صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
المؤلف : الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الناشر : موقع الجامعة على الإنترنت
http://www.iu.edu.sa/Magazine
عدد الأجزاء : 120 عددا
مصدر الكتاب : ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com
[ ترقيم المجلة غير موافق للمطبوع ]
أدخلها على الموسوعة أخوكم خالد لكحل، عضو في ملتقى أهل الحديث

3- تقوي وتعزز العقيدة الإسلامية في نفس المسلم فالعقيدة الإسلامية في حياة الإنسان المسلم إذا لم تترجم إلى سلوك وعمل وطاعة وتعبد لا تكتمل دائرتها في نفسه. فالعبادة تعني التطبيق والالتزام بما شرعه الله عز وجل، ودعا إليه رسله أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما. وهذا يمثل من المسلم الطاعة والخضوع لله تعالى والإقرار الكامل بوحدانية الخالق عزوجل.
ويظهر منهج العبادة في وصية لقمان لابنه في الأمور التالية:
1) أمره بإقامة الصلاة:
فالصلاة هي أعظم فرائض الإسلام وعون على احتمال تكاليف الحياة ونوائب الدهر، قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (1) .
وقد ذكر لقمان لابنه من أركان الإسلام الصلاة، وذلك لمكانتها العالية بين العبادات، فهي الركن الثاني بعد الشهادتين، وعماد الدين الذي لا يقوم الدين بغيرها، ولذا فمن تركها فقدكفر. (2)
فعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ".
وهي كذلك مناجاة من قبل العبد لربه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه - أو ربه بينه وبين قبلته - فلا يبزقن في قبلته ولكن..."الحديث (3)
ومن هنا جاء كونها عماد الدين وأنه لا مكانة للاستقامة أو التخلق بخلق الإسلام إذا لم تكن الصلاة متحققة بالطريقة التي وضحها الشرع وعلى النحو الذي أراده الله للناس بأن تؤدى في المسجد وفي جماعة، وهي بهذا تكون سببا فعالا في إيجاد الألفة بين المسلمين في أرواحهم وسلوكهم، وتعطي صورة حيه للمسلمين أفرادا وجماعات، وهم يتوجهون بقلوبهم ومشاعرهم إلى الواحد القهار.

(38/451)


وبالإضافة إلى ما ذكر فإن الصلاة تقوي الروابط الروحيه وتشد المجتمع بعضه إلى بعض، وتطهر المجتمع من الرذائل والفواحش، قال تعالى: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر...} الآية .
وبذلك يصبح أفراد المجتمع متوادين ومتراحمين، وعبادا لله صالحين.
2) أمره أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطة اجتماعية أو رقابة اجتماعية، وأن القيام بهذا الواجب هو الدرع الواقي للمجتمع، يصونه ويحفظه من التفكك والانهيار وإلا دبت فيه الفوضى واعتراه العبث والاضمحلال.
وقد نبه الإسلام إلى الخطر الذي يحل بالأمة عندما تقصر أو تهمل في أداء هذا الواجب فالأحاديث في ذلك كثيرة ولا يمكن سردها في هذا البحث وأكتفي بقوله عليه الصلاة والسلام: "يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم" (1) .
وبناء على ذلك يكون منابذة أهل الفساد ومحاصرتهم مطلب ضروري لحفظ المجتمع المسلم وسلامته من الآفات والأمراض والمعاصي التي تفتك بالأمة، وتقضي على وحدتها، وتصل بها في النهاية إلى الدمار والهلاك.
3) أمره بالصبر على مشاق الدعوة إلى الله:
ويعد هذا من أشرف وأرقى أنواع الصبر، لما يتعرض له الداعي من متاعب وآلام، فما على الداعية إلى الله إلا أن يعتصم بالصبر ويتسلح باليقين لأنه من عزائم الأمور، كما أوضح ذلك لقمان لابنه قال تعالى حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه: {إن ذلك من عزم الأمور} (2) .
ومما يحث الدعاة على الصبر وتحمل مشاق الدعوة، ما ينتظره الصابرون من حسن الجزاء، واليقين بأن نصر الله قريب، قال تعالى: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (3) .

(38/452)


وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (1) .
من كل ما تقدم ينبغي أن يكون الأصل الثالث الذي ينبغي على الآباء والمربين أن يربوا أبناءهم وتلاميذهم عليه "منهج العبادات"فيتعودوا على ممارستها على النحو الذي وضحه الشارع الكريم وأن يكون منذ نعومة أظفارهم وبذلك يتربى النشئ على طاعة الله، والقيام بحقه والشكر له، والالتجاء إليه، والثقة به، والاعتماد عليه، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع...، وحتى يجد الطهر لروحه، والصحة لجسمه، والتهذيب لخلقه، والإصلاح لأقواله وأفعاله .
الأصل الرابع: الآداب الاجتماعية:
أدب الله عباده بآداب كثيرة، وهذه الآداب حلية المسلم تزين نفسه الباطنة، وأفعاله الظاهرة.
و"الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق... والأدب مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعي إليه" .
وترتبط الآداب بالعقيدة الإسلامية ارتباطا وثيقا، ذلك أن العقيدة هي التي تحفز الإنسان نحو السلوك الطيب، وأن انتفاء العقيدة عنده سيقود إلى كل الاحتمالات السلبية والتفكك والانحراف، وبناء على ذلك فإن الآداب الإسلامية هي وليدة العقيدة التي تستقر في قلب الإنسان، وهي العامل المحرك المؤثر وبدون ذلك لا مكانة للآداب بغير عقيدة. ولهذا تنقلب الآداب إلى نتائج عكسية تتمثل في السلوك الذميم كالرذائل والفواحش مثلا، ذلك إذا لم يكن هناك عقيدة ثابتة صحيحة تتهذب معها النفس ويتقوم بها الاعوجاج.
ومن هنا كانت الآداب التي أوصى بها لقمان ابنه بعد تأكيده على العقيدة وغرس التوحيد، ومراقبة الله سبحانه وتعالى والتأكيد على العبادة أيضا.
وفيما يلي بيان للآداب المذكورة في وصية لقمان لابنه والتي ينبغي أن يتضمنها منهاج التربية الإسلامية.
أ) بر الوالدين:

(38/453)


فقد أمرنا الله عز وجل بر الوالدين وجعل حقهما في مرتبة تالية لحقه ، فالوالدان هما السبب الذي شاء الله أن يوجد الأبناء من خلاله وقد عانيا في سبيل ذلك عناء كبيرا ولاقيا صعابا جمة، وخاصة الأم التي حملت وليدها كرها، ووضعته كرها، ومع هذا فقد أمرنا الخالق تعالى بإكرامها، و خفض الجناح لهما، والدعاء لهما.
وبناء على ذلك ينبغي على الآباء والمربين أن يغرسوا في أبنائها وتلاميذهم حب الوالدين وأن يعملوا على تكوين الاتجاه الإيجابي نحو بر الوالدين والشكر لهم وطاعتهم واحترامهم على أن يكون ذلك منذ الصغر ليسهل عليهم تطبيقه في الكبر.
ب) التواضع والبعد عن التكبر:
يظهر هذا في قول الحق تبارك وتعالى حكاية عن لقمان {ولا تصعر خدك للناس...} الآية .
فالمسلم يتواضع لأخيه المسلم في غير مذلة ولا مهانة والتواضع من أخلاق الإسلام المثالية و صفاته العالية، والكبر على عكس من ذلك، ففعله مذموم وصاحبه كذلك ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي" (1) .
والكبر أيضا يمنع صاحبه من الاستفادة من اتباع الحق والهدى فيخسر كثيرا قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} (2) . ولهذا كانت العزة والكرامة للمتواضعين ففي الحديث "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"
وبناء على ما سبق ذكره يجب على الآباء والمربين أن يعودوا أبناءهم ويدربوا تلاميذهم على ممارسة الأخلاق الإسلامية ومن بينها خلق التواضع تأسيا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوصى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد" (3) .

(38/454)


وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بتواضعه المثل الأعلى في ذلك، فلم يعرف عنه أن رفض دعوة أقل الناس شأنا، ولم يتعال على أحد من قومه بل كان يقول: "إنما أنا عبد الله ورسوله" (1) ، ولم يرد طلبا لأحد فإن الأمة تأخذ بيده وبه فتنطلق به في حاجتها فعلى الأبناء والتلاميذ أن يسموا سلوكهم بالتواضع في كل شيء، في بيوتهم ومع ذويهم، وفي مدارسهم ومع معلميهم، وفي مجتمعهم ومع علمائهم، ومع الناس جميعا. وفي المقابل أيضا عليهم أن يحذروا من الوقوع في الكبر وعجب النفس فإن ذلك يؤدي بصاحبه إلى غمط الحق، وطمس معالمه، وفي النهاية يقوده إلى الدمار والهلاك وغضب الله عليه.
جـ) آداب المشي:
للمشي في الطريق آداب وواجبات قل من يهتم بها مع أهميتها، وخلاصة هذه الآداب والواجبات أن المشي يطلب في أثنائه كل ما يطلب من الجالس على الطريق ويزاد عليه التواضع في أثناء المشي والتسامح مع من يقابلهم . ولهذا وصف الله عزوجل عباده أنهم يمشون على الأرض هونا أي: مشيا متصفا بالسكينة والوقار، غير مختالين ولا مستكبرين . قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (2) .
ولهذا أمر لقمان ابنه بالاعتدال في المشية والحركة. قال تعالى حكاية عن لقمان: {واقصد في مشيك..} الآية . أي توسط فيه، والقصد ما بين الإسراع والبطء .
المعنى: أي امش مقتصدا معتدلا لا بطئ الخطو ولا مسرعا مفرطا في السرعة، مشية لا ذل فيها ولا كبر، متواضعا. وليكن لك قصد وهدف تمشي إليه، وليظهر ذلك في سيرك بحيث تمشي مشية الهادف الذي ينطلق لقصده في بساطة وانطلاق .

(38/455)


فعلى الآباء والمربين أن يستفيدوا من هذه التوجيهات الربانية في إرشاد أبنائهم وتلاميذهم إلى كيفية المشي الصحيح على الطريق وكذلك تعليمهم آداب الطريق كما حددها النبي في أحاديث كثيرة ومنها قوله: "إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها ، قالوا: وما حق الطريق ؟ قال: غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر" (1) .
وهكذا يتأدب النشئ منذ نعومة أظفارهم بأخلاق الإسلام، فتطهر نفوسهم وتسموا أخلاقهم، وتتكامل شخصياتهم.
د) آداب الحديث:
الحديث مع الآخرين في الإسلام له أصوله وآدابه، على المسلم التقيد بها إرضاء لله عزوجل وتجنبا لسخطه وعقابه، ومن أجل هذا يبين لنا الرسول في أحاديث عدة خطورة اللسان وما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الهلاك.
فمن ذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (2) (3) .
وكذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها ، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق" (4) .
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ، لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا، يهوى بها في جهنم" (5) .
ولكي لا يقع المسلم في مزالق اللسان وعثراته فهناك شروط في الإسلام للكلام يمكن إيضاحها في النقاط التالية:
الشرط الأول : أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضر.
الشرط الثاني : أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.
الشرط الثالث : أن يقتصر منه على قدر حاجته.
الشرط الرابع : أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.

(38/456)


وبناء على الشروط السابقة والمذكورة أعلاه يكون أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى الكلام بل يكتفي فيه بالفعل من القول و ألا يرفع بالكلام صوتا مستكرها، ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا .
ولهذا أدب لقمان ابنه في هذا الخصوص بقوله قال تعالى حكاية عن لقمان: {واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} (1) . فخفض الصوت عند محادثة الناس فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث، ورفعه أي رفع الصوت دليل على فقدان ذلك.
ومن هنا جاء استخدام لقمان لابنه وسيله منفرة تجعله يكره رفع الصوت، فقد شبه له من يفعل ذلك بنهيق الحمار. وليس هناك أغلظ من أصوات الحمير إذا ما قورنت أصواتها بالنسبة لسائر الحيوانات الأخرى، وقد أرشدت السنة النبوية الإنسان المسلم بالتعوذ عند سماع صوت الحمار. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانا" (2) .
وبناء على ما ذكر ينبغي على الآباء والمربين أن يعودوا أبناءهم وتلاميذهم على الالتزام بآداب الإسلام في الحديث مع الآخرين، وأن يكون الحديث بقدر ما تدعو إليه الضرورة وبشرط عدم رفع الصوت في وجه المخاطب حتى لا يكون ذلك مصدر أذى من الحديث بغير داع أو من جراء رفع الصوت. وبهذا يكتمل منهج الآداب الاجتماعية التي أوصى بها لقمان ابنه، فقد بدأها ببر الوالدين وطاعتهما ثم عدم التكبر على الناس وكذلك الالتزام بآداب المشي على الأرض والحديث مع الآخرين.

(38/457)


ونلحظ من العرض السابق أن تلك الآداب الاجتماعية لها أهميتها في تنشئة النفوس المؤمنة على الخلق القويم الذي يقتضيه التمسك بشريعة الإسلام فالإسلام يبغي للنفس المؤمنة أن تكون مهذبة مصونة من كل أسباب الأمراض، بعيدة عن كل ألوان العيوب النفسية، من أجل أن يكون المسلم ذا خلق كريم، وأن تكون نفسه خيرة طيبة مطمئنة. وعليه يبغي أن تكون الآداب الاجتماعية أصلا من أصول التربية الإسلامية، لما لها من تأثير كبير في تشكيل شخصية الإنسان المسلم، شخصية سماتها الوقار والهيبة، والاعتدال وقوة الشخصية فالخلق في الإسلام هو سبيل الارتقاء بالمسلم إلى مدارج الكمال، كما جاء في الحديث النبوي الشريف "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (1) .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق" (2) .
كما أن صاحب الخلق الحسن يسعه الناس كما جاء في الحديث "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق" (3) .
خاتمة
تلك الأصول الأربعة السابقة هي معالم أصول التربية الإسلامية التي أمكن استنباطها من وصايا لقمان الحكيم لابنه كما وردت في سورة لقمان من الآية (13-19).
وفيما يلي تلخيص لنقاطها:
الأصل الأول : العقيدة الإسلامية وجوهرها التوحيد.
الأصل الثاني : مراقبة الله عز وجل.
الأصل الثالث : العبادات.
الأصل الرابع : الآداب الاجتماعية.
والأصول التربوية المذكورة أعلاه هي وصايا نافعة، ونصائح غالية، وحكم نبيلة، وتوجيهات سديدة، يقدمها لقمان لابنه، ليكون ابنا بارا، يتعامل مع الناس بحسن الخلق وطيب المعاملة، يعرف للناس حقوقهم، ولا ينسى حق الله عليه.

(38/458)


فحري بالآباء والمربين أن يستفيدوا من تلك الوصايا في تربية أبنائهم، وتوجيه تلاميذهم، فهي بلا شك المنهاج الصحيح لأصول التربية الحسنة الناجحة، والطريقة المثلى لإعداد جيل صالح على أساس قوي من عقيدة التوحيد، يعرف حقوق ربه، وحقوق والديه، وحقوق مجتمعه.
فهل يستطيع الآباء والمربون اتباع معالم هذه التربية في تربية أبنائهم وتلاميذهم.
لا سبيل لفلاحهم ونجاحهم في هذه الحياة إلا أن ينهلوا من سنن الإسلام ومنهاجه القويم في تربية أبنائهم، وتقويم سلوك تلاميذهم، وفي إصلاح نفوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتعليمهم مبادئ الخير والفضيلة، وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة، وبذلك يضمنوا بإذن الله تعالى إيجاد الجيل المؤمن، والشباب الصالح، الممتثل لأوامر ربه، والقدوة الطيبة لغيره في كل مكرمة وفضيلة، والخلق والعمل الصالح.
وأخيرا أحمد الله عز وجل على ما وفقني في إنجاز هذه الدراسة حتى ظهرت بهذه الصورة، فإن وفقت لما أصبو إليه فبتوفيق من الله جل ثناؤه، وإن عجزت عن الوفاء بما تبلغه الغاية بي، فحسبي أن أضع لزملائي العاملين في مجال التربية والتعليم هذه الدراسة لتكون لهم معلما ومرشدا في أداء رسالتهم التربوية والتعليمية.
أسأل الله عز وجل أن يوفقني للعمل بما علمت وأن يعلمني ما جهلت إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
---

(1) محمد عبد الله السمان: التربية في القرآن ص 14.
(2) سورة الأنعام: آية 153.
(3) أنور الجندي: التربية وبناء الأجيال في ضوء الإسلام ص 212-213.
(4) محمد شديد: منهج القرآن في التربية ص 6.
(5) سورة الجمعة: آية 2، وانظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/363.
(6) سورة النمل: آية 60.
(7) أمينة أحمد حسن: نظرية التربية في القرآن ص 165.
(8) سورة البقرة آية (286).
(9) سورة لقمان: آية 12.

(38/459)


(1) أحمد الخطيب: إرشاد الساري في شرح أحاديث البخاري 7/288.
(2) الزمخشري: الكشاف 3/211، وكذلك القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/59.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية 2/123.
(4) المر جع السابق: 2/123.
(5) النوبة: تطلق على الجزء الجنوبي من بلاد مصر , وهى جبل من السودان واحدها نوبي وبلاد النوبة من ذلك الجبل المعجم الوسيط ص 961.
(6) ابن كثير:المرجع السابق 2/124.
(7) المرجع السابق 2/124.
(8) ابن كثير: البداية والنهاية 2/ 124.
(9) المرجع السابق: 2/124.
(10) الزمخشري: الكشاف 3/211، وكذلك القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/60، وابن كثير: البداية والنهاية 2/124.
(11) القرطبي: الجامع أحكام القرآن 14/16-60، وكذلك أحمد بن حنبل: كتاب الزهد ص 49 .
(12) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/59.
(13) القرطبي: المرجع السابق 14/60.
(14) الزمخشري: الكشاف 3/211.
(15) الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القران 67/11.
(16) المرجع السابق.
(17) ابن كثير: البداية والنهاية 2/129.
(18) ابن كثير تفسير القرآن العظيم 3/443، وكذلك الزمخشري: الكشاف 3/211.
(19) سورة لقمان: الآيات 12- 19.
(20) سورة ق الآية 37.
(21) سورة التحريم: آية 6.
(22) البخاري: صحيح البخاري مع فتح الباري 3/219 كتاب الجنائز 23 باب إذا أسلم الصبي رقم الحديث 1358- 1359، ومسلم: صحيح مسلم 4/2047 كتاب القدر 46 باب كل 6 رقم الحديث 2658 واللفظ للبخاري.
(23) عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 89 - 92.
(24) سورة البقرة: آية (285).
(25) سورة البقرة: آية (177).
(26) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 1/259 كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (1) رقم الحديث(1).
(27) سورة الكهف: آية (107).
(28) سورة العصر: آية (1-3).
(29) انظر عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 89ـ 99.

(38/460)


(1) أحمد بن حنبل: مسند أحمد 3/135.
(2) البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 9/252 كتاب النكاح (67) باب الوصاة بالنساء (80) رقم الحديث 5185.
(3) البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 12/58 كتاب الحدود (86) باب الزنا وشرب الخمر، وقال ابن عباس: ينزع منه نور الإيمان (1) رقم الحديث 6772.
(4) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/375-376 كتاب الإيمان (1) باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يجب لأخيه المسلم (17) رقم الحديث 71
(5) عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 91-92.
(6) النحلاوي: أصول التربة الإسلامية وأساليبها ص 80.
(7) سورة النساء: آية 36.
(8) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2788.
(9) المرجع السابق.
(10) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/63.
(11) المرجع السابق 14/64.
(12) سورة الإسراء: الآيتان (23- 24).
(13) سيد قطب: في ظلال القرآن 4/ 221-222.
(14) عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/22.
(15) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2788.
(16) صحيح البخاري على الفتح 10/413 كتاب الأدب (78) باب صلة المرأة أمها ولها زوج (8) رقم الحديث 5979.
(17) صحيح البخاري على الفتح 10/413 كتاب الأدب (78) باب صلة الوالد المشرك (7) رقم الحديث 5978.
(18) عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/29.
(19) سورة لقمان: آية (16).
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/66.
(20) سورة الأنعام: آية (59).
(21) سورة فاطر: آية (11).
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/67.
(22) سورة لقمان: آية (16).
(23) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2789.
(24) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/67.
(25) البخاري: صحيح البخاري مع الفتح 1/9 كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (1) الحديث رقم (1).
(26) سنن النسائي 6/25 كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، رقم الحديث3140.

(38/461)


(1) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية ا/68-69.
(2) سورة البينة: آية (5).
(3) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/272 كتاب الإيمان (1)، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان(1)، رقم الحديث (1).
(4) عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 2/159-160.
(5) المرجع السابق 2/161.
(6) سورة لقمان: آية (18).
(7) الترمذي: الجامع الصحيح 5/12 كتاب الإيمان (41) باب ما جاء في حرمة الصلاة (8) رقم الحديث (2616).
(8) المرجع السابق: 1/417 أبواب الصلاة، باب ما جاءكم فرض الله على عباده من الصلوات رقم الحديث( 213).
وانظر كذلك أحمد ابن حنبل: مسند الإمام أحمد 3/161.
(9) الترمذي: الجامع الصحيح 2/270 أبواب الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة (305)، رقم الحديث (413).
(10) سورة البقرة: الآيتان (238-239).
(11) سورة المؤمنون: الآيتان (1-2).
(12) عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع ص 193.
(13) سورة العنكبوت: آية (45).
(14) عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع ص 194.
(15) سورة البقرة: آية (153).
(16) سورة المعارج: الآيات (19-20-21-22-23).
(17) البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 2/11، كتاب مواقيت الصلاة (9)، باب الصلوات الخمس كفارة (6)، رقم الحديث (528).
(18) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 4/345،-كتاب الصلاة (4) باب وجوب قراءة الفاتحة... (11)، الحديث 38/395.
(19) البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 2/182، كتاب الأذان (10)، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام 31 رقم الحديث (691).
(20) سورة التوبة: آية (11).
(21) علي حسن العريض: فتح الرحمن في تفسير سورتي الفاتحة ولقمان ص 92.
(22) سورة آل عمران: آية (110).

(38/462)


(1) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/380، كتاب الإيمان (1)، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (20)، رقم الحديث 78/49.
(2) المرجع السابق: 2/384، رقم الحديث. 80/50.
(3) عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/630-632.
(4) الترمذي: الجامع الصحيح 4/468، كتاب الفتن (34)، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (9)، رقم الحديث (2169).
(5) سورة لقمان:آية 171.
سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.
الفيروز آبادي: القاموس المحيط 541.
(6) عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/293.
المرجع السابق.
(7) سورة الزمر: آية (10).
(8) عبد الرحمن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 54-55.
(9) سورة المنافقون: آية (8).
(10) عبد الرحمن النحلاوي: المرجع السابق ص 55-57.
(11) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.
(12) الفخر الرازي: التفسير الكبير 25/149.
(13) سورة لقمان: آية (18).
(14) سورة لقمان: آية (19).
(15) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 3/446.
(16) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/70.
(17) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 16/378، كتاب البر والصلة والآداب (45)، باب استحباب العفو والتواضع (19)، رقم الحديث 69/2588.
(18) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/647، كتاب الإيمان (1)، باب بيان غلظ تحريم... (46)، رقم الحديث 172/107.
الفيروز آبادي: القاموس المحيط 308.
(19) عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية وأسسها 1/676.
(20) المرجع السابق 1/678.
(21) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.
(22) سورة الإسراء: آية (29).
(23) سورة البقرة: آية (143).
حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 130- 131.
(24) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.
سورة لقمان: آية (19).
(25) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.
(26) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

(38/463)


(1) المرجع السابق.
(2) الملاحاة: الملاومة والمباغضة. البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 6/350 ، كتاب الخلق (59)، باب خير مال المسلم (15)، رقم الحديث (3303).
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/72.
(3) عبد الرحمن السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 6/79.
المرجع السابق 6/ 79-80.
سورة الذاريات: آية (56).
(4) عبد الرزاق العباد: الشيخ بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة ص 64.
سورة الذاريات: آية (56).
سورة الأنبياء: آية (25).
(5) انظر حديث جبريل عليه السلام ص 18.
(6) سورة لقمان: آية (13).
(7) سورة لقمان: آية (13).
(8) حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 87-88.
(9) المرجع السابق.
(10) الماوردي: أدب الدنيا والدين ص 9.
(11) حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 92.
(12) المرجع السابق: ص 93.
(13) لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع انظر النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 77-104.
(14) كلابيب: جمع كلوب وهي حديدة معطوفة الرأس يعلق فيها اللحم وترسل في التنور.
(15) السعدان: من أفضل مراعي الإبل وشوكه مستدير يشبه حلمة الثدي. انظر الجوهري: 1/485 مادة (سعد).
(16) مسلم: صحيح مسلم 1/165، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (81)، رقم الحديث (182).
(17) سورة لقمان: آية (16).
(18) الترمذي: 4/677، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم الحديث (51) وقال: هذا حديث حسن صحيح واللفظ له. وأحمد: مسند الإمام أحمد 1/293-303-307.
سعيد إسماعيل علي: أهداف المدارس الإسلامية ص 99.
(19) عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 1/155.
سورة الرحمن: الآيتان (26-27).
(20) سورة الذاريات: آية (56).
(21) سورة النحل:آية (36).
(22) ابن تيمية: العبودية ص 23، وانظر سليمان بن عبد الوهاب: تيسير العزيز الحميد ص 45-46.
(23) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية 1/38.

(38/464)


(1) عبد الرحمن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 57.
المرجع السابق: ص 59.
(2) سورة البقرة: آية (45).
(3) النسائي: سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي وحاشية السندي 1/231-232، كتاب الصلاة (5)، باب الحكم في تارك الصلاة (8)، رقم الحديث (463).
(4) البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 1/513، كتاب الصلاة (8) ، باب إذا بدره البزاق.(39) ، رقم الحديث (417).
(5) العنكبوت: (45).
(6) أحمد بن حنبل: مسند الإمام أحمد 6/159.
(7) سورة لقمان: آية (17).
(8) سورة النحل: آية (96).
(9) سورة الزمر: آية (10).
عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 1/149.
(10) ابن حجر: فتح الباري 10/400.
انظر ذلك بالتفصيل ص 20-24 من هذه الدراسة.
(11) سورة لقمان آية (18).
(12) ابن ماجه: سنن ابن ماجه 2/1397، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر، رقم الحديث (4174).
(13) سورة الأعراف: آية (146).
(14) انظر تخريج الحديث ص 38.
(15) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 17/205، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم الحديث 64/2865.
(16) البخاري: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق 40/142.
(17) ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/490.
(18) حسن أيوب: السلوك الاجتماعي في الإسلام ص 432.
(19) الجزائري: أيسر التفاسير 3/289.
(20) سورة لقمان: آية (63).
(21) سورة لقمان: آية(19)
(22) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.
(23) سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.
(24) إياكم: أحذركم.
(25) بد: غنى عنه.
(26) المجالس: الجلوس في تلك المجالس.
(27) حقها: ما يليق بها من آداب.
(28) غض البصر: خفض النظر عمن يمر في الطريق من النساء وغيرهن مما يثير الفتنة.
(29) كف الأذى: عدم التعرض لأحد بقول أو فعل يتأذى منه.

(38/465)


(1) البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 2/870، باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات، رقم الحديث (2333).
ثكلتك أمك أي فقدتك. ويريد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءا. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 1/ 217.
(2) يكب: كب لوجهه، وعلى وجهه كبا أي قلبه وألقاه. المعجم الوسيط ص771. ويكون المعنى هنا يقلبهم.
(3) حصائد ألسنتهم: أي ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه. ابن الأثير: مرجع سابق 1/394.
(4) الترمذي: سنن الترمذي 5/12، كتاب الإيمان، باب ما جاء في مرحة الصلاة، رقم الحديث (2616)
(5) ما يتبين فيها: لا يتدبرها ولا يتفكر في قبحها وما يترتب عليها.
(6) يزل بها في النار: ينزلق بسببها ويقرب من دخول النار.
(7) أبعد مما...: كناية عن عظمها ووسعها.
(8) البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 5/3377، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث (6112).
(9) من رضوان الله: مما يرضى الله تعالى.
(10) لا يلقى لها بالا: لا يبالي بها ولا يلتفت إلى معناها خاطره ولا يعتد بها ولا يعيها بقلبه.
(11) سخط الله: مما يغضبه ولا يرضاه.
(12) يهوى بها: يسقط بسببها.
(13) البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 5/2377، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث (6113).
الماوردي. أدب الدنيا والدين ص 237.
(14) المرجع السابق: ص 245.
(15) سورة لقمان. آية (19).
(16) البخاري: صحيح البخاري 4/98، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال.
(17) ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري .1/458.
(18) البخاري: الأدب المفرد، رقم الحديث (297).
(19) ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/459.

(38/466)


العدد 107
فهرس المحتويات
1- مقدمة العدد
2- الإلحاد والظلم في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ
... تابع لإلحاد والظلم في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ
الدكتور: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود
3- تأملات : عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
4- موجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة
... تابع لموجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة
د. محمود عبد الرحمن قدح
5- من ذخائر ابن مالك في اللغة مسألة من كلام الإمام ابن مالك في الاشتقاق : الدكتور: محمد المهدي عبد الحي عمار
6- موت الألفاظ في العربية
... تابع لموت الألفاظ في العربية (1)
... تابع لموت الألفاظ في العربية (2)
... تابع لموت الألفاظ في العربية (3)
للدكتور عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
7- المنصوب على التقريب : د/ إبراهيم بن سليمان البعيمي

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

(38/467)


مقدمة العدد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الصادق الأمين، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، ولا يعبد الله إلا بما شرع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:

(38/468)


فيسرني أن أقدم لهذا الإصدار الجديد من مجلة الجامعة الإسلامية، وقد حوى العديد من المواد العلمية القيمة، لنخبة من أعضاء هيئة التدريس، جاءت فنونها متنوعة، في التفسير بالمأثور، والإلحاد والظلم في المسجد الحرام، بين الإرادة والتنفيذ، وتأملات في مماثلة المؤمن للنخلة، وتاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة، وفي اللغة العربية، كلها علوم نافعة، ولله الحمد، تتمشى مع سمة المجلة وهي مجلة علمية محكمة، تتفق مع منطلقها، حين وضعت في المنطلق الصحيح، من المجلس العلمي، الذي يشرف على الشؤون العلمية لأعضاء هيئة التدريس، وشؤون البحث العلمي والدراسات والنشر، تحقيقا لهوية الجامعة الإسلامية، التي هي مؤسسة علمية وثقافية، تعمل على هدي من الشريعة الإسلامية، وتقوم بتوفير التعليم الجامعي، والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي، والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها، بالإضافة إلى ما تتميز به الجامعة الإسلامية، في مقرها الرئيسي، في المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى التحية، وما تتميز به من عالميتها، وما تحتويه من المنح الدراسية، لأبناء ما يزيد على مائة وأربعين جنسية، من أبناء العالم الإسلامي، التي توفرها حكومة خادم الحرمين الشريفين، من منطلق اهتمامه حفظه الله، واهتمام حكومته، بشؤون المسلمين، وقضاياهم، وهو اهتمام يمليه دين الإسلام، فإن الإسلام هو الدين عند الله، كما قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران:19]. ولا يقبل الله من أحد دينا غيره، كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] . وهو الهدى، ودين الحق، الذي أرسل الله به رسوله، خاتم الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله ابن عبد المطلب، من

(38/469)


العرب، من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، مكة مولده، والمدينة مهاجره. ختم الله به الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]. فليس بعده صلى الله عليه وسلم نبي ولا رسول إلى قيام الساعة. أرسله الله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. والحاجة إلى رسالته فوق كل حاجة، والضرورة إليها فوق كل ضرورة، إذ لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا سعادة، ولا أمن ولا طمأنينة، إلا باتباعها، قال الله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 123-124]. قال ابن عباس: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية" [1] . وإلى ذلك كانت دعوته صلى الله عليه وسلم، ودعوة من اتبعه إلى يوم القيامة، كما أمره الله عز وجل، بقوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 108]. فأتباعه صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى الله تعالى، وهم أهل البصيرة، ومن لم يكن من أتباعه فليس من أهل البصيرة، ولا من الدعاة إلى الله وإن زعم ذلك، وحيث تكفل الله بحفظ دينه إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9]. أقام الله لهذه الأمة من يحفظ بهم أصول الدين، كلما مضى جيل خلفه جيل بعده، كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس، حتى

(38/470)


يقاتل آخرهم المسيح الدجال"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم [2] .
وممن وفقه الله للقيام بهذا الأمر، ولله الحمد والمنة، الإمام محمد بن سعود -رحمه الله - حين نصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى التوحيد، وكذلك من ورثهم ممن بعدهم، قاموا بهذا الأمر خير قيام.
ولقد كان الأمر جليا لدى الملك عبد العزيز رحمه الله، حيث يقول: "يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا بالوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش، نشأ عن الدعايات الكاذبة، التي كان يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد، وعقيدة جديدة، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا، هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعوا إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شائبة، منزهة عن كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب". إلى أن قال رحمه الله: "إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق، بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم سبب هذه التفرقة وهذه المصائب،.. إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من الأجانب، يأتي أجنبي إلى بلد ما، فيه مئات الألوف بل الملايين من المسلمين، فيعمل عمله بمفرده، فهل يعقل أن فردا في مقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس، إذا لم يكن له من هذه الملايين أعوان، يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم؟.. كلا ثم كلا.. فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا.. أجل إن هؤلاء الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم، إذا فاللوم واقع على المسلمين وحدهم لا على الأجانب.. إن البناء المتين لا يؤثر فيه شيء، مهما حاول الهدامون هدمه، إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول، وكذلك المسلمون، لو

(38/471)


كانوا متحدين متفقين لما كان في مقدور أحد خرق صفوفهم وتمزيق كلمتهم.." [3] .
ولقد صدق عبد العزيز رحمه الله، واستخدم سلطانه في التمكين للإسلام، ورفع رايته، وتطبيق شريعته، في بلاده، فمكن الله له، وفتح عليه، وأبقى ملكه فيه، وفي أبنائه من بعده، بل أعاد لكل سعودي اعتباره، وحفظ به في سلطانه على المسلمين معالم دينهم، وأقام به مناسكهم، وبمملكته نواة وحدتهم، وجمع به فئة جماعتهم، ولازال أبناؤه من بعده على نهجه وسننه، ولا يزالون على ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41].

(38/472)


ونذكر خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله تعالى، فنذكر مفخرة المسلمين في عمارة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، والعناية بالمساجد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والاهتمام بأمر المسلمين، وخدمة قضاياهم. وما الجامعة الاسلامية، في المدينة المنورة، إلا إحدى المآثر الخالدة، في نشر الاسلام والتمكين له، من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم المنورة، توفر حكومة خادم الحرمين الشريفين من خلالها آلاف المنح الدراسية، لأبناء المسلمين، من مختلف الدول والجنسيات، وتضم كليات: للشريعة، واللغة، والقرآن، والحديث، والدعوة وأصول الدين، وداري الحديث بمكة والمدينة، ومعاهد متوسطة وثانوية، وشعبة لتعليم اللغة لغير الناطقين بها، وعمادات: خدمة المجتمع، وشؤون الطلاب، وشؤون القبول والتسجيل، وشؤون المكتبات، والدراسات العليا، والبحث العلمي، وتعنى في مطابعها، بطبع البحوث والرسائل العلمية، وكتب التراث الإسلامي، وغيرها من مطبوعات نافعة، وها هي تصدر هذا العدد (107) من مجلتها العلمية المحكمة، التي أشارك فيها بهذا التقديم، سائلا الله العلي القدير، أن تحقق جامعتنا الأهداف النبيلة، التي أنشئت من أجلها، في العلم النافع، والعمل الصالح، هذا واستغفر الله وأتوب إليه وأصلي وأسلم على رسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مدير الجامعة الإسلامية
د. صالح بن عبد الله العبود
--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه الحاكم في المستدرك 2/381، وصححه، ووافقه الذهبي.
[2] انظر: صحيح البخاري 3640، وصحيح مسلم 1920، وغيرهما من دواوين السنة.
[3] انظر: الملك الراشد، ص 369-371، المصحف والسيف، ط4، ص55،56.

(38/473)


تابع لموت الألفاظ في العربية
الباب الرابع
إحياء الممات
الفصل الأول: الحاجة إلى إحياء الممات.
الفصل الثاني: موقف العلماء من إحياء الممات.
الفصل الثالث: دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات.
الفصل الأول
الحاجة إلى إحياء الممات
اللغة ألفاظ معدودة يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والأغراض تتجدد والمعاني تتولد، والحضارة تقذف كل يوم بمخترع، والعلوم تطالب كل حين بمصطلح جديد، والألفاظ محدودة، والمعاني لا تنتهي واللغة التي لا تستوعب حاجات أهلها ولا تساير ركب الحياة تضمحل ثم تموت.
وللغات الحية وسائل تنمو بها، وطرائق تجدد بها شبابها، وللعربية وسائلها وطرائقها التي تنمو بها وتتجدد، ومن أبرز هذه الوسائل [1] :
1- القياس.
2- الاشتقاق.
3- الوضع والارتجال.
4- النحت.
5- القلب والإبدال.
6- نقل الدلالة.
7- التعريب.
8- إحياء الممات.
وهذا الأخير لم أجد من ذكره في وسائل تنمية اللغة، وهو في رأيي المتواضع أحدها، وإن لم يكن أهمها، ويمكن اللجوء إليه والاستفادة منه عند الحاجة، وبخاصة إذا أردنا أن نحافظ على نقاء اللغة ونحد من ظاهرة الاقتراض في العربية بشقيها المعرب والدخيل.
ويطيب لي أن أقول من خلال هذا البحث أن للمات دورا في تنمية اللغة العربية يتمثل في إمدادها بألفاظ من مخزونه الثري، فلربما ماتت الكلمة واختفت زمنا طويلا ثم بعثت من جديد لتستخدم في معناها القديم، أو في معنى جديد، كإحياء الكلمات الميتة للتعبير عن المصطلحات العلمية الجديدة، ولهذا يقول علماء اللغة المعاصرون: إنه من الخطأ أن نقول: ( إن كلمة ما قد ماتت؛ إذ إن هناك دائما احتمال عودتها للحياة، ولو كان ذلك بعد قرون عديدة من الهجوع والاختفاء من الاستعمال [2] .

(38/474)


ومما أعيد استعماله من الممات "الإتاوة"بمعنى الجزية والخراج، فقد دبت في هذه الكلمة الحياة من جديد، فذكرتها المعاجم المعاصرة التي تعنى بالمفردات الحية [3] ، وقد نص علماء اللغة القدامى على إماتتها، وأنها من ألفاظ الجاهلية [4] .
وذكر ابن دريد أن (الغوث) من غاث غوثا أميت مع فعله، واستعمل منه أغاثه يغيثه إغاثة [5] . وقد أحيا المعاصرون هذا الفعل الثلاثي الممات، واستعملوا منه قولهم: "غوث اللاجئين"وهو من تعبيراتهم المشهورة.
وأحيت العامة في جزيرة العرب فعلا مماتا، وهو (قلط) فقالوا في ترحيبهم بالضيف: اقلط؛ أي: تفضل بالدخول، وصرفوه في كافة أزمنة الفعل واشتقوا منه اسم الفاعل. وقد ذكر ابن دريد أن الفعل (قلط) مما أميت من الأفعال [6] ، ولهذا لم يرد له ذكر في معاجم اللغة؛ كـ(العين)، و(الأفعال) للسرقسطي، و(الأفعال) لابن القوطية، و(الأفعال) لابن القطاع، و(اللسان) و(القاموس) و(التاج).
وإذا أمكن إحياء لفظ مهجور لمعنى مستجد مع وجود لفظ مولد يمكن أن يؤدي الغرض فإن إحياء القديم خير من استعمال المولد، بشرط أن يكون مما يستساغ لفظه ويقبل تركيبه.
وذهب بعض المعاصرين إلى خلاف ذلك فرأى أن استعمال اللفظ المولد خير من إحياء اللفظ الميت واستبقاء المولود الجديد أولى من إحياء الميت القديم [7] .
وإحياء الممات خير من استعمال المهمل؛ لأن المهمل لم تأتلف حروفه من أصل الوضع اللغوي لعلل صوتية في الكثير الغالب، كما يظهر ذلك من تأمل المهمل في معاجم التقليبات، وأما الممات فإنه مما ائتلفت حروفه وساء حينا ثم باد لعلل دلالية في الكثير الغالب، والدلالة دائمة التغير والدوران.

(38/475)


ويتصل بإحياء الممات واستعماله الاشتقاق منه دون إحيائه، وهذا عنصر فعال في تنمية اللغة، وقد أكثر العرب قديما من الاشتقاق من ألفاظ مماته نص عليها بعض المعجمين، فمن ذلك اشتقاقهم (العدولية) وهو ضرب من السفن منسوب إلى لفظ ممات، وهو (عدولاه) [8] .
واشتقت العرب من (كهف) وهو فعل ممات قولهم: كنهف عنا، إذا تنحى [9] .
واشتقوا من (هرل) هرول هرولة [10] .
وقال اللغوييون: إن اسم هذيل مشتق من فعل ممات، وهو (هذل) [11] .
واشتقت العرب (العذيوط) من فعل ممات، وهو (عذط) [12] .
ومثل هذا كثير، أوردنا منه قدرا صالحا من الأمثلة في الباب الثاني من هذا البحث وهو يدل دلالة لا لبس فيها على أنه يجوز الاشتقاق من الممات.
ويمكن - من جانب آخر - أن يعد الممات عند موته عاملا من عوامل نمو اللغة "فكل تجديد أو نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، واللغة في هذا تشبه الكائن الحي" [13] الذي تتجدد خلاياه مع مرور الزمن، فليس في اللغة كسب دائم من النمو يوفر لها ثراء لا يتناهى، وليس فيها جمود وثبات مطلق، فهي تحاول دائما أن تصل إلى نوع من التوازن الدقيق، فكما "تقترض ألفاظا من اللغات الأخرى لتسعف حاجات المتكلمين بها نراها تستغني عن ألفاظ أخرى تختفي من الاستعمال" [14] .
والممات بهذا المعنى يؤدي دورة في نمو اللغة، ويسهم مع سائر العوامل الأخرى في بقاء اللغة قوية قادرة على مواجهة مستجدات الحياة الفكرية والمادية، فشأنه في هذا شأن الخلية الميتة في جسم الإنسان التي تفسح بموتها المجال للخلية الجديدة الشابة ليبقى الجسم قويا قادرا علىالحياة.
وبالجملة فإن الممات عامل مهم من عوامل نمو اللغة، في إماتته وفي إحيائه، ففي إماتته إفساح المجال لتنمية اللغة وتجديدها، وفي إحيائه حقن للغة بألفاظ أصيلة مألوفة للغة ومقاييسها.

(38/476)


الفصل الثاني
موقف العلماء من إحياء الممات
لعلماء العربية موقفان متضادان في إحياء الممات وهم في ذلك فريقان: فريق لا يجيز إحياء الممات، وفريق يجيزه.
وممن لا يجيزون إحياء الممات (ثعلب) فهو يعد ماضي وذر و ودع من غير الفصيح، ولا يجوز الكلام بهما [15] .
ومنهم الفارابي إذ نقل عنه الفيومي أنه قال: "والعرب قد تميت الشيء حتى يكون، مهملا فلا يجوز أن ينطق به" [16] وهذا نص صريح الدلالة.
ولا يجيز أبو علي الفارسي استعمال ما أميت من (يدع) و (يذر) لأن العرب رفضت ذلك واستغنت عنه [17] ، وعلى هذا يمكن أن يقال: إنه يمنع إحياء الممات، قياسا على منعه إحياء ماضي يدع و يذر.
ويوافقه في ذلك تلميذه ابن جني في كلامه في باب القول على الاطراد والشذوذ، يقول: "فإن كان الشيء شاذا في السماع مطردا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
من ذلك امتناعك من: وذر و ودع؛ لأنهم لم يقولوهما ولا غرو عليك أن تستعمل نظيرهما نحو وزن و وعد، لو لم تسمعهما، فأما قول أبي الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي
غاله في الحب حتى ودعه
فشاذ، وكذلك قراءة بعضهم: "ما ودعك ربك و ما قلى" [18] .
وأشار إلى ذلك السيوطي في "المزهر" [19] .

(38/477)


وأما الفريق الثاني فإنه يجيز إحياء الممات واستعماله لدوره المهم في تنمية اللغة وإثرائها، ومن أقدم من قال ابن درستويه في رده على ثعلب الذي يمنع استعمال الماضي والمصدر من وذر و ودع،قال ابن درستويه: "واستعمال ما أهملوا [20] جائز صواب وهو الأصل وقد جاء في الشعر منه قول أبي الأسود... وقرأت القراء... واستعمال ما لم يستعمله العرب م ن ذلك [21] غ ير خطأ، بل هو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام، لقلة اعتياده؛ لأن الشعر - أيضا- أقل استعمالا من الكلام" [22] .
ويدل هذا الرأي الجريء من ابن درستويه على فهم دقيق مبكر لدور الممات، وأهميته في اللغة ونموها.
ويبدو لي أن كثيرا من علماء العربية المتقدمين يوافقون على هذا الرأي وإن لم يصرحوا به، وإنما يفهم من موقفهم من ماضي (يدع) فهم يحكمون بأنه من الممات، مع أنهم ذكروا بعض الشواهد على استعماله، من دون أن يخطئوا صاحبه، أو يضعفوا قوله، وذكروا بعض القراءات وهم يرون الاحتجاج بالقراءات الشاذة في اللغة، وليس لذلك تفسير عندي سوى الإقرار منهم بأن الفعل الميت قد يظهر في الاستعمال على قلة إذا دعت الحاجة إليه في شعر أو غيره، فيكون من باب إحياء الممات.
وقد حمل الأستاذ سعيد الأفغاني على علماء العربية القدامي وسفه قولهم بإماتة هذا الفعل، وقال: "والطريف أن بعض المحققين ممن تأخر زمانه عن أولئك صحح خطأهم فأثبت صاحب المصابح هذه اللغة الفصيحة في معجمة واستنكر ادعاءهم الإماتة...
وبذلك ترى تسرب الوهن إلى بعض أحكامهم إذ كانت خطتهم ينقصها الإحكام في المنهج والكفاية في الاستقراء معا، وكان عليهم قبل إرسالها استيعاب قراءات القرآن على الأقل والاحتجاج بها" [23] .

(38/478)


ولو تدبر الأستاذ الأفغاني -رحمه الله - في ذلك وتأمل طريقة علمائنا في تناول هذا الفعل المتمثلة في الجمع بين قولهم بإماتته وروايتهم قدرا من الشواهد على استعماله لربما توصل إلى مثل ما توصلت إليه، وتجنب اتهامهم -رحمهم الله- بالخلل في المنهج وعدم الكفاية في الاستقراء.
ويبدو أن في صنيع أصحاب المعاجم دلالة قوية على أهمية الممات، وأعنى بذلك احتفاظهم بالممات في بطون المعاجم الكبيرة المتأخرة، كـ(التكملة) و(العباب) و(اللسان) و(القاموس) و(التاج) ولعل ذلك إرهاص لإحيائه عند الحاجة، وفي هذا كانت المزية للعربية، إذ لا تحتفظ سائر اللغات إلا بالمستعمل، وهو مهدد بالموت، ومعرض لقوانين التطور اللغوي والتعبير الصوتي، فإذا أميت بالترك لم يكن في طبائعها ما تعوض به المتروك الجديد بمتروك قديم، فتضطر إلى الاستجداء من لغات أخرى [24] ، فقد تصاب بالتخمة والتسمم لكثرة ما في أحشائها من الدخيل.
ولقد ظهرت دعوات في الأوساط اللغوية العربية المعاصرة للاستفادة من الممات وإحيائه بطريقة منظمة، تتمشى مع خطة معينة، تمليها السياسة اللغوية، وتهدف إلى التخلص من الكلمات الأجنبية أو إلى سد النقص الملحوظ في الاستعمال، الذي لا يمكن معالجته بالطرق المألوفة، وقد شاع هذا الاتجاه في لغات أجنبية في القرن الثامن عشر، كاللغة الألمانية، عند ما جاهد دعاة المحافظة على اللغة وقواعدها في سبيل التخلص من الكلمات الفرنسية الدخلية [25] .

(38/479)


أما في العربية فقد أحيا الأدباء والعلماء في العصور الحديثة كثيرا من الألفاظ القديمة للحاجة إلى معانيها، وتبعا للمخترعات الصناعية التي تستلزم بعض المصطلحات، ومن هنا وجدناهم يعيدون إلى اللغة شيئا من الألفاظ المهجورة "فكثيرا ما يلجؤون إلى ذلك للتعبير عن معان لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبر عنها تعبيرا دقيقا، أو لمجرد الرغبة في استخدام كلمات غريبة، أو في الترفع عن المفردات التي لاكتها الألسنة كثيرا، وبكثرة الاستعمال تبعث هذه المفردات خلقا جديدا، ويزول ما فيها من غرابة، وتندمج في المتداول المألوف، ولا يخفى ما لذلك من أثر في نهضة لغة الكتابة واتساع متنها وزيادة قدرتها على التعبير" [26] .
وعلى الرغم من ذلك فثمة فريق من علماء العربية المعاصرين يميل إلى تجديد اللغة وتنميتها عن طريق الوسائل المشهورة كالاشتقاق والارتجال والمجاز والنحت والتعريب، ويدعو إلى ترك الغريب والحوشي و المهجور والممات وتفريغ المعاجم اللغوية مما تحويه من ذلك [27] .
ومن أظهر من يمثل هذا الرأي المعلم الخوري بطرس البستاني الذي عد اشتمال المعاجم العربية على الغريب والحوشي والمهجور والممات عيبا من عيوبها وشائبة ينبغي تخليص المعاجم منها لمكان ذلك من الغرابة أو لتوغله في الحوشية والوحشية أو لهجره، وهو يرى أن دفنه خير من بقائه ويشبه بقاءه بالدمل في جسم اللغة البهي [28] .
ويتألم هذا الباحث ويتحسر لاتجاه اللغويين والمعجمين إلى الإبقاء على هذا النوع من الألفاظ في معاجم العربية، ويقول: "ومما هو جدير بالأسف أنه بات من الراسخ في وهمنا أن تلك الألفاظ المستكرهة لا بد من إثباتها في معاجمنا، وإلا اجترحنا أفظع جريرة في حق لغتنا، وأفقدناها كنزا ثمينا لا يعوض ولا نعلم متى تسقط هذه الكلمات المنبوذة من معاجمنا" [29] .

(38/480)


وهذه نظرة غير موفقة لهذا النوع من الألفاظ التي يمكن الاستفادة منها بإحيائها في معناها أو بإلباسها معنى جديدا كما استفادت بعض اللغات الحية من ممات اللاتينية القديم.
الفصل الثالث
دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات
تنطلق مجامع اللغة العربية في عنايتها باللغة وحرصها على نقائها وإثرائها بما يضمن لها النماء والحيوية ومسايرة مستجدات العصر من نظرتين متوازيتين:
إحداهما: الحفاظ على التراث اللغوي للعربية، وتقريب بعيدة، وتيسير غريبة، وإحياء مماتة.
ثانيهما : الاقتراض والترجمة.
ولهذه المجامع نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجد من المعاني والمصطلحات، وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحد من تسرب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون الممات أحد الوسائل النافعة التي تمد العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر.
ولكن المجامع اللغوية التي تكاثر فيها الأعضاء المجددون اتجهت بتأثير منهم نحو اعتماد آراء أكثر جرأة في التجديد والانفتاح على اللغات الحية عن طريق التعريب والترجمة، فانعكس ذلك سلبا على نشاط المجامع في إحياء الممات أو العودة إلى الغريب والحوشي والمهجور.
ومن هذا المنطلق تعالت الأصوات الداعية إلى ترك الممات وإهمال المهجور والألفاظ الحوشية الجافية بحجة عدم الحاجة إليها أو قلة الفائدة منها.
ومن هؤلاء علي الجارم الذي ذكر أنه وجد بمجلة المجمع القاهرة ألفاظا قديمة غير مستعلمة، وقد اعتمدت للتعبير عن أشياء جديدة تختلف معانيها عن معانيها القديمة، وهو لا يستسيغ هذه الطريقة [30] .
وقدم الأستاذ أحمد أمين اقتراحا يقضي بالتخفف من كثير من مفردات اللغة، وهو يرى "أن أولى الكلمات بالإعدام هي تلك الكلمات الحوشية فلا بد من استبعادها وعدم إدخالها في المعاجم الجديدة" [31] .

(38/481)


وعلق عليه الدكتور إبراهيم أنيس مؤيدا تخليص اللغة من الألفاظ الحوشية والمهجورة [32] وأدى هذا الاقتراح للأستاذ أحمد أمين إلى صدور قرار لمجمع اللغة بالقاهرة في الدورة الثلاثين سنة 1964م وفيما يلي نص القرار:
"من الواجب أن يكون من المعاجم ما يتضمن كل كلمات اللغة، أما وصف بعض الألفاظ بأنها حوشية فذلك اعتبار بلاغي لا لغوي، ولا يستبعد اللفظ من المعاجم بأنه حوشي" [33] .
وبهذا رد المجمع الاعتبار للألفاظ القديمة وفتح الباب للإفادة منها في المصطلحات العلمية الجديدة، فأصبحت القاعدة تنص على تفضيل المصطلحات العربية القديمة على المصطلحات المستحدثة شريطة ألا تكون المصطلحات المستحدثة شائعة في الاستعمال، وأن تكون المصطلحات القديمة معبرة عن المقصود تعبيرا دقيقا [34] .
وكان لتدخل الشيخين حسين والي وأحمد الإسكندري [35] أثر ظاهر في ترجيح كفة المحافظين الداعين إلى الاستعانة بالتراث اللغوي القديم بجميع أوجهه، ومنها الغريب والحوشي والمهجور والممات.
وكان الاتجاه اللغوي في باقي مجامع اللغة العربية مشابها لما يدور في أروقة مجمع القاهرة فثمة تياران يتنازعان في مجمع دمشق أحدهما محافظ والآخر مجدد، يدعو أولهما إلى إحياء التراث اللغوي، والتحفظ على ظاهرة الاقتراض اللغوي، فثمة باحثون في ذلك المجمع سعوا إلى استثمار رصيد العربية اللغوي استثمارا إيجابيا [36] .

(38/482)


ومهما يكن من أمر فإن مجامع اللغة - في الجملة - تنظر إلى تراث العربية القديم بما فيه من حوشي ومهجور وممات نظرة احترام وتقدير، وتدعو إلى استثمار ذلك الرصيد الوافر لتنمية اللغة والاستعانة به في المصطلحات شريطة أن يعالج من قبل لغويين متخصصين، لا يتقيدون بالمعنى القديم لتلك الألفاظ، فقد يعمدون إلى نزع دلالي كامل يطبق على بعض تلك الألفاظ المماتة مثلما فعل العلماء الأوربيون الذين هجموا على الممات في اللاتينية واشتقوا منه كثيرا من مصطلحاتهم [37] بعد تحوير المعنى اللغوي القديم، وتضمينها المعنى العلمي الجديد.
ويبدو هذا الرجوع إلى القديم واضحا عند محمود تيمور الذي استعلمه كثيرا في (معجم الحضارة) الذي تتميز مصطلحاته بقدمها و محافظتها [38] .
ومن المصطلحات القديمة أو المهجورة أو المماتة التي أحياها بعض المعاصرين ووضعها لما يقابلها من المصطلحات الأجنبية: "زلخة" [39] للتعبير عن (LUMBAGO) أحياها عبد الفتاح الصعيدي في بحثه (مصطلحات العلوم) [40] .
ومما أحياه بعض العلماء: (الوشيعة) [41] لـ : (LE GRILLAGE)
و(المثعب) [42] لـ : (LE SIPHON)
و(السحساح) [43] لـ : (LA DOUCHE)
و(الشمراخ) [44] لـ : PETITE LISTE) (
و(الصفنة) [45] لـ : ( LA TROUSSE )
و(المثبنة) [46] لـ : ( LE SACA )
وفي غير المصطلحات تدعو مجامع اللغة الأدباء والكتاب والعلماء للعناية بالمفردات المهجورة وإحيائها في كتاباتهم، لأن الكلمة التي تنقرض من لغة المحادثة تأوي إلى ركن شديد في ميادين الشعر أو الأمثال أو الآداب أو الفنون، فتتوطد لها فيه أسباب المنعة والبقاء [47] ، وتعود إلى الاستعمال عند الحاجة، وفي هذا يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: (أما نشأة كلمات في اللغة فتدعو إليها - في الغالب - مقتضيات الحاجة إلى تسمية مستحدث جديد مادي أو معنوي...

(38/483)


ويتم ذلك بإحدى الوسائل الآتية:
1 - إنشاء الكلمة إنشاء...
2 - انتقال الكلمة من اللغة أو اللهجة إلى لغة أو لهجة أخرى...
3 - إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات المهجورة في اللغة.. ." [48] .
وبالجملة، فإن لمجامع اللغة نشاطا ملحوظا مشكورا في إحياء الممات والمهجور والحوشي يتلخص في التشجيع على الاستفادة منه فيما يستجد من المعاني والمصطلحات بما يلائم روح العصر، للحد من تسرب الدخيل المعاصر إلى اللغة العربية.
الخاتمة
والآن؛ وقد انتهى بي المطاف إلى هذا الحد الذي اقتضاه المنهج وارتضاه البحث، وفق الخطة التي ذكرتها في المقدمة، وإذ انتهيت فيه إلى الصورة التي رجوت، يجدر بي أن أعرض لأبرز ما ورد فيه من أفكار أو حقائق أو نتائج، وهي على النحو التالي:
(أ) من ألفاظ العربية ما يملك مقومات الحياة والبقاء فيبقى، ومنها ما يفقد تلك المقومات فيموت ويفني، فاللغة كائن حي نام خاضع لناموس التطور والارتقاء، وليس فيها كسب دائم من النمو والتجدد، فكل نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر.
(ب) من الألفاظ في العربية ما يعمر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية، كقوة المعنى، ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفل الله - عز وجل - بحفظها.
(ج) لا يكون الموت في الألفاظ أبديا، فكل لفظ مات واندثر قابل للبعث لتدب فيه الحياة من جديد، وتجري به الألسن بمعناه القديم، أو بإلباسه معنى جديدا.
(د) للمات في اللغة وجهان رئيسان:
الأول : موت الألفاظ، وهو موضوع هذا البحث.
الثاني: موت المعاني ؛ أي أن يموت المعنى ويبقى اللفظ لتطور دلالته وانتقالها إلى معنى آخر،كالألفاظ الإسلامية التي تركت معانيها القديمة.

(38/484)


(هـ) الحكم القاطع بموت الألفاظ يقتضي الإطلاع على اللغة كاملة، وهذا من المحال،ولذا يجب الحذر وعدم القطع بالأحكام في الممات، ويحسن الاستئناس بأقوال علماء العربية المتقدمين وإشاراتهم في هذا الموضوع؛ لأنهم أقرب عهدا بمنابع اللغة وأصولها، وأكثر إحاطة بكلام العرب.
ويمكن - أيضا - الاستعانة بمقاييس اللغة، فيقال مثلا: إن للفعل الملازم للبناء للمجهول فعلا مبنيا للمعلوم مماتا، وإن للاسم الملازم للتصغير مكبرا مماتا، وإن للجمع الذي لا واحد له مفردا مماتا؛ لأن المبني للمجهول والمصغر والجمع فروع، والمبني للمعلوم والمكبر والمفرد أصول؛ ووجود الفرع في الاستعمال يدل على استعمال قديم للأصل.
أما المفرد الذي لا جمع له من لفظه فإنه لا يتعين القول بأن له جمعا مماتا؛ لأن وجود الأصل دون الفرع لا يقتضي ذلك؛ أي: لا يقتضي ظهور الفرع، فيجوز أن يكون الفرع مما لم يستعمل أصلا، أي أن يكون مهملا، والمهمل غير الممات.
ومن أظهر الأدلة على هذا المقياس الفعل المضارع، فإن ظهوره في الاستعمال دون الماضي يقتضي القول بأن الماضي ممات، ومن هنا حكم علماء اللغة بإماتة الفعلين (وذر) و (ودع) استدلالا بمضارعيهما: (يذر) و(يدع).
وإن ظهر الماضي في الاستعمال دون المضارع والأمر تعين التوقف في الحكم؛ لأنه لا يستدل بالأصل على إماتة الفرع.
(و) جاء الممات في العربية في الأسماء، وجاء في الأفعال - أيضا. ولم أجد شيئا منه في الحروف.
ففي الأسماء جاء في: أسماء الأيام، وأسماء الشهور، ومفرد بعض المثنيات أو الجموع، ومكبر بعض الأسماء المصغرة، وأسماء متفرقة زالت بزوال معانيها.
وفي الأفعال جاء في أفعال أميتت صيغها وتصريفاتها بالكامل، وأفعال أميت المجرد منها دون المزيد، وأفعال أميتت بعض تصريفاتها، وأفعال مبنية للمجهول أميت المبني للمعلوم منها.

(38/485)


(ز) تموت الألفاظ لأسباب عديدة، وهي ترجع - في الجملة - إلى سببين أوعاملين رئيسين:
أحدهما: العامل الصوتي.
والآخر : العامل الدلالي.
وهذا الأخير هو العامل الفعال فيما يتصل بإماتة الألفاظ، وإليه يعود موت كثير من الألفاظ المشهورة في العربية، وللإماتة في هذا العامل عدة أسباب، من أبرزها:
1- زوال المعنى.
2- الاستغناء.
3- العامل الديني.
4- العامل الاجتماعي.
(ح) يمكن أن يعد إحياء الممات وسيلة فعالة من وسائل تنمية اللغة العربية من داخلها، إذا أريد المحافظة على نقاء اللغة والحد من ظاهرة الاقتراض فيها بشقيها المعرب والدخيل.
(ط) لعلماء العربية القدامى والمحدثون موقفان متضادان في إحياء الممات، وهم في ذلك فريقان:
فريق لا يجيز إحياء الممات.
وفريق يجيزه، ويرى أن يستعان به في تنمية اللغة.
(ي) لمجامع اللغة العربية نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجد من المعاني والمصطلحات وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحد من تسرب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون أحد الوسائل النافعة التي يمكن أن تمد العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر.
(ك) لظاهرة موت الألفاظ في اللغة العربية مصطلحات متعددة عند اللغويين القدامى، مثل: (الممات) و(المتروك) و(المهجور) و(العقمي) و(الاستغناء) و(المنقرض) و(البقايا الأثرية) و(الكلمات التاريخية) وهي مترادفة في معناها إلى حد كبير.
وقريب منها: (الحوشي) و(النادر) و(الشارد) و(الغريب) و(المذموم) و(المرغوب عنه) و(المنكر) و(الرديء) و(القبيح).
--------------------------------------------------------------------------------

(38/486)


[1] ينظر: من أسرار اللغة 6، وعوامل تنمية اللغة العربية 59 وما بعدها،وعوامل التطور اللغوي 13 وما بعدها، والاشتقاق والتعريب 8 وما بعدها.
[2] دور الكلمة في اللغة 214.
[3] ينظر: المعجم الوسيط 1/4.
[4] ينظر: الصاحبي 103.
[5] ينظر: الجمهرة 1/429.
[6] المصدر السابق 2/923.
[7] ينظر: اللغة العربية كائن حي 93.
[8] ينظر: العين 2/40.
[9] ينظر: الجمهرة 2/970.
[10] نفسه 2/802.
[11] نفسه 2/702.
[12] نفسه 2/1149.
[13] المولد في العربية 141.
[14] ينظر: المرجع السابق 151.
[15] ينظر: الفصيح 289.
[16] المصباح 702.
[17] ينظر: المسائل العسكرية 135، 136.
[18] الخصائص 1/99.
[19] 1/229.
[20] يعني هنا ما تركوه؛ أي: الممات.
[21] أي من الممات.
[22] تصحيح الفصيح 127 أ، 127 ب .
[23] في أصول النحو 35، 36.
[24] ينظر: دراسات في فقه اللغة 293.
[25] ينظر: دور الكلمة في اللغة 213.
[26] علم اللغة لعلي عبد الواحد وافي 255، 256.
[27] ينظر: في أصول اللغة 109، وأعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 196، والعيد الذهبي لمجمع اللغة العربية 192، والمعجم العربي: بحوث في المادة والمنهج والتطبيق 268.
[28] ينظر: مجلة المشرق، سنة 1931م، مجلد 29 ص 683، 684.
[29] مجلة المشرق سنة 1931م، مجلد 29 ص 683.
[30] ينظر:أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 166، ومحاضر الجلسات 2/77.
[31] في أصول الفقة 71.
[32] في أصول اللغة 109.
[33] في أصول اللغة 71.
[34] محاضر الجلسات 1/432.
[35] ينظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 405.
[36] ينظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 414، والمصطلحات العلمية في اللغة العربية 65،66،75.
[37] ينظر: اللغة والعلوم 24.

(38/487)


[38] ينظر: أعمال مجمع اللغة 415.
[39] الزلخة: الزحلوقة يتزلخ منها الصبيان، أي يتزحلقون . ينظر: القاموس المحيط ( زلخ ) 322.
[40] ينظر: مجلة مجمع القاهرة ج 13 ص 215.
[41] الوشيعة: خشبة أو قصبة يلف عليها الغزل. ينظر: اللسان ( وشع ) 8/394.
[42] المثعب: مسيل السطح والحوض ينظر: أقرب الموارد (ثعب) 1/88.
[43] السحسح والسحساح: عرصة الدار، عرصة المحلة. ينظر: اللسان (سحح) 2/477.
[44] الشمراخ: الغرة التي دقت وسالت في الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الجحفلة . ينظر: اللسان (شمرخ) 3/31.
[45] الصفنة: شيء يشبه العيبة يضع فيه الرجل متاعه ينظر: اللسان ( صفن ) 13/274.
[46] المثبنة: كيس تضع فيه المرأة مرآتها وأداتها . ينظر: اللسان (ثبن ) 13/76.
[47] ينظر: علم اللغة لوافي 300.
[48] علم اللغة لوافي 298.

(38/488)


المنصوب على التقريب
إعداد
د/ إبراهيم بن سليمان البعيمي
الأستاذ المساعد في كلية اللغة العربية
مقدمة
الحمد لله منزل الكتاب بلسان عربي مبين لم يجعل له عوجا ، أنزله على خير خلقه أفصح من نطق بالضاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبي الهدى والرحمة نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم البعث.
أما بعد: ففي ليلة من الليالي كنت أهاتف زميلا لي في القسم وتطرق الحديث بيننا إلى المنصوب على التقريب عند الكوفيين، وأنه من المصطلحات الطريفة الجديرة بإفرادها بالبحث فأشار علي أن أنتدب لهذه المهمة قلمي وأكتب فيه ما يوضح ذلك المصطلح ويجليه للقراء ولاسيما أن كثيرا من طلبة العلم يخفى عليهم المراد منه فقلت: له عليك به، فاعتذر بما لديه من أعمال تشغله عن الكتابة فيه، فاستعنت بالله تعالى وأخذت أنقب عن ما دون حوله فإذا أطول ما كتب عنه لا يزيد عن وريقات معدودات في تعريفه أو عرض موجز لأحكامه دون بسط وتوضيح شاف لها، ثم رجعت إلى المصادر الأصيلة أستقرئها، وأستنبط منها ما أهمل، أو أوجز في أحكامه؛ فإذا به بادئ الأمر يستحق أن يفرد ببحث، و بعد أن استوى الموضوع على سوقه من خلال القراءة والموازنة بين الآراء اتضح لي أنه كما قال جرير عن شعر ذي الرمة: نقط عروس وأبعار ظباء، وأكبرت عندها البصريين وعلمت أن سر انتشار مذهبهم واستمراره؛ إنما هو من قوة قواعدهم التي بنوا مذهبهم عليها، وأن العلماء المتأخرين وازنوا بين المذهبين فتبين لهم رجحان المذهب البصري فأخذوا به.

(38/489)


من خلال هذا البحث أوضحت قواعد النصب على التقريب عند الكوفيين من مؤلفاتهم: تعريفه، وشروط إعماله عندهم، وموانعه، وأحكامه، والفرق بينه وبين الحال في مذهبهم، ثم الفرق بين الحال والقطع عندهم، وما يعمل وما لا يعمل من أسماء الإشارة، وتتبعت القرآن أستنبط منه الشواهد فتحقق لي منه والحمد لله ما لم أسبق إليه، وكذلك من كلام العرب المبثوث في المصادر الموثوق بها، ثم عرجت على كتب البصريين أستقرئها، وأوازن بينها وبين ما عند الكوفيين فأبرزت السبب المانع الذي جعل البصريين لا يقرون بالتقريب ولا يقولون به رغم جعجعة ثعلب واتهامه سيبويه بأنه لا يعرف التقريب عندما يقول: "قال سيبويه: هذا زيد منطلقا فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيدا ليعلم لمن الفعل. قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريبا وهو لا يعرف التقريب" [1] .
وذاك السبب هو الذي جعل القول بإعمال التقريب يموت وليدا؛ حتى إن ابن شقير البغدادي تلميذ ثعلب لا يذكر التقريب في كتابه "المحلى وجوه النصب"، بل يعده حالا كما يقول البصريون ، لا خبرا لاسم الإشارة كما يقول الكوفيون ، وإن كان يستعمل مصطلح "قطع" بدل حال والقطع مصطلح كوفي يقابله عند البصريين الحال.
وقد جعلت البحث في فصلين:
الفصل الأول: التقريب عند الكوفيين
وتحته مباحث:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: شروط إعماله.
المبحث الثالث: التقريب وضمير الفصل.
المبحث الرابع: توسيط الخبر.
المبحث الخامس: تقديم معمول الخبر عليه.
المبحث السادس: مجيء الخبر معرفة.
المبحث السابع: مجيء الخبر جملة.
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على عامل التقريب.
المبحث التاسع: حكم التقريب.
المبحث العاشر: القياس في إعمال اسم الإشارة.
المبحث الحادي عشر: العامل من أسماء الإشارة.

(38/490)


المبحث الثاني عشر: التقريب والحال عند الكوفيين.
المبحث الثالث عشر: الحال والقطع عند الفراء.
الفصل الثاني: البصريون والتقريب.
وتحته مباحث:
المبحث الأول: التقريب عند سيبويه.
المبحث الثاني: الحال والتقريب عند البصريين:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أقسام الحال من حيث التبيين والتأكيد.
المطلب الثاني: التقريب عند البصريين.
المبحث الثالث: رأي البصريين في القريب.
المبحث الرابع: عامل الحال المضمن عند البصريين.
المنصوب على التقريب
الفصل الأول: التقريب عند الكوفيين
وتحته مباحث:
المبحث الأول: تعريفه
المنصوب على التقريب مصطلح كوفي يراد به: إعمال أسماء الإشارة في الجمل الاسمية عمل كان فيرتفع ما كان مبتدأ على أنه اسم للتقريب وينصب الخبر على أنه خبر له [2] نحو: هذه الشمس طالعة، وهذا الأسد مقبلا وجعلوا منه قوله تعالى: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} [3] حسب قراءة الجمهور بنصب {شيخا} على الخبرية لاسم الإشارة وقوله تعالى: {وهذا صراط ربك مستقيما} [4] وقوله تعالى: {هذه ناقة الله لكم آية} [5] وقوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما} [6] وقوله تعالى: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [7] بفتح الراء من أطهر وجعل الضمير (هن) ضمير فصل [8] ، وقول جرير:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة
لو شئت ساقكم إلى قطينا [9]
وقول رؤبة:
من يك ذا بت فهذا بتي
مقيظ مصف مشتي [10]

(38/491)


يجوز عند النحاة النصب والرفع في: (مقيظ مصيف مشتي) فمن رفع فعلى تعدد الخبر، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف عند من لا يجيز تعدد الخبر، وتوجيه النصب إما على التقريب [11] على رأي الكوفيين أو حال كما يقول البصريون وهو ما سنناقشه إن شاء الله تعالى لاحقا.
وقال السيوطي في الهمع: "وذهب الكوفيون إلى أن هذا وهذه إذا أريد بهما التقريب كانا من أخوات كان في احتياجهما إلى اسم مرفوع، وخبر منصوب، نحو : كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادما وكيف أخاف البرد وهذه الشمس طالعة وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود نحو هذا ابن صياد أشقى الناس فيعربون هذا تقريبا، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الإخبار عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتي باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع، ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضا فالخليفة والشمس معلومان فلا يحتاجان إلى تبيينهما بالإشارة إليهما، وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى كما لو أسقطت كان من كان زيد قائما" [12] .
من هذا النص يتضح لنا مراد الكوفيين بالتقريب وشروط الإعمال عندهم، إذ مراد الكوفيين من التقريب هو إعمال اسم الإشارة عمل كان، و احتياجها إلى اسم مرفوع وخبر منصوب.
المبحث الثاني: شروط إعماله
هم يشترطون لإعمال اسم الإشارة شروطا:

(38/492)


الأول: هو أن يكون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة لا ثاني له في الوجود كالشمس والقمر والخليفة وما أشبه ذلك، أو أن يكون الاسم الواقع بعدها معبرا به عن جنسه لا عن واحد بعينه كالمحلى بـ(أل) مثلا كقولك ماكان من الأسد غير مخوف فهذا الأسد مخوفا، ولكن الذي يظهر أن الكوفيين لم يلتزموا بهذا الشرط؛ لأن ثعلبا يقول في أماليه: "وقال سيبويه: هذا زيد منطلقا فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق، ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيدا ليعلم لمن الفعل قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريبا، وهو لا يعرف التقريب، والتقريب مثل كان" [13] .
فكما ترى اعتد ثعلب بالتقريب هنا، وغمز سيبويه بأنه لا يعرف التقريب، والمثال المذكور لم تتحقق فيه شروطهم من كونه اسما معبرا به عن جنسه أوكونه لا ثاني له في الوجود، إذ زيد علم على ذات تتكرر التسمية به، وللبصريين أن يقولوا أنت لم تلتزم بما اشترطته على نفسك؛ إذ كيف تغمز سيبويه هنا بأنه لا يعرف التقريب بمثال لم تتحقق فيه الشروط.
وهذا يدل على أنهم لم يلتزموا بذاك القيد التزاما دقيقا.
الثاني: أن يكون اسم الإشارة دخوله كخروجه؛ في أن الجملة الاسمية تامة بالمرفوع بعده والمنصوب، قال ثعلب في أماليه: "وكلما رأيت إدخال هذا وإخراجه واحدا فهو تقريب، مثل: من كان من الناس سعيدا فهذا الصياد شقيا، وهو قولك فالصياد شقي فتسقط هذا وهو بمعناه" [14] .

(38/493)


الثالث: ألا يتقدم اسم التقريب على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال: الشمس هذه طالعة بنصب طالعة على التقريب قال ثعلب: "والتقريب مثل كان إلا أنه لا يقدم في كان لأنه رد كلام فلا يكون قبله شيء" [15] ، إلا إذا كان اسم التقريب ضميرا فيقدم على اسم الإشارة قال الفراء: "العرب إذا جاءت إلى اسم مكني قد وصف بهذا وهذان وهؤلاء فرقوا بين (ها) وبين (ذا) وجعلوا المكني بينهما، وذلك من جهة التقريب لا في غيرها... فإذا كان الكلام على غير تقريب أو مع اسم ظاهر جعلوا (ها) موصولة بـ(ذا) فيقولون: هذا هو، وهذان هما إذا كان على خبر يكتفي كل واحد بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بد فيه من فعل لنقصانه، وأحبوا أن يفرقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح" [16] .
وقال ثعلب أيضا: "وإذا صاروا إلى المكني جعلوه بين (ها) و(ذا) فقالوا: ها أنا ذا قائما وجاء في القرآن بإعادتها [17] ، ويقولون هانحن ألاء وها نحن هؤلاء أعادوها وحذفوها، وهذا كله مع التقريب" [18] .
ولعل الذي حملهم على القول بعدم تقدم اسم التقريب على اسم الإشارة إذا كان اسما ظاهرا هو أن إعمال اسم الإشارة محمول على كان وكان لا يصح أن يتقدم اسمها عليها، فكذلك ما حمل عليها، أما جواز تقدم اسم التقريب إذا كان ضميرا على اسم الإشارة فبسبب توسطه بين حرف التنبيه واسم الإشارة مما يجعله تقدم في اللفظ لا في المحل؛ لأن الضمير فصل بين حرف التنبيه واسم الإشارة، وهما في حكم المتلازمين فهو وإن تقدم لفظا إلا أنه مؤخر محلا؛ لأنه فصل بين متلازمين [19] .
وللبصريين الذين يجيزون أن يكون العامل في الحال في قولك ها أنا ذا قائما إنما هو فعل محذوف وهو أنبه دل عليه حرف التنبيه (ها) أن يقولوا اسم التقريب في هذا المثال لم يتقدم على عامله.

(38/494)


الرابع : ألا يتقدم الخبر على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال شقيا هذا الصياد لما في عموم قول ثعلب السابق "فلا يكون قبله شيء"؛ ولأن من قواعد الكوفيين عدم جواز تقدم الحال على عاملها ، إن كان صاحبها اسما ظاهرا ؛ لأنه يؤدي إلى تقدم المضمر على المظهر بسبب العائد، ويجيزون تقدمها إن كان صاحبها ضميرا، وهذه من مسائل الخلاف التي ناقشها ابن الأنباري [20] .
والعلة التي فروا منها هناك متحققة هنا وهي تقدم المضمر على المظهر.
المبحث الثالث: التقريب وضمير الفصل
الكوفيون يمنعون الجمع بين التقريب وضمير الفصل فلا يصح عندهم أن يقال: هذا هو زيد قائما بنصب قائما وإنما يقال هذا هو زيد قائم بالرفع، قال ثعلب: "إلا أنه لا يدخل العماد مع التقريب من قبل أن العماد جواب والتقريب جواب فلا يجتمعان" [21] وقال أيضا: "وقال أبو العباس قال سيبويه احتبى ابن جوية في اللحن في قوله: {هن أطهر لكم} لأنه يذهب إلى أنه حال قال والحال لا يدخل عليه العماد، و ذهب أهل الكوفة الكسائي والفراء إلى أن العماد لايدخل مع هذا لأنه تقريب، وهم يسمون هذا زيد القائم تقريبا أي قرب الفعل به" [22] .
ويشكل على المذهبين معا قوله تعالى: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [23] بنصب أطهر فالكوفيون لا يقولون بالتقريب مع وجود ضمير الفصل، أما البصريون فقد حكموا على قراءة النصب باللحن [24] قال سيبويه: "وكان الخليل يقول: والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلا في المعرفة وتصييرهم إياها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغوا ؛ لأن هو بمنزلة أبوه ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما" [25] .
المبحث الرابع: توسيط الخبر

(38/495)


أما توسيط الخبر فقد اختلفوا فيه فأجازه الكسائي ومنعه الفراء قال أبو حيان: "واختلفوا في توسيط خبر التقريب فأجازه الكسائي ومنعه الفراء" [26] وللمجيز أن يستدل بقول حسان رضي الله عنه:
أترضى بأنا لم تجف دماؤنا
وهذا عروسا باليمامة خالد [27]
إذ نصب عروسا خبرا للتقريب ورفع خالدا اسما للتقريب.
المبحث الخامس: تقديم معمول الخبر عليه
يجوز في المنصوب على التقريب أن يتقدم عليه معموله كما رأينا في قوله تعالى: {هذه ناقة الله لكم آية} [28] فـ(لكم) متعلق بـ(آية) وقد تقدم عليه وكذلك بيت جرير السابق.
هذا ابن عمي في دمشق خليفة
فـ(في دمشق) متعلق بـ(خليفة) وقد تقدم عليه.
المبحث السادس: مجيء الخبر معرفة
لا يشترط الكوفيون في الخبر التنكير بل يجوز عندهم أن يكون الخبر معرفة قال أبو حيان: "وأجازوا التعريف في الخبر فيقولون: وهذا الخليفة القادم" [29] وألمح إلى ذلك ثعلب دون تصريح عندما قال: "وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا زيد إياه بعينه فجعله مثل كان" [30] فزيد اسم التقريب، وإياه خبر التقريب وهو ضمير أعرف المعارف وقال الفراء: "والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما" [31] ، وقال ثعلب أيضا: "وهم يسمون هذا زيد القائم تقريبا، أي قرب الفعل به" [32] فاسم التقريب وخبره هنا معرفتان.
المبحث السابع: مجيء الخبر جملة
هل يصح في التقريب أن يكون خبره جمل؟

(38/496)


لم يتعرض الكوفيون لهذه المسألة لا بإثبات ولا بنفي، وإن كنت أرى الجواز إذ ما المانع من ذلك ويجعل منه قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [33] بجعل جملة (ينطق) هي خبر التقريب، والمعربون للقرآن أجازوا فيها أن تكون حالا، وأن تكون خبرا لاسم الإشارة و(كتابنا) بدل أو عطف بيان، أوجملة (ينطق) خبر ثان، والجار والمجرور (بالحق) حال، وجعلوا العامل في الحال اسم الإشارة قال المنتجب: "وقوله: {هذا كتابنا ينطق} هذا مبتدأ، وكتابنا خبره، وينطق يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون هو الخبر، وكتابنا بدل من هذا أو عطف بيان له، وأن يكون في موضع الحال من الكتاب والعامل في (هذا) معنى الفعل" [34] .
فبما أنه جاز في جملة (ينطق) أن تكون حالا على مذهب البصريين، والعامل في الحال حينئذ اسم الإشارة، فما المانع أن تكون على مذهب الكوفيين خبرا للتقريب ولاسيما أن شروط التقريب عندهم منطبقة هنا إذ الكتاب لا ثاني له في الوجود، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، والمراد هنا - والله أعلم - إعلام الأمم بأن كتاب الله شاهد عليها وليس المراد إعلامهم بأن هذا هو كتاب الله لأنهم كانوا يجهلون ذلك، فشروط التقريب هنا متحققة، فما المانع من جعله خبرا للتقريب، ومن ثم القول بصحة أن يكون خبر التقريب جملة.

(38/497)


وكذلك قوله تعالى: {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} [35] وقوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} [36] وقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [37] وقوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [38] وقوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [39] وقوله تعالى: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها} [40] ، وقوله تعالى: {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} [41] وقوله تعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} [42] .
في هذه الآيات أعرب المفسرون للقرآن اسم الإشارة مبتدأ، والمعرفة بعده أجازوا فيها أن تكون خبرا أو بيانا أو بدلا والجملة الفعلية أجازوا فيها أن تكون هي الخبر عند من قال بالبدلية أو البيان وأن تكون حالا أو خبرا بعد خبر عند من يعرب الاسم المعرفة بعد الإشارة خبرا [43] .
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على العامل في التقريب
العامل في التقريب عند الكوفيين اسم الإشارة، فهل تجري عليه أحكام الأسماء من دخول العوامل اللفظية عليه ؟

(38/498)


قبل الإجابة على هذا السؤال نتأمل قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} [44] ، وقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [45] وقوله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [46] فاسم الإشارة في هذه المواضع اسم إن و {صراطي} و {أمتكم} خبران لـ(إن) وبهما تتم الجملة الإسنادية، والباقي فضلة، وهو ما جعله البصريون حالا ، والكوفيون جعلوا خبر إن اسما للتقريب والمنصوب بعده خبر التقريب، ولا يصح أن يكون {مستقيما} و {أمة} خبران لـ(إن) لكون الكلمتين منصوبتين، ولأنه سيجعل اسم الإشارة لغوا.
ولهذا أقول لا يمنع دخول العوامل اللفظية عند الكوفيين على العامل في التقريب من إعماله ما دامت شروط الإعمال متحققة، وهم يحملون الإعمال هنا على إعمال الأفعال الناقصة التي دخلت عليها العوامل اللفظية المختصة بالأفعال ولم يمنع ذلك من إعمالها ـوهو قياس مع الفارق- كقولك لم يكن زيد حاضرا وكقولك تعالى: {ولم أك بغيا} [47] فتحمل عوامل الأسماء على عوامل الأفعال وتصبح عاملة في ما بعدها معمولة لما قبلها.
المبحث التاسع: حكم التقريب:
وخبر التقريب بعد استيفاء تلك الشروط وانتفاء تيك الموانع حكمه جواز النصب، إذ يجوز فيه أيضا الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هو قائم، أو على تعدد الخبر عند من يجيز ذلك، أو على جعل اسم التقريب عطف بيان من اسم الإشارة أو بدل منه وما كان خبرا للتقريب هو خبر المبتدأ.

(38/499)


قال سيبويه: "هذا باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة وذلك قولك هذا عبد الله منطلق حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب وزعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين فوجه أنك حين قلت هذا عبد الله أضمرت هذا أو هو كأنك قلت هذا منطلق، أو هو منطلق، والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعا خبرا لهذا" [48] وزاد السيرافي الوجهين الآخرين أعني القول بالبدلية أو عطف البيان [49] .
وقال ابن يعيش: "ويجوز الرفع في قولك منطلقا من قولك هذا عبد الله منطلقا قال سيبويه هو عربي جيد حكاه يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب" [50] .
وقال ابن شقير: معلقا على بيت جرير السابق: "نصب خليفة على القطع من المعرفة بالألف واللام، ولو رفع على معنى: هذا ابن عمي هذا خليفة لجاز، وعلى هذا يقرأ من قرأ {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} فإن جعل (هذا) اسما، و(ابن عمي) صفته جاز الرفع ومثل هذا قول الراجز:
من يك ذا بت فهذا بتي
مقيظ مصيف مشتي
معناه هذا بتي هذا مقيظ، هذا مصيف، وأما قول النابغة.
توهمت آيات لها فعرفتها
لستة أعوام وذا العام سابع
رفع (العام) بالابتداء، و(سابع) خبره...وأما قول الله تبارك وتعالى: {هذا ما لدي عتيد} رفع (عتيد) لأنه خبر نكرة كما تقول هذا شيء عتيد عندي" [51] .
من خلال هذا النص نلمح أن الإعمال بعد استيفاء الشروط جائز لا واجب، كما نلمح التزام تعريف اسم التقريب؛ لأنه علل عدم نصب عتيد في الآية الكريمة بسبب كون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة نكرة تامة وهي (ما) التي فسرها بـ(شيء)، وعليه فلا تصح أن تكون اسما للتقريب.
المبحث العاشر: القياس في إعمال اسم الإشارة

(38/500)


يبدو أن الكوفيين قاسوا اسم الإشارة في تجويزهم إعماله عمل كان على بعض الأفعال التي حملت على صار في الإعمال كـ(آض وآل ورجع و عاد وحار واستحال وتحول وارتد وقعد وغدا وراح) أو على أضحى وأمسى كـ(أسحر وأفجر وأظهر) بل توسع بعض النحاة في هذا الباب فأدخل كل فعل يجيء المنصوب به بعد المرفوع لا يستغني عنه كقام زيد كريما وذهب عمرو متحدثا وعاش خالد مجاهدا [52] فالكوفيون قاسوا اسم الإشارة على تلك الأفعال و لاسيما إن لحظوا معنى فعلين في اسم الإشارة وهما: الفعل (أنبه) الذي أفادت معناه الهاء، والفعل (أشير) الذي أفاد معناه اسم الإشارة فأعملوا أحدهما في التقريب، والبصريون يقولون إن العامل في الحال في نحو هذا زيد منطلقا إنما هو أحد هذين الفعلين أعني: أنبه وأشير الذين أفاد معناهما اسم الإشارة.
المبحث الحادي عشر: العامل من أسماء الإشارة
قد يتساءل المرء هل العمل في التقريب خاص بـ(هذا وهذه وهن وهؤلاء) المختصة بالمشار إليه القريب أو يشمل جميع أسماء الإشارة ما كان منها مختصا بالمشار إليه القريب، والمشار إليه البعيد كـ(ذلك) و(تلك).

(39/1)


للإجابة على هذا التساؤل لا بد لنا من الوقوف على نصين للفراء قال في الأول مفسرا قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [53] قال: "يصلح فيه ذلك من جهتين، وتصلح فيه هذا من جهة، فأما أحد الوجهين من ذلك فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، والآخر أن يكون ذلك على معنى يصلح فيه هذا؛ لأن قوله هذا وذلك يصلحان في كل مكان إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه ألا ترى أنك تقول قد قدم فلان فيقول السامع قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه هذا لأنه قد قرب من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه ذلك لانقضائه والمنقضي كالغائب ، ولو كان شيئا قائما يرى لم يجز مكان ذلك هذا ، ولا مكان هذا ذلك " [54] .
ثم أخذ الفراء يوجه إعراب الآية فقال في إعراب هدى: "وأما قوله تعالى: {هدى للمتقين} فإنه رفع من وجهين ونصب من وجهين" [55] فذكر أوجه الرفع، وقال عن أوجه النصب: "فأما النصب في أحد الوجهين فأن يجعل الكتاب خبرا لذلك فتنصب على القطع لأن هدى نكرة اتصلت بمعرفة قد تم خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلا على المعرفة، وإن شئت نصبت هدى على القطع من الهاء التي في فيه كأنك قلت لا شك فيه هاديا" [56] .
ومراد الفراء بقوله: "فتنصب على القطع أي على الحال فالقطع عنده الحال وهو من مصطلحات الفراء.
وقد ألح الفراء على مسألة النصب على الحال في آيات كثيرة منها قوله تعالى [57] : {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين} [58] وقوله تعالى [59] : {ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين} [60] .

(39/2)


وعلى هذا فهل الفراء أعرب تلك الآيات حالا لأنه يرى أنها لا يصح فيها النصب على التقريب لما بين (ذلك) المشتملة على اللام التي يشار بها للبعيد، والنصب على التقريب من التنافي في المعنى فبين اللام والتقريب تناف إذ اللام تبعيد لا تقريب هذا هو الظاهر ويؤيده قوله: "ولو كان شيئا قائما يرى لم يجز مكان ذلك هذا، ولا مكان هذا ذلك"وإن كانت عبارته السالفة "لأن هذا و ذلك يصلحان في كل كلام ذكرته ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه… لأنه قد قرب من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه"توحي بأنه يرى أن هذا وذلك يتقارضان فتحل إحداهما محل الأخرى دون تفريق بين ما جعل للبعيد وما جعل للقريب على حد قول خفاف ابن ندبه:
أقول له والرمح يأطر متنه
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا [61]
والنص الثاني هو إعراب الفراء قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} [62] بنصب {قول} [63] على التقريب في أحد وجهي النصب الجائزين في الآية وهي مسبوقة باسم الإشارة ذلك المشار بها للبعيد قال: "وقد قرأت القراء بالنصب {قول الحق} وهو كثير يريدون به حقا، وإن نصبت القول وهو في النية من نعت عيسى كان صوابا كأنك قلت هذا عبد الله أخاه بعينه، والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما فيقولون هذا عبد الله الأسد عاديا كما يقولون أسدا عاديا" [64] .
فجعل (قول) منصوبا على أنه مفعول مطلق في الوجه الأول، ومنصوبا على التقريب في الوجه الثاني، والعامل في التقريب هنا اسم الإشارة (ذلك) المختصة بالبعيد، وجعل عاديا حالا من الأسد لا من عبد الله، وقوله والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما دليل على أنه لم يفرق بين هذا وذلك.

(39/3)


والذي يبدو لي أن الفراء لم يكن متحمسا للتقريب، لأن إلحاحه على الحال في الشواهد القرآنية المحتوية على أسماء الإشارة أكثر من إلحاحه على التقريب.
المبحث الثاني عشر التقريب والحال عند الكوفيين
المصطلح النحوي بين الكوفيين والبصريين كثيرا ما يختلف ، ولكن الغالب أن يكون اختلافا في التسمية فقط كالترجمة للبدل، والمجرى وغير المجرى للمصروف والممنوع من الصرف، والمكني للضمير والتفسير للتمييز، والعماد لضمير الفصل ؛ ولهذا قد يقال هل المنصوب على التقريب هو الحال والاختلاف في تسمية المصطلح؟ نقول: لا. بل الحال شيء آخر، وهم يسمون الحال قطعا وحالا، فالقطع عند الكوفيين هو جزء من الحال، والبصريون لا يقرون بالقطع ولا يقولون به قال أبو حيان: "وهذا كله منصوب عند البصريين على الحال،ولم يثبت البصريون النصب على القطع، والاستدلال على بطلان ما ذهب إليه الكوفيون مذكور في مبسوطات النحو" [65] والمنصوب على التقريب عند الكوفيين شيء ثان، غير القطع وغير الحال فالتقريب إذن شيء جديد؛ لأن الفراء يقول في النص السابق "هذا عبد الله الأسد عاديا".
وإعراب عاديا حال من الأسد، والأسد هو المنصوب على التقريب، فبينهما فرق عنده إذن.
المبحث الثالث عشر: القطع والحال عند الفراء

(39/4)


الفراء يستعمل مصطلح القطع كثيرا ويريد به الحال [66] ، ويستعمل كذلك مصطلح الحال كما هو عند البصريين ولكنه قليل ، وقد يجمع بينهما لمعنى واحد قال في توجيه نصب {نزاعة} من قوله تعالى: {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} [67] نصبه على القطع وعلى الحال [68] ، ويستعمل مصطلح قطع ويريد به النصب بفعل محذوف قال في توجيه نصب {مطويات} من قوله تعالى: {والسموات مطويات بيمينه} [69] قال: "ومن قال مطويات رفع السموات بالباء التي في بيمينه كأنه قال: والسموات في يمينه، وينصب المطويات على الحال أو على القطع والحال أجود" [70] ، ويستعمل مصطلح قطع ويريد به الاستئناف قال في توجيه رفع {خالصة لك} من قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [71] قال: "ولو رفعت خالصة على الاستئناف كان صوابا كما قال: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} أي هذا بلاغ، وما كان من سنة الله وصبغة الله وشبهه فإنه منصوب لاتصاله بما قبله على مذهب حقا وشبهه والرفع جائز لأنه كالجواب ألا ترى أن الرجل يقول قد قام عبد الله فتقول حقا إذا وصلته، وإذا نويت الاستئناف رفعته وقطعته مما قبله، وهذا محض القطع الذي تسمعه من النحويين" [72] .
وحاول أبو حيان التفريق بين مصطلحي الحال والقطع عند الفراء فقال: "وفرق الفراء فزعم أن ما كان فيما قبله دليل عليه فهو المنصوب على القطع، وما لا فمنصوب على الحال" [73] .

(39/5)


وقال أيضا في إعراب {مثلا} من قوله تعالى: {ماذا أراد الله بهذا مثلا} [74] قال: "وأجاز الكوفيون أن يكون منصوبا على القطع، ومعنى هذا أنه كان يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه وقطعته عنه نصب على القطع...كذا قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل فلما لم يجر على إعراب هذا انتصب على القطع" [75] .
وأورد ابن شقير [76] المصطلحين على أنهما متمايزان وجعل القطع هو ما يجوز فيه أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله؛ فإذا لم يتبعه المتكلم في الإعراب وقطعه عنه نصبه على القطع، ويرى ابن شقير أن مصطلح الحال هو ما لا يجوز فيه الإتباع وقال عنه: "والحال لاتكون إلا نكرة" [77] .
الفصل الثاني: البصريون والتقريب
وتحته مباحث
المبحث الأول: التقريب عند سيبويه
هل كان سيبويه يعرف مصطلح تقريب كما يراد منه عند الكوفيين، أم لا؟
للإجابة عن هذا التساؤل لا بد لنا من الوقوف على هذا النص. قال سيبويه: "وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا، وهذه، وهذان، وهاتان، وهؤلاء، وذلك، وتلك، وذانك، وتانك، وأولئك وما أشبه ذلك. واعلم أن المبهمة توصف بالأسماء التي فيها الألف واللام، والصفات التي فيها الألف واللام جميعا؛ وإنما وصفت بالأسماء التي فيها الألف واللام؛ لأنها والمبهمة كشيء واحد، والصفات التي فيها الألف واللام هي في هذا الموضع بمنزلة الأسماء، وليست بمنزلة الصفات في زيد وعمرو إذا قلت مررت بزيد الطويل لأني لا أريد أن أجعل هذا اسما خاصا، ولا صفة له يعرف بها، وكأنك أردت أن تقول مررت بالرجل، ولكنك إنما ذكرت هذا لتقرب به وتشير إليه" [78] اهـ
من هذا النص فهم بعض الباحثين أن سيبويه يعرف مصطلح التقريب، فقال: "سيبويه يستعمل هذا اللفظ - أي التقريب - ويبين دلالته المعنوية" [79] .

(39/6)


والذي يظهر لي أن هذا إغراب في فهم هذا النص؛ لأن مراد سيبويه أن يقول إن اسم الإشارة ربما أتي به وصلة لوصف ما فيه الألف واللام، والإشارة إليه بالعهد الحضوري لا بالعهد الذهني وهو مراده بقوله "ولكنك إنما ذكرت هذا لتقرب به الشيء وتشير إليه" وللوقوف على حقيقة المعنى المراد نتأمل قول الأعلم شارحا عبارة سيبويه قال: "الاسم المبهم مخالف لغيره في النعت؛ وذلك أنه ينعت بأسماء الأجناس كقولك مررت بهذا الرجل وركبت هذا الفرس؛ وذلك أن غير المبهم يحتاج إلى النعت إذا شاركه غيره في لفظه فيبان من غيره بذكر شيء فيه دون غيره مما يحلى به، والمبهم إنما دخل وصلة لخروج ما فيه الألف واللام عن العهد إلى الحضور" [80] .
والبصريون يستعملون كلمة تقريب ولا يريدون منها إعمال اسم الإشارة عمل كان كما هو عند الكوفيين وإنما يعنون معناها اللغوي قال الأعلم: "ثم اتفق قرب زيد منك فأردت أن تنبه المخاطب عليه وتقربه له فأدخلت هذا" [81] .
المبحث الثاني: الحال و التقريب عند البصريين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أقسام الحال من حيث التبيين والتأكيد
الحال تنقسم بحسب التبيين والتأكيد إلى قسمين كبيرين حال مؤسسة وهي التي لا يستفاد معناها إلا بذكرها كجاء سعد ضاحكا، وحال مؤكدة وهي التي يستفاد معناها بدون ذكرها؛ وذلك بأن يدل عاملها عليها نحو لا تعث في الأرض مفسدا أو يدل صاحبها عليها كقوله تعالى: {إليه مرجعكم جميعا} [82] أو تكون الجملة السابقة عليها هي التي تدل على معناها هذا أبوك عطوفا.
ووقع القسمان بعد اسم الإشارة كقولك في الحال المؤسسة هذا زيد منطلقا، وكقولك في الحال المؤكدة هذا أبوك رحيما.
المطلب الثاني: التقريب عند البصريين

(39/7)


البصريون لا يقرون بالتقريب ولا يقولون به ويجعلون ما كان منصوبا على التقريب عند الكوفيين حالا مؤسسة أو حالا مؤكدة لمضمون الجملة قبلها قال سيبويه: "فأما المبني على الأسماء المبهمة فقولك هذا عبد الله منطلقا وهؤلاء قومك منطلقين وهذا عبد الله معروفا، فهذا اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله... والمعنى أنك تريد أن تنبه له منطلقا لا تريد أن تعرفه عبدالله لأنك ظننت أنه يجهله فكأنك قلت انظر إليه منطلقا فمنطلق حال قد صار فيها عبد الله" [83] .
وقال الأعلم شارحا عبارة سيبويه السابقة: "واعلم أن العامل في الحال في قولك هذا زيد منطلقا الإشارة، أو التنبيه فالتقدير انظر إليه منطلقا، وإن أعملت الإشارة فالتقدير أشير إليه منطلقا والمقصد أنك أردت أن تنبه المخاطب لزيد في حال انطلاقه فلا بد من ذكر منطلقا لأن الفائدة تنعقد به، ولم ترد أن تعرفه إياه، وأنت تقدر أنه يجهله كما تقول هذا زيد إذا أردت هذا المعنى، والأصل في هذه المسألة: زيد منطلق، ثم اتفق قرب زيد منك فأردت أن تنبه المخاطب عليه وتقربه له فأدخلت (هذا)، وهو اسم فلا بد له من موضع إعراب لإصلاح اللفظ فرفع بالابتداء لأنه أول الكلام، وجعل زيد خبره فاكتفى به، ونصب منطلقا على الحال و لا يستغنى عنها لأنها خبر في المعنى كما لايستغنى عن رجل في قولك يا أيها الرجل وإن كان صفة؛ لأنه المقصود بالنداء في الأصل" [84] .

(39/8)


وقال المبرد موضحا العامل في الحال الواقعة بعد اسم الإشارة: "وتقول هذا زيد راكبا وذاك عبد الله قائما، فإن قال قائل: ما الذي ينصب الحال وأنت لم تذكر فعلا قيل له (هذا) إنما هو تنبيه كأنك قلت أنبه له راكبا، وإذا قلت ذاك عبد الله قائما (ذاك) للإشارة كأنك قلت: أشير لك إليه راكبا فلا يجوز أن يعمل في الحال إلا فعل أو شيء في معنى الفعل لأنها مفعول فيها" [85] .
المبحث الثالث: رأي البصريين في التقريب
من خلال هذه النصوص يبدو لنا جليا المانع الذي جعل البصريين لا يقولون بالتقريب رغم طرافة الفكرة لو أسعفتها القواعد فهم نظروا إلى أن أسماء الإشارة لها محل من الإعراب بكونها اسما من الأسماء، والأسماء لها محل من الإعراب سواء كانت في صدارة الجملة أم في وسطها أم في آخرها على خلاف الأفعال التي إذا تصدرت الجمل فليس لها محل من الإعراب، وبناء على هذا فاسم الإشارة سيكون مبتدأ والمرفوع الذي بعده خبره وهو ما عده الكوفيون اسم التقريب؛ وبهذا ستكون الجملة تمت إسنادا مبتدأ وخبر، والمنصوب سيكون حالا لتمام الجملة قبل مجيئه، ولكنه حال لا يستغنى عنه؛ لأنه خبر في المعنى؛ ولأن الفائدة لا تنعقد إلا به قال سيبويه: "فهذا اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله" [86] .
وأوضح الأعلم المانع من القول بالنصب على التقريب أشد إيضاح في نصه السابق حيث قال: "فأدخلت هذا وهو اسم فلا بد له من موضع إعراب لإصلاح اللفظ، فرفع بالابتداء لأنه أول الكلام وجعل زيد خبره فاكتفي به، ونصب منطلقا على الحال ولا يستغني عنها لأنها خبر في المعنى".

(39/9)


أما آض، وآل، ورجع، و عاد، وحار، واستحال، وتحول، وارتد، وقعد، وغدا، وراح، وسواها مما حملت على كان في الإعمال وارتضاها العلماء فهي أفعال، ليس لها محل من الإعراب إذا كانت في صدارة الجمل، بخلاف هذا وأخواتها فهي أسماء لابد أن يكون لها محل من الإعراب فالقياس هنا مع الفارق.
ثم إن العرب تنصب الحال وقبله حرف تنبيه فقط دون أن يأتي بعد حرف التنبيه اسم إشارة نحو ها أنا قائما روى أبو عبد الله بن الجراح في كتابه المسمى: (من اسمه عمرو من الشعراء) النص التالي: «كان عمرو بن معديكرب في مسجد الكوفة يحدث بأيامه في الجاهلية إذ: قال فلقيت أنس بن مدركة الخثعمي فطعنته فقتلته، وأنس في القوم فقال: حلا أبا ثور ها أنا جالسا أسمعك فقال: اسكت ويحك نوزع هذه المرازبة" [87] .
والشاهد هنا: قول أنس بن مدركة: ها أنا جالسا فهل يعد الكوفيون (ها) من عوامل التقريب ؟ ويلحقونها بـ(كان وأخواتها) ولاسيما أن مراد أنس من عبارته الدلالة على القرب، لم يقل الكوفيون بذلك فيقال لهم: ما الفرق بين هذه العبارة وقولنا ها أنا ذا جالسا؟ أوليس المراد من العبارتين الدلالة على القرب ؟ لماذا تعربون ها أنا جالسا حالا، وتعربون ها أنا ذا جالسا تقريبا ؟
وكذلك يحتج على الكوفيين بأن العرب أوقعت الحال بعد الضمائر كقوله تعالى: {وهو الحق مصدقا لما معهم} [88] وقول سالم بن دارة:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي
وهل بدارة يا للناس من عار [89]
فهل يقال أيضا إن الضمير هنا محمول على كان في الإعمال ؟ لم يقل بذلك أحد من النحويين. فيقال ما الفرق إذن بين أسماء الإشارة والضمائر أوليست كلها أسماء وكلها معارف، إن كان الإعمال عندكم للتنبيه فقد رفضتم نص أنس بن مدركة، وإن كان الإعمال للاسم فقد رفضتم بيت ابن دارة.

(39/10)


المبحث الرابع: عامل الحال المضمن عند البصريين
والعامل في الحال عند البصريين في قولك هذا زيد منطلقا ما في اسم الإشارة من معنى فعل سواء أعمل الفعل أنبه الذي أفادته (ها) التنبيه أو أعمل الفعل أشير الذي أفاده اسم الإشارة قال المبرد: "وتقول هذا زيد راكبا وذاك عبد الله قائما فإن قال قائل: ما الذي ينصب الحال وأنت لم تذكر فعلا؟ قيل له (هذا) إنما هو تنبيه كأنك قلت أنبه له راكبا، وإذا قلت ذاك عبد الله قائما (ذاك) للإشارة كأنك قلت أشير لك إليه راكبا فلا يجوز أن يعمل في الحال إلا فعل أو شيء في معنى الفعل, لأنها مفعول فيها" [90] .
وأجاب ابن يعيش عن اختلاف العامل في الحال وصاحبها فقال: "فإن قيل فأنتم قد قررتم أن العامل في الحال يكون هو العامل في ذي الحال، والحال هاهنا في قولك هذا زيد منطلقا من زيد، والعامل فيه الابتداء من حيث هو خبر، والابتداء لا يعمل نصبا فالجواب أن هذا كلام محمول على معناه دون لفظه، والتقدير أشير إليه أو أنبه له" [91] .
وقال ابن مالك: "والأكثر أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها... ومن ورود الحال وعاملها غير عامل صاحبها قولهم: ها قائما ذا زيد فنصب الحال حرف التنبيه وليس له عمل في صاحبها" [92] .
وقال ابن جني أيضا: "ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون العامل في الحال هو غير العامل في صاحب الحال ومن ذلك قول الله سبحانه: {وهو الحق مصدقا} فـ {مصدقا} حال من {الحق} والناصب له غير الرافع للحق…وكذلك عامة ما يجوز فيه وجهان أو أوجه ينبغي أن يكون جميع ذلك مجوزا فيه ولا يمنعك قوة القوي من إجازة الضعيف أيضا فإن العرب تفعل ذلك تأنسيا لك بإجازة الوجه الأضعف لتصح به طريقك وترحب به خناقك إذا لم تجد وجها غيره" [93] .
فهرس المراجع والمصادر

(39/11)


1- إتحاف فضلاء البشر لأحمد الدمياطي /مراجعه محمد علي الصباغ / دار الندوة بيروت.
2- ارتشاف الضرب من لسان العرب لأثير الدين أبي حيان /تح د. مصطفى النماس/ النسر الذهبي / القاهرة 1404هـ.
3- أسرار العربية لأبي البركات بن الأنباري / تح محمد بهجت البيطار / مجمع اللغة بدمشق: 1377هـ.
4- الاشتقاق لابن دريد / تح عبد السلام محمد هارون / مكتبة الخانجي / القاهرة: 1378 هـ.
5- الأصول لابن السراج / تح عبد الحسين الفتلي / مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1405 هـ.
6- إعراب القرآن للنحاس / تح زهير غازي زاهد / عالم الكتب بيروت 1405هـ.
7- أمالي ابن الشجري / تح د: محمود الطناحي / مكتبة الخانجي الطبعة الأولى 1413هـ.
8- الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات بن الأنباري / تح محمد محي الدين عبد الحميد / دار الفكر بيروت.
9- البحر المحيط لأثير الدين أبي حيان / المكتبة التجارية مكة المكرمة 1412.
10- تثقيف اللسان وتلقيح الجنان لابن مكي الصقلي /تح مصطفى عبد القادر عطا / دار الكتب العلمية الطبعة الأولى:1410 هـ.
11- تصحيح التصحيف وتحرير التحريف لصلاح الدين الصفدي / تح السيد الشرقاوي / مكتبة الخانجي الطبعة الأولى 1407هـ.
12- الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي / تح فخر الدين قباوه و محمد نديم الفاضل / دار الآفاق بيروت 1403.
13- جواهر الأدب في معرفة كلام العرب لعلاء الدين الإربلي / تح د/أميل بديع يعقوب / دار النفائس بيروت 1412هـ.
14- الخصائص لأبي الفتح بن جني / تح محمد على النجار / دار الكتب المصرية 1371هـ.
15- دراسة في النحو الكوفي: للمختار أحمد ديره / دار قتيبة بيروت 1411هـ.
16- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي / تح د. أحمد الخراط / دار القلم دمشق 1406هـ.

(39/12)


17- ديوان جرير بشرح محمد ين حبيب / تح د : نعمان مجمد طه / دار المعارف الطبعة الثالثة.
18- ديوان حسان بن ثابت / رواية الأثرم، ومحمد بن حبيب / تح د. سيد حنفي حسنين / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974م.
19- ديوان رؤبة بن العجاج / جمع وليم بن الورد / دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الثانية 1400 هـ.
20- السبعة في القراءات لابن مجاهد / تح د. شوقي ضيف / دار المعارف الطبعة الثالثة 1980م.
21- شرح التسهيل لابن مالك / تح د. عبد الرحمن السيد، و د محمد بدوي مختون / هجر بالقاهرة 1410هـ.
22- شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر بن الأنباري / تح عبد السلام هارون / دار المعارف 1382هـ.
23- شرح اللمع للثمانيني / تح د: فتحي علي حسانين (مخطوط) رسالة دكتوراه في الأزهر.
24- شرح المفصل لابن يعيش / المطبعة المنيرية بالقاهرة 1928م.
25- الفريد في إعراب القرآن المجيد للمنتجب الهمداني / تح د. محمد فهمي النمر، وفؤاد مخيمر / دار الثقافة الدوحة 1411هـ.
26- الكتاب لسيبويه / تح عبد السلام هارون / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977م.
27- الكشف عن وجوه القراءات السبع / لمكي بن أبي طالب / تح محي الدين رمضان / مؤسسة الرسالة بيروت 1407هـ.
28- المبسوط في القراءات العشر للأصبهاني / تح سبيع حمزة حاكمي / دار القبلة جدة: 1408هـ.
29- مجالس ثعلب لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب / تح عبد السلام هارون / دار المعارف الطبعة الثالثة 1960م.
30- المحتسب لابن جني / تح علي النجدي ناصف وزملائه / لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة 1386هـ.
31- المحلى "وجوه النصب"لابن شقير / تح فائز فارس /مؤسسة الرسالة 1408هـ.
32- مختصر في شواذ القراءات لابن خالويه/مكتبة المتنبي بالقاهرة.

(39/13)


33- مصطلحات النحو الكوفي للدكتور عبد الله بن حمد الخثران / هجر للطباعة والتوزيع 1411هـ.
34- المصطلح النحوي نشأته وتطوره للدكتور عوض بن حمد القوزي / عمادة شئون المكتبات جامعة الملك سعود 1401 هـ.
35- معاني القرآن للأخفش / تح د0 فائز فارس / دار البشير 1401هـ.
36- معاني القرآن للفراء / عالم الكتب بيروت.
37- معاني القرآن وإعرابه المنسوب للزجاج / تح د. عبدالجليل عبده شلبي / عالم الكتب 1408هـ.
38 - معجم مصطلحات النحو والصرف والعروض والقافية للدكتور محمد إبراهيم عبادة / دار المعارف لا ط، لا ت.
39- مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري / تح د: مازن المبارك ومحمد على حمد الله / دار الفكر الطبعة الخامسة 1979 م.
40- المقتضب لأبي العباس المبرد / تح محمد عبد الخالق عضيمة / وزارة الأوقاف المصرية 1399هـ.
41- من اسمه عمرو من الشعراء لأبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح / تح د عبد العزيز بن ناصر المانع / مكتبة الخانجي 1412هـ.
42- منهج السالك إلى ألفية ابن مالك لعلي بن محمد الأشموني / عيسى البابي الحلبي.
43- النشر في القراءات العشر لابن الجزري / تصحيح علي محمد الضباع / دار الكتب بيروت.
44- النكت في تفسير كتاب سيبويه / للأعلم الشنتمري / تح زهير عبد المحسن سلطان / معهد المخطوطات بالكويت 1407هـ.
45- همع الهوامع للسيوطي / تح عبد العال سالم مكرم / دار البحوث العلمية 1394هـ.
--------------------------------------------------------------------------------

[1] مجالس ثعلب: 43.
[2] ينظر في تعريف التقريب: دراسة في النحو الكوفي: 237، ومصطلحات النحو الكوفي: 94، ومعجم مصطلحات النحو والصرف: 247.
[3] هود: 72، وقراءة النصب هي قراءة الجمهور، وقرأ برفع شيخ ابن مسعود والأعمش والمطوعي.

(39/14)


ينظر: معاني القرآن للفراء: 2/23، ومعاني القرآن للأخفش: 2/356 ونسباها لابن مسعود، والمحتسب: 1/ 324 وعزاها للأعمش، اتحاف فضلاء البشر: 259 وعزاها للمطوعي.
[4] الأنعام: 126.
[5] الأعراف: 73.
[6] الأنعام: 153
[7] هود: 78، وقراءة الجمهور أطهر بالرفع، وقرأ بالنصب الحسن البصري وعيسى بن عمر كما في معاني القرآن للأخفش: 2/ 356، ورويت عن مروان بن الحكم وزيد بن علي وسعيد بن جبير ومحمد بن مروان والسدي.
ينظر في هذه القراءة: إعراب القرآن للنحاس: 2/ 295، وشواذ القراءات لابن خالويه: 65، والمحتسب: 1/ 325.
[8] لم يرض البصريون بهذه القراءة؛ ولحنوا من قرأها بالنصب ؛ لأنها تجعل الضمير هن فصلا، وهم يعربون الضمير هنا مبتدأ خبره أطهر، قال أبو عمرو بن العلاء: "حتبى ابن مروان في اللحن حين قرأ {هن أطهر} بالفتح"قال سيبويه: 2/396 "وأما أهل المدينة فين-زلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفتين، ويجعلونها فصلا في هذا الموضع، فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا، وقال: احتبى ابن مروان في ذه في اللحن. يقول لحن وهو رجل من أهل المدينة كما تقول اشتمل بالخطأ وذلك أنه قرأ: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} فنصب"اهـ.
[9] البيت من الكامل وهو في ديوان جرير: 388، وانشده ابن شقيري المحلى وجوه النصب 7، وابن الشجري في أماليه: 3/10.
[10] بيتان من مشطور الرجز في ملاحق ديوان رؤبة: 189، وهما في معاني القرآن للفراء: 3/17، ومعاني القران للأخفش: 37، والأصول لابن السراج: 1/183، والمحلى لابن شقير 8.
[11] ينظر المحلى وجوه النصب: 8.
[12] همع الهوامع: 2/ 71.
[13] مجالس ثعلب: 43.
[14] المرجع السابق: 44.
[15] المرجع السابق: 43.
[16] معاني القرآن: 1/ 231،232.

(39/15)


[17] أي بإعادة ها التنبيهية مع اسم الإشارة كما في قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم} آل عمران 66، ومثال حذفها قوله تعالى: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} آل عمران 119.
[18] مجالس ثعلب : 43.
[19] هناك خلاف بين سيبويه وابن مالك في نحو "ها أنا ذا"إذ يرى سيبويه أن (ها) في هذا الأسلوب ليست مقدمة من تأخير، وإنما هي حرف تنبيه جديد بدليل الجمع بينه وبين حرف التنبيه المتصل باسم الإشارة في نحو "ها أنتم هؤلاء"، قال فلو كانت (ها) هاهنا هي التي تكون أولا إذا قلت هؤلاء لم تعد (ها) هاهنا بعد أنتم، وقال ابن مالك إن "ها" الداخلة على الضمير هي التي مع اسم الإشارة وفصل بينهما بالضمير قال وقد تعاد بعد الفصل توكيدا.
[20] ينظر الإنصاف المسألة الحادية والثلاثون: 250، وينظر أسرار العربية: 192.
[21] مجالس ثعلب: 43.
[22] المرجع السابق: 359.
[23] هود: 78.
[24] ينظر رأي البصريين في الكتاب: 2/397، ومعاني القرآن للأخفش: 2/356، وطبقات فحول الشعراء: 1/20.
[25] الكتاب 2/ 397.
[26] ارتشاف الضرب: 2/ 73.
[27] البيت من الطويل وهو في ملاحق ديوان حسان: 381، وروايته فيه برفع عروس واستشهد به ابن السراج في الأصول 1/ 153:على جواز رفع "عروس" ونصبه قال: "وينشد هذا البيت على وجهين - ثم أورد البيت - وقال فينصب عروس ويرفع" وهو في شرح اللمع 372، وتثقيف اللسان:78، وتصحيح التصحيف: 379 بالنصب.
[28] الأعراف: 73.
[29] ارتشاف الضرب: 2/ 73.
[30] مجالس ثعلب: 43.
[31] معاني القرآن: 2/ 168.
[32] مجالس ثعلب: 359.
[33] الجاثية: 29.
[34] الفريد في إعراب القرآن المجيد: 4/ 287.
[35] البقرة: 230.
[36] البقرة: 252.
[37] البقرة: 253.
[38] أل عمران: 140.

(39/16)


[39] الأنعام: 83.
[40] الأعراف: 101.
[41] الكهف: 15.
[42] الكهف: 59.
[43] ينظر: الدر المصون: 2/ 456، 535: 3 / 404: 5/ 24، 397: 7/ 453، 514.
[44] الأنعام 135.
[45] الأنبياء: 92، وقراءة الجمهور بنصب أمة، وقرأ برفعها: الحسن البصري ينظر: معاني القرآن للفراء: 2/210، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 79، والمحتسب: 2/65.
[46] المؤمنون: 52.
[47] مريم: 20.
[48] الكتاب 2/ 83.
[49] ما زاده السيرافي هو القول بالبدلية أو عطف البيان وسبقت الإشارة إليهما في صلب هذا البحث. ينظر كتاب سيبويه طبعة بولاق 1/258.
[50] شرح المفصل: 2/ 58.
[51] المحلى وجوه النصب 7،8.
[52] ينظر في هذه الأفعال: ارتشاف الضرب: 2/ 73، وهمع الهوامع: 2/ 68، والأشموني: 1/ 229.
[53] البقرة: 2.
[54] معاني القرآن : 1/ 10.
[55] المرجع السابق : 1/ 11.
[56] المرجع السابق: 1/ 12.
[57] المرجع السابق: 2/ 286.
[58] النمل: 1 و2.
[59] معاني القرآن: 2/326.
[60] لقمان: 1و2و3.
[61] البيت من الطويل في ديوان خفاف ضمن شعراء إسلاميون: 482، وهو في المنصف: 3/41، والخصائص: 2/186، والإنصاف:720.
[62] مريم: 34.
[63] قرأها بالنصب ابن عامر، وعاصم بن أبي النجود، وهي التي يقرأ بها اليوم بالمشرق الإسلامي، وقرأها بالرفع ابن كثير، ونافع، و الكسائي، وأبو عمرو.
[64] معاني القرآن: 2/ 168.
[65] البحر المحيط: 1/ 202.
[66] ينظر معاني القرآن: 1/ 7، 12 - 2/ 286، 338، 344، 345، 346 - 3 / 6، 11، 12، 83، 104، 132.
[67] المعارج:15، 16.
[68] معاني القرآن 1/ 309.
وتبعه كذلك أبو بكر ابن الأنباري في شرح القصائد السبع الطوال:24 في توجيه بيت امرئ القيس
وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد.

(39/17)


[69] الزمر: 67.
[70] معاني القرآن: 2/ 425.
[71] الأحزاب: 50.
[72] معاني القرآن: 2/ 344.
[73] البحر المحيط: 1/ 201.
[74] البقرة: 26.
[75] البحر المحيط: 1/ 201.
[76] المحلى وجوه النصب: 7-10.
[77] المرجع السابق: 10.
[78] الكتاب 2/ 5-8.
[79] المصطلح النحوي: 133.
[80] النكت في تفسير كتاب سيبويه: 1/ 442.
[81] المرجع السابق: 1/481.
[82] يونس: 4.
[83] الكتاب: 2/78.
[84] النكت في تفسير كتاب سيبويه: 1/ 481.
[85] المقتضب: 4/ 168.
[86] الكتاب: 2/ 78.
[87] من اسمه عمرو من الشعراء : 142.
[88] البقرة: 91.
[89] البيت من البسيط وهو لسالم بن دارة في الكتاب: 2/ 79، و ابن يعيش: 2/ 64، والأشموني: 1/ 255.
[90] المقتضب: 4/ 168.
[91] شرح المفصل: 2/ 58.
[92] شرح التسهيل: 2/354.
[93] الخصائص: 3/ 60.

(39/18)


الإلحاد والظلم
في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ
الدكتور: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود
عضو هيئة التدريس في قسم الكتاب والسنة
بكلية الدعوة وأصول الدين
جامعة أم القرى
المقدمة
الحمد لله فعال لما يريد، بيده الخير، وهو على كل شيء شهيد. والصلاة والسلام على القائل: "من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين" [1] .
أما بعد: فقد كنت في زيارة أحد أقاربي، المقربين إلى نفسي في مدينة الرياض، وتناول الحديث معه تعلقه الشديد بأرض الحرم، ورغبته الصادقة في سكناها، والعيش فيها.
وكأني أسخر منه، حين سألته: ولم لم تفعل؟ فالسبيل ميسر، والوسيلة سائرة، وقد من الله عليك بالتبعية لهذا الكيان الكبير، فلا حدود ولا قيود، وأنت اليوم أصبحت خلوا من التزاماتك نحو عملك في الجامعة.!!!
فتبسم ضاحكا من قولي، وصوب نحوي نظرة شفقة، وحنان، وقال: هو كما قلت، ولولا آية في كتاب الله لفعلت.
ووجمت مندهشا وقد أخذ مني الفضول مأخذا، نظرت إليه بلهفة، وفي عيني سؤال: وما تلك الآية، يرحمك الله؟!
فتلا قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج /25]. فكأنه أيقظني من سبات عميق في واد سحيق، فأخذت أردد تلاوة الآية الكريمة في نفسي، ورفعت إليه بصري، وسألته متغابيا: وما الذي في الآية من معنى يحول بينك وبين تحقيق حلمك الجميل؟ فرد قائلا:

(39/19)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية