صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

الملائكة
لغة: الملك والملاك: جنس نورانى لطيف من خلق الله تعالى(1) وجمعها: ملائكة وملائك(2)، كما أن لفظ ملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله(3) {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}الأنبياء:27.
والملائكة حقيقة مؤكدة من حقائق هذا الكون وقد ورد ذكرهم فى القرآن الكريم ثمانيا وثمانين مرة، لما لهم من دور عظيم فى هذا الكون(4)، حسب المشيئة الإلهية.
والملائكة عالم لطيف غيبى غير محسوس ، خلقهم الله تعالى من نور، فهم من أشرف خلق الله تعالى، وهم عباد مكرمون ، مبرءون من الميول النفسية والأهواء الشخصية، ومطهرون من الشهوات ، ومنزهون عن الخطايا والآثام.
وليسوا كالبشر يأكلون ويشربون وينامون ، وهم أيضا لا يتصفون بذكورة ولا بأنوثة، ولا بأى حالة مادية مما يتصف به البشر.
وللملائكة قدرة على التمثل بصورة بشرية أو غيرها مما يأذن به الله عز وجل.
لقد جاء جبريل إلى مريم متمثلا فى صورة بشرية: {واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا}مريم:16-17.
وحكم الإيمان بالملائكة: أنه واجب ، لأنه يمثل الركن الثانى بعد الإيمان بالله ، كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}البقرة:285.
فجعل الله سبحانه وتعالى، الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن بهذه الجملة: "مؤمنين". كما جعل الكفر بهذه الجملة، فقال عز وجل من قائل: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا}النساء:136.
وفى حديث جبريل المتفق على صحته ، حيث سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فأجاب بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم(5).
وقد أوجب الله تعالى، الإيمان بالملائكة هكذا، لما لهم من شأن كبيرفى عالم الروح ،ودور إيجابى فى الكون ومخلوقاته ومنها الإنسان. وإن الإيمان بهم يدفع إلى محاولة المعرفة بأوصافهم والتخلق بشمائلهم ، وفى ذلك تطهير للقلب وتصفية للنفس(6)، وهو من علامات البر، ومن دلائل الصدق والتقوى والتعاون على الخير:
{ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين}البقرة:177.
وكما خلق الله الجان من نار، وآدم من طين ، خلق الملائكة من نور فعن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)، أى من طين(رواه مسلم عن عائشة)(7).
وخلق الملائكة متقدم على خلق الإنسان ، بدليل أن الله تعالى قد أخبرهم سلفا بأنه سيخلق الإنسان ، ويجعله خليفته فى الأرض: {وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون}البقرة:30.
ومسكن الملائكة عليهم السلام السماء، وينزلون منها حسب التوجيه الإلهى. فقد أخرج أحمد والبخارى من حديث ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: (ما يمنعك أن تزونا أكثر مما تزونا؟) قال: فنزلت: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا}مريم:64.
ويرى بعض العلماء أن البشر عموما أفضل من الملائكة بحسب الظاهر. وحجة هؤلاء أن الملائكة عجروا عن الإجابة على الأسماء التى عرضت عليهم ، بينما أجاب عليها آدم ، فشرف بالعلم الذى خصه الله به.
وكدلك فى أمر الله للملائكة بالسجود لآدم ما يفيد تفضيله عليهم (انظرسورة البقرة من الآية 31 إلى 34)، وأيضا فإن طاعة الملائكة جبلية، وتركهم للمعصية لا يحتاج لأدنى مجاهدة، فهم لا شهوة لهم ، بينما الإنسان يحتاج إلى مجاهدة لمصارعة هواه ،وترقية روحه(8).
وينسب إلى أهل السنة تفضيل الأنبياء وصالحى البشر فقط على الملائكة.
كما ينسب إلى المعتزلة تفضيل الملائكة على البشر.
وكذلك ينسب إلى الشيعة تفضيل أئمتهم على جميع الملائكة.
والواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين ،ولسنا مكلفين بأن نعتقد أى الفريقين أفضل ، وإلا لبينه الكتاب والسنة، مثلما جاء تفضيل بعض الأنبياء والرسل على بعض(9) فى {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}الإسراء:55 {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}البقرة:253.
أما تفاوت الملائكة فيما بينهم فهو حاصل ، سواء في الخلق أم فى الأقدار، فالتفاوت فى الخلق مثل: {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء قدير}فاطر:1 ، أى أن الله خلق الملائكة وجعل لهم أجنحة: فمنهم من له جناحان ، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر، فعن ابن مسعود (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح) (رواه مسلم عن ابن مسعود) وإن كثرة الأجنحة دليل على شدة السرعة فى تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته: {وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون}الصافات:164-166.
فما من ملك إلا له موضع مخصوص فى السموات ، ومقام فى العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه. كما أنهم يصطفون فيسبحون الرب ويقدسونه وينزهونه ، فهم عبيد له ، فقراء إليه ، خاضعون له.
وفى الملائكة ثلاثة رؤساء مقربين أكثر من سواهم ، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قال تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين}البقرة:98. وفى الحديث: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون:
اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم)(رواه مسلم).
وهؤلاء موكلون بالحياة: فميكائيل موكل بالقطر الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان ، وإسرافيل موكل بالنفخ فى الصور الذى به حياة الخلق بعد مماته ، أما جبريل عليه السلام فهو موكل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح: {نزل به الروح الأمين}الشعراء:193. وسمى جبريل روحا ، لأنه حامل الوحى الذى به حياة القلوب ، إلى الرسل من البشر(11) وهو كذلك أمين حق أمين.
وجاء فى وصفه أيضا: {إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين}التكوير:19-21.
وقد دل القرآن والسنة، على أصناف الملائكة، وأنهم موكلون بالسموات والأرض: من جبال وسحاب ومطر: {فالمدبرات أمرا}النازعات:5 ، وقد ظن الكفار أن النجوم هى التى تقوم بهذا التدبير.
والملائكة أعظم جنود الله تعالى، وفيهم طوائف وفرق مثل: المرسلات والعاصفات والناشرت والفارقات والملقيات ذكرا(انظر سورة المرسلات 1-4) والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات والصافات والزاجرات والتاليت ذكرا (انظر سورة الصافات 1-3).
وكل من هؤلاء له مقام معلوم لايتخطاه ، وعمل قد أمربه ، لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وهم رسل الله فى خلقه وأمره ، وسفراء بينه وبين عباده ، وهم لكثرتهم يدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه. والله عز وجل يكرمهم ، ويقرن اسمه باسمهم ،وصلاته بصلاتهم ، ويضيفهم إليه فى مواضع التشريف ، ويصفهم بالطهارة والإخلاص: {هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}الأحزاب:43.
والملائكة موكلون بكتابة أعمال العباد وأقوالهم ، بل نياتهم ، لأنها فعل القلوب فدخلت فى عموم {يعلمون ما تفعلون}الانفطار:12، ومما يشهد لذلك حديث الشيخين وأحمد والترمذى: (إذا هم بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة. وإذا هم عبدى بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرة).
ولا يمر سلوك للإنسان دون أن يسجله الملاثكة عليهم السلام: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}ق:18.
وهم يسجلون ذلك فى سجل لكل فرد، ثم تعرض يوم القيامة: {وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}الإسراء:13-14.
بل إن الملائكة يشهدون على الإنسان يوم العرض بما شاهدوه منه من خيرأو شر: {ونفخ فى الصورذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}ق:20-22.
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر. فيصعد الذين كانوا فيكم فيسألهم - والله أعلم بهم - كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون ،وفارقناهم وهم يصلون).
والمرء بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلا: حافظان: واحد من أمامه ، والآخر من ورائه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وكاتبان: صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات(12).
ومما يقوم به الملائكة الكرام التسبيح والخضوع التام لله تعالى (الأعراف 206 ، الزمر75)، وحمل العرش (غافر 7)، والتسليم على أهل الجنة (الرعد 23-24)، وتعذيب أهل النار (المدثر 27-31)، وحفظ الإنسان من بعض الحوادث ومن أذى الجن والشياطين ، وطلب المغفرة للتائبين (غافر 7-9) وتأمينهم مع المصلين: (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفرله ما تقدم من ذنبه)(رواه أحمد وأبو داود والنسائى).
ويحضرون صلاة العصر والفجر {إن قرآن الفجر كان مشهود}الإسراء:78 ، أى صلاة الفجر. وينزلون عند قراءة القرآن ويستمعون إليه ، كما حدث مع أسيد بن حضير، حين كان يقرأ بالليل فرأى مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت فى الجو، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : (تلك الملائكة كانت تسمع لك) رواه الشيخان ، واللفظ لمسلم.
كما أنهم يحضرون مجالس الذكر، كما فى الحديث: (إن لله ملائكة يطوفون فى الطريق يلتمسون أهل الذكر) (رواه البخارى بهذا اللفظ ورواه مسلم بلفظ آخر).
وهم أيضا يصلون على المؤمنين ، ولاسيما أهل العلم منهم: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير) (رواه الترمذى، وقال حديث حسن). وفى حديث آخر: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع). أبو داود والترمذى.
وقد تحمل الملائكة بشرى إلى شخص صاحب موقف طيب. فقد روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (زار رجل أخا له فى قرية أخرى، قال: أريد أخا لى فى هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها -أى تصلحها - قال: لا، غير أنى أحببته فى الله عز وجل. قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك ،كما أحببته فيه).
ومن تكريم الله عز وجل لملائكته أن يعلمهم بمن يحبه وبمن يبغضه ،كما فى الحديث: (إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل ، فقال: إنى أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادى فى السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض. وإذا أبغض عبدا...). رواه مسلم ومما يقوم به الملائكة من وظائف سامية، أنهم يثبتون المؤمنين بما يلقونه فى قلوبهم من التأييد أثناء الجهاد: {إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا}الأنفال:12.
والملائكة أيضا موكلون بقبض الأرواح بقضاء الله وقدره ،فيتولى ملك الموت قبضها واستخراجها ، ثم يتولاها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ، وهم أعوانه: {قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون}السجدة:11.
وتقوم الملائكة بتحية الطيبين عند قبض أرواحهم ، ويبشرونهم بالجنة: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ، يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}النحل:32.
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد
__________
الهامش:
1- المعجم المفرس لألفاظ القرآن الكريم ، محمد فؤاد عبد الباقى، دار الفكر بيروت.
2- المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية، وزارة التربية والتعليم بمصر 1414هـ/1993م ، مادة (ملك).
3- مختار الصحاح الرازى ، استانبول تركيا 1408هـ/1987م ، مادة (ملك).
4- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبى العز الدمشقى، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ، دار البيان ط1 دمشق 1401هـ/1981م ص274.
5- صحيح مسلم بشرح النووى، المطبعة المصرية، 1/ 157.
6- العقائد الإسلامية، سيد سابق ، دار الكتاب العربى، بيروت 1406هـ/1985م ص9.
7- صحيح مسلم ، كتاب الزهد.
8- العقائد الإسلامية، ص113.
9- شرح العقيدة الطحاوية، ص275-276.
10- منهاج المسلم ، أبو بكر الجزائرى، دار الشروق ، ط7 1407هـ/1987م ، ص32-35.
11- شرح العقيدة الطحاوية، ص377

(1/290)


الملكية
لغة: مصدر صناعى من الملك والملك والملك ، وهو احتواء الشىء والقدرة على التصرف فيه بانفراد، فهو مع القدرة على التصرف(كما فى اللسان) والملك والمالك الحقيقى هو الله تعالى فهو مالك يوم الدين.
واصطلاحا: عند الفقهاء: الاختصاص ، والعلاقة الشرعية بين الإنسان والشىء، التى ترتب له حق التصرف فيه ،وتحجز الغير عن هذا التصرف ، وهو قدرة يثبتها الشرع ابتداء على التصرف إلا لمانع.
وقيل: حكم شرعى يقدر فى عين أو منفعة يقتضى تمكن من ينسب إليه من انتفاعه به ، والعوض عنه من حيث هو كذلك.
- وعند الحكماء: هو هيئة تفرد للشىء بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله ، ويطلق أيضا على الجدة وعلى القنية.
ويستعمل الملك أيضا فى ملك الرقبة أى ملك الذات ، وملك المنفعة أى الوظيفة، وملك اليمين يغلب استعماله فى الرقيق.
والملك باعتبار صاحبه ثلاثة أنواع:
- ملكية الدولة أو ملكية بيته المال: وتضم كل مال استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه ، كبيت مال الزكاة بأنواعها ، وبيت مال المصالح ويضم: الخراج والفىء وخمس الغنائم والجزية والعشور والركاز، وبيت مال الضوائع. ويضم: وارث من لا وارث له ،واللقطة، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم ،ويتصرف فيه ناظر بيت المال تصرف الملاك الخاصين فى أملاكهم بما يحقق مصلحة الجماعة المسلمة.
- الملكية العامة أو الجماعية: وهى ملكية مشتركة بين مجموع أفراد الأمة دون أن يختص بها أحد منهم ، إما لتجاوز المنفعة من هذه الأشياء على ما يبذل فى سبيلها من جهد ونفقة، وإما لكون نفعها ضروريا لمجموع الأمة ولا غنى لأفرادها عنها. وتشمل الملكية المشتركة المرافق العامة من أنهار وشوارع وطرقات ومراعى وغابات وغيرها. فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون شركاء فى ثلاث: فى الماء والكلأ والنار" رواه أحمد.
الحمى: وهى أرض لا يملكها أحد وتخصص لمصلحة عامة، كأن تكون مرعى لإبل الصدقة وخيل الجهاد.
والأراضى الموقوفة لمصلحة المسلمين: كالأراضى التى فتحت عنوة ولم توزع على الغانمين.
والمعادن المستقرة فى الأراضى بخلق الله ظاهرة وباطنة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والبترول.
- الملكية الخاصة: ويكون مستحقها وصاحبها فردا أو جماعة على سبيل الاشتراك ، وتشمل كل الأموال الحلال ، من نقود وعروض قنية وعروض تجارة وأصول ثابتة ووسائل الإنتاج ، والتى لا تقع ضمن الملكية العامة المشتركة للمسلمين أو ملكية بيته مال المسلمين.
والملكية فى الإسلام ذاته سمة فريدة فهى لجميع أنواعها ملكية استخلاف ، حيث إن الملك والملكية لله تعالى، فهو وحده سبحانه: {مالك يوم الدين}الفاتحة:4 ، وهو جل جلاله {مالك الملك}آل عمران:26. وهو سبحانه: {بيده ملكوت كل شىء}المؤمنون:88 ،يس:83 ، وهو المالك الأوحد {ولم يكن له شريك فى الملك}الفرقان:2 ، كما ذكرت آيات القرآن الكريم فى ثمانية عشر موضعا أنه سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض ، والبشر مستخلفون - فرادى وجماعات - فى الأرض {ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}النور:55.
وقد قسم العلماء طرق وأسباب اكتساب الملكية إلى أربعة أقسام:
- باعتبار وجود الإرادة وعدمها: إلى أسباب اختيارية كالاستيلاء على المباح بما فى ذلك إحياء الأراضى الموات وسائر- العقود، وأسباب جبرية كما فى الميراث.
- باعتبار الصفة الأصلية إلى أسباب منشئه كالإحياء والصيد ، وأسباب ناقلة كما فى العقود والميراث.
- باعتبارالصيغة إلى أسباب فعلية كالاستيلاء على المباح ،وأسباب قولية كما فى العقود، وأسباب اعتبارية كما فى الميراث.
- باعتبار الشخص الذى تؤول إليه الملكية: إلى ما كان بعمل شرعى من أنواع السعى كالتجارة والصناعة والزراعة والصيد ، وما كان بحكم شرعى كالزكاة والنفقات والإرث والكفارات ، أو ما كان بإرادة الغير كالهبة والصدقة والوقف والإقطاع.
وقد حفظت الشريعة الإسلامية حق الملكية الخاصة والمشتركة وملكية الدولة بتحريم التملك عن طريق وسائل الغش و الخداع كالتلاعب بالأسعار والغرر ، وعن طريق الظلم والاستغلال كالغصب والسرقة و الاختلاس والرشوة والربا والاحتكار، وعن طريق تحديد المصالح التى تبيح تدخل الحاكم لتقييد الملكية الخاصة أو مصادرتها.
كما حفظت الشريعة دور الملكية فى المجتمع عن طريق تحريم التملك لكل ما فيه ضرر عائد على الأفراد أو الجماعات فى أعراضهم وأموالهم وعقولهم ، كالإتجار بالأعراض والخمر والميسر وكافة المحرمات.
كذلك حفظت الشريعة السمحاء التوازن الدقيق بين مصلحة الفرد وحق الجماعة بما حددته من مبادىء تحفظ حق كل من الملكية الخاصة والملكية العامة وملكية الدولة، وكيفية استعمال كل منها، وانتقال الملكية الخاصة من شخص لآخر فى حياته وبعد موته.
أ.د/نعمت عبد اللطيف مشهور
__________
مراجع الاستزادة:
1- شرح الوقاية فى مسائل الهداية لعبيد الله بن مسعود ط. الهند 1326هـ.
2- تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدى، ط بنغازى ليبيا د. ت.
3- الملكية الخاصة فى الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالاتجاهات المعاصرة، الاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية ، ط القاهرة 1982م.
4- الفروق لشهاب الدين أبو العباس المشهور بالقرافى ، ط. عيسى الحلبى 1346هـ.
5- معجم المصطلحات الاقتصادية فى لغة الفقهاء، نزيه حماد، ط. المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، الولايات المتحدة الأمريكية 1414هـ/1993م.
6- قاموس المصطلحات الاقتصادية فى الحضارة الإسلامية د/محمد عمارة ، ط دار الشروق القاهرة 1413هـ/1993م

(1/291)


المهر
لغة: هو ما يلتزم الزوج بأدائه إلى زوجته حين يتم زواجه بها. كما فى المعجم الوجيز(1).
واصطلاحا: اسم للمال الذى يجب فى عقد النكاح على الزوج فى مقابل البضع ، إما بالتسمية أو بالعقد(2).
وقد أوجبه الشارع الحكيم للزوجة، كحق مقرر لها بعقد النكاح لقول الله تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}النساء:4 ، وما رواه سهل الساعدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمريد الزواج من امرأة: (التمس ولو خاتما من حديد) متفق عليه(3).
والمهر المسمى هو الذى يتفق المتعاقدان على مقداره ، ويذكر أنه عند التعاقد أو بعده ، وهو يجب للمرأة إذا صح عقد نكاحها، وكان المسمى مالا متقوما معلوما.
ومهر المثل: هو الذى يفرض بحسب العادة فى مثل المرأة التى يراد تزوجها إذا حدث أن فسد تسمية المهر، أو لا يسمى للمرأة مهر، أو يتفق المتعاقدان على نفى المهر، أو يحدث الدخول بالمرأة فى نكاح فاسد ، أو الاشتباه فى حل المدخول بها، فيجب للمرأة فى هذه الحالات مهر مثلها من النساء.
وإيجاب الصداق للمرأة على من يريد الزواج بها فيه إعزاز لها، ورفعة لشأنها عنده ،حيث يبذل لها ما يجهد المرء نفسه فى سبيل اكتسابه وما تضن به النفس عادة، وهذا أدعى إلى دوام العشرة بين الزوجين.
وقد تميز التشريع الإسلامى بذلك عن كثير من الشرائع والأعراف التى لا توجب للمرأة هذا الحق على زوجها، بل قد تفرض عليها بذل المال لمن يتزوجها فى مقابل زواجه بها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة 1411هـ1990م.
2- رد المحتار على الدر المختار، محمد أمين (ابن عابدين)، ط2، 1383هـ/1963م المطبعة الأميرية ، القاهرة 2/ 337.
3- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، ط2 1413هـ/1992م نشر دار الصفوة بالغردقة ، 2/ 330.
مراجع الاستزادة:
1- الشرح الصغير، أحمد الدردير، ط2 ، 1383هـ/1963م ، مطبعة المدنى. القاهرة.
2- المغنى، عبد الله أحمد بن قدامة، ط1 ، 1348هـ/1931م ، مطبعة المنار. القاهرة

(1/292)


المؤاخاة
لغة: أخا فلانا - أخوة، وإخاوة: اتخذه أخا (آخى فلانا مؤخاة وإخاء: اتخذه أخا) المعجم الوسيط مادة (أخو)(1).
واصطلاحا: الأخوة فى الدين الإسلامى أعلى رباط اجتماعى، ذلك أن الأخوة فى الدين ناتجة عن الإيمان العميق به ، بحيث يخضع لأوامر ربه دون سواه ، ومن ثم تكون هناك عاطفة قوية موحدة تجمع المسلمين جميعا.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة فى قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}الحجرات:10 ، كما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (المسلم أخو المسلم) وقوله: (وكونوا عباد الله إخوانا) بمعنى كونوا حريصين على أخوة الدين التى تجمع بينكم.
والحب الذى يجمع بين الأخوة فى الدين ليس حبا ينصب على الذات ، وإنما هو منصب على الإيمان الذى يربط بين المؤمنين ،بحيث يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ،فالإيمان هو الرباط الدائم بين إخوة الدين ،وهو الذى يضبط سلوك المؤمنين وعاداتهم.
إذ يقول الله تعالى: {لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}المجادلة:22.
كذلك يوضح الله نعمته إذ جعل المؤمنين إخوانا يجمعهم الإيمان ، وعظم فضل الأخوة التى ارتبطت بفضل الإيمان ارتباطا وثيقا، إذ يقول تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}آل عمران:103.
هكذا حرص الإسلام على المؤاخاة بين المسلمين ، حتى فى أكثر الأمور خصوصية مثل الميراث ، إذ كان الميراث فى بداية الإسلام بالأخوة فى الدين لا فى النسب ، ولم يكن المسلمون الأوائل يبخلون بمالهم على إخوانهم المسلمين الفقراء الذين عانوا وطأة الاضطهاد بسبب دينهم.
ولذلك فإن النبى صلى الله عليه وسلم حين رأى مجتمع المدينة ممزقا حينما هاجر إليه بسبب الخلافات بين الأوس والخررج من ناحية، وبسبب فقر معظم المهاجرين وعوزهم من ناحية أخرى، طبق مبدأ أخوة الإسلام بحيث يشعر كل مسلم أنه مكفول كفالة تامة فى المجتمع الإسلامى.
ويقوم مبدأ المؤاخاة الذى طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس أن المسلمين جميعا أخوة، يعطى الغنى منهم فقيرهم بالمعروف ويعين القادر منهم غير القادر، إذ أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتأخوا فى الله اثنين اثنين ، أو أخوين أخوين ، فقد أخذ بيد على بن أبى طالب وقال: هذا أخى، وكان حمزة بن عبدالمطلب أسد الله ، وزيد بن حارثة مولى النبى أخوين ،وأبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجى أخوين.
وهكذا تآخى كل واحد من المهاجرين مع رجل من الأنصار.
كانت المؤاخاة بهذا المفهوم الاقتصادى الاجتماعى درسا فى التنظيم الاجتماعى ولم يكن معناها أبدا أن يركن المهاجرون إلى الدعة، ويتوقفوا عن السعى وراء الرزق بل كان الهدف ترسيخ قيمة التكافل الاجتماعى بين من يشتركون فى أخوة الدين الإسلامى، بحيث يعين المسلم أخاه المسلم في وقت الحاجة الملحة دون تواكل على الغير بدون لببه أو ضرورة، ولذلك اشتغل بعض المهاجرين بالتجارة، على حين عمل البعض الآخر، فى حقول الأنصار ومزارعهم.
ونخلص من هذا كله بأن الأخوة فى الإسلام من بها الله على المؤمنين ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - طبقها عمليا فى المؤاخاة التى قام بها بين المهاجرين والأنصار تثبيتا لدعائم المجتمع المسلم ، وترسيخا للأسس التى قامت عليها أمة المسلمين.
أ.د/قاسم عبده قاسم
__________
مراجع الاستزادة:
1- الأخوة فى الإسلام د/عبد الله ناصح علوان.
2- الأخلاق فى الإسلام د/عبد اللطيف العبد ط دار الثقافة العربية.
3- تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق لابن مسكويه

(1/293)


الموازين
لغة: جمع ميزان ، وهو الآلة التى توزن بها الأشياء كما فى اللسان(1)، كما تطلق على المقادير القياسية التى توزن تبعا لها الأشياء.
وقد تعامل العرب فى الإسلام وما قبله بالأوزان ، وكانت هذه الأوزان كثيرة، لكن الأساس منها يتمثل فى الدرهم والدينار.
وقد تنوعت الأوزان واختلفت مقاديرها ،ويلاحظ فيها أن الأوزان الصغيرة تستعمل للأشياء الثمينة، والمتوسطة لمتوسطة القيمة،والكبيرة لدنيئة القيمة.
واصطلاحا: الوزن أصل الكيل ، نلاحظ ذلك فى كلام الفقهاء، فإذا عرف الوزن عرف الكيل. ولذا فإنهم يقدرونه بالمد والصاع - وهما من الكيل - بالرطل والدرهم - وهما من الوزن - وقد خلط الفقهاء بين الكيل والوزن ،فجعلوا - مثلا - الرطل والدرهم وهما من الوزن من أجزاء المد والصاع وهما من الأكيال ، فيجب معرفة الدرهم والرطل أولا حتى يسهل معرفة المد والصاع.
وهناك فرق بين الكيل والوزن ، فالكيل للحجم والوزن للثقل ، قال تعالى: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم}الشعراء:181-182. ويظهر من الآية أنهما متغايران ، إذالعطف يقتضى المغايرة.
وقد ورد فى القرآن الكريم والسنة الغراء كثير من الأوزان مثل: المثقال ، القسطاس المستقيم ، والذرة، وحبة الخردل ، والقنطار ، والنقير، والأوقية ، والدرهم ، وغيرها.
وهناك أوزان أخرى عرفت فى صدر الإسلام مثل: الطسوج ، والقيراط ، والدانق ،والدرهم ، وهو أنواع مختلفة منها: الدراهم الطبرية ، والدرهم البغلى، والدرهم الحوراقى، والدرهم الجواز، والدينار وله أنواع عدة منها: الدينار الحرقلى الرومى، والدينار الكروى، دينار عبد الملك بن مروان ، وغيرها ، والنواة،والنش ، والرطل ، والمن.
والأوزان لها مكانة عليا فى معاملات الناس ، إذ تعتبر مقياسا مهما لها، وتتعلق بها بعض الأحكام الفقهية التى تسير بها الحياة، ومن المسائل الفقهية المهمة التى يلاحظ أن الموازين لها دخل وحظ عظيم فيها: زكاة النقدين ، ومقدار نصاب السرقة، وأقل المهر فى النكاح ، وكفارة الجماع فى الحيض ، ودية القتل العمد والقتل الخطأ وغيرها كثير(2).
أ.د/على جمعه محمد
__________
الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار المعارف ، مادة (وزن) 6/ 4828.
2- المقادير الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها ، محمد نجم الدين الكردى ، مطبعة السعادة 1984م ، ص25 وما بعدها.
مراجع الاستزادة:
1- المكاييل والأوزان الإسلامية، فالتر هنتس ، ترجمه عن الألمانية، د/كامل العسيلى ، منشورات الجامعة الإردنية 1970م.
2- الأوزان والمقادير، الشيخ إبراهيم سليمان العاملى، ط1-1962م ، مطبعة صور الحديثة بلبنان.
3- الميزان فى الأقيسة والأوزان ، على باشا مبارك ، المطبعة الأميرية الكبرى 1892م

(1/294)


المواقيت
لغة: جمع ميقات ، وهو الحد، تقول: وقت الشىء يوقته ، ووقته يقته إذا بين حده ،ثم اتسع فيه ، فأطلق على المكان فقيل للموضع: ميقات ، والميقات بصدد الوقت كما فى اللسان(1).
واصطلاحا: يطلق على الوقت المضروب للشىء، كما يقال للمكان الذى يجعل منه وقت الشىء كميقات الحج(2).
والمواقيت كما يظهر من التعريف زمانية ومكانية، وهى تعتبر حدودا لأداء العبادات سواء كان ذلك فى بدايتها أونهايتها.
والميقات الزمانى له علم خاص به يسمى "بعلم الميقات"(3) وهو علم يعرف به أزمنة الأيام والليالى وأحوالها ، وفائدته تتلخص فى معرفة أوقات العبادات.
ويهتم علم الميقات الزمانى بتحديد أوائل الشهور القمرية ونهايتها حتى تقام العبادات بناء على ذلك ، كما يهتم بالنظر فى الكواكب والبروج من حيث سيرها،وهوعلم له خطر عظيم ، إذ هو وسيلة إلى المقاصد المطلوبة شرعا لمصالح الدين والدنيا، فالجهل بالأوقات سبب للجهل بأمر الصلاة والزكاة.. فقد يضعها الإنسان فى غير محلها، فيصلى فى غيرالوقت ويصوم وقت الإفطار ويفطر وقت الصوم.. وهكذا مما لا يخفى.
وبدرجة أهمية المواقيت الزمانية تكون درجة المواقيت المكانية وأهميتها ،إذ إن الاهتمام بزمن العبادة يتبعه بالتالى الاهتمام بمكانها.
وتظهر الأهمية بالنسبة للمواقيت المكانية مثلا فى الحج ، فالمسلمون يقصدون الأراضى المقدسة لتأدية فريضة الحج من كل فج عميق ، فوقت لهم الشارع الحكيم مواقيت مكانية لا يتعدونها ، وهناك مواقيت خمسة للحاج أن يراعيها:
- ذو الحليفة: وهو ميقات أهل المدينة.
- الجحفة: وهو ميقاف أهل الشام ، ومصر، والمغرب.
- يلملم: وهو ميقات أهل اليمن.
- قرن: وهو ميقات أهل نجد.
- ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق ،وخراسان ، والمشرق.
وهى مواقيت لأهلها، ولمن مر بها من غير أهلها، فمن مر عليها يريد النسك لزمه أن لا يجاوزها حتى يحرم ، فإذا جاوز الميقات يريد النسك ثم أحرم دونه فعليه دم سواء عاد إلى الميقات أو لم يعد(4).
أ.د/على جمعه محمد
__________
الهامش:
1- لسان العرب ، ابن منظور، دار المعارف 6/ 4887.
2- التوقيف على مهام التعاريف ، محمد عبد الرءوف المناوى، تحقيق محمد رضوان ، دار الفكر المعاصر ، ط1 بيروت 1990م ص731.
3- شرح النابلسى المسمى فتح المنان على المنظومة المسماه تحفة الإخوان ، للشيخ أحمد القاسم فى علم الميقات المطبعة الخيرية بجمالية مصر المحمدية ، ط1 ، 1308هـ ، ص5.
4- مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ، أبو الفرابن الجوزى ، تحقيق د/مصطفى محمد حسنين الذهبى ، دار الحديث ط1 ، 1995 القاهرة ، ص146.
مراجع الاستزادة:
1- علم الميقات ، الشيخ أحمد موسى الزرقاوى الفلكى، مطبعة الهلال ، الفجالة، مصر 1912م.
2- معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعه جى، وحامد قنيبى، دار النفائس ، بيروت 1985م.
3- المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية، دار المعارف ، القاهرة

(1/295)


الميراث
لغة: انتقال الشىء من شخص إلى آخر بعد الوفاة، سواء كان الانتقال إلى وارث موجود، أو فى حكم الموجود كالجنين ، كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: استحقاق نصيب فى تركة المتوفى، بسبب قرابة أو زوجية أو ولاء(2).
وأسباب الميراث المتفق عليها هى: القرابة والزوجية، ومن أدلة مشروعية الاستحقاق بسببهما: قول الله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}النساء:7 ، وقوله سبحانه: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد..}النساء:12 ، وما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر) متفق عليه(3).
ونظام الميراث فى الإسلام نظام إلهى، لا دخل للبشر فى ترتيبه الحقوق فيه ، فهى مترتبة من قبل الشارع لكل من قام به سبب الإرث عند وفاة المورث ، حيثه يعطى كل وارث نصيبه المقدر له إن كان من أصحاب الفروض ، أو يأخذ الباقى من أصحاب الفروض إن كان يرث بالتعصيب.
ولا يحرم من الميراث أحد ممن قام به سبب الإرث ، إلا أن يكون قاتلا لمورثه أو مختلفا معه فى الدين.
ولم يمنع الإسلام المرأة من الإرث كما هو الحال فى الشريعة اليونانية أو اليهودية أو الأعراف القبلية القديمة، ولم يمنع الإسلام الطفل أو حتى الجنين فى الرحم من الإرث ،كما هو الحال فى الأعراف القبلية القديمة، حيث كان لا يعطى من التركة إلا الرجال الأقوياء، ولم يميز الإسلام عند توزيع الأنصبة فى الإرث بين الكبير والصغير، كما فى شريعة اليهود، حيث يعطى فيها الابن الأكبر للمتوفى ضعف ما يعطى الأصغر.
ومن خصائص نظام الميراث الإسلامى:
1- أنه نظام إجبارى فى حق المورث والوارث ، فليس للمورث حرمان أحد من الميراث ، وليس للوارث رد إرثه من قريبه ،خلافا لبعض النظم التى تجعل حق الإرث اختياريا لكليهما.
2- حرصت الشريعة الإسلامية على حفظ حق الورثة فى مال قريبهم قبل موته ، إذا مرض مرضا يسلمه إلى الموت ، حيث منعته من التصرف فى ماله بما يضر بورثته أو يضيع حقوقهم فى ماله ، بعد أن تركت له الحرية المطلقة فى التصرف فى ثلث هذا المال.
3- وقد جعلت الشريعة الإسلامية تركة الميت لأحب الناس إليه ، وأكثرهم صلة به ،وتعاونا معه فى حال حياته.
4- وجعلت التوارث داخل نطاق الأسرة الواحدة، بما يحقق الترابط بين أفرادها.
5- وجعلت أساس تقديم بعض الورثة على بعض: قوة القرابة، وشدة الصلة بالميت ، واتصال المنافع بين الوارث والمورث.
6- اعتبرت الشرعية الإسلامية الحاجة هى أساس التفاضل فى الميراث عند الاتفاق فى سبب الاستحقاق ، ولهذا جعلت نصيب البنت نصف نصيب أخيها الذكر،لأن حاجته إلى المال أشد من حاجتها إليه ، ومطالب الحياه وتبعتها بالنسبة له أكثرمنها.
7- ونظام الميراث فى الإسلام يحول درن جميع الثروة فى يد واحدة على حساب الآخرين ، ويؤدى إلى تفتيت الثروة على أكبر عدد من المستحقين للتركة، فيستفيد من خيرها طائفة كبيرة من أقارب الميت.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعقوب الفيررز آبادى، ط2 ، 1371هـ/1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 1/ 167.
2- النبراس ، لعبد الفتاح محمود إدريس ، ط1 ، 1416هـ-1995م ، مطبعة الأخوة الأشقاء القاهرة ص184.
3- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، ط2، 1413هـ-1992م ، نشر دار الصفوة ، الغردقة 2/ 395.
مراجع الاستزادة:
1- الميراث والوصية فى الإسلام ، لمحمد زكريا البرديسى، طبعة 1383هـ-1964م ،الدار القومية القاهرة.
2- أحكام التركات والمواريث ، للهادى السيد عرفة، طبعة 1417هـ-1996م ، مكتبة الجلاء الجديدة المنصورة

(1/296)


النبوة
لغة: النبوة و النباوة الارتفاع ، أو المكان المرتفع من الأرض. و"النبى": العلم من أعلام الأرض التى يهتدى بها، ومنه اشتقاق "النبى" لأنه أرفع خلق الله ، وذلك لأنه يهتدى به. النبأ: الخبر، يقال: نبأ، ونبأ وأنباء: أخبر، ومنه: النبى ، لأنه أنبأ عن الله.
"النبوءة" و"النبوة": الإخبار عن الغيب ، أو المستقبل بالإلهام ، أو الوحى.
واصطلاحا: عرف الإنسان منذ القدم كلمة: "النبوة"، فقد وجدت فى جميع اللغات واللهجات ، غير أن استعمالاتها تعددت وتنوعت ، ففى اليونانية القديمة كانت تطلق على المتكلم بصوت جهورى، أوعلى من يتحدث في الأمور الشرعية، وعند الفراعنة كانت تطلق علي كهنة آمون ، كما أطلقت على "إيزيس" في مصر القديمة، وعلى زرابيس فى روما، وكلاهما لايخرج عن هذا المعنى.
لم يقتصر الأمر على إطلاقها على من يعمل فى الحقل الدينى، بل أطلقت أيضا على السحرة والمنجمين ، وكذلك على من اختل عقلهم ، وضعف تفكيرهم ، فأتوا من الأعمال ما لايفهمه العقلاء، وقد ذكر علماء مقارنة الأديان عدة أنواع من النبوات ، منها: نبوة السحر، ونبوة الرؤيا والأحلام ، ونبوة الكهانة، ونبوة الجذب ، أوالجنون المقدس ،ونبوة التنجيم.
وكانت كلمة النبوة عند بنى إسرائيل تفيد معنى الإخبار عن الله ، ولذا كانت تطلق على من يتخرجون من المدارس الدينية، حيث كانوا يتعلمون فيها تفسيرشريعتهم ، كما كانوا يدرسون أيضا الموسيقى والشعر، لذا كان منهم شعراء ومغنون وعازفون على آلات الطرب ، وبارعون في كل مايؤثر فى النفس ويحرك الشعور والوجدان ، ويثير رواكد الخيال. ومن المسلم به أن خريجى هذه المدارس لم يكونوا على درجة واحدة من الصفاء الذهنى، والإدراك العقلى، كما لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من التقوى والصلاح ، ولذا لم تفرق الكتب المقدسة قبل الإسلام فى حديثها عن الأنبياء بين من يتلقون الوحى من الله ، وبين من يدرسون شريعة الله ويشرحونها للناس ، فجاء حديثها - أحيانا - عن أنبياء كذبة ، إذ نجد فى سفر أشعياء حديثا عن النبى الكذاب ، حيث يقول: "الشيخ المعتبر هو الرأس والنبى الذى يعلم بالكذب هو الذنب (9-15)، ويقول متى: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ويضلون كثيرين" (24-11)، ويقول لوقا: "لأنه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكذبة" (6-26)، ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم النبى الكذاب.
وحين نزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم حدد معنى كلمة "النبوة"، فوضح أن النبى هو مانزل عليه وحى الله وأمر بتبليغه للناس ، فهو ليس ساحرا ، لأن الفلاح لايكون حليفه ، يقول تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى}طه:69 ، كما أن مايبلغه عن ربه ليس شعرا ، يقول تعالى: {وما هو بقول شاعر قليلا ماتؤمنون}الحاقة:41 ، فلا ينبغى أن يقرن النبى بالشاعر، أو بمن يلقى الكلام بصوت جهورى، كما كان ذلك معروفا عند اليونان ، كما أنه ليس كاهنا كما كان معروفا عند قدماء المصريين ، إذ نص القرآن الكريم عنه هذه الصفة، فقال تعالى: {ولابقول كاهن قليلا ماتذكرون}الحاقة:42.
فإذا بين القرآن الكريم أن النبى ليس شاعرا ولاكاهنا ، فالأولى أن ينفى عنه وصفا كان يطلقه بعض الناس على المشعوذين باسم الدين ، وهو الجنون المقدس ، فقال تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}القلم:2 ، أى ما أنت بهذا الذى نزل عليك من الله بواحد من هؤلاء الذين كانوا يعرفون بين الناس بأنهم "مجاذيب"، أو لديهم "جنون مقدس". وأخيرا لست ممن يتخذون العرافة
والتنبؤ بالغيب حرفة لهم ، فلا يلتبس ما تبلغه عن الله بكلام من يدعون أنهم يعرفون الغيب ، يقول تعالى: {فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين}يونس:20 ، ويقول: {وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو}الأنعام:59 ، ويقول: {قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك ، إن أتبع إلاما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون}الأنعام:50.
وبهذا فرق الإسلام بين النبوة الإلهية، وبين ملابساتها من الكهانة، والعرافة، والقيافة، والفراسهة، كما أنه حدد استعمالات الكلمة، فلا تطلق إلا على من نزل عليه الوحى من الله ، فلم يعد من المستساغ عقلا، ولا من الجائز شرعا أن تطلق على الكهنة، أو على من يدرسون الشريعة ويعلمونها للناس ، بالتالى لا تطلق على السحرة والمنجمين ، ولاعلى المجانين والمشعوذين فى طريق الدين ،فلم يبق من الاستعمالات القديمة لكلمة "النبوة" إلا إطلاقها على أصحاب الرؤيا الصالحة، التى تكون مقدمة وإرهاصا لنزول الوحى على من اختصه الله بهذه الرؤيا، كما حدث ليوسف عليه السلام ، يقول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين}يوسف:4.
أ.د/محمد شامة
__________
مراجع الاستزادة:
1- النبوات ابن تيمية، مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.
2- لسان العرب ابن منظور.
3- فى رحاب القرآن محمد شامة، القاهرة 1988م.
4- Noell، Wilfried. Woerterbuch Der Religionen، Muenchen، Wilhelm Goldmann Verlag 1960.
5- رسالة فى اللاهوت والسياسة سبينوزا ترجمة حسن حنفى القاهرة 1971م

(1/297)


النذر
لغة: ما أوجبه الإنسان على نفسه ، كما في القاموس(1).
واصطلاحا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع(2).
فالشىء المنذور لم يوجبه الشارع على المكلف ابتداء إلا أن المكلف ألزم نفسه به فصارلازما عليه ، ووجب عليه الوفاء به شرعا، إن كان يمكنه الوفاء به ، كالصيام والصدقة والعمرة والاعتكاف.
وأكثر الفقهاء على أن الالتزام بالنذر مشروع ، ولكن على خلاف بينهم فى صفة مشروعيته فى عدم استحبابه لحديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم (إنه لا يأتى بخير؟ إنما يستخرج به من البخل) (رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر)(3).
ومن الأدلة على مشروعيته قول الله تعالى: {وليوفوا نذورهم}الحج:29 ، وقوله تعالى سبحانه فى وصف الأبرار {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا}الإنسان:7 ، وما روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) رواه البخارى عن عائشة(4).
وللنذر أنواع سبعة:
1- نذر اللجاج: وهو الذى يمنع الناذر فيه نفسه من فعل شىء،أويحملها على فعله بالتزام قربة، كقوله: إن كلمت فلانا فعلى صوم.
2- نذر الطاعة وهو الذى يلتزم فيه الناذر بطاعة الله سبحانه ، سواء كانت عبادة كالصدقة، أو قربة غير مقصودة كعيادة المرضى.
3- نذر المعصية وهو الذى يلتزم فيه الناذر معصية الله تعالى، كنذر شرب الخمر.
4- نذر المباح وهو التزام الناذر بما لم يرغب فيه الشارع كنذر النوم.
5- نذر الواجب وهو التزام المكلف بأداء ما أوجبه الشارع عليه عينا كصوم رمضان ، أو أداء ما أوجبه عليه على الكفاية، كتعلم الطب.
6- نذر المستحيل وهو التزام ما يحيل الشرع أو العقل تحققه ، كنذر صيام الليل وهو ما يحيل الشرع ، أو يحيل العقل تحققه كنذر صيام أمس.
7- النذر المبهم وهو الذى لم يسم مخرجه العمل الذى يلتزم به بالنذر كقوله: لله على نذر.
وليس كل نذر ألزم الإنسان نفسه به يجب عليه الوفاء به ، فإن النذر إن كان فى طاعة الله تعالى وأمكنه الوفاء به لزمه ذلك ، وأما إن كان فى معصية فلا يجب الوفاء به ، لأنه لايصح ، لحديث عائشة السابق ، وكذلك إن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر لم يلزمه الوفاء به ، بل يكفر عنه ككفارة اليمين ، لما روى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر نذرا لم يطقه ، فكفارته كفارة يمين) رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادى، ط2 1371هـ/1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة مادة(نذر) 3/ 145.
2- كشاف القناع لمنصور بن يونس البهوتى مكتبة النصر الحديثة الرياض.
3- صحيح البخارى محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة باب الوفاء بالنذر وصحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابورى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة.
4- صحيح البخارى، لمحمد بن إسماعيل البخارى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 4/ 159.
5- سنن أبى داود لسليمان بن إلأشعت السجستانى. المكتبة العصرية بيروت 3/ 241.
6- سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد القزوينى. دار الفكر العربى بيروت 1/ 687.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى لعبد الله بن أحمد بن قدامة. عالم الكتب بيروت.
2- نيل الأوطار لمحمد بن على الشوكانى. دار الجيل بيروت.
3- أحكام النذور فى الفقه الإسلامى لعبد الله محمود إدريس. دار الطباعة المحمدية ط1 القاهرة 1415هـ/1994م

(1/298)


النسب
لغة: القرابة، ويختص بالقرابة من جهة الآباء كما فى مقاييس اللغة(1)
واصطلاحا: اتصال شخص بغيره ،لانتهاء أحدهما فى الولادة إلى الآخر، أو لانتهائهما إلى ثالث على الوجه الشرعى(2).
ولقد حرص الإسلام على حفظ الأنساب عن الاختلاط ، وجعله من مقاصد الشارع الضرورية ولهذا حرم الزنا ، لما يترتب عليه من اختلاط ، فقال تعالى: {ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل}الإسلراء:32 ، كما حرم انتساب المرء إلى غير أبيه سواء كان بالادعاء أو التبنى أو غيرهما، فقال سبحانه {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم}الأحزاب:4 ، وقال تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم}الأحزاب:5.
وروى عن سعد بن أبي وقاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) (رواه البخارى ومسلم عن سعد بن أبى وقاص)(3) ورورى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ،فليست من الله فى شىء، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجبا الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) (رواه ابن حبان عن أبى هريرة)0(4).
ونظرا لاهتمام الإسلام بانتساب كل إنسان إلى من كان سببا فى وجوده ، توسع فقهاء الإسلام فى أسباب ثبوت النسب ، فذكروا أنه يثبت:
1- بولادة الطفل على فراش الزوجية الصحيحة.
2- الإقرار بالبنوة.
3- الشهادة على ذلك.
4- نكول المدعى عليه عن اليمين.
5- اليمين المردودة على المدعى عند نكول المدعى عليه.
6- القيافة، وذ لك بتتبع العلامات الموجودة فى شخصين للوصول إلى إثبات القرابة بينهما.
7- القرعة بين المتنازعين على نسبة مولود لهما عند تساوى بيناتهما بنسبته.
8- يثبت بحكم القاضى إذا ثبت عند نسبة الولد إلى رجل بعينه.
9- التحكيم عند اختلاف المدعين فى هذه النسبة.
وقد جعل الشارع الإنسان إلى من كان سببا فى ولادته من العدل ، لذا يقول الحق سبحانه {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}وهو يدل على أن انتساب الإنسان إلى غير أبيه من الجور.
ولقد كان قدماء الرومان يجيزون للرجل الاعتراف بمن يشاء من أولاده ، وإنكار من يشاء حسب رغبته ، وكانوا هم والبيزنطيون والأقباط والروس ينكرون الولد وينفونه ، إذا لم يعجبهم أو لا يشبه أفراد العائلة.
وكان قدماء الرومان واليونان يهدرون نسب المرآة بعد زواجها حيث تلحق بنسب عائلة زوجها ، ومازال هذا معمولا به فى كثير من دول الغرب حتى الآن.
وقد ساد فى الجاهلية انتساب الإنسان إلى غير أبائه ، وذلك بالتبنى أو الاستحاق أو الموالاة، فأبطل الإسلام ذلك كله وحرمه.
وحفظ النسب الذى رسمه الإسلام ، يحقق الانتماء إلى الأسرة، والترابط بين أفرادها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس ، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 5/ 423.
2- مفتاح الكرامة، محمد الجواد بن محمد العاطى ، المطبعة الرضوية طبعة 1323هـ/1982م القاهرة 6/ 8.
3- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 4/ 170 وصحيح مسلم ، لمسلم بن حجاج النيسابورى ، مطبعة عيسى الحلبى، القاهرة، 1/ 79.
4- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، علاء الدين بن بلبان ، دار الكتب العلمية،بيروت ج6/ 163.
5- حقوق الإنسان ص283، 287 ، 297.
مراجع الاستزادة:
1- النسب وآثاره ، محمد يوسف مرسى، دار المعرفة ، ط2 القاهرة.
2- موضوع النسب فى الشريعة والقانون ، أحمد حمد أحمد، دار القلم ، ط1 ، الكويت.
3- أحكام النسب ، على يوسف المحمدى، مكتبة الشريعة طبعة 1406هـ/1986القاهرة

(1/299)


النسخ
لغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أى أزالته (لسان العرب)(1).
واصطلاحا: عرف النسخ فى اصطلاح الأصوليين بتعريفات كثيرة، فعرفه البيضاوى بأنه: بيان انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه(2).
وعرفه ابن الحاجب بأنه: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر(3).
ومعنى تعريف البيضاوى:(4) أن الحكم الشرعى مغيا عندالله تعالى بغاية، أو محدد بوقت معين ، فإذا جاءت هذه الغاية أو حل الوقت المعين انتهى الحكم لذاته.
ومعنى تعريف ابن الحاجب:(5) رفع تعلق الحكم الشرعى بأفعال المكلفين لارفعه هو، فإنه أمر واقع ، والواقع لايرتفع.
وللنسخ فى الشريعة الإسلامية حكمة عظيمة: ففيه حفظ لمصالح العباد فى وقت الرسالة، لانتقال المسلمين من فوضى الجاهلية إلى نظام الإسلام ، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، لأنهم لايطيقون ذلك ، بل سلك بهم طريق تشريع الحكم الملائم لحالهم أول الأمر، فإذا أذاقوا بشاشته وألفوا الخروج على ما تعودوه بترويض أنفسهم لذلك جاء حكم آخر.
لذا نجد النسخ قد يكون من الأخف إلى الأشد، وقد يكون من الأشد إلى الأخف ، وهذا تمشيا مع المصلحة، فإذا كانت المصلحة فى تبديل حكم بحكم ، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وعموما ففى النسخ رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم(6).
وأركان النسخ أربعة:(7).
1- النسخ: وهى الرواية والمعنى الحاصل بالمصدر "الارتفاع" أى ارتفاع الحكم.
2- الناسخ: وهو الله سبحانه حقيقة، وتسمية الدليل ناسخا مجاز.
3- المنسوخ: وهو الحكم الذى انقطع تعلقه بأفعال المكلفين فيما يستقبل من الزمن.
4- المنسوخ عنه: وهو المكلف الذى رفع عنه التكليف بالحكم المنسوخ ، ووقع عليه بالحكم الناسخ.
وأكثر أهل الفقه والأصول على جواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، إلا ما نقل عن أبى مسلم الأصفهانى فقد منع وقوعه وإن قال بجوازه عقلا. وذهب كثير من المحدثين إلى عدم وقوعه فى القرآن الكريم وإن وقع فى السنة المشرفة(8).
أمر الله تعالى المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا وذلك فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج}البقرة:240. ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما فى قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}البقرة:234 ، قد نسخت هذه الآية الآية المتقدمة.
وللنسخ شروط منها ما هومتفق عليه ،ومنها ما هومختلف فيه(9).
أما الشروط المتفق عليها بين العلماء فهى:
1- أن يكون المنسوخ حكما شرعيا، لأن الأمورالعقلية التى مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ ، وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات.
2- أن يكون النسخ بخطاب شرعى لا بموت المكلف ،لأن إرتفاع الحكم بالموت سقوط تكليف لانسخ.
3- أن يكون الحكم السابق مقيدا بوقت معين.
4- أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ ،فإن المقترن بالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا.
وأما الشروط المختلف فيها فكثيرة منها:
1- أن لا ينسخ القرآن إلا بقرآن ، ولا سنة إلا بالسنة.
2- أن يكون الناسخ مثل المنسوخ فى القوة، أو أقوى منه لا دونه ، فلا ينسخ القرآن بالآحاد، لأن الأقوى لا يفسخه ضعيف.
3- أن يكون الفعل المراد نسخه قد دخل وقته وتمكن المكلفون من امتثاله ، فلا يجوز نسخ العقل قبل التمكن من الامتثال.
4- أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ ،مقابلة الأمر للنهى، والمضيق للموسع.
5- أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين.
6- أن يكون النسخ ببدل مساو ، أو بما هو أخف منه.
7- أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لايدخله الاستثناء والتخصيص.
والراجح أنه لا اعتبار لهذه الشروط ، وإن كان قال بكل واحد منها فريق ، فهناك فريق آخر قال بضده ، ولايحتج بقول على قول ،تعقيب: على أن مسألة النسخ كانت مثار خلاف شديد بين من يثبتونه على ما ورد بصدد هذه الدراسة.
لكن من ينكرونه يستندون إلى ملاحظات جديرة بالاعتبار منها:
1- أن من بعض أوصاف القرآن فى القرآن - آية {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}هود:1.
والإحكام ينافى النسخ.
2- أن تفسير"النسخ" قد يوهم ما لا يتفق وإحكام الحق تبارك وتعالى لكتابه ، كما ينافى مما قد يقع فى الوهم منافيا لجلال الله من تردد أو ارتياب فيما يحكم به ، فيكون نسخه وتعديله.
3- بعض العلماء ومنهم الاستاذ الدكتور محمد البهى رحمه الله على ما حدثنى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف من أن الدكتور البهى تتبع لفظ الآية فى القرآن ، فوجد أن كل ما ورد عن الآية فى القرآن جاء بلفظ الجمع (آيات) إلا آية النسخ هذه ، ومن ثم يرجح أن تكون بمعنى العلامة أو لآية كونية(9).
والله أعلم
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- لسان العرب لابن منظور، ط دار المعارف (نسخ) 6/ 4407 المعجم الوسيط دار المعارف 1972م.
2- منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ص64 مطبعة السعادة ، ط1 1951م.
3- مختصر المنتهى لابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 185 الأميرية الكبرى مصر 1317هـ.
4- النسخ بين الإثبات والنفى د/محمد محمود فرغلى دار الكتاب الجامعى القاهرة ص35.
5- المرجع السابق ص30 ومابعدها.
6- النسخ حقيقته وأحكامه للدكتور/جلال الدين عبدالرحمن جلال ص18-19 ط1 1990م مطبعة الجبلاوى.
7- تيسير الأصول للحافظ ثناء الله الزاهدى، ص210 دار ابن حزم بيروت والنسخ حقيقة وأحكامه للدكتور جلال عبد الرحمن ، ص20-21.
8- النسخ ، د/على جمعة، دار النشار، أحكام النسخ فى الشريعة الإسلامية، د/محمد وفا ص41-42. دار الطباعة المحمدية 1984م.
9- لا نسخ فى القرآن ، للأستاذ عبد المتعال الجبرى.
مراجع الاستزادة:
1- النسخ فى الشريعة الإسلامية للشيخ محمد سعاد جلال مطبعة الأزهر 1961م.
2- البحر المحيط للزركشى طبعة الكويت 1990م 4/ 63.
3- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن حزي الغرناطى، تحقيق محمد المختار الشنقيطى ، ص310 وما بعدها مكتبة ابن تيمية ، ط1 1414هـ.
4- أصول الفقه الإسلامى، وهبة الزحيلى، ط1 ، 2/ 292 ، دار الفكر 1986م.
5- تيسير أصول الفقه لمحمد أنور البدخشانى، ص172 وما بعدها، طبع كراتش ، بباكستان 1990

(1/300)


نشأة الرسول
الحديث عن نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم يشمل المدة من مطلع حياته حتى زواجه من السيدة خديجة رضى الله عنها وعمره خمس وعشرون سنة،وهى مدة تمتد بالتاريخ و الميلادى من سنة 571م إلى 595م ،وفى هذا النطاق نسجل الأحداث التالية التى تصور بإيجاز هذه النشأة: ولد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل من أبوين كريمين هما عبدالله بن عبدالمطلب ، والسيدة آمنة بنت وهب ، وقد توفى والده ومحمد صلى الله عليه وسلم لايزال جنينا فى بطن أمه. ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبدالمطلب أن ولد لك غلام (حفيد) فأسرع إلى البيت ، وأخذه و دخل به الكعبة وأخلت يدعو الله ، ويشكرله ما أعطاه ، ومما روى فى ذلك أن عبدالمطلب أنشد أرجوزة مطلعها:
الحمد لله الذى أعطانى هذا الغلام الطيب الأردان وأرضعته امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة ذؤيب ،وقد امتلأ ثدياها ، باللبن بعد أخذه ،ونالها خير كثير،وانتقلت حياتها من العسر إلى اليسرويذكرابن إسحاق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لايقبل إلا على ثدى واحد، وكأنه فطر على أن يدع الثدى الثانى لأخته من الرضاعة.
لما تمت رضاعته عادت به حليمة إلى أمه ، بعد سنتين ،وبينما كانت تحرص على أن تعود به لمنازل بنى سعد، لمارأت فى وجوده عندها بى من الخير وتقول حليمة: كلمنا أمه ، وقلت لها: لو تركت ابنى عندى حتى يغلظ ، فإنى أخشى عليه واء مكة.. ولم تزل بها حتى ردته معها، حدثت أحداث عند حليمة تتصل بمحمد صلى الله عليه وسلم خافت حليمة عليه وأعادته ، وقد رعى محمد صلى الله عليه وسلم الغنم فى صحبة إخوته من الرضاعة.
توفيت أمه السيدة آمنة وهو فى السادسة من العمر، وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة، فقد كانت قدمت به على أخوال أبيه من بنى النجار، فماتت وهى راجعة إلى مكة، فتولى جده عبدالمطلب الإشراف عليه ورعايته.
يقول ابن إسحاق: إنه كان لعبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم فراش يوضع له فى ظل الكعبة وكان أبناء عبدالمطلب يتلسون حول هذا الفراش ، ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم جلس على وهذا الفراش وهو دون الثامنة، فأراد أعمامه أن يؤخروه ، فقال لهم عبدالمطلب: دعوا ابنى إن له شأنا وأجلسه معه على الفراش.
توفى عبدالمطلب ومحمد صلى الله عليه وسلم فى الثامنة من عمره ، فكفله عمه أبو طالب الذى كان الشقيق الوحيد لعبدالله والد الرسول ، ومع أبي طالب واصل محمد صلى الله عليه وسلم الرعى لغنم عمه ، ولما اشتد عوده عمل فى تجارة عمه.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم وهو يرعى الغنم يعنى بأغنامه عناية كبيرة فى مرعاها وسقيها، وإذا ولدت شاة أو مرضت اهتم بها كل الاهتمام ، فكثرت بذلك أغنامه ، حتى كان بعض الناس يطلبون من أبى طالب أن يضموا أغنامهم لأغنامه لتنال عناية محمد صلى الله عليه وسلم ولتنمو وتكثرة ولذلك سمى "الأمين".
وحفظه الله من أى انحراف ، وروى عنه أنه قال: (لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض مايلعب به الغلمان ، وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره ، فجعله على كتفه ورقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمنى لاكم - ما أراه لكمة موجعة، وقال: شد عليك إزارك ، قال فأخذته ولبسته. فكنت كذلك بين أصحابى، وحملت الحجازة على كتفى بدون إزار).
رلما اشتغل بتجارة عمه ، كان صادقا فى عرض السلع وقانعا بربح مناسب ولذلك سمى "الصادق" وأصبح معروفا فى قومه بالصادق الأمين.
ووقعت حرب الفجار وعمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة، وكانت بين قريش ومعها كنانة. وبين قيس عيلان ، وسميت الفجار لحدوثها فى الشهر الحرام مما يعد فجورا ، ويذكر ابن هشام أن حرب الفجار امتدت حتى أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم فى العشرين من عمرة\ه وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أيامها ويروى عنه قوله (كنت أنبل على أعمامى فى الفجار).
ووصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى عهد الشباب ، وكان واضحا أنه لم يعبد صنما قط ، وبغضت له الأوثان ، ودين قومه ، وتنزه عن مذمومات الجاهلية التى كان يغرق فيها شباب العرب فى ذلك العهد.
طلبت السيدة خديجة محمدا صلى الله عليه وسلم ليتاجر فى مالها، فقبل وقبل عمه أبو طالب ، وتهيأ للسيدة خديجة بذلك أن تتعرف إخلاصه وأمانته ، فخطبته لنفسها، وتم زواجه بها، وكان عمره آنذاك خمسا وعشرين سنة، وكانت هى أكبر منه ، وكانت السيدة خديجة تسمى الطاهرة فى الجاهلية والإسلام ،وأنجب منها الرسول صلى الله عليه وسلم كل أولاده الذكور والإناث إلا إبراهيم ، فقد كان ابنه من مارية المصرية.
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مبلغ الرجال كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأبرهم جوارا ، وأعظم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش وعن الأخلاق التى تدنس الرجال.
ومعرفتنا الدقيقة بمراحل نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم تشبه معرفتنا الدقيقة بجميع مراحل حياته ، وهذا الوضوح هو الذى جعل جوستاف ليبون يقول: إذا استثنينا محمدا لانجدنا مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا.
أ.د/أحمد شلبى
__________
مراجع الاستزادة:
1- سيرة ابن هشام تحقيق طه عبد الرؤوف ج1 مطبعة الفجالة 1987م.
2- حضارة العرب جوستاف ليبون القدس 1387هـ.
3- سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد ، للإمام محمد الصالحى طبع المجلس الأعلى للشئون الاسلامية

(1/301)


النفقة
لغة: هي ما ينفقه الإنسان من الأموال كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: كفاية من يمونه خبزا وأداما وكسوة ومكسنا وتوابعها(2).
وأسباب النفقة هى:
1- العلاقة الزوجية، فقد أوجب الشارع على الزوج فى جميع الأحوال الإنفاق على زوجته ، غنيا كان أو فقيرا، ولم يوجب الإسلام على الزوجة أن تنفق على نفسها وإن كانت موسرة، أو أن تنفق على زوجها بالأولى من هذا المال وإن كان معسرا ، ولم يوجب عليها أن تتكسب هذه النفقة بالعمل أو نحوه ،فالنفقة حق لها على زوجها بمقتضى عقد النكاح.
ومن أدلة وجوبها قول الله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}البقرة:233 ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع: (اتقوا الله فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (رواه مسلم)(3).
ونفقة الزوجة تشمل الإطعام والكسوة والسكنى، ووسائل النظافة، وتشمل أجر الخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم فى بيت أهلها، وكان الزوج موسرا، فيجب لها النفقة فى الوجوه السابقة مقدار كفايتها بالمعروف ،وهذا الحق الذى قرره الإسلام لها، يتحقق به صيانتها وحمايتها من التبذل والامتهان.
بسبب اكتساب أسباب الحياة، حيث كفل الإسلام لها هذه الأسباب فى منزل الزوجية بدون تدخل منها ، لتتفرغ لأداء رسالتها المنوط بها فى الحياة.
2- علاقة القرابة ، فقد أوجب الشارع بها على المرء الإنفاف على والديه ، كما أوجب بها على الوالدين الإنفاق على أولادهما ذكورا أو إناثا ، إذا كان للمنفق مال يمكنه الإنفاق منه ،فاضلا عن نفقته ، ولم يكن للمنفق عليه مال ولاكسب يكتفى به عن نفقة قريبه عليه.
ومن الأدلة علي وجوب نفقة الأصول على فروعهم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أولادكم من كسبكم) (رواه الترمذى عن عائشة وقال: حسن صحيح).
ومن الأدلة على وجوب نفقة الفروع على أصولهم حديث هند زوج أبى سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين اشتكت إليه بخل أبى سفيان: (خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك)متفق عليه(5).
كما أوجب الشارع بمقتضى القرابة نفقة القريب - غير الأصل والفرع - على قريبه بالشروط السابقة فى نفقة الأصول والفروع ، حيث يرى الحنفية وجوب النفقة لكل ذى رحم محرم للمنفق ، ويرى الحنابلة وجوبها لقريبه إن كان يجرى التوارث بينهما، أو كان من ذوى رحمه ، ومن الأدلة على ذلك ماروى عن طارق المحاربى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يد المعطى العليا، وابدأ بمن تعول ،أمك وأباك ، وأخاك ، ثم أدناك أدنك) رواه ابن حبان فى صحيحه(6)حيث بين فى الحديث أن من المعالين الأخوة والأقرب من الأقارب ، فيجب لهم على أقاربهم المأكل والمشرب والملبس والساكنى ونحوها ، بقدر الكفاية، مراعاة فى ذلك العرف وحال المنفق والمنفق عليه ، وظروف الزمان والمكان.
وإيجاب نفقة الأقارب الذين لامال لهم إذا عجزوا عن الكسب - على قريبهم الموسر، يحقق صلة الرحم ، ويقيم العلائق بين أفراد الأسرة على أساس من الترابط والتكافل ،فينصلح حال الأسرة، وينصلح بصلاحها حال
المجتمع بأسره.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعتوب الفيروزآبادى، الطبعة الثانية 1371هـ1952م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 3/ 296.
2- كشاف القناع ، منصور بن يونس البهوتى، مكتبة النصر الحديثة الرياض.
3- صحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابورى، مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 1/ 512.
4- سنن الترمذى، محمد بن عيسى بن سورة(الترمذى)، مطايع الفجر الحديثة حمص ، 3/ 30.
5- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، محمد فؤاد عبدالباقى، الطبعة الثانية 1413هـ 1992م دار الصفوة بالغردقة ، 20/ 426.
6- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، علاء الدين بن بلبان ، دار الكتب العلمية ، بيروت 6/ 95.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى ، عبدالله بن أحمد بن قدامة، عالم الكتب ، بيروت.
2- قضايا طيبة ، عبدالفتاح محمود إدريس ، الطبعة الأولى 1414هـ-1993م.
3- الفواكه الدوانى، أحمد النفراوى، الطبعة الثانية 1374هـ/1955م مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة

(1/302)


نقل الأعضاء
لغة: جزء من مجموع الجسد. كاليد والعين والمعدة كما فى المعجم الوجيز(1)
واصطلاحا: اقتطاع جزء من بدن آدمى حى أوميت ، لغرسه فى بدن آدمى حى مريض يحتاج إليه(2).
وهذه الأعضاء المنقولة عن موضعها من بدن الآدمى تسمى بالطعوم ، والطعم جزء من نسيج أو عضو يستعمل كبديل لجزء مماثل ، والنسيج أو العنصرالأصلى إما أن يكون مريضا أومشوها،أوغير قادرعلى أداء وظيفته الطبيعية فى بدن صاحبه ،وأكثر الأنسجة استعمالا لهذا الغرض هى الجلد والعظام والغضاريف والأوردة والشرايين والقرنية.
والطعوم الآدمية نوعان:
1- الطعوم الذاتية: هى ما أخذت من الإنسان لمداواة جزء آخر من بدنه ،ومن أمثلتها أخذ جزء من جلده فى موضع مستتر كالفخذة لترقيع جزء آخر فى موضع ظاهر من بدنه كالوجه ،أوأخذ العظام أو الغضاريف منه ، وغرسها فى موضع آخر.
2- الطعوم الجنسية: وهى ما أخذت من جنس المريض ،أى من آدمى آخر حى أو ميت ، وذلك كنقل الكلى من آدمى أو ميت لغرسها فى بدن آدمى حى آخر، تلفت كليته أو لم تعد صالحة للقيام بوظيفتها، ونقل القرنية أو القلب من بدن آدمى ميت وغرسها فى بدن آدمى مريض مفتقر إليها.
ونقل الأعضاء على هذا النحو لا تمنع منه الشريعة الإسلامية، لأنه من قبيل التداوى الذى حض عليه الشارع ، وهذا النقل وإن كان من مستجدات العصر، إلا أن الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان لا تمنعه ، مما يدل على اتساعها لكل قضايا الناس فى دنياهم إلى أن تقوم الساعة.
وقد وضعت الشريعة الإسلامية الضوابط لهذا النقل ، قصد بها مراعاة مصلحة المنقول إليه العضو، وعدم الإضرار بالمنقول منه أو تعريضه للهلاك إذا كان آدميا حيا، وعدم التمثيل بجثته إن كان ميتا ولمجمع البحوث الإسلامية فى هذا الموضوع بيان شاف حدد - بالتفصيل ضوابط هذا النقل وشروطه بحيث المصلحة للمنقول إليه والمنقول منه عن طريق التبرع الذى تختض معه التجارة انتفاء تاما فليرجع إليه.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة 1411هـ-1990م ، القاهرة مادة (عضو) ص423.
2- حكم التداوى بالمحرمات ، عبدالفتاح محمود إدريرس ، الطبعة الأولى 1414هـ 1993م مطبعة النشر الذهبى القاهرة ص291.
مراجع الاستزادة:
1- حكم نقل الأعضاء عقيل بن أحمد العقيلى طبعة 1412هـ-1992م مكتبة الصحابة جدة.
2- حكم التبرع بالأعضاء د/محمد نعيم ياسين مجلة الحقوق كلية الحقوق بالكويت السنة الثانية عشرة ، العدد الثالث 1401هـ 1988م

(1/303)


النهى
لغة: المنع كما فى لسان العرب.
واصطلاحا: هو طلب ترك الفعل قولا.
وبعبارة أخرى: هو ما دل على طلب الكف عن الفعل ، فخرج به الأمر لأنه طلب فعل غير كف ، وخرج الالتماس والدعاء ، لأنه لا استعلاء فيهما.
وأساليب النهى مختلفة: فمنها: صيغة النهى المعتادة مثل: قوله تعالى: {ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن}الإسراء:34 ، وقوله: {ولاتقربوا الزنى}الإسراء:32 ، وقوله: {ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق}الأنعام:151.
ومنها: صيغة التحريم ، مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم}النساء:23.
وقوله: {حرمت عليكم الميتة}المائدة:3.
ومنها: صيغة النفى، مثل قوله تعالى: {لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها}النساء:19.
ومنها: صيغة الأمر الدال على الترك ، مثل: قوله تعالى: {وذروا ظاهرالإثم وباطنه}الانعام:120 ،، وقوله تعالى {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}الحج:30.
والنهى عند الجمهور للتحريم ، ولزوم الانتهاء عن مباشرة المنهى عنه ، كما أن موجب الأمر هو الوجوب ، فكون النهى للكراهة، أو الدعاء، أو الإرشاد ، أو التحقير، أوغيرها، إنما يعرف بالقرائن الدالة على تلك المعانى، مثل قوله تعالى: {ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}آل عمران:8.
وقوله تعالى: {لاتعتذروا اليوم إنما تجزون ماكنتم تعملون}التحريم:7.
فإن الأول للدعاء والثانى لليأس.
والدليل على كون النهى المطلق للتحريم قوله تعالى: {ومانهاكم عنه فانتهوا}الحشر:7 ، أمر الله بالانتهاء عن المنهى عنه ،فيكون الانتهاء واجبا ، وترك الواجب حراما.
وعند الحنفية:النهى إذا كان قطعى الثبوت وقطعى الدلالة فيكون للتحريم ، وإذا لم يكن كذلك فللكراهة التحريمية ، لأن الأمثلة التى تدل على أن النهى للتحريم كلها قطعى الثبوت وقطعى الدلالة من غيرقرينة صارفة عن التحريم إلى غيره من المعانى.
والصحيح الراجح مذهب الجمهورة لأن النهى فى اللغة موضوع للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم والإلزام ، فلا يدل عند إطلاقه إلا على التحريم ، ولا يدل على غيره إلا بقرينة، وهذا ما يفهمه العقل من الصيغة المجردة عن القرينة، وهو دليل الحقيقة، وهى أن النهى حقيقة فى التحريم.
أ.د/على جمعة محمد
__________
مراجع الاستزادة:
1- البحر المحيط للزركشى 2/ 426 ومابعدها ، طبعة وزارة الأوقاف بالكويت الأولى 1990م.
2- تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى، ص187 ومابعدها ،مكتبة ابن تيمية 1414هـ.
3- تيسير الأصول لحافظ ثناء الله الزاهدى ، ص84 ومابعدها ، دار ابن حزم بيروت الطبعة الثانية 1997م

(1/304)


النية
لغة: قصد النفس إلى العمل كما فى المعجم الوجيز(1).
واصطلاحا: اعتقاد القلب فعل الشىء وعزمه عليه من غير تردد(2).
ومحل النية القلب ، والتلفظ بها مباح ،وزمنها أول العبادات ، والمقصود بها تمييز العبادات عن بعضها، وتمييز العبادة عن العادة، كالجلوس فى المسجد الذى يكون اعتكافا تارة، وللاستراحة تارة أخرى.
ومن أدلة اشتراط النيه لصحة العبادات ،ما رواه عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخارى(3).
وكيفية النية فى العبادات تختلف بحسب كل عبادة، فالنيه في الطهارة مثلا يقصد بها رفع الحدث ، أو استباحة ما يفتقر إلى طهر كالصلاة والطواف ونحوهما ، أو الاغتسال أو التيمم ، فيقول المتطهر: نويت رفع الحدث ، أواستباحة الصلاة... ، ونية الصلاة: يبين فيها الفعل والصلاة التى تؤدى، ونية الزكاة: يظهر فيها المزكى اعتقاده أن ما يخرجه هو زكاة ماله ، أوبدنه ، أو زكاة من يخرج عنه.
واشتراط النية فى العبادات يقتضى استحضار الذهن عند العزم على العبادة، والتجرد من شواغل الدنيا والإخلاص لله تعالى فيها.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- المعجم الوجيز، طبعة 1411هـ/1990م ، نشر مجمع اللغة العربية القاهرة مادة(نوى) ص641.
2- المغنى، عبدالله بن أحمد بن قدامة، نشر عالم الكتب ، بيروت 2/ 94.
3- صحيح البخارى، محمد بن إسماعيل البخارى، مطبعة عيسى الحلبى بالقاهرة 1/ 6.
مراجع الاستزادة:
1- المحلى، على بن أحمد بن حزم ، ط1388هـ/1968م مكتبة الجمهورية العربية القاهرة.
2- النفيس فى فقه العبادات ، عبدالفتاح محمود إدريس ، ط1417هـ/1996، الطبعة الأولى ، دار النهضة العربية. القاهرة

(1/305)


الهجرة
يقصد بها: الخروج من أرض إلى أرض ، وانتقال الأفراد من مكان إلى آخر سعيا لتحقيق أغراض للمهاجر. ولما كان الانتقال جهدا لأصحابه نفسيا ومادياة حيث يترك أرضه الأولى وماله فيها من ذكريات ومنافع ،إلى أرض أخرى جديدة لا يدري ماذا يحدث له فيها: كان التوجيه القرآنى والترغيب النبوى مصاحبا للمهاجرين الذين اضطهدوا فى أرضهم لإيمانهم بربهم وما اقتضاه إيمانهم من إنتقالهم إلى العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق ، فأخرج المؤمنون من ديارهم ، وأوذوا فى سبيل الله ، فكان التوجيه النبوى أن تكون الهجرة لله وحده "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ، يؤجرعليها بما جاء من الوعد الصادق، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، من أغراض محدودة. قال تعالى فى بيان مكانة المهاجربن فى سبيله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم}البقرة:218. وقال سبحانه: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}آل
عمران:195.
وكما أثنى الله على المهاجرين أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم قال جل شأنه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصاروالذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}التوبة:100 ، وقال سبحانه: {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجرإليهم ، ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}الحشر:6.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"(1).
وقد هاجر المؤمنون عندما اشتد بهم تعذيب المشركين بمكة المكرمة إلى الحبشة مرتين قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمعذبين: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا ببلاده ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه".
تقول السيدة أم سلمة رضى الله عنها: "فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار،أمنا على ديننا ولم نحس منه ظلما)(3). ثم بلغ المهاجرين إلى الحبشة أن أهل مكة أسلموا فرجع بعضهم فلم يجدواالخبر الصحيح فرجعوا إلى الحبشة، وهاجر معهم فى الهجرة الثانية جماعة آخرون.
وكان المهاجرون يعبرون عن دينهم وما دعاهم إليه خير تعبير مما يدعو الآخرين إلى احترامهم وتقديرهم إذ أحسنوا فى عرض عقيدتهم وأخلاقهم ، دون تضليل أو كذب ولو كان فيما يقولون بعض المخالفة لما كان عليه أهل الحبشة من تحريف فى المعتقدات.
وكانت الهجرة الكبرى والتى أذن الله فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحقيقها وأراه موضعها - إلى المدينة المنورة، فاتخد الرسول صلى الله عليه وسلم لها أسبابها ، واختار فيها الرفيق ، والدليل الخبير، وأمن مصدر الزاد ، والأخبار والمتابعة، ورد الأمانات إلى أصحابها ، وواجه طغيان المشركين بتدبير محكم ، ومضى فى طريق هجرته ومعه الصديق أبو بكر، وفشلت محاولات المشركين فى تتبعه وإعادته وتجلت عناية الله فى الطريق وشهدت بذلك "أم معبد" كما شهد سراقة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاستقبل بفرح المؤمنين ، وأقام مسجدا وحمل فيه الحجارة مع أصحابه ،وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا عظيما لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود فى المدينة المنورة وظهرت آثار الهجرة فى مغالات التأسيس للدولة والأمة، وسميت المدينة بدار الهجرة والسنة كما فى صحيح البخارى، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التى بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبى صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس فى دين الله أفواجأ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا"(متفق عليه) وبقى معنى الهجرة فى هجر مانهى الله عنه ،
وبقت تاريخا للأمة.
أ.د/محمد رفعت سعيد
__________
الهامش:
1- صحيح البخارى 4/ 222 ط إستانبول.
2- فتح البارى بشرح صحيح البخارى 7/ 189.
مراجع الاستزادة:
1- السيرة النبوية الصحيحة د/أكرم ضياء العمرى.
2- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية.
3- سيرة ابن هشام ط دار الكتب العلمية

(1/306)


الهندوسية
"الهندوسية" أو "الهندوكية": دين يعتنقه معظم سكان الهند، وقد أطلق عليها ابتداء من القرن الثامن ق.م. اسم: "البرهمية" نسبة إلى "براهما" وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التى تطلب كثيرا من العبادات ، كقراءة الأدعية والأناشيد وتقديم القرابين ، و"البرهميون" أو"البراهمة": هم أصحاب الطبقة الأولى من عبدة "براهما"الذين ولدوا منه ، أو ممن انبثق عنه: "برهمان".
قامت "الهندوسية" على أنقاض "الويدية" ، وتشربت أفكارها، وتسلمت عن طريقها الملامح الهندية القديمة، والأساطير الروحانية المختلفة التى نمت فى الهند قبل دخول الآريين ، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا لـ "الويدية" وتطورا لها.
ليس لـ"الهندوسية" مؤسس يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها وأحكامها ، فهى مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعد ما وردوا على الهند، وتغلبوا على سكانها. ويعتقد الهنود أنها دين أزلى لا بداية له وملهم به قديم قدم الملهم ،ويرى الباحثون الغربيون والمحققون من الهندوس أنه قد نشأ فى قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنا بدأت قبل الميلاد بزمن طويل وقد أنشأه أجيال من الشعراء، والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبا بعد عقب ، وفق تطورات الظروف ، وتقلبات الشئون ، ف" الهندوسية" أسلوب فى الحياة أكثر مما هى مجموعة من العقائد والمعتقدات ،وتاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والسنن ، وليست لها صيغ محددة المعالم ، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط بها إلى عبادة الأحجار والأشجار والحيوان ، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة.
"الفيدا " هو كتاب "الهندوسية" المقدس ، ويقال: إنه أقدم من التوراة بآلاف السنين ،وإنه دون فى زمن موغل فى القدم ، ربما يرجع إلى ثلاثين ألف سنة مضت ، وتعكس نصوصه حياة الآريين فى الهند فى عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه حلهم وترحالهم ، دينهم وسياستهم ، حضارتهم وثقافتهم ، معيشتهم ومعاشرتهم ، مساكنهم وملابسهم ، مطاعمهم ومشاربهم. وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية من سذاجة البدوى إلى شعور فلسفى، فتوجد فيه أدعية بدائية، مثل: "أيتها البقرة المقدسة، لك التمجيد والدعاء، فى كل مظهر تظهرين به.. "ونصوص ترتقى إلى وحدة الوجود، مثل": إنى أنا الله ، نور الشمس ، وضوء القمر وبريق اللهب ،ووميض البرق، وصوت الرياح ، وأنا الرائحة الطيبة التى تنبعث فى أنحاء الكون ، والأصل الأزلى لجميع الكائنات ، وأنا حياة كل موجود، وصلاح الصالح لأنى الأول والآخر والحياة والموت لكل كائن".
بلغ تعدد الآلهة عند الهنود مبلغا كبيرا؛ إذ يوجد لكل ظاهرة طبيعية تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه ، يستنصرون به فى الشدائد ، غير أنهم جمعوا الآلهة فى إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: فهو "براهما" من حيث هو موجد، وهو "فيشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك.
و"براهما"، هذا عند فلاسفتهم ليس خالقا، فهو فكرة ذهنية أكثر منه إرادة عاملة، فالعالم -حسب تصورهم- خلق على النحو التالى: أخذ "براهما" يتأمل ويفكر، وعن تفكيره هذا نشأت بذرة مخصبة، تطورت إلى بيضة ذهبية، ومن تلك البيضة نشأ العقل الخالق ، يطلقون عليه أيضا "براهما".
من المعتقدات الهندوسية:
1- التناسخ ؛ إذ يعتقد الهنود أن الأرواح جائلة متنقلة فى أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر، سواء أكان فى الإنسان ، أو فى الحيوان ، حتى تصل إلى هدفها الأخير، وهو استجلاء طلعة "براهما" التى لا تكتسب إلا بالاندماج فيه كما تندمج قطرة الماء فى المحيط.
2- "كارما" وهى متممة لفكرة تجوال الأرواح. وتقوم نظريتها على أساس أن كل عمل يأتيه الانسان له ثمرته حتما، وأن كل شىء يكتسبه الإنسان فى كل طور من أطوار الوجود المتكرر، تحدده الأعمال التى يقوم بها فى الوجود السابق ؛ فأعماله الصالحة ترفع درجته فى الأطوار اللاحقة، حتى إلى النهاية، وهو الاتحاد مع "براهما". والأعمال الشريرة تهبط بدرجته إلى أسفل ، فيظل دائرا فى أطوار الوجود المؤلمة لا يتخلص منها أبدا بل تزداد انحدارا به إلى أسفل طبقات الوجود.
3- نظام الطبقات: يعتبر "البراهمة" رجال الدين أنفسهم من عنصر إلهى ، فهم كهنة الأمة التى لا تجوز الذبائح إلا فى حضرتهم وتحت أيديهم ، لذلك قسموا المجتمع إلى ثلاث طبقات:
(أ) طبقة الكهنة.
(ب) طبقة المحاربين والتجار.
(ج) طبقة الخدم ، فلا يجوز لفرد أن يأكل مع آخر من طبقة أخرى، أو يزاوجه ، أو يختلط به. ولم يظهر هذا النظام إلا فى قوانين "مينو" حوالى القرن السادس قبل الميلاد وهناك طبقة رابعة لم تدخل التقسيم وهى طبقة المنبوذين ؛ إذ هم سكان الهند الأصليون الذين لا يجرى فى عروقهم الدم التوارنى. أو الدم الآرى، ويسمون: "زنوج الهنود"، وقد سلبهم المجتمع الهندوسى حقوقهم الإنسانية، فنزل بهم إلى مستوى أقل -أحيانا- من مستوى الحيوان ، فيعتقد الهندوسى فى أحيان كثيرة أن الدنس والرجس يلحقه ، إذا مر به المنبوذ على بعد بضعة أمتار. ولم ترجع الفلسفة الهندية نشأة نظام الطبقات إلى نزعة الجنس والعنصر، بل ربطته بنص مقدس ،يقول "مينو": "...ثم خلق البرهمى من فمه ،و"الكشتريا" وهم المحاربون التجار من ذراعه، و"الويشا" وهم الخدم من فخذه ، و"السودرا"، وهم المنبوذون من رجله ، فكان لكل من هذه الطبقات منزلة على هذا النحو".
ومن ثم اتجه المنبوذون فى تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأزوات التى اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة ، فأعظم الآلهة عندهم يظهر فى شكل كومة من الآجر، أو فى هيئة أخرى ساذجة. وهذا الإله هو الذى يمنح الخصب للعواقر، ويحمى المحصول من الآفات ، ويرعاهم برعايته وعنايته ، ولكل مدينة إلهها.
أ.د/محمد شامة
__________
مراجع الاستزادة:
1- أديان الهند الكبرى، أحمد شلبى، القاهرة 1966م.
2- ذيل الملل والنحل ، للشهر ستانى، تحقيق محمد سيد كيلانى القاهرة 1961م.
3- الأديان والمذاهب الشرقية عثمان عيش ، القاهرة 1966م.
4- الديانات القديمة، محمد أبو زهرة، القاهرة 1965م.
5- أديان العالم الكبرى، حبيب سعيد

(1/307)


الوتر
لغة: الفرد أو ما لم يتشفع من العدد، كما فى القاموس(1).
واصطلاحا: عبادة زائدة شرعت لنا لا علينا(2).
والوتر صلاة مسنونة، لا أذان لها ولا إقامة ، ولا جماعة فيها،ويجوزأن تؤدى على الراحلة، ووقتها بين العشاء وطلوع الفجر، يدل على مشروعيتها ماروى عن خارجة بن حذافة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أمدكم الله بصلاة هى خير لكم من حصر النعم وهى الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء والآخر إلى طلوع الفجر)(رواه الحاكم وصححه عن حذاقة)(3) و وأقل الوتر ركعة، لما روى عن ابن عمرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوترركعة من آخر الليل) (رواه مسلم عن أبن عمر)(4)إلا أنه يجوز الزيادة عليها: فتصلى ثلاث ركعات بتسليمه وأحدة،لحديثه عائشة(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لايسلم إلا فى آخرهن) (رواه الحاكم وصححه عن عائشة)(5).
وأجاز بعض الفقهاء أن يصلى ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، أو تسع ركعات ، أو سبعا، أو خمسا، ويسلم فيها بعد كل ركعتين ، ويوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس من الثلاث عشرة أو الإحدج عشرة، وله أن يوتر بثلاث من التسع والسبع ، فإن أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرهن ، وقد ثبت ذلك بنصوص صحيحة عن عائشة، منها قولها (كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة، يوترمنها واحدة) وقولها: (كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك خمس لا يجلس إلا فى آخرها)، وحديثها (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ،ثم يصلى ثلاثا) (رواه مسلم عن عائشة).
وروى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فاوتر بواحدة) متفق عليه(7).
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- القاموس المحيط ، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادى، مكتبة مصطفى الحلبى ط2 1371هـ/1952م القاهرة ص157.
2- رد المحتار، لمحمد أمين (ابن عابدين)، دار الكتب العلمية بيروت 10/ 445.
3- رواه الحاكم وصححه.
4- صحيح مسلم لمسلم بن حجاج النيسابورى مطبعة عيسى الحلبى القاهرة 1/ 302.
5- المستدرك ، للحاكم.
6- صحيح مسلم 1/ 296-297.
7- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان دار الصفوة ، الغردقة الطبعة الثانية 1413هـ/1992م 1/ 144.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى، لعبد الله بن احمد بن قدامة، عالم الكتب بيروت.
2- نيل الأوطار، لمحمد بن على الشوكانى، المكتبة التوفيقية القاهرة

(1/308)


وحدة الوجود
لغة: الوحدة مصدر الفعل "وحد" أى بنفسه. فهى ضد الكثرة(1). ويقال: كل شىء انفرد على حدة: أى متميز عن غيره(2).
والخلاصة أن مادة "وحد" تشير إلى الانفراد والتميز، كما أنها تدل على التقدم فى علم أو بأس(3).
واصطلاحا: تعنى أن الكائن الممكن يستلزم كائنا آخر واجبه الوجود بذاته، ليمنحه الوجود، ويفيض عليه بالخير والابداع. وذلك الكائن الواجب الوجود هو الله جل شأنه ، لأنه موجود أولا بنفسه ، ودون حاجة إلى أى موجد آخر؛ كيلا تمتد السلسلة إلى ما لانهاية.
وأن الكائنات الأخرى جميعها مظاهر لعلمه وإرادته ، ومنه تستمد الحياة والوجود ؛ ولهذا كان وجودها عرضا وبالتبع.
وبناء على هذا ، فليس ثمة إلا كائن واحد موجود حقيقة وضرورة، بل هو الوجود كله ، ولا تسمى الكائنات الأخرى موجودات ، إلا بضربا من التوسع والمجاز(4) هذه هى النظرية التى تدعى "وحدة الوجود". وقد اعتنقها جماعة من الصوفية بعد أن أخذت الدراسات الفلسفية فى الإسلام تضمحل وتتوارى.
وقد تكونته هذه الفكرة فى أوائل القرن الثانى عشر الميلادى. وشاع أمرها فى بلاد الأندلس والمشرق ، بعد ان اختلط فيها وجود التصوف بالفلسفة اختلاطا كبيرا.
وكان من أكبر أنصارها: ابن عربى (ت 638) وجلال الدين الرومى.
وربما دل ظاهر هذا الاتجاه ، على أن مشايعيه قد يلتمسون عذرا للكفار من أمثال فرعون وقوم نوح وغيرهم من المشركين الذين عبدوا الأصنام ، واليهود الذين عبدوا العجل.
ويدعى أنصارمذهب وحدة الوجود، أن هؤلاء الكفار ما عبدوا غيرالله ، وأن خطأهم يكمن فى أنهم خصصوا شيئا دون شىء بالعبادة، وكان الأصل أن يعبدوا كل شىء. لأنه لا شىء موجود على الحقيقة إلا الله.
وحين آمن فلاسفة المتصوفة بوحدة الوجود؛ فإنهم فى نفس الوقت آمنوا بفكرة أخرى هى ما أسموه "وحدة الأديان".
فلذلك يقرون بأن المشركين والوثنيين جميعا على حق ، بحجة أن الله هو كل شىء.
فمن عبد صنما أو حجرا أو شجرا أو إنسان أو كوكبا، فقد عبد الله. لكن يجب أن نفو فى هذا المجال بين وحدة الوجود، وبين وحدة الشهود. فوحدة الوجود نظرية باطلة تنافى التوحيد الصحيح. أما وحدة الشهود فهى حق.
مثال هذا: لو قال شخص إنه يرى الله في كل شىء، فإن كان يعنى أنه يرى آثارة وشواهده ، فتعبيره صحيح. وإن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق ، فالتعبير باطل واعتقاده كفرة لأنه تسليم بوحدة الوجود(5).
ولم تكن فكرة وحدة الوجود من ابتكار غلاة فلاسفة الصوفية كابن عربى والحلاج والرومى، بل كان لها جذورها لدى فلاسفة اليونان القدماء، من أمثال طاليس وهيراقليطس والرواقيين ، ثم أصحاب مذهب الفيض فى الأفلاطونية المحدثة(6).
ولقد سرت عدوى وحدة الوجود ، إلى بعض فلاسفة الغرب ، مثل بعض الفلاسفة الفرنسيين الماديين ومنهم "ديدرو" (1713م-1784م) وإلى الفيلسوف الهولندى "سبينوزا" فى القرن الثامن عشر.
كما تأثر بها بعض أدباء أوروبا الغربية، ولاسيما أصحاب النزعة الرومانتيكية، الذين اتخذوا الطبيعة موضوعا للتأمل فى أدبهم(7).
والخلاصة أن وحدة الوجود فكرة خاطئة،لا يقرها عقل سليم ولا دين منزل. وأخطر ما فيها: أنها تنافى التوحيد الصحيح ، وتؤدى إلى القول بوحدة الأديان ، واسقاط التكاليف ،وإلغاء المسئولية والالتزام الأخلاقى ، انطلاقا من فكرة الجبر كما أنها تنبثق منها اعتقادات غير صحيحة مثل "النور المحمدى"، و"الحقيقة المحمدية".و"الإنسان الكامل". وكل ذلك ينكره الإسلام.
أ.د/عبداللطيف محمد العبد
__________
الهامش:
1- المنجد فى الغة مادة "وحد".
2- المصباح المنير"وحد".
3- القاموس المحيط "وحد".
4- فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه د/إبراهيم مدكور دار المعارف بمصر ط2/ 1968م - 1/ 56-57.
5- شبهات التصوف د/عمر عبد العزيز قريش ط1214هـ-1992م ص37 ، 40 ، 58 ، 64.
7- الموسوعة الميسرة بإشراف د/مانع بن حماد الجهنى، إصدار دار الندوة العربية بالرياض ط3 ، 1418هـ ، 2/ 1178-1179.
7- معجم المصطلحات العربية فى اللغة والأدب مجدى وهبة، وكامل المهندس مكتبة لبنان ط2 ، 1948م ، ص432

(1/309)


الوحى
لغة: الكتاب. وجمعه وحي ، مثل: حلى وهو أيضا: الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى ، وكل ما ألقيته إلى غيرك(1).
ويقال: أوحى إليه وله: كلمه بكلام يخفى على غيره.
ويعلم من هذا، أن كلمة "الوحى" فى اللغة تعنى السرعة والخفاء، أى الإعلام السريع الخفى.
شرعا: هو إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه ، بواسطة أو غير واسطة(3).
فالوحى إذن: نقل مافى عالم الربوبية إلى نبى أو رسول عن طريق الملائكة ، ليبلغه إلى الناس ،مع ملاحظة أن علم الله ثابت فى اللوح المحفوظ ، وينزل الوحى طبقا لما هو مدون فيه(4).
والوحى أمرهام وجوهرى فى النبوات والأديان ، فهو مثل المعجزة قطب الرحى ، وبدونهما لاتكون نبوة أو رسالة.
ولهذا جاءت مادة "و.ح.ى" في القرآن الكريم وحده ثمانيا وسبعين مرة(5) وفيه دلالة على أن للوحى حقيقة، وأنه أمر ضرورى للديانات السماوية.
والإيمان بالوحى حق وواجب على كل مسلم ومسلمة ، لارتباط ذلك الإيمان بجميع ما أنزل الله من كتاب ، وما آتى بعض رسله من صحف. وكل ذلك وحى من الله تعالى {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين}الشعراء:192-194.
وإن نزول الوحى على هيئة كتب وصحف سماوية، لهو شىء ضرورى لحياة البشر، كى تبقى للأنبياء والرسل آثارهم ، ولاسيما ذلك الأثر الباقى إلى يوم القيامة، والذى كان من أعظم نعم الله تعالى على خلقه ،(6) ألاوهو القرآن الكريم.
{إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا}النساء:163.
وملل الوحى هو جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقد جاء أسمه نصا فى قوله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه}البقرة:97.
ويفهم من الآية الكريمة وجوب محبة جبريل عليه السلام وتعظيم دوره على البشرية إلى يوم القيامه.
كما سماه القرآن "الروح الأمين" فى قوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين}الشعراء:192-193.
كما سماه "روح القدس" فى قوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق}النحل:102.
ويسمى"الناموس" كما جاء على لسان ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أول عهده بالوحى: لقد جاءك الناموس الذى نزل الله على موسى(7).
وفى آية واحدة أشار القرآن الكريم إلى ثلاثة مقامات للوحى،(8) فى قوله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب ، أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه مايشاء، إنه على حكيم}الشورى:51.
الأول: "وحيا" أى إلقاء المعنى في القلب.
ومعناه أن الله تبارك وتعالى يقذف فى روع النبى صلى الله وسلم شيئا لايمارى فيه أنه من الله عز وجل ،كما جاء فى صحيح ابن حبان عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله واجملوا فى الطلب".
الثانى: "من وراء حجاب ، أى بالتكليم ، كما كلم الله موسى عليه الصلاة والسلام فلما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها، لكنه سمع النداء من وراء الشجرة: {نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إنى أنا الله رب العالمين}القصص:130.
الثالث: نزول أمين الوحى جبريل على نبينا وعلى الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فقد روى البخارى، عن عائشة رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يارسول الله: كيف يأتيك الوحى؟ فقال: "أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده على، فيفصم عنى -أى يقلع - وقد وعيت عنه ماقال - أى حفظت.
وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فاعى مايقول".
قالت عائشة رضى الله عنها: "ولقد رايته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه ،وإن جبينه ليتفصد عرقا".
وإنما كانت حالة الصلصلة أشد؛ لأنها انسلاخ من البشرية واتصال بالروحانية. وكانت الثانية أخف ؛ لأنها انتقال ملك الوحى من الروحانية إلى البشرية بسهولة ويسر، بإذن من الله تعالى. وقد نزل القرآن الكريم بأكمل صورة للوحى، بواسطة إلقاء جبريل عليه السلام.
وروى الشيخان عن أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فارجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
وما نطق به صريح الكتاب والسنة، من إثبات حقيقة الوحى ومقاماته ، يبطل رأى كل مبطل مرتاب ، يدعى أن الوحى نوع من الصرع ؛ نتيجة مس الشيطان أو مرض فى المخ ، أو تخيل إله ، أو توهم جنة ونار(9). أو كما زعم البراهمة من أن العقل يغنى عن الوحى، أو كما يدعى بعض غلاة الصوفية من أن الوحى نوع من الكشف أو الفيض(10).
ولو رجعنا إلى تعاليم الإسلام ، لوجدنا فكرة الوحى أسهل من كل هذا الهراء، وأضبط من جميع ألوان الافتراء على الله وعلى رسله. ومن هنا يجب الحذرمن الفكر الدخيل ،(11) ومن كل غلو فى دين الله.
أ.د/عبد اللطيف محمد العبد
__________
الهامش:
1- مختار الصحاح "وحى".
2- المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية "وحى".
3- النبوة بين الفلسفة والتصوف ، د/عبدالفتاح أحمد الفاوى مكتبة الزهراء القاهرة ط1 1416هـ/1996م ص113.
4- الفارابى الموفق والشارح ، د/محمد البهى مكقبة وهبة بالقاهرة ط1 1401هـ/1981م ص24.
5- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، لمحمد فؤاد عبدالباقى "وحى" ، جاءت المادة بلفظ المصدر:6 مرات وبلفظ الماضى:44 مرة ، وبلفظ المضارع:28 مرة.
6- منهاج المسلم ، أبو بكر الجزائرى دار الشروق جدة ط7 1407هـ-1987م ص38.
7- العقائد الإسلامية، السيد سابق دار الكتاب العربى ببيروت 1406هـ 1985م ص118.
8- تفسير ابن كثير تفسير الآية51 من سورة الشورى.
9- شرح العقيدة الطحاوية ابن أبى العز تحقيق: شعيب الأرنؤوط دار البيان دمشق ط1 1401هـ-1981م ص530.
10- الموسوعة الميسرةإشراف د/مانع بن حماد الجهنى نشر دار الندوة العالمية بالرياض ط3 ، 1418هـ-2/ 1180.
11- فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق د/إبراهيم مدكور دار المعارف بمصر ط2 1968م 1/ 77-78

(1/310)


الوديعة
لغة: هى ما يتركه الانسان عند غيره ، يقال: أودعه مالا إذا دفعه إليه ؛ ليكون عنده وديعة، أو قبله منه وديعة، كما فى المختار(1).
واصطلاحا: توكيل فى حفظ مال مملوك(2).
والوديعة قد تكون نقدا أوعينا لها قيمة مالية، يبيح الشارع حيازتها، وهى لاتتصور إلا فيما ينقل ويحول عن موضعه إلى موضع آخر.
وترك المالك ماله عند غيره ليحفظه له أمرمشروع ، وقبول الغيرحفظ هذه الوديعة مستحب ، إذا كان قادرا على الحفظ ورد الوديعة إلى صاحبها عند طلبها.
ومن الأدلة على مشروعية الايداع ، وقبول الودائع قول الله تعالى: {إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها}النساء:58 ، وما روى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك) (رواه أبو داود والترمذى والحاكم والدار قطنى والطبرانى وصححه السيوطى)(3).
وترغيب الشارع فى حفظ مال الغير بالإيداع ، يحقق مصلحة ضرورية، قصد إليها من تشريع الأحكام ، وهى حفظ المال ، فإن صاحب المال قد يعجزعن حفظه أو يعن له ما لايتمكن معه من حفظه بنفسه كسفر أوتعرض للمخاطر، فلو لم يشرع إيداعه لدى الغير لضاع على مالكه.
أ.د/عبد الفتاح محمود إدريس
__________
الهامش:
1- مختار الصحاح ، محمد بن أبى بكر الرازى، ط عيسى الحلبى القاهرة مادة (ودع).
2- مغنى المحتاج ، محمد بن أحمد الشربينى، ط1377هـ/1958م ، مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 3/ 79.
3- الجامع الصغير، جلال الدين عبدالرحمن بن أبى بكر السيوطى، ط الخامسة مكتبة مصطفى الحلبى القاهرة 1/ 14.
مراجع الاستزادة:
1- المغنى ، عبدالله أحمد بن قدامة ، عالم الكتب ، بيروت.
2- المعاملات فى الفقه الإسلامى، عبدالحكيم المغربى، ط الثانية 1402هـ/1982م

(1/311)


وفاة الرسول
الوفاة: الموت ، فإذا أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد جرى على النبى صلى الله عليه وسلم مايجرى على الناس فى قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}الزمر:30 ، وماذكر به أبو بكر رضى الله عنه المؤمنين الذين اشتد بهم الحزن بموت الرسول صلى الله عليه وسلم : أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمد قد مات ، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حى لايموت. قال الله تعالى{ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن ماتا أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرالله شيئا وسيجزى الله الشاكرين}آل عمران:144 ، ومع هذه الحقيقة فإن الحزن الشديد قد أخذ بالناس كل مأخذ لحبهم الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذى عبر فيه آنس رضى الله عنه بقوله: "لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شئ ،ولما مات أظلم منها كل شىء" ولذلك وجدنا عمر رضى الله عنه مع قوته وشدته يكلم الناس قبل أبى بكر رضى الله عنه منكرا موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن سمع تذكير أبى بكر بالقرآن جلس على الأرض لاتحمله قدماه ، وكأنهم لم يسمعوا الآية إلا تلك الساعة(1).
والسيدة فاطمة رضى الله عنها قالت وهو فى مرض الوفاة: واكرب أباه ، فقال لها: ليس على أبيك كربا بعد اليوم (2) فقالت بعد الوفاة: يا ابتاه. أجابا ربا دعاه ، يا أبتاه فى جنة الفردوس ماواه ، ياأبتاه إلى جبريل ننعاه(3).
وسبق موت النبى صلى الله عليه وسلم الاطمئنان على أمته بعد أن أكمل الله الدين ، وأتم النعمة حيث كشف فى صلاة الفجر يوم وفاته ستر حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها ونظر إلى المسلمين وهم فى صفوف الصلاة ثم تبسم وضحك وكأنه يودعهم ، وهم المسلمون أن يعبروا عن فرحتهم بخروجه ، وتأخر أبو بكر رضى الله عنه حيث ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد الخروج للصلاة فأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
وكان عندما حضره الموت مستندا إلى صدر أم المؤمنين عائشة، وكان يدخل يده فى إناء الماء كى يمسح وجهه ويقول: لآ إله إلا الله ، إن للموت سكرات ، وأخذته بحة وهو يقول: {مع الذين أنعم الله عليهم} ويقول: "اللهم فى الرفيق الأعلى" فعرفت السيدة عائشة أنه يخير، وأنه يختار الرفيق الأعلى(4).
ولحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وترك للناس ما إن تمسكوا به لن يضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه.
أ.د/محمد رأفت سعيد
__________
الهامش:
1- فتح البارى 8/ 145.
2- فتح البارى 8/ 149.
3- المرجع السابق.
4- سيرة ابن هشام 4/ 329 ، وفتح البارى 8/ 136.
مراجع الاستزادة:
1- فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر.
2- السيرة النبوية الصحيحة د/أكرم ضياء العمرى.
3- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية

(1/312)


الوقت عند الصوفية
الوقت عند الصوفية
لغة: وقت العمل جعل له وقتا يؤدى فيه.والوقت: مقدار من الزمان قدر لأمر ما ،وجمعه أوقات(1).
وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}النساء:103،أى مفروضات فى الأوقات(2).
والله عز وجل هو الذى يخلق الوقت أو الزمان ويحدده. وكثيرا ما يتحدد بالليلة لارتباطه بالهلال أول الشهر. والوقت يحكم الإنسان ، ولايحكم الله عز وجل(3).
واصطلاحا: الوقت عند الصوفية عبارة عن العبد(4) فى زمان الحال (5) أى عندما يتصل وارد من الحق بقلبه ، ويجعل سره مجتمعا فيه ، بحيث لايذكر في كشفه الماضى ولا المستقبل(6) ويشير القاشانى (ت 735هـ) إلى أن ما حضر العبد في الحال: إن كان من تصريف الحق ، فعلى العبد الرضا والاستسلام.
وإن كان مما يتعلق بكسبه ، فليلزم ما أهمه فيه بعيدا عن الماضى والمستقبل ، فإن تدارك الماضى تضييع للوقت الحاضر.
كذلك الفكر فيما يستقبل ، فعساه ألا يبلغه ، وقد فاته الوقت ، ولهذا قال أهل التحقيق: "الصوفى ابن الوقت" أى إنه مشتغل بما هو أولى به في الحال.
ويشير أبو على الدقاق إلى أن الوقت عند الصوفية ماكان هو الغالب: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا ، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور،وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن.
وقد يريدون بالوقت: ما يصادف الصوفى من تصريف الحق له دون ما يختاره لنفسه ويقولون: "فلان بحكم الوقت" أى إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب ، من غير اختيار له.
وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع ؛ لأن التضييع لما أمربه ،وإحالة الأمر فيه على التقدير، وترك المبالاة بما يحصل منه من التقصير: خروج عن روح الدين.
ويشير الصوفية كذلك إلى أن "الوقت سيف" أى كما أن السيف قاطع ، فالوقت غالب بما يمضيه الحق.
وقيل: "السيف لين مسه ، قاطع حده" فمن لاينه سلم ، ومن خاشنه اصطلم. كذلك الوقت بمفهوم الصوفية: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى، وأنشدوا:
وكالسيف إن لاينته لان مسه * وحداه إن خاشنته خشنان فالصحبة مع السيف خطر: "إما ملك وإما هلك"، ولو حمله صاحبه ألف سنة فلن يفرق فى حال القطع بين رقبة صاحبه ورقبة غيره ، لأن صفته القهر.
وقيل أيضا: من ساعده الوقت فالوقت له وقت ، ومن ناكده الوقت فعليه مقت. وسمع القشيرى أبا على الدقاق يقول: "الوقت مبرد يسحقك ولايمحقك": أى يأخذ من العبد، دون أن يمحوه بالكلية. وكان الدقاق ينشد:
كل يوم يمر يأخذ بعضى * يورث القلب حسرة ثم يمضى
وأنشد أيضا:
كأهل النار إن نضجت جلود * أعيدت للشقاء لهم جلود
وهو فى معنى:
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
ويرى القشيرى أن الكيس هو: من كان بحكم وقته:
(أ) إن كان وقته الصحو، فقيامه بالشريعة.
(ب) وإن كان وقته المحو، فالغالب عليه أحكام الحقيقة(8).
ويرى علماء الصوفية،أن الخلق تتفاوت قدراتهم وأحوالهم فى مسألة "الوقت"، لكن الصوفية يصرحون بأنهم يعيشون فى الوقت سرورا مع الحق ، فإذا انشغل الواحد منهم بالغد، أوقلب التفكير فى الأمس ، حجب عن الوقت ، والحجاب تشتت.
ويقول أبو سعيد الخراز "لاتشغل وقتك العزيز إلا بأعز الأشياء، وأعز أشياء العبد شغله بين الماضى والمستقبل.
ولهم فى ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرض عليه فى ليلة المعراج زينة ملك الأرض والسماء، فلم ينظر إلى أى شىء؛ لقوله تعالى: {ما زاغ البصروماطغى}النجم:17، لأنه كان عزيزا ، ولايشغل العزيز إلا بالعزيز، ولم يتجاوز ما أمر به.
ويشير الهجويرى (ت 465هـ) إلى أن أوقاف الموحد وقتان: أحدهما فى حال الفقد، والثانى في حال الوجد، وفى كلا الوقتين يكون الموحد مقهورا ؛ لأنه فى حال الوصل يكون وصله بالحق ، وفى الفصل يكون فصله بالحق.
ويحكى الجنيد أنه رأى درويشا فى البادية يجلس تحت شجرة ذات شوك ، وظل هكذا منذ اثنتى عشرة سنة ، لأنه كان يتوجع على وقت ضاع له فى ذلك المكان. فمضى الجنيد إلى الحج ودعا له فاستجيبت دعوته ، ومع هذا أصر الدرويش على البقاء في نفس المكان الصعب حتى يموت ويخلط ترابه بتراب ذلك الموضع ، ويرفع رأسه يوم القيامة من هذا التراب الذى صار محل أنسه وسروره(9).
وقد اهتم الصوفية بالتفريق بين الوقت والحال:
فالحال هو الذى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب ، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل ؛(10) فالحال وارد على الوقت ، يزينه مثل الروح والجسد والوقت لامحالة يحتاج إلى الحال ؛ لأن صفاء الوقت يكون بالحال ، كذلك فإن الغفلة تجوزعلى صاحب الوقت ،ولاتجوزعلى صاحب الحال(11).
وأخيرا فإن الصوفية لديهم مايسمى الوقت الدائم" أو "الآن الدائم"،(12) وهم بهذا يشيرون إلى حقيقة الزمن بالنسبة لله عز وجل ، حيث لاينقسم الزمن هناك ، ولايتميز إلى ماض وحاضر ومستقبل.
أ.د/عبداللطيف محمد العبد
__________
الهامش:
1- مجمع اللغة العربية المعجم الوجيز مادة "وقت" طبع وزارة التربية والتعليم بمصر.
2- محمد بن أبى بكر الرازى مختار الصحاح 666هـ مادة (و-ق-ت) ط استانبول تركيا 1408هـ/1987م.
3- الفتاوى الكبرى الشيخ محمد متولى الشعراوى حوار لأحمد زين ، مكتبة التراث الإسلامى بالقاهرة 1407هـ/1987م ص80 ، 261 ، 601.
4- التعريفات الجرجانى البابى الحلبى بالقاهرة 1357هـ/1938م ص227.
5- رسالة فى اصطلاحات الصوفية (ضمن التعريفات للجرجانى) ابن عربى، ط البابى الحلبى بالقاهرة 1357هـ/1938م ص234.
6- كشف المحجوب ،الهجويرى دراسة وترجمة وتعليق دكتورة/إسعاد عبدالهادى قنديل المجلي الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. 1395هـ/1975م.
7- اصطلاحات الصوفية، القاشانى تحقيق وتعليق د/محمد كمال جعفرالهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر 1981م ص53.
8- الرسالة القشيرية القشيرى مكتبة صبيح بالقاهرة 1386هـ/1966م ص53.
9- كشف المحجوب ، الهجويرى 2-614.
10- رسالة فى اصطلاحات الصوفية، ابن عربى ص234.
11- كشف المحجوب 2-615.
12- اصطلاحات الصوفية، القاشانى ص54 من تعليق د/كمال جعفر

(1/313)


الوهابية
تنسب الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن على الذى ولد فى العيينة بمنطقة نجد بالجزيرة العربية (1115هـ/1703م) والمقصود بالوهابية مجموعة المبادىء التى جهر بها الشيخ ، وتتلخص فى:
1- التوحيد ، والعودة إلى أصول الإسلام الصحيحة.
2- الجهاد فى سبيل ذلك ، وجواز قتال مانعى الزكاة وتاركى الصلاة.
3- ترك زيارة القبورة لأن الميت بعد الدفن أحوج إلى الدعاء، لا أن يدعى به. ويضاف إلى هذا منع اتخاذ التمائم ، والتبرك بالشجر والحجر، والذبح لغير الله ، والنذر لغير الله ، والاستعاذة بغير الله ، والعبادة عند القبور.
وهى أمور موافقة لمبادىء الاسلام ، مؤكدة له ، وغير جديدة. أما تجديد الدعوة آنذاك إلى التمسك بها فيعنى أن المجتمع الذى نشأ فيه الشيخ كان قد خرج عليها، أو أنه لم يعد متمسكا بها. وفى هذا يقول معاصروه الذين ترجموا له إن "دعوته" جاءت بعد أن قرأ العلم ورأى "كثرة جهل الناس بدين نبيهم" وأنه رأى الناس فى العراق "مفتونون فى حب الدنيا، ورآهم فى المدينة مفتونون فى عبادة الأوثان. وعندما وصلت أنباء دعوته إلى المدينة المنورة قال أستاذه الشيخ محمد بن سليمان الكردى"أنه شاذ عن السواد الأعظم". وكان أسلوبه في الدعوة يقوم على أخذ العهود والمواثيق علي الناس لإقامة الدين.
ويذهب بعض الدارسين إلى القول بأن "الوهابية" تتشابه مع ما سبق أن نادى به ابن تيمية فى بلاد الشام قبل ذلك بأربعة قرون (الشيخ تقى الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى (661-728هـ/1263-1328م) الذى قال: إن الشهادتين وحدهما لا تكفيان ما لم يلتزم قائلهما بالشرائع والواجبات ، واعترض على المقامات والأنصاب ، وعلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وقد أثارت أراء ابن تيمية قلقا فى نفوس العلماء والحكام فى مصر والشام والعراق تحت حكم المماليك وانتهى أمره بالسجن حتى وفاته.
أما الشيخ محمد بن عبدالوهاب فلم يواجه حكومة مركزية شأن ابن تيمية،فالجزيرة العربية آنذاك كانت مجموعة من الإمارات المتناثرة ولا تخضع لسلطة مركزية.
وكانت الإحساء والمناطق الشرقية من الجزيرة ميدانا مثاليا لنشر أفكاره ، فأهل السنة فيها يشكلون أقلية، ويشكل الشيعة والخوارج أغلبية، فضلا عن الإباضية في عمان ، والنجديون حنابلة، وبالتالى كان أولئك جميعا أقرب من غيرهم إلى أراء الشيخ.
وأما أهل الحجاز فهم من الشوافع الذين يرون فى أنفسهم أكثر تفهما للدين وأقدر على تفسير أحكامه.
ولقد واجه الشيخ محمد بن عبدالوهاب مصاعب فى نشرأفكاره فى حريملاء التى كان بها عند وفاة والده ، وفى العيينة التى اضطر أميرها عثمان بن معمر إلى إخراجه منها امتثالا لأمير الإحساء (سليمان بن محمد) الذى هدده بقطع الخراج عنه.
وذهب لاجئا إلى الدرعية فى ضيافة الأمير محمد ابن سعود، وسرعان ما تفاهما، إذ قال الأمير للشيخ "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة". وقال الشيخ للأمير "وأنا أبشرك بالعزة والتمكين". وأصبحت الدرعية دار هجرة لأتباع الشيخ الذين هاجروا إليها. وقبل الشيخ بسلطة الأمير، واحتفظ لنفسه بمقام دينى، وأعطاه حق تقديم نصائح ملزمة للأمير الحاكم ، حتى بدا أن سلطة الشيخ تعلو سلطة الأمير. وهكذا نشأ الإطار السياسى للوهابية. وقد أوفى آل سعود بالعهد لآل الشيخ ولم يتغير تقديرهم لهم على مر السنين إذ احتل آل الشيخ المراكز الرئيسية فى الإفتاء والتعليم فضلا عن رابطة النسب فيما بينهم.
وقد كان الأمير عبدالعزيز بن محمد آل سعود -الحاكم الثانى للدولة السعودية الأولى (1158-1233هـ/1745-1818م)- أقرب آل سعود إلى قلب الشيخ ، وأكثرهم تمسكا بمبادئه وتقيدا بنصائحه ، وهو الذى جعل للشيخ المقام الأول فى الدولة. وعلى هذا نشأ تلازم بين "الوهابية" و"السعودية"، وأصبح المصطلحان وجهين لعملة واحدة، فبفضل الوهابية أقام آل سعود دولتهم الأولى التى شملت جبال شمر (1790م) ، والإحساء (1791م)، وساحل عمان وقطر والبحرين (1799م)، والحجاز وعسير(1802م) وهددت المناطق الجنوبية فى بلاد الشام حتى حوران ، والمناطق الجنوبية الشرقية من العراق. ومن هنا بدأ العالم خارج الجزيرة العربية يسمع عن "الوهابية"، وصار التدخل العثمانى أمرا محتوما فكان ما كان من حملة محمد على باشا والى مصر العثمانى التى حطمت الدرعية وأخرجت آل سعود من أغلب الحجاز (1811-1818م).
ثم أعيدت دولة آل سعود مرة ثانية ثم مرة ثالثة على يد الملك عبدالعزيز فى ثلاثينات القرن العشرين.
ولما كانت "الوهابية" تمثل مرجعية لشرعية وجود آل سعود فى الحكم ، فقد حافظوا عليها ، واندفعوا بها ، وحددوا علاقاتهم بالآخرين على أساسها حتى ولو اضطروا لاستخدام العنف فى سبيل إقرارها. وهو أمر صدم ضمير عامة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم "حسنى الإسلام"، إذ حمل الوهابيون أكثر الأمور الدينية على ظاهرها، فبدا المذهب وكأنه حركة للاحتجاج والإثارة لا للهداية والتقويم.
أ.د/عاصم أحمد الدسوقى
__________
مراجع الاستزادة:
1- ابن بشر (عثمان)، عنوان المجد فى تاريخ نجد، ط1 ، القاهرة 1373هـ.
2- تاريخ بعض الحوادث الواقعة فى نجد لابن عيسى، إبراهيم بن صالح 700هـ/1300-1340هـ/1918 (والمنشور خاص بالقرن التاسع عشر).
3- روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوى الإسلام ، ابن غنام (حسين) جزأن ، القاهرة 1949.
4- كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ، مؤلف مجهول ، حقق المخطوط ونشره د/عبد الله صالح العيثمين ، دار الملك عبد العزيز ، الرياض 1403هـ/1983م.
5- لمع الشهاب فى سيرة محمد بن عبدالوهاب ، مؤلف مجهول ، نشره د/أحمد أبو حاكمة ، بيروت 1967م.
6- الدولة السعودية الأولى، عبد الرحيم عبد الرحمن ، 1745-1818م ، القاهرة 1969.
7- عبدالله على القصيم ، الثورة الوهابية، القاهرة 1936م.
8- آثار الدعوة الوهابية فى الإصلاح الدينى والعمرانى فى جزيرة العرب ، محمد حامد الفقى ، القاهرة 1354هـ.
9- الوهابيون والحجاز، محمد رشيد رضا ، القاهرة 1925م

(1/314)


اليهودية
ينسب اليهود إلى يهوذا، أحد أولاد يعقوب الاثنى عشر (الأسباط فى القرآن الكريم) ويعقوب هو إسرائيل. ثم أصبحت كلمة يهودى تطلق على كل من يدين باليهودية.
وكان يعقوب (إسرائيل) قد هاجر هو وعشيرته من أرض كنعان (فلسطين وما إليها) إلى مصر حوألى القرن 17 ق.م ، وكان عددهم سبعين نفسا، تحت ضغط المجاعة والجفاف (سفر التكوين ، إصحاح 46 فقرة 27) واستقبلهم يوسف أحد أبنائه وكان "وزيرا" لدى فرعون مصر، فأكرم وفادتهم ،وأقاموا فى ناحية جاسان (وادى الطميلات بالشرقية) (التكوين ، إصحاح 47 فقرة 11). وخلال ما يقرب من أربعة قرون من إقامتهم فى مصر انقسم بنو إسرائيل (يعقوب) إلى اثنتى عشرة قبيلة كل منها نسبة إلى واحد من الأسباط الاثنا عشر. وعندما بعث موسى برسالة التوحيد إلى بنى إسرائيل وفرعون مصر وقومه ق 14-13 قبل الميلاد تقريبا، آمن بها إسرائيل إلا قليلا منهم. وهنا نشأت الديانة اليهودية. وكان لابد من الصدام مع فرعون وقومه ، فخرج بنو إسرائيل من مصر (البقرة 49،50) ، (طه 77-88) (إصحاح 13-14 من سفرالخروج) حوالي 1280 ق.م فى عهد فرعون مصر رمسيس الثانى على ما يرجح.
وبعد خروج اليهود من مصر الفرعونية إلى الصحراء (سيناء)، أغاروا بقيادة يوشع (خليفة موسى) على أرض كنعان ، واستقروا بها. وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكة داود (أسسها عام 990 ق.م) إلى مملكتين: إسرائيل فى الشمال ، ومملكة يهودا فى الجنوب (922 ق.م)، ونشبت بينهما حروب طويلة إلى أن دهمهم بختنصر ملك بابل حين أغار على فلسطين مرتين فى 596، 587 ق.م ، وأخذ عددا كبيرا منهم إلي بابل ، وظلوا هناك حوالى خمسين عاما تعرف فى تاريخ اليهود بالأسر البابلى. فلما تغلب كورش ملك الفرس على البابليين (538ق.م)، أطلق سراح الأسرى الذين عادوا إلى فلسطين ولكن دون دولة، إذ خضعوا للفرس ، ومن بعدهم لخلفاء الإسكندر المقدونى (انطيوخوس)، ثم إلي الرومان. وفى تلك الأثناء ترك عدد منهم فلسطين إلى جهات مختلفة فى آسيا وأوربا.
وفى عام 135م أخمد الرومان فى عهد الإمبراطور هدريان ثورة قام بها اليهود فى فلسطين هدم على أثرها هيكل سليمان ،وأخرج اليهود من فلسطين وكان عددهم حوالى خمسين ألفا ، وبدأت رحلة الشتات الكبير Diaspora.
وقبل الشتات الكبير كان اليهود الذين غادروا فلسطين إلى أوروبا استوطنوا حوض نهر الراين الشمالى والأوسط ، واجتهدوا فى نشر اليهودية بين الوثنيين هناك بين الجرمان والسلاف. وبعد الشتات انتشروا فى افاق كثيرة بين أجناس مختلفة فى فارس وتركستان والهند والصين عن طريق القوقاز، وفى العراق ومصر وبرقة وشمال إفريقية، وشبه جزيرة إيبريا (اسبانيا والبرتغال) والجزيرة العربية حتى اليمن ، والحبشة، وفيما بعد فى أجزاء من إفريقيا السوداء.
وقد أدى هذا إلى اعتناق عناصر وسلالات بشرية كثيرة لليهودية. وهذا التعدد العنصرى فى حد ذاته ينفى مقولة: إن اليهودية قومية،كما ينفى أيضا مقولة "معاداة السامية" التى يشهرها اليهود كلما وقعوا فى كارثة، لأن انتشار اليهودية على ذلك النحو أوجد أجيالا تدين باليهودية ولكن ليسوا من الساميين أصلا.
وفى المجتمعات التى عاش فيها اليهود قبل الشتات الكبير وبعده ، كانوا على هامش المجتمع بسبب اختلاف عقيدتهم عن الآخرين ، ومن هنا كانوا دوما أقلية منعزلة ذاتيا تعيش فى مكان خاص (حارة-جيتو)، ولم يتبوأوا مراكز الحكم ،فانصرفوا إلى النشاط الاقتصادى وسيطروا على أسواق المال والتجارة. ولما بدأ عصر الدولة القومية فى القرن التاسع عشر، بدأ يهود القارة الأوروبية التفكير فى وطن خاص يجمعهم وينقلهم من هامش المجتمعات التى يعيشون فيها ليصبحوا قوة مركزية، وهو الأمرالذى تم فى عام 1948 بعد تكوين المنظمة الصهيونية العالمية بمقتضى مؤتمر بازل فى 1897.
ولليهود تسع وثلاثون سفرا من أسفارهم معتمدة يطلق عليه "العهد القديم" وهى أربعة أقسام: (1) التكوين ويختص بتاريخ العالم ، (2) والخروج ويختص ببنى إسرائيل فى مصروخروجهم منها،(3)والتثنية ويختص بأحكام الشريعة اليهودية، وسفر اللاويين ويختص بشؤون العبادات ، (4)
وسفر العدد ويختص بإحصاء اليهود لقبائلهم وجيوشهم وأموالهم. أما القسم الثانى من العهد القديم فيتكون من اثنى عشر سفرا خاصة بتاريخ بنى إسرائيل بعد استيلائهم على أرض كنعان ، والقسم الثالث من خمسة أسفار تختص بالأناشيد والعظات ، والرابع من سبعة عشرسفرا كل منها يختص بتاريخ نبى من أنبيائهم بعد موسى. أما التلمود فهو مجموعة شروح للشرائع المنقولة شفاهة عن موسى وتلمودان: واحد تم تدوينه فى فلسطين ، والثانى كتب فى بابل.
وأنقسم اليهود إلى أكثرمن فرقة اختلفت فيما بينها حول الأخذ بأسفار العهد القديم والأحاديث الشفوية لموسى أوإنكار بعضها.
وأهم هذه الفرق خمس فرق: الفريسيون (الربانيون)، الصدوقيون ، والسامريون ،و الحسديون (المشفقون) ، والقراءون (الكتابيون المتمسكون بالأسفار ويعرفون أيضا بالعنانيين نسبة إلى مؤسسها عنان بن داود). ولم يبق من هذه الفرق إلا الربانيون و القراءون وبينهما اختلافات شديدة حول الطقوس والشرائع والمعاملات. أما اليهود المعاصرون فينقسمون بين سفارديم وهم اليهود الشرقيون بما فيهم ذوى الأصول العربية والأسبان والبلقان ،و أشكنازيم وهم اليهود الغربيون.
أ.د/عاصم أحمد الدسوقى
__________
مراجع الاستزادة:
1- مقارنة الأديان (اليهودية) أحمد شلبى، القاهرة 1982م.
2- اليهود انثروبولوجيا د/جمال حمدان ، القاهرة 1967م.
3- الفكر الدينى الإسرائيلى. حسن ظاظا ، القاهرة 1971م.
4- اليهودية واليهود ، على عبد الواحد وافى، القاهرة 1981م.
5- الاستعمار والمذاهب الاستعمارية محمد عوض محمد ط4 القاهرة 1957م

(1/315)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية