صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة المنار - المجلدات 31 - 35
الشيخ : محمد رشيد رضا

والظاهر أنه اعتمد فيها على ما كان علق بحفظه ، فلم تأت بما يعهد في لغته من
الدقة ، مثال ذلك أنه قال بعد بضعة أسطر من الصفحة الأولى : وعندما بلغ أشده
تولى رعي الغنم بالبادية مع إخوته في الرضاع ، وهو صلى الله عليه وسلم قد
رعاها قبل ذلك ، ولم يمكث في البادية إلى أن بلغ أشده . وفي الصفحة التي تليها
( وجمع رسول الله عشيرته وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب ) ... إلخ ، والصواب
وبنو المطلب كما هو ظاهر ، ولعل الأستاذ ينقح هذه السيرة الشريفة اللطيفة ،
ويراعي ما قلنا في الطبعة الثانية لهذا الكتاب ، إذ يرجى أن يطبع مرارا .
صفحات الكتاب من مقدمته إلى نهاية فهرسه 78 صفحة ، وثمنه خمسة
قروش صحيحة ، ويطلب من مكتبة مصر ، فنحث جميع القراء على مطالعته .
***
( كتاب الإسلام كتاب ديني ، أخلاقي ، أدبي ، اجتماعي )
مؤلفه الأستاذ أسعد لطفي أفندي حسن طبع طبعا جيدا متقنا في مطبعة فاروق
بمصر سنة 1350 ، صفحاته 368 من قطع المنار ، ثمن النسخة منه عشرون
قرشا .
رفعه المؤلف ( إلى الله جل وعلا ) بمناجاة ودعاء ، ثم افتتحه بمقدمة في
الشكوى من فشو الفواحش والمنكرات ، والإعراض عن هداية الدين وعلمه لعدم
دراسته في المدارس ، ووجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر الذي أقدم
عليه بهذا الكتاب ، وإن لم يكن من علماء الدين كما قال ، وتلا هذا تمهيد وجيز في
مولد النبي الأعظم وبعثته ورسالته ، فدخول على الموضوع بالتعريف بالإسلام
والإيمان بالإجمال ، فتفصيل لما يجب الإيمان من صفات الله ، والإيمان بملائكته ،
وكتبه ورسله بإيراد طوائف من آيات القرآن المجيد مشكولة غير مفسرة في كل
موضوع منها ، وفي قصص الرسل عليهم السلام من غير تفسير حتى إنه ذكر في
رسالة يوسف عليه السلام السورة المسماة باسمه كلها ؛ ولكنه تكلم فيما يجب لخاتمهم
محمد صلى الله عليه وسلم على إعجاز القرآن وأخلاقه وحكمه النبوية ، ثم تكلم في
الزواج والميراث وحقوق النساء ، وموضوع الحجاب والسفور الذي عظمت فتنته
في هذه السنين بمصر وغيرها .
ثم انتقل إلى العبادات فبدأ بالصلاة والطهارة ، فذكر الضروري من أحكامهما
موافقا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى في المسائل الخلافية ، ثم تكلم على الزكاة
والصيام والحج ، فذكر الضروري من أحكامها مع الإلمام بحكمها ، ولكن عبارته في
بعض هذه الأحكام لم تكن دقيقة كعبارات الفقهاء ، فهي لا تخلو من أغلاط معنوية ،
ثم ختم الكتاب في النهي عن البدع الفاشية في هذا الزمان ، فرسالة أبي الربيع محمد
بن الليث التي كتبها من قبل هارون الرشيد إلى قسطنطين ملك الروم يدعوه بها إلى
الإسلام .
وجملة القول : إن الكتاب مفيد ، وهو خير من جميع الكتب الكلامية التي
تقرأ في المعاهد الدينية ، وعسى أن يعنى بتصحيحه بالدقة التامة في الطبعة
الثانية ، ويعلق على آيات القرآن التي فيه تفسيرا مختصرا يفهم به معناها في
الجملة .
***
( كتاب الآيات المحمدية )
( تأليف محمد عبد الوهاب عضو جماعة الوعظ والدعوة الإسلامية ،
وجمعيات مكارم الأخلاق والهداية الإسلامية والمحافظة على القرآن الحكيم ، الطبعة
الأولى ، بالمطبعة المتوسطة بمصر سنة 1353 )
صنف المصنفون كتبا كثيرة في موضوع هذا الكتاب من الآيات الشاملة
للمعجزات والإرهاصات وغيرها ، منها ما جمعه المحدثون من الروايات في ذلك
من صحيح وضعيف ومنكر وموضوع اعتمادا على تمييز العلماء بينها من أسانيدها ،
ومن أشهرها دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم وللحافظ البيهقي ، ومن أجمعها كتاب
الخصائص الكبرى للسيوطي ، ومنها كتب لمن بعدهم من الذين يجمعون كل ما
يرونه في الكتب من مختصر ومطول .
وقد اختار الأستاذ الفاضل محمد أفندي عبد الوهاب من موظفي وزارة الحربية
طائفة من هذه الآيات نقلها كما قال من الصحيحين ، وتيسير الوصول ، والسيرة
الحلبية ، وسيرة ابن هشام ، وزاد المعاد ، والجواب الصحيح ونور اليقين ؛ ولكنه
ينقل عن غيرها بتعيين لما ينقل عنه كدلائل النبوة ، وبدون تعيين ، ويذكر بعض
الآيات بدون عزو إلى كتاب .
وكان قد اقتصر في المقدمة على ذكر النقل من الصحيحين والسيرتين ، ثم
زاد عليهما في خاتمته ما ذكرنا من الكتب ، وقد علمت أنه زاد على كل ما ذكره
فيها .
واعتذر في كلمته الختامية عن نقل ما لم يصح عن المحدثين من تلك
المعجزات بأن في الصحاح ما يزيل استبعاد وقوعها ؛ ولكن ينبغي أن يكون المانع
من نقل ما لا يصح أنه لا يصح ، لا أنه مستبعد ، فإذا نقل وجب أن يبين درجته
عند إيراده ، واستغنى المؤلف عن هذا باعتذاره عنه ، وهو أقل ما يجب .
وقد جعل المؤلف ربح هذا الكتاب ، وهو ما يزيد من ثمنه على نفقة طبعته
إعانة لفقراء الحجاز فكل من يشتري منه شيئا يكون شريكا له في هذه الصدقة ،
فنحث قراء المنار على ذلك ، وصفحات الكتاب 158 ، وهو يطلب من مؤلفه في
منزله عدد 13 حارة عنبر شارع حيصان الموصلي بالدرب الأحمر بمصر .
________________________

(35/19)


(*) طبع الجامع الصغير ممزوجا بذيله هذا عن نسخة تولى مزجها الشيخ يوسف النبهاني المشهور بنشر الخرافات والمنكرات والموضوعات ، فخان الله ورسوله ومؤلف الجامع بحذفه منها علامات الصحة والحسن والضعف ؛ ليعتقد قراؤها الذين يقل أن يوجد فيهم محدث بأن كل أحاديثها معتمدة يجب على المسلم اعتقاد ما فيها ، والاعتماد عليها في العمل على عللها ومنكراتها فليحذر هذا من اطلع عليها .

(35/20)


العبرة بسيرة الملك فيصل ( 9 )
رحمه الله تعالى

مسألة أجنبية عن الترجمة
ولكنها من صميم القضية السورية والأمة العربية
يوم الجمعة أول شوال 18 يونيو
كنا قررنا أن يجتمع ديوان رياسة المؤتمر - بعد تعطيل الجلسات لأجل العيد
- أمس فجاء الشيخ عبد القادر الخطيب مبكرا ، فتكلمت معه في الخلل
والاضطراب الذي حصل أخيرا في المؤتمر ، فشوه سمعته الحسنة ، وفي وجوب
التعاون على تلافيه ، ولما جاء عزت أفندي دروزه ( السكرتير ) وصلاح الدين
أفندي ( من الأعضاء ) قال الخطيب - في وجوهما - : إن أعضاء إدارة المؤتمر
مقصرون في حقوق الرئيس ؛ إذ تركوه ولم يساعدوه على حفظ النظام حسب
القانون .
فاعتذر عزت أفندي دروزه - عن نفسه - بأنه ترك القعود حول الرئيس
لأجل البحث في مواد القانون ، فذكرهم الخطيب بما كان من معاونتهم للرئيس
السابق هاشم بك الأتاسي اهـ .
ولما اجتمع ديوان الرياسة أول مرة بعد العيد ، وكان ذلك في 6 شوال ( 23
يونيو ) صرح صلاح الدين أفندي بأن أعضاء الإدارة قصروا في معاضدة الرئيس
عمدا ؛ لأنه من العلماء ! وقد كتبت كلمة صلاح الدين أفندي الحرة في أعلى صفحة
مذكرتي من ذلك اليوم ، وذكرتها هنا لمناسبتها لما قبلها .
وأقول الآن : إن عزت أفندي دروزه من أركان حزبنا ، وكان يلازم كرسي
رئيس المؤتمر ، ويقوم معه بأهم أعمال حفظ النظام وغيرها ؛ ولكنه صار يتركني
وينزل من مكانه في منصة الرياسة بالقرب مني ويجلس مع الأعضاء ، وأما الشيخ
عبد القادر الخطيب فكان معارضا لحزبنا من جهة ، وكان بيني وبينه غاية التباين
في الأفكار والإصلاح الديني ؛ وإنما أظهر نصري في هذه المسألة أو إنكارها علنا ؛
لأنه كان يعتقد أن الأفندية من حزبنا قد عز عليهم أن يكون رئيس المؤتمر عالما
دينيا معمما ، وأحبوا أو أرادوا أن يظهر عجزه عن القيام بجميع حقوق الرياسة ،
فليعتبر المسلم بهذا ، ففيه عبر كثيرة ، ولا أزيد عليه في هذا الاستطراد شيئا ! ! ! !
***
أحاديث عيد الفطر في دمشق
( يوم السبت 2 شوال سنة 1338 ، الموافق 19 يونيه ( حزيران )
سنة 1920 )
اجتمعنا في الليلة البارحة في دار جميل مردم بك - على موعد سابق - أنا
وصاحب الدار وناظر الخارجية ( الدكتور عبد الرحمن شهبندر ) وناظر الحربية
(يوسف بك العظمة ) والشيخ كامل قصاب ( رئيس اللجنة الوطنية ) و خالد أفندي
الحكيم ، وقد تأخرت عن الموعد لكثرة زائري العيد حتى بعد العشاء ، وموضوع
الاجتماع المفاوضة في الوفد الذي يرسل إلى أوربة لأجل القضية السورية .
سأل وزير الخارجية عن القاعدة التي يبني عليها الوفد مطالبه ؟
قلت : لا قاعدة عندنا إلا قرار المؤتمر السوري .
قال الوزير : تعني الاستقلال التام الناجز ، ووحدة سورية بدخول فلسطين
ولبنان فيها على أن يكون للبنان الخيار في شكل إدارته بدون تدخل أجنبي ؟
قلت : نعم , ووافقني الأستاذ الشيخ كامل
قال الوزير : إن معنى هذا رفض قرار مؤتمر ( سان ريمو ) .
قال الأستاذ الشيخ كامل : فليكن . قال : إذا لا حاجة إلى السفر.
وبعد بحث ( دار بين الحاضرين كلهم ) قال وزير الحربية : إنه بلغه عن ثقة أن
مؤتمر سان ريمو لم يقرر في شأننا شيئا قطعيا .
قال وزير الخارجية : أنا لا أعتد بهذه الإشاعات ، عندنا شيء قطعي هو بلاغ
اللورد اللنبي عن حكومته أن المؤتمر قرر الاعتراف باستقلال سورية والعراق
على قاعدة الانتداب ، وأن فرنسة انتدبت لسورية ، وإنكلترة للعراق وفلسطين ،
فإما أن نرفض هذا القرار ولا حاجة حينئذ للوفد ، وإما أن نعترف به ، ونبحث
معهم في معنى الانتداب ، ونطالب ألا يمس سلطاننا العربي .
قلت : بل يحتج الوفد على القرار بمخالفته للمادة 22 من معاهدة فرسايل ويبني
مطالبه على هذه المادة . وفصلت ذلك ، ثم انصرفنا على عزم العودة إلى البحث في
جلسة أخرى ( انظر مذكرة بعد غد )
يوم الإثنين 4 شوال 21 يونيو :
اجتمعت البارحة برئيس الوزارة ( هاشم بك الأتاسي ) وصباح اليوم بالملك
فيصل ، وهو الاجتماع الأول بعد عودته من حلب ، وتكلمنا في مسألة الوهابية .
***
حديث مع سمو الأمير زيد في مسألتين
( 1 ) ضعف الحكومة السورية وتدخل الملك فيصل :
لما زارني الأمير زيد زيارة العيد تكلم معي في مسألة إدارة الحكومة السورية ،
فذكرت له بعض ما يجب لتلافي ضعفها ، فدعاني إلى الغداء معه أمس - وكان
الحديث قبله ثاني يوم العيد - لنتوسع في الكلام على انفراد فأجبت ، وكان مما
اعترف به فساد كثير من رجال البلاط ( حاشية الملك ) وقال : إنه يجب تنظيفه من
مثل الشيخ ( ف . خ ) واعتذر عن تدخل الملك في الأعمال لضعف الحكومة
وعجزها .
قلت : إن الواجب عليه إصلاحها لا التصرف الشخصي الذي يزيدها خللا[1]
( 2 ) مسألة العداء بين الهاشميين وابن سعود :
وأخبرني ( الأمير ) بعودة الرسول ( ... شلاش ) الذي ذهب بكتابي وكتاب
الملك إلى ابن سعود ، وقال : إن ابن الرشيد يود الاتفاق مع شرفاء مكة ، وإن ابن

(35/21)


سعود مراوغ - أو ما هذا معناه أو مؤداه .
ثم إن رئيس الأمناء ( إحسان بك الجابري ) أطلعني في المساء - أي : مساء
أمس ( 3 شوال ) على كتاب ابن سعود للملك فيصل ، وهو ودي ، وعلى ملحق
سياسي له بغير إمضاء ولا ختم - كعادته - ينحي فيه باللائمة على الملك حسين ،
ويقول : إنه لا يود الاتفاق .
ولكن الملك فيصلا يتوقع زحف الوهابية على الحجاز ، وطلب من الوزارة
جيشا سوريا لحماية المدينة المنورة منهم ، وإلا ترك الملك وذهب لقتالهم مع أبيه .
***
الوحدة العربية
إيضاح لمسألتها بيني وبين الملك فيصل
إنني على قلة عنايتي بكتابة المذاكرات قد كتبت منها ما أهم ما دار بيني وبين
الملك فيصل لأجل الرجوع إليه إذا استمر التعاون بيننا على العمل للقضيتين :
قضية الوحدة العربية ، وقضية الجامعة الإسلامية اللتين لا تقوم إحداها إلا بالأخرى ،
ولم أقصد بكتابتها أن تكون مادة لكتابة تاريخ لهما ؛ لأن وقتي لا يتسع لذلك مع ما
أقصده من الإصلاح الإسلامي العام .
ومما أزيده من الإيضاح على ما كتبت في هذه المذكرة أن الملك فيصلا فتح
جواب ابن سعود الذي أرسله إلي مع الرسول ( شلاش ) الذي حمل الكتابين إليه مع
إبقاء ظرفه سليما ، وأرسله إلي ملصقا ؛ ولكن ضعف صمغ الظرف عند فتحه
بعرضه على بخار الماء ، فعلمت أنه فتح قبل إرساله إلي ولكنني تجاهلت ذلك ، وهو
جواب عن كتابي الأول الذي كتبته في 27 جمادى الآخرة سنة 1338 ، وأرسل في
أوائل رجب لا الكتاب الثاني الذي كتبته في اليوم الثالث من رمضان ، وأخبرني
الملك على مائدة الإفطار مساء 12 منه أنه أرسله مع الوفد الذي كان قرر إرساله
إلى الأمير ابن سعود ، وذكرته في مذكرة ذلك اليوم ، وأنه تبين لي بعد أنه لم
يرسله ، وما أدري متى أرسله بعد ذلك .
وكان الكتاب الأول مطولا ذكرته فيه بما كنت كتبته إليه عن مشروعي للوحدة
العربية ، وأرسلته مفصلا إلى إمام اليمن ومجملا إلى سموه وإلى السيد محمد
الإدريسي الكبير ، وبما حال من التواصل بيننا في أثناء الحرب العامة ؛ إذ أرسلت
إليه رسولا ليعرض له رأيي فيها ، وفي القضية العربية الكبرى .
ثم قلت فيه : ( وأكتفي الآن بجنوحكم للسلم مع الحجاز ، وقبولكم دعوة الوحدة
العربية على القاعدة التي بيناها في هذا الكتاب ، ومتى جاءني خطكم مصرحا بهذا ،
وجاء خط ملك الحجاز لولده الأمير فيصل بمثله نشرع في وضع قواعد الاتفاق
العربي العام ... ) إلخ .
وذكرت له فيه أنني مرسل إياه مع الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار ( وهو
خير ثقة من أهل العلم والصلاح هنا ، فثقوا به فيما يبلغكم عني ويبلغني عنكم ،
وإن كان غير متمرس بالسياسة على أنني لقنته ما لا بد له من العلم به من الأحوال
الحاضرة ) .
وقد سافر رسولي الأستاذ البيطار مع رسول الملك رمضان شلاش ؛ ولكنه
عرض له عند حدود الحجاز ما أعجزه عن مواصلة السفر إلى نجد فأعطى كتابي
لرفيقه , وأرسلته الحكومة إلى المدينة المنورة ، ومنها عاد إلى دمشق .
وقد كان جواب الأمير ابن سعود لي ثناء علي ، وإطراء فوق المعهود من
أسلوب ابن سعود في كتبه ورسائله لحكمة ظاهرة ، وفيه استحسان للدعوة إلى
الاتفاق والاتحاد بالإجمال ، وأنه يحتاج إلى الدرس ، وأنه سيخبرني بما يتراءى له
من التفصيل ، وهو مختوم بخاتمه المعروف ، وفيه ملحق وجيز بخطه دون ختمه
قال فيه : ( أيها الأستاذ الأكرم ، جميع ما ذكرتم في كتابكم حق ومعقول ، ولكن ليس
بخاف على سيادتكم أن الأقوال واحدة والأفعال مختلفة ، كل تابع هواه ) ، ثم ذكر
أن رسولي لو وصل إليه لعرفه كل ما في ضميره ، وأنه يستحسن أن أرسل إليه
رسولا عاقلا دينا بصفة تاجر من طريق بمبي ( الهند ) ليعرفه جميع ما في الخاطر ،
وقد أعطيته للملك فيصل مع ملحقه لاعتقادي أنه قرأهما قبلي ، ولولا هذا لكان
مقتضى الأمانة والمصلحة أن أكتم الملحق عنه مع بقاء السعي والتوسل للثقة بينهما ،
ومما يدل على أنه كان قرأه أنه لم يطل النظر فيه ، بل أعاده إلي بدون تريث ولا
بطء .
وقد اشتد سخطه بعد عودة الرسول من نجد على ابن سعود ، وخوفه من زحفه
على الحجاز ، وانقطع بحثنا في مسألة الوحدة العربية أياما .
وأما كتابي الثاني في أوائل رمضان لسموه فهو مبني على قبول الملك حسين
للاتفاق معه الذي عرضه عليه ولده الملك فيصل بالاتفاق معي ، وقد كتبته بعد
وصول جوابه عن الأول كما علم مما تقدم .
وأما طلب الملك فيصل من الوزارة أن تجهز جيشا سوريا لقتال ابن سعود كما
يوجب عليه والده ، فقد أجابته الوزارة عنه جوابا سلبيا ، وأن كل ما تسمح به هو
أن يتطوع من شاء من السوريين لهذه المساعدة بشرط أن تكون نفقتهم على حكومة
الحجاز ، وأن تكون حكومة سورية على الحياد ؛ ولكن أخطأ الظن ، ولم يزحف ابن
سعود بالجيش الوهابي على الحجاز في ذلك العهد ، وعدنا إلى سعينا للوحدة العربية
إلى أن أنذره الجنرال غورو الزحف على سورية ، وأذكر هنا آخر كلمة لي في

(35/22)


مذكراتي بدمشق في هذه المسألة بعد تمهيد وجيز وهو :
كان اقترح علي الملك فيصل أن أكتب له القواعد أو الأسس التي ارتأيت أن
تبنى عليها دعوة أمراء جزيرة العرب للمحالفة لأجل المناقشة فيها قبل تبييضها
وكتابة الدعوة ، فكتبتها ، ولما عرضت فكرة الخوف من زحف الوهابية على الحجاز
امتنعت من إطلاعه عليها ، حتى إذا انجلى ذلك العارض عرضتها عليه ، فقال : دعها
لي حتى أتأمل فيها . وبعد أن تأمل فيها مرارا قال لي : إنني موافق عليها كلها ، لم
أستطع زيادة كلمة فيها ، ولا نقص كلمة منها . وهاك الكلمة الوجيزة التي كتبتها في
مذكرتي عنها :
يوم الأحد 17 شوال ، 4 يوليو ( تموز ) :
أطلعت الملك فيصل على البرنامج الذي رأيت جعله أساسا لدعوة أمراء
جزيرة العرب للاتفاق والحلاف فأعجبه جدا ، بل أعجب به جدا ، وقال : أنا أوافق
عليه أنا وإخوتي علي و عبد الله وزيد وكل ذي كلمة وفهم في مكة ، ولا يمكن أن
يغلب سيدنا - يعني والده - علينا كلنا ويرفضه ، بل نتعهد بقبوله إياه . وتواعدنا
على المذاكرة التفصيلية فيه غدا ، ووعدني بأن لا يطلع عليه أحدا قط ، ولا إحسان
الجابري اهـ .
ولكنني في ضحوة اليوم التالي ( الإثنين ) حلفت إحسان بك يمين جمعية
الجامعة العربية ، وكتبت فيه أنه سألني بعد القسم ، هل يحنث باليمين من يوافق
على احتلال الأجانب بعض البلاد لإنقاذ البعض الآخر ؟ قلت : نعم .
( وثم صارت ثقتي بإحسان بك أقوى من ثقتي بجلالته في مسألة الوحدة
العربية ؛ لأنها عند إحسان مطلقة ، وعند فيصل مقيدة بمصلحته ومصلحة والده )
***
عودة إلى مسألة الوفد السوري
يوم الثلاثاء 5 شوال 22 يونيو :
اتفقت أمس مع وزير الخارجية بعد كلام في مهمة الوفد السوري الذي سيسافر
إلى أوربة على الاجتماع ليلا في دار مستشارها جميل مردم بك لبسط الحديث
وتقرير ما نراه ، فاجتمعنا البارحة وكان ثالثنا - غير صاحب الدار - وزير
الحربية يوسف بك العظمة ، ورابعنا وزير المعارف ساطع بك الحصري ، وخامسنا
خالد أفندي الحكيم ، ولم يبلغ الشيخ كامل موعد الاجتماع .
وبعد البحث اتفقوا على رأيي الذي كررته ، وهو أن تكون قاعدة مطالب الوفد
قرار المؤتمر السوري ، والاحتجاج على قرار مؤتمر سان ريمو لمخالفته للمادة 22
من معاهدة فرسايل ، والبحث في معنى المساعدة الاستشارية المقررة في تلك المادة
واشتراطه أن لا تمس الاستقلال التام ، وأن يكون الرأي فيها للأمة ، وأن لا يقر
الوفد على شيء نهائي ، بل يحمل ما يتقرر إلى البلاد ويعرضه على مؤتمرها
النيابي - كذا ولعل المراد مجلسها النيابي إذ كان مقررا - ليقرره أو يرفضه أو
يطلب تعديله .
***
حالة الحكومة السورية وملكها وشعبها
يوم الأربعاء 6 شوال ، 22 يونيو :
تكلمت في جلسة ليلة الثلاثاء مع بعض الوزراء في مسألة الاجتماعات السرية
التي يعقدها بعض وجهاء دمشق ومعمميها الموالين لفرنسة وزعماؤهم رضا باشا
الركابي والشيخ عبد المحسن الأسطواني والشيخ محمود أبو الشامات والشيخ أسعد
الصاحب والشيخ أديب تقي الدين والشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ عبد الحميد
العطار و… . ، وقد بلغ الحكومة أنهم قرروا إرسال وفد إلى فرنسة ليطلب انتدابها
لجميع سورية ، وألقى الحاضرون التبعة في إهمال ما يجب من تربيتهم على ناظر
الداخلية ( رضا بك الصلح ) فقلت : إن مثل هذا العمل يجب أن يكون بقرار مجلس
الوزراء لا بأمر وزير الداخلية وحده ؛ لأنه يتعلق بالسياسة والإدارة العامة ، ولا يعد
من الوقائع الموضعية .
واليوم زارني وزير الداخلية ، وأخبرني بضغط زملائه عليه ، وأنه رفع
استقالته إلى الملك ، وطلب مني تعضيده ، فدل هذا على أنه يود أن لا يقبل الملك
استقالته ليكون مركز الوزارة قويا أمام يوسف بك العظمة وزير الحربية وأعوانه
كوزير المعارف ورئيسهم ، وسبب هذا الشقاق أن رضا بك الصلح يرى أنه أحق
برياسة الوزارة ، ويميل إلى كبراء الشام المؤسسين للحزب الوطني - لأنه
أرستقراطي مثلهم - ولا يوافق زملاءه المخالفين على الضغط عليهم ، ولا على
مساعدة العصابات في جبال عامل ولا في غيره ، وهو المصيب في هذه المسألة ؛
فإن العصابات الموضعية تخرب البلاد بأيديها وأيدي السلطة الفرنسية ، وتسفك
الدماء بدون نتيجة مفيدة ، وإنما يعقل الاستعانة بالعصابات إن وقعت بشرط أن
تكون عامة ( لا موضعية ) كما قلت للملك فيصل ولغيره مرارا ، وقد طلبوا منه -
أي : وزير الداخلية - عزل رئيس البلدية الذي طعنت فيه اللجنة الوطنية وغيرها
قولا وكتابة ، فلم يقبل فاشتد النفور بينه وبين المسلمين ( كذا ) من أعضاء الوزارة
فاستقال وسأسعى لعدم قبول استقالته اهـ .
يوم الجمعة 8 شوال ، 25 يونيو :
كلمت رئيس أمناء الملك إحسان بك الجابري في مسألة استقالة رضا بك
الصلح فوافقني على السعي لعدم قبولها ، وقال : إنها لا تزال في جيبه لم يقدمها
لجلالة الملك لعل رضا بك يستردها اهـ[2] .
((يتبع بمقال تال))
________________________
(1) كان الحديث بيني وبين الأمير زيد في ضعف الحكومة واستبداد الملك فيصل فيها طويلا صريحا ، ملأني إعجابا بحريته وذكائه ، وقليل ما كتبته يشير إلى كثيره .
(2) كان بيني وبين رضا بك الصلح رحمه الله تعالى صداقة ومودة شخصية ، وكنت أحب المحافظة عليه في الوزارة لمكانة أسرته ، وتمثيله لبيروت في حكومة سورية ، وأما وجهاء دمشق المشار إليهم فلم يكن بيني وبين أحد منهم مودة ولا عداوة إلا علي رضا باشا الركابي ، كنا صديقين ، وقد ذكرنا ما وقع بيننا من الفتور في قلب المودة .

(35/23)


المجلد 34
العدد 6
شعبان 1353
ديسمبر 1934

فتاوى المنار

المرأة البرزة وخطابتها على الرجال مكشوفة الوجه
( س 23 ) من حضرة صاحب الإمضاء في ( مجالغكا - جاوة )
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة مولاي قدوة العلماء الأستاذ المصلح الكبير السيد محمد رشيد رضا
صاحب مجلة المنار - نفعني الله والمسلمين بوجوده العزيز - آمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد ، فما دام قولكم في النساء المتبرزات كالخطبة أمام الرجال مكشوفة
الوجه ، فإن جوزتم ، فما مراد قوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك }
(الأحزاب : 28 ) الآية ، وقوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن }
إلى { تفلحون } ( النور : 31 ) أفتونا يا سيدي بيانا شافيا فلكم الشكر منا ، ومن الله
الأجر والثواب . والسلام .
محبكم المخلص
عبد الحليم
رئيس هيئة المركزية لشركة العلماء
( 23 ) المرأة البرزة تخطب الرجال سافرة :
( ج ) قوله في السؤال المتبرزات غلط أو محرف أصله البرزات ، فالتبرز
الخروج إلى البراز ( بالفتح ) وهو الفضاء الواسع ، وغلب استعماله في قضاء
الحاجة ، والبرزة ( كضخمة ) معناها المرأة البارزة المحاسن ، وغلب استعماله عند
العرب والمولدين بما نقله أصحاب المعاجم عن رواة اللغة كقول صاحب لسان
العرب : قال ابن الأعرابي : قال الزبيري : البرزة من النساء التي ليست بالمتزايلة
التي تزايلك بوجهها تستره عنك وتنكب إلى الأرض ، والمخرمقة التي لا تتكلم إن
كلمت ، وقيل : امرأة برزة متجالة تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون عنها ، وفي
حديث أم معبد : وكانت امرأة برزة تختبئ بفناء قبتها ، أبو عبيد : البرزة من النساء
الجليلة التي تظهر للناس ويجلس إليها القوم ، وامرأة برزة موثوق برأيها وعفافها ،
ويقال : امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب ، وهي مع ذلك عفيفة
عاقلة تجلس إلى الناس وتحدثهم ، من البروز وهو الظهور والخروج اهـ .
وأم معبد التي ذكرها هي الخزاعية الصحابية التي مر بها النبي صلى الله
عليه وسلم ، وصاحبه الصديق رضي الله عنه في حديث الهجرة في طريقهما من
مكة إلى المدينة ومعهما خادمهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، ودليلهما عبد الله
بن أريقط - وكان مشركا ثم أسلم - فسألوها عن لحم وتمر ليشتروا منها ، فاعتذرت
بالقحط وتمنت لو كان عندها قراء تضيفهما به ، وكان بجانب خيمتها شاة عجفاء لا
تستطيع الخروج إلى المرعى ، فاستأذنها النبي صلى الله عليه وسلم بحلبها فقالت له :
احلبها إن وجدت فيها حلبا ، فمسح ضرعها ، ودعا الله تعالى ، وحلبها فدرت فسقى
أم معبد ، ثم من معه ، ثم شرب على سنته إذ قال : ( ساقي القوم آخرهم شربا ) [1]
ثم حلب وأبقى عندها اللبن لتسقي منه أبا معبد عند عودته ، وقصتها معروفة في
كتب الحديث والسير ، واسمها ( عاتكة بنت خالد الخزاعي ) قيل : كانت مسلمة
قبل مرور النبي صلى الله عليه وسلم بها ، وقيل : أسلمت بعد ذلك ، وعاشت إلى
عام الرمادة في خلافة عمر رضي الله عنه .
فإن كان مراد السائل من النساء البرزات ، فلا حرج في خطبتهن سافرات فقد
كان كثير من نساء الصحابة ومن بعدهم برزات يحضرن صلاة الجماعة ومجالس
العلم ، ويخطبن الرجال ، ويروين الحديث ، وإن كان مراده بروز النساء للرجال
كيفما كانت حالتهن وصفاتهن ومخالطتهن لهم ، فالحكم يختلف باختلاف ذلك كما هو
معروف ، وإننا لنرى من بعض نساء مصر في بروزهن ما يتبرأ منه الإسلام ،
وكل دين وأدب وشرف .
لم يرد في كتاب الله تعالى ، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نص في
تحريم ما ذكرنا ، ولا في سيرة نساء السلف الصالح شيء من منع المرأة أن تقف
مكشوفة الوجه تخطب على الرجال فيما هو حق ومصلحة ، وقد بينا في كتابنا
( نداء الجنس اللطيف في حقوق النساء في الإسلام ) تحت عنوان ( آداب المرأة
وفضائلها ) جملة ما ورد في ستر النساء وملابسهن ومخالطتهن للرجال ومسألة
حجب نساء الأمصار ، وفسرنا فيه الآيتين الكريمتين اللتين ذكرتا في السؤال
وغيرهما بما يعلم منه جوابه مفصلا ، فليراجعها الرئيس الفاضل في المسائل
54 - 57 من صفحة 106 إلى 113 منه إن لم يكن قرأها بعد إرسال سؤاله إلينا ،
فإن بقي له بعد ذلك في الموضوع ما يبغي بيانه ، فليتفضل بالسؤال عنه .
* * *
أسئلة عن أحكام القصاص في القتل والصيال والقمار
( س24 - 27 ) من صاحب الإمضاء من صولو بجاوة .
الحمد لله وحده .
إلى حضرة صاحب الفضيلة مفتي الديار المصرية ، وخادم الإسلام ، عزيزي
الأستاذ السيد محمد رشيد رضا محرر مجلة المنار الغراء بمصر القاهرة ، دام إجلاله .
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أما بعد ، فأرجو من فضيلتكم أن تفتونا على صفحات مجلتكم المنار الغراء عن
ما يلي لتكتسب الثواب في الدنيا والآخرة ، وتهدوننا إلى سواء الصراط ، آجركم الله
وجازاكم بالخير الجزيل في الأولى والآخرة آمين .

(36/1)


( 1 ) كيفية حكم القصاص في الشريعة المحمدية السمحة ، ولا سيما في
القتل الشائع ما بين المسلمين البين ؟ !
( 2 ) ما حكم الشريعة المحمدية في شخص يدين بدين الإسلام تعرض مسلما
آخر ماشيا في سبيله ، وسفك دمه بغير حق ؟
( 3 ) هل تحكم الشريعة المحمدية بالإعدام على المعتدي السافك لدم أخيه
المسلم أم لا ؟
( 4 ) من دافع عن ماله وروحه ، وحان القضاء والقدر وسفك دم المسلم
المعتدي عليه هل تحكم الشريعة المحمدية عليه بالإعدام أم تبرئه لأنه غير قاصد
الشر ، بل قصده المجرم بالشر ؟ وكيفية إجراء الحكم الشرعي على المجرم ، هل
يجازيه ربه في الآخرة بخير أم بشر ؟
( 5 ) ما قولكم في اليانصيب ( اللتري ) الشائع في جميع العالم : هل هو حرام
أم مكروه أم جائز ؛ فإننا نرى كثيرا من إخواننا المسلمين يشترون تذكرة اليانصيب
بثمن 11 ربية تقريبا آملين أن يحصلوا مائة وخمسين ألف ربية ، فمنهم من يحصل
ذلك المبلغ ، ومنهم من يتأسف على مبلغه الذي يهديه لمصلحة اليانصيب بلا فائدة
تعود عليه ، أفيدونا مأجورين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
السائل
أفندي البحري
بصولو جاوة
( ج ) أقول قبل الجواب : إن السائل أعطاني لقبين أولهما غير صحيح ؛ وإنما
هو لقب ثابت لموظف رسمي من قبل الحكومة المصرية ، وصاحبه في هذا العهد
الأستاذ العلامة الشيخ عبد المجيد سليم فهو مفتي الديار المصرية ، ولعل السائل
يظن أن كل من يفتي في مصر يصح أن يوصف بهذا اللقب .
ثم إن الأسئلة الثلاثة الأولى يصح أن تجعل سؤالين مقترنين ، وهو حكم
قصاص القتل وتنفيذه فنلخصها كما فهمناه من عبارته ، وإن لم نعرف سبب السؤال
ونجيب عنه .
***
( 24 و25 ) حكم قتل المسلم لأخيه عمدا وكيفية تنفيذ القصاص :
أما حكم قتل العمد بغير حق ، فهو القود بأن يقتل القاتل قصاصا إلا أن يعفو
عنه أولياء الدم أو بعضهم ؛ وإنما يقتل بحكم ولي الأمر ، وكيفية القتل التي كانت
معهودة في عصر التشريع الديني هي قطع الرأس بالسيف ، ومن مباحث الاجتهاد
فيها هل هي واجبة دينا يمتنع أن يستبدل بها ما يكون أسهل منها وأقل تعذيبا وإيلاما
للمقتول كالشنق والقتل بالكهرباء ؛ عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله كتب
الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة )
الحديث ، فالقتلة والذبحة في الحديث بكسر أولهما اسم لكيفية القتل أو الذبح ، وهو
يدل على وجوب ترجيح أحسن الكيفيات ، والحديث رواه مسلم وأصحاب السنن عن
شداد بن أوس .
( 26 ) حكم الصيال إذا قتل الصائل :
إن دفاع المرء عن نفسه وماله وزوجه وأولاده إذا اعتدى عليه معتد مشروع ،
ويسمى هذا الاعتداء الصيال ، وأحكامه مبسوطة في كتب الفقه ، والأصل فيه أن
يدافع الصائل بالأخف فالأخف ، فلا ينتقل من وسيلة لدفعه إلى وسيلة أشد منها إلا
إذا كانت غير كافية ، فإن أفضى بهذه الصفة إلى قتله كان دمه مهدرا لا قصاص فيه
ولا دية ولا كفارة كما نص عليه في مذهب الشافعية الذي عليه أهل جاوة ، والأصل
فيه حديث النسائي عن مخارق قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : الرجل يأتيني فيأخذ مالي ، قال : ( ذكره بالله ) قال : فإن لم يذكر ؟ قال :
( فاستعن عليه من حولك من المسلمين ) قال : فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين ؟
قال : ( فاستعن عليه بالسلطان ) قال : فإن نأى السلطان عني ؟ قال : ( قاتل دون
مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك ) .
وروى أصحاب السنن الثلاثة من حديث سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : ( من قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ،
ومن قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ) والمراد بدون ما ذكر
الدفاع عنه .
وفي صحيح مسلم أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله
أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ ، قال : ( فلا تعطه مالك ) ، قال : أرأيت إن
قاتلني ؟ قال : ( قاتله ) ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : ( فأنت شهيد ) ، قال :
أرأيت إن قتلته ؟ قال : ( هو في النار ) .
( 27 ) حكم اليانصيب :
اليانصيب نوع من أنواع الميسر بيناه في تفسير قوله تعالى : { يسألونك عن
الخمر والميسر } ( البقرة : 219 ) الآية في الطبعة الثانية من الجزء الثاني من
تفسير المنار ( ص 329 و 330 منه ) بعد بيان ميسر العرب ، وقلنا : إنه لا يظهر
فيه كل ما وصف به ميسر العرب مع الخمر في آيات سورة المائدة وهذا نصه :
( اليانصيب ) هو عبارة عن مال كثير تجمعه بعض الحكومات أو الجمعيات
أو الشركات من ألوف من الناس كمائة ألف دينار ( جنيه ) مثلا ، تجعل جزءا
كبيرا كعشرة آلاف منه لعدد قليل من دافعي المال كمائة مثلا ، يقسم بينهم بطريقة
الميسر وتأخذ هي الباقي ، ذلك بأن تطبع أوراقا صغيرة كأنواط المصارف المالية

(36/2)


( بنك نوت ) تسمى أوراق ( اليانصيب ) تجعل ثمن كل واحدة منها دينارا واحدا مثلا
يطبع عليها ، وتجعل العشرة الآلاف التي تعطى ربحا لمشتريي هذه الأوراق مائة
سهم أو نصيب تعرف بالأرقام العددية ، وتسمى النمر ( جمع نمرة ) ويطبع على
الورقة المشتراة عددها ، وما تربحه كل واحدة من العشر الأوائل منها ، وتجعل
باقيها للتسعين الباقية من المائة بالتساوي بترتيب كترتيب أزلام الميسر يسمونه
السحب ، ذلك بأنهم يتخذون قطعا صغيرة من المعدن ينقش في كل واحدة منها عدد
من أرقام الحساب يسمونه نمرة من واحد إلى مائة ألف ، إذا كان المبيع من الأوراق
مائة ألف ، ويضعونها في وعاء من المعدن كري الشكل كخريطة الأزلام ( القداح )
التي بيناها آنفا ، فيها ثقبة كلما أديرت مرة خرج منها نمرة من تلك النمر ، فإذا كان
يوم السحب أديرت بعدد الأرقام الرابحة فما خرج منها أولا سمي النمرة الأولى مهما
يكن عددها هي التي يعطى حاملها النصيب الأكبر من الربح كالقدح المعلى عند
العرب ، وما خرج منها ثانيا سمي النمرة الثانية ، ويعطى حاملها النصيب الذي يلي
الأول ، حتى إذا ما انتهى عدد النمر الرابحة وقف السحب عنده ، وكان الباقي
خاسرا .
وأما كون هذا النوع لا يظهر فيه ما في سائر الأنواع من ضرر العداوة
والبغضاء ، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ فلأن دافعي المال فيه لا يجتمعون
عند السحب ، وقد يكونون في بلاد أو أقطار بعيدة عن موضعه ، ولا يعملون له
عملا آخر ، فيشغلهم عن الصلاة ، أو ذكر الله تعالى كقمار الموائد المشهورة ، ولا
يعرف الخاسر منهم فردا أو أفراد أكلوا ماله ؛ فيبغضهم ويعاديهم كميسر العرب
وقمار الموائد ونحوه ، وكثيرا ما يجعل ( اليانصيب ) لمصلحة عامة كإنشاء
المستشفيات والمدارس الخيرية وإعانة الفقراء ، أو مصلحة دولية ولا سيما الإعانات
الحربية ، والحكومات التي تحرم القمار تبيح ( اليانصيب ) الخاص بالأعمال
الخيرية العامة أو الدولية ، ولكن فيه مضار القمار الأخرى وأظهرها أنه طريق
لأكل أموال الناس بالباطل ، أي بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة ، وهذا محرم
بنص القرآن كما تقدم في محله ، وقد يقال : إن المال الذي يبنى به مستشفى لمعالجة
المرضى ، أو مدرسة لتعليم أولاد الفقراء ، أو ملجأ لتربية اللقطاء لا يظهر فيه
معنى أكل أموال الناس بالباطل ، إلا في آخذي ربح النمر الرابحة دون آخذي بقية
المال من جمعية أو حكومة ، وهو على كل حال ليس فيه عداوة ولا بغضاء لأحد
معين كالذي كان يغرم ثمن الجزور عند العرب ، وليس فيه صد عن ذكر الله وعن
الصلاة .
ومن مضرات الميسر ما نبه إليه الأستاذ الإمام ولم يسبقه إليه أحد من
المفسرين ، وهو إفساد التربية بتعويد النفس الكسل ، وانتظار الرزق من الأسباب
الوهمية ، وإضعاف القوة العقلية ، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية ،
وإهمال الياسرين ( المقامرين ) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان
العمران .
ومنها وهو أشهرها تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في
ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز ، وانحصرت ثروتها في
رجل أضاعها في ليلة واحدة ، فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن
تعيش على ما تعودت من السعة ولا ما دون ذلك اهـ .
فإذا ثبت أن هذا النوع لا يدخل في عموم الميسر المحرم في القرآن فلا يعد
من الحرام القطعي بالنص ، ويظهر هذا إن فعلته حكومة أو جمعية خيرية لا تأكل
من ربحه شيئا ؛ ولكن شراءه قد يكون ذريعة لغيره ، فينهى عنه من هذا الباب .
* * *
اليانصيب وتربية الوحوش وغيرها في الأقفاص
( س28و29 ) من صاحب الإمضاء في سميس برنيو ( جاوة )
مولاي الأستاذ العلامة الجليل ، والمصلح الكبير ، صاحب المنار المنير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
( أما بعد ) فأرجو من فضلكم الجواب عن الأسئلة الآتية وهي :
( 1 ) إن حكومتنا الهولاندية قد تعمل بعض الأعمال الكبيرة كبناء
المستشفيات والملاجئ أو إعانة المنكوبين بما يسمونه لوتراي ( يانصيب ) ، وقومته
بنحو مائة ألف روبية ، وجعلتها عشرة آلاف سهم ( لوت ) وتبيع كل سهم
منها بعشر روبيات وتأخذ من ثمن هذه الأسهم خمسين ألفا مثلا لبناء
المستشفيات والملاجئ أو إعانة المنكوبين ، ثم تقسم الخمسين إلى نحو عشرين
قسما تدفع للذين اشتروا هذه الأسهم بطريق القرعة بينهم فمن خرجت له فله نصيب
منها .
فهل يجوز شراء هذا السهم ( اللوت ) وأخذ ربحه أم لا ؟ وهل يجوز لنا طلب
شيء من الخمسين التي أخذتها الحكومة تنفقه على مدرسة إسلامية أو غيرها من
مصالح المسلمين ؟ وهل يجوز أن نعمل مثل هذا العمل ( لوتري ) بإذن الحكومة
لضعف المسلمين وإعراضهم عن البذل في سبيل الخير العام ؟ أم يعد هذا العمل من
القمار الذي حرمه الله بنص القرآن ؟
( 2 ) هل يجوز تربية الطير أو غيرها من الوحوش في الأقفاص فردا أو

(36/3)


زوجا مع ما يكفيها من الأكل والشرب وغيرهما ، وذلك للائتناس بصورتها أو
صوتها ؟ وهل يعد ذلك ظلما لها أم لا ؟ وقد أفتى من أفتى بأن حبس الطير في
القفص ظلم لها وإن لم يقصر في أكلها وشربها .
هذا وتفضلوا بالجواب ، ولكم مني الشكر ومن الله الأجر والثواب .
محمد بسيوني عمران
( 28 ) اليانصيب أيضا :
قد بينا حكم هذه المسالة بالتفصيل في الفتوى 27 آنفا ، أما شبهة جعله للمنافع
العامة فقد بينا ما فيها في جواب سؤال من بلادكم نشر في ص 670 من مجلد المنار
33 ، وأما إذا فعلت حكومتكم ذلك وأعطتكم منه شيئا للمنافع العامة ؛ فإن لكم أخذه
لذلك بغير شبهة .
( 28 ) حكم حبس الوحوش والحيوان والطير في الأقفاص :
قال بعض الفقهاء : إن حبس الحيوان والطير ظلم فهو حرام ، ويظهر وجه هذا
القول إذا كان حبسها لأجل تعذيبها ، والمعهود المعروف عندنا في حدائق الحيوانات
بمصر وأمثالها في الأمصار الكبيرة في الشرق والغرب أن هذه الحيوانات يعتنى
بغذائها وتناسلها ، وجعل الجو الذي توضع فيه كأجواء الأقطار التي تجلب منها ،
وإن الغرض منها انتفاع العلماء بدرس طباعها وسنن الله فيها ، وتمتع العامة
برؤيتها ، وقد خلق الله هذه الأرض وما فيها لمنافع الناس المختلفة فلا وجه مع هذا
لتحريمها قال تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ( البقرة : 29 ) .
* * *
شبهات على تحريم اليانصيب الخاص ربحه بالمنافع العامة
( 30 ) من صاحب الإمضاء في قوص
حضرة صاحب الفضيلة العالم العلامة السيد محمد رشيد رضا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد , فإني - والحق أقول - قل أن أجد
كفئا واسع الاطلاع يرتاح إلى إجابته ضمير السائل غير شخصكم المحبوب .
لهذا أرسل إلى فضيلتكم كلمتي الآتية كشبهة في مجموعها حول تحريم
اليانصيب أرجو بيانها ، وإرسال شعاع من نور علمكم الفياض يكشف لي الحق
وينير طريقه - وهي ليست شبهات متعنت أو مجادل ليس إلا ، وإنما هو طلب
الوقوف على الحقيقة التي لا يصل إليها علمي القاصر ، والله أسأل أن يطيل في
حياتكم وينفع بكم الإسلام والمسلمين .
حسن النجار أحمد مدرس إلزامي
شبهاتي حول تحريم اليانصيب
يقول الأصوليون : إن المآلات معتبرة شرعا ، واعتبارها لازم في كل حكم .
( أولا ) فقد يكون العمل في الأصل مشروعا ؛ ولكن ينهى عنه نظرا
لما يئول إليه من المفسدة : مثال ذلك امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل
من ظهر نفاقه معللا ذلك بقوله : ( أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ).
( ثانيا ) النهي عن سب من يدعو المشركون من دون الله معللا ذلك في
قوله تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم }
( الأنعام : 108 ) .
( ثالثا ) النهي عن التشدد في العبادة خوف الانقطاع عنها .
فالأصل في كل هذه الأمثلة وما ماثلها على المشروعية ؛ ولكن نهي عنه نظرا
لأن مآله غير مشروع بضرره ، والمفسدة المؤدية إليه ، والشرع إنما مبناه على
جلب المصالح ودرء المفاسد ، وقد يكون العمل أيضا في الأصل ممنوعا ؛ ولكن
يترك النهي عنه نظرا إلى ما يؤول إليه من المصلحة .
ومثاله : تحريم قتل النفس ، ثم إباحتها عند القصاص نظرا لمآله الذي عبر
القرآن الكريم عنه بقوله : { ولكم في القصاص حياة } ( البقرة : 179 ) .
ومثاله إباحة الكذب عند قصد الصلح مثلا - وإباحة الغيبة وذكر عيوب الناس
لغرض شريف مشروع كالاستعانة على تحسين حاله أو الانتصاف منه ... إلخ .
ومثاله إباحة كشف العورة عند التداوي ، وإباحة أكل الميتة للمضطر ، ومثاله
ما جاء في حديث البائل في المسجد حيث أمر الرسول بتركه حتى يتم بوله نظرا
لأن الضرر المترتب على تركه أقل من الضرر المترتب على قطعه بوله ، فلم لا
تطبق هذه القاعدة في اليانصيب والغاية منه شريفة ومفيدة كالاستعانة بما يجمع منه
على إزالة الأمية ، ورفع الجهل عن كاهل الأمة - أو كالاستعانة به في بناء
مستشفى لتخفيف آلام المرضى من الفقراء والمساكين كما هو الحال في يانصيب
جمعية المؤاساة الإسلامية بالإسكندرية .
أرجو إجابتي على هذه الشبهات بما أفهم فيكم من دقة البحث وسعة الاطلاع
والسلام عليكم ورحمة الله .
حسن النجار أحمد
( 3 ) لم لا يباح قمار اليانصيب لجعل ربحه في المنافع العامة ؟
( ج ) لا ريب أن جميع أحكام الشريعة السمحة في المعاملات مبنية على
أساس المنافع والمصالح العامة واجتناب المفاسد ودرئها ، ومعللة بها ، والحكم يدور
مع العلة وجودا وعدما كما قالوا ؛ ولكن ما ثبت منها بنص الشارع القطعي الرواية
والدلالة لا مجال للاجتهاد في أصله ، ومنه تحريم الميسر فيجب اتباعه وإن لم
تظهر لنا علته في بعض أنواعه مع الجزم بأنه لا بد أن تكون له علة صحيحة ، ولا
تجوز مخالفته إلا بدليل نص مثله كدليل إباحة الضرورات للمحظورات كما سيأتي ،

(36/4)


وقد بين الكتاب العزيز أن في الخمر والميسر إثما كبيرا ومنافع للناس وأن إثمهما
أكبر من نفعهما ، وقد حرمهما الله تعالى مع ذلك مبينا علة تحريمهما في آيات سورة
المائدة ، فإن كان ما يسمى ( اليانصيب ) من هذا الميسر فلا يقال لم لم يبح هذا
النوع منه لما فيه من المنفعة الزائدة على ما كان من منافع الميسر الذي كان عند
العرب عند نزول الآية ؛ لأننا نقول : إن النص يجب اطراده ، وإن لم تظهر العلة
في جميع أفراده كما هو الأصل في جميع قواعد التشريع العامة : الدينية والقانونية .
بيد أن هنا شبهة على تحريم اليانصيب الخيري المحض الذي تفعله الحكومات
والجمعيات الخيرية بيناها في الفتوى 27 آنفا ، وهي أن يقال : إن هذا اليانصيب
ليس مما يدخل في عموم ميسر العرب بالأزلام ، ولا تظهر فيه علة تحريمه
المشتركة بينه وبين الخمر وهي قوله تعالى : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم
العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم
منتهون } ( المائدة : 91 ) وإذا كان فيه إثم وضرر مما ذكرناه في تفسير آية البقرة
فلا ريب في أن نفعه أكبر من إثمه وضرره ، فلا يظهر وجه لتحريمه في هذا النوع
خاصة بخلاف غيره والله أعلم .
________________________
(1) رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما بهذا اللفظ ، وبدون كلمة (شربا) أحمد و البخاري في التاريخ وأبو داود .

(36/5)


تصدير طبع كتاب المنار والأزهر

{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ، { يرفع الله الذين
آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } ( المجادلة : 11 ) ،
{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل
على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } ( الجاثية : 23 ) ، { هذا
كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) .
صدق الله العظيم
ما للأزهر وما عليه من الحق :
الحق أقول : إنه لا يوجد في العالم الإسلامي بيئة ( أو ما يعبر عنه في
العرف المدني بالشخصية المعنوية ) أجدر من هذا الأزهر بالكرامة في نفسه ،
وبالتكريم من الأمة وحكومتها ؛ ولكنه ظلم وهضم حقه ، بل حقوقه منذ تفرنجت
حكومته ، ولم تعد تشعر بالحاجة إلى علم الدين وأهله ، فازدرتهم وحرمتهم من
مناصب الدولة ، وقد قبل علماؤهم هذا وذاك بلا دفاع أو بلا شعور ، فصار من
التقاليد المتبعة والعرف العام الذي يراعى في القوانين ويشبه الشرع الإلهي المنزل ،
وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم ، فظلمتهم حكومتهم ، وخذلتهم أمتهم ؛ حتى قيض
الله تعالى لهم عالما أفغانيا ، سيدا حسينيا ، فأيقظهم من سباتهم ، ونبههم من غفلتهم
عن أنفسهم ، وذكرهم بحقوقهم في الدولة وبحقوق الأمة عليهم ، وأهاب بهم ليأطروا
الظالم على الحق أطرا ، ويقسروه على العدل قسرا ، كما هداهم نبيهم صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آله ، وإلا أهلكهم الله تعالى بخضوعهم للظلم ، وتنكيس رؤوسهم
للذل ، وليستعدوا لذلك بإحياء العلم الذي تحيا به الأمم ، وتقوم به الدول .
ثم خلفه من مريديه عالم من بني جلدتهم ، ونبتة باسقة من تربة أزهرهم ،
جهر بدعوته هذه معه وبعده ، إذ قال في بيانه لها في سياق ما دعا إليه من الإصلاح
العلمي والعملي :
( جهرنا بهذا والظلم في عنفوانه ، والاستبداد قابض على صولجانه ، ويد
الظالم من حديد ، والناس كلهم عبيد له أي عبيد ، ) فماذا جرى ؟
نفى الظلم الداعي الأول من القطر ، ونفى الثاني أولا من القاهرة إلى بلده
محلة نصر ، ثم إلى خارج وطنه : ثم كان ماذا ؟ أو ماذا كان ؟ عاد إلى مصر
عزيزا كريما ، وجدد الدعوة إلى إصلاح الأزهر ، وإصلاح مصر والأمة الإسلامية
به ، فسالمه الظلم آنا ، ثم ناوأه آونة ، واستعان على صده عن الأزهر ببعض أهل
الأزهر ، وقد كان من أعوان الظلم عليه وعلى الإصلاح بعد أن كان معه الشيخ
محمد الأحمدي الظواهري شيخ الأزهر اليوم الذي عمل في إفساد إصلاحه ، وإذلال
الأزهر ، وظلم أهله ما لم يعمله أحد منهم ، ولا من غيرهم .
الأساس الإداري لإصلاح الإمام للأزهر الاستقلال :
أتكلم في هذا التصدير عن إصلاح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده قدس الله
وجهه من وجهة إعلائه لشأن الأزهر واستقلال أهله به ، وكف يد كل من الحكومة
والأمير عن الاستبداد فيه ، وهي الوجهة التي عني الشيخ الظواهري بإفسادها ،
وظهر لكل أهل الأزهر ولغيرهم سعيه وسعايته لهدم الأساس الذي وضعه الإمام لها ،
وقد تكلمت في صلب الكتاب عن كيده للإصلاح العلمي الديني بالإفساد البدعي
الخرافي .
كان الأساس الذي وضعه الإمام محمد عبده لإدارة الأزهر أن يكون علماؤه
مستقلين فيه بنظام وقانون لا سلطان للحكومة ولا للأمير على العبث به ، كما بينت
ذلك بالتفصيل في المنار ، ثم في الجزء الأول من تاريخه ( أي تاريخ الأستاذ الإمام ).
وذكرت من جملة الشواهد على ذلك من وقائعه أن سمو الأمير أرسل إلى شيخ
الأزهر رجلا من أكبر رجالات مصر المكرمين ( هو الشيخ محمد توفيق البكري )
يبلغه فيه أمر سموه بتوجيه كسوة تشريف من الدرجة الأولى لغير المستحق لها من
العلماء ، فلما عرض توجيه الكسوة المنحلة في مجلس إدارة الأزهر لم يتسن لشيخ
الأزهر أن يوجهها إلى غير مستحقها والشيخ محمد عبده في الجلسة ، بل وجهت
إلى مستحقها بمقتضى القانون .
حتى إذا ما اجتمع كبار العلماء في حضرة الأمير في أول مقابلة له في قصر
عابدين ، صب سموه سوط التثريب على شيخ الأزهر قائلا له : ألم أكن أمرت بكذا ؟
فحصر لسان فضيلة الشيخ عن الجواب ، وفرك إحدى كفيه بالأخرى ، فبادر
الشيخ محمد عبده إلى إنقاذه قائلا : إن الذي قرره مجلس الإدارة في الكسوة المذكورة
هو التنفيذ لأمر أفندينا ؛ لأنه مقتضى القانون الموقع بإمضاء سموه ، والمجلس لا
يعرف له آمرا غيره ، ولا يمكنه العمل بالأوامر الشفوية المخالفة له ، فإذا شاء
أفندينا أن توجه ( كساوى التشريف ) إلى من يشاء من العلماء فليلغ القانون بدكريتو
( مرسوم ) يقول فيه : إن كساوى التشريف توجه بإرادة سنية منا ! ! فلما سمع

(36/6)


الأمير هذا تبيغ دما ، وتفصد عرقا ، وانتصب واقفا لينصرف العلماء فانصرفوا .
هدم الظواهري لاستقلال الأزهر بنفوذ مستخدمي البلاط :
وأما الشيخ الظواهري فهو يخالف قانون الأزهر وما هو فوقه من هداية كتاب
الله وسنة رسوله بكلمة من القصر غير صادرة له عن لسان جلالة الملك المطاع ،
بل من تلفون الإبراشي باشا أو من دونه من حاشية البلاط ، لا لحفظ استقلال
الأزهر وكرامة أهله ، بل للتمتع بمنافع السلطان الاستبدادي فيه ؛ فالشيخ لذته في
التمتع بلذة الرياسة في ظل استبداد السياسة ، حتى روي أنه يبذل أكثر راتبه
لشريكه في تبادل المنفعة[1] ، ولذة هذا الشريك في جمع المال لنفسه ، وجل منافع
الشيخ المادية ما يناله ولده وأهل بيته وبعض أعوانه من الوظائف بجاهه ، هذا ما
يقوله ويكتبه المنقبون في سيرته ، ومثل هذا قد فعل غيره ؛ ولكن الذي لم يفعله أحد
من مشايخ الأزهر هو هذا الإسفاف والتدلي في إهانة علم الدين وأهله بجعل رئيسهم
يذل ويخزى بخنوعه لموظف إداري أو كتابي ليس له عليه أدنى سيطرة ولا سلطان ،
وكل ما يخشاه ويرجوه من وجوده في القصر الملكي أن يكتم عن جلالة الملك
ظلمه واستذلاله للعلماء ، أو يتأوله بأن فيه خدمة دينية لجلالته ، أي أنه يرجو منهم
أن يغشوا ولي الأمر به ، وتسمية هذا خدمة للدين أو اتباعا لما أوجبه الله تعالى من
طاعة أولي الأمر ، من تلبيس إبليس ولبس الدين مقلوبا كالفرو ، كما قال أمير
المؤمنين علي كرم الله وجهه .
وقد بينت في خاتمة هذا الكتاب أقوال أشهر المفسرين في الظلم والركون إلى
الظالمين ، وإلى من تدنس بشيء من الظلم وإن قل وكونه سببا لدخول النار معهم ،
وما يجب من طاعة الأمراء والسلاطين بالمعروف ، ومن نهيهم عن المنكر ، ومن
كون السلطة العليا عليهم للأمة ينفذها أهل الحل والعقد من زعمائها .
وقد قال حجة الإسلام الغزالي في ( كتاب الحلال والحرام ) من الإحياء :
(الباب السادس فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة ويحرم ، وحكم غشيان
مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم ) ( اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة
ثلاثة أحوال : الحالة الأولى وهي شرها أن تدخل عليهم ، والثانية وهي دونها أن
يدخلوا عليك ، والثالثة وهي الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك ) .
ثم شرح كل حالة من هذه الثلاث وهو يخاطب بهذا كل مسلم ، فما قولك
بعلماء الدين المتصدرين للإمامة والقدوة فيه ؟ ثم ما قولك فيهم إذا كانت حالتهم معهم
دون الحالة التي قال أنها شر الأحوال بأن يكون العالم الكبير أمام أحدهم كالأجير
الصغير ، بل رئيس العلماء الأكبر كالمرؤوس الحقير ، إن الإمام الغزالي لم يكن
على سعة عقله واختباره لأهل زمانه يتصور أن يضع أحد من العلماء نفسه في هذا
الدرك الأسفل وهو الذي كتب ما كتب في علماء السوء وازدلافهم للسلاطين ،
وتذكيرهم بعزة علماء الدين ، ووعظهم للخلفاء العباسيين ، وهو الذي زاره الخليفة
في بيته واقترح عليه أن يؤلف كتابا في إبطال شبهات الباطنية ، وتفنيد دعوتهم
المفسدة للدين والدولة ، فمن كان هذا شأنه في مقام العلم الكريم ، لا يخطر في باله
أن يكون رئيس العلماء الأكبر في مصر إسلامي كما نرى في مصرنا هذا .
كان عندنا في الأزهر ذلك الإمام الكامل الذي كان يهابه أميره ، بله بطانته
وأعوانه ، وكانت مزاياه ترى من الهند في الشرق ، و تونس و الجزائر في الغرب ،
وأوربة في الشمال ، من حيث لا يراه الأزهر الذي يجاهد فيه لرفع ذكره ،
وإعلاء قدره ، فاضطره الاستبداد إلى الخروج منه والاستقالة من خدمته ، ليوجه
جهاده إلى ميدان آخر ، فلم يشعر الأزهر يومئذ بهذه الصدمة التي قرع بها ، وقد
شعر بقارعتها وشكا منها الشرق والغرب كما شرحنا ذلك في المنار ثم في ( تاريخ
الأستاذ الإمام ) .
يومئذ خدعوا الأزهر بأنهم يريدون إرجاعه إلى ما وجد لأجله بزعمهم ، وهو
( العبادة وعلوم الدين لا غير ، ومنع كل ما سواها من علوم العصر ، وقصر كل ما
يسمونه الإصلاح على صحة الطلبة وغذائهم ، وخدعوا الرجل الطيب علامة مصره
الشيخ عبد الرحمن الشربيني ( رحمه الله ) بهذا فاتخذوه آلة لتنفيذه ، وقبول مشيخة
الأزهر لأجله ، بعد التمهيد له بخطاب مفتوح رفعه الشيخ محمد الأحمدي الظواهري
إلى سمو الخديو قال فيه : وأرجو ويرجو المسلمون من سموكم أن تشملوا هذه
المدارس ( يعني الأزهر والمعاهد الدينية ) بعنايتكم ، وأن تقطعوا منها جراثيم
الفساد والانحطاط ) .
ثم أرسلوا صاحب الجوانب المصرية الأديب السوري المعروف إلى الأستاذ
الشيخ الشربيني لأخذ حديث منه ينشر فيها ، فتنقله جريدة المؤيد فيخفى على الناس
أنه مكر مدبر كما ظنوا ، فكان أول ما سأل الشيخ عنه :
( ماذا يرى مولانا فيما قام يلتمسه اليوم الشيخ الظواهري من الجناب
الخديو ؟ )
أجاب الأستاذ : الظواهري إنما ينطق بلسان كل محب لخير الأزهر عالم
بالغرض الذي أسس له والخدمة التي أداها للدين . ثم بين في جواب سؤال آخر أن

(36/7)


هذه الخدمة عبادة الله ، وطلب شرعه كما تركه لنا الأئمة الأربعة رضي الله عنهم لا
غير ( وما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم الأعصر فلا علاقة للأزهر به ، ولا
يرجى له ) ... إلخ ما فصلناه في تاريخ الأستاذ الإمام ، فكيف قبل الظواهري في
رياسته للأزهر اليوم ما طالب الخديو بقطع جراثيمه بالأمس ، بل جعل لعلوم
العصر ومدرسيها السلطان الأعلى على الأزهر وعلماء الدين فيه ؟
ماذا فعل العلامة الشربيني الذي لم يدر ما أريد به ، كما أنه لم يكن يدري لماذا
أنشئ الأزهر ولا ما فعله الأزهر ؟ ثم ماذا فعل من بعده من مشايخ الأزهر منذ
تركه الأستاذ الإمام سنة 1323هـ و ( 1905م ) إلى هذه السنة 1353 ؟
لم يفعل أحد منهم شيئا ، وإنما تركوا أمرهم للخديو ، ثم تركه الخديو للحكومة
فسنت له قانونا بعد قانون ، ولم يكن لأحد منهم رأي في عبث الحكومة بالأزهر ،
ولا تأثير علمي ولا ديني فيما تقلب فيه الأزهر من التنقل في الأطوار ، ولا فهمها
أحد منهم إلى أن ولي رياسته الشيخ محمد مصطفى المراغي فكان هو الرجل الذي
عرف ما تجدد في الأزهر من أطوار ، وما يضطرب فيه من موج ويصطخب من
تيار ، فوضع له القانون الذي يمكن أن يجري فيه فلك الإصلاح آمنا من الأخطار ،
فنوزع في بعض مواده التي يتعذر بدونها حمل تبعة العمل واستقلال فيه فاستقال منه ،
فظهر من مزاياه وخلائقه العليا بهذه الاستقالة ما لم يكن يعرف كنهه أعرف الناس
بإدارته وسيرته في مدته القصيرة في رياسة الأزهر ، ولا فيما قبلها من رياسة
المحكمة الشرعية ، ولا فيما قبلها من رياسة القضاء الشرعي في السودان .
وأما أهل الأزهر فكان يعرفه بعض أذكيائهم المستقلين في العلم والرأي ، ولم
يعرفه علماؤهم وطلابهم كلهم إلا بعد أن جربوا رياسة خلفه المضاد له في جميع
مزاياه ، وبضدها تتميز الأشياء ، بل عرفه الآن جميع الناس حتى العوام في القاهرة
والإسكندرية وبقية الأمصار التي هي مقر المعاهد الدينية والمدارس العليا إذا
صخت أسماعهم أصوات الألوف المتظاهرة على الشيخ الظواهري من الأزهريين
وطلاب المدارس العليا صائحة في الشوارع بإسقاطه ، نابزة له بألقاب الخيانة
ونعوت الإهانة ، وملحة في مطالبة الوزارة التوفيقية الحرة بإعادته إلى مشيخة
الأزهر ورياسة المعاهد الدينية .
ثم عرف هذا كله سائر الأمصار والقرى في هذا القطر ، وفي غيره بنشر
الجرائد له في العالم مؤيدا بمقالات كثير من علماء الأزهر وغيرهم من حملة الأقلام ،
فكان أقوم شهادة لما يسمى في هذا العصر بالرأي العام .
طور الأزهر الجديد ومن يصلح لرياسته :
إن الأزهر قد دخل في طور انقلاب عصري جديد فيه خطر كبير على الدين
والدولة ، وفيه رجاء عظيم لهما ، فلا يصلح لإدارته فيه إلا عالم كبير العقل ،
عزيز النفس ، عالي الهمة ، قوي الإرادة ، حكيم الإدارة ، صادق اللسان ، راسخ
الخلق ، عزوف عن السفاسف والدنايا والمطامع ، يشرف الرياسة فيزداد بها شرفا ،
ويضطر كل من يتصل به أن يجله ، سواء أوافقه في الرأي أم خالفه ؟
مثل هذا الرجل يندر وجوده في صنف العلماء وغيرهم من الطبقات الراقية
كرجال المدارس العالية والقضاة والمحاماة والوزراء والأمراء لا في مصرنا هذه
التي تشكو من فقر الأخلاق المدقع فيها ، بل في أمصار الشرق والغرب أيضا ،
ولكن يكثر في طبقاتنا العراة المجردون من حللها كلها أو أكثرها ، وأكبر المصائب
على الأمة أن تقلد المناصب ، وتناط المصالح بهؤلاء العراة البادية سوآتهم ، أو
ببعض المستورين بالأسمال والأخلاق البالية لأجل تجربتهم ؛ ولكن أهل الأزهر
أكلوا من شجرة أبيهم آدم عليهم السلام فبدت لهم سوآت بيئتهم ، ورأوا بعين
بصيرتهم العريان من جلل تلك المزايا والفضائل والعاطل من حليها ، فهم يرغبون
فيه ، ويرون من زينه الله بأجمل زينتهما فهم يرغبون فيه ، وإنهم لعلى هدى في
الأمرين ، وإن ما تطلبه المصلحة بلسان الحال ، أقرب مما تطلبه الرغبة بلسان
المقال { فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك
يضرب الله الأمثال } ( الرعد : 17 ) .
بيد أن الثورة قد تزين للشبان طلب ما لا ترضاه الحكمة ، من حيث لا يدرون
أن مثل هذا الطلب قد يكون مانعا لا مقتضيا ؛ لأن الحكومات تأبى أن تكون منفذة
لرغبات طلاب المعاهد والمدارس لذاتها ، بل يخشى أن يكون التظاهر سبب تأخير
ما اقتضته المصلحة العامة منها ، إلا إذا كانت الحكومة كوزارة محمد توفيق باشا
في إيثار المصلحة على كل شيء ، وهذا الوزير المستقل في رأيه وإرادته أعلم من
كل هؤلاء المتظاهرين ومن غيرهم بمزايا الشيخ المراغي في نفسه ، وبمكانته في
قلوب أمته ، وأعلم بحالة الأزهر ومشيخته الحاضرة ، وزادته هذه المظاهر الحرة
التي لولاه لم تكن علما ، ولا يخفى عليه أن ما قيل وما كتب وما فعل من قبل ومن

(36/8)


بعد في إهانة الظواهري ، وإظهار الأزهر لاحتقاره كاف لإبعاده عنه لو كان مبالغا
فيه ، فكيف وقد ظهر عجزه عن إدارته ، وإن في بقائه في المشيخة إهانة للإسلام
والمسلمين في اعتقادهم إن لم نقل في الواقع ؟ وإنني لأقول هذا عن عقيدة ورأي ،
ولا يخالف فيه ذو حجر ، والأمور مرهونة بأوقاتها ، ونسأل الله التوفيق لأولياء
أمورنا .
نصيحة لطلاب الأزهر والمعاهد الدينية :
إخواني : إنكم ستنالون ما ترضون من تولي من تمقتون عنكم ، وتولية من
تحبون عليكم ، لا بقوة مظاهرتكم لزيد وتظاهركم على عمرو ؛ بل لأنه الحق
والخير والمصلحة ؛ ولأن الأمة الإسلامية كلها معكم فيه ؛ ولأنكم في عهد وزارة
تقدر هذه القوى الأربع قدرها ، وجديرة بأن ترضي الله تعالى بإرضائها ، وإن هذا
لهو خير لكم من إجابتكم إلى ما طلبتم خضوعا لقوة اجتماعكم لذاتها ، نعم إن
الاجتماع قوة ؛ ولكن قوة الحكومة أشد من قوة الطلبة ، بيد أنها دون قوة الأمة التي
تطلب الحق بوسائل العقل والحكمة ، وقد قال حكيمنا السيد الحسيني الأفغاني :
العاقل لا يظلم فكيف إذا كان أمة ؟
إخواني : إنني قلت في مقدمة هذا الكتاب التي كتبتها منذ سنة ونصف سنة : إنه
ليؤلمني ألذع الألم أن تضطر الأمة الإسلامية وصحفها إلى هذا التشهير بسيرة
الرئيس لأكبر مصلحة إسلامية في مصر ... إلخ ، ثم بينت السبب الطبيعي لهذا في
القسم الأخير منه في الكلام على العبرة بهذه العاقبة السوءى للمسيء بمقتضى سنة
الله تعالى في الاجتماع المدني .
وأقول هنا : إن صراخكم في الشوارع بإسقاط شيخ الأزهر مع نبزه بالألقاب
والهجوم على مكتبه وتحطيم ما فيه لجريمة ثورية ذات شعب من الضرر ، ثالثها
إهانة المرؤوسين لمنصب الرياسة بما يخشى أن يكون سنة سيئة لا يبقى معها
للنظام ولا للمنصب حرمة ، فتعقب هذه السنة أن يجتنب هذه الرياسة أهلها الكرام ،
ويتكالب عليها الطامعون اللئام ، الذين يخنعون للإهانة ، فيكونوا حربا للأمة ،
وتكون حربا لهم ، واعتبروا في الفريقين حكمة النبوة في الحديث الذي رواه مسلم
في صحيحه عن عوف بن مالك مرفوعا : ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ،
وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ،
وتلعنونهم ويلعنونكم ) اهـ والصلاة في الحديث : الدعاء المتضمن للعطف ، فالخير
داعية الخير ، والشر داعية الشر ، والمخرج من هذه العاقبة ما ترونه في الكلام
على الأمراء والسلاطين في خاتمة هذا الكتاب .
إخواني : إن التعليم الديني لن يكون وسيلة لسعة الرزق للألوف من
المتخرجين في هذه المعاهد ، ولا ينبغي أن يكون كذلك ؛ وإنما يجب أن يقصد به
إعادة مجد الإسلام من حيث هو دين هداية وسيادة وسياسة وتشريع عام لجميع
البشر ، ولن يكون وسيلة إلى بلوغ رجاله هذه الغاية ، إلا إذا كان أهله مستقلين -
دون الحكام - في إدارته ونظمه ومناهجه ورزقه ودرجاته العلمية بقانون يكفل لهم
ذلك ، فإلى هذه الغاية يجب أن تتوجه قوة المعاهد الدينية ، فإن لم تفعل كانت عاقبة
الدين في مصر كعاقبته في حكومة الترك ، فلا أزهر ولا مدارس دينية ، ولا محاكم
شرعية ، ولا أوقاف إسلامية ، وإن فعلت رجي أن تعم هداية الإسلام الشرق
والغرب ، ويتم بها وعد الله باستخلاف أهله في الأرض ، وإظهاره على الدين كله ،
فيكون علماؤه من الأئمة الوارثين ، وهي فاعلة إن شاء الله تعالى وبه التوفيق اهـ .
***
كلمة جديدة في الكتاب والشيخ الظواهري
إن ما أعلمه حق العلم من تاريخ الشيخ محمد الأحمدي الظواهري وأخلاقه
وآرائه وأعماله من قبل توليته رياسة الأزهر والمعاهد الدينية قد بدت في سيرته
وأعماله في هذه الرياسة ، بل تكشف هو بها فظهر بصورة لا أستبيح لقلمي وصفها ،
ولولا غيرتي الدينية على هذا المعهد الإسلامي ؛ واعتقادي أن رياسته له في هذا
الطور الجديد ، وفي ظل النظام الاستبدادي المدبر كان خطرا على الأزهر ، وعلى
الإسلام لما كتبت ما كتبت فيه ، ولقد نصحت له من قبل أن أكتب شيئا ، ثم أنذرته
راجيا أن يكفيني أمر الاضطرار إلى الكتابة والنشر ؛ ولكن خلقه وغروره بالمنصب
أبيا عليه قبول النصيحة والاعتبار بالإنذار .
جئته أول مرة أو زرته بمكتبه في إدارة المعاهد لما رأيته شرع في الانتقام من
بعض العلماء المهتدين بنور الكتاب والسنة بالنقل من الأزهر إلى بعض المعاهد ،
واتهامهم بما أمر بالتحقيق فيه ، فتلقاني بالحفاوة والترحيب كدأبه ، وأظهر لي
الرغبة في التعاون معه على خدمة الإسلام ، مصرحا بقوله : نحن إخوة إن كنا نختلف
في بعض الآراء فلا يمنعنا هذا عن التعاون على خدمة الإسلام العامة ، ولعله كان
رأى في المنار ما أسميه القاعدة الذهبية للاتفاق بين أتباع المذاهب والطوائف وهو
قولي : ( نتعاون على ما نتفق عليه ، ويعذر بعضنا بعضا فيما نختلف فيه ) وكان
فضيلة الأستاذ مفتي الديار المصرية المحب للإصلاح المعتصم بالإخلاص حاضرا ،

(36/9)


فسر بكلمة الشيخ الأكبر ، وتكلم فيما يراه من وجوب التعاون بيننا ؛ ولكنني لم أكن
أعتقد أن الشيخ مخلص في قوله كالمفتي ، فكانت أول تجربة له أن ألقيت إليه
النصيحة التي زرته لأجلها ، فقلت له : إن العرب كانت تقول : إن آلة الرياسة أو
شرطها الحلم وسعة الصدر ، ولم أذكر له الشرط الثاني لهم في بيت الشعر المشهور
الذي يذكر في شواهد النحو :
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير
قلت : وإذ كانت فضيلتكم ترى أن الاختلاف في بعض المسائل لا ينافي الأخوة
والتعاون على المتفق عليه ، فأرى أن يتسع صدركم لما تنكرونه على فلان وفلان
من العلماء ولا تفتحوا على أنفسكم باب الانتقام ، ولا تجعلوا لكم خصوما من
مرؤوسيكم ... إلخ ، فوعد وعدا حسنا في ظاهره ، يومئ إلى مكر في باطنه ، ثم
ظهر هذا المكر في أقبح صوره بعزل من أوصيته بهم من التدريس في الأزهر ،
وهم الذين يكره منهم ما عرف عنهم من إنكار للبدع ، واتباع للسنن على مذهب
السلف واستقلال في العلم ، وعزل آخرين معهم من كبار السن بالشبهة التي
اشتهرت وعلم جميع أهل الأزهر وغيرهم من العارفين بطلانها .
ثم إنه لما أغرى سفيهه من محرري مجلة المشيخة ( نور الإسلام ) بنشر تلك
المقالات المعروفة في تأييد البدع والخرافات والطعن على الوهابية ورجال الحديث ،
ثم على المنار بعد أن نصحت لها بسلوك الطريقة المثلى اللائقة بأول مجلة دينية
رسمية تصدرها مشيخة الأزهر ، ورأيتني مضطرا إلى الرد على ما افترته علي ،
كاشفت الشيخ بأنه يجب علي شرعا أن أرد على ما افترته علي مجلة المشيخة ، فإن
أذن بنشر الرد فيها اقتصرت به على بيان خطأ المفتري بأبرد النصوص الصحيحة
المبينة للحقيقة من المنار بدون زيادة ، وإلا رددت عليها بما أنشره في المنار ، وفي
بعض الجرائد اليومية بما يسوءه من إظهار جهلها وافترائها ، فأظهر قبول الاقتراح
الأول وكان ما كان من محاولة خداعي بالصلح والاتفاق كما بينته في المنار ، ونشر
في بعض الجرائد ، وجمع في هذا الكتاب .
ثم طبعت هذه المقالات مستقلة ، ورأيت أن أضيف إليها بعض الشواهد من
مجلدات المنار على ما قمت به من خدمة الأزهر والدعوة إلى إصلاح التعليم
والتربية فيه ، والمقترحات الإسلامية التي توجبها حاجة العصر على علمائه ، وإن
أقدم على هذا خلاصة لترجمتي العلمية ، وتربيتي الدينية التي جعلت كل همي من
حياتي الدعوة إلى الإصلاح الإسلامي ، وهاجرت إلى مصر للقيام بها ، وأنشأت
المنار لها .
وكان الغرض الأول من كتابة هذه الترجمة أن تدل قارئها على أن الباعث
النفسي على الرد على مجلة الأزهر هو ما نشأت عليه تربية وتعليما وعلما وعملا ،
ولم يكن غرضا عارضا ، ولا جزاء محضا للظواهري ولسان حاله الدجوي بطعنهما
علي عملا بما أباحه كتاب الله من جزاء السيئة بمثلها ؛ فإن خلقي يأبى علي هذا ، ولو
أردته لعجزت عن كتابة مثل تلك الرسالة الهجائية ( صواعق من نار في الرد على
صاحب المنار ) التي استقاءها الثاني واستساغها الأول ، وكانت توزع في الجامع
الأزهر بالمجان ، ووعد الشيخ الأكبر بمنع توزيعها فأخلف الميعاد كعادته ، وإنما
كتبت لتطهير الأزهر الشريف مما لطخاه به من العار ، وصد ما استهدف له من
الأخطار ، ودفاعا عن حق المنار .
وقد بدا لي بعد الشروع فيها أن أبيح لقلمي فيها حرية قد ينتقدها بعض قارئيها
من شانئ شائن يعدها من تزكية النفس المذمومة ، ومن صديق مزك يود أن أجب
عن نفسي الغيبة ، وهو ذكر بعض ما وقع لي من الأمور الروحية غير العادية في
أثناء الاشتغال بالرياضة الصوفية وكثرة الذكر ، مما يعده الجمهور من كرامات
الأولياء ، وقد اشتهرت بالإنكار على المغرورين بها ، والتأويل لأشهر ما يعدونه أو
يدعونه منها ، حتى إن بعض أعداء الإصلاح من الخرافيين الذين اتخذوا دعوى
الكرامات والمنامات حرفة يأكلون بها أموال العوام بالباطل ، ويستهوونهم لاعتقاد
ولايتهم ، واتباع بدعهم والبذل لهم ، ما زالوا يصدون هؤلاء العوام الجاهلين عن
الإصلاح الذي يدعوهم إليه المنار بأن منشئه من منكري الكرامات ومبغضي
الأولياء .
ولقد وقع إذ نشرت هذه الترجمة في المنار ما كنت أتوقع من نقد بعض
المحبين وحمد آخرين ؛ ولكن كان من البواعث لي على نشره في الكتاب لا الموانع
دونه ، وإنني أشير هنا إلى جملة هذه البواعث ولولا حدوث ما اقتضى تعجيل
إصدار الكتاب لنشرتها فيه وهي :
إن أكثر المسلمين أو الشرقيين الذين عرفنا أحوالهم بالمشاهدة والمحادثة
والمكاتبة في البلاد التي نشأنا فيها والبلاد التي سافرنا إليها من عربية وتركية
وهندية ينقسمون في الأمور الروحية فريقين كبيرين ، وفريق ثالث صغير ، أو قليل .
الفريق الأول : يصدقون كل ما يقرؤون وما يسمعون من الأخبار المخالفة
للعادات المألوفة عن المتقدمين الذين يسمونهم الأولياء ، ويسمون أعمالهم بسمة
الكرامات ، وعن المعاصرين من مشايخ الطريق ومدعي استخدام الجن ،

(36/10)


ويخضعون للمنتحلين لها ، ويرجون نفعهم ويخافون ضرهم ، ويبذلون لهم أموالهم ،
وربما ائتمنوهم على أعراضهم ونسائهم ، وفي ذلك من الخرافات والمعاصي المفسدة
لأمور الدين والدنيا ما تفاقم شره ، واستشرى فساده وعظم وزره ، وما هو شرك
صريح بالله تعالى .
والفريق الثاني : ماديون يكذبون جميع هاته الأخبار ، وينكرون وجود ما ليس
له سبب طبيعي منها أو إمكانها ، ويعدونها مفتريات مختلقة لخداع الجاهلين الغافلين
وسلب أموالهم ، ومنهم الذين يكذبون الأديان كلها لاتفاقها على أخبار معجزات
الأنبياء ، وكرامات القديسين والأولياء ، ويحتجون على ذلك بأنها في هذا الأصل
الديني سواء ، مع اختلافها فيما هو أهم منه من أصول الدين ، وبأن العلم والتاريخ
قد كشفا كثيرا من خفايا أهلها ودجلهم وحيلهم وكذبهم ويقاس غيره عليه .
والفريق الثالث : يعتقدون أن لها أصلا ثابتا ؛ ولكن فيها دجلا وأباطيل يتعذر
التمييز بنيها ، ومن هؤلاء من لا يصدق منها إلا ما أثبته الإفرنج المشتغلون بالأمور
الروحية ، وما يسمونه استحضار الأرواح ، وهم في حيرة من تعارض أخبارهم مع
عقائد الأديان ، وكثيرا ما ينقلون ما يرونه في الصحف الإفرنجية من أحداثها ،
ويعدونه كغيره من الغرائب المادية التي تهدي إليها التجارب في نور العلم .
ومن موضوع المنار البحث في هذه المسائل ، والتصدي لهداية أهلها للحق
فيها ، لهذا رأيت من المفيد أن أذكر في ترجمة حياتي ما وقع لي مما يؤهلني لذلك ،
ويبين لقارئه أنني أتكلم فيه على بصيرة فيما أنتقده ، وفيما أقره وما أتأوله ، كما
أتكلم في إصلاح التربية والتعليم في الأزهر وغيره ، وأنه ليس لي فيه هوى ولا
منفعة ، ولا أخشى به فتنة أحد ، بل مقاومة الجهل والدجل ، أحمد الله عز وجل أن
حفظني ببركة الإخلاص من هذه الفتنة في الزمن الذي فتن في مثله الكثيرون في
كل عصر ، فقد ألهمني أن كنت أهون أمر تلك الأمور الروحانية على من يرونها
بأعينهم ( كشفاء المصروعين والمرضى ) ويسمعونها بآذانهم ( كالمكاشفات ) من
حيث أرى أهل الدعوى والتلبيس والدجل قد فتنوا كثيرا من الناس بأنفسهم ، وسلبوا
الكثير من أموالهم ، وأسال الله تعالى أن يتم النعمة ، ويحسن الخاتمة بفضله وكرمه .
وإني لأستغرب أن يقصدني بعض علماء أوربة الباحثين في الأمور الروحية
للبحث معي فيها ، وأن يعدوني من بعض أعضاء جمعياتهم من حيث لا أرى أحدا
من قومي يعنى بذلك ولا يسأل عنه ، وقد اتسعت دائرة المباحث والتجارب الروحية
في أوربة في هذه السنين ، وكثرت أخبار غرائبها ، وإن جرائدنا تنقل منها ما تظن
أنه ظريف ، ونحن نعلم أنه تليد ، وإن ما كتبنا منه كثير .
وإن إظهار العالم لعلمه عندما يرى الحاجة إليه ليسأل عنه - مطلوب شرعا مع
الإخلاص ، ومجاهدة هوى النفس ، والمأثور في هذا عن أئمتنا في العلم والعرفان
معروف ، والذين كتبوا وقائعهم وتاريخهم منهم كثيرون ، ومن علماء الغرب أكثر ،
وما شرع شيخنا الأستاذ الإمام في كتابة ترجمة حياته إلا بإلحاح بعض هؤلاء
الغربيين عليه فيه ، ومن سوء حظنا أنه لم يتمه ، ونحمد الله أن وفقنا لتدوين ما
علمناه منه .
لعله وضح بهذا ما خفي على بعض إخواننا وغيرهم من نيتنا في كتابة هذه
الترجمة قبل أن ينقرض من أهل وطننا من يعرف أكثرها ، ووضح أيضا أنني لم
أقصد بكتابة هذا الكتاب وبيان مساوئ الشيخ الظواهري فيه إلا ما كان يقصده أئمتنا
من علماء الجرح والتعديل بتراجم رواة الحديث الضعفاء والوضاعين ، وعلماء
الحديث المدافعين عن السنة بالرد على المبتدعين ، فجهادي به موجه إلى المسيء
إلى الإسلام بمنصبه ، دون المجاهر بالإساءة إلي بحسده وراتبه ، فما هذا إلا سيئة
من سيئات ذاك ، وما كنت أعبأ بجهله علي وعلى السنة وأئمتها من أهل الحديث
ومتبعي السلف قبل جعله إياه ناطقا باسم مشيخة الأزهر في مجلتها .
وما ندمت على شيء كتبته فيه إلا ما نقلته من خبر بذله جل راتبه هدايا إلى
وليه وناصره ؛ لأن ظاهر عبارته أنه من المساوئ الشخصية على أنني قصدت به
إزالة عجب الناس من إبقائه في منصبه بعد ظهور مساويه تنزيها لولي الأمر عن
علمه بها وإقراره عليها .
ولقد أرجأت تصديره ثمانية عشر شهرا ؛ لأنني أعلم أنه يقرب أن يتقرب به
إلى أوليائه في الحكومة تلك المستبدة الظالمة فيزداد استمساكهم به : { وإن الظالمين
بعضهم أولياء بعض } ( الجاثية : 19 ) وما كادت تسقط وتخلفها الوزارة الحرة
المرجوة ، إلا وصراخ الأزهر وعويله من ظلمه قد طبق الآفاق ، واخترق السبع
الطباق ، وأطبق عليه الطلاب والعلماء ، وأجمع عليه الكتاب والشعراء والخطباء ،
فتعذر أن يتهم به فرد من الأفراد أو جمع قليل متواطئون عليه ، فنشرت الكتاب
موقنا بقرب عزله إن لم يعتزل ، وإقالته من منصبه لا من عثره إن لم يستقل ؛ لأن
الاستعجال بهذا أهون الشرين عليه من الإملاء له فيه ؛ فإن الأزهر لن يطيق الصبر

(36/11)


بعد على احتمال الذل والهوان ببقاء رياسته ؛ ولكنه هو يحتمل شرا من ذلك
بالإصرار عليها ، وتمني قهر مرؤوسيه بحماية حرس من الحكومة له في بيته
وفي طريقه وفي الأزهر يمنعه أن ينكلوا أو يمثلوا به ، وما كانت شدة الحرص
على الرياسة لتأتي بخير ، وإنما خير أهلها من ترغب فيهم ويرغبون عنها ،
ويرونها عبئا ثقيلا لا يقبل إلا لأجل المصلحة العامة ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم :
( إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعمت المرضعة ،
وبئست الفاطمة ) رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ، وروى البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري أنه قال : ( دخلت على النبي
صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي ، فقال أحدهما : يا رسول الله أمرنا
على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إنا
والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه ) ولقد رأينا في عصرنا
رجلا واحدا حرص على رياسة الأزهر أشد الحرص وأذله وأسخفه ، ورجلا واحدا
زهد فيها أشد الزهد وأعزه وأشرفه .
________________________
(1) إذا كان هذا الخبر حقا لا مبالغة فيه كما يقولون ، فلعله يكون بهدايا بعض الجواهر الغالية ؛ فإن راتب الشيخ كبير .

(36/12)


مباحث الربا والأحكام المالية
( تابع لما قبله )

الأصول والقواعد العامة
للحلال والحرام في المعاملات المالية
مقدمة في تلخيص إجمالي لما تقدم :
قد بينا حقيقة الربا المحرم بنص القرآن القطعي ، وهو ربا النسيئة أي ما
يأخذه الدائن من المديون المعسر عند استحقاق الدين المؤجل عليه وعجزه عن
قضائه لأجل تأخيره إلى أجل آخر ، وهو زيادة لا مقابل لها ، فهي ظلم قد يتضاعف
إذا عجز المديون عن القضاء كلما حل أجل جديد ، فيكون أفحش أنواع الظلم
والقسوة ، وبينا حقيقة ما سمي ربا الفضل ، وهو ما نهى عنه النبي صلى الله عليه
وسلم من بيع أحد النقدين أو أصول الأقوات التي عليها مدار معيشة الأمة بمثله من
جنسه مع زيادة أو تأخير ، وبينا أن حكمة النهي عنه سد ذريعة الربا القطعي
المحرم بنص كتاب الله تعالى ، وبينا أن الفقهاء توسعوا باجتهادهم في أحكام
المعاملات المالية حتى أدخلوا في معنى الربا كثيرا من صور البيوع والقروض
والشركات التي لا تدخل في ربا القرآن الأصلي ( النسيئة ) ولا في ربا الحديث
الاحتياطي من باب ولا منفذ ، إلا بالتأويلات المستنبطة من التعاريف والأقيسة
والضوابط المذهبية والاجتهادية ، وأن جمهور المسلمين يظنون أن كل ما حظره
الاجتهاد المذهبي وعده من الربا فهو محرم ، كالذي حرمه الله بالنص القطعي وتوعد
عليه بأعظم الوعيد لشدة ضرره ، وظلم الأخ لأخيه فيه ، والذي نهى عنه رسوله
صلى الله عليه وسلم احتياطا لسد ذريعة الظلم الذي حرمه الله تعالى على عباده كما
حرمه على نفسه .
ومن أجل هذا الفهم الباطل ضاعت عليهم سبل المعاملات ، ووقعوا في مآزق
العسر والحرج الممنوع من شريعة الحنيفية السمحة بنص كتابها العزيز ، واضطروا
إلى طرق أبواب الحيل لاستحلال ما حرمه الله لا ما حرمه هؤلاء الفقهاء برأيهم
فقط ، ولم يضع لهم هؤلاء الفقهاء حدودا وضوابط للاضطرار أو الحاجة إلى
المحظور في قاعدتهم : الضرورات تبيح المحظورات ، وفي قولهم : إن المحرم لذاته
يباح للمضطر إليه ، وإن المحرم لسد الذريعة يباح للحاجة إليه ورجحانها على
المفسدة .
إن هؤلاء المقلدين حرموا على أنفسهم وعلى عباد الله ما لم يحرمه عليهم ربهم ،
فمنهم من حرم على نفسه منافع أحلها الله له ، ومنهم من أقدم على ارتكاب ما
يعتقد أن الله تعالى حرمه عليه إما بحيلة يعلم أنها لا تخفى على الله ولا ترضيه ،
وإما بغير حيلة ، ودخل أدعياء الفقه منهم في عموم من قال الله تعالى فيهم : { أم
لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به } ( الشورى : 21 ) ومن قال فيهم :
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا } ( التوبة : 31 ) ، وقد فسره النبي صلى الله
عليه وسلم بأنهم هم الذين كانوا يحلون لهم ويحرمون عليهم فيتبعونهم .
وآل أمر أكثر المسلمين إلى أن تغلب الإفرنج على أكثر بلادهم بالفتح
السياسي أو الحرب ، أو بالنفوذ الاقتصادي والإداري ، وصارت جميع أحكامها
المالية بالقوانين التي تبيح ما حرموا من الربا وغيره من ضروب الكسب ، فصاروا
يؤكلونهم الربا ولا يأكلون منهم ، ويكسبونهم أموالهم ولا يكسبون منهم ، حتى إن
المسلم الغني يودع ماله في مصارفهم ( بنوكهم ) بدون فائدة له فيستغلونها لأنفسهم ،
والمسلم المحتاج يستدين منهم بالربا ، فازدادوا بهذا عسرا وفقرا ، وفرت ثروة
بلادهم من أيديهم إلى أيدي مستعبديهم ، وصار أكثرهم أجراء بل عبيدا للإفرنج فيها ،
وتبع ضياع الثروة والنفوذ ضياع العلم الديني والدنيوي ، وبدأ يتبع ذلك ضياع
الدين التقليدي ، ولا يمكن أن يجدوا مخرجا من هذه المآزق إلا بمسابقة الإفرنج إلى
الثورة وتنظيمها وبذلها في المنافع والمصالح الملية ، فمنهم من يلتمس هذا بترك
الإسلام نفسه سرا أو جهرا ، ومنهم من يوطن نفسه على ذلك طوعا أو كرها ،
وأكثرهم كالناقة العشواء ، تخبط في الظلماء ، أو كالذي يتخبطه الشيطان من
المس .
هذه المسألة من أظهر المسائل التي يعبرون عنها بقولهم ( عمت بها البلوى )
وعموم البلوى في الأمر والعامة مما يبيح المحظور للأمة ، كما أن الضرورة
الشخصية تبيح المحظور للأفراد ، وبناء عليها قال الإمام الغزالي في كتاب الحلال
والحرام من الإحياء : إن المال إذا حرم كله حل كله فيستأنف فيه التعامل بالأحكام
الشرعية على أنه حلال .
إن جمهور المسلمين لفي حرج شديد في هذه المعاملات المالية العصرية ،
وكلهم يتمنون لو يجدون لهم مخرجا منه مع المحافظة على دينهم ، وأنى يجدونه
وهم يطلبونه من أدعياء الفقه الديني الذين وصفهم شيخنا الأستاذ الإمام بحملة العمائم ،
وسكنة الأثواب العباعب ، وهم حماة التقاليد الفقهية التي أدخلتهم في جحر الضب
اتباعا لسنن من قبلهم من أهل الكتاب ، لكن بعد أن خرج هؤلاء منه ، وهم الذين
قال فيهم قبيل وفاته :
ولكنه دين أردت صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائم

(36/13)


ذلك بأنهم هم أئمة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتتبعن
سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )
( رواه البخاري و مسلم ) وبأنهم أجهل ممن قال فيهم أمير المؤمنين علي كرم الله
وجهه : ( لبسوا الدين كما يلبس الفرو مقلوبا ) ، وإذ كانوا هم حماة التقاليد التي
حصرت الأمة في جحر الضب ( أي الضيق ) فوظيفتهم أن يقذفوا كل مصلح
يحاول إخراجها منه إلى فضاء الحنيفية السمحة بأنه خارج من الدين أو عليه
بمخالفته لأئمة المذاهب الواجب اتباع واحد منهم على كل واحد من المسلمين بنص
عقيدة جوهرة التوحيد للقاني :
ومالك وسائر الأئمة كذا أبو القاسم هداة الأمة
فواجب تقليد حبر منهم كذا حكى القوم بلفظ يفهم
ويعنون بوجوب تقليد حبر من هؤلاء الأئمة الفقهاء - وأبو القاسم : الجنيد من
أئمة الصوفية - تقليد ما في هذه الكتب الكثيرة المؤلفة فيما يسمونه مذاهبهم وفي
طرائق الصوفية ، ولا عذر عندهم لمن يخالفهم فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ، ولا إلى أدلة هؤلاء الأئمة ونصوص كتبهم المروية عنهم
أيضا ، فالأخذ عن الأئمة والعمل بنصوصهم ممنوع عندهم أيضا ، وكذا اتباع
الطبقة العليا من أصحابهم كأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ،
وكذا من يليهم من طبقات مجتهدي المذهب وأصحاب التخريج والترجيح بين
الأقوال المختلفة والتصحيح فيه مباشرة ؛ وإنما الواجب شرعا في رأيهم العمل بما
يعتمده متأخرو المؤلفين من أقوال من قبلهم من المصححين ، كما قال علامتهم ابن
عابدين في ( رسم المفتي ) وهم الذين سماهم أسرى النقل المحض من كتب
مخصوصة للمقلدين .
وإنني بعد أن حاربت هذه التقاليد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
مع اتباع هدي الأئمة من السلف الصالح كالذين ذكرهم اللقاني لا تقليدهم ، أقدم بيان
ما أرى فيه المخرج للأمة من الجحر الضيق المظلم ، إلى الفضاء المشرق بنور الله
تعالى مبتدئا بالأصول الآتية :
الأول أصل الأصول
في منافع الكون الدنيوية : الإباحة
بمقتضى فطرة الله ودينه المكمل لها
الأصل في جميع منافع الكون الإباحة للخلق بدليل هداية الفطرة ودينها ، وقد
بين ذلك الكتاب العزيز بمثل قوله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا }
( البقرة : 29 ) ، وقوله : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها
وكلوا من رزقه } ( الملك : 15 ) ، وقوله : { وسخر لكم ما في السموات وما في
الأرض جميعا منه } ( الجاثية : 13 ) فهم يعرفون منافعها بالتجارب ويترقون فيها
بالتعاون حتى تكون معارفهم علوما مدونة ، وفنونا متوارثة ، وهداية الحواس
والعقل كافية في ذلك بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : ( أنتم أعلم
بأمور دنياكم ) وما في معناه رواه مسلم .
ثم إن الله شرع الدين لعباده ليعلمهم ما لا تستقل عقولهم بمعرفته بالدلائل
والتجارب وهو معرفته تعالى الصحيحة وعبادته التي ترضيه ، وما يهذب أخلاقهم
ويزكي أنفسهم من الفضائل ، ليعيشوا بالتعاون والتحاب والعدل والإحسان ، ويجتنبوا
الرذائل الضارة بأفرادهم وجماعاتهم الكبيرة والصغيرة كالظلم والعدوان ، وبمجموع
هذين الأمرين يكونون أهلا لاجتناء ثمرة الدين في حياتهم الدنيا بقدر استعدادهم
المشوب بالشوائب الكثيرة ، وأهلا للسعادة الكاملة في الآخرة .
والدليل على ذلك أن الله تعالى قص علينا في كتابه دعوة أشهر رسله لأقوامهم
فلم نجد فيها ما يدل على أن مما بعثوا له تعليم أقوامهم الزراعة والتجارة والصناعة ؛
وإنما وجدناها متفقة على عبادة الله وحده ، والنهي عن الشرك والظلم والفساد في
الأرض ، وعلى الامتنان على الناس بنعم الأرض واستعمارهم فيها ، وكون الدين
يزيدهم فيها قوة ونعما ، ووجدنا في قصة شعيب أنه نهى قومه عن نقص المكيال
والميزان ، وعن بخس الناس أشياءهم ، والفساد في الأرض ؛ لأن هذه الرذائل قد
فشت فيهم .
ووجدنا في أخبار بني إسرائيل أن الله تعالى حرم على اليهود طيبات كانت
أحلت لهم بسبب ظلمهم ؛ تربية لهم ، وأن نبيه عيسى عليه السلام أحل لهم - بإذن
الله - بعض ما حرم عليهم ، ثم جاء محمد رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه
وسلم فوضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم كلها ، فعلمنا أن ذلك كان
تحريما عارضا في شعب واحد معروف إلى أجل معلوم ، وأن شريعة خاتم النبيين
السمحة هي الدائمة .

( الأصل الثاني )
ما أكمله الله من الدين فلا يقبل زيادة فيه
أكمل الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم دينه لجميع الشعوب والقبائل
في جميع أقطار الأرض إلى آخر الزمان ، فحدد لهم في كتابه وما بينه من سنة
رسوله خاتم النبيين جميع ما يحتاجون إليه من أصول التشريع الديني العام الدائم ،
وفوض إليهم ما وراء تلك الحدود ، ووعدهم باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم

(36/14)


وسيادتهم وقوتهم فيها ، وإظهار دينهم على الدين كله ، وختم بذلك النبوة والتشريع
الديني ، فليس لأحد بعد كتاب الله القرآن وبيان السنة المحمدية له أن يفرض على
البشر عقيدة ، ولا عبادة ، ولا تحريما دينيا لشيء من الأشياء ، ولا لعمل من
الأعمال ، فالدين قد كمل فلا يقبل زيادة ورد من الأوراد ولا العبادات ولا تحريم
شيء ، وأسعد أتباعه من يقتدي فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من
بعده .
( الأصل الثالث )
ما فوضه الله إلى عباده من أحكام الدنيا
وأما مصالح الدنيا ومعاملاتها المدنية والاقتصادية والسياسية ، فقد ترك الشرع
ما لم يبينه منها إلى اجتهاد هذه الأمة الكبيرة ؛ لأنها لا يمكن حصرها ، وهي
تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، فما أدى إليه اجتهاد أحد من الأفراد عمل به ولا
يكون دينا لغيره ، وما أدى إليه اجتهاد أولي الأمر من المصالح العامة من سياسة
وقضاء عملوا به على أنه ضبط للمعاملات للفصل في الخصومات ، وإقامة العدل ؛
ولكن ليس لأحد منهم أن يجعل شيئا منه دينا يكلف الناس أن يدينوا الله تعالى به ،
فكل ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا لا يكون بعده دينا كما
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى ، وقد كان مما يوصي به النبي صلى الله
عليه وسلم أمراء الجيش أو السرايا قوله : ( إذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن
تنزلهم على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ؛ فإنك لا
تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا ) رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث بريدة
رضي الله عنه ، وهو من الدلائل على تفويض مصالح الأمة إلى أولي الأمر منها
كما فصلناه في تفسير قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم } ( النساء : 59 )
( الأصل الرابع )
اجتهاد الفقهاء لا يشرع عقيدة ولا فريضة ولا تحريما
والغرض من هذا أن آراء الفقهاء ، وأحكام الأمراء والقضاة في المسائل
الاجتهادية ليس من أحكام الله تعالى في عباده ، ولا حلال ولا حرام ، فأما في
العبادات فقد بينا حكمه ، وأما في المعاملات المالية ونحوها فاجتهاد الأفراد لهم
وعليهم ، واجتهاد أولي الأمر بشرطه تجب طاعتهم فيه إذا حكموا به ولم يكن مخالفا
لكتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما تجب لأجل منع الفوضى وحفظ
الحقوق ومنع العدوان ، وإقامة النظام ؛ ولكن لا يجوز لهم أن يسموه حكم الله تعالى ،
ويدعوا أن الله تعبد عباده به ؛ وإن المخالف له عاص لله تعالى فاسق عن أمره ،
خارج عن هداية دينه ، يستحق عذابه في الآخرة ، فضلا عن كونه يخرج من الملة
بإنكاره أو استحلال مخالفته ، كما يتوهم أكثر المسلمين في مخالفة اجتهاد الفقهاء ،
ومنها ما نحن فيه من الكلام في أحكام الربا الاجتهادية يتوهمون أن كل من خالف
الصحيح المعتمد في المذهب الذي ينسب إليه في مسألة منه - ككون كل نفع
للمقرض من المقترض ربا - أنه واقع في الوعيد الشديد في آيات سورة البقرة بأنه
محارب لله ولرسوله في الدنيا ، وأنه يقوم من قبره يوم القيامة كما يقوم الذي
يتخبطه الشيطان من المس ، وأنه حقت عليه لعنة الله في حديث ( لعن الله آكل
الربا وموكله وشاهديه وكاتبه هم فيه سواء ) رواه أحمد ومسلم بهذا اللفظ من حديث
جابر وأحمد وأصحاب السنن عن غيره .
بل أقول : إن أصول علم الحديث تمنع أن يدخل في عموم هذا الوعيد الإلهي
الخاص بالكبائر من يأكل ربا الفضل - الذي جعله بعض الحنفية كمفتي الهند الذي
رددنا عليه في كتابنا هذا بيانا لربا القرآن - في مثل صرف ريال مصري بأربعة
أرباع الريال المعروفة مع تأخير في القبض أو اختلاف في المجلس مثلا ، كما أن
الوعيد على الزنا لا يعم ما سمي باسمه من ذرائعه كالنظر واللمس ولو بشهوة .
وما قررته في هذه المسألة موافق لأصول الأئمة المجتهدين كما أنه هو
المتبادر من النصوص ؛ ولكن أكثر المسلمين يجهلونه ، وفي بعض كتب الفقه ولا
سيما كتب الحنفية نصوص فقهية في تكفير من يقول أو يفعل ما يدل على عدم
إذعانه واحترامه لهذه الكتب وما فيها من الفتاوى ، أو الطعن على مؤلفيها أو غيرهم
من الفقهاء ، بشبهة أن ذلك يستلزم الطعن في شرع الله ودينه ، ثم في الله عز وجل
ورسوله صلوات الله وسلامه عليه ، ولو جاز لأحد التكفير بمثل هذه اللوازم لكان
من يكفر أحدا من المسلمين بهذه الآراء أولى بأن يحكم بكفره ، بل يمكن الاستدلال
على كفره ابتداء بأنه افترى على الله وشرع لعباده ما لم يأذن به .
بل أقول : إن جميع هؤلاء الأئمة مجمعون على أن آراءهم الاجتهادية ليست
شرعا دينيا يجب اتباعهم فيه ، وأنهم ليسوا إلا باحثين فيما شرعه الله تعالى لعباده
مبينين لما يفهمونه منه ، وأنه لا يجوز لأحد العمل به إلا من ظهر له صحة دليله
واقتنع به ، وقد فصلنا هذا بدلائله وبالنقل عنهم رضي الله عنهم في مواضع من

(36/15)


مجلة المنار ، ومنها ما جمع في كتاب ( الوحدة الإسلامية ) وكتاب ( يسر الإسلام ،
وأصول التشريع العام ) .
أطلت في هذه المسألة على ما سبق في معناها لفشو الجهل بها على عظم
شأنها ، وأنتقل منها إلى بيان ما جاء في الكتاب العزيز في مسألة التحريم والتحليل
والحرام والحلال في المعاملات المالية ، ثم إلى مجمل ما ورد في الأحاديث النبوية
الصحيحة من النهي عن بعض المعاملات المالية ، وحكم هذه المناهي ومذاهب
الفقهاء فيها ، ثم أقفي على ذلك بما عليه أهل هذا العصر في الأقطار الإسلامية التي
تعامل شعوب الحضارة ودولها من المعاملات التجارية والشركات المالية ، وما هو
محرم منها في دين الإسلام ، وما هو غير محرم ، وأستغني بهذا عن إفتاء من
يستفتونني في هذه المسائل من الشرق والغرب ، وأبدأ ببيان الدلائل على أن
التحريم الديني حق الله تعالى فأقول :
نصوص القرآن في التحريم الديني
( وكونه لله تعالى وحده )
إن التحريم الديني هو حق الله تعالى على عباده ، فليس لأحد من خلقه حق أن
يحرم عليهم شيئا إلا بإذنه في وحي منه ، فكل ما قاله ويقوله الفقهاء في التحريم
الديني باجتهادهم غير مستند إلى نص صريح من الشارع فهو باطل كالقول في
أصول العقائد والعبادات ، دون صفة الأداء كالقبلة ، ومن أدلة هذه القاعدة ما يأتي:
( 1 ) قوله تعالى : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }
( الشورى : 21 ) .
( 2 ) قوله تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا
حرام لتفتروا على الله الكذب } الآية ( النحل : 116 ) .
( 3 ) قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما
وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون } ( يونس : 59 ) ويدخل في هذا ما
أنكره على المشركين ، وذمهم عليه من تحريم بعض الحرث والأنعام عاما أو خاصا
في آيات معروفة .
( 4 ) قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من
الرزق } ( الأعراف : 32 ) وفي تحريم الطيبات وتحريم الأطعمة آيات أخرى
ليس هذا محلها .
وقد اشترط أئمة العلم من السلف كالحنفية أن التحريم لا يثبت إلا بنص قطعي
من الشارع ، بل قال بعضهم من القرآن دون الدليل الظني وسيأتي بيانه .
________________________

(36/16)


شهر رمضان موسم العبادة الروحية البدنية الاجتماعية

كتبنا في السنين الخالية ، ونشرنا في مجلدات المنار الخالدة ، مقالات كثيرة
في أحكام الصيام وحكمه وفوائده الصحية المتفق عليها عند الأطباء ، والاجتماعية
التي تتفق فيها العادات في مواعيد الطعام والدعوات عليها بين الأقران ، والصدقات
على الفقراء ، والاجتماع على بعض العبادات الخاصة بهذا الشهر كصلاة التراويح
ومجالس الوعظ وتلاوة القرآن ، ولكل من هذه العبادات والعادات الإسلامية تأثير
في النفس وشعور روحي خاص يزيد المؤمنين إيمانا بربهم ، ومودة بينهم ، وقوة
في رابطتهم ، والذين لا يصومون محرومون من حلاوة هذا الشعور الشريف ، وإن
شاركوا المؤمنين في بعض ظواهره .
وشر هؤلاء المفطرين من لا يشعر بألم حرمانه من هذه الحلاوة الروحية
والعاطفة الملية ، كأنهم من الحيوانات أو الحشرات ذات الحياة الفردية ، فإني أظن
أن ما يعيش عيشة الاجتماع منها كالنمل والنحل تشعر أفراده بلذة خاصة في تعاونها
الاجتماعي فوق اللذة بتوفية أبدانها ما فيه قوام حياتها الشخصية والنوعية ، وأعتقد
أن جميع البهائم خير لأنفسها من فساق البشر المجرمين ، وأن الصيام خير مانع
للفسق وجناية الإنسان على نفسه وعلى غيره ، لا في أثناء صيامه فقط بل في كل
آن إذا كان صيامه عبادة لا عادة ، والفرق بين الصيامين أن من يترك الشهوات
البدنية في النهار مجاراة لأهل ملته في أيام معدودات ، هي أيام شهر رمضان لا
يعدو عمله أن يكون تغيير عادة من العادات بتحويل ما كان يفعله في النهار إلى
الليل ، وهو لا يخلو من الفوائد البدنية والاجتماعية ، وإنما صيام العبادة بالنية
والاحتساب ؛ أي : رجاء ثواب الله ومرضاته ، وآيته ؛ أي : علامته الظاهرة زيادة
الطاعة ولا سيما الصلاة واجتناب الآثام كصيانة اللسان من فحش القول والغيبة
والنميمة والكذب ، ولا شيء أدل على صيام العادة كترك الصلاة ، وكذا تأخيرها عن
وقتها ، كالذين يسهرون ثلثي الليل في اللغو المنهي عنه ليؤدوا سنة السحور في الثلث
الأخير ثلث التهجد والاستغفار في الأسحار ، فيتسحرون وينامون ، وأكبر ما
يخسرونه جماعة صلاة الفجر التي يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ويشهدون
لصاحبها عند الله تعالى كما ورد في تفسير { إن قرآن الفجر كان مشهودا }
( الإسراء : 78 ) .
وقد ورد في الحديث عند الإمام أحمد وغيره ( الصوم في الشتاء الغنيمة
الباردة ) أي كالغنيمة التي ينالها الجيش من الأعداء بدون حرب ولا قتال ، من
حيث إنه لا يجوع الصائم فيه ولا يعطش في الغالب ؛ لقصر النهار وعدم الحر ،
ويفسره حديث ( الشتاء ربيع المؤمن ) رواه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنهم بسند حسن ورواه البيهقي بزيادة ( قصر نهاره فصام ،
وطال ليله فقام ) أي قام فيه لتهجده بغير مشقة كصيامه ، وهو بهذه الزيادة ضعيف
السند ، قوي المتن ؛ لأنه مفسر للمراد منه فكل منهما يقوي الآخر .
وإن أهم ما أبغي في هذه الذكرى أن من يستحل الإفطار في نهار رمضان كله
بغير عذر شرعي من مرض أو سفر يكون كافرا مرتدا عن الإسلام ، فيبطل عقد
زواجه إن كان متزوجا ، ويحرم على زوجه أن تعامله معاملة زوجية ، وإذا مات
في هذه الحالة أي قبل أن يموت لا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ،
وهو كذلك لا يرث ولا يورث ، وحكم هذه الردة مجمع عليه لا خلاف فيه بين
المذاهب الإسلامية ، ولكن من الناس من لا يعرف معنى الاستحلال المخرج
لصاحبه من دين الإسلام في هذه المسألة وغيرها كاستحلال ترك الصلاة والزكاة
وفعل الزنا والسرقة والسكر وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فيظن
أن معناه أن يعتقد أن ذلك حلال وهو غلط ؛ فإن اعتقاد حله ينافي كونه معلوما من
الدين بالضرورة ؛ وإنما استحلال ذلك عدم الإذعان لحكم الشرع فيه ، وعده بالعمل
كالمباحات من الشرب والأكل في نهار رمضان أو في لياليه ، أو عد شرب الخمر
كشرب الماء والاستمتاع بالأجنبية كالاستمتاع بالزوجة ، لا شعور معه بحرمة
الأوامر والنواهي الإلهية ولا موجب للتوبة والاستغفار .
فمن أجل هذا لا يعقل أن يقع من مؤمن بالله ورسله وشرعه بخلاف من يشتد
عليه الجوع أم العطش ، فتغلبه شهوته على الأكل والشرب وهو يشعر بذنبه
واستغفار ربه فهذا عاص لا كافر ؛ لأنه غير مستحل ، وقلما يقع لمسلم في صيام مثل
هذه الأيام من فصل الشتاء الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة الباردة .
________________________

(36/17)


الرزيئة القومية الوطنية بالشيخ محمد الجسر

قبيل فجر يوم الأحد ثالث شهر شعبان ( 11 نوفمبر - تشرين الثاني ) من هذا
العام ( 1353 هـ - 1934م ) رزئت الأمة العربية والوطن السوري اللبناني بوفاة
رجل لا كالرجال ، وفرد لا كالأفراد ، بل علم لا تطاوله الأعلام : رزئنا بأخينا
الشيخ محمد الجسر أبرع نابغة سياسي وطني ، ابن أستاذنا ومربينا الشيخ حسين
الجسر أنفع عالم ديني عصري ، ابن الشيخ محمد الجسر أورع صالح صوفي ،
ثالث ثلاثة أنبتتهم لهذه الأمة رياض مدينتنا طرابلس الشام ، فكان رزؤه مصابا
كبيرا عاما لجميع أهل هذا الوطن على اختلاف أديانهم ومذاهبهم السياسية المتباينة
التي لم تجمعها على غيره جامعة ؛ وإنما كان إجماع طوائفهم على إكبار المصاب به
فرعا لإجماعها على الإعجاب بعلمه بزمنه ، وأدبه في معاشرته ، وعدله في حكمه ،
وبراعته في سياسته ، مزايا لم تتفق في هذا الوطن لغيره ، بل أقول : إن إجماع
طوائف هذا الوطن على الاعتراف بها لرجل من أهلها معجزة من معجزات النبوغ
العقلي ، والتوفيق العملي .
فحق لطرابلس أن تفخر به على الأمصار ، وحق لهذا البيت الإسلامي أن
يباهي به البيوتات من جميع الأديان ، وحق لهذا الوطن أن يفيض حزنا ويذوب
أسفا على هذا النابغة الذي فقده في أشد أوقات الحاجة إليه ، وقد كملت حنكته ،
وتمت خبرته ، وعمت الثقة به في بلاد تأبى عليها ذلك تربيتها الدينية وتقاليدها
الطائفية ، وتعاليمها المدرسية التي لا نظير لها في وطن من أوطان أمة من أمم
الأرض .
وأغرب مدارك هذا الإعجاز في ثقة نصارى لبنان بالشيخ محمد الجسر العالم
المسلم المعمم ابن الشيخ حسين الجسر الذي انتهت إليه رياسة علماء الإسلام ، حفيد
الشيخ محمد الجسر أشهر صلحاء صوفية المسلمين بالولاية والكرامات ، أن ينال
هذه الثقة في عهد سيطرة الدولة الفرنسية على لبنان واعتزاز نصارى لبنان بها ،
وهي التي تعد شنئان الإسلام ومجاهدة أهله من أسس تقاليدها السياسية والصليبية
الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول .
كان الشيخ محمد الجسر أحد الأفراد الذين شذوا دون طائفتهم بإظهار الميل إلى
الاحتلال الفرنسي فسخطت عليه وكان مسلمو بلده ( طرابلس ) أشدهم سخطا لخيبة
رجائهم فيه أن يكون أول حامل للواء الوطنية فيهم ؛ لأنه أجدرهم بمعرفة خطر هذه
السيطرة عليهم في دينهم ودنياهم ، ولم يكن يختلج في خاطر أحد منهم أن يكون
أقدر رجل فيهم ، بل في بلادهم كلها على خدمة هذا الوطن الذي دهي بأقتل الدواهي
القاصمة ، والفواقر المفقرة ، فيكون البدر الطالع في غاسق الظلم إذا وقب ،
والطبيب الآسي لشر سحرة السياسة النفاثات في العقد .
كان أول منصب ظهر فيه للطوائف كلها فضله منصب القضاء الأهلي برياسة
محكمة الجنايات للجمهورية ، فشهد له جميع المتقاضين وجميع العارفين بضعف
القضاء في البلاد بأنه أعطى العدل والمساواة جميع حقوقها ، حتى حكي عن بعض
من كانوا أظهروا له العداء من إحدى الطوائف النصرانية أنهم وقعوا بين يديه في
قضية يخفى مسلك الحق والعدل فيها ، ويتسنى للقاضي الجائر أن يتصرف كيف
شاء في الحكم لمن يميل له أو عليه من خصومها ، وظنوا أنه آن له أن ينتقم منهم ،
ولم يلبثوا أن رأوا من عدله وإنصافه المالك عليه زمام أمره ما بدل خوفهم أمنا ،
وبغضهم له حبا .
ليس كثيرا على شيخ مسلم سليل بيت الفقه والتصوف ، وقد تولى رياسة
محكمة الجنايات واؤتمن على الدماء ، أن يكون عدلا في القضاء ، فهذا فرض
يوجبه عليه دينه عقيدة وعلما وتربية ، فنص القرآن يوجب المساواة في العدل بين
جميع الناس كبيرهم وصغيرهم ، غنيهم وفقيرهم ، وقويهم وضعيفهم ، برهم
وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم ، وإنما بزغ نبوغ ابن الجسر كالشمس في توليه رياسة
مجلس النواب اللبناني ست سنين ، كان يديره فيها كما يدير خاتمه في خنصره ، فلا
يتعاصى شيء على إرادته ، فأعجب بسياسته وكياسته الوطنيون والأجانب على
سواء .
حتى إذا ما انتهت المدة القانونية لرئيس الجمهورية اللبنانية ، وأريد انتخاب
الرئيس الذي يخلفه علم موسيو بونسو مندوب فرنسة السامي ورجاله كغيرهم أن
السواد الأعظم من جميع الطوائف منتخبون للشيخ محمد الجسر لا محالة ، حتى
نواب الموارنة الذين يعدون لبنان بتأييد فرنسة لهم وطنا نصرانيا مورانيا كما صرح
بذلك بطركهم فكبر على غبطته أن يكون الشيخ رئيس جمهوريته ، ورأى أن
المندوب السامي الفرنسي قد أظهر ارتياحه لانتخابه ، ورضاه برياسته ، فلجأت إلى
حكومة باريس العليا حتى أصدرت أمرها إلى مندوبها بوجوب منع هذه الكارثة ،
فماذا يفعل وقد تجلى له أنه عاجز عن منع انتخابه ، وأن جلاء فرنسة عن لبنان
وسورية أيسر خطبا من جعل رئيس جمهورية لبنان شيخا مسلما معمما ؟ لم ير حيلة
للتفصي من هذه المعضلة إلا إقناع الشيخ بترك ترشيح نفسه لها ، فبذل المستطاع
من دهائه وأمانيه له ، فأبت قناة الشيخ أن تلين لغمزته ، وحية دهائه أن تستجيب

(36/18)


لرقيته ، فلما أيقن أن الانتخاب مفض إلى جلوسه بعمامته البيضاء على كرسي
رياسة الجمهورية لم يجد مناصا من هذه النتيجة إلا إصدار أمره الدكتاتوري بإلغاء
دستور لبنان من أساسه .
أكتب هذا مؤبنا ، لا مؤرخا له مدونا لسيرته ، فإنني أرجئها إلى الجزء التالي
وأقتصر هنا على بيان أكبر ما أحاط بإعجابي من مزايا نبوغه الذي انفرد به ، فكان
جديرا بحزني وحزن وطنه وأمته عليه ، وشعورهم بعظم الخطب بفقده بعد اكتمال
حنكته واستعداده لما يرجى من الرجال العظام الأفذاذ ، الذين لا يظفر تاريخ الأمم
بأمثالهم إلا في بعض الأجيال ، عسى أن يكون في هذا التنويه عبرة للمنافقين الذين
يظنون أن العظمة في نيل المناصب والرواتب ، ولو بخيانة الأمة والوطن
والإخلاص في العبودية للأجانب ، وأنى للمنافقين في صغار أنفسهم أن يعقلوا معنى
العظمة الصحيحة ، أو ما دونها من مراتب الفضيلة ؟
لا شيء يعزينا عن فقيدنا العزيز إلا ما روي لنا من تحقق ما كنا نتمناه من
كتابة مذاكرات حرة دون فيها ما علمه وخبره في أثناء معالجته للأمور العامة
ومعاشرته للعاملين من الوطنيين والأجانب ، فهذه المذاكرات كنز نفيس هي خير
عوض تفيد الأمة أنفع ما كانت ترجو أن تتلقاه منه ؛ ولكن الذي لا عوض عنه هو
ما كانت ترجوه من عمله عندما تتاح الفرصة للعمل ، بعد التمهيد له بالثقة وجمع
الكلمة الذي لا ينهض بدونه وطن ، فالمرجو من نجله الكبير وصنوه الكريم أن
يعجلا بنشر كل ما يمكن نشره منها ، ونسأل الله تعالى أن يحسن عزاءهما ، ويطيل
بقاءهما ، وينفع الأمة بهما ، وأن يديم ذكر هذا البيت فخرا وذخرا لهذا الوطن
المسكين ، ويفرغ عليهما وعليه الصبر في هذا المصاب ، والله مع الصابرين .
((يتبع بمقال تال))
________________________

(36/19)


غاية مصطفى كمال من مراحله

لما علمت أن مصطفى كمال باشا صرح بأن له غاية يجري إليها في مراحل
مقدرة ، ورأيته قطع ثلاث مراحل منها ، أيقنت بالحدس المنطقي أن غايته أن
يؤسس بالجمهورية التركية اللادينية دولة جديدة وقد فعل ، وأمة جديدة تسمى تركية
إلى أن يتم تكوينها ، ثم تسمى باسمه فهو يقبل دخول كل عنصر فيها إذا قبل
مقوماتها ومشخصاتها التي يقترحها وينفذها بالقوة ولغة جديدة غير اللغة التركية
المعروفة في تركستان وفي الأناضول ؛ ولكنها مركبة منهما ومن اللغات اللاتينية ،
ولا سيما الفرنسية ، وتكتب بحروفها حتى إذا نشأ عليها وحدها جيل جديد بعد الجيل
الأول المخضرم نسبت إليه ، وتنقطع الصلة بين هذه اللغة وجميع لغات الشرق
الإسلامية ، ولا سيما العربية التي سبقه ملاحدة الاتحاديين إلى مناوأتها ، وأقدم هو
وحده على الإجهاز عليها وقطع دابرها من الشعب التركي في مراحل خاصة بها ،
وهو يعتقد أنه لا يتم له الإجهاز على الدين الإسلامي ومحو جميع آثاره من هذا
الشعب إلا بذلك ، ويظن أنه متفق مع زعماء البلاشفة على الانتهاء إلى الإلحاد
والتعطيل بيد أنه يلوح لي أنه إن طال عمره وبلغ آخر هذه المرحلة ؛ فإنه يضع
لهذا الشعب الذي سينسب إليه دينا جديدا مستمدا من الديانة الطبيعية التي وضعها
لأوربة بعض فلاسفتها ، فاستحسنها جميع شعوبها وعدوها موافقة للعقل والحضارة
والسياسة ؛ ولكن لم يتدين بها أحد ؛ لأن مصدر الدين الموافق للفطرة لا بد أن يكون
سلطانه غيبيا فوق سلطان العقل البشري ؛ لأنه هو ملجؤها في كل ما تعجز عنه
عقول البشر في الدنيا ، وهو وجهتها الروحانية إلى ما تجنح له وترتقي إليه من
عالم الغيب .
يظن المعطلة الماديون أن الأنبياء المرسلين هم الذين وضعوا الأديان التي
دعوا إليها ، فيزين لبعضهم غرور القوة إمكان محوها ، ولبعض آخر أن يخضعوا
أقوامهم الضعفاء إخضاعا تعبديا كما يخضعونهم إخضاعا سياسيا واجتماعيا ، ولا
تزال أكثر شعوب البشر ضعيفة قابلة لتجارب عجيبة كتجارب البولشفيك في
الروس ، ومصطفى كمال في الترك ، ولكل بداية غاية ، وكل شيء بلغ الحد انتهى.
________________________

(36/20)


تقريظ المطبوعات

( كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات)
تأليف الداعي إلى السنة ، والصاد عن البدعة ، الشيخ محمد عبد السلام خضر
الشقيري الحوامدي مؤسس الجمعية السلفية بالحوامدية ( جيزة ) قال في طرته : (قد
ذكرنا فيه 700 حديث ما بين صحيح وحسن وقليل من الضعيف المقبول الوارد في
الترغيب والترهيب ، و690 بدعة أو أكثر في الصلوات والأذكار والصيام الحج
وغير ذلك ، و130 من الأحاديث الموضوعة والخرافات الفاشية بين المسلمين).
كثرت الجمعيات الدينية في هذه البلاد ، وإن لبعضها مجلات ، وأكثرها تعقد
الاجتماعات لإلقاء الخطب والمحاضرات ، وإن من مؤسسي بعضها لعلماء رسميين
من خريجي الأزهر وغيره من المعاهد الدينية ، وآخرين من خريجي مدرسة دار
العلوم وغيرها من المدارس الأميرية ، وأما الجمعية السلفية الحوامدية فهي تمتاز
باشتغال رئيسها بكتب الحديث والدعوة إلى الاهتداء بها ، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر بأدلة كتب السنة ، فأعضاؤها يتناهون عن جميع البدع والمنكرات في
الدين ، وينكرون على كل من يزعم أن البدعة الدينية تنقسم إلى حسنة وسيئة ، ولا
يقبلون قول أحد من الأحياء ولا الميتين في تحسين بدعة ولا تأويل سنة مما
اهتدى به السلف الصالح ، وهم لم يتخذوا جماعتهم عصبية ولا كتب مؤسسها مذهبا
يتعصبون له كالسبكية ، بل يقبلون نصيحة كل من ينصح لهم بعلم ويقبلونها .
وقد جربت مرشدهم وداعيتهم بالنصيحة فألفيته يقبلها مغتبطا مسرورا داعيا
لي ، ولما رأيته في أول رسالة له ينقل الأحاديث النبوية من غير عزوها إلى
مخرجيها ، وبيان ما قالوه في تصحيحها أو تضعيفها كما يفعل أكثر المؤلفين
المعاصرين ومحرري المجلات حتى مجلة الأزهر منها ، وأنكرت عليه ونصحت له
بالمراجعة وتخريج الأحاديث ، فقبل النصيحة ونوه بها في هذا الكتاب .
ومن فوائد هذا الكتاب بيان البدع والخرافات الفاشية في هذه البلاد ، وإنكاره
على العلماء الرسميين إقرار العامة عليها ، وتأويل بعضهم لها بما يضلهم ويخدعهم
بأنها مشروعة ، وصفحاته 320 ، وثمن النسخة منه 7 قروش ، ما عدا أجرة البريد .
***
( الثورة العربية الكبرى )
للأستاذ أمين سعيد المحرر في جريدة المقطم عناية بدرس أطوار الشعوب
الشرقية عامة ، والأمة العربية خاصة ، فهو يجمع ما ينشر في الصحف والمصنفات
الجديدة من أخبارها وأحداثها ، ويفصلها فصولا ، ويجعل لها أبوابا وفهارس لتسهيل
الرجوع إليها ، وقد ألف عدة كتب أبسطها وأمتعها كتاب ( الثورة العربية الكبرى )
عرف موضوعه بقوله : ( تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن ) الذي
أصدرته هذا العام مطبعة ( عيسى البابي الحلبي وشركائه بمصر ) في ثلاثة أجزاء
أو مجلدات موضوع الأول ( النضال بين العرب والترك ) وهو الحلقة الأولى من
هذا التاريخ وفي مقدمته الكلام على الدولة العثمانية وتاريخها القديم والحديث مع
العرب والجمعيات العربية التي أفضت إلى الثورة ، وموضوع الثاني ( النضال بين
العرب والفرنسويين والإنكليز ) وهو يشتمل على الحلقة الثانية منه وهو تاريخ
الحكومة الفيصلية من قيامها حتى سقوطها مع تاريخ القضية العراقية من ابتداء
الحرب العظمى حتى إنشاء الدولة الجديدة في بغداد سنة 1921 ، وموضوع الثالث
( إمارة شرق الأردن وقضية فلسطين وسقوط الدولة الهاشمية وثورة الشام ) وهو
أكبر الأجزاء تبلغ صفحاته 652 ، فهو يزيد على حجم اللذين قبله ، وصفحات
أولهما 130 ، وثانيهما 336 .
لقد كان هذا الكتاب حاجة في نفس الأمة العربية مهدها لها كاتب من أبنائها ،
فجمع لها ما لم يجمعه غيره من مواد تاريخها الحديث ، فاستحق شكرها بالقول
والعمل ، فشكر القول الثناء عليه ، والتنويه به باللسان والقلم ، ومنه نقده ببيان ما
قد فات المؤلف من الوثائق ، وما نقصه من الحقائق ، وتمحيص ما لم يمحصه من
المسائل ، وشكر العمل قراءة الكتاب ونشره الذي يساعد المؤلف على المزيد من
إتقانه وتكميله في طبعة أخرى ، وتصنيف غيره من الكتب النافعة ، وأرجو أن
يكون لي عودة إليه بعد أن يتاح لي مطالعة الكثير منه ، وإن فيما نشرته في
مجلدات المنار من قبل ، وما لا أزال أنشره من سيرة الملك فيصل رحمه الله تعالى
لحقائق عظيمة الشأن بعيدة الغور في تاريخ أمتنا الحديث والوحدة العربية التي كنت
في طليعة من كتب فيها ومن دعا إليها ، ولله الحمد .
________________________

(36/21)


المجلد 34
العدد 7
رمضان 1353
يناير 1935

مأساة أميرة شرقية ( 1 )
نقد وتحليل بقلم الأستاذ العلامة المصلح الشيخ محمد تقي الدين الهلالي

بسم الله الرحمن الرحيم
نشرت مجلة ( Bombay India of Weekly Illustrated The
المصور الأسبوعي للهند بمباي في 27 أغسطس 933 ) ضمن سلسلة مقالات في
تاريخ الشرق للكاتب الإنكليزي ( كراهام لويس ) مقالا تحت عنوان ( مأساة أميرة
عربية ) ارتكب فيه أخطاء عظيمة ، وها أنا ذا مترجم مقاله ، فراد عليه بما يجلي
الشبهة ، ويوضح الحقيقة بعد مقدمة وجيزة في بيان سبب كثرة الأخطاء والأغلاط
الجهلية ، والخطيئات العمدية ، التي تكثر جدا في كل ما يكتبه الإفرنج عن الإسلام
والمسلمين ، والشرق والشرقيين .
مقدمة في أخطاء المستشرقين وخطاياهم
أيجوز أن نتلقى بالقبول كل ما يكتبون عن الشرق ؟
لهؤلاء العلماء الأوربيين الذين يتسمون بالمستشرقين أخطاء ، ولهم خطيئات
أيضا ، أما أخطاؤهم فمنشؤها القصور ؛ لأن أكثرهم إذا لم يكن كلهم يتعلمون الآداب
والعلوم الشرقية بأنفسهم بمطالعة الكتب ، ويستعينون بتراجم أمثالهم ممن سبقهم ،
فيلمون باللغات والعلوم إلماما ضعيفا لا يمكن صاحبه أن يجلس على منصة الحكم
ويقضي بالقسطاس المستقيم ، والكتب وحدها لا تهدي ضالا ، ولا تعلم جاهلا ، وما
أحسن ما قاله أبو حيان النحوي وإن كان قد أخطأ في إيراده بالتعريض بالإمام ابن
مالك .
يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم
ومن يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى تكون أضل من توما الحكيم [1]
وقد قيل : لا تأخذ العلم عن صحفي ، ولا القرآن عن مصحفي[2] ، فأكثر
المستشرقين صحفيون في العلوم الشرقية ، ولنضرب لذلك مثلا ( جورج سايل )
أول من ترجم القرآن إلى الإنكليزية ، وهو أحد الثلاثة الذين شهد لهم العلامة أحمد
بن فارس الشدياق رحمه الله بالمعرفة الحقيقية للغة العربية ، وحكم على سائر
المدعين لمعرفتها على عهده في البلاد البريطانية أنهم لا يعلمون ، ولذلك قرأت شيئا
من ترجمته ، فوجدت في الجزء الأول من القرآن أربعين غلطة ، وكتبت في ذلك
مقالات نشرتها في مجلة الضياء الهندية في السنة الماضية ( 1352 ) .
ومثال آخر رسائل أبي العلاء المعري ترجمها إلى الإنكليزية عالم إنكليزي
نسيت اسمه ، وطبعت في أوربة ، طالعتها فوجدتها مشحونة بالأغلاط .
ومثال ثالث ترجمة محمد مار مادويك العالم الأديب الشهير صاحب مجلة
( إسلاميك كلتشر ) أي الثقافة الإسلامية ، وله تصانيف جياد قرأت شيئا من ترجمته
للقرآن فوجدت فيها أغلاطا واضحة جدا ، وكتبت إليه بشيء منها فاعترف وأجابني
شاكرا وطالبا المزيد ، إلا في غلطة منها ؛ فإنه أبى أن يعترف وعمي عليه فهم
الصواب فيها ، وهي في قوله تعالى : { ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون }
( البقرة : 12 ) ومثيلتها قوله بعد ذلك : { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون }
( البقرة : 13 ) ترجمها بما معناه أليسوا سفهاء ... إلخ ، ووضع علامة الاستفهام في
آخر الجملة ، وكذلك صنع بالتي بعدها ، فلم يميز بين ( ألا ) المركبة التي هي
همزة الاستفهام ولا النافية كقوله تعالى : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }
( الملك : 14 ) ؟ وقول الشاعر :
ألا اصطبار لمن ولت شبيبته وآذنت بمشيب بعده هرم
وبين ( ألا ) الاستفتاحية البسيطة كما في الآية ، وفي قول امرئ القيس : ألا
أيها الليل الطويل ألا انجل البيت ، فكتبت إليه جوابا وضحت له المسألة ، فرجع
إلى الاعتراف وقال : إنني متعجب جدا من عدم انتباه الأستاذ الغمراوي لهذه
الأغلاط ، وأنا قد اعتمدت عليه في تصحيح الكتاب ، وأقمت سنتين في مصر بقصد
تنقيحه .
ولو كان الزمان مواتيا والفرصة سانحة لصححت ترجمته من أولها إلى
آخرها ؛ لأنها أول ترجمة قام بها إنكليزي مسلم وآخرها أيضا ، وإن لم تسلم من
الأغلاط المعنوية أيضا ؛ ولكنها على كل حال أفضل من تراجم النصارى .
وأما الخطيئات فيرتكبها ثلاثة أضرب من المستشرقين :
( الضرب الأول ) هم القسيسون المتعصبون كجورج سايل المتقدم ذكره
ومرجليوث وزويمر ومن على شاكلتهم ، والحامل لهم على ارتكابها شدة بغضهم
للإسلام وللشرق كله من أجل الإسلام .
( الضرب الثاني ) السياسيون المستعمرون وغرضهم معروف .
( الثالث ) الأدباء الذين لا يترفعون عن الكذب وزخرف القول ليكتسبوا بذلك
المال الوافر ، والشهرة الواسعة ، وإعجاب القراء الأوربيين الجاهلين ، الذين
يصدقون كل ما يقرؤون عن الشرق والشرقيين .
ولعل ( مستر لويس كراهام ) محرر المقالات الشرقية الأدبية التاريخية في
مجلة ( المصور الأسبوعي ) التي تنشر باللغة الإنكليزية في مدينة ( بمباي - الهند )

(37/1)


من هذا الضرب الأخير ؛ فإنه كتب مقالا في المجلة المذكورة بتاريخ … تحت
عنوان ( مأساة أميرة شرقية ) وملأه بالأكاذيب والأخطاء والخطايا ، وستقف على
ذلك فترى كيف يعبث كتاب أوربة بالحقائق ، ويتحدثون عن التاريخ العربي بما
يشبه قصص ألف ليلة وليلة ، لا فيما ينشر في بلادهم فقط ، بل فيما ينشر في
الشرق الإنكليزي وأكثر المستعمرات وشبه المستعمرات أيضا ، ونحن عن ذلك
غافلون أو متغافلون .
قبل الشروع في نخل مقال كراهام ، ووضعه على محك النقد يجب علي أن
أعترف بأن هنا لك قسما رابعا من المستشرقين هم بريئون من تعمد الخطيئات
ومبرؤون عنها ، وكانوا قبل هذا الزمان قليلا جدا ، فمنهم توماس كارليل وجيبون
وكوثى ، وأما في هذا العصر فهم بحمد الله كثير لا يحصون ؛ ولكن الخاطئين أكثر
منهم بكثير ، بل لا مناسبة بينهم ، فيجب علينا أن نفتح عيوننا ، وننظر ماذا يقال
عن أدبنا وتاريخنا في الصحف والمخيلات ( السينمات ) ودور التمثيل وسائر
الأندية ، ونغبر في وجوه المبطلين اهـ .
قال لويس كراهام :
الجمال في النساء يجلب لمن تحلت به كفلين متساويين من سعادة وشقاء ،
وصحف التاريخ طافحة بالحوادث التي أتاح الحسن فيها للمرأة الثراء والغنى ،
والمكانة ، والنعيم والعذاب .
يظهر أن كل صورة ظهرت ملأى بالنور والغبطة تكون خاتمتها أبدا ظلمة
وانحطاطا من شامخ إلى هوة سحيقة .
ليلى بنت الجودي الغساني رئيس القضاة وهب لها جمال زاهر يحرق قلوب
الرجال ، ويبعث أهواءهم ، لقد اشتهرت شهرة واسعة بالجمال الفاتن منذ صباها ،
ولم تلبث أن تزوجت بمالك بن نويرة ، وكان مالك صديقا حميما للبطل الإسلامي
العظيم ( خالد بن الوليد ) ولأسباب خارجة عن هذه القصة أتى مالك عملا جعل
خالدا لا يثق به ، وساءت العلاقات بينهما جدا ، حتى انتهى ذلك إلى أن صار كل
منهما رئيسا لفرقة معادية للأخرى ، وكلتا الفرقتين تبذل أقصى جهدها للفتك
بالأخرى بحجة شرعية في معتقدها الخاص ، ولم تدم هذه الواقعة طويلا حتى وقع
البائس مالك بن نويرة هو وحليلته ليلى أسيرين في يد خالد .
والآن قد ألممنا بشيء من وصف ليلى نقول : إنها وهبت قلبها لزوجها ،
وعزمت على أن تبذل كل مرتخص وغال في الدفاع عنه لتربح حياته ، وكانت
النساء إذ ذاك محتجبات ، وكان كشف وجوههن يعد خزيا وعارا ، ومع ذلك تزينت
ليلى بحليها ، وأرادت أن تجعل حسنها شفيعا في زوجها ، فعزمت على أن تقصد
خالدا تطلب منه الرحمة ، وتظهر أمامه سافرة ، وتضم إلى حسنها شفيعا آخر وهو
أعذب ما تقدر عليه من الكلام لعله يهب لها حياة مالك .
كانت تلك الليلة ليلة لهو وطرب وسرور ، وانبساط وشرب خمور ، في
معسكر خالد ، والجنود مغتبطون قاعدون حول النار يصطلون ، ويعددون أعمال
ذلك اليوم ( الوقعة ) وبينما هم كذلك إذا بشبح متزمل بعباءة كثيفة يجتازهم حتى
يقف أمام فسطاط خالد ، فما هي إلا همسة يهمسها الشبح للحارس حتى يلج الفسطاط ،
ويرى خالد مضطجعا على سريره ليستريح ، وكانت ستائر الخيمة من الجوخ
العالي الذي أخذ من الغنائم ، وذلك السرير بعينه جاء من قافلة فارسية ، وكان
الفسطاط مضاء بنور ضئيل ، ورائحة العود تعبق فيه وتزيده روعة وجلالا ، وما
وقع بصر خالد على الشبح حتى نزع العباءة الضخمة التي كانت تحيط به ،
وظهرت ليلى أمام خالد ، ولم تلبث إلا لحظة حتى جثت على ركبتيها ، وتفجر من
بين شفتيها الجميلتين جدول منحدر من الكلام ، وكأن قلبها في مخالب طائر ،
وأسعدتها عيناها ففاضت بالدموع ، فرأت ابتسامة على شفتي خالد ، واها ! لقد
نجحت ! لقد أذاب جمالها قلب القائد الحربي الحديدي ، سرت ليلى بذلك .
بغتة يكسر صوت خالد ذلك السكون ، وكان صوته غليظا خشنا من الغضب ،
ما كادت ليلى تسمع رنين لفظه حتى جحظت عيناها من الرعب ، ولما رأت الرجل
الذي دعاه خالد فزعت منه ، وأرادت أن تجفل ؛ ولكن دمها صار جمدا حين سمعت
نص الحكم الذي فاه به القائد ، اضرب عنق مالك في الحين ، وادع لي إماما يعقد
لي على ليلى الآن .
أما الرعب والفزع الذي وقع لهذه المرأة السالبة للعقول فلا يمكن وصفه ،
فتصور القارئ له خير من أن أصفه له ، فكرت ليلى لحظة وهي في غاية
الاضطراب ، فتحققت أن جمالها هو الذي خذلها وأسلمها ، لقد أنتج عملها ضد
المقصود ، فبدلا من أن توقظ رحمة خالد أيقظت هواه ، لم يضع شيء من الوقت
ففي الحال أبلغ البائس مالك الحكم ، وما شعرت ليلى وهي لا تزال جاثية ذاهلة أمام
سرير خالد إلا وصوت مالك يرشق قلبها المثقل بالآلام ضغثا على إبالة ( هذا هو
سر القضية ، ما قتلني إلا أنت ) ، وهكذا صارت ليلى زوجا لخالد لاعنة جمالها
الذي كان نكبة عليها .
حقا لقد كان جمال هذه المرأة مدهشا ، وناهيك أنه في وقعة عقرباء جالت
جنود خالد جولة ( انهزمت انهزامة قليلة ) فهجم العدو على فسطاط خالد ، وكان
سيدهم ( مجاعة ) قد أسرته خيل خالد من قبل ، فوجدوه مطروحا هناك موثقا ،

(37/2)


فأراد هؤلاء البدو المتوحشون أن يقتلوا ليلى ؛ لكن جمالها الفتان كان قد سرى في
قلب ( مجاعة ) وعمل عمله ، فدفعهم عنها وأجارها منهم ، وأرادوا أن يفكوا أسره ،
فأبى وفضل أن يبقى أسيرا عند ليلى ليمتع بصره بالنظر إليها حينا .
واشتهر جمال ليلى وطار صيتها في الآفاق حتى صار الناس يتغنون به في
المدينة ، فهاج هوى عبد الرحمن بن أبي بكر فأخذ يشبب بها ، ويتغنى بحبه لها ،
وما زال هائما بها حتى أسعده الحظ بتزوجها فرفعها إلى أعلى مكانة من الإجلال
حتى هجر لأجلها نساءه وخليلاته ( سراريه ) .
لكن ذلك الإجلال والعشق كان فارغا ؛ لأنه إنما كان يحب الجمال الجسمي ،
ضاربا عرض الحائط بجمالها النفسي ، كان زواجه غما عليها وحزنا ، لم تزل
الأميرة البائسة تذكر مالكا وأيامه السعيدة ، ولما وجدت نفسها في مستوى الحيوان
الأعجم إن هي إلا متعة وملهاة ، انقبضت نفسها ، واستولى عليها الهم ، وغلب
عليها الصمت ، فنحل جسمها ، وذبل جمالها ، فذبل معه حب عبد الرحمن لها .
وفي خاتمة الأمر رجعت إلى بيت أبيها لتقضي بقية أيامها في تفكير هادئ ،
وهكذا كانت عاقبة هذه المرأة العجيبة - كانت حياتها كما ترى حياة شاقة أدت لأجلها
ثمنا غاليا حتى على حسنها وجمالها .
* * *
في الفسطاط
صور الكاتب داخل فسطاط خالد صورة تضاهي غرفة أحد ملوك الهند في
العصر الحاضر ، فهذه النارجيلة الطويلة قائمة منتصبة ، وهذه باطية بلورية مملوءة
خمرا تحفها الكاسات النفسية ، وهذه المباخر يتصعد في جو الحجرة دخانها ويعبق
طيبها ، وهذه المصابيح الجميلة معلقة يتوقد نورها ، وهذا خالد بن الوليد الذي
اخترعته مخيلة كراهام مرتديا ثيابا فاخرة على الزي المصري تخاله أحد العمد
المترفين جالسا على كرسي مزخرف بديع ، وتحت قدميه الحافيتين كرسي جميل
لوضع القدمين ، وها هي ذي المائدة البهية منصوبة عليها من الفواكه ألوان وأفنان .
وهذه ليلى ابنة الجودي عارية النصف الأعلى من جسمها تقريبا ، متزينة
بأقراطها وفتخاتها ، وثلاثة أزوج من الأساور ، فزوج في عضدها ، وآخر أسفل
قليلا من مرفقها ، وثالث في معصمها ، متجردة في سراويل بلا غلالة ولا درع ،
وحجالها في أسفل ساقيها إلى كعبيها ، غادة بيضاء ، وسيمة جيداء ، ملفوفة لفاء ،
هضيمة الخصر عظيمة ما تحته ، طوالة زلحة برهرهة ( ولولا التأدب مع المرحوم
العلامة أحمد بن فارس صاحب الساق على الساق لأسهبت في سرد هذه الأوصاف )
ترى هذه المرأة الفتانة جاثية على ركبة واحدة ، محدقة النظر في وجه خالد العبوس ،
جزوعا هلوعا ، مستعطفة مستحرمة بعينيها ، ومنظرها الذي يذيب الجماد ، بله ،
جدول الكلام المنصب المنساب من شفتيها كما قال كراهام مخترع القصة نفسه .
وأما خالد هذا الخيالي فيتصوره الرائي مقطب الوجه إلا أن عينيه لا
تستطيعان أن تخفيا ما سرى في جسمه ونفسه من الهيام بحسن هذه الدمية الجاثية
بين يديه ، وهي كما قال الكاتب ( تراجيدي ) أي مأساة ترق لها قلوب الأسود
الهصر ، والسباع الضارية ، لو كانت حقيقية أو خيالية ، أما وقد أساء مخترعها إلى
القراء بأن جعلها في الدعوى حقيقة تاريخية ، وفي الواقع خرافة خيالية ؛ فإن ذلك
يغض من روعتها ، ويقلل من تأثيرها ، ويشوش تصورها .
فيا ليت شعري أكان كراهام لويس جادا أم هازلا ، جاهلا أم متجاهلا ،
مستهزئا بنفسه أم بالقراء ، أم بالتاريخ أم بالأدب حين أخذ صورة امرأة خليعة من
نساء الفرس الساكنين في بمباي ووضعها بين يدي صورة فلاح غني من ريف
مصر في غرفة راجا هندي مترف ، وقال للناس هذه صورة خالد بن الوليد القائد
العربي ، لا في بيعة بحمص أو دمشق ( فيكون الأمر لولا النارجيلة والخمر قريبا )
بل في معسكره بالبطاح من أرض بني تميم وهو في سرية متحفز لقتال أهل الردة ؟
لكن هذا الكاتب الظريف أبى له خياله إلا أن يجعل فسطاطه مجلس كسرى أو
قيصر ، وأضاف إليه نارجيلة ، لئلا يحرم من زينة مجالس أولي النعمة والترف من
أهل الشرق الأقصى ، وليس على فكره بمستنكر أن يجمع الأزمنة في زمان واحد ،
والأمكنة المختلفة في مكان واحد ، والأشخاص المتعددين في شخص واحد كما
سيأتي بيانه في تحقيق قصة ليلى ابنة الجودي , لقد أعجبني جدا ما قال الأستاذ
معين الدين أحد رفقاء دار المصنفين في رده على هذا الكاتب في مجلة (معارف)
الأوردية ؛ فإنه بعد أن فند ما تكذبه الكاتب ، وأدى إليه ما يستحقه من الاحتقار قال
ما ترجمته : تصويره خالدا وفسطاطه كمن يصور المسيح على طيارة يحوم في جو
باريس ويتفرج على قصورها . اهـ .
(يتبع)
((يتبع بمقال تال))
________________________
(1) المنار : اشتهر اسم توما الحكيم حتى صار مضرب المثل في الجهل المركب من جهلين ، الجهل بالأمر ، والجهل بهذا الجهل ، إذا قال الشاعر في هجائه :
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الناس كنت أركب
لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب .
(2) الصحفي من يأخذ العلوم عن الصحف بدون تلق عن العلماء ، وهو بالتحريك نسبة إلى الصحيفة؛ لأن العرب تنسب إلى المفرد لا إلى الجمع ، والمصحفي من يتلقى القرآن من المصحف لا عن القراء الحفاظ وكل منهما يكون كثير الغلط والخطأ .

(37/3)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية