صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة جامعة أم القرى
[ ترقيم المجلة غير موافق للمطبوع ]

5. تبين للباحث بعد استقراء صور التمثيل الطيفي لكيفية أداء صفة الغنة الملازمة لحروف ( النون والميم الساكنين وما في حكمهما ) المرفق بعض نماذجها بهذا البحث عند التقائها بالحروف المستلزمة حدوث هذه الغنة أن هناك شيئا ما ظاهرا على هذه الصور يتمثل في شكل حزم سوداء داكنة ممتدة من القاعدة إلى القمة حدثت قبل استكمال النطق بهذه الحروف وقبل النطق بالحرف الملاصق لها أيضا المستلزم لحدوث الغنة في البيئة اللغوية وتحدث هذه الغنة كما أوضحنا سابقا نتيجة اندفاع الهواء من الرئتين محركا الوترين الصوتيين ثم يتخذ مجراه في الحلق أولا حتى إذا وصل إلى أقصى الحلق هبط أقصى الحنك الأعلى فيسد بهبوطه فتحة الفم ويتسرب الهواء من التجويف الأنفي محدثا في مروره نوعا من الحفيف لا يكاد يسمع أو يلاحظ على الصور الطيفية لصويت الغنة في حالة الإدغام بغنة ، وكذا في حالة الإخفاء ( بما فيه الإقلاب ) ، حيث نسقط المخرج ونبقي الصفة في هذه الأحوال جميعا ، والفارق بين حال النون في هذه الحالات كما أوضحنا سابقا أنه مع الإدغام يلغى المخرج وتبقى الصفة التي هي الغنة والتي مخرجها من الأنف أو الخيشوم ، وفي الوقت نفسه ينطق حرف الإدغام ( ي ،و ، م ) فيحدث تزامن في النطق ، فيخيل للسامع مع أن الياء في ( من يهدي ) مشددة ، وأن الواو في ( من وال ) مشددة … إلخ ، وليس هناك تشديد لأنه لو كان هناك تشديد لرأينا ذلك واضحا على الصور الطيفية لصويت الغنة ، ولسمعنا الياء في ( من يهدي ) ياء مشددة بدون غنة ، لكننا نرى حزما سوداء داكنة على الصورة الطيفية ذات معالم أو مكونات ثابتة، فالمسألة تزامن نطق فقط ، أما مع الإخفاء ( بما فيه الإقلاب ) فيحدث أن النون يسقط مخرجها بمعنى أننا لا نجعل طرف اللسان يلتصق بما يقابله من مقدم الحنك، ونجعل الصوت يمر من الخيشوم أو الأنف لكي ننطق الغنة التي هي الصفة الجوهرية المشخصة للنون ، وبذلك تكون النون قد حذف شطر من

(7/180)


مخرجها ، وشطر آخر من صفتها ، وبعد الانتهاء من نطق الغنة نبدأ في نطق حرف الإخفاء . أما النون في حالة إدغام النون في مثلها أو في الميم نحو " من نار " و " من مال " وكذا النون المشددة في نحو " جنات " والميم المشددة في نحو " فأما من أعطى " فإن الهواء إذا وصل إلى أقصى الحلق ، فلا تهبط اللهاة وتسد الفم إلا بعد أن يصل الهواء إلى الفم حيث مخرج الميم في الشفتين ، والنون في طرف اللسان الذي يلتصق بمقدم الحنك الأعلى ، فيعود الهواء إلى الخلف ليجد اللهاة قد هبطت ، وفتحت الطريق إلى الخيشوم ، فيخرج منه الهواء محدثا صوت الغنة . بقي معنا إخفاء الميم في نحو " يوم هم بارزون " وهو كإخفاء النون تماما .

(7/181)


6. لاحظ الباحث بعد التأمل في صور التمثيل الطيفي المرفق بعض نماذجها بهذا البحث ذلك التشابه على وجه العموم في المعالم ( Formants ) التي يسلكها في الأداء السياقي هذا الهواء المتسرب من التجويف الأنفي عند النطق بالحروف التي تلازمها صفة الغنة وحرف الحركة ( قصيرا كان أو طويلا ) فكلاهما يشكلان بقعا سوداء داكنة منتظمة تنتشر عموديا على معالم الصورة جميعها وتمتد من القاعدة إلى القمة كما أشرنا إلى ذلك في مكانه من هذا البحث مع اختلاف يسير بينهما في المقدار والمدة الزمنية تبعا لنوع حرف الغنة ( نونا ساكنة كانت أو ميما ساكنة أو ما في حكمهما ) ، ونوع الحرف الملاصق لها في البيئة اللغوية وكذا حكم الغنة معه ( إدغاما كان أو إقلابا أو إخفاء ) مما سنرى مظاهره فيما بعد وهذا يفسر بوضوح قول القدماء من علماء اللغة العربية والنحو والقراءات الذين وصفوا صويت الغنة بأنه صوت يخرج من الخيشوم لا عمل للسان فيه يشبه المد واللين والمعروف أن هذا الذي يخرج بهذه الكيفية هو صفة الغنة لا حروفها فهو بعض حرف الغنة وليس كله ، كما أن الحرف يعمل فيه اللسان لإخراجه وليس كذلك صويت الغنة ، هذه الأسباب وغيرها ما جعلني أعد صوت الغنة في هذا البحث (صويتا).
مناقشة نتائج العينات : بمقارنة نتائج المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة الواردة في الآيات القرآنية بقراءات القراء الأربعة الذين جعلت قراءاتهم الأساس الذي قام عليه البحث والملاحظة نجد اختلافا ملحوظا بين نتائج هذا المتوسط العام لبعض العينات وبعضها الآخر ، وهذا الاختلاف أخذ صورا كثيرة ومظاهر عديدة نجملها فيما سنعرضه من نقاط :
أولا : صويت الغنة مع حرفي النون والميم المشددين .

(7/182)


أ . وجد بعد استقراء نتائج العينات في الآيات القرآنية بقراءة هؤلاء القراء الأربعة التي قامت عليها الدراسة أن المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة مع النون المشددة ( من مجموع 82 عينة اشتمل عليها البحث ) قد بلغ (8340, ) من الثانية ، في حين بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة نفسه مع الميم المشددة ( 8423, ) من الثانية ( من مجموع 35 عينة اشتمل عليها البحث ) .
ب . بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لحرف النون المشدد في العينات نفسها ( 1561, ) من الثانية ، مقارنة بذلك المتوسط العام للمدة الزمنية لحرف الميم المشدد الذي بلغ ( 1539, ) من الثانية في العينات نفسها أيضا .
ج . بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة والنون المشددة معا في العينات نفسها التي اشتمل عليها البحث (9865, ) من الثانية ، في حين بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة والميم المشددة ( 9847, )من الثانية في العينات نفسها التي اشتمل عليها البحث كما نرى في الجدول :
الصوت المقيس
عدد العينات
مجموع المدة الزمنية للصوت المقيس في العينات جميعها
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المشددة
82
68.39509
8340, من الثانية

صويت الغنة للميم المشددة
35
29.4806
8423, من الثانية

(7/183)


وكما هو ملاحظ من نتيجة المتوسط العام لنتائج العينات المرفقة لصويت الغنة مع كل من حرفي النون والميم المشددين نستطيع القول إن زمن النطق بصويت الغنة للميم المشددة بدا أطول زمنا من زمن النطق بصويت الغنة للنون المشددة . ولدى إخضاع نتائج العينات المشار إليها لاختبار ( T . test ) للفروق بين العينات اتضح أن هناك فرقا بينهما في الحالين قدر بحوالي ( P > 0,01 ) وهو وإن كان فارقا ضئيلا إلا أنه يعتد به في مثل هذه الحالات . وما ذلك في رأينا إلا لأن حرف الميم كما يقول علماء القراءات القدماء أقوى من حرف النون لأن لفظها ( مخرجها ) لا يزول* ولفظ ( مخرج ) النون قد يزول عنها فلا يبقى منها إلا غنة ولذلك سمي الميم الحرف الراجع لأنك ترجع إلى الخيشوم لما فيها من الغنة *، والخيشوم : هو الخرق المنجذب إلى داخل الفم . ويعد صويت الغنة في حرفي النون والميم المشددين وما في حكمهما عند بعض علماء القراءات من أقوى مراتب صويت الغنة ويشمل هذا النوع من صويت الغنة مع حرف الغنة المشدد ما كان منه في كلمة واحدة ، وما كان منه في كلمتين ، فالذي في كلمة هو النون والميم المشددتان مطلقا كما رأينا في جداول عينات البحث المرفقة ( الأرقام 7، 10، 12، 27، 31، 32، 39، 77، 103… إلخ ) والذي في كلمتين يشمل أربعة أنواع وكلها من الإدغام التام :
1 . الإدغام التام المصحوب بالغنة وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم ( الأرقام 3، 8، 19، 74، 120، 160، 344، 425…إلخ ) وسنرى تفصيلا لذلك في موضعه من هذا البحث .
2 . إدغام الميم الساكنة في مثلها كما نجده في عينات البحث المرفقة ( الأرقام 87، 92، 113، 156، 159، 169، 176، 194، 203…إلخ ) وسنرى تفصيلا لذلك في موضعه من هذا البحث .

(7/184)


3 . إدغام المتجانسين الصغير المصحوب بصويت الغنة ، وهو إدغام الباء الساكنة في الميم نحو قوله تعالى " يا بني اركب معنا هود الآية 42 " . ولم يشتمل النص موضوع الدراسة على شيء من هذا النوع . بيد أن الباحث قد أجرى عدة تجارب على الآية المذكورة آنفا بأصوات هؤلاء القراء الأربعة وقد أثبتت نتائجها في مكانها من هذا البحث .
4 . إدغام اللام الشمسية في النون اتفاقا كما نراه في عينات البحث المرفقة ( الأرقام 2، 28، 34، 40، 44، 89، 110، 121، 144، 228، 232…إلخ ) ، وإليك بيان هذه المراتب الخمس وتحديد القيم الزمنية لصويت الغنة مع كل مرتبة :

(7/185)


1. الإدغام التام المصحوب بالغنة : وهو كما سبق إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم ، وإدغام النون الساكنة والتنوين في مثلها لا إشكال فيه وإنما الجميع على إدغامهما بغنة ، ويسمى إدغام مثلين صغيرا مع الغنة . وكذلك اتفق الجميع على إدغامهما أيضا بغنة مع الميم وتبقى الغنة غير مدغمة ، خارجة من الخياشيم ، فينقص حينئذ التشديد ، والغنة التي كانت في النون باقية مع لفظ الحرف الأول ، لأنك إذا أدغمت في حرفين فيهما غنة ، وذلك الميم والنون فبالإدغام تلزم الغنة لأنها باقية غير مدغمة ، وبالإظهار أيضا تلزم الغنة لأن الأول حرف تلزمه الغنة ومثله الثاني . فالغنة لا بد منها ظاهرة أدغمت أو لم تدغم . وعلة إدغامها في النون هو اجتماع مثلين الأول ساكن ولا يجوز الإظهار ألبتة . فأما علة إدغامها في الميم فلمشاركتهن في الغنة ، ولتقاربهن في المخرج للغنة التي فيهن لأن مخرج النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة من الخياشيم فقد تشاركن في مخرج الغنة فحسن الإدغام مع أن النون مجهورة شديدة والميم مثلها فقد تشاركن في الجهر والشدة فهما في القوة سواء في كل واحد جهر وشدة وغنة فحسن الإدغام وقوي وبقيت الغنة ظاهرة لئلا يذهب الحرف بكليته ولأنك لو أذهبت الغنة لأذهبت غنتين غنة كانت في الأول وغنة كانت في الثاني إذا سكن ، وأيضا فإنه لا يمكن ألبتة زوال الغنة لأنك لا بد لك في الإدغام من أن تبدل من الأول مثل الثاني وذلك لا بد من الغنة لأن الأول فيه غنة والثاني إذا سكن فيه غنة فحيثما حاولت مذهبا لزمتك الغنة ظاهرة فلم يكن بد من إظهار الغنة في هذا ذوهذا كله إجماع من القراء والعرب ، ولا يتمكن أبدا في إدغام النون والتنوين في الميم والنون إدغام الغنة إلا بذهاب لفظ الحرفين جميعا إلى غيرهما من الحروف مما لا غنة فيه إذا سكن وذلك تغيير لم يقع في كلام العرب . وتشير نتائج عينات البحث المرفقة إلى أن المتوسط العام لصويت الغنة موضوع

(7/186)


البحث للنون الساكنة مع حرف النون قد بلغ ( 8395, ) من الثانية ، في حين بلغ هذا المتوسط العام لصويت الغنة للتنوين مع حرف النون ( 8706, ) من الثانية ، بينما بلغ المتوسط العام لصويت الغنة للنون الساكنة مع حرف الميم ( 8453 , ) من الثانية ، وللتنوين مع حرف الميم ( 8550, ) من الثانية كما يتضح ذلك من الجدول :
الصوت المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون مع النون
8
6.2992
8395,

صويت الغنة للتنوين مع النون
5
4.353
8706,

صويت الغنة للنون مع الميم
30
25.361
8453,

صويت الغنة للتنوين مع الميم
21
17.955
8550,

ولدى إخضاع نتائج العينات لاختبار ( T . test ) للفروق بين العينات اتضح أن هناك فارقا زمنيا بينهما قدر بحوالي ( P >0, 01 ) وهو وإن كان فارقا ضئيلا إلا أنه يعتد به في مثل هذه الحالة .
2. إدغام الميم الساكنة في مثلها ، ويسمى إدغاما صغيرا مع الغنة ، وحرفه واحد فقط وهو الميم إذا وقع بعد الميم الساكنة سواء كان معها في كلمة أم كان في كلمتين وهنا يجب إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة . فالذي من كلمة نحو " آلم البقرة آية 1 " ،والذي من كلمتين " كم من فئة البقرة آية 249 " ومنه إدغام النون الساكنة والتنوين في الميم كما ذكرنا آنفا وذلك لقلب المد غم من جنس المد غم فيه ، وكذلك يطلق على كل ميم مشددة كما قاله في النشر ، وسمي إدغاما لإدغام الميم الساكنة في المتحركة ، وسمي بالمثلين لكون المد غم والمد غم فيه من حرفين اتحدا مخرجا وصفة أو اتحدا اسما ورسما ، وسمي صغيرا لكون الأول من المثلين ساكنا والثاني متحركا أو لقلة عمل المد غم، وسمي بالغنة لكون الغنة مصاحبة له وهي هنا بالإجماع ووجهه التماثل . وقد بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة في هذا النوع من مراتب الإدغام في عينات البحث المرفقة (8424, ) من الثانية من مجموع ( 27 عينة اشتمل عليها البحث ) كما نراه في الجدول

(7/187)


الصوت المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للميم مع الميم
27
22.7472
8424,

صويت الغنة للميم+ميم بعدها
27
26.8355
9939,

ولدى إخضاع نتائج العينات لاختبار ( F. test ) للفروق بين العينات اتضح أن هناك فارقا زمنيا بينهما قدر بحوالي ( P > 0,6361 ) من مجموع ( 21 ) عينة وهي قيمة يعتد بها في مثل هذه الحالة .
3 .إدغام المتجانسين الصغير المصحوب بصويت الغنة : وضابطه : أن يكون الحرفان اللذان حصل فيهما هذا الإدغام متفقين في المخرج ومختلفين في الصفة .
ومثاله: إدغام الباء الساكنة في الميم ( ولم تشتمل عينات البحث في النص الموضوع للدراسة على شيء من هذا النوع من صور الإدغام . وقد أجرى الباحث عدة تجارب على هذا النوع من الإدغام وهي آية واحدة وردت في سورة هود ( عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم ) في قوله تعالى" يا بني اركب معنا سورة هود آية 42 " عند من أدغم ومنهم حفص وعاصم من الشاطبية اتفاقا ، ووجهه التجانس ، وقد جاء عنه من طريق الطيبة الخلاف ، وهذا يفيد أن لحفص الوجهين الإظهار و الإدغام فيه من طريق الطيبة . وقد عد بعض علماء اللغة العربية والنحو القدماء هذا الإدغام من قبيل إدغام حرف في مقاربه ، وإذا أدغم الحرفان المتقاربان قلب الأول فيهما عندهم إلى لفظ الثاني قلبا صحيحا وأدغم فيه إدغاما تاما فتقلب حينئذ الباء ميما وتدغم في الميم التي بعدها ولم يجعلوها باء للغنة التي في الميم ولئلا تذهب الغنة بذهاب ذلك الصوت لعدم وجودها في الباء . وسمي إدغاما صغيرا لقلة العمل فيه حالة الإدغام حيث يكون فيه عملان هما : قلب المد غم من جنس المد غم فيه ثم إدغامه في المد غم فيه . وقد بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لأمثال هذا النوع من مراتب الإدغام ( 8797, ) من الثانية كما نراه في هذا الجدول
الصوت المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات

(7/188)


المتوسط العام

صويت الغنة للباء المحولة إلى ميم
1
3.518
8797,

صويت الغنة للباء المحولة إلى ميم مع الميم
1
4.364
1.091

4. إدغام اللام الشمسية في النون اتفاقا ، وهي عند علماء التجويد لام ساكنة زائدة عن بنية الكلمة مسبوقة بهمزة وصل مفتوحة عند البدء وبعدها اسم سواء صح تجريدها عن هذا الاسم كالشمس والقمر أم لم يصح كالتي والذي . وذلك نحو قوله تعالى " عن النعيم _ سورة التكاثر آية 8 " ، وسمي هذا وأمثاله إدغاما لإدغام لام التعريف في هذا الحرف ، وقيل لإبدال لام التعريف حرفا من نوع الحرف الذي بعدها ثم إدغامه فيها ، ووجهه التجانس على مذهب الفراء وموافقيه . وأما على مذهب الجمهور فللتقارب .وقد بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة في هذا النوع من مراتب الإدغام في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لما ورد منه في النص موضوع الدراسة ( 8179, ) من الثانية ( من مجموع 21 عينة اشتمل عليها البحث ) كما نلاحظه في الجدول
النص المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المشددة
21
17,168
8179,

حرف النون الساكن الصامت
=
3.3735
1606,

صويت الغنة والنون بعدها
=
20.4076
97179,

(7/189)


ثانيا : صويت الغنة مع الإدغام بغنة ( الناقص ) : يقصد القراء بهذا النوع من الإدغام هو سقوط المد غم ذاتا لا صفة بإدغامه في المد غم فيه وبذلك يصير المد غم والمد غم فيه حرفا واحدا مشددا تشديدا ناقصا وذلك من أجل بقاء صفة المد غم بوجه عام ، ويختص هذا الإدغام كما أوضحنا سابقا بأربعة أحرف من أحرف " يرملون " عند بعض أئمة أهل الإقراء ويجمعها في قول الكثير من علماء القراءات في لفظ " ينمو " . وهذا عند غير خلف عن حمزة وعنده الإدغام بغنة في حرفين : النون والميم وبلا غنة في أربعة وهي : الواو والياء واللام والراء . وقد بلغت القيمة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها عند إدغامها في حروف الإدغام الناقص بصفة عامة ( 85661 , ) من الثانية ( من مجموع 70 عينة اشتملت عليها مادة النص ) كما نلحظ ذلك من الجدول :
نوع الأداء ( ظاهرة الإدغام )
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المد غمة
70
59.9627
85661,

صويت الغنة والحرف المد غم
=
70.112
1.0016

(7/190)


ووجه الإدغام في الواو والياء التجانس : في الانفتاح ، والاستفال ، والجهر . وفي النون التماثل . وفي الميم التجانس : في الغنة والجهر والانفتاح والاستفال ، وبعض الشدة أي وهو بين الشدة والرخاوة . وقد اتفق أهل الأداء على أن الغنة الظاهرة في حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء غنة المد غم وهو النون الساكنة والتنوين ، وفي حالة إدغامها في النون غنة المد غم فيه وهو النون . واختلفوا في حالة إدغامها في الميم فذهب بعضهم إلى أنها غنة المد غم ،و ذهب آخرون إلى أنها غنة المد غم فيه وهو الميم لا غنة النون وهذا ما ذهب إليه أكثر المحققين وبه قال الجمهور بناء على أن النون الساكنة والتنوين حالة إدغامهما في الميم انقلبا إلى لفظها وهو ما نلحظه عند النطق بنحو قوله تعالى " من مال النور آية 33 "، " مثلا ما البقرة 26 " . وقد سبق القول آنفا على المدد الزمنية التي استغرقها النطق بصويت الغنة مع كل من النون والميم عند التقائهما بالنون الساكنة والتنوين والميم والباء الساكنتين . وفيما يتعلق بالنون الساكنة والتنوين فإنهما يدغمان في الواو والياء من كلمتين مع إظهار الغنة التي كانت في النون في حال اللفظ بالشدة والمد غم لا في نفس الحرف الأول الذي تبقى الغنة ظاهرة مع لفظ الحرف الأول ، وإذا أدغمت النون في الياء والواو أبدلت من النون حرفا لا غنة فيه فلم تكن الغنة لازمة للحرف الأول لأنه لا تلزمه الغنة سكن أو تحرك فتصير الغنة ظاهرة في حال اللفظ بالمد غم خارجة من الخياشيم ، وهذا إجماع من القراء غير خلف عن حمزة ، وعلة إدغام النون في الواو للمواخاة التي بين الواو والميم في المخرج إذ كانا يخرجان من بين الشفتين وأيضا فإن المد الذي في الواو بمثابة الغنة التي في الميم . وعلة إدغامها في الياء لمواخاتها الواو في المد واللين ولقربها أيضا من الراء لأنه ليس يخرج من طرف اللسان أقرب إلى الراء من الياء . وتبلغ المدة

(7/191)


الزمنية لصويت الغنة عند النطق بالنون الساكنة والتنوين المد غمتين في الواو في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لمادة النص موضوع الدراسة ( 8491, ) من الثانية (من مجموع 25 عينة اشتمل عليها البحث )، في حين بلغت هذه المدة الزمنية لصويت الغنة عند النطق بالنون الساكنة والتنوين المد غمتين في الياء في قراءة هؤلاء القراء لمادة النص أيضا ( 8353, ) من الثانية (من مجموع 20 عينة اشتمل عليها البحث ) كما نلاحظ ذلك من الجدول المرفق :

الصوت المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون مع الواو
25
21,227
8491,

صويت الغنة للنون والواو معا
=
23.0207
920828,

صويت الغنة للنون مع الياء
20
15.9338
8352,

صويت الغنة للنون والياء معا
=
18.8281
9849,

ثالثا : قلب النون الساكنة والتنوين ميما : تقلب النون الساكنة وما في حكمها مع الباء ميما لأنها من موضع تعتل فيه النون فأرادوا أن تدغم هنا إذ كانت الباء من موضع الميم كما أدغموها فيما قرب من الراء في الموضع فجعلوا ما هو من موضع ما وافقها في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف منها في الموضع . ولم يجعلوا النون باء لبعدها في المخرج ، وأنها ليست فيها غنة ، ولكنهم أبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالنون وهو الميم وذلك قولهم : شمباء وعمبر يريدون شنباء وعنبرا . وإنما تقلب النون الساكنة وما في حكمها ميما عند التقائها بالباء خاصة من أجل مواخاة الميم للنون في الغنة ، ومشاركتها للباء في المخرج فقلبا ميما من أجل ذلك . وقد بلغت المدة الزمنية لصويت الغنة عند النطق بالنون الساكنة وما في حكمها في حالة التقائها بالباء ( 8737, ) من الثانية ( من مجموع 12 عينة اشتمل عليها البحث ) كما نلحظ ذلك من هذا الجدول :
نوع الأداء ( ظاهرة الإقلاب )
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون مع الباء
12
10.4848
8737 ,

حرف الباء الساكن الصامت
=
1.8111
1509,

(7/192)


صويت الغنة للنون والباء معا
=
12.711
1.0592

رابعا : الإخفاء : تقوم علة الإخفاء كما أشرنا إلى ذلك سابقا على أن العلاقة الصوتية للنون والميم الساكنتين وما في حكمهما بالحروف التي تخفى عندها هي بين بين فلا هي شديدة التباين والتباعد فيحصل الإظهار ، ولا هي شديدة التقارب والتجانس فيحصل الإدغام ، والفرق بين الإخفاء والإدغام بغنة: أنه في حالة الإخفاء يبقى زمن النطق بالحرف التالي كما هو في أصل وضعه أي يبقى مخففا دون أن يطول أو يمتد زمنه وكل ما يحدث هو أنه ينطق بين يديه بغنة وفي هذه الحالة يبطل العمل الفموي الذي يحدث مع النون وتبقى غنة يتفاوت زمنها على قدر درجة قرب ذلك الحرف التالي منها أو بعده عنها كما يختلف خفاؤها على قدر قربها وبعدها منه فالأبعد زمن الغنة معه أطول أي يكون معه خفاء قليلا للنون أو الميم لا خفاء كثيرا . أما في حالة الإدغام فإنه يطول ويمتد زمن النطق بالحرف التالي أي يثقل ويشدد الحرف التالي عوضا عن إسكات العمل الفموي الذي يكون مع النون وينطق مع ذلك بين يديه بصوت من الخياشيم . وقد بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لنطق صويت الغنة التي تكون للنون مع حروف الإخفاء بصورة عامة ( 8456, ) من الثانية ( من مجموع 113 عينة اشتمل عليها النص موضوع البحث ) ، كما بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لنطق صويت الغنة للميم مع حرف الباء ( 8776, ) من الثانية من مجموع ( 19 ) عينة اشتملت عليها عينات هذا البحث ، وذلك على نحو ما نراه في الجدول :
نوع الأداء ( ظاهرة الإخفاء )
عدد العينات
مجموع نتائج العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون مع حروف الإخفاء
113
95.5592
8456,

صويت الغنة للنون وما بعدها
=
112.468
99529,

صويت الغنة للميم مع حرف الباء
19
16.674
8776,

(7/193)


وقد توزعت قيمها الزمنية وتفاوتت تبعا لقرب مخارج الحروف التي تخفى عندها النون أو الميم الساكنتين أو ما في حكمهما من الغنة أو بعدها عنها هكذا :
بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية للنطق بصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها عندما تخفى مع حروف الإخفاء المجهورة ( 84620, ) من الثانية ( من مجموع 40 عينة اشتمل عليها البحث ) .
بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية للنطق بصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها عندما تخفى مع حروف الإخفاء المهموسة ( 8453, ) من الثانية ( من مجموع 73 عينة اشتمل عليها البحث ) كما نلحظه من هذا الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المخفاة / المجهور
40
33.8482
8462,

صويت الغنة مع الحرف المجهور
=
39.877
9969,

صويت الغنة للنون المخفاة / المهموس
73
61.7069
8453,

صويت الغنة للنون المخفاة /المهموس
=
72.57839
9943,

وعند النظر إلى المدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها لدى إخفائها قبل حروف الإخفاء المجهورة كما نراه في الجدول المرفق تبين أنها أطول زمنا من المدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها المخفاة عند حروف الإخفاء المهموسة بفارق زمني قدر على اختبار ( ت ) للفروق بين العينات بمقدار ( P > 0, 02 )" ، وهو وإن كان فرقا ضئيلا ولكنه يعتد به في مثل هذه الأحوال .
بلغ المتوسط العام لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها المخفاة عند حروف الإخفاء التي تخرج من أقصى الحنك
( اللهاة ) كالكاف والقاف ( 8304, ) من الثانية ( من مجموع 21 عينة اشتملت عليها مادة النص )
كما نلحظه في الجدول المرفق :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون قبل الحرف اللهوي
21
17.439
8304,

حروف الإخفاء اللهوية
=
3.295
1569,

صويت الغنة مع حروف الإخفاء
=
20.383
9706,

(7/194)


بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها المخفاة عند حروف الإخفاء التي تخرج من وسط الفم فقط كالجيم والياء ( 8462, )من الثانية ( من مجموع 25 عينة اشتملت عليها مادة النص )
كما نلحظه في الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المخفاة قبل الحرف
25
20.9841
8462,

حرف الإخفاء الفموي
=
3.9345
1573,

صويت الغنة مع حروف الإخفاء
=
24.7971
99857,

بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها المخفاة عند حروف الإخفاء التي تخرج من أول اللسان فقط كالطاء والظاء والصاد … ( 89437, ) من الثانية ( من مجموع 72 عينة اشتملت عليها مادة النص )
كما نراه من الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المخفاة قبل الحرف
72
64.395
89437,

حروف الإخفاء من أول الفم بعد النون
=
11.859
16470,

صويت الغنة مع حرف من أول الفم
=
76.5429
1.0630

خامسا : أظهرت نتائج العينات في الجداول المرفقة تفاوتا واضحا في قيم المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها في حالات الإدغام والإقلاب والإخفاء تبعا لصفة الحرف التالي بعدها من حيث كونه حرفا شديدا وقفيا أو رخوا احتكاكيا أو مركبا …الخ في النص المقروء على النحو الآتي :
1. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها إذا تليت بالحروف الوقفية الشديدة الانفجارية فقط ( 8128, ) من الثانية ( من مجموع 60 عينة اشتملت عليها مادة النص ) كما نلحظه من الجدول
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المخفاة قبل حرف شديد
60
48.771
8128,

الحروف الشديدة بعد النون المخفاة
=
9.787
1631,

صويت الغنة مع حرف شديد
=
59.826
9471,

(7/195)


2. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها إذا تليت بالحروف الرخوة الاحتكاكية فقط ( 8681, ) من الثانية ( من مجموع 40 عينة اشتملت عليها مادة النص ) كما نلحظ ذلك في الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المخفاة قبل حروف الإخفاء
40
34.724
8681,

الحرف الاحتكاكي بعد النون المخفاة
=
6.320
1580,

صويت الغنة مع حروف الإخفاء
=
40.680
1.017

3. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها إذا تليت بالحروف المركبة ( الجيم ) فقط
( 8654, ) من الثانية ( من مجموع 3 عينات استملت عليها مادة النص ) كما نلحظ ذلك من الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المخفاة قبل حروف الإخفاء
3
2.5962
8654,

الحرف المركب بعد حرف النون المخفاة
=
4578,
1526,

صويت الغنة مع حروف الإخفاء
=
3.123
1.041

4. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة للنون الساكنة وما في حكمها المد غمة في بعض الحروف المتوسط فقط كالنون والميم ( 88550, ) من الثانية ( من مجموع 63 عينة اشتملت عليها مادة النص ) كما نلحظه من الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون المدغمة في النون والميم
63
55.7865
8855,

صويت الغنة مع حروف متوسطة
=
61.0218
9686,

(7/196)


سادسا : أوضحنا سابقا أقوال أئمة الإقراء وأهل الأداء في مراتب صويت الغنة . فقد قال فريق منهم إنها ثلاث مراتب : المشدد فالمد غم بالغنة الناقص فالمخفي ولم ينظروا إلى صويت الغنة الذي في الساكن المظهر ولا في المتحرك المخفف . وهذا هو ظاهر كلام الشاطبي يرحمه الله في الشاطبية . وذهب الجمهور إلى أنها خمس مراتب الثلاث المتقدمة ورابعها الساكن المظهر وخامسها المتحرك المخفف وهذا هو المعول عليه . والخلاف كما يبدو بين الفريقين لفظي فمن قال بسقوط صويت الغنة في المرتبتين الأخيرتين ( الساكن المظهر والمتحرك المخفف ) فقد أراد سقوط كمالها وهذا لا ينافي أن أصلها موجود عنده . ومن قال ببقائها فقد أراد بقاء أصلها فقط لا بقاء كمالها ونظر إلى كون الغنة صفة لازمة للنون ولو تنوينا والميم مطلقا .
وقد كشفت نتائج العينات في الجداول المرفقة أن المتوسط العام لصويت الغنة المصاحب للنون والميم الساكنتين المظهرتين الموقوف عليهما في نهاية كاملة ( المد العارض للسكون ) تختلف قيمه الزمنية اختلافا ملحوظا تبعا لاختلاف نوع الحرف المسبب لصويت الغنة المصاحب لهذين الحرفين مظهرين ساكنين موقوفا عليهما في نهاية كاملة ( المد العارض للسكون ) .
1. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لهذين الحرفين
( النون والميم الساكنتين المظهرتين ) في نهاية كاملة ( المد العارض للسكون ) _ بصفة عامة – في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لمادة النص موضوع الدراسة ( 2517, ) من الثانية ( من مجموع 94 عينة اشتملت عليها مادة النص )
كما نراه في الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون والميم المظهرتين
94
23.6614
2517,

حرفا الميم والنون ساكنين
=
12.1357
1291,

صويت الغنة مع الحرفين الصامتين
=
35.2798
3753,

(7/197)


2. أظهرت نتائج العينات في الجداول المرفقة أن المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لحرفي النون والميم الساكنتين المظهرتين الموقوف عليهما في نهاية كاملة ( في المد العارض للسكون ) تختلف قيمه الزمنية اختلافا ملحوظا تبعا لاختلاف نوع الحرف المسبب لصويت الغنة وذلك على النحو الآتي :
أ. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لحرف النون الساكنة المظهرة الموقوف عليها في نهاية كاملة في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لمادة النص كما نلحظه في نتائج عينات الجداول المرفقة نحوا من ( 2519, ) من الثانية ( من مجموع 88 عينة اشتملت عليها مادة النص ) كما نراه في الجدول
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للنون الساكنة
88
22.1682
2519,

حرف النون الساكن الصامت
=
11.4736
1303,

صوبت الغنة +حرف صامت
=
33.1784
3770,

ب. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لحرف الميم الساكن المظهر الموقوف عليه في نهاية كاملة ( المد العارض للسكون ) في قراءة هؤلاء القراء الأربعة لمادة النص بناء على نتائج عينات الجداول المرفقة نحوا من ( 2588, ) من الثانية ( من مجموع 6 عينات اشتملت عليها مادة النص ) كما يلاحظ ذلك من الجدول
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة للميم الساكنة
6
1,5528
2588,

حرف الميم الساكن الصامت
=
6621,
1103,

صويت الغنة +حرف صامت
=
2.1014
3502,

(7/198)


سابعا : لوحظ من قراءة هؤلاء القراء الأربعة لمادة النص موضوع الدراسة الحرص على الالتزام بقواعد الإقراء السليمة التي قررها أئمة الأداء وأهل التجويد في أداء صويت الغنة بعد النون والميم الساكنين وما في حكمهما فلم يتأثر صويت الغنة المنطوق مع هذه الحروف ( حروف الغنة ) ظاهريا بنوع الحركة الواقعة قبلها من ضم نحو قوله تعالى " ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه يونس آية 20 " أو كسر نحو قوله تعالى " إن يتبعون إلا الظن يونس آية 67 " أو فتح نحو قوله تعالى " قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل يونس آية 90 " فلم نلحظ بوضوح إشباعا لهذه الحركات حتى ينتج عنها مثلا من الضمة واو ، ومن الكسرة ياء ، ومن الفتحة ألف ، وهو ما يقع كثيرا من بعض القراء غير المجيدين إذ يتأثر صويت الغنة بزيادة إشباع الحركات التي يليها دون فاصل كونه شبيها في سلوكه النطقي وخصائصه الأدائية بهذه الحركات وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في موضعه من هذا البحث بيد أننا لاحظنا من استقراء نتائج العينات المرفقة اختلافا يسيرا بين قيم المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة باختلاف نوع الحركة الواقعة قبله على النحو التالي :
1. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون والميم الساكنين وما في حكمهما المنطوق بها إثر حركة الفتحة ( 8589, ) من الثانية ( من مجموع 52 عينة وردت في مادة النص ) كما نلحظ ذلك من الجدول
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المصاحبة لفتح
52
44.666
85896,

حرفا الميم والنون بعد صويت الغنة
=
8.0697
1551,

صويت الغنة مع الحرفين الصامتين
=
53.2649
1.024

بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون والميم الساكنين وما في حكمهما المنطوق بها إثر حركة الكسرة فقط ( 8987, ) من الثانية ( من مجموع 26 عينة وردت في مادة النص ) كما نلاحظ ذلك من الجدول:
الحرف المقيس

(7/199)


عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المصاحبة لكسر
26
23,3298
8973,

حرفا الميم والنون بعد صويت الغنة
=
4.0201
1546,

صويت الغنة مع الحرفين الصامتين
=
27.9573
1.0752

3. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون والميم الساكنين وما في حكمهما المنطوق بها إثر حركة الضمة ( 8987, ) من الثانية ( من مجموع 43 عينة وردت في النص ) كما نلاحظ ذلك من الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة المصاحبة لضم
43
38,6221
8976,

حرفا الميم والنون بعد صويت الغنة
=
6.972
1621,

صويت الغنة مع الحرفين الصامتين
=
45.373
1.055

ثامنا : يرى أئمة القراءة و أهل التجويد أن من تمام كيفية أداء الغنة كما أشرنا إلى ذلك سابقا إتباعها لما بعدها من الحروف تفخيما وترقيقا على العكس من ألف المد أو صويت القلقلة في أحد الأقوال … إلخ التي تتبع ما قبلها في ذلك . وبالاستقراء والتتبع وجدنا أن تفخيم الغنة يكون في المرتبة الثالثة وهي مرتبة المخفي وفي نوع الإخفاء الحقيقي منه وعند خمسة أحرف وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والقاف عند القراء … ويزاد على هذه الأحرف الخمسة حرفان : هما الغين والخاء في قراءة الإمام أبي جعقر المدني ، ويلاحظ أن التفخيم في الغنة خاضع لمراتب التفخيم بحسب حركة الحرف الواقع بعد الغنة و ما قيل في التفخيم يقال في الترقيق كذلك . وعند إجراء مقارنة بين نتائج عينات الجداول المرفقة اتضح للباحث أن هناك تفاوتا ملحوظا في طول المدة الزمنية لصويت الغنة تبعا للحرف الواقع بعدها من حيث كونه حرف استفال أوحرف استعلاء على النحو التالي:
1. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لحروف الإستفال في مادة النص المقروءة بأصوات هؤلاء القراء الأربعة ( 8717, ) من الثانية ( من مجموع 64 عينة وردت في مادة النص ) على ما نراه في الجدول :
الحرف المقيس

(7/200)


عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت غنة قبل حروف الاستفال
64
55.79189
871748,

حروف الإستفال الصامتة بعد الغنة
=
10.1075
15792,

صويت الغنة مع الصوامت المستفلة
=
65.760
1.0274

2. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب لحروف الاستعلاء في مادة النص المقروءة بأصوات هؤلاء القراء الأربعة ( 8682, ) من الثانية ( من مجموع 24 عينة وردت في مادة النص ) على ما نلاحظه في الجدول :
الحرف المقيس
عدد العينات
نتيجة العينات
المتوسط العام

صويت الغنة قبل حروف الاستعلاء
24
20.8373
8682,

حروف الاستعلاء الصامتة بعد الغنة
=
3.7166
15485,

صويت الغنة مع الصوامت المستعلية
=
24.3167
1.013196

وبالتدقيق في المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة مع حروف الاستفال وحروف الاستعلاء نجد أن الفرق بينهما وإن كان ضئيلا في القيمة الزمنية تبعا لاختبار ت للفروق بين العينات إلا أنه يعد ذا قيمة صوتية تستعمل للتفريق بين صويت الغنة في الحالين حيث يقدر ب (P > 0,01) لصويت الغنة المصاحب لحروف الاستفال ولعل السبب وراء هذه الزيادة يكمن في أمر يتعلق بقرب مخارج بعض هذه الحروف أو بعدها من مخرج النون الساكنة وما في حكمها فما كان مخرجه قريبا من هذه النون الساكنة فلا بد من إطالة مدة صويت الغنة المصاحب له والعكس بالعكس كذلك وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في موضعه من هذا البحث.
• • •
الخاتمة:

(7/201)


تقوم فكرة صويت الغنة التي ناقشناها في الصفحات السابقة في ألفاظ اللغة العربية بصفة عامة وألفاظ القرآن الكريم بصفة خاصة على النظر إليه باعتباره صفة صوتية أصلية تلزم حروف النون والميم وما في حكمهما عند النطق بها في مخارجها ؛ فهي صويت يخرج من الخيشوم عند النطق بهذه الحروف من مخارجها وليست حرفا كما أشرنا إلى ذلك في موضعه لأن الحرف كما أوضحنا ذلك فيما سبق يعمل فيه اللسان لإخراجه وصويت الغنة ليس كذلك بل هو صفة لازمة تابعة لموصوفها اللساني والشفوي أي النون والميم وما في حكمهما الأمر الذي أوجب كما ذكرنا سابقا إلحاقها بالصفات اللازمة لهذه الحروف فهي في رأينا لا تقل أهمية عن صويت القلقلة التي ناقشناها في بحث سابق منفصل . وقد تبين للباحث بعد استقراء نتائج البحث أنه يعرض للنون الساكنة وما في حكمها عند مجاورتها لغيرها من الحروف :
أ. إسقاط مخرج النون والذي يتحقق به جسدها وأصل بنيتها ويعوض عنه إطالة زمن النطق بالحرف التالي مع النطق بصويت من الخياشيم بين يدي ذلك الحرف التالي إذا ما كان الإدغام بغنة ، وذلك قبل أحد أربعة أحرف وهي النون والميم والواو والياء . وسبب الإدغام في هذا الموضع شدة التقارب الصوتي بين النون وهذه الأحرف المذكورة .

(7/202)


ب. إسقاط مخرج النون والذي يتحقق ويتحصل به جسدها وأصل بنيتها وذلك دون تعويض عنه بإطالة زمن النطق بالحرف التالي ولكن يؤتى بصويت من الخياشيم منطوقا به بين يدي ذلك الحرف التالي وحينئذ يبطل المخرج الذي يحدث مع النون ويبقى صويت الغنة يتفاوت كمه أو زمنه على قدر درجة قرب ذلك الحرف التالي أو بعده عنه فالأبعد زمن صويت الغنة معه أطول أي يكون معه خفاء قليلا للنون لا خفاء كثيرا وسبب إخفاء النون مع حروف الإخفاء الخمسة عشر في اللغة العربية هو العلاقة الصوتية للنون بهذه الأحرف التي تليها بين بين فلا هي شديدة التباين والتباعد كما في حالة الإظهار ولا هي شديدة التقارب كما في حالة الإدغام . والفرق بين الإخفاء والإدغام بغنة كما ذكرنا في موضعه أنه في حالة الإخفاء يبقى زمن النطق بالحرف التالي كما هو في أصل وضعه أي يبقى مخففا دون أن يطول أو يمتد زمنه وكل ما يحدث هو أنه ينطق بصويت الغنة وحده المتفاوت زمنه وكمه تبعا لبعد صويت الغنة عنه أو قربه منه، ثم بعد الانتهاء ينطق بالحرف التالي ، أما في حالة الإدغام بغنة فإنه يطول ويمتد زمن النطق بالحرف التالي حتى ليخيل للسامع أنه مثقل ومشدد وليس هناك في الحقيقة تشديد ولا تثقيل ،وكل ما حدث أن صويت الغنة طال زمن النطق به عوضا عن إسقاط المخرج الذي يكون مع حرف الغنة ( النون أو الميم وما في حكمهما ) حيث ينطق بصويت الغنة متزامنا مع نطق الحرف التالي .

(7/203)


ج . تبين للباحث بعد هذه الدراسة أن النطق بحرفي النون والميم وما في حكمهما يتم بأن يصل الصوت الصاعد من التجويف الحنجري بعد جهره إلى مقدم اللسان مع النون أو الشفتين مع الميم فيجد الغلق فيعود كما ذكرنا سابقا مباشرة إلى الخلف ليجد اللهاة قد هبطت لتفتح طريق الأنف فيخرج منه الصوت مكونا صويت الغنة . فإذا تكون الصوت بهذه الكيفية معا ودفعة واحدة حصل ما يسمى بالصوت الأنفي ( ذي الغنة ) في اللغة العربية من الناحية العامة مما يعني أن لكل من حرفي الميم والنون وما في حكمهما في أصل وضعهما نطقين أو مخرجين على القول بجعل الأنف مخرجا لبعض الحروف العربية حيث يتم نطقهما من المخرجين في وقت واحد فيكون معهما عمل من الفم وعمل في الأنف أو الخياشيم وذلك لتوزع الصوت الصاعد من التجويف الحنجري إلى المخرجين . ويعد هذان الحرفان وما في حكمهما في اللغة العربية من الحروف الذلقية لكثرة دورانها في الكلام كما نص القدماء من علماء اللغة العربية والنحو على ذلك من الحروف الصوامت الأخرى كما تمتاز عليها أيضا بميزة الوضوح السمعي كالصوائت ولهذا تبادلت المواقع مع الصوامت في كثير من الألفاظ العربية فقالوا : غس وغمس وانغمس ، وعصل وعنصل وهو نبات ، وشبث وشنبث علق، وسبل وسنبل للزرع، وشظر وشنظر شتم ، والرس والرمس للقبر ، وقرص وقرمص حمض ، والعباس والعنبس للأسد وتحدس الأخبار وتحندس الليل ) ، بل عدت لما اشتملت عليه من صفة الغنة لدى كثير من أئمة اللغة والنحو والقراءات القدماء أصواتا بينها وبين أصوات المد واللين مناسبة وعلاقة ، فحسن لذلك إطالة الصوت بصويت الغنة الذي فيها عند مجاورتها لحروف الإدغام أو الإخفاء أو الإقلاب من قبيل أنه لا يمكن أن يزاد إلا في طول زمن أصوات المد واللين دون أصوات الصوامت هذا من ناحية ، ولئلا يفنى صويت الغنة الذي فيها حينئذ لمشاركتها أصوات المد واللين في صفة الخفاء لاتساع مخرجها ، بخلاف سائر الحروف فأحاطت

(7/204)


باتساعهم بذلك المخرج بحروف الفم فشاركتها بالإحاطة فخفيت عندها ، فحرص لذلك القراء منذ القدم على إطالة صويت غنتها ليحولوا بين حروف الميم والنون وما في حكمهما وفنائها فيما بعدها من حروف الفم كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق . ومظهر هذه الإطالة هو فيما رأينا سابقا زيادة زمن صويت الغنة عند النطق مع تردد موسيقي محبب فيها ، فالزمن الذي يستغرقه النطق بصويت الغنة هو في معظم الأحيان ضعف ما تحتاج إليه النون والميم وما في حكمهما المظهرة ، وليس هذا إلا للحيلولة بينها وبين الفناء في غيرها فالفرق بين النون المظهرة وصويت الغنة مثلا فرق في الكمية من ناحية وزيادة في النطق الأنفي معها الذي يكسب صوتها رنينا وحسنا في السمع وجرسا موسيقيا محببا يجذب النفس ويجعلها متقبلة لما يلقى إليها من القول .
د . النطق بالنون الساكنة وما في حكمها ميما قبل الباء مع مراعاة صويت الغنة والإخفاء في الحرف المقلوب وذلك توصلا إلى التجانس الصوتي بين النون والباء التي تليها ووجه القلب كما أوضحنا سابقا أنه لم يحسن الإظهار لأنه يستلزم الإتيان بصويت الغنة في النون وما في حكمها ثم إطباق الشفتين من أجل النطق بالباء عقب هذا الصويت وفي ذلك عسر وكلفة في النطق به وكذلك لم يحسن الإدغام لبعد المخرج وفقد السبب الموجب له فلما لم يحسن الإظهار ولا الإدغام تعين الإخفاء ثم توصل إليه بالقلب ميما لمشاركتها للباء مخرجا وللنون في صفة صويت الغنة .

(7/205)


هـ. اتضح للباحث بعد استقراء صور التمثيل الطيفي للجهاز الصوتي التي تمت لمادة النص أن صويت الغنة في حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في الياء والواو صويت غنة المدغم وهو النون الساكنة والتنوين، وفي حالة إدغامهما في النون صويت غنة المدغم فيه وهو النون من ينمو، وفي الميم صويت غنة المدغم فيه وهو الميم لا صويت غنة النون حيث بدا ظاهرا على صور التمثيل الطيفي أن النون الساكنة والتنوين حالة إدغامهما في الميم انتقلتا إلى لفظها .
و. كشف البحث أن زمن صويت الغنة المصاحب للنون والميم الساكنتين وما في حكمهما يتفاوت طولا أو قصرا تبعا لقرب مخارج الحروف التي تلي النون والميم الساكنتين وما في حكمهما من الأصوات التي تأتي بعدها على النحو التالي :
1. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون الساكنة وما في حكمها الواقعة قبل حروف الإدغام بغنة بصفة عامة ( 85661, ) من الثانية .
2. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون الساكنة المقلوبة ميما الواقعة قبل الباء ( فيما يعرف بالإقلاب ) نحوا ( 8737, ) من الثانية .
3. بلغ المتوسط العام للمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحب للنون الساكنة المخفاة قبل حروف الإخفاء بصفة عامة ( 8456, ) من الثانية . وهناك نتائج أخرى اشتمل عليها هذا البحث متفرقة هنا وهناك تتعلق بالمدة الزمنية لصويت الغنة المصاحبة للنون والميم الساكنين وما في حكمهما الواقعة قبل غيرها من حروف اللغة العربية كما ورد ت في مادة النص بقراءة هؤلاء القراء الأربعة الذين جعلت قراءتهم مصدرا أساسيا اعتمد عليه الباحث في بحثه .
الحواشي والتعليقات

(1) التنوين : قيل في تعريفه أقوال كثيرة لعل أوضحها قولهم : إنها نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم المعرب النكرة المنصرف لفظا لا خطا ووقفا ، وسيأتي مزيد إيضاح فيما بعد .

(7/206)


(2) أنيس ، إبراهيم . الأصوات اللغوية . مكتبة الأنجلو المصرية ط1 سنة 1981م . ص ص 69 70.
(3) الجوهري ، إسماعيل بن حماد . الصحاح . تحقيق عبد الغفور عطار . مطبعة دار الكتاب العربي بمصر
1337م 2/ 354 .
(4) الزمخشري . أساس البلاغة . طبع دار صادر بيروت سنة 1385هـ. ص : 458.
(5) ابن دريد ، أبو بكر محمد بن الحسن . جمهرة اللغة . دار صادر بيروت ( طبعة بالأوفست ) 3/153 .
(6) المطرزي ، أبو الفتح ناصر الدين . المغرب . تحقيق محمود فاخوري وآخرين . مكتبة أسامة بن زيد . حلب سورية . 2/ 115.
(7) الفيومي . المصباح المنير .
(8) المرصفي ، عبد الفتاح السيد عجمي . هداية القاريء إلى تجويد كلام الباري . ط1 سنة 1402هـ. دار النصر للطباعة الإسلامية شبرا مصر . ص : 177 .
(9) قمحاوي ، محمد الصادق . البرهان في تجويد القرآن . دار التراث الإسلامي . ص : 23 .
(10) نصر ، عطية قابل . غاية المريد في علم التجويد . طبع4 . دار الحرمين للطباعة . القاهرة . ص : 148.
(11) جهاوي ، عوض المرسي . ظاهرة التنوين في اللغة العربية . ط1 . عام 1403هـ. مكتبة الخانجي بالقاهرة ، دار الرفاعي بالرياض . ص : 45 .
(12) ابن الجزري ، أبو الخير محمد بن محمد . ج1. دار الفكر . 1/204 .
(13) القيسي ، أبو محمد مكي ابن طالب . ط2 ، مؤسسة الرسالة سنة 1401 . 1/ 163 .
(14) سيبويه ، أبو بشر عمرو . الكتاب . ج2 . ط1 سنة 1316هـ. المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر 2/405 .
(15) ابن جني ، أبو الفتح عثمان . سر صناعة الإعراب . ج1 . تحقيق مصطفى السقا وآخرون . شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر . ط1 . سنة 1374هـ. 1/53 . وينظر في ذلك شرح المفصل 10/ 124وما بعدها …
(16) النشر في القراءات العشر 1/201 .
(17) هداية القاريء ص : 185. وينظر في ذلك مخارج الحروف وصفاتها للإمام أبي الأصبغ السماتي الإشبيلي المعروف بابن الطحان ط1. سنة1404هـ. ص : 96 .

(7/207)


(18) النشر في القراءات العشر 1/201 .
(19) هداية القاريء ص : 185.
(20) الكتاب 2/405. سر الصناعة 1/ 53 .
(21) هداية القاريء ص : 185.
(22) شرح المفصل 10/145. وانظر هداية القاريء ص :183.
(23) ظاهرة التنوين . ص : 46 .
(24) هداية القاريء ص : 166 ، وينظر في ذلك أيضا الكشف 1/162 وما بعدها ، وظاهرة التنوين ص : 46 .
(25) هداية القاريء ص : 181 .
(26) نفسه ص : 178 ، 180 .
(27) غاية المريد ص : 27 .
(28) الكتاب 2/ 405 ، سر صناعة الإعراب 1/ 53 وما بعدها ، شرح المفصل 10/124وما بعدها ، النشر 1/201 ، التحديد في الإتقان والتسديد في صنعة التجويد لأبي عمرو عثمان ابن سعيد الداني . تح. د/ أحمد عبد التواب الفيومي ط1 سنة 1993م مكتبة وهبة القاهرة. ص: 231 .
(29) هداية القاريء ص : 182 .
(30) التحديد ص : 231 .
(31) الكشف 1/ 167 ، والهداية ص : 177 .
(32) الأصوات اللغوية ص : 87 .
(33) حسان ، تمام . مناهج البحث في اللغة المكتبة الأنجلو المصرية . القاهرة سنة 1955م . ص : 109 .
(34) هداية القاريء ص : 191 .
(35) غاية المريد ص : 74 .
(36) الهداية ص : 177 .
(37) ظاهرة التنوين ص : 13 .
(38) غاية المريد ص : 51 .
(39) ظاهرة التنوين ص : 9.
(40) الهداية ص : 160 .
(41) غاية المريد ص : 51 .
(42) الهداية ص: 166 ، غاية المريد ص: 51 وما بعدها .
(43) مناهج البحث في اللغة ص: 105 .
(44) شرح المفصل 10/143 وما بعدها .
(45) ظاهرة التنوين ص: 37 .
(46) الإظهار : لغة : البيان ، ومن معانيه في الاصطلاح : إخراج كل حرف من مخرجه من غير غنة في الحرف المظهر . وقال بعضهم : هو فصل الحرف الأول من الثاني من غير سكت عليه. انظر الهداية ص: 161 .
(47) هداية القاريء ص: 197 .
(48) التحديد ص: 366 .
(49) هداية القاريء ص: هداية القاريء ص: 197 .
(50) الكشف 1/ 161 .
(51) الكتاب 2/405 ، التحديد ص: 236 .
(52) ظاهرة التنوين ص: 39 .
(53) التحديد ص: 263 .

(7/208)


(54) الكشف 1/161 .
(55) التحديد ص: 236 .
(56) ظاهرة التنوين ص: 39 .
(57) التحديد 237 .
(58) الإدغام : لغة : مأخوذ من قول العرب : أدغمت اللجام في فم الفرس أي أدخلته وغيبته
فيه . وفي الاصطلاح : تغييب الحرف المدغم في المدغم فيه بحيث يصيران حرفا واحدا
مشددا . انظر ظاهرة التنوين ص: 41 .
(59) هداية القاريء ص: 163 .
(60) ظاهرة التنوين ص: 42 .
(61) الكشف 1/161 .
(62) هداية القاريء ص: 166 .
(63) ظاهرة التنوين ص: 43 .
(64) هداية القاريء ص: 166 .
(65) ظاهرة التنوين ص: 43 .
(66) الكتاب 2/405 .
(67) الاسترابادي ، رضي الدين محمد بن الحسن . شرح الكافية . القاهرة . سنة 1275هـ. ص: 361 .
(68) التحديد ص: 240 .
(69) الكشف 1/163 .
(70) نفسه 1/163 ، شرح المفصل 10/143وما بعدها ، والتحديد ص: 240 .
(71) البرهان ص: 18 .
(72) شرح المفصل 10/ 147 ، التحديد ص: 361 .
(73) هداية القاريء ص: 194 .
(74) شرح المفصل 10/127 .
(75) التحديد ص: 363 .
(76) هداية القاريء ص: 194.
(77) غاية المريد ص: 74 وما بعدها .
(78) الهداية ص: 681 .
(79) نفسه ص: 168 وما بعدها .
(80) الكشف 1/165 .
(81) شرح الرضي على الشافية ص: 333 .
(82) هداية القاريء ص: 168
(83) هداية القاريء ص: 168 .
(84) الإخفاء لغة : الستر والكتم يقال أخفيت الكتاب إذا سترته .
(85) هداية القاريء ص: 169وما بعدها .
(86) غاية المريد ص: 66 ، وهناك من نظم حروف الإخفاء في أبيات أخرى كقوله :
ضحكت زينب فأبدت ثنايا تركتني سكران دون شراب
طوقتني ظلما فلا يد ذل جرعتني جفونها كأس صاب
وبالنظر في هذين البيتين فإننا لا نجد القاف في أوائل البيت .
(87) الكتاب 2/405 .
(88) الكشف 1/166 .
(89) الكتاب 2/414 وما بعدها .
(90) شرح المفصل 10/145 .
(91) غاية المريد ص: 67 .
المصادر والمرجع

أولا : العربية

(7/209)


1- القرآن الكريم " سورة يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم " إصدار مؤسسة علوم القرآن دمشق عام 1978م ، مع أشرطة كاسيت ( ع4 ) لكل من المنشاوي ، الحصري ، عبد الباسط محمد عبد الصمد وعلي بن عبد الرحمن الحذيفي لسورة يونس . تسجيلات العقيدة الإسلامية .
2- ابن الجزري ، أبو الخير محمد . النشر في القراءات العشر . ج1 دار الفكر للطباعة والنشر بيروت لبنان .
3- ابن جني ، أبو الفتح عثمان . سر صناعة الإعراب مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر ط1 سنة 1374 1954
4- ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن . جمهرة اللغة . دار صادر بيروت ( طبعة بالأوفست ) 3/ 153 .
5- ابن يعيش ، موفق الدين يعيش . شرح المفصل .ح 10 نشر عالم الكتب بيروت .
6- أبو الأصبغ السماتي الإشبيلي المعروف بابن الطحان . مخارج الحروف وصفاتها ط1 سنة 1404هـ.
7- الإسترابادي ، رضي الدين . شرح الكافية القاهرة سنة 1275هـ.
8- الأنصاري ، زين الدين أبي محمد يحيى بن زكريا . تحفة نجباء العصر في أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر . تحقيق د. محيي هلال السرحان . مستل من مجلة كلية الشروق ع9 سنة 1986 م.
9- أنيس ، ابراهيم . الأصوات اللغوية . مكتبة الأنجلو المصرية . ط1 سنة 1981 م.
10- جهاوي ، عوض المرسي . ظاهرة التنوين في اللغة العربية . ط1 عام 1403هـ. مكتبة الخانجي بالقاهرة ، دار الرفاعي بالرياض .
11- الجوهري ، إسماعيل بن حماد . الصحاح . تحقيق عبد الغفور عطار . مطبعة دار الكتاب العربي بمصر سنة
1337هـ
12- الخولي ، محمد علي . الأصوات اللغوية مطابع الفرزدق التجارية الرياض ط1 سنة 1407هـ.
13- الداني ، أبو عمرو عثمان . التحديد في الإتقان والتسديد في صنعة التجويد تح. د/ أحمد عبد التواب . طباعة مكتبة وهبة سنة 1993م.
14- الزمخشري . أساس البلاغة طبع دار صادر بيروت سنة 1385هـ.

(7/210)


15- سيبويه ، أبو بشر عمرو بن قنبر . الكتاب . ط1 المطبعة الأميرية بولاق مصر عام 1316هـ.
16- السيوطي ، عبد الرحمن جلال الدين . الإتقان في علوم القرآن بيروت لبنان . 17. الضباع ، علي محمد . شرح الشاطبية ( المسمى إرشاد المريد إلى مقصود القصيد ) . مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده بميدان الأزهر بمصر .
18- عثمان ، حسني شيخ . حق التلاوة . ط8. شركة المطبع النموذجية الأردن
19- غرابة ، راوية حمدي . منهاج التلاوة . ط1. دار العلم للطباعة والنشر جدة المملكة العربية السعودية سنة 1413هـ.
20- القاري ، أبو عاصم عبد الفتاح . قواعد التجويد على رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود . ط5. سنة 1404هـ. مكتبة الدار بالمدينة المنورة .
21- قمحاوي ، محمد الصادق . البرهان في تجويد القرآن . دار التراث الإسلامي ط2. سنة 1405هـ.
22- القيسي ، أبو محمد مكي بن أبي طالب . الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها . تح. محي الدين رمضان . ج2. ط2. عام 1401هـ. مؤسسة الرسالة . بيروت .
23- الكلاك ، إدريس عبد الحميد . نظرات في علم التجويد . ط1. سنة 1401هـ. مؤسسة المطبوعات الوطنية بيروت لبنان .
24- الفراهيدي ، الخليل بن أحمد . معجم العين . تح. د/ عبد الله درويش بغداد سنة 1967م.
25- المباركي ، يحيى بن علي . "المقطع الصوتي العربي بين الكمية والمدة الزمنية دراسة أكوستيكية تطبيقية ". رسالة دكتوراه . نوقشت بكلية اللغة العربية جامعة أم القرى عام 1413م .
26- = ، = = . القيمة الكمية والزمنية لصويت القلقلة في الأداء القرآني مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ربيع الآخر 1419هـ. ع22: ص ص : 173 256 .
27- مبروك ، عبد الرحمن مراد . من الصوت إلى النص ( نحو نسق منهجي لدراسة النص الشعري ) . الهيئة العامة لقصور الثقافة . سنة 1996م.

(7/211)


28- محيسن ، سالم محمد . التذكرة في القراءات الثلاث المتواترة وتوجيهها من طريق الدرة . ج1. ط1. مكتبة القاهرة مصر سنة 1978م.
29- المرصفي ، عبد الفتاح السيد عجمي . هداية القاري إلى تجويد كلام الباري . ط1. سنة 1402هـ. دار النصر للطباعة الإسلامية . شبرا مصر .
30- مقبنة ، عبد الرقيب بن حامد . كتاب أسنى المعارج إلى معرفة صفات الحروف والمخارج . دار الروائع تعز اليمن . سنة 1407هـ.
31- نصر ، عطية قابل . غاية المريد في علم التجويد . ط3. سنة 1413هـ. دار الحرمين للطباعة القاهرة .

(7/212)


نحو علم لغة خاص بالعلوم الشرعية
د. أحمد شيخ عبد السلام
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية - الجامعة الإسلامية - ماليزيا

ملخص البحث
المعرفة اللغوية العربية من أهم الأدوات التي استند إليها العلماء في تأسيس العلوم الشرعية وتطويرها. ولم تزل الأسس اللغوية معتمدة فيها، ومن المتوقع أن يسهم تخصيص المنهجية والموضوعات اللغوية بعلم لغة خاص في تطوير هذه العلوم. ويدرس المقال هذه الفكرة، ويهدف بصفة خاصة إلى تقديم مقترحات في إيجاد هذا النوع من العلوم اللغوية الذي يتخذ الدراسة الشرعية مجالا تطبيقيا له، وينظر في القضايا الشرعية اللغوية، والأسس اللغوية النظرية المتعلقة باستنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها. وحاول المقال مناقشة دواعي تأسيس هذا العلم، وملامح تأصيله، وخصائصه، وموضوعاته، وأساليب تنفيذ محتوياته، وبعض فروعه، وضرورة تخصيصه بمساق علمي، وقدم مقترحات في تنفيذ هذا المساق.
• • •
تمهيد :
إن المعرفة اللغوية العربية من أهم الأدوات التي استعان بها العلماء في فهم النصوص القرآنية والحديثية واستنباط الأحكام الشرعية منها، وقد جعل العلم بأسرار العربية شرطا أساسا من شروط الاجتهاد. وتحتل المباحث اللغوية حيزا ملحوظا في مباحث العلوم الشرعية، وتتألف هذه المباحث من موضوعات واسعة ومهمة تكفي لتؤلف تخصصا علميا مستقلا تتناسق مفرداته. ويؤيد هذا التوجه اهتمام العلماء بالمسائل اللغوية الشرعية وتأليف كثير منهم أو تطرقهم إلى جوانب منها، ولكن ما قدموه بحاجة إلى جمع وتصنيف وترتيب، ولهذا يقترح الكاتب إيجاد علم خاص بهذه المباحث يقدم في الأقسام الشرعية واللغوية، وقد يتفرع هذا العلم إلى فروع داخلية يتم فيها التركيز على بعض المستويات أو الخصائص اللغوية.

(7/213)


ويهدف هذا المقال إلى تقديم مقترحات يرجى أن تكون مفيدة في الإعداد لمساق علمي لنوع من العلوم اللغوية يتخذ الدراسة الشرعية مجالا تطبيقيا، ويهتم بالمسائل النظرية الضرورية لتقديم هذا المساق، كما يعتني بتطوير المسائل اللغوية الشرعية، والقضايا الشرعية المبنية على الأسس اللغوية، فيسهم في خدمة التراث الإسلامي السخي. وينظر المقال في دواعي تأسيس هذا العلم، وملامح تأصيله، ويقدم نماذج شرعية لغوية، ويناقش أهمية تطوير الأسس اللغوية للعلوم الشرعية، وضرورة تخصيصها بالدرس، وخصائص العلم المقترح، وفروعه، وموضوعاته، وأساليب تنفيذ محتوياته. ويتحدد هذا البحث بإبراز ملامح هذا العلم لما قد يسهم به في تطوير المنهجية اللغوية في العلوم الشرعية، وتحقيق الترابط بين مباحثها، وتوثيق نواحي التكامل بين العلوم الشرعية واللغوية، تقوية لهدف خدمة القرآن الكريم التي نشأت الدراسات اللغوية العربية من أجلها. ومن المؤمل أن تسفر محاولات ترجمة هذه المقترحات إلى واقع عملي، بإذن الله، عن وجهات نظر أخرى عملية تعين في استقرار هذا الفرع العلمي التخصصي.

(7/214)


وتعني "الشريعة" ما شرعه الله تعالى من العقائد والأحكام العملية. ويشمل هذا المصطلح جانبين مهمين هما: الجانب العقدي المتمثل في القضايا المتعلقة بأصول الدين والمعتقدات التي تؤثر في التطبيقات العملية، والجانب التطبيقي العملي المتمثل في القضايا المتعلقة بالمصالح الفردية والاجتماعية الدنيوية والأخروية. ولا ينحصر هذا المفهوم "الشريعة" في الفقه، وأصوله، وقواعد الفقه الكلية، وما يتصل بهما بشكل مباشر(1). ويقصد ب "العلوم الشرعية" في هذا المقال تلك العلوم والمعارف التي وضعت لفهم الخطاب القرآني والنبوي، واتخذت الكتاب والسنة أصلين للدراسة وفق مناهج عقلية وعلمية محددة، وتتناول الأصول والفروع والمفاهيم المستفادة من هذين المصدرين وأوجه تطبيقها في القضايا المتعلقة بالوقائع المعيشة والمصالح الدنيوية الفردية والاجتماعية، والمسائل الأخلاقية والتعبدية (2).
أولا: دواعي تأسيس هذا العلم
يناقش المقال الأساس النظري للأسس والمباحث اللغوية التي تختص بها العلوم الشرعية، ويقترح بناء هذا العلم على الإسهامات الموجودة في العلوم الشرعية واللغوية، ليكون علما مستقلا يمكن التوسع فيه بما يخدم أغراض العلوم الشرعية. ويقدم في الفقرات التالية دواعي تأسيس العلم المقترح بالنظر في الحاجة إلى التطوير في العلوم الشرعية بشكل عام، وتطوير الأسس اللغوية الشرعية، وبيان أهمية بناء منهجية لغوية مستقلة للمباحث اللغوية في العلوم الشرعية.
- التطوير في العلوم الشرعية

(7/215)


من محاولات تطوير العلوم الشرعية(1) إبراز أهمية توسيع مباحث العلوم الشرعية ليندرج فيها فقه المجتمع الإنساني، وفقه الحضارات الإنسانية، والمعطيات المفيدة من العلوم الإنسانية، وأدوات البحث فيها وما سواها من القضايا التي لها صلة بفهم الخطاب القرآني والنبوي وتطبيقاتهما، والتركيز على الوظيفة الحضارية للعلوم الشرعية التي منها تحقيق غاية الاستعمار في الأرض والاستخلاف عليها، ومثلها المباحث المتعلقة بفهم النصوص وربطها بالواقع، وتصحيح التصنيف التقليدي للعلوم إلى شرعية وغير شرعية، أو عقلية ودينية، أو عقلية محضة لا يحث الشرع عليها، ونقلية محضة، ونقلية عقلية(2)؛ لأن الشريعة تشمل المصالح الدنيوية والأخروية. وقد حظي الفقه، وأصوله بنصيب وافر من محاولات تطوير العلوم الشرعية(3).
ونظرا لعدم مواكبة بعض المؤلفات في هذه العلوم للتطورات المستجدة في مجالات الحياة من حيث مصطلحاتها، وأساليبها، والقضايا العلمية، والنماذج التطبيقية، فقد ناقش المجالي(4) الحاجة إلى تطوير محتوى مادة الفقه الإسلامي، وناقش القضايا المتعلقة بالمسافات الزمانية، والمقاييس، والموازين، والمقادير، والأنصبة، والعملات، ونادى بإعادة كتابة بعض الأبواب مثل أبوب الطهارة، والاستنجاء، والزكاة باستخدام المصطلحات المعاصرة تقريبا لهذه الأبواب من متعلمي الفقه الإسلامي.

(7/216)


وتوجد محاولات قديمة في تطوير القواعد المعتمدة في هذه العلوم. فبعد أن كانت محاور علم الأصول هي علوم اللغة، والكتاب والسنة وعلومهما، والأحكام الشرعية، أضيف إليها القواعد المنطقية لدى المتكلمين الأصوليين. وأعاد الإمام الغزالي ترتيب أبوابه ومسائله، وأبرز المسائل غير الأصيلة في علم أصول الفقه(1). وحاول الإمام الشاطبي توجيه مباحثه نحو المقاصد الشرعية(2). ولعل الاستفادة من مبادئ العلوم الإنسانية المتعلقة بربط النصوص بالواقع، وفهم الخصائص النفسية والاجتماعية للمجتمع الذي يطبق فيه النص يفيد في تطوير منهجية استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها.
وبما أن المسائل اللغوية أساسية في كثير من العلوم الشرعية الفقهية والعقدية، فإن الحاجة ماسة إلى تطوير منهجية البحث اللغوي فيها، وتجديد الأداة اللغوية لها. ولعل ما وضع من كتب حديثة في تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، وسبل الاستنباط من الكتاب والسنة(3) يشهد لأهمية توسيع آليات فهم نصوص القرآن والحديث لتشمل مباحث مفيدة من العلوم الاجتماعية، والتشريعية، واللغوية الحديثة، وغيرها. ويعد السعي إلى تطوير المنهجية اللغوية للعلوم الشرعية لتصبح علم لغة خاصا بالدراسات الشرعية تطويرا لآليات قراءة التراث الإسلامي، وإعادة تقديمه لأهله وفقا لظروفهم التي يعيشونها، والمستجدات الفكرية التي وصلوا إليها.
- تطوير الأسس اللغوية الشرعية

(7/217)


ليس غريبا على هذا التراث السعي نحو تجديد منهجية دراسته(1)؛ إذ تعبر العلوم الإسلامية عن تراكم الخبرات، واستفادة المتأخرين عن أسلافهم، وبنائهم على جهودهم، وهذا واضح في صنيع المفسرين، وأصحاب المعاجم، وغيرهم من علماء المسلمين الأجلاء. وقد اهتمت الحضارة الإسلامية بقراءة النصوص الدينية وإعادة قراءتها، وبالتجديد في منهجية القراءة بهدف ربط النصوص بوقائع حياة الناس، وتطبيق الأحكام الشرعية عليها. ويؤكد اهتمام العلماء المسلمين بتفسير القرآن الكريم وتجديد تفسيره على مر الأزمان مناسبة الرسالة القرآنية لكل زمان ومكان. قال أبو السعود: "ولقد تصدى لتفسير غوامض مشكلاته (أي القرآن الكريم) أساطين أئمة التفسير في كل عصر من الأعصار، وتولى لتيسير عويصات معضلاته سلاطين أسرة التقرير والتحرير في كل قطر من الأقطار فغاصوا في لججه وخاضوا في ثبجه، فنظموا فرائده في سلك التحرير وأبرزوا فوائده في معرض التقرير، وصنفوا كتبا جليلة الأقدار وألفوا زبرا جميلة الآثار"(2).

(7/218)


أما عن مبلغ المباحث اللغوية في العلوم الشرعية فإننا نلحظ أن المحتويات الأساسية لعلم أصول الفقه تتألف من علم الكلام، والمنطق، وعلم العربية، والعلم بالمقاصد والأحكام الشرعية. وأما عن تألفه من علم العربية فلتوقف معرفة دلالات الألفاظ من الكتاب والسنة ، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والحذف، والإضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والإيماء، وغيره، مما لا يعرف في غير العربية(1). وفي ضوء اهتمام بعض المتخصصين في علم أصول الفقه بالمقاصد الشرعية في استنباط الأحكام من النصوص والنظر في وسائل تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فإن على القائم بالتحليل اللغوي أن يسعى إلى بيان المقاصد من النصوص الشرعية، ولا يقتصر على تحليل الخصائص اللفظية للتراكيب الواردة فيها.
وتتضح أهمية تطوير الأسس اللغوية في العلوم الشرعية في الآراء المتعلقة بالقياس، والمعهود، والسياق، والمجاز، وغيرها، وما يؤدي إليه اختلاف المواقف منها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام والمفاهيم منها. فلقضية إنكار القياس في أصول الفقه صلة بالمنهجية اللغوية للتعامل مع النصوص الشرعية عند "الظاهرية"، إذ ترد أهمية القياس من أن النصوص، والأفعال، والإقرارت الشرعية متناهية في ألفاظها، على الرغم من عدم تناهيها في مفاهيمها، وعدم تناهي الوقائع الحيوية مع تناهي العقل البشري. وقد انطلقت المذاهب الفقهية من فكرة تناهي النصوص لاتخاذ القياس دليلا شرعيا رابعا بعد الكتاب، والسنة، والإجماع(2).

(7/219)


بيد أن الظاهرية ترى أن مقابلة غير المتناهي بالمتناهي محال(1)، وتتخذ هي من هذه الخاصية نفسها مندوحة لإثبات بطلان القياس، والاعتداد بدليل العقل، وشهادته، والأخذ بالمعنى المنطوق للألفاظ. وتتبنى الظاهرية منهجا يذهب إلى أن النص قادر على شمول الوقائع -مهما تعددت، وكثرت- بأحكامه دون حاجة إلى القياس، وتسلك مسلك تجريد النص وتحويله إلى قاعدة كلية يمكن أن تشتمل على ما لا يتناهى من الوقائع، بحجة أن لغة النص الشرعي ليست كأية لغة أخرى. فإن لغة المتكلم من البشر تحيط بها قرائن كثيرة، أما لغة النص الشرعي فينبغي أن تكتشف معانيها من خلال قوانين، وعلاقات لغة هذا النص ذاتها(2). ويؤدي التعامل الظاهري مع النصوص إلى استثمار المجالات الدلالية للألفاظ لكي يتم إدراج المفاهيم التي تستند إليها الأحكام الشرعية.
وسيؤدي ترك الأخذ بالقياس في فهم معاني الألفاظ في النصوص الشرعية إلى العودة إلى وقائع استخدام الألفاظ، والفحص في مدى انطباق دلالة الألفاظ على هذه الوقائع، دون البناء على القياسات الافتراضية في توسيع دلالات الألفاظ، أو فهم الدلالات المستجدة، ودون ربط فهم الواقع باللفظ بل يربط اللفظ بالواقع الذي يرد فيه، ودون اللجوء إلى القول بالتضمين في تحديد معاني الألفاظ العامة، أو الوظيفية. وباستبعاد القول بالتضمين تزداد الدقة في تحديد دلالة الألفاظ ويزيد التمسك بما ورد به السماع عن العرب.

(7/220)


أكد الشافعي، ومن بعده الشاطبي، وغيرهما من العلماء أهمية الالتزام بمعهود العرب في تلقي الخطاب الديني عند محاولة الوقوف على معانيه أو بيانها(1). ويقتضي ذلك أن يحمل النص على معهود المتكلم به: قرآنا وسنة، وهو معهود يستفاد من النصوص الشرعية مجتمعة طبقا لعرف العرب الذين تلقوا هذه النصوص. والمعلوم أن هناك معهودين في التعامل مع الخطاب الشرعي: معهود شرعي، وآخر عرفي لغوي عام(2). فإذا لم يكن لهذا النص معهود شرعي محدد، أو تم صرفه عن هذا المعهود وفقا للقرائن يحمل على المعهود العرفي العام للمخاطبين الذين نزل فيهم الكتاب ووردت لهم السنة. ولكن ابن حزم يذهب إلى أن الأولى حمل الخطابات على معهودها في اللغة ما لم يمنع من ذلك نص، أو إجماع، أو ضرورة، وإذا وجد مانع من هذه الموانع الثلاثة حمل معنى اللفظ على المعهود الشرعي. ويقترح ابن مضاء الاعتداد بمعهود الخطاب لدى العرب في توضيح الظواهر اللغوية، أخذا باستقراء المتواتر الذي يوقع العلم بالقاعدة دون محاولة استنباط علة لنقل حكمها إلى ما يشبهها من التراكيب اللغوية(3).

(7/221)


ونشير إلى عدم لزوم ربط المصطلحات الشرعية بالمعاني اللغوية كما جرت به العادة في العلوم الشرعية حيث يقدم المؤلف المعنى اللغوي، ثم يعقبه بالمعنى الاصطلاحي الشرعي؛ إذ إن نصوص القرآن والحديث تتضمن إعادة تحديد لبعض المعاني اللغوية، مما لم تكن معهودة في العرف اللغوي العام قبل التنزيل، على الرغم من ارتباطها بالمعهود اللغوي العام. ويلحظ أن المعاني اللغوية التي تذكر للمصطلحات الشرعية لا تعكس في بعض المواضع صورة مكتملة لما يمكن أن يرد لها المصطلح لغويا؛ لأن المؤلفين يهتمون في الغالب بالمعاني المعينة على استيعاب المفهوم الشرعي للمصطلح. وتفيد هذه الملحوظة أن معرفة المعهود الشرعي تكفي في فهم المصطلحات الشرعية، أما إذا كان فهم المعهود الشرعي متعلقا بالمعهود اللغوي العام فيكون إيراد المعهودين معا ضروريا، كما قد يحدث في ألفاظ العقود مما يفهم في ضوء أعراف الناس القائمة في تخاطبهم.
سيساعد اتخاذ معهود العرب في تلقي الخطاب القرآني في عصر التنزيل مرجعية في فهم النصوص على الوصول إلى المعنى المراد من الشارع في النص الشرعي، وهو معنى يؤخذ إما من ظاهر النص، وإما من تأويل النص حسب الشروط التي تحمي من تحريف معنى النص. ويقتضي الرجوع إلى هذا النوع من المعهود انتفاء استمرار احتمالية دلالة النصوص القرآنية، كما يقتضي عدم قياس الدلالات المبنية على ما يزعم من الاحتمال في دلالة هذه النصوص بخصائص هذا المعهود، ورفض الاحتكام في فهم النصوص الشرعية إلى معهود العرب في التخاطب في العصر الحديث. وتقتصر أهمية المعهود اللغوي الحديث على التعرف على أوجه التعامل اللغوي بين مستخدمي اللغة العربية حديثا ولا يؤخذ به في استنباط الأحكام الفقهية والمفاهيم العقدية من النصوص الشرعية.

(7/222)


وينتج عن اعتبار السياق أو عدمه في فهم النصوص القرآنية والحديثية اختلاف في الأحكام الفقهية والمفاهيم العقدية أيضا. ونجد استغلالا واسعا للسياق الموقفي في الأحكام الشرعية المتعلقة باستخدام اللغة في المعاملات والعقود حيث يؤخذ بما يجري في عرف التخاطب اللغوي ومقاماته عند إصدار الأحكام الفقهية وتطبيقها، ومن ثم يعتمد مقصد المتكلم من خطابه، وليس ظاهر هذا الخطاب(1). ومن مراعاة السياق اللفظي في الترجيح الفقهي موافقة ابن تيمية للحنفية والظاهرية(2) في جواز قصر الصلاة والفطر في رمضان في كل سفر سواء كان سفرا مباحا أو غير مباح(3)؛ نظرا لتعليق الحكم في النص على مطلق السفر. قال تعالى: "فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر" (البقرة: 184) وقال عز من قائل: "وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة" (النساء: 101)، وهذا على خلاف الشافعية والحنابلة الذين لا يجيزون القصر والفطر في السفر المحرم، بحجة أن السفر المحرم معصية. والرخصة للمسافر في معصية إعانة على ذلك، ولا تجوز الإعانة على المعصية، فتم تقييد القصر والفطر بحكم آخر خارج النص(4).

(7/223)


وهناك أسس نظرية أخرى يؤدي اختلاف المواقف منها إلى اختلاف فهم النصوص أو تطبيقها، ومنها القول بالمجاز أو عدمه، أو بالاستعمال اللغوي في تحديد دلالة ألفاظ النصوص الشرعية، وكذلك مبدأ الاستناد في استنباط الحكم إلى مقاصد النصوص أو إلى معانيها المأخوذة من النصوص مباشرة أو غير مباشرة. ومن المتوقع أن يؤدي تطوير هذه الأسس إلى نتائج جديدة مفيدة في التعامل مع النصوص الشرعية، إذا تضمنت النظر في أسس استثمار أدلة الأحكام الإجمالية والتفصيلية، وتحديد ضوابط مراعاة معهود العرب في الخطاب بما يتناسب مع النصوص الشرعية ببيان أنواع المعهود، وشروط مراعاته، وعلاقته بالمقصد من الخطاب، وكذلك النظر في تقنين ربط النص بمواقف وروده وسياقاته، مع توضيح نقطة الانطلاق في فهم العلاقة بين النص والواقع في التعامل مع الخطاب الشرعي، ومثلها النظر في تطوير أساليب بيان المقاصد في النصوص الشرعية، وتوضيح مدى تأثرها بالتطور اللغوي والتطور الاجتماعي والفكري.
وينبغي أن نحذر مما سبق أن أشار إليه الغزالي(1) من أن إقامة الدليل على منكري العلم والنظر، مع حب صناعة الكلام قد جر المتكلمين من الأصوليين إلى خلط مسائل كثيرة من علم الكلام بعلم أصول الفقه، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة. ولعل الغزالي كان يحذر من إدراج الموضوعات التي لا يتعلق بها غرض في علم أصول الفقه. وهذا شيء ينبغي أن ننتبه له في محاولة تحديد معالم علم لغة خاص بالعلوم الشرعية، ولا ينبغي تقليد بعض العلماء الذين يقحمون جل القضايا المعرفية في تخصصاتهم في العلوم الشرعية(2).
والمؤمل أن يؤدي البحث في المنهجية اللغوية الشرعية بشكل مستقل إلى مستوى علمي أعمق يجاوز مستوى التوفيق بين موضوعات متفرقة من مختلف العلوم الشرعية إلى تأسيس علم لغة خاص بالعلوم الشرعية.

(7/224)


نحو منهجية لغوية مستقلة :
يجد المطالع في العلوم الشرعية اهتماما بالغا بالمسائل اللغوية، ويلحظ أن الأساس اللغوي كان موجها لمسائل كثيرة من هذه العلوم، سواء أكان ذلك مباشرا أم غير مباشر؛ وذلك لارتباط هذه المسائل بتحليل النصوص الشرعية ومعرفة وجوه دلالاتها. ويدور كثير من المداولات حول المفاهيم الفقهية والعقدية، والدلالات العرفية للألفاظ والتراكيب المستنبطة من الخطاب القرآني والنبوي. وتجدر الإشارة إلى أن المباحث والقواعد اللغوية كانت مستفادة من إنتاج اللغويين والبيانيين، إضافة إلى معطيات أبحاث علماء الشريعة الذين كان الكثير منهم علماء نابغين في اللغة العربية وآدابها(1).
لقد نشأ الدرس النحوي والبياني في خدمة القرآن الكريم إسهاما في إبراز مفاهيمه، فكان تطبيقيا ووصفيا معا، ثم غلب عليه الجانب النظري والاهتمام بوصف اللغة العربية بشكل عام في المراحل التي عقبت مراحلها الأولى. ويقدم علم التفسير ونقد متن الحديث أمثلة رائعة للغويات النص التطبيقية في تحليل النصوص وربطها بوقائع حياة المتعاملين بها، كما تمثل بعض مباحث علم أصول الفقه علم الدلالة الإسلامي التطبيقي. ويبدو لي أن المحافظة على اللغة العربية تجاه حملات الشعوبية قديما، والمحافظة على الفصحى والتراث الإسلامي في مواجهة هجوم أعداء الفصحى ودعاة العامية حديثا، والمحافظة على التراث الديني واللغوي تجاه الماسونية والصهيونية والمبادئ الهدامة، واعتزاز المسلمين بتراثهم، والنظرة القدسية إليه، لم تسعف في إنجاح محاولات تطوير مناهج دراسة اللغة العربية، وتحليل تراكيبها، وخصائصها الدلالية، أو تحديثها، أو تيسير تعليم قواعدها النحوية والبلاغية. فأصبح كثير من المتخصصين في اللغة العربية يتخذون موقفا سلبيا من الجهود الرامية إلى تحديث تخصصهم أو تطويره.

(7/225)


ولكن علم اللغة الخاص بالعلوم الشرعية سينطلق من توجيه المقاصد الشرعية في تخير المفيد من الدراسات اللغوية والتشريعية الحديثة محاولة تطوير المنهجية اللغوية الشرعية، ومن المؤمل أن يفيد تطوير هذه المنهجية في إغناء الدراسات الشرعية بالدلالات العامة والمفاهيم الخاصة التي تفيد في التعامل مع المصطلحات الشرعية. فعلى الرغم من أن كتب العلوم الشرعية تكتفي بالإشارة إلى أوجه الاستخدام الواردة في النصوص الشرعية التي تعد موضوعا لها، نظرا لتعلق استنباط الأحكام بالأوجه المذكورة، ولا تعتمد أوجه الاستخدام المستجدة، أي الاستخدامات اللغوية كانت قد تطورت في اللغة التي يتعامل الناس بها، إلا في فهم أحاديث الناس الذين تطبق فيهم الأحكام الشرعية، وبخاصة في المعاملات. فإن الدلالات اللغوية العامة قد توسع مدارك المتعاملين مع النصوص الشرعية. فلا يكتفى مثلا بالقول بأن معنى لفظة (الصلاة) في اللغة الدعاء، بل يشار إلى معان لغوية أخرى للفظة مثل الترحم أو الرحمة، أو التبريك، أو التسبيح، بغض النظر عن قربها من معنى الدعاء. ويشار إلى أن لفظة (الزكاة) تدل على الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، والصلاح، وصفوة الشيء، ولا تنحصر دلالتها في اللغة على التطهير والتزكية(1).
ولذا يحسن أن يهتم المتخصصون في العلوم الشرعية بمراجعة مصادر العلوم اللغوية لدى تناولهم للجوانب اللغوية في تخصصهم، وألا يقتصروا على ما ورد عنها في كتب الدراسات الشرعية لدى معالجتها للقضايا اللغوية المتعلقة بالدرس الشرعي؛ إذ في العودة إلى المراجع اللغوية توثيق لصلة العلوم الشرعية بالمصادر اللغوية الأساسية للمسائل المتداولة في هذا التخصص، وتمكين للمتخصصين من متابعة التطورات العلمية التي قد تفيدهم في تطوير المسائل المشابهة في مجالهم العلمي.

(7/226)


وقد نتصور مدى تأثير تحديث المباحث اللغوية في العلوم الشرعية، إذا علمنا مدى حاجة المتخصص للعلوم الشرعية إلى العلوم اللغوية، وحجم البحث اللغوي في مختلف العلوم الشرعية، ووقفنا على المبادئ والمباحث اللغوية والموضوعات المبنية على أسس لغوية. ولقد ذكر الغزالي أن أعظم علوم الاجتهاد تشتمل على ثلاثة فنون: الحديث، واللغة، وأصول الفقه(1). وقرر الشاطبي أهمية المعرفة اللغوية في هذه العلوم بأنه لا غنى لمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب(2).
ولعل نظرة في تفاعل العلوم اللغوية مع العلوم الشرعية من حيث المصطلحات، والأسس، والمناهج، والموضوعات التي تعالج في سياق الفهم اللغوي للنص تنبئ بهذا التأثير المحتمل. فكثير من القضايا والمعاملات بين الأفراد، بل المعاهدات والاتفاقات بين الدول تتوقف على تحديد معاني الألفاظ، كما يتوقف عليه كثير من التفسيرات التشريعية والفكرية. وللقواعد اللغوية صلة ببناء الأحكام الشرعية واستنباط أدلتها مما يستفاد من التحليل التركيبي، وتحديد معاني حروف المعاني، والمسائل اللغوية الدلالية والمسائل اللغوية العرفية العامة، والقضايا المتعلقة بالقياس والعلة(3).

ثانيا: تأصيل علم لغة شرعي :
يتطلب تأصيل علم اللغة الشرعي المقترح تأسيسه تقديم تحديدات يرجى أن تفيد في بناء مساق علمي خاص به. وترد هذه التحديدات في بيان خصائص هذا العلم، وبعض فروعه، وموضوعاته، وتنفيذ محتوياته.
خصائصه :

(7/227)


إن المنطلق الأساسي لهذا النوع من الدرس اللغوي رصد القواعد والأسس والموضوعات اللغوية المستخدمة في العلوم الشرعية، وجمعها، والربط بينها، ومناقشة الجوانب النظرية والتطبيقية المفيدة في فهم النصوص الشرعية وتنزيلها في الواقع. وهدفه تقديم صياغة موحدة لهذه القواعد والأسس بالإفادة بالتراثين الشرعي واللغوي، وبالمعطيات المفيدة من الدرسين اللغوي والتشريعي الحديثين، مع السعي إلى تطوير هذه المحتويات اللغوية. وطبيعته أنه علم لغة تطبيقي(1) خاص بالعلوم الشرعية بجانبيه النظري والعملي، ويفيد من النظريات اللغوية العامة وتطبيقاتها في فهم النصوص ، وربطها بالمواقف الخطابية المتعددة المتجددة، ويفيد أيضا من مجالات الأبحاث اللغوية الأخرى. وتمتزج في المواد التي يقدمها القضايا النظرية والمجالات التطبيقية، والمناهج التراثية والحديثة. وتتعلق محتوياته بمختلف فروع العلوم الشرعية. ونؤكد أن هذا التخصص يختلف عن الدرس اللغوي العام في الموضوعات، والمحاور، والمفردات العلمية.

(7/228)


ونظرا لتميز أهداف هذا التخصص ومحاوره، فقد نحتاج، مثلا، في علم النحو الشرعي إلى إعادة تنظيم الأبواب النحوية، وإعادة تنسيق موضوعاتها لكي تتفق مع أهداف المتخصصين في العلوم الشرعية، فيقتصر من النحو العام على ما يعين على استنباط معاني النصوص الشرعية، وتضم إليه القضايا الأسلوبية من علم المعاني. فالنحو المتعلم هنا نحو خاص لهدف محدد، وهو نحو تطبيقي خاص بالعلوم الشرعية يسعى إلى فهم النصوص، ولا يقف عند التحليلات التركيبية الجزئية. وبعبارة أخرى، إنه لا يكون نحوا للجملة، بل يكون نحوا للنص الشرعي يقدم القواعد النحوية المساعدة في فهمه، ويستبعد المبادئ والأسس النظرية الافتراضية التي لا تفيد في تحقيق أهداف المادة. وهو نحو يهتم بالقواعد المستخدمة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب التراث الموضوعة في فهمها عرضا، وتوضيحا، وتطبيقا، ويجعلها أسسا لتحليل المكونات التركيبية للنص الشرعي.

(7/229)


سيعطي هذا التخصص نظرة موضوعية شاملة للأساس اللغوي لاختلاف المذاهب العقدية؛ إذ إن من أسس تصنيف هذه المذاهب اختلاف مواقفها من التعامل مع النص الشرعي، فمنها طوائف تنزع إلى التمسك بالنص، وأخرى تميل نحو العقل. فالموقف السلفي يتمثل في التوسط بين العقل والنقل، وإعطاء الكلمة العليا للوحي دون إغفال للعقل؛ إذ النصوص تتضمن الحجج العقلية وهي لا تتناقض معها، ولا يسرف في تأويل النصوص إلا بقدر ما توجبه قواعد اللغة واستعمالات الشرع، مع نفي المعاني المستلزمة للتشبيه والكيفيات الحسية. أما الحشوية فتتعصب للنصوص والفهم الحرفي لها مما يؤدي بهم إلى سوء فهم للنصوص الدينية نفسها. ويجعل الحنابلة المرجع الأخير في أمر الحكم الشرعي عقديا أو عمليا هو النص الصحيح دون حرفية الفهم لها، مع مقاومة النزعات الباطنية في فهم النصوص، والاحتكام إلى النص بدءا أو نهاية دون إهمال لدور العقل في كلتا الحالتين. وتعادي الظاهرية الإسراف في استخدام الرأي والعقل في أمور الشرع، وتنكر القياس في التفكير الديني فقها أو اعتقادا، وترفض استمداد الحكم الشرعي من استحسان العقل وحده، أما استخدام العقل في فهم النص، أو دعم الحكم المأخوذ من النص بدليل عقلي يضاف إلى دليل النص فلا شيء فيه، بل هو الواجب. ويتراوح موقف الأشعرية والماتريدية بين الميل إلى مزيد من الالتزام بالنص والنزوع إلى شيء من التأويل العقلي. أما المعتزلة فيؤكدون دور العقل في مقابلة النص من حيث المنهج(1).
فروع علمية مقترحة :

(7/230)


إن التصور المبدئي لعلم اللغة الخاص بالعلوم الشرعية أن يكون فرعا من فروع علم اللغة التطبيقي، وأن يحتوي نظرات ومداخل لغوية نظرية، ومناهج تحليل، وتطبيقات تتكامل فيها نتائج أبحاث الدرس اللغوي مع نتائج البحث في مختلف فروع العلوم الشرعية من أجل تحقيق تعامل أفضل مع النصوص الشرعية، أو الخطاب الشرعي في المجالات الفقهية، والعقدية، والخلقية. وتكمن أهمية مثل هذا العلم في الإفادة من التراثين الشرعي واللغوي ومن بعض أوجه التطوير في الدراسات اللغوية والتشريعية الحديثة في المجالات النظرية والتطبيقية(1). ويقترح أن ينظر هذا العلم في مختلف المستويات اللغوية المتعلقة بأدلة الأحكام في النصوص الشرعية، محققا للتكامل بين الأهداف الشكلية والمقصدية في التحليل اللغوي. وليس كثيرا على النصوص الشرعية تخصيصها بعلم لغة خاص على الرغم من كونها محصورة في مواطنها المعروفة، وذلك لسعة معانيها وأهمية المفاهيم المستفادة منها، ولأن القضايا التي تتناولها غير محدودة بزمن، أو مكان، بل هي موجهة للإنسانية بأسرها في جميع الوقائع الحيوية، ولها تأثير غير متناه في حياة المخاطبين بها. وتتفادى طبيعة هذا العلم كونها تكرارا للمعلومات القديمة المتداولة، أو أن تنحصر فيها دون أن يطورها أو يبني عليها؛ لأنه علم يعكس حقيقة الاستخدام اللغوي حيث تتكامل المستويات اللغوية، ويعكس قوة علاقة اللغة بالظواهر الإنسانية الأخرى.
من الشعب الفرعية المتضمنة في علم اللغة الخاص بالعلوم الشرعية:

(7/231)


- علم المصطلحات الشرعي: الذي يمكن أن ينظر في أسس تحديد مفاهيم المصطلحات الشرعية، وأهميتها في استنباط الأحكام الشرعية، وتصنيفها(1)، والأسس المنطقية لهذا التحديد، والعلاقة بين المفاهيم اللغوية والشرعية لهذه المصطلحات، وتطور دلالات الألفاظ الإسلامية. ولنا نموذج في منهج كتاب التعريفات للجرجاني، وكتاب الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، وغيرهما، وستصادفنا أمثلة عديدة في كتب الدراسات الشرعية في تحديد المصطلحات. وتسهم المعاجم الفقهية في هذا الفرع بتوضيح معاني المصطلحات والعبارات الشائعة في الفقه، ويقول زكريا الأنصاري في مقدمة "الحدود لأنيقة" "أما بعد، فلما كانت الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين مفتقرة إلى التحديد تعين تحديدها لتوقف معرفة المحدود على معرفة الحد." (2) ثم شرع في تقديم التعريفات والحدود للمصطلحات التي اختارها.
- علم الدلالة الشرعي: الذي يمكن أن يتناول وظيفة استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية من خلال دراسة الدلالات المفردة، والمركبة، والمترادفة، والمشتركة، والمطلقة، والمقيدة، والمجازية، وغيرها، وكذلك ربط الدلالات والأحكام بالوقائع العملية. وتلقانا مادة غزيرة لهذا الفرع في علم أصول الفقه، حيث يندرج ما يقارب ثلث مباحثه في دراسة الدلالة الشرعية، وكتب الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. ومن المصادر المفيدة هنا: الرسالة للشافعي، والموافقات للشاطبي، والمحصول للرازي، والقواعد والأشباه والنظائر لابن السبكي، والمستصفى للغزالي، وغيرها من كتب علم الأصول.

(7/232)


ومما يندرج في هذا الفرع ما أشار إليه ابن تيمية من أسباب الاختلاف في فهم النصوص القرآنية والحديثية، فقال: "وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين .. إحداهما قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، والثانية قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق." (1)
ويدخل فيه ما وصف ابن السيد البطليوسي للخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة: "هذا الباب ينقسم ثلاثة أقسام، أحدها اشتراك في موضوع اللفظة المفردة، والثاني اشتراك في أحوالها التي تعرض لها من إعراب وغيره، والثالث اشتراك يوجبه تركيب الألفاظ وبناء بعضها على بعض. فأما الاشتراك العارض في موضوع اللفظة المفردة فنوعان: اشتراك يجمع معاني مختلفة متضادة، واشتراك يجمع معاني مختلفة غير متضادة." (2)

(7/233)


- علم تحليل النص الشرعي (أو علم تحليل الخطاب الشرعي): ويدرس الروابط بين الكلمات والعبارات في النص، والعلاقات بينها وبين النصوص التي ترد فيها، ويهتم بعناصر الاتساق في النص، من إحالة، أو استبدال، أو وصل، والعلاقات الدلالية، من ترابط، وانسجام، وترتيب لمكونات بنية الخطاب. وهي عناصر اهتم بها المفسرون، والدارسون لعلوم القرآن، ويعتني بالخصائص البيانية للقرآن الكريم والحديث الشريف(1). وتجدر الإشارة إلى أن ما يقارب الخمسين في المائة من التفسير، وعلومه قضايا لغوية(2). ومن مصادر هذا الفرع: البرهان في علم القرآن للزركشي، والإتقان في علم القرآن للسيوطي، ودلائل الإعجاز للجرجاني، وغيرها من كتب علوم القرآن، والتفاسير.
ومن قضايا هذا العلم قول الزركشي في معرفة المناسبات بين الآيات: "واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول، .. ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، وغير ذلك من أنواع العلاقات، أو التلازم الذهني، كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين، والضدين، ونحوه، أو التلازم الخارجي، كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر، وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء. وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط." (3)

(7/234)


- علم الأسلوب الشرعي: حيث تدرس الخصائص الأسلوبية للنصوص الشرعية، وأسس الإعجاز النظمي، وأثره في استنباط الأحكام، وفهم الخطاب الإسلامي. وتسهم الاتجاهات المذهبية في التفسير، فضلا عن الدراسات النصية، في توفير المواد العلمية لهذا الفرع من العلم. ومن مصادره دلائل الإعجاز للجرجاني، والكشاف للزمخشري، وأسرار ترتيب القرآن للسيوطي، وتناسق الدرر في تناسب السور له أيضا، وما سواها من المصادر.
ومما يمكن أن يناقش فيه ما أورده الشاطبي في تحديد الخاصية الأسلوبية اللغوية للقرآن الكريم، قال: "فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي، ولا من تعلق بعلم كلامها. فإذا كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب، فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب، كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم؛ لاختلاف الأوضاع والأساليب.." (1)

(7/235)


- علم النحو الشرعي: الذي يعتني بأهم القواعد النحوية الشائعة في تحديد الأحكام الفقهية، وأثر الخلاف النحوي في تقرير الحكم الشرعي، وفي الترجيح والتعارض، وأثر الخصائص النحوية للألفاظ والأدوات والتراكيب في تحديد الأحكام وتطبيقها، وأوجه التفاعل بين أصول النحو وأصول الفقه، ومدى تأثر التحليل النحوي بالعقيدة، والفقه، وأصوله. وقد قدم الاسنوي وغيره نماذج تطبيقية رائعة لذلك في كتابه الكوكب الدري. ومن المصادر أيضا كتاب إعراب مشكل القرآن لابن قتيبة.
ومن المسائل التي تدرس في هذا الفرع ما ذهب إليه الأئمة مالك وأبو حنيفة والشافعي في مسألة اشتراط الطهارة في "مس" المصحف من أن الطهارة شرط في مس المصحف، وذهبت الظاهرية إلى أنها ليست بشرط في ذلك. والسبب في اختلافهم في تحديد مفهوم (المطهرون) وتحديد النوع النحوي للجملة المنفية في قوله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون"(1) فالمالكية والشافعية والحنفية تفهم أن المقصود بلفظ (المطهرون) بنو آدم، وأن الجملة الخبرية المنفية تفيد النهي، فكان معنى الآية: لا يجوز أن يمسن المصحف إلا آدمي طاهر. أما الظاهرية فتفهم من لفظ (المطهرون) الملائكة، ومن الجملة الإخبار المنفي، فرأت أنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف، فبقي الأمر على الإباحة. وقد احتج جمهور الفقهاء لمذهبهم في اشتراط الطهارة بأدلة أخرى من الآثار المنقولة(2).

موضوعاته :

(7/236)


يقصد من الدرس اللغوي الخاص بالعلوم الشرعية أن يكون منطلقا لدراسة القواعد اللغوية في مختلف فروع العلوم الشرعية مجتمعة ومتكاملة، فتتنوع مفرداته لتشمل القصايا الدلالية، والصوتية، والنظمية، والأسلوبية، والاصطلاحية، والفكرية التي تتعلق باللغة وأوجه استخدامها، والنص وأساليب تأليفه، واستيعابه، وتحليله، وتطبيق مضامينه في الوقائع المعيشة للذين وجه إليهم هذا النص. إن الموضوعات التي يمكن أن تدرس في هذا التخصص واسعة ترتبط بمختلف العلوم الشرعية، وينبغي أن يكون التركيز فيها على البحث عن القواعد اللغوية المؤثرة في دراسة موضوعات هذه العلوم، على الرغم من إمكان تخصيص بعض الموضوعات لفرع بعينه، أو التعمق في جانب من هذه الموضوعات في مرحلة من مراحل التخصص في العلوم الشرعية. ولكننا نقترح في الفقرات التالية موضوعات عامة شاملة يمكن أن تدرس فيه:
يشمل التمهيد لهذا العلم مقدمة نظرية تبين أهمية تجديد المنهجية اللغوية للعلوم الشرعية، لكي تنبني على القواعد اللغوية التراثية لهذه العلوم، وتفيد من الدراسات اللغوية والتشريعية الحديثة. وتدرس أوجه التكامل والتشابه بين العلوم الشرعية واللغوية من حيث المصطلحات، والأسس، والمناهج.
وتعتمد النصوص المتداولة في العلوم الشرعية أمثلة في تأسيس القضايا المطروحة للبحث، ويوجه الدارسون نحو تطبيق الأسس والمبادئ والقواعد التي تختار للدراسة على أمثلة أخرى من النصوص الشرعية العقدية والفقهية في ظروف تطبيق محتوياتها في مختلف وقائع الحياة ومناحيها. ويحرص على إبراز الوحدة الموضوعية والفكرية بين الموضوعات والقضايا المقررة، كما يهدف نحو تحقيق التكامل بين القضايا اللغوية وبين المسائل العقدية، والشرعية. وتخصص مواد قرائية إضافية للدارسين من مصادر الدراسات الشرعية واللغوية التراثية والحديثة، من أجل توسيع مداركهم وتوثيق صلتهم بالمجال التطبيقي للمادة العلمية التي يدرسونها.

(7/237)


ينظر في الأصول والمبادئ النظرية التي كلف بها علماء أصول الفقه من أجل فهم الخطاب القرآني والنبوي، مثل أسس بناء النص، والوحدة الموضوعية والمنطقية له، ويتم تطويع المبادئ والقواعد التي يمكن أن يستفاد من النظريات اللغوية الحديثة في التعامل مع القرآن، والسنة؛ لكي تتناسب مع طبيعة نصوصهما، ووظيفتها في حياة المخاطبين بها، وتكون مستكملة لمباحث الدراسات اللغوية التراثية، ومن ثم لا تدرس النصوص لذاتها، بل تدرس لأهداف تطبيقية تسهم في تحقيق الرسالة الربانية التي تحملها هذه النصوص، وتنتقى المبادئ والمناهج المتوافقة مع تقديم هذه الرسالة، وتربط التفسيرات الفقهية والعقدية للنصوص بالأحداث الواقعية، وتبنى الأحكام على أدلة مستفادة من التطبيقات اللغوية التحليلية.
تدرس ظاهرة التجانس الصوتي في القرآن الكريم، وسبل تطوير التلقي الشفهي، وأثر المتنوعات الصوتية في فهم المقروء، وأساليب ربط التلاوة والحفظ بالفهم والاستيعاب، وتأثير هذا الربط في الجوانب النفسية والاجتماعية للقارئ والمستمع، كما تبرز آثار الاختلاف في الخصائص النحوية، والمعجمية، والصوتية في فهم نصوص القرآن، والحديث، وتدرس أوجه القراءات التي تخالف القواعد النحوية الشائعة والمقررة في متون الكتب النحوية إذا تعلق بها اختلاف في المفاهيم، ومسألة الوظيفة اللغوية للقرآن الكريم(1).

(7/238)


تدرس أهمية المعرفة اللغوية العربية في تفسير القرآن الكريم، وصلتها بأسس التفسير بصفة عامة، والمبادئ اللغوية في تفسير النصوص في مناهج التفسير، وسبل توجيه التفسير اللغوي البياني للقرآن ليدرج المواقف الخطابية له، ومعرفة معهود الخطاب لدى العرب، وأنواع المعهود وتأثره بالخبرات التاريخية، وسياقات ورود النصوص الشرعية، ومعرفة التناسب بين الآيات والسور، والانسجام بين تراكيبها، وأجزائها، وأثرها في التعرف على الوحدة الموضوعية القرآنية، وأوجه استخدام وسائل الربط فيما يتعلق بقرائن الكلام وعناصره في فهم النصوص، وأنواع دلالات الألفاظ القرآنية، وأساليب التعامل مع مفردات القرآن في ضوء الجهود التي قدمت في التراث الشرعي في تحقيق الترادف، والمجاز وما سواهما في القرآن الكريم، وأثر التطور الدلالي في فهم آياته، وصلة مراعاة نظمه باستيعاب رسالته، والتفكير في تطبيقها على الواقع. وتناقش أهمية ترجمة القرآن، ومواقع استخدامها، وآراء العلماء في اعتمادها، وأثرها في التطبيقات العملية للرسالة القرآنية. تتناول المادة أسس وضع مصطلحات الأسانيد ودقة الفروق بينها، والقضايا المبنية على الربط بين محتوى المتن وظروف الراوي، وقواعد معرفة لغة الحديث، وفقه مضامينه، وأنواع دلالات ألفاظه، والربط بين هذه الأنواع وبين ما ورد في دلالات الألفاظ القرآنية، والمباحث اللغوية المتعلقة بنقد متن الحديث والعلاقة بين متن الحديث وسنده وقائله.

(7/239)


تندرج في هذا الدرس أيضا المسائل الفقهية والعقدية المبنية على القضايا النحوية، والدلالات اللغوية المستفادة من دلالة المفردات، والتراكيب، والأدوات، والصيغ، وأثر أساليب الكلام، وأوجه الاستخدام اللغوي في الأحكام الفقهية(1)، والأحكام المتعلقة باستخدام الكلام(2)، وتدرس ماهية الكلام من حيث المعنى القائم بالنفس، وأثره في تحديد دلالة الألفاظ المسموعة المتداولة، وكيفية حمل الألفاظ الشرعية لدلالاتها، وصلة الحديث في مبدأ اللغات بتحديد دلالات الألفاظ الحقيقية، والمجازية، والاستعمالية، وغيرها، وتأثير القول بالوضع، أو الاستعمال، أو الحمل، أو الترميز الدلالي في التعامل بالنصوص، وأثر تحديد الدلالات على الموقف من تطور المصطلحات، والمفردات، والمقولات الشرعية. وتدرس أهمية معرفة أنواع هذه الدلالات في تقرير الأحكام الشرعية، وأثر المعرفة اللغوية العربية في الاجتهاد في استنباط الأحكام، ومزاولة الإفتاء. وأهمية الاستنتاج، وتفسير قصد المتكلم في إنجاز عملية التخاطب، وقواعد الاستنباط والاستدلال من الخطاب(3).
يتم تناول الجانب الأخلاقي لاستخدام اللغة، والمصطلحات اللغوية الأخلاقية الأساسية والثانوية، وآثارها الفكرية، والشرعية، والعقدية، والحضارية، والتوجيهات الأخلاقية اللغوية، وأثر الكلام على العقيدة قولا، وسماعا، وانعكاس اللغة للعقيدة، وصلة العقيدة بالصياغة اللفظية للواقع، ودور الحرية، والإرادة في استخدام الكلام، والمسألة العقدية المتصلة بالكلام النفسي، وقضية الاستدلال على المذاهب العقدية من خلال المسائل اللغوية، وصلة العقيدة بقضايا اللفظ والمعنى. وتدرس أسس اختيار لغة الدعوة، وأثر نوع اللغة في الإقناع بالاتجاه العقدي، والفكري، والآثار النفسية، والاجتماعية، والفكرية للتعامل اللغوي في القيام بالدعوة إلى الله ، وأهمية المعرفة والثقافة اللغوية للداعية.

(7/240)


أما مصادر العلوم الشرعية التي تتضمن القضايا اللغوية فمنها كتب أصول الفقه، وقد عالج أصحابها المشكل اللغوي في سنهم لقواعد التشريع واستنباط الأحكام، ومن الاتجاهات البارزة فيها: الاتجاه السني الذي يمثله الشافعي في كتاب (الرسالة)، والاتجاه الظاهري الذي يمثله ابن حزم الأندلسي في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، والاتجاه الأشعري الذي يمثله أبو حامد الغزالي في كتابه (المستصفى في علم الأصول). ومنها كتب التفسير حيث يعتني المفسرون عادة في تقديرات لغوية عامة، وفي تحاليل نظرية متنوعة عندما يواجهون بعض الآيات المتصلة بنشأة الكلام، أو بخلق الإنسان، فضلا عن بيان معاني المفردات والتراكيب، والأساليب البيانية، ومن الاتجاهات السائدة فيها: الاتجاه السني الذي يتمثل في تفسير الطبري (الجامع لأصول الأحكام)، والاتجاه الاعتزالي المتمثل في تفسير الزمخشري (الكشاف)، وتعليقات ابن المنير السني على تفسير الرازي الكبير "الاعتزالي". وترد في علم الكلام تساؤلات عن قضايا عقدية محورها الظاهرة اللغوية، وبالذات في نشأتها، واتصاف الخالق والمخلوق بها، وكذلك المصطلحات اللغوية العقدية، ثم التراث الفلسفي حيث تبرز القضية اللغوية في تفكير الفلاسفة في المقولات، والقياس، والبرهان، والخطابة(1).
ونعتقد أن تحديد المصادر المعتمدة في تقديم هذا العلم لا يمثل صعوبة كبيرة؛ إذ إن الاطلاع في محتويات أمهات الكتب الشرعية التي تطرقت إليها سيثمر دون عناء كبير عن اختيار المراجع المتضمنة لموضوعات متفرقة عن بعض أجزاء هذا العلم، أو فروعه. ونقترح أن ينفذ مشروع بحث في تحديد هذه المصادر قبل الشروع في تنفيذ المساق الخاص بهذا العلم، وتقترح الاستعانة بطلبة الدراسات العليا في إعدادها تحت الأستاذ الذي سيتولى تدريس هذا المساق.
تنفيذ محتوياته :

(7/241)


أما النصوص التي تبنى عليها القواعد أو التي يؤتى بها لتوضيح القواعد موجها، فيقترح أن يتم اختيارها في ضوء احتياجات التخصص، وتربط المسائل الشرعية بالخصائص الدلالية والنحوية والأسلوبية للنصوص، وتدرج هذه المسائل في تحليل التراكيب اللغوية في ضوء سياقات ورودها. وقد يقتصر في التوضيح والتحليل على الآيات والأحاديث التي تفيد القضايا الشرعية، أو تخصص بعض الأبواب النحوية والبلاغية والدلالية بالنصوص التي تندرج في باب معين، أو مسألة محددة من العلوم الشرعية، ويشار من خلال الشرح إلى المقاصد الشرعية للنصوص، وتعتمد الآيات والأحاديث الصحيحة في الاستشهاد دون إخضاعها للنمط العام لكلام العرب، بل تحافظ على خصائصها. وبذلك يحقق الدارس لمثل هذا العلم هدفين: أحدهما لغوي عام، وآخر شرعي خاص.
وتجدر الإشارة إلى ضرورة تطويع أي منهج لغوي يختار للتحليل ليتناسب مع الطبيعة العربية المتميزة لتراكيب النصوص الشرعية المدروسة. ولا ينتظر في المرحلة الأولية لهذا النوع من التخصص اقتراح بدائل للمناهج اللغوية الموروثة، أو التطوير عليها، إذ يمكن أن يكتفى في البدء بإعداد مواد تعليمية مساعدة في تأسيس هذا التخصص، وإعداد مقدمة نظرية له توجه إلى مجالات البحث المهمة في الدرس اللغوي المتعلق بالدراسات الشرعية.

(7/242)


ويحسن أن يتم التركيز على الجوانب التطبيقية من القضايا اللغوية التراثية والحديثة المهمة التي تفيد في فهم الخطاب الشرعي، وفي استنباط الأحكام منه، وعلى الأسس النظرية التي ترشد المخاطبين بهذا الخطاب إلى حسن التعامل معه. ومن تلك الجوانب الاستغناء في تدريس النحو المعين في العلوم الشرعية عن التمرينات النحوية والأبواب النظرية البحتة، وعن مسائل الصنعة النحوية التي يغلب ألا يتعلق بها غرض خطابي، وكذلك اعتماد جميع الأوجه اللغوية الواردة في النصوص الشرعية أساسا للتعامل اللغوي من غير لجوء إلى تصنيف أو تقويم لهذه الاستعمالات التي قد ترد بقواعد يختص بها القرآن أو الحديث. ويلزم البحث عن أساس نظري عام موحد للموضوعات التي تقدم في مفردات التخصص، وهو أساس يساعد في المضي قدما في الأبحاث العلمية اللغوية المفيدة في تخصص الدراسات الشرعية. ومن أمثلة ذلك أن ينتهي التحليل اللغوي إلى بيان المقصد من النص الشرعي، ولا يقف عند تحليل الخصائص اللفظية.

ثالثا: نماذج شرعية لغوية :
يعتقد الباحث إمكان تنفيذ المقترحات السابقة في تأسيس علم لغة خاص بالعلوم الشرعية، وفيما يلي نماذج من المسائل والقضايا الشرعية اللغوية التي تتضمنها العلوم الشرعية.
مسائل شرعية لغوية :
الدراسات الشرعية مجال تطبيقي للدرس اللغوي العربي، لأنها مستندة إلى دراسة الخطاب الشرعي واستنباط الأحكام من أدلته الإجمالية والتفصيلية. ويقترح أن يتجه البحث نحو مراجعة المسائل اللغوية في هذه العلوم، لإبراز الخيط المشترك بينها، وبيان أساليب العلماء في ربط المسائل اللغوية بالمسائل الشرعية، والمنهج المتبع في عرض هذه المسائل، وإمكان تطوير هذا المنهج، ومراجعة المسائل التي أسست عليها.

(7/243)


وبالنظر في كتب علوم القرآن نجد أن السيوطي(1) يتعرض لمعرفة إعراب القرآن، ومعرفة سبب النزول، والوقف والابتداء، والإمالة، والفتح، والإدغام، والإظهار، وغيرها من التنوعات الصوتية، وكيفية تحمل القرآن، وكيفية قراءته، وتجويده، ومعاني الألفاظ والآيات القرآنية، والإيجاز، والإطناب، والخبر والإنشاء، وغيرها من المباحث اللغوية والبيانية. ويدرس الزركشي(2)، فضلا عن ذلك ما يراه ضروريا لمفسر القرآن الكريم من علاقات اللفظ بالمعنى، ومعرفة التصريف، والأحكام من جهة إفرادها وتراكيبها، وفصاحة اللفظ والتركيب، وأوجه التناسب بين الألفاظ والآيات والسور، والحقيقة والمجاز، والأساليب الخبرية والإنشائية، والأساليب القرآنية النحوية والصرفية والبلاغية بصفة عامة.
ودرس محمد أديب صالح(3) تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ورأى أن وظيفة المفسر أن يعمل بالبحث والاجتهاد على إزالة الغموض من النص إن كان المعنى المقصود غير متبادر، وأن من أنواع التفسير معرفة مرامي الألفاظ التي منها الواضح والمبهم، ومعرفة دلالات الألفاظ على الأحكام من حيث تعدد وجوهها ومناحيها، وإدراك معاني الألفاظ في حالات عمومها واشتراكها، وغير ذلك من الموضوعات. وأشار إلى أن الحقيقة الراسخة عند العلماء أن البعد عن التفسير ضمن حدود اللغة والشريعة عدول عما تعبدنا الله من الكتاب بفهم آياته واستنباط أحكامه. وتعرض لأنواع الدلالات.

(7/244)


وعني محمود توفيق محمد سعد(1) بالخصائص التي امتاز بها بيان الكتاب والسنة والتي تقتضي أن يكون منهج استنباط المعاني منه وحركته مضبوطين بضوابط تضمن الإيفاء بحق هذه المعاني، وتحفظ الاستنباط من الزيغ إفراطا وتفريطا. ومنها ضابط الوعي بخصائص اللغة ودلالاتها الإفرادية والتركيبية، بحيث تستنبط الدلائل وفق قواعد اللسان العربي ومواضعاته الدلالية عند نزول النصوص وورودها، وليس عن طريق الإسقاط الدلالي التأويلي للغة عصر الوحي، وكذلك ضابط الوعي بالسياق المقامي لبيان الكتاب والسنة، وواقع البيان التطبيقي له، وضابط الوعي بالتكامل الدلالي لنصوص الوحي قرآنا وسنة، وضابط الوعي بمقاصد الوحي الكلية والجزئية.
لا تنحصر المسائل اللغوية في علوم الحديث في دراسة المتن، بل يمتد إلى الإسناد وعلاقته بالمتن وبقائله(2)، وذلك من حيث التمييز بين الحديث المرفوع، والموقوف، والمقطوع، والمباحث المتصلة بمعنى الحديث من حيث فقهه، ويشمل ذلك معرفة مختلف الحديث، وناسخه ومنسوخه، ومشكله، وغريبه، وأسباب وروده، والمباحث المتعلقة باختلاف رواياته، كمعرفة زيادات الثقات، والشاذ، والمضطرب، والمقلوب، والمدرج، والمصحف، والمعلل. ومثلها المسائل المتعلقة برواية الحديث بلفظه والترخيص في روايته بالمعنى بقيود، والعلاقة بين السند والمتن.

(7/245)


تتضح أهمية الدرس اللغوي في دراسة علوم الحديث، في معرفة المصطلحات وتطور مفاهيمها، وربط الحديث بوسائل نقله في نقد الحديث الذي يعني: الحكم على الرواة تجريحا أو تعديلا بألفاظ خاصة ذات دلائل معلومة عند أهله، والنظر في متون الأحاديث التي صح سندها لتصحيحها، أو تضعيفها، ولرفع الإشكال عما بدا مشكلا من صحيحها، ودفع التعارض بينها، بتطبيق مقاييس دقيقة. وتبرز هذه الأهمية أيضا في مراحل نقد الحديث التي منها الاحتياط في الرواية تحملا وأداء، ونقد معنى الحديث، ودفع التعارض بين المتون ولرفع الإشكال عنها، ومن أهداف هذه المراحل التأكد من سلامة معنى الحديث بنقد معنى المتن، والكلام في الرجال من جانب حفظهم، وصيانة مبنى المتن بالجرح في الضبط، وبيان تخالف دلالات الأحاديث وأسباب ورود الحديث. وهي مباحث مهمة في نقد المتون، والمقارنة بين النصوص، قام بها رجال مختصون في الحديث، والأصول، والفقه، والعقيدة، واللغة، فاستطاعوا أن يوضحوا معناها بدقة. ومن أكثر مراحل نقد الحديث التصاقا بالدرس اللغوي نقد لغة الحديث، أي تفسير غريبه، وتصويب تصحيفاته، وبيان فقه الحديث، أي فهمه، واستخراج معناه. وقد قال الحاكم النيسابوري(1) بأن معرفة فقه الحديث ثمرة علوم الحديث، وبه قوام الشريعة، وأن علوم الحديث كلها تتعاضد لتثمر بيان المقصود من حديث النبي صلى الله عليه وسلم للعمل به.

(7/246)


ويتركز التشابه بين علم أصول الفقه وعلم النحو بصورة خاصة في مبحث القياس، فضلا عن التشابه في مصطلحات تقسيم الحكمين الشرعي والنحوي، وأدلة الفقه والنحو الرئيسة. وتجدر الإشارة إلى أن صلة النحو بالفقه وأصوله صلة ذات شقين(1): شق تظهر فيه مقولات النحاة في أصول النحو محمولة على أصول الفقه، ولعل ابن جني أول من أشار إلى الصلة القوية بين أصول الفقه وأصول الكلام وبين أصول النحو في كتابه " الخصائص"(2)، وقدم السيوطي نموذجا واضحا له في كتاب "الاقتراح"(3). وشق يظهر فيه أثر النحو الكبير في مباحث الفقه، وجاء كتاب الإسنوي تطبيقا عمليا لهذا الشق الثاني.
قضايا شرعية مبنية على أسس لغوية :
درس جمال الدين عطية(4) القواعد اللغوية وأشار إلى مكانها البارز في كتب أصول الفقه بسبب أهميتها في تفسير نصوص الكتاب والسنة واستخراج الأحكام منها، وإلى أن ابن السبكي قد أفرد لها قسما خاصا في كتابه " القواعد والأشباه والنظائر"، فبحث في حروف المعاني، والمركبات، وما ينبني على العربية من الفروع الفقهية، وأثر هذه القواعد في تفسير النصوص المختلفة. ويعتبر جمال الدين الإسنوي أول من خصص كتابا مستقلا عنوانه:" الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية" لدراسة القواعد النحوية التي بني عليها عدد من المسائل الفقهية. واهتم القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" بإبراز الأسس اللغوية للقضايا الفقهية التي عرضها. وتوجد جهود أخرى قديمة وحديثة في هذا الاتجاه. ونشير إلى جهود عبد القادر عبد الرحمن السعدي في مؤلفه الذي عنوانه: "أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية".
ونعرض فيما يلي لبعض القضايا الشرعية اللغوية:

(7/247)


حصر ابن رشد القرطبي(1)، الأسباب المؤدية إلى الاختلاف بين الفقهاء في تحديد معاني الألفاظ التي تبنى عليها الأحكام في ستة : تردد الألفاظ بين العموم والخصوص ودلالة الخطاب، والاشتراك الحاصل في الألفاظ المفردة والمركبة، والاختلاف في الإعراب لأهميته في التمييز بين المعاني التركيبية، وتردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو على المجاز ، من حذف، أو زيادة، أو تقديم، أو تأخير ، أو تردده على الحقيقة أو الاستعارة، وإطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة أخرى، والتعارض بين الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي تؤخذ منها الأحكام، ومثله التعارض الحاصل في الأفعال، أو الإقرارات، أو القياسات، أو بينها جميعا. ويتضح من محاولة رجع الألفاظ إلى هذه الأسباب الستة أن معظم أسباب الاختلاف في أحكام الفروع الفقهية قائمة على أساس لغوي مما يدعو للرجوع إلى اللغة رجوعا كليا في توجيه قصد الإنسان لإصدار الحكم الشرعي على تصرفه. وترجع أسباب الاختلاف الباقية إلى أمور أخرى من غير اللغة، كالقياس، أو الإجماع، أو العرف، أو الاستحسان. وقد تأتي بعض الفروع الفقهية مخالفة لما تقتضيه قواعد اللغة العربية، أو مخالفة للأرجح من قواعدها، مع موافقتها للمرجوح(2).
وقد ذكر ابن السيد البطليوسي ثمانية أوجه للخلاف بين المسلمين بعضها متعلق ببعض، وهي: اشتراك الألفاظ والمعاني، والحقيقة والمجاز، والإفراد والتركيب، والخصوص والعموم، والرواية والنقل، والاجتهاد فيما لا نص فيه، والناسخ والمنسوخ، والإباحة والتوسع(3). ومن الواضح أن أربعة أوجه منها لها صلة مباشرة بالمسائل اللغوية، وفيها أغلب أوجه الخلاف.

(7/248)


ومما أورده الإسنوي(1) من القضايا الفقهية المؤسسة على القواعد اللغوية أن مقتضى اسم الفاعل صدور الفعل منه، ومقتضى اسم المفعول صدوره عليه. وإذا تقرر هذا فيتفرع عليه إذا حلف لا يأكل مستلذا، فإنه يحنث بما يستلذه هو أو غيره، بخلاف ما إذا قال (شيئا لذيذا) فإن العبرة فيه بالحالف فقط. ومسألة أخرى أن (إذا) ظرف للمستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط غالبا، وقد يقع للماضي..، وقد ينتفي فيها معنى الشرط ... وإذا دلت على الشرط فلا تدل على التكرار.. . إذا علمت ذلك فينبني على المسألة الأيمان والتعاليق والنذور. فإذا قال لزوجته مثلا: إذا قمت فأنت طالق، فقامت، ثم قامت أيضا في العدة ثانيا وثالثا، فإنه لا يقع بهما شيء ..كما لا تدل (إذا) على التكرار لا تدل أيضا على العموم، .. وقيل تدل عليه. ومن فروع المسألة أن تكون له عبيد ونساء، فيقول: إذا طلقت امرأة فعبد من عبيدي حر، فطلق أربعا بالتوالي، أو المعية، فلا يعتق إلا عبد واحد، وتنحل اليمين.
هذا، ويقترح أن يتطرق البحث في دراسة القضايا الشرعية المبنية على الأسس اللغوية إلى طبيعة هذه القضايا، والدافع إلى الاحتجاج باللغة فيها مع توفر الدليل الشرعي، أو عدم توفره، ودرجة هذا الاحتجاج، وأساليب اعتماد الأسس اللغوية أو استغلالها، ومنهج عرض هذه القضايا، وإمكان الربط بينها، وتجديد هذا المنهج، والعلاقة بين المسائل والقضايا اللغوية الشرعية.
• • •
خاتمة :

(7/249)


ينبغي أن نؤكد أن اقتراح تخصيص المنهجية اللغوية للعلوم الشرعية بالدراسة لا يعني محاولة لإقحام المسائل اللغوية في المسائل الشرعية، أو الإكثار من القضايا اللغوية في غير موضعها مما حذر منه الغزالي(1)، وإنما القصد هو تأكيد المزاوجة بين المعرفة اللغوية والمعرفة الشرعية، وتوجيه الدرس اللغوي العربي إلى مواصلة السعي في تحقيق الهدف الذي نشأ من أجله، ألا وهو خدمة القرآن الكريم، وخدمة بيانه، والإسهام في فهم النصوص الشرعية، وفي استثمار المبادئ العقدية والأحكام الشرعية العملية منها ومن ثم تطوير المنهجية اللغوية للعلوم الشرعية.
إن المحتويات العلمية التعليمية لهذا الدرس متوفرة بكثرة في التراث الإسلامي الشرعي، ولها تشعبات متنوعة، وستفيد الأبحاث التي تجرى في هذا المجال اللغوي التطبيقي الشرعي في إثراء التراث الإنساني بالآراء النيرة التي قدمها المسلمون في دراسة الظاهرة الكلامية، وعلاقتها بالعقيدة، والفكر، والثقافة، والكيان الإنساني بوجه عام. ولا ريب في أن الإفادة من الدراسات اللغوية التركيبية، والأسلوبية الحديثة في الجوانب النفسية، والاجتماعية، والأخلاقية، والإعلامية، والتشريعية، طبقا لطبيعة النصوص الشرعية تساعد في فهم الخطاب الشرعي الذي وضعت هذه العلوم لدراسته.

(7/250)


ويقترح الكاتب أن يقرر مساق خاص لهذا العلم في البدء في المرحلة الجامعية العليا للدراسات الإسلامية والشرعية، والدراسات اللغوية، قبل أن يقرر في المرحلة الجامعية الأولى، ويقترح أن تحدد ساعاته المعتمدة بثلاث ساعات إذا تقرر تدريسه بشكل عام، أما إذا قصد تدريس فروعه الداخلية فتحدد لكل فرع ساعة واحدة معتمدة. ويقترح أن يبدأ تقديمه لطلبة الدراسات العليا بشكل ندوات علمية يمكن أن يشترك فيها المتخصصون في العلوم اللغوية، والشرعية، أو أن يتولى تدريسه متخصصون في الدراسات اللغوية لهم خلفية كافية في الدراسات الإسلامية، وذلك من أجل تحقيق نوع من الانسجام بين المفردات التي تقدم للدارسين، والربط بين القضايا اللغوية، وبين المسائل الشرعية على أمل أن يفضي تطور الأبحاث المستقبلية إلى تحقيق هدف هذا المساق. أما عن المقررات والمراجع فتوفر في البدء بانتقاء الموضوعات المتصلة بمفردات هذا المساق من أمهات الكتب التي تتناول فروع العلوم الشرعية التي أشرنا إلى بعض موضوعاتها، وتؤخذ النماذج التطبيقية الأولية منها ريثما يتم تأليف كتاب مخصص له. ومن الممكن استغلال أبحاث طلبة الدراسات العليا في تحقيق هذا الهدف النبيل، وفق أهداف مرسومة ومفردات محددة، ومناهج تعليمية تتفق مع أهداف المؤسسة الجامعية التي تحتضن هذا المساق.
الحواشي والتعليقات

انظر: سعدي أبو حبيب، القاموس الفقهي: لغة واصطلاحا، دار الفكر، دمشق، 1402هـ (الشريعة).
توجد تقسيمات متعددة للعلوم في التراث الإسلامي، كما يوجد تداخل في تصنيف العلوم وفقا لتباين المعايير المعتمدة في هذا التصنيف. انظر نوعا من مناقشة تصنيف للعلوم الإسلامية في: محمد عمارة، إسلامية المعرفة، دار الشرق الأوسط، القاهرة، 1991م. ص 14- 17، وانظر في تحديد العلوم الشرعية: أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، د. ت.، ج3، ص18 .

(7/251)


تجدر الإشارة إلى أن أي تطوير أو تجديد في العلوم الشرعية، إن اقتضته الضرورة، ينبغي أن يتم في حدود مقاصد الشرع، وألا يخالف الغايات العليا للرسالة الإسلامية كما حددها سلف هذه الأمة. ولا ينبغي من جانب آخر أن يصرف أي مقترح في التطوير إلى الاحتكام إلى العقل وإهمال النقل؛ ذلك لأن الفيصل في قبول التطوير أو التجديد في منهجية الدراسة والفهم صدوره عن العقيدة الصحيحة واتفاقه مع المقاصد الشرعية.
انظر : أبو حامد محمد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ، ج1، ص3-5 .
من المحاولات العلمية في تطوير الدراسات الشرعية وتحديثها صنيع الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه المعنون ب (الزكاة)، وهناك محاولات أخرى له ولغيره، وهي كثيرة.
انظر: عبد الحميد إبراهيم المجالي، مدى الحاجة إلى تطوير محتوى مادة الفقه، في: فتحي حسن ملكاوي، ومحمد عبد الكريم أبو سل، بحوث مؤتمر علوم الشريعة في الجامعات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، 1416هـ، ص 49 – 65 .
انظر: أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، ج1، ص4-10 ، ومحتويات الجزأين.
انظر: إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، دار الفكر العربي، بيروت، د.ت.، ج2، 5- 40، و ج2، ص5-40.
انظر مثلا: محمود توفيق محمد سعد، سبل الاستنباط من الكتاب والسنة: دراسة بيانية ناقدة، مطبعة الأمانة، مصر، 1413هـ. ومحمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت، 1404هـ .
نشير في هذا الصدد إلى أن تجديد منهجية الدراسة في أي علم من العلوم لا يقتضي بالضرورة أن تكون المناهج السابقة ناقصة، أو غير وافية بالغرض؛ إذ إن المنهجية الجديدة قد تفضي إلى إضافة محمودة إلى نتائج البحث في المجال العلمي المعني، وقد تفتح مجال اهتمام آخر تتلاقح فيه الخبرات، ويعالج فيه بعض القضايا التخصصية المستجدة في هذا المجال.

(7/252)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية