صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة جامعة أم القرى
[ ترقيم المجلة غير موافق للمطبوع ]

يا رفيقي لقد ضللت طريقي وتخطت محجتي أقدامي
فيجعل من هذه المسافات بين صور التكرار دائرة يتحرك فيها ليشرح لرفيقه ما أصاب الكون من فساد فأصبح جحيما، لذلك جعل من هذه اللازمة وسائل وشرائح دفاعية ضد المجتمع والإنسان والكون رابطا بين هذه المسافات بوحدة شعورية تنساب بين ثنايا السطور الشعرية وبوحدة لغوية مع حرف الواو أحيانا وأحيانا بأنماط أسلوبية متنوعة بين الجملة الفعلية والاسمية والإنشائية والخبرية ولكنها تتمحور وتدور حول نقطة الارتكاز (يارفيقي) وكأنه بذلك يكرر هذه اللازمة نفسيا في بداية كل سطر شعري.
أما اللازمة الطويلة فتكونت من وحدات متداخلة متلاحمة تلاحما يحدث بها تأثيرا قويا وفاعلية في نفس المتلقي، لأنها تمتد عبر سطر شعري متكامل وذات بناء لغوي متعدد ليتمكن من خلالها من التعبير والتنفيس عما يجول في خاطره من حسرات وآهات ، فنوع في مواقعها فكانت على شكل افتتاحيات وأقفال على طريقة نظم الموشحات فهو لا يخرج عن الإطار التقليدي لبناء القصيدة العربية، ومع هذا لا يستطيع إغفال هذه الظاهرة في شعره لأنها داخلة في صميم تركيب النص الشعري للشابي وتشكل محطات منتظمة في خلق إيقاعات شعرية متساوية "فاللازمة الرنانة المنتظمة عنصر مهم في بناء القصيدة، كما أن البناء الخلفي الذي أحدثته اللازمة استطاع أن يكون بنية متلاحمة متصلة"(1) فعمل على الربط بين أجزاء القصيدة من خلال هذه اللازمة يقول في قصيدة (الكآبة المجهولة):
أنا كئيب ، أنا غريب
كآبتي خالفت نظائرها
كآبتي فكرة مغردة
لكنني قد سمعت رنتها
سمعتها فانصرفت مكتئبا
سمعتها أنة يرجعها
غريبة في عالم الحزن
مجهولة من مسامع الزمن
بمهجتي في شبابي الثمل
أشدو بحزني كطائر الجبل
صوت الليالي ومهجة الأزل

إلى أن يقول :
مرت ليال خبت مع الأمد
روحي وتبقى بها إلى الأبد
كآبة الناس شعلة ومتى
أما اكتئابي فلوعة سكنت

أنا كئيب أنا غريب(2)

(7/456)


فكرر الشاعر اللازمة ( أنا كئيب ، أنا غريب ) مرتين ، شكل منها مساحات واسعة، وفضاءات ممتدة داخل النص الشعري، حتى أننا نلمح معاني هذه الكلمات ودلالالتها في كل سطر شعري مع اختلاف في الأنماط الأسلوبية المستخدمة والاشتقاقات اللغوية المتعددة ، فكلمة (كئيب) ذكر مرادفات لها كآبتي ، كآبة ، اكتئاب) حتى أنه جعل من بعضها لوازم أخرى مساندة للازمة الرئيسية مثل قوله (أما اكتئابي فلوعة سكنت) فكررها مرتين، لأن إحساس الشاعر بالغربة والاغتراب جعله يوزع دوائر الإيقاع المكاني، حتى لا يدع مجالا للشك بأنه غريب، بل إن غربته تختلف عن غربة غيره من البشر، فهي لا تفارقه سكنت روحه وتبقى معه إلى الأبد وأنها غربة قاسية (لم يسمع الدهر مثل قسوتها في يقظة ولا حلم) بينما كآبة الناس شعلة تتقد وتخفو ثم تزول ، ولم يشاركه أحد هذه الهموم في هذه الغربة ولم يحس بها أحد أيضا لأنه يعيش غربة روحية وفكرية لم يستطع التكيف مع واقعه الاجتماعي، فجنح إلى الهجرة الروحية فتعلقت همته ببيئة أخرى مثالية يحيا بها بروحه ويحلق فيها بخياله. ولكن هذا الإحساس لم يجعله يهرب من الواقع ليعشق ذاته وإنما كان هذا الإحساس دافعا له للبحث عن عالم آخر، وبديل للعالم الذي تصفو فيه روحه ويتخلص من آثام الدنيا وشرورها وجهل الناس ولؤمهم(1).
ولم يكتف بأن يجعل من اللازمة افتتاحية وانطلاقة لثورته وتمرده، بل جعل منها رابطا قويا بين مطلع النص ومركزيته فكثف هذه اللازمة في بؤرة النص يقول:
وبحار لا تغشيها الغيوم
وربيع مشرق حلو جميل
وابتسامات ولكن واساه
آه ما أشقى قلوب الناس آه
كان في قلبي فجر ونجوم
وأناشيد وأطيار تحوم
كان في قلبي صياح وإياه
آه ما أهول اعصار الحياة

كان في قلبي فجر ونجوم
فإذا الكل ظلام وسديم
كان في قلبي فجر ونجوم(2)

(7/457)


فجاءت اللازمة (كان في قلبي فجر ونجوم) قوية لها صداها منذ بداية تكرارها في كل سطر شعري جسد فيها ماضيه المشرق الجميل الذي فقده لعظم المصائب التي لحقت به، حيث كانت حياته صافية، وربيع حياته حلو جميل، لذلك نراه يؤكد على هذه اللحظات الحلوة التي مرت سريعا عبر هذه الأساليب التكرارية المتلاحقة حيث وقعت في مسافات التوتر المختلفة بين اللازمة الأولى وكل من الثانية والثالثة، لأن اللازمة الأولى كانت أكثر قدرة على تجسيد الماضي بكل أحداثه وإشراقاته بينما الثانية والثالثة جاءت تؤكد وتردد ما آلت إليه حال الشاعر لينطلق بعد ذلك باحثا عن صباح مشرق جميل فنراه في النص نفسه يلجأ إلى لازمة أخرى تجسد ثورة الانطلاق والانعتاق من الماضي المظلم الذي تعيشه أمته وبني جنسه للبحث عن فجر وصفه بالبعيد متخذا الطريقة نفسها التي كررها في المقطع الأول فيقول:
قد تقضي العمر والفجر بعيد
وانقضت أنشودة الفصل السعيد
أين غابي ؟ أين محراب السجود؟
كيف طارت نشوة العيش الحميد؟
يا بني أمي ترى أين الصباح ؟
وطغى الوادي بمشبوب النواح
أين نايي ؟ هل ترامته الرياح
خبروا قلبي فما أقسى الجراح

يا بني أمي ترى أين الصباح؟
أوراء البحر ! أم خلف الوجود
يا بني أمي ترى أين الصباح؟(1)

فجسد من خلال هذه اللازمة الحلم الجميل الذي لازال يفكر به ويراوده في كل لحظات حياته، عبر عالم الطبيعة الذي اتخذه محرابا له يجد فيه نشوته وذاته لكثرة أسرارها وجمالها، كما يرى فيها الأنيس والرفيق الذي يشعر معه ويحس بآلامه وهمومه.

(7/458)


لقد حرص الشاعر على تجسيد لحظة الصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال تكرار اللازمة أو بين الموت والحياة، ولكن ليس الموت النهائي إنما الموت الذي يبشر بحياة أخرى حافلة بالعطاء، لأن اللازمة تتكون من جملة من الأساليب اللغوية تبدأ بمقطع ثم تنتهي بالبيت الشعري الكامل، فهي أكثر قدرة على استيعاب هذا الزمن الممتد والفضائي الواسع الذي يبدأ بالماضي ليتجاوزه إلى الحاضر والمستقبل، لأن الماضي بالنسبة له هو فناء وموت وسكون والحاضر هو الحياة والانطلاقة التي تستشرف المستقبل، فالماضي هو الأمس والحاضر هو اليوم يقول من قصيدته جدول الحب بين الأمس واليوم التي تقع في ستين بيتا يقول:
بالأمس قد كانت حياتي كالسماء الباسمة
واليوم قد أمست كأعماق الكهوف الواجمة(1)
ثم يكرر هذا المقطع بعد أربع وثلاثين بيتا، فجعل عنوان القصيدة في تكرار لازمته وجسد خلالها لحظة التجلي الشاعرية الماضية التي عاشها ضاحكا حالما ، لحظة الحب للذات والآخر التي كانت (كبسمة القلب الثمل) فكان الحب ملاذه من الاغتراب والغربة التي عاشها فهو يطهر النفوس ويخلص الإنسان من شقائه ومحنته الكونية وهذا هو شأن الرومانسيين الذين يمجدون الحب ويعدونه أساسا من الأسس التي يجب أن يقوم عليها المجتمع إضافة إلى التقدم العلمي والمساواة والإخاء(2) ولذلك فإنه قد جسد في هذه اللازمة التي تمثل انطلاقته وتحرره من عالم الأمس فرحة ونشوته في الحب الذي رآه في الطبيعة والمرأة (حيث العذارى الخالدات يمسن ما بين النجوم) ولكنه يلح على ثنائية الأمس واليوم أو الماضي والحاضر في ثنايا النص ليبقى النص مشدودا يتحرك في إطار هذا الزمن المحدود الذي أراد من خلالها أن يصور حياته وما آلت إليه فنراه يكرر ويقول بين حين وآخر:
قد كان ذلك كله بالأمس بالأمس البعيد
والأمس قد جرفته مقهورا يد الموت العتيد
قد كان ذلك تحت ظل الأمس والماضي الجميل

(7/459)


قد كان ذلك في شعاع البدر من قبل الأفول
واليوم إذ زالت ظلال الأمس عن زهري البديع(1).
ثم يستمر في تجسيد ذاته في كل حرف وكلمة إلى أن بدأ الماضي يتلاشى (فذبلت مراشفه فأصبح ذاويا نضو الكلوم وهوى لأن الليل اسمعه أناشيد الوجوم) فيعود مرة أخرى إلى اللازمة ويكررها كما هي بعد أن بان ليله، لأن الليل عند الرومانسيين يوحي بالانطلاق والتحرر فهو مليء بالأسرار وهو معبر إلى اللا نهاية المظلمة مثل مستقبل الشاعر المظلم لذلك فإن المعاني الشعرية التي طرحها بعد اللازمة الثانية جاءت تجسد لحظة المستقبل وما آلت إليه حالة من جفاف الدموع، والغيوم الحزينة التي تغطي سماءه، حيث المرارة والآسى والكآبة، كما أنه عمل على اختيار صيغ نحوية تدور في فلك المستقبل فجاءت الأفعال مضارعة (تهتز، فتسير، يسيل، ينحن، يهرقن، فتدفقت) رابطا ذلك بعالم الطبيعة الذي كان يمثل عنده مصدرا للحقائق الوجودية والإنسانية.
لقد حاول الشاعر أن يجعل من تكرار اللازمة نمطا أسلوبيا ثابتا مع اختلاف في بنائها اللغوي، فيجعلها أول القصيدة التي تشكل فاتحة لصرخته وآهاته ثم يكررها داخل النص مرتين أو ثلاثة بشيء من التساوي تقريبا في إعداد الأبيات بين كل لازمة إلا أنه يجسد في كل بيت يأتي بعد اللازمة معاني وصور هذه اللازمة ليشكل منها بؤرة مركزية ويجعلها مصدرا لتوتره بل إنه أحيانا يجعل من عنوان بعض القصائد – كما ذكرنا سابقا – مادة لتكرار اللازمة كما هو الحال في قصيدته (ياموت) فجاءت اللازمة في هذه القصيدة ضمن هذا التوجيه الأسلوبي يقول:
يا موت ! قد مزقت صدري وقصمت بالأرزاء ظهري

(7/460)


فجسد معاناته وعذاباته من هذا الموت الذي لا تفارقه صورته وهو لحظة الإحساس بالنهاية، فسيطر هذا الشعور على كل الأبيات التي وقعت بعد هذه اللازمة وحتى يؤكد ذلك فقد اتخذ من حرف الواو رابطا بين اطراف هذه اللازمة ليعدد مآسي الموت ومصائبه وصوره البشعة التي تصيب البشرية (ورميتني، وقسوت، وفجعتني، ورزأتني، وهدمت، وفقدت) مع التأكيد على الفعل (فقد) الذي قض مضاجعه لفقده والده. ويبقى الموت في ذاكرة الشاعر هاجسا مؤلما ومصيرا محتوما ، لكنه يدخله في دائرة السؤال والاستفهام الإنكاري الذي يقترب من حد الفلسفة، فالحياة ليس فيها إلا ألوان من العذاب خاتمته الموت يقول :
يا موت قد مزقت صدري

وقصمت بالأرزاء ظهري

يا موت ماذا تبتغي مني

وقد مزقت صدري(1)

وتبدأ دائرة السؤال الفلسفي ليشرح الموت ويكشف عن أسراره الخفية (بماذا تود) وبذلك يكشف عن حيرة الشاعر وقلقه من هذا المصير وخوفه من المجهول الذي ينتظره، ولكنه يستسلم لتداعيات الموت وعذاباته اليائسة ب (خذني) ليتخلص من شروره وشرور الإنسانية عامة. فقد أصبح ينتظر دوره في الفناء، ولذلك يجسد في اللازمة الثالثة قمة الاستسلام واليأس التي غطت معظم وجوه حياته ، فيقرع الموت ويطلبه فيقول:
يا موت قد مزقت صدري
يا موت قد شاع الفؤاد
وغدوت أمشي مطرقا
يا موت ! نفسي ملت الدنيا
وقصمت بالأرزاء ظهري
وأقفرت عرصات صدري
من طول ما أثقلت فكري
فهل لم يأت دوري

فجسد في هذه اللازمة مشاعر الأسى والحزن واليأس وفقدان الأمل الذي يعتور حياته، ولذلك نراه يتعامل مع الموت كأنه شخص يناديه ويتمنى مجيئه لأن أجله كما يعتقد أصبح قريبا. من هنا يمكن القول أن الشابي يتخذ من هذه اللازمة وسيلة لإعادة ما في ذهنه وجوهر حياته يسقط عليها أو من خلالها همومه وآلامه وثورته.

(7/461)


وتتجلى الرتابة في تكرار اللازمة عند الشابي في قصيدته (الصباح الجديد) فيوسع من حدودها الزمانية والمكانية فتقع في ثلاثة أبيات، ثم تتكرر بشكل منتظم دقيق بعد كل ثمانية أبيات ، وكأنه بذلك يبحث عن صباح جديد منظم صباح يخلو من الألم والحزن يقول :
اسكني يا جراح
مات عهد النواح
وأطل الصباح
واسكتي يا شجون
وزمان الجنون
من وراء القرون(1)

فتمثل هذه اللازمة لحظة الانطلاقة الفعلية والتحرر المطلق من تبعات الماضي وجراحه، للسعي نحو مجتمع مثالي يجد فيه ذاته وحلمه، بصبر وحزم وقد جسد ذلك في أفعال الأمر (اسكني) الذي يوحي بالشدة والحزم فقد مات عهد النواح وأطل الصباح من وراء القرون، فيطمئن نفسه وأساريره بهذا الحلم الجميل الذي يراوده، لذلك نرى حتمية هذا السكوت والسكون ومستوياته قد تمثلت في الأبيات التي جاءت بعد هذه اللازمة الأولى فهو قد دفن الألم،وأذاب الأسى، ساعيا نحو صباح جديد وفجر جديد يعطيه الحياة والأمل، لأن هذا السعي المستمر الدؤوب جعله مشدودا لا يتحرك إلا في دائرة الفعل (اسكتي) وكذلك عمل على ربطه بقافية رباعية تنتهي بالنون (الزمان، الحنان):
اتغنى عليه برحاب الزمان
والهوى والشباب والمنى والحنان
كما سعى إلى ربط الرباعيتين الثالثة والرابعة باللازمة الأساسية ثم عمل على ربطهما بقافية موحدة هي العين (الشموع، وربيع) يقول:
اسكني يا جراح
مات عهد النواح
وأطل الصباح
واسكتي يا شجون
وزمان الجنون
من وراء القرون(2)

ثم يربط بين هذه الرباعية والرباعيتين التي جاءت بعدها بحرف العين فكانت الأولى:
وحرقت البخور وأضأت الشموع
ثم :
سوف يأتي ربيع إن تقضى ربيع

(7/462)


ولازال الأمل قويا لدى الشاعر فهو مصمم على البحث والسعي لإيجاد مجتمع مثالي مميز فإن ذهب ربيع سوف يأتي ربيع . كما عمل على الربط بين اللازمة الثالثة والرباعيتين اللتين جاءت بعدها بحرف العين أيضا بكلمتي (البقاع – الوداع) ليستمر تجسيد الوعي بهذا الإحساس القوي وليؤكد على تصميمه وعزمه على توديع الأشجان والهموم وذلك عبر سكون الجراح وسكوت الشجون فيقول:
اسكني يا جراح
مات عهد النواح
وأطل الصباح
واسكتي يا شجون
وزمان الجنون
من وراء القرون

ثم يربط بين الرباعيتين بعد هذه اللازمة بوحدة شعورية منسقة ومتناسقة مع معاني اللازمة فربط بينهما بحرف العين :
لم يعد لي بقاء فوق هذي البقاع
ثم في الرباعية الثانية :
ونشرت القلاع فالوداع الوداع
وهذا التوحد بين هذه الرباعيات يشبع نفسه ويرضي إحساسه ويوحي بقوة تلك الأحاسيس التي يتابع موجها في روحه المعذبة المترددة بين الشك واليقين وبين الحياة والموت(1).
تكرار البداية :
ويشكل هذا النوع من التكرار مساحة أكبر مما شكلته أنواع التكرار الأخرى، ويبدو أن ذلك يعود إلى نفسية الشابي المضطربة المتوترة التي تعتقد أن تكرار البداية ، هي البداية القوية المكثفة للانطلاق والتحرر والقوة والتمرد وهي صرخته القوية أمام الجهل والتخلف والفساد، وبذلك تكون أكثر فاعلية خصوصا إذا عرفنا أن تكرار البداية قد تكثفت عند الشاعر بشكل رأسي يعمق صرخاته وآهاته ويرددها ليسمع الآخرون صداها وأوجاعها عبر إيقاعات موسيقية متوالية وبناءات لغوية مختلفة تراوحت بين الكلمة والعبارة التي يحتويها صدر البيت الشعري لا تتجاوزه فهي غير ممتدة عبر النص الشعري حتى لا تستنفد طاقاته الشعرية وآهاته النفسية ، فكلما امتدت داخل السطر الشعري كلما فقدت من بهرجها وفاعليتها.

(7/463)


لجأ الشابي إلى أنماط أسلوبية متنوعة وأنماط لغوية متعددة ، جسد في كل نمط نوعا خاصا من المعاناة وشرح من خلالها ما يدور في نفسه من حيرة وقلق واضطراب فكانت بمثابة وسائل لاستيعاب وتخفيف هذه الهموم، لذلك نراه ركز على أسلوبي النداء والاستفهام كما ركز على الجملة بأشكالها المختلفة. فشكل من أسلوب النداء جملة مركزية ثابتة ينطلق ليكشف عما في أعماقه من خلال حرف النداء (يا) الذي تكرر في قصائده الأشواق التائه(1) ومناجاة عصفور(2) والنبي المجهول(3) ونشيد الأسى(4) يقول من قصيدته (ياشعر) :
يا شعر أنت فن الشعور وصرخة الروح الكئيب
يا شعر أنت صدى نحيب القلب والصب الغريب
يا شعر أنت مدامع علقت بأهداب الحياة
يا شعر أنت دم تفجر من كلوم الكائنات
يا شعر قلبي – مثلما تدري – شقي مظلم
فيه الجراح البخل يقطر من مغاورها الدم(5)

(7/464)


فكرر أسلوب النداء (يا شعر) واتخذه بداية وفاتحة لانطلاقته ليجعل مع كل بداية صورة مستقلة تكشف عن هم الشاعر نحو مفهوم الشعر وأبعاده وما أصابه من غربة في عالم لا يفهم معناه، فيعزز من قيمته ويعلي من شأنه، فلم يبق له سوى الشعر يبوح له بأسراره وهمومه وآلامه، فيسكن وجدانه، لذلك فقد جسد كل هذا في تتابع الصفات التي وقعت بعد اسلوب النداء (فم الشعور وصرخة الروح، صدى نحيب القلب، مدامع، دم تفجر… ) . ولإدراكه بأن هذا الشعر يعاني كما يعاني فهو كمعادل موضوعي للشاعر. ثم نراه يعود إلى هذه البداية الأسلوبية مرة أخرى فيكرر هذه البداية سبع مرات متوالية، ليعلن صرخته ودعوته الأكيدة لإنقاذ الشعر الذي أصابه ما أصاب الشاعر من غربة فكرية وروحية فيحاول أن يعطيه بعدا ومفهوما أوسع وأشمل فيجعله وسيلة محاكاة للنفس البشرية ووسيلة للتعبير عن خيال الشاعر فلم تعد رسالة الشاعر ألفاظا منمقة وعبارات مرصعة وكلام مرصوص(1) وكأنه بذلك يثور ويتهكم على القصيدة العربية الكلاسيكية ، لذلك نراه يلح على اتخاذ هذا الأسلوب دون غيره لأنه – كما يعتقد – الأقدر على إثراء تجربته ومنحها أبعادا تستطيع أن تخلق جوا من التفاعل بين المبدع والمتلقي مما أدى ببعض الباحثين إلى تعريف الأسلوب على أنه اختيار يقوم به المنشئى لسمات لغوية معينة بغرض التعبير عن موقف معين ويدل هذا الاختيار أو الانتقاء على إيثار المنشء لسمات لغويةعلى سمات أخرى بديلة(2) ، إضافة إلى ذلك يمكن أن يفسر هذا التكرار في أسلوب النداء عند الشاعر بتداعي المعاني للصور المرئية في ذهن الشاعر(3).

(7/465)


إن لجؤ الشاعر إلى هذه السمة اللغوية أو إلى هذا الأسلوب يجعلنا نتساءل عن سبب ذلك الاختبار الأسلوبي، ولكن إذا أنعمنا النظر في القصائد التي وقعت ضمن دائرة تكرار البداية سواء أكانت بأسلوب النداء أو الاستفهام أو غير ذلك وجدنا الشاعر يجسد عبر هذه الشرائح حالاته النفسية ومشاعره الخاصة وهمومه وآلامه التي يعانيها فهي تتوزع ضمن محور الغربة والاغتراب الفكري والروحي التي تمثلت في قصيدته التي أشرنا إليها سابقا ( يا شعر ) أو ضمن آلامه الخاصة وأوجاعه الذاتية سواء أكانت جسدية أو نفسية، وتتمثل في بعض قصائده التي بدأت بأسلوب نداء أو استفهام أما المحور الثالث فهو الصدمة الاجتماعية التي واجهته في أبناء شعبه لما فيهم من جهل وتخلف وفساد فيجعل من نفسه مصلحا مثاليا في تأسيس مجتمع تسوده المحبة والأمان والعدل والمساواة. لذلك نراه مثلا عندما يود الحديث عن معاناته الذاتية جسدية أو غير جسدية يجسد ذلك عبر أسلوب النداء والاستفهام ليعلن الرفض والخضوع والاستسلام لهذا الداء أو الوجع، فهو دائم البحث عن مخرج من هذا المأزق يقول:
يا قلب كم فيك من دنيا محجبة
يا قلب كم فيك من كون قد اتقدت
يا قلب كم فيك من أفق تنمقه
يا قلب كم فيك من قبر قد انطفأت
يا قلب كم فيك من غاب ومن جبل
يا قلب كم فيك من كهف قد انبجست
كأنها حين يبدو فجرها إرم
فيه الشموس وعاشت فوقه الأمم
كواكب تتجلى ثم تنعدم
فيه الحياة وضجت تحته الرحم
تدوي به الريح أو تسمو به القمم
منه الجداول تجري ما لها لجم(1)

(7/466)


فكرر ( يا قلب كم فيك ) في بداية كل سطر شعري وألح على هذا النمط الأسلوبي بشكل رأسي متعاقب ليؤكد على أهمية القلب الذي يشكل مصدرا لوجعه وآلامه ، فهو مصدر حياة الإنسان وسر شقائه وسعادته ومستودع الأسرار أو كما يقول عنه الشاعر كون مدهش عجيب، ويجعل كل بداية مرتبطة بصورة من الطبيعة لتسري عنه الهموم فهي مصدر حلمه وأنيسه الذي يشعر معه، ويجعلها على نقيض وصراع مع الحياة التي يفر منها فحرمته ملذاتها وزينتها وجعلته غريبا يشقى بغربته ففر منها إلى عالمه الخاص وهاجمها عبر شريحة أسلوب النداء كما هاجم أناسها الذين لم يفهموه ولم يشاركوه حزنه يقول:
يا صميم الحياة كم أنا في الدنيا
بين قوم لا يفهمون أناشيد فؤادي
في وجود مكبل بقيود
غريب أشقى بغربة نفسي
ولا معاني بؤسي
تائه في ظلام شك ونحس(1)

فجعل من تكرار ( يا صميم الحياة ) نقطة مركزية يعود إليها كل حين ليبدأ موقفا جديدا يعكس بعضا من ملامحه النفسية ورؤيته التي يسعى جاهدا للتأكيد عليها. كما استطاع أن يحدث نغمة موسيقية عبر أسلوب النداء الذي يعبر عن صرخات الشاعر وآهاته وعذاباته.
أما تكرار البداية الذي وقع في أسلوب الاستفهام فلا يكاد يختلف أو يخرج من حيث الدلالة عما لاحظناه في تكرار النداء، إلا إن اختلاف الصيغ والسمات اللغوية قد يكشف عن أوجاع أخرى لدى الشاعر سواء أكانت ذاتية أم فكرية أم اجتماعية، وإن كان الشابي في معظم صور التكرار يحاول أن يؤكد على رومانسيته في هروبه من الواقع وذم الحياة والهروب من المدينة واللجؤ إلى الطبيعة أو لنقل عشق الطبيعة. وما أسلوب الاستفهام إلا حلقة متصلة من حلقات التصوير النفسي والحيرة والقلق الذي يسكن نفس الشاعر أو أنه يسعى من خلال هذا الأسلوب إلى أن يكون له تميز خاص واستقلالية ذاتية في بحثه عن المفقود وحضور فاعل في الوجود عبر ثنائية الحضور والغياب يقول:
ما للحياة نقية حولي
ما للصباح يعود للدنيا

(7/467)


ما لي يضيق بي الوجود
ما لي وجمت وكل
ما لي شقيت وكل
وينبوعي مشوب ؟
وصبحي لا يؤوب
وكل ما حولي رحيب
ما في الغاب مغترد طروب
ما في الكون آخاذ عجيب(1)

فشكل من هذا التكرار رابطا بحرف الاستفهام ( ما ) لتكون نسقا بنائيا قويا مؤثرا، وبذلك يمنح التكرار قوة فاعلة في إيجاد وحدة شعورية متلاحقة كما أنه يعكس رؤية الشاعر وهدفه الذي يسعى إلى تحقيقه، وهو الخروج من هذه الحياة الصاخبة إلى حياة دافئة وما هذه التساؤلات إلا انعكاس لما يدور في ذهن الشاعر من أمور تتعلق بذاتيته وتكوينه النفسي الذي تبدو عليه ملامح التشاؤم والسوداوية من خلال أسلوب التضاد الذي يجمع بين الحاضر والغائب ، فالحاضر هو الواقع السيء لحال الشاعر والمتفرد في حزنه والغائب هو الغد المنتظر والفضاء الرحب الذي يسعى إليه (وهكذا يستخدم الشابي التضاد أداة جمالية، يصور بها مواقف متعددة وصفات متعارضة … ويكشف بها عن الأمل ويستشرف من خلالها آفاقا جديدة وأداة للمفاضلة بينه وبين الآخرين)(2).
كما لجأ إلى أدوات استفهامية أخرى (ماذا، أين) لتكشف هي الأخرى عن حيرة الشاعر وقلقه على هذا الوجود أو المصير أو رغبته في البحث عن عالم آخر غير المدينة أو شعب آخر غير هذا الشعب على عادة الرومانسيين، فالمدينة رمز الشرور وبؤرة للمفاسد، والطبيعة رمز الصفاء والطهارة والعفة ، يجد فيها ذاته وتسمو فيها روحه على كل القيم يقول:
ماذا أود من المدينة وهي غارقة
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي مرتاد
بموار الدم المهدور
ترثى لصوت تفجع الموتور
تعنو لغير الظالم الشرير
لكل دعارة وفجور(3)

(7/468)


فاستخدم أسلوب تكرار البداية عبر نمط أسلوبي متلاحق (ماذا أود من المدينة وهي لا) لينفي عن المدينة صفات الخير والمحبة بشكل متواصل عميق لا يجعل للقاريء أدنى شك للتصديق فيما يسعى إليه ، لأن كل صيغة من هذه الصيغ تحمل في ثناياها الرفض والتمرد على هذا الواقع، فجردها من كل الصفات الطيبة ليجعل المتلقي يعيش معه ثورته وتمرده فيشاركه هذه الروح التي تمثلت في ذات الشاعر صاحب الرسالة الذي يسعى بمفهوم شامل للإصلاح والتغيير برغبة جامحة قوية (أود) وقد ألح عليها في كل بداية ليعمق من دلالتها .
ويكشف تكرار البداية عن نزعة التحسر والأسى والاشفاق الكامنة في نفس الشاعر من خلال أداة الاستفهام (أين) على أبناء عصره الذين يعانون الجهل والفساد وهم أصحاب رسالة لهم ماض مجيد وقد تحقق له ذلك بتكرار هذه الأداة في صدر الأبيات وعجزها بما يمكن أن يسمى رد العجز على الصدر ثم ربطها بصفات مفقودة عند أبناء شعبه (الطموح، الأحلام، الحساس، الخافق…).
أين يا شعب قلبك الخافق الحساس ؟
أين يا شعب روحك الشاعر الفنان ؟
أين يا شعب فنك الساحر الخلاق ؟
أين عزم الحياة لا شيء إلا
أين الطموح والأحلام ؟
أين الخيال والإلهام ؟
أين الرسوم والأنغام ؟
الموت والصمت والأسى والظلام(1)

فتكشف هذه التساؤلات عن التوتر الانفعالي بشكل مكثف متعاقب ، كما تكشف عن طبيعة البنية المكونة لهذا التساؤل، وكأن الشاعر يصور ما في ذهنه من أمور تتعلق بمصير هذا الشعب وخوفه على مستقبله لهذا جاءت البنية متعمقة في نمط رأسي وأفقي ممتد داخل القصيدة إلا في البيت الأخير جاءت رأسية لأنه أراد أن يعكس واقع الشعب الذي وصفه بالموت والصمت والأسى والظلام وكأنه يأسى من توالي النداءات والتساؤلات التي لم تلق صدى في تونس الثورة.

(7/469)


أما تكرار البداية الذي وقع في بناء الجملة على اختلاف أنواعها، فكانت أكثر حضورا في ذهن الشاعر ، وأكثر قدرة على استيعاب ما في ذهنه وأكثره قدرة على عرض حاله ونفسيته ، فجاءت بدايات الأفعال متحركة ثائرة تصور ما آلت إليه حالة من غربة روحية واغتراب فكري ونفسي بينما الجملة الاسمية تميزت بالسكون والهدوء والثبات ولهذا نراه قد أكثر من هذا النمط الأسلوبي من خلال الضمير أنت فكرره كثيرا في بداياته. ففي تكرار بداية الفعل يركز على الفعل الماضي الذي يعكس ما أصابه في حياته يقول:
شردت عن وطني السماوي الذي
شردت عن وطني الجميل أنا الشقي
في غربة روحية ملعونة
شردت للدنيا وكل تائه
ما كان يوما واجما مغموما
فعشت مشطور الفؤاد متيما
أشواقها تفضي عطاشا هيما
فيها يروع راحلا ومقيما(1)

فيجسد عبر الأفعال (شردت) معاناته التي وقعت له قهرا عنه بفعل قوى خارجية فرضت عليه فتقبلها وحاول الخروج عليها، وهذا الفعل يحمل في ثناياه الحزن والتعذيب والأسى الذي كرره بشكل متعاقب متوال وكان تشريده عن وطنه وعن الدنيا بكل ما فيها ، ولذلك وصفها بأنها (غربة روحية ملعونة) فخلق مع كل فعل صورة من صور العذاب والتشريد.
أما الجملة الاسمية التي شكل منها تكرارات بداية متنوعة تميزت بالسكون والانعتاق من الماضي، عبر الضمير (أنت) الذي كرره في معظم بداياته والضمير (نحن) وشكل منهما أبنية متناسقة قوية، تعكس رغبة الشاعر وحبه لهذه الأشياء وتعلقه بها مثل (شعر، القلب، الحب) تلك التي تمنحه الهدوء وتشعره بوجوده وإنسانيته لكنه عندما كان يتحدث عن (الشعر والحب) يصفهما بأنهما قطعة من فؤاده، وقصة حياته، ومعبده ومحرابه وأحلامه بينما كان يصور لحظة العذاب والألم من خلال حديثه عن القلب، فالقلب (حقل مجدب وليل معتم) ولذلك كان يكرر الضمير أنت بشكل متتابع يجعل المرء يحس بغنائية متسارعة متعمقة في الذات يقول من قصيدته (قلت للشعر):

(7/470)


أنت يا شعر فلذة من فؤادي
أنت يا شعر قصة عن حياتي
تتغنى وقطعة من وجودي
أنت يا شعر صورة من وجودي(1)

فيكرر هذه البداية أربع مرات متوالية يجسد من خلالها حبه للشعر فهو الأنيس وليس له في الوجود إلا هذا الصديق الذي يستوعب زفراته وآهاته، كما جاء تجسيده عبر إيقاع العلامات المتراتب في تنوين الضم (قصة، فلذة، قطعة). وتبدو هذه النزعة العلاماتية المتراتبة أكثر وضوحا من خلال تكرار الضمير وإيقاع العلامات في قصيدته (إلى قلبي التائه) فجعل عنوان القصيدة هو موضوعها بإلحاح شديد على هذا الضمير مما يجعل القاريء لا يفلت من هذا الاسار القسري لسلطة النص يقول:
أنت ليل معتم تندب فيه الباكيات
أنت كهف مظلم تأوي إليه البائسات
أنت صرح شاده الحب على نهر الحياة(2)
فكرر الضمير ( أنت ) عشر مرات متعاقبة وبذلك يعطيه قوة وفاعلية استمدها من الصفات المتعاقبة – أيضا – تعاقبا مستمرا متصلا عبر تنوين الضم المتلاحق، فجعل من الضمير ولازمته مرتكزا يبنى عليه في كل مرة معنى جديدا وصفة جديدة، وبهذا يصبح التكرار وسيلة إلى إثراء الموقف وشحذ الشعور إلى حد الامتلاء(3).
ويحاول الشاعر أن يجعل من تكرار البداية بالضمير (أنت) قوة فاعلة وسلطة قوية في نفس المتلقي للتأثير عليه وجعله يعيش جو النص ليؤكد على قيمة الحب بكل أنواعه لأنه يطهر النفوس، وقد تجسد الحب في محبوبته وتقديسها والاشادة بها والخضوع لسلطانها وقد جاء ذلك عبر تكراره للضمير أنت بشكل أفقي ورأسي للتأكيد على قيمة هذا المفهوم وإعلاء شأنه يقول:
أنت أنت الحياة في قدسها السامي
أنت أنت الحياة في رقة الفجر
أنت أنت كل أوان
أنت أنت الحياة فيك وفي عينيك
وفي سحرها الشجي الفريد
وفي رونق الربيع الوليد
في رداء من الشباب جديد
آيات سحرها المحدود(4)

(7/471)


فعمق من هذا التكرار بالتأكيد على الضمير أنت بتكراره مرة أخرى ملازمة للأولى بنغمة موسيقية هادئة تخلو من العنف والقسوة الذي يتمثل في التنوين لذلك جاءت النغمة العلاماتية بعد الضمير هادئة تكشف عن تماسك وتلاحم أوصال الشاعر عند حديثه عن محبوبته التي نعتها بنعوت متعددة حتى جعلها كل ما في الوجود، لا سبيل إلى سعادته إلا بتواصلها معه، وقد التفت القدماء إلى ظاهرة تكرار صدور الأبيات فتحدثوا عن فائدته وجعله مختلفا بما يقرره(1) ومنهم من علل هذا التكرار بأنه (لما كانت الحاجة إلى تكرارها ماسة والضرورة إليها داعية لعظم الخطب وشدة موقع الفجيعة. فهذا يدلك على أن الإطناب عندهم مستحن كما أن الإيجاز في مكانه مستحب"(2).
إن يأس الشاعر من الواقع بكل صوره جعله يعطي الضمير (أنت) روح الثورة والتمرد على الذات والغير، فيكرره في قصيدته عتاب (إلى الله) التي تكشف عن حسرته وحزنه لما آلت إليه حاله من أزمات نفسية تأثره، يعصف فيها الألم والقنوط بكل حقائق الحياة وتتزعزع معها كل قواعد الإيمان، فيصبح غريبا في هذه الدنيا وتصبح الحياة لديه صورة من اللهو والعبث يقول:
يا إله الوجود هذي جراح
أنت أنزلتني إلىظلمة الأرض
أنت أوصلتني إلى سبل الدنيا
في فؤادي تشكو إليك الدواهي
وقد كنت في صباح زاه
وهذي كثيرة الاشتباه(3)

(7/472)


ثم يواصل تكرار أنت بشكل رأسي معمق، يحفر بشدة ليكشف عن يأس الشاعر وقنوطه (أنت أوقفتني على لجة الحزن، أنت أنشأتني غريبا بنفسي ، أنت كرهتني الحياة، أنت جبلت بين جنبي قلبا، أنت عذبتني بدقة حسي… فكرر الضمير (أنت) بقوة حيث جعله النقطة المركزية التي تدور حولها الأبيات الأخرى وحتى يعطيه أكثر قوة وسلطة تكشف عن تحديه وتمرده فقد ربط هذا الضمير بأفعال تنبيء عن حس الشاعر الحزين وثورة انفعالاته وتمرده على الوجود (أنزلتني، أوصلتني، عذبتني، كرهتني) فهي افعال تدور في دائرة القسرية والإلزام الذي ظهر عبر حركة التضعيف الظاهرة عليها، وكأن الضمير (أنت) حال فيها متوحد معها متكرر مرة أخرى، فيخلق بذلك تراكيب وأبنية إيقاعية ذات صدى وفعالية فتصبح الجملة ذات بعد أوسع وأقدر على استيعاب هذه الثورة وهذه النفس الثائرة فبدأت من (أنزلتني لحظة الولادة) إلى لحظة التكوين والتشكيل للذات عبر السياقات اللغوية الأخرى التي تتوحد في تراتب علاماتي وصوتي فعال، وانطلاقا من هذا الفهم فإن عملية الالتفات إلى الجانب النفسي في أسلوب التكرار عملية مهمة، فلو اختلف الموقف الشعري لاختلف الأسلوب "فالشاعر قد يستعمل كل حيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة المعقدة فيذكي حرارة العاطفة من خلال الإيجاز آنا ومن خلال الإطناب آنا آخر وطورا عن طريق التفضيلات وطورا عن طريق التكرار(1).
أما الضمير ( نحن ) الذي شكل منه تكرار بداية في قصيدته (ألحاني السكرى) يقول:
نحن نحيا كالطير في الأفق الساجي
نحن نلهو تحت الظلال كطفلين
وكالنحل فوق غصن الدهور
سعيدين في غرور الطفولة

(7/473)


ثم يكرر هذا الضمير ثماني مرات في قوالب لغوية مختلفة (نحن نغدو بين المروج ونمشي، نحن مثل الربيع نمشي، نحن نحيا في جنة من جنات السحر، نحن في عشنا المورد نتلو…)(1). فيكشف تكرار ضمير (نحن) عن أهمية الذات الشاعر وتفخيمها، مما جعل الشاعر يكرر هذا الضمير. فقد بدأ كل بيت بالضمير (نحن) وهذه البدايات المتساوية تبعها فعل مختلف عن الآخر (نحيا، نلهو، نغدو، نمشي…) وبذلك يعكس كل بيت جانبا من إحساس الشاعر بالذات وتميزها التي تسعى للعيش الهاديء في اللحظة الحاضرة ، فجسد هذا الإحساس بمنظومة الأفعال التي جاءت تكشف عن لحظة الزمن الراهنة من خلال حرف النون الذي يعد جزءا من الضمير (نحن) وكأنه بذلك يجعل السامع أو القاريء واقعا تحت سلطان التنبؤ والتوقع لما يحدث لأن الشاعر قد أورد من خلال الضمير تصورا جديدا في إطار الجو العام الذي يتحدث عنه وهو حب الذات.
أما تكرار البداية الذي وقع في شبه الجملة فقد عكس رؤية الشاعر الذي جاء من خلال البناء الأسلوبي الذي خلق تلاحما بين الأبيات، هذا التلاحم يعكس نفسية الشاعر ويصورها في ذهنه حيث يسعى إلى التوحد والتماهي مع الآخر، ليتخلص من الهموم والأوجاع، وملاذه في ذلك الشعر أو الموت أو الأم التي جعل منها عنوانا لبعض قصائده (قلت للشعر) و(إلى الموت)، (قلب الأم) يقول من قصيدته قلت للشعر:
فيك ما في جوانحي من حنين
فيك ما في خواطري من بكاء
فيك ما في مشاعري من وجوم
فيك ما في عوالمي من ظلام
فيك ما في عوالمي من نجوم
فيك ما في عوالمي من ضباب
فيك ما في طفولتي من سلام
فيك ما في شيبتي من حنين
فيك – إن عانق الربيع فؤادي
أبدي إلى صميم الوجود
فيك ما في عواطفي من نشيد
لا يغني ومن سرور عهيد
سرمدي ومن صباح وليد
ضاحكات خلف الغمام الشرود
وسراب ويقظة وهجود
وابتسام وغبطة وسعود
وشجون وبهجة وجمود
تتثنى سنابلي وورودي(2)

(7/474)


فكرر ( فيك ما في … ) هذا التكرار الذي عمق إحساس الشاعر بأهمية الشعر ودوره في الحياة العامة، ولهذا فقد جاء التكرار بشكل رأسي متوال ليحدث نغمة إيقاعية وموسيقية في كل بيت، ومثل هذا التكرار المتساوي في نسقه يجعل الأبيات تكون وحدة بنائية متكاملة تشكلت من تكرار البداية المتساوي المتوحد إضافة إلى إيقاعية حرف الجر (من) في كل بيت شعري وما أعقبه بتراتب علاماتي يقوم على تنوين الكسر (من بكاء ، من وجوم، من ظلام …) هذا الإيقاع التراتيبي الشديد الذي يعكس حرص الشاعر على استحضار كل ما في ذهنه من الصور والمعاني التي تساعده على التماهي أو التوحد مع الشعر، فجعل لتنوين الكسر صدى في عجز الأبيات (ومن صباح، ضاحكات، وسراب…) ليحصل على دوائر إيقاعية متكاملة قوية ظهرت واضحة في الأبيات إلا في البيت الأخير الذي بدأ بحرف الجر (فيك) ليشكل خاتمة ونهاية لإيقاعاته الموسيقية كي يبدأ من جديد في القصيدة ففيها بداية أخرى بنسق متشابه متماثل في خمسة أبيات يقول:
فيك ما في الوجود من خلل داج
فيك ما في الوجود من نغم
وما فيه من ضياء بعيد
حلو وما فيه من ضجيج شديد

فكرر البداية القوية (فيك ما في الوجود ) مع حرف الجر ( من ) معتمدا على إيقاع علاماتي شديد (تنوين الكسر). كما اعتمد على حرف الجر (في) على استكناه دواخله عبر إيقاع علاماتي خفيف سهل يتناسب والموضوع الشعري الذي تحدث عنه وهو (القلب) بشكل عام وقلب الأم بشكل خاص فهو رمز الحنان والعطف والتوحد، هذا هو مصدر أوجاعه وآلامه وأوجاع الأمة كلها لأن صلاح الجسم مرهون بصلاح القلب، لذلك نراه لم يدع صورة من عالم الطبيعة إلا قد وظفها في نصه الشعري وجسد فيها الإحساس المرهف الرقيق الذي ينطوي تحت الضلوع بنغمة حزينة يقول من قصيدته قلب الأم:
في رنة المزمار في لغو الطيور الشادية
في ضجة البحر المجلجل في هدير العاصفة
في نغية الحمل الوديع وفي أناشيد الرعاة

(7/475)


في آهة الشاكي وضوضاء الجموع الصاخبة
ويكرر حرف الجر ( في ) ست وعشرين مرة إلى أن يقول :
في ظلمة الليل الحزين وفي الكهوف العارية
أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود
هو قلب أمك أمك السكرى بأحزان الوجود
هو ذلك القلب الذي سيعيش كالشادي الضرير
يشدو بشكوى حزنه الداجي إلى النفس الأخير(1).
فجسد أوجاعه وآلامه عبر قلب الأم الصادق ليدلك هو أيضا على صدق حزنه فيحدث تأثيرا في المتلقي، هذا التأثير يمتد ويسير عبر حركة الكسر التي تظهر في معظم الكلمات منذ البداية إلى النهاية (في ظلمة… وفي الكهوف العارية .. ) فجعل منها إيقاعات موسيقية متناسقة ذات نغمة حزينة تنسحب داخل الأبيات بشكل متعاقب ومتلاحق ومكثف ليعبر عن تصميمه وتأكيده على استنفاد كل طاقاته كي يكون فاعلا وحاضرا في كل الميادين حتى النفس الأخير من حياته فيقدم ويعطي من خلال حرف الجر (في) الذي يشير إلى التضحية والعطاء تجاه خصوصية معينة فتتماهى عندئذ ذاته مع الآخر وتشكل منهما قوة خلاقة ذات طاقة مميزة، كقوة القلب المتدفق كما جعل من هذا الحرف بؤرة مركزية تنطلق منها الأبيات وبذلك فإن ما يثيره التكرار من احساس في نفس السامع هو تجسيد لقيمته ووظيفته.
ومن أمثلة تكرار البداية تكرار ( إلى ) بشكل متعاقب ورأسي متوال يخلق وحدة بنائية تعكس تصور الشاعر للوجود الذي يسعى للخلاص منه بطلب الموت بإلحاح شديد، لذلك يصور الموت بصور جميلة (روح جميل) كما يجعل منه بداية ثابتة قوية يتردد صداها في كل سطر شعري واحد، بل قد جعل الموت عنوانا للقصيدة يقول :
إلى الموت أن شئت هون الحياة
إلى الموت يابن الحياة التعيس
إلى الموت إن عذبتك الدهور
إلى الموت فالموت روح جميل
إلى الموت فالموت جام روي
إلى الموت فالموت مهد وثير
إلى الموت إن حاصرتك الخطوب
إلى الموت لا تخش أعماقه
هو الموت طيف الخلود الجميل
فخلف ظلام الردى ما تريد
ففي الموت صوت الحياة الرخيم

(7/476)


ففي الموت قلب الدهور الرحيم
يرفرف فوق تلك الغيوم
لمن أظمأته سموم الغلاة
تنام بأحضانه الكائنات
وسدت عليك سبيل السلام
ففيها ضياء السماء الوديع
ونصف الحياة الذي لا ينوح(1)

فجسد عذاباته وسآمته من الحية عبر علاقات لغوية ممتدة تبدأ بحرف الجر (إلى) الذي يفيد الانتهاء الزماني والمكاني، فليس هناك بديل ناجح يخلصه من عبث الحياة إلا الموت. ولذلك يحبب الموت إلى نفسه كما يحببه إلى المتلقي عبر علاقات لغوية ، فالموت روح جميل، والموت مع الجام الروي والموت مع المهد الوثير، فجعل من الموت طرفا وقوة فاعلة ثابتة ولكنه غير في دلالته كي يتمكن من إقناع السامعين بهذه الفكرة وتنبيههم إلى هذا المفهوم، مع ملاحظة أن التكرار في هذا النص يظهر فيه شيء من النمطية في تكراره لكلمة الموت، وإن كان ذلك يعلل بأن انشغال الشابي بالموت وقلقه الوجودي هو الذي أوحي إليه ذلك، فهو يرى أن الحياة ليست سوى ألوان من العذاب خاتمته الموت، لذلك نلاحظ أن تكرار البداية لم يكن متعاقبا، بل كان يستغل مابين البدايات في شرح أفكاره وما في ذهنه عن الموت حتى يكشف عن جوهره وأسراره، فجاءت القصيدة على شكل رباعيات، تكررت البداية في كل رباعية مرة أو مرتين حسب طبيعة الموقف الشعري.
لقد كشف هذا البحث عن الجانب الوظيفي للتكرار ضمن السياق الذي يرد فيه إذ يعد ظاهرة من الظواهر اللغوية الواضحة في الشعر العربي، ولذلك لابد له من إحداث وظيفة إما بنائية أو إيقاعية خصوصا إذا استطاع الشاعر استخدامه بدقة وبراعة ، فهو ليس جمالا يضاف إلى القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعا بمجرد استعماله، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة أو أن تلمسه يد الشاعر اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات.

(7/477)


لذلك يختار الشاعر الأسلوب الذي يناسبه ويتفق مع رؤيته الحياتية الخاصة، كي يتمكن من استيعاب أفكاره ومعتقداته وفلسفته، وهذا ما حرص عليه الشابي في شعره، فكان يسعى إلى أن يجعل من هذا الأسلوب التكراري على اختلاف أشكاله وألوانه، أداة قادرة على التعبير عما في ذهنه وتصوير مشاعره واحساسيه وآلامه وهمومه التي أصابته في حياته الاجتماعية.
كما تبين أن التكرار عند الشابي كان يخضع لرؤية الشاعر النفسية التي كانت تلح على بعض المرتكزات الحياتية لتغييرها أو استبدالها لهذا نراه كان يستسلم لتداعيات بعض صور التكرار بشكل لافت للنظر في مختلف أشكال التكرار وخاصة تكرار البداية، فيجعل من هذه البداية نقطة مركزية تجتمع فيها صور التكرار الأخرى، أو أن يجعل موضوع القصيدة عنوانا لتكرار البداية ويبني عليه إيقاعات موسيقية متنوعة يعتقد فيها قوة التأثير والفاعلية على المتلقي.

ومما يلاحظ أيضا أن التكرار جاء عند الشابي بشكل أفقي أو رأسي أخضعها لإيقاعات وإيحاءات موسيقية تعكس ملامح رؤيته النفسية والفلسفية التي تكشف عن موقفه الحقيقي من الحياة والكون والطبيعة من خلال سياقات وبناءات أسلوبية متنوعة على مستوى الكلمة أو الجملة.
لقد حاول الشابي أن يجعل من صور التكرار أداة جمالية تخدم الموضوع الشعري وتؤدي وظيفة أسلوبية تكشف عن الإلحاح أو التأكيد الذي يسعى إليه الشاعر، ولكن التكرار عنده قد تأثر ببعض جوانب حياة الشاعر الخاصة، فغلب عليه التداعي والتماثل في معظم صوره لذلك ما كان التكرار ليكون عند الشابي لولا حاجته الملحة للكشف عما يدور في ذهنه وإبراز أفكاره التي قد أصبحت هي الأخرى صورة من صور التكرار، فالمعاناة والألم تبدو واضحة في كل أنفاسه الشعرية وكأنه بذلك يكرر هذه المعاناة في كل نمط تكراري على اختلاف أشكاله.

الحواشي والتعليقات

(7/478)


العمدة في محاسن الشعر ، لابن رشيق القيرواني (456هـ) تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، 1981م، ج2/73، وانظر الصناعتين للعسكري (395هـ) ص212، والمثل السائر لابن الأثير (637هـ) 2/345، والطراز، للعلوي 2/176.
تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة ص 232-241.
كتاب العين، الخليل بن أحمد، ج5، ص277، وانظر تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري (مادة كرر)، وقاموس المحيط للفيروزآبادي (مادة كرر ).
أنوار الربيع في أنواع البديع ، لابن معصوم، ج5/34-35.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي ، مدحت سعيد الجيار ، الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للكتاب، ليبيا، 1984م ، ص47.
جوهر الكنز، ابن الأثير الحلبي، تحقيق د. محمد زغلول سلام، ص257.
التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر، د. فايز القرعان (مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، م1، ع6، 1996م.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعة (بحث مقدم لمؤتمر النقد الأدبي الثاني 1988م، جامعة اليرموك، إربد. وانظر دراسات أخرى، بناء الاسلوب في شعر الحداثة، محمد عبدالمطلب، القاهرة، 1988م، ص390، وأسلوب التكرار بين البلاغيين وإبداع الشعراء، شفيع السيد، مجلة إبداع القاهرة، ع6، سنة 2، 1984م، ص7، وظاهرة التكرار في شعر أمل دنقل، مجلة إبداع، القاهرة، سنة 30، ع5، 1985م، ص70.
موسيقى الشعر، د. إبراهيم أنيس، ص8.
مباديء النقد الأدبي، أ . ريتشارز ، ترجمة: د. مصطفى بدوي، ص 188 .
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص 263 ومابعدها.
المصدر السابق ، ص 278 .
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص52 ومابعدها.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعه، ص 5 .
الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، د . صبحي البستاني، ص49.
أغاني الحياة ، ص 45 .
المصدر السابق، ص 15 .
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، ص 54.
أغاني الحياة ، ص 22 .

(7/479)


المصدر السابق، ص 24 ، وانظر نماذج أخرى ، ص 14 .
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، ص 29 .
أغاني الحياة ، ص 22 .
الأسلوبية والأسلوب، كراهام هاف، ص 21.
أغاني الحياة ، ص 162 .
الأفكار والأسلوب، أ . ف . تشترين، ترجمة د. حياة شرارة، ص50.
أغاني الحياة ، ص 106، وانظر ص 109، 44 .
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو ، ص 258.
أغاني الحياة، ص 169،وانظر نماذج أخرى، ص 42.
النص الأدبي وقضاياه عند ميشال ريفاتير من خلال كتابه صناعة النص ، وجون كوهين من خلال كتابه (الكلام السامي) ، مجلة فصول، ص28، المجلد الخامس، العدد الأول، 1984م نقلا عن التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعه، ص22.
الصورة الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص47.
أغاني الحياة ، ص 96.
علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، د. صلاح فضل، ص27.
نظرية الأدب ، رينيه ويليك، ترجمة حسام الخطيب، ص165.
انظر نماذج من الديوان ، ص 86، 109، 114، 121، 134، 155، 183.
أغاني الحياة، ص43، 73، 78، 81، 93، 175، 156، 151، 115، 188.
أغاني الحياة ، ص 20 ،وانظر ص 22 .
أغاني الحياة ، ص 89 .
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو ، ص 160.
انظر نماذج من ذلك في ديوانه ، ص 35، 18، 19، 129، 119، 159.
أغاني الحياة ، ص 95، وانظر نماذج أخرى، ص 134، 152.
الصورة الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص68.
أغاني الحياة، ص 121، وانظر ص171 تكرار حرف اللام في بداية الأسطر الشعرية.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى الربابعه، ص9.
الصور الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص68.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص 4.
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص 270.
المصدر السابق ، ص 290 .
أغاني الحياة ، ص 73 ، وانظر نماذج أخرى ص 25 ، 35 ، 45 ، 55 ، 125 .
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص 37 .
أغاني الحياة ، ص 55 .
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص 99 .

(7/480)


أغاني الحياة ، ص 89 .
أغاني الحياة ، ص 89 .
المصدر السابق ، ص 69 .
الرومانتيكية ، د. محمد غنيمي هلال ، ص 172.
أغاني الحياة، ص 70.
أغاني الحياة ، ص 96 .
أغاني الحياة ، ص 159 .
أغاني الحياة ، ص 160 .
دراسات عن الشابي ، أبو القاسم محمد كرو ، ص 160 .
أغاني الحياة ، ص 112 .
المصدر السابق ، ص 55 .
المصدر السابق ، ص 105 .
المصدر السابق ، ص 83 .
المصدر السابق ، ص 135 .
مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ، ديفيد دتيش ، ترجمة محمد نجم، ص 172.
الأسلوب دراسة لغوية ، سعد مصلوح، ص 10.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، ص 125.
أغاني الحياة ، ص 56 ، وانظر نماذج أخرى ، ص 105 ، 83 .
أغاني الحياة ، ص 112 .
أغاني الحياة ، ص 85 .
الصورة الشعرية عند ابي القاسم الشابي، مدحت الجبار ، ص 124 .
أغاني الحياة ، ص 56 .
المصدر السابق ، ص 175 ، وانظر ص 157 .
المصدر السابق ، ص 81 ، وانظر ص 96.
المصدر السابق ، ص 86 .
المصدر السابق ، ص 92 ، وانظر ص 122.
أسلوب التكرار بين تنظير البلاغيين وإبداع الشعراء ، د. شفيع السيد، ص 15 نقلا عن التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص32.
أغاني الحياة، ص 122 .
أمالي السيد المرتضى، الشريف الرضي 140/123.
الصناعتين ، أبو هلال العسكري ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص 144 .
أغاني الحياة ، ص 99 .
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو ، ص 87 .
أغاني الحياة ، ص 165 .
أغاني الحياة ، ص 86 وانظر ص 87 .
المصدر السابق ، ص 131 ، وانظر ص 183 .
المصدر السابق ، ص 76 .

المصادر والمراجع

اسلوب التكرار بين تنظير البلاغيين وإبداع الشعراء، شفيع السيد (دكتور) مجلة إبداع، السنة الثانية، العدد السادس، عام 1984م.
الأسلوب دراسة لغوية، سعد مصلوح (دكتور) دار البحوث العلمية ، القاهرة، ط1، 1980م.

(7/481)


الأسلوبية والأسلوب، كراهم هاف ، ترجمة كاظم سعد الدين ، دار آفاق عربية، العدد الأول، بغداد ، سنة 1985م.
أغاني الحياة ، أبو القاسم الشابي ( ديوان ) دار الكتب الشرقية، دار مصر للطباعة، القاهرة، ط1، 1955م.
الأفكار والأسلوب ، ا . ن . تشيتثرين . ترجمة د. حياة شرارة ، آفاق عربية ، بغداد ، د.ت.
أمالي السيد المرتضى، الشريف الرضي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، ط2، 1967م.
أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم، تحقيق شاكر هادي شكر، مطبعة النعمان ، النجف، ط1، 1969م.
بناء الأسلوب في شعر الحداثة، محمد عبدالمطلب (دكتور)، القاهرة، 1988م.
تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، تحقيق أحمد عبدالغفار عطار، الشركة اللبنانية للموسوعات العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، 1979م.
تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، شرح ونشر السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1981م.
التكرار في الشعر الجاهلي، موسى ربايعه (دكتور) مجلة مؤته للبحوث والدراسات، جامعة مؤته (الأردن)، المجلد الخامس، العدد الأول، 1990م.
التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر، فايز القرعان (دكتور) مجلة مؤته للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة (الأردن)، المجلد الحادي عشر، العدد السادس، 1996م.

جوهر الكنز، لابن الأثير الحلبي، تحقيق د. محمد زغلول سلام، منشأة المعارف ، الإسكندرية، مصر، 1980م.
دراسات عن الشابي ، أبو القاسم محمد كرو، الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1984م.
الرومانتيكية ، د. محمد غنيمي هلال ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، مكتبة منيمنه، بيروت، 1961م.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1984م.
الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، د. صبحي البستاني، دار الفكر اللبناني، ط1، 1986م.

(7/482)


الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1981م.
ظاهرة التكرار في شعر أمل دنقل، حسين عيد، مجلة إبداع، القاهرة، السنة الثالثة، العدد الخامس، 1985م.
الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإيجاز، العلوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1402هـ.
علم الأسلوب ، مبادئه وإجراءاته، صلاح فضل ( دكتور ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1985م.
العمدة في محاسن الشعر، لابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، دار الجيل، بيروت، د . ت.
كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. مهدي المخزومي وآخرون، دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1982م.
القاموس المحيط، الفيروزآبادي، دار صادر، بيروت.
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، دار العلم للملايين، بيروت، ط7، 1983م.
مباديء النقد الأدبي، أ. ريتشاردز ، ترجمة د. مصطفى بدوي، مراجعة د. لويس عوض، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة العامة للطباعة والنشر، القاهرة، 1961م.

المثل السائر، لابن الأثير، تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانه، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة، القاهرة، د.ت.
موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس (دكتور) ، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، ط5، 1978م.
مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد ديتش ، ترجمة د. يوسف نجم، مراجعة د.إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1967م.
النص الأدبي وقضاياه عند ميشال ريفاتير من خلال كتابه "صناعة النص"، وجون كوهين من خلال كتابه "الكلام السامي" ، مجلة فصول، 28، المجلد الخامس، العدد الأول، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر، 1984م.
نظرية الأدب، رينيه ويليك، ترجمة محي الدين صبحي، مراجعة د.حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط3، 1985م.

(7/483)


مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها

المجلد ( 13 ) العدد ( 21 )
رمضان 1421 هـ / ديسمبر ( كانون الأول ) 2000 م
---
المحتويات
أولا : القسم العربي :
أ - دراسات في الشريعة وأصول الدين
1 - الرضا بالقضاء
د. سالم بن محمد القرني ...
2 - الحديث المقلوب : تعريفه ، وفوائده ، وحكمه ، والمصنفات فيه
د. محمد بن عمر بازمول ...
3 - المباحث الغيبية
د. عبد الشكور محمد العروسي ...
4 - قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام في توحيد الربوبية ، عرض ونقد في ضوء مذهب السلف
د. سعود بن عبد العزيز الخلف ...
5 - حكم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل
د. علي بن محمد الأخضر العربي ...
6 - من مفاهيم ثقافتنا
د. علي بن حسن القرني ...
ب - دراسات في التاريخ والحضارة والاقتصاد :
7 - كتاب الصوائف “ المستخرج ” لمحمد بن عابد الدمشقي ( ت233هـ)
د. سليمان بن عبد السوكيت ...
8 - التنمية والتقارب والاندماج في مجتمع المملكة قديما وحديثا
د. أحمد بن حسن الحسني ...
ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها :
9 - الترتيب الصرفي في المؤلفات النحوية والصرفية إلى أواخر القرن العاشر الهجري
د. مهدي بن علي القرني ...
10 - الزيادي النحوي : حياته وآثاره ومذهبه
د. سيف بن عبد الرحمن العريفي ...
11 - التذكير والتأنيث : دراسة في الأخطاء اللغوية والتحريرية
لطلاب المستوى المتقدم في معهد اللغة العربية بجامعة أم القرى
د. جمعان بن ناجي السلمي ...
12 - الألفاظ المشتركة في اللغة العربية : طبيعتها ، وأهميتها ، ومصادرها
د. أحمد بن محمد المعتوق ...
13 - صويت الغنة في الأداء القرآني بين الكمية والمدة الزمنية
د. يحيى بن علي المباركي ...
14 - نحو علم لغة خاص بالعلوم الشرعية
د. أحمد شيخ عبد السلام ...
15 - التصغير في اللغة
د. عليان بن محمد الحازمي ...
16 - مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان بن ثابت ( رضي الله عنه )

(7/484)


د. محمود بن عبد الله أبو الخير ...
17 - عمرو بن مسعدة الصولي ( السيرة ، والتراث الأدبي )
دراسة أدبية
د. عبد الرحمن بن عثمان الهليل ...
18 - الصورة الفنية لحقول التراجيدي في الشعر الجاهلي ، وأصول المثل الجمالية
د. عبد الله بن خلف العساف ...
19 - ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي ( دراسة أسلوبية )
د. زهير بن أحمد المنصور ...
ثانيا : القسم الإنجليزي :
أ - ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية ...

(7/485)


مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها
العدد 22
ربيع أول 1422 هـ
المحتويات
أولا : القسم العربي :
أ - دراسات في الشريعة وأصول الدين
1 - الحجج البينات في تفسير بعض الآيات
د. فريد مصطفى السلمان
2 - مصادر الحافظ ابن حجر وآراؤه في مسائل القراءات من خلال كتابه ( فتح الباري بشرح صحيح البخاري )
د. يحيى بن محمد حسن زمزمي
3 - الأحاديث والآثار الواردة في سنة الجمعة القبلية وأقوال العلماء فيها
د. إبراهيم بن علي بن عبيد العبيد
4 - الكفر الأكبر
أ. د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
5 - الروح القدس في عقيدة النصارى " دراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية "
د. عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي
6 - هدي الصحابة رضوان الله عليهم مفهومه - مصادره - نماذج منه
د. رضا محمد صفي الدين السنوسي
7 - حجية قول الصحابي عند السلف
د. ترحيب بن ربيعان بن هادي الدوسري
8 - قاعدة الإسلام يعلو ولا يعلى " دراسة تأصيلية وتطبيقية "
د. عابد بن محمد السفياني
9 - المسائل الفقهية المتعلقة بالمغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز
د. عبد الكريم بن يوسف الخضر

(7/486)


10 - حياة القائد بين القدوة والاقتداء
د. علي بن حسن القرني
ب - دراسات في التاريخ والحضارة :
11 - الدعوة في السودان وتأثرها بالدعوة السلفية " دراسة تاريخية وثائقية "
د. عمر سالم عمر بابكور
12 - العلاقات العسكرية الإسرائيلية - التركية
د. هشام فوزي عبد العزيز
ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها :
13 - حروف المعاني المركبة وأثر التركيب فيها
د. فائزة بنت عمر المؤيد
14 - معالجة المادة المعجمية في المعاجم اللفظية القديمة
د. محمد بن سعيد الثبيتي
15 - قضية التنازع في الاستعمال اللغوي
د. أبو سعيد محمد عبد المجيد
16 - التدريس المصغر في ميدان تعليم اللغات الأجنبية وتطبيقه في برامج إعداد معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها
د. عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي
17 - ظاهرة الغموض بين عبد القاهر الجرجاني والسجلماسي
د. محمود درابسة
18 - الشعر في كتاب الأمثال الظاهرة المنسوب إلى الماوردي
د. مصطفى حسين عناية

(7/487)


19 - فن التوقيعات الأدبية في العصر الإسلامي والأموي والعباسي

د. حمد بن ناصر الدخيل
20 - العقل المستعار بحث في إشكالية المنهج في النقد الأدبي العربي
الحديث - المنهج النفسي أنموذجا

د. صالح بن سعيد الزهراني
د - نصوص محققة :

21 - فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، لابن تيمية

تحقيق د. عبد العزيز بن محمد الفريح
هـ - الآراء والقضايا :

22 - ضرب من التطور في الصحافة العربية
أ.د. إبراهيم السامرائي
و - المراجعات العلمية :

23 - عرض كتاب المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومصنفوها

د. سعد بن موسى الموسى
ثانيا : القسم الإنجليزي :

ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية

(7/488)


الحجج البينات في تفسير بعض الآيات

د. فريد مصطفى السلمان
الأستاذ المشارك في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية - عمان

ملخص البحث
لقد استقيت هذا البحث من خلال قراءتي لكتب التفسير وغيرها، فوقفت عند بعض المسائل المهمة في تفسير الآيات القرآنية، وخاصة ما كان فيها موضع خلاف بين العلماء، في قضايا العقيدة أو مسائل الأحكام.
ونجد في هذه المسائل علما غزيرا، إذ يدلي كل عالم بما لديه من قوة الحجة والبرهان مستدلا من العقل والنقل.
ففي مجال العقيدة جاءت مسألة الخلاف في القدر، وبيان وجه الحق فيها، وحكم مرتكب الكبيرة بين أهل السنة والمعتزلة، ومسألة انشقاق القمر مع بيان الأدلة الدامغة القائمة بالحق.
وفي مجال الأحكام نجد مسألة القتال في الحرم، والخلاف بين الحنفية والشافعية في ذلك، ومسألة قتل المسلم بالكافر مع بيان أدلة كل فريق، وردوده على الطرف الآخر، وحكم الوقف في الحيوان، وحكم القراءة خلف الإمام.
ونجد في كل مسألة من هذه المسائل منهجا متكاملا لأسلوب البحث العلمي، وطريقا واضحا بينا لكل مذهب في استدلاله على ما يعتقده ويذهب إليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

مقدمة:
لقد بينت الآيات الكريمة أهمية الدليل والحجة في بيان الحق وإزهاق الباطل ومن ذلك قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66].
وقد اعتمد علماء هذه الأمة الحجة والدليل في توجيه آرائهم المستنبطة من الكتاب والسنة، وقد استدل كل فريق لما ذهب إليه بما يرى أنه الحجة الدامغة وفق رأيه ومنهجه.
وكنت قبل إيراد حجة كل فريق أذكر محل الخلاف في فهم الآية القرآنية، وآراء العلماء في المسألة، ثم أعقب على هذه الآراء ببيان الراجح منها، من خلال قوة الحجة والبرهان.

(7/489)


وقد كانت كل مسألة من هذه المسائل نموذجا لطلبة العلم في طريقة فهمهم واستنباطهم، حتى يتضح وجه الحق جليا، دون اتباع للهوى أو التقليد.
تمهيد:
الحجج: جمع حجة وهي الدليل والبرهان، وقيل ما دفع به الخصم.
وقال الأزهري: الحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وإنما سميت حجة لأنها تحج، أي تقصد. لأن القصد لها وإليها.
قال الأزهري: ومن أمثال العرب لج فحج معناه: لج فغلب من لاجه بحججه. يقال: حاججته حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها (1).

وقال الراغب الأصفهاني: الحجة: الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم (2).
قال الله تعالى: { قل فلله الحجة البالغة([الأنعام: 149].
وقال تعالى: { لئلا يكون للناس عليكم حجة([البقرة: 150].
ويجوز أن تطلق الحجة على ما يحتج به الخصم وإن كان باطلا كما في قوله تعالى: { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم([الشورى: 16]. فسمى الداحضة حجة.
وقال سبحانه وتعالى: { لا حجة بيننا وبينكم([الشورى: 15]. أي لا احتجاج لظهور البرهان.
والمحاجة: أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته.
قال الله عز وجل: { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان([الأنعام: 80].
وقال سبحانه وتعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم([آل عمران: 66].
وقد أكد القرآن والسنة مشروعية المجادلة وإقامة الحجة، ومن ذلك قوله تعالى: { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين([البقرة: 111].
وقد قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام: { قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا([هود: 33].
وقد ذكر الله تعالى تلك المحاجة العظيمة بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبين ذلك الكافر الذي آتاه الله الملك فقال سبحانه: )ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك([البقرة: 258].

(7/490)


وتحاج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام فحج آدم موسى كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى"(3).
وقد قال المزني(4): من حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل، وأن يقبل منها ما تبين.
وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة(5).
ونلاحظ فيما سنذكره من المسائل أن الهدف من ذلك الوصول إلى الحق بطريق الحجة الشرعية، باعتماد الأصول المتفق عليها سواء كانت من جهة الشرع أم النقل.
وقد ضرب علماء الإسلام أروع الأمثلة في المنهجية العلمية واتباع الحق بالدليل والبرهان حتى ذكر العلماء أنه يجب على المسلم أن يكون اعتقاده عن دليل وبرهان، وإن كان لا يلزم أن يكون دليله كما هو الحال عند أهل المنطق وأصحاب علم الكلام(6).
وقد سار الإمام فخر الدين الرازي على هذا المنهج في تفسيره فنجده يقرر مذهب الخصم تقريرا لو أراد الخصم نفسه أن يقرره لما استطاع ذلك(7) .
ثم يشرع الرازي في الرد على هذه الأدلة بالحجة الدامغة القوية وقد عاب عليه بعض المغاربة هذا السلوك بدعوى أن ردوده تأتي أحيانا أضعف من الشبه التي يوردها، فقالوا: إنه يورد الشبه نقدا ويحلها نسيئة(8).
ويظهر لكل عاقل منصف أثر الاعتماد على الحجة والبرهان في إحقاق الحق، فيتم إثراء العقل والقلب بتلك الحجج النيرة، كما يتم إحياء روح البحث العلمي بالمدارسة والمذاكرة وتلاقح الأفكار والمفاهيم.
وبالتالي فإن هذه التهم تصب أخيرا في مصلحة هذا المفسر النحرير.

أولا: حكم القتال في الحرم

(7/491)


في قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه([البقرة: 191].
وقوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا([آل عمران: 97].
ذهب الحنفية إلى عدم جواز القتال في الحرم، وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد([التوبة:5]. وبقوله تعالى: )وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة([التوبة: 36].
وذكر القاضي ابن العربي في تفسيره مناظرة في هذه المسألة فيما يلي نصها، قال ابن العربي: وقد حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عتبة الحنفي(9) والقاضي الريحاني(10) يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء، وتصدر في صدر المجلس بمدارع(11) الرعاء، فقال له الريحاني: من السيد؟ فقال له: رجل سلبه الشطار(12) أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجل من أهل صاغان(13) من طلبة العلم، فقال القاضي مبادرا: سلوه، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم. ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل فيه أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال: )ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه([البقرة: 119] قرئ )ولا تقتلوهم((14) ، )ولا تقاتلوهم(، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل.

(7/492)


فاعترض عليه القاضي الريحاني منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم([التوبة: 6]، فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها علي عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الريحاني، وهذا من بديع الكلام(15) .
ووجه الغرابة في هذه المناظرة أن الرجل ذهب إلى موافقة الحنفية في الحكم واستدل بنقيض دليلهم. فالحنفية يرون حرمة قتل الجاني إذا دخل الحرم، ولا يجيزون القتال في الحرم إلا إذا بدأ الكفار القتال فيه(16)، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: )ومن دخله كان آمنا([آل عمران: 97]،وبقوله تعالى: )ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه([البقرة: 191].
والحنفية يخالفون الجمهور في فهمهم لتخصيص العام فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصا للعام أن يكون مستقلا عن جملة العام مقارنا له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد(17)، وذلك كقوله تعالى: )وأحل الله البيع وحرم الربا([البقرة: 275]، فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن.
ولذلك فالحنفية يعرفون التخصيص بقولهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن(18)، وإذا كان الدليل مستقلا، ولكنه لم يكن مقارنا للعام، بل متراخيا عنه، فلا يسمى ذلك تخصيصا، بل نسخا أي رفعا للحكم. فإذا تراخى دليل التخصيص فإنه يكون نسخا لا تخصيصا خلافا لمذهب الجمهور في المسألة.
فهذا الرجل استدل برأي الجمهور في تخصيص العام(19) ووافق الحنفية في الحكم، فهو وإن وافق سائله في الحكم إلا أنه قلب عليه الاستدلال، وهذا ما دعى الإمام ابن العربي للقول: فأبهت القاضي الريحاني، لأن الريحاني كان حنفي المذهب الفقهي.

(7/493)


وقد جاء ذكر هذه المناظرة في قانون التأويل(20) لابن العربي بشكل أتم، حيث قال: قال مجلي(21)في أول مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحل .
فقال له خصمه وهو حنفي المذهب لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحرمته، وقد قال سبحانه وتعالى:} ومن دخله كان آمنا([آل عمران: 97]، وإذا قتل فيه فقد هتك حرمته وضيع أمنته، فكيف يعصمه؟ فقال له مجلي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يلزمني، لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احترم بحرمة الله I.
وأما قوله سبحانه وتعالى { ومن دخله كان آمنا( فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به، ودار الكلام على هذا النحو، ثم دخل علينا بمدرسة أبي عقبة الحنفي ببيت المقدس رجل ثم ذكر المناظرة كما جاءت في تفسيره أحكام القرآن.
ثم علق على هذه المناظرة بقوله: وأعجب لبعض المغاربة(22)، ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة أن العام ينسخ الخاص(23) إذا كان متأخرا عنه، وهذا ما قال به قط ولولا أن أبا حنيفة ناقض(24)، فقال: لا يبايع في الحرم ولا يكلم ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ولا بملبس حتى يخرج منه، فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد.

ثانيا: حكم الوقوف والأحباس
في قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون([المائدة: 103] .

(7/494)


والبحيرة: هي الناقة يشقون أذنها لتكون معلومة للناس أنها على هذه الصفة، فكانت تخلى دون راع فلا تطرد من مرعى ولا يركبها أحد ولا تذبح ولا تباع، وقيل: إن البحيرة هي ابنة السائبة، وقيل غير ذلك. أما السائبة فتطلق على البعير أو الناقة التي تسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض، أو بلغه منزلا في سفر فتصبح مخلاة لا قيد عليها ولها نفس أحكام البحيرة.
والوصيلة: كانت في الغنم إذا ولدت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولد منها بعد ذلك للذكور دون الإناث إلا إذا كان ميتة فهم فيه شركاء.
والحام: هو الفحل من الإبل إذا انقضى ضرابه، أو إذا ركب ولد ولده، وسمي بهذا الاسم لأنه حمى ظهره من الركوب والذبح ( هذه بعض الوجوه في تفسيرها، وهناك وجوه أخرى لم نر الإطالة بذكرها)(25).
هذا وقد ذهب الحنفية استدلالا بالآية إلى عدم جواز الوقف إلى غير جهة معينة تقوم عليه وترعاه.
فلو سيب حيوانا أو عقارا فجعله سبيلا، فإن هذا يدخل فيما عابه الله على العرب، فيما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تسييب البهائم وحبس البهائم والزروع، وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأوقاف وقاسوا تسييب البهائم على عتق العبيد، ولكن الحنفية لم يسلموا بهذا القياس، وقالوا لا معنى لأن يملك الحيوان الأعجم نفسه، لأن إهمالها يترتب عليه عدم جواز منفعتها، وهي لا تستطيع تدبير شؤون نفسها.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن وقف المنافع المترتبة على هذه الحيوانات قربة من القربات.
ومن صور السائبة إرسال الطيور ووضع البيض قرب طرقات المسافرين، وترك البساتين لينتفع بها الناس كافة، ولكل من الفريقين أدلته في المسألة، وقد وقعت مناظرة بين الإمام مالك من جهة وبين القاضي أبي يوسف أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة بحضرة هارون الرشيد(26).
ويقال إن القاضي أبا يوسف قد رجع عن موافقة صاحبه بعد وقوع هذه المناظرة.

(7/495)


وخلاصة هذه المناظرة أنه اجتمع كل من الإمام مالك والقاضي أبي يوسف بحضرة هارون الرشيد. فتكلموا في الوقوف(27) وما يحبسه الناس، فقال القاضي أبو يوسف: هذا باطل مستدلا بقوله تعالى: )ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام([المائدة: 103].
فقال مالك: إنما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة.
فأما الوقوف: فهذا وقف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها (28) .
وهذا وقف الزبير بن العوام - رضي الله عنه - حيث وقف داره بمكة ومصر وأمواله بالمدينة على أولاده(29) فأعجب الخليفة بذلك، ورجع القاضي أبو يوسف إلى رأي الجمهور.
ومما يؤكد رأي جمهور العلماء ما جاء في بعض الروايات(30) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: ( تصدق بثمره وحبس أصله ) وفي رواية: ( احبس أصلها وسبل ثمرتها ).
ويعقب ابن حجر على هذه الروايات فيقول: " وأصرح من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره )(31) .
وقال الترمذي:( لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه في ذلك جميع أصحابه إلا زفر .
ومما روي عن أبي يوسف قوله: لو بلغ الحديث أبا حنيفة لرجع عن قوله في الوقف)(32) .

وذكر القرطبي إجماع الصحابة رضي الله عنهم على جواز الوقف، وقال:
( لا حجة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنة، وما رواه ابن لهيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما في عدم جواز ذلك فهو ضعيف لا تقوم به حجة)(33) .

ثالثا: إثبات القدر

(7/496)


لقد ضلت بعض الفرق الإسلامية في القدر(34) فذهبوا إلى أنه لا قدر(35) وأن الإنسان يخلق فعله وفي مقدمة هؤلاء المعتزلة والرافضة، وقد أنكر عليهم بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أدركوا هذه الفتنة وقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قوله: القدرية مجوس هذه الأمة(36). والذي عليه جمهور المسلمين إثبات القدر وأن الإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان.
وسبب هذا الضلال هو سوء فهم بعض الآيات القرآنية الواردة في القدر ومن ذلك قوله تعالى: )إنا كل شئ خلقناه بقدر([القمر: 49](37) .
وقد وردت عدة آثار في ذم القائلين بالقدر منها ما أخرجه ابن ماجه في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم)(38) .
وأخرج أبو داود عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازتهم، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، هم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال)(39) .
وهناك عدة مناظرات في القدر، نذكر منها هذه المناظرة التي ذكرها القرطبي في تفسيره حيث قال: أحضر عمر بن عبد العزيز غيلان القدري(40) فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين: أرأيت قول الله تعالى: )إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا([الإنسان: 2،3]. فقال عمر بن عبد العزيز: اقرأ يا غيلان، فقرأ حتى انتهى إلى قوله: )فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا([الإنسان: 29].
فقال عمر: اقرأ فقال: )وما تشاءون إلا أن يشاء الله([الإنسان: 30] فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت – أي ما شعرت - أن هذا في كتاب الله قط.

(7/497)


فقال له عمر: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ حتى بلغ { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون([يس: 10]، فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب.
فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبا فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام بن عبد الملك بعدما تولى الحكم، فقطع يديه ورجليه وصلبه.
وكان مصلوبا على باب دمشق وإذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز(41) .
واختلف العلماء في سبب قتل هشام بن عبد الملك لغيلان، فيرى (ابن المرتضى الرافضي) أن هشاما قتله، لأنه قد رآه ينادي على بيع ما في خزائنهم أيام ولاه عليها عمر بن عبد العزيز وأنه يسب بني أمية، فأقسم ليقتلنه إذا ولي هذا الأمر، فلما وليه نفذ ما أقسم عليه وقتله، فيكون قتل هشام لغيلان سياسيا لا دينيا(42) . وأما بقية المؤرخين فيرون أن هشاما قتله لقوله بالقدر. وأنه أحضر له الأوزاعي فسأله في ثلاث مسائل لم يجب غيلان على واحدة منها، فأخذه هشام وأمر به فقطعت يداه ورجلاه فمات، وقيل صلب حيا على باب (كيسان) بدمشق.
ويذكر ابن نباته هذه المناظرة فيقول(43): لما بلغ هشام بن عبد الملك مقالة غيلان في القدر(44) أرسل إليه وسأله: يا غيلان ما هذه المقالة التي بلغتني عنك في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هو ما بلغك، فأحضر من أحببت يحاجني، فإن غلبني ضربت رقبتي.
فأحضر الأوزاعي، فقال له الأوزاعي: يا غيلان، إن شئت ألقيت سبعا، وإن شئت خمسا، وإن شئت ثلاثا. فقال غيلان: ألق ثلاثا، - أي ثلاثة أسئلة- فقال له الأوزاعي: أقضى الله على عبد ما نهى عنه؟.
قال غيلان: ما أدري ما تقول. فقال الأوزاعي:( فأمر الله بأمر حال دونه؟). قال غيلان: هذه أشد من الأولى. فقال الأوزاعي:( فحرم الله حراما ثم أحله؟). قال غيلان: ما أدري ما تقول؟

(7/498)


فأمر به هشام فقطعت يداه ورجلاه فمات .
وهناك مناظرتان جاء ذكرهما في شرح العقيدة الطحاوية(45). جاء في الأولى عن عمر بن الهيثم(46) . قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي، وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما.
أما الثانية فجاء فيها: أن أعرابيا وقف على حلقة فيها عمرو بن عبيد(47) من شيوخ المعتزلة فقال: يا هؤلاء إن ناقتي قد سرقت، فادعوا الله أن يردها علي، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولم؟ قال: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردها فلا ترد .
ويروى في هذا المقام أن عليا - رضي الله عنه - مر بقدري، وهو يتكلم في القدر، فقال له:( أبا الله تقدر، أم مع الله أم دون الله؟). فسكت الرجل ولم يعلم بماذا يجيب. فقال له t:( إن قلت دون الله كفرت، وإن قلت مع الله أشركت، وإن قلت بالله أصبت فقال الرجل: بالله أقدر، فقال له: لو قلت غيرها ضربت عنقك(48) .
فبهذا القول تتم البراءة من القدرية والجبرية كذلك، لأن الجبري لا يقول أقدر بالله ولا بغيره فيؤديه مذهبه إلى تعطيل الاكتساب والعبادات، ومذهب أهل الحق التوسط، يشتمل على التوحيد في الأفعال والأدب مع الفعال(49) .
ويروى كذلك في هذا الشأن عن علي - رضي الله عنه - أن قائلا قال له عند انصرافه من صفين: أرأيت مسيرنا إلى صفين أبقضاء وقدر؟
فقال علي - رضي الله عنه -: والله ما علونا جبلا ولا هبطنا واديا ولا خطونا خطوة إلا بقضاء وقدر.
فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي إذن مالي أجر.

(7/499)


فقال له علي: يا شيخ فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن قدرية هذه الأمة ومجوسها. فإن الله أمر تخييرا ونهى تحذيرا لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها.
فضحك الشيخ ونهض مسرورا ثم قال(50):
يوم القيامة من ذي العرش رضوانا
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته

جزاك ربك عنا فيه إحسانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا

ومن المناظرات في القدر ما يروى أن غيلان القدري دخل مجلسا فقال على وجه التحرش للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فأجابه ربيعة بن أبي عبد الرحمن(51) وقد فهم قصده: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال غيلان القدري: أيحب ربنا أن يعصى؟
فأجابه ربيعة: أيعصى ربنا كرها(52) ؟
وتروى هذه المناظرة كذلك على أنها وقعت بين أبي اسحق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكان رئيس المعتزلة في وقته حيث دخل مجلسا رأى فيه الإسفراييني فقال متحرشا للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فقال الإسفراييني: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
فقال القاضي عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟!
فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا كرها؟!
فقال القاضي عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أساء؟
فأجابه الإسفراييني: إن كان قد منعك ما هو لك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فقطعه بذلك(53) .

رابعا: معجزة انشقاق القمر
في قوله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر([القمر: 1-2].

(7/500)


ذهب جمهور أهل السنة أن القمر قد انشق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله، معجزة له دالة على صدقه. وقال الحافظ ابن كثير:( لقد أجمع المسلمون على وقوع انشقاق القمر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، وقد رويت الأحاديث الصحيحة في ذلك عن جمع من الصحابة هم أنس بن مالك وجبير بن مطعم وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين (54) .
وذكر الألوسي الاختلاف في تواتر الأحاديث الواردة في انشقاق القمر، ونقل عن ابن السبكي قوله في شرحه لمختصر ابن الحاجب: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمترى في تواتره)(55) .
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني الإجماع على انشقاق القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله، معجزة من الله تعالى، وتصديقا لرسوله(56) .
وحتى لو شكك بعض المعاصرين في وقوع هذه المعجزة وفسر الآية على أن انشقاق القمر إنما يكون علامة على اقتراب الساعة قبل يوم القيامة(57) فإن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم عديدة، وفي مقدمتها القرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية، ونقرر هنا إيماننا بمعجزة انشقاق القمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام ولم تظهر مثل تلك التأويلات المحدثة إلا عند نفر من بعض المعاصرين الذين تأثروا بالأفكار الوافدة، وكأن من روى هذه الروايات عندهؤلاء لا يستطيع التفريق بين خسوف القمر المعتاد، ومعجزة انشقاقه.
ومع ذلك فتذكر لنا الكتب الشرعية تلك المناظرة الجميلة في إثبات هذه المعجزة الإلهية، والتي وقعت بين الإمام الباقلاني(58) وبين إمبراطور الروم في ذلك العهد.

(8/1)


قال الإمبراطور: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟
أجاب الباقلاني: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الإمبراطور: وكيف لم يره جميع الناس؟
قال الباقلاني: لأن الناس لم يكونوا على أهبة وموعد لانشقاقه تلك الساعة.
فقال الإمبراطور: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟! لأي شئ لم تعرفه الروم وسائر الناس، ورأيتموه أنتم خاصة؟!
قال الباقلاني: وهذه المائدة(59) بينكم وبينها نسبة، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس وأهل الإلحاد، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟!
ثم قال له: أتقول إن الخسوف إذن كان يراه جميع أهل الأرض، أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته؟
قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.
ثم قال له: ولكن مثل هذا الخبر يلزم أن ينقله الجم الغفير!
فأجاب: يلزمكم في نزول المائدة ما يلزمني في انشقاق القمر.
فبهت الملك ومن كان معه من النصارى في ذلك المجلس(60) .
ومما يروى في المناظرات مع النصارى كذلك ما ورد عن حاطب ابن أبي بلتعة(61) t أنه لما دخل على المقوقس النصراني ملك الإسكندرية رسولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله المقوقس عن الحرب بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه، فأخبره أنها بينهم سجال، فقال المقوقس يخاطب ابن أبي بلتعة:" أنبي الله يغلب "؟! فقال حاطب:" أنبي الله يصلب"؟!فكان هذا الجواب قطعا للنصراني بما يعتقده في حق عيسى عليه السلام(62) .

خامسا: قتل المسلم بالكافر
في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان([البقرة: 178].

(8/2)


اختلف العلماء في قتل الحر بالعبد وقتل المسلم بالذمي، فذهب جمهور العلماء إلى عدم قتل الحر بالعبد وعدم قتل المسلم بالذمي، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالذمي أو المعاهد ولكل أدلته من الكتاب والسنة والقياس(63) .
وقد وقعت مناظرة بين أحد أتباع أبي حنيفة وآخر من فقهاء الشافعية في هذه المسألة ذكرها الإمام ابن العربي. ونوردها فيما يلي:
قال الإمام ابن العربي: ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة 487هـ فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني(64) زائرا للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه(65) .
وشهد علماء البلد، فسئل على العادة - في إكرام العلماء بالسؤال - عن قتل المسلم بالكافر(66) . فقال: يقتل به قصاصا، فطولب بالدليل، فقال: الدليل عليه قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى([البقرة: 178] وهذا عام في كل قتيل.
فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية عطاء المقدسي(67) ، وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:
(1) إن الله سبحانه قال: كتب عليكم القصاص، فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإن الكفر حط منزلته، ووضع مرتبته.
(2) إن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها وجعل بيانها عند تمامها فقال:
} كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى{، فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.
(3) إن الله سبحانه وتعالى قال: { فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف([البقرة: 178] ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول.

(8/3)


فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شئ، أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول. وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم محقون الدم على التأبيد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه.
وأما قولك إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم، فإن أول الآية عام وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص(68) .
وأما قولك إن الحر لا يقتل بالعبد، فلا أسلم به، بل يقتل به عندي قصاصا، فتعلقت بدعوى لا تصح لك. وأما قولك:} فمن عفي له من أخيه شيء {، يعني المسلم، فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو، فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيتان متباينتان، فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك، وقال ابن العربي: وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصلنا منها فوائد جمة أثبتناها في نزهة الناظر، وهذا المقدار يكفي هنا منها)(69) .
ويجيب الشافعية على اعتراضات الحنفية هذه بأن نقص العبد عن الحر في القصاص مسلم به عند الحنفية في الأعضاء، فلا يقطعون الحر بالعبد، وأما قطع يد المسلم بسرقة مال الذمي فهذا القطع إنما هو بسبب الخيانة، ويذكرون في هذا المقام بيت الشعر الذي قاله أبو العلاء المعري(70) :
ما بالها قطعت في ربع دينار
يد بخمسمئين عسجد وديت

فيجيبه القاضي عبد الوهاب المالكي(71):
ذل الخيانة فافهم حكمه الباري
عز الأمانة أغلاها وأرخصها

(8/4)


كما يستدل كل فريق بأدلة من السنة، ويشهد للجمهور قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر)(72)
ولكن الحنفية يؤولون معنى كلمة الكافر هنا بأنه الكافر الحربي وليس الذمي، وهو مستبعد، لأنه لا يتصور عاقل وجود القصاص بين المسلم والكافر الحربي.
ولا يعني عدم القتل عند الجمهور عدم المساءلة، بل يعاقب بما دون القتل وتلزمه الدية.
ومما يؤكد صحة ما ذهب إليه الجمهور المناسبة(73) التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقتل مسلم بكافر ) لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب المسلمين يوم الفتح، بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، وكان له عهد، فخطب عليه الصلاة والسلام الناس وقال: لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به، وقال: ( لايقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)، وقال عليه الصلاة والسلام:
(لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت حراشا بالهذلي )(74) .

سادسا: تكفير مرتكب الكبيرة
نزلت بعض الآيات القرآنية تذكر عقوبة بعض أصحاب الكبائر، وتتوعدهم بعذاب جهنم خالدين فيها. فقد قال الله تعالى في عقوبة قتل النفس المؤمنة: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما([النساء: 93].
وقال - سبحانه وتعالى - في عقوبة من يول الكفار دبره يوم الزحف: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير([الأنفال: 16].
وقد فهم بعض أصحاب الفرق الإسلامية كالخوارج والمعتزلة أن هذا الوعد حتم لازم لا بد من تحققه، فحكم الخوارج بكفر مرتكب الكبيرة، وذهب المعتزلة إلى جعله في منزلة بين الكفر والإيمان(75) .
أما أهل السنة فمذهبهم أنهم لا يكفرون أحدا من أهل الملة بذنب ما لم يستحله(76) .
وقد وقعت مناظرة في هذه المسألة بين الإمام أبي حنيفة وبعض الخوارج نوردها فيما يلي:

(8/5)


لما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يكفر أحدا بذنب ما لم يستحله، اجتمع إليه سبعون منهم، فدخلوا عليه وسلوا سيوفهم وأرادوا قتله. فقال لهم أبو حنيفة: اغمدوا سيوفكم واسمعوا لي وناظروني.
فقالوا: معنا جنازتان إحداهما جنازة رجل شرب الخمر حتى مات منه، والأخرى جنازة امرأة زنت فحبلت ثم قتلت نفسها، ما تقول فيهما؟
فقال أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ من اليهود أو النصارى أو المجوس؟
قالوا: لا.
قال: من أي الملل؟
قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
قال: فأخبروني عن هذه الشهادة، كم هي من الإيمان؟ أثلث أم ربع(77) .
قالوا: لا، فإن الإيمان لا يكون له ثلث وربع.
قال: فكم هي من الإيمان؟
قالوا: كله، ثم قالوا: دعنا من هذا فما تقول فيهما، هل هما من أهل الجنة أو من أهل النار؟
فقال: إني أقول فيهما كما قال نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيمن كان أعظم جرما منهما: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم([إبراهيم: 36]، وأقول فيهما ما قال عيسى عليه الصلاة والسلام: )إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم([المائدة: 118].
وقد كانوا أعظم جرما منهما، وأقول ما قال نوح عليه الصلاة والسلام: { قال: وما علمي بما كانوا يعملون. إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين([الشعراء: 112 ، 114].
وأقول فيهما ما قال نوح عليه السلام: { ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا، الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين([هود: 31].
فألقى الخوارج سلاحهم، وتركوا عقيدة الخوارج، وتبعوا عقيدة جماعة المسلمين(78) .

سابعا: القراءة خلف الإمام
في قوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون([الأعراف: 204].

(8/6)


روي عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن شهاب الزهري وغيرهم أن الآية نزلت في الصلاة، والمراد بذلك قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة(79) .
فقد روي عن أبي هريرة أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا( والآية الأخرى )وقوموا لله قانتين([البقرة: 238]. أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام(80) .
وروى ابن شهاب الزهري أن هذه الآية نزلت في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه فنزلت: )وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا([الأعراف: 204] .
وقد اختلف العلماء في حكم القراءة خلف الإمام ولكل أدلته(81) .
فقد ذهب الشافعية إلى وجوب قراءة الفاتحة من المأموم في كل صلاة سرية أو جهرية. وذهب الحنفية إلى عدم وجوب القراءة من المأموم مطلقا في كل صلاة سرية أو جهرية. وقال المالكية والحنابلة يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية .
وقد وقعت مناظرة بين أبي حنيفة وبين جمع من القائلين بوجوب القراءة من المأموم على كل حال، ونوجز هذه المناظرة كما يلي:
جاء جماعة إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع، فاختاروا أعلمكم لأناظره، فاختاروا واحدا منهم، فقال أبو حنيفة: هذا أعلمكم، فقالوا: نعم، قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم، قال: والحجة عليه كالحجة عليكم؟ قالوا: نعم، فقال: إن ناظرته لزمتكم الحجة في المسألة. قالوا: كيف؟ قال: لأنكم اخترتموه فجعلتم كلامه كلامكم، وكذا نحن اخترنا الإمام فقراءته قراءتنا، وهو ينوب عنا في ذلك كله، فأقروا بذلك(82) .

ومن أدلة الجمهور القوية في عدم وجوب القراءة من المأموم خلف الإمام ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا(83) .

(8/7)


وكذلك فإن العلماء قد اتفقوا على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة. فنقول: هب أن هذا المأموم كان يلعب الكرة في الشارع وجاء إلى الإمام في ركوعه، فكيف تقولون بصحة صلاته، أما المأموم الذي أنصت لقراءة الإمام وهو في الصلاة فصلاته باطلة لأنه لم يقرأ الفاتحة؟!
وقد أجاب الشافعية بأن المأموم كان متمكنا من القراءة أما المسبوق فلم يتمكن(84)، ونقول: متى كان الفعل صحيحا إذا لم نتمكن من فعله؟
ويتبع هذه المسألة مناظرة أخرى فيمن تكلم وهو في الصلاة بكلام من خارج أعمال الصلاة أو قهقه في الصلاة. فعند عامة أهل العلم أن من فعل ذلك فقد بطلت صلاته وبقي وضوؤه صحيحا.
وذهب أبو حنيفة إلى أن القهقهة في الصلاة تبطل الصلاة والوضوء جميعا(85) .
وقد وقعت مناظرة بين الحسن بن زياد اللؤلؤي(86) من الحنفية وأحد أصحاب الشافعي في هذه المسألة. وموجز هذه المناظرة كما يلي:
قال الشافعي: قال لي الفضل بن الربيع(87) . أحب أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال الشافعي: ليس اللؤلؤي في هذا الحد، ولكن أحضر بعض أصحابي حتى يكلمه بحضرتك، فقال: ولك ذلك.
فحضر الشافعي، وأحضر معه رجلا من أصحابه، من أهل الكوفة، كان على مذهب أبي حنيفة وصار من الشافعية. فلما دخل اللؤلؤي أقبل الكوفي عليه والشافعي حاضر بحضرة الفضل بن الربيع فقال له: إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم، وأريد أن أسأل عن مسألة من ذلك. فقال اللؤلؤي: سل. فقال له: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟ فقال: صلاته فاسدة. فقال: فما حال طهارته؟ قال: طهارته بحالها، ولا ينقض قذفه طهارته.
فقال له: فما تقول إن ضحك في صلاته؟ قال: يعيد الطهارة والصلاة. فقال له: فقذف المحصنة في الصلاة أيسر من الضحك فيها؟! فقال له: وقفنا في هذا، ثم مضى.
فاستضحك الفضل بن الربيع، فقال له الشافعي: ألم أقل لك إنه ليس في هذا الحد؟!(88) .

(8/8)


ونلاحظ في هذه المناظرة الاعتماد على القياس، ولكن حجة الحنفية ورود النص في إعادة الوضوء لمن قهقه في صلاته، ولا قياس مع النص.
فقد وردت عدة نصوص من السنة عند الحنفية بعضها مسند وبعضها مرسل فاحتجوا بهذه الروايات على ما ذهبوا إليه(89) .
ولكن الشافعية ضعفوا هذه الروايات، فلم يأخذوا بها، وقدموا عليها القياس كما جاء في المناظرة، إضافة إلى أنهم استدلوا برواية أخرجها الدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)(90).

الخاتمة والنتائج:
من خلال الاطلاع على هذا البحث يمكن القول إن اعتماد الحجة والدليل هو منهج علماء هذه الأمة في الوصول إلى الحق، فعندما يرى العالم المخلص أن الدليل مع غيره فإنه يسلم به ويأخذ به وإن كان مخالفا لما كان يذهب إليه من قبل.
كما يتضح لدينا سعة صدور العلماء، وفسحهم المجال لمن يخالفونهم الرأي في عرض آرائهم وتوضيحها. وقد رأينا رجوع القاضي أبي يوسف إلى مذهب الجمهور في مسألة الوقوف والأحباس بعد مناظرته مع الإمام مالك، ورجوع (زفر) في مسألة قتل المسلم بالذمي إلى رأي الجمهور .
ويظهر لدينا كذلك إلزام الخصم بالدليل العقلي حال عدم اعترافه بالدليل الشرعي كما في معجزة انشقاق القمر.
ونلاحظ استعمال القياس، وسرد الاحتمالات وتفنيد الباطل منها، في مسألة القدر وحكم القراءة خلف الإمام.
ومن ذلك كله نستطيع القول إن علماء الإسلام ضربوا أروع الأمثلة في الاستدلال على مذهبهم من النقل والعقل والقياس.

الهوامش والتعليقات

(1) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، ت370هـ، تهذيب اللغة، تحقيق: د. عبد الحليم النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، (مادة حجج)، ( 3/387- 390 ) سنة 1384هـ، 1964م.

(8/9)


الزبيدي، محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى، ت1205هـ، تاج العروس من جواهر القاموس، 20ج، تحقيق علي شيري، دار الفكر، بيروت، ط1، ( مادة حجج)، (3/315) سنة 1414هـ، 1994م.
(2) الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، ت502هـ، المفردات، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ( ص107 ).
(3) أخرجه البخاري، محمد بن إسماعيل، ت256هـ، صحيح البخاري، بيت الأفكار الدولية، الرياض، ( كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله، ص1264 )، وأخرجه في الأنبياء باب وفاة موسى، وفي تفسير سورة طه، باب قوله تعالى: ( واصطنعتك لنفسي ).
وأخرجه مسلم بن الحجاج النيسابوري، ت261هـ، صحيح مسلم، 5ج، - حرف ج يعني مجلد- دار ابن حزم، بيروت( كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، رقم 2652 ).
(4) ( المزني: هو إسماعيل بن يحيى المزني، صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر، من كتبه (الجامع الكبير، الجامع الصغير)، وقال فيه الشافعي ناصر مذهبي، وقال في قوة حجته (لو ناظر الشيطان لغلبه). الزركلي، خير الدين: الأعلام، 8ج، دار العلم للملايين-بيروت،ط5 سنة 1980م، (1/329)، ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، 7ج، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة-بيروت، (1/71).
(5) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، ت671هـ، الجامع لأحكام القرآن، 10ج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ( 3/286 )
(6) الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، ت478هـ، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق د. محمد يوسف موسى، علي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي، القاهرة، (ص108)، سنة 1369هـ، 1950م.
(7) الذهبي، محمد حسين، ت1976م، التفسير والمفسرون، 3ج، (1/295).
(8) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، ت852هـ، لسان الميزان، 8ج، دار الفكر، بيروت، (4/724)، سنة 1408هـ، 1988م.

(8/10)


(9) ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله: فانون التأويل، دراسة وتحقيق محمد السليماني، دار القبلة للثقافة الإسلامية-جدة، ط1، 1406هـ – 1986م، ص441 ورد عنده في الكتاب بدل أبي عتبة (أبو عقبة الحنفي).
(10) ذكره ابن العربي في قانون التأويل ص439، وجاء في نسختي أ، م من مخطوطة الكتاب (القاضي الزنجاني) كما ذكر ذلك محقق الكتاب، د. السليماني.
(11) مدارع: جمع مدرعة وهي ثوب من صوف، أو جبة مشقوقة المقدم. (إبراهيم، مصطفى، ومن معه، المعجم الوسيط، ط2 مجمع اللغة العربية-القاهرة (مادة درع).
(12) الشطار جمع شاطر وهو الخبيث الفاجر، وعند الصوفية: السابق المسرع إلى الله (مصطفى، إبراهيم، ورفاقه) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية-القاهرة ط2، مادة شطر ص482.
وفي الفيروز أبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة-بيروت، ط5، 1416هـ - 1996م. الشاطر: من أعيا أهله خبثا، وشطر عنهم: نزح عنهم مراغما (مادة شطر، ص533).
(13) صاغان: قرية بمرو، وقد تسمى جاغان، والصغانيان بلاد بما وراء النهر متصلة الأعمال بترمذ، وهي شديدة العمارة كثيرة الخيرات، والناحية مثل فلسطين.
الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، ت 626هـ، 1228م، معجم البلدان، 5ج، دار إحياء التراث العربي-بيروت، 1399هـ – 1979م، (3/389، 408).
(14) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف.
ابن الجزري، الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي، ت833هـ، النشر في القراءات العشر، 2ج، دار الكتب العلمية-بيروت، (2/227).
(15) ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله، ت543هـ، أحكام القرآن، 4ج، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، (1/107)، القرطبي، (2/231).
(16) الجصاص، أبوبكر أحمد بن علي الرازي، ت370هـ، أحكام القرآن، 5ج، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (1/323)، سنة 1405هـ، 1985م.

(8/11)


(17) البخاري، عبد العزيز، كشف الأسرار على أصول البزدوي، 4ج، جامعة استانبول، شركة الصحافة العثمانية، (1/306)، سنة 1308هـ.
(18) الخضري، محمد، أصول الفقه، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ص208 وما بعدها.
الصالح، محمد أديب، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، 2ج، المكتب الإسلامي، بيروت، (2/99).
(19) الخن، مصطفى سعيد، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، ( ص198وما بعدها )، سنة 1402هـ، 1983م.
(20) ابن العربي، قانون التأويل، (ص440).
(21) هو: مجلي بن جميع القرشي المخزومي أبو المعالي، صاحب كتاب ((الذخائر في فروع الشافعية)) إليه كانت ترجع الفتوى بمصر.
ابن السبكي، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي: طبقات الشافعية، 10ج، تحقيق عبد الفتاح الحلو، محمد الطناحي، عيسى البابي الحلبي-القاهرة، 1383هـ.
ابن العماد الحنبلي، أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، ت1089هـ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 8ج، دار الفكر-بيروت، (4/157).
(22) يشير إلى ابن حزم، وانظر: ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد: المحلى، 11ج، تحقيق أحمد شاكر، دار التراث-القاهرة (7/262)، حيث وافق الحنفية في المسألة.
(23) روي عن أبي حنيفة قوله: إن الخاص لا يقضي على العام، بل يجوز أن ينسخ الخاص بالعام، مثل حديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه، نسخ وهو خاص، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((استنزهوا من البول)). الصالح، محمد أديب (2/109).
ابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد، ت620هـ، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه، مكتبة الكليات الأزهرية-القاهرة (2/159).
وحديث العرنيين في الصحيحين، انظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، 13ج، إدارات البحوث العلمية والإفتاء-الرياض، رقم 4610.
والنووي، محي الدين يحيى بن شرف: شرح صحيح مسلم، دار الفكر-بيروت (11/153) في القسامة.

(8/12)


وحديث ((استنزهوا من البول)) أخرجه الدارقطني، علي بن عمر: سنن الدارقطني، تصحيح عبد الله المدني، دار المحاسن للطباعة-القاهرة، باب نجاسة البول والأمر بالتنزه منه، والحكم في بول ما يؤكل لحمه (1/127)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، 2ج، المكتب الإسلامي-بيروت، ط2، 1399هـ، رقم 3002.
(24) أي لم يسر على مقتضى قوله.
(25) ابن كثير،الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير:تفسير القرآن العظيم،4ج، دار المعرفة-بيروت،1403هـ - 1983م، (2/106).
أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف: البحر المحيط، 8ج، دار الفكر-بيروت، ط2، 1403هـ - 1983م، (4/231)، القرطبي (6/336).
(26) يشكك بعض العلماء في اجتماع مالك وأبي يوسف بحضرة الرشيد، لأن الإمام مالك لم يذهب إلى بغداد في عهد الرشيد، ولكن من الممكن أن هذا الاجتماع وقع في موسم الحج، وخاصة أن راوي الحادثة هو المحدث ابن أبي حاتم الرازي.
(27) يقال وقف الشئ وحبسه وأحبسه، وسبله بمعنى واحد، وهو ما اختص به المسلمون، ومن القرب المندوب إليها. وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ويصح الوقوف بالقول والفعل الدال عليه، كمن جعل أرضه مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه، أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس في الدفن فيها.
العاصمي النجدي، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، 7ج، المطابع الأهلية-الرياض، ط1، 1397هـ، كتاب الوقف، (1/207).
أبو زهرة، محمد: محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي-القاهرة، ط2، 1971م.
(28) متفق على صحته، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوقف كيف يكتب، ص535، ومسلم في صحيحه كتاب الوصية، باب الوقف، (3/1016)، رقم 1632.
وذكر الألباني طرقه ومن أخرجه من أصحاب السنن، انظر: الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، 9ج، المكتب الإسلامي، بيروت، (6/30) .

(8/13)


(29) ابن أبي حاتم الرازي، أبو محمد عبد الرحمن، ت327هـ، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، (ص198).
(30) العسقلاني، فتح الباري،( 5/401) .
(31) البخاري، رقم2746، كتاب الوصايا، باب ما للوصي أن يعمل في مال اليتيم.
(32) العسقلاني، فتح الباري، (5/402).
(33) القرطبي، (6/339).
(34) انظر: كتاب القدر لشيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد الثامن ضمن مجموع الفتاوى، وقال الخطابي: قد يحسب بعض الناس أن معنى القدر من الله والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، وليس كذلك، وإنما معناه: الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد، وصدورها من تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها. ابن الأثير الجزري: جامع الأصول (10/104).
(35) والقدرية هم الذين كانوا يخوضون في القدر، ويذهبون إلى إنكاره، وأول القدرية على الراجح معبد الجهني المقتول سنة 80هـ، النووي، محيي الدين يحيى بن شرف، ت676هـ، شرح صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، (1/150)، وجاء في شرح العقيدة الطحاوية (1/79) سموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية، ولكن هذه التسمية على الطائفة الأولى أغلب. انظر: المحمود، عبد الرحمن بن صالح، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة، دار الوطن، الرياض، ط2، (ص162)،سنة 1418هـ،1997م.
(36) رواه الطبراني وأبو داود عن ابن عمر مرفوعا، أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، ت275هـ، مراجعة وضبط محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، (4/222، كتاب السنة، باب في القدر رقم 4691).
العجلوني، إسماعيل بن محمد، ت1162هـ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، 2ج، تحقيق أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، (2/119، رقم 1861)، سنة 1403هـ، 1983م.

(8/14)


ابن الأثير الجزري، أبو السعادات المبارك بن محمد، ت660هـ، جامع الأصول من أحاديث الرسول، 11ج، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، دمشق، (10/128)، ومما جاء فيه: إن القدرية لما اضافوا الخير إلى الله، والشر إلى العبيد أثبتوا قادرين خالقين للأفعال، كما اثبت المجوس إله النور وإله الظلمة.
(37) روي عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن هذه الآية نزلت في وفد نجران عندما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا، فنزلت الآيات إلى قوله تعالى { إنا كل شئ خلقناه بقدر( فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: أنتم خصماء الله يوم القيامة. (الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد، ت468هـ، أسباب النزول، تحقيق كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت (ص420)، رقم 777، وسنده ضعيف، القرطبي (17/148).
وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله في القدر، فنزلت: { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر. إنا كل شئ خلقناه بقدر([القمر: 48 ، 49 ].
المنذري، زكي الدين عبد العظيم، ت656هـ، مختصر صحيح مسلم، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي-بيروت،ط6، كتاب القدر ص486 رقم 1838، سنة 1407هـ، 1987م.
(38) ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت273هـ، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، (1/35، رقم92 في المقدمة، وله شاهد عند أبي داود من رواية ابن عمر – أبو داود، سنن أبي داود، رقم 4691). وقال السهار نفوري في بذل المجهود (18/213): هذا أحد أحاديث انتقدها سراج الدين القزويني وزعم أنه موضوع، وقال الحافظ بن حجر فيما تعقبه عليه: هذا حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ورجاله رجال الصحيح، ثم ذكر له علتين وأجاب عنهما، وقرر أنه لا يجوز الحكم عليه بالوضع.

(8/15)


وانظر: البنا الساعاتي، أحمد عبد الرحمن، ت1952م، الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، 14ج، دار الشهاب القاهرة، حيث قال: حقق الحافظ ابن حجر أن رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم )، أن هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، وذكر الترمذي حديثا آخر يقوي هذه الروايات من رواية ابن عمر رضي الله عنهما وقال: حسن صحيح غريب، وقد جاء في المسند عدة أحاديث في هذا الموضوع، الساعاتي (1/140) الأحاديث 38، 39، 40.
(39) أخرجه أبو داود السجستاني، كتاب السنة، باب في القدر، رقم 4629، أحمد في المسند، طبعة صادر(2/86)، ابن الأثير الجزري في جامع الأصول10/129.
وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية(2/358): الصحيح أن غالب ما ورد في ذم القدرية إنما هو موقوف على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذه البدعة إنما ظهرت في زمنهم.
(40) هو: غيلان بن مسلم الدمشقي، تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه سوى معبد الجهني،وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد،طلبه هشام بن عبد الملك، وأحضر الأوزاعي لمناظرته،فأفتى الأوزاعي بقتله،وصلب على باب كيسان بدمشق سنة 105هـ.
الزركلي (5/124)، العسقلاني، ابن حجر: لسان الميزان، دار الكتاب الإسلامي (4/424).
الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل، 2ج، تحقيق محمد سيد الكيلاني، دار المعرفة-بيروت، ط2، 1395هـ – 1975م، (1/227).
(41) القرطبي (15/11)
(42) الغرابي، علي مصطفى، تاريخ الفرق الإسلامية، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، (ص23)، سنة 1367هـ، 1948م.
(43) الغرابي، ص39.

(8/16)


(44) اشتهر غيلان بقوله بالقدر حتى دعاه المؤرخون (غيلان القدري). وقيل إن أصل القول بالقدر إنما هو لرجل من أهل العراق كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، وقيل اسمه (أبو يونس سنسويه) ونسب إلى غيلان كذلك قوله بخلق القرآن والإرجاع ونفي الصفات الثبوتية لله عز وجل. (الغرابي، ص33-35) .
(45) ابن أبي العز الدمشقي، القاضي علي بن علي بن محمد، شرح العقيدة الطحاوية، 2ج، تحقيق عبد الله التركي، شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، (1/323)، سنة 1408هـ، 1988م.
(46) عمر بن الهيثم الهاشمي مجهول من الثامنة.
العسقلاني، تقريب التهذيب، دار الرشيد-سوريا، ط1، 1986م، (1/418).
وقيل هو عمرو بن الهيثم بن قطن الزبيدي، روى عن أبي حنيفة ومالك، وروى عنه أحمد ويحيى بن معين، وقال أبو داود ثقة. العسقلاني،تهذيب التهذيب،14ج،دار الفكر-بيروت،1404هـ –1984م،(10/381) رقم 773. وقال محققا العقيدة الطحاوية لعل عمرو بن الهيثم هو المراد، وهو ثقة مات على رأس المائتين (التركي، الأرناؤوط، شرح العقيدة الطحاوية: 1/323).
(47) عمرو بن عبيد: أحد شيوخ المعتزلة، كان جده من سبي فارس وأبوه شرطيا للحجاج في البصرة، اشتهر بعلمه وزهده. قال فيه المنصور العباسي: (كلكم يمشي رويد، كلكم طالب صيد، غير عمرو بن عبيد). قال فيه يحيى بن معين: كان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع. توفي سنة 144 هـ، ورثاه الخليفة المنصور العباسي ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه. وقيل انه حج ماشيا أربعين سنة وبعيره يقاد يركبه الضعيف الفقير. الزركلي (5/81).
الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان: ميزان الاعتدال، 4ج، تحقيق علي محمد البجاوي، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء-الرياض (2/294).
(48) السكوني، أبو علي عمر، عيون المناظرات، تحقيق سعد غراب، منشورات الجامعة التونسية، (ص176) سنة 1976م.
(49) السكوني، (ص176).
(50) السكوني، (ص176).

(8/17)


(51) ربيعة بن أبي عبد الرحمن: مفتي المدينة وعالم الوقت، أبو عبد الرحمن القرشي التيمي المشهور بربيعة الرأي، وكان من أئمة الاجتهاد وتوفي سنة 136هـ.
الذهبي، شمس الدين محمد، ت748هـ، سير أعلام النبلاء، 24ج، مؤسسة الرسالة ط2، 1402هـ 1982م، (6/89).
(52) السكوني، (ص205).
(53) السكوني، (ص256).
(54) ابن كثير، عماد الدين إسماعيل، ت774هـ، البداية والنهاية، 14ج، مكتبة الفلاح، الرياض، (3/118).
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (4/260)، الهمذاني، القاضي عبد الجبار، ت415هـ، تثبيت دلائل النبوة، 2ج، تحقيق عبد الكريم العثمان، دار العربية، بيروت (1/58).
(55) الألوسي، شهاب الدين السيد محمود، ت1270هـ، 15ج،دار الفكر،بيروت، (27/74)، سنة 1408هـ، 1987م.
(56) العسقلاني، فتح الباري، 7/184، باب انشقاق القمر، وقد ذكر البخاري عدة أحاديث في انشقاق القمر، انظر الأرقام: 3636، 3869، 3871، 4864، 4865.
(57) انظر: المراغي، أحمد مصطفى: تفسير المراغي، 10ج، دار الفكر-بيروت (27/76) المجلد التاسع.
وذهب ابن عاشور في تفسيره إلى أنه قد يكون حصل خسف عظيم في كرة القمر أحدث في وجهه هوة لاحت للناظرين في صورة شق، ويجوز أن يكون قد مر بين سمت القمر وسمت الشمس جسم سماوي من بعض المذنبات حجب بعض ضوء الشمس عن وجه القمر على نحو ما يسمى بالخسوف الجزئي.
ابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير، 30ج، الدار التونسية للنشر 1984م، (27/169).
وكل هذه الأقوال المحدثة من باب التكلف المخالف لما ذهب إليه عامة المفسرين، وللأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الشأن.
(58) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد القاضي المعروف بابن الباقلاني، ولد في البصرة وسكن بغداد، واشتهر بالقدرة على الجدل والمناظرة. مالكي المذهب الفقهي، أشعري العقيدة. له تصانيف عديدة في الرد على الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم.

(8/18)


توفي في ذي القعدة سنة 403هـ، وقال فيه ابن تيمية: القاضي أبو بكر الباقلاني المتكلم هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده.
ابن العماد الحنبلي، (3/168). الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، ت463هـ، تاريخ بغداد،14ج، دار الكتب العلمية-بيروت، (5/379). ابن خلكان، (3/400) رقم 580.
ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، ت571هـ، 1176م، تبيين كذب المفتري،دار الكتاب العربي-بيروت 1399هـ 1979م، ص223.
(59) يشير إلى المائدة التي أنزلها الله تعالى على عيسى عليه الصلاة والسلام من السماء بالطعام،وهي مذكورة في سورة المائدة، الآيات 112-115.وقد ذكرت هذه المعجزة في إنجيل يوحنا اصحاح 18 آية 10.
(60) بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين، 2ج، دار العلم للملايين، بيروت،ط2، (1/578)،سنة 1982م ، وقال: ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك.
(61) صحابي كريم شهد الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الرماة. بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، وخبره مشهور في نزول أوائل سورة الممتحنة.
العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 4ج، دار الكتاب العربي-بيروت 1/300.
(62) السكوني، (ص185).
(63) انظر: القرطبي، (2/249)، ابن العربي، أحكام القرآن (1/161)، الرازي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين القرشي، ت606هـ، التفسير الكبير، 16ج، دار الكتب العلمية، طهران، ط2، (5/51). وانظر كتابنا: المصطفى من تفسير آيات الأحكام، ابن خزيمة، الرياض، ط1، (1/355)، سنة 1411هـ، 1991م.
(64) الزوزني: هناك أكثر من شخص يلقب بالزوزني، ولكن يغلب على اعتقادي لقرائن عدة أنه الشيخ أبو سعد أحمد بن محمد بن علي الزوزني، سمع القاضي أبا يعلى وأبا بكر الخطيب، وحدث عنه ابن عساكر والسمعاني، توفي سنة 536هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء، (20/57) رقم 34.

(8/19)


(65) وقد ألف ابن العربي كتابا في رحلته إلى المشرق سطر فيه ما شاهده عن أخلاق الشعوب وتمسكها بدينها، وهذا الكتاب مفقود ولكن نقل بعض العلماء طرفا منه، وجاء في كتابه: ( قانون التأويل ) شيء من ذلك، ومما سجل في هذه النقول إعجابه بأهل بيت المقدس علما وعملا واعتقادا.
القرطبي14/181، ابن العربي، قانون التأويل، ص440.
(66) أي الكافر الذمي أو المعاهد، أما الكافر الحربي فلا خلاف أن المسلم لا يقتل به.
(67) فقيه القدس وقاضيها، وذكره ابن العربي في عارضة الأحوذي، دار الكتاب العربي-بيروت، (8/139). ويسميه المقري في نفح الطيب (ابن عطاء)، المقري، أبو العباس أحمد بن محمد: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، 8ج،تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر-بيروت، 1388هـ(2/247).
ومن الأشعار التي تنسب إلى صاحب الترجمة:
يقولون لي دار الأحبة قد دنت وأنت كئيب إن ذا لعجيب
فقلت وما تغني ديار قريبة إذا لم يكن بين القلوب قريب
ابن العربي: عارضة الأحوذي، 13ج، -دار الكتاب العربي-بيروت، (8/140).
(68) وهذه القاعدة ترتب عليها العديد من المسائل الفقهية بين الجمهور من جهة والحنفية من جهة أخرى. فالجمهور يرون أن دلالة العام على جميع أفراده ظنية، أما الحنفية فيرون أن دلالته على جميع أفراده قطعية. ومن الأمثلة المترتبة على هذا الخلاف: زكاة الزروع والثمار، فالجمهور لا يرون الزكاة في أقل من خمسة أو سبعة أوسق كما لا يرون الزكاة في الخضروات، أما الحنفية فيأخذون بألفاظ العموم ويرون الزكاة في كل ما أنتجت الرجل قل أو كثر.
الخن، مصطفى سعيد: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، مؤسسة الرسالة-بيروت ط3، 1403هـ 1983م، ص204 وما بعدها.
(69) ابن العربي، أحكام القرآن (1/62).

(8/20)


(70) المعري، أبو العلاء أحمد بن عبد الله، ت449هـ، 1057م ، اللزوميات، شرح ابراهيم الأبياري، وزارة الثقافة والإشاد، القاهرة، (1/391)، والبيت السابق على هذا البيت من الشعر قوله:
تناقض ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار
(71) ابن كثير، (2/56).
(72) أخرجه البخاري في صحيحه، في الديات، باب لا يقتل المسلم بالكافر، وفي الجهاد، باب فكاك الأسير، ص1318، رقم 6915. والترمذي في الديات، رقم1412، وانظر: ابن الأثير الجزري في جامع الأصول من أحاديث الرسول10/253، والشوكاني في نيل الأوطار، نشر إدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، (7/151) وقد بسط الشوكاني القول في المسألة ورجح رأي الجمهور.
(73) العسقلاني، فتح الباري، (12/262)، وذكر ابن حجر أن (زفر) رجع إلى مذهب الجمهور لقيام الشبهة، والخلاف في المسألة من أعظم الشبهات، وانظر الدار قطني: (3/137، رقم 170)، حيث ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر، لقتلت حراشا بالهذلي ) لما قتل حراش رجلا من هذيل له عهد يوم الفتح بمكة، وجاء في التعليق المغني على هامش سنن الدار قطني للسهار نفوري قوله: " وهذا الإسناد وإن كان واهيا، لكنه أمثل من رواية ابن البيلماني الذي احتج بها الحنفية، لأن حديث ابن البيلماني منقطع لا تقوم به حجة.
وروى عبد الرزاق الصنعاني أن مسلما قتل ذميا في عهد عثمان رضي الله عنه فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية، وقال ابن حزم هذا في غاية الصحة، ولا يصح عن أحد من الصحابة فيه شيء، إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ثم ألحقه كتابا فقال: لا تقتلوه ولكن اعتقلوه.
ابن حزم الظاهري، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، ت456هـ، المحلى، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار التراث، القاهرة، (10/347)، مسألة رقم 2021.

(8/21)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية