صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : معاجم مفردات القرآن موازنات ومقترحات
المؤلف : أ . د . أحمد حسن فرحات
عدد الصفحات : 74
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

معاجم مفردات القرآن
( موازنات ومقترحات )
إعداد
أ.د. أحمد حسن فرحات
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه ونهج نهجه، واقتفى أثره وبعد :
فلقد حظي القرآن الكريم بعناية علماء الأمة - خلال العصور- وما زالت هذه العناية تترى ، وستبقى بإذن الله - حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
ومن أبرز مظاهر هذه العناية تلك المؤلفات العظيمة حول القرآن وعلومه وتفسيره، ولا عجب في ذلك، فالقرآن كتاب هذه الأمة، ومحور عظمتها، وسر خلودها ، فقد جعله الله هداية لها في كل شؤون حياتها ، وأودعه من التوجيهات والأحكام ما يحقق لها النجاح في الدنيا والفوز في الآخرة.

(1/1)


ولما كان مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة يزمع عقد ندوة عن " عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه " وقد وجه إلي الدعوة للمشاركة في هذه الندوة واقترح علي تقديم بحث في المحور الرابع - الموضوع الأول - والمتعلق بمعاجم معاني ألفاظ القرآن - وقد وجد هذا الموضوع هوى في النفس ورغبة كامنة جامحة ، فسارعت إلى الإجابة بالموافقة، واخترت عنوانا لبحثي :
معاجم مفردات القرآن : موازنات ومقترحات
وجعلت خطته كما يلي:
- تمهيد يتضمن لمحة تاريخية عن التأليف في معاني القرآن وغريبه قبل الراغب الأصفهاني .
- مفردات الراغب معلم بارز في معاجم المفردات القرآنية .
- مميزات مفردات الراغب .
- مكملات مفردات الراغب .
موازنات بين مفرد الراغب والمعاجم التي جاءت من بعده وقد اخترت أربعة منها لأهميتها وشهرتها :
- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي .
- بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي .
- مفردات القرآن للفراهي الهندي .
- معجم ألفاظ القرآن لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
- ملاحظات على المعاجم السابقة.
- مقترحات .
- خاتمة.

(1/2)


وختاما أرجو أن يكون هذا البحث قد حقق الغرض المطلوب وأن يكون وافيا بالمقصود وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

(1/3)


لمحة تاريخية عن التأليف
في معاني القرآن وغريبه قبل الراغب الأصفهاني
يعود التأليف في معاني القرآن وغريبه إلى مرحلة مبكرة من تاريخ الإسلام، وأول ما عرف من ذلك ما روي عن ابن عباس في ما يسمى بإجاباته عن المسائل التي سأله عنها نافع بن الأزرق ، وكان يستشهد على تلك المعاني بأبيات من الشعر بعد أن يقول له نافع : " وهل تعرف العرب ذلك؟ " كذلك ما روي عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة ، وما روي عنه بتهذيب عطاء بن أبي رباح المتوفى سنة 114هـ ثم تتابع التأليف في معاني القرآن وغريبه على النحو التالي:
- تفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الفقيه المفسر المتوفى سنة 122هـ.
- معاني القرآن لواصل بن عطاء البصري - أحد شيوخ المعتزلة - المتوفى سنة 131هـ.
- معاني القرآن لأبان بن تغلب الإمام المقرئ من أهل الكوفة ، والمتوفى سنة 141هـ.
- غريب القرآن لمحمد بن السائب بن بشر أبو النضر المفسر الكوفي والمتوفى سنة 146هـ .
- الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة 150هـ.
- معاني القرآن للرؤاسي أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة المقرئ النحوي المتوفى سنة 170هـ.

(1/4)


- معاني القرآن ليونس بن حبيب الضبي البصري النحوي المتوفى سنة 182هـ.
- معاني القرآن للكسائي علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي أحد القراء السبعة المتوفى سنة 189هـ.
- معاني القرآن لأبي فيد مؤرج بن عمرو بن منيع السدوسي - إمام في النحو والعربية - المتوفى سنة 195هـ .
- غريب القرآن ليحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي البصري المتوفى سنة 202هـ .
- غريب القرآن للنضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم البصري النحوي الفقيه المتوفى سنة 203هـ وقيل 204هـ.
- معاني القرآن لمحمد بن المستنير بن أحمد البصري النحوي اللغوي المعروف بقطرب والمتوفى سنة 206هـ.
- معاني القرآن للفراء - يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور أبو زكريا النحوي اللغوي المتوفى سنة 207هـ.
- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري النحوي اللغوي والمتوفى سنة 210هـ.
- معاني القرآن للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة النحوي المتوفى سنة 215هـ.
- غريب القرآن للأصمعي عبد الملك بن قريب الباهلي أبو سعيد ، توفي عام 216ه‍.
- معاني القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام النحوي الأديب الفقيه المتوفى سنة 223، وقيل 224هـ.

(1/5)


- غريب القرآن لمحمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي البصري المتوفى سنة 231هـ وقيل 232هـ.
- غريب القرآن لعبد الله بن يحيى بن المبارك العدوي البغدادي المعروف باليزيدي والمتوفى سنة 237هـ.
- غريب القرآن لمحمد بن عبد الله بن قادم الكوفي أبو جعفر المتوفى سنة 251هـ.
- غريب القرآن لمحمد بن دينار الأحول الكوفي أبو العباس المتوفى سنة 259هـ
- تفسير غريب القرآن لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري اللغوي النحوي المتوفى سنة 276هـ.
- معاني القرآن وإعرابه لإسماعيل بن إسحاق الجهضمي الأزدي الفقيه المالكي المتوفى سنة 282ه‍.
- معاني القرآن للمبرد محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي العالم بالعربية المتوفى سنة 286هـ.
- غريب القرآن لأبي جعفر أحمد بن رستم الطبري المقرئ ، المتوفى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
- ضياء القلوب للمفضل بن سلمة بن عاصم الضبي الكوفي المتوفى سنة 290هـ.
- معاني القرآن لثعلب أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني المتوفى سنة 291هـ.
- سراج الهدى لإبراهيم بن محمد الشيباني المتوفى سنة 298هـ.
- معاني القرآن لابن كيسان محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الحسن المتوفى سنة 299هـ.

(1/6)


- غريب القرآن لمحمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر الإمام المفسر المؤرخ المتوفى 310هـ .
- معاني القرآن لسلمة بن عاصم أبي محمد النحوي اللغوي المتوفى سنة 310هـ.
- غريب القرآن وتفسيره لمحمد بن العباس بن محمد بن يحيى اليزيدي المتوفى سنة 310هـ.
- معاني القرآن وإعرابه للزجاج- إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق المتوفى سنة 311هـ.
- معاني القرآن لأبي بكر بن محمد بن عثمان الجعد الشيباني النحوي المتوفى حوالي 311هـ .
- معاني القرآن للأخفش الصغير أبو الحسن علي بن سليمان المتوفى سنة 315هـ.
- معاني القرآن لابن الخياط أبو بكر محمد بن أحمد بن منصور المتوفى سنة 320هـ.
- غريب القرآن لأحمد بن سهل البلخي أبو زيد - المتوفى سنة 322هـ.
- غريب القرآن لإبراهيم بن محمد بن عرفة أبو عبد الله الملقب بـ " نفطويه " المتوفى سنة 323هـ.
- معاني القرآن للخزاز - أبو الحسن عبد الله بن محمد بن سفيان النحوي المتوفى سنة 325هـ.
- معاني القرآن لابن الأنباري أبو بكر محمد بن القاسم المتوفى سنة 328هـ.
- نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن لمحمد بن عزيز العزيزي السجستاني أبو بكر المتوفى سنة 330هـ.

(1/7)


- معاني القرآن وتفسيره ومشكله لأبي الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير المتوفى سنة 334هـ.
- معاني القرآن للنحاس أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المتوفى سنة 338هـ.
- ياقوتة الصراط لأبي عمرو محمد بن عبد الواحد المعروف بالزاهد-غلام ثعلب - المتوفى سنة 345هـ.
- الرد على الفراء في المعاني لابن درستويه - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن المرزبان النحوي المتوفى سنة 347هـ.
- غريب القرآن لأحمد بن كامل بن خلف أبو بكر المتوفى سنة 350هـ.
- الإشارة في غريب القرآن لمحمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون أبو بكر النقاش المتوفى سنة 351هـ.
- الموضح في معاني القرآن لمحمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون أبو بكر النقاش المتوفى سنة 351هـ.
- رياضة الألسنة في إعراب القرآن ومعانيه لأبي بكر محمد بن عبد الله بن أشته الأصفهاني المتوفى سنة 360هـ.
- الإغفال في ما أغفله الزجاج من المعاني لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي المتوفى سنة 377هـ.
- كتاب الغريبين للهروي أبي عبيد أحمد بن محمد المتوفى سنة 401هـ.
- غريب القرآن لأبي علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي المتوفى سنة 421هـ.

(1/8)


- تفسير المشكل من غريب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437هـ.
- كتاب " القرطين " لمحمد بن أحمد بن مطرف الكناني أبو عبد الله المتوفى سنة 454هـ.
- غريب القرآن لأبي عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي المتوفى سنة 463هـ.
وبعد هذه المؤلفات في غريب القرآن ومعانيه والتي بلغت نحوا من ستين مؤلفا - يأتي كتاب المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني . والملاحظ على الكتب السابقة أنها رتبت حسب السور القرآنية باستثناء كتاب " نزهة القلوب " للسجستاني الذي رتب ترتيبا ألفبائيا معجميا وهو المنحى الذي نحاه الراغب في كتابه المفردات. وعلى الرغم من أن السجستاني قضى في تأليف كتابه نحوا من خمسة عشر عاما إلا أن الفرق بينه وبين مفردات الراغب فرق كبير ومن ثم كان الراغب معلما واضحا في سلسلة التأليف في مفردات القرآن وغريبه، وهذا ما جعل كتابه موضع ثناء العلماء وما يزال كتاب الراغب يحتفظ بألقه وبريقه على الرغم من أنه مضى على تأليفه قرابة ألف عام ولم تستطع الكتب التي جاءت من بعده أن تنتزع منه مكانته ووقوعه موقع القبول لدى عامة العلماء والمتخصصين في الدراسات القرآنية والعربية.

(1/9)


مفردات الراغب معلم بارز في معاجم المفردات القرآنية
يكاد يجمع علماء الأمة وأعلامها على أن كتاب " مفردات ألفاظ القرآن " للراغب الأصفهاني يأتي في المرتبة الأولى من الكتب الكثيرة المؤلفة في هذا الموضوع ، فليس هناك مؤلف في علوم القرآن ، أو دارس أو مفسر أو كاتب - بعد الراغب الأصفهاني - إلا ويشعر بالإجلال والإعجاب لهذا العمل العظيم الذي يعتبر بحق نقلة كبيرة في ميدانه ، ومنعطفا هاما في تاريخ معاجم المفردات القرآنية.
ومن ثم فلا بد لنا من نظرة متأنية في استكشاف مزايا هذا المعجم ، التي جعلته يحظى بالقبول - عند علماء الأمة - على اختلاف تخصصاتهم وتنوع مشاربهم - والحقيقة أن ميزات هذا الكتاب أكبر من أن يحاط بها بمثل هذا البحث الوجيز وبناء على هذا فسنحاول أن نذكر أهم هذه المزايا التي يحتملها هذا البحث ، راجين أن تسعفنا الأيام بدراسة شاملة مستوعبة يستحقها هذا الكتاب.

(1/10)


ميزات مفردات الراغب :
كشف جذر الكلمة :
والمراد به : جذر المعنى الذي تلتقي عنده جميع معانيها، وأغلب الظن أنه متأثر في هذا بما فعله ابن فارس في " معجم مقاييس اللغة " حيث يحاول ابن فارس رجع الكلمة إلى أصل واحد ما أمكنه ذلك، فإن لم يستطع رجعها إلى أصلين، فإن أعياه ذلك رجعها إلى ثلاثة أصول.

(1/11)


ففي مادة " بر" يقول الراغب : البر : خلاف البحر، وتصور منه التوسع. فاشتق منه " البر " أي: التوسع في فعل الخير .. ثم يقول : "والبر"معروف، وتسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء " وهكذا يكون " التوسع " هو الجذر الذي يجمع بين المعاني. ولا يقف الراغب عند هذا ، وإنما يحاول درك هذا في نسبة الكلمة وإضافاتها ، فيرى أن " البر " ينسب إلى الله تعالى تارة نحو { إنه هو البر الرحيم } وإلى العبد تارة ، فيقال : بر العبد ربه " أي : توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب . ومن العبد الطاعة " ، وهو يريد بذلك أن التوسع في الثواب من الله مقابل التوسع في الطاعة من العبد - فهو لايزال يلمح معنى السعة .. ثم يقول: وبر الوالدين : التوسع في الإحسان إليهما، وضده : العقوق .. إلى أن يقول : ويستعمل " البر" في الصدق لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله ، وبر في يمينه.

(1/12)


وهكذا نرى تتبعه لتصريفات الكلمة وإضافاتها وهو يلمح فيها دائما فكرة التوسع الذي هو أصل المعنى وجذره وبذلك يعطى القارئ، ما هو بحاجة إليه في فقه اللغة وأسرار الاشتقاق ، ويتدرج به صعدا في فهم العربية، والوقوف على تصاريفها ، مما يؤهله للتعامل مع سر الكلمة في الكتاب المعجز وتذوق حلاوتها وإدراك دلالاتها وإيحاءاتها.

(1/13)


تتبع المعاني المستعارة :
يبدأ الراغب عادة كلامه على المعنى الأصلي ، ثم يتتبع المعاني المستعارة منه، وهو بذلك يأخذ بيد القارئ إلى تتبع تسلسل المعاني وانتقال بعضها عن بعض، ويمكن أن نلحظ ذلك في المثال التالي:
كلمة " ريش " - يقول فيها الراغب : ريش الطائر معروف ، وقد يخص بالجناح من بين سائره ، ولكون الريش للطائر كالثياب للإنسان استعير للثياب . قال تعالى : { وريشا ولباس التقوى } وقيل: إبلا بريشها - أي ما عليها من الثياب والآلات - ورشت السهم أريشه ريشا فهو مريش : جعلت عليه الريش ، واستعير لإصلاح الأمر، فقيل: رشت فلانا فارتاش أي: حسن حاله..".

(1/14)


تحري المعاني الصحيحة:
قد يصدر عن الأنبياء بعض الأقوال التي يمكن تفسيرها على غير وجهها بما لا يتفق مع عصمة النبي ، وفي مثل هذه الحال ، يحرص الراغب على تحري معنى صحيح يليق بعصمة النبي، وقد يعرض في ذلك معاني متعددة كما في المثال التالي:
كلمة " سقم " : يقول فيها الراغب : السقم والسقم: المرض المختص بالبدن ، والمرض قد يكون في البدن وفي النفس، نحو { في قلوبهم مرض } وقوله تعالى: { إني سقيم } .
فمن التعريض أو الإشارة إلى ماض، وإما إلى مستقبل ، وإما إلى قليل مما هو موجود في الحال، إذ كان الإنسان لا ينفك من خلل يعتريه وإن كان لا يحس به..".
وهكذا يتبين لنا وجوه من المعاني الصحيحة يمكن حمل الآية على أحدها بما لا يتعارض مع عصمة النبي.

(1/15)


الكلمات الجامعة لمعنيين:
كثيرا ما نرى بعض العلماء يطلقون على بعض الكلمات أنها من الأضداد، بمعنى أنها تطلق على المعنى وضده ، كما هو الحال في كلمة "القرء" حيث تطلق على كل من الطهر والحيض، ونجد عند الراغب تعليلا لذلك حينما يقول: " والقرء - في الحقيقة : اسم للدخول في الحيض عن طهر ولما كان اسما جامعا للأمرين : الطهر والحيض المتعقب له، أطلق على كل واحد منهما، لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة: للخوان وللطعام ، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به، وليس القرء اسما للطهر مجردا ، ولا للحيض مجردا بدلالة أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات قرء ، وكذا الحائض التي استمر بها الدم لا يقال لها ذلك..".
ومثل ذلك أيضا كلمة " القرية " حيث يقول فيها الراغب : اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس وللناس جميعا ، ويستعمل في كل واحد منهما، قال تعالى: { واسأل القرية } قال كثير من المفسرين معناه: أهل القرية . وقال بعضهم بل القرية - ههنا - القوم أنفسهم.."

(1/16)


وبناء على هذا لا يحتاج إلى القول بالمجاز - على حذف المضاف - لأن المعنى الذي يراه البعض مجازا يكون حقيقيا بناء على أن القرية تطلق على المكان والسكان معا في أصل المعنى اللغوي، وتبقى القرينة هي الكفيلة بترجيح أحد المعنيين.

(1/17)


نفي معان موهومة:
ربما يخطر ببال القارئ في بعض الأحيان معان تتبادر إلى الذهن ، ويكون المعنى على غير هذا المتبادر ، وفي مثل هذه الحال يحرص الراغب على نفي تلك المعاني ويبين المعنى اللائق باللفظ، وذلك كما ورد تحت مادة " خوف " حيث ذكر فيها الراغب :
"والخوف من الله: لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكف عن المعاصي وتحري الطاعات.. والتخويف من الله تعالى : الحث على التحرز ... وقال : { وإني خفت الموالي من ورائي } [ مريم 5]. فخوفه منهم ألا يراعوا الشريعة ، ولا يحفظوا نظام الدين لا أن يرثوا ماله - كما ظنه بعض الجهلة - فالقنيات الدنيوية أخس عند الأنبياء - عليهم السلام- من أن يشفقوا عليها.."

(1/18)


تعريفات جامعة
كثيرا ما يعمد الراغب إلى التعريفات الجامعة التي تنطوي على معان متعددة، وبذلك يضم المتفرقات ويوحد بين المختلفات وذلك كما في المثالين التاليين :
قال في كلمة " أمة " :والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وهو بذلك يشمل كل أنواع الأمم سواء أكانت من البشر أم الدواب أم الطير.
وقال في كلمة " التأويل " : التأويل من الأول، أي: الرجوع إلى الأصل ، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه . ثم عرف التأويل بقوله:
" هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا . وهو بذلك يشمل معاني التأويل الثلاثة: وهي : معنى التفسير ، ومعنى : ترك المعنى الظاهر إلى غير الظاهر لقرينة ومعنى " خروج المخبر به من حيز الخبر إلى حيز الواقع إن كان خبرا ، وتحقيق في عالم الواقع إن كان طلبا ، كما يشمل تأويل القول وتأويل الفعل ، وذلك كما في قصة موسى مع الرجل الصالح حيث قال له بعد ذلك: { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } يريد بذلك تأويل الأفعال التي لم يستطع موسى أن يصبر عليها.

(1/19)


قواعد كلية :
كثيرا ما يورد الراغب أثناء شرحه لبعض الكلمات قواعد كلية استخلصها من تتبع الاستعمال القرآني للكلمة، ويمكن أن نمثل لذلك بما يلي:
كل موضع ذكر فيه لفظ " تبارك " فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات (1) .
كل موضع أثبت الله السمع للمؤمنين ، أو نفى عن الكافرين ، أو حث على تحريه ، فالقصد به إلى تصور المعنى والتفكر فيه (2) .
كل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة أو حث عليه، ذكر بلفظ الإقامة (3) .
وقد يتنازع الراغب في بعض ما أورده في هذه القواعد ، وذلك كما في المثال السابق من أن مدح فعل الصلاة لم يرد إلا بلفظ الإقامة ، وذلك أن قوله تعالى { إن الإنسان خلق هلوعا }{ إذا مسه الشر جزوعا }{ وإذا مسه الخير منوعا }{ إلا المصلين } .." هو مدح للمصلين ولم يرد بلفظ الإقامة وإن كان قوله بعد ذلك : { الذين هم على صلاتهم دائمون } يشير إلى الإقامة الفعلية ومع ذلك فهو لم يرد بلفظ الإقامة " كما قصد الراغب .
_________
(1) المفردات : 120 .
(2) المفردات : 426 .
(3) المفردات : 491 .

(1/20)


قواعد أكثرية :
وفي بعض الأحيان ينص الراغب على بعض القواعد بأنها الأكثر في الاستعمال لينفي عنها صفة الكلية، وذلك كما في الأمثلة التالية:
أكثر ما يستعمل " السعي" في الأحوال المحمودة.
أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب والمد في المكروه .
أكثر ما تستعمل الشفاعة في القرآن في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى.
أكثر ما ورد " الخوض " في القرآن فيما يذم الشروع فيه.

(1/21)


ردود وانتقادات :
كثيرا ما ينقل الراغب أقوال السلف . وهو يحاول - غالبا الجمع بينها باعتبارات متعددة ، باحثا لها عن تعليل مقبول ولكنه أحيانا أخرى يقف من بعض الأقوال موقف الناقد البصير المبين لضعفها وتهافتها ، كما يرجح في بعض الأحيان قولا على قول ، كل ذلك بالدليل والبرهان ، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك :

(1/22)


في مادة " جبر " يقول الراغب "... فأما في وصفه تعالى نحو { العزيز الجبار المتكبر } فقد قيل سمي بذلك من قولهم " جبرت الفقير" لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه ، وقيل : لأنه يجبر الناس، أي: يقهرهم على ما يريده، ودفع بعض أهل اللغة ذلك - يريد ابن قتيبة - من حيث اللفظ - فقال لا يقال: من " أفعلت" فعال ، فجبار لا يبنى من " أجبرت" فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ " الجبر" المروي في قوله :" لا جبر ولا تفويض" لا من لفظ الإجبار. وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالى الله عن ذلك وليس ذلك بمنكر فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية ، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث ، وسخر كلا منهم لصناعة يتعاطاها ، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها..".

(1/23)


في مادة " ختم " أورد قوله { ختم الله على قلوبهم } وأمثالها من الآيات ثم قال : قال الجبائي : يجعل الله ختما على قلوب الكفار ، ليكون دلالة للملائكة على كفرهم فلا يدعون لهم، وليس ذلك بشيء ، فإن هذه الكتابة إن كانت محسوسة فمن حقها أن يدركها أصحاب التشريح، وإن كانت معقولة غير محسوسة ، فالملائكة باطلاعهم على اعتقاداتهم مستغنية عن الاستدلال.."
وهكذا يناقش القول على الاحتمالين ليبين ضعفه وعدم صحته.

(1/24)


من كتاب الذريعة:
تحدث الراغب في كتابه " الذريعة " عن منازل العقل واختلاف أسمائها بحسبها.وفي ذلك يقول:
العقل : اسم لما يكون بالقوة وبالفعل، ولما يكون غريزيا ومكتسبا . وهو في اللغة عبارة عن قيد البعير لئلا يند وسمي هذا الجوهر به تشبيها على عادتهم في استعادة أسماء المحسوسات للمعقولات .. لكن يتصور منه كونه سببا لتقييد الإنسان به ، وكونه مقيدا له عن تعاطي ما لا يجمل، وكونه مقيدا به من بين الحيوان.
والنهى : في الأصل جمع " نهية" .. وجعل اسما للعقل الذي انتهى من المحسوسات إلى معرفة ما فيه من المعقولات ، ولهذا أحيل أربابه على تدبر معاني المحسوسات في نحو قوله تعالى { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى } وقال { وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى }{ كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى } .

(1/25)


والحجر : أصله من الحجر ، أي : المنع ، وهذا اسم لم يلزمه الإنسان من حظر الشرع والدخول في أحكامه ، وعلى ذلك قوله تعالى { هل في ذلك قسم لذي حجر } .
والحجا : وسمي حجا . من حجاه : أي : قطعه ومنه الأحجية ، فكأنه سمي بذلك لكونه قاطعا للإنسان عما يقبح.
وأما اللب : فهو الذي قد خلص من عوارض الشبه، وترشح لاستفادة الحقائق من دون الفزع إلى الحواس. ولذلك علق الله تعالى في كل موضع ذكره بحقائق المعقولات دون الأمور المحسوسة، نحو قوله تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } فوصفهم بهداية الله إياهم.
وهكذا نرى اختلاف أسماء العقل باختلاف منازله، وارتباط ذلك كله بمعان دقيقة دل عليها التدبر الواعي للآيات التي وردت فيها الأسماء المتعددة ، مما يجعل كلا منها مختصا بمعنى دون غيره.

(1/26)


من تفسيره المخطوط:
عند تفسيره لقوله تعالى { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } .. " يقول الراغب :
" الخضوع والخشوع " و " الخنوع " و " السجود " و " الركوع" : تتقارب وبينها فروق:
فالخضوع : ضراعة بالقلب و" الخشوع" : بالجوارح ، ولذلك قيل: "إذا تواضع القلب خشعت الجوارح" وقال تعالى : { وخشعت الأصوات } .
و " الخنوع " : ضراعة لمن دونه، طمعا لعرض في يده .ولذلك أكثر ما يجيء في الذم.
و" الركوع": تذلل مع التطأطؤ" و " السجود" مع خفض الرأس...".
وهكذا يبدأ تفسير الآية ببيان الفروق بين ما يظن أنه من قبيل الترادف على المعنى الواحد ، فيبين اختصاص كل كلمة بمعنى تفترق به عن غيرها، وإن كانت هذه الكلمات كلها تشترك في جزء من المعنى أيضا، وهو ما عبر عنه بالتقارب.
وعند قوله تعالى { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
يقول الراغب : " المجيء " و " الإتيان " و" الإقبال" متقاربة:

(1/27)


غير أن " المجيء " عام و " الإقبال " مجيء من ناحية القبل و " الإتيان " : مجيء من بعد ، ومنه قيل"الأتي" : للغريب وللسيل الجائي من بعيد و " آتيته " أي: أعطيته ، منقول عن أتيته وأتوته، وهما لغتان .
ثم يقول الراغب :
و " الإتباع " و " الإتلاء " و " الاحتذاء" و " الاقتداء" تتقارب:
فالإتلاء: مجيء بعد آخر بلا فاصل بينهما من جنسهما.
والاحتذاء: منقول من حذو النعل بالنعل.
والاقتداء : اتباع على قدر، أي: على قدر المتبع بلا تجاوز ولا تأخر.
والاتباع: عام في كل ذلك . ومنه قيل لـ " الرعية" : أتباع . وسمي العجل التابع لأمه تبيعا.
ثم يقول الراغب : و "الخوف" و "الفزع" و "الحذر" و "الرهبة" و "الهيبة" و "الخشية" و " الوجل" و " الشفقة" تتقارب :
فالخوف : توقع مكروه عن أمارة، وذلك للمذنب . ولهذا قال أمير المؤمنين : لا يخافن امرؤ إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه.
والفزع : اضطراب عن وهم كمن سمع هدة فاضطرب . والحذر : خوف مع احتراز . والرهبة : خوف مع اضطراب واحتراز . والهيبة : رهبة مع استشعار تعظيم والشفقة : خوف مع محبة.
ولذلك قيل: الخوف والحذر للمذنب . والرهبة للعابد والخشية للعالم ، والهيبة للعارف...

(1/28)


وهكذا نرى مدى اهتمام الراغب في بيان الفروق في تفسيره بين ما يظن أنه من المترادف، وأنه إذا انتهى من كلمة في بيان فروق مترادفاتها ، انتقل إلى كلمة أخرى لبيان الفروق بين مترادفاتها. والراغب بصنيعه هذا متميز عن كل من تقدمه ومن جاء بعده وهو بذلك يقدم لنا ثروة هائلة في هذا الجانب، كنا نتمنى لو أن الكتاب الذي كان سيتبع به كتاب " المفردات " قد وصل إلينا ، إذن لوصلنا خير كثير، وعلى كل حال فما وصلنا في تفسيره يعطينا فكرة عظيمة عن اهتمامه بهذا الجانب الذي يجعل فهمنا للغة أدق ، وهو بذلك يرشحنا لإدراك أسرار التعبير في الكتاب المعجز ، ويجعلنا قادرين على تذوق بلاغته وسحر بيانه ، واكتشاف ما انطوت عليه حروفه وكلماته من خبيء المعاني ومكنونات المعارف والعلوم .

(1/29)


الطبعات المعتمدة في الموازنة:
مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني - الطبعة الثانية 1418هـ - 1997م وقد صدرت عن دار القلم بدمشق ، والدار الشامية ببيروت بتحقيق صفوان عدنان داودي . وهي أحسن طبعات الكتاب ، وقد أوجز المحقق في مقدمة نقده للطبعات السابقة وما انطوت عليه من أخطاء وتصحيفات وتحريفات ، ونقص في الأبواب والآيات والأشعار.
أما ميزة هذه الطبعة فقد قدم المحقق بين يديها دراسة عن المؤلف وحياته ، وكتابه ، وقال في ذلك : " وأتينا بحمد الله بما لم يأت به أحد قبلنا فيما يتعلق بالمؤلف وترجمته. ثم تحدث عن ضبط النص ومقابلته على عدة نسخ وتخريج الآيات والأحاديث والقراءات ونسبة الأشعار وضبط الأمثال والترجمة المختصرة للأعلام وعمل الفهارس العلمية للكتاب وهو جهد مشكور بلا شك وعمل مبرور قامت به دار القلم ؛ إذ قدمت هذا الكتاب النفيس في طبقة أنيفة مخدومة تليق بهذا الكتاب العظيم ولكن مع كل هذا الجهد المشار إليه فقد وقعت بعض الأخطاء العلمية وسنشير فيما يلي إلى أهمها:

(1/30)


صفحة (2) رقم 2 تحت عنوان " مؤلفاته " تفسير القرآن الكريم وبعضهم يسميه " جامع التفاسير " وهو خطأ وإنما اسمه " جامع التفسير" وفرق واضح بين الاسمين وقد ذكره الراغب نفسه في كتابه : " حل متشابهات القرآن" عند كلامه على سورة الكافرون ، فقال : إنا قد أجبنا في " جامع التفسير" عن ذلك بأجوبة كثيرة" ويبدو أن المحقق قد تابع في هذا الدكتور الساريسي الذي نسب " حل متشابهات القرآن" والذي هو نسخة من كتاب " درة التنزيل وغرة التأويل" إلى الراغب الأصفهاني . وقد بينا خطأ هذه النسبة في بحث نشرناه في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويتية في العدد الخامس عشر - السنة السادسة - جمادى الأول 1410هـ الموافق ديسمبر 1989م. وقد أكد المحقق قوله السابق في الصفحة 4 / 0 وهذا الخطأ في نسبة الكتاب إلى الراغب ترتب عليه إضافة عدة كتب إلى الراغب ..وهي" احتجاج القراء " و " المعاني الأكبر" وذلك لأن هذه الكتب مذكورة في مقدمة " درة التأويل" وفي صفحة (6) ينقل المحقق عن حاجي خليفة أن الإمام الغزالي كان يستصحب كتاب " الذريعة" دائما ويستحسنه لنفاسته " ويعقب المحقق على ذلك بقوله : وللغزالي أيضا كتاب اسم " الذريعة إلى مكارم

(1/31)


الشريعة" ولعله تأثر بكتاب الراغب فسماه باسمه، أو لعل المراد أن الغزالي يستصحب كتابه هذا معه في الأسفار ، أو هو كتاب الراغب نفسه، ولكثرة ملازمته له ظن أنه للغزالي ، والصواب الذي لايحتمل الخطأ أن الكتاب هو كتاب الراغب وأن الغزالي يستصحبه في الأسفار لنفاسته عنده. وكذلك أخطأ المحقق في صفحة 23 - 24 في ما ذكره عن المحنة في حياة الراغب ، لأن ذلك ناتج عن نسبة كتاب " درة التنزيل " إلى الراغب ولم يصح ذلك ولا يعول عليه.

(1/32)


عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي - الطبعة الأولى - وقد صدرت عن عالم الكتب في بيروت بتحقيق الدكتور محمد التونجي عام 1414هـ - 1993م في أربعة مجلدات.
وقد قدم المحقق ترجمة للسمين الحلبي ، وذكر مؤلفاته ، وتحدث عن الكتاب "عمدة الحفاظ" : مضمونه ومنهجه، وأشار إلى مكانته بين الكتب الأخرى ، وأوضح أن السمين اعتمد كتاب " المفردات " للراغب اعتمادا يكاد يكون كليا فقد ابتلعه وهضمه وصب نسفه بين ثنايا كتابه وما ترك لفظة تقريبا إلا نقلها أوعلق عليها، ممايدل على أن كتاب " المفردات كان في متناول يده مباشرة حين ألف عمدة الحفاظ" .. ثم تحدث عن النسخ الخطية للكتاب.
وبعد ذلك تحدث عن منهجه في التحقيق والمقابلة بين النسخ والرجوع إلى مؤلفاته الأخر والمصادر التي تفيد في التحقيق من كتب اللغة والنحو، كما أضاف من التعليقات ما يخدم النص ويوضحه، وضبط النص ضبطا سليما.. وخصص نصف المجلد الرابع للفهارس العلمية التي رآها ضرورية كفهارس الأعلام والأشعار، ولم ير حاجة إلى فهرس للآيات أو الحديث لأنها كثيرة جدا .. كما يقول.

(1/33)


وعلى الرغم مما قاله المحقق من خدمة للكتاب، وجهده في محاولة إخراجه على الصورة المرضية، فإن هناك ملاحظات حقيقية على هذا العمل ، واكتفي في هذه العجالة بملاحظتين هامتين:
الملاحظة الأولى : ضبطه للنص ضبطا سليما - كما أشار إلى ذلك فيما سبق - والحقيقة أن النص يفتقر إلى هذا الضبط السليم ، فقد كثرت الأخطاء العلمية في قراءة النص، وكثيرا ما شوهته وحرفت معانيه وسأكتفي من ذلك ببعض النماذج التي لا تغتقر.

(1/34)


صفحة / 51 / من الجزء الأول / مادة " ا ب ل " - المقطع الثاني: " وحكى الرؤاسي ، وكان ثقة، أنه سمع "إبالة" مثقلا ، وحكى الفراء : " إبالة " مخففا - قال : وسمعت بعض العرب يقول: ضغث على إبالة " أي : حطب على حطب وهو مشكل من حيث ظهور الياءين في الجمع، ولو كان مخففا لم ترد في الجمع ياءين.." والملاحظ على هذا النص أن ما حكاه الفراء من سماعه لبعض العرب إنما جاء به حجة على التخفيف ، ولكن المحقق يضبطه بالتشديد. ثم قوله بعد ذلك " وهو مشكل من حيث ظهور الياءين في الجمع" خطأ واضح والصواب: من حيث ظهور الباءين في الجمع - وليس الياءين - لأنه إذا كان مخففا لا يمكن أن يكون في الجمع بباءين يريد بذلك كلمة { أبابيل } التي ظهر فيها الباءان . ثم يؤكد هذا المعنى بقوله : و "لو كان مخففا لم ترد في الجمع باءين "ولكن المحقق أخطأ أيضا في الجملة الثانية حين قرأها:" لم ترد في الجمع ياءين " بدلا من باءين - ومثل هذا التكرار ينفي الخطأ المطبعي .

(1/35)


صفحة / 54 / مادة "ا ب و " المقطع الثالث - يقول في كلمة " أب " وقد تشدد باؤه كما تقدم ، ويكسر على آباء ويصحح على" أبون " و " أبين " قال : وأشبه فعله فعل الأنبياء . وقرئ "وإله أبيك إبراهيم " ويبدو أن المحقق لم يحسن قراءة النص ولا فهمه، فقد وضع رقم (5) على كلمة "الأنبياء" وفي الحاشية قال: يبدو أن الجملة متقدمة ومحلها بعد آية . كما وضع رقم (6) على كلمة " الآية " وقال في حاشية رقم (6) : علق مختار في الهامش فقال: " يريد جمع أب أي أبينك فحذف النون للإضافة " ويبدو أيضا أنه لم يفهم هذا التعليق. أما صواب القراءة فهو كما يلي: وأشبه فعله فعل الأبينا" وليس الأنبياء والمعنى وأشبه فعل هذا الفاعل فعل آبائه . فالأبين جمع " أب" وليست الكلمة " الأنبياء " كما جاءت في أصل النص. وكذلك قوله في الآية : "وإله أبيك إبراهيم " فـ "أبيك" في الآية - على هذه القراءة - أصلها : " أبينك " جمع أب فحذفت النون من " أبينك" للإضافة فصارت " أبيك" وقوله فيما سبق: "يبدو أن الجملة متقدمة ومحلها بعد آية" يريد بعد آية " وإله أبيك إبراهيم " لأنه قرأ الكلمة الأولى " الأنبياء" ولم يذكر في الآية إلا إبراهيم النبي، فظن أن هناك

(1/36)


ارتباطا بين الأنبياء وإبراهيم - وهو خطأ فاضح في أمر واضح.
ومثل هذه الأخطاء ولا شك، لا تخدم الكتاب، وإنما تحط من قيمته، وهي ليست بالقليلة، والأمر لا يحتمل التوسع - ففي ما ذكر دلالة على ما لم يذكر.
وأما الملاحظة الثانية: فهي إغفاله لفهرس الآيات والأحاديث بحجة أن النصوص كثيرة وهذا أدعى لعمل الفهارس وليس عذرا مقبولا .

(1/37)


بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي - طبعة المكتبة العلمية - بيروت لبنان - بتحقيق الأستاذ محمد علي النجار - وبدون تاريخ - خمس مجلدات.
والحديث عن المفردات القرآنية جاء ابتداء من المجلد الثاني وانتهى بنهاية المجلد الخامس، أما المجلد الأول فكان تعريفا عاما بالسور القرآنية وما يتصل بما فيها من مقاصد وناسخ ومنسوخ وأشباه ذلك.
وأما المجلد السادس فقد خصصه للحديث عن الأنبياء والفهارس الفنية التي شملت فهرسا للمواد اللغوية، وفهرسا للألفاظ النحوية، وآخر للأحاديث ، وفهرسا للأمثال، وللحكم وبديع الكلام، وللشعر وأنصاف الأبيات والرجز . وأتبع ذلك بفهرس للأعلام ، والفرق والمذاهب والطوائف والقبائل والعشائر والأمم والبلاد والأمكنة ونحوها والكتب الواردة في متن الكتاب ومراجع التحقيق.
وقد قدم المحقق ترجمة للمؤلف تحدث فيها عن حياته وآثاره ورحلاته، ومذهبه الفقهي وتصوفه، كما تكلم عن منهجه في كتابه ، والأصول الخطية التي اعتمد عليها كما ذكر عمله في التحقيق وأن النسخ التي اعتمد عليها فيها كثير من التحريف ، فقدم النص ورد المحرف إلى أصله بقدر استطاعته.

(1/38)


مفردات القرآن للفراهي الهندي - طبع بمطبعة إصلاح في الهند عام 1358 باعتناء عبد الأحد الإصلاحي . وهي الطبعة الوحيدة من الكتاب وهي طبعة حجرية كتبت بالخط الفارسي وقد تحدث المؤلف في بدايته عن " روابط الكتب الخمسة" وهي " كتاب المفردات" وكتاب " أصول التأويل" و" تاريخ القرآن" و" دلائل النظام" وكتاب" أساليب القرآن" .. والكتاب لم يذكر فيه المؤلف من الألفاظ إلا ما يقتضي بيانا وإيضاحا : إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه.. وأما عامة الكلمات فلم يتعرض لها، وكتب اللغة والأدب كفيلة بها ومع ذلك تجد هذا الكتاب إن شاء الله محتويا جل ما يقتضي الشرح من ألفاظ القرآن".

(1/39)


معجم ألفاظ القرآن لمجمع اللغة العربية بالقاهرة : الطبعة الرابعة - ج1 / 1409هـ - 1989م -ج / 2 / 1410هـ - 1990م. وقد وصفت الطبعة بأنها منقحة ، وجاء في أولها تصدير الطبعة الثانية بقلم رئيس المجمع إبراهيم مدكور ثم أتبع التصدير بورقة عمل مقترحة في عرض المادة، وفي منهج العرض والتنسيق، ثم مقدمة أخرى عن معجم ألفاظ القرآن الكريم بين المعاجم وكتب التفسير واللغة، وقد تحدث فيها عن كتب الغريب وفكرة هذا المعجم والمراحل التي مرت بها ، واللجان التي شكلت من أجله ، والمراجعات والتدقيقات ، التي قام بها أساتذة معجميون كبار وعلماء أفذاذ كما عرض مقارنة لخمسة من الكتب المطبوعة في قوله تعالى: { وأزلفنا ثم الآخرين } وانتهى إلى تفضيل ما جاء في هذا المعجم.

(1/40)


والملاحظة الأولى على هذا المعجم الذي أحيط بهالة كبيرة أنه ربما يلبي حاجة العوام، وحاجة عوام العلماء نظرا لاختصاره الشديد في شرح المادة ، وعدم العناية بالأصل الاشتقاقي للكلمة، ومن ثم لا يتساوى ما انتهى إليه مع ذلك الجهد الذي بذل في إعداده . بل إنني أرى أن أي معجم من المعاجم القديمة يفضل هذا المعجم من نواح كثيرة باستثناء ترتيب مواده على طريقة المعاجم الحديثة التي تيسر الرجوع إلى الكتاب - ولعلها الميزة الوحيدة.

(1/41)


موازنات بين مقدمات الكتب الخمسة :
أشار الراغب في مقدمة مفرداته إلى أن تحقيق الألفاظ المفردة للقرآن من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه وأنه نافع في كل علم من علوم الشرع ذلك أن ألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته ، وواسطته وكرائمه ، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم.. ثم يقول : وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوف فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد والإشارة فيه إلى المناسبات بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على " الرسالة " التي عملتها مختصة بهذا الباب.. ثم يقول: وأتبع هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل - بكتاب يبنئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة.

(1/42)


أما السمين الحلبي فقد ذكر في مقدمة كتابه أن علوم القرآن جمة، ومن جملتها مدلولات ألفاظه الشريفة، ومعرفة معانيه اللطيفة .. ثم أشار إلى بعض كتب المتقدمين وأنهم لم يتموا المقصود لاختصار عباراتهم ، وإيجاز إشاراتهم على أن الراغب - رحمه الله - قد وسع مجاله، وبسط مقاله بالنسبة إلى من تقدمه.. غير أن رحمه الله تعالى قد أغفل في كتابه ألفاظا كثيرة .. مع شدة الحاجة إلى معرفتها.. مع ذكره مواد لم ترد في القرآن أو وردت في قراءة شاذة.. ثم يقول: فلما رأيت الأمر على ما وصف ، والحال كما عرف ، ورأيت بعض المفسرين قد يفسر اللفظة بما جعلت كناية عنه.استخرت الله القوي في أن أحذو حذو القوم .. فأذكر المادة كما ستعرف ترتيبه - مفسرا معناها، وإن عثرت على شاهد من نظم ونثر أتيت به تكميلا للفائدة .. ورتبت هذا الموضوع على حروف المعجم..
وأما الفيروزآبادي فقد قال في مقدمة كتابه " المقصد الأول في لطائف تفسير القرآن العظيم":
"اعلم أنا رتبنا هذا المقصد الشريف على أعزب أسلوب ، وقدمنا أمامه مقدمات ومواقف.
أما المقدمات ففي ذكر فضل القرآن ووجه إعجازه وعد أسمائه...

(1/43)


ثم أذكر موقفا يشتمل على تسعة وعشرين بابا على عدد حروف الهجاء، ثم أذكر من كلمات القرآن ما أوله حرف ذلك الباب..
وأما الفراهي الهندي فقد قال في مقدمة كتابه : " فهذا كتاب في مفردات القرآن جعلته مما تخول إليه في كتاب "نظام القرآن " لكيلا نحتاج إلى تكرار بحث المفردات إلا في مواضع يسيرة يكون الصحيح غير المشهور ، فنذكر بقدر ما تطمئن به القلوب السليمة.. فإن الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة فيبعد عن التأويل الصحيح، أو في بعض وجوهها فيغلق باب معرفة النظم.
ثم ذكر مقدمات أخرى تكلم فيها عن مقصد الكتاب وحاجتنا إليه، وأن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع .. فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر ، وأشكل عليه فهم الجملة وخفي عنه نظم الآيات والسورة.. وربما كان الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها.. مثل لفظ القسم وأدواته .. وكتب اللغة والغريب لا تعطيك حدود الكلمات حدا تاما.
والمقدمة الثانية جعلها للأصول اللسانية تحدث فيها عن تقسيم مواضع الوهم من الكلمة والكلام...

(1/44)


والمقدمة الثالثة في كون القرآن خاليا عن الغريب.. ذلك أن التسمية بالغريب إنما تصح بالنسبة إلى المعجم ومن قل علمه بالعربية ثم تحدث في مقدمته عن ألفاظ القرآن ، والعام والخاص، والحروف المقطعات.

(1/45)


ومن خلال النظر في المقدمات السابقة نخرج بالنتائج التالية:
-أكدت كل المقدمات أهمية معرفة ألفاظ القرآن ومفرداته باعتبارها الخطوة الأولى لفهم القرآن وتفسيره.
أكدت مقدمة الراغب الإشارة إلى المناسبات بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات، كما أشارت إلى أهمية ما بين المترادفات من فروق.
أكدت مقدمة السمين قيمة مفردات الراغب وتميزها عن كل ما سبقها، وإن كان أخذ على الراغب إغفاله لعدد من المفردات القرآنية مع شدة الحاجة إليها، كما أكدت على حرص السمين على ذكر الشواهد من النظم والنثر .
لم يذكر الفيروزآبادي في مقدمة حديثه عن المفردات القرآنية أية ملاحظات.
أما الفراهي الهندي فقد جاءت مقدماته طويلة - على الرغم من قلة المفردات التي درسها - وذلك لأنه أراد أن يضع أصولا لفهم المفردات ، وبخاصة تلك التي أحاط بها الغموض ، ولقد قدم بالفعل تصورا واضحا من خلال الأصول التي وضعها والمفردات التي عالجها، بحيث يمكن النسج على المنوال الذي سار عليه فيما لم يذكره من الكلمات التي تحتاج إلى مزيد من الدرس والفهم ، ويمكننا تلخيص تلك الأصول في النقاط التالية وذلك لأهميتها:

(1/46)


لم يورد في كتابه إلا ما يقتضي بيانا وإيضاحا: إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه فإن الخطأ ربما يقع في معنى الكلمة نفسه، فيبعد عن التأويل الصحيح، أو في بعض وجوهها فيغلق باب معرفة النظم.
معرفة الألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام ، وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع .
من لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر، وأشكل عليه فهم الجملة وخفي عنه نظم الآيات والسورة.
سوء فهم معنى الكلمة يؤدي إلى إساءة فهم الكلام وما يدل عليه من العلوم والحكم . وربما يؤدي الخطأ في معنى كلمة واحدة إلى الخطأ في تأويل السورة بأسرها.
كتب اللغة والغريب لا تعطيك حدود الكلمات حدا تاما ، وكتب السير والتفسير لا تبين لك بالتمام والصحة أمورا جاء ذكرها في القرآن، وكتب العلوم الأخر من العقليات والأخلاق لاتعطيك ما تضمن عليه القرآن من الحكم والأسرار... ومن أراد التأمل الصحيح والتدبر التام وجب عليه أن لا يغفل عن النقد فيما يأخذه من هذه العلوم. ومن يتمسك بالقرآن وينور الله عقله يطلع على أغلاط كثيرة في كتب القوم .

(1/47)


مواضع الوهم من الكلمة والكلام:
الكلمة المشكلة على غير العرب والعارف بلغتهم وهي نوعان:
الأول : ما لم يتبين لهم معناه ، فأخطأوا أصل الأمر.
والثاني: ما لم تتبين لهم الأمور المتعلقة بها من الأحوال الصحيحة، فصارت الكلمة غير دالة على ما أريد منها.
أمر الكلمة المشتركة بين معنيين أو أكثر لا يهتدى إلى المعنى المراد في موضع خاص إلا بسياق الكلام .
اللفظ المشترك نوعان : نوع لا جامع بين معانيه . أو جامع ذهل عنه:
فإن لم يذهل عنه فالكلمة جامعة المعاني: فربما يكون المراد بها معناها الوسيع الجامع . وربما يراد بها طرف خاص من غير نظر إلى المعنى الجامع فحينئذ تكون حاله حال الكلمة المشتركة والدليل ليس إلا مراعاة موقع الكلمة وجهة رباطها - مثل كلمة "آية".
ثم الكلمة المرادفة لغيرها وهي قسمان: المطابق لمرادفه من جميع الوجوه - وهذا قليل جدا - والثاني : ما يوافقها من بعض الوجوه وهذا كثير جدا - وفيه معظم الوهم - وكثيرا ما يكون بين المترادفين فروق لطيفة لايفطن لها إلا الممارس باللسان ، فيؤدي ذلك إلى الالتباس في بعض معاني الكلام.

(1/48)


من الألفاظ ما غيروا معناه لخطأ في الرأي مثل كلمة " الذكر" و" الحكمة" حيث قال بعض المحدثين : إن الذكر هو الحديث كما قال بعض الشيعة: إن الذكر هو : النبي وأرادوا بذلك تأويل آية { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (الحجر 9 ). حسب - رأيهم.
إذا اشتبه المعنى ، فطريق التوضيح استعمال اللفظ، كما فعلنا بلفظ " عصر" و " آلاء" والنظر في أصله واستعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسيريانية.
ربما يراد من اللفظ معنى أعم مما يستعمل فيه عادة ويسمونه " التجريد وربما يراد منه معنى أخص مما تستعمل فيه عادة أما الأول فقوله تعالى : { ولما سكت عن موسى الغضب } (الأعراف: 154) أي: هدأ وسكن .
وأما معجم ألفاظ القرآن الكريم الذي أصدره مجمع اللغة العربية، فلم يعتمد أصولا معينة متفقا عليها، وذلك ظاهر من مقدمة الكتاب حيث كانت تعرض خطط وتقدم اقتراحات، ثم لا يوافق عليها، ويتم تجاوزها، ومن ثم فلا نستطيع أن نقول إن هناك خطة محكمة قامت عليها دراسة المفردات في هذا المعجم.

(1/49)


ومن كل ما سبق نستطيع أن نقرر بأن ما جاء في مقدمة الراغب وما جاء عند الفراهي في مقدماته هو الأغنى من كل تلك الكتب التي تحدثنا عنها.

(1/50)


موازنة بين المعاجم الخمسة في دراسة بعض المفردات :
كلمة آلاء :
قال الراغب : { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه - الواحد ، ألا و " إلى " نحو " أنى " و " إنى" لواحد الآناء .وقال بعضهم في قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة }{ إلى ربها ناظرة } (القيامة: 22-23) إن معناه : إلى نعمة ربها منتظرة . وفي هذا تعسف من حيث البلاغة.
وقال السمين : والآلاء : النعم.واحدها:إلى"كمعى "و" ألى " كـ " رحى" و " إلى" كهجر و " إلي" كفلس قال تعالى : { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه الظاهرة والباطنة وإليه الإشارة بقوله:" { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } - قرئ بالإفراد والجمع - وقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان } معناه : أن كل نعمة من نعمه وإن قلت بالنسبة إلى فضله العميم فلا ينبغي أن تكفر بل تشكر.. ثم نقل ما أورده الراغب في { وجوه يومئذ ناضرة } .
وأما الفيروزآبادي فلم يذكر الكلمة أصلا .

(1/51)


وأما الفراهي فقد قال : أجمعوا أن معناه: النعم . ولكن القرآن وأشعار العرب يأباه والظاهر أن معناه : الفعال العجيبة - فارسيته : كرشمة - ولما كان غلب فعاله تعالى " الرحمة" طنوا أن الآلاء هي النعم . والرواية عن ابن عباس - رضي الله عنه - حملتهم على هذا، ولكن السلف إذا سئلوا أجابوا حسب السؤال ، والمراد المخصوص في الموضع المسؤول عنه . وهذا الظن فتح لهم نفذا إلى تبديل معنى " إلى " في قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة }{ إلى ربها ناظرة } فقالوا : إن " إلى " واحد " الآلاء" وليس في كلام العرب له مثال ولكنهم زعموا أن الأعمش (1) أراد هذا في قوله:
أبيض لايرهب الهزال ... ولا يقطع رحما ولا يخون إلا
قال ابن دريد : وقد خففت العرب " الأل ".
أما القرآن:فقوله تعالى { فبأي آلاء ربك تتمارى }{ هذا نذير من النذر الأولى } (النجم 55-56) بعد ذكر هلاك الأقوام - وهكذا في سورة الرحمن.
وأما كلام العرب :
فقال طرفة (2) :
كامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد سادات خضم
وقالت مية (3) بنت ضرار ترثي أخاها:
كريم ثناه وآلاؤه ... وكافي العشيرة ما غالها
_________
(1) ديوان الأعمش : 175 - بتحقيق كامل سليمان .
(2) ديوان طرفه بشرح الشنتمري : 110 .
(3) شاعرات العرب : ص 400 ، جمع عبد البديع صقر.

(1/52)


وقال المهلهل أخو كليب يرثي أخاه كليبا :
الحزم والعزم كانا من طبائعه ... ما كل آلائه يا قوم أحصيها
وقال ربيعة (1) بن مقروم أحد بني غيظ بن السيد:
ولولا فوارسنا ما دعت ... بذات السليم تميم تميما
وما إن لأوئبها أن أعد ... مآثر قومي ولا أن ألوما
ولكن أذكر آلاءنا ... حديثا وما كان منا قديما
معنى " لأوئبها : لأخزيها والضمير يعود على تميم .
وقال الأجدع الهمداني :
ورضيت آلاء الكميت فمن ... يبع (2) فرسا فليس جوادنا بمباع
قال الجوهري في هذا الشعر: آلاؤه : خصاله الجميلة ولكنه لم يثبت على هذا المعنى الذي هو أصله فقال في مادة " الآلاء" :والآلاء : النعم، واحدها: ألى " بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء، مثل معى وأمعاء. فاتبع ما فهم المفسرون عن ابن عباس رضي الله عنه.
وقال فضالة بن زيد العدواني - وهو من المعمرين :
وفي الفقر ذل للرقاب وقل ما ... رأيت فقيرا غير نكس مذمم
يلام وإن كان الصواب بكفه ... ويحمد آلاء البخيل المدرهم
أي: يحمدون صفات البخيل وفعاله ، وهذا البيت أوضح دلالة مما ذكرنا قبله على معنى الآلاء وقال الحماسي (3) في المراثي- ولم يسمه أبو تمام :
_________
(1) شرح المفضليات للتبريزي : 2 / 681-682.
(2) قال الفراء : تقول : أبعت الخيل: إذا أردت أنك أمسكتها للتجارة والبيع. فإن أردت أنك أخرجتها من يدك . قلت: بعتها : والبيت في أدب الكاتب : 1 / 343 وإصلاح المنطق: 1 / 235.
(3) الحماسة : 1 / 383.

(1/53)


إذا ما امرؤ أثنى بآلاء ميت ... فلا يبعد الله الوليد بن أدهما
فما كان مفراحا إذا الخير مسه ... ولا كان منانا إذا هو أنعما
ففسر ما أراد من الآلاء ، بذكر أنه لم يكن مفراحا إذا مسه الخير، ولا منانا إذا أنعم .
وقالت الخنساء :
فنبكي أخاك لآلائه ... إذا المجد ضيعه السائسونا
أما معجم المجمع فقد قال : آلاء : نعم .
وبالموازنة بين الأقوال السابقة يتبين ما يلي:
- الاختصار في قول الراغب ورده على المعتزلة بقوله : وهذا تعسف من حيث البلاغة .
- الزيادة التي أضافها السمين لم تكن إلا في ذكر بعض الآيات التي لم يذكرها الراغب .
- وأما الفيروزآبادي فلم يذكر الكلمة أصلا.
وكذلك معجم المجمع لم يذكر إلا كلمة واحدة وهي " نعم ".

(1/54)


- أما التحقيق والتأصيل والتدقيق فهو ما لجأ إليه الفراهي ولا بد أن الذي دفع الفراهي إلى هذه الدراسة شعوره بأن المعنى المعروف ليس دقيقا ، وبخاصة حينما ينظر إليه في تفسير الآية القرآنية كما في قوله تعالى في سورة " الرحمن" : { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران }{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } (الرحمن:35-36) فأين النعمة في إرسال الشواظ من النار؟ وهذا ما اضطر كثيرا من المفسرين إلى التعسف في التأويل ، ومن ثم كان التحقيق بالرجوع إلى الشعر الجاهلي لاستنقاذ أصل المعنى بعد أن كاد ينسى.

(1/55)


كلمة درس :
- قال الراغب : درس الدار : معناه : بقي أثرها وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه، فلذلك فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس، قال تعالى { ودرسوا ما فيه } وقال: { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } و { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } وقوله تعالى { وليقولوا درست } وقرئ " دارست" أي : جاريت أهل الكتاب وقيل { ودرسوا ما فيه } تركوا العمل به ، من قولهم : درس القوم المكان، أي: أبلوا أثره" ودرست المرأة كناية عن حاضت. ودرس البعير: صار فيه أثر جرب.
- أما السمين ، فلم يذكر الكلمة أصلا .

(1/56)


- وأما الفيروزآبادي فيقول: درس الشيء : معناه بقي أثره ، ومنه درس الكتاب ، ودرست العلم أي: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القرآن عبر عن إقامة القرآن بالدرس، وقوله تعالى { وليقولوا درست } أي : جاريت أهل الكتاب في القراءة وقيل: درسوا ما فيه أي: تركوا العمل به، من قولهم : درس القوم المكان أي: أبلوا أثره ودرست المرأة : كناية عن حاضت، ودرس البعير : صار فيه أثر الجرب.
- أما معجم المجمع فقد جاء فيه: درست : كررت القراءة لتحفظ { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست } .
درسوا : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه } (الأعراف:169)
تدرسون: { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } (آل عمران:79).
تدرسون: تقرؤون : { أم لكم كتاب فيه تدرسون } (ن:37).
يدرسونها: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } (سبأ:44).
دراستهم: { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } (الأنعام: 156).
- وأما الفراهي الهندي فيقول:

(1/57)


درس: هذا اللفظ يوجد كثيرا في كلام العرب في معنى "البلى" وأما في معنى القراءة " كما يفهمون من استعمال القرآن حيث جاء { أم لكم كتاب فيه تدرسون } فلا يوجد له مثال .وزعم بعض من غير المسلمين أن هذا اللفظ أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، وزاده في لغة العرب . وهذا بعيد، فإن النبي كيف يكلم قوما بلغتهم ، ثم يزيد فيه ما ليس منه؟ والقرآن يصرح بأنه عربي مبين، فلا يكون فيه إلا ما عرفته العرب.
فاعلم أن الدرس في معنى "البلى "مجاز . وأصله الحك والمشق ، ومنه للخط.قال أبو داود :
ونوء أضر به السافياء ... كدرس من النون حين امحى
أي: كخط النون . وشكل النون في الخط العربي القديم هكذا ن فشبه أمواج الرمل بهذا الشكل وقد شبه عنترة (1) الحاجب بالنون في قوله:
له حاجب كالنون فوق جفونه ... وثغر كزهر الأقحوان مفلج
ومنه : كثرة الاشتغال بالقراءة. وهذا يتضح من استعمال هذه الكلمة في كلتا اللغتين : العربية والعبرانية.
ومن أصل المعنى : الدرس : للجرب والحكة ، والمدروس: الفراش الموطأ والدرس :للأكل الشديد . ومنه : درس الطعام : درس:قال ابن ميادة :
_________
(1) شرح ديوان العنترة للخطيب التبريزي : ص 41 .

(1/58)


هلا اشتريت حنطة بالرستاق ... سمراء مما درس ابن مخراق
ودرس الصعب حتى راضه ودرست الكتاب بكثرة القراءة حتى خف حفظه فالدرس : كثرة القراءة . ومعنى الكلمة في العبرية : اختص بالقراءة . وأما في العربية فبقيت الكلمة على السعة وأقرب إلى الأصل إذ جاءت لكثرة القراءة لا للقراءة ، كمال قال تعالى { وليقولوا درست } أي: بالغت في قراءتك عليهم. وأما أنها لاتوجد في هذا المعنى في أشعار العرب ، فذلك لأن للشعر مجاري محدودة ومعاني خاصة فقلما يذكرون القراءة فضلا عن إكثارها.
وبعد النظر في هذه النصوص نرى أن الراغب اضطر لشيء من التكلف في محاولة التعبير عن مناسبات تصريف الكلمة وتعليلها كما نرى أن الفيروزآبادي كرر كلام الراغب بعينه باستثناء بعض الكلمات وأما معجم المجمع فلم يزد على قوله " درست" كررت القراءة لتحفظ، واستعراض الآيات القرآنية.
أما الفراهي فقد رجع إلى الشعر الجاهلي يستنطقه، كما رجع إلى العبرية أخت العربية ليتبين له الأصل الذي ترجع إليه الكلمة ، ومن ثم وصل إلى حقيقة المعنى، على حين وقف السابقون عند المجاز ولم يجاوزوه.

(1/59)


وأما عمدة الحفاظ فلم يعرض للكلمة أصلا، علما أن يأخذ على الراغب عدم ذكره بعض الكلمات.

(1/60)


كلمة صغو
قال الراغب : الصغو : الميل ، يقال: صغت النجوم والشمس صغوا : مالت للغروب . وصغيت الإناء ، وأصغيته ، وأصغيت إلى فلان : ملت بسمعي نحوه، قال تعالى { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } (الأنعام:113) وحكي: صغوت إليه أصغو ، وأصغى صغيا وصغيا. وقيل : صغيت أصغى، وأصغيت أصغي . وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه وفلان مصغى إناؤه : أي: منقوص حظه وقد يكنى به عن الهلاك . وعينه صغواء إلى كذا والصغى : ميل في الحنك والعين.

(1/61)


وقال السمين : قوله تعالى { ولتصغى إليه أفئدة } أي: ولتميل إليه قلوب والصغو: الميل، يقال: صغت الشمس والنجوم صغوا : مالت للغروب وصغيت الإناء وأصغيته : أملته وقد أصغيت إلى فلان بسمعي نحوه ، وحكي صغوا وصغيت أيضا وأصغيت أصغي وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه ، ويكنى بذلك عن قلة الحظ، فيقال : فلان مصغي إناؤه . وقد يكنى به عن الهلاك أيضا . وفي الحديث " يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة " أي: خاصته والمائلون إليه . وعين صغواء إلى كذا أي: مائلة والصغي: ميل في الحنك والعين. وفيه أيضا " وكان يصغي لها الإناء" أي: يميله ويقال: صغى يصغي، وصغى يصغي. فالمادة يجوز أن تكون من الواو ومن الياء، لأنه قد سمع فيها الحرفان وقد ذكر الراغب اللغتين . ولم يذكرهما الهروي إلا في مادة الياء.

(1/62)


وقال الفيروزآبادي : صغوت إلى فلان . وصغا فؤادي إليه: مال . وصغوي معه . وصغت النجوم للغروب ، وهن صواغ . وأصغى الإناء للهرة . وأصغى إلى حديثه : مال بسمعه إليه. ورجل أصغى، وقد صغي . وهو ميل في الحنك وإحدى الشفتين . وأقام صغاه: ميله. ويقال: من عرض له فل صغاه وأقام صغاه . ويقال : الصغا في الأديان أقبح من الشفا في الأسنان وصاغية الرجل: قومه لما يميلون إليه.
وقال في معجم المجمع: صغت القلوب أو الأفئدة : مالت { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } (التحريم:4) لتصغى { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } .
وقال الفراهي : " الصغو" في جميع الألسنة ولا سيما في لغة العرب ألفاظ خاصة لأفراد خاصة تحت معنى كلي. والذهول عن هذه الخصوصيات مبعد عن فهم اللسان.
مثلا : الميل : معنى كلي . ثم تحته : الزيغ ، والجور، والارعواء، والحيادة، والتنحي، والانحراف. كلها للميل عن الشيء والفيء والتوبة، والالتفات والصغو كلها للميل إلى الشيء؛ فمن خبط بينهما ضل وأضل .

(1/63)


فلا يخفى على العالم بلسان العرب أن " الصغو " هو الميل إلى الشيء لا عن الشيء. ومنه صاغية الرجل : لأتباعه وصغوه معك : أي : ميله وأصغيت إلى فلان : أي : ملت بسمعك نحوه . ومنه الحديث : « ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا » ، أي : أمال صفحة عنقه إليه، وقالوا: الصبي: أعلم بمصغى خده، أي: هو أعلم إلى من يلجأ أو حيث ينفعه . ومنه صغت الشمس والنجوم، أي: مالت إلى الأرض وفي حديث الهرة : « كان يصغي لها الإناء » أي: يميله ليسهل عليها الشرب . ومن ذلك لجوف الإناء لما يجتمع فيه المشروب أنشد ابن بري شاهدا على الإصغاء بالسمع لشاعر:
ترى السفيه به عن كل مكرمة ... زيغ فيه إلى التسفيه إصغاء
وقال ذو الرمة يصف الناقة :
تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وقال الأعشى في صغو العين يصف كلبا :
ترى عينها صغواء في جنب مؤقها ... تراقب كفي والقطيع المحرما
وقال النمر بن تولب في إصغاء الإناء بمعنى الإفراغ :
وإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله باب جلد

(1/64)


كلمة الطوفان :
- قال الراغب : .. " والطوفان " : كل حادثة تحيط بالإنسان . وعلى ذلك قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان } وصار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء . قال تعالى : { فأخذهم الطوفان } .
- وقال السمين : قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان } : قيل: هو السيل المفرق. وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه فسره بالموت . قال بعضهم : الطوفان من كل شيء: ما كان مطبقا بالجماعة كالموت الجارف والغرق الشامل والقتل الذريع .وقال آخرون : الطوفان : كل حادثة تحيط بالإنسان وصار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح عليه الصلاة والسلام كانت ماء..".
- وقال الفيروزآبادي : " الطوفان : المطر الغالب ، والماء الغالب يغلب كل شيء قال تعالى : { فأخذهم الطوفان } وقيل: هو الموت الذريع الجارف. وقيل : السيل . وقيل: القتل الذريع وقيل: الطوفان من كل شيء : ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة . وقيل: كل حادثة تحيط بالإنسان . ثم صار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة.

(1/65)


وقال الأخفش الواحد - في القياس - طوفانة . وأنشد:
غير الجدة من آياتها ... خرق الريح وطوفان المطر
وجاء في معجم المجمع .. الطوفان : السيل العظيم..."
وقال الفراهي : " الطوفان : إعصار مستدير يصحبه المطر وفوران الماء. ويسمى في الرومية " سايكلون " أي:الريح الدوارة . وفي الفارسية : كردباء (الريح المدورة) وفي الهندية (بكولا) : دائرة الريح . وكان المصريون يزعمون بإله للريح الشديد يسمونه : " طائفون" وهكذا كان طوفان نوح عليه السلام كما وصف في القرآن : { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر }{ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر }{ وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر } .. قال الراعي يصف الناقة:
تمسي إذا العيس أدركنا نكاثتها ... خرقاء يعتادها الطوفان والزود

(1/66)


هذا ما ذكره الفراهي في كتابه " مفردات القرآن " وفي تفسيره لسورة الذاريات قدم شرحا أوفى حين قال : " ومن خاصة هذه الريح شدة المطر وفوران الماء من البحر ، وقد شاهدنا ذلك من طوفان جاء من مشرق بحر الهند إلى مغربه - وحينئذ كنت في مدينة كراجي - فأنزل مطرا شديدا وقذف السفن على الجبال ، وفعل ما فعل . ويطابق ذلك ما جاء في تصوير طوفان نوح في القرآن والتوراة : قال تعالى في سورة القمر : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر }{ وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر } .
وفي سفر التكوين : ص: 2 ف:11 .." في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء " وفي سورة هود : { وهي تجري بهم في موج كالجبال } ومن ركب البحر علم أن الأمواج كالجبال لا تنشأ إلا بريح شديدة وفي ذكر الأثر دلالة على المؤثر.."
ومن خلال النظر في النقول المنقولة عن المعاجم الخمسة نخرج بالنتائج التالية:

(1/67)


- يحاول الراغب تفسير " الطوفان" بما يتفق مع أصل الاشتقاق الذي هو " الطواف" وهو بمعنى الدوران. ومن ثم يعرف " الطوفان " بأنه: كل حادثة تحيط بالإنسان . فالإحاطة فيها معنى الدوران . ويستشهد على ذلك بالآية : { فأرسلنا عليهم الطوفان } غير أن تعريف الراغب للطوفان بأنه كل حادثة تحيط بالإنسان تعريف عام يشمل أنواعا كثيرة من الحوادث، ومن ثم اضطر الراغب لبيان كيفية انتقال المعنى من العموم الذي ذكره إلى الخصوص الذي وقع على قوم نوح ، فقال: " وصار - أي الطوفان - متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء..."
- أما السمين ، فقد عدد أنواعا مختلفة من العذاب شملت : " السيل المغرق، والموت الجارف ، والقتل الذريع. كما نقل قول الراغب السابق، وذكر حديثا يفسر الطوفان بالموت . وهو لا يعدو أن يكون قد شرح قول الراغب بشيء من التفصيل، ولكنه - على العموم- لم يرجح واحدا من الأنواع التي ذكرها ، إلا إذا اعتبرنا مراعاة الترتيب تبعا لقوة الأقوال. فيكون القول الأول الراجح عنده هو : السيل المغرق.

(1/68)


- كذلك الفيروزآبادي ذكر عدة أقوال في معنى الطوفان . فإذا اعتبرنا قوله الأول هو الراجح كان الطوفان : هو المطر الغالب ، والماء الغالب يقلب كل شيء، ولا شك بأن التفسير بالغلبة من مستلزمات الإحاطة ولكنه ليس دقيقا في معنى" الطوفان" المشتق أصلا من"الطواف"بمعنى"الدوران ".
- واستشهاده بالشعر المتضمن لـ " طوفان المطر " لا يعني بالضرورة، المطر الغالب ، ويمكن أن يقرب مما قاله الفراهي - كما سبق بيانه - .
- أما ما جاء في معجم المجمع من أن " الطوفان " : السيل العظيم ، فلا يحتاج إلى تعليق ؛ لأنه لم يعتمد على تأصيل لغوي .

(1/69)


- وأما ما ذكره الفراهي من أن الطوفان : إعصار مستدير يصحبه المطر وفوران الماء ، فقد أكده بما ورد في عدة لغات من أن " الريح المدورة" أو " الريح الدوارة " أو " دائرة الريح" أو " طائفون " وكذلك من خلال وصف طوفان نوح عليه السلام في القرآن والتوراة وبذلك يكون قد وضع أيدينا على جذر المعنى وأصل الاشتقاق ، الذي يفسر لنا هذا النوع الخاص من العذاب الذي عذب الله به قوم نوح ، والذي لم يرد في القرآن إلا لقوم نوح عليه السلام بخلاف ما ذكره غير الفراهي من أنواع العذاب الأخرى فقد عذب بها أقوام عديدون ، ومن ثم وصف عذاب قوم نوح بـ " الطوفان دون غيره لا بد أن يكون خاصا بنوع من العذاب اقتضى التعبير عنه بلفظ " الطوفان " كما أكد هذا المعنى بما رآه واقعا من الطوفان الذي قدم لنا وصفه حينما كان في مدينة كراجي والذي جاء من مشرق بحر الهند إلى مغربه.
- وبهذا يكون الفراهي أكثر تحقيقا في هذه الكلمة كل الذين عرضوا لها قبله.

(1/70)


- ويكون ما قاله الراغب : " وصار الطوفان - متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء. انتقال من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة العرفية ولا يمكن أن يحمل هذا المعنى إلى الحقيقة اللغوية بحيث تصبح جزءا منه تفهم بمجرد التلفظ بـ " الطوفان "

(1/71)


أصل كلمة صلى:
قال الراغب : أصل " الصلي " الإيقاد بالنار، ويقال : صلي بالنار وبكذا ، أي: بلي بها، واصطلى بها وصليت الشاة: شويتها، وهي مصلية .قال تعالى: { اصلوها اليوم } وقال : { يصلى النار الكبرى }{ تصلى نارا حامية }{ ويصلى سعيرا } ..قال الخليل :
صلي الكافر النار :قاسى حرها... وقيل: صلي النار: دخل فيها . وأصلاها غيره، قال :
فسوف نصليه نارا...والصلاة .قال كثير من أهل اللغة هي: الدعاء والتبريك والتمجيد . يقال : صليت عليه: أي : دعوت له وزكيت . وقال عليه السلام: « إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فليصل » ، أي: ليدع لأهله: { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم }{ يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه }{ وصلوات الرسول } ".

(1/72)


وصلاة الله للمسلمين - هو في التحقيق - : تزكيته إياهم .وقال : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } ومن الملائكة : هي الدعاء والاستغفار ، كما هي من الناس... والصلاة التي هي العبادة المخصوصة: أصلها الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه... وقال بعضهم: أصل " الصلاة" من " الصلى " قال : ومعنى " صلى الرجل " :أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة " الصلى " - الذي هو نار الله الموقدة - وبناء " صلى " كبناء مرض لإزالة المرض..".
وقال السمين : (ص ل و ) :قوله تعالى { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } .
الصلاة لغوية وشرعية : فاللغوية : الدعاء . قال الأعشى :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال آخر :
لها حارس لا يبرح الدهر ينهها ... وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
وأما الشرعية : فذات الأركان المعلومة . وهي مشتقة من ذلك لأنها مشتملة على الدعاء..

(1/73)


وقيل: هي مشتقة من الصلوين - عرقين - لأن المصلي يحركهما عند حركته فيها.ومنه المصلي في حلبة السباق ، لأنه يضع رأسه عند صلوي السابق... وقيل: هي مشتقة من الصلاء . وهو النار ، لأنه إذا فعل هذه العبادة فقد درأ عن نفسه الصلاء وهذا مردود بأن تلك مادة أخرى كما سيأتي..
وقال السمين أيضا : (صلي) : قوله تعالى : { لا يصلاها } : أي : لا يدخلها ويلاقي صلاها..."
أما الفيروزآبادي : فقد أورد معظم كلام الراغب . وزاد في الاستشهاد بالآيات وبيان معنى الصلاة في كل آية .
وأما معجم المجمع فقال: "صلى" أدى الصلاة " تصل" تؤد صلاة الجنازة ، وقيل: تدعو.
وأما الفراهي . فيقول: " الصلاة" - في الأصل - : الإقبال على شيء، ومنه الركوع ، ومن التعظيم والتضرع والدعاء . وهي كلمة قديمة بمعنى الصلاة والعبادة : جاءت في الكلدانية بمعنى الدعاء والتضرع وفي العبرانية بمعنى الصلاة والركوع . ومن هذا الأصل : صلي النار: أقبل عليها ثم بمعنى: دخل النار، كما قال تعالى : { سيصلى نارا } وأيضا: { ويصلى سعيرا } ومنه التصلية، كما قال تعالى : { وتصلية جحيم } واستعملت العرب كل ذلك.."

(1/74)


ومن كل ما تقدم يبدو لنا أن معظم كلام الراغب قد ورد عند كل من السمين والفيروزآبادي ، وأن الإضافات التي أضافها السمين تتصل ببعض الشواهد الشعرية التي أغفلها الراغب ، كما أغفل بعض الأصول الاشتقاقية التي ذكرها كل من السمين والفيروزآبادي كالصلوين وغيره.
وكذلك يلاحظ أن السمين ذكر " الصلاة" تحت مادة " ص ل و " وذكر " صلي النار" و " التصلية" تحت مادة " ص. ل. ي" فقد فرق بين المادتين فجعل الأولى من الواو ، والثانية من الياء، وقد انفرد السمين بهذا.
جعل الراغب أصل الكلمة من " الصلى " بمعنى : الإيقاد بالنار ثم ذهب إلى معنى الدعاء والتبريك والتمجيد ، ولكنه لم يبين لنا كيف تم الانتقال من معنى " الإيقاد بالنار" إلى معنى " الدعاء.." علما بأنه بعد أسطر أورد قول بعضهم من أن أصل " الصلاة " من " الصلى" قال: ومعنى صلى الرجل: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة " الصلى " الذي هو نار الله الموقدة. وبناء "صلى" كبناء " مرض" لإزالة المرض، ولايبدو هذا التعليل على درجة من القوة تجعله يحظى بالقبول.

(1/75)


وأما ما ذهب إليه الفراهي من أن " الصلاة " - في الأصل - : الإقبال على شيء وأنها كلمة قديمة جاءت في الكلدانية بمعنى الدعاء والتضرع ، وفي العبرانية بمعنى الصلاة والركوع ، فإن هذا الأصل الاشتقاقي يدخل تحته كل المعاني التي ذكرت للصلاة دون تكلف، وبهذا يكون هذا المعنى هو الجذر الحقيقي لبقية المعاني الأخر ومن ثم فهو الأصل الراجح.

(1/76)


كلمة العصر
قال الراغب : " العصر والعصر" : الدهر . والجمع : العصور . قال : { والعصر }{ إن الإنسان لفي خسر } والعصر : العشي . وإذا قيل العصران " فقيل : الغداة والعشي. وقيل: الليل والنهار، وذلك كالقمرين للشمس والقمر..".
وقال السمين : قوله تعالى { والعصر } أي: ورب العصر والعصر : الزمان .
قال الشاعر:
وقد مر للدارين من بعد عصرنا ...
والجمع: أعصر ، وعصور .
قال الشاعر :
حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا ...
والعصر أيضا: وقت هذه الصلاة المعروفة بخصوصها لأنها فعلت في وقت . واللغة ليست بقياس وتسمى كل صلاة عصرا . والعصران قيل: الليل والنهار. وقيل: الغداة والعشي.."
وقال الفيروزآبادي :
(( العصر : الدهر والجمع : عصور وأعصار... وقد ورد بمعنى الدهر أو صلاة العصر { والعصر }{ إن الإنسان لفي خسر } والعصران: صلاة الغداة والعشي . وقيل: الليل والنهار كالقمرين للشمس والقمر .
وقال معجم المجمع : العصر : الدهر { والعصر }{ إن الإنسان لفي خسر } ".
وقال الفراهي : " العصر " الزمان الماضي.
و" العصر" آخر النهار - كما قال الحارث بن حلزة (1) في معلقته:
_________
(1) شرح المعلقات العشر: 318.

(1/77)


آنست نبأة وأفزعها ... القناص عصرا وقد دنا الإمساء
والسند على المعنى الأول - الزمان الماضي - كثير :
قال عبيد بن الأبرص :
فذاك عصر وقد أراني ... يحملني بازل شبوب (1)
وقال امرؤ القيس :
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي (2)
وقال ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك :
أصبح مني الشباب قد حسرا ... إن ينأ عني فقد ثوى عصرا
وقال المتلمس :
عرفت لأصحاب النجائب جدة ... إذا عرفوا لي في العصور الأوائل
وقال دريد بن الصمة :
فإن لا تتركي عذلي سفاها ... تلمك عليه نفسك غير عصر
أي : من غير أن يمر بك كثير زمان .
وقال شريح بن هاني بن يزيد بن يهبل بن وريد بن سفيان :
قد عشت بين المشركين أعصرا ... ثمت أدركت النبي المنذرا
وقال مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم :
قد كنت في عصر لا شيء يعدله ... فبان مني وهذا بعده عصرا
أي: هذا الزمان بعد ذلك أيضا ماض ومار.
وقال أبو خرابة الوليد بن ضيفة :
وكنا حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا
أي: بعد أن كانوا ميتين حقبا .
وقال ابن هرمة (3) :
_________
(1) شرح المعلقات العشر : 434 - والشطر الثاني كما في الشرح : تحملني نهذة شرحوب - وكذلك في « شعراء النصرانية قبل الإسلام » 609.
(2) شرح ديوان امرئ القيس للشنمري ص: 97-98.
(3) شعر إبراهيم بن هرمة : 124 - مجمع اللغة العربية بدمشق.

(1/78)


أذكرت عصرك أم شجتك ربوع ... أم أنت متبل الفؤاد مضوع
أي: ذكرت زمانك الماضي.
وهكذا نرى أن السابقين فسروا " العصر " بالدهر والزمان عموما، وأن الفراهي رأى أن ذلك التفسير غير دقيق ، فانطلق يرتاد رياض الشعر الجاهلي باحثا عن حقيقة المعنى فانتهى إلى أنه ليس مطلق الزمان وإنما هو الزمان الماضي، وأكد ذلك بالشواهد الشعرية الكثيرة. وهذا يعني أن المعاني الدقيقة يمكن الوصول إليها من خلال استعمال العرب الأقحاح لها في شعرهم.

(1/79)


ملاحظات على المعاجم السابقة:
بعد تلك المقارنات التي قمنا بها ومن خلال النماذج التي عرضناها، يمكننا أن نبدي بعض الملاحظات على المعاجم السابقة. وهي كما يلي:
- على الرغم من كل الجهود التي بذلها علماؤنا خلال العصور في بيان معاني المفردات القرآنية ، فإنهم لم يقولوا الكلمة الأخيرة ويبقى الأمر مفتوحا للدراسة والتحقيق والتدقيق.
- على الرغم من أن الراغب الأصفهاني يعتبر إمام الدارسين في مناسبات الألفاظ بعضها لبعض، وفي بيان جذور المعاني الأصلية وانتقالها خطوة خطوة إلى المعاني المستعارة ، إلا أنه لم يصب دائما كبد الحقيقة.
- يعتبر الراغب الأصفهاني العمدة لكل من جاء بعده ، ولم يؤخذ عليه ملاحظات ذات قيمة من الذين اعتمدوا كتابه ضمن كتبهم ، وذلك كالسمين الحلبي ، والفيروزآبادي .
- معظم الإضافات التي أضافها السمين كانت في التوسع في إيراد الشواهد الشعرية، أو ذكر بعض الأقوال التي أغفلها الراغب لضعفها عنده، أو في ذكر الكلمات التي فاته أن يذكرها أو في التوسع في شرح بعض الألفاظ من خلال ورودها في الأحاديث النبوية.

(1/80)


- لم يلتزم السمين دائما ترتيب المادة العلمية - كما هي عند الراغب - فقد يقدم فيها ويؤخر ، ولكنه في الجملة يأتي بكل ما ذكره الراغب .
- ينسب السمين أقوال الراغب إليه في بعض الأحيان ، ويغفل ذلك بعض الأحيان . وقد يقول: قال بعضهم : أو قال بعض أهل اللغة - وأمثال هذه العبارات - وعند المقارنة يتبين أنها أقوال الراغب نفسها.
- أما الفيروزآبادي فقد استوعب أيضا معظم ما جاء في مفردات الراغب .. ولم تكن له ملاحظات تذكر على الراغب .
- يمتاز الفيروزآبادي بأنه بعد أن يورد معنى المفردة القرآنية في أصل اشتقاقها مستفيدا في ذلك من الراغب ، يعمد إلى ذكر وجوهها في القرآن كأن يقول : " وقد ورد في القرآن على ثلاثة عشر وجها . ثم يبدأ بذكر هذه الوجوه واحدا واحدا مستشهدا في ذلك بآية أو أكثر عند كل وجه من هذه الوجوه حتى يستوعب معظم هذه الآيات وهو في ذلك مستفيد من كتب الوجوه والنظائر غالبا.
- يتوسع الفيروزآبادي عند شرحه للمفردات القرآنية بذكر بعض المعاني التي لم يذكرها الراغب ، وكثير منها قد يؤخذ من الأحاديث النبوية ، وبعضها قد يكون من المعاني اللغوية.

(1/81)


- عند الفيروزآبادي استطرادات عجيبة، فعند كلامه على مادة " برق" ذكر واحدا وثلاثين فعلا يمكن أن يضاف إلى البرق : يشري، ويومض، ويعن ، ويعترض ، ويوبص..
وبعد أن ينتهي من سرد هذه الأفعال المسندة إلى البرق ، يقول: ومما يستحسن في وصف البرق وخفائه والرعد في حدائه ، والثلج ولألائه ، قول بعضهم:
ينبض نبض العرق في استخفاء ... شرارة تطرف من قصباء
ويذكر تسعة أبيات من هذه القصيدة، ثم يذكر سبعة أبيات لعدي بن الرقاع ، من أحسن ما قيل في البرق والغيث .. ثم يتبعها بأربعة عشر بيتا للعتابي .

(1/82)


مقترحات :
بعد الذي قدمناه من مقارنات وملاحظات على المعاجم التي عرضنا لها ، يحسن بنا أن نقترح بعض المقترحات التي يمكن أن تفيد في مستقبل التأليف المعجمي لمفردات القرآن فنقول:
- إن الحاجة إلى تأليف معجمات تعنى بتحقيق معاني المفردات القرآنية أمر متجدد، والمجال فيه واسع ومفتوح، بل هو واجب لمن آنس من نفسه أهلية ورشدا ، وآتاه الله من فضله علما وحكما.
- إن الذي يتصدى لمثل هذه المهمة العظيمة لا ينبغي له أن يسلك الطريق السهل ، وإنما عليه أن يركب الصعب، وأن يكد الذهن في التأمل والدراسة. وألا يقف على الشواطئ القريبة وإنما عليه أن يغوص في الأعماق البعيدة، باحثا عن الدر المصون وطامعا في اللؤلؤ المكنون .
- لا يكفي لمن يريد ارتياد هذه الآفاق ، أن يحمل شهادة في الأدب العربي، أو الدراسات الإسلامية دون أن يكون عاكفا على كتاب الله تلاوة وفهما، تذوقا وتدبرا ، يجيل الطرف في آياته ، ويجد في البحث عن أسرار حروفه وكلماته.

(1/83)


- لا بد من تأكيد منهج الراغب الأصفهاني في بيان الفروق بين ما يظن فيه الترادف، والتوسع في ذلك في المعجمات القادمة - طبقا للأمثلة التي سقناها من تفسيره المخطوط ، وكتاب " الذريعة إلى مكارم الشريعة" .
- ويمكن الاستفادة في ذلك أيضا من كتب الفروق اللغوية ككتاب أبي هلال العسكري ، وفروق اللغات لنور الدين الجزائري ، وغيرهما من الكتب التي اعتنت بهذا الجانب سواء أكان ذلك مباشرا أم غير مباشر .
- من العلماء المحققين الذين عنوا بدراسات متخصصة في جانب الفروق الحكيم الترمذي في كتابه " بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب " من علماء القرن الثالث - ويعتبر خطوة متقدمة جدا في هذا الجانب الهام.
- ومن العلماء الذين يرون أن الترادف في القرآن إما نادر أو معدوم الإمام ابن تيمية وذلك في رسالته في أصول التفسير .

(1/84)


- كذلك اهتم ابن القيم بهذا الجانب ، بل إنه أيضا اهتم بالفروق الاصطلاحية ، وجمع منها مادة كبيرة أودع كثيرا منها في كتاب " الروح" - القسم الأخير من الكتاب- كما تفرقت دراساته للفروق في كتبه الكثيرة، وقد عمد يوسف الصالح إلى جمع وترتيب عدد كبير منها في جزء أصدره باسم " الفروق لابن قيم الجوزية " منتزع من أغلب كتبه .
- كما أن هناك دراسة بعنوان " الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم" للدكتور محمد عبد الرحمن الشائع - يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها، وهي مفتاح لكثير من الدراسات التي تناولت هذا الجانب الهام.
- أيضا لا يمكن إهمال جانب المعاني الاصطلاحية وملاحظة الفروق الغامضة فيما يظن فيه التقارب بينها، وهناك كتب كثيرة ودراسات عنيت بذلك ، وقد أشرنا إلى طرف منها فيما سبق ويمكن أن نضيف إلى ذلك كتاب "الكليات " لأبي البقاء الكفوي - وهو يعنى بالفروق اللغوية والاصطلاحية.

(1/85)


- لشيخ الإسلام ابن تيمية دراسات قيمة في مجال الدلالة اللغوية توزعت كتبه الكثيرة ورسائله المتعددة ، وعلى سبيل المثال كتابه " جامع الرسائل" فيه دراسات تناولت" قنوت الأشياء كلها لله " و " سنة الله " و " معنى النزول " وأمثال ذلك كثير.
- لابن القيم أيضا دراسات قيمة لعدد كبير من الألفاظ تناول فيها الدلالة اللغوية بغاية من التحقيق والتدقيق جمع منها أربعا وخمسين كلمة الدكتور أحمد ماهر البقري في كتابه " ابن القيم اللغوي " استقاها من مجموع كتب ابن القيم ، وهي مما يمكن الاستفادة منها في ضبط معاني المفردات القرآنية في التأليف المعجمي مستقبلا.
- لا بد من التأكيد أيضا على منهج الفراهي في دراسة الكلمة القرآنية ، والاستفادة منه في معالجة الكلمات التي يشك في معناها الدقيق، وذلك بالرجوع إلى الشعر الجاهلي ، واللغات السامية التي تشارك العربية في جذورها الأصلية - كما لاحظنا ذلك من الأمثلة التي سقناها عن الفراهي - والتي وصل بها إلى نتائج هامة تثلج الصدر وتطمئن النفس.

(1/86)


- أيضا لا بد من الالتزام بالقواعد التي ذكرناها سابقا من مقدمات " مفردات القرآن" للفراهي ، فهي أصول لا يستغنى عنها في دراسة المفردة القرآنية ويمكن أن نضيف إليها هنا نقاطا أخرى أشار إليها الفراهي في كتابه " التكميل في أصول التأويل " وذلك تحت عنوان " جامع لأبواب الإجمال".
للكلمة والكلام وجوه ولا بد من تعيين المراد في كل موضع وهي:
- ربما يستعمل اللفظ كالاسم والرسم لشيء، ولا نظر بالخصوص إلى معنى اللفظ مثلا: القرآن ، المؤمن ، المسلم، الكتاب ، المتقون ، الكافرون، وما أشبه ذلك ، ربما يستعمل كالاسم من غير نظر إلى المعاني اللفظية -أي المدلول عليه من جهة مادته وصورته.
- وربما يكون النظر إلى معناه اللفظي : مثلا: المتقون: لمن كان تقيا خاشعا.
- وربما يراد به الفرد الكامل.
- وربما يراد به العموم المطلق.
- وربما يراد به الخصوص.
- وربما يراد به العموم مع أولية النظر إلى خصوص.
- وربما يراد به المعنى الجامع مطلقا.
- وربما يراد به المعنى الجامع مع أولية النظر إلى وجه خاص.

(1/87)


وهذا غيض من فيض مما ذكره الفراهي في كتابه القيم " التكميل في أصول التأويل" يمكن الاستفادة منه لمن يريد أن يقوم بدراسة لمفردات القرآن ، كما يمكن الاستفادة من كتبه الأخرى كتفسيره لبعض السور ومذكراته بين يدي التفسير.
- إضافة لكل ما سبق ، ينبغي للدارس ألا يطمئن كل الاطمئنان إلى دراسات الآخرين وأن ينظر فيها نظرة نقدية فاحصة ، وربما يرجح قولا على قول ومعنى على معنى، وبعد المقارنة بين الأدلة ، ربما يظهر له معنى خفي على غيره ، وليس ذلك بمستبعد كما أشار إلى ذلك علي رضي الله عنه ، حينما سئل : هل ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندكم شيئا من الوحي لم يبلغه ؟ قال : لا ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه " - فمعاني القرآن لا يمكن الإحاطة بها: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } والمراد المعاني. أما الألفاظ فهي محدودة ولا شك .

(1/88)


- من أمارات صحة المعنى أن يكون متوافقا مع ما ورد في بقية النصوص منسجما معها، فإذا تبين خلاف ذلك فمعنى ذلك أن المعنى يحتاج إلى إعادة نظر ودراسة لأن الله تعالى يقول : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فإذن وجود الاختلاف الكثير في معنى من المعاني يفيد أن هذه المعاني تحتاج إلى مزيد من التحقيق والتدقيق.

(1/89)


- لا بد من التوسع في تفسير القرآن بالقرآن في مجال دراسة المفردات القرآنية، وعلى الرغم من اتفاق العلماء قديما وحديثا على أن تفسير القرآن بالقرآن أعلى مراتب التفسير، لأنه تفسير صاحب الكلام لكلامه، إلا أن هذا المصدر من التفسير لم يتوسع فيه، وبقي محدودا - على كل ما كتب فيه - وأعتقد جازما من خلال تجربتي أن بالإمكان ضبط كثير من معاني المفردات القرآنية اعتمادا على هذا المصدر ، وطبقا لقوله تعالى { ثم إن علينا بيانه } فقد تكفل الله ببيان القرآن بالقرآن ، كما يمكن إدراك كثير من الفروق اللغوية التي أغفلتها المعاجم وكتب اللغة والتفسير من خلال دراسة مقارنة لاستعمال هذه المفردات في السياقات القرآنية المتعددة.

(1/90)


خاتمة
بعد هذه الجولة في رياض هذه المعاجم يمكن أن نخلص إلى بعض النتائج :
- على الرغم من الجهود العظيمة التي بذلها علماؤنا خلال التاريخ في تأليف المعاجم القرآنية، تبدو الحاجة ماسة في عصرنا إلى معاجم جديدة تأخذ بالاعتبار الملاحظات السابقة ، والمقترحات التي أشرنا إليها.
- لا يبدو لي أن اللجان الرسمية التي يمكن أن تشكلها المراكز العلمية ، أو المجامع اللغوية باستطاعتها أن تصل إلى عمل علمي متميز ، وذلك لاختلاف وجهات النظر (1) ، ولاقتصار العمل على الانتقاء والترتيب والتنظيم، دون خوض في لب الدراسة القرآنية ، واقتناص المعاني من التدبر العميق ، والتأمل الواعي، والمقارنة الكاشفة.
- يحسن أن تكون المعاجم القادمة مرتبة طبقا لما انتهت إليه المعاجم الحديثة من ترتيب المادة العلمية ، وتسهيل الرجوع إليها والاستفادة من وسائل الطباعة الحديثة.
يحسن أن تكون المعاجم مستقبلا ثلاثة مستويات .
- مستوى للمبتدئين.
- ومستوى للمتوسطين.
- ومستوى للعلماء والمتخصصين.
كما يحسن أن يكون كل معجم منها على ترتبين :
- الترتيب المعجمي الألفبائي ليستفيد منه من يرغب في مراجعة كلمة من الكلمات.
_________
(1) انظر صفحة (ي) وما بعدها من مقدمة الأستاذ عبد السلام هارون : « معجم ألفاظ القرآن الكريم بين المعاجم وكتب التفسير واللغة» فسترى اختلافا كثيرا في وجهات النظر، تخللتها مناقشات واقتراحات واعتراضات وتشكيلات لجان، ومؤتمرات ودورات ، وذلك على مدى ثلاث عشرة سنة. وتمخض هذا الجهد المتطاول عن هذا المعجم الذي تراه - وهو كما ترى -!!

(1/91)


- الترتيب بحسب السور والآيات ليستفيد منه أهل التلاوة .
- كما يحسن ألا يزيد المستويان الأول والثاني على مجلد واحد لكل منهما.
- أما بالنسبة للمستوى الثالث، فيمكن أن يزاد في عدد مجلداته إذا كانت الحاجة تقضي بذلك.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،،،

(1/92)


المصادر والمراجع
- إيجاز البيان عن معاني القرآن للنيسابوري ، تحقيق د. علي بن سليمان العبيد - مكتبة التوبة - الرياض - 1418هـ - 1997م.
- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ، للفيروز آبادي - بتحقيق محمد علي النجار - المكتبة العلمية - بيروت - توزيع دار الباز - مكة المكرمة .
- ابن القيم اللغوي ، د. أحمد ماهر البقري - مؤسسة شباب الجامعة- الأسكندرية -1409هـ -1989م.
- تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ، بتحقيق السيد أحمد صقر - دار الكتب العليمة - بيروت 1398هـ 1978م- توزيع دار الباز - مكة المكرمة.
- الراغب الأصفهاني ومنهجه في التفسير - رسالة دكتوراه . د. محمد إقبال أحمد فرحات - مطبوعة على الكمبيوتر.
- التكميل في أصول التأويل ، لعبد الحميد الفراهي ، الدائرة الحميدية بمدرسة الإصلاح - الهند.
- ديوان الأعمش بتحقيق كامل سليمان.
- ديوان الحماسة لأبي تمام .
- الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني - تحقيق ابو اليزيد العجمي - دار الوفاء - المنصورة - الطبعة الثانية .
- شاعرات العرب ، جمع عبد الله بن صقر.

(1/93)


- شرح ديوان طرفة بن العبد - للأعلم الشنتمري بتحقيق : درية الخطيب - لطفي الصقال ، 1359هـ - 1975م.
- شرح ديوان عنترة للخطيب التبريزي - تحقيق مجيد طراد - الطبعة الأولى - دار الكتاب العربي - بيروت - 1412هـ - 1992م.
- شرح ديوان امرئ القيس . للأعلم الشنتمري تصحيح الشيخ أبي شنت - الشركة الوطنية للتوزيع والنشر 1394هـ- 1974م.
- شرح المعلقات العشر د. مفيد قميحة - دار مكتبة الهلال - بيروت - الطبعة الأولى-1407هـ - 1987م.
- شرح المفضليات للتبريزي - تحقيق علي محمد البجاوي -دار نهضة مصر للطباعة والنشر.
- شعر ابن هرمة - مجمع اللغة العربية بدمشق.
- شعر الرثاء في العصر الجاهلي لمصطفى عبد الشافي الشورى - الدار الجامعية - بيروت.
- شعراء النصرانية قبل الإسلام - جمع لويس شيخو - دار المشرق - بيروت - الطبعة الثالثة - 1967م.
- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي ، تحقيق د. محمد التونجي - عالم الكتب - بيروت 1414هـ - 1993م.
- العمدة في غريب القرآن المنسوب إلى مكي القبس ، تحقيق يوسف المرعشلي، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 1401هـ - 1981م.

(1/94)


- المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث ، لأبي عيسى الأصفهاني ، تحقيق عبد الكريم العزباوي، مركز البحث بجامعة أم القرى ، 1406هـ.
- معجم ألفاظ القرآن ، طبعة منقحة - مجمع اللغة العربية بالقاهرة - 1988م.
- معجم الموضوعات المطروقة ، عبد الله محمد الحبشي ، المجمع الثقافي، أبو ظبي ، طبعة منقحة - 1418هـ - 1997م.
- مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ، تحقيق صفوان داودي ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الثالثة 1418هـ- 1997م.
- مفردات القرآن للفراهي - باعتناء عبد الأحد الإصلاحي، مطبعة إصلاح - الهند 1358هـ.
- نظام القرآن وتفسير الفرقان بالفرقان ، للفراهي ، تفسير سورة الذاريات - الهند.

(1/95)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية