صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الإسلام والدستور
المؤلف : توفيق بن عبد العزيز السديري
الطبعة : الأولى
الناشر : وكالة المطبوعات والبحث العلمي وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
تاريخ النشر : 1425هـ
عدد الصفحات : 241
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

مقدمة الكتاب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فإن الدستور أو القانون الدستوري فرع من فروع القانون العام ، والدستور لأي دولة كانت يعبر عن فكر تلك الدولة واتجاهها الديني والاجتماعي ؛ لأن الدستور هو القانون المهيمن ، والموجه لقوانين تلك الدولة ونظمها .
وهذه الأهمية للدستور أحد الأسباب التي دفعتني لهذا البحث ، وبخاصة معالجته من الناحية الإسلامية ومحاولة توضيح أسس الأحكام الدستورية في الشريعة الإسلامية ، ومن ثم دراسة لبعض تطبيقاتها منذ قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر .

(1/1)


وما من شك في أن بحث موضوع كهذا من هذه الزاوية من الأهمية بمكان ، لأهمية الأحكام الدستورية بين الأحكام والنظم الأخرى ، ولأهمية دراسة الدستور في الإسلام وذلك بتحديد قواعده ، مما يسهم في إثراء البحث العلمي في الشريعة الإسلامية في العصر الراهن ، سواء من ناحية تبيين ما عليه الشريعة الإسلامية في هذا المجال ، أم من ناحية الدراسات المقارنة .
ولذلك كان اختيار موضوع " الإسلام والدستور " (1) الذي حاولت فيه تبيين وجهة النظر القانونية البحتة للدستور ، ثم تبيين وجهة النظر في الإسلام ، بحيث يجمع البحث بين الدراسة القانونية والشرعية ، واستعراض الواقع الدستوري للدولة الإسلامية على مر عصورها من خلال دراسة بعض الوقائع الدستورية في التاريخ الإسلامي .
والحقيقة أن البحث في الأحكام الدستورية الإسلامية ليس جديدا ومستحدثا ، فالفقهاء المسلمون القدامى بحثوا هذا الموضوع وبينوا تلك الأحكام في مختلف أبواب الفقه وكتب السياسة الشرعية .
_________
(1) هذا الكتاب مستل من رسالة ماجستير قدمها المؤلف لكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة 1407هـ بعنوان ( الدستور في البلاد الإسلامية ومشكلاته في ضوء الإسلام ) وقد تم تعديل وتحديث ما يحتاج إلى تعديل أو تحديث من المعلومات الواردة في الكتاب وفقا لوضعه الجديد

(1/2)


وقد تقدمت الدراسات الدستورية والقانونية في هذا الوقت وأصبحت لها أبحاث ودراسات مستقلة مما يتطلب من الباحثين والمفكرين المسلمين المعاصرين أن يؤصلوا الدراسات الدستورية ، ويبينوا وجهة النظر الإسلامية ويستنبطوا الأحكام للوقائع المستجدة ، وإذا نظر الباحث إلى الدراسات الدستورية المعاصرة ، يجد أن الذين تعرضوا لهذا الموضوع ، منهم من يغلب عليه الطابع القانوني البحت ، ومنهم من يعرض الموضوع بشكل عام دون تفصيل ، ومنهم من يبحث جزئيات من الموضوع عند دراسة النظام السياسي الإسلامي ، مما يجعل سير الباحث في هذا الطريق صعبا وشاقا .
إن أهم مصادر هذا البحث تتركز في كتب السياسة الشرعية ، والكتب والدراسات الدستورية والقانونية الوضعية ، والكتب المعاصرة التي تبحث في النظام السياسي ، بالإضافة إلى الوثائق والنصوص المشتملة على بعض القوانين والنظم المطبقة في بعض البلدان .

(1/3)


ومن أهم الصعوبات التي واجهتها في هذا البحث ، قلة المراجع الحديثة التي تخدم موضوع البحث ، وبخاصة الدراسات التي تبحث في النظام الدستوري الإسلامي بحثا مقارنا مع النظم الوضعية ، أو تلك التي تؤصل للنظام الدستوري الإسلامي وتبين أحكامه وقواعده من مصادره ومظانه الأصلية من الكتاب والسنة وما سطره علماء المسلمين الأوائل في هذا المجال .
كما أن حساسية البحث في الموضوع تشكل عائقا أمام الباحث في هذا المجال ؛ نظرا لخطورة الموضوعات والمباحث التي تتعلق بهذا الجانب ودقتها .
ولقد حاولت أن أقدم هذا الموضوع بشكل متكامل ، جامعا فيه خلاصة ما اطلعت عليه مما كتبه الآخرون ، محللا لبعض آرائهم ، ولا أزعم أنني أعطيت الموضوع حقه كاملا ، ولعل عذري في ذلك أن الموضوع لا يزال بكرا ، ولم يحظ بدراسات علمية شاملة وعميقة ، ولكنني حاولت وبجهد المقل أن يكون البحث شاملا ، بقدر الاستطاعة وكم تمنيت أني قد توصلت إلى نتائج أكبر مما كان .
والمجال متسع للباحثين فيما بعد لاستكمال البحث في هذا الموضوع ، والتوسع فيه ، والعناية به بشكل أكبر .

(1/4)


ولقد ابتعدت قدر الإمكان عن العاطفة الشخصية والآراء المسبقة ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، واستخدمت عدة مناهج علمية حسب ما اقتضته طبيعة البحث ، فاستخدمت المنهج التاريخي فيما كان له الطابع التاريخي من البحث ، أو نسق من أقوال العلماء ، ثم التحليل على أساس تلك القاعدة ، أو ذلك النسق ، واستخدمت المنهج المقارن عند الحاجة لمقارنة الآراء والحجج مع بعضها .
ولقد تم عزو الآيات القرآنية إلى سورها وتخريج الأحاديث النبوية التي تم الاستشهاد بها في هذا البحث ، كما أرجعت الاقتباسات والنقول إلى مراجعها في كل مكان يتم فيه الاقتباس أو النقل ، وأثبت أهم المراجع في فهرس مستقل في آخر الكتاب .
وبعد : حسبي أني قدمت ما استطعت من جهد ووقت لإخراج هذا البحث ، سائلا الله جل وعلا أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه ، وأحمد الله وأشكره وأثني عليه بما أنعم به من إكمال هذا البحث .
وفي الختام أرجو الله القبول والتوفيق والسداد .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،
كتبه
توفيق بن عبد العزيز السديري

(1/5)


الباب الأول
تعريفات ضرورية
الفصل الأول : القانون
الفصل الثاني : الدستور
الفصل الثالث : الدولة
سيكون الحديث في الباب الأول عن بعض المواضيع الرئيسة التي لا بد منها للتمهيد لموضوع البحث الرئيس ، وذلك في ثلاثة فصول ، الفصل الأول منها عن القانون ، تعريفه وضرورة وجوده ، وتقسيماته وفروعه ، ثم يتحدث الفصل الثاني عن فرع من فروع القانون وهو المتعلق بموضوع البحث الرئيس وهو الدستور ، حيث سيتناول البحث تعريفه ، وأنواع الدساتير وأساليب نشأتها ونهايتها ، ومصادرها ، ومقومات الدستور الأساسية ، ثم يتحدث الفصل الثالث عن الدولة وذلك لارتباطها الوثيق جدا بموضوع البحث حيث سيتم تعريف الدولة وأركانها ، ومقومات الدولة والقانون وضمانات تحقيقها وأنواع الدول .
وما يذكر في هذا الباب من مسائل إنما يوضح ما استقر عليه الفقه القانوني الوضعي المعاصر في هذه المسائل ، التي يدخل أغلبها في باب الوسائل ؛ ليكون تمهيدا للباب الثاني وهو الباب الذي يبحث الدستور في الإسلام .
الفصل الأول
القانون
المبحث الأول : تعريف القانون
المبحث الثاني : ضرورة وجود القانون
المبحث : تقسيمات القانون
المبحث الرابع : فروع القانون
البحث الأول

(1/6)


تعريف القانون
التعريف اللغوي
القانون كلمة يونانية الأصل ، تلفظ كما هي kanun وانتقلت من اليونانية إلى اللغات الأخرى وهى تعني العصا المستقيمة ، فانتقلت إلى الفارسية بنفس اللفظ (كانون) بمعنى أصل كل شيء وقياسه ، ثم عربت عن الفارسية بمعنى الأصل ، ودرج استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه ، أو المنهج الذي يسير بحسبه ، أو النظام الذي على أساسه تنتظم مفردات الشيء ، وتكون متكررة على وتيرة واحدة بحيث تصبح خاضعة لنظام ثابت ، فيقال في معرض الأبحاث الطبيعية قانون الجاذبية ، ويقال في معرض الأبحاث الاقتصادية قانون العرض والطلب (1) . وهكذا .
التعريف الاصطلاحي :
لتعريف القانون اصطلاحا ثلاثة تعريفات :
1- تعريف اصطلاحي عام :
وهو القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع تنظيما ملزما ، ومن يخالفها يعاقب ، وذلك كفالة لاحترامها .
2 - تعريف اصطلاحي باعتبار المكان :
وهو مجموعة القواعد القانونية النافذة في بلد ما ، فيقال القانون الفرنسي والقانون المصري مثلا . . .
3 - تعريف اصطلاحي باعتبار الموضوع :
_________
(1) ابن منظور لسان العرب ، ص 177 جـ 3 ، طبع دار لسان العرب ببيروت ، د . حبيب إبراهيم الخليل ، المدخل للعلوم القانونية ، ص 9 - طبعة ثانية ، د . محمد موسى هنداوي ، المعجم في اللغة الفارسية ، ص 328 ، مكتبة الأنجلو بمصر ، د . أحمد سلامة ، المدخل لدراسة القانون ، جـ1, ص15 ، مكتبة نهضة مصر 1963 ، محمد كمال عبد العزيز ، الوجيز في نظرية القانون ، ص4 ، مكتبة وهبة بالقاهرة 1962م ، د . عبد العزيز النعيم ، أصول الأحكام الشرعية ومبادئ علم الأنظمة ، ص 5 ط 1 ، دار الاتحاد العربي ، د . جميل الشرقاوي ، دروس في أصول القانون ، جـ 1ص 13 ، دار النهضة العربية 1970م .

(1/7)


وهو مجموعة القواعد المنظمة لأمر معين وضعت عن طريق السلطة التشريعية فيقال : قانون الملكية العقارية ، وقانون المحاماة ، وقانون الجامعات (1) .
_________
(1) د . جميل الشرقاوي ، دروس في أصول القانون ، جـ1 ص13 ، د . عبد المنعم فرج الصدة ، أصول القانون ، ص 12 ، دار النهضة العربية القاهرة 1979 .

(1/8)


المبحث الثاني
ضرورة وجود القانون
الاجتماع الإنساني ضروري ، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم : الإنسان مدني بالطبع ، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم (1) .
_________
(1) عبد الرحمن بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، ص 37 ، طبعة دار الهلال ، عام 1983م .

(1/9)


فالإنسان بدافع من طبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده ويسعى إلى المحافظة على وجوده من خلال مجتمع من الأفراد يعيش بينهم ؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعل طبيعته لا تمكنه من العيش بمعزل عن الناس ، ولا يمكن أن يقوم وحده بسد حاجاته ، بل هو مضطر إلى أن يعيش في جماعة يتفاعل معها وتتفاعل معه ، فيتبادل مع هذه الجماعة المنافع ، وبهذا تنشأ بين أفراد هذه الجماعة علائق متعددة ، اجتماعية ، واقتصادية ، وسياسية ، وثقافية ، وغيرها وهذه العلائق لا يمكن أن تقوم بحال إلا وفق ضوابط تحكمها ، حتى لا يختل توازن هذه الجماعة ، وهذه الضوابط هي النظم والقوانين ، فبدون القانون تصبح الأمور فوضى تسير وفق الأهواء والرغبات الفردية ، وحالة عدم وجود القانون حالة لا يمكن أن يتصور دوامها لأن مجرى السنة الكونية يحتم وجود قانون ، ولو افترض وجود حالة الفوضى فلا بد أن يكون الحكم للقوة ، فيتحكم الأقوياء بالضعفاء ، وفق ما يريدون ويشتهون فيكون هناك قانون القوة أو الغابة ، بغض النظر عن كون هذا القانون سليما وموافقا للحق أو بعكس ذلك . ومن هنا يتبين أن القانون ضرورة اجتماعية لا بد منه ؛ ليحكم نشاط الأفراد ، وينظم علاقاتهم .

(1/10)


المبحث الثالث
تقسيمات القانون
يقسم الفقهاء القانون تقسيمات عدة ، نذكرها فيما يلي :
1 - علي أساس طبيعة القواعد القانونية :
وحسب هذا الأساس ينقسم القانون إلى قسمين هما :
أ - قانون موضوعي ، وهو الذي تتضمن قواعده أحكاما موضوعية تبين الحقوق والواجبات المختلفة ، فيقال مثلا : القانون المدني ، والقانون التجاري وغيرهما . . حسب الموضوع الذي تتضمنه أحكام كل قانون .
ب - قانون شكلي أو إجرائي : وهو الذي تتضمن قواعده أحكاما إجرائية تبين الأوضاع والإجراءات ، التي تتبع لاقتضاء الحقوق التي يقررها القانون الموضوعي ، كقانون المرافعات المدنية ، وقانون الإجراءات الجنائية مثلا (1) 2 - على أساس القوة الملزمة للقاعدة القانونية :
وحسب هذا الأساس ينقسم القانون إلى قسمين هما :
أ - قواعد آمرة أو ناهية : وهي تشمل مجموعة القواعد التي تحمي المصالح الأساسية في الدولة ، ولا يجوز للمتعاقدين الخروج عليها وإلا كان اتفاقهم باطلا .
ب - قواعد قانونية مفسرة أو مكملة أو مقررة : وهي مجموعة القواعد التي لا تتصل بالنظام الأساسي في المجتمع ، ويجوز الاتفاق على عكسها ؛ لأنها وضعت لتفسير وتكملة إرادة المتعاقدين (2) .
_________
(1) د . عبد المنعم فرج الصدة ، أصول القانون ، ص 43 .
(2) د . محمد علي إمام ، محاضرات في نظرية القانون ، ص 53 ، مكتبة نهضة مصر ، القاهرة .

(1/11)


ويمكن التفريق بين القواعد الآمرة والقواعد المفسرة من عبارة النص نفسه ؛ إذا لم يكن ذلك واضحا من العبارة يعرف من موضوع القاعدة القانونية ؛ فالقواعد المتصلة بالنظام العام والآداب تعتبر قواعد آمرة أو ناهية ، وماعداها يعتبر قواعد مكملة .
3 - من حيث التدوين وعدمه :
وينقسم القانون من حيث المصدر الذي توجد فيه القاعدة القانونية إلى قسمين هما :
أ - قانون مكتوب ، وهو مجموعة القواعد القانونية الواردة في نصوص مكتوبة كالتشريع .
ب - قانون غير مكتوب : وهو مجموعة القواعد القانونية التي لم تصدر في نصوص مكتوبة كما هو الحال بالنسبة لقواعد العرف .
4 - على أساس النطاق الإقليمي :
ويبنى هذا التقسيم على أساس الرابطة التي ينظمها ؛ فيقال : قانون داخلي ، وقانون خارجي ، وذلك تبعا للرابطة الاجتماعية التي ينظمها ، هل هي داخل الجماعة أو خارجها (1) .
5 - على أساس الرابطة التي تحكمها قواعده :
_________
(1) د . محمد علي إمام ، محاضرات في نظرية القانون ، ص 53 .

(1/12)


وهذا التقسيم هو التقسيم الرئيس الذي يسير عليه أكثر كتاب القانون ، وهو تقسيم تقليدي لا يزال مستقرا ومسلما به في الفقه القانوني الوضعي الحديث ، وهذا التقسيم أهم أنواع تقسيمات القانون ، وهو الذي درج عليه معظم فقهاء القانون منذ عهد الرومان إلى عصرنا هذا ، بالرغم من المحاولات للعدول عنه (1) .
وينقسم القانون من حيث طبيعة الرابطة التي تحكمها قواعده إلى قسمين هما :
أ - القانون العام :
وهو مجموعة من القواعد تنظم الارتباط بين طرفين أحدهما أو كلاهما ممن يملكون السيادة ، أو السلطات العامة ، ويتصرفون بهذه الصفة ( الدولة أو أحد فروعها ) ولهذا وصف بأنه قانون إخضاع (2) .
ب - القانون الخاص :
وهو مجموعة من القواعد تنظم الروابط بين طرفين لا يعمل أيهما بوصفه صاحب سيادة أو سلطة على الآخر ، كالأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة أو الدولة - أو أحد فروعها - حين تمارس نشاطا يماثل نشاط الأفراد (3) ، كالقواعد التي تنظم ما يعرف بالأحوال الشخصية وكذلك أحكام المعاملات والعقود وغيرها أو كأن تبيع الدولة أرضا تملكها ، أو تستأجر منزلا .
_________
(1) د . عبد المنعم فرج الصدة ، أصول القانون ، ص 42 ، د . أحمد سلامة ، المدخل لدراسة القانون ، جـ 1 ص 62 .
(2) د . حبيب الخليلي ، المدخل للعلوم القانونية ، ص 58 ، طبعة ثانية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر .
(3) د . حبيب الخليلي ، المدخل للعلوم القانونية ، ص 58 ، طبعة ثانية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر .

(1/13)


المبحث الرابع
فروع القانون
ينقسم القانون حسب التقسيم الرئيس السابق إلى : قانون عام ، وقانون خاص ، ويتفرع من كل قسم منهما عدة فروع نذكرها فيما يلي :
أولا : فروع القانون العام :
يتفرع القانون العام إلى فرعين رئيسين يسمى أحدهما القانون الدولي العام ، وهو الذي تكون الدولة طرفا فيه ، باعتبارها صاحبة السلطان ، ويكون الطرف الآخر فيه دولة أو دول أخرى ، أو هيئات دولية . والفرع الثاني : هو القانون الداخلي ، وهو الذي ينظم الروابط الداخلية العامة التي تكون الدولة طرفا فيها باعتبار سلطتها ، وهذا الأخير ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي : القانون الدستوري ، والقانون الإداري والمالي ، والقانون الجنائي .
وعلى هذا تكون فروع القانون العام أربعة هي :
أ - القانون الدولي العام :
وهو مجموعة الأحكام التي تنظم ارتباط الدولة بالدول الأخرى في أوقات السلم والحرب (1) ، فالمحتكمون إلى هذا القانون الدول وليس الأفراد ، ومن التعريف يتضح أن القانون الدولي العام ينقسم إلى قانون سلم وقانون حرب ، ولكل واحد منهما موضوعاته الخاصة . فقانون السلم يبحث في المواضيع التالية :
- أشخاص القانون الدولي .
- ممثلو الأشخاص في الجماعات الدولية .
_________
(1) د . عبد العزيز العلي النعيم ، أصول الأحكام الشرعية ومبادئ علم الأنظمة ، ص 179 .

(1/14)


- الأعمال القانونية الدولية ، وأهمها المعاهدات ، فيعين أركان انعقادها وشروط صحتها وآثارها وأسباب انقضائها .
- المسؤولية الدولية في قيامها وآثارها .
- المنظمات الدولية .
- حقوق الدول وواجباتها وفض المنازعات الدولية سلميا (1) .
ويبحث قانون الحرب في الموضوعات التالية :
- العلاقة بين الدول المتحاربة وواجبات كل دولة إزاء جيش الأخرى ، ورعاياها ، والأسرى ، ويبين القواعد الخاصة ببدء حالة الحرب ووقفها وانتهائها .
- علاقة الدولة المحاربة بالدول المحايدة (2) .
ب - القانون الدستوري :
وهو مجموعة الأحكام التي تحكم شكل الدولة ، ونظام الحكم فيها ، وسلطاتها ، وطريقة توزيع السلطات ، وبيان اختصاصاتها ، ومدى ارتباطها ببعضها ، ومن حيث التعاون أو الرقابة ، وكذلك بيان حقوق المواطنين وواجباتهم تجاه الدولة وسلطاتها العامة (3) .
ومن هذا يتبين لنا أن القانون الدستوري يبحث في الموضوعات التالية :
- شكل الدولة ، هل هي بسيطة أو مركبة ، ملكية أو جمهورية .
- السلطات العامة في الدولة : التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية .
- الأشخاص أو الهيئات التي تتولى السلطات العامة .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 182 - 184 .
(2) المرجع السابق ، ص 182 - 184 .
(3) المرجع السابق ، ص 182 - 184 .

(1/15)


- علاقة هذه السلطات ببعضها ، نوع هذه العلاقة ، وهل هناك فصل مطلق بينهما أو مرن .
- الحريات الفردية وضماناتها ، وهي الحريات الشخصية ، والتملك ، والمسكن ، والرأي ، والتعليم ، والمساواة أمام القضاء ، والوظائف العامة ، والتكاليف العامة (1) .
جـ - القانون الإداري والمالي :
يفصل بعض الكتاب (2) القانون الإداري عن القانون المالي ، ولكن أصلهما واحد ؛ لأن القانون المالي منبثق أصلا عن القانون الإداري ، لذا نجد أكثر الكتاب يعدونهما قسما واحدا ، لتقارب النواحي الإدارية والمالية للدولة من بعض .
ويعرف القانون الإداري بأنه مجموعة القواعد التي تبين كيفية أداء السلطة التنفيذية لوظائفها (3) .
ويبحث القانون الإداري في المواضيع التالية :
- تحديد أجهزة الدولة الإدارية المختلفة ، وطرق تكوين كل منها ، وعلاقة بعضها ببعض ، وعلاقتها بالسلطات العامة الأخرى .
- كيفية ممارسة الإدارة لنشاطها ، والأساليب المتبعة في ذلك .
- صور النشاط الإداري المختلفة ، وأسس اختلافها عن صور النشاط العام الأخرى للدولة .
_________
(1) د . عبد العزيز العلي النعيم ، أصول الأحكام الشرعية ومبادئ علم الأنظمة ، ص 182 - 184 .
(2) أصول الأحكام الشرعية ، مرجع سابق ، ص 187 - 192 .
(3) د . توفيق حسن فرج ، المدخل للعلوم القانونية ، ص 44 ، مؤسسة الثقافة الجامعية 1977 .

(1/16)


- صلة الإدارة بالعاملين فيها ، والقواعد التي تنظم اختيارهم ، وتحدد حقوقهم وواجباتهم ، والمزايا الممنوحة لهم ، والضمانات التي توفر لهم الحماية .
- تبيين الأموال العامة ، والنظام القانوني لها ، وكيفية إدارتها والانتفاع بها ، والتفريق بينها وبين المال الخاص .
- تنظيم القضاء الإداري بترتيب المحاكم الإدارية ، وتحديد اختصاصاتها وقواعد الطعن أمامها بالقرارات والأعمال الإدارية المخالفة للقانون (1) .
ويعرف القانون المالي ، بأنه مجموعة الأحكام التي تنظم حصول الدولة على دخلها وطرق إنفاقها لهذا الدخل (2) .
ويبحث القانون المالي في المواضيع التالية :
- النفقات العامة للدولة ، وذلك بتحديد أوجه إنفاق المال العام .
- الإيرادات العامة للدولة من رسوم وضرائب وغيرها .
- القروض العامة وكيفية تحصيلها .
- القواعد التي تتبع في تحديد الميزانية السنوية للدولة ، وفي تنفيذها والرقابة على هذا التنفيذ .
د - القانون الجنائي :
وهو مجموعة الأحكام التي تحدد الجرائم ، والعقوبات المقررة عليها ، والإجراءات التي تتبع في تعقب المتهم ومحاكمته ، وتوقيع العقاب عليه (3) .
_________
(1) جميل شرقاوي ، دروس في أصول القانون ، ص 52 .
(2) المرجع السابق ، ص 52 - 53 .
(3) د . توفيق حسن فرج ، المدخل للعلوم القانونية ، ص 47 .

(1/17)


ويتضح أن القانون الجنائي يشتمل على طائفتين من الأحكام : أحكام موضوعية ، وهي التي تبين الجرائم وتحديد العقوبة لكل جريمة ، وأحكام إجرائية وهي التي تبين الإجراءات التي يجب اتباعها منذ وقوع الجريمة إلى حين توقيع العقاب على الجاني .
وعلى ذلك فالقانون الجنائي ينقسم إلى فرعين كل منهما مستقل عن الآخر ، أحدهما : قانون العقوبات ، والثاني : قانون الإجراءات الجنائية .
- فقانون العقوبات : هو مجموعة الأحكام التي تحدد الجرائم والعقوبات (1) ، وينقسم إلى قسمين ، هما :
قسم عام : يشمل القواعد التي تحدد الأحكام العامة للجريمة والعقوبة ، فيبين أنواع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات ، وأركان الجريمة ، والأحكام التي تحدد العقوبات من حيث أنواعها ، وحالات تعددها ، ومتى تخفف ، ومتى تسقط ، ومتى يعفى منها .
قسم خاص : يشمل الأحكام الخاصة بكل جريمة على حدة ، ويبين أركانها ، وصورها المختلفة ، والعقوبات التي توقع على مرتكبيها (2) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 48 .
(2) المرجع السابق ، ص 48 .

(1/18)


- وقانون الإجراءات الجنائية : هو مجموعة الأحكام التي تبين الإجراءات التي يجب اتباعها ، منذ أن تحدث الجريمة إلى أن يوقع العقاب على مرتكبها ، من حيث ضبط المتهم ، والقبض عليه ، والتحقيق معه ، ومحاكمته ، وتنفيذ العقوبة المحكوم عليه بها (1) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 48 - 49 .

(1/19)


ثانيا : فروع القانون الخاص :
يعتبر القانون المدني أصلا للقانون الخاص ، وبالانفصال عنه نشأت فروع أخرى للقانون الخاص ، وهذه الفروع إما أن تحكم قواعد موضوعية كالقانون التجاري والبحري والجوي والعمل ، أو قواعد إجرائية كقانون أصول المحاكمات المدنية ، وقانون المرافعات التجارية والمدنية ، وإلى جانب هذه الفروع ظهر فرع آخر وهو : القانون الدولي الخاص ؛ حيث تنفرد أحكامه بوظيفة معينة فيما يتعلق بالأمور ذات العنصر الأجنبي ؛ وعلى هذا فتكون فروع القانون الخاص خمسة ، هي :
أ - القانون المدني :
وهو مجموعة الأحكام التي تنظم الروابط الخاصة بين الأشخاص في المجتمع ، إلا ما يتكفل بتنظيمه فرع آخر من فروع القانون الخاص (1) ، وهذا يعني أن القانون المدني يعتبر الأصل في علاقات القانون الخاص ، وذلك لأن القانون المدني هو أصل الفروع الأخرى للقانون الخاص ، ويعني :
- أنه ينظم ارتباط الأفراد بغض النظر عن طبيعتهم ومهنتهم التي يمتهنونها ، وبخلاف الفروع الأخرى من القانون الخاص ، التي تعنى بطوائف ومهن معينة ، أو حالات وأوضاع معينة .
_________
(1) د . عبد المنعم فرج الصدة ، مبادئ القانون ، ص 45 .

(1/20)


- أن قواعده يرجع إليها في كل مسألة مسكوت عنها في الفروع الأخرى من فروع القانون الخاص ، عدا القانون الدولي الخاص ، وهذا الفرع ينظم نوعين من الروابط ، هما : الأحوال الشخصية ، والأمور المالية (1) .
ب - القانون التجاري :
وهو مجموعة الأحكام التي تنظم نشاط التجار في ممارستهم لمهنتهم (2) ، والمعاملات التجارية لا تعدو أن تكون معاملات مالية تشبه ما ينظمه القانون المدني منها ، وهي ما كانت في البداية محكومة بقواعد هذا القانون ، إلا أنه تبين بعدئذ قصور هذه القواعد عن سد حاجات التعامل التجاري إلى السرعة والأمان ؛ فبدأت النظم الخاصة بالتجارة تظهر تدريجيا ، وكمل تنظيمها حتى استوت على سوقها ، فشكلت فرعا مستقلا عن القانون المدني ، هو القانون التجاري ، ويلحق بالقانون التجاري : القانون البحري ، والقانون الجوي . فالقانون البحري هو مجموعة الأحكام التي تنظم النشاط التجاري البحري ، فهو جزء من القانون التجاري ، ولكن نظرا لازدياد عدد قواعده استقل حتى أنه من الممكن أن يعتبر فرعا مستقلا من فروع القانون الخاص .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 45 - 46 .
(2) جميل شرقاوي ، دروس في أصول القانون ، ص 58 - 62 .

(1/21)


والقانون الجوي ، أحدث فروع القانون الخاص ، وهو مجموعة الأحكام التي تنظم المسائل المتعلقة بالملاحة الجوية ، على غرار تنظيم القانون البحري لمسائل الملاحة البحرية ، وقد بدأت قواعده بعد استعمال الطائرات وسائل نقل ، ونظرا لحداثته لا تزال القواعد المكونة له متبعثرة في عدة تشريعات ولم تقنن بعد (1) .
ب - قانون العمل :
وهو مجموعة الأحكام التي تنظم الارتباط بين العمال وأصحاب العمل (2) ، وهذا الفرع حديث المنشأ نسبيا ، فقد كانت العلاقة بين العامل ورب العمل تخضع للقانون المدني ، وكان نشوء هذا الفرع رد فعل من جانب العمال الذين تكونت منهم طبقة اجتماعية جديدة لها وزنها وقوتها ، بعد قيام النهضة الصناعية الحديثة ؛ للاختلال الحاصل في عقد العمل ، الواضح في جور الشروط والقيود التي يفرضها أرباب العمل .
د - قانون المرافعات :
قانون أصول المرافعات المدنية والتجارية كما يسميه فقهاء القانون المصري أو قانون أصول المحاكمات المدنية ، كما يسميه فقهاء القانون اللبناني ، هو مجموعة الأحكام التي تنظم السلطة القضائية ، وتبين الإجراءات الواجب اتباعها لتطبيق الأحكام الموضوعية في القانون المدني والقانون التجاري (3) .
_________
(1) جميل شرقاوي ، دروس في أصول القانون ، ص 58 - 63 .
(2) د . عبد المنعم فرج الصدة ، مبادئ القانون ، ص 49 .
(3) المرجع السابق ، ص50 .

(1/22)


فهو قانون إجرائي يتكفل بأمرين هما :
1 - تنظيم السلطة القضائية ، وذلك بتنظيم مجموعتين من القواعد هما :
- قواعد النظام القضائي ، وهي التي تبين أنواع المحاكم وتشكيلها ، وشروط تنصيب القضاة ، وحقوقهم ، وواجباتهم .
- قواعد الاختصاص ، وهي التي تتعلق بتوزيع ولاية القضاء على المحاكم بطبقاتها المختلفة .
2 - بيان الإجراءات التي تتبع لحماية الحقوق واقتضائها (1) .
هـ - القانون الدولي الخاص :
وهو مجموعة الأحكام التي تعنى بصفة أساسية ، ببيان المحكمة المختصة ، وتحديد القانون الواجب التطبيق فيما يتعلق بالعلاقات القانونية الخاصة والتي يدخل العنصر الأجنبي طرفا فيها (2) . أي تلك العلاقات التي تدخل ضمن نطاق القانون الخاص ، ويكون أحد عناصرها متصلا بدولة أجنبية ، فيوضح هذا القانون المحكمة المختصة والقانون الواجب تطبيقه في واقعة ما .
ويضم في نطاق موضوعات القانون الدولي الخاص ، موضوعات ثلاثة أخرى وذلك باعتبارها مسائل أولية ، قد تسهم في تعيين الاختصاص القضائي أو التشريعي ، وهذه الموضوعات هي :
- الجنسية وهي علاقة تبعية الفرد للدولة .
- الوطن ، وهو علاقة الفرد بالدولة نتيجة إقامته فيها .
_________
(1) المرجع السابق ، ص50 .
(2) المرجع السابق ، ص 51 .

(1/23)


- مركز الأجانب ، وهو ما يمكن أن يتمتع به الأجانب من حقوق ، أو يتحملوه من تكاليف وواجبات في الدولة التي يوجدون على أرضها (1) .
ويلاحظ أنه على الرغم من وجود كلمة " دولي " في هذا القانون ، إلا أنه في الواقع قانون وطني ، فلكل دولة قواعد تطبق في محاكمها في هذا الخصوص ، كما تطبق أي قانون داخلي ، وقد تختلف من دولة لأخرى ، بخلاف القانون الدولي العام ، الذي تعتبر قواعده واحدة واجبة الاحترام من جميع الدول على حد سواء (2) .
وفي الصفحة التالية شكل يوضح أقسام القانون وفروعه .
- أقسام القانون وفروعه التي تم ذكرها في هذا المبحث :
القانون
** القانون العام
القانون الخاص القانون الدولي العام ـ [قانون سلم ـ قانون حرب] القانون المدني القانون الدستوري بحري ـ جوي ـ القانون التجاري القانون الإداري والمالي قانون العمل القانون الجنائي قانون العقوبات [ قسم خاص ـ قسم عام ] قانون الإجراءات الجنائية قانون المرافعات القانون الدولي الخاص
_________
(1) المرجع السابق ، ص 51 .
(2) المرجع السابق ، ص 53 .

(1/24)


الفصل الثاني
الدستور
المبحث الأول : تعريف الدستور .
المبحث الثاني : أنواع الدساتير .
المبحث الثالث : أساليب نشأة الدستور وتطوره في العصر الحديث
المبحث الرابع : أساليب نهاية الدستور .
المبحث الخامس : مصادر الدستور .
المبحث السادس : مقومات الدستور الأساسية .
المبحث الأول
الدستور
- التعريف اللغوي :
الدستور كلمة فارسية تعني الدفتر الذي تكتب فيه أسماء الجند ، والذي تجمع فيه قوانين الملك ، وتطلق أيضا على الوزير ، وهي مركبة من كلمة " دست " بمعنى قاعدة ، وكلمة " ور" أي صاحب ، وانتقلت إلى العربية من التركية بمعنى (قانون ، وإذن) ثم تطور استعمالها حتى أصبحت تطلق الآن على القانون الأساسي في الدولة (1) .
- التعريف الاصطلاحي :
يعرف الدستور اصطلاحا بأنه مجموعة الأحكام التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، وسلطاتها ، وطريقة توزيع هذه السلطات ، وبيان اختصاصاتها ، وبيان حقوق المواطنين وواجباتهم (2) .
وينطبق تعريف الدستور هذا على تعريف القانون الدستوري ؛ لأن القانون الدستوري هو الأحكام الدستورية المطبقة في بلد ما ، والدستور المطبق في بلد ما هو مجموعة الأحكام الدستورية الخاصة بهذا البلد .
_________
(1) د . محمد موسى هنداوي ، المعجم في اللغة الفارسية ، ص 207 ، السيد آدي شير ، معجم الألفاظ الفارسية المعربة ، ص 63 مكتبة لبنان 1970م ، أحمد عطية الله ، المعجم السياسي ، ص 251طبعة ثالثة - دار النهضة العربية 1968م .
(2) د . عبد العزيز النعيم ، أصول الأحكام الشرعية ومبادئ علم الأنظمة ، ص 182 .

(1/25)


ويعتبر الدستور أهم القوانين السارية في الدولة ، بل أساس هذه القوانين ، ويجب ألا تخالف القوانين حكما أو أحكاما دستورية .
ويجرى وضع الدستور عادة عن طريق سلطة أعلى من السلطة التشريعية ، وتسمى السلطة التأسيسية ، وتتم إجراءات تعديل أحكام الدستور بطريقة أشد تعقيدا من الإجراءات المتبعة لتعديل الأحكام القانونية الأخرى .
وتطلق كلمة الدستور أحيانا فتنصرف إلى الوثيقة التي تحمل هذه التسمية ، أو ما يراد ضمنها ، مثل القانون الأساسي للدولة ، وهذا هو المعنى الشكلي للدستور ، إلا أن هذا التعريف يخرج ما قد يكون دستوريا بطبعه إذا لم يرد في تلك الوثيقة ، كالأمور الدستورية التي يكون العرف مصدرها .
وظهور المعنى الشكلي للدستور ، كان نتيجة لانتشار حركة تدوين الدساتير في العصر الحديث ، تلك الحركة التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى فرنسا ، ثم إلى بقية الدول ، حيث كانت دساتير الولايات المتحدة الأمريكية ثم دستورها سنة 1778م أول الدساتير المكتوبة في التاريخ الحديث ، تلاه الدستور الأول للثورة الفرنسية سنة 1971م ، وانتشرت بعد ذلك حركة تدوين الدساتير فعمت بلاد العالم (1) .
_________
(1) د . محمد حسين عبد العال ، القانون الدستوري ، ص 13 - 14 ، طبعة عام 1975م ، د . عبد الحميد متولي ، القانون الدستوري والأنظمة السياسية ، ص جـ 2 ص 19 ، 20 ، طبعة ثالثة ، د . الشافعي محمد بشير ، القانون الدستوري والنظم السياسية السودانية ، ص 7 - 8 طبعة عام 1970م .

(1/26)


المبحث الثاني
أنواع الدساتير
يتم تحديد نوع الدستور وفقا للمعيار الذي يرجع إليه عند التحديد ، وهناك معياران لتحديد نوع الدستور هما : التدوين ، وكيفية التعديل .
من حيث التدوين وعدمه ، يكون للدستور نوعان ، دستور مدون ، ودستور غير مدون .
ومن حيث كيفية التعديل ، يكون للدستور نوعان أيضا هما : الدستور المرن ، والدستور الجامد ، وفيما يلي توضيح ذلك .
أولا : من حيث التدوين وعدمه :
تنقسم الدساتير من حيث المصدر إلى نوعين ، وهما الدساتير المدونة والدساتير غير المدونة أو العرفية ، ويرى البعض (1) . أن استخدام مصطلح غير المدون أدق ، لأنه يشمل المصادر غير التشريعية ، سواء تمثلت في العرف أو القضاء .
ومناط هذا التقسيم هو التدوين ، والمقصود بالتدوين ليس فقط تسجيل الحكم في وثيقة مكتوبة ، وإنما المقصود به التسجيل في وثيقة رسمية من سلطة مختصة بسنها وهو ما يسمى بالتدوين الفني أو الرسمي (2) .
ويعتبر الدستور مدونا إذا كان صادرا في أغلبه في وثيقة أو عدة وثائق رسمية عن طريق المشرع الدستوري ، ويعتبر غير مدون إذا كان مستمدا في أغلبه عن طريق العرف أو القضاء ، وليس عن طريق التشريع (3) .
_________
(1) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، القسم الأول ص 74 ، منشأة المعارف ، الإسكندرية .
(2) المرجع السابق ، ص 74 .
(3) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، القسم الأول ص 74 .

(1/27)


والحقيقة أن تقسيم الدساتير إلى مدونة وغير مدونة ، هو تقسيم نسبي فلا يوجد دستور في العالم إلا ويشمل أحكاما صدرت عن طريق التشريع ، وأخرى صدرت عن المصادر الأخرى المتمثلة في العرف والقضاء ، ومثال ذلك دستور إنجلترا حيث يعتبر المثال التقليدي للدستور غير المدون ، وبالرغم من ذلك فهو يشمل وثائق رسمية لها أهميتها كالعهد الأعظم MAGNA CHARTA سنة 1215 م , وملتمس الحقوق سنة 1628م POTITION OF RIGHT وقانون الحقوق BILL OF RIGHTS وقانون توارث العرش ACT OF SETTLEMENT ACT سنة 1701 م وقانون البرلمان - PARLIA MENT ACTسنة 1911م (1) .
وتؤكد التجارب الدستورية في الدول ذات الدساتير المدونة أنه مهما يكن الدستور المدون للدولة مفصلا ، فلا بد أن ينشأ عقب صدوره ظروف وتطورات ، تؤدي إلى نشؤ أحكام جديدة تفسره ، أو تكمله ، أو تعدله ، يكون مصدرها العرف أو القضاء . وأغلب دول العالم لها اليوم دساتير مدونة ماعدا بريطانيا ، حيث انتشرت حركة تدوين الدساتير بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية ووضعها لدساتيرها المدونة .
ثانيا : من حيث كيفية التعديل :
_________
(1) المرجع السابق ، ص 75 .

(1/28)


تنقسم الدساتير حسب هذا المعيار إلى دساتير مرنة ، وأخرى جامدة ، فالدساتير المرنة هي التي يمكن تعديلها بالإجراءات نفسها التي تعدل بها القوانين العادية ، والدساتير الجامدة هي التي يتطلب تعديلها إجراءات أشد من الإجراءات التي يعدل بها القانون العادي .
والهدف من جعل الدستور جامدا ، هو كفالة نوع من الثبات لأحكامه عن طريق تنظيم يجعل تعديله عسيرا (1) .
وكون الدستور جامدا يحمي مواده من العبث والتغيير المستمر ، لسبب ولغير سبب .
وتنقسم الدساتير الجامدة إلى دساتير تحظر التعديل ، ودساتير تجيزه بشروط خاصة :
1 - فالدساتير التي تحظر التعديل لا ينص على الحظر فيها صراحة ، وإنما يتم اللجوء إلى الحظر الزمني ، أو الحظر الموضوعي ، ويقصد بالحظر الزمني ، حماية الدستور فترة من الزمن - لضمان نفاذ أحكام الدستور كلها أو جزء - تكفي لتثبيتها قبل أن يسمح باقتراح تعديلها ، مثال ذلك دستور الاتحاد الأمريكي الصادر سنة 1789م ، فقد حظر تعديل بعض أحكامه قبل سنة 1808م .
_________
(1) القانون الدستوري والنظم السياسية ، مرجع سابق ، ص 75 .

(1/29)


أما الحظر الموضوعي فيقصد به ، حماية أحكام معينة ، بحيث لا يمكن تعديلها ، ويكون هذا عادة للأحكام الجوهرية في الدستور ، ولا سيما ما يتعلق منها بنظام الحكم المقرر ، ومثاله الدستور الفرنسي لسنة 1875م ، حيث نصت المادة الثامنة منه ، وفقا للفقرة المضافة إليها في 14 أغسطس 1884م ، بأنه لا يجوز أن يكون شكل الحكومة الجمهوري محلا للتعديل (1) .
2 - أما الدساتير التي تجيز التعديل بشروط خاصة : فتختلف هذه الدساتير في كيفية تعديلها ، والشروط المعتبرة لذلك ، ويرجع هذا الاختلاف لاعتبارين : أحدهما سياسي ، والآخر فني ، أما الاعتبار السياسي فيتمثل في أن التنظيم المقرر لتعديل الدستور لا بد وأن يرعى جانب السلطات التي يقوم عليها نظام الحكم ، وأما الاعتبار الفني ، فيتمثل في أسلوب الصياغة المأخوذ بها عند وضع الدستور ، ويظهر جليا أثر هذه الأساليب في ناحيتين هما :
- شرط التماثل في الأوضاع القانونية بين نشأة الدستور وتعديله ، مما يؤدي إلى التشدد في إجراء التعديل .
- الاقتصار على تنظيم الأسس الجوهرية في الدستور ، مما يؤدي إلى التشدد في إجراءات تعديله ، بينما إيراد التفصيلات في الدستور ينتج عنه التيسير في تعديله (2) .
_________
(1) القانون الدستوري والنظم السياسية ، مرجع سابق ، ص 77 - 78 .
(2) المرجع السابق ، ص 196 .

(1/30)


وتحسن الإشارة - قبل ختم هذا المبحث - إلى أن بعض الباحثين القانونيين (1) ، يخلط بين تقسيم الدساتير إلى مدونة وغير مدونة ، وتقسيمها إلى مرنة وجامدة ، معتبرا أن كل دستور مدون جامدا ، وكل دستور غير مدون مرنا ، وهذا الخلط غير صحيح ، لاختلاف هذين التقسيمين من حيث المعيار الذي على أساسه تم التقسيم ، فهذا مرتبط بالمصدر ، وذاك مرتبط بكيفية التعديل ، ومن خلال تتبع بعض التجارب الدستورية المختلفة ، نجد أنه قد يكون الدستور مدونا ومرنا في الوقت نفسه ، كما في دستور فرنسا لسنة 1814م ، وسنة 1830م ، ودستور إيطاليا لسنة 1848م ، ودستور الاتحاد السوفيتي لسنة 1918م ، ودستور إيرلندا الحرة لسنة 1922م .
_________
(1) د . السيد صبري في كتابه النظم الدستورية في البلاد العربية ، ص 136 - 141 ، جامعة الدول العربية 1956م ، مثلا .

(1/31)


وقد يكون الدستور غير مدون ومستندا إلى العرف ، وهو في الوقت نفسه جامد ، ففي المدن اليونانية القديمة وجدت تفرقة بين القوانين العادية وقوانين أخرى ، مثل القوانين الدائمة وقوانين المدينة ، وكان يشترط لتعديل الأخيرة شروط خاصة وإجراءات أكثر أهمية ، مما يضفي عليها صفة الجمود ، وكذا في العهد الملكي في فرنسا وجدت القوانين الأساسية التي لم يكن يكفي لتعديلها موافقة السلطة التشريعية العادية وإنما يلزم لذلك موافقة الهيئة النيابية (1) .
ولعل سبب هذا الخلط هو أن دساتير العالم اليوم أصبحت في الغالب مدونة ، فيما عدا الدستور الإنجليزي ، وأنها في الوقت نفسه جامدة فارتبطت لدى القائلين بذلك فكرة التدوين بالجمود ، وفي المقابل فكرة عدم التدوين بالمرونة .
_________
(1) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، قسم أول ، ص 75 - 77 .

(1/32)


المبحث الثالث
أساليب نشأة الدستور وتطوره في العصر الحديث
يرى بعض (1) فقهاء القانون الدستوري أن نشأة الدساتير تنحصر في طرق ثلاثة ، هي :
1 - طريق المنحة ، كالدستور الفرنسي لسنة 1814م حينما منح لويس الثامن عشر ذلك الدستور للأمة الفرنسية عقب سقوط نابليون ، والدستور الروسي الصادر سنة 1906م ، والدستور الياباني الصادر سنة 1889 م .
2 - طريق جمعية وطنية منتخبة من الشعب ، تصدر الدستور كما هو الحال في الدستور البلجيكي سنة 1875م ، ودستور الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1787م ، والدستور الألماني سنة 1919م .
3 - طريق وسط بين الطريقين السابقين ، بحيث يكون الدستور نتيجة تعاقد بين الملك وشعبه ، كما حدث (2) في إنجلترا عند صدور العهد الكبير سنة 1215م ، وإعلان الحقوق سنة 1688م (3) .
ويرى آخرون أن نشأة الدساتير محصورة في طريقتين ، هما :
1 - الأساليب الملكية ، وتنقسم إلى أسلوبي المنحة والتعاقد .
2 - الأساليب الديمقراطية ، وتنقسم إلى أسلوبين ، هما الجمعية التأسيسية ، والاستفتاء التأسيسي .
وقد تضمنت هاتان الطريقتان أربعة أساليب ، يضيف إليها البعض (4) أسلوبا خامسا ، وهو الاستفتاء السياسي .
_________
(1) د . السيد صبري ، والدكتور عثمان خليل ، والأستاذان وحيد رأفت ووايت إبراهيم ، ومعظم رجال الفقه الدستوري المصري
(2) النظم الدستورية في البلاد العربية . د . السيد صبري - ص 139 .
(3) مثل : الفقيه الفرنسي لانسارلير وبرتلمي وبيبدور وفيدل - القانون الدستوري - وسعد عصفور - ص211ـ 213 .
(4) د . سعد عصفور ، القانون الدستور ، ص 212 .

(1/33)


والحقيقة أن حصر طرق نشأة الدساتير في أساليب معينة أمر غير مسلم به لأنه يمكن أن تتنوع هذه الطرق تبعا لتنوع أنظمة الحكم وأن تتطور بتطورها ؛ وأن هذه الطرق التي حددها الفقهاء القانونيون ، والتي عرفت حتى الآن ، إنما تعكس في نشأتها المراحل الرئيسية التي مرت بها أنظمة الحكم ، وهذا ما يرجحه بعض (1) فقهاء القانون ، وعليه فإنه يمكن تحديد المراحل التي مر بها هذا التطور ، وحصرها في ثلاث مراحل ، هي :
المرحلة الأولى :
اتسمت بوجود تيارات في الدول الأوربية تطالب بوجود الدستور ، فوجد الدستور عن طريق المنحة من قبل ملوك الدول الأوربية إلى شعوبهم .
المرحلة الثانية :
تميزت بازدياد قوة تلك التيارات بحيث وجدت الدساتير عن طريق مشاركة الشعب في السلطة التأسيسية ، وهي الطريقة التي تسمى طريقة التعاقد .
المرحلة الثالثة :
_________
(1) المرجع السابق ، ص - 315 .

(1/34)


تميزت بتغلب تلك التيارات ، وذلك بصدور الدساتير عن طريق سلطة تأسيسية منتخبة من الشعب ، وأول ما نشأ من ذلك ، أسلوب الجمعية التأسيسية في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عند استقلالها عن إنجلترا سنة 1776م ، والدستور الاتحادي الذي وضعه مؤتمر فلادلفيا سنة 1787م ، ثم أخذ هذا الأسلوب في الانتشار حيث لقي إقبالا كبيرا في فرنسا ، إلا أنه ساعد على إقرار الفكرة التي كانت قائمة وقتها في فرنسا والمتضمنة التفريق بين القوانين الدستورية والعادية ، عن طريق وجود سلطتين ، إحداهما تأسيسية ، والأخرى تشريعية ، وبعد انتشار مبدأ الديمقراطية لجأ كثير من الدول لهذا الأسلوب في وضع دساتيرها ، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، كما في دستور ألبانيا لسنة 1946م ، ويوغسلافيا لسنة 1946م ، وإيطاليا لسنة 1947م (1) .
_________
(1) المرجع السابق ص / 206 - 215 .

(1/35)


ومما تقدم يتبين أن أساليب نشأة الدساتير تتنوع تبعا للظروف التي يوجد فيها كل دستور ، ولا ينبغي للباحث أن يعالج هذه الأساليب بصورة توحي بأنها قابلة للحصر ، وإنما يجدر به أن يردها إلى اتجاهات رئيسة تبرز السلطة التي تولت إنشاء الدساتير على النحو الذي سبق ، لأنه يمكن أن تنشأ أساليب أخرى غير هذه الأساليب التي يحددها رجال القانون ، وفق ظروف وبيئات معينة تكون لها سمات فكرية وحضارية تختلف كثيرا أو قليلا عن تلك الملامح الفكرية والحضارية والتاريخية لهذه الدول التي نشأت فيها الأساليب التي يحددها فقهاء القانون الدستوري ، وبالتالي فإنه لن يكون هناك أي حرج على الباحث ، في اعتبار هذه الأساليب من أساليب نشأة الدساتير وبالعكس في حالة الالتزام بطرائق معينة لنشأة الدساتير ، فإن الباحث يلزم نفسه بإقحام الأساليب غير المحصورة ، بالأساليب المحصورة ، بشكل أو بآخر ، وينتج عن ذلك خلط في المفاهيم والأساليب ، وعدم اعتبار للظروف التي صاحبت وجود أسلوب أو أساليب معينة ، علما بأن هذه الظروف والمتغيرات هي الأساس الذي ينبغي أن يركز عليه الباحث ، باعتبارها متغيرات رئيسة لإقرار الفكرة التي يهدف إليها في بحثه .

(1/36)


المبحث الرابع
أساليب نهاية الدستور
يقصد بنهاية الدستور ، إلغاؤه كليا ، أو تعديله تعديلا شاملا .
ومن تتبع بعض التجارب الدستورية المختلفة ، وجد أنه وإن اختلفت الدساتير من حيث كيفية نهايتها ، إلا أنه بشكل عام ، يمكن أن ترجع هذه الكيفية إلى أساليب ثلاثة ، هي :
1 - الأسلوب العادي :
في ظل الدساتير المرنة ، هناك سلطة واحدة تملك تعديل القوانين جميعا بالإجراءات نفسها ، أما في حالة الدساتير الجامدة ، فإن تعديلها يتطلب إجراءات أشد من الإجراءات المتبعة لتعديل القانون العادي ، ومعظم الدساتير الجامدة لا تنظم سوى الكيفية التي تعدل بها تعديلا جزئيا ، بحيث تجيز للسلطة المختصة بإنشاء الدستور تعديل بعض أحكامه ولا تجيز لها إلغاءه ، أو تعديله تعديلا شاملا .
والقاعدة المتبعة في القانون الوضعي ، أن الأمة بوصفها صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية هي صاحبة الحق فقط في إلغاء دستورها في أي وقت تشاء وأن تضع دستورا جديدا عن طريق جمعية تأسيسية تنتخبها ، أو استفتاء تأسيسي أو عن أي طريق دستوري آخر تراه ملائما لتحقيق هذا الغرض .

(1/37)


وعلى هذا يكون إنهاء الدستور بالأسلوب العادي ، أو ما يمكن أن يسمى بالأسلوب السلمي ، يختلف حسب نوعية الدستور في كل دولة ، هل هو جامد أو مرن ، وهل ينص على كيفية التعديل والإلغاء في بنوده أولا ينص (1) .
2 - الأسلوب غير العادي :
ويسميه البعض الأسلوب الثوري يكون ذلك بإلغاء الدستور نتيجة لظروف غير عادية أدت إلى هذا الإلغاء أو إلى تعطيل الدستور .
ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في التاريخ الدستوري الفرنسي ، فإن الذين يتسببون في هذا الإلغاء أو التعطيل يقصدون تحقيق أهداف مختلفة ، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية ، أم اجتماعية ، أم غيرها ، يكون سبيلهم إليها تسلم سلطات الحكم ، ويؤدي ذلك إلى سقوط الدستور القائم إنشاء دستور جديد ، وبغض النظر عن صحة هذا الأسلوب في تحقيق الأهداف ، وهل له سند قانوني أو لا ، مما هو مجال بحث وخلاف بين فقهاء القانون الدستوري ، فإن ما يهدف إليه هذا المبحث هو معرفة الأثر المترتب على ذلك ، وهو نهاية الدستور القائم وقيام بديل له .
_________
(1) د . سعد عصفور ، القانون ، ص / 206 - 215 .

(1/38)


والفقهاء القانونيون متفقون على أن سقوط الدستور لا يسقط القوانين العادية التي صدرت بإجراء سليم في ظل الدستور السابق ، ما لم ينص على ذلك صراحة أو ضمنا ، وكذلك الأحكام الموجودة في الدستور وليست أحكاما دستورية ، فإنها تأخذ الحكم نفسه الذي تأخذه القوانين العادية ؛ لأن إلغاء الدستور يقصد به تعديل النظام السياسي للدولة ، وهذه الأحكام ليست من الأحكام الأساسية ، وإنما وضعت في الدستور صيانة لها من التعديل وإعطاءها حصانة شكلية اكتسبتها من وجودها ضمن مواد الدستور ؛ فتبقى هذه الأحكام ، وهنا تزول عنها الصفة الدستورية وتعامل مستقبلا معاملة القوانين العادية ، ما لم تعد إلى الدستور الجديد بنص صريح (1) .
3 - أسلوب العرف :
_________
(1) المرجع السابق ، ص 216 - 220 .

(1/39)


وذلك أن العرف قد يجرى بعدم تطبيق الدستور ؛ نظرا لظروف تقتضي عدم تطبيقه ، فالدستور موجود ولم يلغ ، ولم يطالب أحد بإلغائه ، ولكن يستقر العرف بعدم تطبيق نصوصه ، وذلك مثل العرف الذي جرى بعدم تطبيق الدستور الثاني للثورة الفرنسية الصادر سنة 1793م ، ويختلف الفقهاء في أثر العرف على الدستور القائم على رأيين : أحدهما يرى جوازه إذا توافرت أركان العرف المادية والمعنوية ، والثاني يرى عدم الجواز ، ويقولون : إن النصوص الدستورية لا تلغى بعدم التطبيق ، وإنما بالطريقة نفسها التي وجدت بها (1) .
_________
(1) د . إسماعيل بدوي ، مبادئ القانون الدستوري ، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية ، ص 49 ، طبعة دار الكتاب الجامعي - القاهرة 1399هـ .

(1/40)


المبحث الخامس
مصادر الدستور
حدد فقهاء القانون أربعة مصادر للدستور يستمد منها أحكامه ، وهي : الفقه والقضاء ، والعرف ، والتشريع ، وفيما يلي استعراض موجز لهذه المصادر :
1 - الفقه القانوني :
يعتبر الفقه في السابق مصدرا للقانون ، أي أن القاعدة القانونية التي مصدرها الفقه تكتسب صفة الإلزام ، ومع التطور الذي مر على القانون بفروعه المختلفة ، أصبح الفقه مصدرا ماديا للقانون ، أي أنه الطريق الذي تتكون به القاعدة القانونية وتستمد منه مادتها وموضوعها ، فلم يعد يعتمد عليه في تفسير النصوص التي يسنها المشرع ، لذلك يسميه بعض الفقهاء بالمصدر التفسيري (1) فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون ، فهو لا يعدو أن يكون مجموعة من النظريات التي ليست لها صفة الإلزام ، ويظهر أثر الفقه في مجال القانون الدستوري الإنجليزي أكثر منه في مجالات القوانين الأخرى ؛ لأن النصوص الدستورية في إنجلترا قليلة جدا ، فتبقى محتاجة إلى أن تدرس من جانب الفقهاء (2) .
2 - القضاء :
القضاء مجموعة الأحكام الصادرة من المحاكم أثناء تطبيقها للقانون على المنازعات المعروضة ، وهي على ضربين :
- أحكام عادية هي مجرد تطبيق للقانون .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 57 - 60 .
(2) المرجع السابق ، ص 60 - 61 .

(1/41)


- أحكام متضمنة لمبادئ غير منصوص عليها أو حاسمة لخلاف حول النص .
وكان القضاء مصدرا رسميا ، وأصبح الآن مصدرا ماديا (1) , ويبرز دوره في تفسير النصوص التشريعية كالفقه ، ولكنه يختلف عن الفقه في أن الفقيه يفترض أمورا محتملة لم تقع ، ويقترح لها حلولا مناسبة ويردها إلى الأصول والنظريات ، فالفقه له طابع العمومية ، واستباق الأحداث ، ومسايرة التطور ، أما القضاء فينظر فقط فيما يعرض عليه من قضايا ويسعى إلى الفصل فيها ، على هدي الاعتبارات العملية التي تحتل المكان الأول في ساحته ، فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون ، والقضاء يمثل الناحية العملية أو التطبيقية ، والأحكام الدستورية في بريطانيا تدين كثيرا للسوابق القضائية التي أنشأت أحكاما دستورية جديدة ، إما بدعوى وتفسير أحكام دستورية غامضة ، وإما لحسم خلاف حول نص دستوري أو بحكم في أمر لم ينص عليه (2) .
3 - العرف :
اختلف الفقهاء القانونيين في كون العرف مصدرا رسميا للدستور على رأيين :
_________
(1) أي أنه مصدر تفسيري للقاعدة القانونية .
(2) المرجع السابق ، ص 62 - 65 .

(1/42)


- أحدهما ، لا يسلم بغير التشريع مصدرا ، وينكر كل قيمة للعرف إلا إذا أقره المشرع ، أو اعترف به القضاء ، إلا أن معتدلي هذا الاتجاه يسلمون بالعرف مصدرا على أساس أنه يمثل الإرادة المفترضة للمشروع .
- أما الرأي الآخر : فيعتبر العرف مصدرا ، ويلقى هذا الرأي تأييد معظم فقهاء الدستور (1) .
ومعلوم أن فكرة الدولة ظهرت تدريجيا تحت تأثير مجموعة من العوامل التاريخية ، وذلك على مراحل متدرجة ، إلى أن اكتملت عناصر قيامها ، حيث صاحب ذلك استقرار مجموعة من القواعد التي تبين كيفية تنظيم سلطاتها ، ومصدر هذه القواعد هو العرف ؛ لأنها قواعد نتجت عن التقاليد والعادات ، ومن ثم كانت قواعد عرفية .
ولكن مع التطور التاريخي ، وظهور الدساتير المكتوبة وانتشارها في معظم دول العالم ، لم يعد العرف مصدرا رئيسا لقواعد الدستور فيما عدا إنجلترا ، فلا خلاف في أهمية العرف ، ومكانته بالنسبة للدول التي ليس لها دساتير مكتوبة ، ولكن يختلف الفقهاء حول دور العرف ومكانته واعتباره مصدرا للدستور بالنسبة للدول ذات الدساتير المكتوبة ، وهم في ذلك على رأيين :
- أحدهما : ينكر كل دور للعرف في الشؤون الدستورية .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 66 وما بعدها .

(1/43)


- والآخر : يقر للعرف هذه القواعد بالنسبة لنصوص وثيقة الدستور (1) .
4 - التشريع :
التشريع هو سن القواعد القانونية ، وإكسابها قوتها الملزمة عن طريق سلطة مختصة وفقا لإجراءات معينة (2) ، ولقد ازدادت أهمية التشريع باعتباره مصدرا رسميا للقانون بازدياد التطور التدريجي للمجتمعات ، فبينما كان العرف مصدرا رئيسا للقواعد القانونية المنظمة للمجتمع في العصور القديمة أخذ دور العرف يقل تدريجيا ، ويزداد دور التشريع ، وذلك لانتقال المجتمعات إلى مرحلة التنظيم السياسي وقيام الدولة ، وكذلك لأنه أصلح المصادر الرسمية وأكثرها ملاءمة لحاجات الجماعة المتطورة ، فالعرف وإن كان يصدر عن الجماعة إلا أنه بطيء في نشوئه وتطوره ، فضلا عما قد يشوبه من غموض بجهل قواعده ، في حين أن التشريع وسيلة ميسرة وسريعة في انتشار القواعد القانونية وتعديلها ، ووضوحها ، وانضباطها ، فالتشريع هو المصدر الرسمي الرئيس للقانون بشكل عام وللدستور بشكل خاص (3) .
_________
(1) د . محمد حسين عبد العال ، القانون الدستوري ، ص 87 - 89 .
(2) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والأنظمة السياسية ، القسم الأول ، ص40 - 41 .
(3) المرجع السابق ، ص 40 - 41 .

(1/44)


ويحدد عادة في الدستور السلطة المختصة بالتشريع ، وتسمى السلطة التشريعية ، وكيفية ممارستها لواجباتها ، وكيفية تكوينها ، وقد يوجد في الدولة الواحدة أكثر من سلطة تشريعية ، ففي الدول التي يكون دستورها غير مرن لا بد من وجود سلطة تأسيسية أو دستورية لإقرار وتعديل الدستور ، غير السلطة التشريعية المختصة بالتشريع العادي ، فيكون تدرج قوة التشريع تسلسليا من التشريع الدستوري إلى التشريع العادي إلى التشريع الفرعي ، ولا يجوز لأي تشريع أن يخالف تشريعا أعلى منه درجة ، وفي حالة وجود ذلك يكون التشريع المخالف غير شرعي ، ولضبط عملية مشروعية التشريعات ، وتنظيم رقابتها ، وتقرير الجزاء المناسب بالنسبة للتشريع المخالف ، نشأ ما يسمى برقابة مشروعية التشريع بفرعيها وهما : رقابة مشروعية التشريع العادي ، الذي اصطلح عليه برقابة دستورية القوانين وهي من مباحث القانون الدستوري . والفرع الثاني رقابة مشروعية التشريع الفرعي ، وهي من مباحث القانون الإداري .

(1/45)


المبحث السادس
مقومات الدستور الأساسية
يجب أن يحتوي كل دستور على مقومات رئيسة يتضمنها الدستور ، وهي بشكل عام القواعد التي تبين شكل الدولة ، ونوع نظام الحكم فيها وتحديد السلطات العامة ، وعلاقتها ببعضها ، وحقوق وواجبات الأفراد تجاه الدولة ؛ فغالبا ما يحتوي الدستور على مقدمة هي عبارة عن ديباجة توضح الفكرة التي تقوم عليها الدولة ، ثم يقسم الدستور إلى أبواب وفصول ، يحوي كل باب أو فصل مواد متسلسلة ، حول موضوع من المواضيع التي يعنى بها الدستور ، ويحدد عنوان لكل فصل أو باب حسب كل موضوع من هذه المواضيع ، وغالبا ما يكون ترتيب هذه الأبواب والفصول على النحو التالي :
- تعريف بالدولة يحدد شعب الدولة ، وأرضها ، وسيادتها ، وشكلها ومنهجها السياسي .
- المقومات الأساسية للمجتمع .
- السلطات العامة .
- أحكام عامة .
- تعديل الدستور .
- أحكام انتقالية (1) .
ولقد حدد بعض (2) المفكرين المسائل التي يجيب عليها الدستور في تسع نقاط هي :
- لمن الحكم ؟
- ما حدود تصرفات الدولة ؟
- ما الحدود التي تعمل السلطات الثلاث في حيزها ؟
- ما الغاية التي تقوم لأجلها الدولة ؟
- كيف تؤلف الحكومة لتسير نظام الدولة ؟
_________
(1) انظر : الدستور المصري ، المطبعة الأميرية ، والدستور السوري لعام 1369هـ .
(2) الأستاذ : أبو الأعلى المودودي في كتابه تدوين الدستور الإسلامي ، ص 21 - 76 .

(1/46)


- ما الصفات التي يتحلى بها القائمون بأمر الحكومة ؟
- ماذا يكون في الدستور من أسس المواطنة وبأي طريق يصبح الفرد عضوا في كيان الدولة ؟
- ما الحقوق الرئيسة لمواطني الدولة ؟
- ما حقوق الدولة على المواطنين ؟

(1/47)


الفصل الثالث
الدولة
المبحث الأول : تعريف الدولة
المبحث الثاني : أركان الدولة
المبحث الثالث : مقومات الدولة القانونية وضمانات تحقيقها
المبحث الرابع : أنواع الدول
المبحث الأول :
تعريف الدولة
التعريف اللغوي :
الدولة في اللغة بتشديد الدال مع فتحها أو ضمها ، العاقبة في المال والحرب ، وقيل : بالضم في المال ، وبالفتح بالحرب ، وقيل : بالضم للآخرة وبالفتح للدنيا ، وتجمع على دول بضم الدال وفتح الواو ، ودول بكسر الدال وفتح الواو ، والإدالة الغلبة ، أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم ، وكانت الدولة لنا (1) .
ومن هذا المعنى جاء مصطلح الدولة نتيجة لغلبتها ، وإلا لما كانت دولة ، وقد ورد لفظ الدولة في القرآن الكريم في قوله تعالى : { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } الآية (2) .
- التعريف الاصطلاحي :
_________
(1) ابن منظور ، لسان العرب ، ص 1034 جـ1 ، محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، تتمة عطية سالم ، جـ8 ص 53 ، 54 ، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد 1403هـ .
(2) سورة الحشر آية رقم : 7 .

(1/48)


تعرف الدولة بأنها ، شعب مستقر على إقليم معين ، وخاضع لسلطة سياسية معينة ، وهذا التعريف يتفق عليه أكثر الفقهاء لأنه يحتوي العناصر الرئيسة التي لا بد لقيام أي دولة منها ، وهي الشعب ، والإقليم والسلطة وإن اختلفوا في صياغة التعريف ، ومرد هذا الاختلاف إلى أن كل فقيه يصدر في تعريفه عن فكرته القانونية للدولة (1) .
_________
(1) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، القسم الأول ، ص 93 - 94 .

(1/49)


المبحث الثاني
أركان الدولة
تقوم الدولة على ثلاثة أركان هي :
1 - الشعب :
لا يتصور وجود دولة دون وجود مجموعة من البشر ، ولا بد أن ينشأ لدى هذه المجموعة ، إحساس بضرورة إشباع حاجات شتى ، والتعاون على أداء المناشط المطلوبة لإشباع هذه الحاجات ، ويتكون شعب أي دولة من وطنيين يتمتعون بجنسية الدولة ، وتربطهم بها رابطة الولاء ، وأجانب يوجدون على إقليم الدولة لا تربطهم بها سوى رابطة التوطن أو الإقامة حسب الأحوال (1) .
2 - الإقليم :
إذا وجد الشعب فلا بد له من الاستقرار على إقليم ما ، يكون مستقرا للشعب ومصدرا رئيسا لثروة الدولة ، وإقليم الدولة هو ذلك الجزء من الكرة الأرضية الذي تباشر الدولة عليه سلطانها ، ولا يمارس عليه سلطان غير سلطانها .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 95 .

(1/50)


ويتكون إقليم الدولة من ثلاثة أجزاء ، جزء أرضي ، وهو الجزء اليابس الذي تعينه حدود الدولة ، ويستعمل سطح الأرض وما دونه من طبقات إلى ما لا نهاية ، وما فوق ذلك السطح من مرتفعات كالجبال والهضاب وجزء مائي ، ويشمل المياه الموجودة داخل حدود الدولة من أنهار وبحيرات ونصيب من البحار العامة الملاصقة لإقليم الدولة ، وتسمى المياه الإقليمية ، وجزء هوائي ويشمل طبقات الهواء فوق الإقليمين الأرضي والمائي حسب ما هو محدد في أحكام القانون الدولي العام (1) ، وقد يكون إقليم الدولة متصلا بشكل واحد وهو الغالب ، أو منفصلا كالباكستان سابقا عندما كانت تنقسم إلى قسمين شرقي وغربي حتى انفصلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة مستقلة تسمى بنجلادش فظل اسم باكستان يطلق على باكستان الغربية .
3 - السلطة :
لا يكفي لقيام الدولة وجود شعب معين على إقليم معين ، فلا بد من قيام حكومة تباشر السلطات باسم الدولة ، وركن الحكومة أو السلطة هو الذي يميز الدولة عن الأمة ، فالأمة تتفق مع الدولة في ركني الشعب والإقليم ، ولكنها تختلف عنهما في ركن السلطة السياسية ، وإذا ما تيسر لأمة ما أن تقيم حكومة تخضع لسلطانها فإنها تصبح دولة (2) .
_________
(1) د . يحيى الجمل ، الأنظمة السياسية المعاصرة ، مرجع سابق ص 96 ، ص 32 ، دار النهضة المصرية 1969م .
(2) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، قسم أول ، د . سعد عصفور ، القانون الدستوري ، ص 223 .

(1/51)


ويلحق بركن السلطة ركن آخر هو السيادة ، وهو مثار لجدل بين فقهاء القانون حيث اختلفوا في ذلك على رأيين ، الرأي الأول ويمثل النظرية الفرنسية ، وتقول بوجوب وجود السيادة ، وأنه لا يمكن قيام دولة ليست ذات سيادة ، أي أن الجماعة لا تستحق وصف الدولة ، إلا إذا كانت تتمتع بالسيادة أي بالسلطة غير المقيدة في الخارج والداخل .
والرأي الثاني ، ويمثل النظرية الألمانية ، حيث لا تشترط لقيام الدولة أن توجد حكومة ذات سيادة ، ومقتضى هذه النظرية ، أن العبرة في قيام الدولة هي بوجود الحكومة التي تملك سلطة إصداره أوامر ملزمة في قدر معين من الشؤون المتصلة بالحكم ، ولو لم تكن لها السيادة بالمعنى المطلق في تلك الشؤون كافة (1) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 234 - 235 .

(1/52)


المبحث الثالث
مقومات الدولة القانونية وضمانات تحقيقها
أولا : مقومات الدولة القانونية :
الدولة القانونية هي تلك الدولة الخاضعة للقانون ، سلطة وأفرادا (1) . ووجود هذه الدولة يلزم منه وجود مقوماتها ، وهي :
1 - وجود الدستور :
فلا بد أن يكون لهذه الدولة دستور يحدد سلطات الحكومة ، وحقوقها وواجباتها ، وحقوق الأفراد ، وواجباتهم ، والعلاقة بين السلطات وشكل الدولة ، ونظام الحكم فيها ، سواء أكان هذا الدستور مدونا أم غير مدون .
2 - تدرج القواعد القانونية :
ويقصد بتدرج القواعد القانونية أن تكون الدولة قائمة في نظامها القانوني على قواعد متسلسلة من حيث القيمة والقوة ، فالقاعدة القانونية التي في مرتبة أدنى تستند إلى أعلى منها وهكذا ، وتسلسلها كما يلي :
- الدستور .
- القوانين العادية .
- اللوائح الإدارية .
- القرارات الإدارية الصادرة من سلطة إدارية دنيا .
3 - خضوع الإدارة للقانون :
_________
(1) د . منير البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 499 ، جامعة بغداد ، طبعة أولى ، 1399هـ .

(1/53)


خضوع الإدارة للقانون يؤدي إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ، ويؤدي هذا المبدأ إلى مبدأ آخر وهو سيادة القانون ، ويقصد بالإدارة جميع أجهزة الدولة ، وإذا خضعت الإدارة للقانون فإن ذلك يؤدي إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ، وإذا لم تخضع الإدارة للقانون يقع بالأفراد الظلم وتصادر حرياتهم ، فالدولة التي تخضع للقانون دولة قانونية وعكسها الدولة غير القانونية .
4 - الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية :
من أجل أن تكون الدولة قانونية لا بد من اعترافها بحقوق الأفراد وحرياتهم ؛ لأن هدف الدولة القانونية هو حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من سياسية ، واقتصادية واجتماعية ، وفكرية ، ودينية .
ثانيا : ضمانات تحقيق مقومات الدولة القانونية :
لكي تتحقق مقومات الدولة القانونية حدد فقهاء القانون المعاصرين عدة ضمانات لا بد من وجودها لتحقيق تلك المقومات ، وهذه الضمانات هي :
1 - الفصل بين السلطات :

(1/54)


هذا المبدأ يشكل ضمانة لخضوع الدولة للقانون وهي ضمانة مهمة وفعالة ولكن عدم الأخذ به لا يعني عدم قيام الدولة القانونية ؛ لأن مجرد احترام الهيئات الحاكمة لقواعد اختصاصها وعدم خروجها عن حدود سلطاتها يكفي لاعتبار الدولة خاضعة للقانون ، إلا أنه من تتبع التجارب يتضح أن هذا المبدأ أسهم بشكل فعال في خضوع الدولة للقانون .
2 - تنظيم رقابة قضائية :
مقتضاه أن تخضع أعمال الهيئات العامة للقضاء المتخصص الذي يملك مناقشتها في تصرفاتها ، وتعتبر هذه الضمانة أقوى الضمانات جميعا .
3 - تطبيق النظام الديمقراطي :
يذكر القانونيون هذا المبدأ باعتباره ضمانة من ضمانات الدولة القانونية ، ومقتضى هذه الضمانة هو تنظيم الحكم بطريقة تجعل للمحكومين الحق في اختيار الحاكم ، ومشاركته السلطة ، ومراقبته ، وعزله ؛ مما يكون له الأثر الفعال في خضوع الحكام للقانون ، ونزولهم على أحكامه (1) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 46 - 48 .

(1/55)


وهذه الضمانة كغيرها من الضمانات السابقة ، والحديث في هذا الباب كله إنما جاء من وجهة النظر القانونية ، بصرف النظر عن اتفاقه مع وجهة النظر الإسلامية ، أو اختلافه معها ؛ إذ الحديث عن وجهة النظر الإسلامية في الدستور والدولة في الإسلام له مباحثه فيما بعد .

(1/56)


المبحث الرابع
أنواع الدول
تقسم الدول إلى عدة تقسيمات ، تختلف حسب الهدف من التقسيم ، وأهم هذه التقسيمات في مباحث الدستور هو تقسيم الدول إلى بسيطة ، ومركبة (1)
1 - فالدولة البسيطة أو الموحدة : هي دولة تباشر سلطات الحكم فيها حكومة واحدة ، مثل فرنسا ، وبلجيكا ، واليونان (2) .
2 - والدولة المركبة : هي الدولة المكونة من عدة دول تتنوع سلطات الحكم بينها ، على نحو يختلف باختلاف نوع الاتحاد الرابط بينها (3) ,ويقسم فقهاء القانون الاتحاد إلى أربعة أنواع هي :
أ - الاتحاد الشخصي :
_________
(1) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، ص 102 .
(2) د . سعد عصفور ، القانون الدستوري والنظم السياسية ، ص 102 .
(3) المرجع السابق ص 103 .

(1/57)


هو أن تتحد دولتان في شخص رئيس الدولة فقط ، وتعتبر كل دولة مستقلة بكيانها ، وسلطاتها ، ورموزها ، تمام الاستقلال ، ماعدا أن رئيس الدولتين واحد ، وهو عندما يتصرف في أمر من الأمور لا ينفذ هذا التصرف إلا في حق الدولة التي يتعلق بها هذا الأمر فقط ، في حدود ما حدده الدستور له من سلطة ، ويوضح التاريخ أمثلة على الاتحاد الشخصي ، مثل ما حدث في الاتحاد بين بريطانيا وهانوفر ، حيث آل العرش إلى شخص واحد في الدولتين ؛ نتيجة لقوانين الوراثة ، وانقضى الاتحاد لزوال صفة الملك عن ذلك الشخص في إحدى الدولتين بحكم قوانين الوراثة نفسها ، وذلك كان عام 1714م إلى عام 1838م السنة التي تولت الملكة فكتوريا عرش بريطانيا ، حيث أن الدستور في هانوفر لا يسمح للنساء بتولي العرش (1) .
ب - الاتحاد الحقيقي أو الفعلي :
_________
(1) المرجع السابق ، ص 103 .

(1/58)


وهو أن تتحد الدولتان في شخص رئيس الدولة وفي الهيئة المشرفة على الشؤون الخارجية ، وعلى هذا يكون هذا النوع من الاتحاد أقوى من سابقه ؛ لأنه لا يقتصر على كون رئيس الدولتين واحد بل يتعداه إلى اتحاد الدولتين في مجال السياسة الخارجية ، عن طريق هيئة مشتركة تباشر شؤونها ، ويبقى السلطان الداخلي لكل دولة مستقلا كما هو الشأن في الاتحاد الشخصي ، وينشأ هذا النوع إما عن طريق معاهدة بين دولتين ، كما حدث بين السويد والنرويج سنة 1885م ، وإما عن طريق تشريع متماثل تصدره دولتان ، كما حدث بالنسبة لاتحاد الدنمراك وأيسلندا في الفترة من 1918 - 1944م . (1) .
ب - الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي :
_________
(1) المرجع السابق ، ص 104 .

(1/59)


وهو أن تتحد عدة دول على نحو يبقى معه لكل دولة سلطانها في الخارج والداخل ، وتقوم هيئة مشتركة بتصريف بعض شؤونها الخارجية نيابة عنها ، ويكون ذلك بأن تبرم مجموعة من الدول معاهدة تقضي بإنشاء مؤتمر مهمته رسم السياسة المشتركة وعرضها على الدول الأعضاء في الاتحاد لتقرر رأيها فيها ، ولا تعتبر سارية المفعول ما لم تجمع عليها الدول الأعضاء ، فالمؤتمر إذن ليس سلطة فوق الدول الأعضاء ، وإنما هو أداة تظهر من خلالها رغبة تلك الدول ، والعمل على التوفيق بينها ، وليس للمؤتمر سلطة على رعايا دول الاتحاد ، وليس له ما يخوله بالاتصال بهم إلا عن طريق دولهم .
ومن تتبع بعض التجارب يتبين أن هذا النوع من الاتحاد لا يدوم ، فهو إما أن ينتهي بالانفصال كما حدث لاتحاد جمهوريات أمريكا الوسطى سنة 1898م ، أو باشتداد الصلة بين الدول الأعضاء فيتحول بذلك إلى اتحاد مركزي ، كما حدث بالنسبة للاتحاد الأمريكي سنة 1787م ، والاتحاد السويسري سنة 1848م والاتحاد اليوناني سنة 1866م (1) .
د - الاتحاد المركزي :
_________
(1) المرجع السابق ، ص 105 .

(1/60)


وهو أن تتحد عدة دول في شكل دولة واحدة هي دولة الاتحاد ، تكون مهمتها تصريف جميع الشؤون الخارجية لجميع الدول ، وبعض الشؤون الداخلية لكل دولة .
والسند التشريعي لهذا الاتحاد ليس معاهدة ، وإنما هو دستور تلتزم بأحكامه الحكومة المركزية ، ودول الاتحاد فيما بينها ، ولدولة الاتحاد بموجب الدستور سلطان مباشر على رعايا الدول الأعضاء ، دون الرجوع إلى تلك الدول ، ومثال ذلك اتحاد الولايات الأمريكية ، حيث تحول الاتحاد التعاهدي الأمريكي إلى اتحاد مركزي سنة 1787 (1) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 106 .

(1/61)


الباب الثاني
الدستور في الإسلام
الفصل الأول :
مسائل رئيسية في موضوع الدستور في الإسلام
الفصل الثاني :
تطبيقات دستورية في التاريخ الإسلامي
كان الحديث في الباب الأول عن بعض المواضيع الرئيسة التي لا بد منها للتمهيد لموضوع البحث الرئيس ، فكان الحديث في فصول ثلاثة عن القانون ، والدستور ، والدولة ، وذلك وفق ما هو مقرر في القانون الوضعي المعاصر ؛ وذلك من أجل تحديد مصطلحات البحث ، ومقابلة تلك المصطلحات بما يوازيها في الفقه الدستوري الإسلامي الذي سيتناوله البحث في هذا الباب ، حيث سيكون الكلام فيه عن الدستور في الإسلام ، تعريفه ، ومصادره ، وخصائصه ، ثم تطبيقات دستورية في العهود الإسلامية : المختلفة إلى عصرنا الحاضر .
وليس الهدف الرئيس من هذا الكتاب الدراسة الموازنة ، ولكنه عرض لمشكلة الدستور في البلاد الإسلامية في هذا العصر ، لذلك فلن يتسم هذا الباب بالدراسة الموازنة البحتة ، إلا بقدر ما يحتاجه البحث من موازنة تفيد في عرض موقف الإسلام في مجال الدستور .
الفصل الأول
مسائل رئيسة في موضوع
الدستور في الإسلام
المبحث الأول : تعريف الدستور في الإسلام وحقيقته .
المبحث الثاني : مصادر الدستور في الإسلام .

(1/62)


المبحث الرابع : خصائص الدستور في الإسلام .
المبحث الأول
تعريف الدستور في الإسلام
وتدوينه وأساليب نشأته ونهايته
أولا : تعريف الدستور في الإسلام :
سبق تعريف الدستور لغة في المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الأول ، وسيتم هنا عرض لتعريف الدستور في الإسلام من الناحية الاصطلاحية . ويمكن أن يعرف الدستور في الإسلام بتعريفين : أحدهما عام ، والآخر خاص :
أ - التعريف العام : الدستور في الإسلام هو مجموعة القواعد والأحكام العامة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية ، التي تنظم المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها الحكم في الإسلام .
فالدستور الإسلامي بهذا التعريف العام ثابت على مدى الزمن ، لا يمكن تعديله ، أو تغييره ، أو إلغاؤه بحال ؛ لأنه وحي من الله وليس لبشر أن يغير في الوحي أو يبدل .

(1/63)


ب - التعريف الخاص : الدستور في الإسلام هو مجموعة القواعد والأحكام الأساسية في الدولة المسلمة ، التي تبين نظام الحكم وشكل الدولة ، والسلطات العامة فيها ، والأشخاص والهيئات التي تتولى هذه السلطات ، وارتباطها ببعضها ، وبيان حقوق الأفراد ، وواجباتهم ، صادرة في ذلك عن مبادئ الإسلام العامة ، وتنظيماته في الشؤون الدستورية .
وتعريف الدستور بهذا المعنى ، يمكن أن يسمى ( التعريف الفني أو القانوني ) ، وهو الذي تعنى به هذه الدراسة ، والدستور بهذا المعنى لا يعني الأحكام الشرعية الثابتة ، والمبادئ الأساسية لنظام الحكم في الإسلام ، وإنما يعني الدستور في دولة إسلامية - مهما اختلف زمان وجودها ومكانها - الذي يبين التنظيمات الأساسية في تلك الدولة حسب ظروفها وأحوالها ، وقد يختلف عن دستور دولة إسلامية عن أخرى ، باختلاف مكانها أو زمانها .

(1/64)


ومما يوضح التعريفين السابقين ، أن الأحكام والقواعد الدستورية في النظام الإسلامي تنقسم إلى قسمين : ثابتة ، وغير ثابتة ، فالثابتة هي ما ورد صريحا من قواعد عامة في نصوص القرآن والسنة ، وما كان محل إجماع علماء المسلمين منها ، في الشؤون الدستورية كالشورى ، والعدالة ، والمساواة ، والتعاون . وغير الثابتة هي الأحكام المستنبطة عن طريق الاجتهاد والرأي ، مما يتعلق بالأساليب والأنظمة ، والتفصيلات التي تختلف تبعا لاختلاف ظروف الزمان والمكان (1) .
ووفقا لما عليه الفقه الدستوري المعاصر الذي قسم الدساتير إلى جامدة ومرنة يجد الباحث في المقابل أن قواعد الدستور في الإسلام تشمل النوعين الجامد والمرن ، وهي ما يقصد بها هنا الثابتة وغير الثابتة ، فالثابتة تقابل الجامدة وغير الثابتة تقابل المرنة ، ومن الأمثلة على القضايا الدستورية الثابتة في الإسلام عدم جواز تغيير دين الدولة الإسلامية ، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار .
_________
(1) د . عبد الحميد متولي ، القانون الدستوري والأنظمة السياسية مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية ، جـ 1 ص22 ـ 24 ، طبعة خامسة . د . محمد فاروق النبهان ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، نظام الحكم في الإسلام ، ص 184 ، طبعة عام 1393هـ ، جامعة الكويت ، د . إسماعيل بدوي ، مبادئ القانون الدستوري ، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية ، ص 32 - 34 ، دار الكتاب الجامعي ، 1349هـ ، د . علي محمد جريشة ، المشروعية الإسلامية العليا ، ص 107 ، طبعة عام 1396هـ ، مكتبة وهبة ، د . محمود حلمي ، نظام الحكم الإسلامي مقارنا بالنظم المعاصرة ، ص 116 ، طبعة أولى ، 1970م ، د . عبد الهادي أبو طالب ، المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، ص 323 ، طبعة أولى ، دار الكتاب بالدار البيضاء .

(1/65)


ومن القضايا المرنة : ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته السياسية ، أي باعتباره إماما ورئيسا للدولة ، مما هو مبني على المصلحة الموجودة في عصره صلى الله عليه وسلم ، مثل طريقة إرسال الجيوش . للقتال ، وتولية القضاة والولاة ، وعقد المعاهدات وتدبير أمور الدولة المالية والإدارية ، فهذه أحكام وتشريعات وقتية حسب المصلحة والظروف في ذلك الزمن ، مثل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بصفته قاضيا ؛ لأنه يحكم بناء على ما يسمع من حجة ، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي لكم على نحو ما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ، فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة » (1) .
_________
(1) رواه البخاري في الشهادات ، باب من أقام البينة بعد اليمين ، وفي الأحكام ، باب موعظة الإمام للخصوم ، ومسلم في الأقضية ، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ، ومالك في الموطأ في الأقضية - باب الترغيب في القضاء في الحق ، وأبو داود رقم 3583 ، 3584 - في الأقضية باب قضاء القاضي إذا أخطأ والترمذي رقم 1339 في الأحكام - باب ما جاء في التشديد على من يقضي له ، والنسائي في القضاء - باب الحكم بالظاهر .

(1/66)


ثانيا : تدوين الدستور في الإسلام :
اتضح مما سبق أن الأحكام الدستورية الإسلامية قسمان ، قسم ثابت وقسم غير ثابت ، وعليه فإن الأحكام والقواعد الثابتة لا تتغير مدى الزمن ، سواء دونت فيما يسمى بوثيقة الدستور أم لم تدون ، بل لم يثبت تدوينها على مر التاريخ الإسلامي ، إذ ليس هناك حاجة إلى تدوينها ما دامت ثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع المسلمين والمفترض أن الدولة الإسلامية يتوفر فيها العلماء والفقهاء الذين يهدون مسيرتها الدستورية ويستندون إلى هذه المصادر .
وسواء دونت هذه الأحكام أم لا فإن لها السمو على جميع القوانين والأحكام دستوريها وغير دستوريها ؛ لأنها وحي من الله لا يسمو فوق حكمه حكم .

(1/67)


فالبحث في تدوين الدستور إنما هو لدولة إسلامية معينة بما يحتويه من أحكام غير ثابتة ؛ لأنها تختلف من دولة لأخرى ، ولأنها هي التي يجب أن يحتويها الدستور ، أما الأحكام الثابتة فإن تدوينها في دستور دولة معينة أمر لا لزوم له كما سبقت الإشارة إليه ؛ لأن هذه الأحكام ثابتة في آيات القرآن وتفسيرها والأحاديث وشروحها ، ومباحث الفقه وأصوله ؛ ولأن هذه الدولة الإسلامية يجب أن تلتزم في دستورها بأحكام الشرع وأن لا تخالفها ، وبالتالي فلها أن تعد دستورها وفق ظروفها ، موافقة في ذلك شرع الله ، ويحتوي هذا الدستور الأحكام الخاصة بدستور هذه الدولة .

(1/68)


وفي هذا المجال نجد بعض الباحثين (1) في شأن الدستور الإسلامي يرى أن هناك تدوينا للدستور في بعض العصور ، ويمثل بالوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة ، ويعتبرها دستورا للدولة في ذلك العصر ، موافقا لظروف ومتطلبات الوقت الذي وضع فيه ، والحقيقة أن هذه الوثيقة تحوي أحكاما دستورية تعالج بعض القضايا الدستورية في ذلك الوقت الذي وضعت فيه ، ويمكن الاستئناس بها عند تدوين أي دستور لدولة إسلامية ، ولكنها ليست دستورا كاملا بمعنى الدستور الفني أو الخاص بل هي وثيقة دستورية لها أهميتها في تاريخ الدولة الدستورية . ولم يثبت بعد هذه الوثيقة تدوين يشبهها لأحكام دستورية في الدولة الإسلامية ، بل استمر العمل بالرجوع إلى الأحكام الثابتة ، واستنباط أحكام جديدة لما يستجد من وقائع ، والتعارف على أعراف معينة غير مخالفة لأحكام الشريعة (2) تستقر لفترة من الزمن ، حتى بدأت حركة تدوين الدساتير في الدول الإسلامية بإعلان الدستور التونسي عام 1276هـ الموافق 1861م ثم الدستور العثماني عام 1293هـ الموافق 1876م . اللذين يمكن اعتبارهما أول دستورين إسلاميين بمعنى الدستور الخاص تم تدوينهما (3) .
_________
(1) أمثال : الدكتور : محمد سليم العوا ، الدكتور محمد حميد الله ، والدكتور منير البياتي ، والدكتور عون الشريف قاسم ، والدكتور أحمد حمد وآخرون .
(2) ومثال القواعد الدستورية العرفية نوع الشورى وشكلها ومداها وطريقة اختيار الحاكم وغير ذلك مما هو في عمومه عرفي وفي خصوصه قد ينص على شكل من أشكاله في دستور دولة إسلامية معينة .
(3) د . محمد السيد سليم و د . محمد مفتي ، الإسلام في دساتير الدول الإسلامية ، ص10 - 11 ، جامعة الملك سعود 1408هـ .

(1/69)


ويستنتج من ذلك وفقا للمعنى الخاص للدستور أنه من الممكن أن توجد دساتير مدونة في بعض الدول الإسلامية وأخرى غير مدونة ، أو توجد بعض قواعد الدستور مدونة وبعضها الآخر غير مدون ، أي أنه ليس هناك إلزام بتدوين الدستور في النظام الإسلامي ، ولا إلزام بعدم التدوين ، وأن ذلك راجع لما تستقر عليه الآراء في الدولة الإسلامية وللظروف المتغيرة ، بحيث قد يكون الأفضل في جهات متعددة التدوين صيانة لحقوق عامة للمسلمين واستئناسا بتوثيق التداين ، { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } (1) ، واستئناسا بتدوين السنة مع ورود نصوص تصرف عن ذلك وبالوثيقة النبوية التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة .
_________
(1) سورة البقرة آية 282

(1/70)


وقد لا يحتاج إلى التدوين في جهات وأزمان معينة إذا أمن جانب صيانة حقوق عامة المسلمين وترجحت مراعاتها ، فليس المهم في النظام الإسلامي النظر إلى الشكل ولكن المهم هو المضمون ، وهو وجود قواعد دستورية راسخة وصريحة متمشية مع حكم الله ، تضمن للحاكم والمحكوم حقوقهما على حد سواء ، وليس ضروريا بعد ذلك أن تكون هذه القواعد مدونة في وثيقة تسمى الدستور أو تكون غير مدونة .
ثم إن الدستور بمعناه الخاص في الدولة الإسلامية قد يكون ثابتا أو مرنا حسب ظروف كل دولة ، وما يستقر الرأي الدستوري فيها عليه من أمر بهذا الخصوص ، ولا علاقة بين تدوين الدستور وثباته ، فقد يكون الدستور مدونا ومرنا ، وقد يكون ثابتا وهو غير مدون ، والعكس كذلك ، وهذا الثبات الذي أشير إليه هنا متعلق بالدستور بمعناه الفني أو القانوني ، وبالتأكيد فإن الثبات هنا هو ثبات نسبي .
وفي حالة تدوين دستور معين لدولة إسلامية ، يجب النص على أن الحكم لله وحده ، وأن السيادة المطلقة لله { إن الحكم إلا لله } (1) .
وإن التشريع الملزم هو من عند الله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } (2) .
_________
(1) سورة الأنعام آية 57 .
(2) سورة المائدة آية 48 .

(1/71)


كما أنه لا يفضل وضع نص قرآني ضمن مواد الدستور ؛ لأن مواد الدستور من طبيعتها التغير ، وليس ذلك من طبيعة نصوص القرآن ؛ ولأن النصوص القرآنية فوق النصوص الدستورية وبالتالي فإن وضعها مادة في الدستور إنقاص من شأنها ، وإنما يستخلص الحكم الدستوري من الآية ، ويذكر أن ذلك استنادا إلى الآية كذا ، ومثال ذلك عندما يراد أن ينص على أن الشورى أساس من أسس الحكم ، لا توضع آية : { وأمرهم شورى بينهم } (1) مادة كبقية المواد ، وإنما يقال مثلا : " إن الشورى أساس من أسس الحكم " ، ثم تفصل كيفية الشورى ونطاقها وفق ظروف الواقعة .
والخلاصة : أن تدوين الدستور في الدولة الإسلامية ليس بضرورة ، فالأمر فيه متروك للحاجة والمصلحة ، ويتأكد التدوين عند قلة العلماء المجتهدين ، وضعف الوازع الديني لدى المؤسسات الدستورية ، والخوف على حقوق عامة المسلمين . وعدم تدوين الدستور في الدولة الإسلامية لا يعني عدم وجود المؤسسات الدستورية ، فوجودها غير مرتبط بالتدوين أو عدمه ؛ لأن وجودها مرتبط بوجود الدولة الإسلامية ذاتها .
_________
(1) سورة الشورى آية 38 .

(1/72)


ثالثا : أساليب نشأة الدساتير في الإسلام ونهايتها :
1 - أساليب نشأة الدساتير في الإسلام :
سبق الكلام في الباب الأول حول أساليب نشأة الدساتير ، حيث يحدد علماء الفقه الدستوري المعاصر عدة أساليب لنشأة الدساتير التي حصروها في :
أ - أسلوب المنحة .
ب - أسلوب التعاقد .
جـ - أسلوب الجمعية الوطنية المنتخبة .
د - أسلوب الاستفتاء التأسيس .
وقد رجحت الرأي القائل بأن حصر أساليب نشأة الدستور أمر غير مسلم وأن كل أسلوب من الأساليب المذكورة يمثل الأسلوب الذي اتبع في مرحله معينة لها ظروفها التي أدت إلى وجود هذا الأسلوب ، وأنه قد تستجد أساليب جديدة وفق ظروف معينة ، إضافة إلى أن الأساليب المذكورة تمثل ما تم اتباعه في ظل الأنظمة الغربية التي هي نتيجة لثقافة وظروف وتاريخ تلك الأنظمة ، وأنه قد تتبع أساليب أخرى بالنسبة للنظام الإسلامي ؛ وذلك لاختلاف الظروف الحضارية والتاريخية لهذا النظام عن النظم الغربية المعاصرة .

(1/73)


ومن الباحثين (1) في الفقه الدستوري الإسلامي من حدد أساليب أو أسلوبا معينا لنشوء الدستور في الدولة الإسلامية ، كأسلوب المنحة وأسلوب التعاقد ، أو أسلوب الجمعية الوطنية المنتخبة ، وهذا أمر غير مسلم به كذلك ؛ لأنه قد تستجد أساليب أخرى بتغير الظروف ، ثم إن اختيار أسلوب من الأساليب المتبعة في الأنظمة الغربية ، وتحديده أسلوبا لنشوء الدستور في النظام الإسلامي أمر غير مقبول ؛ لأن النظام الإسلامي متميز عن ما سواه من الأنظمة الوضعية ، وإن وافق في شيء من الجزئيات بعض هذه الأنظمة ، فذلك لا يعني أن يصبغ النظام الإسلامي بصبغة هذه الأنظمة ، فهو نظام له خصوصيته واستقلاليته . فالدستور في ظل النظام الإسلامي قد ينشأ بأسلوب مشابه شكلا لأحد الأساليب المستخدمة في الأنظمة الغربية ، أو بأسلوب مختلف ومعايير لجميع تلك الأساليب ، فالباحث في هذا المجال يجب أن يتحرر من إلزام نفسه باتباع المنهج الغربي التقليدي لتميز النظام الإسلامي في هذا المجال عن غيره من الأنظمة ، فنشأة الدستور في النظام الإسلامي مرتبطة بالشرعية الإسلامية وأحكامها ، فمن المعروف أن الأحكام الدستورية الثابتة ليست منحة من البشر ، وليست كذلك مجالا
_________
(1) كالدكتور : إسماعيل بدوي في كتابه « مبادئ القانون الدستور » ، ص 43 - 45 ، والدكتور سليمان الطماوي في كتابه « عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة » ، ص 147 ، طبعة دار الفكر 1969م .

(1/74)


للمناقشة بقبولها أو رفضها سواء من الحكومات ، أو من الشعوب فهي ملزمة للجميع ، فمعروف أن السيادة في الإسلام لله وحده وليست للحكومة أو للشعب كما في بعض النظم ، وبالتالي فالدولة تتقيد في سيادتها الداخلية والخارجية بالإسلام ولا تخرج على أحكامه ، فأحكام الإسلام لها السيادة المطلقة ، والأحكام الدستورية المتغيرة التي قد تدون فيما يسمى بوثيقة الدستور هي التي يكون المجال لنشوئها متروكا للأسلوب الذي يوافق ظروف الدولة الإسلامية وقت نشوء هذا الدستور الذي لا يخرج بحال عن أحكام الإسلام ولا يخالفها ، وبالتالي فإن مسألة موافقة الحاكم أو الشعب على الدستور في ظل النظام الإسلامي مسألة نسبية ، فالحكم المطلق والتشريع المطلق في الإسلام لله وحده ، وإنما يكون اختيار الناس وموافقتهم فيما لم يرد فيه نص قاطع وما كان محلا للاجتهاد من أهل الاجتهاد (1) , كل في تخصصه حسب الوقائع فلكل واقعة تتطلب الاجتهاد وأهلها ؛ فينبغي التفريق هنا بين تحرير الواقعة التي يؤخذ فيهما رأي ذوي الخبرة من ساسة واقتصاديين ومهندسين وأطباء ، أو عامة مستفيدين مما كان منفعته عامة ، وبين ما كان اجتهادا في إظهار الحكم الشرعي وليس ذلك إلا لذوي العلم
_________
(1) د . جمال الدين محمد محمود ، قضية العودة إلى الإسلام في الدولة والمجتمع ، ص 88 ، ط بدون ، دار النهضة العربية ، القاهرة .

(1/75)


بالشريعة من أفراد تكمل بهم أداة الاجتهاد تفسيرا وحديثا وفقها وأصولا ولغة وبلاغة . إذن فنشأة الدستور في الدولة الإسلامية مرتبطة بالتزام المجتمع ، والدولة بالإسلام عقيدة وشريعة ، ثم إن بيعة الناس للحاكم ملزمة للطرفين بالتحاكم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فإن الدولة المسلمة ملزمة بالدستور الإسلامي ، ولا يتصور وجود حاكم مسلم أو دولة مسلمة غير ملتزمة بهذا الدستور .
فنشأة الدستور بالمعنى المتعارف عليه لدى فقهاء القانون غير وارد في النظام الإسلامي ؛ لأن الأحكام الدستورية الثابتة موجودة أصلا ولا داعي لإنشائها ، أما الأحكام المتغيرة فمردها إلى المجتهدين من العلماء المسلمين ، وإن كان هناك تشابه بين أسلوب نشوء - هذه الأحكام المتغيرة ، وأحد الأساليب المتعارف عليها لدى الفقهاء القانونيين فهذه المشابهة شكلية فقط .
2 - أساليب نهاية الدساتير في الإسلام :
ذكر في الباب الأول الأساليب التي ينتهي بها الدستور عادة ، وفقا للفقه الدستوري الوضعي وهي :
أ - الأسلوب السلمي .
ب - الأسلوب غير العادي .
ب - أسلوب العرف .

(1/76)


والنظام الدستوري الإسلامي يختلف عن النظم الوضعية ، ذلك لأن جزءا من أحكامه وحي ، والوحي غير قابل للتعديل والإنهاء من البشر . أما الجزء الآخر من أحكامه والتي قد تقنن ، بناء على الاجتهاد والمصلحة في الدولة الإسلامية ، فهذا يرجع لما يتفق عليه أهل الرأي حول إنهاء الدستور أو بعض أحكامه ، فقد تنهى عن طريق الأسلوب الذي وضعت به ، أو أي أسلوب يضمن عدم انتهاك حقوق الأفراد .
وهو ما يشبه إلى حد ما الأسلوب السلمي ، أو قد تنهى بعض أحكام الدستور بسبب تقادمها وعدم إمكانية تطبيقها فتهمل ، أو ينشأ حكم جديد يتعارف عليه يكون ملغيا لحكم غير مبني على حكم شرعي ثابت ، بشرط أن لا يكون في إلغائه ضرر ، وأن لا يكون الحكم الجديد مخالفا لأحكام الشرع .

(1/77)


أما ما اصطلح عليه في الفقه الوضعي بالأسلوب غير العادي أو الأسلوب الثوري ومقتضاه أن توجد ظروف وأوضاع تؤدي إلى إلغاء الدستور أو تعطيله فهذا لا يوجد نظيره في الإسلام فيما يتعلق بالدستور بمعناه الثابت أو العام ؛ لأن المسلمين ملتزمون بدستورهم بحكم إيمانهم وعقيدتهم ، وتطبيق الدستور دين ملتزمون به ، أما فيما يتعلق بالدستور بمعناه الخاص أو الفني فالأمر فيه راجع لأهل الحل والعقد .

(1/78)


المبحث الثاني :
مصادر الدستور في الإسلام
اتضح معنا في الباب الأول ، أن مصادر الدستور في الأنظمة الوضعية هي : الفقه والقضاء والتشريع والعرف ، والكلام في هذا المبحث عن مصادر الدستور في النظام الإسلامي ، وذلك لاختلافها عن مصادر الدستور في النظم الوضعية .
فمصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية تختلف عنها في القانون الوضعي ، فمصدر الأحكام في الشريعة هو الوحي المتمثل في القرآن والسنة ، وبقية المصادر تابعة للوحي ، أما مصادر القانون الوضعي فهي بشرية ومرتكزة على نتاج الفكر البشري المجرد .
وقد اختلف الباحثون المسلمون في مصادر الدستور في الإسلام على آراء ثلاثة هي :
1 - أن هذه المصادر هي مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية (1) .
2 - أن هذه المصادر هي القرآن ، ثم السنة "وفق شروط معينة ، ثم التشريع الصادر من أولي الأمر في إطار الشريعة الإسلامية ، دون غيرها من المصادر (2) .
3 - أن هذه المصادر هي مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية مضافا إليها المصادر المأخوذ بها في القانون الوضعي ولكن وفق الشريعة الإسلامية (3) .
وسوف نتحدث هنا عن كل مصدر من هذه المصادر على حدة ، ونبين رأي العلماء والرأي الراجح في كل مصدر .
_________
(1) ويتبنى هذا الرأي ، د . إسماعيل بدوي ، مبادئ القانون الدستوري .
(2) ويتبنى هذا الرأي ، د . عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام حيث يرى أن الأخذ بالسنة بالإضافة إلى الأخذ بالقرآن مشروط بأن لا تكون سنة آحاد ، كما أنه يفرق بين آيات الأحكام الدستورية وسنن الأحكام الدستورية من حيث الإلزام وعدمه ، فيرى أن سنن الأحكام الدستورية ليست كلها ملزمة كآيات الأحكام ، وقد تمت مناقشته في آرائه من قبل بعض الباحثين ، وليس هنا موضع تفصيل ذلك ، كما أنني قد بينت الخلاف في ذلك مفصلا في رسالتي للماجستير المشار إليها في هامش مقدمة هذا الكتاب .
(3) ويتبنى هذا الرأي ، د . محمد فاروق النبهان ، نظام الحكم في الإسلام .

(1/79)


أولا : القرآن الكريم :
يتفق علماء القانون الدستوري الذين تكلموا في مصادر الدستور في الإسلام على أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس والأول للدستور ، وأنه جاء فيما يتعلق بالأمور الدستورية بأحكام كلية ومبادئ أساسية ، فأغلب ما ورد في القرآن الكريم من أحكام إنما هو أحكام كلية وقواعد عامة تجب مراعاتها في القضاء والاعتماد عليها في الاجتهاد ، فلم يتعرض القرآن للتفصيلات أو الجزئيات في الأحكام الشرعية المتصلة بالقوانين ؛ لاختلافها باختلاف البيئات وتغيرها بتغير المصالح ، تاركا التفصيل في الجزئيات إلى السنة النبوية ، والاجتهاد وفق ما تستدعيه المصلحة (1) .
وهذه الأحكام والقواعد الكلية الواردة في القرآن الكريم هي أحكام وقواعد فوق أحكام وقواعد الدستور ، وفق المعنى الفني للدستور ، فهي قواعد وأحكام فوق دستورية تلتزم السلطة التأسيسية التي تضع الدستور في كل دولة إسلامية باحترامها ، فالدستور قابل للتعديل والتغيير وأحكام القرآن الكريم ليست كذلك (2) .
- الآيات الدستورية في القرآن :
_________
(1) د . منير حميد البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 82 ، د . عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، ص 33 ، د . محمد فاروق النبهان ، نظام الحكم في الإسلام ، ص 301 - 307 ، علي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي ، طبعة خامسة ، 1396هـ ، دار المعارف بمصر ، د . محمد معروف الدواليبي ، المدخل إلى علم أصول الفقه ، ص 29 ، طبعة خامسة ، 1985م ، دار العلم للملايين .
(2) د . علي محمد جريشة ، المشروعية الإسلامية العليا ، ص 107 ، طبعة أولى 1396هـ ، مكتبة وهبة ، د . محمود حلمي ، نظام الحكم الإسلامي مقارنا بالنظم المعاصرة ، ص 116 ، طبعة أولى 1971م, دار الفكر العربي .

(1/80)


قررت النصوص القرآنية مبادئ أساسية يقوم عليها كل نظام دستوري عادل وهي الشورى والعدل والمساواة (1) (2) , وتطرقت بعض الآيات القرآنية لأحكام دستورية معينة ، مما يعتبر من المسائل المهمة التي يرجع إليها عند وضع دستور إسلامي .
ونذكر فيما يلي بعض هذه الآيات وما قررته في المجال الدستوري :
ا - الآيات المقررة لضرورة الشورى ، مثل قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } (3) .
2 - الآيات المقررة لمبدأ العدل ، مثل قوله تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } (4) .
3 - الآيات المقررة لمبدأ المساواة ، مثل قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } (5) .
4 - الآيات المقررة لضرورة الحكم بما أنزل الله ، مثل قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } (6) .
5 - الآيات المقررة لنظام القضاء والتقاضي بين الناس ، وأنهم سواء أمام ساحة القضاء ، مثل قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } (7) .
_________
(1) عبد الوهاب خلاف ، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه ، ص 158 ، طبعة خامسة ، دار القلم ، 1402هـ .
(2) ويحسن أن نشير هنا إلى ثلاثة أمور تتعلق بالمساواة في الإسلام وهى : أ - ما منع الشرع من المساواة فيه كشهادة الرجل والمرأة ، وميراثهما ، والقوامة وعصمة الطلاق . ب - ما أطلق فيه الشرع المساواة كتطبيق الأحكام الشرعية على الأبيض والأحمر ، والشريف والدون عند وجود الأهلية ، واكتمال شروط الحكم ، وتخلف موانعه كالتسوية في إقامة حدود الله . جـ - التسوية حسب الأهلية والإنتاج وليس بين مطلق الأفراد : فليس أجر ساعي البريد كأجر الطبيب ، وليس الفارس كالراجل في الغنيمة . وبهذه التفريقات نخرج من إطلاق المساواة في الديموقراطية الغربية ، لأن المساواة ليس لها قيمة في ذاتها ، بل مضمون قيمة ، وبهذا تكون المساواة في بعض الحالات غير عادلة .
(3) سورة آل عمران ، آية 159 .
(4) سورة النساء ، آية 58 .
(5) سورة الحجرات آية 10 .
(6) سورة المائدة آية 49 .
(7) سورة المائدة آية 8 .

(1/81)


6 - الآيات المتضمنة أحكاما للسلم والحرب ، مثل قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله } (1) وقوله : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } (2) .
7 - الآيات المتضمنة حقوق الأمة على الحاكم ، مثل قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } (3) .
8 - الآيات المتضمنة لحقوق الحاكم على الأمة ، مثل قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } (4) .
9 - الآيات المتضمنة لحق الحياة ، مثل قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } (5) .
10 - الآيات المتضمنة للالتزام بالمعاهدات والوفاء بها ، مثل قوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } (6) .
_________
(1) سورة الأنفال آية 61 .
(2) سورة التوبة آية 36 .
(3) سورة التوبة ، آية 71 .
(4) سورة النساء آية 59 .
(5) سورة البقرة آية 179 .
(6) سورة الأنفال , آية 72 .

(1/82)


11 - الآيات المتضمنة حق إبداء الرأي ، مثل قوله تعالى : { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } (1) وقوله تعالى : { قد سمع الله قول التي تجادلك } . . . . ) الآية (2) .
12 - الآيات المتضمنة لحق الملكية ، مثل قوله تعالى : { فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } (3) .
13 - الآيات المقررة لحرمة المسكن ، مثل قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } (4) .
14 - الآيات المقررة لحق التكريم للإنسان ، والذي تنفرد بذكره صراحة الشريعة الإسلامية ، مثل قوله تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم } (5) .
15 - الآيات المقررة لصيانة الأموال العامة ، مثل قوله تعالى : { وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } (6) .
_________
(1) سورة التوبة آية 71 .
(2) سورة المجادلة آية 1 .
(3) سورة البقرة , آية 279 .
(4) سورة النور , آية 27 .
(5) سورة الإسراء , آية 70 .
(6) سورة آل عمران , آية 161 .

(1/83)


16 - الآيات المقررة لقاعدة الولاء والبراء في الإسلام ، وهي ما تقابل في مصطلح الفقه المعاصر الخيانة العظمى مع الاختلاف في المنطلق والأساس ، وذلك مثل قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } (1) .
17 - الآيات المقررة لعدم المساس بأمن المحايدين ، مثل قوله تعالى : { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } (2) .
18 - الآيات المقررة لحسن الجوار ، مثل قوله تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } (3) .
_________
(1) سورة الممتحنة , آية رقم 1 .
(2) سورة النساء ، آية 90 .
(3) سورة الممتحنة ، آية 8 .

(1/84)


19 - الآيات المقررة لرابطة الإنسانية وأنها فوق اعتبار الجنس والنوع ، مثل قوله تعالى : { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } (1) .
مما تقدم يتضح أن القرآن قد تضمن مسائل دستورية مهمة ، ولكن يجب أن يلاحظ أن الآيات السابق ذكرها ليس المراد من إيرادها الحصر بل التمثيل ، وإلا فإن من الممكن استخراج مسائل دستورية أخرى من القرآن الكريم (2) .
أما فيما يتعلق بالأمور المنظمة للشورى ، والمحققة للعدل والمساواة وغيرها من تفاصيل الأحكام الدستورية فمتروك لأولي الأمر ؛ ليفرعوا ويفصلوا حسب مقتضيات الحال ومصالح الناس دون أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعه القرآن ، مراعين في ذلك تلك الأحكام الكلية ، والنصوص الدالة على رفع الحرج ، والدالة على إيجاب الوفاء بالعهد ، والنصوص التي دلت على أن الأصل في الأشياء الإباحة (3) .
_________
(1) سورة النساء آية 1 .
(2) د . منير حميد البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 81 - 82 ، د . محمد بن عبد الله دراز ، دستور الأخلاق في القرآن ، ص 749 - 0 76 طبعة أولى 1393هـ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
(3) عبد الوهاب خلاف ، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه ، ص 158 - 163 .

(1/85)


ثانيا : السنة النبوية :
تعتبر السنة مصدرا رئيسا من مصادر التشريع ، وهي المصدر الثاني للتشريع بالاتفاق ، وفي مجال الدستور فإن علماء القانون الدستوري المسلمين المعاصرين متفقون على أن السنة مصدر رئيس للتشريع الدستوري الإسلامي ، كما اتفقوا في شأن القرآن ، ولكن الاختلاف بينهم في شروط معينة يراها البعض ، ويعترض عليها البعض الآخر .
فبعض الباحثين (1) في القانون الدستوري أن سنة الآحاد لا يجوز الأخذ بها في مجال الأحكام الدستورية للاعتبارات التالية :
1 - أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها .
2 - أن سنة الآحاد غير يقينية .
3 - أنه ليس كل سنن الأحكام الدستورية تعد تشريعا عاما ، بل إن هذه السنن بصفتها قاعدة عامة لا تعد تشريعا عاما .
_________
(1) د . عبد الحميد متولي في كتابه ، نظام الحكم في الإسلام ، طبعة أولى ، 1966م ، ولم يتنازل عن هذه الآراء حيث أشار في الطبعة الثانية للكتاب - وهي طبعة موجزة ومختصرة إلى نصف الكتاب تقريبا - في ص 36 هامش 2 أنه لم يتنازل عما جاء في الطبعة الأولى من اتجاه فكري أو فقهي تبناه في الطبعة الأولى .

(1/86)


وقد رد على الاعتبار الأول ، ونوقش (1) بأن الأحكام الدستورية ليست إلا فرعا من فروع القانون العام ، كبقية الفروع ، وبالتالي لماذا يكون لها هذا التخصيص ، فما هي إلا جزء من الأحكام العملية التي اتفق الفقهاء على العمل بما فيها ، وهي ما تقابل مباحث الإمامة ، وأنها عند علماء أهل السنة من أحكام الفروع ، ولا يرتفع بها إلى مرتبة الأصول سوى غلاة الشيعة (2) , وبالتالي فلا مجال لعدم الأخذ بسنة الآحاد في المسائل الدستورية وأحكامها التي لا شك في أهميتها ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أعمل خبر الآحاد فيما لا يقل خطورة عن تلك الأحكام وذلك مثل إرسال مبعوثين ورسلا إلى الدول المجاورة ، وهم آحاد مما قد يترتب عليه سلم أو حرب ، بل إن الله تعالى أرسل رسله إلى الناس آحادا (3) .
أما فيما يتعلق بالاعتبار الثاني وهو عدم يقينيتها ، فإن هذا الشرط لم يشترطه أحد من الفقهاء في أحكام الفروع ، ثم إن عدم شهرة سنن الآحاد لا يعتبر دليلا على عدم صحتها ، فلا علاقة بين الصحة والشهرة (4) .
وتقسيم العلماء للسنة إلى متواترة تفيد اليقين ، وآحاد تفيد الظن الراجح اعتبار أصولي لا صلة له باعتبارها أساسا لابتناء الأحكام الشرعية . (5) .
_________
(1) الدكتور على جريشة في كتابه المشروعية الإسلامية العليا .
(2) د . علي جريشة ، ص 127 - 128 ، المشروعية الإسلامية العليا .
(3) د . منير حميد البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 89 .
(4) د . علي جريشة ، المشروعية الإسلامية العليا ، د . محمد فاروق النبهان ، نظام الحكم في الإسلام ، ص 322 .
(5) د . منير حميد البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 89 .

(1/87)


أما فيما يتعلق بالاعتبار الثالث ، وهو أنه لا يمكن اعتبار سنن الأحكام الدستورية تشريعا عاما أو قاعدة عامة ، فإنه كلام غير مسلم به على إطلاقه ، فسنن الأحكام الدستورية تحتوي على تشريعات كلية وعامة وأخرى تفصيلية ووقتية ، فالسنة النبوية تضمنت مبادئ دستورية شرعها الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بماله من صفة النبوة والتبليغ ، وهذا مما يعتبر تشريعا كليا .
ثم أنه وردت نصوص السنة في الراعي والرعية ، والبيعة والإمارة والطاعة للأمير ، وكذلك في السنة تشريعات لحقوق الحاكم والأفراد ومسؤولياتهم ، وكذلك السلم ، والحرب ، والمعاهدات ، والقضاء ، والشورى ، ومركز الأقليات الدينية ، مما يؤكد أن السنة تحوي قدرا كبيرا من المسائل الدستورية التي لها أهمية كبرى في مجال الدستور في النظام الإسلامي ، وهذه السنة معتبرة إذا توافرت فيها شروط الصحة ، سواء كانت متواترة أو مشهورة أو آحادا (1) .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 83 .

(1/88)


والحقيقة أن سنة الآحاد متى صحت نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حسب الشروط التي وضعها علماء الحديث فإنها تكون مستندا ومصدرا للأحكام الشرعية ، لا فرق بين الدستوري منها وغيره ، لأن الصحيح أن خبر الواحد إذا توافرت فيه شروط الصحة فهو حجة في العقائد والأحكام من غير تفريق بينهما ، والعمل به على مقتضى الحكم الشرعي الذي يدل عليه ، لأنه يفيد اليقين ، وقيل : لا يفيد اليقين إلا إن احتفت به قرائن دالة على صدقة مثل أن يرويه الشيخان البخاري ومسلم (1) .
فالسنة هي المصدر الثاني بعد كتاب الله للدستور ، في النظام الإسلامي ، ثم إن تقسيم العلماء للسنن إلى عامة وغير عامة يجب ألا يحمل ما لا يحتمل بأن توضع أغلب الأحاديث والسنن في قالب التشريع الوقتي ، الأمر الذي يؤدي إلى رفض السنة بشكل غير مباشر .
وبهذا يتبين ضعف الرأي القائل بأن سنة الآحاد لا تؤخذ في مجال الأحكام الدستورية .
_________
(1) محمد بن علي الشوكاني ، إرشاد الفحول ص 92 - 95 ، ط1 1413هـ ، مكتبة مصطفى الباز ، مكة المكرمة ، ومحمد الأمين الشنقيطي ، مذكرة أصول الفقه ص 103 - 107 ، ط بدون ، المكتبة السلفية المدينة المنورة .

(1/89)


ثالثا : الإجماع :
يعتبر الإجماع المصدر الثالث للتشريع في الإسلام ، فهو حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم (1) . وذلك إذا توافرت فيه الأمور التالية :
1 - توافر عدد المجتهدين في عصر وقوع الحادثة .
2 - اتفاق جميع مجتهدي العصر على حكم واحد في الواقعة .
3 - أن يبدي كل واحد من المجتهدين حكمه صراحة ، سواء عن طريق الفتوى أو طريق القضاء ، وسواء أبدوا آراءهم مجتمعين أو متفرقين .
4 - أن يكون الإجماع على حكم شرعي كالصحة والفساد ، فلو حصل أن اتفقوا على حكم عقلي ، أو لغوي ، لا يكون ذلك إجماعا شرعيا (2) .
فإن تحققت هذه الأمور ، لم يكن لأحد أن يخرج عن الإجماع ، فالأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولكن كثيرا من المسائل يظن أن فيها إجماعا وهو ليس كذلك ، بل قد يكون الرأي المخالف أرجح في الكتاب والسنة (3) .
_________
(1) د . محمد فاروق النبهان ، نظام الحكم في الإسلام ، ص370 .
(2) د . عبد العزيز النعيم ، أصول الأحكام الشرعية ومبادئ علم الأنظمة ، ص 56 - 57 ، طبعة أولى .
(3) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، جـ 202 ، ص10 ، طبع الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين .

(1/90)


أما من حيث التشريع الدستوري الإسلامي ، ومدى كون الإجماع مصدرا من مصادر الدستور فإن الوقائع في التاريخ الإسلامي تظهر أنه كان مصدرا من مصادر الأحكام الدستورية ، ومن أمثلة ذلك إجماع الصحابة على وجوب الإمامة ، وعرف هذا الوجوب في الشرع بإجماع الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وتسليم النظر إليه في أمورهم ، وكذلك في كل عصر من عصور الدولة الإسلامية فلم يترك الناس فوضى في عصر من العصور ، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام (1) ، ومن الأمثلة كذلك ، الإجماع على البيعة بين الحاكم والمحكوم ، وكذلك الإجماع على محاربة المرتدين ، وغير ذلك من الوقائع الدستورية التي كان مصدرها الإجماع .
أما من حيث اعتبار الإجماع مصدرا للدستور في العصر الحديث فإن للباحثين في ذلك آراء ثلاثة هي : 1 - لا مكان للإجماع في العصر الحديث ، وبالذات في الأحكام الدستورية ويرجع أصحاب هذا الرأي ذلك إلى أن الإجماع يكون في الأمور الدينية والأحكام الدستورية ليست كذلك ، ولاستحالة انعقاد الإجماع بعد القرون الثلاثة الأولى (2) .
_________
(1) عبد لرحمن بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، ص 131 .
(2) د . عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، ص 51 .

(1/91)


2 - أنه ما دام أن الإجماع قد وقع في العصور المتقدمة لمختلف الأحكام ومنها الدستورية ، فإن ذلك ممكن جدا في العصر الحديث ، عن طريق إنشاء مجمع فقهي يضم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي ، وعلماء القانون ويجتمعون دوريا وينظرون في الوقائع المستجدة كما يستفاد من وسائل الاتصالات ليضمن وصوله إلى من لم يحضر (1) ويقصد أصحاب هذا الرأي الإجماع المعروف في الأصول .
3 - أن الأحكام الصادرة عن الإجماع نوعان : ثابتة ، ومتغيرة ، فالثابتة يعتبر الإجماع فيها مصدرا ملزما ، كالإجماع في أمر من أمور العبادات ، والمتغيرة يعتبر الإجماع على حكم منها غير ملزم إلا في عصر الإجماع فقط ، ومن هذا النوع الأحكام الدستورية (2) .
والرأي الذي يرجح في هذه المسألة ، أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع الدستوري في العصر الحديث ، ولكن وفق التفصيل الآتي :
1 - إمكانية انعقاده عقلا مع الاعتراف بصعوبة ذلك واقعا ، ولكن هذه الصعوبة لا تخرج عن دائرة الممكنات إلى دائرة المستحيلات فقد تتغير الظروف والأوضاع ويصبح ممكنا .
2 - خيالية بعض الحلول المقترحة ، كالمجمع الفقهي القانوني الذي ذكره أصحاب الرأي الثاني ، لصعوبة تحقيق الإجماع الأصولي .
_________
(1) د . منير البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص100 - 101 .
(2) د . محمد فاروق النبهاني ، نظام الحكم في الإسلام ، ص 372 - 375 .

(1/92)


3 - ليست كل الأحكام الدستورية أحكاما متغيرة ، بل فيها الثابت والمتغير ، فبعضها ثابت وصادر عن طريق الإجماع ، مثل الإجماع على وجوب الإمامة والبيعة ، فهذه يكون الإجماع فيها ملزما للمسلمين في كل وقت ، أما الأحكام المتغيرة مثل الإجماع على طريقة اختيار الخليفة ، فيكون الإجماع في هذه الحالة غير ملزم إلا في وقت الإجماع فقط ؛ لاختلاف الظروف من وقت لآخر ، كما حدث في اختيار الخلفاء الراشدين ، والإجماع على طريقة الشورى ، وغير ذلك .

(1/93)


رابعا : الاجتهاد :
الاجتهاد هو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي ، فإذا عرضت قضية ولم ينص على حكمها في الكتاب أو السنة أو الإجماع ، فإن الكتاب والسنة دلا على مكانة الاجتهاد ، وأنه طريق من طرق الوصول إلى الحكم الإسلامي (1) ,مثل قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } (2) , وقوله تعالى : { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } (3) ومن السنة حديث معاذ عندما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وأمره بالرجوع إلى الكتاب ، ثم السنة ، ثم الاجتهاد (4) .
والفرق بين الإجماع والاجتهاد هو أن الاجتهاد رأي غير مجمع عليه ، فإذا أجمع عليه كان الإجماع ، ولذا تقدم الإجماع على الاجتهاد فصار أقوى منه والمجتهد لا يعتمد في اجتهاده على رأيه المجرد ، بل عندما لا يجد النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع فإنه يغوص في الكتاب والسنة ويتلمس الأشباه والنظائر ثم يقيس الأمور وينظر فيها (5) .
_________
(1) د . محمد معروف الدواليبي ، المدخل إلى علم أصول الفقه ، ص 52 .
(2) سورة النساء ، آية رقم 105 .
(3) سورة الروم ، آية 28 .
(4) حديث معاذ رضي الله عنه رواه أبو داود رقم 3592 - 3593 ، في الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء ، والترمذي رقم1327 - 1328 ، في الأحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ، وقال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي : الناس في هذا الحديث على رأيين فمنهم من قال : إنه لا يصح ، ومنهم من قال هو صحيح ، والدين القول بصحته ، وقد صححه كذلك ابن القيم في أعلام الموقعين . (جامع الأصول في أحاديث الرسول ، لابن الأثير الجزري ، حديث رقم 7673 ، ص 178, جـ 10 ، مكتبة الحلواني ، 1392هـ) .
(5) د . محمد معروف الدواليبي ، المدخل إلى علم أصول الفقه ، ص 55 .

(1/94)


وفي مجال التشريع الدستوري فإن الاجتهاد يعتبر مصدرا من مصادر الدستور في النظام الإسلامي ، بل هو أوسع المصادر مجالا بالنسبة للأحكام الدستورية . والاجتهاد في المسائل الدستورية يصدر عن طريق أولي الأمر (1) . وإذا صدر الاجتهاد بشأن مسألة دستورية من أولي الأمر وفقا لقواعد الاجتهاد الصحيحة يكون الحكم واجب الطاعة والتنفيذ ، لقوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } (2) , إذ هو اجتهاد صحيح مقترن بالأمر فتجب طاعته .
وذكر بعض الباحثين أن الحكم الصادر عن الاجتهاد بشأن مسألة دستورية إذا كان صادرا من المجتهدين سواء أكانوا من مجتهدي الصحابة أو ممن بعدهم من مجتهدي الأمة إلى هذا العصر فإن هذه الاجتهادات تشكل مصدرا يستنير به الحاكم المسلم ، ولا حرج عليه بأن يأخذ بأحد الاجتهادات في مسألة ما - بعد المشاورة - ، وعندئذ له أن يأمر باتباع هذا الاجتهاد ، ويجب على الأفراد الطاعة له (3) .
_________
(1) أولي الأمر كما يقول العلماء ، هم الحكام والعلماء ، ويلاحظ منهج القرآن أنه لم يذكر أولي الأمر بلفظ المفرد ، بل بصيغة الجمع دائما ، حيث أن إطلاقها مفردة تنصرف فقط إلى الحاكم ، عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم الإسلامي ، ص50 .
(2) سورة النساء آية رقم 59 .
(3) منير البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص111 .

(1/95)


وهذا كلام لا يؤخذ على إطلاقه ، فإن الاجتهاد إذا كان صحيحا وبشرائطه ولم يظهر ما يخالفه ولم يكن مرتبطا بزمن أو مكان أو قضية معينة فإنه يجب العمل به ، أما إذا كان غير ذلك فالحاكم يختار ما يراه أصلح لوقته بعد التشاور مع أهل الرأي والحل والعقد .
وللاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية أصول تحدثت عنها كتب الأصول والتشريع أهمها :
1 - القياس . 2 - الاستحسان . 3 - الاستصلاح . 4 - الاستصحاب . 5 - العرف .
ومن الأمثلة لبعض الأحكام الدستورية التي يمكن أن تستنبط عن طريق الاجتهاد باستخدام القياس ، قياس أهل القوة والشوكة ممن يصلحون للإمارة على قريش ، بجامع علة مشتركة بينهما هي القوة والشوكة فيكون الأمير من غير قريش على أن يكون من أهل القوة والشوكة (1) ، ومن الأمثلة كذلك ما فعله عمر رضي الله عنه من فصله للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في بعض الأمور والأحوال ، مستخدما المصلحة المرسلة ، ومن ذلك يتضح أنه تم فعلا استنباط أحكام دستورية عن طريق الاجتهاد .
_________
(1) مقدمة ابن خلدون ، ص 133

(1/96)


وباب الاجتهاد هذا - بقواعده الصحيحة - هو الينبوع الذي يمد الأحكام الدستورية في العصر الحديث بالروح ، والحيوية ، ويجعلها مرنة ومتطورة حسب الحاجة وفق إطار ثابت وسياج قوي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، مما يعطي ثروة من الآراء والحلول في مجال الأحكام الدستورية ، وهي بلا شك ليست ملزمة أو قطعية لطبيعتها الاجتهادية ، ولذلك تعطى حكم المصادر الاحتياطية أو التفسيرية ، ولا تكون ملزمة إلا في حالة تبني أولي الأمر لأحد الاجتهادات ، وبالتالي تلزم الطاعة في وقت محدد ، أي ليست ملزمة على مر العصور ؛ لأنها من الأحكام المتغيرة بتغير الأحوال لا الأحكام الثابتة (1) .
وبعد الكلام على مصادر الدستور الإسلامي يرد تساؤل عن مصادر الدستور الوضعي ، ومكانتها من الدستور الإسلامي ؟ وللإجابة عن ذلك باختصار نقول :
من المعروف أن مصادر الدستور الوضعي هي الفقه القانوني ، والقضاء ، والعرف ، والتشريع ، وهذه المصادر لا يمكن قبولها هكذا مجردة ، لتكون مصادر للدستور في الإسلام ، إنما يمكن الأخذ بها عندما لا تكون مخالفة لنصوص وأحكام الشريعة الإسلامية ، وعند ذلك تدخل هذه المصادر جميعا ضمن مصادر الدستور في الإسلام .
_________
(1) المرجع السابق ، ص 148 ، د . منير حميد البياتي ، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي ، ص 112 .

(1/97)


المبحث الثالث
خصائص الدستور في الإسلام
للدستور في الإسلام خصائص تميزه عن غيره من دساتير العالم ، فالدساتير المعاصرة تختلف من حيث طبيعتها ونشأتها ، عن الدستور في الإسلام ، وذلك أن هذه الدساتير نشأت في بيئة تختلف اختلافا كبيرا عن البيئة الإسلامية ، وهذا الاختلاف ليس اختلافا شكليا أو فرعيا ، ولكنه اختلاف ممتد إلى الجذور والأسس والمنطلقات ، فبينما يرتكز الدستور في النظم الغربية والشرقية على منطلقات فكرية بشرية هي نتاج الفكر البشري المتأثر بخليط من الحضارات الوثنية والدينية المحرفة والمادية ، نجد في المقابل الدستور في الدولة الإسلامية يتكئ على قاعدة صلبة من الإيمان ، والوحي بما فيه من أصالة وصفاء منبع ، صحيح أن الدستور في أي دولة لا يختلف كثيرا عن الدستور في دولة أخرى من الناحية الشكلية ، ومن ناحية مواضيع الدستور ، ولكن الاختلاف يكمن في كيفية معالجة هذه المواضيع ، فدستور الدولة الإسلامية يعالج هذه المواضيع معالجة منطلقة من أسس ومنطلقات مرتكزة على الوحي الرباني ، والدساتير في الدول الأخرى تعالج هذه المواضيع معالجة منطلقة من فكر بشري ومؤثرات بيئية وتاريخية أرضية .

(1/98)


فالحقوق مثلا عالجها دستور الدولة المسلمة ، وكذلك هي في دساتير الدول الأخرى ، ولكن المعالجة التي تتم لها تختلف في هذه الدساتير عن بعضها البعض ، والمرجع لهذه الحقوق في دستور الدولة المسلمة ، غير المرجع لها في الدساتير الوضعية .
وسنتحدث في هذا المبحث عن الخصائص التي تميز دستور الدولة المسلمة عن غيرها من الدساتير الوضعية .
1 - تميز النشأة :
من المعروف أن الدساتير نشأت إما عن طريق المنحة من الحاكم للمحكومين ، أو عن طريق الاكتساب المباشر من المحكومين لحقوقهم في وضع الدستور ، أو غيرها من الطرق التي مرت في المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الأول .

(1/99)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية