صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نشوء الحضارة الاسلامية احمد القصص

فأما عن القسم الأول، فإننا نجد أن المجتمعات تتمايز فيما بينها بمجموعة من المعارف، فيختص كل واحد منها بثقافة تكون له سمة دون غيره. فلكل مجتمع عقائده ووجهة نظره عن الحياة، ولكل مجتمع مفاهيمه ومقاييسه وقناعاته ومثله العليا وأهدافه الكبرى وقيمه الخاصة. وهذه العناصر تأتلف فيما بينها لتشكل بنيانا ثقافيا متمايزا، تملأ جوانبه مجموعة من المعارف التي تكيفت وتشكلت وفق طرازه. فالدراسات اللغوية والتاريخية والأدبية وغيرها، عليها أن تساهم في إبراز تلك الثقافة، فتتمايز هي بدورها بين مجتمع وآخر. فليس الأدب العربي كالأدب الصيني ولا كالأدب الهندي، وليست دراسة التاريخ لدى الأميركيين كما هي لدى الروس أو لدى اليابانيين … وهكذا .
وأما القسم المعرفي الثاني، فإننا نجده علوما تتسم بالمعرفة البحتة الخالصة من أي انتماء، فهي حيادية يمكن لأي مجتمع أخذها والانتفاع بها أو بقسط منها ما وجد في نفسه حاجة إليها. صحيح أن هذه العلوم تنشأ في أرض مجتمع من المجتمعات، وصحيح أن بعض العلوم تحظى باهتمام لدى بعض الشعوب أكثر مما تحظى به لدى أخرى، إلا أنها لا ترتبط بالهوية الخاصة والشخصية المتميزة لتلك الشعوب، فهي عالمية السمة وليست محلية. فعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والفلك وما شاكلها لا تنتسب إلى أمة دون أخرى ولا تتمايز -في طبيعة دراستها- بين المجتمعات تبعا لاختلاف أنماطها وطرائق عيشها، وإن تفوق مجتمع على آخر في دراستها واستخدامها وتطويرها

(1/75)


فالفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات وما شاكلها من العلوم يدرسها الغربي كما يدرسها الصيني وكما يدرسها الهندي والروسي والمسلم. ويمكن لهؤلاء جميعا أن يدرسوا في جامعة واحدة وأن يعملوا معا في مختبر واحد، إلا أنهم بكل تأكيد سيفترقون، كل إلى طريقة عيشه ليمارس ثقافته الخاصة، بعد خروجهم من قاعة الدراسة أو المختبر .
وقد أدرك المسلمون في عصور نهضتهم ذلك الفارق المهم بين صنفي المعرفة. وكان ثمرة هذا التفريق أن انضبطوا إلى حد كبير في عملية الاقتباس المعرفي من الأمم الأخرى، بحيث كانوا يميزون بين المعارف الخاصة بهم –والتي جعلتهم أمة من دون الناس، فطلبوها من مظانها الأصيلة- وبين الفروع ذات الطابع العالمي من المعرفة، والتي هي خالية من أي هوية خاصة، فأخذوها من غيرهم وأسهموا فيها بقدر ما كانوا بحاجة إليها، وبقدر ما حققت لهم من أهداف تنسجم مع شخصيتهم الحضارية.

(1/76)


ولنترك الكلام للعلامة "عبد الرحمن بن خلدون" ليوضح لنا ذلك التقسيم، إذ يقول: «اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلا وتعليما هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية(1)، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول(…) وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيؤها للإفادة، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة، لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق»(2).
ثم يعدد فروع العلوم النقلية، فيذكر علم التفسير وعلم القراءات وعلوم الحديث والفقه وأصوله والعقائد الإيمانية وما تبعها من علم الكلام وعلوم اللغة والنحو والبيان والآداب. ثم يقول: «وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها»(3).
__________
(1) - سوف يتضح في السطور اللاحقة أن ابن خلدون يعني بكلمة "الفلسفية" في هذا الموضع جميع فروع المعرفة العقلية غير الدينية، بما فيها العلوم الطبيعية .
(2) - مقدمة ابن خلدون – ص 482-483
(3) - المصدر السابق – ص 483

(1/77)


وبعد أن يعقد فصولا للكلام على كل واحد من هذه العلوم النقلية، ينتقل إلى التفصيل في أصناف العلوم العقلية، فيقول: «وأما العلوم العقلية التي هي طبيعة للإنسان من حيث إنه ذو فكر، فهي غير مختصة بملة، بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم ويستوون في مداركها ومباحثها وهي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة، وتسمى هذه العلوم: علوم الفلسفة والحكمة»(1).
ثم يعدد فروع تلك العلوم العقلية، فيقول: «وهي سبعة: المنطق –وهو المتقدم منها- وبعده التعاليم، فالأرتماطيقي أولا، ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات. لكل واحد منها فروع تتفرع عنه. فمن فروع الطبيعيات الطب، ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن فروع الهيئة الأزياح -وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك- ومن فروعها النظر في النجوم على الأحكام النجومية»(2).
ولا يكتفي "ابن خلدون" بتعداد العلوم العقلية وحسب، وإنما يتكلم عن كل واحد منها على وجه الخصوص ليميز ما هو مقبول حسب وجهة النظر الإسلامية عما هو مرفوض لتعارضه مع الإسلام ومفاهيمه. فيعقد فصلا «في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها»(3)، فيتكلم فيه عن فساد آراء الفلاسفة في الإلهيات وخطأ منهجها وتعارضها مع العقيدة الإسلامية ومفاهيمها، ثم يعقد فصلا «في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها»(4).
إن هذه النصوص من مقدمة "ابن خلدون" تشير إلى مدى انضباط المسلمين في تلقي المعرفة والتمييز بين ما هو من معارف البشر قاطبة، وما هو من معارف الأمة الإسلامية خاصة، أي بين العلوم الطبيعية وملحقاتها وبين "ثقافة المجتمع الإسلامي" .
__________
(1) - المصدر السابق – ص 528
(2) - المصدر السابق – ص 530
(3) - المصدر السابق - ص 568
(4) - المصدر السابق – ص 574

(1/78)


وفضلا عن أهمية التفريق بين "الثقافة" و "العلوم" البحتة، يجدر بالباحث في التاريخ الثقافي للأمم والمجتمعات التنبه إلى الفرق بين "الثقافة" بإطلاقها و"ثقافة المجتمع" على وجه الخصوص، ولا سيما حين يكون البحث في الثقافة من حيث تأثيرها في تشكيل علاقات المجتمع، أو بتعبير آخر، من حيث وظيفتها في صياغة النمط الحضاري لذلك المجتمع(1).
ذلك أنه إذا نظر الباحث في التراث الفكري والثقافي الذي شهده مجتمع ما خلال حقبة من التاريخ دون التدقيق في سيرة ذلك المجتمع وما يصوغ حياته وطريقة عيشه، فإن هناك احتمالا كبيرا أن يقع في الخطأ والضلال في حكمه على هوية ذلك المجتمع والثقافة التي تعطيه خصوصيته الحضارية. وما ذلك إلا لأنه -حين النظر في ذلك التراث- لم يستطع أن يفرق بين الجانب الذي يعبر عن العرف العام للمجتمع والذي يوجه حركته وينظم علاقاته، وذلك الجانب الذي لم يكن معبرا إلا عن أفراد اشتغلوا ببعض الدراسات الفكرية والثقافية التي لا تعبر بالضرورة عن اهتمام المجتمع، أو كان معبرا عن شريحة معينة –صغيرة كانت أو أكبر قليلا– في المجتمع، أو عن بعض الجماعات المنفصلة فكرا وشعورا عن المجتمع والمنخرطة بين جنباته. وهكذا، فإن من شأن الوقوع في هذا الخطأ أن يؤدي إلى إطلاق أحكام لا أساس لها من الصحة على المجتمع، لمجرد أن الباحث قرأ ما أنتجته حقبة من الزمان من دراسات ومؤلفات وآراء قد تعبر عن ثقافة المجتمع وقد لا تعبر عنه .
__________
(1) - راجع في بحثنا هذا: تعريف الحضارة والثقافة .

(1/79)


فعلى سبيل المثال: هل يصح أن نعد كل ما يصدر اليوم في الولايات المتحدة الأميركية، من مؤلفات ودراسات تبرز مختلف الآراء والأفكار والتيارات المذهبية والأيديولوجية، معبرة عن ثقافة المجتمع الأميركي، وبالتالي عن النمط الحضاري لذلك المجتمع؟ الجواب هو بالطبع: لا. إذ لا بد من النظر إلى ذلك المجتمع بحد ذاته، ما يصوغ تفكيره ويحرك مشاعره وينظم علاقاته ويثير نشاطه وردات فعله. فإذا ما أمعن الباحث النظر في المجتمع على هذا النحو، أمكنه أن يقمش من ذلك التراكم الثقافي والفكري الكبير، تلك الأفكار التي تشكل مفاهيم ذلك المجتمع ومقاييسه وقناعاته وضوابط سلوكه، فيرمم منها صورة تعبر عن بنيانه الثقافي ونمطه الحضاري الحقيقي .
وكم يجدر بالباحث في تاريخ المجتمع الإسلامي –ذلك المجتمع الذي شهد حركة معرفية لم يسبق لها مثيل في التاريخ- أن يتبع هذه القاعدة حين النظر في ثقافة ذلك المجتمع ومسيرته الحضارية، فيبحث عن المحرك الفعلي لنشاطه وردات فعله، وعن كوامن حساسيته وتحسسه، وما الذي يثير اهتمامه؟ وما الذي يستفز مشاعره؟ وما الذي يحرك فكره؟ وما الذي يبعثه على الثورة؟ وما الذي يبقيه راكنا؟ وما الذي يكترث له؟ وما الذي لا يقيم له وزنا في حياته؟ لمن تصغي آذانه؟ ولمن يدير ظهره؟…

(1/80)


إن لم تبق هذه الأسئلة مرافقة للباحث، فسوف يكون صورة لا تمت إلى ذلك المجتمع بصلة. إذ لن يتبدى له تراتب فروع الثقافة والمعرفة في المجتمع الإسلامي، فيسوي بين كتب العقائد وكتب الفلسفة وبين أبحاث التصوف الفلسفي وأدب الزهد الإسلامي وأدب الفسق والمجون، وبين الفقه في الدين وأفكار المدينة الفاضلة، وبين مؤلفات السياسة الشرعية وما عرب من كتب سياسات الملك من فارسية وغيرها… وهكذا، لن يكون لدى الباحث الميزان والمقياس الذي يمكنه من معرفة الثقافة الحقيقية للمجتمع. وربما قادته ميوله الفكرية أو العصبية إلى تسليط الأضواء على جوانب دون أخرى على نحو يجانب الموضوعية. أو لربما أدى انهماكه في تحري الجوانب المتعلقة باختصاصه الأكاديمي إلى أن تجذب تلك الجوانب اهتمامه فلا يعود يرى في المجتمع غيرها. كأن يركز متخصص في الآداب نظره على المؤلفات الأدبية والشعرية –والتي يستأثر بالحظ الأوفر منها شعراء المجون وأدباء كتاب الأغاني– فيقوده هذا الانغماس في ذلك البحر من الأدب والشعر –من حيث لا يدري– إلى الحكم على المجتمع الإسلامي بأنه مجتمع ترف ومجون وغزل وتشبيب وخمر… وما شاكل ذلك. وبناء على ما سبق، فإن البحث عن "ثقافة المجتمع" يجب أن ينطلق من النظر في طبيعة تكوينه . ولقد سبق وقررنا أن المجتمع إنما يأخذ هويته وطريقة عيشه من أفكاره ومشاعره التي تكيف سلوكه، ومن أنظمته التي تنظم علاقاته.

(1/81)


والمجتمع الإسلامي إنما كان إسلاميا لما قام على أساس العقيدة الإسلامية، بما ينبني عليها من أفكار وينبثق عنها من أنظمة. فانتظام المسلمين في ذلك المجتمع بتلك الأفكار والمشاعر والأنظمة إنما هو وليد الرسالة الإسلامية، التي بنت عقلية ونفسية جديدتين، فأوجدت لنا شخصية إسلامية متميزة. وما ذلك إلا بتأثير العقيدة الإسلامية التي جعلت للمسلمين نظرة جديدة إلى الحياة الدنيا ومعنى جديدا للعيش، يتلخص في وجوب تسيير الحياة وفق أوامر الله ونواهيه. فكان ذلك الأساس هو مركز تنبههم، فهو الذي تحكم في تفكيرهم، وبالتالي في سلوكهم وانتظام علاقاتهم داخل مجتمعهم. فمفهوم الإيمان والكفر يلعب دورا أساسيا في الجانب العقدي -وهو أساس تفكير الإنسان– ومفهوم الحلال والحرام يلعب دورا أساسيا في حياة المسلمين ومجتمعهم ودولتهم وعلاقاتهم عامة .

(1/82)


بسبب ذلك كله، كان النشاط المعرفي والثقافي الأساسي في حياة المسلمين مبنيا على العقيدة الإسلامية وهادفا إلى معرفة القواعد والمعايير السلوكية التي يحرصون على التمسك بها لتسيير أعمالهم وفق أوامر الله تعالى ونواهيه. وبالتالي كانت المعرفة متمحورة حول قطبين أساسيين، هما: القرآن والسنة، بوصفهما المعين الذي تستقى منه توجيهات الوحي الإلهي وأوامره وهداه على وجه العموم(1). فالمسلم الفرد بحاجة إلى معرفة أحكام شريعته ليتقيد بها في حياته الخاصة، في علاقاته مع ربه، وعلاقته مع نفسه في أخلاقه ولباسه وطعامه… والأسرة بحاجة إلى تعلم أحكام الزواج والطلاق والبنوة والنفقة والولاية وآداب العائلة حتى تسير أمورها على انتظام بأوامر الله ونواهيه . والجماعة بحاجة إلى تعلم أحكام المعاملات حتى تسير علاقاتهم على انتظام بالشريعة. والدولة تتحرى أنظمة الحكم والاقتصاد والاجتماع وأحكام الحرب والسلم والمعاهدات وأحكام دار الإسلام ودار الكفر، من أجل أن ترعى شؤون المسلمين بالإسلام داخليا وخارجيا. والقضاة يتحرون أحكام البينات والعقوبات من حدود وقصاص وغيرها ليحكموا بين الناس بما أنزل الله…
__________
(1) - انظر : أحمد أمين – ضحى الإسلام – دار الكتاب العربي بيروت – الطبعة العاشرة – دون تاريخ – ج2-ص 11-12

(1/83)


يقول "أحمد أمين": «الحركة الدينية في صدر الإسلام كانت أكثر الحركات انتشارا وأوسعها ميدانا، وإن أكثر العلماء الذين ظهروا في هذا العصر كانوا علماء دين، وإن السبب في ذلك أن الدين ملك على الناس نفوسهم ورأوا فيه سبب وحدتهم وعلة نهضتهم، ولولاه لظل العرب شيعا وأحزابا يضرب بعضهم بعضا، ولولاه لقبعوا في كسر بيتهم، ولما تعدوا حدود بلادهم، ولما فتحوا الأمصار ودوخوا الممالك، فهو عزهم في الدنيا ورجاؤهم في الآخرة. وأخلص له قوم من غير العرب فاعتنقوه وآمنوا أنه هو السبيل لسعادتهم، فأقبل هؤلاء وهؤلاء على القرآن يتفهمونه، والحديث يجمعونه ويشرحونه، وأخذوا يستنبطون منها أحكام ما يعرض في هذه الدولة المترامية الأطراف من حوادث»(1).
على هذا النحو قامت حركة ثقافية كبيرة في المجتمع الإسلامي. قام بها علماء الإسلام بشتى اختصاصاتهم. غرضها فهم الشريعة الإسلامية واستنباط أحكامها لتسيير أعمال الفرد والجماعة والدولة بها. ولا شك أن فهم الشريعة الإسلامية يستلزم العديد من الوسائل المعرفية، التي لا يتأتى لولا استيفاؤها فهم نصوص الشريعة حق الفهم .
فالقرآن والسنة، بوصفهما المصدرين الرئيسيين للتشريع، شكلا معا المحور الذي تدور حوله الثقافة الإسلامية ومعارف المثقفين وعامة الناس معا. فتفسير القرآن والحديث النبوي واستنباط الأحكام الشرعية منهما كان الشغل الشاغل لمعظم العلماء والدارسين والمثقفين. إلا أن هذه المهمة الكبرى-مهمة فهم القرآن والسنة واستنباط الأحكام منها- كانت تستوجب العديد من الدراسات التي تعين عليها، وهي التي يسميها بعض العلماء -ومنهم ابن خلدون-"العلوم الآلية"، ويسميها البعض بالعلوم الموصلة.
__________
(1) 2- فجر الإسلام - ص 194

(1/84)


فلا يمكن فهم القرآن والسنة - وهما المعين الذي نبعت منه الشريعة الإسلامية – دون معرفة اللغة العربية حق المعرفة، بنحوها وصرفها ومعانيها ووجوه دلالات ألفاظها… فكانت الدراسات التي وضعت لضبط قواعد النحو والصرف وغيرها جزءا مهما من حركة الثقافة الإسلامية .
كما أن استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية –وهو ما يعبر عنه في الفكر الإسلامي بالاجتهاد– يحتاج إلى قواعد ينضبط بها المجتهدون حين النظر في القرآن والسنة وإجماع الصحابة، فيعرفون دلالة العام والخاص ودلالة المجمل والمبين والمطلق والمقيد ويفرقون بين الناسخ والمنسوخ، ويقفون على دلالة الأمر والنهي وما شاكل ذلك . من هنا نشأ علم أصول الفقه الذي وضع حجر الأساس فيه الإمام "محمد بن إدريس الشافعي"(1) المتوفى سنة 204هـ. فكانت الدراسات في أصول الفقه من أهم فروع الثقافة الإسلامية(2) .
__________
(1) - الإمام الشافعي (150-204هـ)
…محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله: أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة بفلسطين وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين. وزار بغداد مرتين. وقصد مصر سنة 199هـ فتوفي بها. قال المبرد: كان الشافعي أشعر الناس وآدبهم وأعرفهم بالفقه والقراءات. وقال الإمام ابن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. أقبل على الفقه والحديث، وأفتى وهو ابن عشرين سنة. وكان ذكيا مفرطا. له تصانيف كثيرة، أشهرها كتاب "الأم" في الفقه، و"المسند" في الحديث. و"الرسالة" في أصول الفقه والعديد من المصنفات.(الزركلي)
(2) 2- انظر: مقدمة ابن خلدون – ص 501 وما بعدها .

(1/85)


كما أن معرفة الحديث الصحيح من الضعيف أو الموضوع كانت من أهم مقتضيات دراسة الشريعة الإسلامية. ذلك أن المجتهد بحاجة لمعرفة المقبول من الأحاديث ليتخذه دليلا على الأحكام ويستبعد ما سواه. من هنا نشأ علم مصطلح الحديث وما اقتضاه من علم الرجال الذي عني بتراجم رواة الحديث، لتمييز الثقة الذي تقبل روايته من غيره من الرواة الضعفاء. فكان ذلك الاختصاص أيضا من أهم فروع الثقافة الإسلامية(1) .
وبمناسبة الكلام على علم الحديث ومصطلحه، لابد من وقفة قصيرة، عند"علم التاريخ" لدى المسلمين الذي كانت نشأته مرتبطة بالعديد من فروع الثقافة الإسلامية، ولاسيما الحديث والسيرة النبوية وعلم الرجال. وكان في منهجه من خصائص الثقافة الإسلامية بما تميز به من أصالة وتفرد.
يقول "أسد رستم" «أول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي, فإنهم اضطروا اضطرارا إلى الاعتناء بأحوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل...فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها, فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لاتزال, في أسسها وجوهرها, محترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا».(2)
فأول ما عني به من التاريخ الإسلامي سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يتبعها من مغاز. وقد اعتمد فيها على ما رواه الصحابة والتابعون ومن بعدهم عن حياة النبي من ولادته ونشأته ودعوته إلى الإسلام وجهاده المشركين وغزواته وغير ذلك من سير حياته إلى وفاته.
__________
(1) - انظر : المرجع السابق – ص 488 وما بعدها
(2) - أسد رستم – مصطلح التاريخ – المكتبة العصرية، بيروت – 2002 – ص5

(1/86)


ثم اتجه المؤرخون بعد ذلك إلى تدوين أحداث عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. وكان الدافع الأساسي وراء هذا النشاط التأريخي دافعا تشريعيا. فأعمال الخلفاء الراشدين, في التعامل مع البلدان المفتوحة في عهدهم وفي الاقتتال الداخلي فيما بين المسلمين, عدت من قبل العديد من الفقهاء فيما بعد أدلة شرعية على العديد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالأراضي وتقسيمها بين خراجية وعشرية, وعلى الأحكام المتعلقة بأهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين وأحكام الحرب والسلم والأحكام المتعلقة بقتال البغاة والمرتدين. والجدير بالذكر في هذا المجال, أن تصرفات الخلفاء الراشدين لم تكتسب أهميتها من حيث هي تصرفات لرؤساء الدولة وحسب, وليس أيضا بوصفها اجتهادات صحابة كبار فقط, وإنما من حيث هي تعبير في كثير من الأحيان عن إجماع الصحابة, وهذا هو الأهم. فالعصر هو عصر الصحابة الذين يعد إجماعهم لدى جمهور فقهاء المسلمين من أدلة التشريع الإسلامي. فتاريخ الصحابة إذا مادة من مواد التشريع.
أضف إلى ذلك أن الفقهاء كانوا بحاجة إلى تتبع تاريخ الفتوح حتى بعد العهد الراشدي من أجل معرفة أي البلاد فتح صلحا وأيها فتح عنوة, لأنه يترتب على ذلك تحديد الحكم الشرعي لهذه الأراضي من حيث هي أراض خراجية أم عشرية. لذلك رأينا أن قسطا وافرا من مدونات السنن والحديث تشمل هذه الأخبار التاريخية.

(1/87)


كل هذه العوامل دفعت عددا من المؤرخين إلى متابعة تدوين التاريخ الإسلامي بقرونه العديدة وفق المنهج ذاته الذي اعتمده المحدثون ورواة السنن, أي الأخبار مسندة إلى سلسلة رواتها. وإن كانت تلك الأخبار التاريخية بحاجة إلى مزيد من التحقيق والتدقيق, ولاسيما من حيث السند, إذ لم تحظ بتلك العناية التي حظيت بها أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده. وهذا ليس مستغربا, فالنصوص التاريخية المتأخرة ليست مادة تشريعية كما هو شأن أخبار العهد النبوي والراشدي.(1)
وكان أبرز الذين دونوا التاريخ على هذا النحو الإمام "ابن جرير الطبري" الذي بدا كتابه "تاريخ الرسل والملوك", كما يقول "حسين مؤنس" «من الأعمال الحاسمة في تاريخ الفكر العربي كله, وتاريخ التاريخ في العالم, إذ لم يؤلف مثله طوال العصور الوسطى في الشرق والغرب».(2)
__________
(1) - انظر في هذا الموضوع : ضحى الإسلام – ج2 – من ص319 إلى ص340
(2) - نقلا عن: محمد فتحي عثمان – المدخل إلى التاريخ الإسلامي – ص166

(1/88)


إلا أن المهمة الكبرى في ثقافة المجتمع الإسلامي إنما وقعت على عاتق المجتهدين وسائر الفقهاء بشتى مراتبهم. ذلك أن العامة من الناس والغالبية منهم، ليسوا من العلماء ولا المتبحرين في العلوم الشرعية، فهم بحاجة إلى اللقمة السائغة التي يقتاتونها –في سلوكهم اليومي– بعد نضجها، وإلى الشراب السلس بعد مزجه، وإلى الدواء الناجع بعد استخلاصه. فكان المجتهدون وتلامذتهم من الفقهاء هم قبلة أنظارهم في حياتهم اليومية. فهم الذين يقدمون ثمرة جهود سائر العلماء –من لغويين ومفسرين ومحدثين وأصوليين– بعد مزجها بعناية ودقة، لتثمر لنا فقها متكاملا شاملا، هو قوام حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. وكلما استجدت في حياة المسلمين مسائل جديدة ومشاكل مستجدة بتجدد الأيام وتوسع دار الإسلام، توجهت أنظارهم نحو الفقهاء ليستمدوا منهم الحكم الشرعي، فيتخذوه رأيا ومفهوما لهم ومعيارا لسلوكهم .« فكان موقف الفقهاء من هذه المشاكل من أصعب المواقف وأشدها عناء، وكانوا هم من جانبهم من أكثر الناس نشاطا وتحملا للعبء(1)».
__________
(1) 3- فجر الإسلام – ص 246

(1/89)


ولم تكن هذه الظاهرة –ظاهرة اتباع الفقهاء – مقتصرة على عامة الناس في المجتمع، بل كانت الدولة تدين لهم في تبني جميع ما يلزمها من أنظمة لرعاية شؤون الناس. فتلك الأنظمة في حقيقتها -سواء ما تعلق منها بالحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة الخارجية- ما هي إلا مجموعة من الأحكام الشرعية التي تولى المجتهدون استنباطها، وأدرجها الفقهاء ضمن موسوعاتهم ومصنفاتهم الفقهية، «فرأينا أبا يوسف في كتابه "الخراج" يضع النظام المالي لدولة الرشيد، فيقرر نظام الأرض ومسحها، وما يؤخذ منها وكيف يكون ذلك، ويضع نظام الضرائب على غير الأرض مما يخرج البحر وغيره، ويضع نظام الري من الآبار والأنهار . ونجد الأئمة الأربعة وغير الأربعة يجتهدون في وضع القوانين من مالية وجنائية وما يسمى بالأحوال الشخصية»(1).
وقد ألف بعض الكتاب من غير الفقهاء بعض الكتب في سياسة الحكم وإدارة الدولة، كما فعل "ابن المقفع" في رسالته إلى الخليفة، والتي سماها «رسالة الصحابة»، إلا أن الخلفاء لم يكونوا يلتفتون إلى أمثال هؤلاء، وإنما كانوا يلجؤون إلى علماء الشريعة أمثال "الإمام مالك" و"أبي يوسف" و"أبي حنيفة" و"الشافعي"(2)…
__________
(1) 1- ضحى الإسلام – ج1 - ص 271
(2) 2- المرجع السابق – ج1 – ص 216

(1/90)


وهكذا كان علماء الشريعة هم القوامين على فكر المجتمع وحسه والموجهين لحركته، وكانوا أصحاب السلطان الحضاري في المجتمع الإسلامي، بل كانوا صمام الأمان الذي أنيطت به مسؤولية ضبط مسار المجتمع وحمايته من الانحراف عن هويته الإسلامية، فإذا قصروا فيها انعكس الأمر وبالا على المجتمع برمته. وها هم حين أساؤوا في أداء المهمة التي وكلوا بها، تحول الناس إلى مذهبيات متعصبة، يتقاتلون في بعض الأحيان بدافع من عصبيتهم لمذهبهم، فيجروا الخراب إلى مدنهم وقراهم وأحيائهم(1). إلا أن تلك الأحداث بقيت - على مأساويتها – تنتصب دليلا على قوامة الفقهاء على المجتمع.
إن ما سلف من الكلام عن علماء الشريعة وما لهم من أثر في الحياة الإسلامية، إنما تبرز ثمرته في محاولة النظر إلى ماهية "ثقافة المجتمع الإسلامي" والمكون الأساسي لها. فإنه إذا ثبت أن هؤلاء العلماء إنما يصدرون في علمهم وفقههم وآرائهم عن الإسلام عقيدة وشريعة، وينطلقون من القرآن والسنة، ثبت بطبيعة الحال أن ثقافة المجتمع هي ثقافة إسلامية بقدر ما يستلهم أفكاره وأحكامه ومواقفه وقناعاته ومقاييسه من هؤلاء العلماء .
__________
(1) 3- انظر: أحمد أمين – ظهر الإسلام – دار الكتاب العربي ، بيروت – الطبعة الخامسة –دون تاريخ – ج2 – ص 4-5

(1/91)


لقد أدرك جميع الباحثين سواء أكانوا من المسلمين أو غيرهم من المستشرقين وسائر المؤرخين الغربيين سلطان الشريعة وعلمائها على المجتمع الإسلامي، وهو سلطان ثقافي حضاري لا مادي. فمن ذلك على سبيل المثال ما يقوله "دومينيك وجانين سورديل": «يجب أن يربط بالإسلام حقا نوع من الثقافة يتميز على الصعيد العقلي ببروز العلوم الفقهية والدينية التي قامت على احترام التقليد، والتي وفرت للإسلام بنيته المذهبية. ويصدر عن الإسلام أيضا نمط اجتماعي يولي المقام الأول –إلى جانب سلطة زمنية مسلم بها أكثر مما هي مبررة– للعلماء والفقهاء والقضاة الذين يعتبرون جدا –من قبل معاصريهم– مخولين مكانة معنوية لا تطال، هذا إذا لم نقل آمرة قاهرة. من هنا يأتي هذا الحرص على التقليد الشرعي وهذا الاحترام لمفسري الشريعة اللذان يلونان أخلاقيات -عامة أو فردية– يسيطر عليها التطبيق الدائم للفرائض الدينية»(1) .
إلا أن كثيرا من الباحثين الغربيين أبوا إلا أن ينسبوا الشريعة الإسلامية إلى مصادر تاريخية سابقة أو معاصرة لظهور الدعوة الإسلامية. فكان من أبرز المقولات في ذلك المجال القول بأن الفقه الإسلامي تأثر بالتشريع الروماني إلى حد كبير. فما مدى صدق هذا الادعاء ؟
__________
(1) 1- دومينيك وجانين سورديل - الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي – ترجمة حسني زينة – دار الحقيقة ، بيروت – الطبعة الأولى 1980 – ج1 – ص 11

(1/92)


إذا صحت مقولة هذا الفريق، فإن هذا يعني سقوط القول بأي تفرد ذي قيمة للمجتمع الإسلامي. ذلك أن الفقه هو عماد حياة المجتمع الإسلامي، فإذا ثبت عدم أصالته، فلم يعد هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن تجعلنا نتكلم عن تميز أو خصوصية ذات شأن في المجتمع الإسلامي. وبعبارة أخرى: لا يعود هناك مبرر للكلام عن حضارة إسلامية مستقلة قائمة بذاتها. وسيكون حينئذ من حق "دومينيك سورديل" أن يطرح سؤاله الخطير: «هل يوجد، أم لا، فكر إسلامي، وثقافة إسلامية، وفقه إسلامي، واقتصاد إسلامي، وحضارة إسلامية ؟ وهي تساؤلات تبقى دائما معلقة»(1). ومهمة الصفحات القادمة من هذا البحث البت في هذه القضايا.

__________
(1) 2-دومينيك سورديل - الإسلام في القرون الوسطى - التنوير, بيروت - 1983 - ص 208

(1/93)


الفصل الثاني

نشأة الحضارة الإسلامية

توطئة:
نشوء الحضارات البشرية

من الأسس التي يسلم بها معظم المؤرخين -إن لم نقل جميعهم- أن الحضارات البشرية لا تولد في التاريخ على نحو مفاجئ دون سابق إنذار، أو دون عوامل وإرهاصات تكون مقدمة لنشوئها. فالحضارة إنما هي طريقة في العيش استقر عليها جماعة من الناس جعلتهم مجتمعا متميزا عن غيره. ولما كانت طريقة العيش هذه تعبيرا عما يحمل الناس من أفكار ومشاعر وما ينتظم علاقاتهم من أنظمة، فمن الطبيعي أن لا نتوقع ولادة هذه الحضارة في فجاءة من التاريخ، ما دامت تقوم على أسس من المفاهيم والأنظمة والعادات والتقاليد التي يحتاج تكونها إلى مخاضات عسيرة من شتى الأنواع، وبعد أن تتكون ويتشكل المجتمع وفقها فإنه يتمسك بها تمسك الأم بوحيدها. وبالتالي فإن تبديلها بعد استقرارها وتشكل حياة المجتمع وفقها سيكون أيضا في غاية الصعوبة، إن لم يكن متعذرا، ما لم تتوافر العوامل الكافية، التي قد تكون مزيجا من العوامل التاريخية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية وغيرها.
لذلك من المعتاد حين نقرأ التاريخ، بما فيه من مجتمعات وما تلونت به من حضارات، أن نتتبع عوامل نشوء حضارة ما قبل نضوجها واستوائها قائمة بين صفوف الحضارات، والأسباب الكامنة وراء تأجيل ظهورها أو تعجيل هذا الظهور… إلا أنه من الصعب أن نحدد تاريخا معينا لولادة حضارة ما. إذ الحضارات تنساب من ثنايا بعضها البعض انسيابا، بحيث نجد أنفسنا عاجزين عن التعامل معها كما نتعامل مع نشوء الدول والإمبراطوريات ومن ثم اندثارها. فلئن أمكننا تحديد ولادة دولة من الدول في اليوم الذي حصل فيه انقلاب عسكري أو معركة عسكرية أدت إلى قيام تلك الدولة أو تسلم أسرة من الأسر للسلطة وعضها عليها، ومن ثم أمكننا التأريخ لنهاية هذه الدولة على الأساس ذاته، فإن هذا ما لا يتأتى في التأريخ لنشوء الحضارات .

(1/94)


قد يصطلح المؤرخون على التأريخ لحضارة ما مع قيام دولة من الدول، باعتبار أن تلك الدولة قامت على أسس تلك الحضارة وتشكلت بها وأبرزتها حية قائمة في معترك الحياة السياسية. إلا أنهم بالتأكيد لن يعدوا قيام هذه الدولة حدثا حضاريا منقطعا عن المراحل التاريخية السابقة له. بل يدرسون تلك المراحل بوصفها مهدا لتلك الحضارة، أو بوصفها التربة التي نبتت فيها وترعرعت حتى قامت مستوية على أصولها. وبتعبير "غوستاف لوبون" : «نعم، إن أعمال الرجال وآثارهم تعبر عن أفكارهم ومشاعرهم وتمكننا من تصور الذي كانوا فيه، ولكن هذا لا يكفي، فالأمم نتيجة ماض طويل وليست الأمم بنت ساعة واحدة، وهي محصول ما خضعت له من البيئات المختلفة التأثير، ولذا يفسر حاضرها بماضيها»(1). فإذا اصطلح المؤرخون على جعل قيام الدولة الرومانية الأولى في روما بداية لدراسة الحضارة الرومانية، فهذا لا يعني أنهم قطعوها عن الحضارات السالفة، بل هم يعدون الحضارة الرومانية وريثة الحضارة اليونانية، بل يرى الكثير منهم أنها امتداد لها. والحضارة اليونانية في نظرهم هي ثمرة امتزاج العديد من الظواهر الحضارية السابقة لها والمعاصرة، إضافة إلى إبداع الشعوب اليونانية وتأثير بيئتها…
__________
(1) 1- حضارة العرب – ص 32

(1/95)


وهذه الأمثلة تقودنا إلى استكمال مسألة نشوء الحضارات. فإذا كانت الحضارات لا تولد مرة واحدة بل تنشأ رويدا رويدا، فإن نشوءها هذا لا يمضي مستقلا بمعزل عن بقية الحضارات. ذلك أنه وإن كانت المجتمعات البشرية تشكل دوائر مستقلة وكيانات فريدة، إلا أن ذلك لا يعني أن جدرانا فولاذية ضربت فيما بينها وجعلتها منعزلة تمام الانعزال بعضها عن البعض الآخر، بل إن الاحتكاك بين هذه المجتمعات أمر حتمي، ولا سيما حين تكون متجاورة في الزمان والمكان. قد تتعدد وجوه هذا الاحتكاك، إلا أنه بالنتيجة احتكاك له تأثيره، القليل أو الكثير، السلبي أو الإيجابي، المتبادل أو غير المتبادل. من هنا، نقرأ في التاريخ عن تأثر الحضارة الرومانية باليونانية، وتأثر تلك الأخيرة بحضارات بلاد ما بين النهرين، وهذه بدورها وليدة الحضارة السومرية التي تأثرت بالحضارة المصرية بشكل من الأشكال …
من هنا أيضا نقرأ عن التأثير المتبادل بين حضارات الشرق الأقصى المختلفة(1)... ولنفسح المجال أمام أحد أفضل التعابير عن هذه الحقائق، بقلم "محمد أسد":
«إذا حاول المؤلف أن يمتد بنظره إلى ما وراء نضج حضارة ما واستوائها، فقد يستبين صورة هذه الحضارة في مراحلها الغضة الأولى. ولكنه سوف يعجز عن أن يتبين توقيت ميلاد هذه الحضارة أو طريقة نشوئها على نحو محدد.
« ولعل هذا العجز عن التقصي التاريخي راجع إلى أن الحضارات بوجه عام لا يمكن أن تولد كما يولد الأفراد، بل إنها تنساب في غير تمايز إحداها في الأخرى دون أن تكون بين كل منها مرحلة انتقال بينة محددة .
__________
(1) 2- انظر : محمد أسد وآخرون – الإسلام والتحدي الحضاري – من ص 15 حتى 24

(1/96)


« ولقد نستطيع حقا في أحيان كثيرة أن نتبين نسبة حضارة ما فنردها إلى أصولها إذا تناولنا بالتحليل ما تركت من أساطير وعادات وخرافات، وخلفت من تراث فكري شاركت فيه غيرها من الحضارات التي عاصرتها أو سبقتها .
« ولكننا لا نستطيع أن نحدد أو نعين فترة الانتقال بين حضارة سلفت وأخرى تلتها نعنيها بالبحث والتمحيص. ويصدق هذا القول على الحضارات كلها: ما هو قائم منها وما اندثر وزال»(1).
وبعد أن يضرب العديد من الأمثلة التاريخية يقول :
«وكم في التاريخ البشري من حركات تفوق الحصر، انفردت كل منها بلون خاص تميزت به واستقلت فدعوناها لذلك حضارات»(2).
ولكن مهلا… إن الباحث يجب أن يستوقف نفسه عن الانسياق وراء هذه الأفكار حين يشرع في دراسة الحضارة الإسلامية ونشوئها ومصادر استمدادها. هل ينطبق بالضرورة ما سلف من أفكار، على دراسة الحضارة الإسلامية ونشوئها؟ أليس لكل قاعدة استثناء؟ أليس من الممكن أن يؤدي انسياقنا وراء هذه القواعد إلى تقويض الأسس التي قررناها لبحثنا هذا ‍‍؟‍و إن لم تنطبق هذه القاعدة على الحضارة الإسلامية‍، فكيف إذا نشأت هذه الحضارة؟‍‍‍الإجابة على هذه التساؤلات مهمة الصفحات التالية.‍‍‍‍‍‍‍

أولا:
كيف نشأت الحضارة الإسلامية؟
آراء ونظريات

هل الحضارة الإسلامية وليدة حضارات أخرى؟! هل تكونت من فتات الحضارات؟! أو هل نسجت من الخيوط المنسولة من أثواب تلك الحضارات؟!
__________
(1) - المرجع السابق - ص 16
(2) - المرجع السابق - ص 19

(1/97)


هل كانت بذرة هذه الحضارة مختبئة منذ مئات السنين في تربة صحراء الجاهلية، وتفتقت بين جذور زروعها، ونبتت في أرضها، وترعرعت في رحابها، واستقت بمياهها، واغتذت بسمائها، وأورقت في جوها، وتنفست هواءها، والتفحت بشمسها، وكبرت فالتهمت ما سواها، وأورفت بظلالها على الصحراء، ثم مدت فروعها إلى خارج الجزيرة فعانقت فروع الحضارات، فأذابتها وشربت عصارتها واغتذت من عديد فروعها، لتثمر بعد ذلك ثمرها وتؤتي أكلها الذي يتميز بطعم جديد ونكهة خاصة حوت سائر النكهات، مزجتها كما يمزج الناس الثمار ويذيبونها ليتلذذوا بنكهة مزيج الفاكهة ؟!!
هل هذه الصورة التي يحاول العديد من المؤرخين -ولاسيما الغربيين منهم ومن نهج نهجهم _ أن يعتمدوها حين تفسير نشوء الحضارة الإسلامية ودخولها ميدان التاريخ هي الصورة الصحيحة التي تنطبق على واقع الحضارة الإسلامية وتاريخ نشوئها؟!(1)
ها هو "محمد أسد" الذي صور لنا عملية نشوء الحضارات وتمازجها وتأثيرها المتبادل أدق تصوير، يستدرك على كل ذلك فيقول:
«واضح إذن أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث في ما سلف من حضارات البشر، فلن نجد توقيتا معينا نستطيع أن نحدده بدءا لحضارة ما، أو تاريخا لمولدها، ولا أن نعين حدا فاصلا يميز بين حضارة ولت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود.
« ولكن هناك استثناء واحدا لكل ما أسلفنا من قول، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة، فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر، تلك ولا شك حضارة فذة من نوع فريد وإنها لحضارة الإسلام .
__________
(1) - انظر على سبيل المثال: لوثروب ستودارد – حاضر العالم الإسلامي – م1 – ص453، وأحمد أمين – فجر الإسلام – ص139

(1/98)


«فلئن قامت كل الحضارات الأخرى ونشأت رويدا رويدا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر، واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار »(1).
وها هو "علي سامي النشار" يقرر أنه عشية ظهور الإسلام، «لم يكن لباحث من باحثي الحضارات والفكر أن يتصور أن دورة الدين ودورة الحضارة والفكر ستنتقل إلى الجنوب، إلى الجزيرة العربية، حيث يعيش شعب غريب الأطوار مشتتا في بوادي ونجاد الصحراء الشاسعة الواسعة القاسية... أمة صحراوية لا رابط بينهم، يتقطعهم شظف الحياة وجدب وجودهم القاسي»(2) .
__________
(1) 1- المرجع السابق – ص 19
(2) 2- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام – ج1 – ص 30

(1/99)


وفي المقابل هناك وجهات نظر مناقضة لذلك الرأي تقف له بالمرصاد، إذ ترى الحضارة الإسلامية شأن سائر الحضارات وليدة الواقع التاريخي بما حوى من ضروب الحضارات والأديان والمذاهب والأنظمة والثقافات . فالحضارة الإسلامية هي بالدرجة الأولى امتداد لحضارة عرب الجاهلية، غير أن ذلك الامتداد -على أبعد تقدير– اتخذ منحى جديدا نتيجة الإبداع الذي تفتقت عنه عبقريات المسلمين، بدءا بمحمد وصحابته ثم الذين اتبعوهم. ثم هي بالدرجة الثانية اقتباس من الحضارات السالفة والمعاصرة من يونانية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها… وهكذا فلا يمكننا –وفق هذه النظرية – أن نتكلم عن حضارة إسلامية مكتملة المعالم قبل مرور عدة قرون على ظهور الإسلام، أدت إلى ذلك التفاعل، ووفق رأي "أحمد أمين" مثلا، فإن القرن الرابع الهجري هو العصر الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية ذروتها(1).
إن الوقوف أمام هذين الاتجاهين لمحاكمتهما والموازنة بينهما يحتاج إلى تقرير الميزان الذي يجب اعتماده للبت في قضية عظيمة الشأن كهذه. وكم من الباحثين تعاطوا مع مسألة الحضارة الإسلامية ونشوئها متجاهلين النزاع الأصيل حولها، أو دون أن يحددوا الأرض التي يقفون عليها قبل رحلة البحث والدراسة في موضوع خطير كهذا .
و الحقيقة أن إدلاء الرأي في تفسير نشوء الحضارة الإسلامية يتطلب بالدرجة الأولى اتخاذ موقف من مسألة جوهرية، هي غاية في الأهمية والخطورة. ألا وهي: هل الإسلام دين الوحي؟
__________
(1) 3- "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" لآدم متز – تعريب محمد عبد الهادي أبو ريدة – دار الكتاب العربي ، بيروت – الطبعة الخامسة - تصدير الترجمة العربية بقلم أحمد أمين -ص 7

(1/100)


قد يسارع البعض إلى إبداء الاستغراب من إقحام موضوع ديني بحت، تخاصم الناس فيه قرونا، في بحث تاريخي أكاديمي! وإلى القول إن هذا الموضوع محله أبحاث علم الأديان أو الفلسفة على أبعد تقدير، فلم الخوض فيه ههنا ؟!
أسارع إلى القول: إن هذه الدراسة لن تخوض في الجدل حول مصدر الدين الإسلامي. وإنما هي تقرر فقط أن الموقف من هذه المسألة يشكل حجر الزاوية والأساس في تفسير نشأة الحضارة الإسلامية . ذلك أن الذي ينكر الوحي الإلهي مصدرا للإسلام، فإنه حتما سيبحث ها هنا وهناك في طيات التاريخ وجوانبه وزواياه ومنعطفاته عن مصدر كل جزئية أتى بها هذا الدين، فلا يعود هناك مجال –في سياق الكلام عن نشأة الحضارة الإسلامية – إلا للمصادر التاريخية والحضارية، إضافة إلى عبقرية المسلمين وعلى رأسهم محمد- صلى الله عليه وسلم -. وعلى هذا الأساس حسم الغربيون موقفهم في تفسيرهم لنشوء الحضارة الإسلامية .
وأما الذين يؤمنون بالوحي منبعا للدين الإسلامي، فإنهم بلا شك سيقررون دورا ما لذلك الوحي في تكوين الحضارة الإسلامية. وهؤلاء قد يختلفون فيما بينهم –بحق أو بغير حق- في حجم ذلك الدور، إلا أنهم بكل تأكيد لن يعزوا تلك الحضارة بكاملها إلى المصادر التاريخية وسائر المؤثرات الحضارية، كما يفعل الفريق الأول .

(1/101)


وهكذا، فإن النزاع حول تفسير نشوء الحضارة الإسلامية هو في حقيقة الأمر وبالدرجة الأولى حول الإسلام نفسه. وبتعبير آخر، هو نزاع بين من يؤمن بالإسلام دينا أوحاه الله إلى رسوله- صلى الله عليه وسلم -، وبين من ينكر ذلك الوحي، ويرى بالتالي أن ما أتى به الإسلام لا يعدو كونه إبداعا تضافرت على إنجازه عبقرية محمد وصحابته والمسلمين من بعدهم مع البيئة والمؤثرات الحضارية والعوامل التاريخية العديدة. وبالتالي فإنه من الخطأ أن يفترض الباحث احتمال اتفاق هذين الفريقين على تفسير نشوء الحضارة الإسلامية. إذ كل منهما يبني نظرته على أساس مغاير للآخر. فالموقف من رسالة الإسلام – المعين الذي نبعت منه الحضارة الإسلامية- هو الأساس في بحث هذه المسألة. هذا إذا تغاضينا عن العداء التاريخي والتقليدي الذي تأصل في نفوس الغربيين تجاه الإسلام والأمة الإسلامية. يقول "برنارد لويس": «لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية»(1). ويقول "نورمان دانييل": «على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الوسطى والحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب النصارى من الإسلام فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا منها تجردا تاما»(2).
__________
(1) - نقلا عن: محمود زقزوق – الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري – كتاب الأمة،قطر – طبعة أولى 1983 – ص 73
(2) - نقلا عن المرجع السابق – ص 73

(1/102)


وحتى هؤلاء الذين حرصوا على التجرد من الأحقاد والتحيز ضد الإسلام وأهله، بقيت نظرتهم بطبيعة الحال محكومة بإنكارهم المصدر الإلهي لرسالة الإسلام وبإنكارهم نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم - ، طالما أنهم يخضعون التاريخ الإسلامي للنظرة ذاتها التي ينظرون من خلالها إلى تاريخ المجتمع الغربي. فمما يقوله "رودي بارت":«نحن معشر المستشرقين، عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية والعلوم الإسلامية لا نقوم بها قط لكي نبرهن على ضعة العالم العربي الإسلامي، بل على العكس، نحن نبرهن على تقديرنا الخالص للعالم الذي يمثله الإسلام، ومظاهره المختلفة، والذي عبر عنه الأدب العربي كتابة. ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر، بل نقيم وزنا فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي أو يبدو وكأنه يثبت أمامه، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن»(1).
__________
(1) - نقلا عن المرجع السابق – ص 77

(1/103)


وها هو "غوستاف لوبون" الذي بذل جهده لإنصاف الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وتفوق في ذلك على كثير من الباحثين الغربيين، يقرر أنه «يجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح، وذلك كأكثر مؤسسي الديانات، ولا كبير أهمية لذلك، فأولو الهوس وحدهم، لا ذوو المزاج البارد من المفكرين، هم الذين ينشئون الديانات ويقودون الناس، ومتى يبحث في عمل المفتونين في العالم يعترف بأنه عظيم، وهم الذين أقاموا الأديان وهدموا الدول وأثاروا الجموع وقادوا البشر ، ولو كان العقل، لا الهوس، هو الذي يسود العالم لكان للتاريخ مجرى آخر. ولا يقف أي قول بخداع محمد ثانية أمام سلطان النقد كما يلوح لي، ومحمد كان يجد في هوسه ما يحفزه إلى اقتحام كل عائق، ويجب على من يود أن يفرض إيمانه على الآخرين أن يؤمن بنفسه قبل كل شيء، ومحمد كان يعتقد أنه مؤيد من الله، فيتقوى، ولا يرتد أمام أي مانع»(1).
__________
(1) - حضارة العرب – ص114

(1/104)


وهكذا، وعلى أساس ما مضى من آراء، فإن المصادر التي استقى منها محمد "إسلامه" ستتراوح في استمدادها، بين أهل الكتاب والمتحنثين الحنفاء من العرب والأديان الفارسية والهندية وغيرها . ولنبق مع غوستاف لوبون الذي يكرر المعزوفة المعتادة لدى الغربيين حول تعلم "محمد الشاب" علم التوراة من راهب نسطوري تعرف عليه في دار نصراني في بصرى و"يفترض" أن محمدا حين سافر بالتجارة إلى الشام بعد ذلك في سن الرجولة تيسر له الاجتماع «مرة ثانية بالراهب الذي أطلعه على علم التوراة سابقا»(1). وهكذا يصل إلى أن الإسلام إنما هو نسخة جديدة اصطنعها محمد عن الديانتين النصرانية واليهودية، إذ يقول: «وتقرب فكرة الكون الفلسفية في القرآن مما في الديانتين الساميتين العظيمتين اللتين ظهرتا قبل الإسلام، أي اليهودية والنصرانية، وزعم أن العنعنات الآرية الفارسية أو الهندية ذات نصيب ظاهر في النصرانية والإسلام، ونحن نرى النفوذ الآري في الإسلام ضعيفا جدا(…) وكان من مقاصد محمد أن يقيم دينا سهلا يستمرئه قومه، وقد وفق لذلك حين أخذ من الأديان الأخرى ما يلائمهم، ولم يفكر محمد في إبداع دين جديد قط، وهو الذي أعلن أنه يسير على غرار من تقدمه من أنبياء بني إسرائيل من إبراهيم إلى عيسى عليه السلام قائلا إن ما أوحي إليهم صحيح، والحق أن اليهودية والنصرانية والإسلام فروع ثلاثة لأصل واحد ، وأنها ذات قربى وشيجة»(2). كما أن محمدا – وفق رأي لوبون – لم يكن في إعلانه لرسالته إلا معبرا عن شوق العرب وتوقهم إلى دين جديد، فيقول: «ونشأ عن وحدة لغة العرب وحشر آلهتهم في الكعبة إمكان صهر عبادات هذه الآلهة وتحويلها إلى عبادة إله واحد، ومما يسر هذا الصهر تكلم عباد هذه الآلهة الكثيرة بلغة واحدة . والحق أن وقت جمع العرب على
__________
(1) 2- المرجع السابق – ص 102- 103
(2) 3- المرجع السابق – ص 117-118

(1/105)


دين واحد كان قد حل، وهذا ما عرفه محمد، وفي الوجه الذي عرفه فيه سر قوته، وهو الذي لم يفكر قط في إقامة دين جديد خلافا لما يقال أحيانا، وهو الذي أنبأ الناس بأن الإله الواحد هو إله باني الكعبة، أي إله إبراهيم الذي كان العرب يجلونه ويعظمونه. وعلائم اتجاه العرب أيام ظهور محمد إلى الوحدة السياسية والدينية كثيرة، وما حدث من الثورة على الأوثان في عهد القياصرة الرومان حدث مثله في جزيرة العرب حيث ضعفت المعتقدات القديمة وفقدت الأصنام نفوذها ودب الهرم في آلهتها، والآلهة مما يجب أن لا يهرم»(1).
وهذا الرأي نفسه يراه أيضا "ول ديورانت" الذي يقرر أنه «كانت في البلاد شيعة من العرب تدعى بالحنفية أبت أن تقر بالألوهية إلى أصنام الكعبة وقامت تنادي بإله واحد يجب أن يكون البشر جميعا عبيدا له وأن يعبدوه راضين. وكان محمد، كما كان كل داع ناجح في دعوته، الناطق بلسان أهل زمانه والمعبر عن حاجاتهم وآمالهم»(2).
__________
(1) 1- المرجع السابق – ص 99-100
(2) 2- ول ديورانت – قصة الحضارة – الجزء 13 – ترجمة محمد بدران – دار الجيل ، بيروت – دون تاريخ – ص24

(1/106)


ونرى الرأي ذاته أيضا، وعلى نحو أكثر سفورا لدى "كارل بروكلمان" الذي يقول: «بينما كان بعض معاصري النبي، كأمية بن أبي الصلت شاعر الطائف، وهي بلدة بحذاء مكة، يكتفون بوحدانية عامة، كان محمد يأخذ بأسباب التحنث والتنسك، ويسترسل في تأملاته حول خلاصة الوحي الروحي، ليالي بطولها في غار حراء، قرب مكة. لقد تحقق عنده أن عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة فارغة، فكان يضج في أعماق نفسه هذا السؤال: إلى متى يمدهم الله في ضلالهم، ما دام هو عز وجل قد تجلى، آخر الأمر، للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟ وهكذا نضجت في نفسه الفكرة أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة، ولكن حياءه الفطري حال بينه وبين إعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبدد شكوكه إلا بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة في غار حراء. ذلك بأن طائفا تجلى له هناك يوما، هو الملك جبريل، على ما تمثله محمد في ما بعد، فأوحى إليه أن الله قد اختاره لهداية الأمة. وآمنت زوجه في الحال برسالته المقدسة، وتحرر هو نفسه من آخر شكوكه بعد أن تكررت الحالات التي ناداه فيها الصوت الإلهي وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضي حتى أعلن ما ظن أنه قد سمعه، كوحي من عند الله. ولكن ذلك لم يثر، أول الأمر، اهتماما كبيرا بين مواطنيه ولم يلهب أحاسيسهم ومشاعرهم. فقد كانوا متعودين أن يظهر في كل قبيلة تقريبا، كما يظهر الشاعر، "كاهن" يستطيع أن يعزو أحكامه فيما يتعلق بالخلافات والمشكلات الغامضة المعروضة عليه –من قتل وسرقة، أو شرود إبل وضياعها – إلى صاحب له غيبي، وأن يذيعها في الناس نثرا مسجوعا، كما فعل النبي فيما نزل عليه من وحي، ومن هنا كان على محمد أن يحتاط مرة بعد مرة، من أن يضعه مواطنوه في مصف هؤلاء الكهان ومرتبتهم»(1)
__________
(1) 1- كارل بروكلمان - تاريخ الشعوب الإسلامية – نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي – دار العلم للملايين, بيروت- 1993 – ص 36-37

(1/107)


. كما يرى "بروكلمان" أنه «لا يجوز أن نطلق الحكم على دين محمد على أساس القرآن وحده طبعا، وليست المسألة مسألة نظام مرتب، إذ لم تكن الدقة والتماسك الفكري أقوى جوانبه على الإطلاق. ولم يكن عالمه الفكري من إبداعه الخاص إلا إلى حد صغير. فقد انبثق في الدرجة الأولى عن اليهودية والنصرانية، فكيفه محمد تكييفا بارعا وفقا لحاجات شعبه الدينية. وبذلك ارتفع بهم إلى مستوى أعلى من الإيمان الفطري والحساسية الخلقية»(1).وبناء عليه فإن "بروكلمان" يبذل جهده في أن يعزو كل ما أتى به محمد عليه الصلاة والسلام إلى استمداده من الأديان السالفة. ففي الإيمان باليوم الآخر يقول: «إنما ترجع معتقداته في ما يتعلق باليوم الآخر إلى مصادر يهودية، وهكذا تتصل بصورة غير مباشرة بمصادر فارسية وبابلية قديمة»(2).وفي القصص القرآني يرى أنه «ليس من شك في أن معرفته بمادة الكتاب المقدس كانت سطحية إلى أبعد الحدود، وحافلة بالأخطاء، وقد يكون مدينا ببعض هذه الأخطاء للأساطير اليهودية التي يحفل بها القصص التلمودي، ولكنه مدين بذلك دينا أكبر، للمعلمين المسيحيين الذين عرفوه بإنجيل الطفولة ، وبحديث أهل الكهف السبعة، وحديث الإسكندر، وغيرها من الموضوعات التي تتواتر في كتب العصر الوسيط»(3). وحتى فريضة الصوم يتحرى لها عن مصدر إذ يقول: «لسنا نعرف حتى الآن ما إذا كان محمد قد اقتبس هذه الفريضة عن إحدى الفرق الغنوستية أم عن المانيين الذين نفذ مبشروهم إلى بلاد العرب أيضا . فقد كان لا يعرف شيئا، أو يكاد، عن الحرانيين في العراق، الذين كانوا يصومون كذلك شهر آذار، تمجيدا للقمر»(4).
__________
(1) - المرجع السابق – ص 69
(2) - المرجع السابق – ص 71
(3) - المرجع السابق – ص 39
(4) - المرجع السابق – ص 48

(1/108)


وعلى النهج ذاته يسير المستشرق "لامنس", ففي أحد كتبه يتكلم على أوضاع عرب الحجاز عشية ظهور الدعوة الإسلامية،ويركز على انتشار عدد من الديانات فيها،كانت هي المؤثرة في عقلية محمد وثقافته وبالتالي كانت ظاهرة التأثير –كما يرى- في الدين الإسلامي كما ظهر في "صورته الأولى".فأتى الكتاب تحت عناوين مثل «المسيحيون في مكة عشية الهجرة»(1)و «اليهود في مكة عشية الهجرة» و «المواكب الدينية لدى عرب ما قبل الإسلام».وللدلالة على توجه هذه الفصول أورد مثلا أول جملة نقرؤها في الكتاب: «إذا ما أردنا أن نصدق "ولهاوزن"،فالديانة النصرانية لا اليهودية هي التي مارست تأثيرا راجحا على بدايات الإسلام» ثم يعمد إلى بعض العادات والتقاليد التي كانت سائدة قبل الإسلام محاولا جعلها البدايات الأولى لبعض التشريعات والأنظمة الإسلامية. فتحت عنوان «الطابع الديني للثأر لدى عرب ما قبل الإسلام» يحاول الربط بين مفهوم الثأر في الجاهلية وأنظمة القصاص والديات في الإسلام. ويتابع النهج نفسه في مواضيع أخرى مثل «الأحابيش والتنظيم العسكري في مكة في قرن الهجرة» و «الحدود القديمة بين سورية والحجاز». حيث يحاول تلمس التأثير الحبشي والروماني على الديانة الإسلامية. وكثيرا ما يردد عبارة «محمد مؤسس الديانة الإسلامية» والتي تفيد بأن الإسلام من صنعه لا من وحي الله له.(2)
__________
(1) - المقصود بالهجرة هنا وقت ظهور الإسلام،لا حدث هجرة الرسول بالذات.
(2) 1- H.Lammens s.j –L'Arabie occidentale avant L'Hégire – Imprimerie catholique– Beyrouth, 1920

(1/109)


إن هذه النظرة التي تعززت خلال القرن التاسع عشر، عبر عنها المستشرق المعروف"وات"، ناقدا لها، فقال: «خلال القرن التاسع عشر، أصبح العلماء مهتمين جدا بأسئلة الارتباط الأدبي والتاريخي. وأكثر عموما، بالعودة إلى أصول الأفكار والسلوكيات. هذه الموضة بدون شك كانت مرتبطة بالشهرة التي وصلت إليها نظريات "داروين" عن النشوء والارتقاء. والاعتقاد السائد أنك لو استطعت أن تضع إصبعك على مصدر أي شيء أو أساسه،استطعت أن تعلم فعلا ما هو.هذا المنحى المدرسي كان يساء استخدامه ويتخذ أساسا لإطلاق حكم، سمته الاستخفاف، على ما يكرهه الباحث. ولذلك قيل -صراحة أو تلميحا- إن القرآن هو اختيار سيئ لمجموعة من أفكار الكتاب المقدس»(1).
وأصرح من ذلك كله، ما نقرؤه في إحدى موسوعات الأديان الفرنسية الحديثة: «الإسلام هو الأحدث من بين الديانات الكبرى العالمية ذات العقيدة التوحيدية. إنه مشتق تاريخيا من الديانة القديمة للشعب الإسرائيلي، وبتعبير أدق، من الديانة التي تطورت تحت تأثيرات مختلفة نهاية الألف الأول قبل عصرنا (المسيحي)،والتي تجلت في نص مقدس إلى أعلى درجة: العهد القديم. »(2)
__________
(1) 2- watt,w.montgomery – wattis, Islam- second edition-Librairie du Liban-1990-p12
(2) 3- Encyclopédia des religions – Histoire(1)- sous la direction ole "Fréderic le noir" et. Ysé T.Mosquelier-Bayard Editions- Deuxieme édition, 1997– p.931.

(1/110)


لسنا في هذه الدراسة بصدد مناقشة هذه الآراء والرد عليها، فموضع ذلك في دراسات أخرى، وقد قام بهذه المهمة العديد من الباحثين والكتاب. ولكننا أوردنا هذه النماذج للتنبيه إلى الأساس الذي بنى عليه الغربيون نظرتهم إلى نشوء الحضارة الإسلامية. فهم حين ينكرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من أساسها، من الطبيعي أن يروا أن الإسلام لم يأت بأي جديد يذكر على الصعيد الروحي والخلقي، فضلا عن الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية عموما. وحتى حين يتكلمون عن الجديد الذي أتى به محمد أو المسلمون من بعده، فإنه لا يعدو بعض التعديلات والتحريفات والتشكيل الجديد لما اقتبسوه من غيرهم من الأمم السالفة والمعاصرة. وبذلك تفقد الحضارة الإسلامية أي تفرد لها أو أي تميز عن سائر الحضارات .

(1/111)


إن هذه النظرة من المؤرخين الغربيين إلى الحضارة الإسلامية ونشوئها ليست مدعاة للاستغراب. فلقد اعتاد هؤلاء منذ عصر النهضة الأوربية على الفصل بين الدراسات التاريخية والدراسات الدينية، حتى فيما يتعلق بدراسة تاريخ الشعوب المسيحية، باعتبار أن الدراسات التاريخية تعتمد البحث العقلي المجرد، بينما يتعذر إخضاع الدراسات الدينية للعقل. فالعقل والدين نقيضان، ولا يمكن الجمع بينهما على نحو متوافق منسجم. وإذا تكلم المؤرخون الغربيون عن المسيحية ومعتقداتها على نحو يوحي بالتسليم بها، فإن ذلك يكون على سبيل المجاز أو الأسلوب الأدبي الذي يعتمد تصوير معتقدات الناس وأوهامهم وأساطيرهم بصيغة السرد التاريخي الذي يحق للقارئ قبوله أو رفضه. ولا ننس أن المؤرخ الغربي هو ابن بيئته ومجتمعه، وبالتالي فإنه للعديد من الأسباب سيجد نفسه متورعا عن استفزاز العقلية والذاكرة التاريخية لذلك المجتمع. وبطبيعة الحال، حين ينظر المؤرخ الغربي إلى التاريخ الإسلامي، فإنه تلقائيا سيطبق قاعدته هذه عليه، فلا يقيم وزنا للدين الإسلامي بوصفه وحيا نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، وبالتالي فالحضارة التي شهدها التاريخ الإسلامي ما هي في نظره إلا وليدة الواقع التاريخي الماضي والمعاصر، مع فارق أن ذلك المؤرخ سيشعر بالمزيد من الحرية في إطلاق أحكامه على تاريخ مجتمع لا ينتمي إليه، ولا سيما إذا كان هذا المجتمع هو الأمة الإسلامية. إلا أن المستغرب هو أن يجري بعض المؤرخين والكتاب المسلمين مجرى هؤلاء الغربيين، في الفصل بين الدراسات التاريخية والدين، على نحو يؤدي إلى إظهارهما شيئين متناقضين. فيتغاضون أثناء دراستهم للحضارة الإسلامية عن فعل الوحي الإلهي في تكوين الحضارة الإسلامية ودوره في تشكيل المجتمع الإسلامي. فدراستهم للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية توحي بأنهم

(1/112)


وضعوا إيمانهم وعقيدتهم الإسلامية جانبا وراحوا يقرؤون ويكتبون بمعزل عنها. فمما يقوله "محمد عبد الهادي أبو ريدة" مثلا، في مقدمة تعريبه لكتاب "آدم متز" «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري»: «كما أن حضارة عصر النهضة في أوروبا كانت قائمة على إحياء الحضارة القديمة في نواح كثيرة ومقترنة بميلاد القوميات وتجزؤ الدولة الواحدة التي قام عليها بناء العصر الوسيط في أوربا إلى دول صغيرة، فكذلك كانت حضارة الإسلام بوجه عام متصلة بإحياء ثقافات وحضارات متقدمة عليها»(1). ويرى "أحمد أمين" «أن الثقافة اليونانية كانت منتشرة في العراق والشام والإسكندرية، وأن المدارس انتشرت فيها على يد السريانيين، وأن هذه المدارس وهذه التعاليم أصبحت تحت حكم المسلمين، وامتزج هؤلاء المحكومون بالحاكمين، فكان من نتائج هذا أن تشعبت هذه التعاليم في المملكة الإسلامية، وتزاوجت العقول المختلفة كما تزاوجت الأجناس المختلفة، فنتج من هذا التزاوج الثقافة العربية أو الإسلامية»(2). كما يرى أن «العادات الفارسية والرومانية امتزجت بالعادات العربية، وقانون الفرس والقانون الروماني امتزجا بالأحكام التي أوضحها القرآن والسنة، وحكم الفرس وفلسفة الروم امتزجت بحكم العرب، ونمط الحكم الفارسي ونمط الحكم الروماني امتزجا بنمط الحكم العربي، وبالإجمال كل مرافق الحياة والنظم السياسية والاجتماعية والطبائع العقلية تأثرت تأثرا كبيرا بهذا الامتزاج. وإذ كانت الأمم المفتوحة أرقى من العرب مدنية وحضارة وأقوى نظما اجتماعية كان من الطبيعي أن تسود مدنيتهم وحضارتهم ونظمهم، وإذ كان العرب هم العنصر القوي الفاتح عدلوا هذه النظم بما يتفق وعقليتهم ، فسادت في البلاد المفتوحة
__________
(1) 1- آدم متز - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري – تعريب: محمد عبد الهادي أبو ريدة – ج1 – ص 12
(2) 2- فجر الإسلام – ص 132

(1/113)


النظم التي كانت متبعة قبل الفتح»(1). ويقول "شوقي أبو خليل": «الحضارة بساط نسجته أيد كثيرة، كلها تهبه طاقاتها، وكلها تستحق الثناء والتقدير ، ولا ننكر أن الحضارة العربية الإسلامية اعتمدت في نموها وتطورها وازدهارها على حضارات عربية وشرقية سبقتها، ولكنها واصلت العطاء، وقدمت إلى بساط الحضارة ما طلب منها وأكثر»(2).وهذه ليست إلا نماذج قليلة من الدراسات التي جرت مجرى الغربيين في تحليل الحضارة الإسلامية ونشأتها .
وقبل أن ننتقل إلى مناقشة هذه الآراء –آراء الغربيين ومن نهج نهجهم– لا بد من التنبيه إلى حقيقة مهمة متصلة بطبيعة الدين الإسلامي وعلاقته بدراسة التاريخ.
إن الإسلام لم يكن يوما ليتعارض مع العقل، وبالتالي مع أي بحث مبني على العقل. بل إن الدين الإسلامي –كما سبق وبينا– طلب من الناس اعتناق عقيدته بناء على العقل والبحث الفكري المستنير واعتماد الحجة والبرهان والدليل. فالإسلام لا يتوافق مع البحث التاريخي وحسب، وإنما يوجب على أتباعه أن يدرسوا التاريخ على ضوئه، وأن يتقيد الباحث منهم بحقائقه القطعية حين الخوض في التاريخ الحضاري، ولاسيما في التاريخ الإسلامي. قال تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } (3).
__________
(1) 3-فجر الإسلام – ص 93-94
(2) - شوقي أبو خليل - الحضارة العربية الإسلامية وموجز عن الحضارات السابقة – دار الفكر المعاصر ، بيروت – الطبعة الأولى 1994 – ص 185
(3) - سورة آل عمران – الآية 138

(1/114)


على هذا الأساس بنى صاحب هذه الرسالة بحثه، وعليه أيضا سيدلي برأيه حول القضية محل النقاش، مع إدراكه التام بأن البناء على ذلك الأساس لن يلقى قبولا لدى الذين لا يؤمنون بالإسلام وحيا من عند الله تعالى، سواء كانوا من الغربيين أو سواهم. فهذا أمر طبيعي. إذ نقطة البداية في الحوار بين الفريقين يجب أن تكون من حيث بدأ الإسلام. أي إن الجدل الأول بينهما هو حول مسألة: هل القرآن كلام الله ؟ وهل محمد رسول الله ؟ وبالتالي هل الإسلام هو دين الله؟ فإذا ما اتفقا على هذا الأساس أمكنهما الانتقال إلى هذا المحور، موضوع بحثنا. إلا أن هذه الرسالة ليست محل مناقشة هذه القضايا.
ولكن القارئ لهذه الرسالة، في كل الأحوال، وإن لم يكن مؤمنا بالإسلام رسالة من عند الله، مدعو إلى أن يتلمس فيها جانبا في غاية الأهمية. ألا وهو انسجام الباحث في سطور دراسته مع أفكاره الأساسية، أي مدى التوافق والتناغم بين إيمانه بأن الإسلام رسالة من وحي الله وبين نظرته إلى الحضارة الإسلامية ونشأتها. وبالمقابل فإنه مدعو إلى إدراك التناقض لدى الذين جروا مجرى الباحثين الغربيين في تفسير نشوء الحضارة الإسلامية. وهؤلاء هم الذين يخاصمهم منهج هذا البحث بالدرجة الأولى .

(1/115)


ثانيا:النشأة الصافية للحضارة الإسلامية
إن إعطاء الرأي في مسألة نشوء الحضارة الإسلامية يقودنا إلى التذكير بالمدلول الذي قررناه "للحضارة الإسلامية". فوفق التعريف الذي تبنته هذه الدراسة، ليس المراد بالحضارة الإسلامية ما حققه المسلمون عبر تاريخهم من إنجازات عمرانية ومادية وتقنية وعلمية، وليس المراد به الأشكال والأساليب الإدارية التي اعتمدتها الدولة الإسلامية عبر تاريخها. ولقد سبق أن قررنا أن هذه المدلولات تنضوي ضمن مصطلح "المدنية" وأنها تتسم بكونها نتاجا عالميا لا يختص بأمة دون أخرى أو بمجتمع دون آخر، ولا شأن لها في تشكيل نمط العيش وطراز الحياة فيه.

(1/116)


ويظن كثير من الباحثين، حين يسلطون الأضواء على تلك الجوانب المدنية في تاريخ المجتمع الإسلامي متغافلين عن الجانب الثقافي الفكري والتشريعي، أنهم يمدحون الحضارة الإسلامية ويعلون شأنها وأنهم يسدون إلى الأمة الإسلامية خدمة جليلة بإظهارها مساهمة في ركب العلوم والعمران والإنجازات التقنية والطبية والفنية وما شاكلها. ولكن الأمر في الواقع هو خلاف ذلك. صحيح أن هذا الكلام يلفت النظر إلى أن الحضارة الإسلامية ذات فضل في توجيه الناس إلى عمارة الحياة الدنيا وتسخير المادة لخدمة الإنسان وإلى اكتشاف أسرار الطبيعة وأخذ متاع الحياة الدنيا ضمن طاعة الله. إلا أن التركيز على هذا الجانب والتفصيل فيه لا يعد في الحقيقة كلاما على الحضارة الإسلامية بحد ذاتها. بل هو كلام على قطار العلوم والمدنية والفنون الذي انطلق منذ فجر التاريخ البشري عابرا جميع الحضارات والأمم، لتتزود كل واحدة منها بما تحتاجه أو يلزمها من حمولته، ولتزوده هي بدورها بما قامت بإنجازه وابتكاره. فكان أن جاء دور المجتمع الإسلامي حين نهض وازدهر وتألق على أساس الحضارة الإسلامية، فوجب على ذلك القطار المرور في أراضيه ليزوده بما يلزمه ويحتاج إليه ويزخرف جوانبه ويزيده تألقا، ولم يتابع سيره إلا وقد زودته تلك الأراضي بمزيد من الحمولة ذات الأصناف الجديدة التي لم يكن ليتزود بها لولا مروره فيها. ولكن، في كل الأحوال سيتابع هذا القطار مسيرته ليزود ويتزود في كل محطاته، ما دام التاريخ، وما دامت الشعوب حية على وجه البسيطة.

(1/117)


وبتعبير آخر، إن الحديث عن المظاهر المدنية والعلمية والفنية في المجتمع الإسلامي ليس إلا حديثا عن لبنة أو أكثر وضعها المجتمع الإسلامي في البنيان المادي الذي تستهم عليه المجتمعات البشرية وبالتالي، فإن من يسلط الأضواء على هذه الجوانب دون غيرها، يسهم في الغض من شأن الحضارة الإسلامية لأنه يجردها من نتاجها الخاص الخالص وثمارها المتميزة التي لأجلها عدت حضارة قائمة بذاتها.
إذن، فالحديث عن الحضارة الإسلامية هو حديث عن شيء آخر. فالحضارة هي مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تصوغ المجتمع وتميزه بنمط خاص من العيش، وبالتالي فإن الحضارة الإسلامية هي مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة التي صاغت المجتمع الإسلامي وجعلت منه مجتمعا ذا طراز خاص ونمط متميز. وعليه فإن مضمون الحضارة الإسلامية يتمثل في مجموعة العقائد والإيمانيات والمفاهيم الأساسية التي تشكل النظرة إلى الحياة الدنيا وما قبلها وما بعدها، وفي المفاهيم عن القيم الكبرى في الحياة، وفي مفاهيم السعادة والخير والشر والفضيلة والرذيلة، ومقياس الأعمال من حلال وحرام، والمعايير السلوكية التي توجه طبيعة العلاقات في المجتمع، وفي الأنظمة التي ترعى بها شؤون الناس، من نظام حكم يحدد طبيعة الدولة والأسس التي تقوم عليها وشكل جهازها الحاكم وعلاقة الحكام بالمحكومين، ومن نظام اقتصادي يبين أنواع الأموال من مشروعة وغير مشروعة ومن ملكيات خاصة وعامة وكيفية الحصول على المال وكيفية إنمائه ووجوه إنفاقه وموارد الدولة المالية ومصارفها... ومن نظام اجتماعي ينظم علاقة الرجل بالمرأة من زواج وطلاق وينظم شؤون الأسرة من بنوة ونفقة وولاية وإرث وغيرها، ومن سياسة تربوية وتعليمية، ومن أنظمة للمحاكمات والعقوبات، ومن سياسة خارجية تحدد علاقة المجتمع الإسلامي بسائر المجتمعات…

(1/118)


والذي يمعن النظر في هذه الجوانب التي صاغت المجتمع الإسلامي، يجد أنها في الأصل نتاج إسلامي خالص. وهذه هي ثمرة هذا الفصل.
فالإسلام بما قام عليه من عقيدة وأتى به من تشريعات ونجم عنه من أهداف عليا وقيم ومفاهيم عن الحياة، هو الذي شكل النمط الحضاري للمجتمع الإسلامي. فهذه المضامين التي عددناها للحضارة الإسلامية –والتي تشكل بحد ذاتها مقومات المجتمع الإسلامي– ترجع جميعها إلى مصدرين أساسيين، هما القرآن والسنة. ونعني بالسنة هنا كل ما صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير. فالإسلام بشموليته التي عبرت عنه الآية الكريمة { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } (1)، هو الذي ملأ جوانب البنيان الحضاري للمجتمع الإسلامي. فالجميع يعرف أن الإسلام ليس مجرد دين روحي يقدم مجموعة من الشعائر الكهنوتية والطقوس وبعض التوجيهات العامة والأخلاقيات. بل إن العقيدة الإسلامية، فضلا عن كونها عقيدة روحية، هي عقيدة سياسية، بمعنى أنه انبثق منها نظام كامل للحياة والمجتمع والدولة، وانبنى عليها بنيان ثقافي كامل يحوي مفاهيم عن جميع جوانب الحياة.
__________
(1) - سورة النحل – الآية 89

(1/119)


وعليه، فإنه لا يعود هناك مكان للكلام عن المصادر التاريخية للحضارة الإسلامية، أو عن تحري المؤثرات والعوامل والتلاقحات والتمازجات الحضارية التي أدت إلى نشوء الحضارة الإسلامية. «فلئن قامت كل الحضارات ونشأت رويدا رويدا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر،واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار. وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كل المقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصة إلى الحياة، وله نظامه التشريعي الكامل وله نهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع. ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة. ولكن هذه الحضارة كانت وليدة حدث تاريخي وهو تنزيل القرآن الكريم … فلقد أدرك الذين آمنوا بالإسلام واتبعوا محمدا وصدقوا بالقرآن فاتخذوه قاعدة حياتهم، أن الدين الجديد الذي جاء به القرآن، يتطلب منهم هجرة بائنة إلى ما جاءهم به عما توارثوه من عقائد في الحياة وما ألفوه من مناهج السير فيها. فكان قبولهم لما جاء به –وهم أهل بادية– بداية حدث جديد في حياة البشر وتاريخهم، إذ إنهم أدركوا أن الإسلام –وقد جاء نظاما شاملا للحياة– قد افتتح حقا حضارة جديدة، وما كان دوره ليقتصر على التمهيد لغيره من الحضارات أو الإرهاص بها . فتبينوا -كما تبين من جاء بعدهم من المؤمنين– أن مبعث رسول الله كان إيذانا ببدء عهد جديد بكل ما ينطوي عليه هذا البدء من حقائق ومعان»(1) .
__________
(1) -محمد أسد وآخرون - الإسلام والتحدي الحضاري – ص 19-20

(1/120)


قد ينبري بعض الناس للتحدث عن الأخلاق والفضائل التي استبقى عليها الإسلام من العهد الجاهلي كالكرم وحسن الضيافة والشهامة والشجاعة والنجدة وما شاكل ذلك، ليدلل على أن الحضارة الإسلامية قد تأثرت بحضارة الجاهلية أو استمدت منها. والواقع أنه كما هي بسيطة هذه الفكرة، فكذلك الجواب عليها في غاية البساطة. فالفضائل التي أقرها الإسلام واستبقى عليها إنما هي بالدرجة الأولى فضائل وأخلاق إسلامية، بمعنى أن الإسلام لم يستبقها باعتبارها جزءا من مكونات المجتمع الجاهلي، بل شرعها من جديد باعتبارها جزءا من الإسلام، بحيث أنه لو لم يصادفها موجودة لشرعها ابتداء. ولو تصورنا أن الإسلام بعث في أي مجتمع آخر فلربما صادف فضائل وقيما أخرى تتوافق مع ما أتى به من أوامر ونواه. لذلك ينبه "محمد أسد" إلى أنه «يجب علينا أن نتحرز من أن ينصرف بنا الفكر إلى أن هذا القدر الذي استبقي من حياة الجاهلية قد تسلل إلى جوهر عقائد الإسلام وغلب على عقل بني الإسلام، أو أن هذا الإبقاء كان إذعانا من الرسول الكريم لما ساد بلاده وعصره، من تقاليد ومعتقدات، كما يدعي أهل الغرب ويرددون في أكثر ما يكتبون»(1).
وكذلك ما يتحدث عنه كثير من الغربيين عن عناصر مشتركة بين الإسلام وأديان أهل الكتاب للتدليل على أن الإسلام استمد من ثقافتهم ولاهوتهم، يندفع بتأكيد الإسلام أن رسالات الأنبياء جميعها مردها إلى مصدر واحد، هو الوحي الإلهي. فما أتى به الأنبياء من اعتقادات حول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إنما هو شيء واحد. وأما ما أتوا به من توجيهات خلقية وتشريعية، فمن الطبيعي أن يكون هناك تشابه كبير فيما بينه، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، مصداق قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا(2) } .
__________
(1) - المرجع السابق – ص 21
(2) - سورة المائدة – الآية 48

(1/121)


«فكل ما شارك فيه الإسلام الجاهلية من نظم الاجتماع وكل ما اتفق فيه مع ما ذهبت إليه اليهودية والمسيحية من فكر وآراء، جزء لا يتجزأ من الإسلام، من يوم أن دوى به صوت النبي العربي في بلاد الجزيرة»(1).
خلاصة الكلام، أن الحضارة الإسلامية هي نتاج إسلامي خالص، أنتجها ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام من وحي تمثل في مصدرين أساسيين: القرآن والسنة. فمنهما استقى المسلمون عقائدهم و مفاهيمهم الأساسية و الفرعية، ومنهما استنبطوا تشريعاتهم وأنظمة حياتهم، وهما اللذان صاغا مشاعر المسلمين وانفعالاتهم وتفاعلهم مع الحياة .
لقد عبر بعض من المستشرقين أنفسهم عن هذه الحقيقة أدق تعبير، رغم أنها ليست من قناعاتهم على الأغلب، ولكنها على الأقل قناعة أهل الحضارة الإسلامية. فمن ذلك ما يقوله "دومينيك وجانين سورديل": « نظم الإسلام، الدين الوحي، في مفهومه الأول، جميع نشاطات الإنسان، في حياته الروحية والأخلاقية كما في حياته الاجتماعية والسياسية.لم يتطلب الإسلام قناعة ببعض الحقائق فحسب، بل فرض مجموعة من الفرائض التي تتحكم في التنظيم الزمني لأمة المؤمنين. على هذا الوحي استندت حياة المسلم، ومن حوله انتظم منذ حقبة قديمة العالم الإسلامي الإمبراطوري وحضارته ».(2)
ويقول "ريمون بلوخ": «هكذا نرى الإسلام يسيطر على مجمل حياة الإنسان، سواء في ذلك حياته الروحية والأخلاقية، أو نشاطه الاجتماعي والسياسي. كل شيء يستند إلى الوحي، وهو الرباط الوثيق الذي يجمع أمة الإسلام ».(3)
إن النزاع في تفسير نشوء الحضارة الإسلامية الذي أبرزه هذا الفصل، يقود إلى مجموعة من المنازعات أو الاختلافات التابعة له، مثل:
ما هو عصر اكتمال الحضارة الإسلامية؟
__________
(1) - المرجع السابق – ص 21
(2) - الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي – ص 101
(3) - المرجع السابق – توطئة بقلم ريمون بلوخ – ص 8

(1/122)


ما هي هوية هذه الحضارة: هل هي عربية أم إسلامية؟
ما هي مظاهر ازدهار هذه الحضارة،وما هي مظاهر تراجعها؟
ما هو أثر المؤثرات الحضارية على المجتمع الإسلامي؟ هل هو إيجابي أم سلبي؟
لذلك نشرع فورا بالإجابة على تلك التساؤلات.

ثالثا:
متى اكتملت الحضارة الإسلامية ؟
من الطبيعي أن نتوقع ممن يعد الحضارة الإسلامية مزيج حضارات وثقافات وأديان أن يؤجل حكمه باكتمال الحضارة الإسلامية ونضوجها واستوائها الأخير إلى التاريخ الذي يستكمل معه المسلمون احتكاكهم بمعظم الحضارات التي كانت قائمة في عصرهم، أو على الأقل حتى يقف ذلك الاحتكاك وما صاحبه من تفاعل عند حد معين. فالمجتمع الإسلامي في نظر "توينبي" مثلا هو حصيلة اندماج مجتمعين كانا في الأصل متميزين هما: الإيراني والعربي(1). وهو الرأي نفسه الذي يراه "أندريه ميكيل" في كتابه "الإسلام وحضارته"(2). ويتوسع هذا الأخير في أحد حواراته في تعداد مصادر تلك الحضارة، ويرى أنها بلغت ذروتها في العصر العباسي الذي «سجل أول اتصال عميق للعالم العربي بحضارات وثقافات غريبة عنه، كانت أولاها ثقافة المجتمع الإيراني المجاور له، وهي ثقافة عريقة بلغتها وآدابها، أغنت بموضوعاتها الحضارة الإسلامية الجديدة، كما نقلت إليها، كوسيط خلاصة الحضارات الأخرى، وبخاصة حضارة الهند» ويضيف: «ينبغي ألا ننسى، بالإضافة إلى الحضارتين اليونانية والهندية، ذلك الكنز الذي وصل إلينا عن طريق الإسلام نفسه والذي تفاعل بعمق مع الحضارة الإسلامية، ونقصد الحضارة القديمة لشبه الجزيرة العربية، وتلك الحضارات التي انقرضت في مصر الفرعونية وفي بلاد ما بين النهرين، حيث أذاب الإسلام
__________
(1) - انظر : مختصر دراسة للتاريخ – ج1 – ص27 وما بعدها
(2) - انظر : الإسلام وحضارته – أندريه ميكيل – ترجمة : د. زينب عبد العزيز – منشورات المكتبة العصرية ، لبنان - دون تاريخ - ص 142-143

(1/123)


بعض عناصرها في بوتقته، ثم خلع عليها رداء الجلال والسمو، حتى أصبحت متلائمة مع روحه وجوهره ومثله الدينية العليا .وأخيرا جاءت العلوم الإغريقية، وكان تأثيرها عظيما في الحضارة الإسلامية. ومن المعلوم أن هذه العلوم كانت تتكدس في الأديرة المسيحية وبخاصة النسطورية منها. وقد بعثها العرب من مرقدها عن طريق الترجمة، إما مباشرة عن الإغريقية، وإما بشكل غير مباشر عن طريق السريانية، التي قامت بدور وسيط بين العرب والإغريق»(1). و"آدم متز" يعنون كتابه الذي يؤرخ للدولة الإسلامية في القرن الرابع الهجري بتعبير "عصر النهضة في الإسلام". ويتابعه "أحمد أمين" على وجهته هذه في تصديره للترجمة العربية للكتاب، والتي صدرت تحت عنوان "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"، حيث يرى أن هذا القرن «هو العصر الذي بلغت فيه الحضارة والعلوم والفنون الإسلامية ذروتها»(2). وفي أحد تعبيراته، في كتابه "فجر الإسلام"، يقول: «عقلية عربية لها طبيعة خاصة هي نتاج بيئتها، وعيشة اجتماعية خاصة يعيشها العرب في جاهليتهم، دين إسلامي أتى بتعاليم جديدة ورسم للحياة مثلا أعلى يخالف المثل الذي كانت ترسمه تقاليد الجاهلية، وفتح إسلامي مد سلطانه على فارس وما حولها وعلى مستعمرات رومانية كثيرة، فأذاب ما كان للفرس من دين ومدنية وعلم، وما كان للمستعمرات الرومانية من دين ومدنية وعلم، في المملكة الإسلامية جميعها، وكون منها مزيجا واحدا مختلف العناصر»(3) .
__________
(1) - العرب، الإسلام وأوربا – أندريه ميكيل ودومنيك شفالييه وعز الدين فلوز – ترجمة منير إسماعيل وهاشم صالح – مركز الحريري الثقافي 1993 - ص 169-170
(2) - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري – تصدير الترجمة العربية بقلم أحمد أمين – ص 7
(3) - فجر الإسلام – ص 139

(1/124)


وأما من يرى أن الحضارة الإسلامية نتاج إسلامي خالص، وأن هذه الحضارة هي طراز العيش الذي رسمه القرآن الكريم والسنة الشريفة، فمن المحتم عليه أن يحكم باكتمال الحضارة الإسلامية مع نهاية عهد النبوة، وهو العهد الذي دام ثلاثة وعشرين عاما، ونزلت في أواخر أيامه الآية الكريمة: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (1). وفي أواخر أيام هذا العهد أيضا وفي حجة الوداع بالتحديد يعلن حامل الرسالة - صلى الله عليه وسلم - تمامها واكتمالها بقوله: «قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»(2).
يقول "محمد أسد": «لقد بدأت حضارة الإسلام إذن، رغم كل هذه العوامل والظروف والمؤثرات، كائنا حيا متكاملا متمايزا، انبثق نجمها فكان ظهورها في توقيت تاريخي محدود امتد زهاء ثلاثة وعشرين عاما، هي الحقبة التاريخية التي قضاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم - على ظهر هذه الحياة من يوم بعثته حتى لقي الرفيق الأعلى»(3).

__________
(1) - سورة المائدة - الآية 3
(2) - المسند للإمام أحمد بن حنبل - تحقيق صدقي محمد جميل العطار -دار الفكر، بيروت -الطبعة الثانية 1994م -ج6 - ص82 - رقم الحديث 17142
(3) - الإسلام والتحدي الحضاري - ص 24

(1/125)


رابعا:
حضارة عربية أم إسلامية؟

ومما ينشأ عن الاختلاف في تفسير نشأة الحضارة الإسلامية، اختلاف في تصنيف هذه الحضارة وتسميتها. فتفاوتت هذه التسميات بين: "الحضارة الإسلامية" و"الحضارة العربية" و"الحضارة العربية الإسلامية". يقول "مصطفى الشكعة": «كثيرا ما تجري محاورات فكرية حول تسمية هذه الحضارة: حضارتنا. ويقف الدارسون أمام تسميتين: الحضارة الإسلامية والحضارة العربية. وتبعا لذلك أصبح حتما على كل مؤلف في هذه الحضارة أن يختار لها نسبا عربيا أو إسلاميا. حدث ذلك بين المؤلفين ممن كتبوا باللغة العربية، كما حدث أيضا بين من كتب فيها بلغات أوربية. إن آدم متز وجوستاف فون جرونبام يسميانها الحضارة الإسلامية، بينما جوستاف لوبون يصر على تسميتها حضارة عربية، ويجعل عنوان كتابه المشهور "حضارة العرب" وكذلك فعل جاك ريسلر حين أسمى كتابه في نفس الموضوع: الحضارة العربية»(1).
فأما الذين يطلقون عليها اسم الحضارة العربية، فإنهم يحرصون على هذا الإطلاق انطلاقا من نظرتهم التاريخية البحتة التي لا تعترف بالإسلام وحيا من عند الله، وإنما هو بنظرهم أحد إفرازات المجتمع العربي. أو إنهم على الأقل لا يرون ما شهده المجتمع الإسلامي من طريقة في العيش نتاجا إسلاميا خالصا، وإنما الجانب الأبرز فيه هو المزايا والمواصفات العربية.
وأما الفريق الذي يطلق عبارة "الحضارة العربية الإسلامية"، فهو لا يختلف عن سابقه كثيرا. فالأساس عنده في هوية هذه الحضارة هو العروبة. إلا أنه يزيد عبارة "الإسلامية"، باعتبار مدلولها التاريخي فقط، أي للتمييز بين "عصري الحضارة العربية": الجاهلي الذي سبق ظهور الإسلام، والإسلامي الذي يبدأ بعد ظهور الإسلام.
__________
(1) - مصطفى الشكعة - معالم الحضارة الإسلامية - دار العلم للملايين - بيروت - طبعة رابعة 1982 - ص 13

(1/126)


إلا أن الفريقين معا تواجههما مشكلة في تصنيفهما هذا، ألا وهي أن هذه الحضارة موضوع البحث لم يقتصر مجتمعها على العرب وحدهم، وإنما صهرت في بوتقتها شعوبا وقوميات عديدة. وعلى هذا الأساس فضل كثير من الباحثين اختيار اسم "الحضارة الإسلامية"، لا لأنهم ينسبون هذه الحضارة إلى الإسلام بوصفه دينا، وإنما اعتبارا منهم لأهم سمة رافقت ظهور تلك الحضارة، أو اعتبارا لأحد أهم العوامل المحركة لنشاط تلك الحضارة منذ نشأتها، ألا وهو ظهور الإسلام. وبتعبير آخر: هذا التصنيف في نظرهم هو تصنيف تاريخي بحت .
وأما الفريق الذي يؤمن بأن الحضارة الإسلامية هي نتاج خالص للدين الإسلامي، فعليه، بناء على إيمانه هذا، أن يصنفها بالحضارة الإسلامية، لا بناء على الاعتبار التاريخي وحسب، وإنما بالدرجة الأولى بناء على الاعتبار الفكري: العقدي والتشريعي والثقافي.
فهذه الحضارة هي "حضارة الإسلام", لأن الإسلام, بوصفه الوحي المنزل من عند الله, هو الذي صاغ بعقيدته وشريعته نمط عيش المسلمين, وبالتالي هو الذي صاغ المجتمع الإسلامي. وهذا المجتمع الذي تمثل أمة منتشرة في بقاع الأرض -ولم يكن العرب إلا جزءا صغيرا منها- هو الذي جسد الحضارة الإسلامية على أرض الواقع وفي معترك التاريخ.…

(1/127)


خامسا:
مظاهر ازدهار الحضارة الإسلامية
ومظاهر تراجعها
هذا أيضا محور جديد من محاور الخلاف: النظرة إلى مظاهر ارتقاء المجتمع الذي تشكل بهذه الحضارة ومظاهر انخفاضه وتراجعه. فلقد سبق ورأينا أن أصحاب النزعة "التاريخية" في تفسير نشوء الحضارة الإسلامية يقيمون اعتبارا أساسيا للتمازج الحضاري والثقافي بين العرب وغيرهم من الأمم والشعوب المجاورة والخاضعة للدولة الإسلامية . فيجعلون كثرة التآليف والمصنفات الفكرية، ذات الألوان المختلفة والاتجاهات العديدة والمنابع المتفاوتة، وكثرة الإبداعات الأدبية والفلسفية وغيرها… يجعلونها دليلا على الازدهار الحضاري والتقدم في ذلك المجتمع . كما أنهم يعطون أهمية كبرى لمدى التطور العلمي والتقني وللمستوى العمراني والمادي ولمظاهر الترف والزخرف التي اتسم بها المجتمع، للحكم على مدى ارتقائه وتقدمه. فحين ينعم المجتمع الإسلامي بمستوى عال من المدنية والمظاهر المادية، عندها فقط يحكمون عليه بالارتقاء والنهوض والتقدم …
يقول "محمد سعيد رمضان البوطي" : «والحق، أنني ما رأيت كاتبا أجنبيا مستشرقا أو غيره، تطرق إلى البحث في تاريخ الحضارة الإسلامية، إلا واتسم بحثه بظاهرتين :
«الظاهرة الأولى أن الكاتب يحصر حديثه حصرا تاما، في استعراض منجزات الحضارة الإسلامية، لا سيما المادية منها، من عمران، وصناعة، وفنون ، وعلوم إنسانية وكونية، ونحو ذلك. ويحاذر أن يعرج من خلال ذلك على ذكر شيء يتعلق بأساس تلك المنجزات والروح الباعثة عليها والنواة التي انفلقت عن غراسها ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!…

(1/128)


«الظاهرة الثانية: أنه ينهي مديحه وإعجابه بتلك المنجزات الحضارية، بطرح السؤال الذي يحوك وراء صدور جميع المسلمين اليوم، وهو: فلماذا تحجرت هذه الحضارة اليوم بعد ذلك الازدهار العجيب؟ ليجيب على هذا السؤال قائلا: إنه التقوقع على الذات، وعدم الانفتاح على العالم الآخر!... »(1)
الحقيقة أن هذه النظرة من هؤلاء المؤرخين تعبر عن الجانب الذي يستولي على اهتمامهم حين البحث في تاريخ المجتمع الإسلامي. فالذي يسترعي انتباههم بشكل أساسي هو الإنتاجات الأدبية والفلسفية التي ظهرت في كنف الدولة الإسلامية والتي أسهم بها عديد الأمم والشعوب واللغات. كما يسترعي انتباههم المستوى المادي والعمراني والمدني الذي وصلت إليه البلاد الإسلامية. ومهما اختلفنا أو اتفقنا في مدى أهمية تلك الجوانب، فإنها بالتأكيد شيء آخر غير الحضارة الإسلامية.
إن كثرة المؤلفات والإبداعات الفكرية والأدبية ليست بحد ذاتها دليلا على مدى ارتقاء المجتمع أو انحطاطه. بل إن المؤرخين يعمدون إلى نصوص تلك الإبداعات، كي يقفوا من خلال مضامينها على الأحوال التي اكتنفت مجتمعها في جوانبه المختلفة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية وغير ذلك. إذ غالبا ما تكون مضامين تلك النصوص معبرة عن الأحوال في ذلك المجتمع، أو على أقل تقدير، عن شريحة من شرائحه.
__________
(1) - محمد سعيد رمضان البوطي – منهج الحضارة الإنسانية في القرآن - دار الفكر, دمشق – الطبعة الأولى, 1982م - ص 159

(1/129)


فقد تعبر تلك المؤلفات -على قلتها- عن حالة من الوعي الفكري والسياسي وعن حالة من التماسك والارتقاء والنهوض في المجتمع، كما كان شأنها في عهد النبوة والخلافة الراشدة. وقد تعبر -على كثرتها- عن حالة من الانحطاط والضياع والتخبط في التفكير وعن حالة من الانحطاط والتفكك السياسي والضعف العسكري، كما هو شأنها في العالم الإسلامي في تاريخنا المعاصر.
وأما المستوى المدني والتقني والعمراني، فلا شك أن النهضة الحضارية تسهم في إعلاء صرحه، إلا أنه ليس بحد ذاته دليلا على الرقي الحضاري في أي مرحلة من المراحل. بل قد يكون بعض الأحيان مؤذنا بانحطاط سياسي وتفكك مجتمعي واندثار حضاري، كما كان شأن الحضارة الرومانية في أواخر عهدها، وكما يتوقع الكثير من المفكرين للحضارة الغربية المعاصرة. وها هو "أرنولد توينبي" ينبه إلى أن أيا من التوسع السياسي والحربي أو تحسين الأسلوب الفني لا يعد قاعدة مناسبة لقياس الارتقاء الحقيقي. ولا تبدي التحسينات التكنولوجية -في رأي "توينبي"- سواء أكانت زراعية أو صناعية، سوى ارتباط قليل –أو لا شيء البتة– بينها وبين الارتقاء الصحيح. وحقا فقد يرتقي تماما الأسلوب الفني وقتما يكون التحضر الفعلي في مرحلة الانحطاط. والعكس بالعكس(1).
__________
(1) - انظر : مختصر دراسة للتاريخ – ج1 – من ص 322 حتى ص 330

(1/130)


لذلك لا يفرحن كثير من الغيورين على الحضارة الإسلامية حين يكيل بعض الباحثين الغربيين المديح للحضارة الإسلامية وهم يشخصون بأعينهم إلى أشياء ليست من الحضارة في شيء. فلكم تغنى هؤلاء الغيورون بكتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون الذي "سلبت لبه" تلك الحضارة وفتن بها، وهو لا يعني بتلك الحضارة إلا ما أنجزه المسلمون من علوم طبيعية في الطب والفيزياء والكيمياء أو من عمران وفنون وزخارف وإنجازات تقنية أو من إبداعات أدبية وموسيقية... وغيرها. ولكم تغنوا بكتاب "زيغريد هونكه" "شمس العرب تسطع على الغرب"، وهو أيضا على نهج الذي سبقه. وحين يتكلم هؤلاء الباحثون عن الجانب الثقافي والفكري في المجتمع الإسلامي، فإنهم يسلطون الأضواء على من عرفوا بفلاسفة الإسلام الذين ليسوا في الحقيقة إلا ناقلين للفلسفة اليونانية وغيرها، والذين لا يعبرون أدنى تعبير عن الحضارة الإسلامية (1).
الخلاصة أن كل ما سبق، من المظاهر التي أوردناها، ليست مقياسا في مسألة الحكم على مدى الازدهار والتقدم الحضاري في المجتمع، ولا سيما المجتمع الإسلامي. وإنما المقياس هو شيء آخر.
__________
(1) - سوف يكون موضوع الفلاسفة الإسلاميين محل بحث في فصل لاحق .

(1/131)


إن قاعدة السببية التي تحكم الحياة، تقتضي أنه إذا كان المجتمع الإسلامي قد ارتقى بحضارة أنتجها الإسلام بعقائده وتشريعاته وأفكاره ، فإن هذا المجتمع سيدوم راقيا ما أحكم صياغة عيشه وفق هذه المقومات. وإنه بقدر ما يبتعد فكريا وسلوكيا عن هذا المعين الصافي يتخلف وينخفض ويتفكك. والمؤرخ الملتزم بهذه السببية الفكرية والتاريخية سيتابع الخط البياني لحركة الارتقاء والانخفاض في التاريخ الإسلامي على هذا الأساس. فيكتشف أن الارتقاء يترافق مع قدر متناسب من الانسجام مع الإسلام، وأن الانخفاض يترافق مع قدر متناسب من مجافاته والمجانبة له. وعلى هذا الأساس يصدر مؤرخ مثل "محمود شاكر" حكمه فيقول: «إن أسس الحضارة وأصولها قد بلغت أوجها في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، وبدأت آثارها تظهر بعد الفتوحات. إلا أن الترف قد أعطى آثارا ترفيهية، فتهدمت الحضارة منذ وضوح مظاهرها إذ زالت أسسها»(1).

سادسا:
ما هو أثر المؤثرات والدواخل الحضارية
على المجتمع الإسلامي؟

إن كل ما سبق من البحث يقودنا إلى محور جديد من محاور الخلاف. ألا وهو: النظرة إلى الدواخل الحضارية والفكرية على المجتمع الإسلامي: هل هي من العوامل الصحية التي ترتقي به، أم هي من عوامل المرض؟!
__________
(1) - محمود شاكر– التاريخ الإسلامي – المكتب الإسلامي ، بيروت – الطبعة الخامسة 1411 هـ / 1991م – ج5 – ص40

(1/132)


لقد اعتاد المؤرخون الغربيون على التغني باللوحة الفسيفسائية المؤلفة من العناصر الحضارية والثقافية التي أتت من كل جانب من جوانب الحضارات لتشكل معا لوحة رائعة الألوان أتقن العرب سبكها ومزجها والتوفيق بينها، فكانت من أروع اللوحات أناقة في التاريخ. ولنعط مثالا على ذلك تعبير الأميركي "لوثروب ستودارد" الذي يرى أن العرب كانوا «أمة موهوبة جليلة الأخلاق والسجايا، تواقة إلى ارتشاف العلوم، محسنة في اعتبار نعم التهذيب، تلك النعم التي قد انتهت إليها الحضارات السالفة. وإذ شاع بين الغالبين والمغلوبين التزاوج ووحدة المعتقد، كان اختلاط بعضهم ببعض سريعا، ومن هذا الاختلاط نشأت حضارة جديدة، الحضارة العربية، وهي جماع متجدد التهذيب اليوناني والروماني والفارسي. ذلك الجماع الذي نفخ فيه العرب روحا جديدة، فنضر وأزهر، وألفوا بين عناصره ومواده بالعبقرية العربية والروح الإسلامية فاتحد وتماسك بعضه ببعض فأشرق وعلا علوا كبيرا»(1).
__________
(1) - حاضر العالم الإسلامي – م1 – ص 3،4

(1/133)


فالمؤرخون الغربيون ومن جرى مجراهم لما أسسوا نظرتهم إلى الحضارة الإسلامية على أنها مزيج من العناصر الحضارية العديدة، كان من الطبيعي والمحتم أن يزدادوا تغنيا بهذه الحضارة كلما بدا أنها تتلقف العناصر الجديدة من شرق وغرب ومن هنا وهناك. ولتزداد حسب رأيهم تألقا وزهوا. ولا يلتفتون في هذا السياق إلى ما تحدثه هذه العناصر من تأثير في المجتمع: أهو تأثير إيجابي أم سلبي؟ هل هي منسجمة مع طبيعة عيشه أم متناقضة؟ هل ساهمت في بلورة هذه الحضارة أم عملت على تعكير صفوها؟ هل زادت عقلية المجتمع حيوية وتألقا أم شوشت تفكيره؟!… وكأن الغاية من التاريخ هي أن يرسم لهؤلاء المؤرخين لوحات زيتية أو فسيفسائية عملاقة أو مسرحيات ملحمية طويلة، ليمتعوا بها أنظارهم، بعد أن فصلت بينها وبينهم مسافة من مئات السنين . وأما ما يجري به التاريخ من ارتقاء ونهوض واستقرار وأمن وطمأنينة، أو من انحطاط وانخفاض ونكبات وتخبط واضطراب وويلات على المجتمعات والبشر الذين عايشوه، فهذا آخر ما يفكر به هؤلاء، ولا سيما حين تكون أمام أنظارهم اللوحة الملحمية الإسلامية .

(1/134)


إن المؤرخ الذي ينتمي إلى الحضارة الإسلامية،ويعد نفسه من حملة لوائها والعاملين على إحيائها،يجب أن ينأى بنفسه عن هذه النظرة الأنانية المتعالية والخالية من حس المسؤولية. فهو يرى أن الحضارة الإسلامية -بوصفها طريقة العيش التي رسمها الإسلام- لا تقبل الامتزاج والتزاوج بينها وبين سائر الحضارات، إذ لكل من هذه الحضارات وجهتها في الحياة وطريقتها في العيش ومفاهيمها عن الأشياء وقيمها الخاصة وأهدافها الكبرى ومثلها العليا. ولما كانت الحضارة الإسلامية حضارة مكتملة الأركان شاملة الجوانب مستجيبة لكافة مواقف الحياة واستحقاقاتها منذ أن اكتمل الدين الإسلامي في عهد النبوة،كانت غنية عن غيرها.بل إن أيا من المؤثرات الحضارية حين يدخل إلى مجتمعها يكون عنصرا غريبا, سيفتك بهذا المجتمع إن عاجلا أو آجلا. ولندع الكلام لأحد كبار المستشرقين الغربيين ليعبر عن هذا المعنى بتعابير مختصرة. يقول "برنارد لويس": «عندما تصطدم حضارتان تسيطر إحداهما وتتحطم الأخرى. قد ينبري المثاليون والمفكرون فيتحدثون بطلاقة وسهولة عن تزاوج بين أحسن العناصر من الحضارتين، إلا أن النتيجة العادية في هذا التلاقي هي تعايش بين أسوأ العناصر من الاثنتين»(1).
هذا لا يعني أن الحضارة الإسلامية يجب أن تنكفئ على نفسها فلا تواجه سائر الحضارات ولا تحتك بها. بل واجبها أن تنزل إلى ميدان الصراع الحضاري، لتقوم بدورها المرسوم لها، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } (2). إلا أن المهمة الموكلة بها هي أن تؤثر لا أن تتأثر، أن تقتحم لا أن يقتحم عليها. هذه بالتأكيد وجهة النظر الذاتية للحضارة الإسلامية، ولا يمكن لغير أتباعها أن يتقبلوا هذا التفكير .
__________
(1) - الغرب والشرق الأوسط – ص60
(2) - سورة البقرة - الآية 251

(1/135)


ونعود لنذكر أن ما سلف من كلام لا يعني بشكل من الأشكال رفض الحضارة الإسلامية للأشكال والوسائل والمظاهر المادية والمدنية التي تنساب بين مختلف الحضارات والمجتمعات البشرية والتي لا شأن لها بالهوية الحضارية للمجتمع، ولا شأن لها بوجهة النظر في الحياة. فكل ما كان من العلوم الطبيعية والإنجازات المادية والوسائل العملية المستخدمة، وكل ما كان من الفنون والآداب الخالية من المضامين المتعارضة مع الحضارة الإسلامية… ليس معنيا بهذه القاعدة. وإنما المعني هو تلك الدواخل والمؤثرات الفكرية التي نجمت عن حضارات ذات وجهة مخالفة للحضارة الإسلامية، والتي هي غنية عنها.

(1/136)


إن هذه الدراسة لا تدعي أن المجتمع الإسلامي –وهو النموذج الحي والكيان التاريخي للحضارة الإسلامية– بقي خاليا من تلك المؤثرات والعناصر الحضارية الدخيلة. بل هذه العناصر هي ما ستتقصاه الفصول المقبلة منها. إلا أنها تتنبه وتنبه إلى قاعدة أساسية: وهي أنه لا يجوز أن تنسب هذه العناصر والمؤثرات إلى الحضارة الإسلامية لمجرد أنها تسللت إلى المجتمع الإسلامي، وأن هذه العناصر لا يمكن أن تعد بشكل من الأشكال عوامل ازدهار وارتقاء في المجتمع الإسلامي. فالمجتمع الإسلامي هو كائن حي، تسري الحضارة الإسلامية في عروقه وتغذي أعضاءه بأسباب الحياة، ويستمد منها أسباب الصحة والعافية. إلا أن هذا الكائن الحي يعيش في بيئة مليئة بالكائنات العضوية الأخرى، فمن الطبيعي أن يتأثر بها وأن تتسلل إلى أعضائه كلما غفل عن رعاية نفسه وإتقان اغتذائه، فتكون بعض هذه العضويات من عوامل ضعفه وانتكاسه في الحال أو الأجل القريب أو البعيد. إلا أنها في كل الأحوال شيء آخر غير روح ذلك الكيان ودمه، أي هي شيء آخر غير الحضارة الإسلامية. وعلى حد تعبير "محمد أسد": «فكما لا تستطيع كل مؤثرات البيئة أن تغير بنية الطفل وخصائص تكوينه في أساسه وجوهره من يوم لفظته أحشاء أمه إلى هذه الحياة الدنيا، فكذلك لا تستطيع المؤثرات الطارئة المتأخرة التي اعترت حضارة الإسلام أن تغير من خصائصها الأولى أي تغيير أساسي، فكان جل ما أصابته هذه المؤثرات هو تغطية هذه الخصائص والمقومات أو تعطيلها إلى حين»(1).
__________
(1) - الإسلام والتحدي الحضاري - ص 23

(1/137)


وفي نهاية هذا الفصل نلفت النظر إلى ناحية مهمة. وهي أن الانسياق مع النظرة التي تعد العناصر والمؤثرات الحضارية التي دخلت المجتمع الإسلامي، من مكونات الحضارة الإسلامية، يؤدي إلى نتيجة خطيرة جدا، ألا وهي حتمية تبدل هذه الحضارة، وبتعبير أصح اندثارها. ذلك أنه كلما امتد الزمان بالمجتمع الإسلامي عبر مئات السنين حتى يومنا هذا,كانت الدواخل والمؤثرات الحضارية تتغلغل فيه أكثر فأكثر يوما بعد يوم، حتى وصل الأمر إلى أن غزت الأفكار الوافدة من الحضارات المجتمع الإسلامي لدرجة حولته في التاريخ المعاصر عن كونه مجتمعا إسلاميا. فهل يواصل هؤلاء دأبهم على إلصاق كل هذه المؤثرات بالحضارة الإسلامية، فيتجرؤوا على القول إن حاضر الأمة الإسلامية يعبر عن الحضارة الإسلامية؟! أو إن الحضارة الإسلامية قد وصلت إلى هذا الشكل الذي تتسم به الأمة الإسلامية في العصر الحاضر؟! إن كان الجواب بالإيجاب، فقد وصل هؤلاء إلى هدف واضح، ألا وهو تبديل الحضارة الإسلامية، أي القضاء عليها مع المحافظة على اسمها فقط!! وإن كان الجواب بالنفي، فهذا يعني أنه وجب عليهم أن يعيدوا النظر في قاعدتهم التي جروا عليها في دراسة التاريخ الحضاري الإسلامي، أعني: قاعدة تقميش هذه الحضارة من رقع التاريخ !!

(1/138)


الفصل الثالث:

المجتمع الإسلامي
والاحتكاك الحضاري والثقافي

توطئة:
لماذا الاحتكاك الحضاري والثقافي؟
«الاحتكاك الثقافي مصطلح يشير إلى مجموعة من العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، وبين الجماعات الإنسانية المختلفة يترتب عليها حدوث تغير ثقافي يتخذ أشكالا متعددة، بعضها مادي وبعضها معنوي. وغالبا ما ترتبط هذه الأشكال بعادات الجماعة وتقاليدها ومثلها العليا، ومن الصعب على أي مجتمع استعارة عناصر ثقافية من مجتمع آخر دون احتكاك ثقافي، وما يترتب عليه من تفاعلات ثقافية تؤدي إلى ظهور سمات ثقافية محددة. »(1)
إن الاحتكاك الحضاري والفكري هو من أهم الأهداف التي أراد الإسلام تحقيقها، حين شرع الجهاد والفتوح والسياسة الخارجية للدولة الإسلامية. قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } (2).فحمل الإسلام رسالة إلى العالم هو الهدف الأكبر للمسلمين في هذه الحياة، { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } (3)، { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } (4). وهؤلاء الناس الذين تذكرهم الآيات السالفة هم جميع الناس، لا فرق بين عربي وعجمي ولا بين أحمر وأسود، { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (5) .
__________
(1) - لطفي بركات أحمد - المعجم التربوي - دار الوطن/الرياض 1984 - مادة رقم 35 - ص28
(2) - سورة البقرة - الآية 251
(3) - سورة آل عمران - الآية 110
(4) - سورة البقرة - الآية 143
(5) - سورة الأنبياء - الآية 107

(1/139)


بناء على هذه الآيات وكثير غيرها، وضع المسلمون نصب أعينهم منذ فجر الإسلام حمل دعوتهم رسالة إلى العالم. والجهاد في سبيل الله إنما شرع ومارسه المسلمون تحقيقا لهذه الغاية. إلا أن هذا لا يعني أن الدعوة إلى الإسلام اعتمدت قوة السيف. فالجهاد لم يكن إلا توطئة للقيام بأعمال الدعوة، إذ إن وظيفته تنحصر في تحطيم الحواجز المادية التي تقف عائقا أمام تلك الدعوة.فإذا ما زالت تلك الحواجز أخلى المقاتلون الساحة لحملة الدعوة،بل ربما تحول كثير من المقاتلين أنفسهم إلى دعاة يعتمدون الفكر واللسان والمحاجة لإيصال رسالتهم .(1)
ومعلوم أن أي دعوة يراد نشرها بين الناس، لا تواجه عقولا فارغة من الفكر والقناعات، ولا تواجه نفوسا خاوية من المشاعر والأهواء الخاصة، ولا تواجه مجتمعا مجردا من المقاييس والقواعد السلوكية وأنظمة العلاقات، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمجتمع عريق الحضارة والثقافة والتشريع،كمجتمع الإمبراطورية الفارسية أو البيزنطية. من هنا كانت عملية نشر الإسلام وثقافته، وبالتالي صهر المجتمعات بحضارته، مهمة من أصعب المهام، واستحقاقا تاريخيا عظيما. فما هي الطريق التي سلكها المسلمون إلى هذا الهدف ؟
__________
(1) -انظر : ضحى الإسلام – ج1 – ص231

(1/140)


إن المدقق في آيات القرآن الكريم يجدها تدعو المسلمين وجميع الناس إلى الجدال والمحاججة ومقارعة الفكر بالفكر والرأي بالرأي. وتدعو ألد خصوم الدعوة إلى النقاش والمنازلة الفكرية. هذا المنهج هو المنهج القرآني منذ أول عهده في مكة قبل قيام دار الإسلام، واستمر بعد قيامها في المدينة يثرب، وثابر عليه المسلمون من بعد عبر العصور المتطاولة. فنقرأ في القرآن الكريم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } (1)، ونقرأ: { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } (2)، ونقرأ: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } (3). ويجعل القرآن الكريم التحاكم إلى العقل في أصل العقيدة الأساس في مجادلة الكافرين. فيقول: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } (4) .
__________
(1) - سورة البقرة – الآية 23
(2) - سورة النحل – الآية 64
(3) - سورة الأنعام – الآية 148
(4) - سورة البقرة – الآية 164

(1/141)


على هذا الأساس خاض الرسول- صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة، الصراع الفكري في المرحلة المكية وكل المراحل التي تلتها. وإذا كان الجدال في المرحلة المكية استهدف، بالدرجة الأولى، عبدة الأوثان من مشركي مكة وسائر الجزيرة العربية، فإن المرحلة المدنية أضافت إلى ذلك، الجدال مع أهل الكتاب من يهود ونصارى. فأمر الإسلام بجدالهم مع توخي المزيد من الحرص وحسن الخطاب. قال تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } (1). وإننا لنجد في القرآن الكريم عشرات من الآيات التي تحاجج أهل الكتاب فيما ذهبوا إليه من عقائد وآراء تخالف عقيدة التوحيد التي يؤكد القرآن أنها عقيدة جميع الأنبياء. وكانت مناسبة تلك الآيات احتكاك الدعوة الإسلامية بيهود المدينة ومن حولها، ثم احتكاكها بالنصارى الذين أوفدوا الوفود من بعض أنحاء الجزيرة العربية إلى المدينة لمناقشة الرسول- صلى الله عليه وسلم - .

أولا:
الفتوح الإسلامية والاحتكاك الحضاري

حين توسعت الدولة الإسلامية، ودخلت شعوب ذات أديان وثقافات متعددة في دار الإسلام، شمر المسلمون عن سواعد الجد لمخاطبة هؤلاء الناس ومحاورتهم بهدف دعوتهم إلى الإسلام. ولما ترك الإسلام للناس حق البقاء على دينهم أو اعتناق الإسلام اختيارا، فإنهم وجدوا المجال أمامهم مفتوحا ليدافعوا عن أديانهم وأفكارهم وقناعاتهم التي عاشوا عليها قرونا، ولم يكونوا ليتخلوا عنها بسهولة وبساطة. فدافع الفرس والمجوس عن ديانتهم، ودافع النصارى عن ديانتهم، وكذلك فعل اليهود وغيرهم من أهل الأديان والملل .
__________
(1) - سورة العنكبوت – الآية 46

(1/142)


وهكذا نشأ الجدال والنقاش بين المسلمين وأهل الأديان، فكان ذلك من أهم العوامل التي أثارت حركة فكرية ونشاطا ثقافيا في البلاد التي ضمت إلى دار الإسلام من تخوم الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا ثم إلى تخوم بلاد الفرنجة شمالا. وكانت المجادلات والنقاشات والمناظرات، منصبة على القضايا الدينية بشكل أساسي. فكل فريق يريد أن يثبت صحة العقائد التي تشكل أساسا لدينه. إذ لكل ديانة نظرتها إلى الإيمان بالله وصفاته وإلى اليوم الآخر والنعيم والعذاب، ولكل ديانة أنبياؤها ورجالها الذين تعلي شأنهم ، ولكل واحدة منها نظرتها الخاصة إلى الحياة والإنسان والكون .
إلا أن الملاحظ أن الجدال لم يقتصر على القضايا الدينية. ذلك أن الشعوب التي غزاها الإسلام كانت في غالبها متسلحة بأفكار فلسفية،لها مدارسها وأوساطها المزدهرة، ولا سيما النصارى الذين تسلحوا بالفلسفة اليونانية، وراحوا يستخدمونها، لتأييد آرائهم الدينية من جهة، ولإثارة التساؤلات والمعضلات الفكرية أمام الفاتحين الجدد، الذين خرجوا بالإسلام للتو، من جزيرة لم يكن لها سابق عهد بأي فلسفة من الفلسفات(1).
__________
(1) - انظر : فجر الإسلام – من ص (128) حتى ص (134)

(1/143)


«فبلاد الشام والعراق وفارس ومصر كانت مهدا لثقافات كبيرة واسعة، هنالك مدارس قديمة يعرفها الناس، كانت تؤلف فيها الكتب وتترجم: اشتهرت منها مدرسة الرها، ونصيبين، وحران ، وفي مصر والإسكندرية، وفي العراق مدرسة للصابئة، وفي فارس مدرسة جنديسابور. كانت هذه المدارس تتفاعل بثقافة يونانية وبعلوم دينية مسيحية، وكانت أشهر هذه المدارس الإسكندرية، وهي مدرسة للطب ولعلوم اليونان. وقد أحدثت هذه المدرسة مذهبا فلسفيا جديدا دعي بالمذهب الأفلاطوني الحديث»(1).
__________
(1) - يوسف العش – تاريخ عصر الخلافة العباسية – راجعه ونقحه محمد أبو الفرج العش – دار الفكر ، دمشق – الطبعة الأولى 1402هـ/1983م تصوير 1990م – ص (236) – وانظر أيضا : ضحى الإسلام – ج1 – ص 253 حتى 261

(1/144)


من المعلوم لدى المسلمين، أن منهج القرآن الكريم،في مواجهته للعقائد والأفكار عن الحياة، يعتمد عرض الفكرة المخالفة له ونقضها ببيان ضعفها وافتقارها إلى الحجة والبرهان وإبراز التناقض فيها، ومن ثم تثبيت العقيدة الإسلامية بديلة عنها. فمن ذلك مثلا قوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى - ومناة الثالثة الأخرى - ألكم الذكر وله الأنثى - تلك إذا قسمة ضيزى - إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } (1)،وقوله سبحانه: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } (2)، وقوله عز وجل: { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } (3) .
__________
(1) - سورة النجم – الآيات من 19 حتى 23
(2) - سورة المائدة – الآية 64
(3) - سورة التوبة – الآية 30

(1/145)


هكذا، وانقيادا لمنهج القرآن الكريم،ولما وجد المسلمون أنفسهم أمام مدارس وتيارات فلسفية تسند أديان أهل البلاد المفتوحة، كان لا بد لهم من الاطلاع على أبحاث هذه المدارس وتياراتها لنقضها، وتركيز العقائد والأفكار الإسلامية بدلا عنها. كما قام بعض أهل الأديان بالمقابل بوضع دراسات يعرضون فيها آراء الإسلام، ويتبعونها بآرائهم للرد عليها. فمن بين العلماء النصارى الذين أظهروا في وقت مبكر اهتماما بدراسة الإسلام -لا من أجل اعتناقه، وإنما من أجل حماية إخوانهم النصارى منه– كان العالم النصراني يوحنا الدمشقي(676-749م). ومن بين مصنفاته في هذا الصدد لإخوانه في الدين كتاب(محاورة مع مسلم) وكتاب(إرشادات النصارى في جدل المسلمين). وكانت كتابته على نحو: إذا قال لك المسلم كذا فأجبه بكذا (1).
إن هذه الحركة الفكرية نشطت بشكل واضح بعد استقرار الفتوح الإسلامية، ولا سيما في العهد الأموي. إلا أن العصر العباسي جعل النشاط الثقافي يبلغ الذروة في غزارته وحيويته وسعته، وذلك بفضل حركة الترجمة والتصنيف التي بدأت تظهر في العهد الأموي على نطاق ضيق وبلغت أوجها في العهد العباسي .
__________
(1) - انظر : الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري– ص 19 - وانظر أيضا : فجر الإسلام – ص 134

(1/146)


يقول "يوسف العش": «يصح القول بأن التصنيف ابتدأ في العصر العباسي، ومعنى هذا أن تصنيف الكتب على أسلوب دقيق منظم بدأ في العصر العباسي، إلا أن الكتابة والتأليف والجمع حدث قبل العصر العباسي، وأيا ما كان الأمر، فالحركة في العصر العباسي كانت قوية بدرجة تذهل الإنسان: فهذه البصرة تؤلف الكتب وتستخرج الآراء، وتضع النحو، وهذه الكوفة تكتب في التاريخ والأدب، وتؤلف في النحو، وهذه بغداد تضم خضما هائلا من العلماء، يتكاثرون في المساجد، ويكتبون العلم، حتى إذا وصلنا إلى عصر المأمون، رأينا معظم المتعلمين ينكبون على التأليف، وعلى إخراج الكتب»(1).
وقد اتصل خلفاء بني العباس بعلماء المدارس التي كانت قائمة في بلاد فارس والعراق والشام ومصر. فقد كانوا يستدعونهم إلى بغداد، وينفقون عليهم الأموال لترجمة الكتب إلى اللغة العربية؛ وقد وضع نظام دقيق لهذه الحركة المعرفية، لذلك فإنه ما حل عصر المأمون حتى كان قد ظهر في بغداد ما سمي ببيت الحكمة، الذي وضع عليه الحفاظ، وأتحفه بالمترجمين والعلماء. واستطاع الخليفة أن يجعل من هذا البيت قبلة العلماء، وأن ينظمه التنظيم الدقيق، وقد عرف هذا البيت باسم المأمون، واشتهر به. وقد أرسل هذا الخليفة بعثة إلى بلاد الروم لتحضر له كتب اليونان المخزونة، وكان الروم آنذاك لا يعنون بها، وقد أقفلوا عليها الأقفال، فاستخرجتها هذه البعثة وعادت بها إلى بيت الحكمة(2)، وكان المأمون قبل ذلك قد طلب عددا من الكتب من بلاد الروم أرسلت إليه، ثم إنه هادن ملك قبرص على أن يعطيه خزانة من الكتب كانت لديه(3).
__________
(1) - تاريخ عصر الخلافة العباسية - ص 235-236
(2) - انظر : ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب إسحق - الفهرست – دار الكتب العلمية ، بيروت – الطبعة الأولى 1416هـ/1996م – ص 395-396
(3) - انظر : تاريخ عصر الخلافة العباسية – ص 237-238

(1/147)


وقد نظم المأمون عمل الترجمة، فوضع عليها أمينا، وهو "يوحنا بن البطريق"، ووضع بين يديه الكتاب الحذاق بالسريانية واليونانية، وأحضر كبار المترجمين، وكلف بعض العلماء بالتصحيح اللغوي، فخرجت الكتب تتوالى مترجمة مصححة في نسخها الأخيرة(1).
وهكذا شهد ذلك العصر ظاهرة لم يسبق لها مثيل، لا من قريب ولا من بعيد، من حيث الحيوية الفكرية والنشاط الثقافي. إلا أن السمة الأبرز التي ميزت هذه الحركة الفكرية -وهي أهم من غزارة التأليف- هي السمة العملية الإيجابية، التي استهدفت صياغة عقليات وقلب مفاهيم وتغيير أمزجة. فلم يكن الهدف من هذه الحركة الترف الفكري.
- فهل استطاعت الثقافة الإسلامية أن تصمد كليا أمام جبهة الصدام الفكري والثقافي؟ أم أنه أصابها بعض الانكفاء واعتراها التأثر بما سواها من الثقافات؟
- هل تأثرت الثقافة الإسلامية بسائر الثقافات أم انتفعت منها؟
- هل استمر المجتمع الإسلامي يعيش في كنف حضارة إسلامية خالصة، تعبر عن ثقافة إسلامية نقية، أم أنه عاش في ظل نمط حضاري ملون؟
- وإن كانت الثقافة الإسلامية قد تأثرت بغيرها، فإلى أي حد وصل هذا التأثر ؟
هذا ما يفترض بالفصول التالية أن تجيب عليه .

__________
(1) -انظر : المرجع السابق - ص 238

(1/148)


ثانيا:
انتفاع اللغة العربية

يقع كثير من الدارسين للتاريخ الثقافي الإسلامي -ولا سيما عند حديثهم على الاحتكاك الثقافي والفكري- في مغالطة وخلط كبيرين. أعني بذلك عدم التمييز بين الانتفاع والتأثر. إذ إن هناك فرقا لا بد من تلمسه عند الكلام عن احتكاك المسلمين بسائر الثقافات. ألا وهو الفرق بين أن ينتفع المسلمون من التراث الثقافي لدى الأمم الأخرى دون أن يكون لذلك تأثير على هويتهم الحضارية -أي دون أن يكون هناك أي تأثير على طريقة تفكيرهم ومجموعة أفكارهم ومشاعرهم وأنظمة حياتهم- وبين أن يتأثروا بما تحويه تلك الثقافات من مفاهيم ووجهات نظر عن الحياة وأنظمة للمجتمع.
وحتى يتبين ذلك الفرق، لا بد من مقدمة صغيرة ينبني عليها البحث في هذا الموضوع. ذلك أن الثقافة الإسلامية يمكن تصنيفها إلى قسمين أساسيين، هما: المعارف الشرعية، ومعارف اللغة. ونعني بالمعارف الشرعية: التفسير وعلوم الحديث والفقه وأصول الفقه وعلم التوحيد وأصول الدين وما شاكلها. ونعني بمعارف اللغة: النحو والصرف، والأدب بشعره ونثره ومعانيه وبيانه وبديعه وما شاكل ذلك.
ومعارف هذا القسم الثاني -أي معارف اللغة- لم تعد من الثقافة الإسلامية إلا بقدر ما كانت خادمة للمعارف الشرعية، أي بقدر ما كانت لازمة لفهمها والتعبير عنها. لذلك عني علماء المسلمين بدراستها وضبط قواعدها والخوض في معانيها وأساليبها من أجل الحفاظ عليها وسيلة لفهم نصوص القرآن والسنة،بوصفهما مصدر عقائد الإسلام وتشريعه. كما أنها فضلا عن ذلك أفضل لغة يمكن التعبير بها عن الإسلام. لذلك عني المسلمون بنشر اللغة العربية جنبا إلى جنب مع الدعوة الإسلامية. وهذه العناية حفظت على اللغة العربية قواعدها ونحوها وصرفها، فكانت من أصمد اللغات في التاريخ.

(1/149)


إلا أن آداب هذه اللغة من شأنها أن تتوسع وتنمو وتزدهر، كلما لاقى أصحابها مزيدا من الأشياء والمعاني التي يمكن التعبير عنها بتعابير وأساليب وصيغ وصور جديدة. وهذه الأساليب والصيغ والصور لا يضيرها أن تقتبس من هنا وتستعير من هناك، بعد التجول بين جنبات النصوص الأدبية من شتى اللغات. وهي في كل الأحوال، ليست مضطرة إلى أن تحمل معها العقلية والمفاهيم والآراء التي حوتها تلك النصوص. لذلك من الخطأ أن يعد ذلك تأثرا بسائر الثقافات، إنما هو انتفاع وحسب(1) .
ذلك أن توسع العرب في بلاد العالم «جعلهم يقفون على أنواع من النبات والحيوان والطعوم وسائر مرافق العمران،وأدخل اللغويون كل ذلك في معاجمهم، فالعرب في الجزيرة لم يكونوا يعرفون الهرم ولا البرابي. ثم إن كل بلد مفتوح أدخل على اللغة كلمات استعملها العرب الفاتحون، وأدخلوها في لغاتهم، بل واشتقوا منها. فمثلا لما فتح العرب مصر عربوا كثيرا من أسماء البلدان كبنها والفيوم ودمهتور والإسكندرية، وغير ذلك، وأدخلوا في اللغة من مصر كلمة بطاقة وهي يونانية الأصل، واستعملوا منها منشار وهي مصرية الأصل. واشتقوا منها نشر ينشر نشرا إلخ »(2). ولا بد أن يكون العرب قد أخذوا تراكيب للجمل جديدة ومعاني جديدة وخيالا جديدا، أغنوا بها أدبهم وأساليب تعبيرهم(3) .
__________
(1) - انظر : تقي الدين النبهاني – الشخصية الإسلامية – دار الأمة، بيروت – الطبعة الخامسة 1997م - الجزء الأول – ص 276
(2) - ظهر الإسلام – ج2 - ص 88
(3) - انظر فجر الإسلام – ص 117

(1/150)


وهذا ليس بدعا في اللغة العربية. فهي حين نزول القرآن الكريم بلسانها، كانت قد اقتبست العديد من الألفاظ من اللغات الأخرى، وأوردها القرآن في آياته، مع أنه يقول: { إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون } (1). فهذه الألفاظ بعد تعريبها أصبحت جزءا من اللغة العربية. يقول "الإمام الشوكاني": «في القرآن من اللغات الرومية والهندية والفارسية والسريانية ما لا يجحده جاحد ولا يخالف فيه مخالف، حتى قال بعض السلف إن في القرآن من كل لغة من اللغات، ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليبحث كتب التفسير، في مثل المشكاة والإستبرق والسجيل والقسطاس والياقوت والأباريق والتنور»(2). وهذه الألفاظ بعد تعريبها أصبحت جزءا من اللغة العربية. فكل ما في الأمر إذا، أن توسع الدولة الإسلامية وانتشار اللغة العربية، أدى إلى المزيد من تعريب الألفاظ التي اقتبست من لغات الأعاجم(3) .
__________
(1) - سورة يوسف – الآية (2)
(2) - محمد بن علي الشوكاني – إرشاد الفحول – دار المعرفة، بيروت – دون تاريخ –ص28
(3) - انظر أيضا في هذا الموضوع : ضحى الإسلام – ج2 – ص (248)

(1/151)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية