صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة جامعة أم القرى
[ ترقيم المجلة غير موافق للمطبوع ]

إلى الخير وحملت مشاعل الحرية والحضارة للإنسانية جمعاء ولقد حقق القادة الذين تخرجوا من مدرسة النبوة أعظم الفتوحات في تاريخ البشرية في مدة هي بمقاييس ذلك الزمن قياسية جدا ففي أقل من مائة عام غطت فتوحاتهم جزءا كبيرا من العالم القديم ( وامتدت من الصين شرقا إلى شاطئ الأطلس غربا وبلغ عدد قادة الفتح الإسلامي مئتان وستة وخمسين قائدا منهم مئتان وستة عشر قائدا من الصحابة والباقون من التابعين ) ( 22 ).
هؤلاء القادة هم ومن جاء بعدهم من قادة الأمة الإسلامية جميعهم ينبغي للقائد الذي نعنيه في هذا البحث أن يحاكي أفعالهم ويقرأ سيرهم فإذا أحسن القائد في محاكاة كل هؤلاء فإنه بلا أدنى شك سيصبح قدوة حسنة يستفيد منه غيره ممن تنالهم قيادته ، وهو موضع اقتداء لهم ، وبهذا يصبح من الدعاة إلى الله لا بمقاله فقط ولكن بحاله وسلوكه ، وبسيرته الطيبة التي يحاكي ويقلد فيها من أمر بتقليده والتأسي به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم . ومن هنا يتبين أهمية الدور الذي يقوم به ويمثله بل وخطورته إن لم يحسن القيام به .

أهمية القدوة الصالحة
إن للقدوة الصالحة التي يمثلها القائد أثرا فعالا في حياة من يرأسهم وهو مسئول عنهم ، لها أثر في تربيتهم وإصلاحهم .

(8/488)


ذلك أن القدوة نموذج إنساني يعيش ممثلا ومطبقا لذلك المنهج الرباني الذي جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وهذا النموذج يعيش واقعا عمليا يحقق تطبيق ذلك المنهج من خلال السلوك والتصرفات التي ترى بالعين فتترك أثرا عميقا في نفوس الناس الذين يعيشون من حوله مما يجعلهم يأخذون ويقبلون ما يقوله أو يفعله دون تردد أو ريبة لأن ما يمثله هو الإسلام الذي صاغ نفسه على وفق ما دعى إليه الإسلام فجعل منه نموذجا قرآنيا يدب على الأرض ولنستعيد هنا أيضا ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئلت عن خلق رسول الله قالت : ( كان خلقه القرآن ) فكأنها بوصفها هذا جعلت من الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم قرآنا متحركا يراه الناس ويلمسونه من خلال تمثله في سلوكه وكل تصرفاته لدقة وقوة تمسكه وتطبيقه لما جاء في القرآن الكريم .
وعلى هذا يكون القائد الداعية ، مثلا حيا لكل المبادئ التي يعتنقها ، مثلا ترنوا إليه أعين مرؤسيه وتنجذب إليه نفوسهم حتى يستمدوا من الفضائل التي يفترض أن يحملها فينير لهم طريق الخير .
ألا وإن مما يمكن أن نبين به أهمية القدوة هو ذلك المثال العظيم والأثر الكبير الذي مثلته القدوة في نشر الإسلام في كثير من أصقاع الدنيا بواسطة تلك النماذج المتحركة التي دعت إلى الإسلام بأفعالها قبل أقوالها ، فاستقطبت تلك النماذج ملايين البشر دخلوا في دين الله دونما فتح ولا جهاد تلك النماذج تمثلت في أعداد ليست بالكثيرة من التجار المسلمين والزوار الذين أدخلوا بسيرتهم وتمسكهم بتعاليم دينهم كل هذه الأعداد إلى الإسلام .
والقائد وهو يتحسس هذه الأهمية للقدوة سيسعى وبكل ما أوتي إلى أن يجعل من نفسه قدوة صالحة يستميل بها مرؤسيه نحوه لإنجاز ما يناط به وبهم من مهام وأعمال على الوجه الذي يرضي .

(8/489)


كما أن على القائد أن يدرك أيضا أن هناك خطورة حقيقية في حال عدم تحسسه لأهمية الدور الذي هو فيه فعليه أن يأخذ جانب الحيطة والحذر في كل تصرفاته وأن لا يأتي إلا ما يراه خيرا يرضي ربه ويحض به جنده لأنه في نظر أفراده ومرؤسيه إن صح لنا أن نشبهه كالشاشة البيضاء الناصعة البياض التي يمكن أن ترى عليها أدنى الملوثات .
وإن المرؤسين حول قائدهم الذي هو قدوتهم ينظرون إليه دائما نظرة الناقد وفي الوقت نفسه المقلد الذي يتلقون عنه ، وهم يحسبون عليه كل حركاته وسكناته سواء شعر بذلك أم لم يشعر لأنه كما كررنا في نظر مرؤسيه مصدر إقتداء ، ومادام على هذا الحال فإنهم يرون فيه الكمال مما يجعله في أعينهم فاضلا وبالتالي يجب تقليده والأخذ عنه ، فإذا وفق في أن يكون سلوكه طيبا وعمله يوافق قوله كان فعلا قدوة صالحة يجب التأسي به والأخذ عنه . أما إذا كان غير ذلك كان والعياذ بالله قدوة سيئة يصبح في الأخذ عنه وتقليده خطورة على مرؤسيه ومن ثم على قواته المسلحة التي ينتمي إليها ، لأنه بموجب رتبته ووظيفته مع مرؤسيه بمثابة الغالب . والمغلوب دائما مولع بتقليد الغالب وهذه سنة من سنن الحياة فطر الناس عليها ، وقد تقدم قول ابن خلدون في مقدمته ( المغلوب دائما أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه )( 23) .

(8/490)


والكمال الذي أشار إليه ابن خلدون ينقسم إلى قسمين ؛ القسم الأول هو مقدار ما يملكه الإنسان من مبادئ وهو ما يعنينا هنا والقسم الثاني هو الكمال في الساعد والسلاح والقائد في الحقيقة أنه يملك من الصلاحيات ما يؤهله لبلوغ ذلك الكمال بما يجعله في موضع الاتباع والاقتداء من قبل المرؤسين مهما تضاءل هذا المقدار مادام المقلد فاقدا له ، ومن أجل هذا استحق القائد مرتبة الاقتداء الذي قد يحسنها فيكون قدوة صالحة وقد يسيء استخدامها فيكون قدوة سيئة .
والقدوة الصالحة من أهم وسائل التأثير في الآخرين سيما إذا كان هؤلاء الآخرين هم في مرتبة أقل كما قلنا من مرتبة القدوة ، ولذلك فإن كثيرا من الناس لا يعمل ويطبق ما يقال له إلا إذا رأى ذلك الذي قيل له واقعا يشاهده بعينه في عمل القدوة وفعله ، عندها تزداد قناعة المقلد ويعلم أن الأمر الذي يطلب منه أن يحاكيه ويقلده ليس من باب المستحيلات أو المعجزات التي لا يمكن تطبيقها وإنما هو من باب الممكنات التي يتيسر فعلها ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله ( إذا وقع القول بيانا فالفعل شاهد له ومصدق ، وبيانه وتفصيله أن العالم إذا أخبر عن إيجاب عبادة من العبادات أو لزوم فعل من الأفعال ثم فعله هو لم يخل به مقتضى ما قاله فيه ، عند ذلك يقوي اعتقاد إيجابه وينتهض العمل به عند كل من سمعه وأخبر عنه ورآه يفعله ) ( 24) .
ومن هنا تظهر النتائج العكسية عندما يخالف العمل القول من قبل القدوة يظهر شعور لدى المقلدين والأتباع بأن ذلك الأمر غير ممكن العمل به فيعملون بضده معتمدين على ما شاهدوه من قدوتهم وهنا تكمن خطورة الاقتداء عندما ينحرف صاحبه .

(8/491)


وأريد أن أختم هذه الأهمية لعملية الاقتداء بما ذكر سيد سابق وفقه الله في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) إذ يقول : ( والقدوة الطيبة والأسوة الحسنة لها شأن كبير وأثر بعيد المدى في نفس الإنسان ونجاحه في الحياة ، إذ هي هاد يشير إلى المثل الحي والفضيلة المجسمة وعرض للنماذج البشرية الصالحة التي يراد محاكاتها والاقتداء بها . وقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي برسل الله وأنبيائه الذين تقدموه فقال تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 25 ) .
ومن كل ما تقدم في هذا الفصل يصبح الأمر واضح في نظر القائد وضوح الشمس بأنه قدوة وأن هذه المكانة التي هو فيها توجب عليه أن يتلمس مستتبعاتها فيدرك أنه مؤهل لأن يمارس واجبا آخر يقوم بدور مهم ألا وهو الدعوة إلى الله عز وجل الذي لا فكاك له منه ويتبين ذلك من خلال أسطر الفصل بعده ( القائد قدوة ومحتسب بين أفراده ) .

الفصل الثاني : القائد قدوة ومحتسب بين أفراده
تقرر معنا في الفصل قبله أن القائد قدوة وأنه لا مناص له من هذا الدور مادام يشغل منصب القيادة ، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من وقفة نحدد فيها ملامح شخصية القدوة بشكل عام وكيف يمكن إعداده حتى يكون ذلك عونا له كيما يعد نفسه على وحي من ذلك فيكون متصفا بصفات القدوة الصالحة التي بها ينجح في قيادته ودعوته إلى الله بين أفراده .
وفي نقاط مختصرة نستطيع أن نحدد تلك الملامح للقدوة التي جاءت في القرآن من خلال النقاط التالية :

(8/492)


(1) أن القدوة ( القائد ) صنف من البشر قد اختاره الله لأن يكون راعيا ومسئولا عن رعيته وهذا يوجب عليه أن يكون محتسبا في الدعوة إلى الله وهذا التشريف له بهذه المسئولية هو في الوقت نفسه تكليف يقول الله في شأن هذا التكليف ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) ( 26 ) ، ويقول ( الله يجتبي إليه من يشاء ) ( 27 ) ، ويقول ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 28 ) .
(2) إن القدوة وهو مختار ، ملزم بمتابعة منهج لا يحيد عنه ، وهذا المنهج هو ما جاء به الإسلام يقول الحق موجها كل أتباع هذا الدين ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ( 29 ) .
(3) أن القدوة تحوطه عناية الله وتوفيقه مادام مستقيما على منهج الله ومطبقا له في نفسه ومع الآخرين وهذه العناية وهذا التوفيق متمثل في نصر الله له وتثبيته له يقول الله في ذلك ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (30) ويقول تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) (31) .
(4) أن القدوة الذي يحالفه النصر من الله والتوفيق والثبات على منهجه يكون قد أصبح في درجه تؤهله بأن يكون قدوة صالحة يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر ، وعندها تحصل له الخيرية التي وعد الله بها من يقوم بذلك ويحصل له الاجتباء والاختيار يقول الحق تبارك وتعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر … الآية ) (32) ، ويقول ( واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) (33) .

(8/493)


هذه إذن نقاط بارزة يجب أن تظهر في شخصية القدوة الذي يجب على الأمة أن تعد أبناءها الذين سيصبحون في يوم ما قادة لأمتهم يحملون رسالتها ويدعون إلى مبادئها ، ولن يكونوا على مستوى هذه المهمة ، إلا إذا تم لهم ذلك الإعداد الذي يتطلبه إعداد القدوة ، وهذا الإعداد يتطلب أن ندرك أن الإنسان الذي يمثل هذا الدور ( دور القدوة ) يولد ومعه بعض الصفات الموروثة التي يمكن استغلالها وصقلها ، ومن هذه الصفات الذكاء ، والفطرة المستقيمة ( كل مولود يولد على الفطرة … الحديث ) . أما الصفات المكتسبة من البيئة التي يعيش فيها الشاب كالتقاليد واللغة والروح الجماعية والانعزالية وغيرها فيمكن استغلالها وتوجيهها في نفس هذا الشاب على نحو ما تدعو إليه عقيدته ويسير في مرضات ربه . ولو فتشنا من حولنا كيف يتم إعداد الفرد الذي يراد له أن يمثل فكرة مذهبية ، أو سياسية كما هو الحال مثلا في مدارس ما يسمى بالتبشير ( التنصير ) لرأينا العجب ، في ضخامة الجهود التي تبذل والوسائل والأساليب التي تتخذ لكي تعد هذا الشخص للقيام بأعباء هذه المهمة التي سيتولاها في التنصير ، فهم مثلا يقومون باختيار طلاب هذه المدارس بواسطة شروط معينة ثم يقومون بعد ذلك بعزله عن مجتمعه تماما لكي يتكون تكوينا خاصا في بيئة أعدت له خصيصا ، ثم بعد ذلك تخرجه إلى الناس وقد انغرست فيه هذه المبادئ وأصبح ينشرها ويدافع عنها كأقوى وأخلص ما يكون .
فما أحرى القائد وقد بلغ من العقل والوعي والإدراك لأبعاد ما هو فيه من مسئولية ، أن يعد نفسه الإعداد المناسب لكي يتولى مهمة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين مرؤسيه على أكمل وأحسن ما يمكن ، وأنه إذ يقوم بإعداد نفسه إعدادا يتناسب وعظم المسئولية المنوطة به ، يجب أن يدرك أن ذلك لا يتأتى له إلا إذا فقه دينه ، وعلم بمقاصده حتى تكون دعوته واضحة والاقتداء به مأمون .

(8/494)


ولعل من أبرز وأهم ما يمكن أن يعد به القدوة لكي تتحقق الثمرة من الاقتداء به أن يهتم بثلاث أساسيات في ذلك ، هي ركائز لا يكون القائد قدوة صالحة دون وجودها في ثقافته وتربيته وهذه الركائز هي العقيدة ، الأخلاق ، والعلم .
فأما العقيدة ودورها في تكوين القدوة فهو دور أساسي يفوق في أهميته وضرورته . وأثره في حياة المسلم بصفة عامة ، والقدوة بصفة خاصة ، كل المؤثرات والأسباب الأخرى . وقائد ليس له عقيدة لا يكون محل اقتداء ( بل هي قضية مصيرية تميز بين القائد الحق المؤمن وبين القائد المزيف ) (34) فالعقيدة الراسخة ضرورة لكل قائد وليس بقائد حقا من لا يتحلى بعقيدة راسخة تجعله موضع ثقة رؤسائه ومرؤسيه على حد سواء إذ أن تبادل الثقة بين القائد ورجاله تجعلهم يسيرون وراءه للموت ، وهم قطعا لا يسيرون إلى الموت وراء قائد لا يثقون به . والعقيدة هي التي تشكل في القائد الشخصية المتميزة التي تعرف هدفها وتعمل على تحقيقه . وأما إعداد القدوة خلقيا فإننا نعني بذلك الإعداد الخلقي للقدوة بأن يكون مع الناس جياش العواطف كبير القلب ينبسط للخير ويفرح به للآخرين ويحرص عليه ، وينقبض عن الشر ويضيق به ، ويفر منه وهذا هو جوهر الإيمان(35).
ولو تتبعنا اهتمام الإسلام بأمر الأخلاق التي اعتبرناها ركيزة أساسية في إعداد القدوة لعرفنا مدى أهمية إعداد القدوة خلقيا وتزويده بالأخلاق الإسلامية ، ثم لوجدنا أن مبعث الأخلاق يستند إلى نص إلهي يحقق للإنسان نموا اجتماعيا وحضاريا ، والأخلاق الإسلامية ليست في جانب دون آخر بل هي شاملة لكل الجوانب التي تمس معاملات وآداب المسلم ( فالأخلاق الإسلامية تدفع بطبيعتها إلى التكامل في البناء الاجتماعي الذي يقوم بتوطيد العلاقات الإنسانية بين الناس على أسس الإيمان والإخلاص .

(8/495)


والأخلاق الإسلامية وإن اتفقت مع بعض الأخلاق غير الإسلامية في المسمى إلا أنها تختلف عنها من حيث المصدر والتحلي والتطبيق . فالإسلام في باب الأخلاق يوصل الأخلاق الأساسية الإنسانية ويوطد أركانها في جانب ، ويوسع في تطبيقها بحيث تشمل مظاهر الحياة الإنسانية كلها في جانب آخر ، وخذ لذلك مثالا للصبر ، فمهما بلغ الرجل الغاية في الصبر واستولى على الأمر في حلبته ، فلابد أن يقف تحمله وينفذ ثباته عند حد معلوم إذا كان لأغراض عاجلة ويستمد قوته ويتغذى من الجذور الفكرية للشرك والعبودية المادية .
أما الصبر الذي يستجلب قوته من جذور التوحيد والذي لا يبتغي من ورائه إلا وجه الله تعالى فهو كنز مكنون لا تصل إليه يد السارق(36) .
والإسلام يظهر ويبرز قيمة الفضائل الخلقية التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم سيما الإنسان الذي نتكلم عنه هنا وهو القائد ( القدوة ) .
ويمكن تلخيص وجهة نظر الإسلام في شأن تربية الإنسان المسلم وإعداده خلقيا في النقاط التالية التي وردت في كتاب سيد سابق ( دعوة الإسلام )
ومنها :
(1) أن الإنسان خلق مزودا بقوى واستعدادات يمكن أن توجه إلى الخير كما يمكن أن توجه إلى الشر ، مع التفاوت في ذلك لأن الناس كما قال عليه الصلاة والسلام ( معادن كمعادن الذهب والفضة ) (37) .
(2) أن كل إنسان مسئول عن تهذيب نفسه وإصلاحها ، يقول الله عز وجل ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) (38) .
(3) أن تزكية النفس وإصلاحها هو سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة وإهمالها هو سبيل الخسران ( والعصر إن الإنسان لفي خسر … الآية ) .

(8/496)


(4) إصلاحها وتزكيتها ويتمثل في التخلص من الهوى وفي كبت الشهوة والارتفاع عن المادة والسمو عن النقائص الخلقية فإن الهوى داعية للشر والفساد وصاد عن الحق وصارف عن الهدى والرشاد كما أنه مطية للشيطان وباب ينفذ منه إلى بني آدم ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله) (39).
(5) وهذا التخلص من الهوى يحتاج إلى مجاهدة شاقة ، صبر ، وجلد فإن طريق الوصول إلى تلك المرتبة التي نريد أن يصل إليها القدوة ليست مفروشة بالورود والرياحين يقول صلى الله عليه وسلم ( … وحفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره … ) (40) .
فإذا تربى القدوة تربية خلقية على هذا الأساس ضمن لنفسه التحلي بهذه الفضائل الخلقية التي تؤهله لمهمته كقدوة ، والفضائل والأخلاق التي دعى إليها الإسلام كثيرة لعل من أبرزها ؛ الصدق ، الأمانة ، العفاف ، الوفاء، الشجاعة ، التضحية ، الإيثار ، قوة الإرادة ، الصبر ، التفاني في سبيل الحق ، الصبر والثبات ، الطاعة ، التذلل لله ، الإخاء والحب في الله والبغض في الله ، الرحمة، الحياء ، الثقة ، العفاف ، العزة ، والجود ، الكرم ، الأخلاق ، التواضع ، الحلم ، الرفق وكل ما خلق يحبه الله ودعى إليه القرآن أو ورد في السنة .
وأما تحصين القدوة بالعلم فلأن العلم فعلا حصانة من الزلل بل هو له بمثابة السلاح للجندي في ميدان المعركة . وهو الوسيلة الضرورية لإيصال ما يفترض أنه يملك من الخير والفضائل إلى الآخرين وهذا هو في الحقيقة أثر العلم وفائدته بعد أن يكون القدوة قد حصله وتحصن به .

(8/497)


وإلى جانب كون العلم وسيلة لتوصيل ذلك الخير الذي يفترض أن يحمله ليقتدى به على أساسه فهو في الوقت نفسه ذو فائدة للقدوة إذ به ( أي العلم ) يمكن أن يحصن نفسه من الزلل لأن العلم نور يهتدي به المسالم في دياجير الحياة وظلماتها ، فبالعلم يميز بين الخطأ والصواب ، وأنظر معي إلى قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه يوصي كميل بن زياد بأن يحصل العلم ويحترس به ويتحصن ( يا كميل العلم خير من المال ، فالعلم يحرسك وأنت تحرس المال ) (41) .
والقدوة الذي يعد إعدادا عقيديا ليقوم بالدعوة إلى الله يعتبر ربانيا لأنه يعلم الناس الخير يقول الله تعالى في ذلك ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) (42) .
وقد اختلف العلماء حول هذه النسبة فبعض العلماء قال سموا بذلك لأنهم يربون العلم ( أي يقومون به ) وزيدت الألف والنون للمبالغة(43) .
في حين أن البعض يقول أن تلك النسبة إلى الرب فيقال هو رباني لأنه يقصد تنفيذ ما أمره الله به من العلم والعمل .
فإذن القدوة بتلقيه العلم ثم بتعليمه للناس يكون ربانيا وهذه منزلة شريفة لا ينالها إلا إذا كان عالما ومعلما للخير . ولذلك اهتم الإسلام بأمر العلم اهتماما كبيرا ورغب فيه ترغيبا عظيما دل كل ذلك على أهميته وضرورته ويكفي في الدلالة على ذلك أن أول آية أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت دعوة إلى العلم ( إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم … الآية ) (44) .
والنصوص التي جاءت تحث على تحصيل العلم كثيرة جدا ، يكفي أن أحد الباحثين قام بإحصاء تلك الآيات التي تلفت أنظار الناس إلى أسرار الكون وتحثهم على استجلاء غامضها فبلغت خمس القرآن(45) .

(8/498)


أما حامل العلم فمنزلته في الإسلام رفيعة والنصوص التي جاءت تبين ذلك كثيرة جدا ويكفينا أن نثبت هنا قليلا منها ؛ أولها أن الله رفعهم بقوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) ، ويقول سبحانه :
( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) (46) ، ويقول ( العلماء ورثة الأنبياء ) ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة .
والآثار أيضا في فضله كثيرة أكثر من أن نستقصيها هنا لعل من أبرزها قول عبدالله بن المبارك رحمه الله عندما سئل ( فقيل له : من الناس ؟ قال : العلماء . قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد . قيل : فمن السفلة ؟ قال : الذين يأكلون الدنيا بالدين ) . قال الغزالي ( حجة الإسلام ) تعليقا على هذا القول من ابن المبارك ، قال : ( فلم يجعل ( يعني ابن المبارك ) غير العالم من الناس ، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم . فالإنسان بما هو شريف لأجله ؛ فليس ذلك بقوة شخصيته فالجمل أقوى منه ، ولا بعظم خلقته فالفيل أعظم منه ، ولا بشجاعته فالسباع أشجع منه ، ولا بأكله فالثور أوسع بطنا منه ، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه ، بل لم يخلق إلا للعلم ) (47)
ومن كل ما تقدم وغيره كثير ، يتبين لنا مدى أهمية هذا السلاح للقدوة في أي موقع كان من مواقع الحياة قائدا أو غير قائد .
ولكن القائد حاجته لهذا السلاح كبيرة لأنه محتسب للخير والعمل به بين أفراده يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر حتى يوفي بمسئوليته التي استرعاه الله إياها ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته … ) (48) .

القائد محتسب مكلف :

(8/499)


قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس أن القيام بالاحتساب الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعين على فئات من المجتمع دون أخرى ، وهذا فهم لاشك بأنه قاصر . فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فريضة لا تسقط إلا بالأداء ، والمسلم مطلوب منه أن يقوم بهذا الواجب على حسب علمه وقدرته وفي شأن هذا الوجوب يقول الحق تبارك وتعالى ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (49) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) (50) والوجوب في هذين النصين هو وجوب عيني لا كفائي ولا يسقط إلا بالأداء لأن ( من ) في النصين السابقين هي للبيان وليست للتبعيض كما يقول أهل اللغة(51) .
وعلى هذا فالوجوب في حق القائد جاء من جهتين الأولى كونه مسلما، والثانية كونه مسئولا ، فأصبح بالثانية محتسبا مكلفا يترتب عليه من الوجوب ما لا يترتب على المحتسب المتطوع .
فإذا علم هذا فإن الأمر يحتاج إلى أن نزود القائد القدوة المحتسب بشيء من فقه الحسبة ، حتى يكون أداءه مميزا وعمله منضبطا بضوابط الشرع . وما سنثبته هنا تعريف الحسبة والمحتسب حتى نكون مفهوما وإطارا عاما لهذا العمل ومن يقوم به ، ثم نحاول أن نبين طرفا من أهمية الحسبة وبعدها . نتعرف على الشروط الواجب توفرها في المحتسب وكذا الآداب ومن ثم نحدد شروط إنكار المنكر ، وخطوات إنكار المنكر ، ومراتب تغيير المنكر ، وآخر ذلك نتلمس ضوابط إنكار المنكر بالقلب ، محاولين أن تكون كل هذه في نقاط مختصرة وعلى من أراد التوسع في ذلك العودة لكتاب الحسبة في الماضي والحاضر بين ثبات الأهداف وتطور الأسلوب ) المجلد الأول للباحث ، وهذا استعراض موجز لتلك الأحكام في الكتاب نفسه :
أولا : تعريف الحسبة :

(8/500)


في اللغة يقول ابن منظور في لسان العرب (الحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله) (52) .وتعاريفها واشتقاقها كثيرة يجمع بينهما هذا التعريف :( الحسبة لغة من احتساب الأجر عند الله على العمل ،وطلب ثوابه ، بإنكار المنكر والأمر بالمعروف في حسن تدبير ونظر ) (53) .
وأما تعريفها في الاصطلاح فكما جاء في كتاب ( الحسبة في الماضي والحاضر ) وهي من أكثر المصطلحات إن لم تكن أكثرها على الإطلاق ، التي اختلف في معناها وتعددت تعاريفها ، وذلك في الغالب ناشئ عن اختلاف الأفهام والنظرة للدور الذي يقوم به المكلف بها داخل المجتمع ، ولكن سأحاول أن أثبت هنا أشهر تعريفين لهذا المصطلح حسب ما أراه ؛ أولهما تعريف الماوردي في كتابه القيم ( الأحكام السلطانية ) (54) حيث يقول ( الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي المنكر إذا ظهر فعله ) .
وثانيهما تعريف آخر أحسبه جامعا مانعا للحسبة وهو ( الحسبة عمل يقوم به المسلم لتغيير منكر ظاهر أو أمر بمعروف داثر من خلال ولاية رسمية أو جهود تطوعية ، وعلى المكلف بها ما ليس على المتطوع ) (55) .
وفدلكة ومحترزات هذا التعريف تتمثل في أنه يعطي صورة واضحة وشمولية للحسبة وأنها فريضة إسلامية عينية ، أو كفائية على حسب حال المتولي لها مكلفا أو متطوعا فهي عينية في حق المكلف كالمعنى معنا في هذا البحث وهو ( القائد ) وكفائية في حق التطوع كما قرر ذلك الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية بقوله ( إن فرضه ( أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) متعين على المحتسب ( الوالي ) بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل فروض الكفاية) (56).

(9/1)


كما أنه قد روعي في هذا التعريف أن يشتمل على ما يقوم به المحتسب للوالي والمتطوع وأنه ( أي الاحتساب ) عمل لا يسمى حسبة إلا إذا أتى من المسلم ، ولو جاء من غيره فلا يسمى حسبة وإن وافق صورته ، ولم يغفل فيه تلك الضوابط والقيود التي قررها الفقهاء من قبل ، كقيود ظهور المنكر وترك المعروف ثم أشير في نهاية التعريف إلى أن هناك فرقا بين احتساب كل من المكلف والمتطوع وبهذا كان هذا التعريف في نظري جامعا مانعا .
ثانيا : أهمية الحسبة :
إن قيام الحسبة في أي مجتمع كان هي بمثابة صمام أمان لذلك المجتمع ، أو هي بمثابة جهاز صيانة دائمة في أوساط المجتمع ، تحول بين أفراد ذلك المجتمع وبين الوقوع في مخالفة الشرع . فالحسبة بمفهومها الشمولي العام لا غنى عنها لأمة أو مجتمع يريد أن يطبق منهج الله في أرضه فبقيامها تحصل له الخيرية الواردة في قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر … الآية ) (57) .
ولا أبالغ إذا قلت بأن نظام الحسبة الذي هو نظام إسلامي أصيل وهو الوجه العملي التطبيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لحمة هذا الدين ( الإسلام ) ، بل الشريان الذي تسري من خلاله الأخوة الإسلامية ، والمودة ، والتراحم ، والترابط الذي يجب أن يتم بين الأمة أفرادا وجماعات .
فكيف يمكن أن تتصور مجتمعا ضاع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشرت فيه المنكرات ؟ إنه مجتمع لا يمكن أن تنتظم الحياة فيه ، ويأمن فيه المسلم على ضروراته الخمس ؛ الدين ، العرض ، النفس ، المال ، العقل .
ولذلك نرى أن أمة من الأمم قد فضلها الله يوم أن كان هذا الأمر قائما فيها ، فلما اندثر فيها مقتها الله ولعنها ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) (58) .

(9/2)


والحسبة نوع من أنواع التكافل الإجتماعي ألم يقل الحق سبحانه وتعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ) (59) .
بل عده ابن تيمية ( بأنه القطب الأعظم في الدين الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوى بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد ) (60) .
ونختم استعراض هذه الأهمية بذكر ذلك المثال الرائع الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين فيه مدى خطورة ضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مجتمع فهو يقول ( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذي من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجواونجوا جميعا) (61) .
ولأهمية الحسبة وشرف منزلتها في الإسلام فإنه كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها (62) .
وانطلاقا من هذه الأهمية للحسبة فإن تعلما ومعرفة أحكامها وفقهها لا يقل أهمية عن ما نوهنا عنه اعلاه( فالاحتساب من أدق العلوم وأسماها ، ولا يدركه ويقوم به إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب ، ولا تسند ولايته إلا لمن له قدرة قدسية مجردة عن الميل والهوى ) (63) . واكتملت في حقه الشروط والآداب التي قررها الفقهاء والتي يأتي بيانها .
ثالثا : تعريف المحتسب :
كما مر معنا في تعريف الحسبة من أنه قد تعددت تعاريفها فإن تعريف المحتسب أيضا قد تعددت تعاريفه وسأختار أحدها ثم أناقشه .

(9/3)


( فالمحتسب مسلم يسعى لتغيير المنكر وإقامة المعروف وفقا لمنهج الشريعة إمتثالا لأمر الله وطلبا لثوابه متوليا ومتطوعا ) (64) ، ففي قولي ( مسلما ) أعني أن غير المسلم لا يعتبر عمله وإن كان تغييرا للمنكر حسبة ، لأن من أول شروط المحتسب كما سيأتي أن يكون مسلما ، ولأن دافع المسلم في تغيير المنكر وإقامة المعروف غير دافع الكافر ، فالأول دافعه تعبدي بخلاف الثاني . وقولي ( وفقا لمنهج الله ) قيد لئلا يتجاوز المحتسب وهو يؤدي واجبه ، ما أمر به الشرع ونهى عنه ، وأما قولي ( إمتثالا لأمر الله ) فلأننا عرفنا فيما تقدم أن القيام بالحسبة واجب على المسلم يؤديه مع غيره ، وأما قولي ( وطلبا لثوابه فإنه مر معنا في تعريف الحسبة لغويا أن المسلم يقوم بذلك ويرجو عليه الثواب من الله ، وأما قولي ( متوليا أو متطوعا ) فحتى لا يفهم أن الحسبة لا تكون إلا من المكلف من قبل ولي الأمر كما فهمه بعض من عرف الحسبة ، مما لم نستعرض تعريفه ، فإذا كان الذي يعرف الفاعل للعمل هو العمل نفسه فالمكلف والمتطوع في ذلك سواء.
رابعا : شروط المحتسب :
حتى ينهض المحتسب بعمله على الوجه الذي يرضي فلابد من توفر مستلزمات في نفسه أولها وأهمها توفر شروطا معينة بذل الفقهاء جهودا مشكورة في تحديدها .
والشروط التي حددها الفقهاء للمحتسب على ضربين ؛ شروط متفق عليها وأخرى مختلف فيها .
أ . الشروط المتفق عليها .
(1) الإسلام : وهذا شرط بدهي في كل الواجبات الدينية إذ أن ما يقوم به المحتسب هو من الواجبات الدينية التي يراد بها نصرة الدين وإعلاء كلمته . وغير المسلم جاحد لأصل الدين فكيف يكون من أهل الوجوب فيه ، ثم إنه لا ولاية لكافر على مسلم . ثم إن تكليف غير المسلم للقيام بعمل المحتسب هو إكراه له على القيام بعمل لا يعتقده ، ولا إكراه في الدين كما جاء في القرآن .

(9/4)


(2) التكليف : الاحتساب واجب شرعي ولا وجوب على غير المكلف وحد التكليف البلوغ من المكلف ، وهذا يدخل في شروط الوجوب ، فأما إمكان الفعل فلا يستدعي إلا العقل إذ بإمكان الصغير المميز أن يقوم بعمل المحتسب وليس لأحد منعه من ذلك .
(3) العلم . واشتراط العلم أمر يتطلبه حسن الأداء حتى يكون أمر المحتسب ونهيه تبعا لأمر الله وأمر رسوله فإن المراجع في تحديد القبح والحسن هو كتاب الله وسنة رسوله ، فلربما استحسن بعض الناس بعقله ما قبحه الشرع أو استقبح ما حسن الشرع ، وعلى هذا نجد قولا لابن تيمية رحمه الله يقوله فيه ( ولا يكون عمله ( أي المحتسب ) صالحا إن لم يكن بعلم وفقه في الدين كما قال عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله : من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ) . وكما قال معاذ رضي الله عنه:( العلم إمام العمل والعمل تابعه ) (65).
(4) القدرة : يقول الله تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) وأي واجب في أحكام الشريعة الإسلامية لا يكون إلا في حدود القدرة ووسع المكلف . فيشترط في المحتسب القدرة وإلا سقط عنه الوجوب عند الجمهور وعدم القدرة قد يكون حسيا لضعف ، أو مرض ، أو غي ، أو ضرس في اللسان وغيرها ، وقد يكون معنويا كأن يتوقع المحتسب أن يصيبه شر في نفسه أو ماله أو عرضه ، وليس من عدم القدرة مجرد الهيبة فقط ، ولذلك روى الترمذي وغيره ( أن لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه ) (66) . وعدم القدرة إذا ثبت يرفع الوجوب عن المكلف في المرتبتين الأولى والثانية ( أي مرتبة تغيير المنكر باليد واللسان ) ، أما المرتبة الثالثة وهي مرتبة التغيير بالقلب فلا يرتفع الوجوب في حقه وستأتي ضوابط الإنكار بالقلب بعد قليل .
(5) أن يكون ذا رأي وصرامة وقوة في الدين .

(9/5)


(6) أن يكون عفيفا متورعا عن أموال الناس ؛ لأن ذلك يؤثر بشكل مباشر على عمله ويهز شخصيته في نظر المحتسب عليهم ومن ذلك الهدية في كثير من الأحيان .
ب . الشروط المختلف فيها :
1. العدالة .
2. الاجتهاد .
3. إذن الإمام .
4. الذكورة .
5. الحرية .
هذه الشروط الخمسة هي التي حصل بين الفقهاء اختلاف فيها إذ أن بعضهم يرى أن في إشتراطها تضييق لدائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تتوافق مع منطوق عموم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك ، أما البعض فيشترطها أو بعضها احتياطا للقيام بهذه المهمة الجليلة متأولين في ذلك نصوصا من الكتاب والسنة . والكلام يطول في إثبات أدلة كل فريق ورد الفريق الثاني وأنا أرى أن هذا ليس مكان بسطها ويمكن لمن أراد التقصي أن يعود لذلك في مظانها في كتب الفقه ( أبواب الحسبة ) .
فأما الذين إشترطوا العدالة فهم قليل في مقابل من لم يشترطها ، وأما إذن الإمام فالذين إشترطوها أيضا قليل وهم يشترطونها في حق المحتسب المتطوع ، أما المحتسب المكلف ، فإنهم يرون أن قرار التولية يشتمل على الإذن وغيره(67) ، وهذا ينسحب على قرار تعيين القائد ، وأما شرط الإجتهاد ، فلو قلنا به لضاقت جدا دائرة المعروف والنهي عن المنكر ، حتى يصبح الذين يقومون به فئة قليلة من المجتمع وخرج بذلك فئات كثيرة لا تخرجهم نصوص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قلنا بأنها تجعل القيام به من فروض الأعيان على من رآه وكان مسلما.
وكذلك بالنسبة لإشتراط الذكورة فنحن نكون باشتراطها قد عطلنا وأعفينا نصف المجتمع من القيام بهذا الواجب الشرعي العظيم مع أنه يمكن للمرأة أن تحتسب في وسطها وفي بيتها ، ولكن رد بعضهم وقال نشترط الذكورة فقط في ولاية الحسبة وما عداها لا نشترط الذكورة .

(9/6)


والذين اشترطوا الحرية قالوا لأن العبد وقته لسيده وبذلك فليس له أن يحتسب إلا بإذنه ، والصحيح أنه مسلم يمكنه أن يأمر وينهي في حدود استطاعته وقدرته ولا يعفيه الرق من هذا الواجب الإسلامي الجليل .
خامسا : آداب المحتسب :
لابد للمحتسب من أن يتحلى بآداب ذاتية تجعل منه نموذجا يمثل الإسلام في أبهى وأحسن صورة ليكون ذلك أدعى للآخرين لامتثال أمره ونهيه والاقتداء بفعله وآداب المحتسب التي نريد أن نثبتها هنا تنقسم إلى قسمين أولهما ذاتية يحققها في نفسه وآداب مع الآخرين تظهر عند احتسابه عليهم .
أ . الآداب الذاتية :
(1) الإخلاص .
(2) التقوى .
(3) أن يعمل بما يقول ولا يكون قوله مخالفا لفعله .
(4) المواظبة على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
(5) التحلي بالصبر فهو عدة عظيمة لمهمته وسلاح يحتاج له لإنجازها .
(6) عليه أن يكون حذرا فطنا لا ينخدع بحيل المستهترين وألاعيب العابثين .
(7) عليه أن يكون على وعي بعلم الواقع وثقافة العصر الذي يعيشه .
ب . آدابه مع الآخرين :
(1) الرفق واللين في القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره ونهيه .
(2) الحلم والأناة وعدم تعجل العقوبة .
(3) أن يتعامل مع الناس بالصدق والأمانة وعدم الخيانة .
(4) محاولة تقليل علائقه عند الآخرين حتى لا تؤثر على عمله .
(5) أن يكون باعثه العطف والشفقة على المعاصي ( لأنه ( أي - المحتسب – بمثابة الطبيب ) .
سادسا : شروط إنكار المنكر :
بقدر حرص المحتسب على تغيير المنكر ، وإزالته ، فإن ذلك لا يكون سببا كافيا لوقوعه فيما يبطل إحتسابه . لأن لكل منكر ضوابط ومعايير تسمى شروط إنكار المنكر ، ومن أبرزها ما يلي :
أ - وجود منكر يستدعي الإحتساب . وضابطه الوجود ( أي يكون منكرا ظاهرا دون الحاجة إلى الإجتهاد ، فكل ما هو محل للإجتهاد لا محل فيه للإنكار على سبيل الإلزام .

(9/7)


ب - أن يكون المنكر المحتسب فيه محذور الوقوع في الشرع . لأن المعروف ما جعله الشرع معروفا ، والمنكر ما جعله الشرع منكرا .
ج - أن يكون المنكر قد وقع فعلا أو ظهرت العزيمة على فعله ، والمنكر الذي وقع لابد أن تتجمع لدى المحتسب المكلف أدلة كافية ومنها الظهور ، إذ بدون الظهور يوقع المحتسب نفسه في محذور شرعي آخر هو التجسس وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله ) (68) . والظهور ظهوران ؛ ظهور حقيقي ومثاله رجل خلى بآخر ليقتله ، وظهور حكمي ومثاله تتبع مرتكب الجريمة بعد خروجه مباشرة من مكان وقوعها .
د - أن يدفع المنكر المحتسب فيه بأيسر منه فإذا كان يدفع بأشد ترك الإحتساب .
سابعا : خطوات إنكار المنكر :
اتفاق شبه تام بين الفقهاء الذين استنبطوا أحكام الحسبة وخطوات إنكار المنكر فهم يرون أن على المحتسب أن يأخذ الأمر خطوة خطوة ، فلا يثبت على أول خطوة يبدأها في الإنكار ولا يقفز إلى آخر خطوة يستدعي الأمر الوصول إليها ، فهو لا يحاسب ويعاقب لأول زلة تبدو من المحتسب عليه ، لأن العصمة في الخلق مفقودة إلا من عصمه الله كالأنبياء والرسل . ومن هذا المنطلق وجب على المحتسب أن يسلك طريقا اتفق على تسميته مراتب الإحتساب أو خطوات إنكار المنكر وهي على النحو التالي :
أ - التعريف بالمنكر وأنه محذور الوقوع في الشرع .
ب - الوعظ بما يهز النفوس ويبعد عن الإثم بأسلوب الترغيب والترهيب .
ج - الزجر والتأنيب بالقول ، والشدة في التهديد ، وهجن الخطاب ، وهذا في حق من لم تنفع معه الخطوتان السابقتان .
د - إذا لم تنفع الخطوات السابقة ينتقل إلى مرحلة أقوى وهي إزالة المنكر بالقوة حيث من شأن هذه الخطوة أن تحول بين الفاعل وما يريد ارتكابه من منكر كإراقة الخمر لمن يريد شربه .

(9/8)


هـ - إيقاع العقوبة التي هدد بها المحتسب وهذه الخطوة ليست لكل المحتسبين وإنما هي للمحتسب المكلف ( القائد ) وليست لكل محتسب لا يملك صلاحية إيقاع العقوبة . لكن عليه الرفع لمن يستطيع إيقاع تلك العقوبة على فاعل المنكر .
ثامنا : مراتب تغيير المنكر :
هذه المراتب مدارها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) (69) ، وهذه المراتب كما لاحظنا تختلف عن الخطوات السابقة فالخطوات تبدأ من الأخف للأشد بينما المراتب تبدأ من الأشد للأخف . كذلك فالتغيير فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين بينما الإنكار فرض عين ، ومن الفروق بينهما أيضا أن التغيير يحتاج إلى قوة ، بينما الإنكار لا يحتاج إلى تلك القوة ، ومن الفروق أيضا أن الخطوات تكون قبل وقوع المنكر بينما مراتب تغيير المنكر تكون أثناء الوقوع في المنكر وبعده
تاسعا : شروط وضوابط التغيير بالقلب :
عرفنا في مراتب تغيير المنكر بأنها تبدأ بالقوة ، ثم اللسان وهي أخف ، ثم تنتهي للتغيير بالقلب ، وقد يعجز بعض الناس عن القيام بما تتطلبه المرتبتين الأولى والثانية لأسباب كثيرة ولكنه لا يعجز أحد مهما كان ضعفه من الإنكار بالقلب ومن ثم التغيير بواسطة هذه المرتبة سيما إذا تحسس المسلم الضوابط والشروط التي يجب أن يتحلى بها المغير بهذه المرتبة . إذ أن التغيير كما جاء في نص الحديث يقتضي الوجوب حسب الإستطاعة لكن لم يستثنى أحد من هذا الوجوب . وبعض الناس تراه يرى المنكر أو يجالس أهله ولا يغير فتقول له لماذا لم تغير المنكر ؟ قال لا أستطيع ولكن أنكرته بقلبي ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! أي أنه يدعي أنه انتقل إلى المرتبة الأخف في التغيير . قلنا له ما رأينا شيئا من ضوابط هذا التغيير بالقلب ؟ قال وما هي تلك الضوابط ؟ قلنا له الآتي :

(9/9)


أ - تغيير ملامح الوجه : فإن من اغتاظ من أمر بدت علائم الغضب على وجهه وبما يشعر من حوله أنه غاضب ومستاء حتى ولو لم يتكلم .
ب - كثرة الحركة في المكان ، وتوالي الزفرات : فهذا أيضا يشعر صاحب المنكر الذي تجالسه ولا تستطيع أن تكلمه لشره أو لكونه رئيسا كبيرا وتخافه بأنك منكر لما يفعل ويقوم به .
ج - مفارقة المكان : وهذا أقل وأسهل ما يمكن أن يفعله المنكر بالقلب وهو في متناول كل أحد يقول الحق تبارك وتعالى ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره … الآية ) (70) .
وفي ختام هذا الفصل أود القول بأن النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كفيل بأن يصور للمحتسب كل هذه الأحكام المتعلقة بالحسبة في مواقف عملية حدثت في حياته عليه الصلاة والسلام .

الخاتمة :
لاشك أن كل أمة تعمل جاهدة عل تحقيق عزها ومجدها والأمة التي تتكون من مجموعات ومؤسسات وقطاعات وولايات يقود كل منها قائد تريد من هذا القائد أن يحقق أهدافها من خلال تبصره لمتطلبات قيادته وعمله بإخلاص وتفان في ذلك .
والقائد الذي يعد إعدادا صحيحا هو الذي يحقق لأمته عزها ومجدها بل وسؤددها , وما أحوج أمة الإسلام اليوم إلى وجود مثل هؤلاء القادة الذين ينشأون وهم على وعي تام بأهداف أمتهم ورسالتها بما يؤدي إلى نجاحهم وهذا ما نتمناه لأمة الأسلام التي تحمل أمانة هذا الدين العظيم وإبلاغه للناس وتحقيق عبودية العباد لربهم وهذا يتحقق بإذن الله تعالى بالتربية بالقدوة التي بها انتشر الإسلام وتخرج القادة من مدرسة النبوة ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) وفي هذا البحث المقتضب حاولت مجتهدا أن أبرز تلك الأهمية لواحدة من أهم وأنجح وسائل التربية ألا وهي القدوة التي تخرج بها قادة الأمة ونشر بها الإسلام في أصقاع المعمورة .

أهم نتائج البحث :

(9/10)


إن البحث فيما يتعلق بالقدوة وإعدادها هو من البحوث التي يصعب الإتيان على كل ما يتعلق بها وما ذاك إلا لأهمية الموضوع ودقة وحاجة الباحث فيه إلى تجارب تثريه وهذا مالا يتوفر لكل أحد 0
وأني ببحثي هذا فيما يتعلق بالاقتداء وفي حق فئة مهمة جدا وهم ( القادة ) قد توصلت إلى نتائج لعل من أبرزها :
1 - أن دراسة القدوة والتأكيد عليها من أبرز الدراسات التي تحتاجها الأمة اليوم وباستمرار حتى يعم ويسترسخ مفهوم أهميتها في أذهان الناس .
2 - أن أمتنا الإسلامية اليوم التي أهملت الاعتناء بمثل هذه الدراسة قد خسرت كثيرا ولو عادت للاهتمام بها لعاد إليها الكثير من عزها ومجدها المفقود .
3 - أن التركيز على فئة القادة من خلال مراحل التعليم والدورات هو من الأهمية بمكانة الصدارة .
4 - إلى جانب التركيز على دور القدوة فإن القادة بل كل أفراد المجتمع بحاجة ماسة وملحة بدورهم فيما يتعلق بالاحتساب ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما ركزت عليه في هذا البحث أيضا ) .
5 - أني أوصي بأن يكون ضمن مناهج التعليم العام ما يبرز أهمية القدوة حتىيتربى عليها شباب الأمة وقادة مستقبلها إما من خلال مادة مستقلة لذلك أو ضمن موضوعات مواد أخرى والله الموفق وهو المعين سبحانه وتعالى .

الهوامش والتعليقات

---
(1) لمجموعة من المؤلفين 2/321 ، الطبعة الثالثة .
(2) ابن منظور 15/171 ، طبعة دار صادر ، بيروت .
(3) فتح القدير للإمام محمد بن علي الشوكاني 2/137 ، طبعة دار الفكر .
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/237 ، طبعة دار الثقافة .
(5) سورة الأنعام ، الآية 90 .
(6) سورة الأحزاب ، الآية 21 .
(7) سورة آل عمران ، الآية 90 .
(8) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني . انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة . رقم 1233 .
(9) أصول التربية الإسلامية وأساليبها : عبدالرحمن النحلاوي ، ص229 ، طبعة دار الفكر .

(9/11)


(10) أصول التربية الإسلامية وأساليبها : عبدالرحمن النحلاوي ، ص229 ، طبعة دار الفكر .
(11) أصول التربية الإسلامية وأساليبها : عبدالرحمن النحلاوي ، ص229 ، طبعة دار الفكر .
(12) سورة يوسف ، الآية 108 .
(13) سورة الاحزاب الآية 21 .
(14) سورة الاحزاب الآية 21 .
(15) أي يهدي إليك .
(16) أي تشتري منه .
(17) رواه البخاري في كتاب البيوع باب (38) ورواه مسلم في كتاب البر باب(146)
(18) تفسير كلام المنان 6/208 ( بتصرف ) .
(19) القدوة الصالحة ( أخلاق قرآنية ونماذج ربانية ) : حسين أدهم جرار ، ص17 .
(20) سورة الصف ، الآيتان 2 – 3 .
(21) سورة الأحزاب ، الآية 21 .
(22) القدوة الصالحة أخلاق قرآنية ونماذج ربانية ، مصدر سابق ، ص27 .
(23) مجلة الأزهر ، الجزء الثاني ، ذو الحجة 1401هـ : بقلم اللواء محمد جمال الدين محفوظ ، ص53 .
(24) انظر مقدمة ابن خلدون ، مصدر سابق ، ص 33 .
(25) الموافقات ، 3/317 للإمام الشاطبي ( بتصرف ) .
(26) الدعوة إلى الإسلام لسيد سابق ، ص69 طبعة دار الكتاب العربي ، الزرقاء ، الأردن والاية في سورة الانعام رقمها (90).
(27) سورة الحج ، الآية 75 .
(28) سورة الشورى ، الآية 13 .
(29) سورة الأنعام ، الآية (90) .
(30) سورة الأنعام ، الآية 153 .
(31) سورة الروم ، الآية 47 .
(32) سورة آل عمران ، الآية 110 .
(33) سورة الأنعام ، الآية 87 .
(34) اللواء الركن/محمود شيت خطاب ، بين العقيدة والقيادة .ص 48
(35) دعوة الإسلام : سيد سابق ، ص65 ، طبعة دار الفكر ، بيروت .
(36) الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية : أبو الأعلى المودودي ، ط2 ، مؤسسة الرسالة ص 98.
(37) رواه مسلم . في كتاب الفضائل الباب 199 والبخاري في كتاب الانبياء الباب 19
(38) سورة الشمس .الاية 7
(39) سورة الجاثية ، الآية 23 .
(40) رواه مسلم .في كتاب الجنة باب (1) وبو داود في كتاب السنة باب (21)

(9/12)


(41) الاسس الاخلاقية للحركة الاسلامية مصدر سابق .
(42) سورة آل عمران ، الآية 79 .
(43) فتح الباري : لابن حجر 1/171 ، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
(44) سورة العلق الاية (1).
(45) هذا هو الإسلام : مصطفى السباعي ، ص17 ، ط المكتب الإسلامي .
(46) متفق عليه . رواه البخاري في كتاب العلم باب 10 ومسلم في كتاب الامارة باب 175
(47) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ، صفحة 1/7 ، طبعة دار الندوة الجديدة .
(48) رواه البخاري في كتاب الجمعه باب 11 وسلم في كتاب الامارة باب 20
(49) سورة أل عمران ، الآية 104 .
(50) رواه مسلم .
(51) انظر تفسير الآية في فتح القدير للشوكاني 1/369 ط دار الفكر.
(52) لسان العرب لابن منظور 1/314 .
(53) الاحكام السلطانية للماوردي ص240
(54) الحسبة في الماضي والحاضر مصدر سلبق 1/6
(55) الاحكام السلطانية مصدر سابق ص241
(56) الاحكام السلطانية مصدر سابق ص241
(57) سورة أل عمران ، الآية 110 .
(58) سورة المائدة ، الآيتان 78 – 79 .
(59) سورة التوبة .الاية 71
(60) انظر إحياء علوم الدين للغزالي 2/306 .فقد حكاه عن ابن تيمية
(61) رواه البخاري في كتاب الشركه باب 6.
(62) الأحكام السلطانية للماودي ، مصدر سابق .ص241
(63) معالم القربة في أحكام الحسبة ، لابن الأخوة ، ص4 .
(64) الحسبة في الماضي والحاضر ، مصدر سابق ، ص88 .
(65) الحسبة في الإسلام ، لابن تيمية ، مصدر سابق ، ص84 – 85 .
(66) رواه الترمذي في كتاب الفتن الباب رقم (26) وقال : حديث حسن صحيح وهو جزء من حديث طويل
(67) هموم المثقفين : د/محمد إمام ، ص106 .
(68) رواه الإمام مالك في الموطأ 2/825 والحاكم في المستدرك 4/244 وقال عن صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
(69) رواه مسلم في كتاب الايمان باب 7 واحمد 3/202
(70) سورة النساء ، الآية 140 .
المصادر والمراجع

(9/13)


1- إحياء علوم الدين للإمام ( حجة الإسلام ) الغزالي ، طبعة دار الندوة الجديدة .
2- أصول التربية الإسلامية وأساليبها ، عبد الرحمن النحلاوي ، طبعة دار الفكر .
3- الأحكام السلطانية للماوردي .
4- الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية ، أبو الأعلى المورودي ، طبعة دار الرسالة .
5- الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي ، طبعة دار الثقافة .
6- الحسبة في الإسلام ، لشيخ الإسلام ابن تيمية .
7- الحسبة في الماضي والحاضر ، د/ علي بن حسن القرني ، طبعة دار الرشد بالرياض .
8- الدعوة إلى الإسلام ، لسيد سابق ، طبعة دار الكتاب العربي - الأردن .
9- السيرة النبوية ، لابن هشام ، طبعة دار العلم .
10- القدوة الصالحة ( أخلاق قرآنية ونماذج ربانية ) ، حسين أدهم جرار ، طبعة دار الضياء - الأردن .
11- المستدرك للحاكم .
12- المعجم الوسيط في اللغة ، لمجموعة من المؤلفين .
13- الموافقات ، للإمام الشاطبي .
14- تفسير كلام المنان ، لفضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي .
15- حلية الأولياء ، لأبي نعيم الأصفهاني .
16- سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمد ناصر الألباني ، طبعة مكتبة المعارف - الرياض .
17- سنن ابن ماجه ، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد .
18- سنن الترمذي ، لأبي عيسى محمد بن سوره .
19- شرح المواهب ، للزرقاني .
20- صحيح الإمام البخاري ، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري .
21- صحيح الإمام مسلم ، أبي الحسين مسلم بن حجاج .
22- عظماؤنا في التاريخ ، د/ مصطفى السباعي ، طبعة المكتب الإسلامي .
23- فتح الباري ، شرح صحيح البخاري لابن حجر ، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
24- فتح القدير ( تفسير ) ، للإمام محمد بن علي الشوكاني ، طبعة دار الفكر .
25- لسان العرب ، لابن منظور ، طبعة دار صادر - بيروت .
26- كتاب إصلاح المساجد ، لمحمد بن ناصر الدين الألباني .
27- مجلة الأزهر ، الجزء الثاني ، ذو الحجة 1401 هـ .

(9/14)


28- محمد رسول الله ( سيرة ) ، الأستاذ محمد صادق عرجون ، طبعة دار القلم - دمشق .
29- مسند الإمام أحمد بن حنبل .
30- معالم القربة في أحكام الحسبة ، لابن الأخوة .
31- مقدمة ابن خلدون ، طبعة دار الهلال - بيروت .
32- هذا هو الإسلام ، د/ مصطفى السباعي ، طبعة المكتب الإسلامي .
33- هموم المثقفين ، للدكتور / محمد إمام .

(9/15)


الدعوة في السودان
وتأثرها بالدعوة السلفية
" دراسة تاريخية وثائقية "

د. عمر سالم عمر بابكور
الأستاذ المشارك في التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة أم القرى - كلية الشريعة والداسات الإسلامية - قسم التاريخ الإسلامي

ملخص البحث
رغم أن إعلان محمد أحمد “ المهدية ” قد يباعد بينه وبين ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، إلا أن المتتبع لسيرته سواء منذ بداية دعوته وبعد إعلان المهدية ومن خلال تراثه الفكري بعد المهدية المتمثل في منشوراته ومجالسه وخطبه بالإضافة إلى حكومته الإسلامية التي أقامها في السودان ، وسياسته الخارجية التي حملت التوجيه الإسلامي الخالص ، يلاحظ مدى عمق العلاقة بين المهدية في السودان ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية .
فقد تأسى محمد أحمد “ المهدي ” بالشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ بداية دعوته فقد ظل فترة من الزمن يدعو سلما بالمواعظ والكتب والرسائل والوفود ، للعودة إلى منابع الدين الأولى وترك البدع ومظاهر الشرك ، وإحياء سنن الشريعة ، والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة ، ومحاربة الفساد .. وهذا يتفق مع ما جاء في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية منذ بدايتها أيضا وحملات رسائله بالدعوة إلى بعض بلدان وإمارات نجد .

(9/16)


ثم نلاحظ أسلوبه الجهادي وعقيدته السلفية ومنهجه السلفي في الإصلاح في معظم مناشيره التي تغطي الفترة منذ إعلانه المهدية في “ أبا ” حتى فتح “ الخرطوم ” ونهاية الحكم القائم وعموم دعوته ، مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتبليغ الدعوة وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإقامة مجتمع إسلامي في حكمه ، وظهرت عقيدته السلفية بوضوح في تلك المناشير وأيضا منهجه السلفي للإصلاح ونلاحظ الاتفاق في المضمون فيما دعا إليه الاثنين من العودة بالإسلام إلى عصوره الزاهرة وترك البدع والمنكرات وإن اختلفا في الأسلوب لأن كل واحد منهما كان يخاطب قومه باللغة التي يفهمونها وكان هم كل منهما منصرفا إلى المعاني لا إلى العبارات .

مقدمة :
بدأت دعوة محمد أحمد الإصلاحية عندما بني جامعا للصلاة وخلوة للتدريس والتعبد وبدأ في بث أفكاره ومبادئه بين سكان جزيرة أبا والقبائل المجاورة لها ، سالكا منهجا قويما في العبادة والزهد والغيرة علي الدين وداعيا إلي بناء مجتمع ديني يأخذ مقوماته من المجتمع الذي أقامه الرسول صلي الله عليه وسلم ، وصحابته ، واستطاع أن يكسب لأفكاره ومبادئه الكثير من الاتباع والمريدين ، عاهدوه علي السمع والطاعة ، والتمسك بأوامر الدين ، والانتهاء عن نواهيه ، والاستعداد إلي نصرة الحق ، وإقامة سنن الشريعة الإسلامية .

(9/17)


ثم انتقلت دعوته الإصلاحية إلي طور جديد عندما أعلن أمام صفوة من العلماء ورجال الدين وبعض رجال الدولة الذين حضروا حفل ختان أولاد شيخه محمد شريف سنة 1878 م أن ما أقدم عليه شيخه من إجازة الرقص والغناء واللهو في الحفل مخالف للشريعة الإسلامية ، ورغم أن ما أعلنه سبب الخلاف والقطيعة بينه وبين شيخه إلا أنه قد خرج من هذا الخلاف منتصرا عليه ومؤيدا من قطاعات عريضة من السودانيين بسبب قوة تدينه وغيرته علي الشريعة والإسلام ، وصار حديث العلماء ورجال الدين والعامة بعد أن أذاع أنه أنفصل عن شيخه لأنه خالف الشريعة والسنة ، فأصبح شخصية لها محبة خاصة في قلوب السودانيين .
فاستغل محمد أحمد ( المهدي ) هذا الانتشار وتلك الشهرة التي حققها في بث ونشر أفكاره ومبادئه والتمكين لها في جميع أنحاء السودان فبدأ في تقوية اتصالاته بالعلماء ورجال الدين والإصلاح فكتب إلي بعض العلماء ورجال الدين المرتبطين بالحكم التركي المصري يدعوهم إلي الزهد في الدنيا وشهوتها ، والإقبال إلي الآخرة 00 وكتب أيضا إلي بعض رجال الدين والعلماء يعلمهم أن الدين قد أصبح غريبا بسبب شيوع البدع ومظاهر الشرك ويدعوهم للوقوف معه لإقامة الدين وأحياء سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم 0
وأعقب ذلك بالانطلاق بدعوته يجوب ربوع السودان يوثق أواصر التفاهم بينه وبين نظار القبائل والعلماء ورجال الدين وشيوخ الطرق وأصحاب الشأن في البلاد ، يدعوهم إلي العودة إلي تعاليم الدين الصحيح ونبذ البدع ومظاهر الشرك ، ومحاربة الفساد واستطاع بالفعل أن يخرج من تلك السياحات والرحالات بشهرة واسعة ، وبعشرات الألوف من المؤيدين المخلصين لدعوته 0

(9/18)


وكانت قمة دعوته الإصلاحية عندما وضع رسالته ( أثناء رحلته الأولي إلى غرب السودان سنة 1297هـ 1880م ) التي حض فيها أتباعه علي تطهير الإيمان الذي فسد وأنحط بفساد الحكمة ، وعدم احترام الموظفين أركان الدين ، فكانت دعوة صريحة لتغيير الأوضاع للعودة بالمسلمين وبالبلاد إلي الدين الصحيح ، والرجوع إلي أيام الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته ، وإقامة مجتمع إسلامي مماثل لمجتمعه يلتزم في حكمه بالشريعة الإسلامية الغراء .

وعندما أيقن محمد أحمد من إمكانية نجاح دعوته فكر في الشكل والأسلوب الذي يناسب ظروف السودان حينذاك ، فأهتدي إلي فكرة إسلامية أخذ بها بعض المصلحون والمجددون في تاريخ الإسلام وحظيت بانتشار واسع في السودان ظهور المهدي عندما يشتد الظلم والجور في المجتمع وتجعله رمزا للعدل والخير والصلاح التي طالما أنتظرها المسلمون في السودان لتنقذهم من الأوضاع السيئة والتي تمثلت في المظالم والمفاسد الخلقية وشيوع البدع التي عمت المجتمع السواد ني المسلم ، فأعلن ( في سنة 1898 هـ / 1881 م) أنه المهدي ، مؤيدا من الله ورسوله ، ليعود بالمسلمين إلي الدين الصحيح ويقيم الحكم الإسلامي القائم علي الالتزام بالقرآن الكريم والسنة المطهرة .
ورغم أن إعلان محمد أحمد " المهدية " قد يباعد بينه وبين ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، إلا أن المتتبع لسيرته سواء منذ بداية دعوته وبعد إعلان المهدية ومن خلال تراثه الفكري بعد المهدية المتمثل في منشوراته ومجالسه وخطبه بالإضافة إلي حكومته الإسلامية التي أقامها في السودان ، وسياسته الخارجية التي حملت التوجيه الإسلامي الخالص، يلاحظ مدى عمق العلاقة بين المهدية في السودان ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.

(9/19)


فقد تأسي محمد أحمد " المهدي " بالشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ بداية دعوته فقد ظل فترة من الزمن يدعو سلما بالمواعظ والكتب والرسائل والوفود ، للعودة إلي منابع الدين الأولي وترك البدع ومظاهر الشرك ، وأحياء سنن الشريعة ، والزهد في الدنيا والإقبال علي الآخرة ، ومحاربة الفساد 00 وهذا يتفق مع ما جاء في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية منذ بدايتها أيضا وحملات رسائله بالدعوة إلى بعض بلدان و إمارات نجد.
ثم نلاحظ أسلوبه الجهادي وعقيدته السلفية ومنهجه السلفي في الإصلاح في معظم مناشيره التي تغطي الفترة منذ إعلانه المهدية في " أبا " حتى فتح " الخرطوم " ونهاية الحكم القائم وعموم دعوته ، مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتبليغ الدعوة وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإقامة مجتمع إسلامي في حكمه ، وظهرت عقيدته السلفية بوضوح في تلك المناشير وأيضا منهجه السلفي للإصلاح ونلاحظ الاتفاق في المضمون فيما دعا إليه الاثنين من العودة بالإسلام إلي عصوره الزاهرة وترك البدع والمنكرات وإن اختلفا في الأسلوب لأن كل واحد مهما كان يخاطب قومه باللغة التي يفهمونها وكان هم كل منهما منصرفا إلي المعاني لا إلي العبارات .
وقد ظهرت تأثر محمد أحمد الشديد بالتعاليم والمبادئ السلفية وجاءت دعوته في منشوراته إلي التوحيد الخالص وإفراد العبودية لله ، ومنع الحلف بغير الله ، ومنع الاستغاثة بغير الله لو كان نبيا رسولا أو ملكا 00 بالإضافة إلي تحريم التسمية بالعبودية لغير الله ، وهدم القباب ومنع التوسل إلي الأولياء الصالحين 00 تجسيد حي وقوي لأقوال أعلام السلف وعلي رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب .
وأيضا كل خطب محمد أحمد المدونة تحث علي الزهد في الدنيا وطلب الآخرة وتتضمن دعوة قوية للجهاد ، وأسلوبه فيها يعتمد علي كثرة الاستشهاد من القرآن الكريم والسنة المطهرة وهو يتأسى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في خطبه .

(9/20)


ويمكن أن نقول أن التأثر والمحاكاة بل والاقتباس قد ظهر واضحا في العقيدة " الجانب النظري " القول والاعتقاد في تراث محمد أحمد وسيرته ، وإن لم تظهر نفس الألفاظ والمعاني لأن كل واحد منهما كان يخاطب قومه بلغة يفهمونها ولكن المضمون واحد .
أما " الشريعة " أو الجانب العملي وموقف محمد أحمد من المذاهب والمدارس الفقهية المختلفة ، ففي تراثه وسيرته ما يؤكد عمق العلاقة بينه وبين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ، وخاصة ما أقدم عليه من ممارسات سلفية ، وظهرت بقوة دعوة الشيخ السلفية واضحة جلية فيما دعا إليه المهدي من فتح باب الاجتهاد ، واتفقت الوجه السلفية في دعوته للاجتهاد مع ما دعا إلي الشيخ محمد عبد الوهاب لنفس الهدف .
فقد أمر محمد أحمد أنصاره بالرجوع إلي الكتب العلمية رغم حفاوته بالقرآن الكريم الذي أصدر أمرا عاما بتدريسه إجباريا متأسيا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب .
وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد حرم الدخان وشدد تلاميذه في التحريم فإن محمد أحمد في مجالسه قد حرم التنباك تحريما قاطعا وأعتبره من جملة الخبائث وشربه حرام وثمنه حرام .
بالإضافة إلي أن محمد أحمد كان يشجع نوابه وعماله علي الاجتهاد وعدم التعليق بالأئمة متأسيا في ذلك بالشيخ محمد بن عبد الوهاب .
وظهرت ممارساته السلفية بقوة واضحة جلية في منشوراته والتي حملت اسم "الأحكام والآداب " والتي خالف بها المهدي علماء عصره فيما جرت به العادة من الفتوى تبعا للمذاهب الفقهية المعروفة . لذلك لم يكن بدعا أو عجبا أن يعلن محمد أحمد إلغاء المذاهب والطرق الصوفية حتى لا يبقي إلا الدين الخالص ، ويمكن أن نقول أنه كان سلفيا مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهو قد نفذ تعاليم السلفية في القصاص والسرقة والزنا والحدود الشرعية عامة .

الصلات القديمة بين شبه الجزيرة العربية والسودان :

(9/21)


مما لاشك فيه أن الصلات بين أفريقية عامة والسودان خاصة وشبه الجزيرة العربية ، عميقة الجذور ، موغلة في القدم ، فقد كانت شبه جزيرة العرب – علي مر العصور – مستودعا بشريا عظيما ، ومنبعا لموجات بشرية تتدافع في تيارات متتالية علي مدي العصور والأجيال نحو الأقطار المجاورة ، وكانت أهم هذه الموجات وأسبقها في الزمان بحكم الجوار وسهولة الانتقال تلك الموجات المتجهة نحو شرق القارة الأفريقية عن طريق باب المندب ثم عبر طرق البحر الأحمر كلها([1]) .
ومما يزيد من عمق هذه الصلات أن هناك بعض النظريات التي تتحدث عن غياب البحر الأحمر ( كحاجز مائي ) كله بين آسيا وأفريقيا وتقول بوحدة " أصل البجة "([2]) وقدماء المصريين النابع من الجزيرة العربية([3]) .
بالإضافة إلي أن البحر الأحمر لم يكن حاجزا صعبا يمنع الاتصال بين شواطئه الأسيوية العربية ، وشواطئه الأفريقية ، فلم يكن من الصعب اجتيازه بالسفن الصغيرة ، ومن المؤكد أن بلاد البجة في شرق السودان هاجر إليها الحضارمة قبل الإسلام([4]) .
وكان بفضل هذه الصلات والتي تمثلت في انتقال العرب من شبه الجزيرة العربية إلي مناطق كثيرة في أفريقيا ولعل أهمها منطقة وادي النيل ، أن تزايدت المؤثرات العربية وأصبحت تلك المناطق الأفريقية شبه عربية ، وقطعت في عروبتها شوطا طويلا عبر آلاف السنين وذلك عندما ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي([5]) .

وقد دفعت هذه الصلات والهجرات العربية ببعض الباحثين ([6]) في تاريخ السودان إلي الترجيح بأن سودان وادي النيل قد عرف الثقافة العربية الجاهلية بكل مقوماتها العقائدية والفكرية قبل أن يعرف الثقافة الإسلامية التي صاحبت الدعوة الإسلامية ، وأن تأثيرات الدماء العربية والثقافة أيضا لم يكن مقصورا علي الجهات التي تقابل الجزيرة العربية في السودان الشرقي بل تجاوزتها إلي السودان الأوسط ، والسودان الغربي أيضا .

(9/22)


ونخلص فيما سبق إلي أن الصلات والعلاقات كانت قائمة بين شبه الجزيرة العربية والسودان ، وأن أجزاء كثيرة من سودان وادي النيل قد تأثرت بما يحدث بشبه جزيرة العرب بفضل الانتقال والاستقرار السلمي للعرب في أرض السودان.
ومن ثم لم يكن مستغربا أن تجد الدعوة الإسلامية في شرق أفريقيا " الحبشة " الملاصقة للسودان ملجأها الأول بالإضافة إلي سرعة انتشار الإسلام في أجزاء كثيرة من أفريقيا في سنوات الإسلام الأولي مما يدفعه دليلا علي عمق وقدم الصلات والوشائج والارتباط بين شبه الجزيرة العربية ومناطق شرق السودان .

نفوذ الدعوة الإسلامية إلي السودان :
بقيام الدعوة الإسلامية وتوطيدها في شبة الجزيرة العربية وبداية انتشارها وسيطرتها علي مصر في شمال وادي النيل بحملة عمرو بن العاص ، لم تنقطع العلاقات والصلات العربية بالسودان بل زادت بفضل قوة الدعوة الإسلامية وأصبح هناك طريقان ([7]) أو مدخلان نفذا منهما العرب والدعوة الإسلامية من شبه الجزيرة العربية إلي السودان وهما :
الأول : المدخل الشرقي عبر البحر الأحمر مباشرة ، الثاني : المدخل الشمالي عبر مصر ، وأن كان هناك ترابط كبير بين المدخلين ، وسوف نعرض بإيجاز دور كل واحد منهما في تطوير أبعاد تلك العلاقات ، واستمرار هذا الاتصال .
أولا : المدخل الشرقي ( عبر البحر الأحمر )
تكاد المراجع التاريخية تجمع على أن الكثير من قبائل الجزيرة العربية أو على الأدق بعض البطون منها قد قامت بهجرات واسعة مباشرة عبر البحر الأحمر إلي شرق السودان وخاصة بعد قيام الدعوة الإسلامية ، ومن أشهر هذه الانتقالات والهجرات ، انتقال " جهينه" من منطقة " ينبع " من الجزيرة العربية إلي شرق السودان ([8])
وجهينة اسم لقبيلة عربية مشهورة هي فرع من قضاعة ، وأهم وحدات هذه المجموعة القبائل الآتية :

(9/23)


1- قبيلة رفاعة وتمتد مواطنها علي جانبي النيل الأزرق في السودان من السفوح الحبشية إلي المقرن ، والشماليين منهم يمارسون الزراعة والتجارة ، أما الجنوبيين فالبداوة سائدة بينهم وهم ينقسمون إلي قسمين :
رفاعة الشرق ( شرقي النيل الأزرق ) ويطلق عليهم ناس أبو جن ورفاعه الهوى (غربي النيل الأزرق ) ويطلق عليهم ناس أبو روف ، وقد حل بهم اضطهاد شديد في عهد الخليفة عبد الله حين رفض شيخ القبيلة ( يوسف المرضي أبو روف ) القدوم إلي أم درمان . لمبايعة الخليفة ، فقبض عليه وأعدم في أم درمان .
2- قبيلة الشكرية ، ويعيشون في إقليم البطانة وينتقلون بإبلهم شمالا حتى شندي وجنوبا إلي النيل الأزرق وأهم مراكزهم بلدة أبو دليق جنوب شرقي شندى ورفاعة علي النيل الأزرق والفاشر علي العطبرة والقضارف .
وقد كان للشكرية شأن كبير أيام الحكم المصري ، وكان لها أسرة حاكمة يتزعمها الشيخ أحمد أبو سن وكان موضع ثقة الحكومة فعندما قصد مرسي باشا حمدي حكمدار السودان القاهرة لمقابلة الخديوي إسماعيل ، اصطحب معه أحمد بك أبو سن وعددا من كبار السودانيين ، فأنعم عليهم الخديو بالرتب والهدايا وكان نصيب الشيخ أحمد سيفا مذهبا وخمائل ذات قيمة ([9])
ويلاحظ أن موطن هذه المجموعة الأولي لقبائل جهينة (رفاعة والشكرية) في أقاليم النيل الأزرق والبطانة أي في النصف الشرقي من السودان .
أما المجموعة الثانية فيطلق عليها المجموعة الفزارية وتعيش في شرقي كردفان ووسطها ومن أشهر قبائلها دار حامد فى شمالي الأبيض ، ويعملون بالزراعة ورعي الإبل .
وأهم قبائل المجموعة الثانية هي :
1- البقارة ويطلق هذا اللفظ علي شعبة جهينة التي تعيش جنوبي كردفان ودارفور ، ويعملون كما يدل اسمهم في رعي البقر .
ويمتد إقليم البقارة غربا حق بحيرة تشاد إلي إقليم واداى والبرنو كما أن حدودهم الجنوبية تتاخم أقاليم الزنوج حيث يعيش الدنكا والفرتيت .

(9/24)


وإقليم البقارة واسع جدا في امتداده من الشرق إلي الغرب ، فيقع بين النيل الأبيض وبحيرة تشاد في حين أنه محدود في امتداده من الشمال إلي الجنوب فيقع بين خطي عرض 11 و 13 وإن كانت بعض الوحدات تمتد جنوبي هذا الخط كالحمر الرزيقات.
ويتوزع البقارة علي النحو التالي :
في كردفان : بنوسليم علي النيل الأبيض بين الجمع في الشمال والشلك في الجنوب ويليهم غربا أولاد حميد ويعيشون حول تقلي ([10]) ثم الحوازمة وينتشرون بين الأبيض ودلنج وتالودي ثم المسيرية غربي دلنج وأخيرا الحمر في الركن الجنوبي الغربي من كردفان شمالي بحر العرب .
في دارفور : ويمتدان من الشرق إلي الغرب علي الترتيب التالي :
الزريقات فالهبائية والتعايشة وبنوهلبه
2- الكبابيش وتملك أعدادا كبيرة من الإبل بالإضافة إلي الضأن أيضا ، ومواطنهم محورها وادي الملك . وقد فتك بهم الخليفة عبد الله فتكا ذريعا لما خرجوا عليه .
3- الحمر : Hamar ويعيشون علي الأطراف الغربية لكردفان علي حدود دارفور وتمتد أوطانهم بين خطى عرض 12 و 14 ، وقد عملوا على نصرة المهدية بخلاف الكبايش فانتهز الحمر لسلبهم الشطر الأعظم من قطعانهم.
ولا يتم الحديث عن العناصر العربية في شمالي السودان دون الإشارة إلى مجموعة الكواهلة وهى لا تنتسب إلى الجعليين أو الجهنيين ، رغم أنهم من عرب شبه الجزيرة ، وأوطانهم موزعة في جهات متعددة أخصها النيل الأبيض فيفصلون بين قبيلتين جعليتين هما الجموعية والجمع ([11])
ومنهم قبيلتنا الحسانية والحسينات وهي تعمل في الزراعة ورعي الإبل .
وهناك قسم ثان من الكواهلة استوطن شمالي كردفان جنوب ديار الكبابيش ويعملون في رعي الإبل .

أما الشعبة الثالثة فتعيش علي العطبرة والنيل الأزرق ويشتغل أفرادها بالزراعة ورعي الإبل والغنم والماعز .

(9/25)


والكواهلة ([12]) يرجعون نسبهم إلي الزبير بين العوام رضي الله عنه كما يرجع الجعليون نسبهم إلي العباس عم النبي صلي الله عليه وسلم .
وانتقال جماعات من عرب " هوازن " عبر البحر الأحمر واستقرارهم في أرض البجة، وعرفوا باسم " الحلانقة " ([13]) ، وأيضا عرب " الكواهلة " الذين جاءوا من جزيرة العرب مباشرة عبر البحر الأحمر واستقروا في الإقليم الساحلي بين سواكن وعيذاب ([14]).
بالإضافة إلي بعض البطون من قبائل أخري لعل أشهرها ربيعه وبلي ورفاعه وغيرها([15]) .
وبجانب هذا الانتقال والاتصال السلمي للقبائل العربية بمناطق شرق السودان ، فقد امتد النفوذ السياسي والسيطرة الإسلامية في عهد الأمويين إلي مواني البحر الأحمر علي الساحل الأفريقي فقد تم احتلال جزائر " دهلك " ([16]) في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك الأموي (65-86هـ / 685 –705م) ومما يؤكد استمرار سيطرة الدولة الإسلامية في عهد الأمويين علي تلك الجزيرة القاحلة عند مدخل البحر الأحمر في الجنوب الشرقي للسودان أن الخليفة هشام ابن عبد الملك الذي أعقب الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز قد جعلها منفي لأصحاب التيارات الفكرية المخالفة في عهده ([17])
وزادت سيطرة الدولة الإسلامية في عهد العباسيين علي معظم مناطق شرق السودان الداخلية عندما استطاع الخليفة " المأمون " أبن " هارون الرشيد " بحمله " عبد الله بن الجهم" سنة 831م ، ومن بعدة الخليفة المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بحمله محمد بن عبد الله القمي " سنة 856م بإخضاع البجه في شرق السودان للحكم الإسلامي ، وهي القبائل الحامية التي تعيش بين النيل والبحر الأحمر([18]) .
ففي الشمال ينتشر بشاريو ( أم علي ) بين البحر الأحمر وأسوان بينما يتركز بشاريو ( أم ناجي ) حول العطبرة .
ثم هناك بنو عمار ([19]) في المرتفعات الواقعة غربي سواكن والمنحدرات التي تليها غربا ، وتمتد أوطانهم حتى العطبرة .

(9/26)


وأكثر هذه القبائل عددا وأشدها مراسا في الهدندوه ، ويعمل الشماليون منهم في الرعي ، في حين يمارس الجنوبيون الزراعة .
وأخيرا نجد بني عامر ([20])، وهم أهدأ عيشا من سائر البجه ، ومواطنهم في طوكر وخور بركه .
وقد تأثرت قبائل البجة بالدعوة المهدية وأثرت عليها تأثيرا يتفاوت بين كل قبيلة وأخري وأحيانا بين أقسام القبيلة الواحدة .
وعندما قامت الثورة المهدية كان بشاريو الشمال ( أم علي ) بمنأى عن المهدية ، فلم تستطع أن تخضعهم لها ، ومن جانبها عملت الحكومة المصرية علي استبقاء ولائهم لها بتوزيع الغلال عليهم ([21]) . في حين حارب بشاربو الجنوب
( أم ناجي ) في صف عثمان دقنه قائد المهدية في شرقي السودان([22]) .
أما أبو عمار فقد أثرت فيهم الدعوة المهدية تأثيرا شديدا ، وكان معظمهم يقف من الحكومة المصرية موقفا وديا ، علي أن هذا لم يمنع البعض منهم من أن يقاتل إلى جانب عثمان دقنه ، مما أدي إلي انقسام القبيلة علي نفسها انقساما شديدا ، بقيت آثاره حتى وقت قريب.
أما الهدندوه ، فقد كان لها دور أكبر وأخطر مما كان لسائر البجة . فهي قد أسهمت في الدعوة المهدية إسهاما جديا وحاربت تحت قيادة عثمان دقنه ، وبذلك شغلت الحكومة المصرية في السودان الشرقي فترة طويلة وهي التي قامت بقطع طريق بربر – سواكن .
ولم يبق إلا بنو عامر ، وهؤلاء كانوا في عهد المهدية ينتشرون بين طوكر ومصوع ، وقد اتصلت الأقسام التي تحيط بطوكر بالمهدية اتصالا وثيقا ، في حين قاوم بعضها المهدية ، والأمر الذي لا شك فيه أن الكثيرين من بني عامر يؤيدوا الدعوة المهدية ([23]) وأصبحت بذلك الأراضي الواقعة شرق النيل من جنوب أسوان إلي جنوب دهلك – مصوع جزءا من الدولة الإسلامية([24]) .

(9/27)


وبالفعل صاحب هذا الامتداد والنفوذ الإسلامي هجرات بطون بعض القبائل والجماعات العربية التي استقرت في تلك المناطق ونشرت معها ثقافتها الإسلامية وأصبحت ترتبط ارتباطا وثيقا بالدولة الإسلامية ، وخاصة موانئ السودان الشرقية والتي ارتبطت بموانئ الحجاز عقب السيطرة العثمانية على الشرق العربي ثم الحرمين في الحجاز ، فأصبحت المواني الشرقية والغربية للبحر الأحمر مثل جده ، وسواكن ومصوع ، وزبيد اليمن ، والحديدة ، وزيلع تحت سلطة " والي " الحجاز التركي ([25]) ، وكان من الطبيعي أن تكون تبعية موانئ السودان الشرقي الإدارية للحجاز – في عهد العثمانيين– واستفادة سكان تلك المناطق من الامتيازات ([26]) التي منحها العثمانيون لسكان الحرمين قد شجع الكثير من القبائل العربية علي الهجرة والاستقرار في مناطق شرق السودان ، ولعل أشهر الهجرات الجماعية الحديثة هجرة قبيلة الرشايدة إلى شرق السودان([27]) .
وكل هذا بلا شك سواء انتقالات القبائل وبطونها من الجزيرة العربية إلي السودان الشرقي والسيطرة الإسلامية علي تلك المناطق ساهم في نشر العقيدة الإسلامية ([28]) .
وما صاحبها ونتج عنها من أفكار سلفية وجعلها متأثرة دائما بما يحدث في شبه جزيرة العرب .
ثانيا : المدخل الشمالي ( عبر مصر )
عندما فتح المسلمون مصر كان شمال السودان ووسطه يعتنق المسيحية منذ القرن السادس الميلادي ، وقد قامت فيه ممالك مسيحية ([29]) لعل أهمها مملكة المغيرة وعاصمتها "دنقلا" ومملكه علوه وعاصمتها " سوبا " وما أن استتب الأمر لعمرو بن العاص بعد فتح مصر سنة 624 م حتى سير حملة جنوبا لغزو النوبة المسيحية وفتحها باسم الإسلام ، ولتأمين حدود مصر الجنوبية ، ولكن هذه الحملة قوبلت بمقاومة عنيفة ولم تستطع التوغل جنوبا ، كانت فرصة لتسرب بعض العرب إلي داخل السودان .

(9/28)


ونجد أن " عبد الله بن سعد بن أبي السرح " الذي خلف " عمرو بن العاص " في حكم مصر ، استطاع بعد قتال شديد مع النوبة المسيحية أن يفرض عليهم معاهدة عرفت "بالبقط " يفسرها المؤرخون بأنها معاهدة حسن جوار ، أو عدم اعتداء بتعبير حديث تحقق لمصر الإسلامية الاطمئنان علي سلامة أراضيها من ناحية الجنوب ، واشترطت علي النوبة المسيحية حفظ مصالح المسلمين وحريتهم الدينية والتجارية ([30]) .
وتكاد المراجع التاريخية ([31]) تجمع علي أن الفترة اللاحقة لفتح مصر وسيطرة المسلمين علي شمال أفريقيا قد شهدت هجرات عربية واسعة للاستقرار في السودان .
وأصبح تدفق العرب إلي السودان مرتبطا بالأحداث التاريخية والصراعات السياسية في الدولة الإسلامية ، فقد عرف السودان اللاجئين السياسيين من العرب كبني أمية الذين فروا من وجه العباسيين إلي بلاد النوبة([32]) التي تمتد من أسوان ، وقد أطلق العثمانيون عليها أسم "أرض البرابرة " وتضم هذه المنطقة أجزاء في شمال وجنوب الحدود المصرية السودانية الحالية . ويعيش السكان فيها علي ضفتي النيل ويمثلهم حاليا : السكوت ، والمحس ، ويطلق عليهم أسم النوبيين المستعمرين ، وكانوا في بداية الأمر زراعيين ([33]) يعيشون علي الشريط الضيق علي جانبي النيل أو في الجزر النهرية – وبعضها عظيم الاتساع نسبيا – وتروي من فيضان النهر بواسطة السواقي النهرية التي تعتبر من الممتلكات الهامة([34]) .

(9/29)


وقد سيطرت قبيلتا الجوابرة والغربية علي المنطقة بين أسوان ، ووادي ، ونشروا سلطانهم علي كثير من القبائل الصغيرة ([35]) ، ثم حدث نزاع بينهما فاستنجدت قبيلة الغربية بالسلطان سليم الأول الذي أرسل سرية " من البوشناق ([36]) بقيادة حسن قوصي طردت الجوابرة إلي دنقلة ، وأمتد بهذا النفوذ العثماني ، وأسس البوشناق قلاعا وأقاموا الحاميات وحملوا لقب " كشاف " وعرفوا بالغز ، ومنحهم السلطان العثماني امتيازات ورثها أبناؤهم وأحفادهم ومنها : إعفائهم من شتي الالتزامات المالية التي فرضها السلطان سليم الأول علي أملاكه كلها ، بل أجري عليهم معاشا سنويا . ورغم ذلك كان حسن قوصي يرسل ما يسمي بالميري سنويا إلي والي مصر وان كان – في الواقع مستقلا عنه .

وفي عهد الخليفة المعتصم العباسي أصبح يحكم مصر ولاه من الترك المنافسين للعرب ، مما أقصي العرب عن مكانتهم المرموقة ، وآثار في نفوسهم الامتعاض والتذمر ، وأخذوا في الهجرة جنوبا إلي السودان ، وزاد هذا التدفق في عهد المماليك في مصر ، الذي شب صراع بينهم وبين العرب ونظروا إليهم كمتمردين وخارجين عن القانون مما دفع الكثير من القبائل العربية للهجرة إلي السودان واختلطوا بالسكان المحليين وانتشر دينهم ولغتهم([37]) .
وكانت النتيجة الحتمية لكل هذا التدفق العربي الإسلامي إلي السودان والاستقرار فيه ، ليس فقط تغير طبيعة الحياة الاجتماعية هناك ، بل تخطاها إلي تغير الأوضاع السياسية أيضا ، فأمام تكاثر الهجرات العربية للنوبة " وحالة الفوضى التي أصبحت عليها المنطقة نتيجة غزوات سلاطين المماليك أيضا ، فقد استطاع هؤلاء العرب المسلمون بمساعدة من أسلم من النوبيين في القضاء سليما علي الدولة المسيحية في دنقلة في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي وأصبح الحكم في شمال السودان إسلاميا([38]) .

(9/30)


وبسقوط دولة المغيرة في " دنقلة " وسيطرة القبائل العربية علي شمال السودان ، انفتح الباب علي مصراعيه لتلك القبائل فتدفقت جنوبا ، وأخذوا يكونون بيئاتهم القبلية ومجتمعاتهم ويتجمعون ويتوحدون ، ودولة علوه تنتظر مصيرها المحتوم ، وجاءت الخطوة الأخيرة في مستهل القرن السادس عشر الميلادي حين تحالف العرب المهاجرون من الشرق والشمال مع الفونج ([39]) القادمين من الجنوب أو الغرب وقضوا علي دولة " علوة نهائيا ، انتهت بذلك ممالك السودان المسيحية ، وأعلن رسميا سيطرة الدين الإسلامي بقيام دولة الفونج الإسلامية والقبائل العربية المتحالفة معها في شمال وشرق ووسط السودان في عام 1504م ([40]) .
والحقيقة أن رواد الثقافة الإسلامية في السودان قبل قيام دولة الفونج كان معظمهم من التجار والبدو – وهم ممن تنقصهم المعرفة الدقيقة بالفقه الإسلامي ([41])– والذين اهتموا بنشر الدعوة الإسلامية وكسب المسيحيين والوثنيين مركزين علي المبادئ العامة دون التفاصيل . ورغم مشاركة بعض العلماء لهاتين الفئتين إلا أن جهودهم ظلت محدودة ، فيروي أن أول من أشتهر من هؤلاء العلماء هو الشيخ " غلام الدين بن عابد اليمني " ([42]) في دنقلة ، وأيضا أولاد عون السبعة ([43]) ، الذين ظهروا في نواحي " أبو حليمة " على النيل الأزرق وتولي أحدهم منصب القضاء.
وقد شهد القرن السادس عشر الميلادي الانتشار الكبير للطرق الدينية والذي يرجع في الأصل إلي ضعف الحركة العلمية ، وضعف الفقهاء وجمود معاهد العلم والتعليم واقتصارها علي الطريقة التقليدية التي تقوم علي الحفظ والتكرار ، فضلا عن أن خمول الحكومة الإسلامية في القرون الأربعة الماضية أوجد لدى الناس فراغا كان لابد من ملئه ، وكان لابد أيضا للناس أن يجتمعوا حول شئ ما .
ويرتبطون به ويوثقون هذا الارتباط وإلا ازداد أمرهم سوءا مما أدى إلي زيادة الإقبال علي هذه الطرق .

(9/31)


وفي رأي البعض أن السوداني فيما يبدو ميال إلي الاعتزاز بالانتساب إلي مجموعة معينة : إلي قبيلة أو حزب أو جمعية أو طريقة أو نقابة ، أو لعل في نفسه إحساسا داخليا يدفعه إلي الانتظام في سلك العبادة المنتظمة ، وهو إحساس وليد أجيال أو قرون ([44]) .

مهما يكن من أمر فان نظام الطريقة كنظام القبيلة أو ككل نظام اجتماعي له تطوراته الخاصة ، فالطريقة قد تتفرغ عنها طريقة أخري والاختلافات بصفة عامة ضئيلة بين الأصل والفرع ومما يستوقف النظر الزيادة الواضحة في عدد شيوخ الطرق الذين هم من أصل مغربي .
أما عن نشأة هذه الطرق فيرى البعض أن الإسلام في السودان في عهد سلطنة الفونج لم يتأثر بمصر بقدر تأثره بالحجاز وذلك بسبب قرب المسافة بين السودان والأراضي المقدسة . وكان من نتيجة ذلك أن كثيرا من السودانيين درس في مكة والمدينة .
ومن ناحية أخري قدم كثير من رجال الدين إلي سلطنة الفونج من مكة، وهذا الاتصال أدي إلي ظهور الطرق الدينية في القرن الثاني عشر الهجري ( الثامن عشر الميلادي) ولم تكن هذه الطرق علي درجة من التنظيم كالتي نعرفها اليوم بل بدأت بأفراد من الصالحين قدموا إلي السودان ، وأسسوا لأنفسهم ( زوايا ) أو خلوة ([45]) .
وقد ازدهرت هذه الطرق في ظل سلطنة الفونج إزهارا كبيرا ، ودليلنا علي ذلك هذه المجموعة الغنية من السير التي وردت في ( طبقات محمد النور ود . ضيف الله ) ، وهي تدل دلالة واضحة علي مدي قوة الأثر الذي خلفته تعاليمهم في البلاد ([46])، إذ وجدوا تربه خصبة بين السكان ، ولم يلبث خلفاؤهم – وقد أصبحوا سودانيين - أن نالوا مكانة مرموقة لدي سلاطين الفونج في المسائل الدينية والسياسية علي السواء بل وبدأ الناس يلتمسون وساطتهم عن طريق صلتهم بالحكام ، وازداد تعلقهم بهم ([47]) .

(9/32)


ويتهم البعض أغلب السكان في السودان بالجهل والأمية إذ أن سلاطين الفونج كانوا يؤسسون لدين جديد بعد القضاء علي مملكة علوة المسيحية – رحبوا بكل من يتحدث إليهم باسم الدين ، فأدي ذلك إلي أن السودان لم يجتذب إليه العلماء النابهين فحسب بل جاء معهم أيضا من يدعون العلم والمعرفة .
وقد اشتهر في الإسلام عدد من مؤسسي الطرق الدينية مثل عبد القادر الجيلاني (1079 – 1186م ) من العراق وأبو الحسن الشاذلي (1196 – 1258 م) من المغرب وقد توفي في طريق عيذاب بين النيل والبحر الأحمر وهو في طريقه إلي الحجاز .
وقد وصلت الشاذلية إلي السودان علي يد الشريف أحمد أبو دنانه قبل سقوط مملكة علوة ، واستقر في بربر سنة 849 هـ 1445م وبقيت الخلافة في سلالته .
أما الطريقة القادرية الجبلانية فقد وصلت بعد ذلك بقرن من الزمان حوالي سنة 1550 وقيل أيضا أن أول خليفة لها في السودان هو إدريس أبن أرباب (1507 – 1561) وهو من المحس كما نالت الشاذلية أيضا نفوذا كبيرا أيام الفونج علي يد خوجلي ابن عبد الرحمن (المتوفى في 1743 ) وهو أيضا من المحس وكان قادريا ثم أنضم للشاذلية لما زار مكة .
وبدأت الطريقة المجذوبية ( وقد تفرعت عن الشاذلية ) تنتشر في شمال السودان في بداية القرن الثامن عشر علي يد حمد بن محمد المجذوب الجد الأكبر للمجاذيب (1693-1776) وأصبحت لأسرته مكانة فيه في الدامر ([48]) .

وقد أورد لنا محمد ضيف الله في طبقاته تراجم وسير لمائتين من شيوخ هذه الطرق وما تردد عن معجزاتهم .

(9/33)


وفى الحقيقة يمكننا أن نقول أن آفة هذه الطرق هو ارتباطها في بعض الحالات بالخرافات وقد يرجع الكثير منها للأصول الوثنية التي كان عليها الناس قبل وصول الإسلام فبعض هؤلاء كان يدعي القدرة علي الرؤيا ( vision ) وهذه تلعب دورا كبيرا في الحياة الدينية في السودان إلي الوقت الحاضر . وهي " رؤيا " بالتحليق في السماوات وأحيانا يدعون رؤيا النبي صلي الله عليه وسلم نفسه استنادا إلي الحديث الشريف الوارد في صحيح البخاري عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من رآني في المنام ، فقد رآني حقا لأن الشيطان لا يتمثل بي " ([49]) وعلي ذلك فرؤيا النبي مصدقة لدي العامة من المسلمين . ولهذا الحديث أهميته ، فإن المهدي محمد أحمد والخليفة عبد الله أيضا من بعده سوف يلجأن للرؤيا لتبرير أعمالهما وقراراتهما .
بل وبعض هؤلاء كان يزعم بأن الشريعة التي تنطبق أحكامها علي عامة الناس لا تسري عليه ، لأنه يرتبط بالله ارتباطا وثيقا ([50]) . ويطلق علي أمثال هؤلاء الملامتيه([51]) .
وكان الملامتية في السودان كنظرائهم من ملاميتة البلاد الإسلامية الأخرى – حسبما جاء في طبقات ود ضيف الله([52]).
وأدعي لبعض أن لهم القدرة علي تحويل الماء إلي سمن وعسل وإلي اليوم يقولون في السودان عن الفقيه الماهر ( هو فقي يروب ألما ) وأشهر هؤلاء حسن ود حسونه المتوفى سنة 1664 وادعوا أنه كان لديه القدرة على ذلك([53]) ، وإذا تناقل الناس ادعاءات قدرة الشيخ حسن ود حسونه ، فليس من المستغرب بعد ذلك أن يؤمنوا بما كان يدعيه محمد أحمد والخليفة عبد الله من بعده برؤيا النبي صلي الله عليه وسلم . فالخليفة عبد الله أصدر منشور المعروف في بداية حكمة لتأييد حقه في الخلافة ، وجاء فيه أنه ابتلع شعره من شعر المهدي عند مقبرته ، وهي شعره لا تعدلها الدنيا بأكملها ، فانكشف عنه الغطاء ([54]) .

(9/34)


هذه هي المرحلة الأولي التي مرت بها الطرق في السودان ، أما المرحلة الثانية فقد جاءت نتيجة لحوادث دارت خارج السودان .
إذ بدأ أن مرحلة الجمود التي كان يمر بها العالم الإسلامي قد قاربت النهاية وظهرت حياة جديدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ويرجع ذلك أصلا إلي رد الفعل الذي أحدثه التوسع الاستعماري الأوربي في الدول الإسلامية مما أدي إلي ظهور طرق جديدة تلتزم بالاتجاه الجديد .
ففي عام 1800 دخلت السودان الطريقة السمانية علي أيدي أحد أفراد قبيلة الجموعية وهو أحد الطيب البشير ولم يلبث أن تبعه خلق كثيرون من بين أفراد الجموعية والكواهلة والحلاويين في الجزيرة([55]) .
وكان شيخ هذه الطريقة وقت ظهور محمد أحمد هو الشريف محمد نور الدائم الذي كان شيخا للمهدي ثم أنفصل عنه محمد أحمد واتخذ لنفسه طريقته الخاصة .
ولعل أحدا لم يحرز نفوذا في السودان كما أحرزه السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760 – 1837 ) ، وهو أحد كبار المصلحين الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعمل أتباعه علي نشر طريقته بين المسلمين والوثنيين علي السواء ، ورغم أنه أسس الطريقة الإدريسية التي لا تزال تمارس نشاطها في السودان ومركزها في دنقله ، وهناك فروع لها في عسير تنتمي إلي هذه الطريقة ، إلا أن تأثير أحمد بن إدريس الأكبر جاء عن طريق تلاميذه وهم :
1- محمد المجذوب الصغير 1796 – 1832 .

(9/35)


2- محمد عثمان الميرغني 1796 – 1832 ، مؤسس الطريقة الميرغنية أو الختمية في الشمال والشرق ، وهي واسعة الانتشار ، وهي قد سبقت الفتح المصري بقليل ، ومثل هذه الطرق كانت تعطف علي الحكم المصري ، لأنها بحكم تكوينها ووجودها ليست سودانية بالمعني الوطني الحرفي ، بل هي إسلامية لها أتباع وأسانيد وموارد خارج حدود السودان الضيقة ، فالميرغني ولد في الحجاز عام 1793م ، وحين زار السودان لأمور تتعلق بالطريقة في عام 1817 تزوج امرأة من دنقلة ، وكان أبنه الحسن نائبه في السودان وخلفه عام 1853 م عقب وفاته ، وقد ذهب محمد عثمان إلي أن طريقته قد أتت علي كل الطرق الأخرى وأتمتها ولذلك أعلن عليها ( خاتم الطرق ) ومنهما الختمية وهي أكبر منافس للمجذوبية .
3- محمد بن علي السنوسي المتوفى في عام 1856 م ، ولعله أشهر تلاميذ أحمد ابن إدريس ، وأصله من الجزائر وانتقل إلي الجزيرة العربية واتصل بأحمد بن إدريس ، ثم عاد إلي أفريقيا لينشر طريقته في ليبيا ([56]) .
وقد كانت هناك طريقة ثانية سودانية صرفة وهي الإسماعيلية التي أسسها إسماعيل بن عبد الله 1793 – 1863 في الأبيض بإذن من الشيخ محمد عثمان الميرغني ، وكان خليفته محمد المكي من أكبر أنصار الخليفة عبد الله وقد انتشرت طريقته في بعض جهات كردفان ([57]) .
وقد كان للطرق تأثير كبير علي الناس لدرجة لم يكن من السهل عليهم قبول فكرة المهدى والمهدويه ، ولكن ما أن عزز محمد أحمد دعوته بانتصاراته العسكرية المذهلة ، حتى نقل الناس ولاءهم له .

(9/36)


وكان أول عمل للمهدية هو إلغاء الطرق كلها بعد أن أنكر شيوخها دعوته فضلا عن أن هذه الطرق كانت تقاسم محمد أحمد الولاء والسلطة ([58]) ومحمد أحمد كان في الأصل تابعا للطريقة السمانية ، وكان يقول أن أتباع المهدي هم أتباع الني صلي الله عليه وسلم وخلاصة القول ، أن تنظيم الحياة الدينية في السودان ظاهرة واضحة لا تزال تحتفظ بأهميتها حتى الوقت الحاضر ، وكما رأينا فإن كثيرا من الطرق يرجع لأزمنة حديثة نسبيا وبعضها سبق الفتح المصري بقليل إن لم يكن دخل البلاد مع الفتح وعاصر الحكم المصري . ولا ينفرد السودان وحده بهذه الظاهرة التي تميز بها التاريخ الإسلامي في العصور الحديثة ، حيث عمت الطرق الدينية وتعلق بها العامة بل وامتدت إلي بعض الخاصة أيضا .
وإلى جانب هذه النزعة ، هناك وجه آخر للحياة الدينية وهي ناحية الفقهاء([59]) .

الفونج وصلاتهم بالجزيرة العربية :-
كان طبيعيا أن يصاحب قيام دولة إسلامية فى السودان ([60]) محاولات من القائمين على الحكم فيها لتوثيق علاقاتهم بالدول الإسلامية وخاصة فى النواحي الثقافية والدينية ، لتبدأ حركة علمية تقوم بشرح تفاصيل الدعوة الإسلامية ومبادئها للناس لنهيهم عما يتعارض من عاداتهم ومعتقداتهم مع الإسلام والعقيدة الصحيحة .
وتتفق المراجع التاريخية ([61]) على أن الحركة العلمية والثقافية التي صاحبت قيام دولة الفونج كان مصدرها مصر والحجاز ، وسوف نقصر حديثنا عن الحجاز فقط كمصدر لهذه الثقافة الدينية وذلك حسب مقتضى البحث .

(9/37)


فقد كان طبيعيا أن يرنو السلاطين دولة الفونج بأبصارهم إلى الحجاز وتوثيق علاقتهم به فبالإضافة إلى شرف الانتماء إلى آل البيت ، فإن الحج إلى البيت الحرام كان أملا يراود الملوك والعلماء والتجار والعامة وأيضا التجارة وسهولة الاتصال مباشرة بالحجاز من سواكن عبر البحر الأحمر ([62]) ، كل هذا بلا شك أسهم في التشجيع على قيام علاقات ثقافية بين السودان والحجاز ، وأثر مباشرة في انتقال الثقافة الحجازية إلى السودان بفضل بعض السودانيين الذين خرجوا من بلادهم إلى الحجاز يطلبون العلم ، وأيضا بعض المشايخ الذين وفدوا إلى السودان من الحجاز لنشر أفكارهم ومبادئهم .
ومن العلماء الذين تذكروهم الراويات والذين حضروا من الحجاز إلى السودان السيد " أحمد البيلي " الذي ولد فى مكة ودرس بالحرم المكي ، ثم هاجر للسودان عن طريق جدة ، وعبر البحر الأحمر عن طريق سواكن إلى أن نزل بمدينة " شندي " حوالي 932هـ /1526م ثم سار إلى " مروى " حتى أستقر فى " تنقاس " ([63]) ، وتزوج هناك ويقال أنه نال تكريما من الملوك([64]) .
ومن العلماء أيضا الذين وفدوا إلى السودان من المدينة المنورة الشيخ عيسى بن بشارة الأنصاري ، والذي أسس مدرسة للتعليم بقرية " كترانج " التي تقع على الضفة اليمني للنيل الأزرق على بعد 36 ميلا جنوب الخرطوم ، وقد أقبل الناس على الشيخ عيسى وأبناءه وأحفاده يتلقون عليهم العلم ، وكان الشيخ عيسى بارعا فى المذهبين المالكي والشافعي ونابغة فى العلوم المعقولة والمنقولة([65]) .
ويذخر طبقات " ود ضيف الله " ([66]) بالعديد من العلماء السودانيين الذين ذهبوا إلى الحجاز سواء للحج أو للمجاورة والدراسة والتعليم ، وكذلك من حضر من العلماء والشيوخ إلى السودان لنشر الدعوة الإسلامية والثقافة الدينية .

(9/38)


ولعل أشهر العلماء الذين قدموا من الحجاز إلى السودان على الإطلاق هو الشيخ " تاج الدين البهاري " ([67]) الذي جاء إلى السودان تلبية لدعوة أحد التجار السودانيين المشهورين بتجارة الرقيق والثراء([68]) .
ويقال أن الشيخ " تاج الدين " أستقر فى أرض الجزيرة بالسودان حوالي سبع سنوات ، تمكن فيها من إدخال الطريقة القادرية الجيلانية وسلك العديد من المريدين ، وقد قام هؤلاء بتسليك غيرهم بعد عودة شيخهم مرة ثانية إلى الحجاز([69]) .
ومن أشهر من تتلمذ على يده من القائمين على الحكم فى السودان وقتذاك الشيخ عجيب الكبير ([70]) والذي كان له الفضل الكبير فى وضع أسس للحياة الإسلامية الثقافية فى السودان وجعلها تأخذ طابعها العلمي المنظم([71]) .
ويرى د. حسن إبراهيم حسن أن أثر العلماء والشيوخ الذين حضروا من الحجاز إلى السودان فى عهد الفونج " فى أنهم لم يكتفوا بإنشاء الزوايا فى بلاد الفونج فقط بل عملوا على نشر الإسلام فى مناطق أخرى من السودان حيث مضى بعضهم صوب الغرب حتى بلغوا دار فور .
ولا شك أنه كان لموقع دار فور الفريد أثر كبير فى تنوع السلالات التي يضمها هذا الإقليم من ناحية ، وتعرضه لمؤثرات ثقافية من ناحية أخرى .
وقد أمكن تقسيم هذه السلالات إلى خمس مجموعات :
المجموعة الأولي ومصدرها إقليم تبتي وما يليه من ناحية الغرب إلى أواسط الصحراء الكبرى وهي تضم القرعان والبدايات والزغاوة وهي تمتد بهذا الترتيب من الشمال إلى الجنوب حتى المنحدرات الشمالية لجبال مرة .
المجموعة الثانية ومصدرها إقليم النوبة وهي الميدوب ومركزهم جبل ميدوب على مسيرة ستة أيام شمال شرقي الفاشر والتنجر وتقع ديارهم إلى الشرق من جبل مرة وقيل أنهم كانوا يحكمون البلاد ثم أغتصبها منهم الغور .

(9/39)


المجموعة الثالثة وهي التي تأثرت بالهجرات والثقافة النوبية ولكنها لم تتأثر كثيرا بالدماء النوبية وهي تتألف من البرتي Berti ومركزهم جبل (تقابو) على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشمال من الفاشر والداجو ومركزهم جبل داجو 0
المجموعة الرابعة وهي المجموعة الغربية ومصدرها الأقاليم الجنوبية من ليبيا أو ما كان يعرف باسم السودان الفرنسي الممتد حتى حوض نهر النيجر .
وتشتمل على عناصر من الفلاتا والميمة والبرتو والتكارنة المراريت وينتشرون بين كبكابية وكلكل .
المجموعة الخامسة وهي أقدم هذه المجموعات وتضم خمسة قبائل هي القمر ومركزهم يقع على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشمال من كلكل ويليهم تماما من جهة الغرب والجنوب الغربي الارتجا وهم فى نظر البعض جماعة واحدة ثم المساليط ويقعون بين الغور شرقا ووادي غربا ودار تاما شمالا ودار سولا جنوبا .
وأخيرا الغور ووطنهم الرئيسي الجبال ومركزهم جبل مرة والأرجح أنهم أقدم هذه العناصر جميعأ ولعل هذا ما يبرر تسمية الإقليم باسمهم([72]) .
ومن أوائل السودانيين الذين سافروا الحجاز فيما يعرف هو العجمي الذي جاور بمكة ، وسكن فى رباط العباسي ، وانقطع للذكر والعبادة ومات دون أن يتزوج([73]) .

وأيضا الشيخ عبد الله دفع الله العركي الذي حج أربعا وعشرين حجة اثنتي عشرة ذهابا وإيابا واثنتي عشرة جوارا وأشتهر هناك بالعلم ودرس في مكة وعاد إلى بلاده مرشدا للناس([74]) .
وهناك فئة كانت تسافر للحجاز طلبا للعلم ([75]) والانتساب لطريق من الطرق الصوفية فالشيخ حمد المجذوب (1693-1776) ذهب إلى هناك ، وأخذ الطريقة الشاذلية عن الفقيه " على الداروى " المغربي ، وصار من مريديها في الحجاز ، ثم نشرها بعد عودته بين مريديه من الجعليين وبعض البجة([76]) .

(9/40)


و" محمد بن عدلان الحوشابي الشايقي " قرأ علم الكلام والمنطق والأصول على الفقيه " عبد الله المغربي " عالم المدينة المنورة ، ثم قدم إلى " تنقاس" من دار الشايقيه ، فقرأ بها القرآن ، وكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وكان عالما مجددا([77]) .
ونلاحظ أيضا أن بعض علماء السودان قد أشاد بهم علماء الحرمين والحجاز فمثلا الشيخ " جنيد ولد طه " أعطاه الله قبولا تاما عند الملوك والسلاطين " ولا سيما أهل الحرمين والحجاز وحده ([78]) وعبد اللطيف بن الخطيب عمار برع فى مجال التدريس هناك ، وقد مدحه أحد علماء الحجاز ، وقال عنه " عالم الديار السنارية وعلامة الأقطار الإسلامية([79]) .
ولم يكتف السودانيين بالدراسة والتعليم فقط فى الحجاز ([80]) بل جلب الكثيرون منهم معهم من هناك العديد من الكتب العربية الدينية والثقافية فيقال أن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ صالح بان النقى ملأ من الكتب التي طلبها من الحجاز ومصر ست خزانات([81]) .
ويقال أيضا أن " عمار بن عبد الحفيظ أحضر معه نحو رحلين أو ثلاثة من الكتب([82]) .
إذن ثمة عوامل أدت إلى توطيد وتوثيق أواصر الصلة بين الحجاز والسودان اعتبارا من عهد الفونج تميزت برحيل علماء من السودان للحج والمجاورة والعلم والتجارة ثم العودة لنشر الثقافة الإسلامية بين السودانيين فقد كانوا فور عودتهم يبادرون بتأسيس الخاوي والمساجد ويعلمون فيها الناس القرآن والدين بالإضافة إلى بعض الشيوخ الذين حضروا من الحجاز إلى السودان لنشر مبادئ الشريعة الإسلامية .
عندما أعلن الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته السلفية فى نجد لم يكن يقصد أن تكون حدود دعوته شبه الجزيرة العربية فقط ، بل كانت دعوته عمومية للعالم الإسلامي كله ليعود إلى منهج السلف فى الدعوة والحكم ، وكانت دعوة صريحة لرفض قيام نظام حكم مخالف للحكم الإسلامي فى ديار المسلمين .

(9/41)


لذلك عقب نجاح الدعوة فى قلب نجد ، وتمكينها فى شبه الجزيرة العربية ،بسيطرتها على الحجاز نهائيا سنة 1221هـ/ 1805م ، انطلقت الدعوة من الحرمين لأهميتها الدينية عند المسلمين إلى بلاد الإسلام فى محاولة منها لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن حقيقة الدعوة ، وبالتالي نشرها فى أرجاء العالم الإسلامي .
وكان نصيب الجناح الأفريقي الإسلامي من نشر تلك الدعوة عظيم ، حيث يتفق الباحثون والمؤرخون ([83]) على أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية لقيت استجابة سريعة في القارة الأفريقية ، وخاصة شمال وشرق وغرب القارة ونطاق الصحراء الكبرى الأفريقية الإسلامية .
فإذا كانت هذه الاستجابة والانتشار لدعوة الشيخ فى أفريقيا ، فماذا كان نصيب السودان ؟ وهو الأكثر قربا واتصالا بشبه الجزيرة العربية عامة والحجاز خاصة ، ومن حمل إليه أفكار ومبادئ الدعوة ، وكيف نفذت إليه ؟
للإجابة على تلك التساؤلات سأقوم بعرض إحدى المنافذ التي انتقلت من خلالها الدعوة إلى داخل السودان وأقصد بها المنفذ الشرقي المتمثل فى " الحجاز وعسير " بحكم الجوار والاتصال ، مستعرضا دور الدعاة فى بث تلك الأفكار والمبادئ التي تدعو بالعودة إلى العقيدة الصحيحة ، ونبذ البدع ، ومظاهر الشرك .

المنفذ الشرقي " الحجاز وعسير"
لم يكن المسلمون فى السودان حكام ورعية قد سمعوا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية فور إعلانها رسميا فى نجد ، وأثناء توحيدها فى قلب شبه الجزيرة العربية على يد أنصار الدعوة ودور آل سعود ، فمن الطبيعي أن يكونوا قد سمعوا بها وتساءلوا عن حقيقتها بعد الحرب الدعائية ([84]) الضخمة التي قام بها الأشراف فى الحجاز .

(9/42)


وترقبوا بين مادح وقادح للدعوة نهاية الصراع الحربي بين الأشراف فى الحجاز وأنصار الدعوة فى نجد والذي أستمر من سنة 1205هـ إلى سنة 1213هـ لمنع سيطرة الدعوة على الحرمين وانتشارها هناك ، وكان طبيعيا أن يزداد التأييد والقبول أو الرفض والمعارضة من بعض السودانيين لأفكار ومبادئ الدعوة بعد سيطرتها نهائيا على الحجاز([85]) .
وبسيطرة الدعوة نهائيا سياسيا ودينيا على الحجاز والمناطق المواجهة([86]) لشرق السودان على البحر الأحمر منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، كان من السهولة انتقال الأفكار والمبادئ السلفية عبر البحر الأحمر إلى منطقة شرق السودان وخاصة أنه لم يكن هناك شئ يمنع ذلك فى تلك المناطق البعيدة عن الحكومات المركزية .
كان الحجاز ومنطقة عسير أكثر مناطق شبه الجزيرة العربية اتصالا بالسودان بحكم سهولة الاتصال وقرب المسافة ، والإقليم الإداري الواحد ([87]) لذلك وجد أنصار الدعوة المتحمسين الفرصة أمامهم بعد سيطرتهم على الحجاز المنفذ الطبيعي لبث ونشر الدعوة إلى أقطار العالم الإسلامي وجدوا الفرصة لنشر مبادئهم ودعوتهم إلى السودان .
وقد تحولت المهدية من دعوة تدعو إلى تطهير المجتمع من مفاسده وتنادى بإصلاح الملة والعمل بالقرآن الكريم والسنة إلى دولة إسلامية قوية تقوم سلطاتها على أسس ثلاثة :
أولا : القيادة العليا ، وكانت تتمركز فى شخص محمد أحمد ذاته والخلفاء الثلاثة عبد الله بن محمد وعلى بن محمد حلو ومحمد شريف ، بالإضافة إلى كبار قواد المهدية أمثال عبد الرحمن النجومي وعثمان دقنة ومحمد الخير
عبد الله خوجلي وحمدان أبو عنجة وغيرهم هذا فضلا عن الأشراف أقارب المهدي .
ثانيا : النظام المالي الذي استحدثته المهدية وأمكنها بواسطته تصريف الشئون المالية والاقتصادية للدولة .
ثالثا : النظام القضائي الذي كان مسئولا عن الفصل فى المنازعات وإصدار الأحكام([88]) .

القيادة العليا :

(9/43)


كانت أول وظيفة فى المهدية هي وظيفة نائب المهدي ،ولقد ظهرت هذه الوظيفة فى جزيرة (آبا) وكان الذي يتولاها يقوم بالأعمال المدنية والعسكرية معا ، وقد ظهرت بعد حلول المهدي بقدير وظيفة الخليفة التي حلت محل نائب المهدي([89]) ولو أن البعض يرى أن هذه الوظيفة ظهرت قبل أن يخرج المهدي من جزيرة آبا([90]) .
وكان لفظ الخليفة يطلق على كل أعوان المهدي الذين يقومون بالإدارة العسكرية والمدنية بصرف النظر عن مكانتهم والأدوار التي يقومون بها ، ثم جاء تحول كبير ، إذ أجرى المهدي أول تعديل فى أنظمة الدولة ، ومقتضى هذا التعديل أقتصر استعمال لفظ الخليفة على قادة الرايات مثل عبد الله وعلى حلو وشريف ، وأبطل استعماله على غيرهم ، واستخدم بعد ذلك لفظ " الأمير " بدل الخليفة للدلالة على باقي القواد ، وكان المقصود من لفظ " الخليفة " فى التنظيمات الجديدة هو قيادة الراية وكان المهدي هو رأس هذا التنظيم والقائد الأعلى للجيش ، ويليه فى المكانة والقوة شقيقه محمد عبد الله الذي تولى القيادة العامة وكان الخلفاء " قادة الرايات " مسئولين أمامه([91]) .
ومن أشهر هذه الرايات : الراية الزرقاء ([92]) وكان يقودها الخليفة عبد الله والراية الخضراء ويقودها الخليفة على محمد حلو والراية الحمراء ويقودها الخليفة محمد شريف وكانت الراية الزرقاء تتألف من البقارة أهل الغرب ،وقد تزايد عددها باستمرار وخاصة بعد الهجرة من آبا إلى قدير حتى بانت أكثر الرايات عددا .

أما الراية الخضراء فكانت تتألف من قبيلتي دغيم وكنانة ، وهم من البقارة النازلين بالجزيرة .
وأخيرا كانت هناك الراية الحمراء وتتألف من الأشراف والأنصار الذين ينتمون إلى القبائل التي تعيش على النيل أو بالقرب منه .

(9/44)


وكانت هناك أيضا راية بيضاء هي راية المهدي نفسه وكان يقودها شقيقه محمد عبد الله وكانت بمثابة راية القيادة ، ورغم أن القوات التي كانت تنضوي تحت لواء هذه الراية قد أدمجت فيما بعد فى قوات الخليفة شريف ، إلا أن الراية ذاتها بقيت إلى أواخر عهد المهدية .
ويقال أنه كانت هناك راية صفراء كان المنة إسماعيل يرفعها إلى أن سقطت الأبيض ، ثم عرضت على السيد محمد المهدي السنوسى ، ثم طمسها النسيان بعد خلاف المنة مع المهدي ، وبعد ذلك أضيفت قوات هذه الراية إلى الراية الزرقاء والتي يقودها محمد عبد الله .
وينبغي أن نشير هنا إلى تطور كبير حدث فى التنظيم الحكومي فى عهد المهدي عقب سقوط الأبيض الذي قتل فيه محمد عبد الله شقيق المهدي ، كما قتل أيضا كبار مستشاريه ، وبذلك خلا الجو لعبد الله ، ولم يعد الناس يذكرونهم إلا قليلا ، مع أن مركزهم فى الواقع كان أعلى من مركز الخليفة عبد الله وبقية الخلفاء حتى هذه الواقعة([93]) .
ومما يلفت النظر أن مكانة الخلفاء الثلاثة قد ارتقت من حيث المراتب ، وهذا التطور حدث بعد سقوط الأبيض ، أما قبل ذلك ، فرغم أن المهدي عنى بإيجاد نظام المراتب فى المهدية فإنه لم يخطط لها نظاما تفصيليا ، واكتفى بوضع الحد الأدنى لهذه المراتب ، فقال أن أدنى اتباعه له مرتبة .
وكان يلي الأمراء فى المرتبة العسكرية ضباط يحملون لقب " مقدم "([94]) وقد استبدله المهدي فيما بعد بلقب " نقيب " .
ويقول (هولت) أنه يبدو أن لفظ " نقيب " لم يلق قبولا ، وأستدل على ذلك بأن المنشورات كانت ترسل فى عهد الخليفة باسم " العملاء والمقاديم ([95]) هذا بالرغم من أنه توجد منشورات كثيرة صادرة عن الخليفة وموجهة إلى العملاء والنقباء .

(9/45)


وقد أشار (شقير) إلى أن المهدي أقام مجلسا للشورى يتألف من سبعة أمناء برئاسة أحد الأشراف للفصل فى المسائل الإدارية عقب سقوط الخرطوم ، كانت قراراتهم تحمل ختم المهدي بعد موافقة الخليفة عليها([96]) .
وليس هناك سوى أربع وثائق تحمل قرارات هذا المجلس فى تظلمات تقدم بها بعض سكان الخرطوم مما نزل بهم ، ويرى (هولت) أن الشهور الستة ما بين سقوط الخرطوم ووفاة المهدي ، كانت بلا شك كافية للبت فى هذه المطالب والتظلمات([97]) .

النظام المالي :
يعد النظام المالي هو الأساس الثاني الذي قامت عليه الدعوة المهدية ، وقد نشأت الحاجة إلى وضع نظام مالي بسبب الغنائم الوفيرة من أسلحة وذخائر ودواب وأموال وسلع ورقيق التي وقعت فى أيدي المهدية ، وقد حاول المهدي أن يبين حكم الشرع أن الغنيمة هي ملك للجماعة الإسلامية توزع عليها حسب حاجتها وليست ملكا للأفراد .
وبعد سقوط الأبيض بدأ من الواضح ضرورة وضع أساس لجهاز يدير الشئون المالية للدولة ، وهو الذي أطلق عليه " بيت المال " وهو نفس الاسم الذي كان يطلق على الإدارة المالية فى العهود الإسلامية ، ويبدو أن أحمد سليمان وهو من قبيلة المحس ومن أقرب المقربين للمهدي كان يتولى شئون بيت المال هذا ، قبل أن يعلن المهدي توليته لهذا المنصب رسميا فى جمادى الثانية 1300هـ ( إبريل مايو 1883) ([98]) وبعد انتصار شيكان ، وضع المهدي أساسا لتوزيع الغنائم طبقا للشريعة الإسلامية ، فكان يناله شخصيا بوصفه قائدا للجماعة خمس الغنائم ، ويوزع الباقي على هذه الجماعة أي يذهب إلى بيت المال(98) .
ويبدو أن المحاربين كان يخفون الغنائم ولا يقدمون عنها بيانا ([99]) ورغم تحذير المهدي من إخفاء الغنيمة ، فقد استمروا يخفونها بعد وفاته وتوليه الخليفة بدليل المنشورات الكثيرة التي أصدرها الخليفة يحذرهم من ذلك .

(9/46)


ثم فرضت ضريبة العشر وهي الزكاة على الماشية والغلال ، وقد طلب المهدي من الأصحاب والخلفاء بصفة خاصة أن يعاونوا عبد الله فى جمع الغنائم والزكاة من أجل بيت المال ([100]) وقد أطلق على هذه العملية "خدمة حقوق الله " .

النظام القضائي :
أخذت المهدية باعتبارها قائمة على دعوة دينية سلفية وعلى اعتبار أيضا أن المهدي يقتدي أثر رسول الله صلي الله عليه وسلم ببعض النظم والوظائف القضائية التي عرفت في الدولة الإسلامية الأولي ، وكان على رأس تلك الوظائف وظيفة " قاضى الإسلام " فبالرغم من أن المهدي كان القاضي الأعلى في دولته مثلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، إلا أنه أسند منصب " قاضي القضاة " أو قاضى الإسلام إلى الشيخ أحمد ودجباره([101])، وجعل دونه قضاة ونوابا كثيرين([102]) .
فانتشرت بذلك المحاكم الشرعية فى أقاليم المهدية المختلفة ، وكان القاضي يأتي بالدرجة الأولي من حيث المرتبة بعد أمير الإقليم مباشرة ويتبعه إداريا ، لأن المهدي كان يرى أنه ليس هناك حدا فاصلا بين الدين والدولة متأسيا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى حكومتها الإسلامية ، حيث يقول أحمد جمعة ([103]) ولم يكن حكام الأقاليم يشرفون على كل الأمور بمفردهم بل كان إلى جانبهم بعض الموظفين مثل قضاة الشرع الذين كانوا يقومون بإصدار الفتاوى فى الأحكام الشرعية ، ويفصلون فى الخصومات التي تقع بين الناس ويشرفون على تنفيذ أحكام الدين فى الأقاليم .
وكان أيضا قضاة المهدية ([104]) فى الأقاليم مستقلين فى أحكامهم ، ويحكمون فى المسائل الشرعية الأهلية وينظرون أيضا الدعاوى البسيطة التي لا تستلزم وقتا طويلا وكانت الدعاوى الكبيرة أو الشائكة ترفع إلى قاضى الإسلام فى أم درمان .

(9/47)


ورغم أن فترة حكم الخليفة عبد الله شهدت تداخلا واضحا فى شئون القضاء ، إلا أن مصادر أحكام المهدية ([105]) كانت قائمة على الشرع وتستند إلى الكتاب والسنة ، واجتهادات المهدي ، فنفذت الحدود الشرعية ، فرجمت الزاني والزانية ، وجلدت شارب الخمر ، وقطعت يد السارق([106]) .
وفى النهاية يمكن القول أن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية فى دعوة المهدي الإسلامية والتي لاحظنا أن المهدي التزم فيها تماما بالعودة إلى " مجتمع " السلف ونظمه وتشريعاته ظهر واضحا ، وظهر المهدي بما أقدم عليه من نظام إسلامي للحكم متأسيا بما نفذته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى قلب شبه الجزيرة العربية .

الخاتمة :
أهم النتائج التي توصل إليها الباحث :
أن الصلات والعلاقات بين شبه الجزيرة العرب وسودان وادي النيل عميقة الجذور موغلة فى القدم فبعيدا عن النظريات التي تقول بغياب الحاجز المائي ( البحر الأحمر ) وبوحدة أصل سكان المنطقتين منذ فجر التاريخ واعتبارهم منطقة واحدة ، فقد تأثرت أجزاء كبيرة من سودان وادي النيل عبر عصور التاريخ وقبل إعلان الإسلام بما يحدث بشبه جزيرة العرب بحكم الجوار وسهولة الاتصال ، وبفضل الانتقال والاستقرار السلمي للعرب الذين انتقلوا بعقائدهم ثقافتهم إليها ، وأصبحت تلك المناطق شبه عربية قبل ظهور الإسلام فى جزيرة العرب .
ثم ازدادت وتطورت الصلات والعلاقات بينهما بفضل قوة الدعوة الإسلامية التي نهضت فى جزيرة العرب منذ القرن السابع الميلادي ونفذت إلى سودان وادي النيل عبر عدة قرون من خلال انتقال كثير من القبائل العربية وبطونها واستيطانها مناطق واسعة من السودان ، بالإضافة إلى محاولات القوى الإسلامية المستمرة لمد نفوذها وسيطرتها على تلك المناطق ، وتمثل ذلك فى نشر العقيدة الإسلامية وما صاحبها ونتج عنها من أفكار سلفية وجعل تلك المناطق متأثرة دائما بما يحدث فى شبه جزيرة العرب .

(9/48)


وبقيام سلطنات إسلامية فى سودان وادي النيل منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي كان طبيعيا أن يصحبها محاولات من حكام تلك السلطنات وعلى رأسهم سلاطين دولة " الفونج " لتوطيد وتوثيق علاقاتهم مع دول العالم الإسلامي وخاصة " الحجاز " باعتباره مهبط الوحي ومنبع الدعوة والحرمين ، وخاصة فى النواحي الدينية والثقافية لتبدأ حركة علمية تقوم بشرح تفاصيل الدعوة الإسلامية ومبادئها للناس لنهيهم عما يتعارض من عاداتهم ومعتقداتهم مع الإسلام والعقيدة الصحيحة ، وتميز توطيد وتوثيق الصلات الثقافية بين المنطقتين برحيل علماء السودان للحج والمجاورة والعلم والتجارة ثم العودة لنشر الثقافة الإسلامية بين السودانيين من خلال تأسيس الخلاوي والمساجد والمدارس الدينية ، بالإضافة إلى بعض الشيوخ الذين حضروا من الحجاز إلى السودان لنشر مبادئ الشريعة الإسلامية ،وكان لهذا أثره المباشر فى انتقال الثقافة الإسلامية التي تميز بها الحجاز فى هذا العصر ، وانتشار الإسلام في المجتمع السوداني .
وقد كان معظم العلماء الذين أرسو قواعد الشريعة الإسلامية فى السودان (طوال حكم الفونج ) من العلماء الذين لهم نزعة إسلامية وغلبت عليهم جميعا الروح السنية ، مما جعلهم قريبين من الإسلام الصحيح بانتهاجهم الشريعة الإسلامية القائمة على الالتزام بالكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف الصالح .

(9/49)


وفى تلك الأثناء التي سيطرت فيها الثقافة الإسلامية على الحجاز والسودان على حدا سواء وتميزت بالارتباط الثقافي الوثيق بينهما ، وتأثر السودان الثقافي بما يحدث بشبه جزيرة العرب وخاصة الحجاز ، قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية فى نجد بقلب شبه جزيرة العرب وتوطدت دعائمها طوال النصف الثاني من القرن 18م ، فى الحجاز والمناطق المواجهة لشرق السودان على البحر الأحمر منذ أوائل القرن 19م ، وباعتبار أن السودان كيان إسلامي قريب الصلة والتأثر بما يحدث فى الحجاز وشبه جزيرة العرب عموما فكان طبيعيا أن تظهر فيه أصداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ، فلم يكن هناك ما يمنع انتشار أفكار ومبادئ الدعوة إلى تلك المناطق البعيدة وقتذاك عن الحكومات المركزية والمرتبطة ثقافيا بما يحدث فى الحجاز ، وقد كان طبيعيا أن يستغل أنصار دعوة الشيخ مواسم الحج وتوافد الحجيج على الحرمين ومنهم بلا شك حجاج السودان الذين كانوا ينقلون بسهولة مباشرة من موانئ السودان الشرقي إلى الحجاز ليوضحوا حقيقة دعوتهم والدعوة لأفكارهم ومبادئهم بين فئات الحجيج .
ومن هنا بدأت الدعوة السلفية في الانتشار إلى السودان ،واستطاعت أن تنفذ فيه أيضا بفضل بعض رجال مصلحين ، وتحول الإسلام بفضلهم إلى دعوات إيجابية تميزت بتأثرها بما يجرى على الساحة الإسلامية من دعوات للإصلاح ، وقد كان لهؤلاء الفضل الأكبر فى تقبل كثير من السودان لأفكار ومبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية (التي يتفق الباحثون على أنها لقيت استجابة سريعة فى القارة الأفريقية وقتذاك ) تحت ستار إصلاحي ملتزم بالكتاب والسنة .

(9/50)


وإذا كانت دعوة الشيخ السلفية قد نفذت مباشرة إلى السودان عن طريق استغلال مواسم الحج والدعاة وبفضل دور بعض رجال إصلاحيين ، إلا أننا لا يمكن أن نغفل طريق أخر غير مباشر نفذت منه أيضا تلك الأفكار والمبادئ وهو الفتح المصري للسودان الذي ساهم بما قدمه من تسهيلات ودعم لزيادة أعداد السودانيين الدراسيين فى الأزهر وفتح أمامهم باب الاتصالات والتأثر بما يحدث فى عالم الإسلام من دعوات إصلاحية ، بجانب الدعم والتشجيع لبعض رجال الطرق الإصلاحية لنشر أفكارهم ومبادئهم فى السودان بالإضافة إلى تشجيع القائمين على العملية التعليمية هناك وعدم التدخل فيها ، والإصلاحات التي أدخلت فى مجال المواصلات .
كل هذا ساهم بلا شك وسهل للعلماء والدعاة التنقل بين أرجاء السودان الفسيح ويسر نقل لأفكار والمبادئ والدعوات الإصلاحية سواء من مصر أو من الحجاز ، وانتشارها فى سودان وادي النيل .
وكان نتاج ذلك كله أن استطاعت دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب النفاذ إلى السودان برغم سيطرة الأفكار الأخرى على الحياة الفكرية حينذاك ، ولكن مع دعوة محمد أحمد تهيأت فرص أكبر لدخول وانتشار الأفكار والمبادئ السلفية إلى سودان وادي النيل كنتيجة طبيعية لاستمرار واستقرار وإعادة نشاط وبث دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية من جديد بفضل أنصارها ومؤيدها فى شبه جزيرة العرب وعلى رأسهم آل سعود بانتهاجهم الحكم الإسلامي القائم على مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليم الدعوة .
أما النتائج التي ترتبت على تأثر الدعوة المهدية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيمكن تلخيصها فيما يلي :-

(9/51)


أولا : اتفق أصحاب الدعوتين في الأساس الفكري السلفي الذي قامت عليه دعوتيهما فالسلفية عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت تراثها في فكر أحمد بن حنبل وأبن تيمية الوقوف عن ظواهر النصوص الدينية ، جعل المعاني المستفادة من هذه الظواهر المرجع في كل أمور الدين وأمور الدنيا فهي قد وقفت عند مفهوم الإسلام كدين ، كما كان الحال هذا المفهوم في عصر البساطة قبل التطورات العلمية والإضافات العقلية التي استدعتها صراعات الأمة الفكرية مع الملل والنحل غير الإسلامية بعد الفتوحات .. ومن ثم فإن الدعوة بهذا المعنى وتعتبر كل ذلك " بدعا " طرأت على الإسلام ، كما فهمه السلف الصالح " .
أما فكر المهدي أيضا فقد اتسم بالسلفية بمعنى العودة إلى النصوص الأصلية ، كتابا وسنة وأسقط خرافات العصور الوسطى وإضافاتها التي حجبت الجوهر البسيط والمتقدم للدين ، ثم أنه قد أعلى من قدر " المصلحة " وفتح الباب واسعا للاجتهاد والمحكوم بالمصالح المتجددة على هدى من الكتاب والسنة فهو يعلن أنه " يتبع آثار من سلف فى التوحيد ، وهي التي تنكر الوسائط والتوسل بالأولياء الصالحين أحياء كانوا أم من الأموات 000" .
أي أن الدعوتين اتفقتا تماما فى الأساس الفكري السلفي والدعوة إلى تصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها من مظاهر الشرك والبدع والخرافات ، والعودة بالإسلام إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين ، ثم إقامة مجتمعإسلامي متكامل فى ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهج حياة ، وتطبق أحكامه فى جميع شئونها .

(9/52)


ثانيا : تشابه الدعوتان فى النشأة ، فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشأت ونمت وانطلقت من منطقة نائية فى قلب شبه الجزيرة العربية ، وكذلك دعوة المهدية اختارت مكانا نائيا منذ كانت فى " آبا " ، وكلاهما ظل فترة من الزمن يدعو سلما بالمواعظ ، والكتب ،والوفود والرسائل ، وذلك لتبيلغ الدعوة وإزالة الشرك والبدع 0
ثالثا : اتفقت الدعوتان أيضا فى " العمومية " بمعنى أنهما لم تكونا موجهتين فقط إلى الجماهير فى كل من سودان وادي النيل وقلب شبه الجزيرة العربية ، بل كانتا موجهتين إلى المسلمين كافة ، فقد حاول أنصار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب الخروج بالدعوة من قلب الجزيرة العربية وحاولوا نشر عقيدتهم ومبادئهم فى أقطار العالم الإسلامي المختلفة واستطاعوا تحقيق نجاحات فى ذلك المجال ، وحاولت المهدية بث ونشر دعوتها أيضا خارج حدود السودان وخاطبه زعماء العالم الإسلامي وقتذاك عامة ، وسلطنات غرب السودان الإسلامية خاصة وحققت بعض النجاح فى ذلك .
رابعا : استطاعت الدعوتان أن تقيم دولة إسلامية قامت على أساس من تطبيق الشرع ، فقد استطاعت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بفضل مناصرة أمراء آل سعود أن تقيم دولة إسلامية قام حكمها على أساس من تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ، واستطاعت أيضا المهدية أن تقيم دولة إسلامية فى سودان وادي النيل قامت على تطبيق الحدود الشرعية ، فقطعت يد السارق ورجمت الزاني وجلدت شارب الخمر وجلدت على السب .
خامسا : اتفقت الدعوتان بعد أن استطاعت أن تقيم نظاما إسلاميا ، فى محاربة البدع ومظاهر الشرك وتبسيط الحياة فى مجتمعاتهما وردها إلى ما يشبه الحياة الإسلامية فى صفائها الأول أيام الرسول صلي الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين واستطاعت الدعوتان تحقيق نجاحات فى ذلك .

(9/53)


سادسا : ومن أوجه الخلاف التي تمثلت فى نتائج الدعوتين نستطيع أن نقول أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية استطاعت بفضل الله سبحانه وتعالي أن تنتشر فى أرجاء كثيرة فى العالم الإسلامي ، واستطاعت أيضا بفضل أمراء آل سعود أن يكون لها دور فى دولة مازالت قائمة حتى الآن تنفذ تعاليم الدعوة وهي المملكة العربية السعودية .
لكن دعوة المهدية رغم انتصارها السريع في محاولة إقامة مجتمع سوداني واحد في حياة المهدي بفضل شخصيته إلا أنها لم تستطع الاستمرار مع خليفة المهدي وسقطت بعد سنوات قليلة .

الهوامش والتعليقات

(1) محمد محمد أمين : العلاقات العربية الأفريقية ( دراسة تحليله في أبعادها المختلفة ) معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة 1978 ، ص 31 .
(2) البجة أو البيجة أو البجاه هم سكان شرق السودان ويقال أنهم من أقدم الشعوب في أفريقيا بعد السود ، وهم ينقسمون إلي أربعة أقسام رئيسية في الصحراء الشرقية للسودان ما بين النيل والبحر الأحمر ( البشاريون والأمراء ، والهدندوه ، وبني عامر ) .
أنظر : نعوم شقير : تاريخ السودان الحديث وجغرافيته ، طبعة أولي القاهرة سنة 1903، ج 1 (م ص49 إلي ص 56 ) وأيضا يوسف أبو قرون : قبائل السودان الكبرى ، الخرطوم 1969م من ص 59 إلي ص 74 .
(3) عبد العزيز حسين الصاوى ، محمد علي جادين : الثورة المهدية مشروع رؤية جديدة ، الخرطوم بدون تاريخ ص 10 .
(4) عبد الرحمن حسب الله الحاج : العلاقات بين بلاد العرب ، وشرق السودان منذ ظهور الإسلام حتى ظهور الفونج ( رسالة ماجستير غير منشورة ) بجامعة القاهرة سنة 1980، ص 7. ، وأيضا محمد محمد أمين : المرجع السابق ، ص 58.
(5) محمد محمد أمين : نفس المرجع ص 31 .
(6) أنظر : عبد المجيد عابدين : تاريخ الثقافة العربية في السودان منذ نشأتها إلي العصر الحديث ، القاهرة سنة 1967 م ص .10.

(9/54)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية