صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة التاريخ العربي

على أن يقنع بيكو بأن الصهاينة يفضلون السيادة البريطانية على فلسطين وليس الفرنسية. وهكذا أثار سوكولو هذه النقطة مع بيكو بكل صراحة، فأجابه بيكو بأن لفرنسا آمالها في فلسطين ولا يمكنها أن تتخلى عنها، بل أخبره أن 95% من الشعب الفرنسي يفضلون إلحاق (كذا) فلسطين بفرنسا. وكان سوكولو عازما على السفر إلى فرنسا، في اليوم التالي لنفس الغرض، فطلب منه بيكو ألا يثير مسألة الصهيونية في فرنسا خلال الاجتماع لأن معظم يهود فرنسا معارضون للصهيونية، ولأن الشعور الفرنسي نحو فلسطين شعور قوي. ومن جهته وعده بيكو

(1/2507)


بإخطار الحكومة الفرنسية بالموضوع بطريقة متعاطفة مع المطلب الصهيوني.
وقد بقيت مسألة السيادة على فلسطين مسألة حساسة بين فرنسا وبريطانيا. فاقترح سايكس ذات مرة اسم أمريكا لكي تكون هي الحامية المحايدة لفلسطين. وكان ذلك قبل دخول أمريكا الحرب طبعا. ولكن الفرنسيين رفضوا الاقتراح بحذر. ثم إن سايكس قد تراجع أيضا عن رأيه. وفي اجتماع عقد بباريس بين سايكس وبيكو وسوكولو وممثل الأرمن، طرح سوكولو الموضوع على بيكو بطريقة مبسطة قائلا: إن موقف الصهاينة حول السيادة هو موقف طفل يسأل: هل يحب أمه أكثر من أبيه

(1/2508)


(يعني بريطانيا أو فرنسا)، ولذلك اقترح سوكولو أن تبقى المسألة بين الحكومتين. وكان واضحا أن سايكس يستعمل الصهاينة ذريعة لتنفيذ المخطط البريطاني في فلسطين.
وبدأ سايكس ضغوطه في الحصول من الفرنسيين على وعد بالتعاطف مع الآمال الصهيونية قبل مغادرة بيكو إلى القاهرة. وكانت وجهة نظر سوكولو أن بيكو كان حجر عثرة في الطريق لأنه (بيكو) كان يفضل أن تكون السيادة فرنسية على فلسطين مع الاعتراف بالآمال الصهيونية. وكان وضع الصهيونية في فرنسا مختلفا عنه في بريطانيا. فهناك خلاف بين المنظمات الصهيونية في فرنسا من

(1/2509)


جهة، وبينها وبين نفس المنظمات في بريطانيا. وبالإضافة إلى التنافس، كانت الصهيونية في فرنسا معظمها من اليهود المهاجرين من شرق أوروبا. ولم يكن لهم نفوذ سياسي واقتصادي، وكان وضعهم الاجتماعي مهزوزا(1). وابتداء من سنة 1917 أسس بعض الشباب اليهود في فرنسا (مثل روجي ليفي [R.Levy] وأندري سبير [A.Spire])
__________
(1) عاشت فرنسا في الثمانينات من القرن الماضي أزمة حادة تعرف بأزمة الضابط اليهودي دريفوس (Dreyfus). وفي آخر القرن وقعت الأحداث المضادة للسامية في الجزائر بين الفرنسيين واليهود، بقيادة ماكس ريجس (M.Regis).

(1/2510)


منظمة باسم »جامعة أصدقاء الصهاينة« Ligue des Amis du Sionisme ) أخذت تجتذب إليها الأساتذة والشخصيات اليسارية.
وقبل إعطاء رأي فرنسا، اقترح بيكو على سوكولو أن يجتمع -أي سوكولو- بزعماء اليهود في فرنسا وفي مقدمتهم بعض أعضاء الرابطة الإسرائيلية العالمية، (1) قبل أن يعلن بيكو رأيه في التعاطف مع آمال الصهيونية. ومن جهة أخرى، كان بيكو يعرف أن رأي البارون ايدمون
__________
(1) تأسست سنة 1860 ، وقد تولى أدولف كريميو A.Cremieux)) رئاستها فترة، وهو صاحب قرار تجنيس يهود الجزائر جماعيا سنة 1870، وبعد أن صار وزيرا للعدل.

(1/2511)


روتشيلد (Ed. de Rotchild) له أهمية خاصة في هذا الموضوع، فقرر أن يدخله في المفاوضات أيضا بين الحكومة الفرنسية وممثلي الحركة الصهيونية الأجانب (غير الفرنسيين)، وذلك قبل إصدار أية تصريحات لصالح الصهيونية. لقد كان رأي البارون مهما جدا لأنه أولا سيعبر للحكومة عن اتفاق ورضى الجماعة اليهودية الرسمية للزعماء نحو الأهداف الصهيونية، وثانيا لأن وجهة نظره نحو الحركة الصهيونية ستجر العديد من العناصر المعادية لهذه الحركة بين اليهود الفرنسيين.

(1/2512)


وهكذا حصل الاجتماع مع البارون روتشيلد في أبريل 1917. الاجتماع الأول كان مع الزعماء الفرنسيين المسيرين للسياسة الخارجية عندئذ، وعلى رأسهم ليون بورجوا (L.Bourgeois) وجول كامبون(1)
__________
(1) جون كامبون سبق له أن كان حاكما عاما للجزائر بين 1892 و1897، ثم عين سفيرا لبلاده في واشنطن، قبل أن يتولى مسؤوليات أخرى، ومنها كاتب عام وزارة الخارجية حيث أصدر التصريح الفرنسي الموالي للصهيونية الذي نحن بصدده سنة 1917. انظر جول كامبون، حكومة الجزائر، 1918. أما أخوه بول كامبون، فقد سبق له أن كان المقيم العام في تونس ثم عين سفيرا لبلاده في لندن حيث كان سنة 1917.

(1/2513)


. والاجتماع الثاني حصل مع البارون وسوكولو وكذلك مع العناصر النشطة من »الرابطة الإسرائيلية العالمية« وكان الاجتماعان منفصلين.
لقد كان جول كامبون هو الكاتب العام (الوكيل) لوزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورزي) Quai d’Orsay وكان أخوه بول كامبون سفيرا في بريطانيا. وفي 8 أبريل، اجتمع بهما سوكولو، وحضر الاجتماع جورج بيكو وكذلك دي مارجري (De Margerie) مدير قسم الشؤون السياسية في وزارة الخارجية. ودار النقاش حول العواقب التي قد تنتج عن تصريح فرنسي يتعاطف مع آمال الصهيونية، ولا سيما العواقب بالنسبة

(1/2514)


للجهات اليهودية في أمريكا وروسيا. واتفقوا على أنه سيكون للتصريح نتائج إيجابية وفوائد لصالح الحرب والحلفاء. واتفقوا كذلك على أن ترسل في نهاية الاجتماع، برقية بهذا المعنى إلى الدكتور تشيلونوف (Dr.Tchlenov) (روسيا) وجستس برندس (J.Branderis) (أمريكا)، وهما رئيسا المنظمتين الصهيونيتين على التوالي في بلديهما. وقد وقع سوكولو البرقية، ولكنها مرت عبر قنوات وزارة الخارجية الفرنسية. وجاء في البرقية ما معناه: أن نتائج إيجابية لمفاوضات لندن وباريس (and Paris) قد رحبت بها هنا وزارة خارجيتنا، وأن لي ثقة

(1/2515)


كاملة في أن النصر (للحلفاء) سيحقق آمالنا الصهيونية الفلسطينية. ونلاحظ أن الفرنسيين قد تركوا عبارة (وباريس) بارزة في البرقية تأكيدا على تدخل فرنسا في الموضوع (ص. 378).
وبعد باريس سعى سوكولو أيضا للحصول على نفس التصريح من إيطاليا وعلى دعمها لآمال الصهيونية في فلسطين.

تصريح جول كامبون (جوان) 1917:
سبقت هذا التصريح عدة تمهيدات واتصالات بين الزعماء الفرنسيين واليهود. فمن القاهرة أرسل بيكو برقية إلى الخارجية الفرنسية مؤكدا فيها إصدار تصريح فرنسي يتعاطف مع آمال الصهيونية. وقد بنى بيكو رأيه على عدة

(1/2516)


اعتبارات منها أنه فهم أن الصهاينة سيتركون موضوع السيادة على فلسطين للحلفاء، وأن سوكولو اعترف له بأن الأماكن المقدسة ستعرف وضعا خاصا، وأن الاستيطان (الاستعمار Settlement) اليهودي لن يشمل هذه الأماكن المقدسة.
كما أن جول كامبون ودي مارجوري والبارون روتشيلد، وكذلك سيلفان ليفي وهو من »الرابطة الإسرائيلية العالمية« عقدوا عدة اجتماعات. وقد عبر سيلفان ليفي أثناءها بأنه » من الطبيعي أن اليهود الفرنسيين غير صهيونيين، ولكنهم يعترفون، بكل سرور، بأهمية وقيمة الحركة الصهيونية« (ص. 381).

(1/2517)


ومن جهة أخرى، حرر جول كامبون نفسه مذكرة عن طبيعة اليهود والصهيونية. وقد عبر فيها عن أنه في صالح الاعتراف بموضع (Place (لتجمع Groupement) اليهود في فلسطين، إلى جانب الجنسيات الأخرى (Nationalités) الموجودة فيها.
إن الدافع المباشر لتصريح كامبون هو الاستعجال بإصدار بيان مكتوب معبر عن الوقوف إلى جانب آمال الصهيونية لكي يحصل التعاطف مع الجماهير اليهودية في روسيا المعارضة لحكومة القيصر المستبدة، وهي حكومة عضو في الوفاق الثلاثي (Triple Alliance). وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك عاملين آخرين متصلين

(1/2518)


بالموضوع، الأول هو خطر ألمانيا التي قد تحصل على دعم الصهيونية لوجود قرار سريع كان بصدد التحضير في برلين يعلن عن دعم ألمانيا للمشروع الصهيوني في فلسطين تحت الحماية الألمانية. والثاني هو رغبة كامبون في تجنيد ما يعتبره جماعة يهودية قوية في أمريكا لصالح الحلفاء والتأثير بها على حكومتهم لتقف إلى جانب التحالف مع بريطانيا وفرنسا. وقد كان كامبون سفيرا لبلاده في واشنطن ويعرف مدى النفوذ اليهودي هناك.

وقد راجت إشاعات واردة من بعض العواصم الأوروبية مثل لاهاي وكوبنهاكن، وهي أن ألمانيا كانت تستعد لإصدار

(1/2519)


إعلان في صالح إقامة جمهورية يهودية في فلسطين. ومن ذلك خشية الفرنسيين من وقوع تفاهم أمريكي/ ألماني مع تركيا (طلعت باشا)، يدعم المطامع الصهيونية في مقابل تعويضات مالية من الدوائر الصهيونية وتخلي تركيا عن حكم فلسطين(1). كما أن كامبون كان يرى أنه رغم إعلان أمريكا الحرب على ألمانيا في 6 أبريل 1917 فإنها لم ترم بكل ثقلها في الحرب، وأن دور اليهود في أمريكا ضروري لدعم الحرب
__________
(1) عن العلاقة المالية والارتباط بين زعماء تركيا والحركة الصهيونية عندئذ، انظر البحث الذي ترجمناه (في »الجدل الثقافي«) مرجع سابق.

(1/2520)


والحلفاء.
إن تصريح كامبون جاء في شكل رسالة إلى سوكولو بتاريخ 4 جوان (حزيران) 1917، ومحتواه هو ما يلي: » إنك تقدر أنه إذا سمحت الظروف وتحقق استقلال الأماكن المقدسة، فإنه سيكون من الإنصاف إذا ساهمنا من خلال حماية دول الحلفاء، في إحياء الجنسية اليهودية على أرضها حيث الشعب الإسرائيلي كان قد طرد منذ قرون عديدة خلت. إن الحكومة الفرنسية التي شاركت في الحرب الحاضرة للدفاع عن الشعوب المعتدى عليها ظلما والتي تواصل المعركة لتحقيق انتصار الحق على القوة، لا تستطيع سوى أن تشهد بتعاطفها مع قضيتكم التي يرتبط

(1/2521)


انتصارها بانتصار الحلفاء« (1) (ص. 384).
وقد تأثر سوكولو بهذا التصريح. وأرسل إلى كامبون خطابا مؤثرا معترفا بأهمية التصريح ومعتبرا إياه انتصارا معنويا كبيرا. أما حاييم وايزمان (H.Weizmann) ، زميل سوكولو، فقد خالفه في ذلك لأنه كان يخشى من أن الفرنسيين قد يستعملون تفاهمهم مع الصهاينة لأغراضهم
__________
(1) تصريح جول كامبون، وزارة الخارجية الفرنسية، المسألة اليهودية، باريس، الأرشيف السياسي، حرب 1914-1918،
صص. 44-45. من الكتابة العامة لوزارة الخارجية إلى السيد ناحوم سوكولو، 4 جوان 1917. انظر الملحق الأول.

(1/2522)


الخاصة، أي للمشاركة مع الإنكليز في فلسطين.
ومهما كان الأمر، فقد بقى التصريح الفرنسي غير منشور، ولم يجز توزيعه إلا داخليا فقط وعبر السفارات. والمفترض أنه قد نشر بين الدوائر اليهودية المؤثرة. غير أنه يلاحظ في هذا
الصدد أنه لا الفرنسيون ولا الصهاينة قد نشروا محتوى التصريح علنيا لأسباب تتعلق بكل منهم.
والنتيجة هي أن التصريح الفرنسي قد شجع على إصدار تصريح (وعد) بلفور الذي جاء بعده زمنيا، وأنه قد صدر عن حكومة كانت تعتبر منافسة لبريطانيا في فلسطين. وقد أعطى التصريح الفرنسي أيضا لسايكس الفرصة

(1/2523)


المنتظرة للضغط على أعضاء الحكومة البريطانية وعلى من كانوا معارضين للآمال الصهيونية. ومن ثمة أصبح سايكس قادرا على إثارة موضوع » التصريح البريطاني« على أنه مجرد » مصلحة قومية «(1).

تصريح وزير الخارجية بيشون (14 فبراير 1918)
ظلت الاتصالات بين الأطراف جارية لتحقيق كل طرف ما يراه في صالحه من غنيمة الانتصار في الشرق الأدنى وفي أوروبا. وبعد تصريح اللورد بلفور، وزير الخارجية الإنكليزي،
__________
(1) تصريح اللورد بلفور إلى اللورد روتشيلد، المتحف البريطاني، مخطوط 41178، فوليو رقم 1، 3 الثاني من نوفمبر 1917.

(1/2524)


جاء دور تصريح ستيفان بيشون وزير الخارجية الفرنسي. وهو بالطبع تأكيد لتصريح كامبون السابق.
وهناك تطورات جعلت تصريح بيشون ضروريا. فزعماء الصهيونية في فرنسا أصبحوا يلحون على الحكومة الفرنسية في تأييد التصريح البريطاني الذي تضمن عبارة » الوطن القومي« لليهود. كما أن رئيس الحكومة السابق ريبو (Ribot) قد ترك مكانه لجورج كليمنصو (G.Clemenceau) 17 نوفمبر 1917. وفي ديسمبر استولت القوات البريطانية على بيت المقدس فأعلن الصهاينة الفرنسيون ترحيبهم بذلك دون الإشارة إلى اسم فرنسا. ثم إن مؤتمرا صهيونيا كبيرا كان

(1/2525)


على وشك الانعقاد في أمريكا. وكان من المقرر أن تحضره شخصيات صهيونية من روسيا وبريطانيا. وألف الصهاينة أيضا لجنة تضم ممثلين عن يهود أمريكا وروسيا وبريطانيا لتتوجه إلى فلسطين للتحضير لما وعد به بلفور وهو إقامة » الوطن القومي اليهودي«. وليس في هذه اللجنة ممثل يهودي من أصل فرنسي.
كل ذلك جعل المسألة أمام كليمنصو ووزير خارجيته بيشون تحتاج إلى إعلان موقف. جاء سوكولو إلى باريس من جديد في يناير 1918. وكان عليه أن يعلن للفرنسيين أن الحركة الصهيونية ليس لها نية في إقامة » دولة يهودية« في فلسطين وإنما لها

(1/2526)


نية إنشاء وطن قومي يهودي (Foyer National Juif). وجاءت دعوة سوكولو إلى باريس هذه المرة من السيد غو (Gout) بإيعاز من مارك سايكس. وكان غو هو المتولي عندئذ قسم آسيا بوزارة الخارجية الفرنسية، كما أنه قد تولى المسألة الصهيونية في باريس في غياب بيكو الذي أرسل إلى فلسطين. وأثناء اللقاء بين الفرنسيين وسوكولو، كان على هذا أن يقنعهم بضرورة مشاركة عضو يهودي من أصل فرنسي في اللجنة الصهيونية المتوجهة إلى فلسطين.

(1/2527)


وبتقديم خاص من غو، استقبل الوزير بيشون الزعيم الصهيوني سوكولو في 9 فبراير. وعبر له بيشون عن استعداده لإصدار بيان صحفي يؤكد التفاهم الموجود بين الإنكليز والفرنسيين حول المسألة الصهيونية. وبعد أن رجع سوكولو إلى غرفته في الفندق، كتب إلى غو يشكره على إعداد اللقاء مع وزير ا لخارجية ويؤكد أن إصدار بيان » واضح العبارة« يجب أن يكون هو نقطة الانطلاق للدعاية الفرنسية بين الملايين من إخوانه في الدين (اليهود) بالولايات المتحدة الأمريكية.

(1/2528)


وهناك أيضا دور تارديو (Tardieu)، المحافظ السامي الفرنسي في نيويورك، في إصدار التصريح الفرنسي الثاني الموالي للصهيونية. فقد كان تارديو مبقيا على العلاقات مع زعماء هذه الحركة في نيويورك، ولا سيما مع برندس، وفي مراسلاته مع وزارة خارجية بلاده كان تارديو يستعمل مختلف الحجج لإصدار تصريح جديد. وكان يبين النفوذ المالي والسياسي لليهود في نيويورك وكون زعمائهم يؤيدون الاستعمار (Colonisation) اليهودي في فلسطين. وذهب تارديو إلى حد الاقتراح بنقل جماعة من اليهود كانوا يعيشون في كانيا (كورسيكا) إلى فلسطين،

(1/2529)


لأن نقلهم تحت العلم الفرنسي إلى هناك يعد إشارة فرنسية جيدة نحو اليهود عموما.
في اللقاء الذي جمع بيشون بسوكولو يوم 9 فبراير لم يرض سوكولو بعبارة المستوطنة (Settlement) اليهودية في فلسطين التي وردت على لسان بيشون، وطلب عبارة واضحة من الفرنسيين تتماشى مع الآمال الصهيونية. وبعد التأمل والتروي خلال بضعة أيام، طلب سوكولو مجددا تغيير التعبير » المستوطنة« إلخ. السابق واستبداله بالعبارة التي وردت في التصريح البريطاني، وهي » وطن قومي يهودي«. وبرر سوكولو ذلك بأهمية التصريح والتعبير لدى اليهود

(1/2530)


الأمريكيين. كما أن رسالة سوكولو تضمنت اقتراحا بتعيين وفد فرنسي ينضم إلى الوفد (اللجنة) الصهيوني المتوجه إلى فلسطين، على أن يتمتع الوفد بثقة حكومته.
وقد استجاب بيشون لهذا الطلب وأصدر يوم 14 فبراير تصريحا أكد فيه الموقف الفرنسي واستعمل فيه تعبير » الوطن القومي« (Foyer National) الذي طلب منه سوكولو، وجاء تصريح بيشون، في صيغة رسالة موجهة إلى سوكولو، معلنا له فيها أن بيانا صحفيا قد صدر عن الحكومة الفرنسية بالمعنى المذكور. وها هو نص بيشون:

(1/2531)


»كما اتفقنا عليه خلال محادثاتنا يوم السبت التاسع من هذا الشهر، فإن حكومة الجمهورية (الفرنسية)، بالنظر إلى تحديد وجهة نظرها نحو الآمال الصهيونية العازمة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فقد نشرت مذكرة في الصحافة. وإني إذ أقدم إليك هذا النص، فإني أغتنم الفرصة لتهنئتكم على إخلاصكم المتفاني الذي تابعتم به إنجاز آمال إخوانكم في الدين، ثم لأشكركم على الحماس الذي أظهرتموه لتقديم مشاعر التعاطف التي لقيتها جهودكم في بلدان الوفاق، وبالخصوص في فرنسا« (1)
__________
(1) تصريح ستيفان بيشون، وزارة الخارجية في باريس، الأرشيف السياسي، حرب 1914-1918. المسألة اليهودية، م 5، ص. 19، من س.
بيشون إلى ن. سوكولو، 14 فبراير 1918. انظر الملحق الثاني .

(1/2532)


. (ص. 391).
وفي يوم 16 فبراير أبرقت » الإتحادية الصهيونية الفرنسية« (French Zionist Federation) معلنة إلى الزعماء الصهيونيين في موسكو وبتروكراد والأوديسة، وروما ولاهاي ونيويورك وكوبنهاكن، والقاهرة عن الاتفاق التام بين فرنسا وإنكلترا حول مسألة (فلسطين اليهودية)«، وداعية إياهم إلى تنظيم مظاهرات الدعم والتعبير عن الإعتراف بالجميل للحكومة الفرنسية.
وكانت السياسة الصهيونية العامة تتمركز في الحصول على موافقة الدول المتحالفة الأخرى على وعد بلفور. ولذلك كان سوكولو مصرا على أن تصدر الحكومة الإيطالية

(1/2533)


أيضا تصريحا مماثلا لتصريح بيشون.
أما بيكو، فقد ترك على الهامش من هذه التطورات. فلم يعلم عن تصريح بيشون إلا من خلال المصادر الإنكليزية في المشرق. وهكذا وجد نفسه غريبا أمام تصريح 9 ثم 14 فبراير 1918 المساند للصهيونية. وقد اندهش من أن حكومته لم تصدر تصريحا لصالح العرب كما كان يرغب. وشكا إلى حكومته من كونها لم تستشره قبل تصريح بيشون، وحذرها من ردود الفعل في سورية ولبنان. وقد كان بيكو يريد تحضير الرأي العام في سورية ولبنان للانتداب الفرنسي.

(1/2534)


لكن بيكو تلقى من حكومته نسخا فقط من الوثائق التي أرسلتها وزارة الخارجية إلى المحافظ السامي الفرنسي في نيويورك (وهو تارديو)، وهي الوثائق التي تلح على الأثر الإيجابي لتصريح بيشون على يهود أمريكا. وطلبت الوزارة من بيكو أن يعمل على إفهام السكان، يهودا وغير يهود (كذا) من أن الحكم الذي سينشأ هناك بعد الحرب لن يكون في صالح طرف على حساب طرف آخر، وأن الوئام بين جميع العناصر هو الشرط الضروري في تمتع الجميع بالتقدم والرخاء بعد الحرب.

(1/2535)


أما تارديو، فقد أرسل برقية يوم 9 فبراير من نيويورك جاء فيها أن وزير الداخلية الألماني قد استقبل وفدا صهيونيا ووعدهم بإقامة سلطة حكم ذاتي (Autonomy) في فلسطين. وكان هدف برقية تارديو هو التعجيل بإصدار الحكومة الفرنسية تصريحا مواليا للصهيونية. وبعد أيام من تصريح بيشون، أخبر تارديو عن فرحة يهود أمريكا بالتصريح الفرنسي، وعن شكر فرنسا الذي عبرت عنه مختلف افتتاحيات الجرائد اليهودية بأمريكا.
وفي اليوم التالي لتصريح بيشون (أي يوم 15 فبراير 1918)، جاء الإعلان عن اتفاق الحكومتين الفرنسية والبريطانية حول

(1/2536)


الوضع المحفوظ للصهيونية في فلسطين. فكلتاهما تعترف بمنشأة (Establishment) يهودية في فلسطين، مع تمكين اليهود من حكم ذاتي إداري في إطار دولة عالمية (International State) ستنشأ في هذه البلاد (فلسطين). ولعل استعمال تعبير » المنشأة اليهودية« جاء من موقف وزارة الخارجية الفرنسية التي تريد أن تقف موقفا وسطا بين طالبي الحد الأقصى وهو إقامة دولة يهودية وخصوم هذه الفكرة.
لقد كان هناك بعض ردود الفعل على الموقف الفرنسي من الصهيونية. فدوائر الكاثوليك والاستشراق وبعض العرب تحركوا ولكن لم يكن لهم فعالية. كما

(1/2537)


كانت هناك اللجنة المركزية السورية في باريس، ولكن موقفها كان غير فعال أيضا، ومعظم العرب المتواجدين في فرنسا عندئذ كانوا من المسيحيين السوريين، ويرأسهم شكري غانم، وكانت فرنسا هي التي تدفع إليهم الأموال. ولذلك كان مطلبهم يتمثل في قطع سورية عن الدولة العثمانية ووضعها تحت حكم فرنسي. وكانوا على صلة ببعض العرب الآخرين في الخارج. غير أن أنصارهم في سورية نفسها كانوا قلة. ولم يكن لهم أي أثر على فصل فلسطين عن سورية وإقامة الوطن القومي فيها لليهود، كما لم يكن لهم أي أثر في معارضة الفكرة بعد ذلك.

(1/2538)


وهكذا تبين أن سنة 1917 كانت حاسمة ليس لأن بلفور والإنكليز وعدوا الصهاينة بالوطن القومي لليهود في فلسطين، بل لأن الفرنسيين قد فعلوا ذلك أيضا. وقد لاحظنا أن تصريح كامبون جاء قبل تصريح بلفور. كما أن تصريح بيشون وموافقة الفرنسيين على الوطن القومي اليهودي قد جاءت في بداية 1918 على عهد وزارة جورج كليمنصو. ويبدو أن ثلاثين سنة من الانتداب البريطاني على فلسطين قد جعل الناس ينسون دور الدول الأخرى، مثل فرنسا وألمانيا وتركيا في المنطقة. فهل كان التصريح الفرنسي مختلفا في المحتوى عن التصريح الإنكليزي؟

(1/2539)


أو هل أن الصهاينة لم يروا فيه إنجازا كبيرا أو هو أقل أهمية في نظرهم من التصريح البريطاني؟ وقد انتهى الكاتب إيدي كوفمان إلى أن الذي جعل بلفور يصدر تصريحه هو عزيمة بريطانيا على امتلاك فلسطين وليس نتيجة للضغط الصهيوني. إن هناك عدة دراسات لتصريح بلفور، مثل دراسة ليونارد شتاين (L.Stein) ثم دراسة فيرتي (Mayir Verete) الذي أعطى التصريح تفسيرا جديدا ورأى أن التصريح الفرنسي الرسمي لصالح الصهيونية هو الذي ساهم في إصدار التصريح البريطاني المعروف بوعد بلفور. وها هي مقالة إيدي كوفمان تعمق هذا التفسير بناء

(1/2540)


على الوثائق الفرنسية التي افتتحت حديثا أمام الباحثين(1). أما الخاسرون في هذه التطورات كلها فهم العرب، والمسلمون.
Selected Bibliography

Ageron, Charles-Robert, les Algériens Musulmans et la France, Vol.
1-2, P.U.F., Paris, 1968.
__________
(1) ناقش موضوع الصهيونية الحلفاء، ولاسيما بريطانيا وفرنسا، إيلي كدوري (E.Keddourie) »المذكرات العربية الباحثية ودراسات أخرى«، لندن، 1974، صص. 236-242، وتعرض أيضا لرأي فيربتي وشتاين.

(1/2541)


Andrew, F.Fern, The Holy Land Under Mandate, Vol. 1, Hyperion Press, Westport, Conn., 1976.
Cambon, Jules, Gouvernement de l’Algérie, Alger, 1918.
Geddes, Charles L., A Documentary History of the Arab-Israeli conflict, Praeger, New York, 1991.
Gorny, Yosef, Zionism And The Arabs, 1882-1948, A Study of Ideology, Clarendon Press, Oxford, 1987.
John, Robert and Hadawi, Sami, The Palestine Diary, Vol 1-2, New World Press, New York, 1971.

(1/2542)


Kaufman, Edy, « The French Pro-Zionist Declarations of 1917-1918 », Middle Eastern Studies, 15, no. 3, October 1979.
Khaldi, Walid. Ed., From Haven To Conquest, 2 Printing, Washington, The Institute For Palestine Studies, 1987.
Rizk, Edward, Trans., The Palestine Question, The Institute for Palestine Studies, Beirut, 1968.

الملحق الأول
تصريح جول كامبون (Jules Cambon)
إنك تقدر أنه إذا حتمت الظروف وتأكد استقلال الأماكن المقدسة، فإنه سيكون من العدل والإنصاف أن نساهم، من خلال الدول المتحالفة، في

(1/2543)


إحياء الجنسية (Nationality) اليهودية على أرضها (On ones land) الخاصة بها حيث الشعب الإسرائيلي كان قد طرد منذ قرون عديدة خلت.
إن الحكومة الفرنسية التي اشتركت في الحرب الحاضرة للدفاع عن الشعوب التي تعرضت للاعتداء الظالم، والتي تواصل المعركة لضمان انتصار الحق على القوة، لا يمكنها إلا أن تبرهن على تعاطفها مع قضيتكم التي يرتبط انتصارها بانتصار الحلفاء.
Jules Cambon جول كامبون
Ministère des Affaires Etrangères, Paris, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, pp. 44-45.

(1/2544)


الأمين العام لوزارة الخارجية إلى السيد ناحوم سوكولو (N.Sokolow.).

الملحق الثاني
تصريح ستيفان بيشون (Stephen Pichon)
كما اتفق عليه أثناء حديثنا يوم السبت التاسع من هذا الشهر، فإن حكومة الجمهورية [الفرنسية]، بالنظر إلى تحديد وجهتها من الآمال الصهيونية العازمة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، قد نشرت مذكرة في الصحافة.
وفي الوقت الذي أرسل إليكم هذا النص، فإني أغتنم الفرصة لأهنئكم على إخلاصكم المتفاني الذي واصلتم به سعيكم لتحقيق رغبات إخوانكم في الدين (Co-religionistes) وأشكركم على غيرتكم التي

(1/2545)


أبديتم بها مشاعر العطف التي حظيت بها في بلدان الوفاق وبالأخص في فرنسا.
(Stephen Pichon) ستيفان بيشون
Ministère des Affaires Etrangères, Paris, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, Vol. 5, p.19,
من س. بيشون إلى ن. سوكولو، 14 فبراير 1918.
أثناء استقبال حظي به السيد سوكولو من قبل بيشون، وزير الخارجية، أعلن بيشون باسم الحكومة الفرنسية، أن هناك تفاهما كاملا بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية فيما يتعلق بمسألة الاستيطان اليهودي في فلسطين.

(1/2546)


Ministère des Affaires Etrangères, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, Vol. 5, p. 144, February 9, 1918. Communiqué destiné à la presse.

(1/2547)


التصريحات الفرنسية الموالية للصهيونية(1917 - 1918)
... ... ... ...
الدكتور أبو القاسم سعد الله
الجامعة الجزائرية - الجزائر

إلى الآن لا يعرف إلا القلائل أن فرنسا وعدت الصهاينة بوطن قومي قبل أن تعدهم به بريطانيا . فالمشهور هو فقط وعد أو تصريح بلفور A.J. Balfour الإنجليزي، وليس وعد أو تصريح جول كامبون (J.Cambon) وبيشون (S.Pichon) الفرنسيين. والتي فتحت للباحثين بعد خمسين سنة على أحداثها. هذا البحث قاد إلى الكشف عن الوعود الفرنسية للصهاينة بتعاطف فرنسا مع إنشاء المستوطنات اليهودية وبعث الدولة

(1/2548)


العبرية في فلسطين. وقد كشف البحث أيضا عن التنسيق بين الحركة الصهيونية من جهة، وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، بل عن التآمر بين الحلفاء ويهود العالم خلال سنتي 1917 و1918 على مستقبل بلاد العرب والإسلام.
ونحن لم نرجع إلى الوثائق الفرنسية المذكورة بصفة مباشرة، ولكننا اطلعنا بالخصوص على بحث إيدي كوفمان(1)
__________
(1) اعتمدنا على عدة مراجع، وبالأخص بحث إيدي كوفمان (Edy Kaufman) » التصريحات الفرنسية الموالية للصهيونية سنة 1917-1918«، في مجلة دراسات الشرق الأوسط (Middele Easter Studies)، المجلد 15، عدد 3، أكتوبر 1997، صص. 374-407. أما فيما يتعلق بأوضاع المشرق العربي عموما، فهناك الكثير من الكتب والأبحاث والمذكرات، ولم نر ضرورة لذكرها هنا.

(1/2549)


الذي رجع إليها ودرسها بدقة واستخرج منها وجهة النظر الفرنسية والبريطانية والصهيونية خلال التاريخ المذكور. وقد انطلق الباحث من فكرة قد تبدو جديدة إلى
حد كبير، وهي أن وعد بلفور قد جاء بعد وعد كامبون الفرنسي، وأن بريطانيا كانت حريصة على الحصول من فرنسا على ذلك الوعد للحركة الصهيونية لأن المصلحة البريطانية تقتضي إبعاد فرنسا عن فلسطين. وأن بريطانيا هي التي أغرقت ونسقت مع الصهاينة على أن تكون هي صاحبة السيادة على فرنسا وليس فرنسا على فلسطين.

(1/2550)


ومن أجل ذلك قام مارك سايكس (M. Sykes)، المفاوض الإنكليزي بالعمل مع جورج بيكو (G. Picot) المفاوض الفرنسي، على تقسيم فلسطين بين بريطانيا وفرنسا، وكسر الطموح الفرنسي القائم على الادعاء التاريخي والنفوذ الروحي في جعل فلسطين فرنسية فقط. والخطوة الثانية التي خطاها سايكس هي جعل حصة بريطانيا في التقسيم أكبر بكثير من الحصة الفرنسية. أما الخطوة الثالثة، فهي استعمال الضغط الصهيوني على فرنسا لكي تصدر تصريحا لصالح الصهيونية في فلسطين. وأما الخطوة الأخيرة، فهي ضمان السيادة البريطانية على فلسطين باقتناع

(1/2551)


اليهود عموما والصهيونية بالخصوص بأن ذلك أفضل لها من السيادة الفرنسية عليها. وبعد التحضير لكل ذلك، صدر وعد بلفور المعروف.
ويرجع المخطط في الأساس إلى الموقف من الدولة العثمانية التي دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا وإلى تقسيم المشرق العربي بين الحلفاء بما فيهم بريطانيا وفرنسا وروسيا. ومنذ 1916، فاوض الحلفاء بعدة أفواه وكتبوا عدة اتفاقات ظلت سرية وكانت في جوهرها متناقضة. ويهمنا من ذلك كله محادثات الشريف حسين / ماكماهون، واتفاق سايكس / بيكو والوعد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد كان هذا

(1/2552)


الوعد مقتصرا على وزارة الخارجية البريطانية، ولكنه أصبح الآن وعدا مزدوجا بعد إضافة تصريح وزارة الخارجية الفرنسية أيضا إليه والذي كان في الواقع سابقا للتصريح البريطاني.
ونص اتفاق سايكس/ بيكو سنة 1916 على تقسيم فلسطين بين فرنسا وبريطانيا. ولنتذكر أن فلسطين عندئذ كانت جغرافيا جزءا من سورية الكبرى وبلاد الشام. وبناء على الاتفاق المذكور، فإن شمال بحيرة طبرية كان سيدخل في حكم الفرنسيين (وكذلك سورية ولبنان). وأما عكا ويافا وجزء من شرق الأردن وصحراء النقب، على خط يمتد من رفح إلى شمال البحر

(1/2553)


الميت، فقد كان سيدخل في حكم الإنكليز. ومع ذلك، شعر كل طرف بأنه لم يحقق مرغوبه كاملا. فالإنكليز اعتبروا مفاوضهم سايكس معتدلا نحو المطالب الفرنسية. ومن جهة أخرى، اعتبر الفرنسيون ما حصلوا عليه أقل من آمالهم، لأنهم كانوا يطمعون في حكم الأماكن المقدسة التي قالوا أن الباب العالي والدول الأوروبية قد اعترفت لهم سابقا بحمايتها.
وتنفيذا لاتفاق سايكس/بيكو المذكور عزم الإنكليز على مهاجمة العثمانيين في فلسطين في يناير عام 1917. وانطلقوا من العريش. حاول الفرنسيون ثنيهم لعدم وجود قوات فرنسية في هذا

(1/2554)


الهجوم. كان الفرنسيون يخشون أن يبقوا خارج فلسطين ويؤول أمرها كله للإنكليز إذا لم تكن لهم مشاركة في الحرب هناك، وبذلك تضيع آمالهم ويضيع حقهم في أية مفاوضات بشأن فلسطين. ثم حاول الفرنسيون أن يشتركوا بقوة رمزية لتحقيق الغرض المذكور، فرفض الإنكليز اشتراكهم في أول الأمر ثم وافقوا بشرط ألا تتعدى القوة الفرنسية 2800 جندي. ثم جرى الخلاف بينهم حول رتبة قائد هذه القوة. ففرنسا عينت قائدا لها برتبة جنرال، فرفض الإنكليز ذلك حتى لا يكون في نفس رتبة القائد الإنكليزي، وكان على فرنسا أن تكتفي بتعيين

(1/2555)


القائد برتبة عقيد.
عين الفرنسيون ثلاث فرق جزائرية ضمن القوة المذكورة، وكانت مهمة هذه الفرق هي الإشراف على السكة الحديدية بين يافا والقدس، وحراسة المؤسسات الفرنسية في فلسطين، وكذلك حراسة الأماكن المقدسة التي كان يعترف لفرنسا بحمايتها في السابق. وبينما هاجم الإنكليز من غزة في 31 أكتوبر 1917 ووصلوا إلى يافا في 19 نوفمبر، ظلت الفرق الفرنسية في خان يونس، شمال سينا، ولم تتحرك تقريبا. وذلك هو ما جعل موقف فرنسا العسكري ضعيفا وجعل دبلوماسييها في موقف لا يطلبون معه الكثير حول فلسطين حين جاء وقت توزيع

(1/2556)


الغنائم.
كان جورج بيكو هو الخبير والدبلوماسي الذي عين محافظا في المناطق المحتلة من فلسطين وسورية. وكان يستعد للتوجه إلى القاهرة عندما طلب منه زميله الإنكليزي، سايكس أن يزور لندن بصفة مستعجلة قبل القاهرة. وكان سايكس قد خطط للقاء مباشر يتم بين بيكو والزعماء الصهاينة في لندن. ذلك أن سايكس كان مقتنعا بأن أي اعتراض يصدر من أية جهة حول خطة
بريطانيا في فلسطين، من العرب أو من الإيطاليين أو من الروس، لا يمكن أن يكون في درجة الخطورة التي يمثلها اعتراض فرنسا على الخطة. فكان ضمان موافقة فرنسا أمرا

(1/2557)


ضروريا في نظر سايكس.
وفي 8 فبراير 1917 التقى بيكو والزعيم الصهيوني نحوم سوكولو N.Sokolow(1) في لندن. فقد قدم سايكس زميله الفرنسي بيكو إلى سوكولو ثم انسحب. وتركهما وحدهما للدخول في المحادثات. وكان سايكس قد اتفق مع سوكولو قبل ذلك
__________
(1) كان سوكولو (سوكولوف) عضوا رئيسيا في المنظمة الصهيونية العالمية المتمركزة في كولون (ألمانيا). وقد لعبت دورا في التأثير على حركة الانقلاب العثماني. انظر ترجمتنا لبحث الأستاذ روبيرت أولسون (R.Olson) (جامعة كونتاكي) في كتابنا » في الجدل الثقافي«، دار المعارف، تونس، 1990.

(1/2558)


على أن يقنع بيكو بأن الصهاينة يفضلون السيادة البريطانية على فلسطين وليس الفرنسية. وهكذا أثار سوكولو هذه النقطة مع بيكو بكل صراحة، فأجابه بيكو بأن لفرنسا آمالها في فلسطين ولا يمكنها أن تتخلى عنها، بل أخبره أن 95% من الشعب الفرنسي يفضلون إلحاق (كذا) فلسطين بفرنسا. وكان سوكولو عازما على السفر إلى فرنسا، في اليوم التالي لنفس الغرض، فطلب منه بيكو ألا يثير مسألة الصهيونية في فرنسا خلال الاجتماع لأن معظم يهود فرنسا معارضون للصهيونية، ولأن الشعور الفرنسي نحو فلسطين شعور قوي. ومن جهته وعده بيكو

(1/2559)


بإخطار الحكومة الفرنسية بالموضوع بطريقة متعاطفة مع المطلب الصهيوني.
وقد بقيت مسألة السيادة على فلسطين مسألة حساسة بين فرنسا وبريطانيا. فاقترح سايكس ذات مرة اسم أمريكا لكي تكون هي الحامية المحايدة لفلسطين. وكان ذلك قبل دخول أمريكا الحرب طبعا. ولكن الفرنسيين رفضوا الاقتراح بحذر. ثم إن سايكس قد تراجع أيضا عن رأيه. وفي اجتماع عقد بباريس بين سايكس وبيكو وسوكولو وممثل الأرمن، طرح سوكولو الموضوع على بيكو بطريقة مبسطة قائلا: إن موقف الصهاينة حول السيادة هو موقف طفل يسأل: هل يحب أمه أكثر من أبيه

(1/2560)


(يعني بريطانيا أو فرنسا)، ولذلك اقترح سوكولو أن تبقى المسألة بين الحكومتين. وكان واضحا أن سايكس يستعمل الصهاينة ذريعة لتنفيذ المخطط البريطاني في فلسطين.
وبدأ سايكس ضغوطه في الحصول من الفرنسيين على وعد بالتعاطف مع الآمال الصهيونية قبل مغادرة بيكو إلى القاهرة. وكانت وجهة نظر سوكولو أن بيكو كان حجر عثرة في الطريق لأنه (بيكو) كان يفضل أن تكون السيادة فرنسية على فلسطين مع الاعتراف بالآمال الصهيونية. وكان وضع الصهيونية في فرنسا مختلفا عنه في بريطانيا. فهناك خلاف بين المنظمات الصهيونية في فرنسا من

(1/2561)


جهة، وبينها وبين نفس المنظمات في بريطانيا. وبالإضافة إلى التنافس، كانت الصهيونية في فرنسا معظمها من اليهود المهاجرين من شرق أوروبا. ولم يكن لهم نفوذ سياسي واقتصادي، وكان وضعهم الاجتماعي مهزوزا(1). وابتداء من سنة 1917 أسس بعض الشباب اليهود في فرنسا (مثل روجي ليفي [R.Levy] وأندري سبير [A.Spire])
__________
(1) عاشت فرنسا في الثمانينات من القرن الماضي أزمة حادة تعرف بأزمة الضابط اليهودي دريفوس (Dreyfus). وفي آخر القرن وقعت الأحداث المضادة للسامية في الجزائر بين الفرنسيين واليهود، بقيادة ماكس ريجس (M.Regis).

(1/2562)


منظمة باسم »جامعة أصدقاء الصهاينة« Ligue des Amis du Sionisme ) أخذت تجتذب إليها الأساتذة والشخصيات اليسارية.
وقبل إعطاء رأي فرنسا، اقترح بيكو على سوكولو أن يجتمع -أي سوكولو- بزعماء اليهود في فرنسا وفي مقدمتهم بعض أعضاء الرابطة الإسرائيلية العالمية، (1) قبل أن يعلن بيكو رأيه في التعاطف مع آمال الصهيونية. ومن جهة أخرى، كان بيكو يعرف أن رأي البارون ايدمون
__________
(1) تأسست سنة 1860 ، وقد تولى أدولف كريميو A.Cremieux)) رئاستها فترة، وهو صاحب قرار تجنيس يهود الجزائر جماعيا سنة 1870، وبعد أن صار وزيرا للعدل.

(1/2563)


روتشيلد (Ed. de Rotchild) له أهمية خاصة في هذا الموضوع، فقرر أن يدخله في المفاوضات أيضا بين الحكومة الفرنسية وممثلي الحركة الصهيونية الأجانب (غير الفرنسيين)، وذلك قبل إصدار أية تصريحات لصالح الصهيونية. لقد كان رأي البارون مهما جدا لأنه أولا سيعبر للحكومة عن اتفاق ورضى الجماعة اليهودية الرسمية للزعماء نحو الأهداف الصهيونية، وثانيا لأن وجهة نظره نحو الحركة الصهيونية ستجر العديد من العناصر المعادية لهذه الحركة بين اليهود الفرنسيين.

(1/2564)


وهكذا حصل الاجتماع مع البارون روتشيلد في أبريل 1917. الاجتماع الأول كان مع الزعماء الفرنسيين المسيرين للسياسة الخارجية عندئذ، وعلى رأسهم ليون بورجوا (L.Bourgeois) وجول كامبون(1)
__________
(1) جون كامبون سبق له أن كان حاكما عاما للجزائر بين 1892 و1897، ثم عين سفيرا لبلاده في واشنطن، قبل أن يتولى مسؤوليات أخرى، ومنها كاتب عام وزارة الخارجية حيث أصدر التصريح الفرنسي الموالي للصهيونية الذي نحن بصدده سنة 1917. انظر جول كامبون، حكومة الجزائر، 1918. أما أخوه بول كامبون، فقد سبق له أن كان المقيم العام في تونس ثم عين سفيرا لبلاده في لندن حيث كان سنة 1917.

(1/2565)


. والاجتماع الثاني حصل مع البارون وسوكولو وكذلك مع العناصر النشطة من »الرابطة الإسرائيلية العالمية« وكان الاجتماعان منفصلين.
لقد كان جول كامبون هو الكاتب العام (الوكيل) لوزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورزي) Quai d’Orsay وكان أخوه بول كامبون سفيرا في بريطانيا. وفي 8 أبريل، اجتمع بهما سوكولو، وحضر الاجتماع جورج بيكو وكذلك دي مارجري (De Margerie) مدير قسم الشؤون السياسية في وزارة الخارجية. ودار النقاش حول العواقب التي قد تنتج عن تصريح فرنسي يتعاطف مع آمال الصهيونية، ولا سيما العواقب بالنسبة

(1/2566)


للجهات اليهودية في أمريكا وروسيا. واتفقوا على أنه سيكون للتصريح نتائج إيجابية وفوائد لصالح الحرب والحلفاء. واتفقوا كذلك على أن ترسل في نهاية الاجتماع، برقية بهذا المعنى إلى الدكتور تشيلونوف (Dr.Tchlenov) (روسيا) وجستس برندس (J.Branderis) (أمريكا)، وهما رئيسا المنظمتين الصهيونيتين على التوالي في بلديهما. وقد وقع سوكولو البرقية، ولكنها مرت عبر قنوات وزارة الخارجية الفرنسية. وجاء في البرقية ما معناه: أن نتائج إيجابية لمفاوضات لندن وباريس (and Paris) قد رحبت بها هنا وزارة خارجيتنا، وأن لي ثقة

(1/2567)


كاملة في أن النصر (للحلفاء) سيحقق آمالنا الصهيونية الفلسطينية. ونلاحظ أن الفرنسيين قد تركوا عبارة (وباريس) بارزة في البرقية تأكيدا على تدخل فرنسا في الموضوع (ص. 378).
وبعد باريس سعى سوكولو أيضا للحصول على نفس التصريح من إيطاليا وعلى دعمها لآمال الصهيونية في فلسطين.

تصريح جول كامبون (جوان) 1917:
سبقت هذا التصريح عدة تمهيدات واتصالات بين الزعماء الفرنسيين واليهود. فمن القاهرة أرسل بيكو برقية إلى الخارجية الفرنسية مؤكدا فيها إصدار تصريح فرنسي يتعاطف مع آمال الصهيونية. وقد بنى بيكو رأيه على عدة

(1/2568)


اعتبارات منها أنه فهم أن الصهاينة سيتركون موضوع السيادة على فلسطين للحلفاء، وأن سوكولو اعترف له بأن الأماكن المقدسة ستعرف وضعا خاصا، وأن الاستيطان (الاستعمار Settlement) اليهودي لن يشمل هذه الأماكن المقدسة.
كما أن جول كامبون ودي مارجوري والبارون روتشيلد، وكذلك سيلفان ليفي وهو من »الرابطة الإسرائيلية العالمية« عقدوا عدة اجتماعات. وقد عبر سيلفان ليفي أثناءها بأنه » من الطبيعي أن اليهود الفرنسيين غير صهيونيين، ولكنهم يعترفون، بكل سرور، بأهمية وقيمة الحركة الصهيونية« (ص. 381).

(1/2569)


ومن جهة أخرى، حرر جول كامبون نفسه مذكرة عن طبيعة اليهود والصهيونية. وقد عبر فيها عن أنه في صالح الاعتراف بموضع (Place (لتجمع Groupement) اليهود في فلسطين، إلى جانب الجنسيات الأخرى (Nationalités) الموجودة فيها.
إن الدافع المباشر لتصريح كامبون هو الاستعجال بإصدار بيان مكتوب معبر عن الوقوف إلى جانب آمال الصهيونية لكي يحصل التعاطف مع الجماهير اليهودية في روسيا المعارضة لحكومة القيصر المستبدة، وهي حكومة عضو في الوفاق الثلاثي (Triple Alliance). وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك عاملين آخرين متصلين

(1/2570)


بالموضوع، الأول هو خطر ألمانيا التي قد تحصل على دعم الصهيونية لوجود قرار سريع كان بصدد التحضير في برلين يعلن عن دعم ألمانيا للمشروع الصهيوني في فلسطين تحت الحماية الألمانية. والثاني هو رغبة كامبون في تجنيد ما يعتبره جماعة يهودية قوية في أمريكا لصالح الحلفاء والتأثير بها على حكومتهم لتقف إلى جانب التحالف مع بريطانيا وفرنسا. وقد كان كامبون سفيرا لبلاده في واشنطن ويعرف مدى النفوذ اليهودي هناك.

وقد راجت إشاعات واردة من بعض العواصم الأوروبية مثل لاهاي وكوبنهاكن، وهي أن ألمانيا كانت تستعد لإصدار

(1/2571)


إعلان في صالح إقامة جمهورية يهودية في فلسطين. ومن ذلك خشية الفرنسيين من وقوع تفاهم أمريكي/ ألماني مع تركيا (طلعت باشا)، يدعم المطامع الصهيونية في مقابل تعويضات مالية من الدوائر الصهيونية وتخلي تركيا عن حكم فلسطين(1). كما أن كامبون كان يرى أنه رغم إعلان أمريكا الحرب على ألمانيا في 6 أبريل 1917 فإنها لم ترم بكل ثقلها في الحرب، وأن دور اليهود في أمريكا ضروري لدعم الحرب
__________
(1) عن العلاقة المالية والارتباط بين زعماء تركيا والحركة الصهيونية عندئذ، انظر البحث الذي ترجمناه (في »الجدل الثقافي«) مرجع سابق.

(1/2572)


والحلفاء.
إن تصريح كامبون جاء في شكل رسالة إلى سوكولو بتاريخ 4 جوان (حزيران) 1917، ومحتواه هو ما يلي: » إنك تقدر أنه إذا سمحت الظروف وتحقق استقلال الأماكن المقدسة، فإنه سيكون من الإنصاف إذا ساهمنا من خلال حماية دول الحلفاء، في إحياء الجنسية اليهودية على أرضها حيث الشعب الإسرائيلي كان قد طرد منذ قرون عديدة خلت. إن الحكومة الفرنسية التي شاركت في الحرب الحاضرة للدفاع عن الشعوب المعتدى عليها ظلما والتي تواصل المعركة لتحقيق انتصار الحق على القوة، لا تستطيع سوى أن تشهد بتعاطفها مع قضيتكم التي يرتبط

(1/2573)


انتصارها بانتصار الحلفاء« (1) (ص. 384).
وقد تأثر سوكولو بهذا التصريح. وأرسل إلى كامبون خطابا مؤثرا معترفا بأهمية التصريح ومعتبرا إياه انتصارا معنويا كبيرا. أما حاييم وايزمان (H.Weizmann) ، زميل سوكولو، فقد خالفه في ذلك لأنه كان يخشى من أن الفرنسيين قد يستعملون تفاهمهم مع الصهاينة لأغراضهم
__________
(1) تصريح جول كامبون، وزارة الخارجية الفرنسية، المسألة اليهودية، باريس، الأرشيف السياسي، حرب 1914-1918،
صص. 44-45. من الكتابة العامة لوزارة الخارجية إلى السيد ناحوم سوكولو، 4 جوان 1917. انظر الملحق الأول.

(1/2574)


الخاصة، أي للمشاركة مع الإنكليز في فلسطين.
ومهما كان الأمر، فقد بقى التصريح الفرنسي غير منشور، ولم يجز توزيعه إلا داخليا فقط وعبر السفارات. والمفترض أنه قد نشر بين الدوائر اليهودية المؤثرة. غير أنه يلاحظ في هذا
الصدد أنه لا الفرنسيون ولا الصهاينة قد نشروا محتوى التصريح علنيا لأسباب تتعلق بكل منهم.
والنتيجة هي أن التصريح الفرنسي قد شجع على إصدار تصريح (وعد) بلفور الذي جاء بعده زمنيا، وأنه قد صدر عن حكومة كانت تعتبر منافسة لبريطانيا في فلسطين. وقد أعطى التصريح الفرنسي أيضا لسايكس الفرصة

(1/2575)


المنتظرة للضغط على أعضاء الحكومة البريطانية وعلى من كانوا معارضين للآمال الصهيونية. ومن ثمة أصبح سايكس قادرا على إثارة موضوع » التصريح البريطاني« على أنه مجرد » مصلحة قومية «(1).

تصريح وزير الخارجية بيشون (14 فبراير 1918)
ظلت الاتصالات بين الأطراف جارية لتحقيق كل طرف ما يراه في صالحه من غنيمة الانتصار في الشرق الأدنى وفي أوروبا. وبعد تصريح اللورد بلفور، وزير الخارجية الإنكليزي،
__________
(1) تصريح اللورد بلفور إلى اللورد روتشيلد، المتحف البريطاني، مخطوط 41178، فوليو رقم 1، 3 الثاني من نوفمبر 1917.

(1/2576)


جاء دور تصريح ستيفان بيشون وزير الخارجية الفرنسي. وهو بالطبع تأكيد لتصريح كامبون السابق.
وهناك تطورات جعلت تصريح بيشون ضروريا. فزعماء الصهيونية في فرنسا أصبحوا يلحون على الحكومة الفرنسية في تأييد التصريح البريطاني الذي تضمن عبارة » الوطن القومي« لليهود. كما أن رئيس الحكومة السابق ريبو (Ribot) قد ترك مكانه لجورج كليمنصو (G.Clemenceau) 17 نوفمبر 1917. وفي ديسمبر استولت القوات البريطانية على بيت المقدس فأعلن الصهاينة الفرنسيون ترحيبهم بذلك دون الإشارة إلى اسم فرنسا. ثم إن مؤتمرا صهيونيا كبيرا كان

(1/2577)


على وشك الانعقاد في أمريكا. وكان من المقرر أن تحضره شخصيات صهيونية من روسيا وبريطانيا. وألف الصهاينة أيضا لجنة تضم ممثلين عن يهود أمريكا وروسيا وبريطانيا لتتوجه إلى فلسطين للتحضير لما وعد به بلفور وهو إقامة » الوطن القومي اليهودي«. وليس في هذه اللجنة ممثل يهودي من أصل فرنسي.
كل ذلك جعل المسألة أمام كليمنصو ووزير خارجيته بيشون تحتاج إلى إعلان موقف. جاء سوكولو إلى باريس من جديد في يناير 1918. وكان عليه أن يعلن للفرنسيين أن الحركة الصهيونية ليس لها نية في إقامة » دولة يهودية« في فلسطين وإنما لها

(1/2578)


نية إنشاء وطن قومي يهودي (Foyer National Juif). وجاءت دعوة سوكولو إلى باريس هذه المرة من السيد غو (Gout) بإيعاز من مارك سايكس. وكان غو هو المتولي عندئذ قسم آسيا بوزارة الخارجية الفرنسية، كما أنه قد تولى المسألة الصهيونية في باريس في غياب بيكو الذي أرسل إلى فلسطين. وأثناء اللقاء بين الفرنسيين وسوكولو، كان على هذا أن يقنعهم بضرورة مشاركة عضو يهودي من أصل فرنسي في اللجنة الصهيونية المتوجهة إلى فلسطين.

(1/2579)


وبتقديم خاص من غو، استقبل الوزير بيشون الزعيم الصهيوني سوكولو في 9 فبراير. وعبر له بيشون عن استعداده لإصدار بيان صحفي يؤكد التفاهم الموجود بين الإنكليز والفرنسيين حول المسألة الصهيونية. وبعد أن رجع سوكولو إلى غرفته في الفندق، كتب إلى غو يشكره على إعداد اللقاء مع وزير ا لخارجية ويؤكد أن إصدار بيان » واضح العبارة« يجب أن يكون هو نقطة الانطلاق للدعاية الفرنسية بين الملايين من إخوانه في الدين (اليهود) بالولايات المتحدة الأمريكية.

(1/2580)


وهناك أيضا دور تارديو (Tardieu)، المحافظ السامي الفرنسي في نيويورك، في إصدار التصريح الفرنسي الثاني الموالي للصهيونية. فقد كان تارديو مبقيا على العلاقات مع زعماء هذه الحركة في نيويورك، ولا سيما مع برندس، وفي مراسلاته مع وزارة خارجية بلاده كان تارديو يستعمل مختلف الحجج لإصدار تصريح جديد. وكان يبين النفوذ المالي والسياسي لليهود في نيويورك وكون زعمائهم يؤيدون الاستعمار (Colonisation) اليهودي في فلسطين. وذهب تارديو إلى حد الاقتراح بنقل جماعة من اليهود كانوا يعيشون في كانيا (كورسيكا) إلى فلسطين،

(1/2581)


لأن نقلهم تحت العلم الفرنسي إلى هناك يعد إشارة فرنسية جيدة نحو اليهود عموما.
في اللقاء الذي جمع بيشون بسوكولو يوم 9 فبراير لم يرض سوكولو بعبارة المستوطنة (Settlement) اليهودية في فلسطين التي وردت على لسان بيشون، وطلب عبارة واضحة من الفرنسيين تتماشى مع الآمال الصهيونية. وبعد التأمل والتروي خلال بضعة أيام، طلب سوكولو مجددا تغيير التعبير » المستوطنة« إلخ. السابق واستبداله بالعبارة التي وردت في التصريح البريطاني، وهي » وطن قومي يهودي«. وبرر سوكولو ذلك بأهمية التصريح والتعبير لدى اليهود

(1/2582)


الأمريكيين. كما أن رسالة سوكولو تضمنت اقتراحا بتعيين وفد فرنسي ينضم إلى الوفد (اللجنة) الصهيوني المتوجه إلى فلسطين، على أن يتمتع الوفد بثقة حكومته.
وقد استجاب بيشون لهذا الطلب وأصدر يوم 14 فبراير تصريحا أكد فيه الموقف الفرنسي واستعمل فيه تعبير » الوطن القومي« (Foyer National) الذي طلب منه سوكولو، وجاء تصريح بيشون، في صيغة رسالة موجهة إلى سوكولو، معلنا له فيها أن بيانا صحفيا قد صدر عن الحكومة الفرنسية بالمعنى المذكور. وها هو نص بيشون:

(1/2583)


»كما اتفقنا عليه خلال محادثاتنا يوم السبت التاسع من هذا الشهر، فإن حكومة الجمهورية (الفرنسية)، بالنظر إلى تحديد وجهة نظرها نحو الآمال الصهيونية العازمة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فقد نشرت مذكرة في الصحافة. وإني إذ أقدم إليك هذا النص، فإني أغتنم الفرصة لتهنئتكم على إخلاصكم المتفاني الذي تابعتم به إنجاز آمال إخوانكم في الدين، ثم لأشكركم على الحماس الذي أظهرتموه لتقديم مشاعر التعاطف التي لقيتها جهودكم في بلدان الوفاق، وبالخصوص في فرنسا« (1)
__________
(1) تصريح ستيفان بيشون، وزارة الخارجية في باريس، الأرشيف السياسي، حرب 1914-1918. المسألة اليهودية، م 5، ص. 19، من س.
بيشون إلى ن. سوكولو، 14 فبراير 1918. انظر الملحق الثاني .

(1/2584)


. (ص. 391).
وفي يوم 16 فبراير أبرقت » الإتحادية الصهيونية الفرنسية« (French Zionist Federation) معلنة إلى الزعماء الصهيونيين في موسكو وبتروكراد والأوديسة، وروما ولاهاي ونيويورك وكوبنهاكن، والقاهرة عن الاتفاق التام بين فرنسا وإنكلترا حول مسألة (فلسطين اليهودية)«، وداعية إياهم إلى تنظيم مظاهرات الدعم والتعبير عن الإعتراف بالجميل للحكومة الفرنسية.
وكانت السياسة الصهيونية العامة تتمركز في الحصول على موافقة الدول المتحالفة الأخرى على وعد بلفور. ولذلك كان سوكولو مصرا على أن تصدر الحكومة الإيطالية

(1/2585)


أيضا تصريحا مماثلا لتصريح بيشون.
أما بيكو، فقد ترك على الهامش من هذه التطورات. فلم يعلم عن تصريح بيشون إلا من خلال المصادر الإنكليزية في المشرق. وهكذا وجد نفسه غريبا أمام تصريح 9 ثم 14 فبراير 1918 المساند للصهيونية. وقد اندهش من أن حكومته لم تصدر تصريحا لصالح العرب كما كان يرغب. وشكا إلى حكومته من كونها لم تستشره قبل تصريح بيشون، وحذرها من ردود الفعل في سورية ولبنان. وقد كان بيكو يريد تحضير الرأي العام في سورية ولبنان للانتداب الفرنسي.

(1/2586)


لكن بيكو تلقى من حكومته نسخا فقط من الوثائق التي أرسلتها وزارة الخارجية إلى المحافظ السامي الفرنسي في نيويورك (وهو تارديو)، وهي الوثائق التي تلح على الأثر الإيجابي لتصريح بيشون على يهود أمريكا. وطلبت الوزارة من بيكو أن يعمل على إفهام السكان، يهودا وغير يهود (كذا) من أن الحكم الذي سينشأ هناك بعد الحرب لن يكون في صالح طرف على حساب طرف آخر، وأن الوئام بين جميع العناصر هو الشرط الضروري في تمتع الجميع بالتقدم والرخاء بعد الحرب.

(1/2587)


أما تارديو، فقد أرسل برقية يوم 9 فبراير من نيويورك جاء فيها أن وزير الداخلية الألماني قد استقبل وفدا صهيونيا ووعدهم بإقامة سلطة حكم ذاتي (Autonomy) في فلسطين. وكان هدف برقية تارديو هو التعجيل بإصدار الحكومة الفرنسية تصريحا مواليا للصهيونية. وبعد أيام من تصريح بيشون، أخبر تارديو عن فرحة يهود أمريكا بالتصريح الفرنسي، وعن شكر فرنسا الذي عبرت عنه مختلف افتتاحيات الجرائد اليهودية بأمريكا.
وفي اليوم التالي لتصريح بيشون (أي يوم 15 فبراير 1918)، جاء الإعلان عن اتفاق الحكومتين الفرنسية والبريطانية حول

(1/2588)


الوضع المحفوظ للصهيونية في فلسطين. فكلتاهما تعترف بمنشأة (Establishment) يهودية في فلسطين، مع تمكين اليهود من حكم ذاتي إداري في إطار دولة عالمية (International State) ستنشأ في هذه البلاد (فلسطين). ولعل استعمال تعبير » المنشأة اليهودية« جاء من موقف وزارة الخارجية الفرنسية التي تريد أن تقف موقفا وسطا بين طالبي الحد الأقصى وهو إقامة دولة يهودية وخصوم هذه الفكرة.
لقد كان هناك بعض ردود الفعل على الموقف الفرنسي من الصهيونية. فدوائر الكاثوليك والاستشراق وبعض العرب تحركوا ولكن لم يكن لهم فعالية. كما

(1/2589)


كانت هناك اللجنة المركزية السورية في باريس، ولكن موقفها كان غير فعال أيضا، ومعظم العرب المتواجدين في فرنسا عندئذ كانوا من المسيحيين السوريين، ويرأسهم شكري غانم، وكانت فرنسا هي التي تدفع إليهم الأموال. ولذلك كان مطلبهم يتمثل في قطع سورية عن الدولة العثمانية ووضعها تحت حكم فرنسي. وكانوا على صلة ببعض العرب الآخرين في الخارج. غير أن أنصارهم في سورية نفسها كانوا قلة. ولم يكن لهم أي أثر على فصل فلسطين عن سورية وإقامة الوطن القومي فيها لليهود، كما لم يكن لهم أي أثر في معارضة الفكرة بعد ذلك.

(1/2590)


وهكذا تبين أن سنة 1917 كانت حاسمة ليس لأن بلفور والإنكليز وعدوا الصهاينة بالوطن القومي لليهود في فلسطين، بل لأن الفرنسيين قد فعلوا ذلك أيضا. وقد لاحظنا أن تصريح كامبون جاء قبل تصريح بلفور. كما أن تصريح بيشون وموافقة الفرنسيين على الوطن القومي اليهودي قد جاءت في بداية 1918 على عهد وزارة جورج كليمنصو. ويبدو أن ثلاثين سنة من الانتداب البريطاني على فلسطين قد جعل الناس ينسون دور الدول الأخرى، مثل فرنسا وألمانيا وتركيا في المنطقة. فهل كان التصريح الفرنسي مختلفا في المحتوى عن التصريح الإنكليزي؟

(1/2591)


أو هل أن الصهاينة لم يروا فيه إنجازا كبيرا أو هو أقل أهمية في نظرهم من التصريح البريطاني؟ وقد انتهى الكاتب إيدي كوفمان إلى أن الذي جعل بلفور يصدر تصريحه هو عزيمة بريطانيا على امتلاك فلسطين وليس نتيجة للضغط الصهيوني. إن هناك عدة دراسات لتصريح بلفور، مثل دراسة ليونارد شتاين (L.Stein) ثم دراسة فيرتي (Mayir Verete) الذي أعطى التصريح تفسيرا جديدا ورأى أن التصريح الفرنسي الرسمي لصالح الصهيونية هو الذي ساهم في إصدار التصريح البريطاني المعروف بوعد بلفور. وها هي مقالة إيدي كوفمان تعمق هذا التفسير بناء

(1/2592)


على الوثائق الفرنسية التي افتتحت حديثا أمام الباحثين(1). أما الخاسرون في هذه التطورات كلها فهم العرب، والمسلمون.
Selected Bibliography

Ageron, Charles-Robert, les Algériens Musulmans et la France, Vol.
1-2, P.U.F., Paris, 1968.
__________
(1) ناقش موضوع الصهيونية الحلفاء، ولاسيما بريطانيا وفرنسا، إيلي كدوري (E.Keddourie) »المذكرات العربية الباحثية ودراسات أخرى«، لندن، 1974، صص. 236-242، وتعرض أيضا لرأي فيربتي وشتاين.

(1/2593)


Andrew, F.Fern, The Holy Land Under Mandate, Vol. 1, Hyperion Press, Westport, Conn., 1976.
Cambon, Jules, Gouvernement de l’Algérie, Alger, 1918.
Geddes, Charles L., A Documentary History of the Arab-Israeli conflict, Praeger, New York, 1991.
Gorny, Yosef, Zionism And The Arabs, 1882-1948, A Study of Ideology, Clarendon Press, Oxford, 1987.
John, Robert and Hadawi, Sami, The Palestine Diary, Vol 1-2, New World Press, New York, 1971.

(1/2594)


Kaufman, Edy, « The French Pro-Zionist Declarations of 1917-1918 », Middle Eastern Studies, 15, no. 3, October 1979.
Khaldi, Walid. Ed., From Haven To Conquest, 2 Printing, Washington, The Institute For Palestine Studies, 1987.
Rizk, Edward, Trans., The Palestine Question, The Institute for Palestine Studies, Beirut, 1968.

الملحق الأول
تصريح جول كامبون (Jules Cambon)
إنك تقدر أنه إذا حتمت الظروف وتأكد استقلال الأماكن المقدسة، فإنه سيكون من العدل والإنصاف أن نساهم، من خلال الدول المتحالفة، في

(1/2595)


إحياء الجنسية (Nationality) اليهودية على أرضها (On ones land) الخاصة بها حيث الشعب الإسرائيلي كان قد طرد منذ قرون عديدة خلت.
إن الحكومة الفرنسية التي اشتركت في الحرب الحاضرة للدفاع عن الشعوب التي تعرضت للاعتداء الظالم، والتي تواصل المعركة لضمان انتصار الحق على القوة، لا يمكنها إلا أن تبرهن على تعاطفها مع قضيتكم التي يرتبط انتصارها بانتصار الحلفاء.
Jules Cambon جول كامبون
Ministère des Affaires Etrangères, Paris, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, pp. 44-45.

(1/2596)


الأمين العام لوزارة الخارجية إلى السيد ناحوم سوكولو (N.Sokolow.).

الملحق الثاني
تصريح ستيفان بيشون (Stephen Pichon)
كما اتفق عليه أثناء حديثنا يوم السبت التاسع من هذا الشهر، فإن حكومة الجمهورية [الفرنسية]، بالنظر إلى تحديد وجهتها من الآمال الصهيونية العازمة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، قد نشرت مذكرة في الصحافة.
وفي الوقت الذي أرسل إليكم هذا النص، فإني أغتنم الفرصة لأهنئكم على إخلاصكم المتفاني الذي واصلتم به سعيكم لتحقيق رغبات إخوانكم في الدين (Co-religionistes) وأشكركم على غيرتكم التي

(1/2597)


أبديتم بها مشاعر العطف التي حظيت بها في بلدان الوفاق وبالأخص في فرنسا.
(Stephen Pichon) ستيفان بيشون
Ministère des Affaires Etrangères, Paris, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, Vol. 5, p.19,
من س. بيشون إلى ن. سوكولو، 14 فبراير 1918.
أثناء استقبال حظي به السيد سوكولو من قبل بيشون، وزير الخارجية، أعلن بيشون باسم الحكومة الفرنسية، أن هناك تفاهما كاملا بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية فيما يتعلق بمسألة الاستيطان اليهودي في فلسطين.

(1/2598)


Ministère des Affaires Etrangères, Archives Politiques, Guerre 1914-1918, Question juive, Vol. 5, p. 144, February 9, 1918. Communiqué destiné à la presse.

(1/2599)


التعليم بجامع الزيتونة وبمدارس العلم في العهد الحفصي

... ... ... ... ... الدكتور محمد الباجي بن مامي
... ... ... ... المعهد الوطني للتراث ـ تونس
... ... ... ... ... ... ...
... بودي الإشارة ـ قبل كل شيء ـ إلى أنني لن أتطرق إلى النواحي المعمارية أو الفنية التي يمتاز بها الجامع الأعظم أو مدارس مدينة تونس، بل سأركز هذا البحث على الناحية التعليمية وعلى مناهج التعليم وطريقة التدريس ومحتوى برامج التعليم بصفة عامة.

(1/2600)


... وكل منا يعلم أن العلم والتدريس ارتبطا منذ العصور الأولى بالدين. لذلك وجدت منذ البداية مواضع لدراسة القرآن والحديث. وكان هذا التدريس قائما في أول الأمر بالمساجد: إذ لم تكن محل عبادة فقط، بل كانت النواة الأولى للمدرسة، تلقن فيها القراءة والكتابة والعلوم الدينية واللغوية وغيرها... وكان للعديد من الفقهاء حلقات بها. ويطلق على هؤلاء لقب »أهل العلم«. ففي العهد الأموي كانت المساجد مفتوحة لكل من يأنس في نفسه القدرة على التدريس، وكان الاستماع إلى الدرس مباحا لكل من يرغب فيه. ولم يكن المدرس مجبرا

(1/2601)


على تدريس موضوع معين، بل كان دوره إبلاغ ما يعرف ثم إذا أمكن له علمه الإفتاء(1)، وهو ما نتوقع أنه حصل بجامع الزيتونة منذ القرون الإسلامية الأولى.

... ولا ريب في أن التدريس في القرون الأولى لم يكن يتناول بالبحث مؤلفات معينة، ولم يكن كذلك على ترتيب خاص في كيفية الإقراء. وقد روى القاضي عياض عن مالك بن أنس أنه: »لم ندرك أحدا من أهل بلدنا، ولا من مضى يكتب«. فقيل له: »كيف نصنع؟ « قال:
__________
(1) انظر الأمثلة التي أوردها الدكتور حسين أمين في كتابه: المدرسة المستنصرية، بغداد، مطبعة شفيق، 1960، صص. 12 ـ 13.

(1/2602)


»تحفظون كما حفظوا وتعملون كما عملوا حتى تنور قلوبكم فيغنيكم عن الكتابة« (1). وكان العالم أو الفقيه في هذه الفترة الأولى من الإسلام يدرس في أغلب الأحيان دون أجر، الأمر الذي أدى إلى عدم تدخل السلط الحاكمة في أمور التدريس(2).

طريقة التدريس
__________
(1) راجع محمد الحشايشي، تاريخ جامع الزيتونة، تقديم الجيلاني بن الحاج يحيى، تونس، 1974، ص. 39.
(2) يمدنا محمد أسعد طلس بفكرة واضحة حول هذا الموضوع في كتابه: التربية والتعليم في الإسلام، بيروت، دار العلم للملايين، 1957، ص. 150

(1/2603)


... وبعد قدر أدنى من التعلم بالكتاتيب، يلتحق التلميذ، بأماكن أخرى يواصل فيها دراسته(1). وعند ارتياده للمسجد، ينظم الدارس وله من العمر ما يسمح له بالالتحاق بحلقات
__________
(1) لدينا العديد من المصادر التي تحدثت عن موضوع تعليم الصبيان. وبالطبع من أهمها كتاب محمد بن سحنون، كتاب آداب المعلمين، تحقيق ح. ح. عبد الوهاب، تونس، 1931؛ وكتاب ابن الجزار، سياسة الصبيان وتدبيرهم، تحقيق وتقديم محمد الحبيب الهيلة، تونس، 1968؛ وكذلك: أبو علي بن محمد بن خلف القابسي، الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين والمتعلمين.

(1/2604)


التدريس، وهي ما نعبر عنها بمرحلة التعليم الثانوي في أيامنا، ويمكن اعتبارها مرحلة انتقالية بين الكتاب وبين الانتساب إلى حلقات مشاهير الشيوخ. ويمدنا أبو عبد الله الرصاع في "الفهرست" بمثال يشير فيه إلى المستويات المتفاوتة التي كانت عليها الحلقات(1). كما نجد نصا لابن خلدون يرى فيه أنه: »إنما يكون تلقين العلوم مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا... وهو يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك«(2)
__________
(1) انظر: الرصاع، الفهرست، ص. 182.
(2) راجع: عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، صص. 1002 ـ 1003.

(1/2605)


.

طريقة التعليم بالجامع الأعظم والمدارس
... يبدو أنه كان للتعليم بالجامع الأعظم خلال الفترة الحفصية حرية شبه مطلقة فيستطيع الطالب القدوم في أي وقت، ولا يجبر على الانتساب إلى حلقة دون أخرى، وهو ليس مجبرا على التقيد بأحد الشيوخ، لذلك يستطيع أن ينتقل من حلقة إلى أخرى، أو كذلك يمكن له أن يلازم شيخا واحدا (1). وهذا مخالف تماما لما يقع في المدرسة: فالطالب الساكن بها مجبر على الحضور في وقت معين ولا يغادر الدرس إلا عند انتهاء الشيخ من
__________
(1) ومن الأمثلة ملازمة البرزلي لشيخه ابن عرفة مدة أربعين سنة.

(1/2606)


إلقائه، وليس له أن يختار شيخه بعكس ما يقع في الجامع الأعظم، إذ كانت المدارس نظامية، ولكل منها ناظر أو شيخ يراقب كل ما يحصل فيها. وقد عثرنا في تحابيس بعض المدارس التي وصلتنا اشتراط المؤسس الحضور الوجوبي للطالب (1).
__________
(1) لم تصلنا تحابيس مدارس الفترة الحفصية، بينما اطلعنا على العديد منها التي ترجع إلى الفترة المرادية أو الحسينية، ونحن نتوقع أن الأمر نفسه حصل خلال الفترة الحفصية فيما يتعلق بحضور الطلاب.

(1/2607)


... ونتج عن هذا تكاثر عدد الطلبة في الجامع الأعظم، بينما كان عدد الطلبة في المدارس محدودا لا يمكن أن يتجاوز رقما معينا. ففي أكثر الأحيان يحدد منشئ المدرسة عدد الطلاب الذين يسمح لهم بالإقامة فيها، وهو يكون في غالب الوقت موافقا لعدد غرفها. ومن الطبيعي جدا أنه عندما تكون لشيخ المدرسة شهرة كبيرة يزداد عدد الطلبة القادمين من خارجها. ولذلك يتجاوز عدد الدارسين في بعض المدارس بكثير عدد القاطنين بها. وهكذا لم يكن سكان المدرسة ينتفعون بالتعليم فيها فحسب، بل كان دخولها وتلقي الدروس بها ممكنا أيضا

(1/2608)


لمن لا يقطن فيها، وفي بعض الأحيان يخير بعض أصيلي تونس أخذ الدروس عن شيخ مدرسة على الاتجاه إلى الزيتونة، نظرا للمستوى العلمي الهام الذي يتمتع به شيخ تلك المدرسة. وعندما يكون المدرس مشتهرا، يأتيه الطلاب حتى من خارج إفريقية (1).
... ولم تمدنا المصادر بتاريخ بداية التعليم في جامع الزيتونة، ولا نعلم أيضا متى أصبح هذا التعليم منظما. وأول نص يشير إلى التدريس بجامع الزيتونة يعود إلى سنة 603 هـ/ 1206 م (2)
__________
(1) الفهرست، المرجع السابق، ص. 188.
(2) وهو ما يؤكده الشيخ محمد البشير النيفر في مقاله: »تاريخ الحركة العلمية بجامع الزيتونة«، المجلة الزيتونية، ج 10، سنة 1936، ص. 553.

(1/2609)


. إلا أننا نرجح أن تكون الزيتونة قد أدت دورا فعليا منذ تأسيسها كما كان شأن المساجد الجامعة سواء كان بإفريقية أو في المشرق الإسلامي (1). ويذكر أبو العرب تسعة من بين أهم أهل العلم والفضل بتونس (تراجم من عدد 106 إلى 114)، وهو ما يدفعنا إلى احتمال أنهم كانوا درسوا بالجامع الأعظم(2). غير أن إشارات المصادر تعوزنا فيما يتعلق بالقرون الخمسة الأولى من تاريخ هذا الجامع.
__________
(1) فقد جرت العادة منذ الفترات الأولى للإسلام أن يتخذ من جامع كل مدينة مركز للتعليم.
(2) أبو العرب، طبقات، صص. 212 ـ 226.

(1/2610)


... وبالطبع، فإن ارتباط الجامع الأعظم، عضوي بمدارس العلم بتونس، إذ كان العديد من الطلبة بعد دراستهم بإحدى المدارس يواصلون تلقي العلم في هذا الجامع؛ كما نلاحظ أن العديد من العلماء وموظفي الجامع، من أئمة وقضاة ومفتين، يعينون شيوخا في بعض المدارس(1)
__________
(1) يكفي أن نذكر أمثلة ابن براء التنوخي المهدوي، وأبي الفضل أبي القاسم بن عبد الرفيع المشهور بابن زيتون، وأبي حفص بن قداح وأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرفيع الربعي وابن عبد السلام وابن عرفة والبزلي واب عبد الستار والغبريني والرصاع، وكذلك أبو الفضل قاسم القسنطيني والشيخ البحيري وأبو العباس أحمد القلشاني... وغيرهم كثير.

(1/2611)


أو العكس بالعكس. فبعض الشيوخ يقضون العديد من السنين للتعليم في إحدى المدارس، وقد تتوج حياتهم العلمية بتولي خطة الإمامة أو الإفتاء بالزيتونة. لكن من المرجح أن الجامع كان يمثل منطلق المدرسين؛ فعندما ينال الشهرة الواسعة في رحاب الجامع، يمكن أن يحصل على منصب في إحدى المدارس التي تضمن له دخلا محترما.
... وقد كانت انطلاقة المدارس بمدينة تونس مقترنة بإنشاء الدولة الحفصية. فأول المدارس ـ وهي الشماعية ـ أنشأها أبو زكرياء الأول (وكان ذلك حوالي سنة 635 هـ/ 1237 م). وأسباب تأسيس هذه المدرسة عديدة.

(1/2612)


وقد اتفق جميع المؤرخين على أن إنشاءها إنما كان أساسا لنشر المذهب الموحدي. لكن يبدو أن الغرض من إنشاء هذه المدرسة لم يكن مذهبيا فقط؛ فقد كان أبو زكرياء يرمي من وراء تأسيسه للشماعية إلى تكوين موظفين أكفاء وأطر مخلصين وأمناء لخدمته وخدمة دولته. هذا بالطبع، إضافة إلى عدة عوامل أخرى دفعت بأبي زكريا الأول إلى بناء هذه المدرسة، منها: التأثيرات المشرقية على تونس، إذ سكن العديد من التونسيين الذين ذهبوا للحج أو للدراسة بمصر أو بالشام، إلخ. في المدارس. وربما كان لهم تأثير مباشر أو غير مباشر في إدخال

(1/2613)


هذا النوع من المؤسسات التعليمية إلى تونس. ولتفسير إدخال المدارس إلى تونس، يجب معرفة الفترة الزمنية التي شيدت فيها، ومعرفة شخصية أبي زكرياء الأول الذي تصفه المصادر بالتقوى ومحبة العلم.
... ويمكن أن نقول إن أبا زكرياء نحا منحى السلاطين والملوك العظام، فبنى وشيد حتى يعطي مظهرا عظيما لعاصمته وكامل بلاده. وهكذا كان حريصا على أن يجعل عاصمة ملكه قبلة لرواد العلم.
... وقد تكون زيادة عدد السكان والتطور العمراني لمدينة تونس أحد الأسباب التي دفعت الأمير أبا زكرياء إلى بناء هذه المدرسة. فخلافا

(1/2614)


للتراجع الديمغرافي العام الذي شهدته إفريقية في تلك الفترة، يبدو أن عاصمة الحفصيين كان لها تطور غير مواز لهذا النسق؛ إذ ازداد عدد سكانها نتيجة لنزوح سكان البادية الفارين من الاضطرابات التي كانت تعيشها الأرياف والقرى بعد أن سيطر عليها الأعراب.
... ومع مجيء الموحدين إلى تونس، وفدت جموع من سكان المغرب الأقصى من بينهم العائلة المؤسسة للدولة الحفصية، واستقروا بدورهم في مدينة تونس. ولا شك في أن التطور الديمغرافي الداخلي، والهجرات الخارجية، زادت في أعداد طلاب العلم، فظهرت حاجة إلى إيجاد أماكن أخرى

(1/2615)


تلقى فيها الدروس. وقد واكب ذلك مجيء عدد من المشايخ الأندلسيين ممن كان لهم الكفاءة العلمية اللازمة، وهو ما وفر أطرا أكفاء للمؤسسات التعليمية المستحدثة. ونذكر من بين هؤلاء ابن الأبار صاحب "الحلة السيراء"، وكذلك ابن سيد الناس اليعمري، وأحمد القرشي الغرناطي...
... ومن الملاحظ أن المدرسة لعبت دورا هاما في بث العلم بين الطبقات الفقيرة، وفتحت لهم باب الوظائف السامية، نتيجة توفير السكن للغرباء منهم، وهو ما لم يكن يستطيع المسجد الجامع القيام به. وربما مثل هذا الفارق الأساسي بين الجامع والمدرسة.

(1/2616)


وقد أنشأ السلاطين وكبار رجالات الدولة العديد من المدارس، كما شاركت بعض نساء الأمراء الحفصيين في بث العلم وفي بناء المدارس(1). لكن هذا لا يعني أن تأسيس المدارس وبناءها كان موقوفا على هؤلاء فحسب؛ فهناك أيضا بعض الأشخاص من ذوي الجاه والنفوذ وبعض الأخيار الذين شاركوا في هذا العمل، خاصة منهم بعض الأولياء والصالحين(2)
__________
(1) بنت الأميرة عطف مدرسة التوفيق في أواسط القرن 7 هـ/ 13 م؛ كما أسست الأميرة فاطمة المدرسة العنقية سنة 742 هـ/ 1341 م.
(2) لدينا مثال المدرسة المرجانية والمدرسة المغربية والمدرسة الجاسوسية... التي أدى كل منها دور زاوية ومدرسة في آن واحد.

(1/2617)


. هذا، إضافة إلى بعض العلماء (كابن عصفور) وحتى القواد، الذين ساهموا في هذا العمل الجليل(1). لكن أهم المدارس من حيث المساحة ومن حيث الثراء المعماري والفني، وكذلك أهمية المدرسين فيها هي التي أسسها السلاطين والأمراء. وهكذا يمكن أن نقسم المدارس إلى صنفين:
... ـ صنف أول »رسمي«، وهو يشمل المدارس التي أسسها السلاطين والأمراء والتي كان يتصرف فيها ويشرف عليها بصورة مباشرة: النظام الحاكم.
__________
(1) مثال ذلك القائد نبيل أبو قطاية والقائد مراد...

(1/2618)


... ـ وصنف ثان يشتمل على المدارس التي أسسها الخواص. والمعلومات المتصلة بالنوع الأول التي أتت بها المصادر أثرى بكثير من الصنف الثاني. لذلك، فإذا أشرنا إلى معلومات حول المدارس، فهي تهم في غالب الحالات القسم الأول منها.
... وكان أول ما قام به أبو زكرياء الحفصي، عند إنشائه لأول مدرسة بتونس، التدخل في شؤون المدرسة التي أسسها. وقد تواصل هذا الأمر مع من خلفه وكررت الأنظمة تدخلها في شؤون الدراسة.

المدرسون

(1/2619)


... ومن الواضح أن تدخل النظام الحاكم كان خاصة على مستوى المدرسين الذين يقع تعيينهم من قبله، فيدفعون لهم أجورا سخية، وهم في واقع الأمر مأمورون من قبل الحكومة، تعينهم أو تعزلهم من مناصبهم متى شاءت (مثلما قامت به الأميرة فاطمة مع ابن عبد السلام الذي طردته من منصبه بالمدرسة العنقية).
... لكن بطبيعة الحال، وجد بعض المدرسين الذين لم ينطبق عليهم هذا الواقع. فابن عرفة ثم البرزلي مثلا كانا من القوة بمكان، حتى أنه لا يمكن لنا أن نتوقع تدخل السلطان في شؤونهما أو في المواد التي كانا يدرسانها. ومن

(1/2620)


الواضح أن العديد من المدرسين حصلوا على مكانة محترمة في المجتمع، فالسلاطين الحفصيون بصفة عامة عظموا العلماء واحترموهم، وتوددوا إليهم لدرايتهم بالمكانة التي يتمتعون بها في نفوس الطبقات الشعبية، إذ كانت مهنة التدريس تجلب لصاحبها الاحترام والتبجيل. ولهذا نال المدرسون في غالب الأحيان مكانة مرموقة لدى الجميع، خصوصا إذا علمنا أن الكثير منهم تحصلوا على مناصب أخرى هامة، دينية وسياسية. إذ أن الأشخاص الذين تولوا مهام الإفتاء والإمامة بالجامع الأعظم، درسوا في آن واحد بالعديد من المدارس. فمهنة التدريس

(1/2621)


إذن هامة، ويستطيع صاحبها الارتقاء عن طريقها إلى مراتب عليها. ولهذا تهافت العلماء على مناصب التدريس بالمدارس. فتعيين عالم بمدرسة يعد فخرا له، وهو أيضا منصب يدر على صاحبه من الأموال المحبسة على المدرسة ما يكفيه وعائلته. فعندما يتحصل عالم على هذه المهنة، ويسهر في آن واحد على أوقاف المدرسة، يستطيع أن يتصرف آنذاك في مداخيلها ببعض الحرية، وهو ـ بالطبع ـ عكس ما يقع للمدرسين في الجامع الأعظم الذين يتمتع بعضهم بمراتب قارة(1)
__________
(1) يفيدنا البرزلي أنه توجد مراقبة من قبل إمام الزيتونة لجميع الموكلين على أحباس المدارس (البرزلي، النوازل، ج 4، ورقة 69 أ). فابن عرفة بصفته إمام الزيتونة كان يشرف على جميع نظار الأحباس، ولدينا اسم ابن عصفور الذي عوض فيما بعد بمحمد البيدموري ناظرا للأحباس (انظر: الزركشي، تاريخ الدولتين، ص. 150).

(1/2622)


. ويفيدنا الشيخ الرماح أن شيخ الشماعية (وهو أبو القاسم ابن زيتون آنذاك) تصرف في أموال حبسها كما شاء. ونرى أيضا أن البرزلي تصرف في الأموال التي أدرتها أحباس مدرسة ابن تافراكين بصورة تكاد تكون حرة(1).

الحالة المادية للمدرسين
... يرى ابن خلدون أن القائمين بمهمة القضاء والإفتاء والتدريس والإمامة والخطابة ونحو ذلك: »لا تعظم ثروتهم في الغالب، ويهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما له من النظر في المصالح، فيقيم لهم حظا من الرزق على نسبة الحاجة
__________
(1) البرزلي، النوازل، ج 4، ورقة 35 ب 2 وورقة 61 ب.

(1/2623)


إليهم، فلا يصح من قسمهم إلا القليل، فلذلك لا تعظم ثروتهم«(1). وهذا ينطبق فعلا على من له مرتب فقط بالجامع الأعظم، ولدينا أمثلة لمدرسين عظمت ثروتهم، لكن نمو ثروتهم كان في غالب الأحيان نتيجة لتصرفهم في أحباس مدارس أو لانتمائهم لسلك القضاء أو الإفتاء وغيرها من الأعمال الهامة أكثر من انتمائهم إلى ميدان التدريس فقط. ويحاول بعض الأساتذة إيجاد مداخيل إضافية من خلال أعمال تدر عليهم المال الكافي مثل تعاطي مهنة شاهد عدل أو تاجر، أو فلاح كابن عبد الستار. أما
__________
(1) ابن خلدون، المقدمة، صص. 709 ـ 710.

(1/2624)


المدرسون الذين كانوا يتعاطون في آن واحد مهنة القضاء أو الإفتاء، فحالتهم المادية كانت أحسن من الشيوخ الآخرين؛ إذ كانوا يتمتعون بمرتبين (1). ويذكر ابن الشماع أن أبا عمرو عثمان كان يهدي الشيوخ بعض المال، خصوصا عند سفره بالمحلة وفي الأعياد (2). ونرى أنه خلال هذه الفترة الحفصية عرف بعض المدرسين بثرواتهم الهامة، من بينهم ابن عرفة الذي أحصيت تركته عند وفاته، وذلك بسبب
__________
(1) كان يتقاضى ابن عرفة مرتبا عن جامع الزيتونة، ومرتبا آخر على تدريسه بالمدرسة التوفيقية.
(2) انظر ابن الشماع، الأدلة، ص. 155.

(1/2625)


وقفية ترك فيها ثلث أرزاقه حبسا على الكعبة، وكذلك القاضي ابن زيتون الذي تولى المدرسة الشماعية، إذ نعلم أن ثروته كانت ذات بال (1). كما كان لبعض أفراد عائلة القلشاني وعائلة الرصاع أملاك شاسعة؛ إلا أن هذه الأمثلة للمدرسين الأثرياء لا تعدو أن تكون قليلة بالنسبة لعدد المدرسين الآخرين.
... ومما يلاحظ أن المدارس ارتبطت بمذاهب فقهية معينة، وفي تونس اتبعت كل المدارس خلال العهد الحفصي المذهب المالكي الذي لعب دورا هاما في كيفية سبر
__________
(1) يصف ابن رشيد القاضي ابن زيتون بسعة الرزق (مقدمة "السنن"، ص. 26).

(1/2626)


الدروس أو في اختيار المدرسين وخاصة في اختيار مواد التدريس. فطيلة الفترة الحفصية كان الشيخ لا يدرس إلا المؤلفات المالكية. وهكذا لم تتبن تونس المذاهب الأخرى، ولم تدرس من الكتب المؤلفة في المذهبين الحنبلي والشافعي إلا القليل النادر.

طريقة التعليم
... كان الدرس والصلاة بالمدرسة يحصلان في المكان نفسه، ألا وهو المسجد. وكان الطلبة في الجامع أو في مسجد المدرسة »يتحلقون« أي ينتظمون في شبه حلقة حول شيوخهم. ولذلك سمي الدرس حلقة. واتفقت جميع المصادر على أنه غالبا ما كان ظهر الشيخ مستندا إلى حائط أو

(1/2627)


إلى عمود من أعمدة المسجد. فيذكر أبو عبد الله الرصاع أنه حضر درسا لأبي حفص عمر القلشاني بالمدرسة العنقية. فسأل شيخه يعقوب المصمودي عن طريقة تدريس أبي حفص عمر فقال: »ولا أدركت مشائخي يستندون إلى حائط، بل يستقبلون القبلة في المسجد، ويجلس الطلبة معهم يمينا وشمالا«(1). وهكذا نرى أن طرق الجلوس تختلف من شيخ إلى آخر. كما بلغنا نص للونشريسي حول كيفية جلوس الأستاذ، فيقول: »قد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم، ويضع مرفقيه على ركبتيه، ومنهم من كان يقعد على قدميه
__________
(1) انظر: الفهرست، ص. 130.

(1/2628)


ويضع مرفقيه على ركبتيه وكذلك كانت شمائل كل من تكلم في هذا العلم قبل أن تظهر الكراسي«(1). فالجلوس إذن أصبح حسب الونشريسي انطلاقا من القرن الحادي عشر للهجرة/ الخامس عشر للميلاد يقع على الكراسي. غير أننا لا نستطيع أن نجزم بانتشار هذه الكراسي، وهل كانت مستعملة بالمدارس أو بالجامع الأعظم. أما خلال الفترة الحسينية، فأغلب المصادر تشير إلى جلوس الشيخ في المحراب(2). ونحن نرجح أن جلوس الشيخ في
__________
(1) ورد النص في "الفهرست"، ص. 133.
(2) وصلتنا العديد من الأمثلة في الذيل لحسين خوجة وغيرها من المصنفات.

(1/2629)


مسجد المدرسة يحصل غالبا في المحراب حتى خلال العهد الحفصي، نتيجة لأن العديد من المساجد بمدارس تونس لا تحتوي على أعمدة، مثل المدرسة الشماعية والمدرسة العنقية وغيرها... وقد مدتنا بعض المصادر بمعلومات حول جلوس الشيخ بالجامع الأعظم، واستناد كل واحد منهم إلى أحد الأعمدة. وما زال البعض يشير إلى العمود الذي كان يستند إليه الشيخ ابن عرفة.
... ويحرص كل طالب على أن يجلس على مقربة من الشيخ سواء كان ذلك في الجامع الأعظم أو بالمدارس، لكن لا يتم جلوسهم في الحلقة دون ترتيب، بل كان لكل منهم مكان يجلس فيه،

(1/2630)


ولا يتعدى المكان الذي هو أهل له، فسن الطالب وأقدميته في الجلوس للشيخ، ومستواه العلمي عناصر أساسية في تعيين مكان جلوسه. أما الطلبة المبتدئون، فيكون جلوسهم في آخر الصفوف احتراما للطلبة المتقدمين في السن(1). وعندما يبرز أحدهم، يقربه الأستاذ ويجلسه بجانبه(2).

كيفية إلقاء الدرس وأخذ العلم
__________
(1) فقد حدث أبو عبد الله الزنديوي الرصاع، بأنه عند قدومه إلى مدينة تونس جلس خلف الطلبة الآخرين (الرصاع، الفهرست، ص. 182).
(2) وهو ما حصل مثلا لابن رشيد (راجع: السنن الأبين، صص. 49 ـ 50).

(1/2631)


... وتختلف طرق التدريس باختلاف العصور، فإذا كانت الفترة مدة ازدهار وانتعاش علمي، نجد بها شيوخا أجلاء لهم مستوى علمي رفيع. عند ذلك، يستطيع الأستاذ أن يلقي درسا يشتمل على شرح وتوضيح وتفسير الفقرات التي غمضت من المصنف الذي هو بصدد قراءته.
... ومن أحسن الأمثلة التي تعطينا فكرة واضحة عن هذه الطريقة في التعليم مثال ابن عرفة. فيذكر الأبي أن هذا العالم الجليل يقول:

... إنما تدخل التآليف في ذلك إذا اشتملت على فائدة زائدة، وإلا فذلك تخسير للكاغذ. ويعني بالفائدة الزائدة »على ما في الكتب السابقة عليه«.

(1/2632)


وأما إذا لم يشتمل التأليف إلا على نقل ما في الكتب المتقدمة، فهو الذي قال فيه إنه مخسر للكاغذ. وهكذا يقول في حضور مجالس التدريس، وإنه إذا لم يكن في مجالس الدرس التقاط زائدة من الشيخ، فلا فائدة في حضور مجلسه، بل الأولى لمن حصلت له معرفة في الاصطلاح، والقدرة على فهم ما في الكتب أن ينقطع بنفسه ويلازم النظر، وضمن في ذلك أبياتا هي:

إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة
وعزو غريب النقل أو حل مقفل
فسعك دع وانظر لنفسك واجتهد

بتقرير إيضاح لمشكل صورة
أو إشكال أدته نتيجة فكرة
ولا تتركن فالترك أقبح خلة

(1/2633)


... ولقد كنت أقيد من زوائد إلقائه... نحو الورقتين كل يوم مما ليس في كتاب (1).

... أما في عصور الاضطرابات والانحطاط الثقافي، فكان المدرس يكتفي بقراءة الكتاب وبتقديم بعض الشروح والحواشي التي ألفت عليه، وهي طريقة النقل. ومن بين طرق التعليم التي عرفت في كامل أرجاء العالم الإسلامي: الإملاء(2)
__________
(1) نقل هذا النص والأبيات: الأبي، إكمال الأكمال، القاهرة، 1928، ج 1، صص. 346 ـ 347؛ كما نقله المقري في :أزهار، ج 3، ص. 36.
(2) انظر مثلا: رحلة العبدري، ص. 139 و ص. 142. وحول طريقة الإملاء بالمشرق، انظر: الدكتور حسين أمين، المدرسة المستنصرية، صص. 83 ـ 86.

(1/2634)


. ويكون الإملاء بطيئا حتى يتمكن الطالب من كتابة كل ما يمليه الشيخ(1).
... وإذا كان المستوى العلمي للشيخ محترما، كان بإمكانه ـ عند الانتهاء من إملاء كل فقرة ـ أن يشرحها، ويدون الطالب كذلك هذه الشروح على هامش الأوراق التي كتبت عليها الأصول. وإذا
__________
(1) كان الطالب يولي أهمية بالغة للتقييد على شيوخه. ويفيدنا الرصاع أن أبا عبد الله محمد الواصلي كان من تلاميذ الشيخ ابن حفص عمر القلشاني، وكان يبدي أسفه وندمه لقلة تقييده عن شيخه، لأنه كان يظن أن عمره سيطول حتى يستفيد منه كثيرا (راجع: الفهرست، ص. 188).

(1/2635)


ما انتهى الشيخ من إملاء الموضوع الذي هو بصدد درسه، فإنه يعيد قراءته له، أو يكلف أحد الطلبة بإعادة القراءة حتى يصحح الأخطاء. ويقع بعد ذلك نقاش في الموضوع، وهذه الطريقة هي المعروفة بالإلقاء(1).
... ويدلنا ابن خلدون على بعض طرق التعليم الموجودة آنذاك والتي لا يحبذها، فيقول:
... ولقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من
__________
(1) انظر مثلا: ابن ناجي، معالم الإيمان، ج 3، ص. 79 و 117؛ وابن فرحون، الديباج، ص. 136.

(1/2636)


العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مرانا على التعليم، وصوابا فيه، ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله، ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في ميادينها (1).

... لكن الطريقة الأخرى للتعليم المنتشرة في العهد الحفصي تتمثل في أن يكلف الشيخ طالبا بالقراءة ويقوم هو بالشرح، إذ عندما تتوافر الإمكانات المادية لطالب ما، فإنه يشتري نسخة من الكتاب الذي يدرسه آنذاك (2). فيقرأه قبل أن يلقيه
__________
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص. 1003.
(2) انظر ما حصل للعبدري مع أبي العباس الغماز في: الرحلة، ص. 240.

(1/2637)


المدرس ويستطيع إذ ذاك أن يقرأ الكتاب في حضرة الشيخ. ويمكن أن يتناوب القراءة مع الشيخ أو طالب آخر. وقد وصلتنا العديد من الأمثلة حول هذه الطريقة التي قال عنها القاضي عياض: »لا خلاف أنها رواية صحيحة«، وهي عنده النوع الثاني من أنواع أخذ الرواية(1). ويمدنا العبدري بمثال حول مناوبة الشيخ الغماز القراءة(2).
__________
(1) عياض، الإلماع، ص. 70 وما بعدها.
(2) انظر: رحلة العبدري، ص. 241؛ وراجع أيضا: الفهرست، ص. 154 و ص. 182.

(1/2638)


... واتسم القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد بحفظ الطالب لكل ما يدرسه على شيخه(1). ويرى ابن خلدون أن:
... أيسر طرق هذه الملكة ـ أي التعليم ـ فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها، ويحصل مرماها، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة،
__________
(1) يعلمنا الرصاع أنه عند قدومه إلى تونس حضر للقراءة على مؤدب، فأمره بحفظ "الشاطبتين"، وحفظ "رسالة" ابن أبي زيد (الفهرست، ص. 56).

(1/2639)


فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم (1).

... هكذا أصبح التعليم إذن مبنيا على حفظ الطالب لما سجله من شرح أستاذه وما أملى عليه أو ما ورد في متون الكتب التي استطاع أن يحصل عليها. وفي بعض الأحيان يتولى إعانة الشيخ أحد طلبته، ويلقب عندئذ بالمعيد(2)، وهو من يعيد على الطلبة ما ألقاه
__________
(1) ابن خلدون، المرجع السابق، ص. 780.
(2) لفظ »المعيد«، هو المستعمل في الأندلس والمغرب، بينما يطلق عليه في المشرق لفظ »المكرر« (انظر: الفهرست، ص. 158؛ وراجع: ناجي معروف، علماء النظاميات، ص. 249).

(1/2640)


المدرس عليهم ليحسنوا فهمه، فهو دون الشيخ مرتبة، وأعظم درجة من الطلبة، ويطلق عليه في المشرق لفظ »المكرر«، ويبدأ عمله عندما ينتهي عمل المدرس، ويتمثل في شرح النقاط الغامضة من الدرس، وارتبطت وظيفته غالبا بالمدارس، والسبب في ذلك أن المدرسة جمعت طلابا متفاوتي المستويات، فاحتيج إلى المعيد ليساعد المتخلفين حتى يتمكنوا من مسايرة الآخرين. أما في جامع الزيتونة، فكان الطالب إذا ما لاحظ تخلفه عن الآخرين، تحول إلى حلقة أخرى تكون في مستوى فهمه(1). إلا أن المصادر لا
__________
(1) راجع الرصاع، الفهرست، صص. 181 ـ 182.

(1/2641)


تشير إلى وجود هاته الخطة إلا نادرا(1).
... ومما يلاحظ أيضا أنه بداية من العصر الحفصي استغنى الشيوخ عن أمهات الكتب، واكتفوا بالتلاخيص وبالشروح التي وردت عليها. وهذا ما يستنتج من
__________
(1) يذكر الرصاع أن ابن عقاب عينه معيدا له بالمدرسة المنتصرية: الفهرست، ص. 158؛ ويذكر الرماح أن الطلبة كلموا الشيخ أن يعين لهم واحدا يقرؤون عليه "دول الميعاد"، فقال: »انظروا، "فذكرت عنده"، فقال: "اقرءوا عليه". فصاروا يقرءون لي دولهم، فنذكر لهم ما نعرفه من الأقوال« (راجع ابن ناجي، معالم الإيمان، ج 4، ص. 111).

(1/2642)


أسماء الكتب التي درست خلال القرون السابع والثامن والتاسع للهجرة، وهو ما يؤكده أيضا ابن خلدون. وفي رأيه أن هذا »فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل«(1). إلا أن هذا الركود الذي اتسمت به الفترات لم تمنع من وجود شيوخ متضلعين من مواد علمية معينة، فقبلوا النقاش مع طلبتهم، وحاولوا أن يعطوا دروسهم أكثر حيوية، وقد وردت في هذا المعنى العديد من الأمثلة(2)
__________
(1) راجع: ابن خلدون، المقدمة، ص. 1001.
(2) راجع مثلا: الفهرست، ص. 112 و ص. 148 و ص. 151؛ وانظر العبدري، الرحلة، ص. 240؛ وابن ناجي، معالم الإيمان، ج 3، ص. 79 و117.

(1/2643)


، لكن الشيخ ليس مجبرا على الإجابة على أسئلة الطلبة في اليوم نفسه، بل هناك من يتثبت في الجواب. فيفيدنا الرصاع مثلا أن البرزلي، »مثل العديد من العلماء، عندما يسأله طالب عن مسألة، لا يجيبه إلا بعد أن يتثبت في الموضوع«(1).
... وكان لبعض المدرسين فكرة واضحة عن الطريقة التي كان يجب على المدرس اتباعها. فهذا عبد الرحمان بن خلدون، وهو الشيخ الذي تولى التدريس بالعديد من الأماكن، يبدي رأيه في طرق التعليم الموجودة في النصف الثاني للقرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد.
__________
(1) الرصاع، الفهرست، ص. 62.

(1/2644)


فهو يرى أن:

... تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا، يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن. وعند ذلك، يحصل له ملكة في ذلك العلم؛ إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى فن الأول ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما

(1/2645)


هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم يرجع به وقد شك، فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته (1)
__________
(1) راجع المقدمة، صص. 1002 ـ 1003. لكننا نتساءل هل حصل تطبيق هاته الآراء في الجامع الأعظم أو في المدارس، أو بقيت في حدود النظريات. ومهما كان الأمر، فإن تطبيقها يبدو صعبا نوعا ما إلا على قلة من الشيوخ. انظر مثلا كيفية تدريس الشيخ عبد العزيز العبدوسي خلال سنة 817 هـ/ 1415 م (راجع: التنبكتي، "نيل الابتهاج"، ص. 180؛ و الزركشي، تاريخ الدولتين، ص. 130).

(1/2646)


.
... ولدينا أمثلة عديدة على اجتهاد الشيوخ. من ذلك مثلا ما يفيدنا به الغبريني عن كيفية تدريس أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغمازي(1) المتوفى سنة 682 هـ/ 1283 م الذي

... يكثر البحث وتحتد القرائح ويجيء بالمسألة الخلافية، فيرتضي أحد وجهيها، فيبحث فيه إلى أن يظهر الرجحان ويقع التسليم، ثم يأخذ الطرف الآخر ويلزم أصحابه ما كان هو يناظر عليه. فلا يزال إلى أن يظهر الرجحان في ذلك الطرف، ويقع التسليم أيضا، وهذا من حدة فكره وجودة نظره (2)
__________
(1) توفي هذا الشيخ بتونس سنة 682 هـ/ 1283 م.
(2) انظر الغبريني: عنوان الدراية، ص. 112.

(1/2647)


.
ولدينا مثال آخر لشيخ يتبع طريقة تحتوي على مجهود خاص في التعليم. فعندما يدرس علي بن مخلوف الراشدي (المتوفى سنة 857 هـ/ 1435 م) "مختصر ابن الحاجب"، »يوضح المسألة أولا حتى يفهمها الجميع، ثم يتسع في نقل كلام الشراح مع البحث، ثم ينقل كلام الأمهات«(1).
... ومما نلاحظه أن طريقة التعليم في المدارس وفي الجامع الأعظم متماثلة تقريبا. لكن من المحتمل أن تكون قد وجدت بعض الفوارق الجزئية التي جعلت لكل منها هيكله الخاص، وشخصية مختلفة عن شخصية الآخر. وهذه الفوارق لا
__________
(1) راجع ابن مريم: البستان، ص. 74.

(1/2648)


تتمثل في محتوى الدروس، فقد كانت واحدة سواء في المدارس أو في الجامع الأعظم، وإنما تتمثل أساسا في الطريقة التي يلقي بها الأستاذ درسه، وخاصة في المستوى العلمي لهذا الشيخ. فمن خلال أسماء أساتذة بعض المدارس، نلاحظ أن جلهم يعدون من أشهر علماء عصرهم. فلا يعين بهذه المدارس إلا أهم الشيوخ وأكثرهم علما. وهنا نستطيع أن نقسم المدارس إلى صنفين: مدارس هامة وهي التي أنشأها بعض أفراد العائلة المالكة، كالشماعية والعنقية والتوفيقية والمنتصرية والمعرضية. وفي هذه المدارس عين النظام الحاكم أهم الشيوخ. أما

(1/2649)


المدارس الأخرى، فهي أقل أهمية. ولا نعثر على شيوخ هامين درسوا بها. أما الجامع الأعظم، فمن الواضح أنه درس به علماء أجلاء وآخرون أقل مستوى. ولذلك، فإن الرأي القائل بأن المدرسة كانت تمثل طورا من التعليم »الثانوي« بينما يمثل التعليم بالزيتونة، مستوى عاليا، لا يرتكز على معطيات دقيقة وعلمية، إذ أنه من الواضح أن مدارس كالشماعية والعنقية والمنتصرية مثلت طورا من التعليم يضاهي مستوى أهم الجامعات العلمية. لكن من الملاحظ أن طريقة التعليم في مدارس مدينة تونس لم تعرف تطورا يذكر، إذ لا نجد فوارق شاسعة

(1/2650)


بين ما كان عليه الحال في الفترة الحفصية وما أصبح عليه في العهد الحسني؛ إذ تواصل التعليم على النسق نفسه، فقد اعتمدت الدراسة خصوصا على إملاء الشيوخ وحفظ الطلبة.

الإجازة
... كما أنه من الثابت أنه لم تكن تحصل امتحانات لمنح الطالب شهادة يتخرج بها. فالطريقة كانت أبسط بكثير من طرق عصرنا هذا. فبعد أن يدرس الطالب على شيخه كتابا أو عدة كتب يمنحه إجازة، وهي الطريقة التي كانت متبعة في كل الحالات. وقد تهافت الطلبة على استجازة العلماء المشاهير والشيوخ الكبار، إذ كان الجميع يعتبرون دراسة الطالب للكتاب

(1/2651)


بنفسه من غير سماع على شيخ خطأ كبيرا. وتكون الإجازة في أكثر الأحيان خطية، يذكر فيها اسم الطالب الملتمس للإجازة، واسم المدرس الذي منحها إياه، ويذكر المجيز أيضا المصنفات التي أخذها الطالب عنه، والتي يسمح له بتدريسها، كما تكون في بعض الأحيان مشافهة وإذنا باللفظ(1)، ويذكر في أغلب الأحيان كل طالب أنه أخذ عن شيخه كثيرا من المؤلفات ويكتبها مفصلة(2)
__________
(1) انظر: رحلة القلصادي، ص. 116؛ وكذلك الرصاع: الفهرست، ص. 93، ويعدها عياض بالمرتبة الخامسة في سلم الإجازات (الإلماع، ص. 88).
(2) راجع مثلا: رحلة القلصادي، ص. 118؛ والعبدري، الرحلة، ص. 52؛ وكذلك الفهرست، ص. 93.

(1/2652)


أو يذكر أنه تحصل على إجازة عامة، تشتمل على جميع الكتب التي أخذها عن المدرس، دون ذكرها تفصيلا(1).
... ونتيجة لتهافت الجميع على الإجازات من الشيوخ البارزين، أصبح هؤلاء يجيزون قبل وفاتهم علماء عصرهم وجل من يطلب منهم ذلك. ولدينا نموذج من هذا الصنف من الإجازات هو أبو الفضل التيجاني الذي استجاز
__________
(1) من بينها مثلا إجازة ابن عرفة لابن حجر العسقلاني (انظر: السخاوي، ج 9، ص. 290)؛ وكذلك إجازة الوادي آشي لابن خلدون (ابن خلدون، التعريف...، صص. 18 ـ 19)؛ وكذلك إجازة ابن دقيق للعبدري (الرحلة، ص. 139).

(1/2653)


أعلاما من سبتة، وكان ذلك بواسطة ابن رشيد الفهري(1). ووصلت العملية إلى أن البعض أصبح يطلب إجازة له ولأبنائه(2).
__________
(1) انظر: »مقدمة« السنن الأبين، ص. 55. وكتب التجاني هذه الاستجازة في قصيدة يقول فيها:

أيها السادة الأباعد عنا
صلتي غائب السؤال مجابا
لم يحصل لنا حقيقة علم

اقبسونا من نوركم بالإجازه
فأجيبوا لكي يجوزوا مجازه
فبربكم ابعثوا إلينا إجازه

(2) من بين من حصل على هذا النوع من الإجازة: العبدري الحيحي الذي طلبها لابنه (راجع: الرحلة، ص. 139).

(1/2654)


... إلا أنه يوجد بعض العلماء الذين لم يتهافتوا على الإجازات. فهذا الشيخ تاج الدين الغرافي الذي التقى به ابن رشيد بالإسكندرية رفض أن يمنحه إجازة. فقد كان »ولوعه بالسماع أكثر وأحب إليه من طلب الإجازة والحصول عليها«(1).
__________
(1) ابن رشيد الفهري، السنن الأبين، مقدمة الدكتور محمد الحبيب بالخوجة، ص. 42. وقد أنشد في هذا المعنى:
...
علم الحديث فضيلة تحصيلها
فإذا أردت حصولها بإجازة

بالسعي والتطواف في الأمصار
فقد استعضت الصفر بالدينار

(1/2655)


... وتمنح الإجازة شعرا أو نثرا. فمن بين الإجازات التي منحت نظما القصيدة التي أجاز بها الرصاع أحد طلبته وذلك بالمدرسة الشماعية(1).
... كما لدينا أمثلة عديدة في ذكر أسانيد بعض شيوخ الجامع الأعظم؛ وكذلك بالمدارس، ويطول سردها(2)
__________
(1) راجع: فهرست الرصاع، ص. 218.
(2) انظر مثلا الغبريني، عنوان الدراية، ص ص. 143 ـ 144؛ ورحلة القلصادي، ص. 116؛ ولدينا أيضا مثال أحمد بن مرزوق التلمساني الذي حصل على الإجازة مشافهة من أبي إسحاق إبراهيم الشامي (الرصاع، الفهرست، صص. 92 ــ 93؛ وراجع المصدر نفسه، من ص. 94 إلى ص. 105).

(1/2656)


.

المواد الدراسية والكتب المدرسة
... ولضبط قائمة الكتب والمصنفات التي درست، يمكن الاعتماد على أربعة أصناف من المعلومات:

يأتي ذكر الكتاب ضمن مواد التدريس في مدرسة معينة أو بالزيتونة.
ذكر الشيخ الذي درس الكتاب، والمعروف لدينا بتدريسه في الزيتونة أو في مدرسة أو عدة مدارس.
ذكر الطالب الذي درس الكتاب، والذي نعلم أنه درس بالزيتونة أو أنه سكن ودرس بإحدى المدارس.
تواصل تدريس هذا الكتاب عبر العصور، ومن دون انقطاع.

علوم القرآن والقراءات

(1/2657)


... وقد اتبعت في الزيتونة وفي جل المدارس بمدينة تونس خلال العهد الحفصي طريقة الإقراء بالسبع وبصورة أقل الإقراء بالعشر(1)
__________
(1) نذكر من بينها:
... الطالب ... ... المدرس
... خالد البلوي ... أبو عبد الله بن بدال (بالسبع) (رحلة البلوي، ورقة 17 أ.).
... عبد الله بن عرفة ... ابن عبد السلام (القراءات بالعشر) (الرصاع، الفهرست، ص. 78).
... عبد الرحمن بن خلدون ... ابن براء التنوخي (بالسبع) (العبر، ج 7، ص. 1131).
... البرزلي ... ... ابن مرزوق (بالسبع) (الفهرست، ص. 57).

... وراجع كذلك: ابن ناجي، المرجع السابق، ج 4، ص. 3.

(1/2658)


. ولدينا أمثلة عديدة وردت في المصادر عن القراء بالسبع والعشر(1).
... ويمكن بالطبع أن يقرأ القرآن بالإفراد، أي أن يتلى كله، أو جزء برواية أحد القراء بالسبع أو بالعشر. ويمكن أن يقرأ القرآن جمعا، أي بجمع القارئ بين روايتين أو أكثر من هذه الروايات، ويسمى آنذاك بالجمع الكبير إن استوفى القارئ سبع قراءات أو أكثر. وإن لم يقرأها بالقراءات السبع، سمي بالجمع الصغير(2)
__________
(1) بخصوص ترجمة القراء العشرة، راجع: عبد الباقي الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، الجامعة الأزهرية، القاهرة، 1954، ص ص. 449 ـ 457.
(2) مثال ذلك: قرأ البرزلي على الشبيبي البلوي، وهو »جمع كبير« (الفهرست، ص. 76).

(1/2659)


. ويبدو أن التونسيين بصفة عامة اتبعوا روية نافع في القراءة(1). وتوجد عليها روايتان هامتان لورش وقالون، وعليهما اعتمد القراء بتونس(2)
__________
(1) فقد قرأ البلوي القرآن بقراءة نافع (رحلة البلوي، ورقة 161 أ). لكن قرأ ابن البراء أيضا بقراءة أبي محمد يعقوب الحضرمي (المصدر نفسه، ورقة 18 أ)؛ وقرأ البلوي كذلك على ابن بدال برواية ابن العلا (المصدر نفسه).
(2) بخصوص القراءات، راجع ابن خلدون، المقدمة، صص. 789 ـ 795؛ والزرقاني، مناهل العرفان، ج 1، صص. 405 ـ 495؛ وكذلك:

« Al Koran », in Encyclopedi de l’Islam, T. III, pp. 1125-1139.

(1/2660)


.
... وكتب العديد من المؤلفين في القراءات، وأهمهم أبو عمرو الداني. إذ ذكر ابن خلدون أنه لم يزل القراء يتداولون هذه القراءات إلى »أن ظهر أبو عمرو الداني، وبلغ الغاية في هذا العلم، ووقفت عليه معرفة القراءات وانتهت إلى روايته وأسانيدها، وتعددت تآليفه فيها وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها واعتمدوا من بينها كتاب "التيسير" له« (1). وقد ذكرت بعض المصادر أسماء شيوخ درسوا هذا المصنف وبعض الطلبة الذين أخذوه عنهم(2)
__________
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص. 790.
(2) انظر خاصة: »مقدمة« السنن الأبين، للدكتور محمد الحبيب بلخوجة، ص. 32؛ وكذلك: رحلة العبدري، الذي ذكره عدة مرات في ص. 44 وص. 241 وص. 243 وص 244، إلخ.؛ وانظر: القلصادي، المرجع السابق، ص. 122؛ والرصاع، المرجع السابق، ص. 84؛ ورحلة البلوي: ورقة 18 أ؛ كما أخذه التنبكتي على ابن عقاب (السراج، الحلل، ج 1، قسم 3، ص. 691).

(1/2661)


. كما اعتمد الشيوخ أيضا على "الشاطبية الكبرى"(1)، وهي قصيدة متكونة من 173 بيت. وذكر ابن خلدون أنه »عني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين، وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والأندلس« (2)، وتواصلت قراءتها من غير انقطاع، إذ مثلت المرجع في القراءات. أما
__________
(1) وهي: حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع المثاني، للشيخ أبي محمد بن القاسن بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي الشاطبي الضرير، المتوفى بالقاهرة (538 هـ/ 1144 م ـ 590 هـ/ 1194 م).
(2) المقدمة، المرجع السابق، صص. 791 ـ 792.

(1/2662)


المصادر التي ذكرت أنها درست، فهي
عديدة(1)
__________
(1) نورد من بين الأمثلة: القلصادي الذي درسها في المنتصرية على ابن عقاب (رحلة القلصادي، ص. 122)، وأخذها العبدري على ابن جعفر اللبلي وعلى الوادي آشي (رحلة العبدري، ص. 44 وص. 265)، وقرأها ابن خلدون على ابن برال (العبر، ج 7، صص. 1134 ـ 1135)، وأخذها البرزلي على ابن عرفة وعلى ابن مرزوق (فهرست الرصاع، ص. 84 وص. 90) الذي أخذها عنه الرصاع بدوره، وقرأها أيضا على محمد بن أبي بكر (المصدر نفسه، ص. 60 وص. 117) وعليها عدة شروح وتفاسير من بينها "الدرر اللوامع" التي درست بدورها في تونس.

(1/2663)


. وللشاطبي نفسه قصيدة أخرى درست ووجدت حظوة لدى الشيوخ والطلبة، وهي "عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد" في رسم المصحف. وقد درست من غير انقطاع طوال الفترة الحفصية(1)
__________
(1) فقد درسها القلصادي على ابن عقاب (رحلة القلصادي، ص. 122) والعبدري على الوادي آشي (رحلة العبدري، ص. 265) وابن خلدون على ابن برال (العبر، ج 7، ص. 1134) وأخذها كذلك البزلي على ابن مرزوق (الفهرست، ص. 57) وبدوره درسها عليه الرصاع (المصدر نفسه، ص. 60) وأخذها البلوي عن ابن برال (رحلة البلوي، ورقة 18 أ). ويبدو أنه تم الاستغناء عن هذه القصيدة أو على الأقل الفتور في تدريسها؛ إذ لا نجد لها ذكرا خلال الفترة الحسينية. ويفيدنا ابن خلدون أن الخراز المغربي نظم أرجوزة اقتصر الناس على حفظها وهجروا بها كتب أبي عمرو الشاطبي في الرسم (المقدمة، ص. 792).

(1/2664)


. كما درست "القصيدة الحصرية" في قراءة نافع والتي انقطع ذكرها في أواخر القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد(1)، لكن وجد شرحها لمحمد الخراز أكثر نجاحا، وعنوانها "سلوة الأنفاس" وتواصل درسها إلى القرن الحالي(2).

تفسير القرآن
... كما نالت التفاسير القرآنية عناية خاصة من قبل الشيوخ والطلبة(3)
__________
(1) درسها ابن حبيش: راجع »مقدمة « السنن الأبين، ص. 32.
(2) ذكر ذلك الحشايشي في: تاريخ جامع الزيتونة، ص. 46.
(3) بخصوص تفسير القرآن، راجع ابن خلدون، صص. 792 ـ 795؛ ويمدنا حاجي خليفة بمفهوم علم التفسير في:كشف الظنون، صص. 427 ـ 436؛ وراجع الزرقاني، المرجع السابق، ج 1، صص. 405 ـ 452.

(1/2665)


. ومن أهم مصنفات هذا الفن التي اعتمد عليها في التدريس بالجامع الأعظم وبمدارس العلم، نجد تفسير ابن عطية. ويذكر ابن خلدون أن هذا المؤلف »لخص التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع كل ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس«(1). وتوجد بعض الإشارات إلى تدريسه خلال الفترة الحفصية(2). ومن الراجح أنه لم يتواصل تدريسه بعد ذلك.
__________
(1) المقدمة، المرجع السابق، ص. 794.
(2) انظر خاصة »مقدمة« السنن الأبين، ص. 32؛ وراجع مصنف الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب، ص. 81.

(1/2666)


... كما لدينا أيضا كتاب آخر من الأهمية بمكان وهو: "الكشاف عن حقائق التنزيل" للزمخشري، وهو ربما كان من أهم المصنفات التي اعتمد عليها، إذ يعلمنا ابن خلدون »أنه من أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن، كتاب "الكشاف" للزمخشري، وهو معتزلي في العقائد. ولذلك صار للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه، مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة«(1). لكن انتماء الزمخشري إلى المعتزلة لم يمنع مؤلفه من أخذ شهرة فائقة لدى الأوساط المتعلمة، ودرس من غير انقطاع (2)
__________
(1) المقدمة، ص. 795.
(2) فدرسه مثلا البرزلي على ابن عرفة (الفهرست، ص. 48).

(1/2667)


. وأدخل شرحه لشرف الدين الطيبي العراقي في بداية النصف الثاني للقرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد. كما اعتمد المدرسون أيضا على تفسير الفخر الرازي ـ المعروف بانتمائه للمذهب الشافعي ـ، "الأسامي والغايات في شرح الآيات البينات"؛ وكذلك: "مفاتيح الغيب". ويرجع الفضل في إدخال مصنفات الفخر الرازي إلى القاضي ابن زيتون، وذلك في أواخر القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد. وقد أقرأ "المفاتيح" بشرح السراج الأرموي(1)
__________
(1) الذي درس بعدة أماكن خاصة بالجامع الأعظم وبالمدرسة الشماعية (انظر الغبريني، عنوان الدراية ، ص. 114؛ وكذلك ابن فرحون، الديباج، ص. 99؛ والشيخ الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب، صص. 81 ـ 82).

(1/2668)


.
... ولدينا كذلك تفسير القاضي البيضاوي، وهو: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل في التفسير" لخص فيه صاحبه من "الكشاف" ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن "التفسير الكبير" ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن "تفسير الراغب"، ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق (1).
... كما نلاحظ وجود بعض المصنفات الأخرى التي لم تدرس بصفة منتظمة أو درست لمدة وجيزة، مثل "تفسير ابن حيان" (2)
__________
(1) قرأه ابن عقاب على ابن العباس المغامي (الفهرست، ص. 165)؛ ودرسه الرصاع على أبي العباس القسنطيني (المصدر نفسه، صص. 136).
(2) ذكره الرصاع عندما درسه على ابن عقاب (الفهرست، ص. 151).

(1/2669)


.

علوم الحديث
... من الفنون الهامة الأخرى التي درست بانتظام، وكان إقبال الطلبة عليها واضحا وجليا، علم الحديث. ومن أهم كتب الحديث المدروسة: "موطأ مالك". ومن الطبيعي أن يكون الاعتماد مباشرة على مصنفه، إذ اتبع أهل إفريقية مذهبه(1). ويعلمنا ابن خلدون أن »"الموطأ" من أصول السنن والحديث وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وآثاره يرجع الكثير من
__________
(1) بدأ تدريسه مبكرا، ودرسه علي بن زياد بعد رجوعه إلى تونس (انظر: أبو العرب، طبقات علماء إفريقية، ص. 251).

(1/2670)


فقهه«(1). ويذكر أيضا أن الناس اقتصروا في دراسته على رواية يحيى بن يحيى، ويؤكد أنه »هجرت الروايات الأخرى، ودرست الموطآت الأخرى إلا موطأ يحيى بن يحيى. فبروايته أخذ الناس لهذا الكتاب شرقا وغربا«(2)، وهو ما يوافق ما أتت به المصادر الأخرى. فالعديد من الشيوخ درسوا "الموطأ" برواية يحيى بن يحيى. ويكاد لا يخلو مصدر من ذكر تدريس هذا الكتاب في مدينة تونس (3)
__________
(1) العبر، المصدر السابق، ج 7، ص. 1112.
(2) المصدر نفسه.
(3) راجع: رحلة القلصادي، ص. 44؛ وراجع: رحلة البلوي، ورقة 21 أ؛ وفهرست الرصاع، ص. 57، 60، 84، 154، والعبدري، المرجع السابق، ص. 44 وص. 266؛ القلصادي، المرجع السابق، ص. 121، وابن خلدون، المرجع السابق، ج 7، ص. 1123، إلخ.

(1/2671)


.
... وبالطبع، من أهم المصنفات على الإطلاق التي درست هي: "الجامع الصحيح" المشهور بـ"ـصحيح البخاري" (1). وكان الإقبال كبيرا على هذا
المؤلف(2)
__________
(1) أول من أدخله إلى إفريقية: هو أبو الحسن القابسي.
(2) والأمثلة لتدريسه بالجامع الأعظم وبمدارس العلم لا تحصى كثرة. فقد ذكر في أغلب المصادر عدد هام من الشيوخ الذين درسوه أو الطلبة الذين درسوه، ويمكن مثلا مراجعة الرصاع الذي يذكر بعض أسانيد ابن عرفة في "صحيح البخاري"، ص. 93؛ وكذلك رحلة القلصادي، ص. 116؛ وراجع العبدري، ص. 241 و245 و365؛ وانظر: المؤنس، »فصل في تعظيم البخاري من قبل أهل الحضرة«، ص. 318.

(1/2672)


، وكذلك "صحيح مسلم" لكونهما أصح الدواوين وأجمعها. كما يرى ابن خلدون أن الناس استصعبوا شرح البخاري، ولذلك شارحوه بإفريقية قلة (1). ويبدو أن لهذا السبب فضل علماء الزيتونة وغيرهم في العهد الحفصي، "صحيح مسلم"(2) على "صحيح البخاري". ويذكر ابن
__________
(1) المقدمة، المرجع السابق، ص. 800.
(2) ذكرته أغلب المصادر وقرأه جمع غفير من الطلبة على مر القرون. ففي غالب الأحيان، عندما يذكر مصدر ما أن شيخا من الشيوخ درس "صحيح البخاري"، يذكر "صحيح مسلم" أيضا، وفي بعض الأحيان يستغني عن ذكرهما ويقول: "الصحيحين".

(1/2673)


خلدون أنه »قد كثرت عناية علماء المغرب به، وأكبوا عليه، وأجمعوا على تفضيله على كتاب البخاري«(1). وعلى هذه المصنفات الثلاثة "الموطأ" والبخاري ومسلم، وجدت الكثير من الشروح والحواشي التي درست هي أيضا. فدرس مثلا كتاب أبي عبد الله الحاكم الشافعي المذهب "المدخل إلى معرفة رجال الصحيحين" جمع فيه بين صحيح مسلم وصحيح البخاري (2)؛ لكن يبدو أن تدريسه قد انقطع في أواسط الفترة الحفصية، إذ لا نجد له
__________
(1) ابن خلدون، االمرجع السابق، ص. 801.
(2) وقد أخذه ابن رشيد عن ابن زيتون، راجع »مقدمة« السنن، ص. 28.

(1/2674)


ذكرا في المصادر بعد هذه الفترة.
... وبخصوص "الموطإ"، لدينا "التقصي لأحاديث الموطإ" لابن عبد البر، وهو من أهم شروح "الموطأ" التي درست في العهد الحفصي (1). أما "صحيح مسلم"، فعليه "إكمال اكمال
__________
(1) قرأه ابن رشيد على ابن زيتون (السنن، ص. 27)؛ وكذلك ابن خلدون على ابن برال (العبر، ج 7، ص. 1133)؛ و لابن عبد البرنفسه كتاب: "التمهيد لما في الموطإ من المعاني والأسانيد" (راجع: الفهرس"، ص. 58)؛ ولخصه في كتاب آخر هو: "الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار" ودرس كليهما.

(1/2675)


المعلم" للآبي (1) (وتواصل تدريسه إلى أواسط القرن الحالي). لكن بالطبع درست كتب أخرى في الحديث، خصوصا منها بقية الصحاح الستة (2).
__________
(1) قرأه الرصاع على ابن عقاب (انظر: الرصاع، الفهرست، ص. 151).
(2) "سنن الترمذي" درسه ابن حبيش (مقدمة السنن، ص. 30)، ودرسه العبدري (الرحلة، ص. 241). أما "سنن" أبي داود، فقد درسه أبو العباس الغماز (العبدري، المرجع السابق، ص. 241)؛ ودرسه ابن حبيش »)مقدمة« السنن، ص. 32)؛ كما ذكره الرصاع (المرجع السابق، ص. 97).

(1/2676)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية