صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مقالات الشيخ سلمان العودة
المؤلف : سلمان بن فهد العودة
مصدر الكتاب : موقع الإسلام اليوم
www.islamtoday.net
أدخله إلى الموسوعة أخوكم خالد لكحل، عضو في ملتقى أهل الحديث

إن السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحدا ، والله – سبحانه وتعالى- يقول: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا "[النساء:123-124] .
إن كوني من الصالحين لا يسمح لي أن أجعل الصلاح ترسا أرفعه في وجه كل من يريد نصحي ، أو الاستدراك علي أو تصحيح خطأ مظنون أو مقطوع .
وهل الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين ؟!
وفي هذا المقام فإن من الضرورات الملحة قيام المعنيين بالإصلاح والتربية على تجديد هذا المعنى الكبير في نفوس المسلمين ، وهو أن الإسلام نفسه دين العمل: العمل للدنيا ، والعمل للآخرة ، والعمل للنفس ، والعمل للغير ، وأن المرء يثاب على عمله حتى عمله الدنيوي ، ولذا يقول النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البيهقي عن عائشة –رضي الله عنها-، وسنده جيد : ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ) وهذا يشمل كل عمل يقوم به المرء مما هو داخل في دائرة المباح فضلا عن المستحب أو الواجب ، سواء كان وجوبه بأصل شرعي ، أو كان لتحمله لمسؤولية العمل وتبعته بموجب العقد والاتفاق .
وفي الحديث الآخر عند أحمد وسنده صحيح ( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل ) وهكذا يرفع الإسلام من قيمة العمل حتى حين يتيقن الإنسان ألا ثمرة تحتسب له من ورائه، ويوجه المسلم إلى احتساب الأجر والثواب وهو يغرس فسيلة قد ينتفع بها إنسان أو طير .
ومن الواجب الملح التربية على أن هذا النسب الشريف (الإسلام ) يتطلب أن يكون المرء على القدر الشرعي المقبول اللازم من أداء واجبات هذا الانتساب ، وترك منهياته أومحرماته .

(71/6)


ويجب أيضا أن يتم الفصل بوضوح بين الإسلام ، وبين ممارسة المسلم ( فردا أو جماعة أو دولة ) فالإسلام دين رباني محكم مهيمن ، وهو المرجعية للحكم على الأشياء وتصحيحها .
أما عمل الناس وسلوكهم فهو قابل للنقد والمراجعة والتصحيح والنصيحة والملاحظة .
فكم يعزى إلى الإسلام ذنب **** وكل الذنب ذنب المسلمينا
والنصيحة نفسها عمل بشري قابل للمراجعة ما دامت تتعلق بأمر محتمل ، ليس من قطعيات الشريعة أو ضرورياتها ، والله أعلم .

(71/7)


وحدة الصف لا وحدة الرأي
25/05/2002
13/3/1423
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .

في محكمات الكتاب الكريم ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة البليغة الآمرة بالاجتماع ، والناهية عن التفرق ، حتى أصبح هذا الأمر من البدهيات المستقرة عند كل مسلم ، يقول الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)[آل عمران: 103 ـ 105] .

(72/1)


ويقول الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)[الأنفال: من الآية46] ، ويقول الله تعالى : (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )[العصر: 1ـ3] إلى غير ذلك من النصوص ؛ ولهذا أصبحت الجماعة والاجتماع على الخير والطاعة من ضروريات الدين ومحكماته ، والعبادات العامة كالصلاة ، والصوم والحج ، والأعياد وغيرها دليل عملي على ذلك .
ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث في هذا كثيرة جدا ، لعل من أشهرها حديث مسلم (1715) ( إن الله يرضى لكم ثلاثا (وذكر منها) أن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) فهذه الحقيقة واضحة وبدهية ومستقرة في حس كل مسلم ، لكن الشأن في تفعيلها ؛ لأن كثيرا من الإخوة يكون عندهم غيرة شديدة جدا على الدين ، وحرص عظيم على الوحدة ، لكن يفتقدون آلية تطبيق هذه الوحدة ، وبذلك يصبح الإنسان ـ وهو يتباكى على وحدة المسلمين ، وعلى اجتماع كلمتهم ، واجتماع صفهم ـ كأنه يريد من الناس أن يجتمعوا على قناعاته ، وآرائه ، واختياراته ، واجتهاداته ، وهذا أمر متعذر ؛ لأن الناس لم يجتمعوا على من هو خير منه ؛ فأولى أن لا يجتمعوا عليه .
إنما الشأن في القدرة على وجود منهجية نتقبل فيها الخلاف ، بحيث تكون فيها الوحدة على أصول شرعية صحيحة ، وليست على آراء أو اجتهادات خاصة لفرد أو فئة أو طائفة من الناس .
أما وحدة الصف فتعني في الأصل أمة واحدة تحت سلطان واحد يحكمها بشريعة الله سبحانه وتعالى ، وهذا كان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عهود الخلفاء الراشدين ، ثم عهود الأمم والدول الإسلامية المستقرة التي كانت تحكم المسلمين في مشرق الأرض وفي مغربها ، ويدين لها بالطاعة أهل الإسلام كافة .

(72/2)


ولهذا جاء في السنة النبوية من الأحاديث ، والأحكام الصارمة في هذا ما يتعجب منه الإنسان ، منها على سبيل المثال قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية ) والحديث متفق عليه عند البخاري (7054) ومسلم (1849) من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ) و المعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بالغ في التحذير من الخلاف والفرقة ، والحث على الاجتماع والوحدة بحيث إن من خالف ذلك لقي الله ـ تعالى ـ يوم القيامة وليس له حجة ، ( ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) رواه مسلم (1850) عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ وكذلك الحديث الثالث ( إنه ستكون هنات وهنات ـ أي: أحوال وفتن ـ فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة , وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) رواه مسلم (1852) عن عرفجة ـ رضي الله عنه ـ ، وإذا كان هذا أمرا مضى ، وعقد المسلمين قد انفرط منذ فترة طويلة ، وتحولت الدولة الإسلامية الكبيرة إلى دول كثيرة تحكم بأجزاء من الشريعة ، ولا تحكم بأجزاء أخرى , ويكون بينها من الاتفاق ومن الاختلاف ما هو معروف مشهور ، فلا شك أن ذلك الواجب المطلوب من المسلمين في الأصل ، ينتقل إلى المحافظة على المعنى الذي ترمي إليه الشريعة ، وهو صلاح دين المسلمين وصلاح دنياهم ؛ لأن أصل نظام الخلافة ، ونظام الحكم في الإسلام إنما شرع من أجل حفظ الدين وحفظ الدنيا ، كما قال ابن تيمية في السياسة الشرعية : إن المقصود هو حفظ الدين وسياسة الدنيا به .
فينتقل الواجب إلى المحافظة على المعنى ، وهو صلاح دين المسلمين وصلاح دنياهم ، فمما يدخل في هذا ويجب على المسلمين السعي في تحصيله :

(72/3)


أولا : سلامة الصدور والنفوس من الأغلال ، والأحقاد ، والكراهية ، والضغائن ، والبغضاء وأن يحل محلها التسامح والتغافر والتعاذر والرحمة والشفقة (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: من الآية29] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .
ثانيا : التعاون على البر والتقوى , وترك التعاون على الإثم والعدوان ، كما أمر الله ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .
ثالثا : العمل ما أمكن في خطوط متوازية ومتعاضدة غير متقاطعة ولا متعاندة ؛ لأن في الناس من لديه همة لإحياء شعيرة من شعائر الدين ، وفيهم من لديه همة لإحياء شعيرة أخرى ، وفي كل خير ، وافتعال الخصومة أو التعاند بين هذه الأعمال الإسلامية المختلفة قد يضيع كثيرا من الجهود ، ويهدر كثيرا من الطاقات ، ويقعد الناس عن العمل ، ويحدث عند كثير من العوام ـ بل عند بعض المبتدئين من طلبة العلم ـ نوعا من البلبلة ، والاختلاط ، والتردد ، والضعف ، وقد يؤثر كثير منهم أن يبتعد عن المجالات الإسلامية ، والعمل الإسلامي ، والخير والدعوة ، والعلم لما يرى من العداوات ، والبغضاء والتناحر ، ويطلب السلامة لقلبه والسلامة لنفسه في أجواء آمنة هادئة مستقرة ، حتى ولو لم يكن فيها عمل ولا خير ، ولكنها أجواء طبعية بعيدة عن مثل هذا التوتر .

(72/4)


رابعا : إحياء مبدأ النصيحة ، ومبدأ النصرة كما في الحديث الذي رواه البخاري (6952) عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما) فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما ؛ أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال: ( تحجزه أو تمنعه من الظلم ؛ فإن ذلك نصره ) ، وفي لفظ ( تأخذ فوق يديه ) عند البخاري (2444) من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ، وفي لفظ ( تأخذ من نفسه لنفسه ) أي : تأخذ منه ولا تنصره على الباطل ، ولا تواليه ولاء مطلقا عاما في الخير والشر ، وفي الحق والباطل ، وإنما تكون معه على الخير ، وتكون ضده على الخطأ ؛ فلا عصبية لشيخ ولا لمتبوع ، ولا لإمام ، ولا لشخص ، ولا لداعية ، ولا لجماعة ، ولا لطائفة ، ولا لمذهب ؛ وإنما الولاء للحق ، والحق يكون تارة مع هذا وتارة مع هذا ، وأحيانا يكون في الموقف الواحد جزء من الحق مع هذا ، وجزء من الحق مع ذاك ، ويمكن للإنسان مع التدرب أن يتعود كيف يستطيع أن يبحث عن الحق ، لا يلزم أن يصيبه دائما , لكن أن يبحث عنه هنا وهناك ، حتى لو كان في مقتبل تكوينه ودراسته .
خامسا: ومما يدخل في ذلك الاجتماع على محكمات الشريعة كما يسميها العلماء ، التي أجمع عليها السلف الصالح ، وقبول الخلاف فيما اختلفوا فيه .
فنتفق ونجمع على ما اجمعوا عليه من محكمات الشريعة ، ونقبل الاختلاف فيما اختلف السلف الصالح فيه ؛ فإذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا ، أو الأئمة من السلف الصالح فلا تثريب ولا غرابة أن يقع هذا الاختلاف فيمن كان بعدهم .
وهناك أشياء تناقض هذا المعنى ، وهي كثيرة منها:

(72/5)


أولا : تنزيل النصوص على غير وجهها واعتبار أن الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة تنطبق على جماعة خاصة ، أو تنظيم معين ، أو حزب ، أو طائفة ؛ فهذا لا شك أنه قلب للحديث النبوي من كونه دعوة للمسلمين للاجتماع على هذه السلطة العامة المتفق عليها إلى أن يكون اختلافا ؛ فكل طائفة أو جماعة أو حزب يعتبر هذه الأحاديث خاصة به ، ويلزم الناس بالاتفاق عليه وبيعته وطاعته واتباعه ، ويعتبر من ليس كذلك ؛ أنه قد نزع يدا من طاعة ، وخلع ربقة الإسلام من عنقه ، وإن مات على ذلك فميتته جاهلية ، ويلقى الله يوم القيامة ولا حجة له إلى غير ذلك مما يقع للناس كثيرا ، وهذا مصداق ما أخبر الله ـ تعالى ـ به (كل حزب بما لديهم فرحون)(المؤمنون:53) ؛ فكل طائفة أو جماعة ترى نفسها واجبة اللزوم واجبة الاتباع ، ولا ترى هذا الحق لغيرها .
ثانيا: أن يقوم وجود المرء على أساس تقويض جهود إسلامية أخرى صحيحة ، ليست جهودا ضالة ، ولا مبتدعة ، ولا محاربة للإسلام ؛ وإنما جهود صحيحة ، وعلى منهج ـ في الجملة ـ سليم ، لكنه يختلف معها في مسائل وجزئيات واجتهادات في تنزيل بعض النصوص على بعض الأحوال ، وهذا مما لا سبيل إلى الفرار منه ؛ فمن الخطأ أن يكون الجهد في ما يكتب ، وما يقال يصب في محاولة مصادرة الآخرين ، أو القضاء عليهم ، أو التحذير منهم أو ما أشبه ذلك من المعاني ، حتى لو افترض أن عندهم شيئا من التقصير ؛ فهناك من هو أشد تقصيرا منهم ، هناك الكفار الأصليون الظاهرون وجودا ، والظاهرون قوة وتمكينا ، وهناك أهل البدعة الظاهرة المتحزبون على بدعهم ، فالاختلاف والتناحر داخل الإطار العام ، الذي أجمع عليه السلف الصالحون ، ليس من المصلحة في شيء .

(72/6)


ثالثا : الاجتماع على معان خاصة ، أو فروع اجتهادية محتملة ، قد تفصلنا عن الآخرين ، وتجعلنا عرضة للانشقاق ولو بعد حين ؛ لأنها بطبيعتها ليست ثابتة ، بل متغيرة ، و ليست أصولا بل فروع حولناها إلى أصول بالإلحاح عليها ، وتكبيرها ، وإلا فهي في ابتداءها قد تكون فروعا اجتهادية ، أو محاولات دعوية لها جوانب خير ، لكن لا يصح أن تتحول إلى أصول .

(72/7)


وحدة الصف لا وحدة الرأي
01/06/2002
20/3/1423
محكمات الشريعة
المحكم في المعنى اللغوي يشمل ثلاثة معان :
أولا: أن هذا المحكم محفوظ لا يمكن تغييره ولا تبديله فتقول: هذا شيء محكم أي : ليس بمنسوخ فهو ثابت لا يمكن تغييره ولا استبداله.
ثانيا: الواضح البين المفسر الذي ليس فيه غموض ولا خفاء.
فهذه المحكمات مع كونها ثابتة مستمرة؛ فإنها واضحة ظاهرة سهلة الفهم، سهلة القبول، سهلة التلقين لعامة الناس .
ثالثا :كون هذه المحكمات أصولا ثابتة، ومراجع ترجع إليها الفروع، ويعاد إليها ما خرج منها ؛ فهي أصول ثابتة يتفرع عنها أشياء أخرى .
فهذه المحكمات التي نطلب أن يكون الاتفاق عليها وليس على غيرها هي المسائل الواضحة البينة الأصلية التي جاءت بها الشريعة الربانية، وأجمع عليها الصحابة – رضي الله عنهم - والسلف الصالحون من وجوب عبادة الله – عز وجل - وتحريم الكفر والشرك والنفاق، وتحريم الظلم والربا والفواحش، ومن أركان الإسلام الخمسة المعروفة، وأصول الإيمان الستة المعروفة، وقواعد الأخلاق التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بل جاء بها الأنبياء كلهم كوجوب الصدق، وتحريم الكذب ووجوب العدل وتحريم الظلم، ووجوب البر وتحريم العقوق، وما أشبه ذلك.
ومن ذلك جوامع المنهيات الثابتة في القرآن والسنة كما في حديث السبع الموبقات وغيرها.
ويتحقق من خلال هذه المحكمات أمران عظيمان :
الأول: المحافظة على الدين، على الإيمان بالله ـ تعالى ـ والملائكة، والكتب، والرسل، والنبيين، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار وما يتعلق بذلك كله، والمحافظة على طاعة الله – عز وجل -، بتطلب رضى الله - تعالى - عن المسلم في الدنيا، وتحقيق النجاة في الدار الآخرة من النار ودخول الجنة .

(73/1)


وهذا يتحقق للمؤمنين المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، وهم الذين يتحقق لهم هذا الأمر على سبيل التحقيق، ولا يتحقق لغيرهم.
الثاني: المحافظة على الدنيا، وهذا ما يعبر عنه العلماء والأصوليون بحفظ الضروريات الخمس التي لابد من حفظها وهي : حفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ العقل.
وكل الأوامر الشرعية والنواهي ؛ فهي تدور حول تحقيق هذه الأشياء الخمسة. وهذه الأشياء تتحقق للمؤمنين ولطوائف من غير المؤمنين ممن عمتهم رحمة الإسلام كالذين يقعون تحت سلطة الإسلام أو يدفع الله - تعالى - عنهم بالإسلام بعض الضرر، والتاريخ زاخر بالأخبار كما قال سعد بن محمد بن الصيفي المعروف بحيص بيص :

ملكنا فكان العفو منا سجية **** فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالما **** غدونا على الأسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا **** وكل إناء بالذي فيه ينضح

(73/2)


ومن أمثلة المحكمات ما رواه الترمذي (3070) وحسنه والبيهقي في شعب الإيمان (7539) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد – صلى الله عليه وسلم - التي عليها خاتمه ؛ فليقرأ هؤلاء الآيات (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [ الأنعام:151-153].

(73/3)


ولذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (35844) عن كعب الأحبار أنه قال : كان أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت في آخر سورة الأنعام، وهي ما يسمونها بـ " الوصايا العشر " وعليها مدار الرسالات السماوية، والرسل ـ صلى الله عليهم وسلم جميعا ـ اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء، ومما اتفقوا عليه هذه الوصايا العشر التي عليها مدار صلاح الدين والدنيا، وأما ما اختلفوا فيه، فمن الفروع، في الأحكام، والحلال والحرام وغير ذلك من المسائل المؤقتة القابلة للتغيير والتبديل والنسخ، ولهذا قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : " إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب" ثم قرأ: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)[الأنعام: 151] " رواه الحاكم(3291) وابن أبي حاتم في التفسير، فكأنه سئل عن قول الله – عز وجل - : (منه آيات محكمات هن أم الكتاب) فأجاب بذلك، [آل عمران: من الآية7] ؛ ومثل ذلك ما رواه الطبري في تفسيره أنه قال ـ يعني ابن عباس ـ : المحكمات هي الآيات الثلاث من سورة الأنعام، وكذلك من سورة الإسراء (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) إلى قوله تعالى :(ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) [الإسراء:39] فهذه الآيات فيها تحديد للمحكمات والقطعيات والضروريات، التي عليها مدار الاجتماع، ومدار وحدة الكلمة .
والمحكمات الواردة في هذين الموضعين من القرآن الكريم عشرة :
أولا: وجوب عبادة الله وتحريم الشرك به .
ثانيا : وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما .
ثالثا : وجوب حفظ النفس، وتحريم القتل بغير حق سواء كان قتلا للقريب كالأولاد، أو للبعيد.
رابعا : تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

(73/4)


الفواحش الظاهرة كالزنا، وشرب الخمر، والربا وغيرها.
والفواحش الباطنة كالفواحش القلبية مثل: الغل، والحقد، والحسد، والنفاق، وغيرها من المعاني الباطنة، ومثله ما يقع في الخفاء من الفواحش .
خامسا : حفظ المال وأداء الحقوق فيه للمحتاجين، ومن ذلك عدم العدوان على أموال اليتامى وغيرهم.
سادسا : وجوب الوفاء بالعهد والميثاق سواء كان عهدا مع الله - تعالى - أو عهدا مع خلقه، وكلما كان هذا العهد أوثق كان الوفاء به أعظم .
سابعا : وجوب العدل - وهذا من أعظم الأصول - في الأقوال والأعمال، ووجوب الوزن بالقسط (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) [الرحمن:9].
ثامنا : تحريم الكبر، وتحريم الأخلاق المذمومة كلها بعامة، والأخلاق المذمومة تعرف بالشريعة، وتعرف بالعقل، وتعرف بالفطرة.
تاسعا : وجوب اتباع صراط الله المستقيم وتجنب السبل المضلة (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الأنعام: 153]
عاشرا : ترك قفو الإنسان ما ليس له به علم، واستشعار الإنسان المسؤولية عن السمع والبصر والفؤاد واللسان (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) [الإسراء: 36].
ومما يدخل في هذا أن كثيرا من الناس ينهمكون في ضرورة تكوين رأي عن كل قضية، وقد لا يكونون متأهلين لذلك، إما بحكم حداثة السن، أو قلة الفقه في المسألة، أو قلة الاطلاع على تفاصيلها، أو للانشغال بما هو أولى وأهم منها، ومع ذلك قد يصر على أن يكون له رأي في كل مسألة يرى الناس يصطرعون حولها أو يختلفون فيها، وكان الأولى به أن يتجاوز هذه النقطة ويتركها إلى ما هو أولى وأهم منها.

(73/5)


يقول ابن تيمية : إن الرسل كلهم - عليهم الصلاة والسلام - متفقون في الدين الجامع في الأمور الاعتقادية والأمور العلمية كالإيمان بالله تعالى والملائكة والكتاب والنبيين ... إلى غير ذلك وكذلك الأصول العملية كالأعمال المذكورة في سورة الأنعام ؛ فهذا من الدين الجامع الذي اتفق عليه الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام.

(73/6)


وحدة الصف لا وحدة الرأي
09/06/2002
28/3/1423
التأسيس لوحدة الصف
إن بناء الوحدة الأخوية الإيمانية بين المسلمين بعامة، والدعاة وطلبة العلم بخاصة على هذه العصم الكبار من أصول الشريعة، ومحكمات الدين ضمان لديمومتها واستمرارها وحماية لها من التصدع والانشقاق والانهيار؛ لأن هذه المسائل واضحة لا لبس فيها، وهي أصول وقواعد يرد إليها غيرها، وهي –أيضا- ثابتة مستقرة لا مجال للخلاف، أو التردد، أو الشك، أو الطعن فيها، فلا يمكن -بعد أن تمضي علينا سنوات ونقطع جزءا من الطريق- أن نعود أدراجنا لنجادل في هذه المحكمات –مثلا- أو في هذه الثوابت، أو في هذه القواعد المستقرة؛ فينشق منها مجموعة تخالف في أصل أو ثابت، فهذا يعد نوعا من الضلال، ولذلك إذا كانت الوحدة مبنية على هذه الأصول الكبار العظيمة، ووفق الفهم الشرعي السليم البعيد عن الانحياز فإنها تكون وحدة راسخة ثابتة مستقرة لا تتغير بالمتغيرات؛ والمتفقون عليها بمأمن من الخلاف الذي يحدث الفرقة والانشقاق، بينما بناء الوحدة على غير هذه الأسس أو عليها، ولكن مضافا إليها شروط، وفروع، وتفاصيل، واجتهادات، ومفردات أخرى يجعل هذه الوحدة عرضة للخلاف كلما مر جزء من الوقت، وكلما تنوعت الاجتهادات، وكلما كثر الناس، وكبرت عقولهم، واتسع علمهم، وبحثوا وحققوا.

(74/1)


ولذلك تجد الطلبة –مثلا- حينما يتلقون عن شيخهم أول الأمر؛ فإنهم يأخذون اجتهاداته وترجيحاته مأخذ التسليم؛ لأنه ليس عندهم تأهل علمي للبحث، والتحري، والمراجعة، والتصحيح، والتحقيق، لكن عندما يكبرون، وتتسع علومهم ومداركهم، ويتحولون إلى نوع من الاجتهاد، والبحث في الكتب، والنظر في أقوال أهل العلم، يبدؤون بمخالفة شيوخهم في الاجتهادات أحيانا، وقد يختارون من الأقوال غير ما اختار شيوخهم، وقد يوافقونهم على بعض الأمور، وقد يوافقونهم على جزء من القول، ويخالفونهم على جزء آخر منه، فهنا لم تكن الوحدة، ولم يكن الولاء مبنيا على هذه المفردات، أو على هذه الفروع، أو على هذه الاجتهاديات القابلة للمراجعة، وللنظر وللتصحيح، فلو كانت الوحدة مبنية على هذا لكان بناء على غير أساس، أو على أساس من الملح إذا جاءه المطر ذاب وانهار، أما إذا كان البناء مبنيا على قواعد راسخة وصلبة من البناء القوي المتين المحكم فإنه يكون بمنجاة من التعرض للخلل أو الاهتزاز يوما من الأيام.
فإذا كانت الوحدة وكان الولاء مبنيا على اختيار قول فقهي خلافي، ومنابذة من خالف هذا القول سواء كان في مسائل العبادات أو المعاملات أو غيرها، أو بنيت الوحدة على فرع ينتج من تطبيق مبدأ على محله، فقد يكون المبدأ متفقا عليه، لكن تطبيقه على المحل موضع اختلاف بين النظار والفقهاء، كذلك إذا بنيت على رأي خاص في بعض النوازل وبعض المسائل الاجتهادية الطارئة.

(74/2)


فمثلا: قوم اجتمعوا وتحالفوا على التزام جلسة الاستراحة في الصلاة، واعتبار أن من الشروط الإيمان بأن هذه الجلسة مطلوبة، بل يبالغ بعضهم ويقول: إن هذه الجلسة وإن كانت مستحبة إلا أنها أصبحت شعارا لنا يميزنا عن غيرنا من الناس من المسلمين، مع أن التميز عن عامة المسلمين ليس مطلوبا في الأصل إلا أن يكون تميزا بحق لابد للإنسان منه، من غير أن يتقصد أو يتعمد التميز أو الشهرة عن جماعة المسلمين، وإذا كان الاتفاق والولاء والوحدة مبنية على الجهر بالبسملة في الصلاة، أو الإسرار بها، أو على وضع اليدين على الصدر أو أسفل من ذلك، أو على القنوت في الصلاة أو ترك القنوت، أو على القول بإبطال الحجامة للصيام، أو على الحكم بتكفير شخص أو جماعة، أو فئة، أو طائفة، أو بدعية هؤلاء مما ليس أمرا قطعيا ولا ظاهرا؛ وإنما قد يكون -على أحسن الأحوال- محل نظر وتردد واجتهاد، وقد يكون خطأ من قائله؛ فإذا كان الاجتماع مبنيا على مثل هذه المعاني فإن معنى ذلك أن الوحدة عرضة للتغير بعد حين، وهو اجتماع -لا محالة- آيل إلى الفراق؛ لأن هذه الأمور مع تقدم الوقت، وسماع الإنسان أدلة أخرى ووجهات نظر أخرى تتغير قناعته، ويبدأ التحرير والبحث والتحقيق؛ خصوصا إذا كان عنده قدر من الولاء للحق والرغبة في الوصول إليه؛ فيؤول الأمر إلى انشقاق طويل عريض.

(74/3)


والاجتماع لا يكون إلا على قبول الاختلاف، فقد اختلف الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في حالات متعددة والوحي يتنزل عليهم صباح مساء، ومن ذلك قصة موسى -عليه الصلاة والسلام- لما ذهب إلى ربه وترك أخاه هارون مع قومه، وقال له:"اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين"[الأعراف:142]؛ فعبد بنو إسرائيل -من بعد موسى- عجلا "واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار"[الأعراف:148]؛ فنهاهم هارون -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك وقال: إنما هذا من الشيطان وإنما فتنتم به, وأمرهم باتباع موسى -عليه الصلاة والسلام-، ولكنه بقي معهم، فلما جاء موسى -عليه الصلاة والسلام- ورأى ما رأى غضب "وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه"[الأعراف:150]، وعاتبه على ذلك: "قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري"[طه: 92, 93] فكان موسى يعتب على هارون، ويطالبه بموقف آخر مختلف غير الذي فعل؛ فيقول له هارون:"يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي"[طه:94] أي: أنا نظرت إلى الموضوع من زاوية ثانية رأيت ألا أفرق هؤلاء، وأن أبقى معهم حتى تعود وترى فيهم رأيك وأمرك؛ ولهذا قال قتادة عند هذه الآية: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم.
فهارون -عليه الصلاة والسلام- كان مأخذه الحرص على بقائهم واجتماعهم حتى يأتي موسى -عليه الصلاة والسلام- فيعالج الأمر بما يراه، مع أنه بذل لهم النصيحة والوسع, فهذا نموذج للاختلاف في معالجة بعض المواقف الطارئة أو المستجدة, أو ما يسمى -لدى الفقهاء- بالنوازل, حتى بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.

(74/4)


وذلك أنه اختلاف اجتهادي إجرائي مبناه على تحصيل مصلحة الإسلام العليا, وليس توحيد الله -تعالى- محل خلاف, بل هو دعوة الأنبياء جميعا, ولا رفض الشرك وأهله محل خلاف, بل هو جزء من شهادة أن لا إله إلا الله, وإنما الاختلاف جرى في طريقة تحصيل أعلى المصلحتين, ودفع أعلى المفسدتين, ونعوذ بالله أن يبلغ الجهل بأحد أن يصنف هذا التفاوت على أنه خلاف في الأصول والثوابت, فهذا تنقيص من مقام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.
ومن هذا الباب قصة موسى والخضر، التي حكاها الله –تعالى- في كتابه في سورة الكهف وقد اعترض موسى على الخضر ثلاثا فقال:"أخرقتها لتغرق أهلها" "أقتلت نفسا زكية بغير نفس" "لو شئت لاتخذت عليه أجرا" وبين له الخضر بعد سر ما رآه , محتجا بالوحي "وما فعلته عن أمري".
وهذا درس عظيم رفيع في فقه الصحبة والتعامل مع الخلاف والتراجع, ودرس رديف في الصبر وطول النفس؛ لأن كثيرا من الناس لا يصبر على ما لم يحط به خبرا.
وموسى -عليه الصلاة والسلام- كان نبيا رسولا من أولي العزم, وكانت الأولى منه نسيانا, والثانية إنكارا على ما ظهر له مخالفته للشريعة... ويتأمل ماذا كانت الثالثة؟ فالله أعلم.

(74/5)


وكذلك قصة احتجاج آدم وموسى، وهي في البخاري (6614) ومسلم (2652) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة! قال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده, أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! فحج آدم موسى, فحج آدم موسى" ثلاثا, وهذا الحديث ليس هذا محل تفصيله, ولابن تيمية رسالة لطيفة بعنوان (الاحتجاج بالقدر) يمكن مراجعتها، وإنما المقصود هنا أنه حصل بين آدم وبين موسى -عليهما السلام- نوع من المراجعة والاختلاف, فموسى -عليه السلام- عاتب آدم -عليه السلام- على شيء، وآدم -عليه السلام- رد بجواب آخر, والنبي –صلى الله عليه وسلم- حكم بينهما وبين أن حجة آدم -عليه السلام- أغلب وأصوب؛ لأنه احتج بقدر على أمر مضى وانقضى وعلى أمر قد تاب منه وأناب و اجتباه ربه وتاب عليه وهدى.
وفي قصة موسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- في حادثة المعراج, وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- لما مر على موسى -عليه السلام- وأخبره بالصلوات الخمسين وفرضيتها, قال: إني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة, وإن أمتك لا تطيق ذلك, ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فرجع النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى كان آخر ذلك أنه قال –صلى الله عليه وسلم- له راجع ربك, فقال –صلى الله عليه وسلم-:"قد استحييت من ربي" انظر ما رواه البخاري (349) ومسلم (162) من حديث أنس -رضي الله عنه-.

(74/6)


فهنا مراجعة, ومحاولة إقناع واقتراح وإلحاح، لكنها –أيضا- في حدود معينة, ولا شك أن موسى -عليه السلام- كان له مأخذ من خلال تجربة ومعايشة مع بني إسرائيل, ورأى في بني إسرائيل من التلوم، والضعف، والتراجع، والتردد ما جعله يقول هذا, والنبي -صلى الله عليه وسلم- استجاب له أولا، وثانيا، وثالثا, حتى استحيا من ربه, وكان في هذا حكمة بالغة؛ لأن في هذه الأمة المحمدية الخاتمة من الفضل والمكانة، والسؤود والرفعة ما ليس لبني إسرائيل.
فهذا أمر جبل الله –تعالى- عليه العباد, ومن الخطأ أن نظن أن فلانا أتقى لله -تبارك وتعالى- لأنه أشد في الدين أو في المواقف؛ فالشدة هنا قد تكون في طبعه، وهي خارجة عن اللزوم الشرعي.

(74/7)


عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟" قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم، واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة:يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا. قال: فقال العباس: قطعت رحمك. قال: فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يرد عليهم شيئا، قال: فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. قال: فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:"إن الله ليلين قلوب رجال فيه، حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه، حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم -عليه السلام-، قال:"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" وإن مثلك يا عمر كمثل نوح، قال:"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا" وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال:"رب اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" ..." الحديث رواه الترمذي (1714) وأحمد (3632).

(74/8)


فاللين هنا محمود؛ لأنه في الله –سبحانه وتعالى- لكنه تكويني وجبلي, فقد يكون من طبعي أنني لين, وأحب أن يسلم الناس, وأن يؤمنوا وأن يتقوا الله –سبحانه وتعالى- فأرفق بهم، وأوسع عليهم رغبة في تأليفهم على الإسلام، وهذا نموذجه أبو بكر -رضي الله عنه-, ولهذا قال:"إن الله ليلين قلوب رجال فيه"، وليس هذا اللين خارجا عن الشريعة, مثل أن يكون إقرارا لهم على معصية، أو موافقة لهم على مخالفة شرعية صريحة، أو ما أشبه ذلك من المعاني، كذلك التشديد لما قال:"ليشدد قلوب رجال فيه" هذه الشدة ليست مذمومة، فليست تنطعا ولا غلوا، ولا إجحافا، ولا إهدارا لحق الآخرين، وإنما هي شدة في الله -تبارك وتعالى- ولهذا قال:"حتى تكون أشد من الحجارة" فلا يفهم أن هذه قسوة مذمومة كقوله –تعالى-:"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة"[البقرة: 74], وإنما هي شدة في الحق سببها الغضب لله -عز وجل-, والخيمة لدينه, فاللين مثاله أبو بكر -رضي الله عنه-, والشدة مثالها عمر -رضي الله عنه-، وأبو بكر أفضل من عمر -رضي الله عنهما- فلو وزن إيمانه بالأمة لوسعهم، وهو صديق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها –صلى الله عليه وسلم-، وقد جاء في مدحه من الفضائل ما لم يأت لغيره من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-.
فليس اللين -في حد ذاته- علامة على صدق التدين، كما أن الشدة والقوة ليست علامة على صدق التدين أيضا.
التدين قد يكون سواء, لكنني عبرت عن التدين من خلال تكويني الذي جبلني الله –تعالى- عليه، وهو اللين، وأنت قد تكون عبرت عن هذا التدين بما جبلك الله –تعالى- عليه وهو القوة والشدة، وفي كل خير.

(74/9)


فها نحن نرى الخلاف -بعد ما رأيناه مع أنبياء الله ورسله- بين أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم- في مسألة اجتهادية تتعلق بالأسرى، ولهذا نظائر كثيرة جدا لا يمكن إحصاؤها، كاختلافهم في بني قريظة وهو معروف، واختلافهم في تولية بعض الأمراء كقصة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في سورة الحجرات، واختلافهم فيما لا يحصى من المسائل الفقهية في العبادات، والبيوع، والأنكحة، وغيرها.
وهذا كله مما لا حيلة في دفعه ، فهو أمر واقع لا مفر منه؛ لأنه مترتب على طريقة تفكير الناس وتكوينهم وطبيعتهم وما جبلهم الله –تعالى- عليه، وأيضا على علمهم ومدى ما وصلوا إليه من تصحيح نص أو تضعيفه، ومن فهمه على وجهه أو على وجه آخر, أو ما أشبه ذلك من الاعتبارات التي ذكر كثيرا منها الإمام ابن تيمية في كتابه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
والمعاندة لهذا الاختلاف مما لا مصلحة فيه؛ لأنها معاندة للفطرة, ومعاندة للجبلة والطبيعة التي فطر الله الناس عليها، فلم يبق إلا تسويغه وقبوله وفق ضابط أصلي وهو ألا يقع هذا الخلاف في الضروريات وفي المحكمات التي أجمع عليها السلف –رضي الله عنهم-، ولا مانع من استقراء ضوابط أخرى في بعض الأحيان مما يكون في حدود الاعتدال، وتكون للمدارسة والمراجعة، ولا يكون هذا إخلالا بالمحكمات، وهذا مما لابد منه، وهو أمر واضح مستقر -كما أسلفنا-.
(في الفروع لا الأصول)
ويكون الخلاف في الفروع وليس في الأصول، فالسلف متفقون –مثلا- على أن الصلاة ركن من أركان الإسلام, وأن من جحد وجوبها فهو كافر؛ لكنهم مختلفون في صفة الصلاة وتفاصيلها، وفي بعض شروطها، وفي بعض واجباتها، وفي حكم تاركها؛ فلا يجوز أن تحول نقطة من هذه النقاط إلى محل وحدة، وأن الخلاف فيها يفضي إلى فرقة، وتنازع، وتحزب، واتهام.

(74/10)


جاءني سؤال من بعض الإخوة يقول: إن عندنا قوما في بعض الدول الإسلامية -دول المغرب العربي- يقولون: إن من جادل في كفر تارك الصلاة فهو ليس من الفرقة الناجية, وهذا الكلام ليس بصحيح لعدة أمور:
أولا: هذا القول لم يقل به أحد من السلف.
ثانيا: هذا القول يترتب عليه أن يكون الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة ليسوا من الفرقة الناجية؛ لأنهم لا يقولون بكفر تارك الصلاة.
ولذا فقد أرجح أن تارك الصلاة كافر, أو أرجح كما رجح الإمام ابن تيمية أن التارك بالكلية الذي يترك ولا يصلي ليلا ولا نهارا، ولا في رمضان ولا غيره، ولا جمعة ولا جماعة، ولا بالمناسبات بل هو مقاطع للصلاة مقاطعة تامة أن هذا يكون في عداد الكافرين؛ للنصوص الواردة.
ولكن تبقى المسألة من مسائل الفقه التي وقع فيها الخلاف بين السلف, فكوني أرجح قولا وأختاره, هذا لا تثريب فيه , لكن كوني أنقل اختياري وترجيحي وأدخله ضمن المحكمات التي لا تكون الوحدة ولا الاجتماع إلا عليها, ومن خالف فيها أخرجته من الفرقة الناجية أومن السلف الصالح، فهذا غلط ظاهر, وفيه مصادرة لاجتهادات ربما كانت أصوب من غيرها.
وكذلك نجد أن السلف متفقون على ربانية القرآن الكريم, وأنه من عند الله –سبحانه وتعالى- وأنه منزل غير مخلوق, ومتفقون على مرجعية القرآن, ولكنهم قد يختلفون في تفسير آية من القرآن الكريم، هل الآية محكمة أو منسوخة؟ وقد يختلفون في بعض الحروف والقراءات الواردة في القرآن الكريم.
وكذلك هم متفقون على مرجعية السنة النبوية "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"[الحشر:7] ولكنهم قد يختلفون في تصحيح حديث أو تضعيفه, أو الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ويختلفون في فهم بعض النصوص؛ ولهذا جرى الخلف بينهم –رضي الله عنهم-، حتى في بعض الأشياء الظاهرة التي قد يستغرب البعض كيف اختلفوا فيها؟!

(74/11)


فقد اختلفوا في الأذان, وهو يردد كل يوم وليلة خمس مرات منذ عهد النبي –صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك اختلف النقل في صفة الأذان، وفي صفة الإقامة، وفي القنوت، وفي الجهر بالبسملة، وفي مواقيت الصلاة، وفي حروف القراءات، وفي أنواع التشهد، وفي صفة الحج وغيرها من أحكام الأنساك، وفي مقادير الزكاة، والأموال الزكوية وغير الزكوية.
واختلفوا من ذلك في شيء عظيم، كما هو معروف في مظانه من كتب الفقه. ووجود هذا الاختلاف لا يعني أن الإنسان ينتقي حسب ما يشتهي، بل يدع هذا لطلبة العلم الذين يرجحون وفق ضوابط وقواعد مقررة معتبره.
(في الوسائل لا المقاصد)
ويكون الخلاف في الوسائل وليس في المقاصد, فالمقاصد شرع متفق عليه كما ذكرنا , مما هو في حفظ الضروريات الخمس, والدعوة إلى الله –تعالى- كمثال هي من المقاصد الشرعية المتفق عليها, وأجمع المسلمون على وجوب الدعوة إلى الله –تعالى-، وأنها فرض إما عينا أو كفاية:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"[النحل: 125]، "وادع إلى ربك"[الحج: 67]، "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة"[يوسف:108] لكن وسائل الدعوة تختلف من زمان إلى زمان، ومن بلد إلى بلد؛ لأن الأصل في هذه الوسائل الإباحة, وقد يجد للناس وسائل جديدة, وتنتقل بعض الوسائل من الإباحة إلى الوجوب أحيانا لعارض يجعل الدعوة والتبليغ لا يتحقق إلا بواسطتها؛ فنجد أن الاختلاف في وسائل الإعلام اليوم، أو وسائل الاتصال من الاختلاف السائغ الذي لا يوجب الاجتهاد فيه نوعا من المغاضبة ولا التفرق, بل يجب أن ندرك أن الهدف والمقصد هو نشر الدعوة إلى الله –سبحانه وتعالى-، وإيصالها إلى الناس وإلى المحتاجين وإلى من يجهلونها، ومخاطبة شرائح عريضة بمثل هذا الأمر دون حجر، أو تثريب، أو تشغيب.
(اختلاف تنوع)

(74/12)


ويكون الاختلاف في أمور مما يسميه العلماء اختلاف التنوع, فهناك –مثلا- فروض الكفايات، هناك من يقوم بأمر الدعوة إلى الله وتبليغ الدين، وهناك من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- يقول:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"[آل عمران:104] أي: أمة من مجموعكم, فينبري لهذا العمل طائفة من الناس, وهناك فروض يقوم بها أقوام آخرون، والجهاد أيضا هو من الفروض التي ينبري لها أقوام سخرهم الله –سبحانه وتعالى- واستعملهم في ذلك ممن يجودون بأرواحهم إذا ظن الناس وأحجموا, وهناك العلم والتعلم تقوم به طوائف من العلماء، والمتفقهين، والمعلمين الشرعيين وغيرهم, وهكذا جميع متطلبات الحياة, بل إن الذين يقومون على معاش الناس، وعلى مصالحهم وصحتهم وعلاجهم، وسفرهم وإقامتهم وحمايتهم، كل هؤلاء يقومون بفروض كفايات تحتاجها الأمة, ولا بد لها منها سواء عرفوا هذا أم لم يعرفوه، احتسبوا فيه أم لم يحتسبوا إلا أنهم في الجملة يقومون بأشياء من فروض الكفايات، ولا يلزم لمن فتح الله –تعالى- له باب خير أن يزدري ما لدى الآخرين؛ لأن هذا يدخل في قول الله –تعالى-:"ونسوا حظا مما ذكروا به"[المائدة: 13]، فالشريعة والملة لا يستطيع أن يحيط بها فرد واحد, وإنما لابد فيها للأمة كلها, فيقوم أقوام بجانب، ويقوم آخرون بجانب، ونسيان حظ مما ذكرنا به هو من أسباب العداوة والبغضاء.

(74/13)


يقول الإمام ابن تيمية -مجموع الفتاوى (1/12 ـ 17)-:"فأخبر الله -تعالى- أن نسيانهم -يعني أهل الكتاب- حظا مما ذكروا به، وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم, وهذا هو الواقع في أهل ملتنا, مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها وكثير من فروعه، ومثلما نجده بين العلماء والعباد ممن يغلب عليهم الموسوية، أو العيسوية -يعني: التشبه باليهود، أو التشبه بالنصارى- حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة ليست الأخرى على شيء -يعني كما قال الله –تعالى-:"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء"[البقرة:113]، وهكذا النصارى قالوا:"ليست اليهود على شيء"[البقرة:113]؛- ثم قال: كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة، كل منهما ينفي طريقة الآخر, ويدعي أنه ليس من أهل الدين، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من أهل الدين- أي: إما يدعي هذا بقوله أو بفعله- فتقع بينهما العداوة والبغضاء، وذلك أن الله –سبحانه وتعالى- أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن, وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه... فنجد كثيرا من المتفقهه والمتعبده إنما همه طهارة البدن فقط ويزيد على المشروع اهتماما وعملا ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابا أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك- يعني: طهارة البدن- ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة -أي : الفقراء- إنما همته طهارة القلب فقط حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا، ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا أو استحبابا, فالأولون -الذين هم المتفقهة- يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس, واجتناب ما لا يشرع اجتنابه, مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم -ولا يقصد التعميم وإنما طائفة من الناس- وفي ذلك

(74/14)


مشابهة بينة لليهود, والآخرون -يعني: المتصوفة- يخرجون إلى الغفلة المذمومة؛ فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر الذي يجب اتقاؤه، يجعلون ذلك من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات ، ولا يقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى، وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به، والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، أو عدوانا وفعلا للظلم, والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض، وتارة يكون في حقوق الله –تعالى- وهما متلازمان، ولهذا قال الله –تعالى-:"بغيا بينهم"[آل عمران:19]، فإن كل طائفة بغت على الأخرى فلم تعرف حقها الذي بأيديها، ولم تكف عن العدوان عليها... فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين, والعمل به كله, وهو عبادة الله وحده لا شريك له, كما أمر به باطنا وظاهرا.
وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به, والبغي بينهم.
ونتيجة الجماعة: رحمة الله, ورضوانه, وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة, وبياض الوجوه.
ونتيجة الفرقة: عذاب الله, ولعنته, وسواد الوجوه, وبراءة الرسول منهم" انتهى كلامه -رحمه الله-.
وإذا كان الشيخ -رحمه الله- تكلم بهذا المثال الذي ينبع من صميم واقعه ومعاناته؛ فإن بإمكانك أن تنقل هذا المثال إلى كثير من المتنافسين اليوم حتى من أهل الخير، وأهل الاتباع، وأهل السنة، فتجد بينهم من المنافسة في الأمور العلمية، أو العملية، أو التعبدية، أو أصناف الخير ذلك ما يفضي إلى هذه المجافاة، وإلى ازدراء وتحقير ما عند الآخرين، وإلى البغي والعدوان والاستطالة عليهم, وما أشبه ذلك من مصادرة الجهود والتقصير في حقوق الأخوة.

(74/15)


وحدة الصف لا وحدة الرأي
15/06/2002
4/4/1423
? قسمة ثلاثية

هناك قسمة ثلاثية دارجة في كثير من الأشياء : أعلى وأدنى ووسط .
يقع هذا في المال، هذا غني وذاك فقير وهذا وسط، وغالب الناس يقعون في منطقة الوسط، ويقع هذا في الجمال؛ فهناك من هو مفرط الجمال، وهناك من هو دميم وهناك الوسط وهم غالبية الناس، ويقع هذا في القوة فهناك الأيد الشديد، وهناك الضعيف، وهناك الوسط بينهم، ويقع ذلك في العلم؛ فهناك العالم المتبحر، وهناك الجاهل المركب، وهناك الوسط وهم غالب الناس، ويقع هذا في الدين وفي الصدق وفي الأخلاق وفي البر ...
ففي كل الأشياء أوجلها هناك قسمة ثلاثية تقريبية يمكن أن يقسم الناس أو يصنفوا إليها، فمن الناس من يستولي على الذروة العليا، ويكون في أسنى المقامات، ومنهم من يكون في أحط المنازل وأقلها، ومنهم الوسط وهم الغالب الكثير السواد الأعظم وقد يكون من ذلك الاعتدال، فهناك من يكون في غاية الاعتدال وهناك من هو ضعيف الاعتدال، وهناك من هو متوسط في ذلك .
فلم لا نقبل بأن يتكامل الصف الإسلامي ويتشكل في ثلاث دوائر عريضة ؟
الدائرة الأولى : دائرة الوسط، وهي الكثرة الكاثرة من العلماء والمصلحين والدعاة والعامة، التي لديها قدر من الاعتدال وقدر من التوسط وإن كانت تتفاوت فيما بينها، فهي ليست على قلب رجل واحد، لكن يحكمها هذا الإطار العام .
الدائرة الثانية : الدائرة التي تأخذ بالقوة والشدة وهي دائرة تنبري للمواقف الصعبة وتتصدى لها يتناسب هذا مع تكوينها الشخصي وبنائها النفسي ويحقق في الوقت ذاته القيام بجوانب من الشريعة قد يفوت غيرهم القيام بها لكن شريطة ألا تشتمل هذه القوة والشدة على خروج عن الحد الشرعي عن المحكمات التي ذكرناها إلى نوع من الغلو في الدين.

(75/1)


ونجد أن الحاجة إلى هذه الدائرة ضرورية؛ لأن هناك قطاعا من الناس لا يصلح لهم ولا يتجاوب مع تكوينهم وعقولهم إلا هذا، ولأنك تجد أيضا في عدوك وخصمك من المتطرفين والغلاة والمبالغين في الشدة والقسوة من لا بد أن يواجهوا بمثلهم، وكما يقال :
الشر إن تلقه بالخير ضقت به **** ذرعا وإن تلقه الشر ينحسم
والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا **** فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
الدائرة الثالثة : هي التي يغلب عليها اللين والتسامح , وربما شيئا من التساهل، لكن شريطة ألا يتحول هذا إلى تشكيك في الثوابت , ولا زلزلة للقناعات الضرورية والمحكمات المتفق عليها , وهذا لا بد من القبول به ضمن الإطار العام الذي قررناه وأصلناه .
ويشترط لهذه الدوائر الثلاث - لكي تؤدي دورها بصدق - شروط أهمها:
أولا : عدم نسيان ما عند الآخرين، بحيث لا تفرض دائرة من هذه الدوائر نظامها وبرنامجها على الآخرين, فترى أن ما تقوم به أو ما تتجمع عليه هو المنهج والحق الذي يجب على الآخرين اتباعه والانسياق معها عليه , بل تكتفي باعتقاد أن هذا هو المناسب لها ولتكوينها ومواهبها وطاقاتها , وغيرها على خير أيضا, بحيث نقول: هذا هو الدور الذي ننتدب أنفسنا للقيام به, وهذا هو المتوافق مع تكويننا العقلي والنفسي, وهذا جزء من الحكمة الإلهية في التنوع البشري في الأعمال والمهمات, والآخرون أيضا لهم أدوار مماثلة , وقد تكون فاضلة أيضا, فيكون الشعار أن كلا منا على ثغر من ثغور الإسلام, فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله، ولا يكون الشعار أن هؤلاء ليسوا على شيء , وأولئك يقولون : هؤلاء ليسوا على شيء , كما قال أهل الكتاب من قبلنا .
ما أنا عليه أو ما أنت عليه هو صورة من صور الحق، ولكن الحق ليس منحصرا فيما عندك أو فيما عندي، بل الحق أوسع من ذلك .

(75/2)


ثانيا: ويشترط التزام كل طائفة بضوابط شرعية لابد منها , وأقل ما يقال في هذه الضوابط أن تكون التزاما بمحكمات الشريعة التي ذكرناها , فلا يتحول الأمر إلى فوضى أو تسيب أو غلو مذموم أو تضييع وتمييع للدين وأصوله ومحكماته , أو حتى ادعاء الإنسان للوسطية في غير مصداقية , وفي البخاري (39) ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال : ( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا) فهذا يشهد لما ذكرنا .
وينبغي أن تكون الردود ـ وإن شئت قل التراشق ـ فيما بينهم على أضيق نطاق ممكن , وحبذا ألا يكون تراشق , وأن يكون التحاور بالحسنى , وتقديم حسن الظن , وحفظ الحقوق ومعرفة الثغرة التي هم عليها , والجهد والجهاد الذي يقومون به , وعدم تشاغلهم ببعض , ويمكن لمن يعتقد حقا أن يبينه ولا يلزم أن يكون هذا البيان من خلال التقاطع مع الآخرين , أو الرد على زيد أو نقض ما جاء به عبيد, وإن كنت أرى -من وجه آخر - ضرورة تطبيع شباب الصحوة وطلبة العلم وعموم الناس على تقبل الخلاف في الرأي , وأن الخلاف لا يفسد للود قضية , وأن تنوع آراء العلماء لا يعني الوقوع في الخلاف المذموم بالضرورة, ولا يعني انشطار الصف, وإنما المشكلة هي فيما زاد على الخلاف من تحول الخلاف إلى بغي وعدوان وفجور في الخصومة.

(75/3)


والمشكلة الأعظم هي في الأتباع الذين يتعصب بعضهم لهذا، وبعضهم لهذا ويضخمون الأمور ويبالغون في النقل ويكذبون؛ ولذلك يقول الإمام ابن تيمية : " ومن نصب شخصا كائنا من كان، فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا , وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل أتباع الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم المعيار فيوالي من وافقهم، ويعادي من خالفهم، فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به فهذا زاجر , وكمائن القلوب تظهر عند المحن ... وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها؛ لكونها قول أصحابه, ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله , أو مما أخبر به الرسول –صلى الله عليه وسلم-، ولا ينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به إلا القرآن الكريم أولا؛ فإنه نور وهدى، ثم يجعل كلام إمام الأئمة محمد –صلى الله عليه وسلم- ثم كلام الأئمة , ولا يخلو الداعية من أمرين :
الأول: أن يكون مجتهدا؛ فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من القرون الثلاثة , ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه .
الثاني: المقلد يقلد السلف أيضا؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها، إذا تبين هذا؛ فنقول كما أمرنا ربنا (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة:136)، ونأمر بما أمرنا به, وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه, أو على لسان نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- كما قال تعالى : (وما آتاكم الرسول فخذوه) (الحشر: من الآية7)؛ فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام : الكتاب، والسنة، والإجماع . انتهى كلامه .

(75/4)


? محاذير وتنبيهات
وفي سياق هذا الموضوع هناك محاذير ينبغي التنبه لها :
أولا: من المحاذير المهمة البحث عن نقاط الاتفاق , وليس عن نقاط الخلاف؛ لأن الذي يدخل بروح التفحص والاختبار سيجد إما في عمومية اللفظ أو ملابسة الموقف أو ظروف الاجتهاد ما لا يروق له , وأمور الناس ينبغي أن تؤخذ بالستر والعافية وحسن الظن .
ثانيا : اجتماع الكلمة والولاء بين المؤمنين عامة مبني على أصل الإيمان , وأصل الإسلام , فكل من ثبت له الإسلام والإيمان ثبت له أصل الإخاء، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك الإسلام يزيد وينقص , فلكل مؤمن ومسلم من الحقوق العامة القدر الذي جاءت به النصوص الشرعية , ويكمل الحق بكمال الإيمان وكمال الإسلام , أما ما تراه خطأ يحتاج إلى تصحيح وتصويب؛ فإن الأخوة لا تمنع التصحيح والتصويب والاستدراك المشفق الرحيم الناصح , والتصويب والتصحيح والاستدراك لا يمنع من القيام بالحقوق الأخرى , وقد يجتمع في المرء الواحد إيمان ونفاق , ويجتمع له ولاء وبراء، ولذلك يضرب العلماء ـ مثلا ـ بالفقير السارق تقطع يده لسرقته , ويعطى من الزكاة لفقره، ولا ينبغي إقامة أحد الأمرين أعني: ( الولاء، والبراء ) للمؤمن بتقويض الآخر , بل يجمع بينهما كما جمع بينهما ربنا قال الله ـ تعالى ـ: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)[التوبة: 71] فأصل وأسس لقاعدة الإخاء الديني بين المؤمنين، فكل من صح له وصف الإيمان تم له وصف الأخوة، وهكذا الآية الأخرى (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: 10] ثم أصل لقاعدة النصيحة والتصحيح بقوله – سبحانه وتعالى -: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران: 110]، فالإيمان لا يمنع النصيحة والإصلاح, والنصيحة والإصلاح لا تمنع أداء حقوق الإخاء الديني بين المؤمنين .

(75/5)


ثالثا : التصحيح مطلب , لكن بالرحمة والشفقة، وبقلب محب ناصح يتحرى الخير، ويؤثر حسن الظن، ويقدم العذر، ويحفظ حقوق الأخوة , ويجب الحذر من حظوظ النفس الخفية التي قد تحدث فرحا بالغلط الذي قد يقع من أخيك .
رابعا: إياك أن تظن أن المقصود بهذا الكلام غيرك فردا أو جماعة أو شريحة , أنا أقصدك أنت شخصيا، وبذاتك وعينك , فالذي نعانيه ونواجهه أن الداء مستحكم في الأمة، ومصاب الأمة بكل وضوح، هو من ذاتها قبل عدوها، والمشكلة تقع في داخلنا وفي ضمائرنا، وما لم نعمل مبضع الجراح في عقولنا وقلوبنا وتصرفاتنا وأقوالنا وأعمالنا فلن نفلح .
إننا ننتظر دائما من الآخرين أن يغيروا مواقفهم , ولكننا لا نقوم نحن بهذا الدور، ونخلط بين الثبات على الدين وبين التمسك برأي؛ لأنه سبق إلى آذاننا أو تلقيناه عن شيخ أو معلم، حتى لو كان رأيا مرجوحا .
خامسا: خطورة الاشتغال بالتصنيف , وهو داء أمم قبلنا، وداء كثير من الجماعات، فإذا رأيت من شخص ما لا يروق لك أو ما لا يعجبك سارعت بتصنيفه ووضعه ضمن جماعة معينة أو قائمة من القوائم المعدة سلفا في عقلك, وكأنك فرغت منه وحاولت أن تضع حاجزا بينك وبينه أن تتعاون معه , وبينه وبين الآخرين أن يستفيدوا منه بأن تقول : هذا سلفي، أو إخواني، أو تبليغي، أو قطبي، أو هذا من المجموعة الفلانية، أو من الطائفة الفلانية، أو من المدرسة العلانية , وهذا يكون بغير علم أحيانا , ويكون ببغي أحيانا كثيرة، ويتم دون أن تعرف ما عند هذا الإنسان على سبيل التفصيل , ودون أن تعرف من نسبتهم إليه أيضا , والحكم في مثل هذا يتطلب تحقيق ثلاث صفات :
أولا : أن تكون من أهل العلم والرأي والبصيرة والإنصاف .
ثانيا : أن تكون عالما بما عليه هذا الشخص من الجمل والمبادئ العامة لتتمكن من الحكم فالحكم على الشيء فرع عن تصوره .

(75/6)


ثالثا : أن تكون عارفا بالمدرسة أو الجهة أو الجماعة التي نسبته إليها , وهذه الأمور مما تنقطع دونها أعناق المطي , لكن الكثيرين من أسهل الأمور عليهم إذا رأوا شخصا وافق أو ظنوا أنه وافق جماعة أو فئة أو طائفة في جزئية معينة صنفوه أنه منهم ثم فرغوا منه وتركوه .

(75/7)


واجب الوقت
15/03/2003
12/1/1424
غلب على مدارسنا الفكرية والدعوية نمط من التفكير يميل إلى اليأس والإحباط ويعالج النوازل والملمات بجرعات غير نقية من المواعدات المستقبلية التي لايد للإنسان فيها عوضا عن المطالبة بالعمل والجهاد ، واستنفار القوى والطاقات واستثمار الأحداث لإعادة صياغة الفرد والأمة .
كتب إلي أحد الشباب يقول : نحن نعيش في إحباط وخوف وهواجس رهيبة بعد هذه الأحداث حتى يجزم بعضهم بأنها بداية النهاية ليوم القيامة كما في (الهرمجدونية) فترك الكثير منا العمل ونية الزواج والتفكير في المستقبل العملي ... الخ . وهذا الجزم ـ أخي الحبيب ـ هو من الرجم بالغيب ولماذا نستنكر عمل العرافين والمنجمين وقارئي الكف والفنجان ثم نأتي ما هو مثله وأشد منه .
إن قارئة الكف قد تؤثر بالإيحاء على سلوك فرد واحد أو تضر بمستقبله بينما الخراصون المتهوكون في قضايا الأمة قد يضرون بمستقبل مئات من الناس ممن اتبعوهم بغير علم.
وليس أضر على الأمة في هذه الأزمة من أن تقرأ المستقبل قراءة مغلوطة فتركن إلى دعة أو سكون أو استرخاء بحجة القدر الماضي أو تتجرأ على قرار غير حصيف اتكاء على صورة مستقبلية تداعت إليها من نظرة يائس أو خيال نائم حالم أو تصورات دعي متعالم ...
ويصادف هذا شعورا لدينا بالعجز والإغلاق وألا دور نؤديه ولا مهمة نضطلع بها ... إذا يكفينا أن نرسم المستقبل نظريا كما نحب ولنجعل لنا فيه الحلو ... ونسقي أعدائنا المر ... لينتهي الأمر .
إن أمامي وأمامك ـ أيها الغالي ـ قائمة طويلة من المسؤوليات الخاصة التي أقرتها الشريعة فلا ينسخها تأويل ولا تبطلها رؤيا وما لم نسع في تحقيقها فسنظل ندور في حلقة أزمات متصلة متلاحقة لا مخلص منها فالأزمة الحقيقية هي في دواخلنا وأعماقنا وذواتنا ومن هناك يأتي الفرج والخلاص .

(76/1)


إن العمل النافع سواء كان دنيويا أو أخرويا هو من الأسباب المطلوبة من المسلم، وغالبا لا يقع في مثل هذه المزالق إلا من يعاني من الفراغ وضياع الوقت وعدم الانتظام في برنامج أو مشروع علمي أو عملي . فهو يمني نفسه بالترقب والانتظار ، وقد يرى الناس وهم يعملون فيرثي لحالهم ويشفق عليهم وربما حاول أن يثنيهم عن عملهم ؛ لأنه يظن أنهم لم يدركوا ما أدرك ، وأنهم يعملون في غير طائل !.
وفي مثل هذه الأوقات العصيبة والحاسمة يحتاج الفرد المسلم المتطلع لأداء دور إيجابي إلى أمور :
أولا: السكينة والطمأنينة: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين " (الفتح: من الآية4) " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم "(آل عمران: من الآية154).

(76/2)


فليطمئن المسلم إلى مستقبله وإلى حفظ دينه وملته وأمته ، ولا يسمح للقلق والخوف المفرط أن يسيطر عليه حينما يسمع أو يقرأ بعض التحليلات الإخبارية التي قد يكون بعضها نوعا من الحرب النفسية أو التلاعب بأعصاب الناس .ولينظر في الماضي ؛ كم واجه الإسلام من حروب ومحن وإحن وكوارث ثم خرج منها قويا عزيزا منيعا ، ومن ذا يكون في وحشية التتر ؟! أو دموية الصليبين ؟! أو همجية الاستعمار؟! أو قسوة اليهود ؟! ولينظر في حاضر الإسلام وكيف يكسب الإسلام في كل لحظة مواقع جديدة، وناسا يدخلون فيه ، وناسا من أهله يعودون إلى صفائه ونقائه ، وإنجازات لرجاله ودعاته في مشاريع ومؤسسات وكتب ومواد إعلامية وجماهير تحتشد لهم ، وجموعا تؤم المساجد والمناسك ، وصلاحا هنا وهناك ، وتقدما في المواقع يجب أن تفرح به ولا يحجبنا عن الفرح الطمع فيما هو أعظم ، من حصول النصر النهائي وقيام دولة الخلافة الراشدة ، أو الطمع في سقوط القوى العظمى .. فثمت سنن ونواميس ، ونفس التاريخ طويل ، وعلينا ألا نعجل "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون "(يونس:58) .
إن اضطراب النفس وارتباكها لا يصنع شيئا، ولكنه يحول دون التفكير السوي ودون العمل المنتج، وقد يجر إلى القعود أو التراخي أو الاستسلام ، أو يفضي إلى الاندفاع الجامح دون بصر بالعواقب.
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد **** كلا طرفي قصد الأمور ذميم
ولم يكن أحد أشد حماسا لهذا الدين وحدبا عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي ذروة الشدائد كان يدعو ويتضرع ، ولكن لاتفارقه سكينة الرضا ، كيف وقد خاطبه ربه فقال :" ألم نشرح لك صدرك ؟"

(76/3)


ثانيا : ومما يعين على السكينة ويزرع الاطمئنان الركون إلى الله تعالى توكلا وتألها وتعبدا ورضا ، وفي الصحيح : (من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وجبت له الجنة ) وفيه أيضا : ( العبادة في الهرج كهجرة إلي) . والهرج : الفتن ، وفي توجيه الله لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب " وذلك أن العبادة تورث سكونا وهدوءا وثباتا واستقرارا نفسيا وعقليا يحرم منه المضطربون المتهوكون الذين يظنون أن مقاليد الأمور بيد غير الله .
إن عبادة القلب والجوارح هي من التوبة والإنابة التي بها تستدفع الكوارث والنكبات وتستجلب المنح والعطايا والهبات ، ولا عز للأمة أفرادا وجماعات وشعوبا وحكومات إلا بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله تعالى واللياذ به. وبذلك يكون إصلاح النفس والقلب والجوارح والسلوك ، وصلاح الفرد صلاح للأمة، والبداية تكون من النفس ، وإذا كنا غير قادرين على تدارك خلل في ذوات نفوسنا – القرار فيه يبدأ وينتهي من عندنا – فكيف نحلم بالتدارك على المستوى العام أو على المستوى العالمي في ظروف ذات تعقيد وتداخل ، وقد تريد أنت شيئا ويريد غيرك سواه؟! نحن نرى كثيرين منا لم يحققوا نجاحا مع ذواتهم في إدارتها إدارة شرعية تقوم على حفظ الحقوق وأداء الأمانات وبذل الخير وفق السنن والآيات الشرعية والكونية .
ثالثا : الإلحاح في الدعاء والتضرع فإنه مما يستدفع به البلاء ، وتستنزل به الرحمة ، ولن يعدم مليار مسلم أن يكون بينهم من لو أقسم على الله لأبره ، فليكن لإخوانك المسلمين من دعائك وتضرعك نصيب ، أشركهم معك ، واصدق في دعائك ، وليتواطأ مع هذا الدعاء صفاء السريرة وحب الخير للناس في العاجل والآجل .
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي **** محلا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ **** لورد ولم يقصر لها القيد مانع

(76/4)


تحل وراء الليل والليل ساقط **** بأرواقه فيه سمير وها جع
تفتح أبواب السماوات دونها **** إذا قرع الأبواب منهن قارع
إذا أوفدت لم يردد الله وفدها **** على أهلها والله راء وسامع
وإني لأدعو الله حتى كأنما **** أرى بجميل الظن ما الله صانع
رابعا : الهدوء في التعامل مع الأخبار والتحليلات والتصريحات والمواد الإعلامية ، فإن مزيد الانهماك فيها ربما صنع لدى المتلقي قدرا من البلبلة والحيرة والتردد، ثم الخوف المفرط. وكثير من هذا الضخ الإعلامي هو مواد مشققة مفرعة، يعاد إنتاجها بطرق مختلفة ، أو وجهات نظر وتحليلات وظنون وتوقعات قد ينتفع اللبيب بها إذا أحسن قراءتها والتعامل معها , وعرف ما يأتي وما يذر، وما يأخذ وما يدع ، أما غير الفطن فربما كانت شقوة له ، تحرمه هناءة حياته وطيب عيشه ، وتعوقه عن سيره ، دون أن يظفر من ورائها بطائل ، أو يكون من معالجتها بسبيل.
خامسا: الحذر من ترويج الشائعات والأقاويل والأخبار المرتبكة والتحليلات المغرقة في التشاؤم ، فإننا في عصر صارت قوة الدول تبنى على مقدار ما لديها من سعة المعلومات ودقتها، إننا في عصر (( المعلوماتية ))، وكم من خبر يروج ويتم تداوله وتبنى عليه نتائج قريبة وبعيدة ، وقرارات واجتهادات ، وهو غير مؤكد ولا ثابت .. فكيف تظن بمثل هذه الرؤية المبنية على شائعة أو ظن , أو خبر مكذوب , أو رواية مضطربة , أو معلومة ناقصة , أو مضللة، والحصول على المعلومة لم يعد صعبا ولا عسيرا ولا مكلفا متى توفرت الإرادة ، وأدركت الأمة الأهمية القصوى لهذه المعلومات.

(76/5)


أليس من المحزن أن تكون عدوتنا الأولى ، أو ما يسمى بـ ( إسرائيل ) من أكثر دول العالم تقدما معلوماتيا ، بينما نحن في العالم الإسلامي ربما لا نملك حتى القدر الضروري من ذلك! فضلا عن فقدان الكثيرين لمنهج التعامل مع المعلومات والأخبار ، مع وضوح هداية القرآن في ذلك ونصاعتها "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة.... " الآية فيأمر سبحانه بالتثبت والتبين في الأخبار , وعدم الاندفاع في تناولها أو بناء النتائج والقرارات عليها. ويقول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا"(النساء: من الآية94) فيؤكد المعنى الأول خصوصا في مقام الجهاد في سبيل الله ، ويحذر من الجراءة على دماء المسلمين ، أو التسرع في تكفيرهم مما يترتب عليه استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم . وإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المخاطبون أول مرة بهذا النداء يوعظون بقوله سبحانه وتعالى : " تبتغون عرض الحياة الدنيا "(النساء: من الآية94) فكيف نقول نحن عن أنفسنا إذا ؟!ويقول تعالى : "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به.." الآية. فيشدد النكير على أولئك الذي يشيعون أمر الأمن أو الخوف في غير مناسبته وأوانه، ويرشدهم إلى رده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولى الأمر، لا ليعلموه كلهم ولكن ليعلمه "الذين يستنبطونه منهم "(النساء: من الآية83) ، فحتى أولو الأمر من أهل الحكم أو العلم ليسوا كلهم أهلا لفهمه وإدراكه ، وهذا ظاهر جدا في المضايق والمسائل العويصة والمصيرية ، أما تعاطي القضايا العادية فهذا مختلف عما نحن بصدده .

(76/6)


إنه قد يستمع المرء إلى برنامج في إذاعة أو قناة فضائية أو يقرأ مقالا في جريدة غير رصينة فيخيل إليه أنه أحاط بالأمر من جوانبه وأنه النذير العريان ، ويصنف هذا على أنه وعي ويقظة " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا "(الإسراء: من الآية85) .

(76/7)


واجب الوقت
22/03/2003
19/1/1424
واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل حين قال له أمسك عليك هذا فإن الوصية السادسة هي حفظ اللسان فإنه في أزمنة الفتن أشد من وقع السيف ومن أعظم المخاطر المحدقة أنها تستفز بعض العواطف التي لم تترب في محضن ولم تتلق تعليما ولم عايش تجربة فتنجر إلى تكفير أو تفسيق أو تبديع أو تخوين لهذا الطرف أو ذاك لمجرد عدم استيعابها لمواقف الآخرين أو حتى قل لحصول خلل أو خطأ ما.. لكنه لا يعالج بمثل هذه الطريقة .
وما أشد وطأة القيل والقال والتلاعن والتطاعن في وقت وصلت فيه الأمة في قعر هاوية بتخلفها وجهالتها وعجزها عن تحصيل الأسباب الحقيقية للعزة والسمو .
إن أقل ما يجب هو أن نلجم ألسنتنا بلجام التقوى والخوف والإيمان عن أعراض المسلمين بتأويل أو بغير تأويل ... لنصلح أنفسنا أولا ... ثم لن نجد بعد ذلك ما يبيح لنا الاشتغال بأصحابنا حين سلم منا أعداؤنا ... والله المستعان .
إنه ليس مما يفرح به أن نرى إقبالا على تعاطي ألفاظ الكفر وكأنها تحية المسلم لأخيه ...
تحية بينهم ضرب وجيع
سابعا :استفراغ الوسع والطاقة في تحريك الجهود الإسلامية واستخراجها وحث الكافة على العمل والمشاركة والإبداع ، لنرفع شعار :[ لا مكان للبطالين بيننا] ، وعلى كل امرئ مسلم أن يبذل وسعه وطاقته وقدرته كلها ولا يدخر منها شيئا ، في عبادة أو علم أو عمل أو دعاء أو دعوة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح ذات بين أو إغاثة ملهوف أو تفريج كربة أو وصول منقطع أو إيواء مشرد أو هداية ضال أو تهدئة مندفع ..وكل معروف صدقة .
إن هذا توظيف موفق للطاقات المتوفرة لدى المسلمين ، فالكثرة العددية هي إحدى ميزات هذه الأمة ، وإن كان قائلنا يقول :
كثر ولكن عديد لا اعتداد به **** جمع،ولكن بديد غير متسق
حارت قواعدنا زاغت عقائدنا **** أما الرؤوس فرأي غير متفق

(77/1)


البعض يحسب أن الحرب جعجة **** والبعض في غفلة والبعض في نفق
إلا إننا نعتقد أنه لو تم تفعيل ( 10% ) من هذا الرقم الهائل لكان لدينا أكثر من مائة مليون فرد .. كلهم يعملون .. بينما ربما لا يتجاوز عدد اليهود في العالم كله ثلاثة عشر مليونا !.
ليس من المستحيل ولا الصعب أن ينهمك الناس ، والشباب خاصة، في مشاريع جماعية مثمرة لخدمة دينهم، أو خدمة دنياهم ، ولا عز للدين بلا دنيا، ولا صلاح للدنيا بلا دين :
إذا الإيمان ضاع فلا أمان **** ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين **** فقد جعل الفناء لها قرينا
وهذا يتطلب جدية في صناعة البرامج العملية ، وتضافرا للجهود ، وتعاونا بين القطاعات ، ونصاعة الأهداف.
يجب أن يتسع الميدان للعاملين ، وألا يعتذر لأي منهم بضيق المساحة ، كما لا يقبل عذر من أي أحد كان بأنه ليس لديه ما يقدمه، فلا أحد أقل من أن يفيد، ولا أحد أكبر من أن يستفيد.
ثامنا : إعداد الأمة , وخصوصا شبابها , نفسيا وعقليا وعسكريا وشغلهم بما يبنيهم ويخدم مصالحهم ومصالح أمتهم , ولم لا تفتح الأبواب للتجنيد الإجباري , ليس فقط التجنيد العسكري , بل لكافة الخدمات الاجتماعية , والتي يجني الشاب من ورائها الخبرة والثقة ويتعلم كيف يواجه الصعاب ... وكيف يتربى في جو من الجدية والعمل ويتخلص من الترف والرفاهية الزائدة .
إن أكثر من 70% من سكان السعودية هم من الشباب , ربما دون سن العشرين , ومن الخطأ الكبير أن تضيق أمامهم الفرص أو تغلق الأبواب , فلا وظيفة ولا عمل ولا دراسة ولا ترفيه ولا مجال لممارسة بعض التجارب أو التعود على الأعمال أو محاولة الإبداع .
فهذه قنبلة موقوته يمكن أن تنفجر وتتشظى في هذه الاتجاه أو ذاك ما لم يتوفر المخلصون على التفكير الجاد فيها .

(77/2)


تاسعا : الانهماك في حركة تصحيح واسعة النطاق , تستثمر الزلزال الذي تحدثه الأزمات , ليس لتصفية الحسابات مع هذا الطرف أو ذاك ، ولكن لتصفية الحساب مع سلبياتنا وأمراضنا ومعايبنا التي بها هزمنا .
يتمسك الفرد والجماعة , والمجتمع , والدولة بمألوفات معينة غير قادرين على اكتشاف خللها , وهي بحكم الإلف تمر عبر قنوات التفتيش دون اهتمام ويتقبلها الجميع رغم أنها لا تنسجم مع أصولنا ومصالحنا الشرعية .
وفي فترات الأزمات يبدو قدر من الاستعداد للاستدراك والتصحيح , فجدير بنا استثماره وتطويره , لا ليكون أسلوبا مؤقتا في تجاوز المشكلة , بل ليكون أداة لتحويل الأزمة إلى فرصة , وتحقيق مفهوم قوله تعالى : " فإن مع العسر يسرا " فربما انجلت العسرة عن ألوان من الخير والفضل لحاضر الأمة ومستقبلها لم تكن في واردنا قبل ... ولكن الله يتفضل على عباده .
إنه لا أحد يقول إن واقعنا على أي مستوى , يمثل حقيقة الإسلام , ولهذا يجب أن نستمسك به , بل الكل يعترف بالخلل , فلنحول هذه القناعة النظرية الذهنية إلى برنامج تفصيلي نتعرف بواسطته على مفردات عيوبنا الشعبية والرسمية , والعلمية والعملية , الدعوية والاجتماعية ... ونتعاون في الخلاص منها , والتأسيس لمستقبل أفضل .
وقوام ذلك أن نتحدث بالصراحة والصدق فيما بيننا بعيدا عن أجواء التصنع والتملق والرياء والتغرير .
إن الأمة تمر بمنعطف خطير , ولم يعد الأمر يتسع للمزيد من الاسترخاء والتهاون والمجاملة .
وفي ظني أن ثمت قدرا من الحرية يتاح الآن في قنوات الإنترنت أو الفضائيات أو غيرها ... ومن المهم أن نتعلم كيف نستخدم هذه الحرية لا لنظهر مساوئنا وقلة أدبنا وضيق صدورنا بالحوار , بل لنتدرب على الهدوء في معالجة الاختلاف وسعة الصدر والأفق .

(77/3)


عاشرا : ومع أهمية عصر الجهود كلها وتثميرها علينا أن ندرك أن جهودنا تظل محدودة، لاعتبارات تربوية وإدارية وفكرية ، ومع محدوديتها فكثيرا ما يضعف أثرها بسبب التشتت والتوزيع على مساحة عريضة جدا .
نحن مجموعة من الخيريين نتشاكى هوان الأمة وضعفها ونحن إلى عزتها وقوتها، وبعد قليل نتحدث بعفوية فنبدأ بالولايات المتحدة وإسرائيل ، ثم نثني بأوربا، ثم نتناول العالم الغربي، ثم العالم كله، ثم نبدأ بالرقعة الإسلامية ومن فيها، ثم من يخالفوننا في الأحوال ، ثم من يخالفوننا في الفروع، ثم من لا نتفق معهم في الاجتهاد الخاص والمعالجة الآنية، وربما تفاقم الأمر إلى من لا نتطابق معهم في الذوق والمزاج والتركيبة النفسية.
من الخير أن نعتاد العمل في دوائر الاتفاق التي يقبلها عامة الناس .
وفي جميع كتب الفقه يعقدون بابا للصلح، ويذكرون أحكامه وأدلته ، وأخبار العهود والمواثيق النبوية والراشدية مع أصناف الناس.
وفي جميع الحالات المشابهة تبدو الحاجة ملحة إلى ترتيب الأولويات ومراعاة قواعد المصلحة والمفسدة , والاعتبار بالقدرة الشرعية المتحصلة لأهل الإسلام ، وليس المسلمون استثناء من غيرهم في اتخاذ الأسباب وتوفير القدرات.
ولا شك مطلقا أن السابقين الأولين بمكة قبل الهجرة كانوا أصدق الناس دينا وأشدهم تضحية , ومع ذلك أمروا بالكف ، وقال عنهم ربهم العليم :"فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية"(النساء: من الآية77).
ولذا قال بعض الحكماء : أسرع الناس إلى الفتنة أعجلهم فرارا عنها.
إن هذه الطاقة الإسلامية المحدودة لا تتحمل أن تكون وقودا لمعارك لا أول لها ولا آخر مع شتى المخالفين.

(77/4)


إن جهدك المحدود لو وظف في مجال محدد لأثمر ، وأنت في مقام مواجهة تفرض عليك تحديات لا مخلص منها , وليس لك أمامها خيار، فمن اللازم أن تتوفر في مثل هذا القدرة على الحركة، وعدم الجمود على مواقف ثابتة ، بل يتقدم المرء أو يتأخر ، وقد يأخذ ذات اليمين وذات الشمال بحسب المصلحة.
نحن هنا لا نتحدث عن القناعات العقدية ولا عن المواقف المبدئية ، بل عن المواقف العملية التي يبذل الإنسان فيها مجهوده ، ويستجمع قدرته.
إذا كان المقصود هو مجرد الحديث فلنقل عن أعدائنا ما شئنا ، لكن حين ننتقل إلى الميدان العملي ؛ فعلينا أن نختار الأهداف بعناية .
وفي داخل المجتمعات الإسلامية فإن ثمت تناقضات كثيرة وواقعية لا يمكن تجاهلها، منها: الفكرية , ومنها المناطقية , ومنها القبلية ومنها .. وقد يبدو جيدا أن العدو يراهن على إطلاق العنان لهذه التناقضات ؛ لنتصادم ويفني بعضها بعضا ، وليس سرا أن بعض الأجنحة المتصارعة في أكثر من بلد إسلامي زودت بأسلحة إسرائيلية ، والتجربة الأمريكية في أفغانستان هي آخر شاهد على أن الإدراة الأمريكية تحافظ على أفرادها ؛ فالفرد الأمريكي إنسان متحضر راق يسحق الحياة، وليمت بدلا عنه ألف من العرب المسلمين الذين يرفضون الحداثة , واللحاق بركب التقدم !
ويخشى العقلاء كثيرا أنه في جو السذاجة وقلة التجربة والأنانية وعدم وضوح الأهداف ، فإنه من الممكن أن تتكرر القصة , وأن تنطلي اللعبة على كثيرين قد يظنونها في بداية الأمر تحقيقا لأهدافهم وتطلعاتهم ومصالحهم الذاتية .
الحادي عشر : وعلى وجه الخصوص فإن من الضرورة بمكان أن نتجنب المصادمة مع إخواننا في الملة والدين ، وترك المصادمة لا يعني ترك الدعوة ، بل يعني التأسيس الصادق للدعوة وانطلاقها بلا عوائق ، ولا يعني ترك التناصح بيننا، بل تفعيل التناصح، لكن يعني تجنب أسلوب المصادرة والإلغاء والاستخفاف بالآخرين.

(77/5)


وبغض النظر عن مدى تطابق الرؤية في الحكم على هذه المجموعة أو تلك إلا أن القدر المقترح الآن هو الموادعة والمتاركة والانشغال بالهم الأكبر ، وإقبال كل على مشروعه ونموذجه وعمله البنائي الإصلاحي.
وإذا تعذر أن يصل أهل الإسلام إلى موقف موحد في القضايا الكبار- ولعله متعذر فعلا -فليسيروا في خطوط متوازية غير متقاطعة ولا متعاندة ، وليدعوا جزءا من مهمة تصفية الخصوم للمستقبل ، لئلا يلفيهم الزمان القادم وهم بلا أعداء!
إنها نفثة مصدور ، تؤلمه الرغبة الانشقاقية الكامنة في أعماقنا، المتربصة لفرصة تسمح لها بالظهور والتبرج كأسوأ ما تكون الأنانية في سيطرتها الفردية والجماعية على حياتنا وأعمالنا ، ويزكى ذلك غياب روح الفريق في برامجنا , حتى لا نفرح بإنجازات يحققها الآخرون ونحرم أنفسنا من لذة الانتصار , بينما يفرح فريق الكرة كله لهدف يسجله حارس المرمى !
والله تعالى ينهى عن التفرق والتنازع عامة ، ويخص من ذلك حال لقاء العدو ، كما قال سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا "(الأنفال: من الآية45) .
فالنتيجة الحتمية للتنازع هي الفشل وذهاب الريح.
إننا بحاجة إلى فقه أوسع لمقاصد التشريع وأصوله الأولى والتي من مقاماتها الأولى أن التشريع مبنى على الوسع والاستطاعة , وأن التشريع من مقصوده تحصيل المصالح ودرأ المفاسد , ومن مقصوده تحصيل اجتماع المؤمنين الذي يتعذر تحققه إلا بقدر من الإسقاط والعفو والتسامح وفتح محل الاجتهاد الذي يتجاوز دائرة خاصة أهل العلم إلى سائر أهل الدعوة والعمل للدين ليضع كل مما أوتي ما يحصل به تحصيل مصلحة أو درأ مفسدة .

(77/6)


لقد تربينا في طفولتنا وربما في مجالسنا العلمية على روح الانتقام والثأر والإصرار على حقوقنا حتى مع أقرب الناس إلينا ... وربما لا تكون الحقوق ظاهرة جلية , والآن يقتضي الوقت أن نتربى على قيم التسامح والإيثار والرحمة والتنازل لإخواننا والصبر عليهم ؛ لأن المكان يضيق فإذا كبرت ذواتنا تقاتلنا من أجلها وشاعت الأثرة وزاد الشر تسلطا علينا , واتسعت الهوة بيننا فلنجعل الخلاص من أنانيتنا ومصالحنا الذاتية وذكرياتنا الأليمة شعارا لنا , ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه , والله واسع عليم .
لنجرب أن ننام الليلة وقد أخلينا قلوبنا (للطوارئ) من كل حسد أو حقد أو بغضاء أو كراهية لأحد من المسلمين , ممن نعتقد أنهم ظلمونا في نفس أو أهل أو مال أو عرض , وأن نسامحهم جميعا , ونتوجه إلى خالق السماوات والأرض بقلوب صافية أن يسامحهم ويغفر لهم ويعينهم على تجاوز عثراتهم وإدراك عيوبهم...
نحن نغسل وجوهنا وأيدينا يوميا عشرات المرات , فلنجرب هذه المرة أن نغسل قلوبنا من كل مالا يرضي الله , والقلب موضع نظر الرب تبارك وتعالى ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) .
إنها عملية سهلة جدا , ولكنها مفيدة , حتى على صعيد الأنس والراحة والسعادة الذاتية فجربها والله معك .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الصفحة 1 2

(77/7)


من لأسرى المسلمين ؟
04/08/2002
25/5/1423

تعيش مجموعة من الأسرى المسلمين في معسكر " إكس راي " بجوانتانامو وضعا متفردا صعبا يستوجب من أهل الإسلام وقفة تعاطف ومناصرة جادة ، ولابد من تحريك هذا الموضوع على أكثر من صعيد ، ولعل هذه الكلمة مشاركة في هذا المجهود الواجب .
ويتعين مثل هذا العمل لأسرى الفلسطينيين في إسرائيل ، وأسرى المسلمين في سجون روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
والأسر ظاهرة مرتبطة بالحياة البشرية ، وبالحرب على وجه الخصوص ، والأسير أخيذ الحرب ، وقد تطلق على من يؤخذ سلما ، أو من يسجن أو يؤسر .
وكان الأسير في الأمم المتوحشة مهدر الحقوق ، من حقهم أن يصلبوه أو يحرقوه أو يقتلوه أو يعذبوه بما شاءوا دون مسائلة بل يوجد عند بعض الأمم والشعوب القديمة كالشعب الأقيانوسي عادة أكل لحم الأسير .
والأسر بمرارته وغربته وغموض مستقبله وانقطاع الإنسان عن أحبته وأهله وزوجه وولده وقرابته يشوي الأسير بنيران الشوق واللهفة والمحبة والتوقع ، ولذلك كان الأسر فرصة للإبداع وللشعر وللكتابة ، وهذه المعاناة الصادقة الجادة كانت وراء الكثير من الإبداع العلمي والأدبي والحيوي ، ويحفظ التاريخ لنا من ذلك ما لا يمكن حصره ، خصوصا وأن المأسور والمسجون غالبا ما يعيش نوعا من الفراغ .
المعتمد بن عباد الأمير الشهير أسر في الأندلس وسيق للمغرب وسجن بأغمات إلى أن مات ، فكان يقول لما زارته بناته في الأسر يوم العيد :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا **** فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة **** يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
خرجن نحوك للتسليم خاشعة **** أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية **** كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به **** فإنما بات بالأحلام مغرورا
وللمتنبي شاعر العربية قصائد مشهورة منها القصيدة التي قالها وهو سجين :

(78/1)


دعوتك لما براني البلى **** وأوهن رجلي ثقل الحديد
دعوتك عند انقطاع الرجا ء **** والموت مني كحبل الوريد
وقد كان مشيهما في النعال **** فقد صار مشيهما في القيود
ومنها ما كتبه لرجل يقال له أبو دلف حين أرسل له هدية في سجنه ، وكان قد ذكره عند السلطان بسوء :
أهون بطول الثواء والتلف **** والسجن والقيد يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برك بي **** والجوع يرضي الأسود بالجيف
كن أيها السجن كيف شئت فقد **** وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة **** لم يكن الدر ساكن الصدف
ومن غرر قصائد علي بن الجهم التي قالها في الأسر ، وهو شاعر فحل مشهور سني :
قالوا:حبست فقلت:ليس بضائري **** حبسي وأي مهند لا يغمد
لا يؤيسنك من تفرج كربة **** خطب رماك به الزمان الأنكد
كم من عليل قد تخطاه الردى **** فنجا ومات طبيبه والعود
صبرا فإن الصبر يعقب راحة **** ويد المهيمن لا تطاولها يد
ولكل حال معقب ولربما **** أجلى لك المكروه عما يحمد
و لصالح بن عبد القدوس قصيدة متداولة ، وروي بعضها لعبد الله بن معاوية :
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها **** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة **** عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا **** إذا نحن أصحبنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيئا مجيئها **** وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا
ومن شهير هذا الباب القصائد الرومية لأبي فراس الحمداني ، ومن غررها ودررها القصيدة المشهورة :
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر **** أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة **** ولكن مثلي لا يذاع له سر
تكاد تضيء النار بين جوانحي **** إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوصل والموت دونه **** إذا مت ظمئانا فلا نزل القطر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى **** ولا فرسي مهر ولا ربه غمر

(78/2)


ولكن إذا حم القضاء على امرئ **** فليس له بر يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي:الفرار أو الردى **** فقلت :هما أمران أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني **** وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
تهون علينا في المعالي نفوسنا **** ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
ومن عيون الشعر المعاصر قصيدة " رسالة في ليلة التنفيذ " للشاعر هاشم الرفاعي :
أبتاه ماذا قد يخط بناني ؟ **** والسيف والجلاد ينتظراني
وقصيدة الأستاذ سيد قطب " من وراء القضبان " :
أخي أنت حر وراء السدود **** أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصما **** فماذا يضيرك كيد العبيد ؟
ولأن الأسر جزء من الحياة البشرية كما هو الشأن في الحرب ذاتها ، فإن الإسلام قد نظم شأن الأسير وكيفية التعامل معه وفق المنهج الرباني القائم على العدل والإحسان ، ومن خلال عرض سريع نتبين طريقة الإسلام في التعامل مع الأسير ، وطريقة القانون الوضعي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية ، وبعد المشاكل الطويلة العريضة والقتلى والأسرى بمئات الآلاف ، بينما النظام الإسلامي جاء ابتداء دون معاناة ولا اعتبارات وقتية ولا ضغوط خاصة .

نظام الأسرى في الإسلام
شرع الله سبحانه الأسر كما في قوله تعالى : "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق" والحرب الشرعية العادلة لابد منها لمقاومة المعتدين والظالمين ودفع العدوان وإزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين معرفة الحق واتباعه ، فإن الأسر جزء من مقتضيات الحرب ، ولهذا قال سبحانه : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " وهذا طبيعي فلا يتوقع أحد أن يقال : إذا لقيتم الذين كفروا فانثروا الورود والرياحين في وجوههم ؛ لأن المقام مقام حسم ومصارمة ، يقول المتنبي :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا **** مضر كوضع السيف في موضع الندى
وقال أحمد شوقي :
والشر إن تلقه بالخير ضقت به **** ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم
ولآخر :

(78/3)


والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا **** فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
فالحرب جزء من الحياة متى كانت حربا عادلة لا يقصد بها مجرد التوسع الإمبراطوري الظالم ، ولا العدوان والبغي بغير حق ، وكم لهذه الحروب من أثر في بناء الحضارة وتجديد نسيجها واستئصال آفاتها .
وفي كتاب الله تعالى آيتان تتحدثان عن الأسرى :
الأولى : قول الله سبحانه وتعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " وهذه الآية نزلت بعد معركة بدر لما أسر المسلمون من أسروا من المشركين .
الثانية : قوله تعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " وفي كلام أهل العلم اختلاف ، لكن الراجح أنه ليس بين الآيتين تعارض ولا نسخ فإن المعنى واحد ، فالله تعالى يقول في الآية الأولى : "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " فإذا أثخنوا في قتل أعداءهم حتى يكون عندهم خوف ورعب فبعد ذلك يأتي النص الآخر الذي يأذن بالأسر بعد الإثخان " إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " فالأسر يكون بعد الإثخان وليس معه أو قبله ، فليس ثمت نهي عن الأسر ، وإنما أمر أن يكون الإثخان هو الأول ، وبعده يأتي الأسر .
فالإثخان لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته ثم يكون الأسر ، والحكمة فيه ظاهرة ؛ لأن إزالة القوة المعتدية المعادية هو الهدف الأول من القتال ، ولهذا يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار : [جملة القول في تفسير الآيات أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين ] .

(78/4)


من لأسرى المسلمين ؟
10/08/2002
1/6/1423
حقوق الأسير في الإسلام
1- من حق الأسير عدم إكراهه على ترك دينه فلا يكره على الدخول في الإسلام، وإنما يدعى إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وفي العصر الحاضر يعرف هذا بالحرية الدينية، يقول الله تعالى : "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم"[الأنفال:70] ففيها استمالة لهؤلاء الأسرى، وتجديد الدعوة لهم، وفتح باب التوبة أمامهم، وترغيبهم بما يعوضهم عما دفعوا من الفداء، ويعدهم إن هم دخلوا في الإسلام طائعين مختارين بالرزق الوفير في الدنيا والآخرة والمغفرة لما سلف من ذنوبهم قبل الإيمان، وفي هذا دليل واضح على أنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام، ولم يقع قط أن أكره أسير على أن يدخل في الإسلام، ومن الأدلة على ذلك قصة ثمامة بن أثال الحنفي وهي في البخاري (4372) ومسلم (1764) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - وكان مشركا أسره جيش المسلمين وربط في المسجد فأتاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (ما عندك يا ثمامة) فقال : عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلما كان من الغد قال له مثل ذلك، وفي اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أطلقوا ثمامة) فأطلقوه فإذا به يذهب ويغتسل ويعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على ظهر الأرض دين أبغض علي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان على وجه الأرض بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي .

(79/1)


وهكذا أثرت هذه المعاملة الحسنة والخلق الكريم، في استمالة قلب رجل غير عادي، إنه ليس من بسطاء الناس أو سذجهم، بل هو سيد قومه، ولم يكن إسلامه إسلام تقية أو خوفا على نفسه وحياته .
2- ومن حقوقه إطعامه ما يكفيه من الطعام والشراب، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى : "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" [الإنسان:8-9] ففي هاتين الآيتين دليل على أن إطعام الأسير قربة يتقرب بها المؤمن إلى ربه سبحانه وتعالى، ولهذا قال : "نطعمكم لوجه الله" وفيها أن المؤمن يؤثر الأسير حتى على نفسه "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" ومعنى هذا أنه لم يطعمه مما فضل من قوته، وإنما يطعمه من طيب طعامه مع حاجته إليه ومحبته له، ولذلك كان منع الطعام عن الأسير من الكبائر كما جاء في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : "عذبت إمرأة في هرة ، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" رواه البخاري (3482) ومسلم (2242) .
فلما كان الحبس مانعا للمحبوس من التصرف في أمر معاشه وكسبه وجب على حابسه أن يقوم بحقه، ولو كان ذلك في حق الحيوان، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى "ولقد كرمنا بني آدم" [الإسراء:70] ويكفي أن الله سبحانه قرن حق الأسير بالمسكين واليتيم "مسكينا ويتيما وأسيرا" [الإنسان:8] حثا على القيام على إطعامه والإحسان إليه، وقد يكون هذا الإحسان سببا في هدايته، كما كان الأمر في شأن ثمامة رضي الله عنه .

(79/2)


3- حقه في الكسوة والثياب المناسبة التي تليق به وتجدر بمثله وقد روى البخاري في صحيحه من حديث جابر- رضي الله عنه - قال : "لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه . . " البخاري (3008)، فالإسلام يضمن للأسير حق الكسوة والثياب المناسبة .
4- المأوى والسكن المناسب أيا كان فقد يسكن في المسجد أو يسكن في سجن خاص ويكون ملائما أو حتى في بيوت بعض المؤمنين، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك دار خاصة للأسرى ولا للسجن، ولهذا ربما سجن الأسير في المسجد، وربما وزع الأسرى على المسلمين في بيوتهم إلى أن ينظر في شأنهم، وقد روى البيهقي في سننه (9/89) عن ذكوان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بأسير وعندها نسوة، فلهينها عنه فذهب الأسير فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة : (أين الأسير؟) قالت: نسوة كن عندي فلهينني عنه، فذهب فقال : رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "قطع الله يدك" وخرج فأرسل في أثره فجيء به فدخل النبي – صلى الله عليه وسلم – وإذا عائشة – رضي الله عنها – قد أخرجت يديها فقال مالك قالت يا رسول الله إنك دعوت على بقطع يدي وإني معلقة يدي أنتظر من يقطعها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجننت؟ ثم رفع يديه وقال : (اللهم من كنت دعوت عليه فاجعله له كفارة وطهورا)، قال الذهبي عن هذا الحديث : إسناده جيد .

(79/3)


وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (5/191) أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرق أسرى بدر على أصحابه، وروى الإمام أحمد (2216) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ناسا من الأسرى الذين كانوا يتقنون القراءة والكتابة يعلمون أولاد الأنصار القراءة والكتابة، وجعل ذلك فداءهم وفكاكهم، ومن المعلوم أن الأسير كي يعلم ويكتب لابد أن يكون طليقا غير مقيد ولا مربوط، وقادرا على الذهاب والإياب، والوثاق إنما جعل لمنعه من الهرب فإذا أمكن منعه بلا وثاق فلا حاجة إليه .
5- لا يفرق في الأسرى بين الوالدة وولدها أو بين الولد ووالده وبين الأخ وأخيه، وهذا ورد في حكم السبي، و السبي نوع من الأسر، وإن كان يطلق في الغالب على النساء والذرية، والتفريق بينهم وبين الأسرى إنما هو أمر اصطلاحي، وإلا فالكل أسرى، وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد (23499) وأهل السنن الترمذي (1283) وابن ماجه (2250) من حديث أبي موسى وأبو داود (2696) من حديث علي – رضي الله عنه -عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من فرق بين والدة وولدها ـ يعني من السبي ـ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) قال الترمذي : وهذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، كرهوا التفريق في السبي بين الوالدة وولدها وبين الولد والوالد وبين الإخوة .
وأعجب من ذلك أن الدارمي (2479) روى هذا الحديث، وذكر في أوله أن أبا أيوب رضي الله عنه كان في جيش ففرق بين الصبيان وبين أمهاتهم من الأسرى فرآهم يبكون فجعل يرد الصبي إلى أمه ويقول : إن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ) .
فانظر كيف بلغ الرفق والرحمة والشفقة والعدل بالمسلمين في الجمع بين الإخوة وبين الآباء والأمهات والأولاد من الأسرى .

(79/4)


6- عدم تعريضهم للتعذيب بغير حق فلا يمكن أن نعذبهم مثلا لأنهم قاتلونا، ولم ينقل في الشرع أنه أمر بتعذيبهم، ولا أنه حصل لهم تعذيب خلال عصور العزة الإسلامية، وذلك لأنه إذا كان المسلم مأمورا بإكرامهم وإطعامهم وسقيهم والجمع بينهم فإن تعذيبهم يتنافى مع هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون هناك حالات خاصة يتطلب الأمر فيها أن يمس بشيء من العذاب قليل لا يؤثر عليه من أجل كشف أمور يعلم أنها موجودة عنده كما في حديث ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله – صلى الله عليه وسلم – الصفراء والبيضاء ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعم حي ما فعل مسك حي الذي جاء به من النضير فقال : أذهبته النفقات والحروب فقال : العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى الزبير فمسه بعذاب وقد كان حي قبل ذلك دخل خربة فقال : قد رأيت حي يطوف في خربة ههنا فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخربة . . " الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/137) وقال ابن حجر في الفتح (7/479) إسناد رجال ثقات .
وأما قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأسرى فذلك لأن لهم سوابق وجرائم في حق المسلمين استوجبت قتلهم، ولهذا جاء في التاج والإكليل أنه قيل لمالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو ؟! فقال : ما سمعت بذلك.

(79/5)


وكان جماعة من السلف يكرهون قتل الأسرى، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الأسرى خلال حروبه الطويلة إلا عددا قليلا كانوا من أكابر عتاة المشركين وقادة الحرب الضروس الفاجرة ضد الإسلام وأهله، ويمكن أن نطلق عليهم حسب التعبير المعروف اليوم (مجرمي حرب) وقد روى مسلم في صحيحه (1779) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه مقدم أبي سفيان ومن معه شاور أصحابه فيما يصنع، وفي القصة أنهم ظفروا بغلام، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول : مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية ابن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال : نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال : مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس فإذا قال : هذا أيضا ضربوه ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف، قال : "والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم".
فهذا دليل على أنه ينبغي ألا يكون هناك عدوان على الأسرى، ولا تعذيب لهم بغير حق، وإذا كانت هذه الأشياء كلها مطلوبة فالإسلام يوجب أن يكون لهم العلاج المناسب والمعاملة الحسنة وأن لا يظلم أحد منهم في نفس أو أهل أو مال .

من أحكام الأسر في الإسلام
1- يجوز للمسلم إذا لم يقدر على المدافعة في حرب من الحروب أن يستأسر للعدو، وقد ذكر البخاري في صحيحه (3989) قصة خبيب بن عدي ومن معه، وكيف أنهم استأسروا للكفار ثم جاءوا بهم وباعوهم في مكة، وصلبوهم، وقال خبيب رضي الله عنه قصيدته المشهورة :

ولست أبالي حين أقتل مسلما **** على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ **** يبارك على أوصال شلو ممزع

(79/6)


2- فكاك الأسير المسلم من القربات والطاعات وفضائل الأعمال، فقد روى البخاري في صحيحه (3406) من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ وأطعموا الجائع وعودوا المريض) وفي البخاري (3047) ومسلم (1370) من حديث أبي جحيفة لما سأل عليا رضي الله عنه هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر " .
ففكاك الأسير من الطاعات والقربات التي ينبغي أن يسعى المسلمون إليها ما استطاعوا، ومهما بذلوا في سبيل ذلك من الجاه والقوة والمال والجهد والمخاطرة، خاصة مع تطور وسائل الاتصال والتأثير والضغط وإمكانية العمل المثمر لفك الأسرى وتحسين ظروفهم .
3- روى البخاري في صحيحه معلقا في كتاب : الطلاق ، باب : حكم المفقود في أهله وماله عن الزهري أنه قال : الأسير إذا علم مكانه فإنه لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود. على الخلاف المعروف بين الفقهاء .
4- بوب البخاري في صحيحه كتاب الفرائض "باب ميراث الأسير" ثم قال : "وكان شريح يورث الأسير الذي يكون في أيدي العدو، ويقول : هو أحوج إلى المال من غيره " وهكذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : " أجز وصية الأسير وعتاقه، وما صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه، فإنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء " .
5- إذا أسر أسير كافر ثم قال : إني مسلم فما الحكم ؟

(79/7)


روى مسلم في صحيحه (1641) عن عمران بن حصين قال : كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، قال : يا محمد . فأتاه فقال : (ما شأنك ؟) فقال : بم أخذتني ؟ وبم أخذت سابقة الحاج ؟ فقال : إعظاما لذلك (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) ثم انصرف عنه، فناداه فقال : يا محمد يا محمد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رقيقا، فرجع إليه فقال : (ما شأنك ؟) قال : إني مسلم قال : (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف ... ثم إن الرسول بدا له ففداه برجلين من المسلمين وأمسك الناقة لنفسه .
وقد جاء ما يدل على قبول إسلام الأسير، ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري (4269) ومسلم (96) واللفظ له في قصة أسامة بن زيد حينما قتل رجلا مقاتلا بعدما قال : لا إله إلا الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاء يوم القيامة ؟) .
فإذا أسلم الأسير فقد عصم دمه لحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم...) البخاري (25) ومسلم (21) واللفظ له .

(79/8)


6- أسير الحرب يعتبر أسير الدولة المسلمة، وليس أسيرا للشخص الذي أسره، ولذلك فالرأي فيه للإمام , وعلى الإمام أن ينظر ما فيه مصلحة المسلمين، فله أن يمن على الأسرى بدون مقابل كما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال سبق تخريجه، وكما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين رجلا في غزوة الحديبية، وكانوا نزلوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، والحديث في صحيح مسلم (1807)، وله أخذ الفدية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أسرى بدر وغيرهم مسلم (1764)، وله مبادلتهم بأسرى مسلمين عند الكفار كما في حديث عمران بن حصين الذي سبق، وكما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه" أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بامرأة من المشركين وقعت في الأسر إلى مكة، وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم الرسول بتلك المرأة" وهو حديث صحيح انظر : مسلم (1755) والإمام أحمد (16502) والنسائي (8665) وابن ماجة (2846) .
7- هل للمسلمين أن يقتلوا الأسير إذا رأوا المصلحة في ذلك كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأسرى ممن كان بقاؤه خطرا على المسلمين مثل عبد الله بن خطل ففي صحيح البخاري (1846) ومسلم (1357) واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : (اقتلوه)، وكذلك قتل الجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي – صلى الله عليه وسلم – انظر : أبو داود (2684)، وكذلك أبو ليلى الشاعر الذي قال يا محمد من للصبية ؟ فقال : (النار) وقتله؛ لأنه غدر مرة بعد أخرى انظر ما رواه الحاكم في المستدرك (2618) والبيهقي في السنن الكبري (6/323)، إلى غير ذلك من الأحداث، فهل للإمام أن يقتل الأسير بعد أسره أو ليس له ذلك ؟

(79/9)


في المسألة خلاف فقهي، والراجح فيها ـ والله أعلم ـ أنه لا يقتله لمجرد التشهي، لكن يمكن أن يقتل المسلمون من ثبتت عليه جرائم وأعمال ومخالفات يستحق عليها العقوبة، كما حصل في القصص التي نقلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا كره الحسن وعطاء ـ وهما من فقهاء السلفـ قتل الأسير، وجاء الحجاج بأسير مكبل إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال له : قم يا عبد الله بن عمر فاقتله . فقال ابن عمر : ما بهذا أمرنا، فإن الله يقول : "فإما منا بعد وإما فداء" أي بعد الأسر، فلم يذكر القتل، وإنما ذكر المن أوالفداء، وفيه قصة أخرى لابن عمر رضي الله عنهما لما أمره أمير بقتل أسير، فقال : أما وهو مصرور فلا .
والصر هو التقييد والتكبيل، فكأن ابن عمر يقول : أما وقد أسرته ووثقته فأصبح أسيرا فلا، يعني لو قتلته في ميدان المعركة فهذا باب آخر، ولهذا قال ابن مفلح من فقهاء الحنابلة : ومن أسر أسيرا حرم على الأصح قتله . وهذا هو المذهب، وحكى الحسن بن محمد التميمي أن هذا كان إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم لا يقتلون الأسير .
هذا جانب من عظمة الإسلام ومن نظام الإسلام في التعامل مع الأسرى الذين هم كفار أولا، وأعداء ثانيا، ومحاربون مقاتلون تم أسرهم في ميدان المعركة ثالثا .

(79/10)


من لأسرى المسلمين ؟
26/01/2003
23/11/1423

الأسير في الاتفاقات الدولية
ربما سمع الناس ـ بسبب الكلام في أسرى غوانتانامو وما يتعلق بهم ـ الكثير عن اتفاقية جنيف للأسرى ، فما هذه الاتفاقية ؟
المبادئ الأساسية المتعلقة بحقوق الأسرى وضعت سنة 1864م وكان فيها أربع اتفاقيات ، ووقع عليها حوالي (190) دولة من دول العالم وأدرج فيها عدد من الحقوق .
وفي وقت لاحق عام 1977م تم إدراج لوائح جديدة فيما يسمى ببرتوكول إضافي أشار بوضوح إلى وجود مجموعات أو شرائح متعددة من أسرى الحروب .
والولايات المتحدة الأمريكية لم توقع على هذه الاتفاقية ، وإنما وقعتها دول أخرى ، وأهم النقاط الموجودة في هاتين الوثيقتين تتلخص فيما يلي :
أولا : اتفاقية جنيف ، بمقتضى الفقرة الرابعة من هذه الاتفاقية ، فإن مصطلح أسرى الحرب ينطبق على الأفراد المنتمين للشرائح التالية :

القسم الأول : أفراد القوات المسلحة لأحد طرفي النزاع ، ويدخل في ذلك :
1ـ المليشيات أو المتطوعون الذين يشكلون جزءا من هذه القوات أي : ليسوا من أفراد القوات المسلحة ، ولكنها مليشيات تابعة لهم أو متعاونة معهم .
2ـ الأفراد المنتمون لمليشيات أخرى ، أو المتطوعون ، ومن بينهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة ما دامت تنطبق عليهم الشروط التالية :
أ ـ أن يخضعوا لقيادة شخص مسؤول عنهم .
ب ـ أن يكون لهم علامة محددة بزي أو صفة معينة يتميزون بها عن بعد .
ج ـ أن يحملوا السلاح علانية .
د ـ أن يلتزموا في العمليات التي ينفذونها بأعراف وقواعد الحرب المتبعة .

القسم الثاني ـ ممن تشملهم هذه الاتفاقية ويعتبرون أسرى حرب ـ : أعضاء القوات المسلحة النظامية ، ممن يعلنون الولاء لحكومة أو سلطة قد لا يعترف بها النظام الحاكم في تلك الدولة ، أو سكان أي أرض تتمتع بالاستقلال في حال حملهم السلاح لمقاومة أي غزو بشرط حمل السلاح بشكل علني والالتزام بأعراف وقواعد الحرب .

(80/1)


ثانيا : في حالة وجود أي إشكال أو شك في كون هذا الأسير تنطبق عليه الشروط السابقة أو لا تنطبق عليه ، فإنه في هذه الحالة يتمتع بالحماية في ظل الاتفاقية إلى أن تتولى المحكمة المؤهلة البت في أمرهم وما إذا كانوا أسرى حرب أو ليسوا أسرى حرب .
ثالثا : ما يتعلق بالبروتوكول الإضافي الذي أضيف بعد ذلك ، وهذا يقول إن أي مقاتل يقع في أسر قوة مناوئة يعتبر أسير حرب ، أي مقاتل على الإطلاق ، والمقاتل عندهم الذي يلتزم بأعراف وقواعد الحرب ، وحتى حينما يخالف هذه القواعد والأعراف فإن من حقه أن يعامل كأسير حرب في حالة أسره .
ونلاحظ أن هناك أمثلة من الواقع تدل على الطبيعة التنفيذية لهذه اللوائح ، وكيفية فهمها وإجرائها لدى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها ، ومن ذلك :
1- مقاتلو جبهة الفيتو كونغ خلال حرب فيتنام أخذوا على اعتبار أنهم أسرى حرب على الرغم من أنهم كانوا يرتدون زيا أسودا ولا يحملون إشارة مميزة .
2- بالرغم من عدم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالنظام في الصين الشعبية خلال الحرب الكورية إلا أنها كانت تعامل المحتجزين لديها من الأسرى الصينيين على أنهم أسرى حرب .
3- على رغم أن بعض الطيارين الألمان خالفوا أعراف الحرب ، وقاموا بمهاجمة أهداف مدنية غير عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية إلا أنهم أخذوا وضع أسرى الحرب ، وتم منحهم هذه الصفة خلال الأسر .

أسرى [ غوانتانامو]

(80/2)


يوجد حاليا أكثر من خمسمائة معتقل في هذه الجزيرة التي تقع في البحر الكاريبي ، وهؤلاء يشكلون أكثر من اثنين وثلاثين جنسية ، منهم مائة وخمسون من السعودية ، ومنهم نحو مائة من اليمن ، وآخرون من الكويت والجزائر ومصر وغيرها ، على رغم أن الجنسيات تتغير من وقت لآخر ؛ لأنها غير منضبطة بشكل دقيق ، وهؤلاء يعيشون في زنزانات انفرادية مؤقتة يبلغ بعد الزنزانة الواحدة طولا وعرضا حوالي مائتين وأربعين سنتيمترا ، أي : مترين وأقل من النصف طولا وعرضا ، وهي محاطة بأسلاك شائكة تفصل بينها ، وأما الأرضية فإنها مرصوفة بالخرسانة ، ولهم إمام مسلم يؤمهم ، وهو من البحرية الأمريكية ، ويعطون ثلاث وجبات يوميا ، هذه معلومات نقلتها عدد من وسائل الإعلام ، وبالذات جريدة الرأي العام الكويتية ، وقد كتبت عشر حلقات من الميدان ، وحاولت أن تقدم تغطية وافية لوضع الأسرى في هذا المعتقل ، وثمت أحداث لابد من الوقوف عندها :
أولا : نقل الأسرى من أفغانستان إلى غوانتانامو هو نقل إلى أرض غير أمريكية ، نقلوا لها لأنه لا يسري عليها حكم القانون الأمريكي ، وبالتالي تصبح الحكومة فيها بمندوحة عن أن تلتزم بالنظام العام .
ثانيا : تم نقلهم بطريقة وحشية ، وكأنهم حيوانات مفترسة ، فقد وضعوا في أقفاص حديدية ، وحجبت كل حواسهم عن العمل ، وحجبت عيونهم وآذانهم ، وكممت أفواههم ، وشلت حركات أيديهم وأرجلهم بقيود حديدية شديدة القسوة ، بل تم تخدير بعضهم خلال الطريق ، ولما وصلوا إلى هناك تم حلق رؤوسهم ولحاهم بحجة أن فيها القمل أو أنها غير نطيفة ثم تم رشهم بعد ذلك بالمبيدات .

(80/3)


ثالثا : رفضت أمريكا على لسان عدد من مسئوليها اعتبار هؤلاء أسرى حرب ، وقد اعترض على هذا التعسف الرأي العام العالمي ، فهناك منظمات حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدولية واللجان المختصة في عدد من البرلمانات الأوروبية ومفوضية الأمم المتحدة وعدد من اللجان العربية والإسلامية وكثير من المؤسسات العالمية والدول قد أعلنت رفضها هذا التعسف ، وبناء على ذلك رضخت أمريكا للضغوط ، وقالت : إن من كانوا تابعين لحكومة طالبان فهم أسرى حرب ، أما من كانوا تابعين للقاعدة فليسوا كذلك ، وهذا أيضا لون من التحكم لا مسوغ له.
رابعا : استخدمت أمريكا التمييز العنصري في معاملة هؤلاء الأسرى ، فالشاب الأمريكي الطالباني المشهور "جون روكر" نقل بطريقة مختلفة إلى بلده ، وعومل بطريقة مختلفة وسوف يعرض على محكمة مدنية ، فهل لأنه أبيض البشرة ؟!أو لأنه أمريكي الجنسية ؟!
نحن لا نعترض على أن تكون معاملة هذا الشاب جيدة ، بل نطالب أن تكون معاملته أفضل مما هي عليه ، لكننا نتساءل لماذا هذا التمييز العنصري بين أناس تهمتهم في نظر الأمريكان واحدة ؟
خامسا : هناك أسرى في يد الأمريكان في أفغانستان وفي باكستان ، وهؤلاء لا يعرف على وجه التحديد عددهم ، ولا يعرف أين يعيشون ؟
ولا تعرف الظروف التي يعيشون فيها ، فهم يعيشون بعيدا عن الأنظار .
سادسا : إضافة إلى هؤلاء الأسرى فإن هناك أسرى في السجون الأفغانية ، وهم كثير ، وربما يتناقص عددهم يوما بعد يوم ، وفي جريدة القبس نشر تحقيق عن سجن اسمه (شاذر غان) فيه أكثر من ثلاثة آلاف محشورون في ثلاث زنزانات في أحوال مأساوية .
ثلاثة آلاف لا يوجد عندهم طبيب ولا يستطيع واحد منهم الاستحمام ، لا يعطى سوى لقمة واحدة من الطعام يوميا ، وقد ظهر الجوع على وجوههم وعلى قسماتهم .

(80/4)


أما معاملتهم فحدث ولا حرج والكلام عن هؤلاء يطول ، وقد نشرت معلومات كثيرة وتقارير ودراسات عن الأفغان العرب في أفغانستان وغوانتانامو ، وهذه التقارير والدراسات غيض من فيض وقليل من كثير مما يضج به الواقع .
أما المقابر الجماعية والتصفية والعنف والعسف فهذا باب يطول ، وهناك عدد من العرب تزدحم بهم السجون والحاويات والأقفاص والقبور ، وهم يباعون بالمزاد بأسعار محددة ويقع الكثير من المشترين ضحية الخداع والنصب .

تعليقات على هذه المعلومات :
1- وزير الدفاع الأمريكي أوجد مجموعة من الخيارات أمام هؤلاء فقال : يمكن أن يعرضوا للقضاء المدني ، ويمكن أن يعرضوا للقضاء العسكري ، ويمكن إعادتهم إلى بلادهم ، ويمكن إطلاقهم فورا ، ويمكن أسرهم لفترة غير محدودة ، ولما سئل هل يمكن إعدام أحدهم أو بعضهم ؟
قال : بالطبع .
فهذا يدل على أن مسألة القانون الدولي والحديث عن حقوق الإنسان قضية انتقائية في نظر الولايات المتحدة الأمريكية ، وأنها تطبق منها ما تشاء وتستبعد ما تشاء ، وقد تطبقها جزئيا في داخل بلدها ، لكنها تعتبر أن الشعوب والأمم الأخرى لا تستحق هذه الكرامة التي تمنحها لشعبها ، وهذا يؤكد أنه ليس لديهم معلومات صحيحة وافية عن هؤلاء الأسرى ، ولذلك فهم يضربون في التيه ، فمن الممكن أن يحاكموا محاكمة مدنية أو عسكرية ، والأحكام شبه جائزة يمليها وزير الدفاع ، وهي تتراوح بين القتل والإطلاق بلا قيد ولا شرط أو لفترة غير محدودة ، وهذا كلام غير منضبط .

(80/5)


2- قام مجموعة من المحامين والصحفيين بل والقسس من الأمريكيين برفع دعوى ضد الرئيس الأمريكي ووزير الدفاع وضد ألف جندي من الجيش الأمريكي بسبب خرقهم للدستور حين حرموا هؤلاء الأسرى من حرياتهم دون إجراء قانوني ، وبسبب عدم إخبار هؤلاء الأسرى بطبيعة التهم الموجهة إليهم ، وبسبب اعتقالهم ، ولعدم تمكينهم من الاتصال بمحامين أو الاتفاق معهم ، ولا شك أن هذه المحاولة وإن كانت رفضت من قبل المحكمة إلا أنها محاولة يجب أن تتكرر ، وأن يسعى المسلمون والقادرون إلى تحريك هذه القوى من داخل المجتمع الأمريكي ومن خارجه ؛ لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة الأمريكية .
3- الغالبية من الأسرى خصوصا في غوانتانامو هم من الشباب الذين ليس لهم علاقة بأي تنظيم ، وإنما ذهبوا في أعمال إغاثية أو دعوية أو تجارية ، بل بعضهم ذهبوا قبل الأحداث بفترة طويلة ، ومنهم شباب في مقتبل أعمارهم ، ومنهم من لم يحمل السلاح قط ، وقد أثبتت بعض أجهزة الكشف الأمريكية أن من هؤلاء الشباب من لم تلمس يده سلاحا في تاريخه كله ، ومن هؤلاء المجاهدون الذين ذهبوا لأفغانستان أثناء الاحتلال السوفييتي السابق ، وبقوا هناك ، ومنهم المتطوعون بشكل منفرد من قبل أنفسهم ، وهؤلاء جمع كبير لا يمكن إحصاؤهم ، بل غالبية من ذهبوا كذلك ، وفيهم العرب المقيمون أصلا في أفغانستان إما بسبب ظروف سياسية كأن تكون بلادهم لا تقبلهم ، أولا تعطيهم فرصة التمثيل ، وإن كانت تتحدث عن الديمقراطية مثلا إلا أنها لا تمنح التيارات الإسلامية التمثيل الحقيقي ، فيذهبون إلى هناك ، وقد يكون ذلك لأسباب اجتماعية أو اقتصادية .
وعلى سبيل المثال هناك عدد غير قليل من المقيمين في أفغانستان من العراقيين الذين يعرف الجميع ظروف بلادهم .

(80/6)


والأمريكان يعتقدون كما تقول جريدة القبس بأن اثنين في المائة فقط هم من أسرى القاعدة على الأقل ، هذا هو الأمر الذي توصلوا إليه في نهاية المطاف . وهؤلاء جميعا عوملوا بهذه المعاملة القاسية الشرسة التي أشرت إليها ، وقامت كثير من وسائل الإعلام من الصحافة والقنوات الفضائية وغيرها بحملة إعلامية ضارية ضدهم دون تعقل ولا تحرز ولا انتظار .
4- هناك شاب جزائري الأصل اسمه "مهدي غزالة" سويدي الجنسية عمره في الواحدة أو الثانية والعشرين من عمره موجود في غوانتانامو حقق معه من قبل مجموعة سويدية ، وبحضور المخابرات الأمريكية ، وقد أبدىسفير سويدي ودبلوماسي مشهور محترم عندهم احتجاجه على هذا العمل ، وقال : كيف نحقق معه بحضور الاستخبارات الأمريكية ؟ يجب أن يكونوا بعيدين عن هذا التحقيق ؛ لأن هذا نوع من التدخل ، ولأنه ربما يبوح بمعلومات تكون ضررا عليه ، وقد تستخدم ضده .
فانظر إلى هذه الشفافية ، وهذا الحرص عندهم على تتبع رعاياهم ، والحرص على مستقبلهم .
وفي تصريح لوزيرة الخارجية في السويد أبدت اعتراضها على أن يسلم إلى دولة إسلامية يمكن أن تطبق عليه حكم الإعدام .
هذا الشاب الجزائري يظهر أنه من ضمن الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل ، ولذلك كتب رسالة لوالديه وإخوانه ، يقول : " أنا بخير والحمد لله ، وأعتذر لعدم مراسلتكم في الآونة الأخيرة ؛ لأني كنت في طريقي إلى باكستان واعتقلت هناك على أيدي رجال الجيش ، وقد تم التحقيق معي ، وقلت لهم بأني كنت في طريقي إلى جامعة إسلامية في باكستان ، وأكد المحقق لي أنه في حال ثبوت مصداقية هذا الأمر فإنه سيتم إرسالي إلى السويد ... أنا في شوق كبير للعودة إليكم ، فصلوا كي أعود وأبقى معكم إلى الأبد ، تحياتي لإخوتي الصغار الذين اشتقت إلى أن ألاعبهم في الحديقة ، واشتري لهم الحلوى ، ولكن بشرط أن يجتهدوا في الدراسة ، وختم بعبارة ( الله معنا ) " .

(80/7)


5- هناك أسترالي واحد في هؤلاء الأسرى اسمه "ديفد" ومع ذلك شكلت مجموعة من أهل بلده جماعة خاصة للدفاع عنه اسمها جماعة [ العدالة لديفد ] للدفاع عنه والمطالبة بحقوقه ، وقالوا هو محتجز في قفص يرفض معظم الأستراليين أن يستخدموه لكلابهم فضلا عن أولادهم .
وكذلك الإخوة الكويتيون شكلوا لجنة سموها لجنة الأسرى ، وفي عدد من دول الخليج سعى البعض إلى تأسيس لجنة اسمها لجنة {الدفاع عن المعتقلين في سجن غوانتانامو} وهذه اللجنة تسعى لتحقيق عدد من الأهداف الطيبة مثل الدفاع عن هؤلاء المعتقلين ، والدفاع عن أسرهم ، واستكمال إجراءات الوكالة عنهم ، والاتصال بهم وبأسرهم في كل مكان ، وجمع التبرعات وشرح القضية من الناحية الإعلامية ، والمساعدة المادية لهم ولأسرهم ، وتلك لاشك أهداف طيبة نبيلة .
6- إن أمريكا تمارس حربا نفسية واضحة لابد أن نكون يقظين لها فيما يتعلق بهذا الموضوع ، فالحركة التي تعملها ذات مردود إيجابي داخل الشعب الأمريكي ، فإنه من خلال الأسر والنقل والتغطية الإعلامية عملوا ترويجا إعلاميا أوجد كثيرا من الطمأنينة أن الحكومة فعلت ووصلت وحققت إنجازا ، وإن كان الأمر قد يتعلق بأشياء لا حقيقة من ورائها ، ومن خلال هذا الأمر أحبوا أن يوصلوا رسالة إلى غيرهم من الأمم والشعوب على طريقة عنترة الذي يقول : إنني آتي الضعيف فأضربه ضربة يطير لها قلب الشجاع .

(80/8)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية