صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة التاريخ العربي

وحلفائه في المنطقة؟
... لم تثن الهزائم التي لحقت بابن غانية من عزمه على الثأر من الموحدين، بل زادته إصرارا. لكنه لما رأى استحالة استعادة سيطرته على بجاية ونواحيها، لتمركز جيوش الموحدين بها، نقل مسرح عملياته إلى إفريقية وطرابلس، ليبقى بعيدا عن مراكز قوة الموحدين، ولينظم صفوفه. فاستطاع الاستيلاء على مدينة قفصة(1)
__________
(1) قفصة: مدينة من مدن بلاد الجريد، وهي تقع في موقع وسط بين القيروان وقابس. (الحميري، الروض المعطار…، صص. 477 ـ 479). وهي اليوم مدينة كبيرة وعاصمة الجنوب الغربي التونسي. وانظر الخريطة المرفقة للوقوف على موقعها.

(1/8729)


، لكن مدينة توزر استعصت عليه، فتركها وانتقل إلى طرابلس(1).
... وجدت حركة ابن غانية في إفريقية تربة خصبة، حيث انضاف إليها الترك الذين جاءوا من مصر مع قائد يسمى قراقوش. أما عن سبب مجيئهم إلى إفريقية، فيقال إن صلاح الدين الأيوبي بعدما انتزع مصر من الفاطميين عام 567 هـ/ 1171 م، فكر في احتلال إفريقية لتكون ملجأ له في حالة سير الأوضاع في مصر في غير صالحه. وقد استطاع هؤلاء الأتراك الاستيلاء
__________
(1) ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 507، 508؛ الزركشي، تاريخ الدولتين…، ص. 16؛ ابن عذاري، مصدر سابق، صص. 177 ـ 181.

(1/8730)


على زويلة(1) وفزان(2) وودان(3)
__________
(1) زويلة: توجد في الصحراء قرب بلاد كانم من بلاد السودان، وهي بلدة صغيرة، تعد المدخل إلى بلاد السودان. (الحميري، مصدر سابق، صص. 295 ـ 296). انظر الخريطة المرفقة للوقوف على موقعها.
(2) فزان: كان اسم فزان يطلق على المنطقة الواقعة بين طرابلس شمالا وتبستي جنوبا، وهي منطقة تتناثر فيها الواحات. (الحميري، مصدر سابق، من كلام المحقق، الهامش الأيسر، رقم 2، ص. 440). وفزان اليوم واحة جنوب ليبيا مشهورة بالتمر.
(3) ودان: هي واحة، وتوجد اليوم جنوب ليبيا. للوقوف على موقعها، انظر الخريطة المرفقة.

(1/8731)


وطرابلس. أما انضمامهم إلى ابن غانية، فقد قيل إنه تم بتوجيه من صلاح الدين الأيوبي، الذي راسله الخليفة العباسي راجيا مد يد العون والمساعدة لابن غانية، الذي يعتبر انتصاره انتصارا للدولة العباسية، لأنه يدين لها بالولاء والطاعة(1).
... انضم إلى ابن غانية، أيضا، بنو سليم(2)
__________
(1) السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، بيروت، 1981، ج 2، ص. 803.
(2) بنو سليم: كانوا يقطنون المنطقة التي تلي المدينة المنورة بالحجاز، وكانوا حربا على الدولة العباسية. ولما ظهرت فتنة القرامطة بالبحرين وعمان، انضافوا إليها، فرحلهم الفاطميون بعد إخماد الفتنة إلى جنوب مصر، ثم أذنوا لهم بعبور النيل والتوجه إلى إفريقية بعدما توترت العلاقة بينهم وبين المعز بن باديس، وقطعه الخطبة لهم، وإباحته للعن أئمتهم في المساجد. (ابن الأثير، مصدر سابق، ج 9، ص. 566؛ ابن خلدون، العبر…، ج 6، صص. 27 ـ 40؛ Terrasse, op. cit., pp. 294 -295).

(1/8732)


، وجملة من أعيان الأندلس القاطنين بإفريقية، من بينهم مالك بن محمد بن سعيد العنسي(1). هذا، إضافة إلى استمرار دعم النورمانديين حكام صقلية له(2)، والمعونات التي تصله من ميورقة، التي كانت مركزا لمعارضي الموحدين، ومقرا للمعونات والتنسيق بين ابن غانية وحلفائه من الأوروبيين.
... شعر ابن غانية في إفريقية بقوة مركزه، فتلقب بأمير المؤمنين(3)
__________
(1) المقري، نفح الطيب…، تحقثق إحسان عباس، بيروت، 1968، ج 3، ص. 568.
(2) التازي، التاريخ الدبلوماسي للمغرب…، ج 6، ص. 19.
(3) ... ابن الأثير، مصدر سابق، ج 11، ص. 520؛ Unesco, op. cit…, p. 47.

(1/8733)


، ليعطي سلطته السند الديني والشرعية لمقاتلة من يمتنع عن مبايعته. ثم زحف بجيوشه نحو بلاد الجريد(1)، فاستولى على كثير منها(2)، ودخل جزيرة باشرا، التي توجد بالقرب من تونس، فخربها، ونهب أموال أهلها، على الرغم مما أعطاه إياهم من أمان. وفي 582 هـ/ 1186 م، توجه نحو قفصة، فأحكم حصارها، ثم دخلها فأخلاها من أهلها ومن جنود
__________
(1) ... بلاد الجريد: تضم عددا من المدن والمواقع كقفصة وصفاقس، وهي اليوم جنوب الجمهورية التونسية. (انظر الخريطة المرفقة للوقوف على موقعها).
(2) ... ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 509.

(1/8734)


الموحدين، وعمرها بجند من الأتراك واللمتونيين وحصنها بالرجال(1). وبذلك تكون كل مواضع إفريقية قد خضعت له إلا مدينتا تونس والمهدية(2). فما موقف الموحدين من ذلك؟
... لم تكن إفريقية في وضع عسكري يسمح لها بالتصدي لابن غانية، خاصة بعد التأييد والدعم العسكري الذي وجده من الأتراك الموجودين بطرابلس وعرب بني
__________
(1) ... ابن الأثير، مصدر سابق، ج 11، صص. 520 ـ 521؛ ابن عذاري، مصدر سابق، صص. 186، 188، 189.
(2) Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, vol. 1, London, 1960, p. 165.

(1/8735)


سليم وغيرهم، والنجاحات التي حققها على الأرض. لذلك كتب عاملها إلى الأمير يعقوب المنصور مخبرا بما أحدثه ابن غانية من فوضى ودمار بإفريقية. فأعد المنصور، على الفور، جيشا، وقاده بنفسه، وتحرك من مراكش في شوال 582 هـ/ ديسمبر 1186 م، وقيل صفر 583 هـ/ 1187 م. وحينما وصل إلى مدينة فاس، استراح بها قليلا، ثم توجه إلى رباط تازا(1)، فتونس. أما ابن غانية، فلما علم بزحف المنصور نحوه، قام بتنظيم أتباعه، وتمكن بكل سهولة من
__________
(1) رباط تازا: يوجد شمال شرق مدينة فاس. وهو اليوم تابع لإقليم تازا بالمملكة المغربية.

(1/8736)


إلحاق الهزيمة بالجيش الموحدي الذي أرسله المنصور إليه بقيادة السيد أبي يوسف يعقوب بن السيد أبي حفص عمر بن عبد المؤمن في وقعة عمرة، من نظر قفصة. فامتلأت أيديه بالغنائم، وأسر وقتل كثيرا من وجهاء الموحدين وعامتهم، ورجع الناجون إلى تونس(1).
... لما وصلت أنباء الهزيمة إلى يعقوب المنصور، قام باستجماع أنفاسه وتنظيم صفوف جيشه، ثم توجه مسرعا نحو ابن غانية، ليتلافى الأمر قبل أن ينفلت الزمام من بين يديه. فحل
__________
(1) الناصري، الاستقصا…، ج 2، صص. 160 ـ 161؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 11، صص. 520 ـ 521.

(1/8737)


بالقيروان، ثم توجه منها نحو ابن غانية، فالتقى به في مكان يقال له حامة دقبوس، فهزمه وأصحابه شر هزيمة، ولم يكن أمامه هو وصاحبه قراقوش إلا الفرار. ثم توفي بعد فترة قصيرة متأثرا بجراحه. فقدم إخوته أخاهم يحيى خلفا له، ثم لاذوا بالفرار إلى الصحراء. أما المنصور، فقد استطاع استرداد قابس وتوزر وقفصة، ثم رجع إلى تونس، وعقد على إفريقية للسيد أبي زيد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، الذي له معرفة سابقة بأحوال إفريقية، ثم رجع إلى المغرب في عام 584 هـ/ 1188 م مارا بمدينة المهدية(1)
__________
(1) المراكشي، المعجب…، صص. 393 ـ 399؛ وابن خلدون، العبر…، ج 6، ص. 510؛ ابن الأثير، المصدر السابق، ج 11، صص. 521 ـ 522؛ الناصري، الاستقصا…، ج 2، ص. 161.

(1/8738)


.
... أخذ بعض المؤرخين على يعقوب المنصور عدم متابعته لابن غانية في الصحراء، لأن ذلك ـ في رأيهم ـ كان سيمكنه من القضاء عليه وعلى حركته نهائيا(1). ولكن يبدو أن هذه الفكرة لم تكن غائبة عن ذهنه، وإنما كان يعلم صعوبة تنفيذها، لتمرس أنصار ابن غانية من بني سليم وغيرهم بأساليب العيش والسير في الصحراء، ومعرفتهم لدروبها وأسرارها.
... وفي عام 585 هـ/ 1189 م، عبر المنصور إلى الأندلس مجاهدا لما علم بتدهور الأحوال هناك. وبعد التمكن من إصلاح الأحوال،
__________
(1) Unesco, General History of Africa, vol. IV, p. 47.

(1/8739)


رجع إلى المغرب، حيث أتته الأخبار في العام نفسه بظهور يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية وأعوانه بإفريقية، فزحف نحوها. ولما دخل تونس، وجد إفريقية هادئة، لهروب ابن غانية إلى الصحراء بعدما سمع بخبر قدومه وتأكد من ضعفه أمامه(1). ولكن الأوضاع تأزمت مرة أخرى في عام 589 هـ/ 1193 م بإفريقية والأندلس. فقرر يعقوب المنصور التوجه نحو الأندلس، لأن الصراع هناك صراع عقدي، بينما هو في إفريقية سياسي(2)
__________
(1) الناصري، الاستقصا…، ج 2، صص. 183 ـ 184.
(2) ابن خلدون، العبر…، ج 6، صص. 511 ـ 512؛ Unesco , General History of Africa, vol. IV, p. 49.

(1/8740)


.
... فانتهز ابن غانية وأعوانه الفرصة، فعاثوا في إفريقية فسادا، بل ذهبوا أبعد من ذلك فأعلنوا أن وجهتهم بجاية؛ وإذا سقطت في أيديهم، فسيتجهون صوب المغرب. ولما وصلت هذه الأنباء إلى يعقوب المنصور، تنازل عن تشدده مع نصارى الأندلس، وتصالح معهم على شروط معينة، ثم غذ السير نحو المغرب، فعاجلته المنية في 18 ربيع الآخر 595 هـ/ 17 فبراير 1199 م، وقيل 18 جمادى الأولى 595 هـ/ 18 مارس 1199، قبل أن يصطدم بابن غانية(1). وهنالك من يرى أنه أعد العدة
__________
(1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 12، صص. 116 ـ 145.

(1/8741)


للتوجه نحو إفريقية، إلا أن جنده توسلوا له أن يمهلهم حتى العام القادم، ليتمكنوا من الالتقاء بأسرهم وإصلاح أحوالها. فاستجاب لطلبهم، لعلمه بطول مرابطتهم بالأندلس. وفي هذه الأثناء وافته المنية، فترك حسم المسألة الإفريقية لخلفه ابنه الناصر محمد(1).
... كثر شغب الميورقيين بإفريقية في بداية عهد الناصر، مستفيدين في ذلك من انشغال الموحدين بوفاة المنصور. إلا أن عهد الناصر يعتبر من الناحية العملية العهد الذي شهد ميلاد سياسة حكيمة، كانت ثمارها تقليم أظافر الميورقيين،
__________
(1) الناصري، الاستقصا…، ج 2، ص. 203.

(1/8742)


وكسر شوكتهم، وتشتيت شملهم، وتوزيع جهودهم. وتتمثل هذه السياسة في مهاجمة معقلهم ومقر دولتهم بميورقة، وفي الوقت نفسه تتبعهم ومطاردتهم عسكريا بإفريقية، واختيار وال ذي كفاءات عسكرية وسياسية عالية، وبصلاحيات واسعة لحكم إفريقية.
... ذكرنا في ما سبق الدور السياسي والاقتصادي والنفسي الذي كانت تؤديه ميورقة، بصفتها قاعدة لملك أبناء غانية، وحلقة اتصال وتنسيق بينهم وبين مؤيديهم وحلفائهم من المسلمين والنصارى، في دعم حركتهم المناهضة للموحدين بإفريقية والمغرب الأوسط. ونضيف إلى ذلك أن ميورقة، بحكم موقعها

(1/8743)


الجغرافي، كانت تؤدي دورا هاما في حركة التجارة بين الشمال والجنوب. هذا، إضافة إلى قربها من الأندلس، الأمر الذي يجعل منها خطرا حقيقيا على الوجود الموحدي لهذا الأخير، والمصالح التجارية للموحدين بحوض البحر الأبيض المتوسط.
... كان الموحدون على وعي تام بأهمية ميورقة وخطورتها على مستقبلهم السياسي. لذلك تكررت مساعيهم، وتعددت وسائلهم للاستيلاء عليها. ولكن هل كللت بالنجاح؟
... حكى ابن خلدون أن علي بن غانية وأخاه يحيى لما استقرا بإفريقية، تركا على ميورقة أخاهما طلحة. وفي عهد هذا الأخير، استطاع أخوه

(1/8744)


محمد وعلي بن الربرتير الخروج من معتقلهما بمساعدة بعض موالي بني غانية. فاستطاع محمد الاستيلاء على السلطة بميورقة، ثم راسل يعقوب المنصور طالبا منه المجيء لاستلام الجزيرة. لكن لما جاء أسطول المنصور بصحبة ابن الربرتير، رفض محمد الوفاء بوعده، واستعان بملك برشلونة (Barcelona) فأعانه، فأغضب فعله هذا رعيته، فثاروا في وجهه، وطردوه، وولوا تاشفين بن غانية مكانه(1). واضح هنا أن ابن خلدون يتحدث عن مؤامرة دبر فصولها الموحدون، ونفذها عملاؤهم بميورقة. أما
__________
(1) ابن خلدون، العبر...، ج 6، صص. 515 ـ 516.

(1/8745)


المراكشي، فقد أورد رواية مخالفة لذلك، تقول إن عبد الله بن غانية قد رحل إلى ميورقة لما آلت قيادة الميورقيين إلى أخيه يحيى، فوجدها قد دخلت في نطاق دولة الموحدين، باعتراف أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن غانية بسلطتهم عليها. ولكن عبد الله استطاع انتزاع السلطة من أخيه محمد بمساعدة نجاح، أحد علوج والده، ونفيه إلى الأندلس، فأكرمه الموحدون هنالك وولوه مدينة دانية(Daa)(1)، وهي مدينة ساحلية من مدن شرق الأندلس، وميناؤها جيد(2)
__________
(1) المراكشي، المعجب...، ص. 377.
(2) الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، صص. 231 ـ 232.

(1/8746)


.
... تواصلت محاولات المنصور للاستيلاء على ميورقة، لكنها لم تحقق هدفها. أما ابنه وخليفته محمد الناصر، فقد سار على نهج أبيه تجاه ميورقة؛ إلا أنه أحاط غزوته لها في عام 599 هـ/ 1202 م بالسرية التامة. فتوجه نحو فاس. وللتمويه، فقد أشاع أن قبلته هي إفريقية، لتخليص واليها الذي وقع في قبضة ابن غانية، لكنه أصدر أوامره من هنالك بإرسال جيش وأسطول لفتح ميورقة، وأسند قيادة الأول إلى أبي سعيد عثمان بن أبي حفص، أحد كبار شيوخ الموحدين، والثاني إلى عمه أبي العلاء، إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، فاستطاعا فتحها،

(1/8747)


وقتل واليها عبد الله بن إسحاق في ذي الحجة 599 هـ/ أغسطس 1203 م، فولى عليها عبد الله بن طاع الله الكومي(1)، فظلت في يد الموحدين إلى أن انتزعها منهم الملك جيم (Jaime)، ملك أرغون (Arragon)، في عام 628 هـ/ 1230 م، وكان واليها وقتذاك أبو يحيى بن علي بن أبي عمران، وقيل في 11 صفر 627 هـ/ 31 ديسمبر 1229 م(2).
__________
(1) ابن خلدون، العبر...، ج 6، ص. 516؛ الناصري، الاستقصا...، ج 2، ص. 18؛ Terrasse, op. cit..., p. 218.
(2) José Luis Asiلn Pea, op. cit., pp. 68-69.

(1/8748)


... ظهرت في إفريقية في عهد الناصر بوادر الخلاف بين الموحدين. فوفقا لما أورده ابن الأثير، فإن محمد بن عبد الكريم، قائد جيش الموحدين بالمهدية، قد اختلف مع أبي سعيد عثمان، عامل تونس، واعتقل أخاه أبا علي والي المهدية ولم يطلق سراحه إلا بعد أن فدى نفسه بمبلغ من المال. ولما علم بعزم أبي سعيد على حربه، بايع ابن غانية، فتراجع أبو سعيد عن قراره. ولما آلت الخلافة للناصر، أرسل أسطولا وجيشا لحرب ابن عبد الكريم. فاعتذر الأخير وألقى اللوم على عامل تونس، فتقبله الناصر(1)
__________
(1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 12، صص. 146 ـ 167.

(1/8749)


، وأكرمه كعادة الموحدين في معاملة خصومهم. وإذا كان ابن عبد الكريم لم يحقق أي مكاسب سياسية من وراء حركته، فإنه ساهم في إضعاف موقف الموحدين بإفريقية والتمكين لابن غانية بها(1).
... أما يحيى بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية، فلما تغلب على المهدية وعلى قراقش الغزي، صاحب عمل طرابلس، وعلى بلاد الجريد نازل تونس عام 599 هـ/ 1202 م، وفتحها عنوة، وتقبض على واليها السيد أبي زيد، وطالب أهلها بالنفقة، وترك كاتبه ابن عصفور لجمعها. فعلا صيته في الآفاق
__________
(1) Unesco, General History of Africa, vol. IV, p. 49.

(1/8750)


وتسارعت المدن في الانضمام إلى دعوته، فبايعه أهل الأربض(1) وشقبنارية(2) وتبسة(3)
__________
(1) الأربض: لعلها الأربس. وهي مدينة بينها وبين القيروان ثلاثة أيام (75 ميلا)، وبينها وبين باجة مرحلتان (50 ميلا(. (الحميري، مصدر سابق، ص. 24). والأربس اليوم قرية صغيرة بالجمهورية التونسية.
(2) شقبنارية: توجد بالقرب من مدينة الأربس. (الحميري، مصدر سابق، صص. 348 ـ 349).
(3) تبسة أو تبسا: توجد بالقرب من وادي علاق الذي يوجد بالقرب من بلدة مجانة. (الحميري، مصدر سابق، صص. 129، 545). وهي اليوم مدينة متوسطة بالجمهورية التونسية. لموقعها، انظر: الخريطة المرفقة في نهاية الدراسة.

(1/8751)


إضافة إلى ما بيده من مواقع. وبذلك تكون كل أعمال إفريقية قد انتظمت في يديه. فاستقر بتونس، وبايع للخليفة العباسي(1).
... أثارت أفعال ابن غانية حفيظة الناصر، وأقضت مضاجعه، فاستشار خاصته في الأمر، فأشاروا عليه بمهادنة ابن غانية إلا الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر(2)
__________
(1) ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 518؛ الناصري، مصدر سابق، صص. 214 ـ 215.
(2) الشيخ أبو محمد بن أبي حفص عمر: ينتمي إلى قبيلة هنتاتة من قبائل المصامدة التي تسكن أعداد كبيرة منها جبل درن وما حوله. كان والده من السابقين لمبايعة المهدي، وكان يلي عبد المؤمن في الرتبة. وكانت له ولاية العهد من بعده، لكنه تنازل عنها لأبناء عبد المؤمن. بقيت ولاية إفريقية في بني عبد الواحد إلا فترة قصيرة، ثم استبدوا بها في عهد أبي زكريا ابن أبي محمد 626 هـ/ 1228 م.

(1/8752)


، الذي أشار عليه بحربه، فانتصح له، فأعد العدة للحرب، ثم تحرك من مراكش بجيوشه نحو إفريقية، وأعطى أوامره لأسطوله بالتحرك أيضا، وكان ذلك في عام 601 هـ/ 1204 م(1).
... لما علم ابن غانية بتحرك الناصر نحوه أرسل أمواله وممتلكاته وحرمه مع علي بن غازي بن محمد بن علي إلى المهدية وولاه عليها. وقد كان اختياره لها لحصانتها. بدأت سلطة ابن غانية تسير نحو التضعضع والانحلال: فقد انتفض عليه أهل طرابلس لما سمعوا بقدوم
__________
(1) ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 518؛ الناصري، مصدر سابق، ص. 215؛ Terrasse, op. cit..., p. 338.

(1/8753)


الموحدين، فقصدهم وخرب ديارهم. أما أسطول الموحدين، فقد نزل تونس، فخرج منها ابن غانية إلى القيروان، ثم إلى قفصة، حيث اجتمع حوله العرب وعاهدوه على الطاعة والمناصرة. فسار بهم نحو حمة مطماطة(1)، فجبل بني دمر الذي تحصن به. أما الناصر، فقد احتل تونس، وقتل من بها من أشياع بني غانية، ثم تتبع ابن غانية في قفصة وقابس، ثم عاد إلى المهدية، فأحكم
__________
(1) حمة مطماطة: مدينة تقع بالقرب من مدينة قابس. (الحميري، مصدر سابق، صص. 200 ـ 202). وهي اليوم معتمدية بالجمهورية التونسية. ولموقعها، انظر الخريطة المرفقة.

(1/8754)


حصارها، وأرسل جيشا من أربعة آلاف مقاتل بقيادة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عام 602 هـ/ 1205 م لمتابعة ابن غانية. فالتقى به عند جبل تاجورة من نواحي قابس، فأوقع به، وقتل أخاه جبارة، وكاتبه ابن اللمطي، وعامله الفتح بن محمد، وفك السيد أبا زيد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن من الحبس. ولقد غنم الموحدون كثيرا في هذه المعركة؛ فقد قيل إن حجم الغنائم قد بلغ ثمانية عشر ألفا من أحمال المال والمتاع... (1)
__________
(1) الزركشي، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، ص. 17؛ ابن عذاري، مصدر سابق، ص. 245؛ ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 519؛ الناصري، مصدر سابق، ص. 215.

(1/8755)


... أما الناصر، فقد استمر في حصاره للمهدية، التي أبدى عاملها علي بن الغازي الملقب بالحاج مقاومة شديدة حتى لقبه الموحدون بالحاج الكافر، لكنه في نهاية المطاف استسلم لهم لما رأى أن المستقبل لهم، فأكرموه. فظل جنديا مخلصا
لدولتهم إلى أن استشهد بمعركة العقاب(1) ((Las Navas de Tolosa عام 609 هـ/ 1212 م. كان استرجاع المهدية في 27 جمادى الأولى 602 هـ/ 9 يناير 1206 م، فولى الناصر
__________
(1) العقاب Las Navas de Tolosa: موقع بالأندلس يقع بين جيان (Jéan) وقلعة رباح (Galtarav). (الحميري، مصدر سابق، ص. 416).

(1/8756)


عليها محمد بن يغمور الهرغي، ثم رجع إلى تونس، ومكث بها حتى عام 603 هـ/ 1206 م، ومنها أرسل أخاه السيد أبا إسحاق لمطاردة ابن غانية، فتمكن من تدويخ ما وراء طرابلس، واستئصال شأفة بني دمر ومطماطة، وجبل نفوسة(1)، وسويقة بني مذكور(2)،
__________
(1) جبل نفوسة: يبعد عن قفصة حوالي ستة أيام (150 ميل)، وهو جبل عال. (الحميري، الروض المعطار، ص. 578). وهو اليوم في شمال غرب الجماهيرية العربية الليبية...
(2) سويقة بني مذكور: لعلها سويقة ابن مثكود التي تبعد عن زويلة ست عشرة مرحلة (400 ميل). (الحميري، مصدر سابق، ص. 295).

(1/8757)


ثم رجع إلى أخيه بتونس(1).
... بعد إسكات صوت الفتنة بإفريقية، واستقرار أوضاعها، نظر الناصر إلى ما بذل لأجل ذلك من جهود، ووضع في الحسبان أن ابن غانية لابد أن يعيد الكرة وأن وصول الإمدادات لإفريقية بصورة عاجلة سيكون أمرا صعبا، لبعد إفريقية من المغرب، ولظهور الفتن بالأندلس من حين لآخر، الشيء الذي سيشتت جهود الدولة، بل ربما يضطرها إلى
__________
(1) المراكشي، المعجب...، صص. 451 ـ 452؛ الزركشي، تاريخ الدولتين...، ص. 18؛ ابن خلدون، العبر...، ج 6، صص. 519 ـ 520؛ الناصري، الاستقصا...، ج 2، صص. 215 ـ 216.

(1/8758)


التركيز على جهة، وترك الأخرى حتى ينجلي أمر الأولى، مما يتيح الفرصة للثوار بالجهة المهملة للتمكين لأنفسهم بها، ويضطر الجهات المحاصرة للاستسلام لهم.
... وأمام هذه المصاعب، وجد الناصر نفسه، وهو المتمسك بالوحدة المغاربية، بل الإسلامية لأسلافه، أمام خيارين: التخلي عن إفريقية، أو إسناد إدارتها لوال كفؤ. فاختار الخيار الأخير، فأجال النظر والفكر للحصول على رجل يجمع بين فن الإدارة وحكمة السياسة ومكر الحرب وحيلها وخدعها والولاء للدولة، فوقع اختياره على الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر. فهل كان

(1/8759)


عبد الواحد وخلفاؤه عند حسن الظن بهم؟
... اعتذر الشيخ أبو محمد للناصر في بادئ الأمر لما عرض عليه ولاية إفريقية، لكنه اضطر إلى الموافقة أمام إصرار الأخير وموافقته على جميع شروطه التي تتلخص في العودة إلى المغرب بعد ثلاث سنوات وترك الحرية له في اختيار من يخلفه من رجال الموحدين وعدم تدخل الدولة المركزية في عملية التولية والعزل داخل ولايته وأن تكون له السلطة على من معه من العسكر(1)
__________
(1) الزركشي، المصدر السابق، ص. 19؛ ابن خلدون، المصدر السابق، ص. 520، 583؛ الناصري، المصدر السابق، ص. 216؛ بطرس البستاني، ”عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص“، دائرة المعارف، بيروت، د. ت، ج 11.

(1/8760)


.
... بعد تعيين الناصر للشيخ أبي محمد، تحرك نحو المغرب. فرافقه الشيخ أبو محمد إلى باجة(1)، ثم ودعه. وكان ذلك في يوم السبت 10 شوال 603 هـ/ 10 مايو 1207 م(2).
... أما ابن غانية، فقد ظهر بنواحي طرابلس، وبدأ ينظم صفوف أتباعه من عرب وغيرهم. فلما علم أبو محمد به، اتجه نحوه، والتقى به عند
__________
(1) باجة: المقصود باجة إفريقية. وهي مدينة أزلية كبيرة محصنة، وعلى قمة جبل شديد البياض، وبينها وبين طبرقة أقل من مرحلتين. (الحميري، مصدر سابق، ص. 74).
(2) ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 584؛ الناصري، مصدر سابق، ص. 216.

(1/8761)


شبرو عام 604 هـ/ 1207 م، فهزمه هزيمة نكراء وغنم كثيرا من أمواله ومتاعه، ثم كاتب الناصر مبشرا بالفتح ومذكرا إياه بالوعد فيما شخص الفترة الزمنية للولاية. فرد عليه الناصر شاكرا ومعتذرا عن الوفاء، لانشغاله بالفتن بالأندلس. وتطييبا لخاطره، أرسل له مبالغ كبيرة من المال وكميات من العتاد الحربي والخيل والأكسية، لتكون عونا له في مهمته، وكان ذلك في عام 605 هـ/ 1208 م(1).
__________
(1) ... ابن خلدون، المصدر السابق، ص. 534؛ بطرس البستاني، ”عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص“، دائرة المعارف.

(1/8762)


... عاد ابن غانية مرة أخرى مصحوبا بأتباعه من العرب والملثمين، فدخل مدينة تاهرت(1)، فاستباحها، وغنم أهلها. لكن الشيخ أبا محمد اعترضه، وغنم ما عنده وفك سراح من اعتقلهم، فلاذ ابن غانية وأصحابه بالفرار إلى طرابلس، واعلن عزمه على معاودة الكرة نحو إفريقية، فتوجه إليه أبو محمد، والتقى به عند جبل نفوسة، فألحق به هزيمة نكراء، وقتل كثيرا من زعماء زناتة ولمتونة والعرب الذين كانوا
__________
(1) ... تاهرت: مدينة على سفح جبل. وهي من مدن الغرب الأوسط على طريق المسيلة من تلمسان. (الحميري، مصدر سابق، صص. 126 ـ 127).

(1/8763)


في صفوف ابن غانية. فانصرف الأخير يجر أذيال الخيبة والهزيمة، وعلت رايات أبي محمد في الآفاق(1).
... توفي أبو محمد سنة 618 هـ/ 1221 م، فجعل أبو العلاء الكبير إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن خليفة له. فظهر ابن غانية في عهده ببسكرة(2)، فأرسل إليه ابن أبي زيد مصحوبا بالعرب وهوارة بظعائنهم ومواشيهم. فالتقى الجمعان بمجدول(3)
__________
(1) ... ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 585 ـ 587
(2) ... بسكرة: هي قاعدة بلاد الزاب. (الحميري، مصدر سابق، ص. 113). ولموقعها، انظر الخريطة السابقة، وهي اليوم بالجمهورية الجزائرية.
(3) ... مجدول: موقع على نحو 20 ميلا من القيروان. (الحميري، مصدر سابق، ص. 524).

(1/8764)


في بداية عام 621 هـ/ 1224 م، فهزم ابن غانية. وفي هذه الأثناء، توفي أبو العلاء فرجع ابنه إلى تونس(1).
... وحينما آلت ولاية إفريقية إلى أبي محمد عبد الله بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، ظهر ابن غانية ببجاية، ثم تدلس(2). فتوجه أبو محمد إليه، لكنه رجع إلى تونس، بعد أن أعاد الأماكن التي احتلها ابن غانية، لسماعه بتوجه ابن غانية إلى سجلماسة(3)
__________
(1) ... ابن خلدون، مصدر سابق، ص. 590.
(2) ... تدلس: مدينة بحرية كبيرة بين بجاية والجزائر. (الحميري، مصدر سابق، ص. 132).
(3) سجلماسة: توجد في صحراء المغرب، وبينها وبين البحر، أي المحيط الأطلسي، خمس عشرة مرحلة (375 ميل)، وهي على نهر يقال له زيز، وليس بها عين ولا بئر، وزرع أهلها الدخن والذرة، وبها نخل كثير، وهي مدينة محدثة أسسها المحدث مدرار بن عبد الله (140 هـ/ 757 م). (الحميري، مصدر سابق، صص. 305 ـ 306). ولمعاينة موقعها، انظر الخريطة المرفقة، وهي اليوم جنوب المملكة المغربية.

(1/8765)


. وفي تونس غلبه أخوه أبو زكريا على الإمارة(1)، على أثر خلاف نشأ بينهما، سببه مطالبة الأخير الأول بنبذ طاعة الموحدين لقتل المأمون(2) شيوخ الموحدين، ومحو اسم المهدي من العملة، وإنكاره عصمته(3)
__________
(1) ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 592 ـ 593.
(2) المأمون: هو أبو العلاء الأصغر إدريس بن يعقوب المنصور. للمزيد عنه، انظر: عبد القادر عثمان محمد جاد الرب، الموحدون بإفريقية إلى 627 هـ، رسالة قدمت لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، كلية الآداب بالرباط، 1991، صص. 62 ـ 63.
(3) ابن عذاري، مصدر سابق، صص. 292 ـ 293.

(1/8766)


.
... كرس أبو زكريا جهده لاجتثاث حركة ابن غانية. فتتبع أنصاره من العرب من أفارق سليم وهلال وغيرهم في جهات طرابلس والزاب وواركلا(1)، فشردهم من هنالك، فظل ابن غانية مشردا لا يهنأ به مقام إلى أن هلك في عام 631 هـ/ 1233 م(2)، وبذلك أسدل الستار على حركة بني غانية، وهدأت الأحوال بإفريقية.
... هذا وتعتبر حركة بني غانية من أقوى الحركات الاستقلالية التي وقفت بقوة في وجه الموحدين بإفريقية. فقد استطاعت الاستمرار ما يقرب نصف
__________
(1) واركلة: واحة في جنوب الجزائر.
(2) ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 596 ـ 597.

(1/8767)


قرن من الزمان. وهي فترة طويلة، إذا قيست بعمر الدول وقتذاك. وقد كان السر وراء ذلك تمتع قادتها بخبرة واسعة في شؤون الحرب والإدارة والسياسة، وقدرة على السرعة في التصرف، واتخاذ القرار وبجودة أسلوبهم الحربي. ويعرف الأسلوب الحربي الذي استخدمه بنو غانية في العرف الحربي اليوم بحرب العصابات. وهي حرب وقفت أمامها كثير من الدول اليوم عاجزة حائرة، على الرغم من التقدم التقني والعلمي في مجال صناعة الأسلحة وتدريب الجيوش الذي شهده هذا القرن. وقد كان اختيار بني غانية لهذا الأسلوب الحربي موفقا، لأنه جاء منسجما

(1/8768)


مع تركيبة جيشهم، التي كان معظمها من العرب الذين لهم خبرة واسعة بطرق الصحراء والعيش فيها، وكيفية مواجهة الأعداء بها، والبربر الذين جمعوا بين حياة الجبال والسهول والصحراء.
... وعلاوة على ما سبق، فقد كان للشعار الذي وظفه قادة الحركة ـ وهو الثأر للمرابطين وإعادة دولتهم، والدعوة للعباسيين ـ دوره في إعطاء الشرعية للحركة واستقطابها لمعارضي الدولة الموحدية. زد على ذلك العلاقات التجارية الواسعة والجيدة التي كانت تربط بين الحركة والعالم الخارجي، وسيطرتها على مناطق غنية بالواحات، وتمر بها طرق التجارة

(1/8769)


الذاهبة إلى إفريقيا جنوب الصحراء والآتية منها(1). وفوق هذا وذاك، انشغال الدولة الموحدية بإطفاء الفتن بالأندلس، ومواجهة حركة الاسترداد الإسبانية المسيحية.
... أما عن العوامل التي أدت إلى إضعاف الحركة وزوالها، فيمكن القول إن استيلاء الناصر على جزيرة ميورقة التي كانت لها أهميتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في ما يخص دعم الحركة اقتصاديا وحربيا ومعنويا كانت له انعكاساته السلبية على حاضر هذه الأخيرة ومستقبلها. هذا، إضافة إلى
__________
(1) Unesco, General History of Africa, vol. IV, pp. 52-53.

(1/8770)


التركيز العسكري، والإصرار الموحدي المتواصل على إبعاد بني غانية وأعوانهم عن إفريقية وأعمالها، مهما كان الثمن، وتعيين الشيخ أبي محمد عبد الواحد الحفصي بسلطات واسعة، وتوفير الدعم المادي والعسكري والأدبي له.
... وإذا كان الموحدون قد استطاعوا في نهاية المطاف القضاء على هذه الحركة، فإنهم لم يعمروا كثيرا بعدها. فقد كان لهذه الحركة والحركات المماثلة لها بالأندلس آثارها السيئة على اقتصاد دولتهم: جيشها وعلاقاتها بالمشرق ووحدتها الترابية ووجودها.

أولا: الاقتصاد

(1/8771)


... الثقل الاقتصادي هو قلب الدولة النابض وشريان حياتها. ومن دونه تصبح الدولة كالقشة في مهب الريح، وبه تكتسب قوتها، ويعلو صيتها، ويهابها أعداؤها، ويتودد إليها أندادها.
... كان الموحدون على وعي تام بأهمية الاقتصاد، منذ المراحل الأولى لتكوين دولتهم(1)، ولكن حركة بنيغانية والفتن بالأندلس قد خلقت لهم نوعا من عدم الاستقرار في كل أرجاء دولتهم. ولإعادة النظام وإخماد الفتن، اضطرت الدولة
__________
(1) علي بن أبي زرع، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، الرباط، 1973، صص. 198 ـ 199.

(1/8772)


إلى استنفار الشباب من رعاياها بالمغرب. وطبيعي أن يكون ذلك قد انعكس سلبا على الاقتصاد، الذي كانت الفلاحة وتربية المواشي تشكلان عموده الفقري، لعدم وجود الأيدي العاملة الكافية للنهوض بهما. أما في إفريقية، فإن حالة الذعر والفوضى التي أحدثتها حركة بني غانية أفقدت الدولة جزءا كبيرا من مواردها الاقتصادية الأساسية وأصبحت تعتمد على ما عندها من مخزون وما تحصل عليه من غنائم، وعلى القليل الذي يصل إليها من أولئك الذين سمحت لهم الظروف بممارسة نشاطهم الاقتصادي.

(1/8773)


... وعلى الرغم من الظروف السابقة، فإن الدولة كان مفروضا عليها إعداد الجيوش وتزويدها بالزاد والعتاد والمؤن، وتوفير الظروف الملائمة لنقلها لمواجهة الثوار بإفريقية والأندلس. هذا، إضافة إلى الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه جندها وقوادها وموظفيها وعمالها(1)، وكذلك تحفيز عمالها في بؤر التوتر ماديا، ودعمهم عسكريا، ليتمكنوا من
__________
(1) المراكشي، المعجب…، ص. 475؛ يوسف أشباخ، تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين، تعريب محمد عبد الله عنان، ط 2، القاهرة، ص. 475؛ ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة...، ص. 437.

(1/8774)


النهوض بالمهمة الصعبة الملقاة على عاتقهم. وفضلا عن ذلك، فإن الحركة قد منعت الموحدين من الاستفادة من خيرات إفريقية ومن الاتجار مع بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، ودول شمال البحر الأبيض المتوسط والمشرق.
... ومما لا شك فيه أن العوامل السابقة قد أضعفت اقتصاد الدولة، وبالتالي أجهزتها المختلفة، وجعلتها هشة.
...
ثانيا: الجيش
... الجيش هو سند الدولة، ودرعها الواقي، وحامي حماها، ورمز قوتها وعزتها، وضامن وحدتها الترابية. ولذلك، فقد حظي بعناية خاصة من قبل الموحدين(1)؛
__________
(1) ... المصادر والمراجع نفسها.

(1/8775)


ولكن بالرغم من ذلك، تكبد الجيش الموحدي كثيرا من العناء والمشقة في محاولاته للقضاء على حركة بني غانية، وتقصي آثارها، وذلك لبعد المسافة بين المغرب وإفريقية، ورداءة سبل المواصلات، ولفراق الجند لأسرهم فترة طويلة من الزمن، ولما قاساه من آلام في مطاردته للعدو وترصد حركاته وفي أماكن وعرة أو صحراوية. وعلاوة على ذلك، فإن الحرب لم تكن متصلة، ولم ترجح فيها كفة طرف على الطرف الآخر بصورة حاسمة، الأمر الذي شجع حركات المقاومة للإسلام بالأندلس على استثمار الفرصة، أي انشغال الموحدين بإفريقية، لاستعادة مجدهم

(1/8776)


ومجد آبائهم، وأضاف للجيش الموحدي مسؤولية أخرى، وهي الدفاع عن الإسلام بالأندلس، وجعله في حركة دائبة بين إفريقية والأندلس. وقد كانت لذلك انعكاسات سلبية على الجند، حيث أضعفت روحهم المعنوية، فأصبحوا مهيئين للتمرد. وبدا ذلك جليا قبيل وفاة الأمير يعقوب المنصور، فنتج عن ذلك تمزق الدولة وزوالها.
...
ثالثا: العلاقات السياسية مع المشرق
... في الوقت الذي كان يعقوب المنصور مشغولا بالجهاد بالأندلس، وردع بني غانية وتتبعهم بإفريقية، جاءته رسل صلاح الدين الأيوبي (توفي في ذي الحجة 543 هـ/ شباط/ [فبراير]

(1/8777)


1197 م) (1)، راجية منه مد يد العون والمساعدة، لتحرير بيت المقدس من قبضة الصليبيين. وقد ذكرت بعض المصادر أن المنصور قد اعتذر له، مبررا ذلك بانشغاله بجهاد النصارى بالأندلس وملاحقة بني غانية بإفريقية، وذكر البعض الآخر أنه قد أمده بأسطول بحري.
...
رابعا: الوحدة الترابية والوجود
__________
(1) كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط 11، بيروت، 1988، صص. 350 ـ 361. انظره للمزيد عن الدولة الأيوبية.

(1/8778)


... أدت حركة ابن غانية بإفريقية والثورات بالأندلس إلى تماسك الجبهة الداخلية للدولة الموحدية بالمغرب، وتوحيد الكلمة، وإسهام الرعايا، وحماس في الحملات التي وجهتها الدولة لردع الثوار، واستعادة المناطق المغتصبة. ولكن تفرق بؤر التوتر، وبعدها عن حاضرة الدولة، وطول نفس قادتها، وإلمامهم بمكائد الحرب، وتنوع أساليبهم القتالية والدفاعية، وصعوبة الاتصال والنقل... ـ كل ذلك استنفد إمكانات الدولة الموحدية الاقتصادية، وأضعف من روح جندها القتالية، وهيأ الفرصة لأعدائها والمتربصين بها لاقتطاع ما شاءوا من

(1/8779)


أراضيها، بل القضاء عليها نهائيا، وإلى الأبد.
... وفيما يخص الأندلس، فقد كانت هزيمة محمد الناصر في معركة العقاب (Las Navas de Tolosa) عام 609 هـ/ 1212 م بداية النهاية للوجود الموحدي هنالك؛ فقد ظهر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود الجذامي منافسا للموحدين بمرسية ((Murcia عام 625 هـ/ 1227 م، ومنافحا عن الأندلس من الأطماع التوسعية لفرناندو الثالث III (Fernando) ملك قشتالة (Castilla) ووالده ألفونسو التاسع (Alfonso IX) ملك ليون (Léon)، فدخلت في طاعته مدن كثيرة كقرطبة (Cordoba) وإشبيلية

(1/8780)


(Sevilla) وغرناطة (Granada) ومالقة (Malaga)...؛ كما ظهر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر منافسا لابن هود، الذي توفي 635 هـ/ 1237 م، واستطاع تكوين دولة قاعدتها مدينة غرناطة، وامتد نفوذها في عهده وعهد خلفائه ليشمل ثلاث ولايات كبيرة: غرناطة في الوسط، وألمرية (Almeria) في الشرق، وولاية مالقة في الجنوب والغرب. وبقيت رئاستها وقفا على أفراد أسرته إلى أن قضى عليها الملكان الكاثوليكيان: فيرناندو الخامس (Fernando V) ملك ليون وزوجته إزابل الأولى (Izabel I) ملكة قشتالة في 2 ربيع الأول

(1/8781)


897 هـ/ 2 ديسمبر 1492 م(1).
... أما عن حركة المقاومة المسيحية، فقد استطاعت الاستيلاء على ميورقة (Mallorca) في 11 صفر 627 هـ/ 31 ديسمبر 1229 م، ثم بقية جزر أرخبيل الباليار (Archipièlago Balear) بعد فترة قصيرة، وبلنسية (Valencia) عام 636 هـ/ 1238 م، وإشبيلية في 646 هـ/ 1238 م... (2)، ثم توجت
__________
(1) عبد الرحمن علي الحجي، التاريخ الأندلسي، من الفتح إلى سقوط غرناطة 92 ـ 897 هـ (711 ـ 1492 م)، بيروت، 1976، صص. 513 ـ 518.
(2) الحجي، المرجع نفسه، ص. 518؛ José Luis Asiلn Pea, op. cit..., pp. 68-69.

(1/8782)


انتصاراتها بالاستيلاء على غرناطة وطرد العرب من الأندلس.
... وفيما يتعلق بإفريقية، فبالنظر إلى السلطات الواسعة التي خولت للشيخ أبي محمد عبد الواحد الحفصي، عامل إفريقية، ومقارنتها بالصلاحيات التي وضعها فقهاء السياسة الإسلامية للأمراء والعمال، وفي ضوئها وضعوا تقنيناتهم للإمارة على البلدان، نجد أن إفريقية قد تحولت إلى إمارة استكفاء(1)، تلك الإمارة التي كانت سببا في تمزق الدولة العباسية، وذلك لاستقلال أمراء
__________
(1) الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ط 3، القاهرة، 1973، صص. 31 ـ 32.

(1/8783)


الاستكفاء بإماراتهم: إما نظير اعتراف اسمي بالسلطة المركزية وجعل من المال، وإما استقلالا تاما(1)، وكأن التاريخ يعيد نفسه: فقد ظهرت نوايا الحفصيين الانفصالية منذ إمارة أبي محمد عبد الواحد، ثم أصبحت واقعا في عهد ابنه أبي زكريا في عام 626 هـ/ 1228 م، حيث أوقف الدعوة للخليفة الموحدي، وتلقب بلقب أمير، وأمر بذكر اسمه بعد المهدي في الخطبة والدعاء(2)
__________
(1) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، دون مكان النشر، 1910، ج 1، ص. 155.
(2) ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 593 ـ 595؛ الزركشي، مصدر سابق، صص. 16 ـ 18.

(1/8784)


.
... أما في المغرب، فقد استغل بنو مرين ضعف السلطة المركزية، فظهروا على مسرح الأحداث السياسية واستطاعوا إلحاق الهزيمة بالجيش الذي أعده والي فاس لحربهم في أول صدام لهم مع الموحدين(1)، ثم تفاقم خطرهم، وازدادت قوتهم، فاستطاعوا القضاء على الدولة الموحدية والجلوس في مكانها عام 668 هـ/ 1269 م(2).
__________
(1) الناصري، مصدر سابق، صص. 226 ـ 227.
(2) ابن خلدون، مصدر سابق، صص. 542 ـ 551؛ المراكشي، مصدر سابق، صص. 476 ـ 477.

(1/8785)


حفريات حول الطباعة بالمغرب
... ... ...
... ... ... ... ... الدكتورمحمد سديد
... ... ... ... ... كلية الآداب- الرباط

... أجمع المؤرخون المغاربة الذين أرخوا للكتاب أن المغرب لم يعرف الطباعة إلا في عصر السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، أي بعد أن عرفتها أوروبا بنحو أربعة قرون. إلا أن المؤشرات التاريخية تدل كلها، وبقوة، أن المغاربة كانوا على علم بوجود فن الطباعة قبل هذا العصر وبكثير وعلى كل المستويات.

على المستوى العالي

(1/8786)


... خصص السفير إدريس بن محمد بن إدريس العمراوي الذي بعثه السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان إلى فرنسا سنة 1276 هـ ما يزيد عن أربع صفحات ل "دار الطباعة" واصفا آلاتها وحروفها وطريقة يبكها. وأثنى على حسنات المطبعة في ترويج الكتاب مع قلة ثمنه إذ أن الكتب المطبوعة بها "تباع بنصف ثمن النسخ المحرفة" ( بتشديد الراء) وأنها "عامة النفع معينة على تكثير الكتب والعلوم وأثرها في ذلك ظاهر معلوم" (1) . ...
__________
(1) إدريس بن محمد بن إدريس العمراوي، تحفة الملك العزيز بمملكة باريز، ص.54.

(1/8787)


إلا أن السفير ، وهو يصف المطبعة الملكية بفرنسا، ذكر أنه وقف في خزانة السلطان سيدي محمد بن عبد لرحمان على "كناش كبير مجلوب من هذا المحل فيه جميع أمثلة الخطوط التي تطبع في هذه المطبعة " (1)
... إن لهذه الإشارة أهمية تاريخية قصوى بالنسبة للموضوع الذي نحن بصدده وذلك لسببين :
... أولا : إنها تؤكد علم ملوك المغرب بوجود فن الطباعة.
... ثانيا : لم يكن السلطان وحده على علم بذلك.
... ثم إن وجود هذا الكناش بخزانة السلطان يدل على أنه ربما كانت فكرة استيراد فن الطباعة واردة وأجلت لأن
__________
(1) المصدر نفسه، ص.51.

(1/8788)


الظروف التي كان يعرفها المغرب آنذاك لم تسمح بذلك. ومما يؤكد هذا الاحتمال هو أن الطباعة ما كادت تصل إلى المغرب بمبادرة فردية حتى أممتها وتحملت أعباءها وذلك بأمر سلطاني (1) .
على مستوى العلماء
... دأب الحجاج المغاربة وخاصة العلماء منهم على العودة من سفرهم محملين بالكتب. في شتى العلوم والفنون المطبوعة في مصر. ونظرا لعلمهم بالطباعة وتقنياتها فقد كان بعضهم يحمل معه الكتب المحفوظة، يسلمها إلى المطابع المصرية وهو ذاهب
__________
(1) محمد المنوني، تاريخ الورقاة المغربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط 1993.

(1/8789)


إلى الديار المقدسة على أن يعود بها مطبوعة أثناء عودته. وقد كان بعضهم يعدها للطبع في المغرب ولا يقوم في مصر إلا بالسحب (1). وربما أدى هذا إلى استيطان بعضهم في مصر ومارسوا الطباعة بها زمنا. إننا نجد بالقاهرة سنة 1861 مطبعيا مغربيا يدعى محمد المغربي يحظى بامتياز خاص إذ سمح له بفتح مطبعة دون استئذان ودون احترام الشروط المنصوص عليها في القانون رغم احتجاج السلطات المحلية (2)
__________
(1) ذلك ما يتضح من كتاب مجموع المتون الذي قام بطبعه الحاج أحمد القادري صاحب المكتبة السنية بطالعة فاس.
(2) أبو الفتوح رضوان، تاريخ مطبعة بولاق، المطبعة الأميرية، القاهرة ، 1953،ص.389.

(1/8790)


. كان ذلك قبل دخول الطباعة إلى المغرب عن طريق مصر بأربع سنوات.
فهل كان هؤلاء المغاربة وكلاء للكتاب المغربي بالشرق ؟ وهل كان لهم دور في إدخال الطباعة إلى المغرب عبر مصر ؟
... إننا لا نجد أثرا لفن الطباعة في كتابات المؤرخين المغاربة للحركة العلمية والثقافية بالمغرب وذلك رغم علم بعضهم بها. فقد أغلفها الونشريسي في معياره. ولم يقل أبدا صاحب "سلوة الأنفاس" إن كان أحد المترجم لهم قد مارس الطباعة أو ملكها أو وقف عليها. وهذا يفرض تساؤلات عديدة :

(1/8791)


... هل كانت الطباعة في عهد الونشيريسي متداولة بين الناس ؟ وإن كانت فلماذا لم يبد رأيه فيها وهو الذي تطرق لأشياء أقل منها أهمية ؟ أم أنه، رغم وجودها، أغفلها لأنها لم تكن متداولة بين المسلمين ؟
... إن الاحتمال الأخير يفسر ، جزئيا "سلوة الأنفاس" من ذكر الطباعة إذ أن المعاملات التجارية كانت قائمة بين المسلمين وغير المسلمين في فاس وسائر المدن المغربية. أم ترى كان فن الطباعة محتكرا من قبل طائفة معينة ؟ أم كان المسلمون ينفرون منه لأسباب معينة ؟ أم كان محرما عليهم على غرار مسلمي تركيا ؟

(1/8792)


... إن هذه التساؤلات الأولية التي قد تتولد عنها تساؤلات أخرى أكثر عمقا تتطلب مزيدا من البحث والتنقيب لإلقاء الأضواء على حلقة مهمة من تاريخ الفكر المغربي طالما أهملت. وهذه التساؤلات يجدر بها أن تتوسع لتشمل العرب والطباعة ككل. ويمكن هنا ؟أن نتطرق للموضوع، ولو بعجالةـ لنبين، إن كان ذلك يحتاج لدليل، أن الموضوع ذو أهمية ولا زال لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه.
العرب والطباعة
... كان العرب في بداية الدولة الإسلامية على صلة بالحضارة الصينية حيث كانت الطباعة متداولة (1)
__________
(1) Bulletin de L’institut Egyptien , 57 série , T. III , 1er fascicule , déc . 1909 , P : 83 . أشار كالدي - ناجي إلى طباعة كتب دينية وأدعية و أوراق اللعب بقواليب خشبية ، كما أكد وجود مصاحف مطبوعة . ونظرا لأهمية الموضوع فإنه يحتاج إلى مزيد من البحث ( انظر : Gy Kaldy - Nagy ," beginninngs of the Arabic -letter Printing in the Muslim word" in The East;studiesin Honour or Julius Germanus ,Budapest,1974 ,PP201-211
===كما وصف رشيد الدين ( فضل الله بن عماد ) وكان طبيبا ووزيرا أيام المغول في إيران وصفا دقيقا للطباعة في بداية القرن الرابع عشر في كتابه جامع التواريخ. ترجم طبيبا ووزيرا أيام المغول في إيران وصفا دقيقا للطباعة في بداية القرن الرابع عشر في كتابه جامع التواريخ .ترجم النص من الفارسية إلى الفرنسية المستشرق كلابروت في : J.V.Klaproth , Lettre à M.Le Baron De Humboldt sur l’invention de la bourse de la boussole , Paris , Bondey - Dupré , 132-131 .PP , 1834 . وقد استعملت الطباعة في إيران ابتداء من سنة 693 هـ ( 1294 م ) . انظر : (G.W.Shaw , " Matba’a " , in Encyclopédie de l’Islam , nouvelle édition,P.742.

(1/8793)


. وقد نتج عن هذا الاحتكاك اقتباس علوم وصناعات شتى . إلا أننا نجد
العرب أغفلوا الطباعة ولم يطوروها أو لم يستعملوها إلا في أغراض خاصة ( شكل 1 ) . فهل كان الأمر كذلك أم أن التاريخ سكت عن هذا ؟ أم أن إتلاف وإحراق خزائن بغداد ودمشق وغيرها من طرف المغول والصليبيين ومن تلاهم يكون أحد أسباب هذا الصمت المهول ؟ أم أن المجتمعات العربية القديمة رأت الطباعة كما رأتها الكنيسة في القرن الخامس عشر فحاربتها بقوة صارمة ؟ فإن صحت الإشارات التاريخية حول وجود الطباعة على القماش أيام الفاطميين بمصر لصح هذا التأويل

(1/8794)


إذ لا نجد كتبا عربية مطبوعة في هذا التاريخ رغم تداول الورق عند العرب في هذا الوقت (6)
ظهرت الطباعة في أوروبا والعالم الإسلامي يعيش مرحلة حاسمة . في الغرب الإسلامي كان مسلمو الأندلس يحاربون ، وهم متفرقون ، الجيوش المسيحية محاربة مستميتة لكن دون تكافؤ في القوة والعدد . وانتهى صمودهم بسقوط غرناطة ، آخر معقل للإسلام ، سنة 1492 م، فاقترن خروجهم بدخول الطباعة الأوربية إلى الأندلس . وفي المشرق تزامن تطور الطباعة في أوربا مع حملات العثمانيين لغزو العالم الإسلامي فلم يكثرثوا بها . أما دولة المماليك في

(1/8795)


مصر والشام فقد كانت تلفظ آخر أنفاسها أمام زحف جيوش الأتراك . وهنا وجب أن نتساءل
مع ف . بارتولد ، كيف " أخذ المسلمون الأسلحة النارية بدون تردد، ولكن وجب استفتاء علماء الدين في قبول فن الطباعة وهي أحد مخترعات الكفار " ؟ (1) .
... وهكذا تطورت الطباعة أما م باب العالم الإسلامي دون أن يكون له حول أو قوة للاستفادة منها . بل أن السلطان العثماني بابزيد الثاني لما أدخلت الجالية اليهويدة أول مطبعة إلى تركيا
__________
(1) ف . بارتولد ، تاريخ الحضارة الإسلامية ، ترجمة حمزة طاهر ، دار النعارف بمصر ، 1966 ، ص . 149 .

(1/8796)


سنة 1493 م أصدر فرمانا يقضي بتحريم الطباعة على رعاياه المسلمين (1) .
المغرب والطباعة
... رأينا أن دخول أول طبعة أوربية إلى الأندلس غرناطة . وهكذا عرف آخر مسلمي الأندلس فن الطباعة . وقد امتهنه قطعا بعضهم إذ أن كتب تبشير كثيرة موجهة إلى المسلمين قصد تعليمهم الذين المسيحي قد طبعت
__________
(1) خليل صابات ، تاريخ الطباعة في الشرق الأوسط ، دار المعارف بمصر ، 1958 ، ص . 23 - 24 ؛ A. Thevet , Hisoire des plus illustres et seavans hommes de leur siècle , Paris , 1671 ,tome ) و VII ,P .111, matière : gute,berg. )

(1/8797)


بعد سقوط غرناطة بأمر من الكنيسة بحروف عربية ( شكل 2 ) . وقد نزح عدد كثير من هؤلاء المسلمين إلى المغرب خوفا من نيران محاكم التفتيش . ترى هل كان من بين هؤلاء المهاجرين من مارس الطباعة من قبل وهل أتى بعضهم في أمتعته بآلة طباعة أو بحروف مسبوكة ؟
... ظهرت الحروف العربية المطبوعة بالأندلس سنة 1505 أي مباشرة بعد سقوطها فهل كانت الفترة الفاصلة بين 1592 و1505 كافية لاستيعاب تقنيات الطباعة العربية وحفر وسبك نسقات عربية ؟

(1/8798)


... هناك دلائل عدة تبشر بوجود طباعة عربية ببلاد الأندلس . تعتبر رحلة برنارد ده برايدنباخ (Bernard de Breydenbach) إلى بلاد الشام أول كتاب ظهر في أوربا بحروف عربية سنة 1486 . إلا أن الحروف المطبعية كانت وفق الخط المغربي ( شكل 3 ) . وطبع الكتاب في مدينة ماينس((Mayence .فترى كيف هاجرت هذه الحروف المغربية إلى ألمانيا وأي طريق سلكت ؟
... كما أن الحروف التي استعملها بدوره ده ألكالا ( Pedro Alcala ) فس كتابه حول " فن تعلم اللغة العربية بسهولة " ( Arte pera legeramannte saber la lenga arravige)

(1/8799)


صممت وفقا للأبجدية المغربية (شكل 2 ) .
... ونفس التساؤل وضعته الباحثة الإيطالية أولغا بينتو ( Olga Pinto ) حول وجود حروف مطبعة مغربية استعملت في مقدمة كتاب " المزامير في ثلاث لغات " ( Pasalterium trilingue) في جنوى (Génova) سنة 1516 والتي تجهل الظروف التي صنعت ووصلت فيها إيطاليا (1) . إنها لا تعني حروف "ابن سينا " التي صممت سنة 1586 على نفقة
__________
(1) مركز العلاقات الإيطالية - العربية ، روما ، الدراسات العربية وفن الطباعة العربية في إيطاليا من القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين ، ص . 6 .

(1/8800)


الكاردينال فيردينان ده ميديسيس (Cardinal Fernand de Médicis ) صاحب المطبعة الشرقية الشهيرة في روما أو الحروف المغربية التي أتى بها نابليون من مطبعة الفاتيكان إلى المطبعة الوطنية الفرنسية (1) .
... أشار صاحب " الإحاطة " مترجما لأبي بكر القللوسي أنه " ...رفع للوزير الحكيم كتابا في الخواص وصنعة الأمدة وآلة طبع الكتاب غريب في معناه " (2) .
__________
(1) Les caratères de l’Imprimerie Nationale , I , N , Paris,1990, PP. 189 - 214
(2) ابن الخطيب الإحاطة في أخبار غرناطة ، الجزء الأول ، ص . 135 .

(1/8801)


كما تبث عند ابن الأبار أنه في القرن الرابع للهجرة كان لعبد الرحمان بن بدر ، أحد وزراء الناصر، وصيف كاتب " اعتاد أن ينشئ الرسائل الرسمية في منزله ، ثم ينفذها إلى ديوان خاص يصير فيها إظهارها على الورق ، فتصدر في نسخ متعددة توزع على عمال الدولة " (1) .
... ولعل ابن بدر هذا هو الذي أشار إلأيه كيانكوس ( Cayangos) في رده على هامر بوركستال (Hammer Purgastall) مستفسرا إياه عن مقطع من " الإحاطة "
__________
(1) ابن الأبار ، الحالة السيراء ، تحقيق حسين مؤنس الشركة العربية للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1966 ، ص . 253 .

(1/8802)


، محدثا في ذلك خلطا وتناقضا . إلا أن استشهاده بنص من " الحلة السيراء " كان أوضح وأنفع . فلعله رجع إلى نسخة خطية بأكاديمية إسطانبول حيث كان يعمل وهذا نص استشهاده متحدثا عن ابن بدر ، خادم الأمير عبد الله ، كما ورد في كتاب ابن العطار " فكتب السجلات في داره ثم يبعثها للمطبع فتطبع وتخرج إلأيه فيبعث في العمال وينفذون على يديه " (1) . كان هذا في القرن الرابع للهجرة الموافق للقرن الحادي عشر للميلاد . أي قبل ظهور الطباعة في أوربا بنحو ثلاثة
__________
(1) Journal Asiatique , 4éme série , tome XX , 1852 , P.255.

(1/8803)


قرون .
... فبعد أن تطرقنا بعجالة إلى الموضوع من الناحية الأندلسية يجب أن نعبر مضيق جبل طارق لنرى القاعدة الخلفية لمسلمي الأندلس .
... لم تقتصر الهجرة إلى المغرب على المسلمين وحدهم بل رافقهم عدد كبير من اليهود الذين رفضوا التنكر لدينهم أو اعتنقوا المسيحية في الظاهر خوفا من محاكم التفتيش . نزل معظم المهاجرين بفاس نظرا لمكانتها العلمية والسياسية آنذاك .
... إن وجود مطبعيين بين المهاجرين إلى المغرب خوفا من نيران محاكم التفتيش تبرره عوامل عدة :

(1/8804)


... 1 - ابتداء الحملة ضد اليهود سنة 1490 بإحراق ما يزيد عن ستة آلاف كتاب عبري من طرف محاكم التفتيش .
... 2 - إصدار الملكة إيزابيل سنة 1502 لمرسوم يقضي بمنع الطباعة على اليهود أو استيراد الكتب العبرية دون ترخيص .
3 - إعدام كل يهودي رجع إلى إسبانيا بعد طرده (1) .
... استوطن معظم اللاجئين اليهود مدينة فاس حيث كانت تقطن جالية يهودية مهمة وحظوا برعاية الملوك المرينيين وتقلدوا أعلى مناصب الحكم مما ساعد على متابعة الهجرة اليهودية من
__________
(1) عادل سعيد بشتاوي ، الأندلسيون المواركة ، دمشق ، 1985 ، ص . 213 .

(1/8805)


الأندلس حيث كان قتل اليهودي لا يعتبر جريمة (1) . والاستقرار المعنوي كفيل بالخلق والإبداع .
... فإذا كان من اللاجئين إلى فاس مطبعيون فيحتمل أن تكون هجرتهم قد وقعت بعد منع الطباعة على اليهود من طرف ملكة إسبانيا وأن يكون وصولهم إلى المغرب قد حصل حوالي سنة1498 (2)
__________
(1) M.Kenbib , " Juifs dans une cité de L’Islam " , in Fès médiévale ,Côté cour , Côté rue , Autrement, Paris , 1988, P.174.
(2) L.Febere et H.J . Martin , L’apparition du livre , Albin Michel , Paris , 1958 , P. 376 et J. Bloch ,

" Early Printing " in Spain and Portugal , 1938 , PP . 32 - 35 .

(1/8806)


إذ تؤكد المصدر أن البرتغالييين اليهود حملوا معهم مطابعهم (1) .ولما استقروا بالمغرب " استمروا في إنتاج كتب جميلة " (2) .
... صدر أول كتاب عن المطبعة الفاسية سنة 1516 لدافيد بن يوسف أبو درهم تحت عنوان (Perush ha - berkhot ve ha -tefillot ) ( شكل 4 ) بمطبعة كان يديرها سمويل بن إسحاق نيفدوت (Samuel b . Isaac Nivadot ) وابنه إسحاق ، واستمرت هذه المطبعة في العمل إلى سنة 1524 أنتجت خلال هذه
__________
(1) المصدر السابق ، الهامش 364 ، ص . 474 .
(2) Encyclopedia Judaïca , Jérusalem , 1975 , tome II , colome 303 .

(1/8807)


المدة خمسة عشر كتابا على الأقل (1) . ويجهل مصير مطبعة نيفيدوت إذ لا نجد أثرا لها بعد هذا التاريخ . كما تجهل الأسباي التي دعتها إلى التوقف . فربما كان ذلك بموت صاحبها أو إفلاسه أو بعدم توفر المواد الضرورية للاستمرار في الإنتاج . وربما مات نيفيدوت هذا ولم يخلف ولدا إذ لا نجد له أثرا في قائمة أسماء يهودي المغرب (2) وبهذا يكون المغرب
__________
(1) Encyclopedia Judaïca , Jérusalem , 1975 , tome 6, colome 1056 .
(2) I.Abraham , Laredo , Les noms des jiufs du Maroc , Institut B . Arias Montaano , Madrid , 1978 .

(1/8808)


أول بلد عربي وإفريقي عرف الطباعة وثاني بلد إسلامي ، بعد تركيا سنة 1493 م (1) . ونحن لا يهمنا أكان إنتاجها عربيا أم لا بقدر ما يهمنا الحدث العلمي ذاته. كما أن الطباعة كانت
__________
(1) Encyclopedia Judaïca , Jérusalem , 1975 , tome 9 , colonne 1097 ) . يشير بروني في معجم علوم الكتاب إلى أن " كتبا قد طبعت في المغرب من طرف أوربيين " ( أنظر : Chevallier , Origine de L’imprimerie , 1964 , cité par Brunet ( L’abbé ) , Dictionnaire de Bibliologie catholique , J-P , Migne Edit . Paris , 1860 , colonne 943 .

(1/8809)


رائجة في شمال المغرب المحتل قبل دخولها إلى فاس سنة 1865م.(شكل5).
... تتضارب المعطيات حول وجود الطباعة في المغرب قبل القرن السابع عشر . فسفير فرنسا بالمغرب بيدو ده سانت أولن ( Pidou de Saint Olon ) يؤكد في وصفه الدقيق لحالة المغرب الاجتماعية والفكرية والاقتصادية سنة 1693 م قائلا : " ...إن الكتب ( بالمغرب ) غريبة وقليلة لأن المطابع كادت تنقرض من بلادهم " (1) " lES LIVRES )Y sont d’autant plus curieux et rares qu’il
__________
(1) Pidou de Saint-Olon , Etat présent de l’Empire du Maroc , Paris , 1694 , P.79 .

(1/8810)


n’y a presque plus « d’imprimeries dans leurs païs ) هذه الشهادة الدقيقة تؤكد أن المغرب كانت به مطابع عديدة وكادت تنقرض في نهاية القرن السابع عشر حسب شهادة السفير الفرنسي ( il n’y a presque plus d’imprimeries ) الشيء الذي يفتح أمامنا آفاقا جديدة في البحث .

(1/8811)


حملة لويس التاسع على تونس (فصل من الحروب الصليبية)

... ... ... ... ... ... الدكتور محمد الباجي بن مامي
... ... ... ... ... المعهد الوطني للتراث- تونس

اعتبر كل المؤرخين حملة لويس التاسع على تونس، حلقة من حلقات المواجهة التي فرضت على قسم من العالم الإسلامي خلال فترة طويلة من الزمن والتي درست أغلب تفاصيلها بطريقة دقيقة(1)
__________
(1) تحدثت الكثير عن المصادر والمراجع عن كل جزئيات الحملة الأولى وعن أسبابها وعن دور البابا أوربان الثاني (Urbain II) ودور «Pierre l’Ermite » فيها ، إلخ كما درست الحملة الثانية ودور البابا «Eugène II » فيها، سنة 1146م. ومن بين أهم الحملات: الثالثة سنة 1187م، تلك التي ساهم فيها ريتشارد قلب الأسد وفريديريك «Frédéric Barberousse » . حول هذه الحملات والتي تلتها انظر: Encyclopaedia Universalis, Vol. 5, pp. 146-152; Encyclopédie de l’Islam, «Croisades ».
كما يمكن الاطلاع على:
- إرنست باركر، الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، دار النهضة العربية، بيروت، 1967؛ زابوروف ميخائيل، الصليبيون في الشرق، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1986؛ سعيد عبد الفتاح عاشور، الحركة الصليبية في العصور الوسطى، القاهرة، 1982؛ شارتري فوشيه، تاريخ الحملة إلى القدس، ترجمة زياد العسلي، عمان، 1991.

(1/8812)


في العديد من الملتقيات العلمية(1)
أما عن أسباب الحملات الصليبية بصفة عامة، فقد خاض فيها العديد من المؤرخين، ولكل منهم آراؤه وتحاليله. فمنهم من يرى أن هذه الدوافع اقتصادية بحتة ومنهم من يضيف
العامل الديمغرافي، ومنهم من يصدر في المقدمة العامل الديني قبل أي سبب آخر(2)
__________
(1) نذكر من بين هؤلاء المصنفين: ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق؛ وابن الأثير، الكامل في التاريخ؛ وابن شداد، النوادر السلطانية؛ وابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وغيرهم كثير...
(2) انظر خاصة أعمال المؤتمر: »الأسبوع التاريخي الأول بمناسبة مرور سبعة قرون على خروج الصليبيين (الفرنجة) من بلاد الشام«، تصدير الجمعية التاريخية في حمص، سنة 1992. وبها عدة مقالات هامة من بينها خاصة مقال للدكتور صالح حمارنة »الحملات الصليبية- التسمية والدوافع«، ومقال الدكتور سهيل زكار، »كيف جاءت نهاية الحروب الصليبية ونتائجها«. كما ساهم الدكتور شاكر مصطفى، بمقال بعنوان: »حكاية الصليبيات«. وانظر أمين معلوف، »الحروب الصليبية كما رآها العرب«، ترجمة دار الفارابي، بيروت، 1989.
P. Alphandrie et A. Dupônt, La chrétienté et l’idée de Croisade, 2 Vol, Paris, 1954-1959.

(1/8813)


.
إلا أنه من المؤكد أن هذه العوامل كلها في مجملها لها نصيب الأسد في اندلاع وتواصل هذه الحملات الصليبية(1)
__________
(1) فقد رأى أغلب المحللين للموضوع أن الحروب الصليبية كانت في معناها الواسع حلقة من الصراع ومواجهة مباشرة بين المشرق والمغرب. وأكد أغلبهم على أن أسباب قدوم الصليبيين متعددة، ومن بينها الأسباب المباشرة، فقبل الحملة الأولى وبعد تهديد السلاجقة للقسطنطينية واستنجاد الإمبراطور البيزنطي ألكسيس كومان (Alexis Commène) بالبابا، وما من شك أن أوربان الثاني كان يعد هذه المدينة آخر خط دفاعي أمام توغل المسلمين في أوربا. أما الناحية الأخرى التي نسجلها، فهي الوضع الذي كان عليه المجتمع الأوروبي. فجميع المصادر تتحدث عن الفاقة والاحتياج اللذين كانا منتشرين هنالك، كما أن طبقة الإقطاعيين والنبلاء كانت تسلط ضرائب ضخمة على الفلاحين فمثلت هذه الحروب الفرصة السانحة لهم للتخلص من قمع أسيادهم والهروب من اضطهادهم. لهذا اندفعوا في أعداد كبيرة للقيام بالواجب المقدس. أما الطبقات العليا، فكانت ترمي من وراء هذا إلى تحقيق مطامح شخصية، خاصة الحلم بتكوين ثروات طائلة واقتطاع إمارات جديدة بالمشرق، كما اعتبروا أن الوازع الديني سيكون غطاء لأهدافهم الدنيوية. ونلاحظ أن الجمهوريات الإيطالية كانت تطمح إلى الحصول على أرباح طائلة من جراء هذه الحملات خاصة جمهوريات البندقية وجنوة وبيزا ونابولي التي ساهمت فيها مباشرة. لكن لا يعني هذا أن الناحية الدينية فقدت لدى هؤلاء، إذ أن أغلبهم -وخاصة العامة، أي الجنود- كان وازعهم الأساسي دينيا، إذ أن دفع رجالات الدين لهم كان متواصلا للحج إلى بيت المقدس والاستيلاء عليها. (يمكن الاطلاع على ما أورده سيد علي الحريري في كتابه: »الأخبار السنية في الحروب الصليبية« (1329هـ) حول خطاب البابا أوربان الثاني في Clérmont Ferrand وعن إعلانه لغفران الذنوب والتكفير عن المعاصي لكل مشارك في الحملة، وهي ليست أول مرة يحصل فيها هذا. فالبابا جون الثامن وعد هو الآخر بمحو ذنوب المحاربين الذين يدافعون عن دينهم ضد المسلمين في صقلية (خلال القرن الثالث الهجري/ التاسع ميلادي) كما أن ألكسندر الثاني وعد بنفس الشيء بالنسبة للمقاتلين المسيحيين بإسبانيا سنة 1063م.

(1/8814)


.
ولقد اخترت الحديث عن الحملة الصليبية الأخيرة التي دارت رحاها بتونس، نظرا لعدم توفر دراسة معمقة إلى حد الآن حول هذا الموضوع، خاصة وأنه لا يمكن الاعتماد إلا على
مصادر عربية قليلة جدا، أولها زمنيا وأهمها »كتاب العبر« لابن خلدون، الذي اعتمد عليه ابن قنفذ في مصنفه »الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية« (القرن الثامن هجري/ الرابع عشر ميلادي)، ونفس الشيء بالنسبة لابن الشماع صاحب »الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية« (القرن التاسع هجري/ الخامس عشر ميلادي).

(1/8815)


أما بالنسبة للمصادر العربية، فقد لاحظت أنها متحيزة وحاولت تحريف الواقع، خاصة وأن الكثير منها اعتمدت فيما أتت به على بعض رجالات الدين الذين رافقوا الحملة. ومن اللافت للانتباه أن سكرتير لويس التاسع دون كل أحداث الحملة السابعة، يوما بعد يوم، وهو ما يمكن عده وثيقة هامة جدا، بينما لم نحصل على أي وثيقة من هذا النمط بالنسبة للحملة الثامنة، وهو ما كان يمكن أن يسهل لنا الأمور.
ويجدر بنا في مقدمة هذا البحث أن نتساءل عن أسباب قيام هذه الحملة الصليبية الثامنة وأسباب تحويل وجهتها إلى تونس.

(1/8816)


أول ما يلفت النظر هو الحالة الداخلية للبلاد التونسية خلال القرنين اللذين سبقا تاريخ الحملة. فمن المؤكد أن الأفرنجة لم يشعروا البتة بأي خطر يمكن أن يتأتى من افريقية خلال القرنين الخامس والسادس للهجرة ( XI و XIIم)(1)
__________
(1) تولى المعز بن باديس الحكم على إفريقية (من سنة 406هـ إلى 453هـ). فكانت تعد مدته في البداية فترة رخاء نسبي ثم أصبحت مليئة بالاضطرابات خاصة مع زحف قبائل بني هلال وسليم التي سادت خلالها الفوضى في البلاد. ومثل النصف الثاني للقرن الخامس أحلك الفترات. فقد اعتبرها المؤرخون فترة »ملوك الطوائف«. وهكذا عرفت عدة مدن استقلالية ذاتية مثل ما حدث في مدينة تونس (بنو خرسان).

(1/8817)


.
فقد عرفت هذه الأصقاع آنذاك فترة من الاضطرابات والتشتت إثر الزحفة الهلالية في منتصف القرن الخامس هجري/ الحادي عشر ميلادي، ونتج عن ذلك تقسيم افريقية إلى دويلات متصارعة لا تمثل خطرا على بلاد »الافرنجة والنصارى«، مما يسر لهم استرجاع صقلية بشيء من السهولة. وتواصل الأمر على هذا الحال حتى قدوم عبد المؤمن بن علي سنة الأخماس (555هـ) حيث استتبت الأمور نسبيا، ولم تعرف افريقية بعض القوة إلا عند قيام الدولة الحفصية.

(1/8818)


ثم تطورت الأمور خلال حكم المستنصر بن أبي زكرياء الأول، مؤسس الدولة الحفصية، حيث أصبحت تونس لمدة وجيزة مقر الخلافة. فمن الناحية الغربية للبلاد، أتته البيعة من الأندلس: خاصة من الناصريين بغرناطة، وكذلك من بني عبد الواد بتلمسان، والمرينيين بفاس (سنة 652هـ/ 1254م). ويفيدنا ابن خلدون أن أبا يحيى بن عبد الحق بعث سنة 652هـ/1254م بسفارة إلى المستنصر الحفصي للتأكيد على مبايعته له. وإثر وفاة أبي يحيى سنة 656هـ/1258م، واصل أبو يوسف يعقوب نفس سياسة أخيه في هذا المجال(1)
__________
(1) أعلن بنو مرين مبايعتهم للمستنصر وتشبثوا بها لمدة طويلة نتيجة مواجهتهم للموحدين حيث طلبوا من الحفصيين المعونة والمساعدة ضد خصومهم. انظر كتاب الاستقصا، لأحمد الناصري الذي يفيدنا بأنه: »لما لم يكن لبني مرين أن يدعوا إلى بني عبد المؤمن لأنهم أقتالهم وإياهم يتنازعون... دعوا إلى طاعة الحفصيين الذين هم فرع منهم، والدعوة إلى فرع كالدعوة إلى أصله، فلم تنفر نفوس أهل المغرب عنها« (ج.3،
ص. 28. انظر ابن خلدون، العبر، ج. 6، ص. 651).

(1/8819)


، كما وفد أمير بني توجين (من زناتة) على المستنصر مجددا طاعته(1).
أما في الناحية الشرقية، فإن انقراض الخلافة العباسية سنة 656هـ/1258م (تحت ضربات المغول) أحدثت تصدعا خطيرا في صلب العالم الإسلامي نتيجة لانفصام العروة الوثقى والرابطة الروحية التي كانت تشده لبعضه. ولتدارك هذا الوضع، ومن جراء هذا الفراغ، وردت بيعة مكة المكرمة على المستنصر، ويبدو أن أحد الأندلسيين أصيل مرسيه الذي استوطن سابقا تونس وهو أبو محمد عبد الحق بن سبعين(2)
__________
(1) ابن خلدون، العبر، ج 6، ص. 660.
(2) حول هذه الشخصية المرسية، انظر ابن خلدون، المصدر السابق، ج.6، صص. 634-635. كما أورد نفس المصدر نص المبايعة بأكمله
(ص. 651)؛ وكذلك ابن أبي الضياف في إتحاف... الذي مدنا بمعلومات عن هذه المبايعة (ج. 1، ص. 160)

(1/8820)


كان له تأثير على شريف مكة أبي نمي بن قتادة، وهو الذي حثه على بعث مبايعته إلى الأمير الحفصي، وذلك سنة 657هـ/1259م(1).
وبعد حوالي سنة ونصف من هذا التاريخ وإثر انتصار المماليك على المغول في فلسطين (رمضان 658هـ/1260م)، وصلت رسالة
__________
(1) أتى بهذه الرسالة أبو محمد بن برطلة وهو الآخر أصيل مرسيه (انظر: ابن قنفذ الفارسية، ص. 120؛ والزركشي، تاريخ الدولتين، ص. 37؛ والغبريني عنوان الدراية، صص. 191-192. ويذكر ابن الشماع في الأدلة، أن أبا القاسم بن البراء التنوخي هو الذي قرأ هاته الرسالة بين يدي المستنصر.

(1/8821)


مبايعة مصر إلى المستنصر (بداية 659هـ/1260م) والتي لقب فيها بأمير المؤمنين(1).
__________
(1) إلا أنه قبل وصول الرسالة، استولى السلطان المملوكي بيبرس البندقداري على الحكم بعد قتله للمظفر، وذلك في ذي القعدة 658هـ/أكتوبر 1260م وجدد أسس الخلافة العباسية في مصر، لكن بالطبع ما هذه العملية إلا مكيدة استمد منها المماليك شرعية سلطانهم وسمحت لهم بإرساخ قواعد حكمهم من دون الاعتراف بالخلافة الحفصية (انظر: السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص. 477).

(1/8822)


قبل وصول الحملة الصليبية إلى تونس، أصبح المستنصر إذن رمزا هاما في العالم الإسلامي. فهو مع لقب الخليفة الذي تسمى به سنة 650هـ/1252م، اتخذ أيضا لقب أمير المؤمنين، ولا يستبعد أن يكون هذا العامل من الأسباب التي دفعت لويس التاسع إلى تغيير اتجاه الحملة الصليبية الثامنة إلى تونس. ومن البديهي أن مهاجمة هذا الرمز الذي أصبح له كثير من الدلالات ستشكل هزيمته انتصارا روحيا ومعنويا على بقية العالم ا لإسلامي.

(1/8823)


ومن الممكن جدا أن لويس التاسع أراد أيضا من وراء حملته هذه إضعاف المستنصر وبالتالي منعه من إغاثة الأندلس، التي مثلت هي الأخرى حلقة من حلقات صراع المسلمين مع القوى المسيحية، وبالتالي يمكن تصور موقف الملك الفرنسي من قضية إخوانه في الدين، الذين كانوا بصدد الاستيلاء على البقية المتبقية من الإمارات الإسلامية في الأندلس. وهكذا، فإن الهجوم على تونس ساعد بصفة فعلية في وقف أي مساعدة يمكن أن تصل إلى مسلمي الأندلس، وهو بالطبع ما كان يصبو إليه كل المسيحيين، بمن فيهم لويس التاسع.

(1/8824)


أما ابن خلدون، فيفسر مبادرة لويس التاسع، برجوعه إلى الفترات القديمة من تاريخ افريقية التي كانت من أول البلاد التي دخلت الدين المسيحي وساندته إلى أن جاء الإسلام، وكان الفتح. فيوضح صاحب »المقدمة« أن ذلك هو ما يفسر »أنه لم تزل في نفوسهم (أي المسيحيين) من ذلك ضغائن، فكان يخالجهم الطمع في ارتجاع ما غلبوا عليه«.

وهو -لعمري غير- مستبعد. فخلال فترة الحماية الفرنسية لتونس لاحظنا الكثير من المستشرقين الذين يميلون إلى هذا النوع من التفكير. وقد وجدت هذه الحملة هي الأخرى مساندة البابا أوربان الرابع (Urbain

(1/8825)


IV) ادذين رفع بالمسيحيين للاتجاه إلى مصر والشام، لنجدة إخوانهم المسيحيين هناك وحمايتهم من أعدائهم المسلمين.
ويدعم هذا البعد الديني ما ذهب إليه برونشفيك من أن البعض من الرهبان الفرنسيسكان والدومينيكان أوهموا لويس التاسع بإمكانية تنصير السلطان الحفصي . ويؤكد نفس المؤلف أن هذا السبب يبدو له منطقيا، إذ أن إيمان لويس التاسع كان عميقا جدا. وبالطبع، فإن إمكانية تنصير أمير المؤمنين تعد عملية بالغة الأهمية، وهي حسب رأيه من الدوافع التي ساهمت في تغيير وجهته إلى تونس. وبالرغم من أنه لا يمكننا الاقتناع

(1/8826)


بهذه النظرية، فإن هذا التصرف يتماشى وعقلية العصر، خاصة بالنسبة للملك لويس التاسع الذي تصفه المصادر الفرنسية بأنه كان متطرفا دينيا(1)
__________
(1) كما يذكر الوزير السراج أنه »قيل إن السبب هو أن الفرنصيص انجر ذكرهم بين يدي المستنصر فقال: هم الذين أسر هؤلاء طاغيتهم ثم أطلقوه، يشير إلى الأتراك الذين كانوا بين يديه فبلغ الفرنسيس (لويس التاسع) مقالته: »فحشد إليه أهل ملته بسبب ذلك« (الحلل السندسية، دار المغرب الإسلامي، 1984، ج.1، ص. 153؛ إلا أن هذا المصدر متأخر (القرن الثامن عشر). ولا يمكن أخذ ما ورد فيه بعين الاعتبار.

(1/8827)


.
وقد تساعدنا نشأة وشخصية لويس التاسع على فهم أسباب تنظيمه ومساهمته في هذه الحملات الصليبية من حيث تجمع مختلف المصادر والدراسات على أن شخصيته كانت معقدة(1)، وكانت قراراته ومواقفه تبعث على الحيرة؛ إلا أن الشيء الذي لا يمكن الشك فيه البتة هو إيمانه العميق.
ولد لويس التاسع في عام 1214، وتولى السلطة وسنه لم تتجاوز الثانية عشر، وكانت آنذاك الوصية على العرش بلونش دي كاستيل (Blanche de Castille) التي تصفها المصادر الغربية بالتقى، مما
__________
(1) انظر: Encyclopaedia Universaliy: «Saint Louis », Vol. 14, p. 615.

(1/8828)


أثر تأثيرا عميقا على بقية حياة الملك، كما اهتمت بلونش بتعليم لويس التاسع وخاصة تمرينه على ركوب الجياد وعلى فنون الحرب؛ مما جعل منه فارسا بارعا مولعا بقيادة الجند، وفي آن واحد رجل دين جمع حوله القساوسة(1)
إلا أنه انطلاقا من تاريخ حملته الأولى على مصر تغير مجرى حياته، وأصبح يميل أكثر للاختلاء بنفسه والعبادة. ومن المؤكد أنه بالرغم من استماعه لنصائح النبلاء المحيطين
__________
(1) F. Cognasso, «Storia Delle Crociate, Milano, 1967; P. Alchandery et A. Dupront: La chrétienté et l’idée de Croisade, 2 Vol, Paris.

(1/8829)


به، فإنه لم يكن يطبقها، بعكس تعامله مع رجالات الدين الذين أصبح لهم تأثير عميق على تصرفاته وعلى سياسته؛ لكن بالرغم من ذلك، فقد أبدى -حسب كل المصادر- الكثير من الحنكة ومن التبصر، مما حمل الأوروبيين على احترامه. فلا غرابة إذن في قرار سان لويس أن يقود حملتين صليبيتين، وهو ما يدفعنا إلى الاحتمال إلى أن دوافعه كانت في مرتبة أولى دينية، نقول هذا بكل احتراز لأن الدوافع الأخرى لها وزنها ولا يمكن تجاهلها.
غير أن هذه الناحية لا يمكن أن تفسر بمفردها خلفيات هذه الحملة، إذ أن العامل الاقتصادي من جهة والعامل

(1/8830)


الاجتماعي من جهة أخرى كان لهما دور لا يستهان به. فإضافة إلى الأبعاد الدينية التي تفسر قسطا من أسباب الحملات الصليبية بصفة عامة، توجد نواح أخرى لها قيمتها خاصة منها الأسباب الاقتصادية؛ إذ مثل هذين العنصرين القاسم المشترك بين جميع الحملات الصليبية.
ومن بين الأسباب التي ركزت عليها الكثير من المراجع: النمو الديمغرافي الذي عرفه الغرب، من ذلك دراسات المستشرقين التي تؤكد على نمو عدد الإقطاعيين والنبلاء والفرسان، خاصة بفرنسا(1)
__________
(1) يذكر الدكتور صالح الحمارنة أن هذه الحملات مثلت »متنفسا لطبقة الفرسان التي كان عددها ينمو باستمرار، كما أن الزيادة السكانية أيضا في غرب أروبا في القرن الحادي عشر قد حفزت أبناء الغرب على البحث على أراض جديدة خارج أروبا، فجاءت الدعوة إلى التوسع في الشرق العربي« (انظر: الحملات الصليبية: التمسية والدوافع، ص. 14. من الأسبوع التاريخي الأول بمناسبة مرور سبعة قرون على خروج الصليبيين. (الجمعية التاريخية في حمص).

(1/8831)


. ولا ينطبق هذا الوضع على القرن الحادي عشر فقط، بل تواصوا إلى القرن السابع هجري/الثالث عشر ميلادي.
أما بالنسبة للناحية الاقتصادية، فمما يمكن أن يفسر اتجاه لويس التاسع إلى تونس، هو أن افريقية كانت تتحكم آنذاك في أهم ممرات سوق الذهب السوداني، وهي التي كانت تزود أروبا به. ومن الأكيد أن هذا العامل له أهمية قصوى بالنسبة للجمهوريات التجارية الإيطالية، وخاصة منها البندقية وجنوة، وقد ساهمت هذه الأخيرة بسفنها لتأمين نقل جنود القديس التاسع. كما أنه من المؤكد أن للإطار السياسي الذي عرفته صقلية في ذلك

(1/8832)


التاريخ دورا لا يستهان به في تحويل وجهة القديس لويس إلى تونس.
ففي سنة 1266 م ساند البابا كليمون (Clément IV) شارل دنجو (Charles d’Anjou) أخو لويس التاسع في الحصول على صقلية(1). فقد سبقه فيها فريديريك الثامن النرمندي الذي كان يعتبر صديقا للمسلمين، مما جعل
__________
(1) كان لويس التاسع معترضا في البداية على تسمية أخيه ملكا على صقلية لكن تحت إلحاح البابا أوربان الرابع (Urbain IV). وأمام إصرار أخيه شارل، تراجع ووافق أخيرا على تقليد أخيه مقاليد الحكم في هذه الجزيرة الهامة بالبحر المتوسط خلال هذا التاريخ الوسيط.

(1/8833)


البابا يحقد عليه، ثم أتى دور منفرد (Manfred) سنة 1258م. وكان أبو زكرياء الحفصي يدفع أتاوة سنوية إلى فريديريك، إلا أنه بعد موته ساء حال مسلمي صقلية نتيجة للسياسة التي اتبعتها الكنيسة من تهجير لهم واستحواذ على أملاكهم، إلخ(1). وانطلاقا من هذا
__________
(1) عثرت على العديد من وثائق الأرشيف بصقلية التي تؤكد هذا الموضوع خاصة سياسة شراء الكنيسة لا ملك المسلمين ثم إدخالهم في صف العبيد أو تنصيرهم ثم آخر الحلول تهجير بعضهم إلى تونس. وانظر كذلك: Cusa Salvatore, Diplomi Greci et Arabi de Sicili, Palerme, 1968.

(1/8834)


الموقف، وكذلك اعتبارا لمساهمة شارل إلى جانب أخيه لويس في الحملة الصليبية السابعة، فقد قبل المستنصر الحفصي بعض خصوم شارل دنجو كلاجئين لديه، ثم ساندهم ماديا وعسكريا على التحول إلى صقلية لمحاربة شارل الأول. وكان من بين هؤلاء خاصة كونرادان (Conradin ) حفيد الملك السابق، وكذلك هنري وفريدريك (Henri et Frédéric) المغامرين اللذين هربا من مملكة أخيهما الفونس العاشر (Alphonse X) ملك قشتيلية (Castille)(1)
__________
(1) من بين من تحول إلى تونس للاحتماء بالمستنصر Nicolas Maletta و Frédéric Lancia صديقي الملك السابق لصقلية، ثم وصول Conrad Capece.

(1/8835)


، لكن خلال شهر أكتوبر 1268 تخلص شارل الأول من عدوه (Conradin). وبعد سنة، من ذلك وحد تحت سلطته كامل صقلية(1).
انطلاقا من هذا التاريخ، بدأ ملك صقلية يطالب المستنصر الحفصي بدفع نفس الأداءات التي كان يدفعها أبو زكرياء لفريديريك الثاني. وهكذا طالب من مبعوثي الملك الحفصي سنة 1269م دفع ما تخلد بذمته انطلاقا من تاريخ وفاة فريديريك الثاني، أي من سنة 1258م. أمام هذه المطالب المجحفة، رفض المستنصر
__________
(1) حول هذه الأحداث، راجع: Mas-Latrie Traité..., pp.158-159; Brunschvig, La Berberie Orientale..., T.I, p. 54.

(1/8836)


دفع أي أتاوة بالرغم من إرسال شارل دنجو بعدة مبعوثين إلى سلطان تونس لإيجاد حل لهذه المسألة(1).
فمن الممكن جدا إذن أن موقف المستنصر من شارل ومساندة أعدائه، ثم فيما بعد رفضه دفع أداءات لحاكم صقلية، جعلت هذا الأخير يحاول الانتقام في مرحلة أولى من هذا الخصم المسلم، ثم الحصول على الأموال المتخلدة بذمته، وهي في حد ذاتها عوامل ربما دفعت شارل دنجو لتحريض أخيه لويس التاسع على تحويل وجهته إلى تونس.
__________
(1) من بين هؤلاء الرسل، القسيس برنجير (LeFrère Prêcheur Brenger)، انظر: Brunschvig, idem, p. 55.

(1/8837)


وقد أكد بعض المؤلفين الغربيين على أن شارل هو المسؤول عن الغلطة الفادحة التي ارتكبها لويس التاسع في تحوله إلى تونس، وحسبما ذهبوا إليه، فقد كان يأمل في الحصول على منافع تجارية واقتصادية من وراء هذه الحملة(1)، خاصة وأن تونس كانت تعرف آنذاك مجاعة نتج عنها موت العديد من السكان. وهكذا أصبحت في نظرهم لا تمتلك القوة الكافية لرد غزواتهم. إلا أن برونشفيك يرى أنه لم يكن من مصلحة شارل دنجو
__________
(1) من بين من يحبذون هذا الرأي:
Diagard, Philipe le Bel et le Saint siège de 1285 à 1305, Paris, 1936, T.I, p. XXXV.

(1/8838)


تحويل وجهة الحملة إلى تونس، إذ كان ينوي الحصول إلى حل سلمي مع المستنصر للحصول على الأداءات التي يطالب بها. إلا أن هذا الرأي لا يستند على أي معلومات تاريخية ثابتة.
ومن بين العوامل الأخرى التي ربما تمثل أقل أهمية ما يذكره ابن خلدون حول اعتزام لويس التاسع »على الحركة إلى تونس متجنيا عليهم فيما زعموا بمال ادعاه تجار أرضهم وأنهم
أقرضوا اللياني«(1)
__________
(1) يذكر الزركشي (في تاريخ الدولتين) أنه »أول يوم من فاتح سنة تسع وخمسين وستمائة أمر السلطان بالقبض على أبي العباس أحمد اللياني...« وسعى به ابن أبي الحسين وغيره، زعموا أنه اختزن لنفسه مالا جليلا... وطولب بمال كبير فأحضره، ثم أمر السلطان بالقبض على اللياني، فقبض عليه، فحمل إلى دار السكة وعذب إلى أن مات سنة 659هـ/1261م (ص. 25).

(1/8839)


. »فلما نكبه السلطان، طالبوه بذلك المال وهو نحو ثلاثمائة دينار بغير موجب يستندون إليه، فغضبوا لذلك واشتكوا إلى طاغيتهم (أي لويس التاسع) فامتعض لهم، ورغبوه في غزو تونس لما كان فيها من المجاعة والموتان...«(1).
ادعى بعض التجار الفرنسيين إذن أن لهم دينا على أحمد اللياني، وهو أحد كبار رجالات الدولة، وذلك بعد مقتله تحت طائلة التعذيب بأمر من المستنصر. ويفيدنا ابن خلدون أن المستنصر أرسل بمبعوثين إلى لويس التاسع لإيجاد حل لهذا المشكل(2). وقد رفض لويس التاسع
__________
(1) العبر، ج. 6، ص. 665.
(2) نفس المصدر.

(1/8840)


التصالح، بالرغم من أن المستنصر قبل أن يدفع مبلغا ضخما له، ويعلمنا صاحب »العبر« أنه »أوفد السلطان إلى الفرنسيس لاختبار حاله ومشارطته على ما يكف عزمه، وحملوا ثمانين ألفا من الذهب لاستتمام شروطهم فيما زعموا، فأخذ المال من أيديهم وأخبرهم أن غزوه إلى أرضهم. فلما طلبوا المال، اعتل عليهم بأنه لم يباشر قبضه...«(1). هكذا يعد مؤرخنا سبب الحملة، هذه المشكلة، لكن هل يمكن أن تكون سبب الحملة الرئيسي في وجهة لويس التاسع إلى تونس؟
الحالة الداخلية في إفريقية قبل بداية حملة لويس التاسع
__________
(1) نفس المصدر.

(1/8841)


لا يستبعد أن تكون الحالة الداخلية التي عرفتها البلاد انطلاقا من سنة 659هـ/1261م قد شجعت لويس التاسع على الاتجاه إلى تونس، إذ عرفت إفريقية انطلاقا من هذا التاريخ العديد من المشاكل والاضطرابات الداخلية. فقد انتشر الوباء حتى أن المستنصر نفسه أصيب به، لكنه لم يدم طويلا، فلا نجد أي أثر له بعد فترة قصيرة من ذلك، كما ضرب عملة من النحاس سنة
660هـ/1262م أثارت بعض القلاقل لدى العامة. لكن أهم الاضطرابات التي عرفتها افريقية هي الثورات الداخلية وخاصة منها بالمنطقة الغربية، فتفيدنا المصادر أن أبا علي بن

(1/8842)


العباس صاحب مليانة ثار سنة 659هـ/1261م، فاضطر المستنصر إلى البعث بأخيه أبي حفص لقمع هذه الثورة. كما ثارت قبيلة الذواودة بقسطنطينة تحت إمرة شيخهم شبل بن موسى، لكن هزمهم السلطان سنة 664هـ/1266م، ثم أعاد الكرة بعد سنتين بإعانة قبائل الكعوب ودباب وبربر سدويكش، وكان له النصر مرة أخرى(1).
__________
(1) حول هذه الثورات، انظر: العبر، ج. 1، صص. 73-74؛ كما تحدث عنها الزركشي في تاريخ الدولتين، صص. 23-25 وانظر كذلك:
G. Marçais, «La Berbérie Musulmane et l’Orient au Moyen-Age», pp.414-423, Paris, 1946.

(1/8843)


ومن ناحية أخرى، فإن بعض أقرباء السلطان أقضوا مضجعه. فقد هرب عدد منهم إلى خارج البلاد في انتظار حلول دورهم للثورة والفوز بالسلطة(1). لهذا نرى المستنصر يجابه الثورات والمؤامرات الداخلية طيلة العشر سنوات
__________
(1) مثال ذلك ابن عم السلطان أبو القاسم بن زيد الذي هرب إلى الأندلس، كما حاول ابن عمه محمد اللحياني الثورة؛ لكن أخمدت الثورة في مهدها قبل اندلاعها، فبعث السلطان قائده ظافر الذي قتل ابن اللحياني وجميع أقربائه (انظر: ابن خلدون، العبر، ج.6، ص. 632). وهو ما يؤكده أيضا الزركشي في تاريخ الدولتين، ص. 118.

(1/8844)


التي سبقت حلول الجيوش الصليبية، كما نلاحظ صراعا على السلطة بين الشق الموحدي والقادمين الجدد من الأندلسيين الذين أصبحوا يزاحمونهم على المناصب السياسية العليا(1).
كما عرفت البلاد مجاعة أشرنا إلينا بعد، إذ يعلمنا ابن خلدون أن التجار الفرنسيين الذين اشتكوا المستنصر إلى سان لويس: »رغبوه في غزو تونس لما كان
__________
(1) راجع: العبر، ج. 6، ص. 627. ونجد الكثير من الأمثلة التي أوردها نفس المصنف حول هذا الصراع، والذي انتهى في أغلب الأوقات لصالح الأندلسيين. إلا أنه كان مآل كثير منهم القتل نتيجة لتكالبهم على الحكم.

(1/8845)


فيها من المجاعة والموتان«(1).
هكذا إذن، رغم القوة التي كانت تبنى عليها السلطة الحفصية، فإن الاستقرار والأمن لم يكونا منتشرين في البلاد بصفة قطعية، لكن رغم هذه الثورات والانشقاقات الداخلية يمكن القول
إن الدولة الحفصية كانت تعرف انتعاشا نسبيا. ومن الممكن جدا أنه تم إيهام لويس التاسع بضعف القوى الحفصية، مما جعله يطمع في الاستحواذ على تونس بسهولة.

أطوار الحملة
ومن المؤكد أن الملك الفرنسي كان ما زال آنذاك يتذكر ما حصل له في مصر فبعد النداء الذي توجه به البابا
__________
(1) المصدر السابق، ص. 665، ج. 6.

(1/8846)


«Innocent IV» ، خرج لويس التاسع من فرنسا متجها إلى المشرق الإسلامي يوم 28 أوت 1248م. إلا أن حملته هذه ختمت بهزيمة نكراء سنة 1250م أدت إلى أسره(1). وحفظ التاريخ اسم القاضي ابن لقمان الذي سجن سان لويس في داره بالمنصورة وكلف به خصيا اسمه صبيح(2)
__________
(1) نازل لويس التاسع مصر في عهد الملك الصالح صاحب مصر والشام الذي مات خلال هذه الفترة، فتولى بعده ابنه المعظم.
(2) لذلك قال أحد الشعراء عند نزول لويس التاسع بتونس:
فتأهب لما إليه تصير
يا فرنصيص هذه أخت مصر

وطواشيك منكر ونكير
لك فيها دار لقمان قبر

(1/8847)


. ويفيدنا المقريزي أن ملك فرنسا افتدى نفسه بمبلغ مالي قدره 400 ألف دينار(1) وتعهد بعدم محاربة المسلمين، ولم يغادر المنطقة إذ لم يرجع إلى فرنسا إلا سنة 1254م، إلا أن هزيمته وأسره لم يمنعانه من تنظيم صفوفه واقتياد حملة جديدة، لكن يجب علينا التساؤل هل كان من أول وهلة ينوي لويس التاسع الاتجاه مباشرة إلى تونس؟ إذ يذهب بعض المؤرخين إلى أن قراره تنظيم حملة صليبية أخرى نتج عن انتصارات الظاهر بيبرس، وهو ما دفعه -رغم تعهده بعدم محاربة المسلمين- إلى التحول إلى
__________
(1) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ص. 365.

(1/8848)


مصر والشام. وتم خروجه من فرنسا يوم 15 مارس 1270م والتحق به أتباعه في «Aigues-Mortes» . وبعد إتمام عدته، اتجه يوم 2 جويليه إلى مدينة كاغلياري وذلك على متن سفن جنوبية.
وفي هذه المدينة السردينية اكتمل النصاب بوصول بقية المساهمين في الحملة. ومن الملاحظ إلى حد الآن أن جميع أعضاء الحملة كانوا متأكدين من تحولهم إلى المشرق الإسلامي نحو
مصر أو فلسطين، لكن لويس التاسع جمع قادته ومرافقيه على متن سفينته، وطلب منهم الموافقة على تحويل وجهتهم نحو تونس. ولا تذكر المصادر ما هي المعطيات والعناصر التي اعتمد

(1/8849)


عليها الملك لإقناعهم، لكن يبدو أن جميعهم بما فيهم رجال الدين وافقوا على مطلبه، لكن كيف تم له ذلك؟ بينما يعلمنا ابن خلدون أن لويس التاسع كان عازما على غزو تونس قبل خروجه من فرنسا، وأن المستنصر الحفصي كان عالما بذلك: »إذ أمر السلطان في سائر عمالاته بالاستكثار من العدة وأرسل في الثغور لذلك بإصلاح الأسوار واختزان الحبوب«(1). وبالرغم من ذلك، فقد بعث »برسل إلى لويس التاسع لاختبار حاله ومشارطته على ما يكف عزمه«(2).
__________
(1) ابن خلدون، نفس المصدر، ج. 6، ص. 665.
(2) نفس المصدر.

(1/8850)


ومن الممكن جدا أن عزمه على الاتجاه إلى تونس من الأول هو الأرجح. فعند اتجاهه المرة الأولى إلى المشرق سنة 1248م تحول مباشرة عن طريق قبرص إلى دمياط. أما بالنسبة لهذه الحملة الثانية، فقد قدم عن طريق سردينيا، كما يفيدنا ابن خلدون أن »الطاغية جمع حشده وركب أساطيله إلى تونس آخر ذي القعدة سنة ثمان وستين بسردانيا وقيل بصقلية«(1). إلا أن المصادر الغربية تؤكد أن العملية تمت بسردانيا. هكذا يمكن إذن الاستنتاج أن لويس التاسع كان مقرا العزم على الاتجاه إلى تونس قبل خروجه من فرنسا، لكن من الممكن
__________
(1) نفس المصدر.

(1/8851)


أيضا أنه لم يعلن ذلك من الأول حتى يتجنب انسلاخ القادة الآخرين عنه ولم يتم إعلامهم باتجاههم إلى تونس إلا في آخر لحظة حتى وضعهم أمام الأمر المقضي. كان عدد المساهمين في الحملة حسب ما ذكر ابن خلدون: »ستة آلاف فارس وثلاثين ألف من الرجالة فيما حدثني أبي عن أبيه(1). وكانت أساطيلهم ثلاثمائة بين كبار وصغار وكانوا سبعة يعاسيب (وهي سفن كبيرة) إلا أن هذه الجموع الصليبية لم تبق على هذا العدد فقط، فقد وصلت الإمدادات عن طريق السفن من صقلية وسردانيا وغيرها(2)
__________
(1) نفس المصدر.
(2) يذكر ابن خلدون أن »المدد تأتيه (أي لويس التاسع) في أساطيله من البحر، من صقلية والعدوة، والرجل والأسلحة والأقوات« (انظر: العبر، ج. 6، ص. 665).

(1/8852)


.
واصطحب لويس التاسع خلال هذه الحملة أبناءه: فيليب وبطرس (Philippe et Pierre) وجون تريستان (Jean Tristan)؛ كما وجد مع الملك أخاه ألفنس وصهره تيبو (Thibaut) وابنته ايزابال (Isabelle) وكذلك بعض النبلاء ككنت اللوكستنبور وكونت بريطانيا
(Le Conte de Bretagne)، إلخ. كما مثل الكنيسة الكاردينال رودولف دالبانو
(Rodolphe d’Albano).
هذا ما أوردته المصادر الغربية. أما ابن خلدون، فهو يمدنا بأسماء أخرى يبدو أن ليس لها أي صلة بالأسماء الحقيقية للذين ساهموا فعلا في هذه الحملة. أما إذا حاولنا الاطلاع على مختلف

(1/8853)


الشرائح ا لاجتماعية الأخرى التي ساهمت في هذه الحملة، فنلاحظ أنها متألفة من جميع الطبقات بما فيها رجالات الدين والفلاحين، إلخ.
إلا أنه بعكس ما حصل بالنسبة لكل الحروب الصليبية، من مرافقة النساء والأطفال للمقاتلين، فإنه من الصعب تصور أنهم قدموا بأعداد وافرة إلى تونس. والأقرب إلى الظن أن مرافقة ايزابال لأبيها تعد حالة شاذة. فالحملة كانت متكونة من الرجال فقط. ومن المعقول أنهم كانوا ينتظرون تبلور العملية حتى يتم جلب النسوة والأطفال. أما بالنسبة للمستنصر الحفصي، فيؤكد ابن خلدون -كما سبق ذكرنا- أنه

(1/8854)


كان على علم تام بمقاصد لويس التاسع. غير أن الأحداث تبرز عكس ذلك؛ فالمستنصر لم يكن قد عبأ كل طاقاته للمواجهة وكأن وصول لويس التاسع كون مفاجأة له، وهو يبدو مترددا في مجابهة العدو، إذ لم يتخذ القرار الأخير في كيفية مجابهته، إذ كانت القوى الحفصية مشتتة، فنراه إثر توالي الأساطيل بمرسى قرطاج يجمع »أهل الشورى من الأندلسيين والموحدين« ويتفاوض معهم في هذا الموضوع، وكان موقف هؤلاء أنفسهم متضاربا. فبعضهم نصحه بمقاومة الصليبيين ومنعهم من النزول إلى اليابسة: »فإذا ما فرغ ماؤهم وطعامهم اضطروا إلى الإقلاع«؛

(1/8855)


أما البعض الآخر، فكان يخشى حالة إقلاعهم أن يتحولوا إلى ثغور أخرى أقل عدة وعددا، فيمكن لهم آنذاك أن ينزلوا بسهولة من دون أن يجدوا فيها أي مقاومة، خاصة وأن الأسطول الحفصي كان يعد من بين الأساطيل ذات الأهمية. فإذا ما نزلت السفن الصليبية في عرض البحر كان بإمكانها الاتجاه إلى شواطئ تونسية أخرى. وربما مثل هذا أهم الأسباب التي من أجلها لم يحاول المستنصر الحفصي استعمال بحريته لمباغتة جنود الإفرنجة من خلف. لكن مما يستوقفنا أنه لم يستعمل الأسطول الحفصي البتة طيلة وجود الصليبيين، فكان بإمكانه على الأقل

(1/8856)


مداهمة السفن القادمة لتزويد الإفرنجة بالمدد من رجال وطعام. إلا أن المصادر لم تحدثنا عن أية عملية من هذا القبيل، لكن المصادر الغربية تفيدنا أن الجيش المسيحي كان ينقصه الطعام طوال فترات وجوده بقرطاج، وذلك رغم عثوره على كميات هامة من الحبوب بها. فهل كان للسفن الحفصية دور في منع وصل المدد للإفرنجة؟ وبالطبع لا يمكننا التأكد من ذلك في غياب المعلومات الدقيقة(1). ولعل الرأي الثاني القائل بعدم التعرض للإفرنجة في البحر كان رأي الأغلبية، وقد استحسنه الخليفة الحفصي.
__________
(1) ابن خلدون، نفس المصدر، ج. 6، ص. 665.

(1/8857)


وهكذا أمكن لأعضاء الحملة النزول بساحل قرطاج على أن تتم المنازلة هنالك، ولكن قبل نزولهم أرسل المستنصر قبالة قرطاج بمدينة رادس الحالية: حوالي أربعة آلاف فارس متكونين من المرابطة المتطوعين وجند من الأندلس(1)
__________
(1) إن ذكر ابن خلدون لوجود كتيبة من جند الأندلس تعد بالنسبة للدارس في تاريخ حضور الأندلسيين بتونس من الأهمية بمكان، إذ أن المصادر التي تحدثت عن قدوم الأندلسيين بتونس لم تذكر إلا أسماء العلماء أو بعض الأطباء وممن تعاطوا مهنة السياسة، ولم تمدنا قط بمعلومات عن شرائح المجتمع الأخرى. وهنا نجد أنفسنا أمام الإشارة الوحيدة لوجود عدد هام من الجند الأندلسي الذين استوطنوا تونس، كما هي أول إشارة لوجود عناصر أخرى لا تمت بأي صلة للطبقات الراقية للمجتمع الأندلسي، وهو دليل على كثرة عددهم آنذاك. ه.الباجي1

(1/8858)


وكان هؤلاء تحت إمرة أهم رجالات الدولة: محمد بن الحسين رئيس الدولة. ولم يكن اختيار رادس بحكم الصدفة، فهي كانت قريبة من تونس وأقل حماية من بقية الأماكن...
كما يفيدنا ابن خلدون بأن المستنصر الحفصي لم يخرج بنفسه لمقاومة الأعداء، بل التزم بالقعود بإيوانه مع بطانته وأهل اختصاصه(1)
__________
(1) من بينهم أبو سعيد المعروف بالعود الرطب وأبو القاسم بن البراء وابن أبي الحسين، لكن نرى هنا تضاربا في أقوال ابن خلدون. فهو يذكر في ص. 668 من ج. 6 أن ابن أبي الحسن هو قائد القوات الموجودة برادس، بينما هنا (ج. 6، ص. 670) أنه كان ملازما السلطان بإيوانه.

(1/8859)


. إلا أن هذا عكس ما عهدناه في المستنصر الذي تولى قيادة جيشه بنفسه في العديد من المناسبات، لهذا يرى الأستاذ العروسي المطوي في كتابه »السلطنة الحفصية«(1) أن هذا يعني قلة حزمه وقصر نظره، وأنه لم يكن مؤمنا بالنصر، وأنه كان متهيئا للفرار عندما يحين وقته، كما يصف موقفه بالمائع، وهو عكس ما يذهب إليه برونشفيك، فهو يرى أن موقفه كان يتصف بالرصانة وببرودة الدم(2).
__________
(1) العروسي المطوي، السلطنة الحفصية: تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي، تونس، 1986.
(2) Brunschvig, idem, Tome I, p. 63.

(1/8860)


فما هو إذن الموقف الأقرب إلى الحقيقة؟ أعتقد أولا وبالذات أنه ليس لدينا معطيات للحكم على موقف المستنصر، لكن من الراجح أن لويس التاسع استطاع -مثلما ذكرت سابقا- التمويه على الجميع بما فيهم المستنصر، الذي لم يكن مستعدا لهذا الهجوم. وخاصة أن الحالة التي كانت عليها البلاد من مجاعة ومن كثرة عدد الموتى، أضف إلى ذلك بعض الثورات الداخلية، ساهم في صرف اهتمامات الخليفة إلى مشاكله الداخلية. وقدوم هذه الحملة الصليبية على غرة لم تترك له المجال للتعبئة في الوقت اللازم.

(1/8861)


كما نعلم أيضا أن الخليفة الحفصي لم يبعث في طلب المدد إلا بعد نزول النصارى، فيذكر صاحب كتاب »العبر« أنه إثر نزولهم »بعث (أي المستنصر) في ممالكه حاشدا، فوافته الامداد من كل ناحية«. فإذا كان على علم مسبق بقدومهم لطلب النجدة قبل ذلك وهذا التأخر في جمع العدد والعدة، ووصول الجنود والمتطوعين بعد الوقت المناسب لربما دليل آخر على وصول الإفرنجة كان فعلا مفاجأة للمستنصر، وربما هذا ما يفند الرأي القائل بأن المستنصر الحفصي كان على علم مسبق بقدوم لويس التاسع.

(1/8862)


ولم تتوصل الدولة الحفصية إلى تنظيم صفوفها إلا نتيجة لعدم تحرك الجيوش الصليبية في الإبان، مما سهل على المستنصر طلب النجدة من كل أصقاع البلاد فوافاه المدد، وكان من أهم الوافدين على الحاضرة كما عددهم ابن خلدون: أبو هلال عياد صاحب بجاية، وجموع القبائل العربية، وكذلك البربرية كسدويكش التي كانت موجودة بجنوب البلاد، وكذلك قبائل ولهاصة وهوارة، كما وفدت عليه جمع زناتة من المغرب، وقدمت أيضا جنود من بني تومين بقيادة زيان

(1/8863)


ابن رئيسهم محمد بن عبد القوي، وعين المستنصر على رأسهم يحيى بن صالح الهنتاتي ويحيى بن أبي بكر(1). إلا أننا لا نملك عدد هؤلاء الجنود، لكن يؤكد ابن خلدون »أن عددهم لا يحصى«(2)
__________
(1) يفيدنا ابن خلدون بأسماء قادة الجند، وهم: 1) اسماعيل بن أبي كلداسن، 2) عيسى بن داود، 3) يحيى بن أبي بكر، 4) يحيى بن صالح الهنتاتي، 5) أبو هلال عياد، 6) محمد بن عبو، (انظر: العبر، ج. 6، ص. 670).
(2) كما يفيدنا المقريزي أن الطاهر بيبرس أعلم المستنصر بأنه سيبعث بالنجدة في أقرب الأوقات. وفعلا، فقد أمر أعراب برقة بنجدة تونس، ويبدو أن التهيؤ لإرسال النجدة كان قد شرع فيه عند وصول الأخبار عن رحيل الجيش الإفرنجي (انظر: السلوك، ج. 1، ص. 601).

(1/8864)


.
كما أسهمت الجموع الشعبية بصفة مباشرة في المعركة لا عن طريق تحمل النفقات وتأمين قوات الجند فقط، بل عن طريق المساهمة المباشرة في محاربة الإفرنجة -مثلما حصل ذلك بالمشرق- وهذه المساهمة الشعبية دليل قاطع على أنهم اعتبروا مساهمتهم في هذه الحرب جهادا في سبيل الله. فقد خرج الصلحاء والفقهاء والمرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم وتبعتهم أعداد وافرة من أتباعهم، خاصة منهم أهالي القيروان وسوسة، فيمدنا ابن ناجي التنوخي باسمي أبي علي سالم القديدي الذي قدم وأتباعه من القيروان وأبي علي عمار المعروفي الذي قدم من

(1/8865)


الساحل التونسي(1). كما يذكر ابن خلدون الشيخ أبا سعيد الذي شارك في حفر الخنادق بنفسه. وقد نزل هؤلاء بضاحية أريانة التي جعلوا منها منطلقهم نحو قرطاج. وهكذا، فإن أغلب الجموع كانت مكونة من المتطوعين الذين قدموا للجهاد ولم تكن مكونة من جنود نظامية تعودت الحرب والكر والفر، بل ساهم عدد وافر من المرابطين وأتباع الصلحاء في تكوين الجيش الحفصي... لذلك لم تكن جموعا منظمة تستطيع قلب الأوضاع العسكرية لفائدتها؛ فرغم حماسها وإيمانها بمفهوم الجهاد وبضرورة
__________
(1) ابن ناجي التنوخي، معالم الإيمان، ج. 4، صص. 25-26.

(1/8866)


الانتصار على العدو، ورغم عددها الضخم، فلا يمكن أن نتصور أن دورها كان فعالا بمقدار ما كان عليه دور الجنود المتمرسين على الحرب.
كما ذكرنا، لم يستطع المستنصر تجميع الجيوش إلا نتيجة لتردد لويس التاسع في بدء الحرب، رغم أنه حسب ما يبدو لم يلق أي مقاومة عند نزوله على اليابسة، وهو ما يدفعنا مرة أخرى لترجيح أن قدومه إلى تونس باغت أهل البلد....

كان نزول الجيوش الصليبية بقرطاج يوم ستة وعشرين من ذي القعدة 668هـ/18 جويليه 1270م، إلا أن قرطاج كانت خربة وكانت كما يذكر ابن خلدون: »مائلة الجدران، فوصل الجند

(1/8867)


ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها وأداروا على السور خندقا بعيد المهوى وتحصنوا«. ويبدو أن المستنصر ندم على عدم تخريب قرطاج عند نزول المسيحيين.
وقد وصلتهم رسالة من شارل دنجو يوم 24 من نفس شهر جويليه تحثهم على انتظاره وعدم شن الغارات قبل قدومه(1). وهذا على ما يبدو ما دفع بلويس التاسع إلى عدم الخروج من وراء تحصيناته لمجابهة أعدائه، فقد كان بالفعل ينتظر المدد من صقلية عن طريق أخيه شارل، خاصة وأن الجند الإسلامي كان يفوق عددا. ولقد
__________
(1) أتى بهذه الرسالة الراهب Amouri de la Roche.

(1/8868)


عدها الجميع غلطة فادحة ارتكبها رئيس القوات الإفرنجية. فعدم مباشرته الحرب سمح للمستنصر أن يجهز نفسه لخوض غمار هذه الحرب، ثم وصلت رسالة ثانية من شارل دنجو يعلم فيها لويس بقرب قدومه وقد أتى بها
«Olivier de Ternes» يوم 29 جويليه.
وتجمع المصادر على أن لويس التاسع قبع في تحصيناته بقرطاج. إلا أن سكان البلاد الذين يعرفون بطريقة جيدة الطرقات المؤدية إلى قرطاج، استطاعوا في العديد من المرات التسلل عن طريق البحيرة ومباغتة جيوش العدو، إلا أن المصادر الغربية نسبت ذلك إلى تظاهر الأعراب بالدخول في الدين

(1/8869)


المسيحي. وعند اقترابهم من صفوف الإفرنجة غدروا بهم وطعنوا البعض منهم. على كل هذه المناوشات لم تأت بأي نتيجة تذكر، إذ عرف المسيحيون الأماكن التي يصل منها المسلمون فحصنوها ووضعوا حراسا في البحيرة.
طوال المدة التي بقيها الصليبيون بقرطاج، وهي أربعة أشهر من 18 جويليه إلى 18 نوفمبر -وليست ستة أشهر مثلما ذكر ذلك ابن خلدون- لم تدر -حسبما يبدو- حرب طاحنة، بل كل ما يمكن قوله أن المسلمين كانوا يهاجمون باستمرار أماكن الإفرنجة، وخاصة المتطوعين وأتباع الأولياء والصالحين، الذين كانوا يخرجون كل يوم من أريانة

(1/8870)


للتحول إلى قرطاج، وهو ما يعرف عندنا اليوم بحرب الاستنزاف.
ومن واجبنا التساؤل هل أن السبب الوحيد لعدم خروج الصليبيين من قرطاج هو انتظار المدد، أم كان يوجد سبب آخر؟ فمن المؤكد أن جل المساهمين في هذه الحملة كانوا ينتظرون التحول إلى المشرق الإسلامي، أين يوجد بيت المقدس؟ وأين توجد الخيرات الكثيرة التي وعدوا بها، إلا أن تحويل وجهتهم إلى تونس ربما انجر عنه شيء من التململ ومن التخاذل في صفوفهم، أو بالأحرى لم يكونوا مؤمنين بأهداف هذه الحملة، وهو ما يمكن تفسير عدم التحامهم مع صفوف المسلمين في معركة

(1/8871)


حاسمة؟
وتذكر المصادر الغربية أن الصليبيين قاموا ببعض الهجمات المعاكسة من يوم 17 أوت إلى يوم 22 من نفس الشهر، لكنها حسب نفس المصادر لم تأت بأي نتيجة تذكر، وتعلل ذلك بحلول الوباء داخل معسكر الصليبيين الذي نتج عنه موت العديد من الجند. وهكذا، فإن الابن الأصغر لملك فرنسا مات يوم 3 أوت ثم تبعه يوم 7 أوت الكردينال رودولف دالبانو.
ثم يؤكد الجميع على موت لويس التاسع نفسه في شهر محرم من عام تسع وستين وستمائة /يوم 25 أوت 1270م(1)
__________
(1) يؤكد هذا الدكتور Charle Nicole في دراسة موجودة في:

Archives de l’Institut Pasteur de Tunis, T. XIX Février 1930, p. 67.

(1/8872)


. إلا أن ابن خلدون يبدي شكه في سبب موت القائد الفرنسي، فيذكر أن: »الله أهلك عدوهم (أي لويس التاسع) وأصبح ملك الفرنجة ميتا، يقال حتف أنفه، ويقال أصابه سهم عرب في بعض المواقف، ويقال أصابه مرض الوباء، ويقال وهو بعيد أن السلطان بعث به إليه مع ابن حزم الدلامي بسيف مسموم وكان فيه مهلكه«. إلا أن المصادر والمراجع على حد سواء لا تذكر وجود وباء خلال تلك السنة بالبلاد التونسية.
إذن فالمعاصرون للويس التاسع أنفسهم يؤكدون على موته من جراء الوباء، لكن يمكن الإشارة إلى أن تحاليل طبية حصلت سنة 1965 على بقايا

(1/8873)


جمجمة لويس التاسع بينت أن موته حاصل من جراء سهم أصابه في فكه الأيمن(1).

وهذه المصادر نفسها تؤكد أن شارل دنجو الذي وصل يوم موت أخيه خرج في جنده يوم 4 سبتمبر وألحق بالمسلمين خسائر فادحة، كما يذكرون أن المسلمين ردوا بالفعل يوم أول محرم 669/2 أكتوبر 1270، إلا أن الهزيمة لاحقتهم هذه المرة أيضا(2).
__________
(1) انظر: Claude Cahen, Cahier de l’Occident Musulman, 1965.
(2) مات حسب ابن خلدون خمسمائة نصراني خلال هذه الواقعة (نفس المصدر، ج. 6، ص. 670).

(1/8874)


ويمدنا ابن خلدون ببعض التفاصيل الوافية التي تؤكد أنه ابتلي المسلمون بتونس وظنوا الظنون واتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان(1).
لكن الحقيقة التي يمكن تأكيدها هي أن معلومات ابن خلدون مشوشة جدا حول هذه النقاط. فهو يرجع هذه الواقعة قبل موت لويس التاسع، ويذكر مساهمة شارل دنجو فيها، إلا أنها حصلت بعد شهر من موت الملك، كما أن الكثير من معلومات ابن خلدون بالنسبة لبقية الحملة الصليبية مشوشة، وهي في بعض الأحيان خاطئة (مثلا أسماء المشاركين في الحملة، فالعديد
__________
(1) ابن خلدون، نفس المصدر، ج. 6، ص. 670.

(1/8875)


منهم لم يتحول البتة إلى تونس مدة إقامة ا لإفرنجة)، لذلك لا يمكن الجزم في مصير هذه المعركة، وقد حاولت المصادر والمراجع الغربية إبراز النتائج العسكرية على أساس أنه لم يكن يوجد منتصر من الفريقين، إلا أننا لاحظنا أن العديد من المعلومات حول هذه الحملة وصلتنا مغلوطة عن قصد، لذلك لا يمكن ا لتأكد من مآل المعارك. كما أنه لا يمكن التصور أن معسكرا منغلقا على نفسه، اكتفى في غالب الوقت بالدفاع فقط، هو الذي يكون المنتصر، خاصة وأن أغلب الجنود المكونة لصفوفه لم يكونوا مؤمنين بأهداف الحملة.

(1/8876)


ولا شك أن هذا العنصر كان من الدوافع الحقيقية لرغبة شارل دنجو والملك الجديد لفرنسا فيليب الثالث(1) في مغادرة إفريقية. ولهذا تم الاتصال بالسلطة الحفصية لوجود مخرج للفريقين يتم فيه حفظ ماء الوجه (بينما يذكر ابن خلدون أن زوجة لويس التاسع هي التي راسلت المستنصر؟) إلا أنها لم تكن موجودة ضمن الحملة مثلما لاحظنا.

على كل حال، فإن المستنصر قبل العرض، وهو أن يدفع مبلغا ماليا معينا للقوات المتحالفة. فما السبب في ذلك؟ ابن خلدون يؤكد على قرب فصل الشتاء، مما جعل
__________
(1) ذكر ابن خلدون أن اسمه دمياط لميلاده بها.

(1/8877)


المستنصر يخشى تخلي الأعراب عنه ورحيلهم إلى مشاتيهم، لكن من الممكن أن المستنصر لاحظ أيضا أنه رغم تفوق جنده عددا وعدة لم يحصل الانتصار المنشود. لذلك تم قبول العرض وبعث بوفد لعقد الصلح في ربيع الأول سنة تسع وستين وستمائة/ نوفمبر 1270م، ذلك رغم معارضة رجالات الدولة وخواصه، لذلك فإنه لم يبعث ضمن هذا الوفد أي واحد من الشخصيات الهامة للدولة، إذ ترأس الوفد أبو زيان محمد عبد القوي رئيس قوة بني توجين(1)
__________
(1) رافقه في هذه المهمة عبد الحميد بن أبي الدنيا الصدفي (ويوجد توقيعه على الوثيقة)، وليس أحمد الغماز كما ذكر ابن خلدون. (المصدر السابق، ج. 6، ص. 670). وعلي بن أبي عمر التميمي. ومن الواضح أن المستنصر وجد معارضة كبيرة لدى خواصه وأهل دولته الذين مانعوا في حصول مثل هذه الاتفاقية. ويعلمنا الغبريني أنه عرض على الفقيه ابن عجلان أن يكون ضمن أعضاء الوفد فرفض (انظر: عنوان الدراية، ص. 58). لذلك لا نجد أي شخصية هامة ضمن الوفد.

(1/8878)


، بينما عقد الصلح باسم الملك الفرنسي الجديد وكان شارل دنجو وتيبو ملك نفارا.
أما الذي تولى صياغة نص العقد، فهو القاضي ابن زيتون(1)
__________
(1) هو أبو الفضل أبو القاسم بن أبي بكر بن مسافر بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الرفيع اليمني المعروف بابن زيتون. ولد سنة 621هـ/1224م. تولى قضاء الجماعة على كرتين، وتولى منصب ا لفتيا. وهو الذي أدخل مصنفات الفخر الرازي، ومثل الحركة الفكرية المالكية التي واجهت المذهب الموحدي. توفي سنة 691هـ/1291م. توجد ترجمته في أغلب المصادر. راجع الزركشي، صص. 44-52 وابن قنفذ ص. 132، 150؛ وابن خلدون، المقدمة، ص. 397 وص. 772.

(1/8879)


؛ ولم يتوصل الوفدان إلى الاتفاقية إلا بعد بضعة أسابيع من المفاوضات.
إن أهم ما ورد في فصول الاتفاقية هو أن تدوم الهدنة خمسة عشر عاما ابتداء من أول نوفمبر 1270م، ويدفع المستنصر غرامة مالية قدرها مائتان وعشرة آلاف أوقية ذهبا، تدفع أقساطا، وأن تؤدى إلى شارل دنجو الأداءات التي كانت تدفع سابقا لفريديريك الثاني بما في ذلك الخمس سنوات التي سبقت ذلك التاريخ(1)
__________
(1) يذكر ابن ضياف أن الصلح عقد باللغة العربية، ويذكر أنه اطلع عليه، إذ كان محفوظا خلال أواسط القرن 19م بوزارة الخارجية الفرنسية، وهو بخط القاضي ابن زيتون بتاريخ 5 ربيع الآخر سنة 669هـ (انظر: إتحاف أهل الزمان...، ج.1).

(1/8880)


. إلا أن المستنصر الحفصي حمل الرعايا على
دفع كل هذه الغرامة التي يقدرها ابن خلدون بدوره بعشرة أحمال من المال(1). غير أنه رغم أن المستنصر لاقى معارضة من كبار القوم في إجراء هذه الاتفاقية،
__________
(1) بينما يذكر الوزير السراج أن المستنصر الحفصي صالح الافرنج على الانصراف إلى بلادهم... على أن يدفع لهم ألف قنطار ومائة قنطار وعشرة قناطير فضة خاصة على مدة خمسة عشرة عاما (الحلل السندسية، ص. 152). ويذكر أيضا أن نزول الافرنجة على تونس كان سببا في إتلاف الأموال التي تركها المولى أبو زكرياء (نفس المصدر، ص. 153).

(1/8881)


فإنه يبدو أن عامة الشعب تنفست الصعداء برحيل الغزاة. إذ يؤكد ابن خلدون أن الرعاية دفعوا الأموال عن طواعية.

الخاتمة
لقد مثلت هذه الحملة الصليبية الثامنة إذن إحدى الحلقات المترابطة في الصراع الذي فرضه الغرب على بلاد الإسلام لمدة قرنين، بالرغم من أن البلاد التونسية لم تعرف هذه الحروب إلا فترة زمنية قصيرة نسبيا (أربعة أشهر)، فإن النتائج كانت سلبية من الناحية المادية، وقد أثرت على سلطة الخليفة الحفصي المستنصر بالله.

(1/8882)


وبالرغم من رحيل الصليبيين نهائيا من المشرق سنة 1291م، فإنه علينا التساؤل إن كانت قد انتهت هذه الهجمات المسيحية خلال هذا التاريخ وبصفة نهائية. فنحن نلاحظ أنه حصل الهجوم فيما بعد على العديد من أقسام العالم الإسلامي على مر القرون، وذلك مباشرة إثر هذا التاريخ، لكن علينا أيضا أن لا نتناسى أن غزاة الغرب واصلوا نفس هذه السياسة.
لذلك، فنحن نتساءل هل هذه الحملات كانت من قبيل الصدفة أو هي كانت مخططة ومدروسة؟

(1/8883)


الباب الآن مفتوح لكل الباحثين العرب لتعميق هذا الموضوع ودراسته من خلال الوثائق الغربية التي تعج بها العديد من الأرشيفات، وأرشيف الفاتكان يمثل أحد أهم المصادر التي يمكن الاهتمام بها لا لتوضيح ما فات من تاريخنا، بل حتى نعرف ما يخبئه المستقبل من مخططات.

(1/8884)


خطاب التاريخ في لبنان قراءة نقدية

... ... ... ... ... الدكتور أحمد حطيط
... كلية الآداب ـ الجامعة اللبنانية ـ بيروت

مدخل
... قلما حازت مسألة تربوية ـ وطنية في لبنان بهذا القدر من المناقشات والتجاذبات، التي لم تخل من الحدة والانفعال، كمثل ما حاز عليه خطاب التاريخ، حيث طغت هواجس التطيف والتمذهب والتوجهات الأيديولوجية على أعمال كتبة تاريخ لبنان، ما انعكس سلبا على النظر إلى حقب التاريخ اللبناني كافة. فلائحة الخلافات طويلة، وتكاد تشمل كل قضايانا التاريخية والوطنية، كقضية الكيان، والوحدة،

(1/8885)


والاستقلال، والهوية والانتماء، والثقافة، ووحدة المصير...، وبات يخشى، إذا ما استطالت التجاذبات حولها، أن تؤسس لحالة من التوتر تهدد بالإطاحة بمسيرة السلم الأهلي التي ما تزال طرية العود، وتستدعي المزيد من الرعاية لجعلها أكثر مناعة في مواجهة الاستحقاقات المتصلة بحاضر اللبنانيين ومستقبل »عيشهم المشترك«.
... في غمرة هذا الجدال تتداعى في خاطري التساؤلات التالية: هل ثمة حيز وافر للحقيقة العلمية في اهتمامات المؤرخين اللبنانيين، أو أن سعي هؤلاء، أو سعي معظمهم على أبعد تقدير، في التزام الموضوعية والتجرد

(1/8886)


في ما كتبوه، ويكتبونه، يصطدم بأعماق مشاعرهم الفردية والجماعية، وبحساسية قضايا تاريخ لبنان، ما يجعل واحدهم في حالة تفاعل واع أو غير واع مع الأثر التاريخي على حساب الحقيقة؟ ثم إذا كان من واجب المؤرخ الكشف عن الماضي، فهل يكون الغرض من ذلك ربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل لإدراك الثاني وحسن الإعداد للثالث؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الموقف الذي يجب أن يقفه المؤرخ من الماضي: أيسعى لبعثه والعودة إليه والتمسك به كما هو، أم يقدم على تقويمه والتمييز بين إيجابياته وسلبياته؟ أيتقيد به أم يتجاوزه أم يسعى

(1/8887)


للتوفيق بين الأمانة للتراث ومراعاة حاجات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل؟
... تستدعي الإجابة على هذه التساؤلات المشروعة، أن نطرح السؤال التالي: هل من توجه حقيقي لدى المؤرخين إلى العلمية في كتابة تاريخ لبنان، أو أن دون ذلك صعوبات تجعلهم قاصرين عن إدراك حقائق لبنان التاريخية، وتدفعهم إلى الاكتفاء بتلطيف المقاربات والحواجز؟

معوقات الكتابة العلمية لتاريخ لبنان
... يفترض ما تقدم أن ثمة معوقات جدية لكتابة علمية لتاريخ لبنان، وأن جملة هذه المعوقات هي وليدة الظروف التاريخية التي رافقت تطور المناطق

(1/8888)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية