صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
المؤلف : الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الناشر : موقع الجامعة على الإنترنت
http://www.iu.edu.sa/Magazine
عدد الأجزاء : 120 عددا
مصدر الكتاب : ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com
[ ترقيم المجلة غير موافق للمطبوع ]
أدخلها على الموسوعة أخوكم خالد لكحل، عضو في ملتقى أهل الحديث

الأول : حديث ابن عباس. ووجه الدلالة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل باللسان العربي ولسان هرقل رومي ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه والمترجم المذكور هو الترجمان [16] ، والثاني حديث أبي هريرة ولقد أوردناه وما علق به ابن حجر من قبل [17] .
لقد أشار الإمام البخاري في هذا الباب إشارة كما أفصح ابن حجر في شرحه إفصاحا على جواز الترجمة أخذا من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وارتضائه ترجمة التوراة إلى العربية في حضرته وبإرساله الكتب التي تحمل الآيات القرآنية بلسان عربي إلى ملوك الأرض حينئذ إلى هرقل وكسرى والنجاشي وهم لا يفقهون اللسان العربي وهو يعلم أنها ستترجم لهم إلى لغاتهم المختلفة وذلك إقرار منه صلى الله عليه وسلم على جواز ترجمة القرآن إلى هذه اللغات وخبر إرساله بهذه الكتب إلى أولئك الملوك معلوم ومشهور [18] .
وقد نسب أيضا ابن الخطيب إلى ابن حجر قوله بجواز الترجمة في غير هذا المكان، إذ يقول: "وقد قرر الإمام ابن حجر وهو من كبار أئمة المحدثين وجوب الترجمة حيث يقول: إن الوحي متلو أو غير متلو إنما نزل بلغة العرب ولا يرد على هذا كونه صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم، لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم " [19] .

(29/244)


ويقول جار الله محمود الزمخشري تعليقا على قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (إبراهيم 14) أي ليفهموا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على الله، ولا يقولوا لا نفهم ما خوطبنا به كما قال: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته..} فإن قلت لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة، وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضا.
قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو واحد منها ولا حاجة لنزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك، وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما نرى
الحال ونشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم.. ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها وكثرتها وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها ما كلم أمته التي هو منها، يتلوه عليهم معجزا لكان ذلك أمرا قريبا من الإلجاء [20] .
وهذا نص واضح وقاطع ليس في جواز الترجمة وحسب بل هو قائل بوجوبها اعتمادا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث للناس كافة برسالة القرآن التي ينبغي أن تصل للكل مفهومة حتى تقوم بها الحجة ولا سبيل لذلك إلا بالترجمة وسيأتي بيان ذلك.

(29/245)


وختاما يقول الأستاذ محمد صالح سمك: "واستدل الإمام الشاطبي في الموافقات على جواز ترجمة القرآن بالقياس على ما هو حاصل من إجماع الأمة على تفسيره للعامة، ومن ليس له من الفهم ما يقوى به على إدراك كل معانيه الدقيقة وما الترجمة إلا تفسير وإيضاح لغير العرب حتى يفقه القرآن وأحكامه ويتدبر معانيه ومقاصده" [21] .
هذه جملة الأدلة التي احتج بها المؤيدون لجواز ووجوب الترجمة وهي الأولى بالاعتبار في نظري لمنحاها الايجابي المتسق مع مقاصد الدين وأهداف الشرع الإسلامي.. غير أن ذلك لا يعفينا من مناقشة الاعتراضات والحجج الوجيهة التي أثارها أصحاب الرأي الأول.
1- قالوا: إن الترجمة بدعة وأمر لم يقدم عليه الأوائل.. وهذه حجة قد اندفعت بحصول ترجمة القرآن إلى الرومية والفارسية والحبشية على أقل تقدير فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و بإقراره.
وكما لا يخفى على دارس أصول السنة فإن إقراره صلى الله عليه وسلم كفعله وقوله من حيث الحجية.. ولما حصلت وقبلت الترجمة من الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث المبدأ فلا يضيرها وإن كانت وقتئذ على مستوى بسيط واقتضت الحاجة إلى أن ترفعها الآن إلى مستوى أكبر وعلى نطاق أوسع هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن البدعة المزعومة ليست في عمل كل شيء لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لكان مجرد جمع القرآن في مصحف وتفسيره في صحائف وجمع السنة وغير ذلك مما قصد به خدمة الشرع الإسلامي بدعة.. ولا أحسب أن عاقلا يقول بذلك خاصة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرشد إلى أن: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجرمن عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا".

(29/246)


فالترجمة إذن من قبيل السنة المأجور فاعلها لا من قبيل البدعة ولا السنة السيئة المذموم فاعلها. وعلى أي فإن العمل ينتقل من حكم العادة إلى درجات العبادة بنية ودوافع صاحبه فالترجمة التي قصد بها وجه الله وخدمة الإسلام والمسلمين هي التي من قبيل السنة الحسنة.. فالترجمة كغيرها من الأفعال تحمد وتذم وفقا لجهد وصدق أو سوء نية صاحبها.
2- قيل: إن الترجمة تؤدي إلى إحجام المسلمين غير العرب عن دراسة اللغة العربية التي هي لغة القرآن والاهتمام بها، وهذه بدورها حجة لا تستند إلى دليل، فمجرد الترجمة لا يؤدي إلى هذه النتيجة لأن الترجمة كما يقول محمد أكبر: مجرد محاولة لمساعدة الدارس لفهم وإدراك النص القرآني وليست بأي حال بديلا له [22] .
ومعلوم أيضا أن اللغة العربية تنتشر تبعا للإسلام وليس العكس فإذا كان ذلك كذلك وإذا كان الغرض من الترجمة هو - نقل معاني القرآن من ناحية وتبليغ دعوة الإسلام لغير العرب من ناحية أخرى.. فينتظر من هذا الجهد كما هو ملحوظ- إدخاله الناس في دين الله أفرادا وأفواجا.. وهم من بعد دخولهم الإسلام سيدفعون بأكثر من دافع وحافز لتعليم العربية.. لأن الترجمة ليست قرآنا والقرآن هو أساس الإسلام وكل مسلم يحس في نفسه الحاجة الماسة لتعلم العربية حتى يأخذ الإسلام من مصادره الأصلية والمؤثرة.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
3- ثم قالوا: إن الترجمة قاصرة عن تحمل المعاني الكثيرة التي أودعها الله القرآن في نظم معجز بحيث لا يستطيع امرؤ أن يحيط بهذا المعاني ولا أن ينقلها بعد المحافظة على إعجازها اللفظي والمعنوي.. هذه دعوى صحيحة على فرض أن الترجمة تعتبر قرآنا الشيء الذي قررنا فساده من قبل وقصور الترجمة عن نقل الإعجاز اللفظي والمعنوي.. كقصور التفسير تماما عن نقله بل إن قصور الأخير أشد ومع ذلك لم يقل أحد ببطلان التفاسير... بل هي ضرورة عند الجميع.

(29/247)


ولقد نوهت من قبل إلى أن معظما آراء المعارضين للترجمة مبنية على فهم خاطئ ألا وهو اعتبار الترجمة قرآنا.. ولم يستطع كثير من المفكرين المسلمين أن يتجاوزوا هذا الشعور. يقول الأستاذ محمد أكبر في مقدمته لترجمة الإمام المودودي للإنجليزية: "ويجب أن ألفت النظر إلى مسألة هامة ذلك أن الاتجاه العام لدى كثير من الناس هو اعتبار الترجمة إلى اللغة الإنجليزية قرآنا وهذا لعمرو الله من الخطأ البين الخطير.. إذ ليست هناك ترجمة مهما بلغت من الجودة يمكن أن تسمو وتبلغ درجة القرآن العظيم" [23] .
إنه ولإزالة هذا اللبس والفهم الخاطئ سمى الإمام المودودي ترجمته للقرآن بالأردية تفهيم القرآن وعند ترجمة ذلك إلى الإنجليزية سميت: (The Meaning of the Quran) أي معاني القرآن. ولنفس السبب سمى الشيخ أبو بكر غومي ترجمته للقرآن إلى لغة الهوسا: معاني للقرآن بلغة هوسا.
وفي الحقيقة فإن القول بأن إعجاز القرآن إنما هو في لفظه فقط تقليل من شأن القرآن وانتقاص من قدره [24] ذلك أن المعنى والموضوع عاملان مهمان بالنسبة لجمال أي عمل.. ورغم أن إعجاز القرآن اللفظي مع غيره كان التحدي المباشر للعرب إلا أن معانيه وأحكامه وقصصه وأهدافه وتعاليمه ونبوءاته كل هذه مع غيرها تكون الإعجاز القرآني وإليك هذه المقتطفات التي تبين أن الإعجاز ليس قاصرا على النظم وحده.
يقول الإمام السيوطي: "اعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة وهي:
إما حسية وإما عقلية، وأكثر معجزات بني إسرائيل حسية، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزات العقلية الباقية ليراها ذووا البصائر كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". أخرجه البخاري.

(29/248)


قيل: إن معناه إن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عمر من الأعمار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون دليلا على صحة دعواه. وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا" [25] .

(29/249)


وقال الجاحظ: "بعث الله محمدا أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته. ودعاهم بالحجة وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة وكلما ازداد تحديا لهم بها لعجزهم عنها تكشف عن نقصهم ما كان مستورا وظهر منه ما كان خفيا فحين لم يجدوا حيلة. قالوا: أنت تعرف من أخبار الأمم مالا نعرف فلذلك يمكنك مالا يمكننا. قال: "فهاتوها مفتريات"فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر فدل ذلك على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كان أنقص لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أصحابه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ولهم القصيدة العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه [26] .

(29/250)


وقال ابن عطية: "الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن الله أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح إن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر بعضهم يعمهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك فبهذا جاء نظم القرآن فما الغاية القصوى من الفصاحة. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ولهذا نرى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا ثم ينظر فيها وهلم جرا وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ونحن يتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحر، وفي معجزة عيسى بالأطباء فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته وكذلك الطب في زمن عيسى والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم" [27] .
ويقول الخطابي: إنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاوة وتشاكلا من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام فإما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير.

(29/251)


فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شيء منها موضع الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلية في الأعصار الآتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأدل عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ومعلوم أن الإتيان بهذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومناقضته في شكله.
ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ذوي الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}. وقال: {نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم}.

(29/252)


ومن ذلك ما روي عن ابن عباس قال: "جاء المغيرة بن شعبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ له القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوك لئلا تأتي محمدا لتعرض لما قاله. قال: علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له. قال: فماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي نقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإن لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر بأثره عن غيره".
المقتطفات أعلاه تؤكد أن هناك أكثر من وجه واحد للإعجاز القرآني، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يكون الإعجاز اللفظي مشتركا في تصوير أي معنى أو جانبا عن معانيه السامية والمقصودة أصلا بالتصديق والاتباع.
غير أن الإعجاز اللفظي ليس مقصودا لذاته وإنما أريد به نقل المعنى في أحسن صورة وأبلغها وأنجعها، حتى كان المعنى هو الغاية واللفظ هو الأداة والوسيلة، وكثير من الناس يعتقد أن القرآن أعجز العرب بفصاحته فحسب، ولكنه في الحقيقة أعجزهم بفصاحته وبمعانيه معا، فهم لم ينكروا أن الألفاظ والتعابير هي ألفاظهم وتعابيرهم وإن عجزوا عن نظم مثل نظمها ولكنهم قالوا إن هذه المعاني ليست مما عرفوا، وقالوا هي ليست من صنع البشر فنسبوها للكهنة وللجن، وعلى أي فمراد الله حتى من عجزهم عن بناء اللفظ إنما لينتبهوا ويعوا الحقيقة: إن هذا المعنى القرآني ليس من صنع البشر حتى يؤمنوا به ويعملوا بمقتضاه فيكتب لهم النجاح في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.

(29/253)


والإعجاز القرآني جملة ومنه اللفظي إنما يتجلى للمسلمين على درجات متفاوتة وإن الذين يقفون على جل أسرار الإعجاز اللفظي فقط قلة حتى بين العرب فإذا غاب الإعجاز اللفظي على نسبة كبيرة من المسلمين العرب فهو على غيرهم من المسلمين أكثر غيابا، فلماذا والحال كذلك تضع العراقيل في وجه تبليغ الدعوة للناس كافة على أمر هو على أهميته وسيلة وليس غاية في حد ذاته، ليس ذلك فحسب بل إن هذه الوسيلة لا تدرك على أكمل وجه وأبلغه بمجرد تعلم اللغة العربية وإنما ببلوغ درجات عظيمة في علومها وفنونها، ومع ذلك فإن مفاتيح إدراك وجوه الإعجاز والمعاني القرآنية لا تكمن في اللغة فحسب وإن كانت اللغة أهم أدواتها، ولكن بشاشة الإيمان وصدقه وإخلاص القلب وصفاءه هي المصابيح التي تنير طريق المؤمن وتكشف خبايا هذا الكنز الميسر للمؤمنين إن شاء الله {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} .
وبشاشة الإيمان كما لا يخفى لا تدرك بكثير علم في الشرع ولا باللغة ولكن بنور الله الذي يعطاه من أصدق الله ونصره، فما سبق الناس أبو بكر بكثرة الصيام ولا قيام ولكن سبقهم بشيء في قلبه، وبالعبادة يرقى العبد إلى أعلى عليين فيدفعه ذلك إلى التعطش للمعرفة والتقرب إلى الله من خلال الحديث إليه مباشرة والأخذ من مأدبته: ألا إن مأدبة الله القرآن: فيجد المسلم - والحال كذلك - نفسه مدفوعا إلى تعلم العربية وفنونها وهو الأفضل لأن الحاجة لتعلمها تأتي من خلال الحاجة لاستعمالها وذلك هو المحك الرئيسي للعلم وهذا ما فعله ويفعله المسلمون الخلص كل يوم وبلغ به الأعاجم مكانة في اللغة بزوا فيها العرب وما كانوا ليبلغوها لولا هذا الحافز الديني.

(29/254)


كان هذا القدر كافيا في الدلالة على أنه ليس ثمة ما يحرم ترجمة معاني القرآن لأي لغة أخرى بغرض تبليغ الدعوة الإسلامية إلى القاصي والداني، وما دامت الترجمة لم تحرم بالنص الشرعي ولم يجمع على تحريمها بناء على ذلك فقد أصبحت من الأمور الجائزة شرعا عملا بقاعدة: (إن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد الحظر).
ولكن الترجمة في نظري تتمتع بما هو أكثر من الجواز الشرعي فبينما انعدمت واندفعت النصوص والأدلة المانعة لها تضافرت الأدلة القوية المجوزة والموجبة لها، ابتداء من عمل وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم للترجمة وانتهاء بالشروح والتفسيرات والتخريجات المبنية على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وسبل الاجتهاد الأخرى.
وفوق هذا وذاك هناك توجيه ثالث ينبغي أن لا يفوت على المسلمين: ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتعثه الله خاتما للنبيين وأرسله إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون أرسله بشيرا ونذيرا ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. فقال تعالى:
1- {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [28] .
2- {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} [29] .
3- {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [30] .

(29/255)


وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأداء هذه الرسالة وتبليغ الأمانة. فقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [31] . وقال صلى الله عليه وسلم في نهاية وصيته لأصحابه في حجة الوداع: "ألا هل بلغت". قالوا: بلى. قال: "اللهم فاشهد ثلاثا. ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى ممن سمع". كما ينبغي أن يؤدى الواجب وأمر المسلمين أن يحملوا الراية من بعده إلى يوم الدين إذ لا نبي بعده.
وكما يقول الإمام الشاطبي: "وذلك أن العالم وارث النبي صلى الله عليه وسلم فالبيان في حقه لابد منه من حيث هو عالم والدليل على ذلك أمران: أحدهما: ما ثبت من كون العلماء ورثة الأنبياء وهو معنى صحيح ثابت ويلزم من كونه وارثا قيامه قيام مورثه في البيان وإذا كان البيان فرضا على المورث لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضا، ولا فرق في البيان بين ما هو مشكل أو مجمل من الأدلة وبين أصول الأدلة في الإتيان بها فأصل التبليغ بيان لحكم الشريعة وبيان المبلغ مثله بعد التبليغ.
والثاني : ما جاء من الأدلة على ذلك بالنسبة إلى العلماء فقد قال: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى}.
{ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} .

(29/256)


{ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} . والآيات كثيرة وفي الحديث: "ألا يبلغ الشاهد منكم الغائب". وقال: "لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها". وقال: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل". والأحاديث في هذا كثيرة ولا خلاف في وجوب البيان على العلماء والبيان يشمل البيان الابتدائي والبيان للنصوص الواردة والتكاليف المتوجهة فثبت أن العالم يلزمه البيان من حيث هو عالم" [32] .
ومعلوم لدى الكافة أن الرسالة الإسلامية لم تصل بل ولم تبلغ صحيحة لكثير من أمم العالم اليوم فما على المسلمين إلا أن يشمروا ساعد الجد وأن يسعوا في تبليغها حية وصحيحة بكل سبيل إلى الناس أجمعين وما الترجمة إلا واحد من هذه الوسائل التي يمكن أن يؤدي بها هذا الواجب الذي حملوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الله من قبل حيث قال: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [33] .

(29/257)


وصحيح ما أعرب عنه الكثيرون من أن الترجمة لا يمكن أن تنقل المعاني القرآنية بكل دلالاتها وإيقاعاتها، بكل سحرها وروعتها المؤثرة في النفوس الملينة للقلوب، إلا أنه ومن خلال التجارب والترقي في فنون الترجمة القرآنية سيصل المسلمون - ما أخلصوا النية - إلى مستوى من الترجمة معقول ومقبول، ولقد نشأت الآن بعض الدراسات ورصدت بعض الملاحظات التي من شأنها أن تهدي إلى إزالة كثير من القصور الذي صاحب التراجم الأولى وعلى كل فما يدرك كله لا يترك كله ويقرر ذلك في بساطة الأستاذ محمد أسد في مقدمة ترجمته للقرآن فيقول: دون سائر الكتب فإن معاني القرآن وتعبيراته اللغوية يكونان كلا لا ينفصل فيه أحدهما عن الآخر، ذلك أن مكان الكلمة من الجملة وموسيقى العبارات والتركيب العضوي للجمل القرآنية والهيئة المثلى التي تتدفق فيها العبارات القرآنية الرمزية إلى دلالات واقعية حية بإيقاعات ونبرات محكمة مؤثرة، كل هذا يجعل من القرآن عملا فريدا يعجز البشر عن ترجمته وفقا لهذه الخصائص إلى أي لغة أخرى إلا أنه من الممكن أن تترجم رسالته (معانيه) بلغة معبرة ومفهومة لقوم كالغربيين لا يعرفون العربية البتة وكمعظم المسلمين غير العرب الذين لا تسعفهم حصيلتهم من العربية إلى أن يجدوا سبيلهم إلى القرآن دون مساعدة [34] .
إن واجب المسلمين تجاه العالم اليوم لأكبر من أن يؤدى بمجرد ترجمة القرآن وإنما يحتاج لمجهود أكبر من ذلك، فهو عالم حائر يتخبط ذهبت به المادة مذاهب ليس فيه المزيد من القوى لتحملها كما لم يعد في المادة نفسها مزيدا من البريق والجاذبية لتلهيه وتجذبه... فضل أيما ضلال فما على المسلمين إلا أن يقدموا له الإسلام حيا يسعى بأعمالهم قبل أقوالهم.

(29/258)


ولكي يتسنى للمسلمين أن يضطلعوا بهذا الدور الكبير والخطير لابد من أن يحرروا له فكرهم من معتقلات عصر الجمود الطويل ومن شعاراته التي تقول: ليس في الإمكان أحسن مما كان هذا وأن التحرر الفكري للاجتهاد العصري لن يتم بمجرد الوعي بأهميته وإنما لابد له من فهم واسع وعميق للشريعة واستخدام صحيح للطبيعة على ضوئه، إذا لن يتأتى إسهام فكري وعلمي جديد ذو شأن في هذا العصر إلا كان ناتجه رائدا على ناتج المعدلات الفكرية والعلمية الحاضرة والمتصورة. وحيث أن المعدلات الراهنة تتنافس في حيز ضيق في القمة، فدربها قد أصبح مسدودا لكل طامح. ولا يلوح في الأفق فكر - سوى الإسلام - يمكن أن يأتي بمعدلات جديدة. وذلك لما فيه من إمكانية التزاوج بين علوم الشريعة والطبيعة بما يحقق التكامل الفطري الذي يفتقده الإنسان المعاصر، لأن الحضارة المادية سلبته جل مقوماته الروحية، وأي تصحيح لها من داخله سيقلب كفة الميزان على غير هدى كما نشاهده في حركات الرفض الغربية والتصوف الإسلامية والرهبنة النصرانية، وما يرشح الإسلام للقيام بهذا الدور هو قدرته على الاحتفاظ بكفتي الميزان في اعتدال، ومن هنا يأتي الإسهام بمعدلاته الجديدة الكاسحة إن شاء الله - فقد يتطلب الأمر من المسلمين فهما للإسلام أكثر إحاطة وعمقا لكل من علم الوحي المنزل – الشريعة - وعلم الكون المفتوح- الطبيعة- ومن ضمن ما ينبثق عن علم الوحي الاستخدام الصحيح لعلم الطبيعة حتى يتم التزواج بين العلمين في اتساق وانسجام ليعطي كفاية إنتاجية عالية، لأن تفجير طاقات الإنسان بواسطة هذا التزاوج الواعي يفوق كل أسباب الدفع والحوافز الحالية، بل إنها جميعا كسر صغير من أسباب الدفع الديني في الحياة تحت ظل العقيدة الإسلامية.
خاتمة

(29/259)


ولقائل أن يقول علام هذا الجهد في أمر قد أصبح مطروقا ومألوفا ومعمولا به عند الناس؟ وهو اعتراض صحيح من وجه ولكن رغم العمل والألفة فمازال يحيك في صدور الكثيرين منا شيء من الوجل وعدم الاطمئنان لموضوع الترجمة مثلا في الاعتراضات القوية التي أثبتناها من قبل، وما مثل هذا الجهد المتواضع إلا كمثل إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه ضارعا: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} [35] .
فلو أفلح هذا في إدخال الطمأنينة إلى نفوس أولئك الذين كانت تحيك في صدورهم أشياء من الترجمة لكفى به جهدا والله المستعان وعليه التكلان ......
--------------------------------------------------------------------------------

الإحكام في أصول الأحكام لأبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي (1/82). مطبوعات محمد علي صبيح. بميدان الأزهر بمصر.
[1]
أصول فخر الإسلام - اليزدوي مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (1/21-25) 1307.
[2]
تفسير النيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري: لمؤلفه الحسن بن علي بن محمد بن حسين القصي النيسابوري (1/80) المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق – مصر - 1223 – الطبعة الأولى.
[3]
المرجع السابق.
[4]
المرجع السابق
[5]
إن ذلك مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - بدليل جواز القراءة بالفارسية عنده في الصلاة.
[6]
كشف الأسرار لعبد العزيز اليزدوي البخاري (1/26-27)
[7]
تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري (1/80)
[8]

(29/260)


القوانين الفقهية لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزى (ص:44) الطبعة الأولى1977م. دار القلم -بيروت- لبنان.
[9]
تفسير النسابوري أعلاه (1/81).
[10]
فتح الباري لابن حجر العسقلاني (17/299-300).
[11]
كشف الأسرار (1/25-26)
[12]
الفرقان لمحمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ص 221) الطبعة الأولى (1367-1948) مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة.
[13]
دلالة الألفاظ للدكتور إبراهيم أنيس (ص 186) الطبعة الثانية، (1963) مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة.
[14]
فتح الباري بشرح صحيح البخاري (17/299-300) شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر: 1387
[15]
فتح الباري لابن حجر العسقلاني (19/299-301).
[16]
انظر: ص
[17]
إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني الموضوع بها من الأنفاق في علوم القرآن للسيوطي
[18]
الفرقان (ص 222).
[19]
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل –لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري.
[20]
فن التدريس للتربية الإسلامية (ص 522).
[21]
ترجمة بتصرف.
[22]
المرجع السابق: ترجمة بتصرف.
[23]
الفرقان (ص: 228).
[24]
الإتقان في علوم القرآن (2/116-117).
[25]
المرجع السابق.
[26]
المرجع السابق: (ص: 119).
[27]
الفرقان: (1)
[28]
النساء: (174).
[29]
الأنعام: (19).
[30]
المائدة : (67).
[31]
الموافقات في أصول الأحكام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (3/176). المطبعة السلفية بمصر.
[32]
الأحزاب: (72).
[33]
الترجمة بتصرف.
[34]
البقرة: (260)
[35]

(29/261)


تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم
-2-
للدكتور ملك غلام مرتضى
رئيس قسم الترجمة بالجامعة
في هذه الحلقة أتم ما بدأت من موضوع تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يلي:
8- السيدة: جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها:
وكانت أرملة ماتع بن صفوان الذي كان من ألد أعداء الإسلام وأشدهم خصومة للرسول صلى الله عليه وسلم. كان قد قتل يوم المريسيع خلاله غزوة بني المصطلق وتركها فوقعت أسيرة في يد المسلمين، وهي أيضا بنت الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق الذين كانوا يتآمرون على المسلمين وأحيانا يغيرون عليهم ويوقعون بهم الضرر.
وقد ورد في صحيح البخاري عن عائشة- رضي الله عنها تعالى- أنها قالت:
"أصاب رسول الله خير نساء بني المصطلق، فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفرس سهمين والرجل سهما، فوقعت (جويرية بنت الحارث) في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمت، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق، فأعني على فكاكي، فقال عليه السلام: "أو خير من ذلك؟". فقالت: ما هو؟. فقال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك". فقالت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: "قد فعلت".
فلما علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا قالوا: "أصهار رسول الله يسترقون؟". فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة بيت بزواجه عليه السلام بنت سيد بني المصطلق.

(29/262)


ولم يسع لبني المصطلق بعد إطلاق سراحهم والإحسان عليهم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلا أن يسلموا ويتخلصوا من حقدهم على الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم ويقلعوا عن جرائم قطع الطريق والغارات التي كانوا يشنونها على ديار المسلمين (كانت هذه القبيلة من قطاع الطريق). وقد ورد في بعض الروايات أنه وصل أبو السيدة جويرية لعتقها من الأسر قبل زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم وأراد أن يأخذها معه ويدفع تسع أوقيات من عنده وهنا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر للسيدة جويرية أن تختار بين أمرين.
(1) إما أن تذهب إلى قبيلتها مع أبيها.
(2) وإما أن تسلم وتختار الزواج بالرسول صلى الله عليه وسلم فاختارت الإسلام والزواج بالرسول صلى الله عليه وسلم على الكفر والرجوع إلى أهلها وقبيلتها.
فكان هذا الزواج بركة عليها وعلى أهلها وقبيلتها لأنه كان سببا لإسلامهم وعتقهم وترك أعمال قطع الطريق، فقال الناس: "إن جويرية أيمن امرأة على قومها".
من هنا نرى أن هذا الزواج كان ميمونا على بني المصطلق لأنه استبدل عداوتهم للإسلام إلى حبهم لله والرسول والإسلام وهو مبارك على المسلمين أيضا لأنه خلصهم من غارات بني المصطلق ومؤامراتهم وبدأ بنو المصطلق يساعدون المسلمين ويجاهدون في سبيل الله.
9- السيدة: أم حبيبة- رضي الله عنها:
وهي بنت أبي سفيان الذي كان في جاهليته (ألد أعداء الإسلام بعد أبي جهل) وكانت قد أسلمت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فرارا بدينها، ومات زوجها في الحبشة فأصبحت وحيدة ليس لها كفيل ولا معين، إن هي عادت إلى أبيها في مكة المكرمة فالنتيجة واضحة، ستجبر على الرجوع إلى الكفر قهرا وإلا عذبت عذابا شديدا، أما في المدينة المنورة فليس لها من يكفلها ويرعاها.

(29/263)


فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بوفاة زوجها، خطبها وأرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها، فلما علمت السيدة أم حبيبة بما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فرحت وسرت سرورا عظيما ووافقت على هذا الزواج، فزوجها النجاشي بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا أخرى ثمينة وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة فوصلت في سنة سبع من الهجرة إلى المدينة المنورة، وكان عمرها حينئذ سبعا وثلاثين سنة، ولما علم أبو سفيان بهذا الزواج أقره وقالت: "هو الفحل لا يقدع أنفه". ونرى حكمة بالغة وراء هذا الزواج وهي تأليف قلب أبي سفيان وقومه فصار هذا الزواج سببا لتخفيف الأذى عن المسلمين في مكة المكرمة وأصبح أكثر ميلا إلى الصلح، فنراه قادما إلى المدينة المنورة لتجديد الصلح ويزور ابنته في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم والابنة تقنعه أنه لا كرامة لأي إنسان إلا بالإسلام وإن كان والدها، فمن الواقع أن أبا سفيان ما جاء غازيا ضد أهل المدينة بعد هذا الزواج.
10- السيدة: صفية -رضي الله عنها:
وكانت سيدة بني قريظة وأيضا سيدة بني النضير وهما قبيلتان من اليهود عقدتا صلحا مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ثم نقضتا العهد غدرا وخيانة. والسيدة صفية ابنة حيي بن أخطب الذي كان سيد بني قريظة ومن ناحية الأم هي ابنة صيمويل الذي كان سيد بني النضير. وكانت السيدة (صفية) قد أسرت بعد مقتل زوجها في غزوة خيبر وروي أنها - رضي الله عنها - لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لم يزل أبوك من أشد اليهود عداوة لي حتى قتله الله". فقالت: "يا رسول الله إن الله يقول في كتابه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}".

(29/264)


فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اختاري فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك"، فقالت: "يا رسول الله لقد هويت الإسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك ومالي في اليهودية أرب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام فالله ورسوله أحب إلي من العتق، وأن أرجع إلى قومي". فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. ونرى كثيرا من اليهود أسلموا بعد هذا الزواج، ولا نراهم يتآمرون ويؤلبون قبائل العرب ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده.
11- السيدة: ميمونة -رضي الله عنها:

(29/265)


كانت السيدة (ميمونة) قد تزوجت مرتين قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات زوجها الثاني (أرحم بن عبد العزى) في السنة السابعة من الهجرة، وهي أيضا أخت أم المؤمنين (زينب بنت خزيمة) من ناحية الأم. وكان في هذا الزواج مصلحة كبيرة لأن السيدة ميمونة كانت أخت زوج سيد بعض قبائل عربية تآمرت على الإسلام والمسلمين إذ طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل سبعين من الفقهاء ليعلموهم الدين وما لبثوا أن غدروا بهؤلاء المبعوثين فقتلوهم عن بكرة أبيهم، واستمروا على عدائهم، حتى أن تمت مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم لسيدهم بزواجه ميمونة - ضي الله عنها - وجدير بالذكر أن نقف برهة لنميز بين هذا النوع من الزواج بين ملوك وأباطرة العالم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن مثل هذه الزيجات كانت معروفة لدى أباطرة العالم بمصاهرة أعدائهم إتقاء شرهم ولكسبهم إلى صفوفهم أو ضمان حيادهم على أقل تقدير ويكون الإصهار دائما في جانب قوي. لا يتمكن الصهر من كسر شوكتهم... أما الرسول عليه الصلاة والسلام فلم يكن زواجه من هذا القبيل وإن اتفق في النهاية بمصاهرة أقوام ناصبوه العداء فمصاهرته لم تكن خاضعة للمفاوضات والمبادلات، ولكنه مصاهر بعد كسر شوكتهم وتغلبه عليهم ودحرهم وحتى لم يكن هناك طلبا رسميا مقدم إلى رئيس القبيلة أو القوم المعاديين لهذه المصاهرة.

(29/266)


والجانب الآخر أن الإسلام لم يكن قط طريقا للعبودية والسخرة التي دأبتها البشرية في عصورها وما تناله النساء خاصة بعد انكسار قواتهم في الحروب من هتك لأعراضهم وذل وعار بهيمي في الدرك الأسفل من البهيمية، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته قدوة للمؤمنين، خيرهن بين خير الإسلام وعتقهن، ومن ثم تشريفهن بالزواج بعد إيمانهن لا بالرق ليتمثل به المؤمنون... والوقائع تشهد لنا بذلك والقرآن الكريم يؤكد هذا الأمر: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} .
مزاعم أعداء الإسلام ودفعها:
يزعم أعداء الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عدد زوجاته لإشباع رغباته، وفيما سبق أشرت بإيجاز إلى الظروف والملابسات التي أدت إلى كل زيجة من زيجات النبي صلى الله عليه وسلم ومنها يمكن أن يرد على أولئك الأعداء فيما يزعمون من جهة، ومن جهة أخرى لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يزعمون لما ظل وفيا لخديجة -رضي الله عنها- التي كانت قد بلغت الخامسة والستين من العمر وهو ما يزال في الخمسين من عمره، فكيف يقنع بامرأة متقدمة في السن تكبره خمس عشرة سنة ولا يختار امرأة أخرى حتى توفيت وهي في الخامسة والستين من عمرها، فهل يمكن لرجل شهواني أن يصبر على شهوته إلى هذا الحد حتى يهرم ويصير شيخا كبيرا؟.
فضلا عن ذلك، فإن قريشا عرضت عليه صلى الله عليه وسلم أن ينصبوه ملكا عليهم، وأن يزوجوه أجمل النساء على أن يترك دعوته ولو كان كما يزعم أعداء الإسلام لرحب بهذا العرض، واختار لنفسه إحدى الشابات الجميلات.
ولكنه عاش حياة البساطة والتقشف رغم أن الله تعالى يسر للمسلمين غنائم كثيرة.
وأسوق شاهدا لهذا حادثين موجزين فيما يلي:-
1- حادث الإيلاء:

(29/267)


عندما كثرت الفتوحات والغنائم والأموال، طالبت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بزيادة يسيرة في نفقات المعيشة حتى ينتقلن من حياة الفقر إلى حياة اليسر والراحة مما أزعج النبي صلى الله عليه وسلم إزعاجا شديدا. وعندما علم سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بهذا جاءا إلى بنتيهما أم المؤمنين السيدة عائشة وأم المؤمنين السيدة حفصة ونبهاهما إلى قلق النبي صلى الله عليه وسلم إزاء موقفهما، أما الأزواج الأخريات فلم يرق لهن تدخل أبي بكر وعمر وأصررن على المطالبة بزيادة النفقات على أساس أن ما يطلبن يعتبر شيئا يسيرا بل متوفرا لدى غالبية المسلمين، وجئن بدليل قوي وهو أنهن قد صبرن على آلام الفقر والحرمان والمسكنة في الماضي، أما بعد أن أفاء الله بنعمائه وكثرت الأموال والغنائم والجواري فلم يبق أي مبرر لاستمرار حياة الفقر والمسكنة والجوع والفاقة.
فانزعج النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أنه هجر أزواجه كلهن لشهر كامل والتزم الصمت معهن حتى ذل بين الناس أنه قد طلقهن.
2- حادث التخيير:
هذا الحدث تتمة لحدث الإيلاء، فعندما ظلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مصرات على طلب زيادة النفقات، أنزل الله سبحانه آيات التخيير وجعلهن يخترن بين أمرين:
(1) إما الحياة مع الرسول صلى الله عليه وسلم مع الفقر والمسكنة.
(2) وإما الحياة بدون الرسول صلى الله عليه وسلم مع رغد وبحبوحة في العيش وأنزل الله سبحانه وتعالى قوله:
{يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} . (سورة الأحزاب: 28-29).

(29/268)


فخير النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته بين الأمرين وأسمعهن هذه الآيات. وقال للسيدة عائشة: "تشاوري مع والديك ولا تتعجلي في الأمر" فردت على الفور: "هل أتشاور في الله والرسول يا رسول الله؟".
والمعروف أن كل واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم اختارت الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة مع حياة الفقر والفاقة والمسكنة والتقشف والبساطة حتى شهد التاريخ أنه ما كان يوجد زيت للإنارة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم انتقل إلى رحاب الله.
فهل يمكن هذا لرجل غير النبي أن يعيش مثل هذه العيشة ويجبر زوجاته أيضا عليها؟.
والشخص الذي يتدبر هذه الأمور ويتعرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لاسيما حياته العائلية لا يمكن أن يتهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالشهوانية والتكالب على الملذات الحسية لو كان لهذا الشخص أدنى وازع من الضمير أو لديه ذرة من الحياء والخجل.
المصالح والغايات وراء تعدد الزوجات:
وهي خمسة أقسام:-
(أ) المصالح التعليمية.
(ب). المصالح التشريعية
(ج).المصالح الاجتماعية
(د) المصالح السياسية.
(ر).المصالح الشخصية
والآن لنتناول بإيجاز كل من هذه المصالح الخمس:
أ - المصالح التعليمية: المرأة كما هو معروف نصف المجتمع لذلك كان لابد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يهيئ معلمات ومفتيات لتبصير نساء المسلمين بأمور دينهن.
فهذه هي الحكمة الأساسية وراء تعدد الزوجات، وقد عرفنا أن السيدة عائشة ظلت تدرس وتبلغ تعاليم الإسلام وتفتي في الكثير من المسائل الهامة ثماني وأربعين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقل ربع الأحكام الشرعية إلى الأمة الإسلامية من خلال توجيهاتها ومساعيها، ومن هنا تتضح لنا المصلحة وراء زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة وهي صغيرة السن.

(29/269)


وكان النبي صلى الله عليه وسلم (أشد حياء من العذراء في خدرها) وهكذا يكون الأنبياء فما كان يمكنه أن يرد على كل سؤال يوجه إليه من جانب النساء بكل صراحة فكان يجيب بأسلوب الكناية أو يستعين بإحدى أزواجه صلى الله عليه وسلم، ومن رواية السيدة عائشة –رضي الله عنها - أن امرأة من الأنصار، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل من المحيض فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثم قال لها: "خذي فرصة ممسكة (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهري بها"، قالت: "كيف أتطهر بها"، قال: "تطهري بها"، قالت: "كيف يا رسول الله أتطهر بها؟". فقال لها: "سبحان الله تطهري بها"، قالت: السيدة عائشة: "فاجتذبتها من يدها فقلت ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم".
وهكذا كان هناك الكثير من الأسئلة المحرجة لاسيما عن أحكام الحيض والنفاس والجنابة فكانت تجيب عنها زوجاته الطاهرات في أكثر الأحيان في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم والسنة المطهرة بعد القرآن الكريم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام وتشتمل على أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله وتقريره ولا يمكن لأحد أن يعرف ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير إلا أن يكون معه في جميع الأوقات حتى خلال أوقات فراغه متابعا لكافة حالات فرحه وغضبه ويسره وعسره ويصاحبه في كل أمور حياته مهما كانت هامة أو بسيطة، عامة أو شخصية.
وهذا الشرف لم يقدره الله سبحانه وتعالى إلا لزوجاته صلى الله عليه وسلم اللاتي ظللن يصحبنه طوال حياته إلى لحظة انتقاله إلى الرفيق الأعلى. فلهذا نرى أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يستفتون أمهات المؤمنين -رضوان الله تعالى عليهن أجمعين- فيما يعن من أمور هامة في حياة المسلمين العامة والخاصة.

(29/270)


ويقول الإمام الزهري التابعي: "كانت عائشة أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". (طبقات ابن سعد: ج 2: قسم 2: ص 26).
ب- المصالح التشريعية: كما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحقيق بعض الغايات التشريعية ومنها إبطال بعض العادات التي سادت زمن الجاهلية مثل التبني والتآخي.
كان بعض الناس من العرب يقول للآخر: "أنت ابني" فكان يتخذه ابنا حقيقيا فكان له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال، في الزواج والطلاق ومحرمات النكاح ومحرمات المصاهرة والميراث.
وكذلك كان بعض الناس يقول للآخر: "أنت أخي"فكان يتخذه أخا حقيقيا بنفس الطريقة وكان يحل له كل ما يحل للأخ الحقيقي ويحرم عليه كل ما يحرم على الأخ الحقيقي أيضا.
فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم عادة التبني بزواجه بمطلقة متبناه زيد وهي أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش. الحق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أيضا من ألسنة الناس ويتردد في هذا الزواج فنزلت الآية: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} . فالنقطة الهامة أنه ما كان لأي إنسان غير النبي يستطيع أن يبطل عادة التبني إذا لم يبطلها النبي صلى الله عليه وسلم لخشيته من الناس. ففرض الله على النبي صلى الله عليه وسلم هذا الزواج ليبطل نظام التبني.
وبالمثل فقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم عادة التآخي بزواجه بأم المؤمنين السيدة عائشة لأنها ابنة أخيه في الإسلام سيدنا أبي بكر الصديق. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرنا "أنت أخي في الإسلام" ولا يعني هذا أنك أخي من ناحية النسب. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين التآخي في الإسلام والأخوة على أساس النسب.

(29/271)


ج- المصالح الاجتماعية: حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يربط أهم وأبرز أعضاء الأمة الإسلامية بعضهم ببعض عن طريق المصاهرة فمثلا زواجه بالسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب جاء تتويجا للوشائج الوثيقة التي ربطت بينه وبين أهم وأعظم أصحابه وهما سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بن الخطاب اللذان أسديا خدمات جليلة للإسلام والمسلمين وقد تقلد كل منهما أمور المسلمين بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن ناحية أخرى فقد زوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعض بناته بسيدنا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وقربهما إليه وقد كان هذا حافزا لهما بالتضحية في سبيل الله بكل شيء. وهكذا صار سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي من أعاظم الرجال وأتقاهم وأقربهم إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
د- المصالح السياسية: ونرى الكثير من المصالح السياسية التي تحققت من وراء زيجات النبي صلى الله عليه وسلم فمثلا زواجه بالسيدة جويرية بنت سيد بني المصطلق، وعتق أسرى بني المصطلق فأسلموا وتخلوا عن أعمال قطع الطريق وغاراتهم التي كانوا يشنونها ضد المسلمين ولا نرى أية مؤامرة يحيكها بنو المصطلق ضد المسلمين بعد هذا الزواج.
وهكذا زواجه بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني قريظة قد خفف بل قضى على موقف العداء الذي وقفه اليهود ضد الإسلام ووضع حدا لمؤامرتهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الزواج. وهكذا زواجه بالسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد قريش، فنرى أبا سفيان الذي كان ألد أعداء الإسلام قبل إسلامه، خفيفا غير ممعن في عداوته ضد الإسلام حتى جاء إلى المدينة المنورة يلتمس تجديد عقد صلح الحديبية ولا نراه يأتي غازيا إلى المدينة المنورة بأحزابه بعد هذا الزواج.

(29/272)


وزواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة ميمونة أخت زوج سيد بعض قبائل سعت فسادا في الأرض واغتالت سبعين من كبار الصحابة بالمكر والخديعة، كان له أثر بالغ في تلطيف مخاصمة هذه القبائل للمسلمين.
ر- المصالح الإنسانية: وهناك المصالح الإنسانية أيضا وراء بعض زيجاته صلى الله عليه وسلم، فقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعض النساء رأفة بهن بسبب ظروفهن الخاصة، وكانت هناك بعض النساء العجائز اللاتي مات عنهن أزواجهن فلم يبق لهن سند أو معين في الحياة أو هناك الأمهات اللاتي افتقدن الكفيل لهن ولأطفالهن، وكانت هناك بعض الأرامل اللاتي لو رجعن إلى أهلهن لعذبن عذابا شديدا ولفتن فتونا كبيرا، فتزوجهن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيانة لهن ورعاية لإنسانيتهن فمنهن السيدة
سودة -رضي الله عنها- (عمرها 55 سنة وقت الزواج). والسيدة زينب بنت خزيمة (كان عمرها 65 سنة حينئذ). والسيدة أم سلمة - رضي الله عنها - (كان عمرها حوالي 60 سنة حينئذ).
فما رأي الأفاكين والمغرضين من المستشرقين في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النسوة؟، هل تمت هذه الزيجات بدافع الأنانية كما يزعمون أو هو منتهى الإيثار
والتضحية وتكريم الإنسانية؟.
الخاتمة
إذا كان ذهن ومستوى فكر بعض الناس أضيق من أن يتصور حقيقة الكرامة والشرف للإنسان فما هو ذنب أهل الكرامة والشرف؟. وما على هؤلاء الناس إلا أن يعالجوا أذهانهم ومستوى فكرهم ويوسعوا أفق تصورهم. إنما الحق أن زيجات الرسول صلى الله عليه وسلم كلها تدل على نبوته ورسالته وهي دلائل قاطعة وبراهين ساطعة على أنه لم يأت ولن يأتي رجل مثل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكل ما يملك مرضاة لله سبحانه ثم حبا للإنسانية.
إن الرجل هو في الحقيقة أنقى وأطهر الناس في العالم بدليل أنه لا يختار لنفسه إلا الأرامل والعجائز والوحيدات اللاتي فقدن كل سند ومعين في الحياة.

(29/273)


والسيدة عائشة هي الوحيدة بين كل أمهات المؤمنين التي كانت بكرا، وأما الأخريات فهن كلهن أرامل ومسنات - هل هذه شهوانية وأنانية أم هذه قمة الإنسانية؟. والأمر الهام جدا أن نرى هذه الزيجات في إطار الظروف والملابسات التي أحاطت الرسول الداعي إلى الإسلام وإمام الإنسانية، ما الذي كان يناسبه لنشر دعوته إلى الناس جميعا، فمنهم الرجال والنساء، ومنهم أصحابه وأعداؤه ومنهم قبائل العرب ودول العجم وقد أرسله الله رسولا إلى الناس كافة فكان عليه أن يؤم الحركة الإسلامية ويبلغ الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، ويعطيها نفوذا وقوة في كل مجال وفي كل ناحية. فإذا نظرنا إلى زيجات الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الناحية نرى أنها أمر لابد منه وهكذا سنة النبيين جميعا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين....

(29/274)


العدد 61
فهرس المحتويات
1- الدعوة إلى الله والواقع المعاصر : الدكتور عبد الله الصالح العبيد
2- آية العدد : للشيخ أبي بكر الجزائري
3- الجماعة في ضوء الكتاب والسنة : للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي
4- فقه السنة - صلاة الجماعة : للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
5- من مزايا التشريع الإسلامي : محمد بن ناصر السحيباني
6- منهج السلف في العقيدة وأثره في: وحدة المسلمين : الدكتور صالح سعد السحيمي
7- أثر العقيدة الإسلامية في تضامن ووحدة الأمة الإسلامية : الدكتور أحمد سعد الغامدي
8- العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن المسلمين : للدكتور علي عبد اللطيف منصور
9- التضامن الإسلامي : لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
10- الإسلام يسد منافذ الفرقة والاختلاف ويصون عوامل الوحدة والائتلاف : للدكتور جمعة علي الخولي
11- مرتكزات التضامن والوحدة : للشيخ عطية محمد سالم
12- كيف أقام النبي صلى الله عليه وسلم أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة ؟ : الدكتور محمد السيد طنطاوي
13- الفتح العمري للقدس نموذج للدعوة بالعمل والقدوة : د. شفيق جاسر أحمد محمود
14- الإسلام والمسلمون في إنجلترا ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم (2) : للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي
15- المشارق في المغارب : الدكتور عبد الله بن أحمد قادري
16- رسائل لم يحملها البريد : الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
17- حديث مع البلبل : محمد بن عبد الله زربان الغامدي
18- من تراثنا الشعري المعاصر المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار : للشاعر أحمد محرم
19- الرأي العام في المجتمع الإسلامي : للدكتور إبراهيم زيد الكيلاني
20- دور الإعلام في التضامن الإسلامي : الدكتور إبراهيم إمام

21- من الفتاوى الشرعية: حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والإشارة إليها بالحروف : لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
22- مختارات من الصحف: آراء ومواقف جلالة الملك لخدمة الإسلام بمناسبة اختياره لجائزة الملك فيصل
23- أحداث العالم الإسلامي : إعداد الشيخ محمد محمود سالم
24- أخبار الجامعة
25- القسم الإنجليزي (English Section)

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

(29/275)


الدعوة إلى الله والواقع المعاصر
الدكتور عبد الله الصالح العبيد
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الحمد لله العزيز القائل: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد النبي الأمين خير من دعا إلى الله وآمن به وعمل لشرعه فكان القدوة المثلى والأسوة الحسنة ورضي الله عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. وبعد:
فإنه لشرف للجامعة الإسلامية أن تحتضن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي ينعقد تحت موضوع ( سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين) وفي نطاق الاستعداد لهذا المؤتمر يشرفها كذلك أن تصدر هذا العدد الخاص من
( مجلة الجامعة الإسلامية ) الذي يضم بعض المقالات والبحوث والدراسات عن الدعوة من خلال اهتمامات المؤتمر.
وبين يدي هذه المناسبة أطرح هذه الأسطر التي تتعلق بمنهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومتطلباتها إذ لعل في مناقشتها ما يلقي بعض الضوء في طريق الوصول إلى الحكمة المنشودة في هذا السبيل.
أهمية الدعوة:

(29/276)


تكتسب الدعوة إلى الله أهميتها من أنها رسالة الله إلى الخلق وأمر الله الذي أراد من عباده أن ينهجوه، ومن هذه الأهمية يتسابق محبوا الخير، وفي السباق يكون التنافس ومعروف أنه إذا لم يحكم التنافس منهج وضوابط فإنه يورث الحقد والكراهية والحسد. والضوابط التي يضعها الله سبحانه هي القول الحسن في الدعوة، والعمل الصالح في سبيلها، والانتماء الصادق لجماعة المسلمين، حيث يقول سبحانه {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} وهي مع هذه الالتزامات لا تقف على وسيلة معينة ولا على جماعة مخصصة أو بلاد محددة، إنها رسالة المسلم حيث وجد على ظهر الأرض أيا كان عمله وأينما كان مركزه وكيفما كان موقعه {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ، وللحكمة أبعادها وآفاقها وللموعظة حكمها وأساليبها وللمجادلة أسبابها وآدابها والأمر مع كل ذلك لا يعني أن العمل في مجال الدعوة مطلق للفرد على عواهنه فالفرد يخسر بمفرده لكن للنجاة من الخسار عليه أن يعمل مع الآخرين لهدايتهم ومع الآخرين للاستعانة بهم يقول عز وجل {والعصر إن الأنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} .

(29/277)


ومع هذه المسئولية الكبيرة والرسالة العظيمة يصبح من نافلة القول الإطالة في الحديث عن أهمية العلم والمعرفة للإنسان ولجماعة المسلمين قبل الدخول في مجالات العمل، ذلك أن المعرفة في دين الله وفي أصول الدعوة إذا لم تقم وتبنى على العلم الشرعي فسوف تقام وتبنى على غيره وأمر الله لا يقوم إلا على شرعه {ألا له الخلق والأمر} ومن المسلم به عقلا وشرعا ألا يعبد الله إلا بما شرع. فالعلم بشرع الله أولا ثم الالتزام بالدعوة إليه ثانيا. من خلال المسئولية الفردية والتعاون الجماعي وعلى الأصل المشار إليه يتشكل منهج الدعوة إلى الله سبحانه ثم إن الدعوة بهذا تعتبر حركة مستمرة لا تنتظر مؤتمرات تعقد ولا اجتماعات ترتب إلا أن الاجتماع على الخير أمر مطلوب وتدارس أحوال الدعوة والدعاة إلى الله أمر مرغوب "ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ".
واقع الدعوة:

(29/278)


ويعيش المسلمون هذه الفترة من حياتهم على الكثير من الخلافات والصراعات القائمة بينهم وبين أعدائهم من جهة وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى. ويصعب في الوقت الحاضر التفريق بين الواجهتين الداخلية والخارجية ذلك أن الأعداء نقلوا المعركة من المواجهة العسكرية المكشوفة بعد فشلهم فيها وتحرر بعض البلدان الإسلامية من ربقة الاستعمار، نقلوها في كثير من المواقع إلى مواجهات بين المسلمين أنفسهم من خلال زرع بذور الفتنة والخلافات العنصرية والعصبية والقبلية وأن يتسمى بالمسلمين من ليس منهم فيؤسسون الجمعيات ويقيمون الجماعات كيما يضرب المسلمون رقاب بعض ويستعين بعضهم بأعداء الله لقتال البعض بل لقتال المستقيمين منهم على أمر الله. لقد كان من المقبول في السابق أن تعيش القبيلة على تعدد فصائلها والدولة على شتات أقاليمها واختلاف تضاريسها وخلفياتها أيام الاستعمار. أما الآن فأصبح ذلك من سمات التخلف وصفات الماضي التي يجب أن لا تعود وأضحى من اللازم أن تتفرع القبيلة وتتشتت الأسرة الكبيرة وتتوزع الدولة إلى دويلات كيما تكون دواعي الافتراق أقوى من دواعي الالتقاء وعوامل الاختلاف أكبر من عوامل الائتلاف وليس بخاف على كل مسلم مدرك ما يعايشه المسلمون اليوم من جراء ذلك ولكن بفضل الله ومنته- تولدت بين المسلمين عودة إلى دين الله واستعادة لمنهج الله فبقدر ما لقوا من العناء وما كابدوا من الشقاء عملوا بقوة واندفاع لاستعادة المكانة وإعادة البناء، وفي ظل هذه الظروف وملابساتها كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة التي بدأت بيئية وإقليمية بحكم المعايشة للظروف المحلية ثم انتقلت إلى صيغة الشمول والعالمية بحكم ما جد في العلاقات والاتصالات والمصالح والروابط الدولية، لقد حققت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث جانبا هاما في سبيل التضامن الإسلامي وتحقيق وحدة المسلمين، ولكن ما يخشى هو ألا تستمر الجماعات والجمعيات الإسلامية في أداء هذا الدور

(29/279)


بل إن ما يخشى منه أكثر أن تكون بعض تلك الجماعات والجمعيات نقطة ضعف في تضامن المسلمين وتحقيق وحدتهم ولذا فلابد من مواجهة الواقع من قبل العاملين في مجال الدعوة الإسلامية ومن قبل القادة والمسئولين في مجال تلك الجماعات والجمعيات بدراسة الوضع ومعالجته. وليست هذه العجالة مكانا لتشخيص الداء ولا لوصف الدواء، ولكن بقدر ما تقدم من لمحة عن أهداف الدعوة إلى الله وما يستعرض من أسباب أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة بما فيها من سلبيات وإيجابيات ما يمكن أن ينظر على ضوئه - وما يمكن أن يضاف عليه- في منهج للتفكير في مواجهة التحديات الجديدة والصراعات القائمة.
من أسباب وظواهر الصحوة الإسلامية:
إن من أهم الأسباب التي أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة وما اكتنف تلك الأسباب من سلبيات ما يلي:
أولا: إن المسلمين قد تجاوزوا مرحلة من مراحل الجهل التي ضربت أطنابها على بقاعهم فانتشر التعليم وتوسعت دوائر المعرفة وتعددت وسائل الإعلام والنشر وأصبحت وسائل التعريف بالدعوة بين المسلمين في وضع أفضل مما كانت عليه في الفترة الممثلة لعصر التخلف والانحطاط. ومع أن المناهج والبرامج التعليمية والإعلامية لم توجه التوجيه الديني الكافي إلا أن التوجيه الديني كان قويا حتى بين صفوف المشتغلين بالعلوم التطبيقية والذين حصيلتهم الدينية من خلال المناهج التربوية بسيطة وعامة. إلا أن الوسائل والمؤسسات العاملة في مجالي التعليم والإعلام لم تسلم من التأثيرات الخارجية وضعف التجربة الذاتية. كما أن الكتاب الإسلامي لم يسلم من سبل الارتزاق والمتاجرة.

(29/280)


ثانيا: قيام بعض الحركات الإصلاحية في الجزيرة العربية والهند ومصر والسودان وتونس وغيرها من بلاد المسلمين مثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمهدية والسنوسية وأهل الحديث وأنصار السنة والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون وما تولد عن تلك الحركات من نشاطات وما صاحب ذلك من تضحيات بالأموال والأنفس والثمرات وما نتج عن ذلك كله من تمدد وانكماش وما رافق العنف الذي حوربت به تلك الحركات والنشاطات من تعاطف مع التوجيه الديني فالملاحظ أن الضربات التي واجهت تلك الحركات قد أضعفت الحركة نفسها لكنها ضاعفت من النشاط الإسلامي من المتعاطفين مع العمل الإسلامي حتى أصبحنا نرى ما بين فينة وأخرى ميلاد جماعات جديدة وأصبحت العواطف وردود الفعل هي الموجه حتى كان حرب القلم واللسان التي مر بها العالم الإسلامي في مرحلة ما تعود اليوم وقد حملت مع القلم واللسان السيف والسنان.

(29/281)


ثالثا: الاتجاه الرسمي الجديد من قبل بعض القيادات السياسية في العالم الإسلامي إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مثل ما حصل في الباكستان والسودان مما يدل على فشل النظم والمبادىء المستوردة، وإن الممارسات المبنية على تلك النظم والمبادىء لم تحقق آمال وتطلعات المسلمين في تحكيم شريعة الله في الأرض. لقد أعطى هذا الاتجاه التوجه لمراجعة حصيلة المسلمين من العلوم والمعارف الشرعية وإجراء المزيد من الدراسة والبحث في تلك العلوم والمعارف من أجل التطبيق على أرض الواقع كما بعث روح التفكير في طبيعة الحياة الإسلامية المتكاملة لدى المسلمين وغيرهم وما يمكن أن تقدمه التجربة الإسلامية في مثل تلك البلدان بعد أن مرت بالعديد من التجارب ذلك أن النظام العام لا يمس كل فرد في الدولة فقط بل يتعداه إلى من هم خارج الدولة بحكم العلاقات المتبادلة ووسائل الاتصال المترابطة وعلى كل فليس ما تم أو أعلن عن التوجه إليه في تطبيق أحكام الشريعة هو نهاية المطاف إذ أن ذلك إنما يمثل جانبا من جوانب تحقيق حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض. ذلك أن الأمر يتطلب إعادة النظر في البناء الاقتصادي والسياسي والتربوي في تلك البلدان.
رابعا: اهتمام الطبقة المثقفة والمتعلمة من غير المسلمين بدراسة الإسلام والتعرف عليه وإعلان العديد منهم اعتناق الإسلام وكان من أشهر من أسلم منهم من رجال الدين خليل إبراهيم ومن الأدباء ميشيل سركيوسكي ومن الباحثين فنسان منتيل ومن المؤرخين بنواميشان ومن الفلاسفة روجي جارودي.
قد دفع إسلام هؤلاء وما يقومون به من أبحاث ودراسات، دفع من يختلط بهم من المسلمين بحكم التعامل إلى العودة لتاريخهم وتراثهم كما وفر الكثير من القناعة لدى الشباب المسلم الذي انبهر بحضارة الغرب بضرورة العودة إلى دينه الأصيل والنهل من منابعه الصافية التي لم تكدرها التحزبات والطوائف والتجمعات المنحرفة.

(29/282)


خامسا : دعم بعض الدول الإسلامية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- التي قامت على أساس تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية- والمؤسسات والهيئات والأفراد في تلك الدول للنشاط الإسلامي ماديا ومعنويا مما ساعد الهيئات والمنظمات والجماعات الإسلامية على تخطي بعض الصعاب وتجاوز بعض العقبات. إلا أن تلك المساعدات قد لا تنفق في وجهها المشروع مما جعل الثقة في بعض المشاريع الإسلامية تضعف وتهتز.
سادسا: قيام بعض التنظيمات والروابط الدولية وشبه الدولية بين بلدان العالم الإسلامي مثل رابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية والدعاة للتضامن الإسلامي التي تولاها جلالة الملك فيصل رحمه الله وما أسفرت عنه من عقد مؤتمر القمة الإسلامي وما انبثق عنه من منظمات ومقررات ومواقف. وقد كان لهذه الجوانب تأثيرا إيجابيا في سبيل تحقيق الشعور بالذات بين المسلمين وتقوية وتنمية الروابط فيما بينهم كأمة واحدة دولا وأقليات ولاجئين إلا أن هذه التنظيمات والروابط تحتاج إلى المزيد من الشعور بالأهمية والالتزام بالمسئولية من جانب جميع الدول الإسلامية من أجل تنفيذ القرارات وتحقيق الأهداف الإسلامية في كافة المجالات.
الحاجة لمراجعة واقع الصحوة:
وعند الرغبة في التفصيل فإن هذه العناصر تحتاج إلى المزيد من التسبير والتفريع، إلا أن الحاجة القائمة تدعو إلى تجاوز ذلك إلى النظر في توجيه هذه الصحوة من حيث الدوافع والمقاصد والنتائج.

(29/283)


إن هذه الصحوة في معظم دوافعها ومقاصدها قد ارتبطت بمواجهة التخلف من جهة ومقاومة الاستعمار من جهة أخرى ولذا فقد اتسمت بالاندفاع الشديد المرتبط بالقوة العسكرية من جانب والاندفاع الفكري والجدلي من جانب آخر وهي أمور فرضتها الظروف وقد حققت تلك الأمور الكثير مما نتج عنه هذه الصحوة الإسلامية التي تعم ليس فقط أرجاء العالم الإسلامي بل العالم أجمع. وإذا كان ذلك أمر تطلبه وضع الدفاع فإن الأمر يحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الأمور من أجل ترميم المواقع وترتيب الصفوف والاستعداد للمرحلة ا لقادمة.
لقد كان من نتائج هذه الصحوة عودة الأذان إلى منابر الأندلس في الغرب وإلى منائر الصين في الشرق وإلى مواقعه القديمة في عمق العالم الإسلامي التي اسكت فيها فترة من الزمن كما امتد الأذان إلى مآذن جديدة في مواقع جديدة في أوربا وأمريكا واستراليا وأفريقيا وآسيا ولكن السؤال المطروح هو هل متطلبات ودوافع العمل الإسلامي في المستقبل هي نفس متطلبات ودوافع ذلك العمل في الماضي؟
ولن تكون الإجابة على هذا السؤال متطابقة نتيجة للظروف التي يعايشها المسلمون وهي ظروف متعددة ومتغايرة، ومع أن هذا التعدد والتغاير يكون في كثير من الأحيان مجالا للخلاف في الرأي والتباين في وجهات النظر إلا أنه ينبغي ألا يخرج إلى حد نقل المعركة من المسلمين وأعدائهم إلى ما بين المسلمين أنفسهم.

(29/284)


لقد بات من الملاحظ وجود فراغات في بنية العمل الإسلامي وأخطاء في الممارسات القائمة في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فالدعوة تعاني من تشتيت الجهود بل تعارضها وتصادمها في كثير من الأحيان حتى انشغلت بعض الجماعات الإسلامية في محاربة بعضها بدلا من توجيه السهام إلى العدو المشترك، كما تعاني من الشقاق داخل الجماعة الواحدة حتى أصبح منها اليمين واليسار والحمائم والصقور واندست في صفوف الدعوة جيوش النفاق التي كانت عاملا من عوامل ذلك الشقاق وتشتيت الجهود. كما كان من اهتمام بعض الجماعات الإسلامية بتكثير السواد وتجميع الأتباع أن يتحدث عن الإسلام من لا يعرفه ويدعو إليه من لا يلتزم به.
متطلبات الدعوة:
وأمام هذا الجانب من الصورة وهو الجانب السلبي نحتاج إلى وقفة وفي هذه الوقفة نستعرض شيئا مما يدعو إليه ديننا الحنيف وما يأمر به من توجيه في مجال أدب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

(29/285)


يقول سبحانه وتعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ويقول سبحانه {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ويقول سبحانه {والعصر إن الأنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ويقول سبحانه {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم} ويقول سبحانه {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} ذلكم هو منهج كتاب الله ووصف الله للمؤمنين العاملين والدعاة الصادقين. أما رسول الهدى ونبي التقى فيقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ويقول "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ويقول عليه الصلاة والسلام " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" وذلكم هو منهج رسول الله وخلق رسول الله {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} .
وعلى ضوء هذه الأوامر والتوجيهات يمكن التركيز على أن المتطلبات والمقاييس الثابتة للدعوة هي:
أولا: الانطلاق من وحدة الفكر والهدف من خلال التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى مهما كانت الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية.
ثانيا : العلم بشرع الله والفهم الصحيح له على هدى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: العمل على أساس الصدق والإخلاص والتضحية والتجرد والتحلي بالحكمة والبصيرة في التلقي والتلقين لدعوة الله.
بين الواقع والمستقبل:

(29/286)


وعلى ضوء هذه المتطلبات والمقاييس يجب وضع الضوابط الخاصة بطبيعة العمل وطريقة التحرك لمواجهة الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية المعاصرة وهي أمور بلا شك تختلف في عدة جوانب عن الظروف والمصالح والتحديات التي دعت إلى نشأة بعض الحركات الإسلامية وحددت منهج العمل فيها. لقد انتقل التحدي الاستعماري من العمل العسكري إلى العمل الفكري، كما انتقلت المواجهة من الشخصية الأجنبية إلى الشخصية الوطنية وذلك في معظم المواقع. لقد ارتحل الاستعمار بعساكره من بعض البلدان لكن قوافل الصليب ومناجل الإلحاد قد تكالبت على نشر الفساد في البلاد والكفر بين العباد، ومن جهة أخرى فإن الاستقرار الذي تم في بعض البلاد الإسلامية وتطلعها إلى تحكيم شرع الله يتطلب توفير الأسس والتطورات والأساليب والإجراءات الخاصة بتطبيق تحكيم الشريعة في تلك البلدان في كافة الشؤون الاقتصادية والسياسية والتربوية والفكرية ويجب ألا يكون العاملون في مجال الدعوة إلى الله في غيبة عن هذه المواقع لأنها المحك العملي والممارسة الفعلية لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين.
أمل ورجاء:
ومن هذا التصور أتطلع إلى أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة إلى الله وأن تكون هذه المقاييس والمتطلبات ضابطا للجميع فيما يقولون ويعملون وأن تكون عونهم فيما يواجهون.
وما مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة في رحاب الجامعة الإسلامية إلا إحدى الظروف المناسبة لمناقشة مثل هذه الأمور ودراستها والتفكير فيما يمكن أن يعمل من أجلها وأسأل الله سبحانه على ألا يقتصر هذا الاجتماع على إضافة اضبارة إلى خزانة الأوراق أو كسب ورقة في مجال الدعاية والاستهلاك والله سبحانه وتعالى هو المسئول أن ينشر دينه وأن يعلي كلمته وأن يوفق عباده إلى الخير والسداد والهدى والرشاد إنه ولي ذلك والقادر عليه.

(29/287)


الإسلام يسد منافذ الفرقة والاختلاف
ويصون عوامل الوحدة والائتلاف
للدكتور جمعة علي الخولي
رئيس قسم الدعوة بالجامعة
يحرص الإسلام حرصا بالغا على أن تبقى أواصر الود والائتلاف بين المسلمين متينة العود، صلبة القوام، لا يكدرها غيم، ولا يوهنها كيد.. ولذلك نفر من كل ما من شأنه أن يوغر الصدور أو يوهي رباط الاخوة.
فحرم الغيبة والنميمة:
لما لهما من أثر سيء على علاقات الناس، قال عليه الصلاة والسلام "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله " [1] وجاء في خطبة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" [2] .
والغيبة كما قال عليه الصلاة والسلام هي "ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد أغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" [3] ومعنى بهته افتريت عليه الكذب.
والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، قال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة نمام " [4] وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" [5] .
ونفر من المراء والجدال:
لما يولده ذلك من الخصومة والاختلاف، ويورثه من الفرقة والتعدد، روى ابن ماجة عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " [6] تم تلا هذه الآية {بل هم قوم خصمون }وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وكذا روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى أجنة" [7] وقال أبو الدرداء "كفى بك إثما ألا تزال مماريا".
ونهى عن التباغض والتقاطع والتدابر:

(29/288)


وفي الحديث "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " [8] .
وفيه أيضا "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال "أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا" [9] .
كما نهى عن احتقار المسلم ولمزه والسخرية به والتجسس عليه وسوء الظن به من غير ضرورة:
قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الأيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}
وقال عليه الصلاة والسلام "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" [10] ، وقال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " [11] .
وأتى برجل إلى ابن مسعود فقيل له "فلان هذا تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" [12] .
ونهى عن إظهار الشماتة بالمسلم:
عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك" [13] والشماتة هي الفرح ببلية الغير.
****
وهكذا حاول الإسلام أن يبعد أتباعه عن كل ما من شأنه أن ينفر بعضهم من بعض، أو يقطع صلات بعضهم ببعض، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الكره للفرقة والاختلاف، كثير التحذير من عواقبهما السيئة، ولذلك كان يحارب كل مظهر يشى بالفرقة والشذوذ، أو يدل على التشتت والانقسام.

(29/289)


عن أبي ثعلبة.. كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية - ولعل ذلك كان لتفيهؤهم الظل وأماكن الشجر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن تفرقكم هذا من الشيطان.. فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال "لو بسط ثوب عليهم لعمهم" [14] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار" [15] .
وهكذا ترهب السنة من الخروج على صورة في التجمع الإسلامي وتهدد من يشد عن الجماعة ولو كان يؤدي عبادة. روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
إن الحفاظ على وحدة الصف الإسلامي والإبقاء على جماعته وأمته قربة عظيمة يجب أن تمحى من أجلها كل ما يشينها أو يخلخلها، ولذلك فإن الإسلام في الوقت الذي نفر فيه من عوامل الفرقة والاختلاف، بارك كل ما من شأنه أن يقوي الروابط، ويشيع الألفة، وكافأ على ذلك الأجر الجزيل.
فدعا إلى التآخي والتواد والتحابب في الله:
قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وجاء في الحديث القدسي "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون و الشهداء" [16] وفي رواية للإمام مالك "وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في".

(29/290)


وروى أبو داود بسنده عن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم، قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية من سورة يونس {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [17] .
ودعا إلى المصافحة والبشر عند اللقاء:
قال عليه الصلاة والسلام "إذا التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا بصاحبه، فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة للبادي تسعون وللمصافح عشرة" [18] وذلك لأن المصافحة كالبيعة، ومن شرط الإيمان الأخوة والولاية، فإذا لقي المسلم أخاه فصافحه فكأنه بايعه على هاتين الخصلتين- الأخوة والولاية- ففي كل مرة يلقاه يجدد بيعته، فيجدد الله ثوابها كما يجدد للحامد على النعمة ثوابا على شكرها، فإذا فارقه بعد مصافحته لم يخل في أثناء ذلك من خلل فيجدد عند لقائه، فالسابق إلى التجديد له من المائة تسعون لاهتمامه بشأن التمسك بالأخوة والولاية، ومسارعته إلى تجديد ما وهى منهما، وحثه على ذلك وحرصه عليه " [19] .
كما دعا إلى التعاون والتناصر ودعم أواصر الجماعة :
قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
ومن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ما يلي.
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"وشبك عليه الصلاة والسلام بين أصابعه" [20] .
"المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله" [21] .

(29/291)


"المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه " [22] .
"من دل على خير فله مثل أجر فاعله" [23] .
"من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [24] .
"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا. ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا" [25] .
"انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، فكيف أنصره إن كان ظالما،؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره " [26] .
كما دعا الإسلام إلى التزاور بين الإخوان في الله:
روى مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ أي تحفظها وتربيها وتسعى في إصلاحها، قال: لا. غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه " [27] .
وروى الترمذي عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من عاد مريضا أو زار أخا في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا".
النزاع والشقاق مدمر للأمة مذهب لريحها:

(29/292)


من قوانين المجتمعات الإنسانية التي لا تتخلف أن "الاتحاد قوة والتفرق ضعف "فإذا اتحدت الأمة عز جانبها، وقوي سلطانها، واحترمها العدو والصديق، أما إذا تفرقت وتوزعت طمع فيها من لا يدفع عن نفسه.. ولذلك بين الله عز وجل للأمة الإسلامية أن عقبى الخلاف والنزاع قاتلة وذلك في قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} فالنزاع والخلاف واتباع الأهواء لن يورث إلا المذلة والفشل، وقد جنت الأمة من وراء ذلك المر والحنظل، كما ينبه الله في آية أخرى أن افتراق الأمة وتمزقها شيعا متناحرة إنما هو كارثة اجتماعية مدمرة لا تقل في خطورتها عن خطورة الكوارث الكونية الأخرى التي تبدل الأرض غير الأرض، وذلك في قوله تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} فالآية كما ترى تقرن الوعيد بافتراق الأمة شيعا وأحزابا بالكوارث الكونية المدمرة كالحرق والغرق.
وهذا يدل على أن تمزق الأمة من الداخل بلا ء خطير يقضي عليها ولا تجد من يرثى لها ولقد ساق المفسرون عند شرح هذه الأحاديث عدة أحاديث منها ما رواه الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيت لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها- أو قال من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" [28] .

(29/293)


وهذا الحديث يعطي- ضمن ما يعطى- أن الأمة الإسلامية لا تزال قوة غالبة ما دامت محتفظة بمقومات الغلبة والقوامة من الاجتماع على شريعة الله والاعتصام بحبله المتين، عندئذ لا تستطيع قوة في الأرض مهما بلغت من العتو والفجور أن تنال منها شيئا، ولو اجتمعت عليها من كل جانب.. ومن هذا نفهم أن أخطر بلاء يصيب الأمة هو تمزيق وحدتها من الداخل.. وأن الفرقة تصنع مالا يصنعه الأعداء.. ولاشك أن الفرقة والاختلاف نتيجة حتمية لبعد الناس عن التطبيق النظري والعملي لشرع الله، عندئذ تلعب بهم الأهواء وتظهر القوميات والعصبيات وكل ما يجر الشقاق والبلاء ، ولذلك وجهنا القرآن الكريم إلى العصمة من هذا كله فقال {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}

(29/294)


فالنجاة مما تعانيه الأمة من عواقب الفرقة والاختلافات تكمن في الاعتصام بحبل الله والتجمع حول عقيدته ونهجه ودينه، وليس على أي تصور آخر, أو تحت راية أخرى. ذكر ابن اسحق وغيره أن هذه الآية- والآيات قبلها- نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود يدعى شاس بن قيس مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه، وأمره أن يجلس بينهم وأن يذكر ما كان بينهم من حروب.. ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم.. وكذلك بين الله لهم فاهتدوا، وكذلك يبين الله لنا {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} .
مؤتمر على الطريق:
ولقد فطن المسئولون في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى الخطر الذي يتهدد المسلمين من جراء فرقتهم واختلافهم.. فدعوا إلى المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بناء على الموافقة السامية على انعقاده في شهر ربيع الأول من هذا العام سنة 1404 هـ، وإنها لبادرة طيبة ويقظة مباركة من الجامعة أن تجعل الموضوع الرئيسي للمؤتمر "سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين" وذلك بعد أن تردى بالمسلمين الحال إلى درجة طمع فيهم عدوهم وتجرأ عليهم أراذل خلق الله وأجبنهم من الصهاينة الذين وصفهم الله بقوله {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}

(29/295)


أجل "إنها ليقظة جليلة موفقة- نسأل الله أن يباركها ويكتب لها العون والنجاح- جاءت في وقت اشتدت فيه حاجة المسلمين إلى التضامن والوحدة، ونبذ الخلافات والأهواء، والالتقاء على كلمة سواء".
ومن يمن هذا المؤتمر أن ينعقد في طيبة الطيبة، مركز الهجرة، وعاصمة الدولة الإسلامية الأولى.. فمن هذا المكان الطاهر المقدس جمع النبي صلى الله عليه وسلم القبائل المتنافرة في حزمة متآلفة وقضى على الأطماع الشخصية والرايات العنصرية ووحد الجميع تحت راية التوحيد فأصبحوا بنعمة الله إخوانا متحابين.
واليوم يجيء علماء الأمة من كل أصقاع الأرض إلى دار التوحيد والوحدة يحدوهم الأمل في أن يرسموا للأمة طريق الخلاص من واقعها الأليم..
فاللهم إن هذه الجموع التي قطعت الفيافي والقفار التقت قلوبها على محبتك، ونصرة دينك وبإعلاء كلمتك، فأيد اللهم يا رب جهودها، وامنحها عونك ونورك، ورضاك وتوفيقك، وكلل عملها ومسعاها بالنجاح والفلاح , إنك يا مولانا نعم المولى ونعم النصير.
--------------------------------------------------------------------------------

[1] مسلم رقم 2564 ترتيب فؤاد عبد الباقي.
[2] البخاري ج1/145 ومسلم 1679.
[3] مسلم 2589.
[4] مسلم 105.
[5] أبو داود 4860 والترمذي 3893.
[6] ابن ماجة ج1/19.
[7] في لفظ لابن ماجة ج1/20 "من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها".
[8] البخاري ومسلم،( انظر فتح الباري ج10/401 ومسلم 2559).
[9] مسلم 2565.
[10] مسلم 2564.
[11] البخاري ج10/404 ومسلم 2563.
[12] أبو داود 4890.
[13] الترمذي 2508.
[14] أبو داود كتاب الجهاد ج3/95 وأحمد ج4/193.

(29/296)


[15] متفق عليه عن أبي هريرة، البخاري كتاب الأذان ومسلم كتاب الصلاة.
[16] الترمذي وابن ماجة كتاب الزهد.
[17] أبو داود ج3/799، كتاب البيوع.
[18] البزار والطبراني والحكيم في النوادر (انظر فيض القدير (ج1/301).
[19] انظر فيض القدير ج1/301.
[20] البخاري كتاب الصلاة ومسلم كتاب البر.
[21] مسلم عن النعمان بن بشير ـ كتاب البر.
[22] أبو داود والترمذي.
[23] أبو داود وكتاب الأدب.
[24] مسلم عن أبي هريرة كتاب الذكر.
[25] البخاري كتاب الجهاد ومسلم كتاب الإمارة.
[26] البخاري كتاب المظالم ومسلم كتاب البر.
[27] أحمد ج2 / 4292, 408 ، 462 .
[28] مسلم كتاب الفتن.

(29/297)


مرتكزات التضامن والوحدة
للشيخ عطية محمد سالم
المدرس بالمسجد النبوي والقاضي بمحكمة المدينة المنورة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم. وبعد:
إن الحديث عن التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية موفي حقيقته ومعناه حديث عن الإسلام، وعن الأمة الإسلامية.
إذ إن التضامن كما يقال على وزن تفاعل ولا يكون إلا بين أطراف متعددة تعمل متضامنة على تحصيل ما يضمن لها تحقيق سعادتها ويكفل لها متطلبات حياتها في عزة وكرامة. وحرية إرادة، وإقامة مجتمع فاضل تسوده العدالة وتظله الحرية ويعمره الأمن والرخاء.
وعليه فإن التضامن الإسلامي بهذا المعنى هو بعينه الدعوة إلى الإسلام بكل معانيه وتعاليمه ومناهجه.

(29/298)


بل إن مفهوم التضامن هو نتيجة حتمية لدعوة الرسل جميعا الذين دعوا أممهم لعبادة الله وحده والالتفاف حول ما دعوهم إليه، والالتزام بما جاءوهم به من عند الله كما قال صلى الله عليه وسلم "نحن معاشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد". وقوله سبحانه في دعوة إبراهيم- عليه السلام- وإسماعيل في رفع بناء البيت: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} .
وبعد محاجة اليهود والنصارى وابطالها أمر سبحانه المؤمنين أن يعلنوها صريحة: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} .

(29/299)


فالدعوة إلى التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية دعوة إلى الإسلام الذي دعت إليه جميع الرسل في جميع الأمم .
تعدد الدعوات المعاصرة:
والدعوة إلى التضامن الإسلامي ووحدة العالم الإسلامي قد جاءت في هذا العصر الذي كثرت فيه الدعوات وتميزت فيه التكتلات، واختلفت فيه مناهج الحياة وكل حزب بما لديهم فرحون. وقد غشيت العالم الإسلامي من هذا كله سحب معتمة حجبت عن الكثيرين أضواء الحقيقة. وغزت عقول المسلمين حملات فكرية مشككة أوقعت العوام في حيرة وتركتهم في متاهة. تشتت فيها الصفوف وتفرقت فيها الكلمة وضاعت فيها الشخصية الإسلامية السليمة فطمع فيهم العدو وعجز عن مساعدتهم الصديق.
فاغتصبت بلادهم، ونهبت ثرواتهم، ودنست مقدساتهم. وعجز العالم كله ماثلا في المنظمة العالمية (هيئة الأمم) أن يفعل لنا شيئا مهما كان الحق واضحا والظلم فادحا. وأصبحنا على كثرة عددنا نكاد لا يعبأ بنا فتخلفنا عن مكانتنا المرموقة وتخلينا عن مواقع قيادتنا الحكيمة.
بل أصبحنا تبعا لغيرنا وبدون اختيارنا. الأمر الذي جعل المخلصين من ولاة أمورنا يبحثون عن الشخصية الإسلامية الضائعة وعن المنهج العملي الصالح ويتطلبون أقوم السبل التي تعيدنا إلى ما كنا عليه وترد لنا حقوقنا وتخلصنا من تبعيتنا لغيرنا ونصبح حيث وصفنا الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} .
فأيقن أولئك المخلصون أن لن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي أصلح أولها ألا وهو العودة إلى الإسلام وليست تلك الدعوات الزائفة ولا المفلسفة فدعوا إلى التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية.
وكان من فضل الله وتوفيقه أن يكون انطلاقها من مهبط الوحي ومنطلق الرسالة يقودها خادم الحرمين الشريفين وتتبناها رابطة العالم الإسلامي برحاب بيت الله تعالى.

(29/300)


ثم يأتي هذا المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة فينعقد وللدورة الثانية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي انطلق منها الغزاة والدعاة على السواء.
وموضوعه الآن: سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين وقد حددت أهداف هذا المؤتمر في أهداف نبيلة بناءة واضحة وافية وهي كالآتي:
أهداف المؤتمر:
جاءت أهدافه محددة في خمس نقاط وهي:-
1- تبصير الأمة بالطريق الذي رسمته الدعوة لتحقيق التضامن والوحدة لتعود كما كانت وكما يريد لها دينها أن تكون {واعتصموا بحبل الله} . {إن هذه أمتكم أمة واحدة} .
2- تعميق الانتماء والولاء للأمة الواحدة عقيدة وسلوكا، والتجاوب مع مقوماتها من الأخوة والولاية، والتضامن، والاعتزاز بما اختصها الله به من الخيرية {كنتم خير أمة أخرجت للناس}. {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} .
3- إيجاد رأي عام إسلامي قوي يعي عن إيمان وبصيرة على هدى الكتاب والسنة حقيقة التضامن والوحدة، ويربط حركته بهما في كل جوانب الحياة واتجاهاتها.
4- تحكيم شريعة الإسلام بين جميع المسلمين والتسليم بما حكم به.
5- أن يتحقق للأمة الإسلامية ما تسعى إليه من التقدم والقوة، وأن يراها العالم في مكانتها التي يجب أن تكون فيها لكي تعطي ذلك المكان ما هو مفتقر إليه لتصحيح أوضاعه وإصلاح حيا ته.
وهذه الأهداف كلها تلتقي مع العمل الجاد الأكيد الشامل لكل الأفراد وعلى مختلف المستويات للانضواء تحت راية الدعوة إلى التضامن الإسلامي وتطبيقه عمليا على واقع حياتنا وفي منهج سلوكنا.
وقد وضعت عناوين لمواضيع مختلفة كفيلة بتحقيق هذه الأهداف بلغ عددها الثلاثين عنوانا...

(29/301)


ومنها ومن أهمها الموضوع الثاني بعنوان مرتكزات التضامن والوحدة وبما أن المرتكزات في كل شيء وهي جمع ركيزة ما تكون بمثابة القواعد والأسس التي يقوم عليها وظهرت لي أهمية العناية بهذا الموضوع أحببت الكتابة فيه آملا التوفيق والسداد ومن الله تعالى العون والتأييد...
تمهيد بين يدي الموضوع:
إن المتأمل لتاريخ الدعوات التي ظهرت في المجتمع الإنساني أيا كان شعارها وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص في دول المنطقة فإن لكل دعوة مرتكزات ترتكز عليها، ومنطلقات تنطلق منها. وقد تزيف أو تفلسف بما يوهم العامة ويغريهم بها.
من ذلك الدعوة إلى القومية فإنها ترتكز على الجنس والعنصر ولا تبالي بالمبادئ ولا بالعقائد، أشبه ما تكون بدعوى الجاهلية من التعصب للقبيلة ويكفي لفساد هذه الدعوة أنها كانت ولا تزال السبب في تمزيق الأمم التي تظهر فيها وأول خطر منها على العالم ضياع الدولة العثمانية إذ عمل اليهود على إثارة الأتراك ضد العرب وحرضوهم على اختصاص تركيا بالأتراك، فكانت ثورة (أتا ترك) وضياع الخلافة العثمانية وتمزيق العالم الإسلامي دويلات.
وفي أوروبا القومية الجرمانية وغير ذلك.
وآخر الويلات التي جاءت بها دعوة القومية تقسيم قبرص بين الجنسية التركية والجنسية اليونانية.
ومما يندى له الجبين ما سمعته في نجيريا في رحلة داخلية ضمن بعثة الجامعة الإسلامية مع الزعيم الراحل أحمد بلو أنه أثناء الحرب الفلسطينية جهزت سفينة حربية لتتجه إلى فلسطين لإنقاذ القدس فسمع المسؤولون التنادي بالقومية العربية وأن على العرب حماية القدس وعليهم مسؤوليتها، فقال المسؤولون هناك إذا كانت القضية الفلسطينية قضية عربية وليست إسلامية فلسنا بعرب وأمروا السفينة بالعودة.

(29/302)


ومن ذلك الدعوة إلى الوطنية. وكان من سوء نتائجها على الشعب البريطاني صاحب المدنية والحضارة حينما طرد عيدى أمين جميع الرعايا البريطانيين من بلده امتنع الشعب البريطاني في بريطانيا أن يقبلهم بدعوى أنهم استوطنوا غير وطنهم. إلى غير ذلك مما شهده العالم أخيرا.
وكل تلك الدعوات مع خطورتها فإنها محدودة الأفق محصورة الموطن مهزوزة المرتكزات لم تلبث أن تنهار فتنهدم بأصحابها.
وبعض تلك الدعوات قد تأباها فطر البشر فتفرض عليهم بقوة السلطة كالاشتراكية والتمييز العنصري، فتسلب الفرد أخص خصائص الإنسانية وهي حرية الاختيار، وتعطيل الإرادة وإهدار الكرامة.
أما دعوه التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية:
فهي دعوة تتفق تماما مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها وتساير طبيعته كل المسايرة وتتجاوب مع جبلته إلى أعماق نفسه.
ولهذا فلقد لمست شفاف القلوب واستجابت معها العواطف. فبرزت بين تلك الدعوات العديدة وكتب لها البقاء وقوبلت بقبول حسن لأنها ارتكزت على مرتكزات أصيلة وعميقة وعملية واقعية لم تخرج عن طبيعة الإنسان ولم تغاير عقيدته الإسلامية ولم تصطدم مع واقع حياته التي يحياها في هذا العالم. وهذا هو الإطار الكلي للفرد المسلم وللمجتمع الإسلامي.
وتتلخص تلك المرتكزات في نظري في ثلاثة أمور:-
(1) سنة الحياة وتكوين الإنسان.
(2) منهج التشريع الإسلامي جملة وتفصيلا.
(3) الواقع السياسي والوضع الاجتماعي الذي نعيشه مع العالم حولنا...
ولكل مرتكز من هذه المرتكزات معطياتها، وفعاليتها لو تأملها كل عاقل ومسلم لما حاد عنها ولبادر إلى الانتماء إليها ولعرف أنها هي السبيل الوحيد التي تحقق له كل ما يتطلع إليه من استرجاع حقوقه المسلوبة والحاقه بأمجاد أسلافه.
وسنحاول بعون الله تعالى وتوفيقه بيان كل مرتكز من هذه الثلاثة ومدى عطائه لدعوة التضامن والوحدة...

(29/303)


وإني لآمل أن أكون بهذا العمل المحدود وجهد الطاقة حسب ما أجتزؤه من الوقت وأزاحم به من الأعمال قد أسهمت ولو بأيسر اليسير بين الثلاثين موضوعا ومن بين العديدين من أفاضل الكتاب الذين تمكنهم ظروفهم من الاستيفاء والاستقصاء وبالله التوفيق...
المرتكز الأول: تكوين الإنسان وسنن الحياة:
قام تكوين الإنسان على أن يكون تعاونيا متضامنا مع غيره لا انعزاليا منفردا بنفسه. ولعل معنى إنسان من الإيناس.
ففي تاريخ هذا الإنسان لم يستطع الإنسان الأول وهو أبو البشر آدم عليه السلام أن يعيش وحده ولو كان في جنة الفردوس. فخلق الله له من نفسه زوجة يسكن إليها {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} . (الأعراف: 189).
قال ابن كثير في تفسيره (ج1 ص79) ويقال إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشا ليس له زوج يسكن إليه فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها من أنت؟.
قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟. قالت: لتسكن لي...
وذلك ما يشعر بأن تكوين الإنسان أساسا تكوينا جماعيا تعاونيا.
ثم بعد هبوطه إلى الأرض كانت حاجته أشد إلى من يعاونه فيها فبدأ بالإنجاب وتزاوج الأولاد وإيجاد الأجيال والحفاظ على بقاء النوع. ومن ثم تقاسم أعباء الحياة.
ثم كانت الجماعة البشرية أمام العوامل الكونية التي اضطرتها اضطرارا على التضامن والتعاون والاتحاد لتواجه مجتمعة تلك العوامل التي لا يستطيع الفرد أن يواجهها كحماية أنفسهم من المخلوقات المتوحشة وكتذليل الصعاب في الأرض لاستنبات نباتها، واستحصاد زرعها، واستخراج كنوزها، وتصنيع موادها مما يحتاجونه في حياتهم على هذه الأرض.

(29/304)


ثم بعد انتشار الجماعة وتكاثر الجماعات جاءت التنظيمات الجماعية التي تميزت فيها التخصصات الميدانية وتخصص لها بعض أفراد الجماعة.
1- فتميز مثلا مجال الاقتصاد من مآكل وملبس ومسكن وتخصص له رجال يعملون وينتجون ما يوفر للجماعة حاجتها الاقتصادية.
2- وتميز مجال الدفاع وحفظ الأمن، وتخصص له عسكريون ومدافعون.
3- وتميز مجال الطب والعلاج وتخصص له أطباء ومعالجون.
4- وتميز مجال التعليم وغير ذاك من المجالات بقدر ما تستجد حاجة الأمة.
5- ومن وراء ذلك كله السياسة والحكم والحكام والسياسيون مما هو في حكم الضرورة للجماعات البشرية ولا يمكن أن تقوم كلها ولا بعضها إلا بتعاون الأفراد بعضهم البعض بل إن كل تلك المجالات ذات الاختصاصات لا يمكن أن تقوم واحدة منها منفردة بدون معاونة مع الآخرين.
وإنا لنلمس ونشاهد ذلك في عالمنا المعاصر في جميع مؤسساته وفي مجموعها فيما بينها. ففي جميعها نجد أن كل مؤسسة تشتمل رئيسا ومرؤوسين وجميعهم من القاعدة إلى القمة كل في موقعه يؤدي واجبه. ولا غنى لرئيس عن مرؤوس.
وكذلك فيما بين تلك المؤسسات كل منها تؤدي دورها في خدمة المجتمع مما لا تؤديه غيرها. وكل منها خادم ومخدوم في دائرة التعاون والتضامن كما قيل:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
فسنة الحياة تلزم الأحياء أفرادا وجماعات بالتضامن معا، وقد امتد فشمل هذا المرتكز الطبيعي جميع دول العالم كله اليوم طوعا أو كرها سواء كان في السلم أوفي الحرب.
عن طريق تبادل منافعهم فيما بينهم فعند هذه سلع وإنتاج ولتلك حاجة ماسة إليها وقد قامت السوق الأوربية بين دول أوربا بتنظيم هذه العلاقة بسبب تفاوت الثروات الطبيعية والكفاءات البشرية. فالسلعة التي تفيض عند هذه تحتاجها تلك وكذلك العكس وهلم جرا.

(29/305)


ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش في معزل عن العالم حيث ارتبطت كلها بمصالح مشتركة فهي تسير في نظام تضامن إلزامي تمليه ظروف الحياة وتطورات العالم وعلى سبيل المثال ترابط العالم في تسيير الخطوط الجوية والخدمات البريدية، والأعمال المصرفية، والإصدارات المالية، والتمثيل الدبلوماسي وغير ذلك مما له الصبغة العالمية.
ولا يبعد من يقول إن هذه السنة الكونية التعاونية ليست قاصرة على الإنسان بل هي أيضا موجودة في عالم الحيوانات والحشرات ولا أدل على ذلك من عالم النحل والنمل.
وعلى هذا فإن هذا المرتكز التضامني فطري كوني وهو إلزامي جبري ليس للإنسان فيه اختيار ولا له عنه استغناء.
فإذا كان هذا المرتكز الفطري يقر في إطار إسلامي، وكانت دعوة التضامن من هذا المنطلق دعوة فطرية تساير الفطرة وتساندها طبيعة الحياة.
وإذا كان لابد للإنسان أن يتضامن مع غيره ولكل جماعة أن تتعاون مع غيرها على أي مبدأ كان سواء كان عنصريا بالجنس أو وطنيا بالموطن أو اقتصاديا بالإنتاج أو عسكريا بالأحلاف فلأن يكون باسم ومنهج الإسلام من باب أولى حيث أنه منهج التعاون على البر والتقوى. وأن الخلق كلهم عباد لله والأرض كلها له سبحانه...
المرتكز الثاني: منهج التشريع الإسلامي:
ولكي نحدد معالم هذا المنهج نعود إلى مدلول التضامن والغرض منه وهو أن يجد الإنسان فردا كان أو جماعة ما يضمن له حياة أفضل يتوفر له فيها ما ينقصه، ويسلم فيها مما يضره ومعلوم أن هذين المطلبين جلب النفع ودفع الضر هما مطلب كل عاقل كما قيل:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
يراد الفتى كيما يضر وينفع
أي يضر عدوه أو ينفع صديقه.

(29/306)


ومنهج الإسلام شامل لهذين المطلبين ومعهما الحث على مكارم الأخلاق وهو مطلب إنساني كما قال أكثم بن صيفي حين بلغه أمر ظهور دعوة الإسلام فأرسل ولده ليأتيه بخبر محمد صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه، فرجع إليه وقال له: إنه يأمر بصلة الرحم وصدق الكلم وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وينهى عن كذا وكذا...
فقال أكثم: إنه والله يا بني إن لم يكن دينا فهو من مكارم الأخلاق.
وقد شرع الإسلام عقود المعاملات لجلب النفع وتبادل المصالح لتوفير حاجيات الإنسان. من مطعم وملبس ومسكن في صناعة وزراعة وتجارة.
كما شرع لدفع الضر تحريم كل ضار بجواهر الحياة الخمسة- الدين- النفس- العقل- النسب والعرض. والمال. وجعل فيها حدودا رادعة وزاجرة.
كما أرشد ووجه لمكارم الأخلاق في الروابط الاجتماعية ابتداء من حقوق الزوجين وبر الوالدين. وحسن المعاشرة من العفو عن المسيء والإحسان والإيثار على النفس وغير ذلك، وكذلك روابط الجوار وصلة الأرحام وكفالة الأيتام ومساندة الضعفاء. وعموم التعاون على البر والتقوى.
وتظهر صور التضامن والوحدة في منهج الإسلام مفصلة ابتداء من العقيدة السليمة ثم العبادات التي هي الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . فجميع المسلمين يلتقون على عبادة الله تعالى وحده وبالوجه الذي يرضاه.
وهذا المنهج قد ربط بين جميع الأمم الإسلامية كما قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . فهي وحدة دينية تربط الحق بالخلق في إطار التشريع الإسلامي.

(29/307)


وكما تقدم قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .
وعقيدة التوحيد هي المرتكز والتي يجتمع عليها العرب والعجم ويستوي فيها الغني والفقير والكبير والصغير ويلتقي عليها من بالمشرق بمن بالمغرب. وهى العقيدة التي تحرر الإنسان من استعباد الإنسان ومن طغيان المادة وعوامل الطغيان لأن الفرد بإحساسه بأن جميع الخلائق عباد لله ملتزمون بأوامر الله.
وفي العبادات تتجلى هذه الصور عمليا بصور ملموسة وذلك كالآتي:-
(1) ففي الصلاة:
أ- وحدة التوقيت مرتبطة بحركة كونية من طلوع الشمس إلى غروبها.
ب- واستجابة النداء حي على الصلاة حي على الفلاح الله أكبر: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} .
{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} .
ج- وحدة الوجهة إلى مركز العالم كله إلى البيت الحرام: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} .
تبدأ هذه الوحدة في استدارة حول الكعبة ثم تتسع حتى تشمل أقطار العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا.
(2) وفي الصيام:
أ- وحدة الزمن في الصوم بشهر واحد للجميع: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} .
ب- وحدة الشعور بالتعاطف والتراحم- يبدأ بالإمساك وينتهي بالإطعام وإخراج الفطرة طعمة للمساكين وطهرة للصائمين.
(3)- أما الزكاة:

(29/308)


أ- فهي تضامن إلزامي يربط مختلف الطبقات بعضها ببعض ويقارب بين من باعدت بينهم المادة ويجمع بين من فرق بينهم الغنى والفقر حيث يلتزم الغني بإخراج زكاة ماله: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}. {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} .
فالزكاة طهرة للنفوس من شح الأغنياء وحسد الفقراء، وزكاة للمال فلا تنقص وتصون المجتمع من حرب الطبقات وغزو الدعايات.
أما الحج وهو الركن الأعظم:
فهو عين التضامن ومظهر الوحدة في أظهر الصور وأقوى المعاني يفد الحجيج من كل فج عميق ملبين الداعي لحج بيت الله العتيق. مجددين العهد القديم مستجيبين نداء إبراهيم- عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- يخرج الحاج من أهله ودياره مفارقا زوجه وصغاره حتى يأتي الميقات فيتجرد من ثيابه متخليا عن مظاهر دنياه. متدثرا رداءه وإزاره متهيأ لحال أخراه.
هناك يعود الحجيج على مختلف ألوانهم وتباعد أقطارهم وتعدد لغاتهم يعودون إلى الفطرة التي فطرهم الله عليها. وتعود إليهم فطرتهم التي ابتعدوا عنها فطرة الوحدة والإخاء والمساواة. فيستوي غنيهم وفقيرهم وأميرهم ومأمورهم. ويستوي عربيهم وعجميهم. وقاصيهم ودانيهم وحدة في الشكل والصورة ووحدة في الهدف والغاية يهتفون لبيك اللهم لبيك.
ب- وفي أرض عرفات في ذلك المشهد الفريد في تاريخ البشرية حاضرها وماضيها حواضرها وبواديها. مشهد يذكر بالماضي في عالم الذرة، حين أخرج الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} .

(29/309)


مشهد ينبههم لمستقبلهم يوم يجمع الله الخلائق ويحشرهم حفاة عراة. مشهد تذوب فيه فوارق الجنس والعنصر واللون وتتجلى فيه وحدة الأصل (كلكم لآدم وآدم من تراب). مشهد تفتح له حدود الأقاليم والأقطار والدول: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} .
مشهد تلتقي فيه الأشباح وتتعانق فيه الأرواح {ليشهدوا منافع لهم} .
جـ - وفي منى يلتقي الجميع على موائد الهدى والإخلاص فيأكلون ويطعمون {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} .
أمانة الدعوة: ومن هناك يتحملون أمانة الدعوة والبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حملها أصحابه لمن بعدهم: "بلغوا عني ولو آية". "رب مبلغ أوعى من سامع". فيرجع الحجاج بمثابة السفراء إلى بلادهم الدعاة إلى ربهم وقد تعارف كل منهم على الكثيرين من إخوانهم ووثقوا عرى الأخوة والولاء، قد ينتج عنها زيارة وصلة ونحو ذلك.
الاجتماعيات :
وكما ظهر مدى التضامن والوحدة في العبادات يظهر كذلك وبقوة في مجال الاجتماعيات لأن الإسلام أقام المجتمع الإسلامي على قواعد مثالية عالية ترتفع عن مقاييس المادة والمعاوضة إلى حد البذل والإيثار.
أ- ففي أصل تكوين المجتمع توجد المساواة في المبدأ: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} . ففيها وحدة الإنسانية جمعاء.

(29/310)


ب- وفي تكوين الأسرة التي هي لبنة بناء المجتمع. أقامها على روابط المودة والرحمة: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} . وجعل معادلة بين الزوجين غاية في تضامنهما: {ولهن مثل الذي عليهن} .
فإذا جاء الأولاد : قابل بين عاطفة الأبوة بإيجاب بر البنوة وجعلها وفاء بحق قد استوفاه الأولاد من قبل {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} . ثم أظهر مدى حق الوالدين حين قرنه بحقه سبحانه في قضاء مبرم. {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} . ثم إن الولد سيستوفي مثل هذا الحق من أولاده إن هو أداه لأبويه. وهكذا دواليك.
جـ - ثم هو يراعي هذا الصنف من الناس الذي حرم رعاية الأبوين وذاق بؤس القطيعة وذل العزلة ألا وهو اليتيم فكفله بالرعاية وأحاطه بالحنان وجعل صلى الله عليه وسلم لكافله أعلى المنازل في الجنة.
وهذا من أقوى دلائل التضامن الإسلامي في المجتمع الإنساني. لأنه يطيب نفس الأب على ولده إذا حضرته الوفاة بأن المجتمع كافل له ولده.
ثم إن هذا الولد اليتيم المكفول اليوم سيصبح غدا رجلا ويكفل يتيما غيره.
د- ثم يفسح المجال خارج نطاق الأسرة فيأتي للجوار فيقول صلى الله عليه وسلم : "الجار أحق بصقبه". "ولا يزال جبريل- عليه السلام- يوصيه بالجار حتى ظن صلى الله عليه وسلم أنه سيورثه ".
هـ- ثم يربط العالم كله برباط النصح والإخلاص ومحبة الخير "الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله. قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

(29/311)


و- فتكون النتيجة ترابط العالم الإسلامي كالبناء الحصين "مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد". "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا" فأي تضامن بعد هذا وأي وحدة بعد هذا وأي وحدة تضاهي ذلك.
ومن هنا حمل الإسلام جماعة المسلمين مسوؤلية الحفاظ على تلك الوحدة وعلى هذا التضامن في السلم وفي الحرب أفراد أو جماعات.
(1) {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} . الآية...
(2) "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
"كلكم راع وكل مسئول عن رعيته" .
{وتعاونوا على البر والتقوى} .
وفرض حقوقا عامة على كل مسلم لأخيه المسلم: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه. وإذا دعاك فأجبه. وإذا عطس فحمد فشمته. وإذا استنصحك فانصح له. وإذا مرض فعده. وإذا مات فشيعه".
وتلك حقوق متبادلة بين الأفراد يتقاضونها فيما بينهم وقد استوعبت كامل وضع الإنسان من أول لقائه بالسلام عليه إلى آخر وداعه بالتشييع إلى مثواه الأخير.
ربط الإيمان بالمحبة والمودة والعاطفة والرحمة بينهم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه ".
وحرم الجنة عليهم حتى تسودهم المحبة: "لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا".
فالدعاة إذا ما ركزوا دعوتهم إلى التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية على منهج الإسلام كان تركيزا قويا ينطلق من عواطف وشعور كل مسلم حيث يحقق للجميع أفرادا وجماعات كل ما يسمو إليه دون أن تعترضه العقبات ولا تكدره الشبهات.
وهناك مجال الحكم في سلطاته الثلاث:

(29/312)


السلطة التشريعية. والسلطة القضائية. والسلطة التنفيذية، وهذه السلطات الثلاث وإن كانت بصورها موجودة في كل دولة إلا أنها في الإسلام تتميز بصبغة خاصة تضفي عليها بهاء الرفق ورونق الإحسان.
فالسلطة التشريعية في كل أمة هيئة متخصصة تنظر في ظروف وملابسات حياة الأمة فتشرع لها ما تراه صالحا.
ومهما يكن من شأن هذه الهيئة وتخصصاتها فهو عمل بشري جائز عليه الخطأ والصواب وهو ما يشهده العالم من طروء التغيير والتبديل فقد يكون ما رأوه اليوم يكون غير صالح في الغد.
وإن ما يطرأ على تلك الهيئات من سياسة داخلية واتجاهات فكرية قد تؤثر عليها إلى غير ذلك.
بينما التشريع في منهج الحكم الإسلامي مرجعه لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والمختصون للتشريع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هم العلماء ورثة الأنبياء فإذا ما لزم نظروا تشريع لمستجد في الحياة فإنهم لن يخرجوا عن المنهج الإسلامي في حدود ما أنزل الله من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد نوه القرآن الكريم إلى أصل هذه السلطات وإلى تميزها عما سواها. في قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} فإرسال الرسل بالبينات من ربهم، وإنزال الكتاب لتشريع مناهجهم والميزان للعدالة...
والسلطة القضائية، ليقوم الناس بالقسط إذ القضاء تطبيق للمنهج التشريعي.

(29/313)


وأنزل الحديد إشارة إلى السلطة التنفيذية وأداة لنصرة دين الله فيكون المجتمع الإسلامي تحت سلطة حكم عادلة قوية حكيمة وأساس الحكم في البشر إنما هو لله خالقهم لا سواه، وهو أعلم بمصالحهم وما يصلحهم. فهو كالعبادة سواء في قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . (يوسف:40).
ومن هذا المنطلق في الحكم كان الظلم في غيره محققا في أي حكم سوى حكم الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} .
وفي مقابل ذلك لا يتم إيمان العبد حتى ينزل على حكم الله راضيا مسلما تسليما:
{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . (النساء: 55).
ومن هذا المنطلق فان ارتكاز دعوة التضامن إلى منهج التشريع الإسلامي وفي ظل الحكم بما أنزل الله تكون دعوة ممتدا سببها بالله لا تلاقيها صعوبات ولا تعطلها عقبات وهي دعوة مضمون لها النصر من عند الله: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} . مضمونة نتيجتها للأمة سعادة في الدنيا وفلاحا في الآخرة.
المرتكز الثالث: واقع الحياة الذي نعيشه والتيارات السياسية التي حولنا:
من الواضح البين حالة العالم السياسي والسياسة التي فرضت على الجميع وألزمت العالم كله العيش ضمن تكتلات سياسية، وأحلاف عسكرية واتفاقيات اقتصادية. وليس بوسع أي دولة أن تعيش وحدها في معزل عن هذا العالم بعيدة عن تلك التكتلات لقوة ترابط الدول بعضها مع بعض شاءت أم أبت.

(29/314)


ولم تعد السياسة مجرد تنظيم لعلاقات الدولة في الخارج بل أصبح الداخل مرتبطا بالخارج في السلم وفي الحرب عن طريق الإنتاج والتسويق. فهي منافع مشتركة ومصالح متبادلة. توثقت باتفاقيات عالمية أو ثقافية وأحلاف عسكرية. وأهم ذلك كله الأحلاف العسكرية لأنها لحماية الدولة بكل مرافقها والداعي لكل ذلك من اتفاقيات وأحلاف هو شعور تلك الدول بالضعف وبالحاجة إلى تضامنها بعضها مع بعض وذلك منذ الحرب العالمية الأخيرة حيث كانت عصبة الأمم لدولة أوروبا ضد هتلر والنازية لعجز تلك الدول منفردة عن مقاومتها.
وبعد عصبة الأمم جاءت هيئة الأمم وضمت دول العالم على أمل الحياة في أمن وطمأنينة. ولكن هيئة الأمم لم تحقق للعالم ما أمله فيها حيث أقيمت في بادئ أمرها على التخصيص والامتياز فمنحت الدول الكبرى حق النقض (الفيتو).
ومن العجب أن يمنح هذا الحق للدول القوية التي تستطيع أن تظلم وأن تتعدى مما يصعب معه استخلاص حق المظلوم أو استرجاع حق مغصوب.
وكان الأولى لو أجيز ذلك أن يعطى للدول الضعيفة لترد به عن نفسها.
وأن أحداث التاريخ وخاصة في الدول النامية لتشهد بذلك.
قامت جامعة الدول العربية وكان قيامها مظهرا من مظاهر تضامن دول المنطقة مهما قيل عن أسباب قيامها.
وكل تلك الهيئات والمؤسسات العالمية لم تستطع استتباب الأمن ولا منح الطمأنينة للعالم فنشأت تكتلات وأحلاف عسكرية انطلقت في سياق التسلح النووي بما يهدد العالم كله بالدمار. وذلك في حلفي الناتو وحلف شمال الأطلسي.
وانقسم العالم إلى معسكرين اقتصاديين شيوعي في الشرق ورأسمالي في الغرب وما بقي من العالم يدعى بدول عدم الانحياز.
ولكن عدم انحيازه لم يعزله عن غيره ولم يبعده عن الخطر ومن ثم أوجد لنفسه ارتباطات فيما بينه وعقدت له عدة مؤتمرات لدراسة وضعه ووضع التدابير لصالحه.

(29/315)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية