صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة البيان ـ الأعداد 1 - 100

وقد أثبت إمام الدعاة وقدوتهم أيضا بسيرته المطهرة أنه لايريد من وراء دعوته مالا ولا ملكا. إنما يقصد الأجر من الله تعالى ، ومن مواقفه الكثيرة الدالة على ذلك موقفه من عروض قريش على لسان مندوبها عتبة بن ربيعة لما قال له : أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضا... يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. ولم يكن رده على هذه العروض إلا أن قال : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال : نعم ، قال : "فاسمع مني" ، فقال : ((بسم الله الرحمن الرحيم .حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون.. ))، قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى انتهى إلى السجدة منها فسجد ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك "(15).
إخلاص سلف هذه الأمة:

(56/26)


وهكذا كان أصحابه البررة وأتباعه الصادقون ، دعاة الحق وأئمة الهدى -رضي الله تعالى عنهم- يعلنون في كل مكان أن طلبهم ليس الدنيا بل إنهم يريدون إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، وأن من دخل في الإسلام فماله له ، وملكه له. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك. فمن ذلك أن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- لما ذهب إلى رستم بناء على طلبه قبل بدء القتال في معركة القادسية ، قال له رستم : »إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم، ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا«. فقال له المغيرة -رضي الله عنه- : إنا ليس طلبنا الدنيا ، وإنما همنا وطلبنا الآخرة ، وقد بعث الله إلينا رسولا ، قال له : »إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به،وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل ، ولا يعتصم به إلا عز«. فقال له رستم : »فما هو؟« ، فقال : »أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله« ، فقال : »ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟« ، قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال : »وحسن أيضا ، وأي شيء أيضا؟« قال: »والناس بنو آدم ، فهم إخوة لأب وأم« ، قال : »وحسن أيضا« ، ثم قال رستم : »أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟« ، قال : »إي والله! ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة«. ولما خرج المغيرة -رضي الله عنه- من عنده ذاكر رستم قومه في الإسلام ، فأنفوا من ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه(16).

(56/27)


ما أصرح كلام المغيرة -رضي الله عنه- لبيان موقف المسلمين من الملك والمال وحرصهم على هداية الناس. ولم يكن هذا البيان الواضح الذي لا لبس فيه ولا غموض على لسان المغيرة -رضي الله عنه- وحده بل هكذا كان على لسان كل من أتيحت له الفرصة لتوضيح غاية المسلمين وهدفهم.
ونجد النعمان بن مقرن -رضي الله عنه- يخاطب ملك فارس يزدجرد وجها لوجه بقوله: ».. ونحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام ، حسن الحسن ، وقبح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه جزاء ، فإن أبيتم فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله ، وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم ، وشأنكم وبلادكم«(17).
هكذا كان دعاة الحق في الجبهة الفارسية ، وفي الجبهة الشامية يصرح معاذ بن جبل -رضي الله عنه- في وجوه القادة الروميين والشاميين :
»إن أول ما ادعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده، وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير ، ثم أنتم منا ونحن منكم ، وأنتم إخواننا في ديننا. لكم ما لنا وعليكم ما علينا«(18).
وفي الجبهة المصرية نجد عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- يبين ترفع المسلمين عن الدنيا للمقوقس بقوله :

(56/28)


»وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة دنيا ولا طلبا للاستكثار منها ، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار ذهب أم كان لا يملك إلا درهما، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ، ورخاءها ليس برخاء. إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه«(19).
وماذا كان تأثير كلام هذا الداعي المخلص الطالب لرضوان الله؟ فلنسمع - محدثنا أبا القاسم ابن عبد الحكم بقوله :
»فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض. ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها«(20).
وفي الجبهة الصينية لما قال ملك الصين لرئيس وفد المسلمين : قد رأيتم عظيم ملكي ، وإنه ليس أحد يمنعكم مني ، وأنتم في بلادي ، وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفي ، فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف. فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه ، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه.
فأجابه هبيرة بن المشفرج الكلابي رئيس وفد المسلمين بقوله : كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها وغزاك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل ، فلسنا نكرهه ولا نخافه«(21).

(56/29)


فالسالك طريق الدعوة هو السالك سبيل الأنبياء والمرسلين ، وسبيل سيد الأولين والآخرين -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه البررة -رضي الله عنهم- ، وعليه أن يخلص نيته كما أخلصوا.
الهوامش :
1- التفسير الكبير 11/42 وانظر مختصر تفسير ابن كثير 1/440.
2- صحيح مسلم ، الحديث 2985, 4/2289.
3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 76.
4- المرجع السابق ص 66.
5- ولا تخيروا به المجالس: لتختاروا به المجالس ذات الشهرة وتجلسوا في صدورها (انظر تعليق الدكتور محمود الطحان على "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" م1 /87.
6- الألباني (انظر صحيح سنن ابن ماجة 1/48)
وفي رواية أخرى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: »من طلب العلم ليماري به السفهاء ، أو ليباهي به العلماء ، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار«. (سنن ابن ماجة، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، رقم الحديث 228 ، 1/46) وقال عنه الألباني : »حسن« انظر صحيح ابن ماجة 1/48) .
7- صحيح مسلم , الحديث 1905.
8- صحيح الترمذي ، الحديث 1942, 2/282.
9- شرح النووي 13/50-51.
10- انظر صحيح مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
11- انظر مختصر سنن أبي داود للمنذري ، تفريع أبواب الوتر ، باب القنوت في الوتر، رقم الحديث 378 1 ، 2 / 125.
12- صحيح سنن الترمذي ، الحديث 1976 ، 2/288.
13- صحيح سنن الترمذي ، الحديث 2005 ، 2/300.
14 - حضارة العرب ، غوستاف لوبون 736.
15- انظر سيرة ابن هشام 1/261.
16 - البداية والنهاية 7/39.
17 - البداية والنهاية 7/ 41.
18- فتوح الشام للأزدي.
19- فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص 99.
20- المرجع السابق ص 99 .
21- انظر تاريخ الطبري 6/502.

خواطر في الدعوة
في النقد الذاتي
محمد العبدة

(56/30)


من تأملات ابن خلدون في طبيعة الاجتماع الإنساني أن بعض الشعوب عندما تجاور شعوبا أخرى فإنها تسرق من طباعها، وتتسرب إليها عاداتها وتقاليدها ، ويضرب ابن خلدون مثلا على ذلك أن بني إسرائيل عندما خرجوا من مصر وسكنوا بلاد الشام كانت هذه البلاد تعج بشتى القبائل والأقوام المختلفة المشارب والمذاهب، ومع طول المجاورة تأثر بنو إسرائيل بهذا التفرق ، ودب فيهم الخلاف وضعفوا حتى جاءهم من أزالهم عن ملكهم.
هذه ملاحظة ذكية من مؤرخنا الاجتماعي تدل على تعمقه في دراسة أحوال المجتمعات أو التجمعات ، والمتأمل لحال الدعوة الإسلامية في هذا العصر يجد مثل هذا التسرب قد دخل إليها من المحيط والبيئة التي تعيش فيها ، سواء كانت بيئة الدول الوطنية أو الأحزاب،وبيئة المجتمع المتخلف حضاريا والذي تبرز فيه الدعوات الإقليمية أو القبلية، ففي الأحزاب والدول التي نعيش بين ظهرانيها يتسلق إلى المناصب المداهنون والمتملقون الذين يتقنون فن الكلام ، ويبعد أصحاب الرأي الاستقلالي وأصحاب الشخصية القوية، وكأنهم يسيرون على القاعدة الاقتصادية (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة) ويقع أحيانا مثل هذا في صفوف الدعوة.
ومن سنن الزعيم السياسي أن يكون من دونه شخصا ضعيفا حتى يستطيع التصرف ولا يبرز أحد بجانبه ، وتجد مثل هذا في الدعوات. وتمارس الدول ضغوطا اقتصادية على أصحاب الفكر والدعوة ، سواء كان ذلك بالمنع أو العطاء ، وتعتبر هذا من المحافظة على كيانها ، وتجد من بعض الفصائل الإسلامية من يفعل مثل ذلك ، ومن الوزراء من يجعل وزارته مزرعة لأقاربه وأصدقائه وأهل بلده ، ويقع مثل هذا أحيانا فيقرب أحدهم لصلة الصداقة أو القرابة ، كل هذه السلبيات موجودة ، ولكنها داء خفي لا ينتبه له ، وهو من عوامل فصم عرى الوحدة ، وزرع الإحن والبغضاء ، وإبعاد الكفاءات ، فهل تعالج هذه الأمور قبل استفحالها وقبل أن تقضي على ما تبقى من حيوية الدعوة.

(56/31)


نحن لا ننكر أثر البيئة، ولكن المراجعة المستمرة للأخطاء وللأسباب المعيقة للتقدم، والتعمق في فهم بعض الظواهر السلبية؛ كل هذا كفيل بأن يخفف كثيرا من أثر البيئة. إن ابن خلدون يريد أن يقول: إن هذا من حتميات التجمع البشري، ولا أعتقد ذلك.

مسائل في التكفير
عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد :
من المعلوم أن مسألة التكفير من المسائل الكبار ، والقضايا الخطيرة ، وقد خاض فيها الكثير من بين غال وجاف.. وهدى الله تعالى أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فقرروا هذه المسألة بعلم وعدل ، وتوسطوا بين أهل الغلو والإرجاء. وسأعرض في الصفحات التالية طرفا من مباحث هذا الموضوع على النحو الآتي :
1- أهمية هذه المسألة وخطورتها:
نبه علماؤنا إلى خطورة هذه المسألة وعظم شأنها ، وما يترتب عليها من نتائج وتبعات سواء في الدنيا أو الآخرة ، وإليك جملة من كلامهم في ذلك :
قال ابن تيمية - رحمه الله -: »اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق« هي من مسائل »الأسماء والأحكام« التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة ، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا ، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين ، وحرم الجنة على الكافرين ، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان«(1).

(56/32)


وقال ابن الوزير: »وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين ، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية ، وتكثير العدد بهم ، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله ، وتقوية أمره ، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ، ويقوي الإسلام ، ويحقن الدماء ، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الحق الصادق ، وتجتمع عليه الكلمة«(2).
إلى أن قال: »وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة ، وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله ، وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصيه ، فلا يأمن المكفر أن يقع في مثل ذنبهم ، وهذا خطر في الدين جليل ، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل«(3).
وقال الشوكاني : »اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- ، أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما..«(4).
وعندما يقرر هؤلاء الأعلام وغيرهم خطورة هذه المسألة ، فلا يعني تمييعها وإغلاق باب الردة بالحكم بإيمان من ظهر كفره بالدليل والبرهان ، فهذا لا يقل انحرافا وخطرا عن تكفير مسلم وإخراجه من الملة ، ولذا قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

(56/33)


»وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله ، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله ، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله من أعظم أمور الدين« وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة ، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم..«(5)
- 2 -
يتعين التنبيه على أن الحديث عن موضوع الكفر أو التكفير لا ينفك عن فهم مقابله وهو الإيمان ، ولذا فإن الانحراف في تعريف الإيمان ، يورث انحرافا في تعريف الكفر ، وقد أشار الشيخ العلامة عبد الليف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله إلى قاعدة في ذلك فقال : »اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج ، وعرف ماهيته بأوصافها الخاصة ، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده ، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين ، أو بجهل كلا الماهيتين ، ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما ، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر ، وكم هلك بسبب قصور العلم ، وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة ، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة«(6).
ومثال ذلك أن المرجئة لما أخطئوا وانحرفوا في فهم الإيمان ، فحصروه في مجرد التصديق ، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ، أورثهم ذلك انحرافا في فهم الكفر ، حيث حصروه في دائرة التكذيب فقط ، وانكروا كفر العناد والاستكبار ، وكفر الإعراض ونحوهما من أنواع الكفر الأكبر (7).
- 3 -

(56/34)


يجب أن يعلم أن الكفر حكم شرعي ، وأن الكافر هو من كفره الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فليس الكفر حقا لأحد من الناس بل هو حق الله تعالى. يقول ابن تيمية: »فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم ، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم ؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه ، ولا تزني بأهله ؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى ، وكذلك التكفير حق الله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله«(8).
ويقول القرافي : »كون أمر ما كفرا ، أي أمر كان ، ليس من الأمور العقلية بل هو من الأمور الشرعية ، فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك ، سواء كان ذلك القول إنشاء أم إخبارا«(9).
4- تعريف الكفر لغة واصطلاحا:
الكفر لغة: التغطية ، قال تعالى: ((كمثل غيث أعجب الكفار نباته)) فسمي الفلاح كافرا لتغطيته الحب ، وسمي الليل كافرا لتغطيته كل شيء(10).
وأما معناه اصطلاحا ، فنورد جملة من كلام أهل العلم في ذلك. يقول ابن تيمية: »إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به ، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه ، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم«(11).
ويقول ابن حزم في تعريف الكفر: »وهو في الدين: صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان : بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معا ، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج بذلك عن اسم الإيمان«(12).
ويقول ابن القيم في بيان معنى الكفر: »الكفر جحد(13) ما علم أن الرسول جاء به ، سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية ، فمن جحد ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دق الدين وصلبه«(14).

(56/35)


ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: »وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه،وأفراده هو جحد ما جاء به الرسول ، أو جحد بعضه ، كما أن الإيمان اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة وتفصيلا، فالإيمان والكفر ضدان متى ثبت أحدهما ثبوتا كاملا انتفى الآخر«(15).
من خلال النصوص السابقة نوجز معنى الكفر - الذي لا يجامع الإيمان - بأنه اعتقادات ، وأقوال ، وأفعال سماها الشارع كفرا منافيا للإيمان بالكلية- فإذا كان الإيمان قولا وعملا ، فكذا الكفر يكون قولا وعملا ، فقد يكون الكفر قولا قلبيا كالتكذيب ، وقد يكون عملا قلبيا كالبغض لما جاء به الرسول ، وربما كان الكفر قولا باللسان كالاستهزاء بالله تعالى وآياته أو رسوله.. وتارة يكون عملا بالجوارح كالسجود لصنم ونحوه..
- 4 -
وإذا كان الإيمان ليس شعبة واحدة فحسب بل هو بضع وسبعون شعبة كما أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- -في حديث شعب الإيمان- ، فكذا مقابله الكفر. يقول ابن القيم مقررا ذلك : »الكفر ذو أصل وشعب ، فكما أن شعب الإيمان إيمان ، فشعب الكفر كفر ، والحياء شعبة من الإيمان ، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر ، والصدق شعبة من شعب الإيمان ، والكذب شعبة من شعب الكفر ، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان ، وتركها من شعب الكفر ، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان ، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر ، والمعاصي كلها من شعب الكفر ، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان«(16).

(56/36)


وإذا ثبت أن الكفر شعب متعددة ، وأن له مراتب ، فمنه ما يخرج من الملة ، ومنه ما لا يخرج من الملة ، فإنه يمكن أن يجتمع في الرجل كفر- غير ناقل من الملة - وإيمان ، وهذا أصل عظيم عند أهل السنة ، قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ، ولقد أخطأ المبتدعة - عموما - في دعواهم أن الكفر خصلة واحدة ، بناء على ظنهم الفاسد أن الإيمان شيء واحد يزول كله بزوال بعضه ، فلم يقولوا بذهاب بعضه ، وبقاء بعضه ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : »يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان«(17).
6- تكفير المطلق وتكفير المعين :
يفرق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعين ، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه - الذي تلبس بالكفر - فيقال : من قال كذا ، أو فعل كذا ، فهو كافر ، ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره بإطلاق ، بل لا بد من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
يقول ابن تيمية: »وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط ، حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين ، لم يزل ذلك عنه بالشك ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة(18).
ويقول أيضا: »إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ، إلا إذا وجدت الشروط ، وانتفت الموانع ، يعين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه (19).

(56/37)


ويسوق ابن تيمية بعضا من الأعذار الواردة على المعين فيقول : »الأقوال التي يكفر قائلها ، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق،وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ؛ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وجماهير أئمة الإسلام« (20).
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : »ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا ، فيقال : من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها«(21).
وإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق ، وتكفير المعين ، فسندرك خطأ فريقين من الناس ، فهناك فريق قد غلا وتجاوز فادعى تكفير المعين بإطلاق ، دون الالتفات إلى مدى توافر الشروط وانتفاء الموانع عن ذلك المعين ، وفي المقابل نرى فريقا من الناس قد امتنع عن تكفير المعين بإطلاق ، وأوصد باب الارتداد.
7- قيام الحجة :
من بلغه هذا الدين فقد قامت عليه الحجة ، وحكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق المعين حتى تقوم عليه حجة الله تعالى التي بعث بها رسله ، قال تعالى : ((لأنذركم به ومن بلغ)) ، وقال سبحانه : ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)). وأما شرط قيام الحجة على المكلفين : »فالحجة على العباد إنما تقوم بشيئين : بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي.. «(22).

(56/38)


ومما يجدر ذكره أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص، كما قال ابن القيم: »إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى،كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ، ولم يحضر ترجمان يترجم له«(23).
هذا ما تيسر عرضه لهذه المسألة، راجيا من الله تعالى حسن البيان، وسلامة القصد، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.
الهوامش :
1 - الفتاوى 12/ 468.
2- إيثار الحق على الخلق ص 455.
3- المصدر السابق ص 447.
4 - السيل الجرار 4 /578.
5- الدرر السنية 8/217 .
6- منهاج التأسيس ص 12.
7- انظر تفصيل ذلك : الفتاوى لابن تيمية ، ومفتاح دار السعادة لابن القيم 1/94.
8- الرد على البكري ص 257 .
9- تهذيب الفروق 4/158-159.
10- انظر لسان العرب 5/144 - 145 مادة كفر .
11-الدرء 1/242
12- الإحكام 1/45 .
13- يطلق بعض السلف الصالح معنى الجحود.. ويراد به التكذيب المنافي للتصديق ، كما يراد به الامتناع والرد والإباء ، فليس الجحود محصورا في تكذيب كما ظن المرجئة ، انظر بيان ذلك في الفتاوى لابن تيمية 20/98، منهاج السنة النبوية 5/130، والصارم المسلول ص 521-522 .
14 - مختصر الصواعق المرسلة 2/ 421.
15- الإرشاد إلى معرفة الأحكام ص 203 .
16- كتاب الصلاة ص 53.
17- انظر تفصيل هذه المسألة في الفتاوى لابن تيمية 7/510-223 .
18 - الفتاوى 12/ 466 (الكيلانية).
19 - المصدر السابق 12/487 -488.
20- الفتاوى 23/346 ، 348-349 ، والرد على البكري ص 259.
21- الدرر السنية 8/244.
22- الفتاوى لابن تيمية 20/59 .
23- طريق الهجرتين ص 414.

جولة ثانية
في الهجوم على العمالقة
محمد عبد الله آل شاكر
- 1 -

(56/39)


أصبحت المختصرات الماسخة للأصول المطولات من تراثنا كثيرة كثرة تستلفت النظر وتدعو للوقوف عندها. وأصل فكرة الاختصار هذه ، وواقعها عند أدعياء التيسير والتهذيب اليوم؛ محل نظر.
ويطول بنا الحديث لو رحنا نستقصي آثارها ومظاهرها »فحسبنا - إذن - أن نشير إلى دراسة ممتعة في هذا ، قدمها الشيخ عثمان عبد القار صافي ، من طرابلس الشام ، بعنوان: »أخطار على المراجع العلمية لأئمة السلف« (طبع دار الفاروق بالطائف) وهي دراسة تمهيدية تهدف إلى المحافظة على التراث العلمي الإسلامي والتحذير من العبث به.
وكان للشيخ عثمان فضل السبق والريادة في ذلك ، أقام كتابه هذا على دراسة لبادرة الشيخ محمد علي الصابوني في كتابه »مختصر تفسير ابن كثير« و »صفوة التفاسير«، وهي تصدق أيضا على ما أصدره الشيخ بعد ذلك من مختصرات، مثل »مختصر تفسير الطبري« و »مختصر روح البيان« و »مختصر الأذكار«.. وكأنه تخصص في السلخ والمسخ والاختصار.
ومراجعة مختصر ابن كثير تقدم دليلا على ذلك ، ولدي الكثير من الأمثلة جمعتها عندما كنت أقوم بتدريس هذا الكتاب في بعض المدارس الشرعية ، وكان مقررا في برامجها!
-2-
وأما العمل الذي لا أستطيع أن أجد له بابا أضعه فيه ، ولا أعرف له وصفا جامعا يناسبه أو يجمع كل ما ينبغي أن يقال فيه، فهو هذا العمل الجديد في كتاب »رياض الصالحين« للإمام النووي -رحمه الله- ، وهو بطبيعته المقصودة هذه قد أوفى على الغاية في جمال الإخراج ، وجودة الطباعة ، ورواء المنظر.
ولكن هذا الكتاب الذي كتب الله له القبول بين الناس منذ ثمانية قرون ، هي عمره منذ تأليفه، صدرت طبعته الجديدة عن "دار طيبة" بمكة المكرمة و"المكتبة الإسلامية" في عمان بالأردن، »ومن حق الأخيرة أن تقدم لعلة يعرفها من يقرأ المقدمة«. »حققه وقدم له وهذبه وخرجه: حسان عبد المنان« و »راجع تخريجه والحكم على أحاديثه: شعيب الأرنؤوط« الطبعة الأولى 1412 هـ.

(56/40)


وآمل من القارئ الكريم أن يتابع معي هذه العبارات التي تتوسط غلاف الكتاب: »تمتاز هذه الطبعة بضبط نصوصها ، وتهذيبها، وتخريجها، والاقتصار فيها على الصحيح، مع بيان الضعيف منها في فصل خاص، وترتيب أحاديثها في الأبواب المناسبة لها ، ووضع عناوين فرعية لها ، وشرح غريبها ، وما أشكل منها«. (انتهى)
هذه ثماني مميزات لهذه الطبعة يمن بها علينا الشيخ »عبد المنان« ، ولن نعدو الصواب إذا قسمناها إلى قسمين ، أحدهما: كذب ، والآخر: جريمة واعتداء على الإمام النووي ومسخ لكتابه ، وإليك البيان :
أما »ضبط النصوص ، وتخريجها ، وشرح غريبها ، وما أشكل منها« فليس هذا ميزة خاصة بهذه الطبعة ، فقد سبق لهذه الميزات طبعات كثيرة - مجتمعة أو متفرقة - كتلك التي حققها وفهرسها وضبط وشرحها الدكتور صبحي الصالح (رحمه الله) ، وكذلك طبعة الأرنؤوط ، والدقاق.. وغيرهم. وقد ذكر المحقق عددا منها في مقدمته.
وأما »تهذيب نصوصها« - ونصوص الكتاب كلها آيات وأحاديث - فلست أدري والله - ما الذي يحتاج إلى »التهذيب« ، أهذه النصوص الكريمة أم الذي قام بتهذيبها نفسه؟ وما أدري - وما أخال عاقلا يدري - من الذي أعطى هذا الحق لصاحبنا المحقق المهذب أن يقوم بترتيب أحاديث الكتاب في الأبواب المناسبة لها (بزعمه ، وكأن النووي -رحمه الله- لم يدرس أصول الترتيب والتأليف على المحقق! كان ينبغي أن يتعلم منه قبل أن يخلق!) ، والاقتصار على الأحاديث الصحيحة كذلك ، مع بيان الضعيف منها في فصل خاص ، وهو يطبع الكتاب باسمه المعروف وباسم مؤلفه! وأنا أستحلف الأخ المحقق ، فأقول له : بربك الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ، قل لي : هل هذا هو »رياض الصالحين« نفسه بنصه وفصه ، كما وضعه المؤلف؟

(56/41)


وأقسم يمينا غير حانث : أنه ليس هو!! فلم هذا التزوير والعبث والافتئات؟ وحرام على من يشتغل بعلوم السنة وتحقيق أحاديثها أن يكون هذا شأنه مع نصوصها وكتبها وعلمائها.
ثم نأتي إلى قضية الأحاديث الضعيفة تلك التي حذفها من الأصل ورمى بها إلى الملحق بذيل الكتاب في فصل خاص ، والتي يهول بها أغيلمة التحقيق والمتاجرون برياض الصالحين وغيره ؛ يقول النووي -رحمه الله- : »فرأيت أن أجمع مختصرا من الأحاديث الصحيحة.. وألتزم فيه ألا أذكر إلا حديثا صحيحا من الواضحات ، مضافا إلى الكتب الصحيحة والمشهورات..« أفلا يمكن أن نقول : إن ما رآه المحقق الفاضل ضعيفا ، أو حكم عليه بالضعف، هو صحيح بنظر النووي على الأقل (بل بنظر البخاري ومسلم، فمن الأحاديث التي ضعفها المحقق عدد من أحاديث الشيخين !) فيكون ذلك من باب اختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف (وقد دخل صاحبنا في زمرتهم)؟!
أو لا يمكن أن نخفف من حدة الأمر والتهويل به؛ بأن هذا كله في أبواب الترغيب والترهيب ونحوها ، التي يتساهل العلماء في الرواية فيها بشروطهم ، حيث يقول الإمام أحمد وغيره : إذا روينا في الترغيب تساهلنا ، وإذا روينا في الأحكام أردنا هكذا - وقبض يده -؟ وإلا فهل كان البخاري عاجزا عن انتقاء أحاديث »الأدب المفرد« مثلا من الصحاح بشرطه المعروف؟ وكذلك الذهبي في كتابه »الكبائر«، والنووي في »الرياض«، بحيث لا يخالفهم الشيخ عبد المنان في تصحيحها؟

(56/42)


أما هذا الترتيب لأحاديث الكتاب »في الأبواب المناسبة لها« - كما قال- فهو تغيير يمس أصل الكتاب. وليس من حق المحقق أن يغير الكتاب بما يراه ، وإذا أراد ترتيبا معينا فيمكن أن يكتب كتابا يرتبه كما يشاء. والغريب أنه يفعل فعلته تلك ، وهو الذي لازم شيخه الأرنؤوط في البحث والتحقيق ست سنوات في مكتب التحقيق بمؤسسة الرسالة ، عندما كان يحقق أمهات كتب الحديث والتراجم (صحيح ابن حبان، العواصم والقواصم ، شرح مشكل الآثار.. شرح الطحاوية.. سير أعلام النبلاء) فهل كان عمل مكتب التحقيق بإشراف الشيخ الأرنؤوط هو السطو على كتب الأئمة وتغيير ترتيبها؟ ولست أدري كيف فات هذا العمل في الترتيب كل من قام بتحقيق الكتاب وطبعه قبل الشيخ عبد المنان؟ لعل فيهم من لا يعرف أهمية هذا العمل وخطورة الأحاديث الضعيفة؟ فماذا نقول إذن عن الشيخ الألباني؟!
فإذا غادرنا صفحة الغلاف إلى المقدمة نجد المحقق يقول معددا ما امتاز به عمله ، فيذكر الأمر الأول ، وهو: »تهذيب الكتاب واختصاره في صورة لا تخل بمقصود الكتاب ، بل تزيده دقة وفائدة (والحمد لله على التواضع والإنصاف ، فقد أشار إلى أن في الكتاب دقة وفائدة ، ولكنهما بحاجة إلى زيادة) ويسهل تناوله أكثر بين الناس ، دون إنقاص فائدة من فوائده ، وكانت الغاية من هذا التهذيب أن ينال الكتاب بأقرب الصور ، ويقرأ دون ملل في وقت قصير..«.
أما أولا: فإن كلام المحقق صريح في أنه اختصر الكتاب. فليكن إذن عنوان المطبوع »مختصر رياض..« وإلا فكيف ينسب للنووي كتابا لم يضعه بهذه الصورة؟
وثانيا: هذا »التهذيب« الذي يدندن حوله ، فمرة أخرى أسائل القراء الكرام : من الذي يحتاج فعلا إلى تهذيب (بل إلى تعزير وتأديب)..؟

(56/43)


والتطاول على النووي - ثالثا - صريح في تلك العبارة ، وفي غيرها صراحة أكثر ، لأن مفهوم كلام صاحبنا أن الكتاب كان بحاجة إلى زيادة »دقة وفائدة« فجاء التهذيب والاختصار تحقيقا لذلك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
وما إخال إنسانا سويا ، خلقه الله ووهبه عقلا ، يشكو صعوبة تناول كتاب النووي ، حتى جاء صاحبنا ليسهل له ذلك بالتهذيب كيما يناله بأقرب الطرق (حتى ولو كانت مشروعة). والغريب حقا: أنه يفعل ذلك »ليقرأ الكتاب دون ملل في وقت قصير« مع أن صفحاته الستمائة تقريبا تعادل حجم الأصل ، ومن ذا الذي سمعتموه - يا معشر القراء العقلاء - يشكو من طول الكتاب ومن الملل في قراءته؟
ورابعا: زعم المحقق أنه اختصر الكتاب ليسهل تناوله »دون إنقاص فائدة من فوائده« كيف يصح هذا ، وهو الذي كتب في بيان عمله متبججا أنه : حذف الآيات المتكررة المعنى واللفظ ، وحذف المكرر من الحديث ، وحذف تخريجات النووي ، وحذف بعض الأبواب ، وبعض الأحاديث الصحيحة(!).. حتى بلغ الحذف أحد عشر بندا. فهل كان هذا المحذوف لا يخل بفائدة من فوائد الكتاب؟ وهل كان ذلك كله حشوا ، فجاء هو لينزه الكتاب عنه ؟ ولست أدري ما الذي تركه للمحققين من بعده ليحذفوه في طبعات أخرى؟
ثم يبلغ التطاول حدا كبيرا يتجاوز السنة ويصل إلى القرآن الكريم ، فهو يحذف »الآيات المتكررة المعنى واللفظ إن كانت في باب واحد«. فما أدري - والله - ماذا يقول علماؤنا في هذا؟ أين يجدون الآيات الكريمة المتكررة لفظا ومعنى؟
وإن كنا قد فهمنا غرض المحقق من حذف الأحاديث الضعيفة ، فكيف نفهم غرضه من »حذف بعض الأحاديث الصحيحة من الكتاب إذا كانت هذه الأحاديث مما ذكرته (أي المحقق) في الباب نفسه في الحاشية«. فهل أصبح من مقاصد الشريعة وغايات التحقيق أن نحذف من المتن لأجل الحاشية؟ فننزل بالأصل مكانا ومكانة ، ونرتفع بالحاشية مكانة ، فينقلب الأمر رأسا على عقب؟!
-3-

(56/44)


فإذا وصلنا إلى البند الثاني من الميزات التي امتازت بها طبعة صاحبنا وجدناه »بيان الأحاديث الضعيفة في الكتاب« كيف يكون هذا ميزة له ، وهو يكتب بخط يده »أن كثيرا من الطبعات أشارت إلى درجات الأحاديث صحة وضعفا ، وكان أفضلها نسخة أستاذنا (أي أستاذه هو) المحدث شعيب الأرناؤوط ، ونسخة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ، ونسخة الدكتور فاروق حمادة«؟ (وبالمناسبة هذه طبعات لهم وليست نسخا لهم).
ولعل السبب في قوله ذاك : أنه - كما قال عنهم -: »قد فاتهم من بعض الأحاديث الضعيفة فحسنوها أو صححوها..) فجاء هو ليستدرك عليهم بتواضعه وأدبه الجم ، ويلتمس لهم العذر في أنهم اعتمدوا »في الحكم على رواة تلك الأحاديث على كتاب "التقريب" للحافظ ابن حجر (رحم الله ابن حجر ، ماذا كان سيفعل لو علم أن جيلا قادما سيقول في كتابه ما قال صاحبنا؟ لعله كان يسجر التنور بأوراق كتابه ويكفي الناس هم النقد والتعب). والكتاب كما لا يخفى على ذي بصيرة قد جانب الإصابة في الحكم على عدد لا بأس به من رجاله ، ووقع في أخطاء واضحة.. (والنقط هذه من المحقق !!) وكان قد أنبهني إلى بعضها أستاذي المحدث شعيب الأرناؤوط حفظه الله ، فرسم لي الطريق وأفادني من علمه ، ومشيت في ركب البحث والتنقيب عنه حتى صار عندي منها الكثير ، والنية متجهة إن شاء الله لإكمال الشوط الذي بدأناه باشراف شيخنا ومعونته«.
وصاحبنا متواضع ومتثبت فيما يقول ، فهو لا يلقي الكلام على عواهنه ، ولا يمن علينا فهو يقول : ».. وهذه الأحاديث التي ذكرتها فصلت القول فيها تفصيلا شافيا بإيجاز ، مبينا علتي في تضعيف الحديث« ، ولذا فهو لم يحذف هذه الأحاديث الضعيفة من الكتاب ، بل جعلها في فصل مستقل بآخره »ليأخذ منها ويستفيد بها من لا يرى ضعف الأحاديث التي ذكرت (أي عبد المنان) لعلم أصابه أو شاهد رآه يقوي الحديث..«.

(56/45)


إذن ، دعها في مكانها وأرح نفسك من عناء نقلها ، وتغيير الكتاب ، وتواضع ثانية كما هي عادتك ، فإن من القراء من لا يرى ضعفها فيستفيد منها في مكانها وسياقها. ولا داعي للافتئات على النووي ، ولا حاجة للعبث بكتابه وتقطيع أوصاله. (وبالمناسبة لشدة تواضعه ، قد يميل إلى تضعيف حديث ضعفه غيره أيضا ولكنه مع هذا الميل لا يحذفه ، ولا أدري لماذا خالف قاعدته؟).
وبمناسبة التصحيح والتضعيف والتواضع : هل يتكرم المحقق الفاضل فيبين لنا محل هذه الجملة من الإعراب عندما يقول : »وافقني عليه الشيخ الألباني« والكل يعلم أن تحقيق الألباني على الأقل أسبق من تحقيقه هو بسنوات. فمن الذي يوافق الآخر. ورحم الله أياما كان الطلاب يوقرون أساتذتهم وشيوخهم ولا يتنفخون عليهم !!
ومن قبل ومن بعد: لم هذا الازدراء والإهمال للعلماء السابقين الذين كان لهم باع في التصحيح والتضعيف ، ولهم مكانتهم ، ولكلامهم وحكمهم وزن ، لم يعرض عنهم صاحبنا ، ويكتفي بموافقة شيخه له في تضعيفه للحديث أو حكمه عليه؟ حتى تكررت هذه العبارة وكثرت كثرة ملفتة للنظر ، فأصبحت ممجوجة. وإذا كان فضيلة المحقق أمينا دقيقا في عبارته حين يقول »وافقني الشيخ شعيب ترجيحا«! فلماذا لا يكون أمينا دقيقا عند تحقيقه للكتاب ، فيعبث به هذا العبث ، ويخون الأمانة ويجانب الدقة؟
ومما يتصل بالأمانة والدقة في التحقيق ، ولكن صاحبنا يغفله ، أنه يدخل كلامه ضمن نص الكتاب عند الإحالات الكثيرة عقب الأحاديث ، كقوله : انظر حديث كذا.. وحديث كذا.. بما قد يبلغ أسطرا عديدة ، بل يتجاوز نصف الصفحة بحرف صغير.
والنكتة البارعة الأخيرة ، يطلقها صاحبنا فيقول في ص (507): »وحرصا مني على إتمام الفائدة للعامة والخاصة أذكر هنا في هذا الفصل الأحاديث الضعيفة في كتاب »رياض الصالحين« وقد بلغت عندي أكثر من مائة، وعقبت بعد كل حديث بدليل ضعفه مع تخريجه بإيجاز.

(56/46)


صحيح أن العامة أمثالي (حقيقة لا تواضعا ، وعلى الأقل في مجال التحقيق) يستفيدون من ذلك ، ولكن ما حاجة الخاصة - طبعا من علماء الحديث والمحققين منهم - ما حاجتهم لهذا الفضل؟ ومساكين كم فاتهم من علم وفوائد قبل أن يمن الأخ »عبد المنان« بإخراج هذا الكتاب.. ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

مصطلحات
العقل
عثمان علي حسن
العقل لغة مصدر عقل، يعقل، عقلا، فهو معقول، وعاقل. وأصل معنى العقل المنع، يقال: عقل الدواء بطنه ، أي أمسكه ، وعقل البعير: إذا ثنى وظيفه إلى ذراعه ، وشدهما بحبل؛ لمنعه من الهروب. وأطلق العقل على معان كثيرة، منها: الحجر والنهي، والدية؛ لأن القاتل يسوق الإبل إلى فناء المقتول ثم يعقلها هناك ، ويطلق - أيضا - على الملجأ والحصن، وكذلك القلب(1)؛ ولذا قال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - في ابن عباس - رضي الله عنهما -: »ذاكم فتى الكهول ، إن له لسانا سؤولا ، وقلبا عقولا«(2) وما تقدم من إطلاقات فهي تدور حول المنع.
وفي الاصطلاح فالمختار هو أن يقال : العقل يقع بالاستعمال على أربعة معان (3): الغريزة المدركة ، والعلوم الضرورية ، والعلوم النظرية ، والعمل بمقتضى العلم.
الأول : الغريزة التي في الإنسان ، فيها يعلم ويعقل ، وهي كقوة البصر في العين ، والذوق في اللسان ، فهي شرط في المعقولات والمعلومات ، وهي مناط التكليف ، وبها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان.
الثاني: العلوم الضرورية وهي التي تشمل جميع العقلاء، كالعلم بالممكنات ، والواجبات، والممتنعات. والفلاسفة والمتكلمون عرفوا العقل بها ، ومنهم - كالباجي - من قسمها إلى قسمين: قسم يقع في الناس ابتداء، والآخر يحصل بالاكتساب، وخصوا العقل بالقسم الاول.
الثالث: العلوم النظرية ، وهي التي تحصل بالنظر والاستدلال ، وتفاوت الناس وتفاضلهم فيها أمر جلي وواقع.

(56/47)


الرابع: الأعمال التي تكون بموجب العلم (4) ولهذا قال الأصمعي : »العقل : الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن«(5). وقيل لرجل وصف نصرانيا بالعقل : »مه ، إنما العاقل من وحد الله وعمل بطاعته«(6) وقال أصحاب النار: ((لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) [الملك.10]. فتعريف بعض الناس العقل بذكر بعض هذه المعاني ليس بجامع ، والصواب ذكر معانيه مجتمعة.
وفي كل معاني العقل المتقدمة لا يوصف بأنه جوهر قائم بنفسه ، خلافا للفلاسفة ، ومن شايعهم من المتكلمين(7) ، بل العقل صفة أو عرض - عند من يتكلم بالجوهر والعرض - يقوم بالعاقل ، وكونه صفة يمنع كونه أول المخلوقات ، لأن الصفة لا تقوم بنفسها(8).
التفاوت في العقول:
عرف الباجي العقل بأنه : »العلم الضروري ، الذي يقع ابتداء ويعم العقلاء« ويلزم منه أن يكون الناس في عقولهم سواء ، وهو مذهب المعتزلة ، والأشاعرة ، ووافقهم ابن عقيل من الحنابلة ، وهو ما ذهب إليه الفلاسفة(9)
وعلى رأسهم ديكارت القائل بأن : »العقل هو أحسن الأشياء توزعا بين الناس بالتساوي..« إلى أن قال : »إن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر..«(10).
وحجة المتكلمين - في عدم - تفاوت العقول واختلافها - هي أن العقل حجة عامة، يرجع إليها الناس عند اختلافهم ، ولو تفاوتت العقول لما حصل ذلك ، وهذا مبني على مذهبهم في تعريف العقل ، بأنه : بعض العلوم الضرورية والتي لا يختلف الناس عليها ، والصواب ما تقدم ، وهو أن مسمى العقل يشمل العلوم الضرورية ، والنظرية ، فالتحاكم إلى العلوم الضرورية يمنع النزاع والاختلاف(11) ، والتحاكم إلى العلوم النظرية يحتمل النزاع والاختلاف، وهذا مشهور بين الناس ولا سيما المشتغلين بالعلوم العقلية من الفلاسفة والمتكلمين ؛ حيث يكثر بينهم التنازع والاختلاف.

(56/48)


والحق أن يقال : إن العقول تتفاوت من شخص إلى شخص ، بل قد يحصل هذا التفاوت في الشخص الواحد ، كما قال الشاطبي - رحمه الله -: »فالإنسان - وإن زعم في الأمر أنه أدركه ، وقتله علما - لا يأتي عليه الزمان ، إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل ، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك ، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا ، ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم..(12)
وحديث:»..ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن..«(13) مما يمكن الاستدلال به على هذا التفاوت، إذ الحديث دل بمنطوقه على النقصان، وبمفهومه على الزيادة وهو معنى التفاوت ، بل هو دليل على تفاوت العقل الغريزي أيضا لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قرر أن جنس النساء فيه نقصان العقل ، وهذا لا يكون إلا في الغريزة التي خلقن بها، ولأن التفاوت في الجانب الكسبي فرع عن التفاوت في الجانب الغريزي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : »الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة ، وهو ظاهر مذهب أحمد، وأصح الروايتين عنه، وقول أكثر أصحابه ، أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان«(14).
مكان العقل :
اختلف أهل العلم في مكان العقل من جسم الإنسان، فقالت الأحناف والحنابلة وهو مذهب المعتزلة: إن العقل محله الدماغ ، أي الرأس، ودليلهم : أنه إذا ضرب الرأس ضربة قوية زلزل معها العقل، وقالوا - أيضا -:إن العرب تقول للعاقل، وافر الدماغ،ولضعيف العقل، خفيف الدماغ ، وهو محل الإحساس.

(56/49)


وقالت المالكية والشافعية: محله القلب ، وعليه بعض الحنابلة ، ونسب إلى الأطباء(15)، وصححه الباجي ودليلهم قوله تعالى : ((فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها))[الحج:46] فأضاف منفعة كل عضو إليه ؛ فمنفعة القلب التعقل كما أن منفعة الأذن السمع ؛ وقد تقدم كلام عمر ابن الخطاب في ابن عباس - رضي الله عنهم -: »ذاكم فتى الكهول ، إن له لسانا سؤولا ، وقلبا عقولا«.
والتحقيق أن العقل له تعلق بالدماغ والقلب معا، حيث يكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ ، ومبدأ الإرادة والقصد في القلب، فالمريد لا يكون مريدا إلا بعد تصور المراد، والتصور محله الدماغ (16)، ولهذا يمكن أن يقال: إن القلب موطن الهداية ، والدماغ موطن الفكر؛ ولذا قد يوجد في الناس من فقد عقل الهداية - الذي محله القلب - واكتسب عقل الفكر والنظير - الذي محله الدماغ - كما قد توجد ضد هذه الحال.
الهوامش :
1- انظر: لسان العرب 11/458 وما بعدها مادة : عقل ، والقاموس المحيط وما بعدها مادة : عقل.
2 - رواه الحاكم في مستدركه 3/ 539 وقال عنه الذهبي : منقطع.
3- انظر: إحياء علوم الدين لأبي حامد بن محمد الغزالي 1/85-86 ، ومجموع فتاوى ابن تيمية 9/287 ، 305 ، 16/336، ودرء تعارض العقل والنقل 1/89 والمسودة ص: 558-559، والذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني ص:93 والفقيه والمتفقهه للخطيب البغدادي 2/20 .

(56/50)


4- وقد أشار ابن تيمية - رحمه الله - إلى هذا المعنى في أكثر من موضع من مصنفاته، وذلك لأهميته ، إذ هو ثمرة العقل وفائدته ، فلا عقل لمن لم يعمل بموجب ما هداه إليه عقله ، والعقل السليم يدعو إلى الإيمان بالله ورسالاته ، فمن خالف ما جاءت به الرسل فقد خالف عقله رغم ادعائه أنه من أرباب العقول، وأساطين الفهم، فالمشركون - مثلا - عرفوا توحيد الربوبية، ولم يلتزموا بلازمه، الذي هو توحيد الألوهية، رغم التلازم العقلي الفطري بينهما، وأهل الكتابين أيضا عرفوا صدق الرسالة، وصحة النبوة - كما يعرفون أبناءهم - ولكنهم لم ينقادوا إلى ذلك؛ فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا.
5- كتاب المخصص لابن سيده : المجلد الأول - السفر الثالث ص : 16 المكتب التجاري - بيروت (بلا تاريخ).
6 - الذريعة للراغب ص 96.
7- انظر: (كتاب الحدود) لابن سينا ص : 12-13 .
8- انظر مجموع الفتاوى 18/338 ، وقد روى المتكلمون في ذلك حديثا هذا نصه : »أول ما خلق الله العقل ، فقال له أقبل ، فأقبل، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب« انظر: الذريعة للراغب ص : 92 ، وهذا الحديث - كذب موضوع باتفاق أهل الحديث ، ولا يوجد في الكتب المعروفة المعتمدة ، والذي فيها - على علته - فهو بلفظ :»أول ما خلق الله العقل ، بفتح »أول« لا ضمه ، أي أن الله (تعالى) قال ذلك في أول أوقات خلق العقل ، لا أنه أول المخلوقات ، لكن الفلاسفة ، ومن شايعهم من باطنية الشيعة ، والمتصوفة ، والمتكلمة ، أبوا إلا أن يرووه بالضم ليوافق هواهم.
9- انظر: شرح الكوكب المنير لأبي البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي ص :25.
10- مقال عن المنهج - رينيه ديكارت - ترجمة : محمود محمد الخضيري ص: 3-4 .

(56/51)


11- مع أن كون العلم ضروريا أو نظريا هو من المسائل الإضافية النسبية ، والتي يختلف فيها الناس ، فقد يكون ضروريا عند زيد ما هو نظري عند عمرو ، فالعلم وإن كان ضروريا في نفسه ، فقد يصبح نظريا من جهة تعلقه بشخص ما ، لسبب ما.
12- انظر الاعتصام 2/322.
13- صحيح البخاري 1/405.
14- انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/721-722.
15- انظر: شرح الكوكب المنير ص 24 ، وهم الأطباء المتقدمون ، أما المعاصرون فلا أتصور موافقتهم على ذلك.
16- انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 9/304 .

الأفكار أساس التغيير
محمد محمد بدري
تنطلق أي أمة من الأمم في دربها الحضاري من مجموعة الأفكار التي على أساسها تشيد الأمة صرح حضارتها ، ويقدم الواقع شواهد عديدة على أن سلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار ، ولهذا نجد أن المجتمعات تتقدم أو تتخلف تبعا لنوعية الأفكار التي يعتنقها أفرادها »فصحة المجتمعات أو مرضها أساسهما صحة الفكر أو مرضه«(1) و»المجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الصحيحة، تتفوق على تلك التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة ، كما كانت حال الأمة المسلمة الأولى في صدر الإسلام وتفوقها على مجتمعات الرومان والفرس وغيرها«(2).
ومعلوم أن جزيرة العرب لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة ، حتى إذا جاءت أفكار الرسالة ، تحول الرجال الذين لا يزالون في بداوتهم والقبائل ذات الحياة الراكدة.. تحول هؤلاء إلى رجال يحملون للعالم الحضارة ويقودون فيه التقدم والرقي. فماذا دخل حياة المجتمع العربي يومئذ؟ »لم يدخل حياته عامل جديد ينقله تلك النقلة الهائلة في كل جانب من جوانب الحياة ، إلا ذلك التصور الاعتقادي الجديد .. ذلك التصور الذي جاء إلى عالم الإنسان بقدر من الله ، والذي انبثق منه ميلاد للإنسان جديد«(3).

(56/52)


فهناك فكرة قد تجعل إنسانا ينحني ويسجد لصنم من الحجر، وفكرة أخرى تجعل إنسانا آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم!! ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية، فإنه ومنذ أن تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل المسلم من ناحية ، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التي تحاول إحياء الأمة ، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تعدل انحرافات أفرادها ، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أساس العاطفة وتحت سلطانها، وليس على أساس (الفكرة.. والمبدأ)..
ومن هنا كانت مخططات أعداء الإسلام »لاحتواء وتدمير الأمة الإسلامية تهدف دائما إلى هزيمة الأمة (فكريا) ، لأن هزيمة الأمة في أفكارها تجردها من الحصانة وتتركها فريسة لأي مرض أو وباء فيسهل بعد ذلك احتواؤها وتفكيك معتقداتها«(4).
وإذن فالمعركة بين الأمة الإسلامية ، وأعدائها.. ليست معركة واحدة في ميدان الحرب ، بل هي معركة في ميدانين .. ميدان الحرب ، وميدان الفكر.. والأعداء حريصون في ميدان الفكر على (احتلال) عالم (الأفكار) في أمتنا، وحريصون في نفس الوقت على توزيع (نفاياتهم) الفكرية من أفكار اللغو كاشعار الغزل والقصص الجنسي والأدب العاري.. وما إلى ذلك ، حريصون على توزيع هذه النفايات إلى أمتنا ، لأنهم يعلمون أن الأمة التي تنتشر فيها هذه الأفكار الفاسدة تصبح غثاء تدور به »الدوامات السياسية العالمية ، ولا يملك نفسه عن الدوران ولا يختار حتى المكان الذي يدور فيه ، وهذا ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحذر منه : »يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال : إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل«(5).

(56/53)


إن أحاطة عدونا بنا، ووصولنا إلى مرحلة الشتات والفرقة،ودخول أمتنا مرحلة (القصعة).. كل ذلك »دليل على وجود خلل في البنية الفكرية والطروحات العقيدية التي أثمرته ، مهما كانت دعاوانا عريضة ، وأصواتنا مرتفعة بالادعاء أننا على النهج السليم«(6) ، ولذلك فإن العاملين في ميدان (إحياء) الأمة لا بد لهم من التمييز بين (أسباب) مرض أمتنا و(أعراض) هذا المرض، فالأسباب في الحقيقة (فكرية) أساسها المعتقدات والقيم والأفكار، أما الأعراض فهي سياسية واقتصادية واجتماعية.. ، ومن هنا فإن بداية أي تغيير لا بد أن تحدث في الأفكار ، وبقدر ما تملك الأفكار رصيدا قويا من الاستجابة لدى الأمة وتغييرا ملحوظا في مجال سلوكيات أفرادها وعلاقاتهم الاجتماعية ، ستتحول هذه الأفكار ثقافة معطاءة يمكن أن نقول إنها تشكل نقطة البدء في التغيير المنشود.
الهوامش :
1- هكذا ظهر جيل صلاح الدين - د. ماجد عرسان الكيلاني ص 247.
2- إخراج الامة المسلمة - د. ماجد الكيلاني ص 88.
3- مقومات التصور الإسلامي - سيد قطب ص 22 .
4- المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية-- عبد الله الشبانة ص 17.
5-واقعنا المعاصر - محمد قطب ص 356.
6- نظرات في مسيرة العمل الإسلامي - عمر عبيد حسنة ص 25.

عندما يئن العفاف
صرخة مسلمة من بلاد البوسنة والهرسك
شعر: عبد الرحمن العشماوي
أطرقت حتى ملني الإطراق ... وبكيت حتى احمرت الأحداق
سامرت نجم الليل حتى غاب عن ... عيني، وهد عزيمتي الإرهاق
يأتي الظلام وتنجلي أطرافه ... عنا، وما للنوم فيه مذاق
سهر يؤرقني ففي قلبي الأسى ... يغلي، وفي أهدابي الحراق
سيان عندي ليلنا ونهارنا ... فالموج في بحريهما صفاق
قتل وتشريد وهتك محارم ... فينا، وكأس الحادثات دهاق
أنا قصة صاغ الأنين حروفها ... ولها من الألم الدفين سياق
أنا أيها الأحباب مسلمة لها ... قلب إلى شرع الهدى تواق

(56/54)


دفن الشيوعيون نبع كرامتي ... دهرا، وطارت حولي الأطباق
حتى إذا انكشف الغطاء وغردت ... آمالنا، وبدا لنا الإشراق
وقف الصليب على الطريق فلا تسل ... عما جناه القتل والإحراق
وحشية يقف الخيال أمامها ... متضائلا، وتمجها الأذواق
أطفالنا ناموا على أحلامهم ... وعلى لهيب القاذفات أفاقوا
يبكون، كلا، بل بكت أعماقهم ... ولقد تجود بدمعها الأعماق
أطفالنا بيعوا، وأوربا التي ... تشري، ففيها راجت الأسواق
أين النظام العالمي أما له ... أثر، ألم تنعق به الأبواق
أين السلام العالمي لقد بدا ... كذب السلام ، وزاغت الأحداق
يا »مجلس الخوف« الذي في ظله ... كسر الأمان، وضيع الميثاق
أو ما يحركك الذي يجري لنا ... أوما يثيرك جرحنا الدفاق؟!
يعفى عن الصرب الذين تجبروا ... وطغوا ، ويفرد بالعقاب عراق
هذا وربك شر ما سمعت به ... أذن وما كتبت به الأوراق
سرج العدالة مال فوق حصانها ... ولوى العنان إلى الوراء نفاق
كشف الستار وبان كل مخبأ ... فإلى متى تتطامن الأعناق
أنا أيها الأحباب مسلمة طوى ... أحلامها الأوباش والفساق
أخذوا صغيري وهو يرفع صوته ... »أمي« وفي نظراته إشفاق
ولدي؛ ويصفعني الدعي ويكتوي ... قلبي، ويحكم بابي الإغلاق
ولدي ، وتبلغني بقايا صرخة ... مخنوقة ، ويقهقه الآفاق
ويجرني وغد إلى سردابه ... قسرا، وتظلم حولى الآفاق
ويئن في صدري العفاف ويشتكي ... طهري ، وتغمض جفنها الأخلاق
أنا لا أريد طعامكم وشرابكم ... فدمي هنا يا مسلمون يراق
عرضي يدنس أين شيمتكم أما ... فيكم أبي قلبه خفاق
أختاه ، أمتنا التي تدعونها ... صارت على درب الخضوع تساق
أودت بها قومية مشؤومة ... وسرى بها نحو الضياع رفاق
إن كنت تنتظرينها فسينتهي ... نفق ، وتأتي بعده أنفاق

(56/55)


مدي إلى الرحمن كف تضرع ... فلسوف يرفع شأنك الخلاق
لا تيأسي فأمام قدرة ربنا ... تتضاءل الأنساب والأعراق

الحركة العلمية في الحجاز في العصر الأموي
(2)
د. محمد آمحزون
يتابع الأخ الكاتب في هذه الحلقة الجهود العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي بعد أن استعرض في الحلقة السابقة موضوع التفسير.
الحديث :
وفي هذا العصر برز ما يسمى بعلم الجرح والتعديل أو علم الرجال. وهذا العلم مما انفرد به المسلمون، ولا نظير له عند غيرهم من الأمم. والغرض منه الكشف عن أحوال رواة السنة، وتمييز الصادق من الكاذب ، والضابط من الواهم ، والموثوق بروايته من المطعون فيها. وقد كان السبب في إنشاء هذا العلم الجليل أنه في أعقاب الفتن التي شهدها العصر الأموي(1) ظهرت الفرق ذات الآراء السياسية المتعارضة والأهواء المذهبية المتعصبة، ففشا الكذب، وظهر الوضع، ولجأ أتباع هذه الفرق إلى الوضع في الحديث والأخبار. وهذا ما جعل العلماء يؤكدون على ضرورة التثبت في مصادر الرواية ويسألون عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها.
وفي هذا الشأن يقول ابن سيرين (المتوفى سنة 110هـ): »لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة(2) قالوا: سموا لنا رجالكم فلينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ؛ وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم«(3). ومما يدل على ذلك أيضا قول ابن عباس - رضي الله عنه -: »إنا كنا نحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه«(4). فعبر هنا ابن عباس عن الفتن بقوله ركوب الناس الصعب والذلول ، ولذا كان لا يقبل إلا ما يعرف.

(56/56)


وقد تكلم عدد من التابعين في الجرح والتعديل مثل سعيد بن المسيب (المتوفى سنة 94 هـ) ومحمد بن مسلم الزهري (المتوفى سنة 124هـ) وعامر الشعبي (المتوفى سنة 103هـ). وكان كل منهم بمثابة نواة لنشأة مادة واسعة في علم الرجال يتداولها العلماء والنقاد في العصور التالية(5).
وتميزت تلك الفترة بنشاط الرحلة في طلب العلم ، وذلك لبروز عامل جديد يحفز الطلاب إلى الرحلة ، ذلك هو طلب الإسناد العالي ؛ فهو أخصر طرق الحديث المتصلة. فبدلا من أن يأخذ التابعي عن تابعي يرغب بدوره أن يأخذ عن صحابي ، فيرحل إلى ذلك الصحابي فيروي عنه الحديث مباشرة، كما كان لظهور الوضع في الحديث أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلبا للحديث من مظانه ، وتدقيقا لمصادره ، وبحثا عن أصوله ، وتحريا عن رواته. وكان أغلب هؤلاء في المدينة المنورة قلب المجتمع الإسلامي النابض، والتي طبعت بحكم مركزها بطابع خاص في الحديث والرواية ، وعرفت بالتدقيق والصرامة.
فهذا أبو قلابة عبد الله بن زيد البصري (المتوفى سنة 104هـ) يقيم في المدينة ثلاثة أيام ما له حاجة إلا رجل كانوا يتوقعون قدومه كان يروي حديثا ، فأقام حتى قدم وسأله عن الحديث(6). وحدث عامر الشعبي رجلا بحديث ثم قال له : »أعطيناكها بغير شيء ، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة«(7). وعن أبي العالية الرياحي (المتوفى سنة 95هـ) قال: »كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم«(8). ولم تكن المدينة المنورة هي المعقل الوحيد للرواية، وإن كانت تحتل الصدارة في هذا الباب، بل قصد طلاب العلم بلدانا ومدنا أخرى مثل مكة والطائف واليمامة وصنعاء(9)، وذلك بسبب انتشار الصحابة في الأمصار.

(56/57)


وفي الواقع، كان للرحلة أثر في شيوع علم السنة وتكثير طرق الحديث ، كما كان لها أثر في معرفة الرجال بصورة دقيقة، لأن المحدث يذهب إلى البلدة فيتعرف على علمائها ويخالطهم ويسألهم. ولولا الرحلة في طلب العلم لوجد لكل مدينة طابعها الخاص المميز لها، مما يسبب العزلة العلمية ، ويذكي العصبية المحلية بين العلماء باتساع الخلاف على الأحكام. ولكن الحيوية والروح العلمية التي تحلى بها العلماء دفعتهم إلى جوب الآفاق وأخذ العلم من شتى المراكز الفكرية.
على أن أولئك المحدثين لم يهتموا - مع الأسف - بتدوين أخبار الرحلات وأوصاف المدن التي شدوا الرحال إليها ، ولو فعلوا ذلك لقدموا معلومات غزيرة ومفيدة كتلك التي نجدها في كتب الرحلات المتأخرة مثل رحلة ابن جبير وابن بطوطة.
ومن مميزات ذلك العصر من الناحية العلمية الاهتمام بكتابة الحديث النبوي وتدوينه ، وذلك خلافا لما يعتقده بعض المستشرقين مثل جولد تسيهر وبلاشير اللذين رفضا صحة الأخبار المتعلقة بكتابة الحديث وتدوينه في تلك الفترة المبكرة ، فجعلا زمن بداية جمع الحديث أواخر القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث الهجري(10).
ومعنى هذا الرأي أن العرب كانوا في حال من البداوة لا تسمح لهم بالانتباه إلى التدوين والكتابة في فترة مبكرة مثل القرن الأول وسنرى من خلال عرض تاريخ الكتابة والتدوين عند المسلمين أن الرأي الذي جرد العرب في العصر الأموي من التصنيف والكتابة ، وجعل صدر الدولة العباسية مبدأ العلم والثقافة والتدوين عند العرب هو رأي أملاه الهوى وعدم الموضوعية. وحتى إذا افترضنا أن أصحاب هذا الرأي لهم نوايا حسنة ، فإنهم حين يحاولون فهم التاريخ الإسلامي على غير صورته فهم مخطئون فيما ذهبوا إليه.

(56/58)


لقد عرف المسلمون طرقا متنوعة لتحمل أو تلقي العلم ، وهذا الجانب بحد ذاته سمة متميزة تنفرد بها الحضارة الإسلامية ، ولا يعرف لها في الحضارات الأخرى شبيه. وهذا سبب أساسي لما حدث من لبس وسوء فهم في الدراسات الاستشراقية الحديثة. ففي كتب مصطلح الحديث يرد ذكر أصناف طرق تحمل العلم وهي متنوعة منها: السماع والقراءة والإجازة والمناولة والكتابة والوصية والوجادة. وفي كل الحالات المذكورة ليس الحفظ أمرا ضروريا إلا في الحالتين الأوليين وهما السماع والقراءة.
فهذا أبو هريرة (المتوفى سنة 59هـ) رغم اشتهاره بقوة الذاكرة يبدو مع ذلك أنه قد أعد للرواية بعض الصحف. روى تلميذه بشير بن نهيك عنه قال: كتبت عن أبي هريرة كتابا، فلما أردت أن أفارقه قلت : يا أبا هريرة! إني كتبت عنك كتابا ، فأرويه عنك؟ قال : نعم اروه عني(11). وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب (المتوفى سنة 74 هـ) يكتب الأحاديث النبوية في رسائله(12) وكانت عنده كتب في العلم ينظر فيها. نقل إبراهيم الصائغ عن نافع أن ابن عمر كانت له كتب ينظر فيها ، يعني في العلم (13). أما أنس بن مالك (المتوفى سنة 94 هـ) فكان يحث أولاده على كتابة العلوم ويقول لهم : »يا بني قيدوا العلم بالكتاب«(14) ، حتى نقل عنه أنه كان لا يعد عالما من لم يكتب علمه (15).
وتخبرنا المصادر في مواضيع كثيرة عن كيفية التدوين وطريقة النسخ في ذلك الوقت ؛ قال سعيد بن جبير إنه كان يكتب عند عبد الله بن عباس على الألواح حتى يملأها(16). وروى أحد التابعين أنه رأى طلاب العلم في مجلس البراء بن عازب الأنصاري (المتوفى سنة 72 هـ/691 م) وهم يكتبون على أكفهم بالقصب (17).

(56/59)


وفي ضوء بعض الأمثلة في جيل التابعين يتضح بجلاء ما أبداه هؤلاء من همة في الكتابة، وكيف أنها كانت عادة معروفة في زمنهم، عكس ما يتوهمه بعض الباحثين من أن الاعتماد في النقل عند المحدثين مدى قرن ونصف كان على الذاكرة فقط، وعلى المشافهة بالتحديث، حتى اتخذه أعداء السنة سلما للطعن فيها. لقد كانت الكتابة عند التابعين إحدى طرق تلقي العلم المألوفة بجانب السماع والقراءة. وفي هذا الصدد يروي أحمد ابن حنبل أن الحكم بن عتيبة (المتوفى سنة 113 هـ) أخذ عن مقسم بن بجرة (المتوفى سنة 101هـ) أربعة أحاديث سماعا ، أما سائر مروياته فقد أخذها كتابة(18). وذكر ابن أبي حاتم أن أحاديث عبد الأعلى عن محمد ابن الحنيفة (المتوفى سنة 73 هـ) كانت من كتاب ، ثم يؤكد ذلك بقوله : »قلت يعني أنها ليس بسماع«(19).
وغالبا ما نجد في المصادر معلومات عن استعارة الكتب في ذلك الوقت! حيث استعار حيدر الطويل كتب الحسن البصري (المتوفى سنة 110هـ) فنسخها وردها عليه(20). كما استعار الليث بن أبي سليم كتابا من حسن ابن مسلم (المتوفى سنة 106هـ) ، وقال هزر أخو حسن بن مسلم لرجل: »إذا قدمت فعرج على ليث بن ألي سليم وقل له حتى يرد كتاب ابن حسن بن مسلم فإنه أخذه منه«(21). وذكر معمر بن راشد أنه نسخ كراستين حول المغازي عن التابعي عثمان الجزري المشهور بعثمان المشاهد ، استعيرا منه ولم يعودا(22).

(56/60)


وقد سعى بعض الحكام الأمويين إلى جمع الحديث وتدوينه ، ويعد مروان ابن الحكم (المتوفى سنة 65هـ) أول وال أموي أراد أن يحفظ معارف مشاهير الصحابة ويصونها من الضياع. فيروى أنه استقدم زيد بن ثابت - رضي الله عنه - عندما كان عاملا على المدينة ، وطرح عليه أسئلة والكتاب جالسون خلف ستر يدونون الإجابات(23). وكتب ابنه عبد العزيز بن مروان عندما كان واليا على مصر(24) إلى التابعي كثير بن مرة الحضرمي (المتوفى سنة75 هـ) أن يكتب له ما سمعه من أحاديث الصحابة سوى أبي هريرة لأن حديثه كان مجموعا عنده(25). ثم جاء حفيده عمر بن عبد العزيز بن مروان إلى الخلافة ، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم : »انظر ما كان من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله«(26). وأراد منه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية (المتوفاة سنة 98 هـ) والقاسم بن محمد (المتوفى سنة 120هـ)(27) ، لأنهما أعلم الناس بحديث عائشة.
لكن المحاولة الشاملة في الجمع والنسخ قام بها إمام جليل آخر هو محمد ابن شهاب الزهري المدني حيث استجاب لطلب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وكان شغوفا بجمع الحديث والسيرة ، فجمع حديث المدينة وقدمه إلى عمر بن عبد العزيز الذي بعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره (28).
وكان لهذه الجهود أثر كبير في حفظ السنة ومنع التلاعب فيها ، كما مهدت الطريق للعلماء المصنفين في القرن الثاني للهجرة ، حيث ازدهرت حركة التدوين ودأب العلماء على ذلك. لكن الفضل في أقدم أشكال تدوين الحديث يرجع بالطبع إلى مرحلة التأسيس في العصر الأموي.
الهوامش :
1 - خليفة: التاريخ ص 234، 236، 252، 254،280 وابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/39 .

(56/61)


2- ربما يقصد بالفتنة حركة ابن الزبير عندما أعلن نفسه خليفة (انظر الموطأ كتاب الحج 99). وهذا التفسير قد يتفق مع عمر ابن سيرين الذي كانت ولادته سنة 33هـ/653م) مما يجعله عند حدوث فتنة ابن الزبير - رضي الله عنه - في حدود 72 هـ/ 691م بعمر يمكنه من الكلام بإدراك. وإطلاع عما حدث في هذه الفترة.
3- رواه مسلم في الجامع الصحيح، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها ، 1/84 والجوزجاني : أحوال الرجال ، ص 35-36.
4- أخرجه مسلم في الجامع الصحيح ، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء 1/80 .
5- الحاكم : معرفة علوم الحديث ص 6.
6- الدارمي : السنن 1/136.
7- ابن عبد البر: جامع بيان العلم 1/94.
8- الدارمي : المصدر السابق 1 /136.
9- ابن سعد: المصدر السابق 5/443 ، 503 ، 523 ، 549 .
10- سزكين : المرجع السابق 1/122.
11- الخطيب : تقييد العلم ص 101.
12 - أحمد : المسند 2/45 - 90.
13- البخاري : التاريخ الكبير 1/325.
14- الخطيب : المصدر السابق ص 96.
15- الخطيب : المصدر السابق ص 96.
16- أحمد: العلل 1/50.
17 - الدارمي : المصدر السابق 1/128، والخطيب : المصدر السابق 105.
18- ابن حجر: تهذيب التهذيب 10/220.
19- ابن حجر: المصدر نفسه 6/39.
20- ابن سعد: المصدر السابق 3/39.
21- ابن سعد: المصدر نفسه 5/479.
22- أحمد: العلل 1/5.
23- ابن سعد: المصدر السابق 2/ 361.
24- وليها من سنة65 هـ إلى سنة85 هـ: انظر ابن كثير: البداية والنهاية 9/57.
25- ابن سعد: المصدر السابق 7/448.
26- الدارمي : المصدر السابق 1/126.
27-ابن أبي حاتم : تقدمة المعرفة ص21.
28- ابن عبد البر: جامع بيان العلم 1/76.

مقال
بطرس غالي.. تاريخ وحقائق
أحمد عبد العزيز أبو عامر
تمهيد:

(56/62)


ينتسب د. بطرس غالي إلى الكنيسة القبطية التي يترأسها اليوم شنودة الثالث، ولقد استطاعت هذه الكنيسة في الأربعينات جذب جماهير المثقفين الأقباط حولها واستطاعت أن تحقق نوعا من الإحياء لدورها. وفي نهاية الخمسينات وبداية الستينات استطاع النظام الناصري آنذاك ومن خلال مشروعه (القومي) جذب العديد من أبناء الكنيسة القبطية لينخرطوا في صفه ولما كانت تلك الفئات المثقفة تنتمي أصلا في بداية تعليمها غالبا إلى مدارس (الأحد) الكنسية حصل في هذا الجيل اتجاهان :
الأول: من بقي مرتبطا بالكنيسة أكثر من الدولة والحياة العامة (كشنودة الثالث).
الثاني: من ابتعد عن الكنيسة وارتبط بالدولة ومنهم الصفوة القبطية السياسية والتكنوقراطية مثل (د. ميلاد حنا).
وهناك اتجاه ثالث يحاول الربط بين الكنيسة والدولة في إطار فكري واحد مثل (وليم سليمان قلادة).
ودراسة المسيحية السياسية في مصر تعتمد على عدد محدود من الكتابات يرى فيها آراء متفرقة أكثر مما نجد رؤية فكرية متكاملة وشاملة ومن هذه الدراسات القليلة كتابات الكاتب القبطي المعروف (د. رفيق حبيب في بعض كتبه ودراساته المنشورة)(1) وله جهود جيدة في كشف حقيقة الكنيسة ورموزها و(شنودة) غير راض عنه ولا عن والده. وأرجو أن أتناوله وفكره وموقف الكنيسة منه في دراسة قادمة بإذن الله.

(56/63)


والذي يجب أن لا يغيب عن البال هو أن للكنيسة القبطية تنظيما ونشاطا كبيرا في الداخل والخارج، ولها جهود كبيرة في كافة الأصعدة، وتشجع الدراسات التي تبشر بدينهم ، وتنقد الإسلام ، بخاصة تظهر الغبن المزعوم لطائفتهم. وباباهم الحالي يظهر عند المقابلة معه دبلوماسية وذكاء كبيرا وتبرؤا من كل جهد لهم أو لمنتسبيهم بكل ما يعكر صفو الأمن أو يثير النزعات الطائفية. ولا يعرف له موقف إيجابي ضد الكتب التي تهاجم الإسلام زورا وبهتانا مثل: (رسالة المجلس الملي القبطي بالإسكندرية) والتي نقدها وكشف عوارها د. عبد الجليل عيسى ، وكذلك (الجريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة) لإيسذوروس وكتاب: (بيان الحق لياسين منصور) والذي نقده وفضح مفترياته الأستاذ توفيق علي وهبة. في كتابه: (افتراءات المفترين) وكتاب : (تاريخ الكنيسة القبطية) لمنسي يوحنا ، وهو كتاب يحوي تعصبا أعمى قال عنه مبشر ، نصراني لبناني معروف هو (لويس شيخو اليسوعي) بعدما ذكر أخطاءه في كثير من الوقائع والحقائق : إن مؤلف الكتاب كان مدفوعا في كتابه بعامل التعصب القومي.
ويعلم الجميع أن الصحوة الدينية الشاملة في السنين الأخيرة أيضا شملت النصارى ، ولذا تم اجتماع مؤخرا في (استانبول) هو الأول من نوعه منذ قرابة الألف سنة بين كبار أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوربا للتصالح بينهم وبين بقية الطوائف المسيحية الأخرى وعلى رأسها كنيسة روما الكاثوليكية، بعد انقطاع دام حوالي 938 سنة، وقد عبر الجميع عن تصميمهم على إعطاء دور أكبر للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والتي عانت حسب زعمهم الكثير من الاضطهاد على أيدي المسلمين مثلما عانت من نير الشيوعية..

(56/64)


هذه التداعيات المسيحية في النهضة الجديدة للكنيسة الأرثوذكسية ومشاركاتها في كثير من الأنشطة الاجتماعية وصدور كثير من الكتب والنشرات والصحف والمجلات في الداخل والخارج (2). كل ذلك لا شك له أثره ودوره في تنمية الوعي لدى أفرادها وبالتالي إثارة الحمية الدينية في نفوسهم مما ينعكس بالتالي على شعور كل فرد منهم مهما كان توجهه علمانيا مثل د. بطرس بطرس غالي.
نبذة عن حياة بطرس غالي :
هو ابن لإحدى الأسر القبطية المشهورة والتي كان لها دورها في الحياة السياسية المصرية واشتهرت بعميدها (بطرس غالي باشا (1847 - 1910) والذي تولى رئاسة الوزارة في مصر في نوفمبر 1908 وحتى 1910 وقد اغتاله أحد الشباب الوطنيين المصريين وهو (إبراهيم ناصف الورداني) والذي ثأر لبلده من ميول المذكور للمستعمر الإنجليزي وعمله لمد امتياز القناة للإنجليز ، وقد فشل المشروع بعد اغتيال صاحبه. ووالد المقتول هو (غالي ناروز بك) كان من كبار أقباط بني سويف ومن كبار أثرياء مصر في عصره ، إذ كان أحد موظفي الدائرة الخاصة للخديوي إسماعيل ، مما أتاح لابنه (بطرس) أن يقضي جانبا من سنوات تعليمه في المدرسة التي أنشأها (مصطفى فاضل) شقيق الخديوي لتعليم أبنائه ومنهم بطرس الحالي حفيد بطرس غالي ناروز والذي ولد سنة 1922م في أحد قصور حي (الفجالة) بالقاهرة.. وقد دخل كلية الحقوق وتخرج منها عام 1946م وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس عام 1949م ثم عاد إلى القاهرة للعمل أستاذا للقانون الدولي ثم رئيسا لقسم القانون الدولي بعد ذلك. ثم شارك في تأسيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة عام 1962م وأصبح فيما بعد رئيسا لقسم العلوم السياسية بهذه الكلية منذ إنشائها. وفي عام 1977م تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية. ومن أبرز أعماله في هذه الفترة مشاركته في الوفد الذي صاحب أنور السادات في عقد الصلح مع العدو الصهيوني ، إذ كان مسؤول الجانب السياسي في

(56/65)


مباحثات (كامب ديفيد) للسلام من سبتمبر 1978م إلى مارس 1979م (ومعلوم أن زوجته يهودية) وبقي في هذا المنصب حتى أصبح نائبا لرئيس الوزراء المصري في أوائل 1991م ، ثم تم اختياره أخيرا أمينا عاما لهيئة الأمم المتحدة. ولا يغيب عن البال ترأسه لتحرير مجلة (السياسة الدولية) بدءا من يوليو 1965 وحتى 1991م والتي تعتبر مرجعا هاما في العلوم السياسية دراسة وتحليلا ومتابعة من منظور علماني.
وكتب الكثير من الدراسات السياسية والقانونية في مجال تخصصه ، ومن أشهر مؤلفاته : (الحكومة العالمية) والذي صدر للمرة الأولى عام 1957م ، وأعيد طبعه مؤخرا هذه السنة 1992 م ، والكتاب يدور حول فكرة (الحكومة العالمية) أو إقامة تنظيم دولي لحفظ السلام والأمن في العالم. حيث قام بدراسة الموضوع من الناحية النظرية في كتابات عدد من المفكرين في المدرسة الأوربية ، والمدرسة الأنجلوسكسونية ، والمدرسة الإسلامية ، وخلال هذه المتابعة التاريخية يرصد نمو الوعي بضرورة وجود تنظيم دولي وبضرورة وجود نظام لتسوية الصراعات والنزاعات بالطرق السلمية لأن الحرب كما نقل : (انتحار جماعي وضرب من ضروب الجنون). ثم ينتقل إلى دراسة لبعض التجارب السابقة في إقامة التنظيمات الدولية بدءا بالمؤتمر الدولي عام 1814م وانتهاءا بهيئة الأمم المتحدة.

(56/66)


هذا التوجه الجميل في البحث عن حكومة عالمية تحكم العالم وتكفل السلام ، وتوفر الطمأنينة ماذا عمل (بطرس غالي) لتنفيذها حينما آلت إليه مقاليد هيئة الأمم ؟ مما يؤسف له أن ذلك الكلام تبخر وصار أثرا بعد عين وظهرت ميول عجيبة وغريبة لا يمكن بحال من الأحوال تفسيرها بغير (الميول الصليبية الكامنة في لا شعوره) في مواقفه اللامبالية من مأساة (دولة البوسنة والهرسك) وعدوان الصرب الهمجي عليهم والذي لم يعد يجهله أحد، وشكل أعنف عدوان إجرامي في العصور الحديثة. لا سيما إذا عرفنا أن الرجل (أرثوذكسي) العقيدة ، وإخوانه الصرب على نفس المذهب ، والموقف البارد الذي يعالج به هذه القضية كما سنرى لا يمكن تفسيره بغير ما في ذكرته،فهو رجل سياسي عرف السياسة نظريا وتطبيقيا. وله أفكاره حيال معالجة الصراعات والأوضاع العالمية السابقة لكنه حيال هذه المأساة عطلها وأعطى المعتدين الصرب الفرصة لاستئصال المسلمين هناك في وضح النهار.
فمنذ بدأت جمهورية البوسنة والهرسك بالانفصال وإعلان استقلالها كان له موقف سلبي حيالها لا سيما حينما بدأ الصرب الصليبيون مواقفهم العدوانية من تلك الدولة الجديدة التي يرونها جزءا لا يتجزأ من (صربيا الكبرى) وحصل من الفجائع والمآسي للمسلمين هناك ما نقلته وكالات الأنباء ، وأثار دهشة كل الناس للطرق العدوانية التي يتعاملون بها. ومواقف (الأمين العام الجديد) تمثلت فيما يلي.
1 - استبعد أول الأمر إرسال قوات دولية لحفظ السلام في البوسنة والهرسك حتى قبل أن يقدم اقتراح بهذا الشأن ، وبادر بإصدار تقرير متسرع مباشرة بعد فرض العقوبات الدولية على (دولة صربيا) لإراقتها الدماء البريئة في البوسنة والهرسك.

(56/67)


2- رفض بطرس غالي اتفاق لندن بشأن وضع الأسلحة الثقيلة بين الأطراف المتناحرة تحت إشراف الأمم المتحدة مع العلم أن الأسلحة الثقيلة بيد الصرب ، والمسلمون ليس بأيديهم سوى أسلحة خفيفة مما أثار مشكلة مع (اللورد كارنجتون) وسيط هيئة الأمم المتحدة الذي أشرف على إبرام الاتفاق حينما زعم بطرس أن وقف إطلاق النار جرى التفاوض بشأنه بصورة متعجلة للغاية ، وأنه يقضي بنشر عدد من مراقبي هيئة الأمم المتحدة يزيد عما كان مخططا له في الأصل ، وقد رفض (كارنجتون) الانتقادات البطرسية وقال : إن وقف إطلاق النار قد صدر عن الأطراف المتحاربة نفسها وأنه فقط قام بنقل الاقتراح فيما بين الأطراف ، وقال : سيكون من الأفضل ممارسة ضغط أكبر على المتحاربين، إلى أن قال : إنه لا يعتقد أنه بوسع المرء أن ينبذ بصورة كاملة وقف إطلاق النار الراهن.
3- معارضته في إرسال المزيد من القوات الدولية إلى البوسنة والهرسك الأمر الذي أخر اتخاذ مجلس الأمن قرارا بشأن خطة المجموعة الأوربية التي تقضي بنزع سلاح الأطراف المتحاربة. لكن بطرس اقترح أن تساهم منظمات إقليمية أوربية في تمويل المهمة وتوفير المعدات والأفراد. بل ربما تتولى المهمة برمتها متعللا بنقص موارد هيئة الأمم المتحدة ، وأهمية معالجة قضايا أفريقيا كالصومال بنفس الاهتمام ، ولا ندري كيف حصل هذا الاهتمام الجديد فجأة بقضية الصومال التي مزقتها الحروب الأهلية منذ ما يقارب السنة ولم ينتبه الأمين العام لها إلا يوم بدت الحاجة الماسة لإنقاذ مسلمي البوسنة والهرسك من الحرب الصليبية التي يشنها عليهم الصرب بكل غطرسة وعنجهية. فهل القصد الاهتمام بالصومال أم التساهل مع الصرب حتى يتم لهم ما يهدفون إليه من التطهير العرقي المزعوم. والذي يقومون به على مسمع العالم وبصره.

(56/68)


4- وبعد تلك المواقف اللا إنسانية من هيئة الأمم المتحدة وأمينها العام شن عدد من الصحف الغربية والبريطانية منها بخاصة هجوما على بطرس غالي وانتقدت تصرفاته غير المسؤولة ، وأسلوبه في التعامل مع قرارات مجلس الأمن. بل وتغيبه عن حضور جلسات مناقشة قضية البوسنة ، ونقلت صحيفة اللوموند (الفرنسية) أن أحد أعضاء مجلس الأمن علق قائلا بأن (بطرس غالي) عارض منذ تعيينه في منصبه أي تدخل إضافي للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك ، وقال آخر: إن مزاج بطرس غالي متوعك تجاه هذه القضية التي تعتبر في غاية المأساوية ، وأنه في غاية الدهشة لهذا الموقف إزاء مأساة تدور أحداثها أمام أعيننا. وإزاء هذا الهجوم عليه لا سيما من الصحف البريطانية استطاع (غالي) أن يلمز بريطانيا بعد خلافه مع مندوبها (ديفيد هاناي) إذ قال في معرض شرحه لأسباب الهجوم عليه ربما لانه دخيل مما أثار ضجة في الأوساط الإعلامية والسياسية الإنجليزية لأن المرادف لكلمة (دخيل) كما استخدمها (غالي) لفظ جارح ، وكان يستخدم سابقا للإشارة إلى مواطني الدول الآسيوية المستعمرة من قبل الإنجليز مما يجدد ذكريات مؤلمة عن ذلك الاستعمار ، مما دعا وزير خارجية بريطانيا (هيرد) في مقابلة مع (بي. بي. سي) إلى الثناء على الأمين العام ، وقال المراقبون في لندن : إن تصريح (هيرد) هذا بمثابة اعتذار الغرض منه غلق هذا الملف.
إن ملف بطرس غالي وموقفه المشين من قضية العدوان الصربي على المسلمين في البوسنة والهرسك سيظل مفتوحا يظهر منه مدى الإهمال واللامبالاة من وقف المعتدين عند حدهم. لو كان ما يحدث للمسلمين هناك حل بغيرهم من المسيحيين أو غيرهم كاليهود مثلا ماذا سيكون موقف الأمم المتحدة وأمينها العام يا ترى؟ لا بد حينئذ أن تعلن الطوارئ وتقوم هيئات حقوق الإنسان بإعلاناتها المتشنجة حيال وأد حقوق أولئك المعتدى عليهم أما وأن الضحايا مسلمون فلا حياة لمن تنادي.

(56/69)


ولقد قال مفتي البوسنة والهرسك حيال المواقف المشينة للأمين العام للأمم المتحدة من قضية بلاده : إن موقف الأمين العام بطرس غالي من قضية شعبي غريب ومدهش. فأولا: بلادي دولة مستقلة معترف بها دوليا، وثانيا: إن ما حدث من الصرب اعتداء واضح وصريح على الشرعية الدولية وتدخل في شؤون دولة أخرى، وثالثا: إن ما يقوم به الصرب ليس اعتداء على شعبي وبلادي فقط ولكنه اعتداء بشع على الإنسانية جمعاء، وأنهم طالبوا بقوات دولية لحفظ السلام ، والضغط دوليا من خلال المنظمة الدولية على صربيا ولكن للأسف فوجئوا بموقف الأمين العام السلبي ، وتساءل : كيف يكون للأمم المتحدة دور في الحماية ومنع التدخل كما حصل في بعض المواقع الملتهبة وتمتنع عن اتخاذ إجراءات ناجعة حينما وقع الاعتداء على شعبه؟! وما زال مجلس الأمن يناقش مدى إمكانية إرسال قوة عسكرية لحماية المعونات الإنسانية ولم يتفقوا بعد ، أما حماية البشر فهذا بعيد فيما يظهر.

(56/70)


ثانيا: ليس هذا هو الموقف السلبي الوحيد لبطرس غالي من قضايا المسلمين ، فموقفه من قضية المسلمين في قبرص لا يقل غرابة ، فالمسلمون هناك كانوا الأكثرية في الجزيرة ولكن ببركات بريطانيا والتي فتحت أبواب الجزيرة لليونانيين حتى صار المسلمون أقلية.. وتعرضوا لحرب إبادة من أولئك الطارئين وكان لزعيمهم الهالك (المطران مكاريوس) دور في حرب الإبادة ضد مسلمي الجزيرة. ويتماسك المسلمون تحت قيادة الأستاذ (رؤوف دنكطاش) ولم يحمهم بعد الله من استئصال عصابات النصارى إلا تدخل الجيش التركي عام 1973م حينما كان نجم الدين أربكان نائبا لرئيس الوزراء التركي ، حينها استصدر أمرا باجتياح شمال قبرص لحماية المسلمين القبارصة وبهذا المنطلق الذي لا يعرف الأعداء سواه قامت دولتهم شمال قبرص والتي لم تحظ بعد باعتراف دولي سوى من تركيا نفسها ، نجد (بطرس غالي) يطالب الزعيم المسلم بالتخلي عن الجزء القائم باسم المسلمين - ويشكل (1/4) الجزيرة - لصالح اليونانيين. وحاول أن يمارس ضغوطا قوية في سبيل تنفيذ ذلك ، فدعا الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى دعم المساعي الرامية إلى الخروج مما أسماه (الطريق المسدود) الذي وصلت إليه المفاوضات حاليا لحل المشكلة القبرصية. بينما الحكومة القبرصية الصليبية تحظى بتأييد دول العالم قاطبة ودعمها ، وهي أبعد ما تكون إنصافا وعدلا مع قطاع كبير من الشعب القبرصي المسلم. فبماذا نعلل هذا الموقف من (بطرس غالي) حيال مسلمي قبرص؟ ولماذا لا يكون الحل الجذري للجميع لينال المظلومون حقوقهم ، لكن العجب يزول إذا عرفنا أن نصارى اليونان وقبرص كلهم من الأرثوذكس وإذا عرف السبب بطل العجب.

(56/71)


ثالثا: الموقف المتناقض من القرار 242 حول قضية الشعب الفلسطيني المسلم. ونحن بادئ ذي بدء نرفض عملية السلام مع العدو الصهيوني لما يترتب على السلام معهم من أخطار عقدية وسياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية لا يتسع المجال لذكرها ، ويمكن الرجوع إلى كتيب (لماذا نرفض السلام مع اليهود) للأستاذ محسن عنبتاوي لكن ما يثير العجب أن القرار 242 الذي قبلته الدول العربية بعد نكسة 1967 كان لبطرس غالي رأيه المتشدد في إلزاميته لليهود في دراسة علمية له نشرها في مجلة (السياسة الدولية) العدد (42) وهي دراسة تستحق أن تكون أساسا للرد على أي دعوى ترى عدم إلزامية ذلك القرار ، لكننا فوجئنا بتغيير رأيه في مدى إلزامية القرار للعدو في مؤتمر للأمين العام في 20 مارس الماضي والذي عكس فيه رأيه رأسا على عقب داعيا إلى أن القرار غير ملزم للعدو الصهيوني.
رابعا: وحيال مأساة المسلمين في بورما والتي تمثل نموذجا للمآسي التاريخية في عصر (النظام العالمي الجديد) لما عانوه من قتل وتشريد واضطهاد ، حيث هرب مئات الألوف من بورما إلى دولة فقيرة هي بنجلادش. ولم يتخذ حيال العصابة الشيوعية الحاكمة في (رانجون) أي موقف صارم يوقفها عند حدها لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، إنها مأساة شعب يشكو إلى الله غفلة إخوانه المسلمين ومؤامرة الدول الكبرى وبخاصة صناع النظام العالمي الجديد.
المراجع:
1- المسيحية السياسية في مصر ، د. رفيق حبيب.
2- ومن أهم صحفهم في مصر (الكرازة) دينية الطابع و (وطني) ذات طابع سياسي.
3- الحكومة العالمية ، د.بطرس غالي.
4- المجتمع العدد 996 والعدد 1010.
5- الشرق الأوسط 4985 ، 4999.
6- الدعوة العدد 1351.
7- السياسة الدولية العدد 108.

مقابلة مع :الشيخ أحمد قاضي
والشيخ محمد حاج

(56/72)


بعد سقوط الاتحاد السوفييتي قام المسلمون في كافة الجمهوريات الوليدة بالسعي لاستعادة هويتهم، وانبرى الدعاة والعلماء لأخذ دورهم الهام في إعادة الناس إلى استئناف الحياة الإسلامية التي فصلوا عنها زمانا طويلا، ومن جهود العلماء المسلمين في الاتحاد السوفييتي (سابقا) تأسيس حزب النهضة الإسلامي ، الذي يعد أكبر تجمع للمسلمين. ونلتقي في هذه المناسبة برئيس الحزب الدكتور أحمد قاضي، ونائبه للعلاقات الخارجية الشيخ محمد حاج ليحدثونا عن الحزب خصوصا ، وأوضاع المسلمين هناك عموما.
حبذا لو تحدثونا عن إرهاصات إنشاء الحزب؟
مرت بالمسلمين - كما لا يخفى عليكم - أيام سوداء قاتمة زمن الشيوعية اضطررنا خلالها للعمل السري للمحافظة على كياننا الإسلامي ، وكان في مناطق المسلمين أربع إدارات دينية للإشراف على شؤون المسلمين - زعموا - تحت توجيه وإشراف المخابرات ، وكان لكل إدارة مفت منصب (شيوعي).
وعندما تحسنت الأوضاع - أيام البيروسترويكا - تحرك المسلمون ضد هذه الدمى وأطاحوا بمفتي آسيا الوسطى شمس الدين بابا خان وكذلك مفتي داغستان محمود حقي.
ثم تحرك الجميع لإنشاء الأحزاب القومية والعلمانية ، وكذا أحزاب النصارى ، مما دعا المسلمين إلى التداعي لإنشاء حزب يضم المسلمين ويخدم قضاياهم. فهب العلماء والدعاة إلى الاجتماع في منتصف 1990 وحضر 220 مندوب من مناطق المسلمين كافة ، وقرروا إنشاء حزب النهضة الإسلامي في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي (قبل تفككه) ، وتألف مجلس شورى من العلماء (17 عالما) ولجنة تنسيق (7 أعضاء من مختلف المناطق).
ما هي أهداف وبرامج الحزب؟

(56/73)


الحزب إسلامي ، وأهدافه نبيلة وتشمل أساسا توحيد المسلمين من كافة مناطقهم ، وكذلك تربيتهم على الأصول الإسلامية من الكتاب والسنة، والدعوة إلى الالتزام بأوامر الدين واجتناب نواهيه. ومن ناحية أخرى العمل على رعاية حقوق المسلمين السياسية والاجتماعية في المناطق التي يكونون فيها أقلية.
كيف تطورت أوضاع الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟
في البدء كان لنا فروع في (9) جمهوريات أكبرها طاجيكستان وأزبكستان ، واستطعنا إنشاء صحف في مختلف الجمهوريات مثل : »الدعوة« و»النجاة« في أزبكستان و»بيان الحق« و»الوحدة« وغيرها في المناطق الأخرى.
وكذلك قمنا بتوزيع الكثير من النشرات الإسلامية. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت الأحزاب ذات الصبغة العامة غير معترف بها ، وبالتالي قمنا بتسجيل الحزب في مختلف الجمهوريات تحت الاسم نفسه وتجمعها رابطة النهضة الإسلامية ، حيث سجل فيها (70) ألف عضو من كافة مناطق الاتحاد السوفييتي (سابقا).
هل للحزب أدوار سياسية؟
قبل سقوط الاتحاد السوفييتي شارك الحزب في الانتخابات،وفي طاجكستان شارك الحزب مع المعارضة القومية في الضغط على الحكومة ورئيسها (الشيوعي) عن طريق الاضرابات والاعتصام حتى قدم الرئيس الكثير من التنازلات. وتعتقد قيادة الحزب أن الوقت الآن للتربية وتوجيه الناس وانتشالهم من الجهل الذي يعانونه ، أما الجانب السياسي فقادم في المستقبل إن شاء الله.
هل لكم أن تعطونا فكرة عن عدد أعضاء الحزب الآن ، وواقعه؟

(56/74)


لعلمكم فإن روسيا وعدد سكانها ما يقارب 150 مليون تحوي ما يقارب 26 مليون مسلم يتركز بعضهم في مناطق تتميز بالحكم الذاتي - مثل داغستان التي ننتمي إليها - ويتوزع الآخرون في روسيا نفسها، وعدد أعضاء الحزب في داغستان فقط ثلاثة آلاف عضو، يجمعهم مجلس شورى من تسعة عشر عضوا ، وهم يمثلون مليوني نسمة من أهالي داغستان. ويعاني الحزب من آثار الشيوعية الباغية حيث كل المساجد والمدارس مدمرة ، ولك أن تتصور أن داغستان أيام القيصرية كانت تحتوي 2700 مسجد و800 مدرسة فضلا عن آلاف العلماء الذين قتلوا أو هربوا.
هل هناك أحزاب إسلامية أخرى؟
نعم يوجد حزب ديمقراطي إسلامي !‍! وهو صوفي النزعة ويستخدمه القوميون مطية لهم ، وكذلك »جماعة المسلمين« وهم شافعية ملتزمون بالكتب المذهبية ويصفون من يخالفهم - ممن يستفيدون من جهود الآخرين وبالأخص المعاصرين - بأنهم وهابيون ، وقد كان لهم جهود طيبة سابقا في محاربة الشيوعية.
ما أخطر المشكلات التي تواجه الحزب الآن؟
في الحقيقة تعتبر اللغة مشكلة كبيرة ، وعائقا أمام أعمال الدعوة ولك أن تتصور مليوني نسمة (في داغستان) يتكلمون (33) لغة وبالتالي فاللغة الروسية هي السائدة ، أما العربية - التي كانت رسمية قبل أيام القياصرة - فإنها تستعيد دروها تدريجيا،والإقبال على تعلمها كبير رغم قلة المعلمين والكتب الدراسية.
من ناحية أخرى تمثل العلمانية خطرا داهما على المسلمين ، وذلك بسبب جهل العامة بالإسلام رغم حبهم وعاطفتهم تجاه هذا الدين أما طبقة المثقفين (أغلبهم كانوا شيوعيين في السابق بسبب المصالح الدنيوية) فإنهم لا يعادون الدين ، وفي الوقت نفسه لا يعادون العلمانية لجهلهم بمقاصدها ومراميها وتبقي النخبة الباقية التي يغلب عليها التوجه العلماني ومضادة الدين ، والمدعومة من تركيا العلمانية بالخبراء والمستثارين. وهذا مع قلة علماء الشريعة والدعاة المصلحين.

(56/75)


يعاني المسلمون - في عموم الجمهوريات الإسلامية - بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مشاكل عديدة ، هل لكم أن تلخصوا لنا أبرزها؟
تعلمون أن المسلمين هم أكبر المتضررين في الوقت الحاضر فالمشاكل الاقتصادية تعصف بهم من غلاء معيشة ، وفقر ومرض ، وكذلك المشكلات الاجتماعية من خمور ومخدرات وملاه ومنكرات تملأ المجتمعات ، وفي جانب التعليم : الروسية هي اللغة التعليمية وهي إلزامية في المدارس ، وفي الجانب العسكري فإن الجمهوريات الإسلامية تعاني من قلة السلاح الذي ذهب كله إلى روسيا وأوكرانيا ، وما عدا كازخستان ، وهي مجبرة على التخلص من أسلحتها النووية ، أما في الجانب السياسي فالمسلمون بين فكي كماشة ؛ فمن جهة إيران تتربص وتتتحين الفرص لنشر مذهبها ؛ ومن جهة أخرى تركيا العلمانية التي تسعى لنشر مبادئ أتاتورك - بتوجيه أمريكي غربي - ، واليهود الذين استفادوا كثيرا من الوضع المتردي والسيطرة على الكثير من المؤسسات الاقتصادية. والدول الغربية تعمل بجد على نشر الإنجيل والتوراة في أوساط المسلمين - رغم علمهم بأن بضاعتهم كاسدة - فنجد الترجمات بكافة اللغات المحلية والنشر على أوسع نطاق ، فضلا عن المحاضرات والندوات.
الطوائف المرتدة عن الدين مثل البهائية والقاديانية تندس وتزدهر في أوساط الجهل ، فهل لهذه الطوائف وجود في بلادكم؟
بالطبع ، فالبهائية لها نشاط قوي ملموس وخصوصا في موسكو وهم أكثر من 1000 فرد ، أما القاديانية فلهم دور خير في روسيا وسيبريا ولاتفيا وروسيا البيضاء، وهم يذهبون لجهلة المسلمين حيث يبنون لهم المساجد ويأتون لهم بالأئمة من باكستان وانجلترا وبالتالي يجدون لمذهبهم رواجا، وهذا يحمل المسلمين المخلصين المسؤولية ، وبالأخص المقتدرين منهم ، وأعتقد أن نشر الكتب باللغات المحلية وكذا بالروسية (التي يتقنها أكثر المسلمين) سوف ينفع كثيرا في هذا المجال.

(56/76)


ختاما نشكر الأخوين على المعلومات المفيدة التي عرضاها ، ونضع الأمر بين يدي المعنيين ليقوموا بدورهم في هذا المجال، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

محنة الشعب الصومالي
محمد عثمان عقال
بعد مرور عام ونصف على سقوط الطاغية سياد بري لا زالت الأحوال في الصومال تتردى من سيئ إلى أسوأ ، حيث يذوق هذا الشعب الجريح القتل الجماعي والمجاعة بأيدي الجهات القبلية التي مزقت أرض الصومال ، وقسمت الشعب المسلم إلى قبائل متناحرة متقاتلة ، كل هذا رغم مقومات الوحدة لهذا الشعب. فهو شعب مسلم بالكامل وجنس واحد ، كما أن أصول الناس ولغتهم وتاريخهم تعتبر شيئا واحدا.
إن ما يحدث في الصومال ، وإن كان بأيدي هذه القبائل المتناحرة ؛ إلا أن المؤامرة ليست بعيدة عنه لإضعافه وتشريد شعبه.
لقد قسمت الصومال ومزقت من قبل على أيدي المستعمر الغربي ، ففي مؤتمر برلين قسمت الصومال بين بريطانيا، التي استولت على الجزء الشمالي المشرف على خليج عدن، وأسمته : المحمية الصومالية ، واحتلت إيطاليا الجزء الجنوبي ، وأخذت فرنسا ما سمته الصومال الفرنسي (جيبوتي الآن).
واقتطعت بريطانيا جزءا آخر هو الذي ألحقته بكينيا لدى نيلها الاستقلال عام 1963م والمسمى (NFD) ، وأخيرا احتلت الحبشة نصيبها المسمى بإقليم اوغادين عام 1954م بعد انسحاب بريطانيا إثر اتفاقية سرية مع الحبشة. والصومال الحالي هو عبارة عن الجزء الإيطالي والمحمية الصومالية .
ومخطط الاستعمار الغربي ينفذ اليوم على أيدي العلمانيين والمجرمين الذين يقودون الجبهات القبلية التي ذاق الشعب الصومالي على أيديها كل أنواع القتل والنهب والاغتصاب. لقد استفادت هذه الجبهات من النظام الاجتماعي القبلي لهذا الشعب ، مع أن هذا النظام كان مبنيا على التعاون والإخاء ونصرة المظلوم والتكافل حتى وصل الأمر إلى المثل المعروف وهو أن القبيلة الطيبة لا يوجد فيها أحد جائع.

(56/77)


لا شك أن سياد بري خلال إحدى وعشرين سنه من الظلم والاستبداد والتعذيب والتحريش كان بمثابة رأس الفتنة ، ثم أجهزت الجهات القبلية على الباقي حتى أصبح الشعب الصومالى شعبا مشردا لاجئا في جميع أنحاء العالم.
الجبهات وتوجهها:
1- جبهة الإنقاذ SSDF أسسها في كينيا العقيد عبد الله يوسف عام 1978م وهي أول جبهة مسلحة حاربت نظام سياد بري إثر قمعه القبائل في الشمال الشرقي والمنطقة الوسطى ، وهي تسيطر الآن على شمال شرق الصومال والمنطقة الوسطى ، ويرأس هذه الجبهة الآن محمد أبشر موسى.
2- جبهة التحرير الوطني SNM ، أسست عام 1982 في بريطانيا ، وقاومت نظام سياد بري في الأجزاء الشمالية من البلاد. وبعد سقوط بري أعلنت هذه الجبهة انفصال الجزء الشمالي عن بقية البلاد كحكومة مستقلة سمتها »أرض الصومال«. ويرأسها الآن عبد الرحمن محمد علي.
3- جبهة منظمة المؤتمر الصومالي UCS ، والتي سيطرت على العاصمة والمناطق المجاورة بعد سقوط النظام الفاسد ولكن ما لبثت قليلا حتى انقسمت إلى قسمين متناحرين اندلعت حرب دامية بينهما في العاصمة قتل على أثرها الآلاف. والجنرال محمد فارح عيديد يرأس قسما والقسم الآخر يرأسه علي مهدي محمد الرئيس المؤقت للبلاد والذي يمثل الجماعة الموالية للغرب والمدعومة من قبل أمريكا.
وقف الفتنة:
لقد قام نفر من الدعاة بنشر الدعوة الإسلامية في أرجاء البلاد ، حتى وصل أمر الناس إلى مرحلة محمودة هن الالتزام الطيب بالإسلام ، وكان الاتحاد الإسلامي - وهو أكبر تجمع إسلامي في البلاد - طليعة الشعب الصومالي في محاولة وقف الفتنة منذ عهد سياد بري. حيث تصدى لمحاولاته التفريقية لهذا الشعب إلى قبائل متناحرة متبعا بذلك قاعدة: فرق تسد.

(56/78)


وبعد سقوط نظام سياد بري بذل الاتحاد جهودا جبارة للتوسط بين الجبهات المتقاتلة، كما بذلوا جهودا لحماية المصالح العامة مثل: الموانئ والمستشفيات ومواد الإغاثة، وتوزيعها على الفقراء والمساكين وضحايا الحرب، وأكبر مثال في هذا هو »بوصاصو« في شمال شرق الصومال و»مركا« في جنوب البلاد.
إن على المسلمين الصوماليين نبذ العصبية القبلية، والتوبة إلى الله ، وإنقاذ هذا الشعب من الدمار والهلاك الذي لحقه بسبب سياد بري وبسبب الجهات العلمانية القبلية، وعلى الإخوة أتباع الحركات الإسلامية في الصومال توحيد صفوفهم ونبذ الحزبية والفرقة لمواجهة التنصير الغربي في معسكرات اللاجئين سواء في كينيا والحبشة، أو في داخل البلاد.
وإن على المحسنين المسلمين الميسورين أن يدعموا الدعاة المسلمين في الصومال حتى يتمكنوا من أداء واجبهم تجاه تحرير الصومال وتضميد جراح هذا الشعب المسلم.

بيان هام
من الاتحاد الإسلامي في أوجادين
من المعلوم أن منطقة »أوجادين« المحتلة من قبل أثيوبيا هي المحور الأساسي المتمثل في الصراع بين المسجد والكنيسة منذ الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر الميلادي.
وقد قامت عدة حروب لتخليص المنطقة من الاستعمار الحبشي وكانت الحرب سجالا ، إلى أن جاء الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي فلقن الاستعمار الحبشي درسا لم ينسه بعد ، مما استدعى تدخل الدول الغربية وفي طليعتها »البرتغال« لحماية المسيحية في أفريقيا ، وما زالوا يدفعون في سبيل الحفاظ عليها وإخضاع الشعوب الإسلامية للأقلية المسيحية الغالي والنفيس.

(56/79)


وبعد انهيار حكومة »منغيستو« الشيوعية تسلمت مقاليد الحكم الجبهة الشعبية »النجراوية« بتدبير من الصليبية والصهيونية العالمية ونتيجة لضعفها وعدم قدرتها للسيطرة على جميع القوميات نادت بالديمقراطية ووعدت بمنح تقرير المصير للقوميات المختلفة بعد سنتين ، إلا أن هذا الوعد لم يكن إلا مطية لتقوية وتعزيز قدرتهم العسكرية والاقتصادية ، ومن ثم القضاء على أي قوة مناهضة.
ويعتبر الاتحاد الإسلامي في أوجادين حزبا معترفا به ، وله نشاطه الدعوي على منهج السلف الصالح، وقد قام بفتح مكاتب سياسية في جميع المدن والقرى ، كما أنه أسس معسكرات لتدريب الشباب عملا بقوله تعالى : ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) [ الأنفال:60] وعندئذ تفجر الحقد الصليبي فقامت الحكومة الأثيوبية (تجراي) بتحريض من القوى الصليبية العالمية بهجوم واسع النطاق بقوات قوامها ألفا مقاتل تقريبا على معسكر طارق بن زياد التابع للاتحاد الإسلامي في أوجادين وذلك بتاريخ 11/8/1992م واستمرت المعركة ثمانية ساعات متتالية ، وسفرت بحول الله وقوته عن هزيمة القوات المسيحية هزيمة نكراء ، حيث قتل منهم ما يزيد على مائة جندي ، ومن بينهم قائد الجيش ، وجرح منهم حوالي سبعين رجلا ، بينما تاه في الغابات كثير من قواتهم ولا يعرف لهم مصير.
((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)) [آل عمران: 169]، كما جرح من المجاهدين تسعة منهم نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم ويسكنهم الفردوس الأعلى.
ومنذ تلك المعركة التي نقضت فيها حكومة الحبشة جميع العهود والمواثيق تهدمت دعوى الديمقراطية المزعومة التي كانت تتستر بها ، وانكشف الغطاء عن الحقد الصليبي والذي لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة.
مكتب العلاقات الخارجية والإعلام

(56/80)


هل يخون الغرب نفسه ؟*
مقابلة مع علي عزت بيكوفيتش
ترجمة : أحمد العبدة
هل تعتقد أن شيئا قد تحقق في مؤتمر لندن الأخير؟
أقل مما توقعنا وما تمنياه. ولكن تحقق بعض التقدم.
هل لديك شك في عزم الغرب على تنفيذ الاتفاقية التي أقرت هنا؟
نعم ، لقد فوجئنا بنقص رغبة الغرب السياسية في الحل وأحزننا ذلك.
هل تشعر أنك قد خذلت من قبل الغرب؟
إلى حد ما ، نعم. إنه ليس خذلانا لأمانينا بقدر ما هو خذلان للغرب نفسه. لقد خذل الغرب مبادئه. إن من حسن حظ الغرب أنه لم يتردد في بداية الحرب العالمية الثانية كتردده الآن. لو أنهم ترددوا حينئذ لما دخلوا الحرب. ولكنا لا زلنا نعيش تحت الحكم النازي إلى يومنا هذا.
إن الصرب يسيطرون على 70% من أراضي البوسنة ، ألا تعتقد أنك ستكون مفاوضا من موقف ضعيف جدا في المحادثات القادمة في جنيف؟
أولا: إنهم لا يسيطرون على 70%، إنهم يسيطرون على حوالي 50%. ثانيا: صحيح أننا في موقف صعب ؛ لكنهم هم أيضا في موقف صعب ، لقد تعبوا من الحرب ، خسروا الحرب السياسية في الداخل والخارج، وخسروا من الناحية المعنوية لأنهم ارتكبوا كثيرا من الجرائم. جرائم بشعة. من الناحية العسكرية نحن مشلولون من ناحية التسليح ، لكنهم مشلولون نفسيا.
إذا انتهت الحرب ، وعادت البوسنة إلى حدودها قبل الحرب ، كيف يمكن التعايش بين الصرب والكروات والمسلمين في أرض يقتل فيها الجار جاره؟

(56/81)


كان الهدف الأساسي لكاراديتش قائد الصرب في البوسنة تحطيم الحياة المشتركة في البوسنة . لقد عشنا جميعا مئات السنين في البوسنة والهرسك. أكثر من 80% من أراضينا تقطنها جماعات مختلطة ، مسلمون ، صرب ، كروات ، وغيرهم . لقد اعتقدنا دائما أن هذا ميزة مهمة لنا. وسنبقى حاملين هذه الفكرة ما دمنا ننظر للموضوع من منظار القرن الحادي والعشرين ، ولكن الأمر غير ذلك بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون بعقلية القرون الهمجية. لهذا قاموا بهذه العملية التي سموها التطهير العرقي ، فبذروا الكراهية ، وقتلوا الناس ، محاولين التفريق والشرذمة وإقناع الجميع بأن الحياة المشتركة أصبحت مستحيلة.
هل نجحوا في ذلك؟
للأسف، لقد نجحوا جزئيا، حيث يتساءل الطيبون بينهم وبين أنفسهم ما إذا كان التعايش لا زال ممكنا. لكن هناك فرق بين قاطني الأرياف وسكان المدن ، ففي مدننا ما زال الاعتقاد شائعا أن التعايش ممكن ، ولا غرابة في ذلك حيث الناس متعلمون أكثر ، وهذا يمثل الأمل للتعايش المستقبلي.
ما هي مصادر أسلحتكم؟
نحن نشتريها من أي عارض لنا ، هذا ما أستطيع أن أقوله.
هناك تقارير عن مساعدات من دول إسلامية ، تشتمل على المال والسلاح بل حتى مقاتلين ، هل هذا صحيح؟
هذه إشاعات، لكننا نقبل المساعدات من أي جهة، فلماذا إذن لا نقبلها من الدول الإسلامية؟! لكن لم يصلنا من الدول الإسلامية إلا مساعدات إنسانية.
هل المجموعة الأوربية صديق للبوسنة؟
أعتقد أن أوربا فوجئت لما يحصل في البوسنة والهرسك. بتسلط صربيا ، ولكن أريد أن أؤكد على إن الإجرام الذي نتعرض له هو نتاج أوربي إلى حد ما. إنه خليط مؤسف من الفاشية والاشتراكية اللتين ولدتا في أوربا.
ما نوع صداقة الولايات المتحدة لكم؟

(56/82)


المشكلة أن منطقتنا ليست ذات أولوية للولايات المتحدة ، أولوياتهم هي : الشرق الأوسط، الشرق الأقصى، أميركا اللاتينية، وليس بلدنا. وهذا هو سبب المأساة الحالية التي كان يمكن أن لا تحدث لو تدخلت الولايات المتحدة في وقت مبكر.
هل تعتقد أن حرب عصابات موسعة من قبل البوسنة ستعيدها إلى حدودها الأصلية؟
لماذا تسميها حرب عصابات. نحن نحاول تشكيل جيش نظامي، فحوالي نصف السكان موالون لنا ، لأن أراضينا أكثر نظاما وأمنا من مناطقهم. والمناطق التي على ضفاف نهر البوسنة هي من أكثر المناطق تطورا من الناحية الصناعية. ولدينا الفرصة لتشكيل جيش نظامي.
هل الوقت متأخر لمنع انتشار هذه الحرب؟
لا ، الوقت ليس متأخرا ، لا أظن أن هذه الحرب ستتسع ، خصوصا إذا طبقت القرارات التي اتفق عليها أمس (أي في مؤتمر لندن).
هل بالإمكان تطبيق القرارات بدون التهديد بالقوة العسكرية؟
عندي شك عميق في ذلك ، ولكن في رأيي إن المجتمع الدولي لم يقل كلمته الأخيرة في هذه المشكلة. ولم يستبعد الخيار العسكري قطعيا. أعتقد أن المجتمع الدولي من خلال قراراته بالأمس قد قام بخطوة أخيرة لمنع انهيار الوضع ، ولم يستبعد - في حالة عدم التطبيق - حتى الخيار العسكري.
الهوامش:
* عن نيوزويك ، عدد أيلول 7 (سبتمبر) 1992 .

في دائرة الضوء
وشهد شاهد من أهلها
سعد بن محمد آل عبد اللطيف
كثيرا ما يتهم الشباب الصالح الملتزم بدينه في البلاد العربية والإسلامية بأنهم شباب يغلب عليهم "الدروشة" ويمتازون بالسلبية، أو أنهم أناس يستترون بالدين ويسعون إلى تحقيق مآربهم ومطامعهم الشخصية ، أو أنهم اعتزلوا المجتمع وفسقوه وكفروه ونابذوه العداء.. إلى آخر القائمة التي لا تنتهي.

(56/83)


ولعل خير ما يبطل هذه التهم ويوضح مدى تفاهتها ما نشر في مجلة صباح الخير [15/1/1413هـ] - والمعروفة بعدائها السافر للإسلام وأهله - من تنامي نشاط الجماعات الإسلامية وكيف أنهم كسبوا قلوب الأهالي في قرى الصعيد بمصر، وكان عنوان المقال أو التقرير »كيف توغل الإرهاب في قرى ومدن الصعيد« .
حيث يذكر التقرير بعض أوجه النشاط الخيري والتى استطاعوا من خلالها كسب ود الأهالي والوصول إلى قلوبهم ونشر الوعي بينهم ، وذكرت المجلة التالي :
1- مجال وسائل المواصلات: وندرك أهمية هذا المجال إذا عرفنا شدة حاجة الناس إليها - أي وسائل المواصلات - لأداء أعمالهم وتحصيل مصالحهم في المقابل لا تتوفر بسهولة هذه المواصلات ، فما كان من الإسلاميين هناك إلا أن قاموا بتنظيم دورات توصيل الركاب مقابل أجور ثابتة لا تقبل الزيادة ومع فصل الرجال عن النساء ومنع الاختلاط .
2- مجال الصحة : أقام الدعاة هناك المستوصفات الأهلية بجوار المساجد ويشرف عليها ويعمل فيها بعض الأطباء الصالحين ويقومون بالكشف وتقديم الدواء بسعر رمزي وربما مجانا .
أما مجال الطب البيطري فتزيد أهميته إذا أدركنا أهمية المواشي في مثل هذه المجتمعات الريفية ، حيث يقوم أحد الأطباء البيطريين بتفقد حالات الماشية المريضة والإشراف على علاجها بأسعار زهيدة.
3- مجال التموين : قام الإسلاميون بمساعدة العوائل الفقيرة عن طريق إقامة مشروعات اقتصادية صغيرة وإشراك تلك العوائل في المساهمة فيها مما يساهم في زيادة الدخل عند تلك العوائل ويخفف عنها عبء المعيشة ، ومن تلك المشروعات : مناحل العسل ، مزارع الدواجن ، مشروعات التسمين ، إنتاج الألبان وصناعة المربى والمخللات وأعمال الخياطة والتطريز ، بالإضافة إلى الإشراف على المخابز وتنظيم عملية بيع الخبز .

(56/84)


4- في مجال العمل الاجتماعي : كان للإسلاميين دور فعال في إصلاح ذات البين وفض الخصومات والمنازعات، ومن أهمها قضية الثأر بل حتى الخلافات الزوجية بالإضافة إلى زيارة المرضى وجمع الزكاة.. الخ.
بالإضافة أيضا إلى منع ومحاربة المنكرات والبدع ، مثل منكرات الأفراح من الغناء وغيره ، مثل بدع العزاء من إقامة السرادقات وتلاوة القرآن..الخ.
5- في مجال التعليم : يقوم الإسلاميون بإقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، وتقديم الدروس الخصوصية لطلبة المدارس وفي المساجد أيضا ، مع بعض التوجيه والإرشاد وأداء الصلوات ، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية المختلفة.
ونقول أخيرا: وشهد شاهد من أهلها.. ولكن التقرير يقول في آخره محرضا ومشوها دوافع هذه الأعمال : »وهكذا تجيد الجماعات وأمراؤها فنون تسويق الإرهاب بحنكة واقتدار في مجتمع الغليان والنسيان هنا« .
وتعليقا على ذلك أن الحق لا بد أن يظهر ، وأن التشويه والتحريض قد يخدم هؤلاء إلى أمد، وأن المسلم عليه أن يحصر جهوده بالعمل والإنتاج والبعد عن القيل والقال ومهاترة السفهاء ، وبذلك تكون له العاقبة إن شاء الله.

شذرات.. وقطوف..
أصناف الناس
»الناس ثلاثة: خير، وشرير، ومهين. فالخير هو الذي إذا أقصيته قبض نفسه عنك ولسانه من سوء الذكر لك وذكر حسنا إن كان تقدم منك ، والشرير يقبض نفسه عنك ويطلق لسانه في ذكر معايبك. ، وربما تعدى إلى الكذب عليك ، والمهين لا يقبض نفسه عنك ، ولا يزال متضرعا لعفوك، ومودة هذا مقرونة باستقامة حالك وصلاح أمورك فإن انتقلا انتقل بمودته«.
أسامة بن منقذ
لباب الآداب
الفرج بعد الشدة
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد ... تقطع قلبي إثرهم حسرات
فيا نفس طيبي،ثم يا نفس أبشري ... فغير بعيد كل ما هو آت
ولا تجزعي من دولة الجور إنني ... كأني بها قد آذنت بشتات
عسى الله أن يرتاح للخلق إنه ... إلى كل حي دائم اللحظات
القول والفعل

(56/85)


» ولن يبلغ ألف رجل من إصلاح رجل واحد بحسن القول دون حسن العمل؛ ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل في تصديق القول بالفعل «.
أبو الحسن العامري
المدينة والريف
».. لكن اليوم تمتص المدينة العملاقة الريف حتى الجفاف ، تلتهم كل يوم كتلا جديدة من البشر حتى يعتريها الوهن وتموت في وسط قفر بوار من الريف ، وخال من السكان «.
شبنجلر
سقوط الحضارة الغربية

منتدى القراء
لماذا لا نبكي من خشية الله ؟
كثير منا من يقرأ القرآن ويداوم على الصلاة ويحافظ على السنن،ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقد يصوم بعضنا الأيام المستحب صيامها ، وكل هذه أعمال عظيمة ولله الحمد.
رغم هذا فإنه يتبادر إلى ذهني سؤال يحيرني ويزعجني وهو: لماذا لا أبكي من خشية الله؟ كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يبكون عند أدنى شيء يذكرهم بالله جل وعلا. فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما قرأ في صلاة الفجر قوله تعالى : ((فإذا نقر في الناقور)) شهق شهقة قوية ، فسقط فجلس يعاد في بيته وهو على فراشه أسبوعا كاملا.
وهذه قصة عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- عندما جاء بيته وجلس على فراشه وهو يبكي ، فجاءت زوجه فاطمة فبكت لبكائه ، وبكى الخدم لبكائهما ، وعندما سكت قالت له : بأبي وأمي ما يبكيك ، قال : تذكرت موقفي يوم العرض. وغيرها كثيرة معلومة. وقد يكون السبب في ذلك والله أعلم :
1- عدم حضور القلب حضورا تاما في الصلاة ، والتلذذ فيها هي أو غيرها من العبادات ، والغفلة عن تلاوة القرآن وتدبره. يقول ابن القيم -رحمه الله- : إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه ، وألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه ، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله. قال تعالى : ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)) [ق:37].

(56/86)


2- ما يعتري القلب من أمراض معنوية كالحسد وجب الرئاسة وإظهار النفس وحب المال والكبر وغيرها.
3- الاهتمام بجانب واحد وإهمال الجانب أو الجوانب الأخرى ، كمن يهتم بتلاوة القرآن ولا يترك فضول الكلام ، فهنا لن تحصل تمام الخشية والإنابة على الوجه المطلوب.
4- العكوف والإصرار على المعصية مما يجعل القلب يقسو وينكت فيه نكتة سوداء. والركون إلى شيء من حطام الدنيا الزائل.
محمد بن حمد أبو عزام

عندما رد مقالي !!
لم نتعود بعد على فن المقالة والمشاركة بالكتابات في المجلات والصحف ، وبالتالي لم نتعود أن ترد مقالاتنا التي نرسلها.
كم يفخر الإنسان بأن ينشر مقاله في مجلة راقية قوية المنهج ، صادقة اللهجة كمجلة البيان التي أرسلت إليها مقالا ولكنه رد ، حقا كم هو قاس على نفسي أن يرد مقالي ، بعد أن أودعته بنظري القاصر من كنوز المعاني، وعندما أفقت من صدمتي ورجع إلي عقلي سألت نفسي : هل هم مخطئون أم أنه العجب بنفسي ، هل التزمت بشروطهم للنشر أو الجدة من حيث المنهج أو اللغة ، أو الجدة في الموضوع أو التوثيق العلمي وأجبت : لا. قلت: إذن فلماذا الغضب حيث ترد مقالاتنا ولا تنشر. ألم أقل إننا لم نتعود على فن الكتابة الصحفية ..
هدى السيف

بريد القراء
الأخ سالم عقيل باصلاح
أرسل لنا كلمة قصيرة حول طموح الشاب المسلم لخدمة دينه وطموح الشاب الذي أكبر همه امتلاك سيارة وهما صنفان لا يستويان.
البيان : شكرا للأخ سالم وننصح بكثرة القراءة.
الأخ عبد الله عياد
أرسل كلمة قصيرة حول تميز الشخصية الإسلامية ، والرجوع إلى هويتنا وثقافتنا.
البيان : شكرا للأخ عبد الله ونتمنى لك التوفيق.
الأخ محمد الشبيثي
أرسل مثنيا على البيان ومقترحا إيجاد زاوية لحل مشاكل الشباب ، ويرى مضاعفة التوزيع في كل مكان حتى يتعرف عليها القراء.
الأخ مقبل
أرسل قصة قصيرة بعنوان (عتاب).
البيان : نشكر الأخ مقبل وننصحه بكثرة القراءة وإعادة المحاولة.

(56/87)


الأخ أحمد سعود الطيار
أرسل مثنيا على البيان ومستفسرا عن تعلم الإنكليزية عن طريق المنتدى.
البيان : لا يوجد الآن في المنتدى دورات لتعلم الإنكليزية ولكن يمكن للمنتدى أن يساعد الأخ القادم في التعرف على المعاهد أو الدورات التأهيلية.
الأخ عبد الإله الزعير
نشكر لك محاولتك »استشعار لذة العبادة« والموضوع يحتاج - كما بينت - لكاتب مقتدر حتى يشمل الموضوع ويعتني به ، ونرحب بك في محاولات أخرى.
الأخ نجم الدين عبد الله المعروف
نشكر لك على مقالك »المساواة بين الرجل والمرأة كما يراها الإسلام« والفكرة جيدة لكن الموضوع يحتاج استقصاء أكثر مما عرض وحبذا الاستفادة من الكتب الكثيرة في هذا المجال وأهمها »عودة الحجاب القسم الثاني« للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل.
الأخ فائز سعيد الزهراني
أرسل لنا كلمة قصيرة يحث فيها المسلمين على العمل والصبر واستنفاد. كل الطاقات التي يملكونها حتى تعود إليهم العزة والكرامة.
الأخ يوسف بن عياد الحنيني
أرسل لنا كلمة قصيرة عن العالم المجاهد عبد الله بن مبارك.
البيان: جزاك الله خيرا يا أخ يوسف وقد نشرت البيان في أعدادها السابقة ترجمة لهذا الإمام العالم.

قديم جديد
الحرب الصليبية في البلقان*
قد عرف كل قارئ وكاتب وواع وسامع حقيقة ما تسميه أوربا (المسألة الشرقية) وهو إزالة دولة الإسلام من الشرق - وبعبارة أخرى من الأرض -وجعلها قسمة بين الدول الغربية- وبعبارة أخرى المسيحية - وأول ما يهمهم من بلاد المسلمين ما كان منها في أوربا فإن من طباع الأوربيين وغرائزهم الموروثة شدة العصبية على من لم يكن منهم وعدم احتمال وجوده بينهم. بل كانوا لا يحتمل بعضهم من بعض مخالفة في دين ولا مذهب ، ولذلك أبادوا الوثنيين من أوربا لما صار أكثرهم نصارى ، وأبادوا المسلمين في غربي (الأندلس) ولا يزالون يعملون لإبادتهم من شرقيها (تركية أوربة).

(56/88)


... كانت الدولة العثمانية أقوى من جميع الدول الأوربية بأسا ، ولكنها لم تكن قط أقوى عقلا ورأيا، فكانوا يستفيدون من قوتها بحسب دهائهم ، حتى صاروا بارتقاء العلوم والفنون وما يترتب عليها من الصناعات أقوى منها. حينئذ طفقوا ينتقصون بلادها من أطرافها ، فأزالوا سلطانها عن بلاد اليونان والرومان والبلغار، وأسسوا من البلاد التي كانت لها عدة إمارات وممالك بجوارها تأسيسا تدريجيا ، وأخذوا على عاتقهم حمايتها منها ، فإذا أغارت إحدى هذه الإمارات أو الممالك على شيء من بلاد الدولة حتى عندما كانت تحت سيادتها ساعدتها أوربا على امتلاك ما أغارت عليه ، وإذا وقعت حرب انتصرت فيها العثمانية وأخذت شيئا من بلاد إحدى هذه الممالك ردته أوربا إليها ولم تسمح للعثمانية بأن تستفيد من انتصارها شيئا. والأصل في ذلك القاعدة المتفقة (كذا ، والصحيح المتفق) عليها بين دول أوربا كافة ، ونقل عن اللورد سالسبوري التصريح بها وهي »ما أخذه الصليب من الهلال لا يعود إلى الهلال ، وما أخذه الهلال من الصليب يجب أن يعود إلى الصليب«.
... وقد صرح بعض ملوك التحالف البلقاني ووزراؤه بأن هذه الحرب صليبية محضة المراد منها إنقاذ المسيحيين من سلطة »الترك الكافرين« وصرحت الدول العظمى في أول الأمر عندما كن يعتقدن أن الدولة العثمانية أقوى من البلقانيين ويرجى أن تنتصر عليهم بأنهن لا يسمحن للغالب في هذه الحرب بأن يأخذ شيئا من ملك المغلوب ، بل يجب أن تبقى البلاد كلها على حالتها الحاضرة التي تواثقت الدول كلها على حفظها. فلما ظهرت بوادر الغلبة للبلقانيين على الترك بدا لهم ، ولم تخجل دولة ولا جريدة لدولة من التصريح بأنه لا يمكن حرمان دول البلقان من ثمرة انتصارها.

(56/89)


هذا قول إجمالي وجيز في تصرف أوربا في الدولة العثمانية إلى هذا اليوم ، وهو تصرف العاقل الحكيم في القاصر الجاهل. وإنني أعتقد أن أوربا لم تكن في الماضي ولا في الحاضر شرا علينا من أنفسنا، ولو وجد في الدولة عقلاء مصلحون لتيسر لهم النهوض بها بمساعدة أوربا نفسها ، ومن لا يصلح نفسه لا يصلحه غيره. والدولة تعرف في الجملة ما هي أوربا وهي الآن منها كالمريض بين يدي ممرضه الذي يعالجه عند شدة الألم بالمورفين الذي يسكن آلامه في الحال ، ليسلبه الحياة في الاستقبال ، ولكنه لا يرى نفسه في غنى عنه ، فهي تلقي نفسها بين يدي أوربا ، وتقول لها: تصرفي كيف شئت ولكن تكرمي بالرفق واللين.
البيان: هذه هي سياسة أوربا الآن لم تتغير ولن تتغير أبدا، فكل ما يأخذه الصرب من المسلمين في البوسنة فهو حلال، ولو انتصر المسلمون لأوقفوا القتال بحجة عدم اعتداء دولة على دولة.
الهوامش:
* المنار مجلد 15/جزء 11 ص 817-818.

الصفحة الأخيرة
مفكرو الشوروقراطية!
جمال سلطان
نبتت في زماننا هذا، نابتة من هذه الأمة، لا تتكلم في شيء من أمر دينها أو دنياها إلا بالقياس إلى الآخرين ، والآخرون هم الغرب تحديدا ، وبالتالي ؛ فإن أية نظرة إليهم في فقه الإسلام ، أو مقتضيات شريعة ؛ لا يمكن أن تفهم فهما أصيلا ذاتيا منبثقا من هدي كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومسترشدا بالتجربة الفكرية والعملية التي مرت بها الأمة في قرونها السابقة ، ولا سيما قرون الرشاد والاستقامة والقوة.

(56/90)


فإذا أراد أحدهم أن يفهم »حقوق الإنسان« في دين الله ، تراه يكتب حاشية أو تذييلا على »المتن الأوربي« لمقررات حقوق الإنسان، ثم يوشي هذا المتن بآية أو حديث، لكي يضمن إضفاء وصف »إسلامي« على مؤلفه ، ولا بأس - لكي يرفع من شأن الإسلام أمام الحضارة المعاصرة! - أن يلوي أعناق النصوص ، ويتلاعب ببعضها ، ويرفض ما شاء من سنة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- لكي يضمن موافقة الإسلام و»توقيعه« على الوثائق الأوربية في هذا الشأن.
ومن طرائف هذا الفريق ، ما ذهب إليه بعض »المغاربة« عندما أراد أن يضع توقيع »الإسلام« على الديمقراطية الغربية ، فرأى أن "الشورى" كمفهوم إسلامي هو المكافئ »للديمقراطية« الغربية ، مع بعض »التهذيبات« التي نضعها هنا أو هناك لكي نزاوج بين الطرفين ، وقد ولد هؤلاء النفر مصطلحا جديدا ليعبر عن هذه »المزاوجة« بين الإسلام والغرب ، وسموه »الشوروقراطية«. هذا المصطلح في - تقديري - يصلح أن يكون علما على منحى »السقوط« و»التبعية« الفكرية لدى قطاع من المنتسبين إلى »الفكر المستنير، فعلى الرغم من كثرة ضجيجهم حول الأصالة ، والتجديد ، والاجتهاد ، والإبداع ، إلا أن منطلقاتهم الفكرية ، ووعيهم المنهجي ، ما زال يحيا في »مناخ المهزومين« ، وعبودية »الأتباع« ، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا أداة بعث حضاري جديد ، ولا ممثلين عدولا لدين الله الحق ، بل لا نغالي إن قلنا أنهم يعطلون مسيرة النهضة الإسلامية الجديدة ، ويفتتون قواها بمثل ذلك التمييع الفكري ، والارتباك المنهجي ، والخواء النفسي.
تمت بعون الله والحمد لله

(56/91)


مجلة البيان – العدد 57 ، جمادى الأولى 1413هـ / نوفمبر 1992م

كلمة صغيرة
إن مجلة البيان مجلة لها منهج ، ونحرص أن تكون تعبيرا عن هذا المنهج ، ومن منهجها أن تسد مقالاتها والفكر الذي ينشر فيها زاوية في واقع المسلمين ، ونحاول الوفاء بذلك قدر ما تسمح لنا الظروف المحيطة بنا ، ورأس المال الذي نعتز به ونلجأ إليه دائما هو قراؤنا الذين يحملون هذا العبء معنا ، ولنا في مشاركتهم وتشجيعهم وتقديرهم لقدراتنا وإنصافهم وعذرهم ما يهون علينا الصعوبات ، ويمدنا بالعزم وقوة الإرادة. وعندما تقوى هذه الصلة بين المجلة وبين قرائها نكون قد حققنا شيئا من النجاح وتذوقنا لذته.
المحرر

الافتتاحية
الحذر الحذر
من أعداء الإسلام
عبد القادر حامد
ظن كثير من أعداء الله أن المسلمين لن تقوم لهم قائمة بعد نشوة الانتصار التي حققها الغربيون على المسلمين ، فأزالوا تأثيرهم السياسي من الوجود، وقضوا على آخر طلل من أطلال قوتهم - وهو الدولة العثمانية - وبينما ينظر هؤلاء بالنظر البشري القاصر ؛ ويزنون الأمر بميزان اللحظة العابرة ؛ فإن المسلم له ميزان آخر وتقويم مختلف، وهذا الميزان وذاك التقويم مستمد من عقيدته التي يستقيها من قرآن ربه وحكمة نبيه، فهو يعتمد أن الأيام دول ، وأن الحق غالب إن حمله من يؤمن به ويثبت عليه ، وأن الله ناصر دينه بعز عزيز أو بذل ذليل ، وأنه تعالى ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)) [الرعد:17].

(57/1)


وبعد أن ظن أعداء الإسلام أن الارض قد خلصت لهم ؛ وأن لا أمل من عودة الروح إلى جثة هذا الجبار المجندل الذي يسمونه - علي مضض - »العالم الإسلامي«؛ يفاجئون بأن ما حسبوه قد أصبح جثة هامدة لم يمت حقيقة ، وعلامات حياته تشاهد في كل مكان.
ومن أظهر هذه العلامات ما شهده العالم على أرض أفغانستان ، حيث عجز جبروت الشيوعية أن يخضع هذا الشعب الفقير - إلا من العزة الإيمانية - فخرج الروس وأذنابهم يجررون أذيال الهزيمة والخيبة ، بل ولم تقم لهم قائمة لا في أفغانستان وحدها ؛ بل على المسرح العالمي بأسره.
بعض المرجفين من أنصار الشيوعية في بلادنا ، وأخوانهم من العلمانيين وأعداء الإسلام ، على كافة ألوانهم ؛ يتمضغون بكلمات تهوينية ، وإشاعات تخذيلية ، من أن الأفغان لم ينتصروا إلا بالسلاح الغربي الذي أمدتهم به أميركا، ليخلصوا إلى نتيجة تقول: إن الغرب وأميركا والرأسمالية هي التي انتصرت على الشيوعية ، وليس الإسلام.
وهذه دعوى عملاء الغرب في بلادنا!
أو أن الإسلام كان وما زال عميلا لأميركا ، وهذه دعوى أيتام الشيوعية في بلادنا!
ونحن نقول: إن بلاد المسلمين بمصادرها وثرواتها أصبحت مجالا حيويا يستغله غير المسلمين لمصالحهم ، وعندما نقول »ثروات« لا نعني البترول والمعادن والثروات الاقتصادية وطرق المواصلات فحسب ؛ بل نعني كل ما تذخره هذه الأرض الإسلامية من أفكار وعقائد وأموال. إن الغربيين يسخرون كل شيء ليجنوا من ورائه الأرباح المادية ، فيصنعون الأفكار ويعيدون تعليبها كما يعلبون الفواكه والخضار والأدوية ، ويستثمرون العادات ويتاجرون بالمآسي والكوارث كما يتاجرون بالمواشي والمواد الخام ولذلك فلا يستغرب المسلم الحصيف استغلال هؤلاء لكل شيء ، حتى الإسلام ، كعقيدة ودين ، والمسلمين ، كبشر من لحم ودم وعواطف ومشاعر.

(57/2)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية