صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : موسوعة الخطب والدروس
جمعها ورتبها الشيخ علي بن نايف الشحود

وهي سبب عظيم في قضاء الحوائج وتفريج الكربات " ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" رواه مسلم (2699 ).
أنها سبب للحصول على طعم الأيمان , قال صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من فعلهن فقد ذاق طعم الأيمان : من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو, وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه وافدة عليه كل عام ) رواه أبو داود(1349).
وهي أيضا تسد حاجة الفقراء والمساكين وتحفظهم من ذل السؤال وهذا من الإحسان ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )0البقرة (195)
ومن فوائد الزكاة : نشر المودة والألفة والمحبة بين المجتمع ، فعندما يشعر الفقير والمسكين بأن الغني يعطيه شيء من المال ويواسيه في فقره وحاجته فعند ذلك يطمئن قلب ذلك المسكين ويشعر بسعادة لا يعلمها إلا الله ، والغني عندما يعطي المسكين يشعر بحلاوة الصدقة ولذة الإحسان إلى المساكين ،وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (2/25) أن الكرم والجود من أسباب انشراح الصدر.
أنها من أسباب دخول الجنة , فقد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم , وقال: دلني على عملا أعمله يدنيني من الجنة ويباعدني من النار , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة, وتصل ذا رحمك , فلما أدبر الرجل , قال الرسول : إن تمسك بما أمر دخل الجنة. رواه مسلم (15) ومما يدل على ذلك أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الجنة ( لمن أطاب الكلام وأفشى السلام , وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام ) صحيح الجامع(2123)
أنها تمنع الجرائم والسرقات , لأن الفقراء إذا لم يجدوا ما يأتيهم ويسد حاجتهم , فسوف يتجهون إلى أي طريق لكي يسدوا حاجتهم.
أنها تمنع من حر النار يوم القيامة كما في الحديث ( كل امرء في ظل صدقته يوم القيامة) صحيح الجامع(4510)
أنها تزكي المال وتنميه , وتكون سببا في البركة في المال كما في الحديث ( ما نقصت صدقة من مال ) رواه مسلم (2588)
أنها سبب لنزول الخيرات كما في الحديث (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) صحيح الجامع ( 3240 )
( أن الصدقة تطفي غضب الرب وتدفع ميتة السوء ) كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم , ( صحيح الجامع ( 3760 ).
الصدقات المستحبة
ينبغي على المسلم أن يكثر من الصدقات المستحبة وذلك لأن فيها تكميل لما ينقص من القيام بالزكاة المفروضة , قال صلى الله عليه وسلم : أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة الصلاة , فإن كان أكملها , كتبت كاملة , وإن لم يكن أكملها قال الله للملائكة : انظروا هل لعبدي من تطوع فأكملوا بها ما ضيع من فريضة , ثم الزكاة , ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ) رواه أحمد
( 16342) وابو داود (733).
إليك أخي المسلم بعضا من أحكام الزكاة
.... يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم أحكام الزكاة ....
الزكاة عبادة فيجب على المزكي أن ينوي الزكاة عند دفعها .لحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري (1) ومسلم (1970).
· تجب الزكاة في 1- الأموال ، 2- والماشية من الأنعام ، 3- والذهب والفضة ،4- والخارج من الأرض كالحبوب 0
· شروط وجوب الزكاة : 1- الإسلام ,2- واستقرار الملكية أي يكون مالكا لما تجب فيه الزكاة ,3- وبلوغ النصاب فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب, 4- ومرور الحول. _ (الملخص الفقهي 1/223)
· إذا مرت سنة وكان ما تجب فيه الزكاة قد بلغ نصابه ، وجب إخراج زكاته لحديث ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول )رواه ابن ماجه , قال الألباني في الإرواء (3/254): صحيح0
زكاة الأنعام
· من كان عنده غنم أو إبل أو بقر وكانت ترعى من الأرض ففيها الزكاة أما إن كانت لا ترعى بل موضوعة في مكان وصاحبها هو الذي يأتي لها بالطعام فلا زكاة فيها. قاله ابن تيمية (25/48,35) , إلا إذا أعدت للتجارة0وإذا كانت متخذة للبيع والشراء فيقومها أي يحسب ثمنها وقت إخراج الزكاة ثم يخرج ربع العشر ---- فتاوى اللجنة(4862) وهناك تفصيل واسع في مقدار زكاة هذه الأنعام , من أراده فليراجع ( الملخص الفقهي 1/225) أو غيره من كتب الفقه, والمال يخرج زكاته مالا ، والبر والأرز ونحوهما يخرج من جنسه 0 وكذلك زكاة بهيمة الأنعام من جنسها 0 لا يعدل عن ذلك بالقيمة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حددها بذلك , إلا إذا كان هناك مصلحة أو حاجة , كما إذا وجبت عليه زكاة الإبل وليس عنده شاة فيجوز له أن يخرج قيمتها.--- مجموع الفتاوى (25/82,79,46) فتاوى اللجنة(12563).
· الخيل لا زكاة فيها إلا إذا أعدت للتجارة. قاله ابن القيم وهكذا الحكم في سائر الدواب مما سوى بهيمة الأنعام . (انظر زاد المعاد( 1/149) وانظر تهذيب السنن (2/192) وانظر فتاوى اللجنة (7276).
زكاة الحبوب والثمار

(117/2)


· تجب الزكاة في الحبوب والثمار إذا كانت تبلغ النصاب, والنصاب في الحبوب(5 أوسق ) والوسق (60) صاعا، أي ( 300) صاع نبوي,فيجب العشر فيما سقي بغير مؤنة كالغيث والسيول , وإن كان يسقى بكلفة ففيه نصف العشر فإن كان يسقى نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر الأكثر (فتاوى اللجنة2262) أما الخضروات فلا زكاة فيها ( فقه العبادات ص 196).
· إذا كان عنده أنواع متعددة ينتظمها جنس واحد ولم يبلغ كل نوع منها نصابا فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب , فيضم القمح للشعير , والمعز إلى الشياه , وهكذا( انظر ابن تيمية الفتاوى 25/24,15,13).
· النخيل الذي في بيوت الناس إذا كان ما فيه من الثمار يبلغ النصاب ففيه الزكاة و إلا فلا . وكثير من الناس يغفلون عن هذا . ( الفتاوى لابن عثيمين ص59).
· العسل المنتج بواسطة النحل لا زكاة فيه وإنما تجب في قيمته إذا أعده للبيع وحال عليه الحول وبلغت قيمته النصاب وفيه ربع العشر.انظر فتاوى اللجنة(4195).
زكاة الذهب والفضة
· والذهب والفضة تجب فيهما الزكاة إذا بلغ النصاب ومرت عليه سنة ، ونصاب الذهب (85) جرام 0 والفضة ( 595) جرام 0 والواجب هو ربع العشر فمن كان عند زوجته ذهب وزنه (90) جرام ومرت عليه سنة فليخرج ربع العشر , وتحديد المقدار بربع العشر ثابت بالإجماع . نقله البليهي في السلسبيل (1/293).( فقه العبادات لابن عثيمين ص 193).
· وجميع الذهب الذي عند النساء سواء كان للاستعمال أو لغيره ، ففيه الزكاة على الصحيح — فتاوى اللجنة(1797)
وتكون القيمة المعتبرة للذهب قيمته بعد مرور الحول لا قيمته عند الشراء.فتاوى اللجنة(3020).
· والزكاة على مالكة الحلي وإذا أداها زوجها أو غيره عنها بإذنها فلا بأس.قاله ابن باز(كتاب الدعوة 1/101).
· وإخراج زكاة الذهب يجوز إخراجها بالنقد, ولا يجب إخراجها من الذهب لأن مصلحة الزكاة في إخراجها من القيمة0 قاله ابن عثيمين( الفتاوى1/450).
· إذا كان عند امرأة حلي لا يبلغ النصاب وعندها بنات كل بنت حليها لا يبلغ النصاب , فإن حلي البنات ليس فيه زكاة لأن حلي كل بنت ملك لها وهو لا يبلغ النصاب أي لا نجمع حلي البنات بعضه إلى بعض.قاله ابن عثيمين ( الفتاوى 1/452).
هل يضم الذهب للفضة؟ قال ابن عثيمين : لا , لأن الذهب والفضة جنسان مختلفان . ( فقه
العبادات ص 194)
· لو استعمل الذهب في استعمال محرم كالأواني والقلم وغير ذلك فتجب الزكاة إذا كانت تبلغ النصاب بنفسها أو بذهب آخر لدى مالكها, ويأثم لاستعماله.قاله ابن باز(كتاب الدعوة 1/101) السلسبيل(1/297).
· والحلي من غير الذهب والفضة الذي تستعمله المرأة لا زكاة فيه بلا خلاف. ــ كالألماس ونحوه - انظر فتاوى الفوزان (3/107) و( الفتاوى لابن عثيمين ص97).
· ما يلبسه الرجال من الفضة المباح لبسه كالخاتم وحلية السيف فلا زكاة فيه , وأما ما يحرم اتخاذه كالأواني ففيه الزكاة ,وأما حلية الفرس كالسرج واللجام فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء . قاله ابن تيمية الفتاوى (25/17).
· إذا باعت المرأة ذهبها بذهب جديد فهل انقطع الحول بذلك أي هل تبدأ حول جديد ؟ لا , بل تكمل ما تبقى من الحول لأنها استبدلت الذهب بذهب من جنسه . ( الفتاوى لابن عثيمين ص 45).
زكاة المال المدخر
· إذا كان عند الشخص مال يبلغ النصاب ومر عليه حول وجبت عليه الزكاة , سواء كان ذلك المال قد جمعه للزواج أو لبناء بيت أو غير ذلك.قاله ابن باز ( كتاب الدعوة1/103).
· أجمع العلماء على أنه يجوز للرجل التصرف في ماله قبل حلول الحول بالبيع أو الهبة إذا لم ينو الفرار من الزكاة. ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبي) ( 1/302).وعلى هذا فليحذر المرء من التصرف في المال قبل تمام الحول لكي يفر من الزكاة , لأن الله عليم بما في القلوب , ولاشك أن هذا من خطوات الشيطان , الذي يريد إيقاع العبد في الآثام والمخالفات.
· المبلغ الذي يعطى للموظف عند نهاية الخدمة ليس فيه زكاة إلا إذا حال عليه الحول من تاريخ تسليمه. فتاوى اللجنة (7472).
· زكاة الرواتب قال الشيخ ابن عثيمين: أحسن شيء في هذا أنه إذا تم حول أول راتب استلمه فإنه يؤدي زكاة ما عنده فما تم حوله فقد أخرجت زكاته , وما لم يتم حوله فقد عجلت زكاته وتعجيل الزكاة لاشيء فيه , وهذا أسهل عليه من كونه يراعي كل شهر على حدة لكن إن كان ينفق راتب كل شهر قبل أن يأتي راتب الشهر الثاني فلا زكاة عليه لأن من شروط وجوب الزكاة في المال أن يتم عليه الحول. ( الفتاوى ص22).
· زكاة الأسهم , ينظر في قيمة السهم في نهاية كل حول ويخرج زكاته . (انظر الفتاوى لابن عثيمين ص 197).
زكاة عروض التجارة

(117/3)


· تجب الزكاة في عروض التجارة وهي السلع المعدة للبيع والربح والكسب سواء عقارا، أو سيارات ، أو حيوانات ، أو مواد غذائية أو أقمشة أو غير ذلك,ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر , والأصل في ذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم )البقرة(267) يعني بالتجارة قاله مجاهد , وقال البيضاوي: أنفقوا من طيبات ما كسبتم أي الزكاة المفروضة. وقال تعالى (والذين في أموالهم حق معلوم ) المعارج (24) والتجارة داخلة في عموم الأموال وتجب الزكاة فيها إذا حال الحول والواجب ربع العشر , فينبغي لأصحاب التجارة أن يحددوا لهم موعدا لإخراج الزكاة كرمضان مثلا ، ويقومون بضائعهم بما تساوي في ذلك الوقت سواء كان أكثر أو أقل من سعر شرائها ، ثم يخرجون ربع العشر---- الفتاوى لابن تيمية ( 25/15) فتاوى اللجنة(2262)0
· ما يؤجره الشخص من شقق أو منزل أو غير ذلك ، فليس فيها زكاة ، لأنها بالأجرة وليست للبيع ، ولكن لو جمع منها مالا ومر عليه سنة وبلغ النصاب ففيه ربع العشر .
· إذا ملك مادون النصاب , ثم ملك ما يتم به النصاب فإن الحول يبدأ من يوم امتلاكه ما يتمم النصاب. ( ابن تيمية الفتاوى 25/14).
· إذا باع الرجل أرض للتجارة قبل تمام الحول بأشهر أو أيام فنقول : إذا بقي المال معه فيجب أن يزكيه , أما لو تصرف في هذا المال كشراء أرض ونحوه فلا زكاة عليه . ( الفتاوى لابن عثيمين ص239).
زكاة الأراضي
· إذا اشترى شخص أرضا بنية التجارة ومضى عليها الحول وجبت فيها الزكاة إذا بلغت قيمتها نصابا والعبرة بقيمتها عند إخراج الزكاة لا وقت الشراء . انظر فتاوى اللجنة (890)0
· إذا اشترى أرض للسكن وبعد سنة أراد أن يعرضها للبيع فالزكاة تجب من بداية الوقت الذي غير فيه نيته وذلك بعد مرور سنة من ذلك الوقت. فتاوى ابن عثيمين (433).
زكاة الدين:
· زكاة الدين : إذا كان لك دين على أحد فإن كان غنيا يستطيع السداد فإنه يجب عليك أداء زكاة هذا الدين إذا مرت سنة ,وأنت مخير إما أن تخرج زكاة الدين مع زكاة مالك وإما أن تخرجها لوحدها , أما إذا كان مماطلا أو معسرا فلا يجب عليك زكاته لكل سنة, ولكن إذا قبضته , فمن أهل العلم من يقول يستقبل به حولا من جديد, ومنهم من يقول : يزكي لسنة واحدة , وإذا دارت السنة يزكيه وهذا أحوط .- فتاوى ابن عثيمين (ص424) الممتع(6/31)0
· إذا كان له دين على حي أو ميت فلا يجوز له أن يحتسب الدين من الزكاة.إلا إذا كان من عنده الدين معسرا وهو من أهل الزكاة.فيجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين لأن الزكاة مبنية على المواساة. ( ابن تيمية _ الفتاوى 25/89,84,80)
· الميت إذا كان عليه دين ولم يترك مال , فهل يقضى دينه من الزكاة ؟ الأقرب : لا يقضى دينه من الزكاة لأنه انتقل إلى الآخرة, ويقال: إن كان الميت أخذ أموال الناس يريد أدائها فإن الله يؤديها عنه , وإن كان يريد إتلافها فهو الذي جنى على نفسه. فتاوى ابن عثيمين (ص425) .
إخراج الزكاة وتأخيرها
· الأصل إخراج الزكاة في الوقت الذي وجبت فيه, ولايجوز تأخيرها عن وقتها إلا لحاجه , فيجوز تأخيرها لمصلحة , كأن يؤخرها من أجل البحث عن المستحقين , ولكن بشرط : أن يبرزها عن ماله أو يكتب وثيقة فيها بيان أن زكاته تحل في رمضان ولكنه أخرها إلى وقت آخر لمصلحة . ( ابن عثيمين ) الممتع (6/189).
· من أخر الزكاة لعدة سنيين فهو آثم في ذلك ويجب عليه إخراج الزكاة عن كل السنيين الماضية.— فتاوى ابن عثيمين (ص 427)
· يجوز إعطاء الزكاة كلها لصنف واحد من المستحقين والدليل : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذ إلى اليمن قال : اعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " فلم يذكر إلا الفقراء فدل على أنه يجوز إعطاء الزكاة لصنف واحد من المستحقين. ( الملخص الفقهي 1/254) و فتاوى اللجنة(10/20).
· يجوز تعجيل الزكاة وذلك بدفعها قبل تمام الحول .والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل الزكاة من عمه العباس صدقة سنتين.رواه أبو داود , قال في الإرواء (3/346) : (حسن).
· وهناك أناس يؤخرون الزكاة عن وقتها وهذا من الأخطاء لأن الزكاة كسائر العبادات لها وقت محدد يجب إخراجها فيه , وبعض الناس تجب عليه في رجب مثلا , فيؤخرها إلى رمضان , وهذا محرم . ( الفتاوى لابن عثيمين ص 295).
· الأولى أن يتولى صاحب الزكاة توزيع الزكاة ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها , وله أن يوكل من يخرجها عنه . (الملخص الفقهي 1/247).
· و الأصل أن يعطى فقراء البلد من الزكاة ولا تعطى لمن هم خارج البلاد ، إلا في أحوال خاصة وهو اختيار ابن تيمية _ الفتاوى (25/85), فتاوى ابن عثيمين( ص 436).
أهل الزكاة المستحقين لها :-
لقد جاء تحديدهم في كتاب ربنا عز وجل ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل )التوبة (60).

(117/4)


والفقير : هو الذي لا يجد ما يكفيه من الطعام واللباس وسائر الحاجات 0
المسكين : هو الذي يجد بعض ما يكفيه 0
العاملين عليها : هم الذين يأخذون الزكاة من الناس وهم السعاة ولا يشترط أن يكونوا فقراء. (انظر ابن عثيمين - الممتع 6/224).
والمؤلفة قلوبهم : وهم أنواع :
1) الكافر الذي يرجى إسلامه فيعطى من الزكاة .
2) أن يرجى كف شره عن المسلمين فيعطى ليكف شره.
3) المسلم الذي يرجى بعطيته قوة إيمانه. ( انظر الشرح الممتع لابن عثيمين( 6/226)
· وفي الرقاب : هو المسلم الذي يريد عتق رقبته, ويدخل في ذلك فك الأسرى . انظر فتاوى اللجنة(10/6) .
· الغارمين : هو من استدان لأجل الإصلاح بين الناس أو لنفسه في غير معصية ، وليس عنده سداد لدينه, وهذا إذا كان الدين لأمر مضطر إليه , أما إذا كان الدين الذي عليه لأجل أرض أو سيارة لكي يمتلكها ليكون من أهل الترف , فلا يستحق أن يعطى من الزكاة فتاوى اللجنة (10/8). ولكن لابد أن يثبت صاحب الدين ما يدل على صدقه في هذا الدين حتى لا يكون هناك تساهل في دفع الزكاة لغير مستحقيها .
· وفي سبيل الله : هم المجاهدون والمرابطون في سبيل الله 0
· وابن السبيل : المسافر الذي انقطعت به الأسباب عن بلده وماله , فيعطى ما يحتاجه من الزكاة حتى يصل إلى بلده ولو كان غنيا في بلده. فتاوى اللجنة(10/7).
قال ابن تيمية: لا يعطى من الزكاة من كان قادرا على تأمين كفايته من كسبه ولكنه لا يفعل. انظر الفتاوى (28/569).
وقال أيضا : ينبغي أن يتحرى في دفع الزكاة لأهل الدين المتبعين للشريعة , فمن أظهر بدعة أو فجور , فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره والاستتابة فكيف يعان على ذلك؟؟ انظر الفتاوى (25/87).
هل يعطى المبتدع من الزكاة ؟ إن كانت بدعته مكفرة , كمن يستغيث بالصالحين وأهل القبور , فلا يعطى , أما إن كانت بدعته دون ذلك فيعطى إن كان من أهل الزكاة . ( انظر الفتاوى لابن عثيمين ص 432).
إعطاء الأقارب من الزكاة
· يجوز إعطاء الأخ والأخت من الزكاة إذا كانا من المستحقين , لأنها في حقهم صدقة وصلة , قاله ابن عثيمين الفتاوى(ص446)0
· لا يجوز إعطاء الوالدين من الزكاة لأن النفقة تجب عليهم , إلا إذا كانوا غارمين, أو فقراء والابن عاجز عن نفقتهم, فيجوز له إعطائهم , قاله ابن تيمية _ الفتاوى (25/90) ويجوز أن يعطي والده لقضاء دين عليه . وانظر فتاوى ابن عثيمين (ص443) .
· وإذا كان الابن عليه دين ولا يملك مال لسداد دينه فيجوز لأبيه أن يعطيه من الزكاة, وكذلك إذا كان محتاجا للنفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه فيجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه. قاله ابن تيمية _ الفتاوى (25/92).
· ولا يجوز صرف الزكاة من الزوج لزوجته لأن النفقة تجب لها , ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك0( منار السبيل 1/185)فتاوى اللجنة(10/63).
· ويجوز للمرأة دفع الزكاة لزوجها إذا كان من أهل الزكاة ( ابن عثيمين _ الممتع 6/266).
· يجوز أعطاء الأم من الرضاعة من الزكاة إذا كانت مستحقة للزكاة ,لأنه لا تجب عليها النفقة. ( انظر الفتاوى لابن عثيمين ص 417).
أحكام متفرقة
· الميت إذا كان في ذمته الزكاة فإن الوارث لا يستحق شيء من التركة إلا بعد أداء الزكاة والدليل حديث ( اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري(2/217) والزكاة مقدمة على الوصية والإرث . ( ابن عثيمين – الممتع(6/48).
· أموال المؤسسات الخيرية التي تكون للمشاريع الدعوية لا زكاة فيها وحكمها كحكم الوقف. فتاوى اللجنة (4460).
· ما أعد للاستعمال كالبيت ، السيارة ، الملابس ، فلا زكاة فيها والدليل قوله صلى الله عليه وسلم " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " رواه البخاري ( 1464) فتاوى اللجنة (9253).
· المال المغصوب أو الضائع , قال الإمام مالك : ليس فيه زكاة حتى يقبضه , فيزكيه لعام واحد . فتاوى ابن تيمية (25/18).
· ويجوز إعطاء طالب العلم من الزكاة . فتاوى اللجنة(10/17)وانظر فتاوى ابن عثيمين (ص440).
· ويجوز إعطاء من يريد الزواج من الزكاة إذا كان لا يملك ما يغنيه 0انظر الفتاوى لابن عثيمين (ص440).
· ولا يجوز إعطاء الكافر من الزكاة ولا صدقة الفطر, لأنه ليس من أهلها ونقل بعضهم الإجماع على ذلك ( انظر منار السبيل 1/185) ، ولكن يجوز إعطاء الفقير الكافر من الصدقات المستحبة ,( انظر أحكام أهل الذمة 2/419). وفتاوى اللجنة (10/29).
· لا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد أو المستشفيات أو المؤسسات الخيرية . انظر فتاوى اللجنة(10/41) وفتاوى ابن عثيمين ( ص 431).
· تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون على الصحيح (فتاوى ابن عثيمين (ص 423).
· يجوز إعطاء المستحق الزكاة عن طريق شيك . انظر فتاوى الفوزان (3118).
· الذي هوايته جمع الفلوس من مختلف العملات يجب عليه أن يؤدي زكاتها إذا بلغت النصاب . قاله ابن باز ( كتاب الدعوة 1/102).

(117/5)


· بعض الناس يكون عندهم صندوق تعاوني يجمعون فيه المال بقصد إعانة من يحتاج للمال , فهذا لا زكاة فيه . قاله ابن باز( كتاب الدعوة 1/108).
· إذا مات صاحب المال قبل تمام الحول فلا زكاة عليه , فلا تخرج من تركته , أما إذا مات بعد تمام الحول فتخرج من تركته .( فتاوى الزكاة لابن عثيمين ص 17 - 46).
· إذا كان للزوجة مهر مؤخر على زوجها فيجب عليها أن تزكيه كل عام لأنه كالدين هذا إذا كان زوجها غنيا أما إن كان فقيرا فلا زكاة فيه كما سبق في مسألة زكاة الدين . ( الفتاوى لابن عثيمين ص 30)
هذا ما تيسر جمعه من المسائل المتعلقة بالزكاة , وقد حرصت على عزو كل مسألة إلى مرجعها ليطمئن القارئ إلى صحة المسألة , وقد تكون بعض المسائل التي يريدها القارئ لم يجدها هنا , فليرجع إلى كتب الفقه وليسأل أهل العلم الراسخين .
وأسأل لي ولك التوفيق والصواب في الأقوال والأعمال .
........
محبكم في الله : أبو جهاد سلطان العمري
http://www.deen.ws

(117/6)


ألف باء في مواجهة الأعداء
د. علي بن عمر بادحدح
المحتويات :
• المقدمة .
• الجانب الأول: الجانب الفكري .
• الجانب الثاني: الجانب العملي .
• الجانب الثالث : الجانب العملي .
• الجانب الرابع : جانب إصلاح المجتمعات .
• الجانب الخامس : مواجهة الأعداء مباشرة .
ألف باء في مواجهة الأعداء
المقدمة :
فهذا لقاء نصل به دروس سابقة يحيط بالأمة من مخاطر عظيمة ، ومن بلايا ورزايا في ميادين شتى ومن جهات مختلفة ، وقد كانت الأحداث القريبة موضع اهتمام وتفاعل وتعلق ، ثم عندما انقضى من هذه الأحداث ما هو مباشر في العدوان رأينا أن كثيرا من الناس ربما انصرف عن مثل هذه القضية فكرهم ، ولم يعد لنفوسهم تأثر أو تعلق ، وربما مضوا إلى حياتهم كأن لم يكن شيئا ، ومن هنا نجد أنه من الواجب ألا يكون مثل هذا هو الغالب على أحوالنا .. ردود أفعال مؤقتة وانفعالات نفسية عارضة ، وحيرة وتردد ، وهدوء ورجوع بعد كل حدث ، وبعد كل قضية ، وهذه خواطر وبعض الخطوات العملية التي لابد أن نأخذ بها ، ولعلي قبل الشروع في ذكرها أود أن أبين مدى وحدود هذه الخطوات التي نتحدث عنها وفائدتها ، فأقول مستعينا بالله جل وعلا:
أولا: ما أتحدث به يخصنا نحن فهو يتعلق بي وبك وبهذا وذاك ، بعيدا عن الدوائر التي لا نملك الآن أن يكون لنا التغيير الفاعل فيها ، وبعيدا عن الجهات التي عليها مسئوليتها وعليها واجباتها ، وليس من مهمتنا أن نوزع التهم ، وأن نصف التقصير هنا وهناك ، ثم لا ننظر إلى أنفسنا ، ولا نعرف تقصيرنا ، نحن ندرك أن هناك خلل وقصور عند الحكام والأمراء ، وأن هناك ضعفا وقلة في أداء المهمات كما ينبغي عند الدعاة والعلماء ، ولكن بدلا من أن نقول هؤلاء قصروا ، وهؤلاء فرطوا ، ثم نقعد بدون عمل إما بإحباط ويأس ، وإما بعدم مبالاة واكتراث ، ومما لعدم استشعار للمسؤولية ومعرفة للدور ، فمن هنا لابد أن يكون هناك مصارحة ومناصحة واضحة تخصنا مباشرة ، وتتوجه إلينا بعيدا عما قد نتعلل بأننا لا نستطيعه أو لا نحسنه .
الأمر الثاني: التنبيه على أن الانتفاع بالأحداث ، والاستفادة من المصائب والمشكلات ، لا ينبغي أن يكون مؤقتا غير دائم ، فلا ينبغي أن يكون ظاهريا غير راجع إلى الأصول والثوابت والمرتكزات والمنطلقات .
والأمر الثالث: هو أن كثيرا من الناس ربما ينظر إلى الأمور الكبيرة ، ويرى أنه لا قبل له بها ولا يوجه إلى أمور يستطيع أن يأخذ بها وأن يعملها فلعلنا بهذا الحديث أن نسد مثل هذه الثغرة بعون الله سبحانه وتعالى .
النقطة الرابعة: ألف باء وألف باء كما تعرفون هي حروف الهجاء والمقصود أننا نريد أن نبتدئ بالأصول بالأشياء والقواعد والأركان الأساسية حتى لا يقول قائل: عندما نتحدث الآن لم نتحدث في هذا ونحن نعرفه؟ فأقول إن كنا نعرفه فهل نحن قائمون به؟ وهل نحن مداومون عليه؟ وهل نحن متواصون فيما بيننا بالحفاظ عليه؟ كثيرة هي الثغرات وأوجه القصور التي نقوم بها ونقع فيها ليس تجاه أمور من النوافل أو التطوعات أو الزيادات ، بل كثيرا ما تكون في الفرائض والأركان والواجبات ، ونشرع بعون الله - سبحانه وتعالى - مستعينين به ، سائلينه التوفيق والسداد في ذكر بعض هذه الجوانب وما ينبغي الأخذ به فيها.
الجانب الأول: الجانب الفكري
ونحن نعني بذلك جانب التصور والاعتقاد والمعرفة للحقائق والمبادئ ، وصورة ما يحيط بنا في هذه الحياة كيف نزن الأمور كيف نقوم الأشخاص كيف نتخذ المواقف كيف تتضح لنا الرؤية كيف نعرف أن نأخذ بما هو واجب ولازم ونافع ومفيد في مواجهة ما يحل بنا من الخطوب والأحدث فنقول : لابد لنا من أمور كثيرة منها :
أ- وضوح الرؤية وقوة العصمة
ونعني بذلك أن نكون على بصيرة من ديننا ، وبينة من أمرنا ، وقوة في اعتقادنا ، ورسوخ في يقيننا .. ليس عندنا شك من أمرنا .. ليس عندنا حيرة في ثوابتنا .. ليس عندنا تذبذب في أصولنا ، ووراء ذلك كله أننا حينئذ نعرف كل ما يحيط بنا وكيف نتعامل معه ولعلنا لا نريد أن نطيل فالنقاط كثيرة حسبنا في كل واحدة إيضاحها ، وذكر بعض الشواهد والأدلة عليها ، يقول الحق - سبحانه وتعالى - في بيان شاف وفي آيات متوالية توضح لنا هذه الحقيقة ، يقول سبحانه وتعالى : { قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين * ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } ، [ يونس:104،105،106] . ثم يأتي النداء من بعد :

(118/1)


{ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل * واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } [ يونس:108،109 ].
وهذه الآيات العظيمة فيها بيان هذه الحقيقة المهمة:
{ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني } [ يونس: من الآية104 ].
إن شكك الناس في ثوابتنا وعقائدنا وتصوراتنا .. إن كان عند بعضهم حيرة .. إن كان غير المسلمين يعارضونها ويخالفونها .. إن كانت الأمم والمجتمعات لا تعرفها ولا تدري ماهيتها ولا تعتقد بصحتها ..كل ذلك لا يعنينا :{ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين } [ يونس:104].
وتثبيت وزيادة توضيح:
{ وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين } [ يونس:105].
ثم زيادة في هذا التثبيت والتوضيح:
{ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } [ يونس: من الآية106].
أي في كل الأحوال ، والاضطرابات ، والمخالفات ، والمعارضات ، ما تزال على نهجك القويم ، وتصورك الصحيح ، واعتقادك السليم ، ويقينك الجازم دون أدنى شيء من هذا التردد .
ومن هنا يأتي هذا الوضوح ليكون هو الفيصل الفارق بين المؤمن المعتقد اعتقاد الحق وبين غيره:
{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [ الأنفال: من الآية42 ].
وتكون الرؤية واضحة لنا بأن العاقبة للمتقين ، وأن الدائرة على الكافرين ولو بعد حين لا يتغير ذلك ، ولا يتبدل بما تتغير به الأحوال والظروف المحيطة ، بل نوقن بهذا يقينا جازما :
{ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } [ الأنعام:57 ] .
فلئن أصيبت الأمة في مرحلة من الزمان بنكبات وهزائم ، فلا يعني ذلك أن هذا نهاية المطاف ، بل نوقن من خلال هذه الرؤية الواضحة ، والقوة الإيمانية الحازمة ، أنها إنما هي مراحل وابتلاءات ، وأن وراءها بعد ذلك ما يحقق الله به وعده ، وينجز لعباده نصره إذا هم أخذوا بالمهم من إتباع الأوامر واجتناب النواهي ، وتغيير الأحوال على وفق مراد الله ، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك ليست هناك جولة واحدة ، ولا ميدان واحد إذا كسرنا فيه أو هزمنا فيه فقد انتهى الأمر ، كما رأينا من أحوال بعض الناس ، وما في نفوسهم من إحباط ويأس ، أو في ما لهم من انشغال وانصراف عن مهمات الأمور وعن الانشغال بأحوال المسلمين .
ومن هنا نعبر دائما بهذا المعنى ، ونقول مع القائل في تعبيره عن استمرارية هذه المواجهات ، وأنها ليست في مرحلة ولا في ميدان واحد:
قطفوا الزهرة قالت **** من ورائي برعم سوف يثور
قطفوا البرعم قالت **** غيره ينبني في رحم الجذور
قلعوا الجذر من التربة قالت **** إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور
كامن ثأري بأعماق الثرى **** وغدا سوف يرى كل الورى
كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور **** تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور.
أي أنه لابد من اليقين بمواصلة المواجهة بين الحق والباطل ، وأنه لابد أن تكون النفوس مهيأة لذلك ، وعالمة به من خلال وضح رؤيتها وفق نهجها واعتقادها :
إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا **** فالريش قد يسقط من أجنحة النسور
والعطش الطويل لا يخيفنا **** فالماء يبقى دائما بباطن الصخور
هزمتم الجيوش إلا أنكم لم تهزموا الشعوب ... قطعتم الأشجار من رؤوسها وظلت الجذور.
تظل الجذور إذا بقيت العقائد والمبادئ والتصورات ، ومن هنا لابد لنا من إحياء هذه المعاني والتواصي بها .
ثانيا: معرفة الخلل وطريق العمل
أساس فكري لابد من توضيحه .. كثيرة هي الأسئلة التي دارت بخواطر الناس ما الذي يجري بنا ؟ ولماذا حل بنا ما حل بنا ؟ وما هي الأسباب ونحن أمة الإسلام ؟ ولم حل ذلك ونحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ؟
لابد أن نوقن بمعرفة هذه الأمور من خلال وفي ضوء كواشف آيات القرآن ، وتوضيحات سنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .. { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } [ الروم:41] .

(118/2)


هذا تحليل ووصف وتعليل قرآني لابد من التسليم به ، ومعرفة أن ما جرى وما يجري إنما هو من أثر فساد الناس ، وكثرة الذنوب ، ولما وقع ما وقع في يوم أحد ، وكان ثقيلا على النفوس ، شديدا على القلوب ، وفي الناس النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيهم الصفوة المختارة من أصحابه ، فقالوا مقالتهم كما جاء في قوله عز وجل:
{ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [ آل عمران: من الآية165 ] .
لو أننا أخذنا هذا المبدأ بكل قوة ووضوح ، وبكل صراحة ومواجهة لكان لنا من إصلاح أحوالنا أثر كبير ، وتغيير ظاهر ، ولذلك يكفينا على سبيل المثال أن نذكر بعض أقوال علمائنا في بيان الآثار المتولدة عن بعض الذنوب والمعاصي من بعض الأفراد ، فكيف إذا تعاظم ذلك وكثر ، وعم وساد وانتشر وفشا في الأمة إلا من رحم الله .
من كلام ابن القيم في آثار المعاصي والذنوب قال : قلة التوفيق ، وفساد الرأي ، وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر ، وإضاعة الحق ، ونفرة الخلق ، والوحشة بين العبد وبين ربه ، ومنع إجابة الدعاء ، وقسوة القلب ، ومحق البركة في الرزق والعمر ، وحرمان العلم ، ولباس الذل ، وإهانة العدو وضيق الصدر والابتلاء وطول الهم والغم بقرناء السوء وضنك المعيشة وكسف البال ، كل ذلك يقول : " وهذا تتولد عن المعصية والغفلة من ذكر الله كما يتولد الزرع من الماء " .
فإذا كان هذا في هذا الباب فكيف بنا لا نلتفت إلى ما نحن فيه من غفلة عظيمة ، ومن معاص كثيرة ، والله جل وعلا قال : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [ الرعد: من الآية11 ] .
لو رجعنا إلى أسلافنا لرأينا كيف كان الشعور عندهم بأثر المعاصي في دقيق الأمور وجليلها ، كما روى ابن مسعود يروى مرفوعا ويروى موقوفا: { إن العبد ليحرم العلم بالذنب يصيبه } ، كانوا يقيسون كل شيء يحصل من الخلل فيرجعونه إلى خللهم فيما نسوا من أمر الله أو فيما اجترءوا عليه من حدود الله وكان من مقالات السلف: إن أحدنا ليجد أثر الذنب في خلق زوجته ودابته، ورأينا ونعلم كثيرا من تعليلهم ، وتحليلهم لأسباب ما يحل بهم بأثر ذنوبهم ، وذلك أمر مهم بين .
الجانب الثاني: الجانب العملي
وكما أشرت في مقدمة الحديث ، نحن نتحدث في ألف باء في الأصول والأسس ؛ لأن هذه الأصول والأسس قد اعتراها الضعف ، وجرى فيها النقص ، وكثرت وعظمت فيها الغفلة ، فحن في حاجة إلى مراجعتها ، ونقول في الجانب العملي والمقصود به توجيهات وتذكير بأعمال لابد من الأخذ بها.
وأولها: كثرة الطاعات
ونحن نعلم أن استنزال النصر إنما يكون بحسن الصلة بالله والتقرب إليه ، وإعلان البراء من معاصيه ومخالفة أمره سبحانه وتعالى وهذا أمر مهم ومن هنا نبدأ بهذه الأصول ونذكر المهم والأساسي مما نحتاج إليه فنقول بنداء نوجه إلى أنفسنا جميعا: حافظوا على أداء الصلوات وعلى وجه الخصوص فرائض الصلوات:
{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } [ البقرة:238].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله ) رواه مسلم.
ونعرف هذا ولكنني أقول: هل كل الناس يؤدي هذا ؟ ألسنا نعرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن من آخر ما يحل من عرى هذا الدين الصلاة؟ ألسنا نعرف أن من شبابنا ومن شيبنا من يترك الصلاة فلا يؤديها مطلقا؟ أو يؤخرها ويجمعها أو لا يلتفت إليها ويجعلها آخر موضع في اهتماماته ؟ وأولئك منا وفينا ومن بيننا ثم لا ننظر إلى أثر ذلك ولا نلتفت إلى أن به وبحصوله يقع كثير مما يجري به قدر الله - عز وجل - من البلاء والفتنة نسأل الله عز وجل السلامة .
ونقول من بعد: احرص على شهود الجماعات تلك المساجد التي تشكو إلى الله قلة المصلين في كثير من الأوقات والأحوال ، بل وفي كثير من البلاد ما هو أعظم وأكثر مما في بيئتنا ومجتمعاتنا:
{ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } [ إبراهيم: من الآية31 ].
{ وأقيموا الصلاة } [البقرة: من الآية43].
{ ويقيمون الصلاة } [البقرة: من الآية3].
{ والمقيمي الصلاة } [الحج: من الآية35].

(118/3)


كله خطاب فيه صيغة الجمع ، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديث الذي تعرفونه في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد ، وحديث ابن مسعود من بعد هو الذي نلفت أنظار الجميع إليه في حديثه عند مسلم أنه قال - رضي الله عنه وأرضاه -: " من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن ؛ فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم " . وقال رضي الله عنه : " ولقد رأيتنا - يعني صحابة النبي صلى الله عليه وسلم - وما يتخلف عنها - أي الجماعة - إلا رجل معلوم النفاق " .
لو طبقنا هذه القاعدة التي كانت سارية المفعول عند الصحابة ،كم منا في مجتمعاتنا سيصدق عليه وصف النفاق ؟ كم هم المتخلفون عن الصلوات في الجماعات ؟ والسادرون في الغي واللهو والشهوات ؟ كم هم الذين لم يلتفت نظرهم إلى حديث أبي هريرة عند البخاري في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة في الجماعة فآمر برجل فيؤم الناس ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ) .
وهذه أمور موجودة لا نحتاج إلى إفاضة القول فيها ، ولئن خصصنا ؛ فإننا نخصص الفجر ، تلك الفريضة التي رحم الله من يؤديها اليوم تصبح الشهادة له بأنه أعظم الناس إيمانا ، وأكثرهم صلاحا ، وأجلهم فضلا ، وأعظمهم مرتبة ، كأنما صار الحفاظ عليها - وهي من الفرائض التي لابد لكل مسلم أن يحافظ عليها - كأنما هو فرقان بين إيمان وكفر ، أو بين إسلام والتزام وبين تفريط وتضييع .. { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } [ الإسراء:78 ] . أي تشهده الملائكة .
وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون عند صلاة الفجر والعصر وترفع الملائكة شهادتها لمن يشهدون الصلاة ) ، فكم من مسلم لا يحظى بتلك الشهادة ؟ ولا يكتب في تلك الصحائف ولا يدرج اسمه في تلك التقارير المرفوعة إلى علام الغيوب سبحانه وتعالى ؟ ثم من بعد نقول ما الذي جرى ؟ وما الذي حصل ؟ وهذا أمر - كما قلت - أيضا فيه كثير من الأمور المعلومة ، ونقول في كثرة الطاعات زد من الصيام والتقرب إلى الله عز وجل لذلك ؛ فإنه ضرب من العبادة ولون من التربية والتزكية ، وسبيل من أسباب القوة والإرادة والعزيمة فضلا عن قوة الطاعة والاستجابة ومغالبة النفس وأهوائها ، ونحن نعلم فضائل الصيام وآثاره وما ينبني عليه من أثر في أجر الدنيا وفي ثواب الآخرة ، والأمر في هذا - كما قلنا - واضح جلي ، ونقول من بعد أكثر من الإنفاق في سبيل الله عز وجل ؛ فإن ذلك من نصر الدين ، وإنه من تقوية المسلمين ، وإنه من مواجهة المعتدين ، وإذا كنا عاجزين أن تسخو نفوسنا بالإنفاق في سبيل الله ، ونصرة دين الله ، فكيف نظن أو نزعم أنه يمكن أن نجود بأنفسنا ، ونحن نعلم أن الجهاد الأعظم بالنفس لابد أن تكون النفوس مهيأة له بكثير وكثير من الأسباب والأحوال ، فمن لم يستطع مجاهدة نفسه بالقيام بالطاعات وأداء الفرائض ، ومن لم يغالب نفسه في شهوتها في هذا المال وتعلقها به كيف يكون قويا بذلك ؟ ونحن نعرف الآيات الكثيرة التي تقرن جهاد النفس بالمال ، بل وتقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، وفي سنن أبي داوود عن النبي صلى الله عليه وسلم : (جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم ) وكذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا في غير ما موقف ، والله - سبحانه وتعالى – يقول : { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمد: من الآية38 ] .
وفي حديث لأبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع ) ، وهي سمات نعرف أننا مقصرون ومفرطون فيها . إذا دعينا في الملمات ، وعند حصول الكوارث ، وعند نزول البلايا تحركنا وأنفقنا شيئا من أثر العاطفة المتأججة المؤقتة العارضة ، ثم من بعد تركنا الأمور إلى ما نحن فيه ، ونحن نقول : خاطبوا أنفسكم وحاسبوها اليوم .. كم من المال ننفق باستمرار ودوام ؟ فإن مواجهتنا مع الأعداء ليست عارضة ولا عابرة ، وإنما قد ننفقه في مقابل ما ينفقونه للأسف الشديد مقارنته محزنة ومؤسفة .

(118/4)


إذا جئنا إلى التنصير الذي يسمونه التبشير ؛ فإننا نعلم من الإحصاءات الموثقة أن هناك نحوا من أربعة آلاف وستمائة قناة وإذاعة للقيام بنشر هذه النصرانية ، وتبث بلغات أكثر من أن تحصر وأن تحصى ،ويطبع من الإنجيل رغم ما فيه من التحريف الذي نوقن به ونعتقده لا أقول الملايين ولا عشرات الملايين بل مئات وآلاف الملايين وقد طبع بأكثر من ستمائة لهجة ولغة وأما ما ينفق في كل عام فكثير نحن نوقن بقول الله عز وجل:
{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } [الأنفال: من الآية36 ].
لكن كيف نواجه أعداءنا ونحن لا ننفق مثلهم ، ونبخل أكثر مما قد ينفقون ؟ وهذا صورة من صور ضعفنا ، وصورة من أسباب هزيمتنا ، ومن أسباب بلائنا ؛ لأننا لا نصنع كما صنع الصحب الأوائل - رضوان الله عليهم - وكما مر في تاريخنا ، لم تكن هناك ملمة بل وفي غير الملمات كان الإنفاق أمرا فوق الزكاة وفوق الواجب صدقة لا تنقطع دائما وأبدا ، حتى عند من لم يجد كان يسعى إلى أن يجد ما يتصدق به كما ورد في الصحيح عن بعض الصحابة من الفقراء : كان أحدنا لا يجد ما يتصدق به وهو معذور بذلك لكنه ماذا يصنع ؟ قال: فكان أحدنا يتحمل الحمالة لا يريد بها إلا أن يجد ما ينفق في سبيل الله - أي حتى لا يحرم من الأجر والثواب - وكانوا يتسابقون لأنهم يعلمون أن ذلك من أسباب القوة والمواجهة في دين الله سبحانه وتعالى ولأعدائه سبحانه وتعالى .
ثانيها : الاستدامة في الدعوات
فنحن سمعنا الدعاء يتكرر في المحاريب عند وقوع الكارثة وعند حلول المصيبة ، ثم الآن كأنما الألسن قد عجمت عن الدعاء ، وكأنه لا يكون الدعاء إلا إذا كان في الصلاة ، وإذا كان في القنوت ، وإذا كان وراء الإمام هل نحن ندعو الآن بمثل ما كنا ندعو أو بما ينبغي أن ندعو به من نصر الإسلام والمسلمين ، ومن تثبيت إخواننا المسلمين ، وهل انتهت قضية المسلمين في العراق ؟ وهل انتهت من قبل قضيتهم في أفغانستان ؟ وهل انتهت من قبل أكثر من نصف قرن في فلسطين وفي كشمير ؟ وهل توقفت المواجهات في الشيشان ؟ وهل .. وهل ؟ نحن كأنما نشتغل بهذه الأمور المواجهة والمباشرة ؛ فإن جاءت تحركنا بقدرها واستيقظنا بحسبها ، ثم عدنا إلى نومنا وغفلتنا وإعراضنا عن تعليق قلوبنا بربنا ، ورفع أكفنا إليه ، ودوام استمدادنا منه ، وعظمة تضرعنا وذلنا وخضوعنا بين يديه سبحانه وتعالى ، ولاشك أننا نعلم ونوقن أن السلاح البتار الفتاك عند أهل الإيمان والاعتقاد الجازم هو الدعاء الخالص لله سبحانه وتعالى ، ولا ينبغي أن نغفل عن قوة هذا السلاح وأثره ، ولقد كان يوم كان الناس أهل إيمان وأهل صدق وحسن صلة بالله كان سلاحا يظهر أثره مباشرة ، وكلنا يعلم أن سعدا كان مجاب الدعوة ، وجاء رجل وتكلم بين يديه في طلحة والزبير فنهاه فلم ينته فدعا عليه ، قال الراوي : فجاء جمل كأنما يشم الناس حتى عمد إلى هذا الرجل فبطش به وقتله بدعوة سعد رضي الله عنه .
وسعيد بن زيد - وهو من العشرة المبشرين بالجنة - جاءت امرأة وادعت زورا وبهتانا أنه أخذ شيئا من أرضها فلما ووجه بذلك قال : كيف تقول هذا وأنا أعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (من اقتطع قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة ) ، ثم دعا وقال : " اللهم إن كانت كاذبة - وهي تعلم أنها كاذبة - فاعم بصرها واقتلها في دارها " ، ووقع الأمر كما كان وكما دعا رضي الله عنه وأرضاه .
وكانت في قصص المواجهات والقتال أيضا أحوال وسير عظيمة منها :
دعاء البراء بن عازب الذي قال له الصحابة في يوم اليمامة بعد أن اشتد وطال الحصار الذي ضربوه على مسيلمة وأصحابه ، قالوا: أنت من قال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ) فادع الله لنا ، فدعا وقال: " اللهم امنحنا أكتافهم وانصرنا عليهم الغداة " فما انتهى اليوم إلا بنصر عظيم للإسلام وأهله ، والأمر في هذا كذلك معلوم وتعرفون أحواله وكثير من قصصه .
الجانب الثالث : الجانب العملي
أصلحوا أنفسكم وربوا أبناءكم وادعوا مجتمعاتكم ، وفي كل واحدة من الثلاث ثلاث نقاط نذكرها بإيجاز حتى نوجه الأمر إلى أنفسنا ونبدأ بالأخذ بهذه الخطوات العملية ؛ فإنها مقدمة لما بعدها ، ومن كان فيها عاجزا فهو عن سواها أعجز ميدان النفس لابد أن يكون فيه هذه العناية بالإصلاح ، وهو أمر مهم وأساس متين وبداية أساسية .
أ - إصلاح النفس من الجهل إلى العلم

(118/5)


أمة الإسلام اليوم كثير من أبنائها لا يعرف دينه .. لا يقرأ قرآنه .. لا يطالع حديث وسنة وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل كثير من أبناء الإسلام اليوم يعرف عن سقطة الناس وسفلتهم أكثر مما يعرف من أحداث سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لا ينبغي أن نستعجب ونستغرب مما يحصل إذا رأينا كيف أصبحت النفوس ضعيفة من كثرة جهلها بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونحن نعرف - كما ذكر شيخ الإسلام - أن النفس بطبيعتها يغلبها الهوى ، وينبغي لكل أحد كما قال أن يعرف أن النفس جاهلة ظالمة ، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح ، وقال بعد ذلك كيف يكون العلاج لابد من علاج الجهل بالعلم النافع الذي يخرجها عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها عن وصف الظلم وفي قوله - عز وجل - على لسان موسى عليه السلام : { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [ البقرة: من الآية67 ] .
وكل الأنبياء استعاذوا من الجهل ، وأن ليس المقصود بالجهل مجرد عدم العلم بل هو عدم الالتزام والعمل بهذا العلم كما هو معلوم ، ولذا ننادي أنفسنا أن نعظم ونزيد ونواصل الصلة بكتاب الله مداومة على تلاوته ، وإحسانا لترتيله ، وتأملا وتدبرا في معانيه ، واجتهادا في الأخذ بأحكامه والتحلي بآدابه ، وحرصا على نشره وتعليمه والدعوة إليه ، وذلك فيه من الأثر والخير ما فيه .
ب - الانتقال من الغفلة إلى الذكر
فالنفوس غلب عليها الران والقلوب اشتدت فيها القسوة ، وأظلمت النفوس من كثرة ما تركت من الطاعات والواجبات ، ولابد في إصلاح النفس من هذا التذكر ؛ فإنه نجد في أحوالنا ما يدعو إلى لفت النظر ؛ فإن نفوسنا اليوم كأنما هي في نوم بلا يقظة وتسويف .. بلا حزم وابتلاء .. بلا اعتبار كأن القلوب قد عميت ، وكأن النفوس قد رتعت ، وكأننا في عقول سادرة ، وألسن لاغية ، وآذان للباطل مصغية ، فلا الآيات تتلى ، ولا الأحاديث تروى ، بل ربما تتلى وتروى ، ولكنها لا تجد آذانا صاغية ، ولا قلوبا واعية ، ولا أنفسا متقبلة ، ولذا لابد أن ننتبه ، كما قال ابن كثير - رحمه الله - في قوله عز وجل : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [الذريات:55] .
قال في بيان ذلك : " لا توضع الموعظة في غير أهلها أي ممن لا يعتبرون ويتذكرون بها " والله - سبحانه وتعالى - قد وصف وصفا ينبغي أن يكون الحذر منه يخلع قلب كل مسلم ، ويجعله ينتبه ويرتاع حتى لا يكون من أهل هذا الوصف .. { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } [الأعراف:179].
فهل يرضى أحدنا أن يكون كالأنعام ؟ وأن يكون وصفه كأن لا قلب ولا عين ولا أذن له ؛ لأنه لم يعتبر .. لأنه لم يتذكر .. لأنه مازال غافلا .. لأنه مازال في الغي سادرا .. لأنه مازال بالشهوات منشغلا .. لأنه مازال في الملذات منغمسا .. هذه صورة - للأسف الشديد - أنها تعمنا إلا من رحم الله ، وإذا تذكرنا تذكرنا بقدر الحادث الذي مر وبقدر النكبة التي حلت ، ثم عدنا من بعد ذلك إلى غفلتنا نستمر في نومنا وغينا ، دون أن نجعل من هذه الأحداث محطات تغيير ، وأسباب تحول حقيقي دائم نحو ما ينبغي أن تكون عليه أحوالنا ، وهذه مسألة مهمة لابد أن نعتبر بها ، ولقد كان أسلافنا من أصحاب القلوب الحية والنفوس ذات التأثر العظيم ، ولذلك نسمع من أقوالهم ونعرف من أحوالهم إذا قرأنا سيرهم ما يلفت نظرنا إلى هذا المعنى ، فذلك الذي يقول عندما رأى بعض الناس الخوف في وجهه ما لك ؟ قال: ذكرت ليلة صبحها يوم القيامة .
وكما قال قائلهم: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .
أديموا المحاسبة .. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، اعتبروا بالأحداث الجارية .. { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم } [الحديد: من الآية16].
هذه صفة قد ذم الله بها أولئك القوم من أهل الكتاب الذين انحرفوا عن نهجه - سبحانه وتعالى - فما بالنا نجعل ذلك في صفاتنا وخلالنا ، نسأل الله - عز وجل – السلامة .
ج - التحول من الكسل إلى العمل

(118/6)


كثيرون منا أخلدوا إلى الراحة ، وأصبحوا يستثقلون أدنى درجات الحركة والنشاط فيما هو من الفرائض والواجبات - كما قلنا - فضلا عما هو فوق ذلك من السعي في مصالح المسلمين ، والعمل على الإصلاح والتغيير ، والتنادي إلى البر والتعاون على البر والتقوى ، وهذا - وللأسف الشديد - نجده بينما نجد كدحا وجدا وسبقا وحثا في مجال حياتنا الدنيوية ، وكسبنا المادي ، وطلبنا للترقي المعنوي ، وغير ذلك مما نرى الناس يبذلون فيه عامة وقتهم ، ومعظم جهدهم ، وخالص فكرهم ، دون أن يكون له في ذلك في إسلامهم وإيمانهم وأحوال أمتهم مثل هذا الاعتناء والاعتبار ، والأخذ بالأسباب المهمة ، والله - عز وجل - عندما دعانا دعانا للعمل بجد وبعزم وبحزم ، وجعل العمل هو المناط :
{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } [ التوبة: من الآية105].
وعندما دعينا دعينا بصيغ عظيمة كما قال الله عز وجل :
{ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } [آل عمران: من الآية133].
{ سابقوا إلى مغفرة من ربكم } [الحديد: من الآية21].
{ فاستبقوا الخيرات } [ البقرة: من الآية148].
{ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } [المطففين: من الآية26].
{ لمثل هذا فليعمل العاملون } [الصافات:61].
هذه كلها صيغ تدلنا على أن الكسل والخمول لا موقع له ، ولا مكان له في صفة المسلم الحق ، فكيف إذا كان المسلم في زمن ضعفت فيه الأمة ، وذهبت هيبتها ، وضاعت قيمتها وتسلط عليها أعداؤها .. إن الكسل حينئذ يكون جريمة عظمى ، ويكون صورة من صور موات القلوب والنفوس ، نسأل الله - عز وجل – السلامة .
ونقول من بعد ذلك: في الجانب الثاني ربوا أبناءكم ، ونحن نعرف أن الخلل الواقع في شبابنا وشاباتنا ، إنما هو بتفريط الآباء والأمهات من هؤلاء الشباب ومن أولئك الشابات ؟ إنهم أبناء لهذا أو لتلك إنهم إخوان لأولئك وهؤلاء إنهم في آخر الأمر لهم من فرط في حقهم ، ولم يقم بأداء الواجب تجاههم ، وذلك نعرفه من قوله جل وعلا :
{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [التحريم: من الآية6].
ونعرف ذلك من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) هل قمت بواجبك ؟ هل أدبت أبناءك وربيتهم ؟ استمع لما ذكر بعض أهل التفسير في هذه الآية :
{ قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [التحريم: من الآية6].
قال مجاهد: " اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله " ، وقال قتادة : " تأمرهم بطاعة الله ، وتنهاهم عن معصية الله ، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه " ، وقال الضحاك: " حق على المسلم أن يعلم أهله وقرابته وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه " .
وذلك ما ينبغي أن نكون عليه ونقول في هذا في إيجاز شديد في وصايا ثلاثة :
الأولى: اقتربوا منهم وكونوا قدوة لهم
إن أعظم فساد الأبناء من فساد قدوات الآباء والأمهات ، كيف تريده أن يصلي الفجر وأنت لا تصليها إلا وقد أشرقت الشمس ؟ كيف تريده أن يكون من جيل القرآن وأنت لا تكاد تتلوا القرآن ، ولا تمس المصحف إلا من عام إلى عام ؟ كيف تريد الأم أن تكون ابنتها محجبة مصونة عفيفة وهي لا تكون كذلك ؟ كم في أحوالنا ما هو سبب في فساد أبنائنا ؟ أفليس ذلك جدير بنا أن نصدق مع الله ، وأن نتحمل الأمانة والمسؤولية التي جعلها الله في أعناقنا ؟
ثانيا: علموهم ورغبوهم في العمل الصالح
لابد من التعليم إن لم تكن أنت فارغا فهيأ له من يعلمه القرآن هيأ له من يذكره ويتلوا عليه ويسرد عليه السيرة .. اجعل لأبنائك من الاهتمام بتعلم الدين أعظم من الاهتمام الذي نراه من أحوال الناس في تعليم الأبناء اللغة الإنجليزية والفيزياء والرياضيات .. يأتون لهم بالمدرسة والمدرس ، وينفقون المال تلو المال ، ثم ما وراء ذلك ليس مهما وليس موضع اعتبار ، وليس موضع مسؤولية وهذه قضية خطيرة .
ثالثا: تابعوهم وقوموهم في المسير
لابد من مثل هذا أيضا حتى يكون هنالك التعاون والتكامل.
الجانب الرابع : جانب إصلاح المجتمعات
ليس في إسلامنا أنا والطوفان من بعدي ليس في إسلامنا فهم خاطئ ، قد حذر منه الصحابة الكرام منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه : أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية :
{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } [المائدة: من الآية105].

(118/7)


أراد أن يقول لا تفهموا الآية فهما خاطئا فتظنوا أن قيامكم بأمر أنفسكم - بمعنى أدائكم لفرائضكم - قد انتهيتم فلا تأمروا أحدا ، ولا تنهوا أحدا بل أردف هذه الآية بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ، ثم لتأطرنه على الحق أطرا ، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم ) ، ينبغي أن ندرك خطورة ترك إصلاح المجتمع إن المنكرات فاشية وظاهرة ، وكأن الألسن قد خرست ، والعيون قد عميت ، والأيدي قد شلت ، وهذه قضية خطيرة .. ما بال القلوب لا تتأثر ؟ ما بال الوجوه لا تتمعر ؟ ما بال الألسن لا تحذر وتنذر ؟ ما بالنا وقد أصبح في أحوالنا ما قد يكون بلغ مرتبة خطيرة بتحول المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟ أو ربما نجد صاحب المعروف يستتر بمعروفه ولا يكاد يرفع به رأسه وصاحب المنكر معلن به ومجاهر ، والناس يستحيون أن يقولوا له كلمة أو أن يذكروه بموعظة ، أو أن يبينوا خطأه وظلمه وفساده ، وهذه قضية خطيرة والله - سبحانه وتعالى - قد بين مغبتها وحذر منها ، ولابد أن ننتبه إلى العقوبات الناجمة عن ذلك كما قال جل وعلا :
{ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [الأنفال: من الآية25].
وفي قراءة: { لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة }.
وقال ابن تيمية : " القراءتان صحيحتان ومعناهما ليس فيه تعارض ، فالظالم المرتكب للمنكر وغير المرتكب غير ظالم من وجه ، ويمكن أن يكون ظالما إذا ترك الواجب في الإنكار على المنكر كما قال تعالى " .
ومنه منع إجابة الدعاء ، ومنه كثير من محق البركة ، ومنه كثير مما تقع به البلايا والرزايا ، ومن هنا نقول : لابد من التركيز على الجوانب المهمة التي نحتاج إليها في إصلاح مجتمعاتنا:
أولا: تغيير الفرقة إلى ألفة
أعظم بلايا أمتنا فرقة صفوفها ، وتباعد آرائها ، واختلافها في أمرها ، وما حل بنا من تمكن أراذل الناس وشراذمهم من اليهود عليهم لعائن الله إلا من هذه الفرقة والنزاع والشقاق التي تسلط بها علينا أعداؤنا ، وهذا ميدان جهاد عظيم ، قال السعدي رحمه الله : الجهاد المتعلق بالمسلمين بقيام الألفة واتفاق الكلمة مهم ، قال تعالى:
{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } [ آل عمران: من الآية103 ] .
وقال سبحانه وتعالى :
{ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } [الأنفال: من الآية: 62،63] .
ثم قال فإن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين ، واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية في جميع أفرادهم وشعوبهم ، وفي ربط الصداقات والمعاهدات بين حكوماتهم بكل وسيلة .
ومن أنفع الأمور: أن يتصدى لهذا جميع طبقات المسلمين من العلماء والأمراء والكبراء ، وجميع الأفراد ، وهذا أمره مهم .
والثاني من المجالات: تحويل الفساد إلى إصلاح
كل فساد ومنكر لابد أن نقول به وأن نذكر والقضية ليست في الأمور المشتبهة بل نحن نتحدث عن أمور صريحة واضحة أحكامها قاطعة يعلمها أكثر المسلمين من الدين بالضرورة : (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) .
نحن نريد أن نأمر بالحلال البين ، وننهى عن الحرام البين ، أفليس الربا حراما بينا ، هل يحتاج أحد فيه إلى فتوى لهيئة من كبار العلماء أو لمجمع فقهي ؟ أ لسنا نعرف الوعيد الشديد والذي لم يرد مثيل له ؟
{ فأذنوا بحرب من الله ورسوله}[البقرة: من الآية279].
وكما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الربا وأنه سبعين بابا وأدناه مثل أن يزني الرجل بأمه والعياذ بالله ، و أ ليس ما نراه من التبرج والسفور والاختلاط مما هو معلوم أيضا وأحكامه جلية واضحة دون أن يكون هناك هذا التوجه للتغيير والتذكير كما قال الله عز وجل :
{ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم } [هود: من الآية116].
قلة إن بقيت تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر يحفظ الله بها كثيرا من الخير ، ويديم بها كثيرا من المعروف ، وينقل بها الصلاح والخير جيلا بعد جيل بإذنه سبحانه وتعالى .
قال السعدي في هذه الآية: وفي هذا حث للأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس قائمون بدين الله ، يحيون به الموتى ، ويصبرون منهم على الأذى ، ويبصرونهم من العمى ، والله - سبحانه وتعالى - قد بين ذلك .
وأخيرا: تحويل الإعراض إلى إقبال

(118/8)


الإعراض عن الله وأوامره لابد أن نذكر بأن يتحول إلى هذا الإقبال على طاعة الله ، والقيام بفرائضه ، والأداء لواجباته ، والسعي إلى الاستكثار من هذه الخيرات ، والإقبال على الطاعات والتطوعات ، ولابد من تذكير ؛ فإن الحث يعين ، وإن التذكير يحصل به من الاعتبار ، والتعلق بالأجور والثواب المذكور في النصوص ما يعين على مثل هذا فكيف بنا ونحن نغفل عنه ؟
الجانب الخامس : مواجهة الأعداء مباشرة
ولعلنا نختم هذه الخطوات وهذه المسائل بمسألة مهمة ، وهي مواجهة الأعداء مباشرة
ولسنا نعني بذلك القتال والجهاد ؛ فإنه ماض إلى يوم القيامة ، وحكمه معروف ، وليس ذلك إعراضا عن أهميته ، أو عن أثره العظيم ، ولكننا نعلم أننا مقصرون فيما هو قبله ، فنذكر بذلك ونذكر به ، ونقول هاهنا جملة من الأمور والتوصيات المهمة التي لابد لنا منها :
أولا: العزة والدعوة عزة وهداية لا ذلة وغواية
نعني بذلك أن نحافظ في مواجهة أعدائنا على عزة نفوسنا ، وإن كسرنا أو هزمنا في ميدان مادي أو في بلد بعينه أو في زمن بعينه أو نحو ذلك ؛ فإن الإنسان المؤمن لا يهزم في عزته ، وفي قوة إيمانه ، وفي عزيمته الماضية ، كما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضوان الله عليهم - فيما جاء ووقع من بعد أحد .
وربعي بن عامر مثل حي قوي في هذا المعنى يوم دخل إلى أبهة الملك عند الفرس ، فلم يشغله ذلك ، ولم يبهره ذلك ، ولم يوقع في نفسه شيئا من الضعف أو الانبهار أو الاستعظام لأعدائه ، بل قال قولته الشهيرة عندما سئل: ما الذي جاء بكم؟ قال: " جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا الآخرة " .
لم يكن في ذلك الموقف إلا وهو يعلن هذا فيكون أولا قادرا على المواجهة والثبات ، وثانيا يغزو بذلك عقول القوم وقلوبهم ؛ فإن أولئك الأعداء الذين نعرفهم اليوم إنما هم في ضلال وضياع وحيرة وشك ، وكثير منهم على فساد وظلم وفجور وعهر وفسق ، وكثير من الشعوب التي وراء هذه القيادات الظالمة الجائرة المجرمة يحتاجون منا أن ندعو إلى الله عز وجل .. يحتاجون أولا أن نتمثل الإسلام ونعتز به ، والذي لا يعتز بدينه لا يعزونه ، والذي لا يحترم مبدأه لا يحترمونه ، ونحن نرى بعض المسلمين وقد أصبحت ذلة نفوسهم ، كأنما هم أقزام أمام أعدائهم ، وكأنما هم منبهرون بهم ، بل ربما بعضهم قد يعظمهم تعظيما يوحي لك أنه يرى أن الحق والخير والصواب والهدى ، إنما هو عندهم ، وهذه قضية خطيرة لابد من الالتفات لها ، ومعرفة أنها من أعظم الأسباب التي لابد من أخذها ، ولعلنا نقف وقفات من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة الصحابة لنعرف أهمية هذا الجانب:
في أعقاب أحد ، وبعد انجلاء غبار المعركة بقليل .. يوم جاء أبو سفيان منتشيا مفتخرا ، وهو يسأل: هل فيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ هل فيكم أبو بكر ؟ هل فيكم عمر ؟ فسكتوا عنه حتى أجاب عمر لكنه من بعد أراد أن يبين أن انتصاره العسكري أو المادي هو انتصار عقدي مبدأي أخلاقي حضاري ، فقال: اعل هبل ، فقال عليه الصلاة والسلام: (ألا تجيبونه؟ ) قالوا: ما نقول يا رسول الله ؟ قال: ( قولوا : الله أعلى وأجل ) ، ثم قال: العزى لنا ولا عزى لكم ، فجاء الجواب : ( الله مولانا ولا مولى لكم ) ثم جاء قول أبي سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال ، وجاء الجواب: لا سواء قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة ، نعم في ذلك الوقت كان المسلمون في كسرة وشبه هزيمة في تلك الجولة ، وكان منهم من قد استشهد ، وكانت الحيرة قد ضربت أطنابها في صفوفهم ، لكنه لا يمكن أن يمال ذلك من عزتهم ومن شموخهم بدينهم ، حتى يستطيعوا أن يقفوا ويثبتوا ، وأن يبينوا ويوضحوا ما يغير أفكار الآخرين ، ويبدل آراءهم ، ويلفت أنظارهم ؛ لأن الناس تلتفت : كيف هذا ضعيف وقد هزم ثم ما يزال مستعليا وما يزال مفتخرا ؟
إن هذا يلفت الأنظار ، ويجعل الآخرين يفكرون في أن هناك سرا ، وأن هذا الدين أو أن هؤلاء الناس عندهم مبدأ قوي أصيل ، ونحن نعرف أن هؤلاء يحتاجون إلى دعوة ، وبعض المسلمين يقيمون في بلاد الكفر ، وفي بلاد الأعداء هؤلاء من أمريكا وغيرها ، وتجد بعضهم وخاصة مع هذه الأحداث ربما أصبح يتوارى بدينه ، ويريد ألا يظهر إسلامه ، وليس هذا من باب المداراة المطلوبة في كثير من الأحوال التي لها صور شرعية ، بل بعضهم قد بلغ به الأمر مبلغا أخطر من ذلك .

(118/9)


نذكر فيه بما وقع للصحابة - رضوان الله عليهم - عندما هاجروا إلى الحبشة ، وكانوا غرباء بعداء ، وجاء عمرو بن العاص ومن معه يريدون أن يؤلبوا النجاشي عليهم ، فجاء بهم النجاشي يسمع منهم ، فأي شيء قالوا ؟ هل قالوا: نحن قلة قليلة .. دعونا نعطيهم من القول ما يريدون .. غيروا وكونوا دبلوماسيين ، وأعطوا صورة تنم عن الحضارة واعترفوا كما يقولون بالرأي الآخر أم ماذا قال جعفر رضي الله عنه ؟ لقد قالها كلمات فيها العزة ، وفيها الدعوة والهداية ، فكان من قوله رضي الله عنه : " كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا لنعبد الله وحده سبحانه وتعالى " ، ثم قال : " وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم ، ونهانا عن الفواحش .. " إلى آخر ما قال ، ثم جاء عمرو بن العاص - الداهية المحنك - في اليوم التالي قال : لآتينهم بما يبيد خضراء هم ، فجاء إلى النجاشي وقال: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما - عيسى عندهم وقد دخل التحريف إلى ديانتهم أنه الله أو ابن الله وعند المسلمين غير ذلك - فجيء بهم ليقولوا ماذا عندهم في هذا؟ وهي قضية فاصلة: إن قالوا ما يخالف قد يكون وراء ذلك مهالك ، فأي شيء قالوا عندما سئل جعفر عن ذلك ؟ قال: نقول فيه ما قاله نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه ، فقال النجاشي: ما عدا ما قلت عودي هذا ، حتى نخرت البطارقة لموافقة النجاشي ، قال: وإن نخرتم ، وإن نخرتم .
انظروا إلى هذا الموقف كيف كانت فيه العزة ؟ وكيف كان فيه نشر أنوار الهداية والدعوة ؟ ولو أن المسلمين اعتزوا بإسلامهم لكان أعظم مواجهة لأعدائهم .
الثاني: معرفة وحذر لا جهل وخدر
لا يزال بعض الناس اليوم يصدقون مقالات الأعداء ، ويروجونها بيننا بألسنة تنطق بلغتنا ، ونحن نعرف أن كثيرا من المسلمين أيضا ليس عندهم من الوعي والإدراك ما يبين حقيقة وخطورة الأعداء ، وبعضهم يظن أن العداء إنما هو في هذه الصورة فحسب ، أو أنه في هذا الميدان وحده أو أنه في تلك البلاد وحدها ، ولا يعرف الحقائق القرآنية ، والكواشف النبوية التي تبين هذه الصورة الحقيقية للأعداء : { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون } [الممتحنة: 2].
{ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون } [ التوبة:10].
والآيات في هذا كثيرة كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - بها ، وكما بينها - جل وعلا - في مواقف كثيرة ، مما جاء سرده ووصفه في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وبين الحق - عز وجل - كل الصور التي تختلف من قول اللسان ، وإضمار القلب ، وخاصة كشف أهل النفاق الذين يرددون مقالات الأعداء ، ويجوسون في صفوف الأمة بما يريدونه منها ، وما يسعون إلى النيل منها بواسطة هؤلاء ، والله - عز وجل - قد بين كيف يكون لأولئك من أثر سلبي ، فبين الحق - سبحانه وتعالى - في شأن ووصف المنافقين ما هو ظاهر في قوله :
{ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } [آل عمران: من الآية118] .
وما بينه سبحانه وتعالى :
{ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم } [المنافقون: من الآية4].
والله - سبحانه وتعالى - بين في آخر هذه الآيات حتى ندرك الوقت قبل الصلاة قال:
{ هم العدو فاحذرهم } [ المنافقون: من الآية4].
والحذر واجب ، والانتباه والالتفات إلى هذه الحقيقة مهما ولابد لنا منها ؛ حتى ندرك هذه المخاطر ، وقال القرطبي رحمه الله : في هذا الحذر وجهان : أحدهما احذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم ، والثاني : فاحذرهم مما يقومون لأعدائك ، وتخذيلهم لأصحابك ، وهذه قضية مهمة .
وأخيرا: إعداد ومواجهة لا إخلال ومداهنة
الله عز وجل يقول:
{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } (لأنفال: من الآية60).

(118/10)


والإعداد شامل لكل أنواع الإعداد من إعداد النفوس والأجسام ، وإعداد العدة والعتاد ، وإعداد الأمة توحيدا لصفوفها ، وجمعا لكلمتها ، وإصلاحا لأحوالها ، والله - سبحانه وتعالى - قد بين لنا ما ينبغي أن نكون عليه ؛ حتى لا نكون مداهنين لأعدائنا ، خوفا منهم ، أو رغبة فيما عندهم ، والناظر اليوم يرى أحوالا عجيبة ، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو المجتمعات والدول ؛ فإن بعضا منها تعلن أنها لا تعد ، وأنها لا تواجه ، بل إنها تسعى إلى مداهنة ومجاملة ، وإلى شيء مما تظن أنها ترضي بها أولئك الأعداء ، ولم تفقه بعد رغم كل ما جرى ، ويجري أنه لا يرضي أولئك إلا انسلاخ تام من الدين ، وانقطاع كامل عن الأمة ، وانبتات تام عن تاريخها.
إنهم يريدون أن يهيمنوا ويسيطروا بكل ما تعنيه هذه الكلمة في كل ما تشمله الهيمنة في اقتصاد أو سياسة أو غير ذلك ، ونحن نقول لابد للأمة أن تأخذ بأسباب هذا الإعداد ، وربما يقول الناس إنها كلمة مطلقة ، ونحن نقول : نعم إنها واسعة المدى ما الذي فعلته فيما تملكه بيدك ؟ لم تكون أنت مستقبلا للأضرار والمفاسد والمخاطر التي يقدمونها لنا ؟ لماذا ينتجون الأفلام المفسدة الفاسدة ونحن نشتريها بأموالنا ؟ ونشاهدها ونعرضها على أبنائنا وفي قنواتنا ؟ أ ليس بإمكاننا أن نقطع هذا ونمنعه ؟ لماذا يصنعون ونشتري دون أن نجتهد في أن نصنع وأن نكتفي بذواتنا ؟
إن هذه القضايا الأولية مبدئية من جهة ، وهي بداية لمثل هذا الإعداد ، إن كان أحدنا لا يريد أن يتخلى عن نوع بعينة من شراب أو طعام دون أن يستشعر أن هذا يعود ماله لأولئك اليهود ، أو لأولئك الصهاينة ، أو لأولئك الصليبين ، أو غير ذلك ، ثم يقول من بعد ذلك إنه يريد أن يكون مواجها لأعداء الله ، ونحن نقول لابد للأمة أن تأخذ بكل الأسباب في الاكتفاء الاقتصادي ، والاستقلال السياسي .
ومما يعين على هذا : التكامل فيما بين الأمة عموما ، وحتى نحن نستطيع أن نحقق تكاملا جزئيا فيما بيننا.
ولا شك – أيضا - أن من هذه الصور في الإعداد: ترك الترف والسرف واللهو والعبث ؛ لأن هذا ليس من الإعداد ، إن الأمة اليوم ينبغي أن تكون أمة جد واجتهاد ، وأمة حزم وعزم ، وأمة قوة وشدة لا مجال للرخاء والارتخاء .. لا مجال لكثرة الملهيات والمغريات ، مازلنا إلى اليوم وقد عادت ، كل وسائل الإعلام إلى ما كانت عليه وربما أشد ، مازلنا نرى الرقص والغناء والطرب والكرة المستديرة هي الشاغل الأكبر والمقصود الأعظم ، كأنما ليس للأمة من اهتمام أو فائدة أو شيء تنشغل به إلا مثل هذه الأمور .
كيف يمكن أن تكون أمة في مواجهة عدو أو في مرحلة مواجهة ، ثم إذا بها تعطي هذه المساحات العريضة الواسعة ، والعناية والاهتمام الذي نراه في أي ميدان من الميادين ، وكأنما - كما قلت من قبل - قد اختصر المجد والتقدم في رنة نغم ، وركلة قدم ، وجرة قلم ، دون أن تكون هناك صور البناء والجد الحقيقية .
لماذا تغيرت بعض هذه الأحوال قليلا ثم عادت كأن شيئا لم يكن ؟ إن الأمة إن لم تستيقظ رغم كل هذه الكوارث والنكبات التي مازالت قائمة ، بل هي متوالية ، بل ربما هي اليوم مشتدة أكثر فأكثر ، والناظر في الأحوال يعلم ذلك ، وما يجري في فلسطين وما يجري في غير فلسطين من أثر حرب العراق وما تلاها واضح بين ، كيف تفرض الأمور وكيف تغير ؟ وكيف تدار بما تدور رحاه على الإسلام والمسلمين وعلى الثابتين على دينهم القائمين على مواجهة أعدائهم ؟
ومع كل هذا نحن مازلنا نقول : إننا في مراحل وكأنما هي قد انتهت مخاطرها أو خفت حدتها ، أو أصبحت نوعا من الأمور المعتادة التي لا نحتاج فيها إلى تذكر وانتباه .
لعلنا نقول بمجمل مثل هذه القضايا التي قلناها ، نجد أنفسنا ملزمين بها ، ونجدها أمانة في أعناقنا وواجبا على كواهلنا ؛ فإن نحن قصرنا فيه كنا من أسباب ضعف الأمة ، وكنا من أسباب حلول البلاء ، وكنا من أسباب ارتفاع الرحمة ، وكنا من أسباب ابتعاد النصر ؛ فإن كل ذلك مربوط بسنة الله - عز وجل - ، وسنته لا تحابي أحدا ، ولذلك ينبغي أن نجتهد في كل هذه المعاني التي ذكرناها ، ومن وراء ذلك يخاطب كل الناس وكل أفراد الأمة من العلماء والأمراء وأصحاب الأمر والنهي بواجباتهم ويذكرون بها ؛ فإن لم يقوموا بذلك فليس ذلك عذرا لك ؛ فإن الحجة قائمة عليك وإن المسؤولية بين يدي الله فردية وإن الله سائلك عن كل ما استرعاك من رعية ، وكل ما أعطاك من إمكانية ، وكل ما فسح لك من العمر ، وكل ما أعطاك من الطاقات والإمكانات ما فعلت بها ؟

(118/11)


ونحن نعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ) لن يسألك الله عز وجل عن حاكم وإن قصر إلا في دائرة ما تستطيع به الإصلاح ولا عن عالم وإن غفل إلا فيما تستطيع به أن تقوم بواجبك ، لكن السؤال الأعظم هو لك ولي فيما هو تحت يدك في الفريضة التي تركتها في الواجبات التي قصرت فيها ..في الملهيات التي انشغلت بها .. في المنكرات التي ارتكبتها .. في الأمانات التي ضيعتها .. في المسؤوليات التي لم تقم بها.
هذه هي البداية .. هذا هو ألف وباء ، حتى نصل إلى الياء لا تقفزوا المراحل ؛ فإن كثيرا منها بعضه مترتب على بعض ، ومن وراء ذلك وقبله وبعده ومعه لن يغير أحد شرعا من شرع الله ، ولا حكما من أحكام الله ، ولن يبطل أحد كائنا من كان شريعة الجهاد الماضية بحديث النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى يوم القيامة ، ولكننا نقول : سيروا على الطريق من أوله إلى آخره ، وخذوا بالأسباب من جميع جوانبها ، واحرصوا على التعرض الصحيح لنصر الله سبحانه وتعالى ، حتى يأذن الله - جل وعلا - بصلاح قلوبنا ، وتغير أحوالنا ، ووحدة صفوفنا ، وقدرتنا على مواجهة أعدائنا وهزيمتهم بإذن الله - سبحانه وتعالى - عاجلا غير آجل ، إنه - سبحانه وتعالى - ولي ذلك والقادر عليه ، والحمد لله رب العالمين ، وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(118/12)


ألفاظ الغناء والمغنيين
257
الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
منصور الغامدي
الطائف
24/11/1419
أبو بكر الصديق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
- حكم الغناء في القرآن والسنة – خطورة الغناء وأثره – نماذج عما تحتويه بعض الأغاني من شرك وكفر , والاعتداء على الرسل , والقضاء والقدر , وغير ذلك من الانحرافات
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الاخوة الكرام: مر معنا في الخطبة الماضية حديث عن حكم الغناء وأنه حرام وأن الله سماه (لهو الحديث)، وقال الله: واستفزز من استطعت منهم بصوتك [الإسراء 64] ذكر المفسرون في صوت الشيطان أن منه الغناء، وكذلك سماه الله: سمودا وهو الغناء بلغة أهل اليمن، وقد تأفف منها أصحاب النبي ، فحينما مر عمر بقوم يغنون في الحج قال: لا سمع الله لكم، وسد الصحابي أذنه لما مر بزمار راع، احتياطا منها وأخبر أن هذه الأمة ستستحل الحر والحرير والخمر والمعازف واستحلال الحر يعني: الزنا وكذلك الخمر، والمعازف هي أدوات الموسيقي المنتشرة في كل مكان تقريبا، ومر معنا كلام الأئمة الأربعة وأنهم يقولون بتحريم الغناء، ويشتد التحريم إذا كان بصوت امرأة، ويشتد إذا رافقه معازف وموسيقى، ولم يخالف قوم الجمهور من أهل العلم إلا ثلاثة، معاند أو إنسان في قلبه مرض الشهوات، أو شخص لا يعتد برأيه .
أيها الاخوة الكرام: ولخطورة الغناء، وأنه سبب من أسباب فتنة الناس وإفسادهم وخاصة الشباب منهم، ولأن الغناء هو السم الناقع، أحببت أن أصحبكم في جولة سريعة على بعض ما في كلمات الأغاني من المحادة لله ولرسوله ومن الشرك الأكبر والأصغر، ومن التعدي على رسل الله الكرام، ومن تمييع للمعاني السامية والمثل الرفيعة، ومن الاعتراض على رب العالمين والاعتداء عليه وعلى ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وغير ذلك مما يردده الجيل صباحا ومساء، فيصحو الشاب وينام على أنغامه بل أصبح الكثير لا غنى له عن الغناء وسماعه .
وقد جمع أحد الفضلاء بعض هذه المخالفات الشرعية التي يسمعها الملايين من المسلمين وإني استسمحكم واستعذركم في ذكر بعض هذه الكلمات على منبر خطبة الجمعة، لأن الموضوع فيه أشياء عجيبة مما ذكرت لكم.
أخي الكريم: لقد لحنوا الكفر الصريح والردة المعلنة عن دين الله بما غنوه من قصيدة الشاعر النصراني :
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
كيف أبصرت طريقي لست أدري
لقد غنوا هذه الكلمات التي تبين أنهم لا يعرفون سبب وجودهم في هذه الدنيا، وأنهم لا يعرفون ماذا بعد الموت، أبعث ونشور أم إهمال وترك، يقولون هذا، والله يقول وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات 56] قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام 162-163].
وكاتب الكلمات، والملحن والمغني هم شركاء في الإثم والوزر، وقال : ((من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا )) وتقول قائلتهم : لست ثوب العيش ولم أستشره، ويقول الآخر: لو كنت أعلم خاتمتي ما كنت بدأت.
عجيب: هل هم يحيون ويموتون كما يشاءون، ويفعلون ما يشتهون، يريدون أن يستشاروا في الحياة، من الذي سيستشيركم، وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون [القصص 68].
كما أنهم يصرحون بعبادة المحبوب ولأجله يعيشون في الدنيا، بل يقولون إنهم ما خلقوا في هذه الدنيا إلا من أجله، قال قائلهم، أو قائلتهم، فض الله أفوههم: عشت لك وعلشانك، والله يقول قل إن صلاتي ونسكي ومحيياي ومماتي لله رب العالمين [الأنعام 162].
ويصرح بعضهم بصرف أنواع من العبادة إلى المحبوب أو المحبوبة، وهو التوبة يقول: أتوب إلى ربي وإني لمرة يسامحني ربي إليك أتوب، ورأيت أنك كنت لي ذنبا، سألت الله ألا يغفره فغفرته. هذا الذي يقولونه من صرف التوبة إلى غير الله.
فهم يعبدون المحبوب، يتوبون إليه، يطلبون منه المغفرة، والله وحده هو الذي يغفر: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله [آل عمران 135]. وقال سبحانه: وإليه متاب [الرعد 30]، وتقديم حرف الجر هنا (إليه) يفيد الحصر يعني إليه التوبة لا إلى غيره.
وتجد منهم يقول تصريحا بعبادة المحبوب يقول قائلهم :أعشق حبيبي وأعبد حبيبي. ويقول آخر: قلت المحبة عندي لو تعلمين عبادة. وآخر يقول : أنا أعبدك.
منزلة العبودية هي المقام العظيم الرفيع الذي وصف الله نبيه محمدا به في أربعة مواضع في القرآن لأن العبودية معناها : كمال الحب مع كمال الذل والخضوع لله، وتجد هؤلاء القوم يصرفونها إلى غير رب العالمين، والمرء مع من أحب يوم القيامة .
وبعضهم ينافي ويضاد ويكذب على الله يقول : الله أمر، لعيونك أسهر قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون .[الأعراف 28]

(119/1)


أما اعتداؤهم على أنبياء الله ورسله فاسمع إلى قولهم في فراق المحبوب أو المحبوبة : صبرت صبر أيوب، وأيوب ما صبر صبري، اعتداء فاحش على نبي الله الكريم الذي ابتلاه مولاه سنوات طويلة فصبر إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب [ص 44].
أيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [الأنبياء 83]، وهؤلاء يقولون : أيوب ما صبر صبري .
أما عقيدة القضاء والقدر ولوم الرب : فلهم فيها النصيب الأوفر، يقول قائلهم : ليه القسوة؟ ليه الظلم؟ له يا رب ليه؟
هكذا يتهم الله - تعالى الله - بالقسوة والظلم، وهذا المغني هو الآن تحت أطباق الثرى، الله أعلم ماذا يفعل به، نسأل الله حسن الخاتمة والستر في الدنيا والآخرة .
ومنهم من يصرح بأنه مستعد للذهاب إلى جهنم مع محبوبته : يا تعيش وإياي في الجنة، يا أعيش وإياك في النار، بطلت أصوم وأصلي، بدي أعبد سماك، لجهنم ماني رايح إلا أنا وإياك،.
أعلنوا ترك الصلاة وترك الصيام، والنبي يقول : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))، ويريدون الذهاب إلى جهنم، وماذا في جهنم التي أوقد الله ثلاثة آلاف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة وما أدرك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر [المدثر 27-30]. لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [فاطر 36]، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون [غافر 72] وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا [الكهف 29] هذه النار التي يتمنون الذهاب إليها اللهم اصرف عنا مقتك وغضبك يا حي يا قيوم .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم . . الخ .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فمن مفاسد المغنيين : أن يصرح بضعهم بأنه إذا لم تحل له محبوبته على دين محمد لأخذها على دين المسيح ابن مريم عليه السلام، وهل كان المسيح ابن مريم يحل الزنا ؟
كما أنهم يستحلون المحارم، قبحهم الله، فكانت حلالا لي ولو كنت محرمي، لو كانت من المحارم لاستحلها، ويصرح بعضهم بأنه سيحب محبوبته عند سكرات الموت : أهواك عند سكرات الموت، وهذا صحيح فالذي يفتن بالشيء يغرم به ويحبه إلى الغاية ويفتن به فيذكره عند السكرات .
وكم حدثتم وحدثنا عن أناس كان يقال لهم : قولوا لا إله إلا الله فيغنون، أو يسبون القرآن، أو يرفضون الشهادة، والله المستعان .
ثم هم يميعون القيم العالية والمعاني الفاضلة، فمنزلة الشهادة منزلة عظيمة عند الله ومن يطع الله رسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء 69] والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، والشهيد هو الذي يقتل بين الصفين مقبلا غير مدبر في سبيل الله، ثم يقول العندليب الأسمر : يا ولدي قد مات شهيدا من مات فداء للمحبوب.
هكذا جعلوا هذا المقام العظيم مقام الشهادة، جعلوه للمحبوب، وهذا المغني قد انتسب إلى غير أبيه ((ملعون من انتسب إلى غير أبيه ) والانتساب إلى غير الأب كثير في الوسط الفني القذر.
ومن مخالفات العقيدة قولهم :
والخوف بعينيها تتأمل فنجان المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن فالحب عليك هو المكتوب
اشتمل هذا البيتان على جلوس هذا الفاجر مع امرأة تدعي علم الغيب فهي كاهنة وعرافة ومشعوذة تقرأ الفنجان المقلوب واشتمل أيضا على الكذب على الله في أنه كتب الحب على هذا الرجل، وادعاء علم الغيب كفر واعتداء على خصوصية من خصوصيات الله قل من لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [النمل 65] وقراءة الفنجان والكف وضرب الودع والتخطيط في الرمل، والقراءة في كرة الكريستال كل ذلك شرك وحرام .
وفي أغانيهم الاستعانة بغير الله ونداء الأموات والحلف بغير الله فيقول قائلهم: مدد يا نبي مدد. أو: وحياة عينيك، والنبي يقول : ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)).
ويشيع عند المغنين سب الدهر والساعة والزمان والعمر يقولون : كتاب حزين كله قاسي، جابني في زمان كله غدار قاسي، والنبي يقول : (( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ))، هو مقلب الأيام والليالي، فمن سب الدهر فقد سب شيئا ليس بأهل للسب ولا ذنب له، لأن الدهر ظرف الوقوع الحوادث، والله هو الذي يفعل ما يشاء ويجري الحوادث في الزمان بمشيئته سبحانه .
ثم هم يعتدون على ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ : الفرح مسطر غلط مكتوب، يعني أن الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ كان غلطا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .
هذا بعض ما يقال، لقد اعتدى هؤلاء المغنون على الشريعة وما أبقوا عزيزا إلا أذلوه، ولا غاليا إلا لطخوه بهذه الكلمات، إن الله تعالى ما حرم شيئا إلا لفساده وضرره يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة 185] إن الله كان بكم رحيما [النساء 29] .

(119/2)


اخوتي الكرام : هل نحن منتبهون لهذا الإفساد العظيم هل نحن منتهون عن هذا الفسق .
يا رب غفرا قد طغت أقلامنا يا رب معذرة من الطغيان

(119/3)


أمة الإسلام وفريضة الصيام
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
أمة الإسلام وفريضة الصيام .. أمر مهم ، وموضوع مؤثر .. ذلكم إن الله جل وعلا فرض الفرائض ، وشرع الشرائع ؛ لتكون للأفراد تهذيبا وتقويما وإرشادا وإعدادا وتقوية وتزكية ، وجعلها للأمة وحدة وقوة ونصرة .. فهو جل وعلا ما من شرع شرعه ولا فريضة افترضها إلا ولها آثارها على الفرد والأمة في واقع الحياة .
إنها الفرائض والشرائع والعبادات ؛ ليست مجرد أقوال تردد ، ولا أفعال تكرر ، ولا عادات تتبع ، ولا صور وأشكال ليست لها حقائق وبواطن .. إنها أعمق من ذلك وأشمل ، إنها أنفع من ذلك وأكثر فائدة لمن تأثر بها وأداها على وجهها .
ولعلنا نشير إلى شيء يسير من الواقع نفتتح به ؛ حيث إننا نبين أن الأمة إن لم تنتفع من الشرائع والفرائض والأحكام ؛ فإن خيرا كثيرا يفوتها ، وإن مزيدا من العناء والبلاء والمشقة المهانة تنتظرها وترتقبها في رمضان الذي مضى ، كانت نذر الحرب على العراق تسطع ، وطبولها تقرع ، واليوم احتلال جاثم ، وعدوان ظالم ، وأرض محنوقة ، وأمن غائب ، وأرواح مزهقة ، ودماء نازفة ، وأوضاع مختلفة .. واليوم ونحن في شهر رمضان على بلاد الشام تهديد ووعيد ومحاصرة ومقاطعة وإرجاف .. فهل ستمضي الأمة في غفلتها وضعفها وذلتها لنقف - لا قدر الله - في العام القادم نندم أرضا أخرى ، ونندب أحوالا جديدة ، وبلادا أخرى مغتصبة ، وأعراضا جديدة منتهكة ، وحرية مستلبة ، ودينا أصبح في واقع الحياة غائبا غير فاعل في نفوس أربابه وأصحابه .
ومن قبل ذلك ومن بعد في أرض الإسراء يزداد معنا في كل رمضان ، وفي كل عام عدوان وظلم وتسلط يتضاعف مع صور حزينة مؤلمة .. لا لواقع أهلنا في تلك الديار ؛ فإن في قلوبهم من العزة ، وفي نفوسهم من النصرة والحمية ما قد دفعوا به عن أنفسهم ، وواجهوا به عدوهم .. لا عن الحزن المؤلم والوضع المؤسف إنما هو لعموم الأمة الصامتة كأنما عجمت فلا تتكلم ، العمياء كأنما ليس لها أعين تبصر ، كأنما ليس لديها أيدي تتحرك .. ليس هذا الحديث حديثا لنزيد الوهن في النفوس ! وإنما لنقول : هل ننتفع بفرائض الإسلام ؟ وهل نتأثر بفريضة الصيام على مستوى الفرد والأمة ؟
وحديثنا عن الأمة .. أمة الإسلام في الصيام ، أمة تجرد وإخلاص لقوله عز وجل : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } .
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم القدسي : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) .
وقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .. { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } .
الصيام عبادة السر ، عبادة الإخلاص ، عبادة التجرد عبادة التعلق ، عبادة الارتباط برضوان الله عز وجل ، والتشوق إلى بذل كل جهد في سبيل التقرب إليه والتضرع والتذلل بين يديه .. هل نعقل هذا معاشر المسلمين أفرادا ؟ وهل تعقله الأمة وقد علقت حبالها بغير الله في مجموعها ، وقد جعلت رهبتها من عدوها ، وذلتها لمغتصبها ، وقد أصبح الخوف يملأ جنباتها حتى كأنما هي صورة من الصور التي ورد الذم لها في كتاب ربها قوله تعالى : { يحسبون كل صيحة عليهم } .
إن الأمر في غاية الخطورة اليوم ومجموع الأمة في صورتها العامة ، وفي قياداتها وسياساتها ليست معلقة الحبال بالله ، ولا موثوقة ومرتبطة بشرع الله عز وجل .. وذلك أمر يحتاج إلى المراجعة ، هل يمر صيامنا وتمر أيامنا ، وتنتهي فريضتنا ، ونحن تركنا طعاما وشرابا ، ولم نلتفت إلى جوهر التوجه لله عز وجل والتعلق به ، وجعل الحياة كلها لطاعته ومرضاته في تلك الآية التي تلوناها!
كل مافي الحياة لله فهل علقنا قلوبنا ؟ وهل علقنا نوايانا وأمالنا وطموحاتنا بالله ؟ وهل ربطنا حبالنا به سبحانه وتعالى ؟ فلم يعد ثقة إلا به ،ولا خوف إلا منه ، ولا توكل إلا عليه ، ولا إنابة إلا إليه ، ولا نصرة ولا تجرد ولا إخلاص إلا ابتغاء مرضاته .. أم أنها أمور تتكرر ، وأيام تمر ، وليال تتوالى .. ثم نخرج كأنما نحن لا نعي ولا نفقه ولا نتذكر ولا نعتبر ولا نتدبر في هذه الشرائع التي جعلها الله فرائض لتكون مقياس لمثال الأمة لأمر ربها ، وسيرها على نهجه ، وتصحيح مسارها إذا فارقت ذلك .
أمة الإسلام أمة واحدة .. أليس في الصيام وحدة ، فالأمة كلها تأتلف قلوبها ، وتمتزج نفوسها ، وتظهر مودتها ، وتبدو محبتها ، وتجري مياه وحلها ، وتنعقد حبال حلتها .. فما بالنا لا ننظر ذلك في حال أمتنا لقوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } .

(120/1)


أليست الأحداث التي مرت - وصدرنا بها الحديث - يوم كان التهديد والوعيد اخترقت أمتنا العربية واختلفت ، وكلا اتخذ موقفا ، وأمة الإسلام لم تجتمع على كلمة ومنظماتها ودولها لم تكن على قلب رجل واحد .. فهل وحدتها في صور ظاهرة دون الحقائق المؤثرة ، وقد ظهر من مجتمعاتها وتجمعاتها من الخصومة والشحناء والبغضاء ما تجلى وظهر ، وأعلنت في وسائل الإعلام وفي المؤثرات وفي المنتديات وعلى صور شتى مختلفة .. أفلا تتعض الأمة وهي تصوم كلها صياما واحدا ، ترق فيه قلوبها ، وتصحوا فيه نفوسها ، وترشد فيه عقولها ، وتتهذب فيه أخلاقياتها ، وتحسن فيه أخلاقها ، وتصلح فيها نواياها ومقاصدها .. ثم بعد تكون نائمة غائبة عن حقيقة هذه الوحدة لقوله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تنابزوا بالألقاب ... } .
انظروا إلى الواقع هل يحكي هذه النداءات الإيمانية ، والتوجيهات الربانية التي تدل على الوحدة الإيمانية ، والأخوة الإسلامية ، التي تؤدي إلى التماسك والترابط وامتداد الجسور .. رغم تباعد الأماكن والبقاع والبلاد ، ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يعلمنا ، ويذكرنا بأن المسلمين أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم .. هل أمة الإسلام التي تصوم مجتمعة على هيئة واحدة ، وبأحكام واحدة تلتفت إلى هذا المعنى ، وإلى قول الله جل وعلا : { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } .
أمر قد تقولون إنه يتعلق بالأمة كلها .. لكنه يخصني ويخصك أنت ، إن لم يكن كل واحد منا مستحضرا لهذه الآثار ، ولتلك الحكم ؛ فإن الخير لنا يعم ، ولن تتوسع أجزائه لتشمل الأمة كلها .. نحن في بيئاتنا ، وفي دوائرنا وأحيائنا ، وفي مساجدنا مازلنا لا نحقق هذه الوحدة ، ولا نجسد هذا الوئام .. فكيف بنا على مستوى أمة الإسلام .
أمة الإسلام أمة إغاثة وإعانة .. في شهر الصيام نرى تفطير الصائمين ، وإعانة المحتاجين ، وتفقد ذوي الحاجات ، ونقصر ذلك على الصور المادية الحسية اليسيرة .. تمر يؤكل ، أو مال يبذل ، أو كساء يقدم .. فهل هذا هو وجه الإعانة والإغاثة ؟ وهل تلك هي معاني النصرة والعزة ؟
أم أننا نتذكر من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الحدث الرمضاني العظيم في تاريخ الإسلام والمسلمين يوم نقضت قريش عهدها ، وأخلفت موعدها ، واعتدت على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوانا غير معلنا ، وبصورة محدودة ، وجاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين من خزاعة إلى الرسول في المدينة ينشد بين يديه ..
يا رب إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا *** ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا *** وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا *** إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا *** إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك الموكدا *** وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا *** وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
فقال عليه الصلاة والسلام من فوره : ( نصرت يا عمرو بن سالم ، لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ) ثم تحرك في رمضان من العام الثامنة للهجرة إلى مكة المكرمة فأعزه الله ، ليعلن إنهاء وجود الجاهلية في صورة قوتها العظمى في جزيرة العرب ، ورايتها المرفوعة بالظلم والبغي في بلاد العرب ، وهو يحطم الأصنام ويقول : { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } .
أين نصرة الإسلام والمسلمين ؟ أين هي في أرض فلسطين ؟ وأين هي في غيرها من بلاد المسلمين ؟ أين هي والأبواب كل يوم تغلق ، والطرق كل يوم تسد ، والعراقيل توضع أضعاف مضاعفة .. ليست بأيدي الأعداء فحسب ، بل بأيدينا وبأيدي أبناء جلدتنا المتكلمين بألسنتنا ، المرجفين في وسائل إعلامنا ، الذين يفتون في عضد أمتنا ، ويزرعون الرعب والخوف من النصرة والإعانة والأخوة والمددي في قلوب أبناء الأمة .. أليس ذلك جديرا بأن تراجعه أمة الإسلام في شهر الصيام .. أم تكتفي بصور في إطعام الطعام ، وتفقد ذوي الحاجات - وإن كان ذلك أمرا محمودا مطلوبا ، وهو من الصور التي يمكن أن تؤثر وأن تحرك - لكن المطلوب أكبر وعلى مستوى الأمة أعظم ، والأمر في مثل هذا يطول .. وكم سمعنا من مثل ما استنجد به عمرو بن سالم .. فهل سمعنا مثل قول محمد صلى الله عليه وسلم : ( نصرت يا عمرو بن سالم ، لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ) وهل ترحمه الكلمات إلى واقع أظهر عزة الإسلام ، وهيبة المسلمين كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة ، يوم أشعل النيران ، ويوم جعل الكتيبة الخضراء ؛ ليقذف الرعب والوهن والضعف في قلوب أعدائه ، فيهزمهم وهم في مواضعهم قبل أن يتحركوا ..

(120/2)


أمة الإسلام أمة قوة وإرادة ألسنا في هذا الصيام .. نجد هذه القوة في القوة الإيمانية ، والإرادة في الإرادة النفسية .. ألسنا اليوم نطالب أهوال النفوس ، وننتصر على ضعفها ، ونأخذها بغير ما تحب إليه من الركون إلى دنياها ، والتمتع والرغبة في راحتها ودعتها وكسلها وخمولها ؟ ألسنا اليوم عندنا من قوة إيماننا ما نجد به خشوعا في قلوبنا ، وأثرا لذلك في دموعنا ، وصورة حية فيما تتعلق بنفوسنا ؟ ألسنا نحن الذين في هذا الشهر الكريم - ومع هذه العبارة العظيمة - نجد أننا على صورة إيمانية ، ونفسية متميزة فريدة .. فأين ذلك من المسلم الذي يملك ويحزم رأيه ، ويعزم في مسيرته على نهج ربه
وقفة عن حال الأمة .. هل هي اليوم من خلال هذه الفريضة تتذكر أنه يجب أن تملك قرارها ، وأن تعتز بإسلامها ، وأن تتعالى بإيمانها .. أن تكون متثبتة بدينها ، واثقة بمناهجها ، وليست هي التي ترفع أصواتها مشككة في واقعها ، ومبلبلة لأبنائها ومجتمعاتها وشعوبها ، وجاعلة الأصل في مسيرتها على مر العقود المتوالية أنها كانت خاطئة أو ربما كانت خاطئة ، أو ربما كان فيها حين وحين ! وكأن أمم الأرض الأخرى بريئة من ذلك ، والحق أنها هي الأجدر بأن تكون موصوفة بكل هذه الصفات الذميمة من العنف والإرهاب والظلم والقتل ، ولكن الأمة إذا فقدت إرادتها ، وإذا ذهبت قوتها ، وإذا تخلت عنها عزتها ، أصبحت تنطق بلسان عدوها ، وتقوم بأعمال نيابة عنه ، وتلك مصيبة عظمى لابد أن تستيقظ لها الأمة ، وهي تمر في هذه المواسم والعبادات كأنما هي مخدرة لا تشعر بشيء .. ألسنا نعرف من هذه القوة الغائبة ، والإرادة المستلبة أن البلاد ليس من أعدائنا فحسب ، بل من أبنائنا ، ومن داخل ديارنا في عرض بلاد الإسلام كلها إلا ما رحم الله عز وجل .. أفليس جديرا بالأمة اليوم بدلا من أن ترقص وتغني ، وتوالي الفوازير ، وتأتينا بالمقابلات للفنانين والفنانات ، وتصبح وتمسي علينا بالمسلسلات المتتابعات في الأيام واليالي المتواليات .. كأنما نحن أمة نريد أن نلهو وأن نلعب كأنما نحن ليس لدينا أراض مغتصبة وليست لنا أمم من الأرض متشمعة لتطعننا في أعز شيء لدينا في ديننا ، في كتاب ربنا ، ومقام رسولنا .. كأننا لا نسمع في هذه الأيام ومع بداية شهر الصيام تلك الأقوال العظيمة القبيحة التي يتفوه بها أعداء الإسلام في شرق وغرب والأمة كأنما هي صماء لا تسمع ، أو بكماء لا تتكلم ، أو عمياء لا تبصر .. لا أقول هذا أيها الإخوة وإنما نريد إنما نواجه أنفسنا بحقيقة واقعنا ، وأن نحاسب أنفسنا نحن ؛ فإننا جزء من هذا القصور ، وإننا سبب من أسباب هذا البلاء ، وإننا بداية انطلاق من بدايات الانطلاقات المهمة لحياة أمتنا .. نسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه ردا جميلا .
الخطبة الثانية :
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون :
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، وإن من آثار الصيام ما يحتاج إلى مزيد من حديث .. فأمة الصيام أمة تأثير وتغيير .. ألسنا نرى أننا نغير مواعيد طعامنا وشرابنا ، وأوقات أعمالنا وراحتنا ، ومواعيد يقظتنا ونومنا ؟
ألسنا نغير كثيرا من واقع حياتنا في كل شيء ، ليس على مستوى الفرد ولا على مستوى المجتمع بل على مستوى الأمة كلها ، تغيير حقيقي ، ظاهر في الأحوال اليومية الدائمة ، تغيير ليس له سبب الإطراء ، ووجود هذه العبادة والفريضة .. أفنغير وقت طعام و شراب ولا نغير أوضاع .. اختلال واختلاف لقول الله تعالى : { إن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .
وقوله تعالى : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } { ولن تجد لسنة الله تحويلا }
{ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم }
نعمة عزة غابت ، ونعمة قوة ضاعت ، ونعمة نراها في مجموع الأمة قد ذهبت ، والله جل وعلا لا يغيرها إلا بأسباب ، مما أخلفت فيه موعد ربها ، وخالفت فيه هدي رسولها .
التأمل والتدبر ونحن نغير هذه الأمور الحياتية ، ونجعلها صبغة في الأمة .. ما بالنا لا نغير الوقائع المؤلمة ؟

(120/3)


لأن حقيقة الصيام أيضا تعلن أن أمة الإسلام أمة كتاب وسنة .. لم نصوم رمضان وليس شعبان ولا شوال ؟ نقول هكذا جاءت بهذا آيات القرآن .. لم نصوم من فجر إلى غروب ؟ نقول هكذا وردت به الآيات ، وثبتت به سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ لماذا نشتري التمور بالملايين والملايين .. لماذا ؟ لتوافق الأمة كلها في سنة من سنة الطعام ، نحن نتابع الرسول عليه الصلاة والسلام حتى في طعامه وشرابه ، وما يبدأ به وما يؤخره بعد ذلك .. أين هي من كتاب الله ؟ وأين هي من هدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم نفطر بتمر وماء ونحرص على التمرات وعلى هذه السنن العظيمة الجليلة ثم نضيع ما هو مثلها وأعظم منها ، وأكثر أهمية من عزة وأخوة ونصرة وقيام بحق الله عز وجل ، وانتصار لدين الله ، ورفع لرايته ، ونشر لدعوته ، وقد خرست الألسن عن أن تقول كلمة الحق ، وتجهر به ، ليعتزوا بإسلامهم وإيمانهم ، ويرفعوا بذلك رؤوسهم كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } .
كثيرة هي المعاني التي ينبغي أن تفقهها الأمة من فريضة الصيام ، ولا يقولن أحد لما تحدثنا عن الأمة ولسنا نحن الذين ندبرها أم نملك قرارها ؟ فأقول : إنكم تملكون قرار أنفسكم ، وتدبرون أمركم ، وتؤثرون في مجتمعكم ؛ فإن عجزتم أن تحققوا ذلك في هذه الدوائر .. فأنتم فيما سواها أعجز ! ودعوكم حينئذ من النقد ، ومن الذم للأوضاع العامة ، وذكر تقصير العلماء أو تفريط الحكام أو غير ذلك ؛ لأنكم أنتم - وأنا معكم وغيرنا أيضا - قد فرطوا وقصروا ، وكانوا جزءا من هذا البلاء .. فلنبدأ بإصلاح أنفسنا ، فلننتبه إلى هذه المعاني في واقع حياتنا ، وفيما ولانا الله عز وجل أمر في أسرنا أو في أوضاعنا المختلفة ؛ فإن صلاح الفرد مؤذن بصلاح الأمة كلها ، وإن صلاح الأفراد مؤذن بدفع كثيرا من البلاء ، ومؤذن بتنزل كثير من الرحمة .. وما نراه اليوم من بشائر الخير في مثل هذا الشهر العظيم ، والفريضة الكريمة إنما هو من هذه الخيرات التي نرى تضاعفها عام بعد عام .. فينبغي لنا أن نفتح أبواب الأمل ، وأن نجعل هذا الواقع مشعلا لنيران الحماسة في القلوب ، معليا للهمة في النفوس ، ومحركا للجوارح والأعمال في الواقع ، وممدا لجسور الأخوة والترابط والوحدة والتآلف والتآزر في مواجهة أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين .. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لهذه الأمة من بعد ضعفها قوة ، ومن بعد ذلها عزة ، ومن بعد فرقتها وحدة .

(120/4)


أمة ملعونة ... وأمة غافلة !!
عباد الله ...
هذه الأمة الملعونة في كتاب الله, وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسل الله من قبل (عليهم الصلاة والسلام), هي الأمة التي تعتدي اليوم على مقدسات المسلمين، وعلى دمائهم وأعراضهم وأولادهم، وعلى بيوتهم وأموالهم, هي الأمة الملعونة، التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.
اليهود ملعونون لأنهم خونة العهود, قال الله تعالى:
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية
فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا
أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون
ولا تزال تطلع على خائنة منهم
فاليهود ليست لهم عهود, اليهود خونة العهود, هؤلاء هم اليهود لمن لا يعرف اليهود .
لقد نقضوا أغلظ المواثيق مع الله عز وجل ومع أنبيائهم، فكيف يطمع بعض المسلمين بعد ذلك بالتزامهم بالعهود والمواثيق، ومع من ؟ مع أشد الناس عداوة للمؤمنين.
عباد الله ...
لقد بين لنا القرآن الكريم صفات اليهود وطباعهم في مواطن كثيرة من الكتاب الحكيم، وفي ذلك دلالة للمؤمنين أن معركتنا معهم ستطول، وإن أول خطوات النصر أن نعرف حقيقة عدونا لنعرف كيف نواجهه، فإلى كل مسؤول في العالم الإسلامي الكبير ..
إن تدرسوا صفات اليهود جيدا تعرفوا كيف تعاملونهم .
استرشدوا بالكتاب والسنة، فإن فعلتم لن تضلوا أبدا .
أيها المسلمون ...
ما لنا نرى أمتنا الآن غافلة عن أمر ربها !! فقد كثر في هذه الأيام الحديث عن إعطاء ما يسمى بالسلام مع اليهود فرصته للنجاح، ومن أجل ذلك تم وسم المقاومة المسلحة المشروعة بالإرهاب والعنف، وأصبح المجاهدون في هذه الأيام خارجين عن القانون!! (القانون الأمريكي الصهيوني) وللأسف فقد استجاب لهذه الدعوات المشبوهة بعض العرب والمسلمين (بسوء نية أو بحسن نية)، ولهؤلاء نقول اقرؤوا كتاب الله تعالى تجدوا:
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة
يقول الشيخ محمد صالح المنجد:
" القضية قضية تاريخية, المسألة مسألة شرعية, القضية قضية عقائدية, اليهود لا يمكن مسالمتهم أبدا وليس لهم عهد ولا ميثاق رغم أنف الذين يريدون أن يعقدوا معهم عهدا وميثاقا, فهم يهود مثلهم, اليهود لا يؤمن شرهم, اليهود لا يؤمن مكرهم, اليهود خلق نجس ورجس شيطاني, اليهود أعوان إبليس، اليهود سبب شقاء البشرية مع غيرهم من ألوان الكفر والشرك في الأرض, يقودهم إبليس إلى جهنم وبئس المصير, اليهود أعداؤنا كرههم في قلوبنا, جهادهم عبادتنا وقربتنا إلى الله, اليهود –كما أخبر رب العزة- : لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا .
هؤلاء الذين أظهر الله مكرهم, أظهر الله بغضهم, كشف الله سترهم وشرهم, وجعلهم باستمرار أعداء للمسلمين, وتثبت الأحداث التي يقدرها رب العالمين استمرار عداوة اليهود للمسلمين ".
أيها المسلمون ...
لقد رأينا وقاحة الصهاينة والأمريكان وهم يطلبون من الفلسطينين الكف عن إطلاق النار وضبط النفس, فأي ضبط للنفس في هذا الموضوع, وكيف يملك أن يضبط نفسه من يرى أفراد أسرته يقتلون؟ ومنزله وغرف بيوته تهدم بقذائف صاروخية, ثم يقولون: ضبط النفس. وهاهي بعض الأصوات العربية تنادي بما نادى به الصهاينة والأمريكان !!
والحق أنه :
يجب أن يقال للمعتدي كف عن عدوانك واستبدادك ...
يجب أن يقال للمسلمين جميعا انتفضوا لنصرة إخوانكم ومقدساتكم في فلسطين ...
يجب أن يقال للجيوش الإسلامية كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
توصيات :
- أخوانكم في فلسطين لا يجدون إلا الله تعالى ناصرا ومؤيدا ومعينا، ثم المؤمنين المخلصين، فادعموا جهادهم بما تستطيعون، وارحموا أيتامهم وفقراءهم، يزدادوا قوة وثباتا بإذن الله تعالى، وتنجوا من سؤال الله لكم يوم القيامة.
والله المستعان .

(121/1)


أمريكا تطويها السنن
دروس عجاب من آيات الكتاب..
أضواء على الأسباب في إنزال العقاب
سامي محمد صالح الدالال
إن المتأمل في حال الولايات المتحدة يكاد لا يشك أنها قد تتعرض إلى عقاب إلهي مدمر، شديد الوطأة، عظيم التأثير، واسع الانتشار، يتناول الناس والحيوان والجمادات، ربما تنهار بسببه الأبنية والمنشآت، أو تتشرذم وحدتها إلى كيانات، والله ـ تعالى ـ أعلم بما هو آت !!.
ما ذكرته أعلاه لا يدخل في باب الكهانة ولا التنبؤات، بل هو ما تقتضيه السنن الربانية وما نزل في ذلك من الآيات، في إيقاع العقوبة الإلهية بمن تحققت فيه الصفات: من تكبر وتجبر وافتئات. ولعلنا نبين حال هذه الدولة الآن قبل أن ينزل عليها وابل العذاب من الرب الشديد العقاب.
* أسباب التدمير الإلهي:
نعدد فيما يلي الأسباب التي لأجلها تستحق الولايات المتحدة التدمير الإلهي.
1 - الكفر والصد عن سبيل الله بعد إقامة الحجة:
إن الولايات المتحدة هي دولة أهل كتاب؛ فالمسلمون فيها لا يتجاوزون 5% وهم (أي الأمريكيون) مأمورون كغيرهم من عموم أهل الكتاب بتوحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الولد، وبالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لكنهم ركبوا رؤوسهم ولم يستجيبوا لدعوة ربهم. قال ـ تعالى ـ: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] . وقد تولوا؛ وليس لهم في توليهم حجة، بل قد قامت عليهم البينة، كما قال ـ تعالى ـ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 1 ) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( 2 ) فيها كتب قيمة} [البينة: 1 - 3] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده ما يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار»(1). وقد تبين لكل أحد، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 1002م، أن دعوة الإسلام قد دخلت بيت كل أمريكي ابتداء من رئيسها وإدارته إلى الأفراد العاديين من الشعب الأمريكي؛ فالحجة عليهم قائمة. ولم تكتف الولايات المتحدة بالكفر بالإسلام بل وضعت كل إمكاناتها للصد عن سبيل الله بكل وجه استطاعته. فلهذا اندرجت في سنة الله في إهلاك الكافرين والذين هم عن سبيل الله من الصادين. قال ـ تعالى ـ: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]. وقال ـ تعالى ـ: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 56] . وقال ـ تعالى ـ: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } [الأنفال: 36]. وقال ـ تعالى ـ: {فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير} [الحج: 44]. وقال ـ تعالى ـ: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } [محمد: 1] . فكل من يكفر ويصد عن سبيل الله مستحق للعقاب الشديد من الله تعالى، ولن تغني عنه قوته وسطوته شيئا إذا جاء أمر الله تعالى. قال الله ـ عز وجل ـ: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [آل عمران: 116].
2 - التأله:

(122/1)


لقد ادعت أمريكا لنفسها من القدرات ما لا يليق إطلاقه إلا على الله تعالى؛ فهي تمارس علاقاتها مع كافة دول العالم على طريقة فرعون عندما قال : {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38]. وعندما قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]. وعندما قال: { ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29]. فلما وقع للولايات المتحدة مثل هذا الادعاء، ليس بلسان المقال، بل بلسان الحال، كان لا بد أن تتعرض لعقاب الملك الديان؛ ذلك أن خطابها مع كافة حكومات وشعوب المعمورة كان منطلقا من جوف هذا الشعور المملوء بالغطرسة والتجبر، وكأنها تقول إنها تعز من تشاء وتذل من تشاء، كما وقع ذلك حين خاطب الرئيس الأمريكي بوش رئيس باكستان مشرف بقوله: أمامك خياران: إما أن تدخل في حلف الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وإما أن نعيد باكستان إلى العصر الحجري !! وحالها أيضا كحال النمرود عندما قال لإبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ: { أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] كيف؟ قال: آتي بإنسان حي فأقتله، وآتي بإنسان محكوم عليه بالقتل فأعفو عنه. وهكذا تفعل الولايات المتحدة؛ فمن تريد قتله سلطت عليه آلتها الحربية الجبارة من أمثال الطائرات B 25 أو صواريخ توماهوك (كروز) فأبادته وأحالت أرضه يبابا، ومن أرادت إبقاءه حيا عفت عنه. هكذا هو منطوقها ومفهومها. أي كما يفعل الإله. فسبحان الله ـ تعالى ـ عما يدعيه المتألهون. فبسبب ممارستها ما لا يحق لأحد أن يقوم به إلا الإله الحق استحقت أن يحيق بها العذاب الإلهي، كما حاق بفرعون عندما ادعى الألوهية. قال ـ تعالى ـ: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم} [الذاريات: 40]. وقال ـ تعالى ـ: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] .
3 - الذنوب:
صحيح أن الذنوب قد تقع من أي إنسان أو أمة، إلا أن الولايات المتحدة هي أبرز من يقود العالم نحو الموبقات، ومن أهمها الاقتصاد العالمي القائم على البنوك الربوية والبورصات المالية، ثم ما تنفذه من مخططات لتغيير السلوك السوي لدى بني الإنسان من خلال إنتاجها للأفلام الإباحية وأفلام الجريمة، المفعمة جميعها بكل ألوان الانحرافات التي تخطر على بال الإنسان أو لا تخطر. وقد تولت هوليود كبر هذه الطامات العامة الشاملة. هذا إضافة لفرض آرائها الضالة وأفكارها الشاذة في السياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها على معظم دول العالم مع تدخلها في الشؤون الداخلية لتلك الدول ومحاولة تغيير هويتها وخصوصياتها تحت مسمى «العولمة». هذا فضلا عن تهديداتها باستعمال القوة ضد أي دولة تتمرد على السير وفق المخطط الذي تضعه لها ملوحة للجميع بتواجد قواتها في كافة القارات وجميع المحيطات وفي الفضاء وآفاق السموات، وأنها لن تتورع عن استخدامها ضد كل من يقف حائلا دون تحقيق مصالحها الأنانية الخاصة بها دون غيرها.
ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل أخضعت جميع الأنظمة الحاكمة في العالم لتتبنى الديمقراطية كأسلوب لممارسة الحكم، وأن الدول التي لا تفعل ذلك تعتبر دولا مارقة. فلهذه الذنوب العظيمة، وغيرها كثير جدا، مما لا يتسع المقام لذكره وتعداده فإن هذه الدولة المتجبرة المتكبرة قد وضعت نفسها في موضع من يستحق أن ينزل عليه الغضب الإلهي والعقاب الرباني، حيث إن سنة الله ـ تعالى ـ قد جرت على هذا النحو في كل من يقترف أمثال هذه الموبقات في الأمم السالفات.

(122/2)


قال ـ تعالى ـ: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [العنكبوت: 40]. وقال ـ تعالى ـ: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب} [آل عمران: 11]. وقال ـ تعالى ـ: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } [الأنعام: 6] . وقال ـ تعالى ـ: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} [غافر: 21]. وقال ـ تعالى ـ: {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها}
[الشمس: 14 - 15].
فهذه الآيات تبين سنة الله في أخذه الأمم والدول بذنوبهم التي يقترفونها، محادين في ذلك لما جاءهم من الله ـ تعالى ـ على ألسنة أنبيائه ورسله. وإن الولايات المتحدة ليس لها عهد عند الله ـ تعالى ـ خاص بها لتستثنى من هذه السنن المضطردة؛ فلذلك يصيبها ما يصيبها بما اقترفت أيديها من الذنوب المهلكات.
4 - الظلم:

(122/3)


لا يختلف اثنان على الحجم الهائل للظلم الذي أوقعته أمريكا على الدول والشعوب والأفراد؛ فهي إضافة للظلم الذي تمارسه من خلال تدخلاتها وضغوطها السياسية، فإنها تضيف إلى ذلك استعمال قواها العسكرية. إن ذكر مسلسل الظلم الأمريكي للبشرية يمتد عبر قرون وذلك منذ إنشائها. فقد مارس المهاجرون الأوائل إليها جميع ألوان التنكيل والقتل والتشريد بالسكان الأصليين لتلك البلاد ممن أطلق عليهم الهنود الحمر. وأما في العصر الحديث فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت السلاح الذري الرهيب مرتين ضد دولة واحدة هي اليابان في كل من هيروشيما ونغزاكي؛ حيث أبادت الملايين من البشر. ثم بعد الحرب العالمية الثانية استمرت في ممارسة هذا المسلسل الإجرامي الدامي إما بشكل مباشر كما فعلت في فيتنام والعراق ولبنان وكوسوفا والصومال وإيران، وكما لا تزال تفعله الآن في أفغانستان وفي دعمها لإسرائيل عسكريا واقتصاديا وسياسيا، أو بشكل غير مباشر كما تفعله في دعمها للعدوان الروسي الغاشم على بلاد الشيشان، وكما تفعله في استخدامها للأمم المتحدة لتمرير مخططاتها الإجرامية بحق الدول والشعوب، كالذي حصل لتيمور الشرقية. ولأنها استمرأت الظلم فأصبح جزءا لا يتجزأ من ممارساتها المتعجرفة فإنها شرعت باستخدام قوتها ونفوذها للتأثير في أسعار البترول وفي تجميد أو مصادرة أموال دول وشركات ومؤسسات وأفراد، وفي اصطناع حروب بين الدول لإنعاش حركة الصناعة الحربية في معاملها. ولم تكتف أمريكا بذلك بل مدت ظلمها إلى الأفراد الإسلاميين والجماعات الإسلامية متذرعة بحجج لا أدلة لها فيها، كما فعلت بالشيخ عمر عبد الرحمن الذي أودعته سجونها دون توفير أدنى متطلبات الحقوق الإنسانية له رغم كبر سنه ومعاناته لعدد من الأمراض. وكما فعلت في تأليبها للأنظمة الحاكمة في كثير من بلاد العالم على الجماعات الإسلامية لتقزيم أنشطتها أو إيقافها بالكلية مع اصطناع وتلفيق التهم لها بالتآمر ليودع أفرادها السجون، ولتمارس ضدهم مختلف وسائل التعذيب. وبعد أحداث 11 سبتمبر 1002م التي عجزت الحكومة الأمريكية عن تقديم أدلة مقنعة أنها من صنع القاعدة، أعلنت الولايات المتحدة مشروعها الظلامي والذي اسمته الحرب على الإرهاب، ولا تقصد من ذلك في الحقيقة سوى ضرب حركات الجهاد الإسلامي أو من يدعمها، فشنت هذه الحرب الضروس الظالمة على طالبان وشعب الأفغان؛ وذلك في إطار مسلسل يتناول الشيشان وكشمير والفلبين وفلسطين وغيرها من الدول والجماعات والتنظيمات. ولقد جمعت أمريكا تحت عباءتها معظم دول العالم ليصبح الظلم ظاهرة عالمية مدعومة بما سموه بالشرعية الدولية، تمارسه هذه الدولة العاتية ومعها حلفاؤها من أعضاء الاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان ودول أخرى ضد الشعوب الإسلامية المستضعفة، بغية القضاء على دينها وامتصاص ثرواتها والهيمنة على ممتلكاتها واستثماراتها والسيطرة على أراضيها. إنه ظلم عالمي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لم يشهد له العالم مثيلا على مر قرونه وتعاقب دهوره، فاستحقت لأجل ذلك كله، مما ذكرته ومما لم أذكره (وهو كثير جدا جدا)، أن ينزل عليها غضب الملك الحق الواحد القهار. وما كان لأمريكا أن تنجو من هذه العقوبة؛ وذلك بسبب ظلمها الفادح وجورها الصارخ، ولأن عقوبة الله ـ تعالى ـ للظالمين، سواء كانوا أفرادا أو شعوبا أو دولا أو أمما، هي سنة جارية مضطردة مستمرة، لا تزول ولا تحول. ولأن هذه التصرفات الظالمة لم تقتصر على الحكومة الأمريكية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى الشعب الأمريكي نفسه، حيث دلت الاستفتاءات التي أجريت في شهر رمضان 2241هـ أن 58% من الشعب الأمريكي يؤيدون حكومتهم في حربها الظالمة الغاشمة المدمرة على شعب أفغانستان المستضعف. فلذلك فإن عقاب الله ـ تعالى ـ لا يقتصر على الحكومة الأمريكية فحسب بل يمتد في قوته وعنفه ليشمل هذا الشعب الظالم المتكبر.
قال ـ تعالى ـ: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود: 117].
وقال ـ تعالى ـ: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } [القصص: 59].
وقال ـ تعالى ـ: { إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } [العنكبوت: 31] .
وقال ـ تعالى ـ: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين}
[إبراهيم: 13].
وقال ـ تعالى ـ: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا} [الكهف: 59].

(122/4)


فأحد أسباب هلاك الأمم والدول أن أهلها ظالمون. وإذا وقع عذاب الله عليهم فإنه لا يتناول الشعب فقط، أي بني الإنسان، في تلك المدن أو الدول، بل هو شامل لكل ما فيها من حضارة وعمارة؛ فالإهلاك يقع عليهم جميعا كما قال ـ تعالى ـ: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} [الحج: 45] . قال الضحاك: أي قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها(1). وقال ـ تعالى ـ: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود } [هود: 82]. أي يعذبها الله ـ تعالى ـ عذابا قاصما، كما قال ـ عز وجل ـ: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين} [الأنبياء: 11]. فيصبحون عبرة للمعتبرين. قال ـ تعالى ـ: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [يونس: 39]. إن عقوبة الأمم الظالمة تكون إما برجز ينزل عليهم من السماء، كنيازك أو صاعقة، كما قال ـ تعالى ـ: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة: 59]. وكما قال: {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} [النساء: 153]. أو بإغراقهم بالطوفان، كما قال ـ تعالى ـ: {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} [العنكبوت: 14]. وكما قال: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [المؤمنون: 27]، أو بإرسال الصيحة عليهم، كما قال ـ تعالى ـ: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين [هود: 67] . أو بالريح كما قال ـ تعالى ـ: {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل عمران: 117]. أو أي عقوبة أخرى، كما قال ـ تعالى ـ: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227]. وكما قال ـ تعالى ـ: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} [النمل: 50 - 52] ، أو كما قال ـ تعالى ـ: {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165].
5 - البطر:
وهو كفر النعمة. وكفرها يكون إما بجحد المنعم بها وإما بعدم شكره أو باستخدامها في غير ما خلقت لأجله - كصناعة الخمر من العنب، وكالمتاجرة بالجنس، وكتصنيع السلاح لإخضاع الأمم ظلما وعدوانا، وكتوجيه الأبحاث العلمية فيما فيه ضرر على الإنسانية كالاستنساخ البشري، وما أشبه ذلك.
إن المتفحص لأسلوب ومنهج حياة الأمريكيين يرى أن جميع هذه الطامات الكفرية موجودة فيهم، كل بحسبه، لكنهم جميعا مشتركون في انتهاج البطر أسلوبا لحياتهم، ومعلوم أن البطر سبب من أسباب هلاك الأمم. قال ـ تعالى ـ: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين} [القصص: 58]. قال ابن كثير: بطرت معيشتها، أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال ـ تعالى ـ: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل: 112 - 113]، وقوله {وكنا نحن الوارثين} أي رجعت خرابا ليس فيها أحد(2).

(122/5)


ومن أنواع البطر التباهي بالقوة والجبروت واستخدام ذلك للتعدي على الإسلام وعلى الداعين إلى الله وللصد عن سبيل الله. وهو ما تفعله أمريكا، وتشجع وتؤيد حلفاءها على فعله واقترافه. قال ـ تعالى ـ: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط} [الأنفال: 47]، فهذه أمريكا قد جالت في البحار والأجواء والبراري بحاملات طائراتها ومدمراتها وبطائراتها وصورايخها، وبدباباتها ومدرعاتها متباهية بذلك أمام شعوب العالم ومرهبة لهم ليسمعوا لها ويطيعوا. وحالهم كحال قريش عندما خرجوا لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم في بدر؛ إذ قال أبو جهل: لا والله! لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، فكان عاقبة ذلك أن هزمهم الله ـ تعالى ـ شر هزيمة، وأنزل بهم أمحق عقاب فتشرذموا بين قتيل وأسير وفار مذعور، فانكسرت شوكتهم وحزنت نفوسهم. ولذلك نقول إن هذا الصولجان الحربي الذي رفعته الولايات المتحدة في وجه أمم الأرض، بطرة به، قد يحل به من العقاب الإلهي ما يعطل مفعوله ويخمد أنفاسه فيصبح كخردة الحديد (سكراب). وكانوا قد أعدوه للبطش بالدول والشعوب، تماما كما وصف الله ـ تعالى ـ حال عاد عندما قال لهم نبيهم هود ـ عليه السلام ـ: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 128 - 130].
فهلا اعتبرت الولايات المتحدة بعبر التاريخ، ونظرت في حال الأمم السالفة التي مارست البطش ضد عموم البشر فكان ذلك سببا لإهلاكهم! قال ـ تعالى ـ: {فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين} [الزخرف: 8]. وقال ـ تعالى ـ: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ق: 36 - 37]. وقال ـ تعالى ـ: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98]. وقال ـ تعالى ـ: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] قال ابن عباس: «ليس بحين نداء ولا نزاع ولا فرار» أي «نادوا النداء حين لا ينفعهم».
6 - الترف والإسراف:
معلوم لدى جميع قاطني المعمورة أن أعظم دولة تعيش حالتي الترف والإسراف هي الولايات المتحدة الأمريكية. إنه ترف وإسراف في كل شيء، في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمركب والأثاث والترفه (السياحة، الرياضة، الأفلام ـ سينما أو فيديو أو تلفزيون ـ، الإنترنت، وغيرها كثير...)، ومما يساعدها على ذلك أن معدل دخل الفرد فيها هو أكبر معدل بين جميع دول العالم. وقد بين الله ـ تعالى ـ أن من أسباب إهلاكه الأمم ترفهم وإسرافهم، قال ـ تعالى ـ: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء: 11 - 15]. وقال ـ تعالى ـ: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا} [مريم: 74] . وقال ـ عز وجل ـ: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين} [الذاريات: 32 - 34]. وقال ـ تعالى ـ: {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}
[طه: 127].

(122/6)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية