتب ازدشير إلى بهمن أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب، فقدم بهمن أمامه جابان وأمره بالحث وقال له: كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك، فسار جابان إلى أليس وانطلق بهمن إلى ازدشير ليستأمره فيما يريد، ومضى جابان حتى انتهى إلى أليس فنزل بها واجتمعت إليه المسالح التي كانت بازاء العرب وعبد الأسود في نصارى بني عجل، فنهد إليهم خالد وليست له همة إلا من تجمع لهم من عرب الضاحية ونصاراهم، ولما طلع على أليس قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أو نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا ولكن ظني أن سيعاجلوكم ويعجلوكم عن طعامكم، فعصوه، وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة، فلما وضعت توجه خالد إليهم، ووكل خالد بنفسه حوامي تحمي ظهره، ثم برز أمام الناس فنادى أين أبجر أين عبد الأسود، أين مالك بن قيس؟ فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا، فبرز له، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء، وضربه فقتله، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوه، فقال لهم جابان: ألم أقل لكم يا قوم، والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم، فقالوا تجلدا حيث لم يقدروا على الأكل: ندعها حتى نفرغ منهم ثم نعود إليها، فقال جابان: وإنما أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون فالآن فأطيعوني وسموها، فإن كانت لنا فأهون هالك، وإن كانت علينا كنا قد صنعنا شيئا وأبلينا عذرا، فقالوا: لا إلا اقتدارا عليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن، فصابروا المسلمين للذي في علم الله تعالى أن يصيرهم إليه، وحرب المسلمون عليهم، وقال خالد رضي الله عنه: اللهم لك إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم، ثم إن الله تعالى كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد رضي الله عنه مناديه فنادى في الناس: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلا من امتنع. وأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا، وقد وكل بهم خالد رضي الله عنه رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا بهم إلى النهر فضرب على النهر أعناقهم، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثلاثة أيام، وهو ثمانية عشر ألفا ويزيدون، ولما رجع المسلمون من طلبهم ودخلوا عسكرهم وقف خالد رضي الله عنه على الطعام الذي كان المشركون قدموه لغدائهم فأعجلوا عنه، فقال للمسلمين: قد نفلتكموه فهو لكم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على طعام مصنوع نفله، فقعد الناس على ذلك الطعام لعشائهم بالليل وجعل من لا يرد الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض؟ وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقولون: هذا هو فسمي الرقاق.
__________
(1) ديوانه: 76.
(2) ديوانه: 102.
(3) ص: خلف.
(4) الطبري: 1: 2032.

(1/29)


وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثليه.
وبعث خالد رضي الله عنه بالخبر مع رجل من بني عجل كان دليلا صارما، فقدم على أبي بكر رضي الله عنه بالخبر بفتح أليس وبقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاء من الناس، وبلغت قتلاهم يوم أليس سبعين ألفا. وقال خالد رضي الله عنه: لقد قاتلت يوم مؤتة وانقطع في يدي تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس.
ألش (1)
بالأندلس، إقليم ألش من كور تدمير بينه وبين اريولة خمسة عشر ميلا، وألش مدينة في مستو من الأرض يشقها خليج يأتيها من نهرها يدخل من تحت السور ويجري في جهاتها ويشق أسواقها وطرقاتها، وهو ملح سبخي. ومن ألش إلى لقنت خمسة عشر ميلا أيضا، ومن الغرائب أن بساحل ألش بمرسى يعرف بشنت بول حجرا يعرف بحجر الذئب، إذا وضع على ذئب أو سبع ويكن له عدوان وفارق طبعه في الفساد.
الياج (2)
موضع بجزيرة صقلية بالقرب من مدينة قطانية، وبالقرب منه جبل النار (3) ، وهو جبل عظيم منيف كثير الثمار ويقطع فيه عدد السفن من خشب الشوع والأرجل (4) الضخمة وغير ذلك ويذكر أهل صقلية أنه انفجر من جبل النار نهر جار (5) فجرى أياما يراه الناس، وبقي أثره هناك إلى الأبد متحرقا أسود لا ينبت شيئا من النبات. وفي جبل النار هوة عظيمة كأنها ثغر (6) يخرج منها ريح شديدة، ويذكرون أنه قذف فيها حجر قد لف في كساء فبقي هاويا ساعة ثم رفعت الريح ذلك الكساء إلى أعلى العنق وذهب الحجر سفلا، وفي هذا الجبل طائر تسميه العامة عقعق الجبل، يتعلق برجليه من الشجر ويدلي رأسه ويسمع له صوت يتأدى إلى سامعه منه قول القائل اقع اقع، وإذا قرب منه المرء طار ثم نزل على غصن وسمع له صوت يتأدى إلى سامعه منه: قرقرت بك قرقرت بك. وتسير من الياج إلى مسيني.
أمج (7)
بفتح أوله وثانيه وبالجيم، قرية جامعة، ما بين مكة والمدينة على أميال من قديد لها سور (8) وهي كثيرة المزارع وأهلها خزاعة، وبها آثار كثيرة وبها نخل، وهي محلة بني نمرة وجماعة من الناس وفيها حوانيت وسوق، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة حتى إذا كان بالقديد بين عسفان وأمج أفطر. ومرت بأمج هذه أم جعفر بنت جعفر بن الزبير بن العوام، فقالت لحاضريها: أبي والله الذي يقول:
هل في ادكار الحبيب من حرج ... أم هل لهم الفؤاد من فرج
أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنخل من أمج
يوم يقول الرسول قد أذنت ... فأت على غير رقبة فلج
أقبلت أهوي إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج وقال عبد الله بن حية: طفت مع سعيد بن جبير فمر بنا رجل يقال له حميد الأمجي فقلت: أتعرف هذا قال:لا فقلت: هذا الذي يقول فيه الشاعر:
حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
علاه المشيب على شربها ... وكان كريما فلم ينزع فقال: وكان سفيها فلم ينزع، فقلت: يا أبا عبد الله ليس هكذا، فقال: والله لا كان كريما وهو مقيم عليها.
وحدث مالك بن أنس عن ابن شهاب، قال: تقدم قوم
__________
(1) برفنسال: 31 والترجمة: (Elche) والإدريسي (د): 193.
(2) (Aci) الإدريسي (م): 28، وتكتب ((لياج)) بإسقاط الهمزة غالبا، وسيذكرها المؤلف في باب اللام.
(3) انظر مادة ((البركان)).
(4) هذه قراءة ص؛ وفي ع: الأجل.
(5) ص: حار.
(6) ص: لا لها قعر؛ وصورة ذلط في ع أيضا: لا لها.
(7) معجم ما استعجم 1: 190.
(8) معجم البكري: بها سوق.

(1/30)


إلى عمر بن عبد العزيز فقالوا: إن أبانا مات، وإن لنا عما يقال له حميد الأمجي أخذ مالنا، فدعا به عمر وقال: أنت الذي يقول فيه الشاعر:
حميد الذي أمج داره ... وأنشد البيتين، قال: نعم، قال: أنا آخذك بإقرارك، قال: أيها الأمير ألم تسمع إلى قول الله عز وجل " والشعراء يتبعهم الغاوون " فقال عمر: أنت رجل سوء وكان أبوك صالحا، فقال حميد: وكان أبوك رجل سوء وأنت رجل صالح، فقال: دع هذا وأين مال بني أخيك هؤلاء؟ فقال: سلهم مذ كم فقدوا أباهم فقالوا: منذ عشرين سنة، قال: فهل فقدتم إلا رؤيته؟ فقال عمر: وما ذاك وقد أخذت مالهم، فدعا حميد غلامه فعرفه موضع المال فجاء به بخواتيم أبيهم وقال: أنفقت عليهم من مالي وهذا مالهم بأسره، فصدقوه في كميته، فقال له عمر: لقد دخلت وأنت أبغض الناس إلي ولتخرجن وأنت أحب الناس إلي، اردد المال إليك، فقال: لا، والله لا يعود إلي أبدا، وتركه ومضى.
ذو أمر (1)
بفتح أوله وثانيه وتشديد الراء المهملة أفعل من المرارة، موضع بنجد، وهي التي سار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة ثلاث عام أحد في أربعمائة وخمسين رجلا يريد غطفان فأقام بنجد شهرا، ثم رجع ولم يلق كيدا.
أمويي (2)
بخراسان على فرسخ من جيحون بينها وبينه مروج وغياض وبالقرب منها موضع يسمى بالخسب (3) فيه ثلثمائة منزل في كل منزل الأقل ألف إنسان والأكثر عشرة آلاف، ولهم مدنية عظيمة ونجدة معروفة وبسالة موصوفة.
أمغيشيا
قصر على الفرات كالحيرة، لما فرغ (4) خالد بن الوليد رضي الله عنه من وقعة أليس نهض فأتى أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها، وتفرقوا في السواد، فأمر خالد رضي الله عنه بهدمها وهدم كل شيء كان في حيزها، وكان فرات بادقلى ينتهي إليها
وكانت أليس من مسالحها فأصابوا فيها ما لم يصيبوا قط قبله مثله، بلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة سوى الأنفال التي نفلها أهل البلاء، ولما بلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه قال: يا معشر قريش عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراديله، أعجز النساء أن ينفسوا بمثل خالد.
أنقرة
موضع في بلاد الروم من أرض الشام به مات امرؤ القيس بن حجر منصرفه من قيصر وكان توجه إليه ليستنصره على بني أسد قاتلي أبيه، فلما أوغل في بلاد الروم وصاحبه وهو الذي قال فيه:
بكى صاحبي لما رأى الحرب دونه ... وهو عمرو بن قميئة، فلما وصل إلى قيصر قرب مجلسه وأدناه وكان جميل الوجه، وكانت لقيصر بنت جميلة فرأته فراسلته وفيها يقول:
فقالت سباك الله إنك فاضحي ... فكساه قيصر حلة مسمومة فلما لبسها سقط بدنه حتى كان يحمل في محفة، ثم نزل إلى جنب جبل وإلى ناحية منه قبر فسأل عنه فقيل هو قبر ابنة لقيصر ملك الروم، قال: فما جاء بها إلى هاهنا؟ فقيل له: إنها ترهبت في دير لها فماتت بحيث يرى الملك ذلك، فقال:
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فإن تصلينا فالمودة بيننا ... وإن تهجرينا فالغريب غريب
أجارتنا ما فات ليس بآيب ... وما هو آت في الزمان قريب
وليس غريبا من تناءت دياره ... ولكن من زار التراب غريب فلما أيقن بالموت قال: كم طعنة مثعنجرة وخطبة مسحنفرة
__________
(1) معجم ما استعجم 1: 192.
(2) ص: أموني، ولعلها ((آمويه)) عند ياقوت، وهي آمل جيحون.
(3) ع: بالحسب.
(4) الطبري 1: 2036.

(1/31)


وجفنة مدعثرة، قد غودرت بأنقرة.
مثعنجرة: منصبة، ومدعثرة: منكسرة.
قال المأمون (1) : مررت بأنقرة فرأيت صورة امرئ القيس فإذا هو رجل مكلثم الوجه، يريد مستدير الوجه وكانت الروم اتخذت صورة امرئ القيس بأنقرة كما يفعلون بمن يعظمونه. وبظهر الكوفة موضع آخر يقال له أنقرة أسفل من الخورنق وفي قصيدة الأسود بن يعفر:
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد ولما حاصر المعتصم عمورية وفتحها سنة ثلاث وعشرين ومائتين وقتل بها مقتلة عظيمة وسبى سبيا كثيرا وخرب ما مر به من قراها خرب في غزوته تلك أنقرة.
أنطابلس
هي برقة فانظرها في حرف الباء إن شاء الله تعالى.
أندرين (2)
قرية بالشام، وقيل بالجزيرة وهي المذكورة في قول الشاعر في مطلع قصيدة (3) :
ألبرق لائح من أندرين ... شرقت عيناك بالماء المعين
الأنصاريين (4)
بإفريقية، من الأربس إلى مدينة الأنصاريين مسيرة يوم، تنسب إلى قوم نزلوها من الأنصار من ولد جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، وهي طيبة الأرض كثيرة الزرع (5) ، وحنطتها أجل حنطة بإفريقية.
انجيمي (6)
مدينة صغيرة جدا من كاكم بينها وبين مانان ثمانية أيام، وأهلها قليل وهم في أنفسهم أذلاء، وهم يجاورون النوبة من جهة الشرق، وبين أنجيمي والنيل ثلاثة أيام في جهة الجنوب وشرب أهلها من الآبار.
الأندلس (7)
هذه الجزيرة في آخر الإقليم الرابع إلى المغرب، هذا قول الرازي، وقال صاعد بن أحمد في تأليفه في طبقات الحكماء (8) : معظم الأندلس في الإقليم الخامس وجانب منها في الرابع، كاشبيلية ومالقة وقرطبة وغرناطة والمرية ومرسية. واسم الأندلس في اللغة اليونانية اشبانيا والأندلس بقعة كريمة طيبة التربة كثيرة الفواكه، والخيرات فيها دائمة وبها المدن الكثيرة والقواعد العظيمة وفيها معادن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد والزئبق واللازورد والشب والتوتيا والزاج والطفل.
والأندلس آخر المعمور في المغرب لأنها متصلة ببحر أقيانس الأعظم الذي لا عمارة وراءه. ويقال إن أول من اختط الأندلس بنو طوبال بن يافث بن نوح سكنوا الأندلس في أول الزمان، وملوكهم مائة وخمسون ملكا. ويقال إن الأندلس خربت وأقفرت وانجلى عنها أهلها لمحل أصابهم فبقيت خالية مائة سنة، ثم وقع ببلاد إفريقية محل شديد ومجاعة عظيمة فرقت أهلها، فلما رأى ملك إفريقية ما وقع ببلده اتخذ مراكب شحنها بالرجال وقدم عليهم رجلا من إفريقية ووجههم، فرمى بهم البحر إلى حائط إفرنجة وهو يومئذ مجوس، فوجههم صاحب إفرنجة إلى الأندلس.
وقيل اسمها في القديم ابارية ثم سميت بعد ذلك باطقة ثم سميت اشبانية من اسم رجل ملكها في القديم كان اسمه اشبان، وقيل سميت بالاشبان سكنوها في الأول من الزمان وسميت بعد ذلك بالأندلس من أسماء الأندليش الذين سكنوها.
وسميت جزيرة الأندلس جزيرة لأنها شكل مثلث وتضيق من ناحية شرق الأندلس حتى يكون بين البحر الشامي والبحر المظلم المحيط بالأندلس خمسة أيام ورأسه العريض نحو من سبعة عشر يوما، وهذا الرأس هو في أقصى المغرب في نهاية انتهاء المعمور من الأرض محصور في البحر المظلم، ولا يعلم أحد ما خلف هذا البحر المظلم ولا وقف منه بشر على خبر صحيح لصعوبة عبوره وإظلامه وتعاظم موجه وكثرة أهواله وتسلط دوابه وهيجان رياحه حسبما يرد ذلك في موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى.
وبلد الأندلس مثلث الشكل كما قلناه ويحيط بها البحر
__________
(1) معجم ما استعجم 1: 204.
(2) معجم ما استعجم 1: 198.
(3) هذا الشاعر هو ابن مقانا الأشبوني، أنظر المغرب 1: 413 وفيها يمدح إدريس بن يحيى الحمودي.
(4) البكري: 46.
(5) البكري: الربع.
(6) الإدريسي (د/ب): 12/ 13 وفي الأصل: أنجيني.
(7) بروفنسال: 1 - 10، والترجمة: 1، والبكري (ح): 57.
(8) طبقات صاعد: 63.

(1/32)


من جميع جهاتها الثلاث، فجنوبها يحيط به البحر الشامي وجوفيها يحيط به البحر المظلم وشمالها يحيط به بحر صنف (1) من الروم. وطول الأندلس من كنيسة الغراب التي على البحر المظلم إلى الجبل المسمى هيكل الزهرة ألف ميل ومائة ميل وعرضها ستمائة ميل.
والأندلس أقاليم عدة ورساتيق جملة وفي كل إقليم منها عدة مدن، والركن الواحد من أركانها الثلاثة هو الموضع الذي فيه صنم قادس بين المغرب والقبلة، والركن الثاني شرقي الأندلس بين مدينة نربونة (2) ومدينة برذيل بازاء جزيرتي ميورقة ومنورقة، والركن الثالث حيث ينعطف البحر من الجوف إلى الغرب حيث المنارة في الجبل الموفي على البحر وفيه الصنم العالي المشبه بصنم قادس وهو في البلد الطالع على بلد برطانية.
والأندلس شامية في طيبها وهوائها يمانية في اعتدالها واستوائها هندية في عطرها وذكائها أهوازية في عظم جناتها صينية في جواهر معادنها عدنية في منافع سواحلها. وفيها آثار عظيمة لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة، وكان من ملوكهم الذين أثروا الآثار بالأندلس هرقلش (3) وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جليقية والأثر في مدينة طركونه الذي لا نظير له. وفي غربي شنترين على مقدار خمسين ميلا فيما بين الأشبونة وشنترة في جبل هناك كان حصنا فيما مضى يوجد الحجر المعروف بالحجر اليهودي، وهو على شكل البلوط سواء ومن خاصيته تفتيت الحصا التي تكون في المثانة والكلية ويقع في الأكحال وفي جوفي بطليوس على قدر أربعين ميلا معدن المها.
والأندلس دار جهاد وموطن رباط قد أحاط بشرقيها وشمالها وبعض غربها أصناف أهل الكفر، وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه كتب إلى من انتدب إلى غزو الأندلس: أما بعد، فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن فتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام. وعن كعب الحبر أنه قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة. ودخل الأندلس رجل واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قال عبد الملك بن حبيب: اسمه المنيذر الإفريقي وإنه يروي عنه عليه السلام أنه قال: " من قال رضيت بالله ربا إلى آخرها فأنا الزعيم لآخذن بيده فأدخله الجنة " ، ودخلها من التابعين حنش بن عبد الله الصنعاني وهو الذي أسس جامع سرقسطة وكان مع علي رضي الله عنه بالكوفة، فلما قتل علي رضي الله عنه انتقل إلى مصر، وقبره بسرقسطة معروف، ومنهم علي بن رباح اللخمي وعمرو بن العاصي وعلقمة بن عامر وأبو عبد الرحمن عبد الله بن زيد الحبلي الأنصاري، وعياض بن عقبة الفهري وموسى بن نصير، يقال بكري ويقال لخمي، ويقال إن نصيرا من سبي عين التمر أعتقه صبيح مولى أبي العاص بن أمية، يقال أصابه خالد في علوج عين التمر وادعوا أنهم من بكر بن وائل فصار نصير وصيفا لعبد العزيز بن مروان وأعتقه فمن أجل هذا يختلف فيه، وعقد الوليد لموسى على إفريقية سنة ثلاث وثمانين وكان مولد موسى سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه وكان معاوية رضي الله عنه قد جعل نصيرا أبا موسى على حرسه فلم يقاتل معه عليا رصي الله عنه، فقال له معاوية رضي الله عنه: ما منعك من الخروج على علي رضي الله عنه ولم تكاف يدي عليك، قال: لم يمكن أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري منك، قال: ومن هو؟ قال: الله عز وجل.
ومسافة ما يملكه المسلمون من الأندلس ثلاثمائة فرسخ طولا في ثمانين فرسخا عرضا والذي يملك منها النصارى مثل ما يملك المسلمون أو أشف. ثم حدث فيها من تغلب الثوار ما أضاع ثغورهم وأذهب أكثر بلادهم ولم يبق من تلك إلا الأقل، وبها الجبال المشهورة والحمامات الكثيرة.
قال الرازي: أول من سكن الأندلس بعد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قوم يعرفون بالأندلش بالشين معجمة بهم سمي البلد ثم عرب، وكانوا أهل تمجس فحبس الله تعالى عنهم المطر حتى غارت عيونها ويبست أنهارها فهلك أكثرهم وفر من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الأندلس وبقيت خالية مائة عام وملكهم أشبان بن طيطش وهو الذي غزا الأفارقة وحصر ملكهم بطالقة (1) ، ونقل رخامها إلى اشبيلية وبه سميت فاتحذها دار مملكة وكثرت جموعه فعلا في الأرض وغزا من اشبيلية ايليا بعد سنتين من ملكه، خرج إليها في السفن وهدمها وقتل من اليهود مائة ألف واسترق مائة ألف وفرق في البلاد مائة ألف، وانتقل رخام ايليا وآلاتها إلى الأندلس، والغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس
__________
(1) بروفنسال: بحر الانقليشيين، ص ع: ضيق.
(2) في الأصل: قرمونة.
(3) في الأصل: هرقاش.
(1) بروفنسال: بحر الانقليشيين، ص ع: ضيق.

(1/33)


كمائدة سليمان التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة، وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرهما من الذخائر كانت مما حازه صاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر.
وذكروا أن الخضر وقف بأشبان هذا وهو يحرث الأرض بفدن له أيام حداثته، فقال له: يا أشبان إنك لذو شان وسوف يحظيك زمان ويعليك سلطان فإذا أنت تغلبت على ايليا فارفق بورثة الأنبياء. فقال له أشبان: أساخر رحمك الله أنى يكون هذا وأنا ضعيف مهين فقير حقير، فقال: قدر ذلك لك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه، فنظر أشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت فريع لما رأى، وذهب الخضر عنه وقد قر ذلك الكلام في نفسه والثقة بكونه، فترك الامتهان وداخل الناس وصحب أجل الناس، وسما به جده فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيما، وكان ملكه عشرين سنة، واتصلت مملكة الأشبان بعده إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكا، ثم دخل عليهم من حجر رومة أمة أخرى تعرف بالشبونقات وذلك زمان مبعث المسيح عليه السلام، فملكوا الأندلس وإفرنجة معها واتخذوا دار مملكتهم مدينة ماردة واتصلت مملكتهم إلى أن ملك منهم أربعة وعشرون ملكا، ويقال إن منهم كان ذو القرنين. ثم دخل على هؤلاء الشبونقات أمة القوط فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من يومئذ عن صاحب رومة وانفردوا بسلطانهم واتخذوا مدينة طليطلة دار سلطانهم، وخنشوش (1) ملك القوط هو أول من تنصر من هؤلاء فدعا الحواريين ودعا قومه إلى النصرانية وكان أعدل ملوكهم وأحسنهم سيرة، وهو الذي أصل النصرانية، والانجيلات والمصاحف الأربعة من انتساخه وجمعه وتثقيفه، فتنافست ملوك القوط بالأندلس بعده حتى غلبهم عليها العرب، وعدد من ملك منهم إلى آخرهم وهو لذريق ستة وثلاثون ملكا، ولذريق لم يكن من أبناء الملوك ولا بصحيح النسب في القوط وإنما نال الملك من طريق الغصب والتسور، ولما مات غيطشة الملك وكان أثيرا لديه فاستصغر أولاده واستمال طائفة من الرجال مالوا معه، فانتزع الملك من ولد غيطشة، وغيطشة آخر ملوك القوط بالأندلس ولي سنة سبع وسبعين من الهجرة فملك خمس عشرة سنة.
وكانت طليطلة دار المملكة بالأندلس حينئذ وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح، يلزمه من ثقات القوط قوم قد وكلوا به لئلا يفتح قد عهد الأول في ذلك إلى الآخر كلما ملك منهم ملك زاد على البيت قفلا فلما ولي لذريق عزم على فتح الباب والاطلاع على ما في البيت، فأعظم ذلك أكابرهم وتضرعوا إليه في الكف فأبى وظن أنه بيت مال، ففض الأقفال عنه ودخله فأصابه فارغا لاشيء فيه إلا تابوتا عليه قفل، فأمر بفتحه فألفاه أيضا فارغا لا شيء فيه إلا شقة مدرجة قد صورت فيها صور العرب على الخيول وعليهم العمائم متقلدي السيوف متنكبي القسي رافعي الرايات على الرماح، وفي أعلاها كتابة بالعجمية فقرئت فإذا هي: إذا كسرت هذه الأقفال عن هذا البيت وفتح هذا التابوت فظهر ما فيه من هذه الصور فإن الأمة المصورة فيه تغلب على الأندلس وتملكها، فوجم لذريق وعظم غمه وغم العجم وأمر برد الأقفال وإقرار الحراس على حالهم.
وكان من سير الأعاجم بالأندلس أن يبعث أكابرهم بأولادهم إلى بساط الملك ليتأدبوا بأدبه وينالوا من كرامته، حتى إذا بلغوا أنكح بعضهم بعضا استئلافا لآبائهم وحمل صدقاتهم وتولى تجهيز إناثهم، فاتفق أن فعل ذلك يليان عامل لذريق على سبتة، وجه ابنة له بارعة الجمال تكرم عليه، فوقعت عين لذريق عليها فأعجبته فاستكرهها على نفسها، واحتالت حتى أعلمت أباها بذلك سرا بمكاتبة خفية، فأحفظه شأنها وقال: ودين المسيح لأزيلن سلطانه، فكان امتعاضه من فاحشة بنته السبب في فتح الأندلس للذي سبق من قدر الله سبحانه ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبتة في أصعب الأوقات في شهر ينير، وأقبل حتى احتل بطليطلة حضرة لذريق، فأنكر عليه مجيئه في ذلك الوقت، وسأله عن السبب في ذلك، فذكر له أن زوجته اشتد شوقها إلى ابنتها التي عنده وتمنت لقاءها قبل الموت وألحت عليه في إحضارها وأحب إسعافها بها، وسأل الملك إخراجها إليه وتعجل إطلاقه للمبادرة بها ففعل، وأجاز الجارية وتوثق منها بالكتمان عليه وأفضل على أبيها، فانقلبت عليه.
وذكر أنه لما دخل عليه قال له لذريق: إذا أنت قدمت علينا فاستفره لنا من الشذانقات، فقال له: أيها الملك، والمسيح لأدخلن عليك شذانقات ما دخل عليك بمثلها قط يعرض له بما أضمر من السعي في إدخال رجال العرب الأندلس عليه وهو لا يفطن فلم يتنهنه يليان إذ وصل سبتة أن تهيأ للمسير نحو موسى بن نصير، فأتاه بإفريقية، فحرضه على غزو الأندلس،
__________
(1) كذا، وعند بروفنسال: ودخشوش.

(1/34)


ووصف له حسنها وفوائدها وفضلها وهون عليه حال رجالها، فعاقده موسى على الانحراف إلى المسلمين وسامه مكاشفة أهل ملته من أهل الأندلس، ففعل يليان ذلك وحل بساحل الجزيرة الخضراء فقتل وسبى وغنم وأقام بها أياما يشن الغارات، وشاع الخبر عند المسلمين، فآنسوا بيليان، وذلك عقب سنة تسعين.
وكتب موسى إلى الوليد يعلمه بما دعاه إليه ليليان ويستأذنه في افتتاح الأندلس، فكتب إليه الوليد أن خضها بالسرايا حتى تختبر شأنها ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال، فراجعه أنه ليس ببحر وإنما هو خليج يتبين للناظر ما وراءه، فكتب إليه: وإن كان فلا بد من اختباره بالسرايا فبعث موسى عند ذلك رجلا من مواليه من البربر اسمه طريف بن مالك المعافري يكنى أبا زرعة، في أربعمائة رجل يغير بهم، ونزل في الجزيرة المنسوبة إليه ثم أغار على الجزيرة الخضراء ونواحيها، فأصاب شيئا لم ير موسى وأصحابه مثله حسنا وأصاب مالا جسيما وأمتعة، وذلك في شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين. فلما رأى ذلك الناس تسرعوا إلى الدخول، فدعا موسى مولى له كان على مقدماته يسمى طارق بن زياد، قيل هو فارسي وقيل هو من الصدف وقيل ليس بمولى وقيل هو بربري من نفزة، فعقد له وبعثه في سبعة آلاف من البربر (1) والموالي ليس فيهم عربي إلا القليل، فهيأ له يليان المراكب وحل بجبل طارق يوم سبت في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وهو من شهور العجم شهر أغشت، وقيل في رجب من السنة، في اثني عشر ألفا غير ستة عشر رجلا لم يكن فيهم من العرب إلا قليل (2) .
وأصاب طارق عجوزا من أهل الجزيرة قالت: إنه كان لي زوج عالم بالحدثان وكان يحدث عن أمير يدخل بلدنا هذا ويصفه ضخم الهامة، وأنت كذلك، ومنها أن بكتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت بك هذه الشامة فأنت هو، فكشف طارق ثوبه فإذا بالشامة على كتفه كما ذكرت العجوز، فاستبشر بذلك هو ومن معه. وذكر عن طارق أنه كان نائما في المركب فرأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، وفي حكاية أنه لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا طارق تقدم لشأنك " ، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدامه، فهب من نومه مستبشرا وبشر أصحابه ولم يشك في الظفر، فنزل بالجبل شانا الغارات في البسائط ولذريق يومئذ غائب في غزاة له واتصل به الخبر فعظم عليه أمره وفهم الخبر الذي منه أتي مع يليان، وأقبل مبادرا في جموعه حتى احتل بقرطبة أياما والجنود تتوافى عليه، وكان لحينه ولى ششبوت بن الملك غيطشة ميمنته وأخاه ميسرته وهما موتوران قد سلبهما ملك أبيهما، فبعثا إلى طارق يسألانه الأمان إذا مالا إليه عند اللقاء بمن معهما وعلى أن يسلم إليهما ضياع والدهما غيطشة إن ظفر، فأجابهما طارق إلى ذلك، وعاقدهما عليه فلما التقى الجمعان انحاز هذان الغلامان إلى طارق فكان ذلك سبب الفتح، وكان الطاغية لذريق في ستمائة ألف فارس.
وقد خرجت عن حكم الاختصار الذي التزمت في هذا الوضع فلنقتصر على هذا القدر، وأما ذكر بلاد الأندلس فتأتي في مواضعها اللائقة بها إن شاء الله تعالى.
وافتتحت الأندلس في أيام الوليد بن عبد الملك فكان فتحها من أعظم الفتوح الذاهبة بالصيت في ظهور الملة الحنيفية، وكان عمر بن عبد العزيز معتنيا بها متهمما بشأنها وهو الذي قطعها عن نظر والي إفريقية وجرد لها عاملا من قبله.
ايذج (3)
مدينة من عمل خوزستان بينها وبين العسكر في جهة المشرق أربع مراحل، وهي مدينة عجيبة فرجة البقعة بسيطة المكان متاخمة للجبل المتصل بأصبهان وبها متاجر وصنائع وأموال وأسواق نافقة بما جلب إليها.
انكال (4)
قرية انكال بأرض المغرب بقرب وادي أم ربيع ويقال لها دار المرابطين وبها عين ماء، وهي حسنة في موضعها كثيرة الزرع والمواشي والإبل والبقر والغنم، وبها فحص طويل قد انحشرت إليه طيور النعام فهي في أكنافه سارحة وهي آلاف لا تحد وأهل تلك النواحي يصيدونها طردا بالخيل فيأخذون منها جملا كثيرة صغارا وكبارا، وأما بيضها الموجود في الفحص فلا يحاط به كثرة ومنه يحمل إلى كثير من البلاد وطعامها وخيم يفسد المعدة
__________
(1) في الأصل: الأوس.
(2) كذا بتكرار واختلاف، فقد ذكر قبل قليل أن عددهم كان سبعة آلاف.
(3) في ص ع: أندخ، أند خ؛ ووضعها في باب الهمزة والنون يعد وهما من المؤلف، وانظر ايذج في ياقوت.
(4) الإدريسي (د/ ب) 71/ 47، وفيهما: آنفال - بالمد والقاف - .

(1/35)


ولحومها حارة يابسة وشحومها نافعة عندهم من الصمم تقطيرا ومن سائر الأوجاع البدنية.
الأنبار (1)
بفتح الهمزة، في العراق بينها وبين بغداد ثلاثة عشر فرسخا، وهي مدينة صغيرة متحضرة لها سوق وفيها قلعة وفواكه كثيرة وهي على رأس نهر عيسى، وكان فيما سلف قبل الإسلام لا تصل مياه الفرات إلى دجلة وإنما كان مغيضها في البطاح دون أن يتصل شيء منها بدجلة، فلما جاء الإسلام احتفر نهر عيسى حتى وصل به إلى بغداد، وهو الآن نهر كبير تجري فيه السفن إلى بغداد.
والأنبار حد بابل، وسميت بهذا تشبيها لها ببيت التاجر الذي ينضد فيه متاعه وهي الأنبار، وقيل الأنبار بالفارسية الأهراء لأن أهراء الملك كانت فيها ومنها كان يرزق رجاله، وقال في تحديد العراق: هو ما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وعين التمر.
وفيها بويع بالخلافة لأبي جعفر المنصور يوم مات السفاح أخوه، وهي ذات العيون. وأتاها (2) خالد بن الوليد رضي الله عنه في تعبئته التي خرج فيها من الحيرة على مقدمته الأقرع بن حابس، فلما نزل الأقرع المنزل الذي يسلمه إلى الأنبار نتج قوم من المسلمين إبلهم فلم يستطيعوا العرجة ولم يجدوا بدا من الإقدام ومعهم بنات مخاض تتبعهم، فلما نودي بالرحيل صروا الأمهات واحتقبوا المنتوجات لأنها لم تطق السير فانتهوا ركبانا إلى الأنبار وقد تحصن أهلها وخندقوا عليهم فأشرفوا على حصنهم وعلى الجنود التي قبلهم شيرازاذ صاحب ساباط وكان أعقل أعجمي يومئذ وأسوده فتصايح عرب الأنبار وقالوا: صبح الأنبار شر جمل يحمل جميله وجمل يسير به عود، فقال شيرازاذ وقد سأل عما يقولون فأخبر به: أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم والله لئن لم يكن خالد مجتازا لأصالحنه. فبينما هم كذلك قدم خالد على المقدمة وأطاف بالخندق وأنشب القتال وكان قليل الصبر عنه إذا رآه وسمع به وتقدم إلى رماته فأوصاهم وقال: إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها، فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا ففقئت ألف عين يومئذ فسميت تلك الوقعة ذات العيون، وتصايح القوم: ذهبت عيون أهل الأنبار، فراسل شيرازاذ خالدا في الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله، وأتى خالد أضيق مكان في الخندق فنحر رذايا الجيش ثم رمى بها فأفعمه، ثم اقتحموا الخندق والرذايا جسورهم، فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق وأرز القوم إلى حصنهم، وأرسل شيرازاذ في الصلح على مراد خالد، فقبل منه على أن يخليه ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ليس معهم من المتاع والمال شيء، فخرج شيرازاذ، فلما قدم على بهمن جاذويه وأخبره الخبر، لامه، فقال له شيرازاذ: إني كنت في قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم وقل ما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم، ثم قاتلهم الجند ففقؤوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين، فعرفت أن المسالمة أسلم وأن قرة العين لهم وأن العيون لا تقر منهم بشيء.
وفي خبر البلاذري (3) : لما سار خالد رضي الله عنه إلى الأنبار تحصن أهلها ثم أتاه من دله على سوق بغداد وهو السوق العتيق وكان عند الصراة، فبعث خالد رضي الله عنه المثنى بن حارثة فأغار عليه، فملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء وما خف حمله من المتاع، فلما رأى أهل الأنبار ما نزل بهم صالحوا خالدا رضي الله عنه على شيء رضي به فأقرهم.
ويقال إن صلح الأنبار كان في خلافة عمر رضي الله عنه على يدي جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه على أربعمائة ألف عباءة قطوانية في كل سنة، ويقال على ثمانين ألفا والله أعلم.
و بعدها افتتح خالد رضي الله عنه عين التمر.
والأنبار من المنازل التي عمرت على سالف الأزمان، ولما (4) اطمأن خالد رضي الله عنه بالأنبار والمسلمون وأمن أهل الأنبار وظهروا رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب نزلنا على قوم من العرب قبلنا كانت أوائلهم نزلوها أيام بخت نصر حين أباح العرب فلم نزل عنها.
قال الأصمعي: سئلت قريش: من أين لكم الكتابة قالوا: من الحيرة، وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتابة قالوا: من الأنبار، وقيل للأنبار: من أين تعلمتم الكتابة قالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشدوا قول الشاعر:
__________
(1) نزهة المشتاق: 198.
(2) الطبري 1: 2059.
(3) فتوح البلدان: 301.
(4) عاد غلى النقل عن الطبري 1: 2061.

(1/36)


قومي إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعا والخط والقلم ثم إن أهل الأنبار نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدول.
وحكى المبرد في كامله (1) أن خيلا لمعاوية رضي الله عنه وردت الأنبار وقتلوا عاملا لعلي رضي الله عنه يقال له حسان بن حسان، فخرج علي رضي الله عنه مغضبا يجر رداءه فرقي رباوة من الأرض، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال الخطبة بطولها وهي في أول الكامل.
ومن أهل الأنبار أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الحسن الأنباري (2) ، قال أبو علي البغدادي: كان يحفظ فيما ذ كر ثلثمائة ألف بيت شاهد في القرآن، وله أوضاع شتى كثيرة، ولم يكن له عيال، وكان ثقة دينا صدوقا، وكان ذا يسار وحال وافرة وكان شحيحا مسيكا ما أكل له أحد قط شيئا، ووقف عليه يوما بمدينة المنصور أبو يوسف المعروف بالاقسامي فقال له: يا أبا بكر قد أجمع أهل بغداد على شيء فأعطني درهما حتى أخرق الإجماع، قال: وما هذا الإجماع يا أبا يوسف؟ قال: أجمع أهل البلد على أنك بخيل، فضحك ولم يعطه شيئا. قالوا: وكان أحفظ من تقدم من الكوفية، توفى سنة سبع وعشرين وثلثمائة بيوم الأضحى.
وقال البلاذري (3) : لما سار خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الأنبار فحاصر أهلها فتركهم أتاه من دله على سوق بغداد، وهي السوق العتيقة عند قرن الصراة وكانت سوقا عظيمة ليس في شيء من النواحي مثلها، فبعث خالد رضي الله عنه المثنى بن حارثة فأغار عليها. ويقال: أتاها خالد رضي الله عنه بنفسه فأغار عليها فملأ المسلمون أيديهم ولم يأخذوا إلا الصفراء والبيضاء وما خف محمله من متاع، ثم بات المسلمون بالسيلحين فعرض لهم أسدان فقتلوهما بعد أن عقرا رجلا منهم ومشوا من الغد متوجهين نحو الأنبار، فلما وصلوا حصروا أهلها وحرقوا في نواحيها، فصالحوا أهلها على الجلاء ثم أعطوه ما رضي به منهم فأقرهم، وأتى خالدا رضي الله عنه رجل فدله على سوق تجتمع فيه قضاعة وبكر بن وائل وغيرهم فويق الأنبار فوجه إليها المثنى بن حارثة فأغار عليها فأصاب ما في السوق وقتل وسبى.
الإنبار
بكسر الهمزة (4) مدينة بجوزجان من عمل خراسان وهي من أكبر من مرو الروذ ولها مياه وكروم وخصب ومساكن وبناؤها بالطين، منها علي بن عيسى الأنباري، من حديثه عن عبد الله قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الولد، فأمره بأكل البصل. وبإنبار يقم أميرها في الشتاء ويصيف بالجوزجان من العمل المذكور.
انباره (5)
بلد بقرب غانة من بلاد السودان ملكها معاند لأهل غانة، وهي مدينة كبيرة ولأهلها بأس شديد في الحروب، وبينها وبين مدينة كوغة تسعة أيام.
انبذوشة (6)
جزيرة في البحر بينها وبين أقرب بر من إفريقية حيث قبودية مجريان، وبها مرسى مأمون يكن من كل ريح ويحمل الأساطيل الكثيرة، وليس فيها شيء من الثمار ولا من الحيوان، وهي جزيرة خالية من العامر، ومكمن للعدو، وسافر من تونس سفين إلى الإسكندرية فلما لجج في البحر وقارب هذه الجزيرة اختل بعض ألواحه وعمل الماء وخاف الغرق فلجأوا إلى هذه الجزيرة ونزلوها وبلغ الأمير الأجل أبا زكريا ملك إفريقية خبرهم فبعث إليهم واستنقذهم وكانوا أشرفوا على الهلاك، وفي ذلك يقول أبو عمرو عثمان بن عتيق، ابن عربية (7) ...
انكمرده (8)
مدينة من أرض الهند أو الصين من دخلها من المسافرين استوطنها ولم يرد الخروج منها لطيب ثراها وكثرة
__________
(1) الكامل 1: 19.
(2) ابن خلكان 4: 341 ونور القبس: 345 وإنباه الرواة 3: 201.
(3) قد تكرر بعضه في هذه المادة نفسها، وفي اضطراب ونقل عن غير البلاذري.
(4) ضبطها ياقوت بفتح الهمزة.
(5) البكري: 179.
(6) البكري: 85 انبدوشت؛ وفي الإدريسي (م): 19 لنبذوشة.
(7) كان ابن عربية من شعراء المهدية وعلمائها حافظا للحديث، توفي سنة 659 (وأنظر له ارجمة مسهبة في رحلة التجاني 375 - 380) ولم يرد الشعر في الأصل.
(8) كذا ورد هذا الاسم، وعند ابن خرداذبه (70، 170): ألشيلا، مع اختلاف في صور الاسم في النسخ، والنص مأخوذ عن نزهة المشتاق: 33، والاسم هناك أنكره، قال: وهي مدينة في ((السيلا)) - بالسين المهملة - .

(1/37)


خيرها، والذهب بها كثير جدا حتى أن أهلها يتخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب وفي جزائر الواق واق مثل ذلك، والتجار يرحلون إليها ويسبكون الذهب فيها ويخرجونه من هناك مسبوكا.
أندراب (1)
مدينة من عمل بلخ ينسب إليها الحسن بن أحمد الأندرابي، من حديثه عن الزهري أنه قال: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضي فم يرض فهو شيطان.
انطاكية (2)
بتخفيف الياء، مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر، قالوا: وكل شيء عند العرب من قبل الشام فهو انطاكية، ويقال ليس في أرض الإسلام ولا أرض الروم مثلها. وهي مدينة حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلا وخارجا بناها بطليموس بن هيفلوس الثاني من ملوك اليونانيين، وقيل نسبت إلى الذي بناها انطيخين ولما عربت غيرت صورتها (3) ، وهي إحدى عجائب العالم مسافة سورها اثنا عشر ميلا وعدد شرفاتها أربعة وعشرون ألفا وأبراجها مائة وستة وثلاثون، أسكن كل برج منها بطريقا برجاله وخيله، فمرابط الخيل في أسفله وأعلاه طبقات وطاقات للرجال، كل برج منها كالحصن عليه أبواب الحديد، وأنبط فيها عيونا وأجرى الماء في شوارعها، وماؤها يستحجر فيه الثفن في مجاريه فلا يؤثر فيه الحديد ولا يكسره، وهذا الماء يحدث في الأجواف الريح القولنجية.
وقد أراد الرشيد (4) سكنى انطاكية فقيل له ما فيها من ترادف الصدإ على سلاحها وزوال (5) ريح الطيب منها، فامتنع من سكناها والنصارى يدعونها مدينة الله ومدينة الملك وأم المدائن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية، وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وشمعان وهو خليفة إيشوع الناصري المرأس على تلامذته الاثني عشر والسبعين وغيرهم.
وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة تغلب العدو على أهل انطاكية، وخيروا أهلها بين المقام على أداء الجزية أو الخروج إلى أرض الشام فرضي بالجزية خلق كثير ولما جاء البشير بذلك نقفور عاقبه وغمه ذلك لأنه كان عنده في علم الحدثان أن الذي تفتح انطاكية في أيامه يهلك سريعا فقتله الله تعالى سنة تسع وخمسين قتل في قصره وعلى سريره عملت على قتله امرأته التي كانت قبله لرومانس على يد ابن الشمشكي فقتلوه ليلا وكان سبب ذلك أن ابنها من رومانس واسمه باسيلي لما أدرك أراد نقفور أن يخصيه ويلزمه الكنيسة العظمى لينفرد هو بالأمر فلما علمت أمه بعزمه على ذلك سعت في قتله فتم لها ذلك وولي ابن الشمشكي ودانت له النصرانية ثم ولي بعده باسيلي المذكور وهو الملقب بالملك الرحيم.
وانطاكية كثيرة المياه متسعة الأسواق والطرقات وبساتينها اثنا عشر ميلا وفي داخل سورها أرحاء وبساتين وخانات وبها أسواق ومبان ويعمل بها من الثياب المصمتة الجياد العتابي والتستري والأصبهاني شيء كثير وبينها وبين أذنة شمالا ثلاث مراحل وعليها سور حجارة وفي داخلها البساتين والمزارع ويقال لها مدينة حبيب النجار وبها الكف التي يقال أنها كف يحيى بن زكريا عليهما السلام في كنيسة هناك وهي قاعدة القياصرة وكان بانطاكية فرعون من الفراعنة فبعث الله تعالى إليهم رسلا وفيهم نزل " واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون " وأسماؤهم صادق وصدوق والثالث شلوم ويقال إنهم من الحواريين ولم يكونوا من الأنبياء والذي جاء يسعى رجل اسمه حبيب بن مري وكان يعمل الحرير فلما قال لهم " يا قوم اتبعوا المرسلين " وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه على دبره فأدخله الله تعالى الجنة حيا يرزق فيها فذلك قوله " يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي " وصلب الكافر لعنه الله المرسلين منكوسين فأهلكهم الله تعالى جميعا فذلك قوله " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " .
ويستحجر الماء في مجاري انطاكية ويتراكم طبقات حتى يمنع الماء من الجريان فلا يعمل الحديد في كسره. ويقال إنها بنيت في اثنتي عشرة سنة وإن النفقة في سورها انتهت مائة وخمسين وقرا من دنانير الذهب ويقال إن يحيى عليه السلام دفن في كنيسة بانطاكية،وإنه قتل في شهر آب.
__________
(1) سقط الاسم من ع وكتب في ص: اندراق، وأنظر الباب (الأندرابي).
(2) نزهة المشتاق: 195، والمروج 2: 282، والبكري (مخ): 58، وصبح الأعشى 4: 129.
(3) ص ع: ولما عرب غير سورها؛ وأنظر التنبيه والإشراف: 116.
(4) ياقوت: ((أنطاكية))، وابن الفقيه: 116.
(5) وزوال: قراءة غير مؤكدة، ويقابلها في المروج: وعدم بقاء... الخ.

(1/38)


وفي سنة ثلاث وتسعين غزا العباس بن الوليد أرض الروم فافتتح انطاكية. ويقال إن انطاكية لا تمر عليها سحابة إلا مطرتها وان ذلك لبقية من رضاض ألواح موسى عليه السلام في غار في جبل من جبالها ورضاض من تابوت السكينة.
وفي سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة غزا نقفور انطاكية فأخذها وأخذ مدينة طرسوس واقريطش فكان من أمره ما قدمناه، وهي الآن في يد الروم. ومن أنطاكية فر هرقل حين انهزمت جموعه وقتلت باليرموك خرج منها حتى أتى الرها ثم منها كان خروجه إلى القسطنطينية، فلما خرج استقبل الشام وقال: السلام عليك يا سورية سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدا، وكان لما جاء المخبر بالهزيمة، وقتل من قتل من عظماء الروم قال المخبر: تلكؤك أخبث وألأم وأكفر، متى تذب عن دين أو تقاتل عن دنيا، ثم قال للشرطة: أنزلوه، فأنزلوه وجاءوه به فقال: ألست كنت أشد الناس علي في أمر محمد نبي العرب حين جاءني كتابه ورسوله وكنت أردت أن أجيبه إلى ما دعا إليه وأدخل في دينه فكنت أنت من أشد الناس علي حتى تركت ما أردت من ذلك فهلا قاتلت الآن قوم محمد وأصحابه دون سلطاني وعلى قدر ما كنت لقيت منك إذ منعتني من الدخول في دينه، اضربوا عنقه، فضربوا عنقه ثم نادى في أصحابه بالرحيل.
وتسير من انطاكية ستة فراسخ في صحراء وجبال فيها مزارع وأشجار البلوط، وعلى يسار الطريق بحيرة يكون مقدارها ستة فراسخ فيها يجتمع ماء انطاكية حتى ينتهي إلى قرية يقال لها بغراس (1) .
انطالية
فرضة بلاد قونية، وفي سنة ثلاث وستمائة وقعت فتنة بين فرنجها ورومها كانت سببا لأن صارت دار إسلام لأن الخبر بلغ غياث الدين كيخسرو فأرسل إليها عسكرا غلبت عليها باشتغال الفريقين بالقتال واستقر الصلح على أن تكون مدينتين بينهما سور، إحداهما للمسلمين والأخرى للنصارى (2) .
أنقلش (3)
بلد الأنقلش وهم جنس من الأتراك نزلوا مصاقبين للصقالبة، وحد مدينتهم في المغرب مدينة بويرة (4) وفي الجوف منهم الروس، وهم قوم ليس لهم معبود دون الله تعالى، وهم يقرون بصاحب السماء وأنه واحد قهار، ويجتنبون أكل لحم الخنزير ويقربون قرابين، فإذا وضع بين يدي أحدهم طعام أجج نارا وأخذ من أفضل خبزه وطعامه فيلقيه في النار ويدعو باسم أحب وزرائه إليه، ويعتقدون أن الدخان يرقى إلى السماء فيكون ذخرا للميت بين يدي الله عز وجل ليفوز بذلك عنده، وهم ناقلة من خراسان، والإسلام هناك فاش وهؤلاء الأتراك يفادون المسلمين واليهود إذا أسروا في جهة من الجهات التي تليهم، ويحسنون قرى الضيفان، وهم على أحوال مرضية إلا في إباحة نسائهم لعبيدهم وأضيافهم وكل من أراد الخلوة بهن، وانهم بذلك في منزلة الكلاب.
انكلاس (5)
هي أكبر بلاد كوار قطرا وأكثرها تجارة وعندهم معادن الشب الخالص المتناهي في الطيب وأهل هذه المدينة يتجولون حتى ينتهوا إلى بلاد وارقلان وسائر أرض المغرب الأقصى، وأهلها يلبسون ثياب الصوف ويربطون على رؤوسهم كرازية ويتلثمون بفواضلها ويسترون أفواههم وهي عادتهم يتوارثونها. وهذا الشب الذي يكون في بلد كوار بالغ في نهاية الجودة وهو كثير الوجود ويتجهز به في كل سنة إلى سائر البلاد بما لا يحصى كثرة ومعادنه لا تنقص كبير نقص، وأهل تلك الناحية يذكرون أنه ينبت نباتا ويزيد في كل حين بمقدار ما يؤخذ منه مع الساعات ولولا ذلك لأفنوا الأرض كلها لكثرة ما يخرج منه ويتجهز به، إلى جميع الأرض.
انقولاية (6)
هو حصن بينه وبين حصن علمريه (7) في آخر ممالك الروم خمسون ميلا وهو في فحص فيه سبعة أجبل في كل جبل حصن يسمى الطلائع، وأهله لا يحرثون ولا يزرعون إلا يسيرا ولا ينتشرون على بعد، إنما معايشهم من أشجار كروم عوالي الحصون. وحصن انقولاية على نهر بينه وبين البحر ثلاثة أيام وبناؤه أحسن بناء وليس يسكنه إلا الرهبان ونفر من اليهود، والمقدم عليهم يسمى البطرباج كبطرباج بيت المقدس ويعظمه النصارى ويوقرونه وينقادون له ولم يزل ملوك القسطنطينية يبعثون بالأموال
__________
(1) ع: نقراسن؛ ص: فقراسن.
(2) أنظر رحلة ابن بطوطة: 284.
(3) البكري (ح): 150 ولم يرد إلا بعض ما أورده المؤلف هنا.
(4) ع: مويرة؛ ص: مويرة.
(5) الإدريسي (د/ ب) 39/ 25، وأنظر أيضا: 26 عن الشب الكواري عامة.
(6) لم اهتد غلى تحقيق هذه المادة.
(7) كذا ورد هذا الاسم.

(1/39)


إلى البطرباج بحصن انقولاية ويعظمونه في كتبهم، واليهود في حصن انقولاية في ذل وصغار عظيم إنما هم أقل من العبيد يشتم المرء منهم ويضرب فلا ينطق بلفظة، والحنطة وجميع الحب الذي يختبز قليل بحصن انقولاية إنما تكثر عندهم الفواكه والأشربة.
أنصنا (1)
مدية في البلاد المصرية قديمة شرقي النيل وهي حسنة البساتين والمتنزهات كثيرة الثمار والفواكه ويقال إن سحرة فرعون كانوا منها، وجلبهم منها يوم الموعد للقاء موسى عليه السلام، ويقال إن التمساح لا يضر بعدوة أنصنا، ويقال إنها مطلسمة وإنها بها بقية من السحر.
وحكى ابن هشام (2) أن مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية منها من حفن من كورة أنصنا.
وأكثرها الآن خراب وكان بها بربى لم يبق منه اليوم إلا بيت واحد كأنه من صخرة واحدة، وقيل إن مرسى أنصنا لا يقربها التمساح والناس منه آمنون هنالك وأكثر ما يكون عدوانا بالشاطئ الذي يقابل أنصنا فإذا صارت التماسيح في حد أنصنا تحولت على ظهرها حتى تجاوز حدها وكذلك تصنع بفسطاط مصر فوق المدينة بعشرة أميال حتى تخرج من حد المدينة بمثل ذلك.
أنطالة
حصن عظيم ومعقل منيع من حصون جزيرة صقلية فيه تحصن محمد بن عباد (3) القائم بأمر المسلمين في جزيرة صقلية، فلما كانت سنة ست عشرة وستمائة عقد الصلح مع الأنبرور طاغية جزيرة صقلية وغيرها على أن يدخل تحت طاعته ويأخذ جميع أمواله وذخائره ويجهزه في قطائع إلى ساحل إفريقية ولا يقتله، وأبت ابنته أن تدخل في هذا الصلح وامتنعت في هذه القلعة وقالت لأبيها: أنا فداك فإن لقيت خيرا اتبعتك وإن كان غير ذلك فلا بد أن أنكي أعداءك وآخذ بثأرك على قدر الاستطاعة. ولما جذفت به القطائع وغابوا عن العيون قال له الموكلون به: إن السلطان قد وفى لك ولم يحنث في يمينه وها نحن قد توجهنا إلى إفريقية وهو لم يقتلك ونحن نغرقك ونريح دين المسيح منك، فالذي صنعت في هذه الجزيرة مثله لا ينسى، ثم غرقوه وعادوا بجميع أمواله إلى الأنبرور وحمدت ابنته رأيها وزادت بصيرة في الامتناع بذلك المعقل المعانق للسحاب، وجعلت تغادي شن الغارات وتراوحها بمن خاف غدر الأنبرور من فرسان المسلمين ورجالهم، ثم أرسلت في سنة تسع عشرة إلى الأنبرور: إني امرأة وقد بليت بمحاربة الرجال ومداراتهم وقد ضقت ذرعا بالأولياء منهم والأعداء وضعفت نفسي ومعي من صناديد الأبطال من لا ينقاد بمرادي فأرحني وأرح نفسك وأهل مملكتك من هذا النصب الدائم بأن توجه لي ثلثمائة من أبطالك الذين لا يهابون ولا ينخدعون لأدخلهم ليلا إلى هذا الحصن ويحتوون عليه فإذا ملكوه ودخلت أنا بعد ذلك في طاعتك لم يكن بعد ذلك شيء يتوقع منه عائد، فأفكر فيما خاطبتك به والله يخير ويختار قال: وكان الأنبرور قد طالت إقامته وإقامة جموعه على حصارها فرأى ذلك غنيمة لا يجب أن يؤخر انتهاز الفرصة فيها، فاختار ذلك العدد وأرضاهم وأنفذهم في الليل ففتحت لهم باب قلعتها وفرقتهم على أبطاله بحيل تمت عليهم، فلما ولى الظلام وتبينت الوجوه ركب الأنبرور إلى جهة الحصن يطلع إلى أعلامه كيف هي على سوره فإذا برؤوس أبطاله معلقة ما بين شرفاته، وأعلام المسلمين منشورة وطبولهم عاملة وكلمتهم عالية، فسقط في يده، ونظر الفرنج إلى ما لم يكن في حسابهم ولا خطر لهم أنه يتم في المنام بالأحلام، قال: فأراد الأنبرور أن يبلغ (4) في هذه القضية غرضه بحيلة تتوجه عليها، فأرسل إليها: أنت قد عشت ولا أبالي من مات من أهل ملتي وقد ظهر لي أن ما في الدنيا امرأة تصلح أن يكون لي منها ولد غيرك فتعالي حتى نتم ذلك، فأنت إن بقيت على ما أنت عليه وحصلت في أيدي الفرنج قطعوك عضوا عضوا، فاختاري لنفسك ما ترينه مصلحة. فأجابت: وصلني كتابك وفهمت حقه وباطله. وأبلغني بعض عيوني الذين لم أزل أبثهم عليك أنك قلت: إن هذا عجب امرأة تمكر بثلثمائة رجل، وليس هذا بعجب وقد أنزل في الكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذكر النساء " إن كيدهن عظيم " فهذا من ذلك، وإنما العجب مني ومنك
__________
(1) نزهة المشتاق، الورقة: 45، والاستبصار: 85.
(2) ابن هشام 1: 7.
(3) أنظر قصة محمد بن عباد في التاريخ المنصوري: 144 ب وما بعدها، وهذا النص الذي أورده المؤلف يحتوي على معلومات لم أعثر عليها عند غيره، وقد أستخرج بروفنسال هذا النص ونشره مترجما بمجلة (Orienete Moderno) 1954 (ص 383 - 388) وأنطالة هي (Entella).
(4) ع: يتبع.

(1/40)


إذ أنا مقيمة في نشزة من الأرض ولا ناصر، وأنت تملك مسيرة نصف شهر ولك الجيوش التي تغص بها الأرض والخزائن والأموال والخواص أصحاب الآراء وقد أثر فيك توقفك وشغلتك عن مهمات أمورك وقدرت عليك أكثر مما قدرت علي وأنكيت فيك أشد من نكايتك في، وها أنا أقطع عليك السلاسل في الحيل، فتكفي حيلتك في أبي ثم حيلتي في أبطالك، ومن الآن فايئس أن أحصل لك في يد وفي جسدي روح ، وأنا مقاتلتك ومكايدتك حتى تفنى ذخائري التي بهذا الحصن ويعجز أهل حمايتي، فإذا انتهيت إلى هذا الحد فعلت ما سيبلغك، قال: فيئس الأنبرور منها وقال ما لهذه إلا المطاولة، فبنى حصنا في مرابطة حصنها وصار جنده يترددون على ذلك الحصن كلما كلت طائفة استجد غيرها إلى أن بلغت الحد الذي وعدت به فسمت نفسها.
انده (1)
مدينة من كور بلنسية.
أنداره (2)
مدينة عظيمة في شرق الأندلس خربت في فتنة البربر.
انمو (3)
هي مدينة الملك بالصين وبينها وبين ساحل البحر الحبشي مسيرة ثلاثة أشهر، وقيل بل مدينة الصين العظمى التي ينزلها ملكهم تسمى جمدان، وهي مذكورة في حرف الجيم، ولما سار الجمهور من ولد عامور على ساحل البحر الحبشي حتى انتهوا إلى أقاصيه من بلاد الصين تفرقوا في تلك الجهات وقطنوا تلك الديار وعمروها ومصروا الأمصار واتخذوا للملك مدينة انمو.
أنيشة (4)
بالشين المعجمة والجيم معا، موضع على مقربة من بلنسية وبالقرب من بنشكلة من أرض الأندلس، وعقبة أنيشة جبل معترض عال على البحر والطريق عليه، ولا بد من السلوك على رأسه وهو صعب جدا. وفيه كانت الوقيعة بين المسلمين من أهل بلنسية وبين النصارى، واستشهد فيها الأديب المحدث العلامة أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي (5) مصنف كتاب الاكتفاء في سير النبي صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء وكانت هذه الوقعة في سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكان خطيبا راوية ناظما ناثرا، ورثاه الكاتب أبو عبد الله بن الأبار القضاعي بقصيدة طويلة أولها:
الما بأشلاء العلى والمكارم ... تقد بأطراف القنا والصوارم أحسن فيها ما شاء، وفيها:
سقى الله أشلاء بسفح أنيشة ... سوافح تزجيها ثقال الغمائم وفيها (6) :
سلام على الدنيا إذا لم يلح بها ... محيا سليمان بن موسى بن سالم ورثاه أيضا الفقيه الكاتب أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزمي فقال من قصيدة:
وأعظم ميت فجعنا به ... حليف الندى الماجد الواهب
وذاك سليمان لا غائب ... إذا الأمر جد ولا لاعب
فلله من حقه جانب ... وللصحب من أنسه جانب
فأي امرئ صار نحو الردى ... كما صمم الصارم القاضب
وأي مناقب ملء الزمان ... يلم بها بعده النادب
فيا نور علم تبدى لنا ... شهاب لناظره ثاقب
(7) ويا طود علم تخف الحلوم ... وهو على حاله راسب
ألا في سبيل هداة السبيل ... مضاؤك حين نبا الهائب
هربت إلى الله في موطن ... على عاره حصل الهارب
وغودرت نهب عفاة الفلا ... فنال الذي شاءه الناهب
إذا كان للدود ميت القبورل ... فللذئب أكرم والناعب
فلقاك ربك رضوانه ... وجادك منه الحيا الساكب
__________
(1) بروفنسال: 31 والترجمة: 39 (Onda).
(2) المصدر نفسه (Ondara).
(3) المروج 1: 297
(4) المصدر السابق: 32 والترجمة: 40 وهي تقابل ما يسمى (El Puig) على بعد 20 كيلومترا شمال بلنسية.
(5) ترجمة في الذيل والتكملة 4: 83 وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
(6) زاد في طبعة بروفنسال بيتا هذا هو:
أضاعهم يوم الخميس حفاظهم ... وكرهم في المأزق المتلاحم (7) بروفنسال: هو سائخا.

(1/41)


وإن الذي نلت من قربه ... لأفضل ما يطلب الطالب
عليك السلام إلى غاية ... من الموت كل لها ذاهب
أندرش (1)
مدينة من أعمال المرية، هي من أنزه البلدان، وفيها يقول أبو الحجاج ابن عتبة الاشبيلي الطبيب الأديب الشاعر وقد مر عليها:
لله أندرش لقد حازت على ... حسن تتيه به على البلدان
النهر منساب سرت خلجانه ... في الروض بين أزاهر الكتان
فكأنما انسابت هناك أراقم ... قد عدن راجعة عن الثعبان
أصيلة (2)
بلد بقرب طنجة ويقال فيه أزيلة بالزاي، وهي مدينة كبيرة قديمة عامرة آهلة كثيرة الخير والخصب، وكان لها مرسى مقصود، وكان سبب خرابها أن المجوس لما خرجوا من البحر الكبير أول ما يلقاهم مدينة أصيلة فينزلون مرساها ويخربون ما قدروا عليه منها فيجتمع البرابر ويحاربونهم فكانوا معهم على ذلك حتى خلت مع ما كان بين أهل تلك البلاد من الفتن.
ويقال إن المجوس قصدوا إليها مرة فاجتمع البرابر لقتالهم فقالوا لهم: ما جئنا لقتال وإنما لنا ببلدكم أموال وكنوز فتنحوا عنا حتى نستخرجها لكم ونشاطركم فيها، فرضي البربر بذلك واعتزلوا عن الموضع الذي ذكروه لهم، فحفر المجوس موضعا من تلك المواضع التي زعموا فوجدوا مطامير من الدخن فاستخرجوه، فلما نظر البربر من بعيد إلى صفرة الدخن ظنوه تبرا فبدروا إليهم ونقضوا عهدهم وهرب المجوس إلى مراكبهم، فلما أصاب البربر الدخن ندموا ورغبوا إلى المجوس أن يرجعوا إلى استخراج المال، قالوا لهم: قد رأينا منكم نقض العهد فلا نأمنكم أبدا.
وأصيلة أول مدن العدوة من جانب الغرب، وهي في سهل من الأرض وحولها رواب لطاف والبحر بغربيها وجوفيها، وكان عليها سور له خمسة أبواب، ولجامعها خمس بلاطات، وإذا ارتج البحر بلغ الموج إلى حائط الجامع، وسوقها حافل يوم الجمعة، وماء آبار المدينة شريب، وبخارجها آبار عذبة، ومرساها مأمون، والمدخل إليها من الشرق، ويستدير بالمرسى من ناحية الجوف جسر من حجارة مخلوقة تطيف على السفن المرساة فيه، وهي مدينة محدثة، وكان سبب بنائها أن المجوس نزلوا مرساها مرتين، أما الأولى، فانهم أتوا وزعموا أن لهم بها أموالا وكنوزا فاجتمع البربر لقتالهم على ما قدمناه، وذلك في أيام الإمام عبد الرحمن بن الحكم وأما خروجهم الثاني فإن الريح قذفتهم في ذلك المرسى منصرفهم من الأندلس وعطبت لهم على باب المرسى من ناحية المغرب مراكب كثيرة، ويعرف ذلك الموضع بباب المجوس إلى اليوم، فاتخذ الناس موضع أصيلة رباطا فأتوه من جميع الأمصار، وكانت تقوم فيه سوق جامعة ثلاث مرات في السنة، وهو وقت اجتماعهم وذلك في شهر رمضان وفي عشر ذي الحجة وفي عاشوراء، وكان الموضع ملكا للواتة فابتنى فيه قوم من كتامة واتخذوه سوقا جامعا وتسامع الناس أمرها من الأندلس وأهل الأمصار فقصدوها في الأوقات المذكورة بضروب السلع، ثم بنوا شيئا بعد شيء فعمرت فقدمها القاسم بن ادريس فملكها وبنى سورها ومصرها وبها قبره، ووليها إبراهيم ابنه ثم حسين بن إبراهيم ثم صار أمرها إلى حسن الحجام منهم ثم استولى عليهم ابن أبي العافية (3) وكان الحجام يستعمل عليها الولاة.
قالوا وتفسير أصيلة جيدة، وبقبلي أصيلة قبائل لواتة وبنو زياد من هوارة وبين القبلة والغرب منها عين تعرف بعين الخشب ثرة، وأصيلة بغربي طنجة (4) .
ومن أصيلة أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (5) أصله من كورة شذونة من بلاد الأندلس وكان جده من مسالمة أهل الذمة ورحل أبوه إبراهيم إلى أصيلة من بلاد العدوة ثم رحل في طلب العلم وجال في الآفاق وأوغل في بلاد المشرق ولقي الرجال، وتفنن في الرأي والحديث، وكان من جلة العلماء وصنف كتبا كثيرة نفاعة، وسمع بخبره أمير المؤمنين الحكم وكان معتنيا بهذا الشأن
__________
(1) بروفنسال: 31 والترجمة: 40 (Andarax).
(2) تكتب أيضا: أصيلا او أريلا، بالألف، والنص بالبكري: 111 والاسبتصار: 139.
(3) في الأصل: ابن أبي القاسم.
(4) غلى هنا ينتهي النقل عن البكري.
(5) الجذوة: 239 (والبغية رقم: 906)، وابن الفرضي 1: 290، وترتيب المدارك 4: 642.

(1/42)


فاستجلبه من العراق فأقبل إلى الأندلس، فلما وصل إلى المرية مات الحكم فانعكس أمله وبقي حائرا، وكان مقلا ثم نهض إلى قرطبة حضرة السلطان ونشر بها علمه، فشرق فقهاؤها بمكانه وبقي مدة مضاعا حتى هم بالانصراف إلى المشرق، ثم علق بحبل محمد بن أبي عامر قيم الدولة الهشامية وكان عرف مكانه في العلم وبعد أثره فيه، فرغب في اصطناعه وأجرى عليه الرزق فنعشه (1) به ثم أخرج أمر السلطان بتقديمه للشورى ثم ولي قضاء سرقسطة، وكان من حفاظ مذهب مالك إلا أنه على مذهب العراقيين من أصحابه، ومن تواليفه " الدلائل على أمهات المسايل " توفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة على أثر موت ابن أبي عامر.
اصبهان
ليست هذه الباء بخالصة ولذلك يكتبها بعض الناس بالفاء وهي مكسورة الأول، سميت بأصبهان بن نوح وهو الذي بناها، وقيل سميت اصبهان لأن اصبه بلسان الفرس البلد وهان الفرس، معناه بلد الفرسان. ولم يكن يحمل لواء الملك منهم إلا أهل اصبهان لنجدتهم وكانوا معروفين بالفروسية والبأس، وهي من بلاد فارس، وهما مدينتان بينهما مقدار ميلين إحداهما تعرف باليهودية وهي أكبرهما، والثانية تعرف شهرستان وفي كل واحد منهما منبر، واليهودية مثلا شهرستان في المساحة، وهما أخصب مدن الجبال وخراسان.
وذكر ابن سعيد أن اصبهان اثنتا عشرة مدينة (2) بعضها قريب من بعض والمتميزة منها بالشهرة جي وشهرستان واليهودية.
وكان الططر قد قاسوا عليها زحوفا لم يقاسوها على غيرها من بلاد الإسلام إلى أن نشأ بين رئيس الشفعوية ورئيس الحنفية فتنة فقتل الشفعوي الحنفي وسما ابن الحنفي لطلب الثأر فسار إلى الططر وضمن لهم أن الحنفية معه، فأرسلوا معه جمعا عظيما فكان ذلك سببا لأن غلبوا عليها فأبقوا على الحنفية وأفنوا الشفعوية وهدموا ديارهم وأحرقوا أملاكهم.
وكور أصبهان ثمانون فرسخا في مثلها وهي بضعة عشر رستاقا، والرستاق الإقليم بلغتهم، وفي كل رستاق ثلاثمائة وستون قرية، وليس بالعراق إلى خراسان بعد الري مدينة أكبر من اصبهان ومنها يرتفع العتابي والوشي وسائر ثياب الابريسم والقطن إلى الآفاق، وبقرب اصبهان معدن الكحل وهو الاثمد مصاقب لفارس، ومن اصبهان يتجهز به إلى كل بلد ومدينة اصبهان أكثر البلاد يهودا، وفي الخبر: يتبع الدجال من مدينة اصبهان أكثر من أربعين ألفا عليهم الطيالسة.
ومن أهل اصبهان داود بن علي بن خلف الأصبهاني (3) قيل كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، وصنف كتابين في فضائله، وإليه انتهت رياسة العلم ببغداد. ومنها أيضا أبو الفرج الأصبهاني صاحب الكتاب الكبير في الأغاني كان عالما حافظا.
وبأصبهان لقي قحطبة أحد أكابر قواد السفاح عامر بن ضبارة فقتله في سنة إحدى وثلاثين ومائة وكان في مائة ألف وخمسين ألفا، وكان قحطبة في اثنين وثلاثين ألفا فبلغت عدد الرؤوس من السبي التي جمعت لقحطبة من أصحابه عشرين ألفا وصار في يديه من ذراريهم عشرون ألفا إلى غير ذلك من الأمور الجليلة.
اصطخر
مدينة من كور فارس ولها نواح، وهي مدينة كبيرة جليلة كثيرة الأرزاق والتجارات بناؤها بالطين والحجارة والجص، وهي أقدم مدن فارس وأشهرها اسما، وكانت دار ملوكها إلى أن ولي ازدشير الملك فنقل ملكهم إلى جور وجعلها دار الملك. ويروى أن سليمان عليه السلام كان يسير من طبرية إليها في غدوة أو عشوة، وبها مسجد يعرف به، وباصطخر قنطرة تسمى قنطرة خراسان وهي قنطرة حسنة، وخارج القنطرة أبنية ومساكن بنيت في عهد الإسلام، ومن اصطخر إلى شيراز ستة وثلاثين ميلا، وهواء اصطخر فاسد وخيم، وبها تفاح يكون نصف التفاحة حلوا صادق الحلاوة والنصف الآخر حامضا صادق الحموضة وفي الأخبار المشهورة التي ينقلها الناس أن سليمان عليه السلام كان يغدو من اصطخر فيتغدى ببيت المقدس ويروح من بيت المقدس فيتعشى باصطخر، وذكر أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه عدونا من اصطخر نقلناه ونحن رائحون فآتون الشام إن شاء الله تعالى.
وكان باصطخر بيت نار معظم والناس يذكرون أنه مسجد
__________
(1) ع ص: فبعثه.
(2) نص قول ابن سعيد (بسط الأرض: 94) وهي 12 محلة كل محلة منها كالمدينة المفردة.
(3) ابن خلكان 2: 255.

(1/43)


سليمان عليه السلام وهو على نحو فراسخ من اصطخر، وهو بنيان عجيب وهيكل عظيم وفي أعلاه صور محكمة من الصخر من الخيل وسائر الحيوان، يحيط بذلك كله سور عليه صور الأشخاص يزعم من جاور هذه المواضع أنها صور الأنبياء، وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار لها هبوب وحفيف يذكر من هناك أن سليمان عليه السلام حبس الريح فيه وأنه كان يتغدى ببعلبك من الشام ويقيل بتدمر ثم يتعشى بهذا المسجد، فقال يوما للريح: تيامني أو تياسري، فسارت إلى أرض فيها قصر أبيض فسارع من كان مع سليمان عليه السلام، فدخلوا القصر فإذا ليس فيه أحد يسألونه عن حال القصر وعن الباني له وإذا على القصر نسر واقع، فقال سليمان عليه السلام للنسر: من بنى هذا القصر؟ فقال النسر: يا نبي الله لا أدري من بناه وأنا عليه مذ ثمانمائة عام، هكذا أصبته، فسارع بعض من كان مع سليمان عليه السلام فكتب على القصر:
غدونا من قرى اصطخ؟ ... ر للقصر فقلناه
فمن يسأل عن القصر ... فمبنيا وجدناه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه ونقل من خط أبي بكر ابن عروة أن سليمان عليه السلام رأى يوما في الصحراء بناء فأمر الريح فأمت به ذلك البناء فإذا قصر مبني من النحاس عليه شرفات وله سبعة أبواب على كل باب سبعة أقفال، فقرأ كتبا على حيطان القصر فوقع على المفاتيح فاحتفر فأخرجها وفتح القصر فإذا عتبة الباب من الذهب الأحمر وعليها كتابة باللازورد: من برجيس رحلنا، وبالقصر قلنا ومن يسأل عن القصر فمبنيا وجدنا فقال: لا إله إلا الله إن هذا لأمر عجب، رحل هؤلاء من برجيس غدوة ولحقتهم القائلة هنا وبين برجيس وهذا الموضع مسافة طويلة. ثم دخل فأصاب فيه مقاصير كثيرة فأقبل يفتح وينظر ما فيها من العجائب، ثم إنه فتح مقصورة فأصاب فيها رجلا مدرجا في أكفانه على سرير من الحديد الصيني طوله أربعون ذراعا ملقى على قمحدوته، فوضع يده على صدره فصار رمادا من طول ما أتى عليه من الأزمنة والدهور، فقال: لا إله إلا الله لكأن هذا الشخص لم يعمر في الدنيا قط، وإذا بحربة من ذهب مركوزة عن يمين السرير، وعن شماله أخرى مكتوب في إحداهما:
إنما الدنيا ساعة ويوم، ... ورقدة بينهما ونوم، ... يعيش قوم ويموت قوم، ... والدهر يمضي ما عليه لوم. ... وفي الأخرى:
ملكنا وقدرنا، وقهرنا وتركنا ... وقضى الموت علينا، بعد هذا فذهبنا ... وإذا بلوح من ذهب مكتوب فيه:
إذا الحادثات بلغن المدى ... وكادت لهن تذوب المهج
وحل البلاء وبان العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج وإذا تحت السرير مائدة من الحديد الصيني عليها ملح جريش وعليها مكتوب: أكل على هذه المائدة سبعون ألف ملك أعور سوى الأصحاء والبصراء وسوى الراقد على هذا السرير، ثم خرج من القصر وأصحابه، ورد مفاتيحه إلى موضعها، فإذا نداء من قبل الله عز وجل: يا سليمان إنما كانت المسئلة قبل أن يعطيك الله الملك ألا ينبغي لأحد من بعدك فأما من كان قبلك فبلغ أكثر من ذلك.
وذكر الطبري (1) أن فتح اصطخر الأخير كان سنة ثمان وعشرين وسط إمارة عثمان رضي الله عنه على يد الحكم بن أبي العاص، فأما فتحها الأول (2) ففي أيام عمر رضي الله عنه قصدها عثمان بن أبي العاص فالتقى هو وأهلها بجور فاقتتلوا ما شاء الله تعالى ثم فتح الله عز وجل على المسلمين حور واصطخر ودعاهم عثمان إلى الجزية فأذعنوا، وجمع عثمان ما أفاء الله فخمسه وبعث بالخمس إلى عمر رضي الله عنه وقسم الباقي في الناس وعف الجند
__________
(1) الطبري 1: 2827، 2698.
(2) الطبري 1: 2626.

(1/44)


عن النهاب وأدوا الأمانة فجمعهم عثمان وقال لهم: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا (1) وأهله معافون مما يكرهون ما لم يغلوا فإذا غلوا رأوا ما يكرهون.
ثم إن سهرك (2) خلع في آخر إمارة عمر رضي الله عنه وسطا على فارس ودعاهم إلى النقض فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية (3) وأمده بالرجال واقتتلوا، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة وولي قتل سهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان بن أبي العاص.
وذكر المبرد (4) أن المهلب بن أبي صفرة كتب إلى الحجاج وهو مواقف للأزارقة يسأله أن يتجافى عن اصطخر ودرابجرد لأرزاق الجند ففعل، وقد كان هدم قطري بن الفجاءة رأس الخوارج اصطخر لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره، وأراد مثل ذلك بمدينة فسا واشتراها منه آزاد مرد ابن الهربذ بمائة ألف درهم فلم يهدمها فوافقه المهلب فهزمه فنفاه إلى كرمان واتبعه المغيرة ابنه.
وإلى اصطخر فر كسرى حين دخل عليه المسلمون المدائن وغلبوه عليها فأخذت أمواله ونفائس عديدة، وأخذت له خمسة أسياف لم ير مثلها، أحدها سيف كسرى ابرويز وسيف كسرى أنوشروان وسيف النعمان بن المنذر الذي كان استلبه منه حين قتله غضبا عليه وألقاه إلى الفيلة فخبطته بأيديها حتى مات وقال الطبري: أنه مات في سجنه في الطاعون الذي كان في الفرس وسيف خاقان ملك الترك وسيف هرقل وكان تصير إلى كسرى أيام غلبته على الروم في المدة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه في قوله " الم غلبت الروم في أدنى الأرض " وفي رواية أخرى: فتح أبو موسى الأشعري رضي الله عنه اصطخر سنة ثلاث وعشرين، وخبرها في آخر السابع من " الاكتفاء " بعد ذكر توج.
اصادة (5)
مدينة اصادة قرب سبتة من أرض المغرب فيها آثار الأول، وهي ذات أعناب وأشجار كثيرة، وهي بقبلي يجاجين هنالك بينهما ستة أميال، ويجاورها على الطريق أربعة أصنام.
اصطبة (6)
مدينة بالأندلس على خمسة وعشرين ميلا من قلشانة، ومن قلشانة وهي قاعدة شذونة إلى قرطبة أربعة أيام ومن الأميال مائة ميل وعشرة أميال.
اضم (7)
واد دون المدينة المكرمة، وفي السير عن عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم مر بنا عامر بن الأضبط على قعود له معه متبع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره وأخذ متبعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا " إلى آخر الآية.
اغرناطة (8)
مدينة بالأندلس بينها وبين وادي آش أربعون ميلا وهي من مدن إلبيرة، وهي محدثة من أيام الثوار بالأندلس وإنما كانت المدينة المقصودة إلبيرة فخلت وانتقل أهلها إلى اغرناطة ومدنها وحصن أسوارها وبنى قصبتها حبوس الصنهاجي ثم خلفه ابنه باديس بن حبوس، فكملت في أيامه وعمرت إلى الآن، ويشقها نهر يسمى حدرة وبينها وبين إلبيرة ستة أميال، وتعرف بأغرناطة اليهود لأن نازلتها كانوا يهودا، وهي اليوم مدينة كبيرة قد لحقت بأمصار الأندلس المشهورة، وقصبتها بجوفيها وهي من القصاب الحصينة. وجلب الماء إلى داخلها من عين عذبة تجاورها، والنهر المعروف بنهر فلوم ينقسم عند مدينتها قسمين: قسم يجري في أسفل المدينة وقسم يجري في أعلاها يشقها شقا فيجري في بعض حماماتها وتطحن الأرحاء عليه خلال منازلها، ومخرجه من جبل هناك، وتلقط في جرية مائه برادة الذهب الخالص، ويعرف بالذهب المدني. ومقبرة أغرناطة بغربيها عند باب إلبيرة. وفحص إلبيرة أزيد من مسافة يوم في مثله يصرفون فيه مياه الأنهار كيف شاءوا كل أوان من جميع الأزمان، وهو
__________
(1) ص ع: فضلا.
(2) الطبري 1: 2697.
(3) ص: نائبه.
(4) الكامل 3: 389.
(5) البكري: 114.
(6) بروفنسال: 23 والترجمة: 29 (Eatepa) وهي على 23 كيلومترا غلى الشرق من أشونة.
(7) معجم ما استعجم 1: 166، وابن هشام 2: 626.
(8) بروفنسال: 23 والترجمة: 29 (Granada)، والإدريسي (د): 203.

(1/45)


أطيب البقاع بقعة وأكرم الأرضين تربة لا يعدل به مكان غير غوطة دمشق وساحة (1) الفيوم، ولا يعلم شجرة تستعمل وتستغل إلا وهي أنجب شيء في هذا الفحص، وما من فاكهة (2) توصف وتستطرف إلا وما هناك من الفاكهة يفوقها، ويجود فيها من ذلك ما لا يجود إلا بالساحل من اللوز وقصب السكر مما أشبههما، وحرير فحص إلبيرة هو الذي ينتشر في البلاد ويعم الآفاق، وكتان هذا الفحص يربي جيده على كتان النيل ويكثر حتى يصل إلى أقاصي بلاد المسلمين، وبإلبيرة معادن جوهرية من الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص والتوتياء، وجبل الثلج هو جبل يشرف على جبل إلبيرة.
اغنا (3)
بجزيرة سرنديب، وتعرف اغنا هذه بجزيرة القصر (4) وهي دار ملك سرنديب، وسيأتي ذكرها في حرف السين المهملة إن شاء الله تعالى.
اغمات
بأرض المغرب بقرب وادي درعة وبينها وبين نفيس مرحلة، وبينها وبين أغمات (5) ست مراحل في قبائل البربر المصامدة وأهل أغمات (6) تجار مياسير يدخلون بلاد السودان بقناطير الأموال من النحاس الملون والأكسية وثياب الصوف والعمائم وصنوف النظم من الزجاج والأصداف والأحجار وضروب الأفاويه والعطر وآلات الحديد المصنوع، ولم يكن في دولة الملثمين أكثر أموالا منهم، ولأبواب منازلهم علامات تدل على مقادير أموالهم، وتغيرت بعد ذلك أحوالهم لإتيان المصامدة على أكثر أموالهم وفيهم مع هذا نخوة واعتزاز وبها ضروب من الفواكه وأنواع من النعم.
واغمات مدينتان إحداهما تسمى اغمات وريكة والأخرى اغمات هيلانة (7) وبينهما نحو ثمانية أميال، وبأغمات وريكة تسكن الأعيان وبها ينزل التجار على القديم لأنها كانت دار التجهز للصحراء، وهي في فحص أفيح طيب التراب، والمياه تخترقها يمينا وشمالا وحولها جنات وبساتين وأشجار ملتفة، وبها نهر جريته من القبلة إلى الجوف يشق المدينة بعضه، وماؤه زعاق وعليه أرحاء وحوله بساتين كثيرة، وهي بلد متسع كثير الرخاء والخصب إلا أنه وخيم الهواء (8) وألوان أهله مصفرة والعقارب القتالة فيه كثيرة، وبينه وبين البحر مسافة أربعة أيام وأقرب المراسي إليه مرسى بلد ركراكة وهو أحد مراسي سواحل الغرب يقرب من البحر المحيط تنزل فيه السفن ولا تخرج إلا بالرياح العاصفة في زمن الشتاء عند تكدر الهواء وتحمل السفن من مدينة نفيس تفاحا جليلا يباع بها منه وقر بعير بنصف درهم.
وكانت إمارة أهل اغمات دولا بينهم يتولى الرجل منهم عن تراض واتفاق.
وهذا النهر المذكور يدخل المدينة يوم الخميس والجمعة والسبت والأحد، وباقي الجمعة يأخذونه لسقي جنانهم. وهذه المدينة يكنفها جبل درن وثلوج جبل درن تسيل في اغمات، وربما جمد نهرها في وسط المدينة حتى يجتاز الأطفال عليه.
وفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة غزا عبد الله بن ياسين اغمات واستولى على بلاد المصامدة سنة خمسين، وقتل ببلد برغواطة سنة إحدى وخمسين وعلى قبره اليوم مشهد مقصود ورابطة معمورة، ولم يقتل عبد الله بن ياسين حتى استولى على سجلماسة وأعمالها والسوس كله وأغمات ونول لمطة والصحراء. وبأغمات قبر أبي القاسم محمد بن عباد جلبه إليها يوسف بن تاشفين فلم يزل بها حتى مات وقبره هنالك معروف، وإياه عنى شاعره في تأبينه بقوله من قصيدة (9) :
" وقل لعالمها السفلي " قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات من قصيدة مشهورة.
ويسكنها (10) يهود تلك البلاد، وكان علي بن يوسف منع اليهود من سكنى مراكش فلا يدخلها أحد منهم إلا نهارا ثم ينصرفون في العشية، وليس دخولهم إياها إلا لأموره وما يختص
__________
(1) بروفنسال: وشارحة.
(2) في الأصل: والفاكهة توصف... الخ.
(3) نزهة المشتاق: 49.
(4) ص: العقود.
(5) كذا هو الصواب: وبين مدينة السوس وأغمات ست مراحل (الإدريسي - د: 63).
(6) الإدريسي (د): 66 - 67، والاستبصار: 207، وهو حديث خاص بأغمات وريكة، ولم يفرق المؤلف في هذه المادة بينهما.
(7) الإدريسي والبكري: إيلان.
(8) قارن بالبكري: 152.
(9) هو ابن اللبانة، والقصيدة في القلائد: 29.
(10) أي أإمات إيلان (الإدريسي - د: 69).

(1/46)


به، ومتى عثر على أحد منهم بات بها استبيح ماله ودمه.
افرندين
موضع بالعراق بناحية المدائن. قال أنس بن الحليس (1) : بينا نحن محاصرون بهرسير أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل إلى المصالحة سبيل على أن لنا ما بين دجلة وحملها ولكم ما يليكم من دجلة إلى حملكم، أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم. فبدر الناس الأسود بن قطبة وقد أنطقه الله عز وجل بما لا يدري ما هو ولا نحن، فأجابه بالفارسية ولا يعرف منها شيئا ولا نحن، فرجع ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا فلان ما قلت له؟ قال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما أدري ما هو إلا أني غلبتني سكينة وأرجو أن أكون أنطقت بالذي هو خير وأتى الناس يسألونه حتى سمع ذلك سعد، فجاء فقال: يا أسود ما قلت لهم فوالله انهم لهراب، فحدثه مثل حديثه إيانا، فنادى بالناس ثم نهد بهم فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه، فقال: ما بقي أحد فيها فما يمنعكم، فتسورها الرجال وافتتحناها، فسألناهم وذلك الرجل لأي شيء هربوا، فقال: بعث إليكم الرجل فعرض عليكم الصلح، فأجبتموه أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حي نأكل عسل افرندين بأترج كوثى، فقال الملك: يا ويلاه ألا أرى الملائكة تكلم على ألسنتهم فترد علينا وتجيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك ما هو إلا شيء ألقي على في هذا الرجل لننتهي، فأرزوا إلى المدينة القصوى.
إفريقية (2)
عمل كبير عظيم في غرب ديار مصر، سميت بافريقس بن أبرهة ملك اليمن لأنه غزاها وافتتحها، قيل كان بالشين المعجمة ثم عرب بالسين وقال قوم: معنى إفريقية صاحبة السماء، وقيل سميت بافريق بن إبراهيم عليه السلام من زوجه قطورا، وقيل أهل إفريقية من ولد فارق بن مصر. وطول إفريقية من برقة شرقا إلى طنجة غربا وعرضها من البحر إلى الشرق وبها يصاد الفنك الجيد ورووا عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ففصلوا فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شدة البرد الذي أصابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكن إفريقية أشد بردا وأعظم أجرا " ، وفي رواية أخرى " إن البرد الشديد والأجر العظيم لأهل إفريقية " ، وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال: ينقطع الجهاد من البلدان كلها فلا يبقى إلا بموضع في المغرب يقال له إفريقية فبينما القوم بازاء عدوهم نظروا إلى الجبال قد سيرت فيخرون لله تبارك وتعالى سجدا فلا ينزع عنهم أخفافهم إلا خدامهم في الجنة " .
وغزا إفريقية (3) عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وعشرين ومعه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر ومروان بن الحكم رضي الله عنهم وعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسميت غزوة العباد أو العبادلة، وبرز جرجير ملك إفريقية لابن الزبير فقتله ابن الزبير رضي الله عنهما وحوى المسلمون غنائم كبيرة وبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وغلبوا على كل مدينة فيها وفتحوها عنوة، وكان سلطان جرجير من طرابلس إلى طنجة، وكان جرجير لما عزم على لقاء المسلمين أخرج ديدبانه وهو منظر من خشب، وأمر ابنته فصعدت الديدبان وسفرت عن وجهها وكان معها أربعون خادما في الحلي والحلل، وقدم كراديسه وهو تحت الديدبان وقال: والمسيح لا قتل عبد الله بن سعد رجل منكم إلا زوجته إياها وسقت إليه ما معها من الخدم والنعمة وأنزلته مني المنزلة التي لا يطمع فيها أحد عندي، وبلغ خبره عبد الله فقال لأهل عسكره: وحق محمد النبي صلى الله عليه وسلم لا قتل أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته وما معها، وكان في عشرين ألفا وجرجير في عشرين ومائة ألف، وتزاحف الناس، ورأى ابن الزبير رضي الله عنهما عورة من جرجير - رآه خلف أصحابه منقطعا عنهم على برذون أشهب معه جاريتان تظللانه بريش الطواويس - فدخل على عبد الله بن سعد من كسر خبائه وهو مستلق على فراشه يفكر في أمره فقال له: عورة من عدونا وخشيت الفوت فاخرج فاندب الناس، فخرج فقال: أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم، قال: فتسرع إلي جماعة أخذت منهم ثلاثين فارسا قلت: إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني فإني سأكفيكم ما أمامي إن شاء الله تعالى: ثم حمل في الوجه الذي هو فيه، وذبوا عنه وابتغوه، فخرق الصفوف إليه فحسب أنه رسول فلما رأى السلاح ثنى برذونه هاربا، وأدركته، قال: فطعنته فسقط ميتا فرميت بنفسي عليه
__________
(1) الطبري 1: 2429، وفيد افريذين، وفي النسخ والمصادر صور أخرى للكلمة (حاشة الطبري ص: 2430).
(2) البكري: 21.
(3) قارن بما عند ابن عذاري 1: 9، وابن عبد الحكم: 183.

(1/47)


وألقت جاريتاه أنفسهما فقطعت يد إحداها، وأجهزت عليه ورفعت رأسه على رمحي، وجال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فقتلوهم كيف شاءوا، وثارت الكمناء من كل ناحية وسبقت خيول المسلمين ورجالهم إلى حصن سبيطلة فمنعوهم من دخوله وركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل الوعر، فقتلوا أنجادهم وفرسانهم وأكثروا فيهم الأسر حتى لقد كنت أرى في الموضع الواحد ألف أسير.
وذكر أشياخ من أهل إفريقية أن ابنة جرجير لما أشرفت على العرب في عسكرهم قالت لأبيها: لا تسرف في قتل هؤلاء ونفلنيهم، قال: قد نحلتك إياهم. فلما قتل أبوها تنازع الناس في قتله وهي تنظر، فقالت: ما للعرب يتنازعون؟ قيل لها: يتنازعون في قتل أبيك، فبكت وقالت: قد رأيت الذي أدرك أبي فقتله، فقال لها عبد الله بن أبي سرح الأمير: هل تعرفينه؟ قالت: إذا رأيته عرفته، فأخذ عبد الله الناس بالعرض فمروا بين يديها حتى مر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقالت: هذا قاتل أبي، فقال له ابن أبي سرح: كتمت عني قتلك أباها يا أبا بكر، فقال: قد علمه الذي قتلته له، فنفله ابن أبي السرح ابنة الملك فاتخذها أم ولد، وكان ابن الزبير رضي الله عنهما في ذلك الوقت ابن بضع وعشرين سنة، ونزل ابن أبى سرح على باب المدينة فحصرها بمن معه حصارا شديدا حتى فتحها، فأصاب فيها شيئا كثيرا وأصاب أكثر أموالهم الذهب والفضة، وهو الذي افترع إفريقية، فكانت توضع بين يديه أكوام الذهب والفضة، فقال للأفارق: من أين لكم هذا؟ فجعل رجل منهم يلتمس شيئا في الأرض حتى جاء بنواة زيتون فقال: من هذا أصبنا الأموال لأن أهل هذا البحر ليس لهم زيت فكانوا يأتوننا يشترون الزيت منا، وكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار هرقلي وسهم الراجل ألف ديار وبث ابن أبي سرح السرايا والغارات من مدينة سبيطلة فبلغت خيله قصور قفصة فسبوا وغنموا وحازوها إلى مرماجنة، فأذلت تلك الوقعة الروم بإفريقية وأصابهم رعب شديد، فلجأوا إلى الحصون والقلاع، واجتمع أكثرهم بقصر الأجم، فطلبوا من عبد الله بن أبي سرح أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم وقبض المال، وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون من قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه لهم. ودعا عبد الله بن سعد الأمير عبد الله بن الزبير فقال: ما أحد أحق بالبشارة منك فبشر أمير المؤمنين والمسلمين بالمدينة بما أفاء الله تعالى عليهم، فتوجه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة في ثماني عشرة ليلة، ومنهم من يقول: وافى المدينة في أربعة وعشرين يوما من خروجه من سبيطلة. ثم انصرف ابن أبي سرح من إفريقية بعد إقامته بها ستة أشهر راجعا إلى مصر ووصل إلى المدينة فبيع المغنم، فصفق مروان بن الحكم على الخمس وهي خمسمائة ألف دينار فوضعه عثمان رضي الله عنه، فكان ذلك من أسباب القول في عثمان رضي الله عنه وآل الأمر إلى قتله وما تبع ذلك من الفتن، وأصاب الناس ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه من دخول إفريقية في عهده لأنها مفرقة غير مجمعة وأن ماءها قاس ما شربه أحد من المسلمين إلا اختلفت قلوبهم، فلما دخلوها وشربوا ماءها قتلوا خليفتهم عثمان رضي الله عنه، ثم كانت الفتن.
وقال أبو عبيد: لما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه طرابلس كتب إلى عمر رضي الله عنه بما فتح الله عليه وأنه ليس أمامه إلا إفريقية، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إذا ورد عليك كتابي هذا فاطو دواوينك ورد علي جندي، ولا تدخل إفريقية في شيء من عهدي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إفريقية مفرقة لأهلها غير مجمعة، ماؤها قاس ما شربه أحد من المسلمين إلا اختلفت قلوبهم " ، فأمر عمرو بن العاص رضي الله عنه العسكر بالرحيل قافلا وفي رواية ان عمر رضي الله عنه كتب إليه: إنها ليست بإفريقية ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت.
إفراغة (1)
مدينة بغربي لاردة من الأندلس بينهما ثمانية عشر ميلا، وهي على نهر الزيتون حسنة البناء لها حصن منيع لا يرام وبساتين كثيرة لا نظير لها.
وحاصرها العدو في جمع كثيف وآلى زعيمهم ابن رذمير على نفسه ألا يبرح حتى يأخذها عنوة، وذلك سنة ثمان وعشرين وخمسمائة في شهر رمضان منها، فنهد إليه يحيى بن علي بعزمة صادقة ونية صحيحة في جموعه فلقاه الله تعالى بركتها وأجناه
__________
(1) (Fraga).

(1/48)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية