صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة البيان ـ الأعداد 1 - 100

ب - وينسب كذلك للإمام الشافعي -رحمه الله- (204 هـ) كتاب بالاسم نفسه "الفقه الاكبر" ، يقول عنه حاجي خليفة في "كشف الظنون" : وهو جيد جيدا ، مشتمل على فصول ، قرأه بعض أهل حلب على الشيخ زين الدين الشماع ، لكن في نسبته إلى الشافعي شك . والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء .
ويرجح بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" أنه يرجع إلى أوساط إسرائيلية متأسيا في ذلك بالمستشرق اليهودي غولدزيهر الذي يرجع كل أثر إسلامي إلى أصول إسرائيلية!
وقد طبع الكتاب قديما في القاهرة سنة (1900م) ، وتقع مخطوطته في ثلاث وعشرين ورقة ، تجد فيها أحيانا أسلوب الشافعي -رحمه الله- ، ولكن تقف عند بعض العبارات التي لم تكن مستعملة في عصره، مما جعل بعضهم ينسبه للفخر الرازي ، أو يقول عنه : "فيه أسلوب عصر فخر الدين الرازي ، وإن كانت آراؤه تمت إلى كثير من آراء الشافعي في أصوله" .
وأراني قد أطلت في بيان هذا المصطلح لأنه أول مصطلح في التطور التاريخي للتدوين والتأليف في العقيدة . فلننظر في مصطلح آخر يليه مباشرة .
2-الإيمان
* قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (1/133-135) :
"أمن - الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان ، أحدهما للأمانة التي هي ضد الخيانة . ومعناها: سكون القلب . والآخر: التصديق والمعنيان متدانيان.. وأما التصديق فمنه قول الله تعالى : ((وما أنت بمؤمن لنا)) [يوسف 17] أي مصدق لنا . وقال بعض أهل العلم : إن "المؤمن" في صفات الله تعالى ، هو أن يصدق ما وعد عبده من الثواب . وقال آخرون : هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم . فهذا قد عاد إلى المعنى الأول..." .
* وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" (2/451-452) :

(53/9)


"وأما الإيمان : فهو مصدر آمن يؤمن إيمانا . واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم على أن الإيمان معناه التصديق.." ، ثم قال : "وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهيمه وأين ينفصل المؤمن عن المسلم وأين يستويان؟" وشرح ذلك باستفاضة .
هذا ، والإيمان في لغة العرب يستعمل متعديا ولازما ؛ فإذا استعمل لازما كان معناه أنه صار ذا أمن. وإذا استعمل متعديا ؛ فتارة يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين . وتارة يتعدى بالباء أو اللام ، فيكون معناه التصديق (8) .
وفي الاصطلاح الشرعي : كثيرا ما ترد كلمة الإيمان ، ويراد بها المعنى اللغوي نفسه ، فتطلق على مطلق التصديق ، سواء كان تصديقا بحق أو باطل . وكثيرا ما يراد معنى أخص صار في العرف الشرعي حقيقة جديدة ، فيراد بها خصوص التصديق بخبر السماء المنزل على الأنبياء .
وضابط ذلك : أن ننظر في استعمالها ؛ فإن كانت متعلقة بشيء ، كأن قيل :
إيمان بكذا ، كانت بمعناها اللغوي البحت ، أي مطلق التصديق . وأما إذا ذكرت بدون متعلق فالمراد بها تلك الحقيقة الشرعية الخاصة، وهي التصديق بالحق والانقياد إليه(*).
وعندئذ فالإيمان عبارة عن ثلاثة أشياء:
الأول : هو الاعتقاد الجازم بكل ما ثبت بالضرورة أنه جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم - ولا بد مع هذا من الرضى والارتياح النفسي .
الثاني : إعلان هذه العقيدة بالقول أو غيره ، من كل ما يدل عليها ظاهرا .
والثالث : العمل بكل ما أمر الله به من فريضة أو نافلة والانتهاء عما نهى الله عنه من حرام وشبهة صغيرة وكبيرة في سره وعلانيته بقلبه وجوارحه .

(53/10)


هذا، وكلمة الإيمان ومشتقاتها من أكثر الكلمات استعمالا في القرآن الكريم والسنة النبوية، والحديث عن الإيمان فيهما يتميز بأسلوب حي مؤثر يملك على الإنسان جوانب نفسه ، ويحمله على الطاعة والالتزام ، فيكون له أثر في الفرد والجماعة ، ويختلف هذا الأسلوب عن أسلوب المتأخرين فيما بحثوه وشغلوا به حول حقيقة الإيمان وأجزائه، وارتكاب الكبيرة وحكمها وأثرها على الإيمان . وحسبنا هنا هذه الإشارة الموجزة..
* وتحت عنوان "الإيمان" بحث علماؤنا - رحمهم الله - جوانب من العقيدة كما نجد ذلك في أبواب الإيمان من كتب الحديث، كما نجد ذلك في بعض كتب التفسير، وخصص بعضهم كتبا مفردة للإيمان ، نذكر أهم ما وصل إلينا منها ، أو ما عرف منها حسب الترتيب التاريخي لوفيات مؤلفيها :
أ- "كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته" للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ، البغدادي الهروي (ت 224 هـ ) .
ب- كتاب الإيمان ، للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة (225 أو235 هـ ) ، وكلاهما مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني .
ج- كتاب الايمان للإمام أحمد بن حنبل الشيباني (241 هـ ) وحقق رسالة جامعية في المدينة النبوية .
د- ثم هناك كتب أخرى تحت هذا الاسم ، لمحمد بن أسلم الطوسي (242 هـ ) والعدني (243هـ)، والطحاوي (321 هـ ) ، وابن منده (395 هـ ) وأبي يعلى الفراء (458 هـ )، وشيخ الإسلام ابن تيمية .
وفي مقدمة التحقيق لهذه الكتب أو لما طبع منها محققا، نجد دراسة عن كل كتاب ومنهجه وميزاته . وفي العصر الحديث ظهرت كتب كثيرة تحت هذا العنوان تعالج جوانب من العقيدة الإسلامية وآثارها في الحياة ، وتدرس الإيمان دراسة نفسية تحليلية ، وفيها ما هو نافع ومفيد .
الهوامش :
1- انظر الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية ، للأستاذ محمد المبارك ص (75) .
2- انظر : الصحاح للجوهري : 6/2234،ترتيب القاموس المحيط : 3/513 ، تعريفات الجرجاني ص (216) .

(53/11)


3- انظر : إحياء علوم الدين للغزالي : 1/32-32 .
4- شرح التوضيح على التنقيح للتفتازاني : 1/27-29 .
5- انظر التوضيح للتفتازاني : 1/19-20 ، كشف الأسرار علي أصول البزدوي : 1/8 ، كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي : 1/41-42 .
6- نشأة الفكر الفلسفي للنشار: 1/234 .
7- انظر مجموع الفتاوى : 5/46-48 ، درء تعارض العقل والنقل : 6/263 - 264 .
8- انظر المفردات للراغب ص (26)، المختار من كنوز السنة للدكتور محمد عبد الله دراز ص (69).
*- نفى ابن تيمية أن يكون التصديق مرادفا للإيمان ، لا لفظا ولا معنى ، وأتى على ذلك بأدلة لغوية وشرعية ، ورد على ما ينبني على هذه المقدمة أيضا من أن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان ، وفصل القول في مسألة مهمة بما لا مزيد عليه ولا أشفى منه وهي : هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة ؟ أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة، لكن الشارع زاد في أحكامها لا في معناها.
يراجع كتاب الإيمان لابن تيمية ص 247-259 ط دار الكتب العلمية وحوالي ص 272-276 ط المكتب الإسلامي . - التحرير -

كتب
الفرصة السانحة (*)
عرض : د. مالك إبراهيم الأحمد
يعتبر الكثير من النقاد والمحللين السياسيين كتاب نيكسون الأخير " الفرصة السانحة" أهم كتبه التسعة على الإطلاق ، ونظرا لما يمثله هذا الكتاب من أهمية بالغة سواء من حيث كاتبه وهو رئيس سابق للولايات المتحدة أو من حيث المادة المعروضة وهي دراسة تحليلية لواقع العالم "ومن ضمنه العالم الإسلامي" ، رأينا عرض هذا الكتاب للقارئ المسلم خاصة وأنه يعرض الفكر الغربي (الأمريكي على وجه الخصوص) بشكل واضح وعميق ، ولهذا أوصي أصحاب الاهتمام بقراءة هذا الكتاب ..
فصول الكتاب :

(53/12)


الكتاب يتكون من سبعة فصول ، الأول بعنوان العالم الحقيقي ويقصد به العالم الذي تسود فيه قوى الحرية بزعامة أمريكا . والفصل الثاني "الإمبراطورية الشريرة السابقة" وهي إمبراطورية الاتحاد السوفييتي التي سقطت . وقد أشار في توطئة الكتاب حول سقوط الاتحاد السوفييتي بقوله : "منذ حوالي اثنين وثلاثين عاما قال لي خروتشوف في موسكو بشيء من الصلف : سوف يعيش أحفادك في ظل الشيوعية ، فأجبته قائلا : سوف يعيش أحفادك في ظل الحرية" .
أما الفصل الثالث فهو بعنوان : "الوطن المشترك عبر الأطلنطي" أي أوربا . والفصل الرابع عن المثلث الباسيفيكي . والفصل الخامس عن العالم الإسلامي والسادس حول نصف الكرة الجنوبي (نظرة تفصيلية لدول العالم الثالث اقتصاديا وسياسيا)، ويختم الكتاب بفصل تجديد أمريكا .
وسوف نتوقف في استعراضنا هنا عند الفصول الأول والخامس والأخير لما لها من أهمية خاصة لنا كمسلمين .
يتصدر الفصل الأول دعوة ساخنة كي تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورها في العالم "نعيش الآن في عالم ليس به إلا قوة عظمى واحدة وهي الولايات المتحدة ، وعلينا الآن تشكيل سياستنا الخارجية لكي تتلائم مع الوضع الجديد . وينادي كثير من الأمريكيين سواء من اليمين أو اليسار بأنه على الولايات المتحدة أن تتراجع وتنطوي على نفسها بعيدا عن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . ولكن الواقع يقول إنه يجب على أمريكا أن تقود العالم في السنين القادمة" .
ثم يشير إلى الحرب الباردة ويركز على دور الاتحاد السوفييتي الشرير في العالم وما آل إليه أخيرا ، ثم يرد على ثلاثة شعارات مطروحة :
الأول: التاريخ قد توقف وذلك بعد انهيار الشيوعية وأن السيطرة هي للتكنولوجيا والاقتصاد والأفكار وليس للقوة العسكرية .
الثاني : القوة العسكرية ليس لها ضرورة وأنها لم تعد تشكل حجر الأساس في السياسة الدولية .

(53/13)


الثالث : أمريكا في طريقها إلى التراجع بسبب الديون الضخمة والعجز التجاري .
وفي رده المفصل على هذه الأطروحات يؤكد أن القوة الاقتصادية ليست بديلا بأي حال للقوة العسكرية ويضرب مثالا على ذلك في أزمة الخليج حيث وقفت أكبر قوتين اقتصاديتين وهما ألمانيا واليابان متفرجتين على الأوضاع بل اعتمدتا كليا على دور الولايات المتحدة . ثم يتساءل : "إذا لم تنعم الولايات المتحدة بقيادة العالم فمن الذي يجب عليه ذلك ؟ إن الدول الوحيدة التي تستطيع ذلك هي اليابان والصين والاتحاد السوفييتي (سابقا) وألمانيا . إن الولايات المتحدة ليس لديها فقط ما تملكه هذه الدول ، بل أيضا ما لا تملكه ، وهو عدم وجود تطلعات إمبريالية أو استعمارية تجاه الدول الأخرى" .
ويحاول نيكسون أن يبرز إيجابيات تفرد الولايات المتحدة وحرصها على رفاه وحرية العالم ، وإن لم تكن لها مصالح من ذلك ويضرب لذلك مثال أزمة الخليج : "لولا تدخل الرئيس بوش لكان صدام حسين يتحكم الآن في 50% من إنتاج البترول العالمي ، وبالرغم من أن أمريكا يمكنها الاستغناء عن نفط الخليج إلا أن أوربا واليابان لا يمكنهما ذلك ، ونحن نتأثر بما يصيب اقتصاديات البلاد الديمقراطية الأخرى ، ولذلك كان لا يمكننا أن نسكت على سيطرة العراق على نفط الخليج الذي يمكن أن تتخذه وسيلة لتهديد العالم عن طريق التحكم في إنتاجه" .

(53/14)


ويناقش نيكسون بتفصيل القول الذي يدعو إلى انكفاء الولايات المتحدة على نفسها ومحاربة مبدأ رجل البوليس الدولي مضيفا عنصرا أخلاقيا - في زعمه - لدورها: "إن انعزالنا يخالف مثلنا ومعتقداتنا الدينية التي تدعو إلى نشر الفضيلة في العالم أجمع، وهذا لا يعني أن علينا أن نتدخل في كل صغيرة وكبيرة في العالم، ولكن يجعل علينا التزاما أدبيا في استخدام كل إمكاناتنا كدولة عظمى لحماية الحرية والعدل في البلاد التي يهمنا أمرها وهي مفيدة لنا" . ويشير إلى أن دور الأمم المتحدة - كحافظ للسلام الدولي - محدود جدا ، ولا يمكن أن تحقق أي دور ما لم يتم اتفاق الدول الكبرى على رأي محدد سابقا .
ويضرب لذلك أمثلة حيث لم تتخذ الأمم المتحدة موقفا إيجابيا وعمليا من حوالي مئة حرب في أنحاء العالم إلا في حالتين وهي الحرب الكورية وحرب الخليج . وهذا بالطبع يدل على أن لا مناص من قيادة الولايات المتحدة للعالم .
ويتطرق في موضع آخر إلى قضية حيوية وهي : متى تتدخل الولايات المتحدة في أزمات العالم . ويجيب بحسب مصالح الولايات المتحدة والتي يقسمها إلى مصالح حيوية (ما كان يهدد مصالح الولايات المتحدة مباشرة) ومصالح هامشية ومصالح حساسة (وهي التي تشكل تهديدا لإحدى النقاط الحيوية للولايات المتحدة) . فالتدخل لازم في الحالة الأولى ومحتمل في الثالثة .
والولايات المتحدة - في نظر نيكسون - قادت العالم الحر ضد التهديد الشيوعي سابقا، وهي محل أنظار العالم لتقوده إلى الحرية والسلام والتقدم ، وهي قادرة على ذلك رغم ما يعتريها من مشاكل داخلية حادة من جريمة ، مخدرات ، سوء تعليم ، تفرقة عنصرية وغيرها . والفرصة سانحة لها لقيادة العالم فهل هي فاعلة ؟؟
في فصل العالم الإسلامي ينقل نيكسون التصور الخاطئ والمنتشر لدى الأمريكان عن المسلمين والعالم الإسلامي مبينا أنهم - في تصور الأمريكان - أصحاب أشد الصور قتامة وأشد حتى من الصين الشيوعية .

(53/15)


ويشير إلى الصيحات والتحذيرات التي يطلقها البعض محذرين من الخطر الداهم القادم من العالم الإسلامي ، ذي الإمكانات البشرية الهائلة والمادية الضخمة ، ويرد على ذلك بأن الأمر أهون مما يتصورون ، فالمسلمون - رغم إيمانهم بالدين الإسلامي جملة - فإنهم يعانون تفككا سياسيا ذريعا ومشكلات مستعصية وتمزقا عقائديا ومذهبيا .
ويتطرق في موضع آخر إلى الحضارة الإسلامية السابقة وإمكانية عودتها مستقبلا إذا استقرت الأمور في المنطقة بعيدا عن الحروب ، (مع إسرائيل بالطبع) . ويصنف الحركات السياسية في العالم الإسلامي إلى ثلاث مجموعات رئيسية :
1- الأصوليون (كما يسميهم الغرب): ويمثلهم بشكل خاص الثوار الشيعة في إيران ولبنان.
2- الرجعيون : وهم الدكتاتوريون الذين يؤمنون بالحزب الواحد أمثال صدام العراق وقذافي ليبيا .
3- التقدميون : الذين يرون ربط المسلمين بالغرب وليس لهم نظرة عدائية للغرب مثل تركيا ، باكستان ، ومصر .
ونظرة نيكسون نحو هذه المجموعات هو دعم التقدميين لما فيه من مصلحة متبادلة ، وكي يستطيعوا مقاومة الأصولية والرجعية . ويبين طريقة التعامل مع جميع المجموعات سواء كانوا أصوليين في السلطة (مثل إيران) أو تقدميين يمكن أن يكونوا شركاء منطقيين للولايات المتحدة (تركيا - باكستان - مصر اندونيسيا) نظرا لثقل بلدانهم الاستراتيجي ولمقوماتهم البشرية والمادية .
أما أسلوب التعامل معهم "فيجب ألا تصل العلاقة بين أمريكا والدول الشريكة إلى حد الوصاية ، ويجب ألا نتعامل مع الزعماء في الدول التقدمية كأنهم مراسلون بيننا وبين شعوبهم، بل علينا أن نعاملهم كشركاء متساويين، لأن أسرع طريقة ندفنهم بها هي معاملتهم كأنهم أبواق للدعاية الغربية" .

(53/16)


ويضيف قائلا "علينا أن نتقبل في بعض الأحيان رفض أصدقائنا في العالم الإسلامي لبعض تصرفاتنا، التي تسبب لهم حرجا سياسيا في بلادهم. فعندما ألقت الولايات المتحدة القنابل على ليبيا انتقاما منها لمهاجمتها بعض الجنود الأمريكيين قام كثير من الزعماء في المنطقة بلعننا على الملأ، وبالثناء علينا في سرهم . فيجب ألا يزعجنا أن تضطر الظروف أصدقاءنا أن يتفوهوا ببعض السباب ضدنا إرضاء لأعدائنا" .
ويمثل العالم الإسلامي - كما يرى نيكسون - واحدا من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة في القرن القادم ، وهناك قضيتان أساسيتان تمثلان حالة عدم استقرار فيه ، وهما النزاع العربي الإسرائيلي وأمن الخليج العربي .
ومن هذا المنطلق يحذر من محاولة وضع حل شامل للأمن في المنطقة ، أو محاولة وضع نظام للحد من الأسلحة ، أو الانسياق وراء مقولة إعادة توزيع الثروة بل يكتفي بوجود معاهدات أمنية ثنائية مشتركة مع دول المنطقة وتعاون على أوسع نطاق أمام أية تحديات تواجهها هذه الدول . وعقدة المنطقة - أو أهميتها - كما يرى نيكسون ؛ هو وجود البترول الذي يجب أن يصل للغرب بانتظام وبأسعار معتدلة ، وإسرائيل التي يجب أن تكون في مأمن من أي اعتداء ، مفصلا ذلك بقوله : "إن التزاماتنا نحو إسرائيل عميقة جدا . فنحن لسنا مجرد حلفاء ، ولكننا مرتبطون ببعضنا أكثر مما يعنيه الورق . نحن مرتبطون معه ارتباطا أخلاقيا" .
وأنهم - أي أمريكا حكومة وأفرادا - لا يمكن أن يسمحوا لأحد - كائنا من كان - بالتعرض لإسرائيل وتدميرها . ثم يفصل - من وجهة نظره - كيفية حل الصراع العربي الإسرائيلي بشكل يضمن حقوق إسرائيل والفلسطينيين .
وننتقل إلى الفصل الأخير "تجديد أمريكا" الذي هو بمثابة خاتمة للكتاب ويؤصل الكاتب فيه دور أمريكا القيادي للعالم وأهمية ذلك وأثره .

(53/17)


ويؤكد في بداية الفصل أن الدور الذي تقوم به أمريكا لا يمكن أن يقوم به غيرها ، نظرا لأنها تمتلك جميع مقومات القيادة وهي القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية ، فضلا عن المبادئ والمثل التي ترفع لواءها وتنتصر لها .
ويدعو نيكسون لمزيد من الاهتمام بالجانب الاقتصادي والتعليمي لأمريكا كي تكون عند حسن ظن الآخرين وتوقعاتهم ، ويتساءل خلال هذا الفصل : "هل تستطيع الولايات المتحدة أن تقوم بدور القيادة للعالم ؟ الجواب بكلمة واحدة : نعم ، ويمكن للعالم أن يتبع خطانا" .
أما كيف تقود أمريكا العالم فيبين أن : "الولايات المتحدة كأكبر قوة في العالم من واجبها أن تقوده دون أن تفرض عليه آراءها أو مثالياتها . علينا أن نرعى نمو الديمقراطية ما دام هناك مجال لها ، وما دام الشعور القومي يتجاوب معها وتتجاوب معها عاداته ومؤسساته ، وعلينا أن نحذر من فرضها على أي شعب بالعنف" . ويختتم بدعوته لأمريكا أن تتبوأ مكانها القيادي ، وللعالم بأن يتبعها فهي منارة الأمن والحرية والسلام في العالم أجمع وبدونها فالقطار قد يتوقف إن توقف ربانه ، والفرصة سانحة لقرن أمريكي ثان قادم فهل هم فاعلون ؟
Seize the Moment * تأليف الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون ، ترجم بعنوان: الفرصة السانحة ، ترجمة : أحمد صدقي مراد ، الناشر دار الهلال 215 صفحة .

خواطر في الدعوة
مواعظ القرآن
محمد العبدة

(53/18)


يحتاج المسلم بين الحين والآخر إلى من يذكره ويعظه في نفسه ، ويرقق له قلبه ، ويضعه دائما على الطريق السوي بلا إفراط ولا تفريط ، وهذا التذكير إذا قابل نفسا معتدلة فإنها تقبل وتتأدب ، ولكن هناك صنف آخر من المسلمين قد ابتعد كثيرا عن آداب الإسلام وأخلاقه ، بل عن كثير من توحيد العبادة وما يليق بجلاله -سبحانه وتعالى- من المحبة والتعظيم والخضوع والتسليم ، فمثل هؤلاء لا بد لهم من قوارع ومواعظ قوية تنبههم من غفلتهم ، وتخرجهم عن غيهم ، وليس أقوى من قوارع القرآن الكريم ، الذي أثر في العرب تأثيرا بالغا ليس بنظمه المعجز فقط بل بزواجره ونواهيه وطريقة عرض قصصه في كل سورة ، فلماذا لا يقرع أسماع هؤلاء بمثل هذه الآيات : ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) [التوبة 23-24] . وعندما سمع أحد زعماء قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ عليه : ((فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)) [فصلت 13] طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - التوقف عن التلاوة . وقد شدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القول فيمن رجع إلى أخلاق الجاهلية فقال : "مثل الذي يعين قومه على غير الحق ، مثل بعير تردى وهو يجر بذنبه"(1)، وكقوله في الحديث : "وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي"(2) .

(53/19)


لماذا لا يصارح هؤلاء الذين استعبدتهم التقاليد والمظاهر التافهة وأصبحت كلماتهم وأفعالهم أبعد ما تكون عن الإسلام ، لماذا لا يصارحون بأن ما هم فيه إنما هو من رخاوة عقد الدين وضعف الإيمان ؟!
إن كثيرا من الخطباء والوعاظ لا يلمس الداء ولا يضع يده على الجرح ، وإنما يداورون ويتكلمون من بعيد ، وقد لا يفهم المخاطب أنه هو المعني بهذا الكلام ، مع أن هناك فرقا بين المصارحة وبين الشدة في القول التي تؤذي السامعين أو تجعل عندهم ردة فعل . ومثل هؤلاء يشدد عليهم لفترة معينة حتى يعودوا إلى الله ويؤوبوا وعندئذ يرجع الوعظ والكلام متنقلا بين الخوف والرجاء .
إن النفس البشرية لا يكفيها مجرد تأليف الكتب ووضع الأنظمة، التي تقول لهم : هذا حق وهذا باطل ، أو هذا حلال وهذا حرام ، بل لا بد أيضا من الإذعان الوجداني ، والقناعة الداخلية والتأثير النفسي . وإن قصص القرآن وأمثاله المضروبة وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - كافية في إصلاح النفس وردعها ووضعها على الصراط المستقيم .
الهوامش :
1- صحيح الجامع الصغير /1016 .
2- صحيح الجامع الصغير /1020 .

أخلاق
"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.."
إبراهيم بن علي العريني
إن من الصفات الذميمة التي ينبغي للمسلم الحذر من الاتصاف بها ، والتي جاء الشرع بذمها صفة الحسد . ذلك لأن الحاسد عدو لنعمة الله، متسخط لقضائه، غير راض بقسمته بين عباده . والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء حين حسد إبليس أبانا آدم وزوجه وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض حين حسد ابن آدم أخاه حتى قتله .

(53/20)


وإنه لا يتصف بهذه الخصلة إلا ذوو النفوس الضعيفة ، فذنب المحسود إلى الحاسد دوام نعمة الله عليه ليس إلا . وشر الحسد عظيم ، قال أبو الليث السمرقندي : "يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، أولها: غم لا ينقطع، الثانية: مصيبة لا يؤجر عليها، الثالثة: مذمة لا يحمد عليها، الرابعة: سخط الرب، الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق"(1) .
قال الشاعر:
ألا قل لمن ظل لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فأخزاك ربي بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب
قال ابن المقفع : "أقل ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظا ولا غائظ به عدوا ، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد ، طول أسف ومحالفة كآبة ، وشدة تحرق ، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجدها مزالا ، ويكدر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما ولا يزال ساخطا على من لا يترضاه ، ومتسخطا لما لن ينال من فوقه ، فهو منغص المعيشة ، دائم السخطة، محروم الطلبة ، لا بما قسم له يقنع ، ولا على ما لم يقسم له يغلب ، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشرا للسرور منتفعا به ممهلا فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص"(2).
وإن مما يدعو للعجب من حال الحاسد أنه يحسد قرينه أو صديقه على نعمة آتاها الله إياه مع أن كثيرا من الناس قد أوتوا مثل هذه النعمة وأكبر منها ، لكنه لا يحسدهم عليها وما ذلك إلا لشيء قام في نفس الحاسد وكره مستقر حمله لصاحبه .

(53/21)


ومع أن الحسد كله سيء إلا أن أسوأه الحسد الذي يقع من طلاب العلم والدعاة تجاه أقرانهم ، وذلك لأننا لا نستغرب كثيرا أن يقع الحسد من الجهال وضعاف النفوس لقلة الإيمان في قلوبهم وقلة العلم في صدورهم ، لكنا نستغرب بل نتألم ونأسى كثيرا عندما يقع مثل هذا الأمر من أناس عرفوا شر الحسد وذمه ، وحملوا من العلم والإيمان ما كان حريا أن يصدهم عن مثل هذا الجرم .
ولماذا يحسد طالب العلم قرينه ؟! ألأنه طلب العلم واجتهد في تحصيله في زمن قل فيه الجادون في طلب العلم وحاز أكثر مما حاز هو ؟! إن من حق هذا القرين أن يدعى له بالتوفيق ويشد أزره ويدفع إلى المزيد من تحصيل العلم ، وليس من حقه علينا أن نتمنى زوال هذه النعمة عنه . لأننا إن فعلنا ذلك فإننا نتمنى للمجتمع أن يسلب منه أحد الأفراد النافعين فيه فتكون بذلك قد تعدت جنايتنا إلى المجتمع كله .
بل لماذا يحسد الداعية النشيط الذي تأثر الناس بكلامه وتركوا ما كانوا عليه من المعاصي وسلكوا طريق الحق على يديه؟!لماذا نحسده على ذلك ونتمنى زوال هذه النعمة عنه ونحن أحوج ما نكون إلى أمثاله ، فنحرم الناس من خيره وإرشاده . بل الواجب على الحاسد أن يسعى بتكميل نفسه والاقتداء بمن هو خير منه وبمن سبقه في مجالات الخير حتى يلحق بهم . وصدق الشاعر إذ يقول :
وترى اللبيب محسدا لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وظلما إنه لذميم
وإن من وسائل دفع الحسد واتقاء الاتصاف به :
- التفكر في وافر نعمة الله على العبد والنظر إلى من هو أدنى فيكون بذلك حق النعمة الشكر لا الحسد .
- العلم بأن الحسد يفعل بالحاسد أكثر من فعله بالمحسود .
- قال أعرابي : الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله بالمحسود .
- قال الشاعر:
إن تحسدوني فإني لا ألومكم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا

(53/22)


فدام لي ولكم ما بي وبكم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
- دعاء الله بصدق أن يطهر القلب من الحسد .
أسأل الله العظيم أن يطهر قلوبنا من الحسد، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، وأن يصلح أحوالنا وذات بيننا .
الهوامش :
1- المستطرف من كل فن مستظرف : شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي 1/457.
2- عيون الأخبار : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري 1/12.

إدارة
معرفة الرجال
من سمات القيادة الناجحة
سامي سلمان
إن من مسلمات الإدارة الناجحة القدرة على الاستفادة من مكامن التفوق، والتميز لدى المرؤوسين بأفضل ما يمكن ، ولكي يتحقق هذا كان لزاما على القادة والرؤساء ضرورة معرفة وتمييز هذه المكامن لدى مرؤوسيهم ، وهو ما نعنيه بمعرفة الرجال .
إن توفر الرجال (أولا)، والقدرة على- توظيفهم لخدمة أهداف رسمها لهم القادة (ثانيا)، لهما طرفا المعادلة الإدارية التي ينتج عنها نجاح القادة ، وكلما أحسن المادة الاستفادة من هذا التوظيف كلما نتج عنه تفوق ونجاح . ومن هنا اعتبرت القيادة فنا صعبا لارتباطها بالعنصر البشري الذي يصعب تحليله وفهمه ببساطة كما هو الحال في العناصر الكيميائية الطبيعية. ومن خلال هذا التصور يمكننا فهم صورة العلاقة بين نجاح القادة، وبين قدرتهم على معرفة الرجال. وينبغي ألا ننسى أن نجاح القادة ينتج عنه تحقيق لأهدافهم في الواقع.
كتبت إحدى أكبر المنظمات العالمية هذه الكلمات لتعبر عن سر نجاحها وتفوقها :
" لقد حققنا هذا النجاح من خلال تنظيم إداري وجو عمل يساعدان على اجتذاب أفضل الكوادر البشرية ، وتطوير وشحذ المواهب الفردية.." .
ونلحظ في هذه الكلمات عنصرين أساسين :
العنصر الأول : اجتذاب أفضل الكوادر البشرية .
العنصر الثاني : تطوير وشحذ المواهب الفردية .
ولا شك أنه ليس من الممكن تحقيق هذين العنصرين دون القدرة على معرفة الرجال .

(53/23)


تثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم علي ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"(1) . إن من أسرار العظمة التي تمتع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدرته على معرفة رجاله، وحسن توظيفه لهم ، كلا حسب قدرته ومواهبه، يقول أحد المفكرين:"إن معرفة الرجال بعمق من أدق أعمال الرئيس واكثرها تأثيرا ، إنها ينبوع القوة التي يملكها ، إنها سر الرؤساء العظام"(2) . ومن المفيد هنا أن نحلل عظم الفائدة التي يجنيها القائد المتمكن من معرفة الرجال .
أولا:إن معرفة الرجال هي الطريق الأمثل لحسن توظيفهم ووضعهم في المكان الذي يمكنهم أن يقدموا أفضل ما يكون في أنفسهم لخدمة أهدافهم .
ثانيا:إن توظيف المرؤوسين في مكانهم المناسب هو الحافز الحقيقي لإيجاد روح الاستمرارية والعطاء للأفراد، حيث يحقق الأفراد ذواتهم بتميزهم وتفوقهم من خلال إمكاناتهم الحقيقية .
ثالثا : إن القدرة على الارتقاء والإبداع لمن وضعوا في المكان المناسب نتيجة إمكاناتهم هو ما أثبته الواقع والتجارب الحية ، مما ينعكس على تمييز التنظيم الذي يسير خلف القائد الناجح .
رابعا : إن الإرباك وقلة الخبرة التي يظهرها أولئك الذين لم يتمكن المسؤولون من حسن توظيفهم لقلة معرفتهم بحقيقتهم ، هي إحدى السلبيات التي يمكن القائد الناجح تفاديها نتيجة معرفته برجاله .
خامسا : إن سد الثغرات بالمرؤوسين الأكفاء الذين أحسن القائد انتقاءهم يمكنه من التفرغ والمراقبة عن كثب لمن هم بحاجة إلى توجيه ، وبهذا يستطيع من خلال معرفته للرجال سد الثغرات ، والارتقاء بالآخرين دون عناء .

(53/24)


سادسا : إن درجة سيطرة القائد والرئيس على رجاله عملية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدى تفهمه لشخصياتهم ، ونفسياتهم ، وقدراتهم ، ولذلك فهو لا يستطيع أن يقدر حجم المهام أو مستوى التكليف أو حدود الاستطاعة التي إذا تجاوزها تعرض الانضباط للمخالفة دون أن يتمكن من معرفتهم حق المعرفة .
سابعا : إن الاستعداد الذي يبديه المرؤوسون بالتعايش وبث الآلام وطلب المساعدة لأولئك الرؤساء الذين استطاعوا فهمهم ومعرفتهم لهو أكبر بكثير مما يبديه من لم يستطع رؤساؤهم تخمين ما يدور في رؤوس من يقودونهم ومن هنا يستطيع القادة احتواء غيرهم بمعرفة أسرارهم ، وآلامهم والعمل على القيام بدور الموجه والناصح لهم ، بعد أن امتلكوا قلوب مرؤوسيهم .
ولنقف وقفة مع هذا النص من واقع الخليفة الثاني : "كان الخليفة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يشاور أفاضل الرجال في تعيين كبار موظفيه ، فقال لهم يوما : أشيروا علي ودلوني على رجل استعمله في أمر قد دهمني ، فقولوا ما عندكم ، فإنني أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم وإذا كان فيهم وهو أميرهم كان كأنه واحد منهم ، فقالوا : نرى لهذه الصفة الربيع ابن زياد الحارثي ، فأحضره وولاه .فوفق في عمله وقام فيه بما أربى على رجاء عمر وزاد عليه ، فشكر عمر لمن أشاروا عليه بولاية الربيع"(3).
والناظر في هذا النص من خلال ما سبق وقدمناه من أهمية معرفة الرجال يلمس الجوانب التالية :
1- فهم عمر -رضي الله عنه- لأهمية اختيار الرجال ومعرفتهم وذلك من خلال تشاوره مع أفاضل الرجال في تعيين كبار موظفيه .
2- حرصه - رضي الله عنه - على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب فقد بين لمن استشارهم صفات الرجل الذي يريد ، حتى يتمكنوا من اختيار من يوافق هذه الصفات ليحقق هدف عمر .

(53/25)


3- حكمته - رضي الله عنه - في معرفة الرجال من خلال مواقفهم وتصرفاتهم ، لا من خلال أقوالهم وما يقال عنهم ، فقد استطاع أن يجسد في نظر مستشاريه مثال الرجل الحي الذي يريده .
و أخيرا بهذه المعاني المتقدمة تستطيع أن تفهم سر المواقف التالية :
1- يحكم على المرؤوسين بالذكاء والإنتاجية في مكان ما ثم يكتشف بأن لديه طاقات كامنة من رئيس جديد .
2- يصف أحد الرؤوساء مرؤوسا بأنه جيد ويصفه الآخر بأنه سيء .
3- يهمل المرؤوس لأنه لا يصلح لشيء البتة ، ثم يكتشف بأن لديه طاقات كامنة من رئيس جديد.
4- يبذل المرؤوس ويعطي عطاء أفضل عند رئيسه الجديد أكثر مما كان يفعل مع رئيسه القديم .
وليس هناك من تبرير جيد إلا أن أحدهم أحسن القيادة بمعرفته مرؤوسيه والآخر فشل في ذلك .
الهوامش :
1- سلسلة الأحاديث الصحيحة 1224.
2- فن القيادة ص 32.
3- أقوال في الإدارة - إبراهيم عبد الله المنيف - دار العلوم للطباعة والنشر - 1403هـ.

تأملات في واقع الحياة
جلد الفاجر وضعف التقي
محمد الناصر
يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال : "اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وضعف التقي" . فإذا كان أمير المؤمنين في زمنه قد شكا من هذا الأمر فماذا نقول نحن أبناء هذا العصر؟!
لقد كان حرص الخليفة شديدا في اختيار الرجال وفي تمحيص أصحاب الكفاءات ، ليطبق شرع الله كاملا ، ويحوله إلى واقع عملي ملموس على أيدي أصحابه وقد تحقق له ذلك بفضل الله تعالى .
هذه المقولة تصور لنا صنفين من الناس :
* جلد الفاجر وصبره ودأبه، وتعاونه مع أمثاله لتحقيق ما تصبو إليه نفوسهم من أهدف.
* وطيبة قلب التقي وحسن الظن لديه زيادة عن الحد المطلوب ثم التواكل وعدم التعاون مع أمثاله في أغلب الحالات .

(53/26)


وها نحن في هذا العصر نرى قوة أهل الباطل وتعاونهم بينما نجد أن أهل الخير والصلاح متباعدين ، لا يأخذ التعاون من أنفسهم اهتماما جادا وإذا بدأوا مثلا بمشروع خيري أو مؤسسة طيبة الأهداف ، فقلما يستمرون فيها، بل ربما آلت إلى بعض الأفراد من الصنف الأول بسبب جلد هذا الصنف وإتقانه أسلوب التلون مستغلا حسن الظن أو التقاعس عند الناس الطيبين .
ومنذ مطلع هذا القرن الميلادي ، نلاحظ أن أعداء الإسلام قد خططوا لحربنا ، ونجحوا في تحقيق كثير من أهدافهم مع الأسف . فالنصارى مثلا دأبوا على تنصير أبناء المسلمين مستغلين الفقر والجهل والمرض باذلين الأموال في سبيل هذا الغرض . وإذا لم ينجحوا في تحويل أبناء المسلمين إلى النصرانية فقد شككوهم في صلاحية دينهم وهيمنته على حياتهم.. وإذا سألت عن أموال المسلمين ، فربما وجدتها تصب في مصالح أعدائهم قصدا أو دون قصد . وكان أهل الباطل قد جندوا قواهم في مطلع هذا القرن كذلك باسم القومية ، ورفعوا شعارات منها : أن الدين لله والوطن للجميع ، وأن الأديان يجب ألا تفرق بين أبناء الوطن الواحد..
وبعد أن خدعوا أبناء أهل السنة وشكلوا الأحزاب العلمانية ، إذا بقواهم تظهر على شكل (ميليشيات) مسلحة وقد تنكروا لشعاراتهم الخادعة ، وأعلنوها طائفية حاقدة ، وبات المسلمون من أهل السنة هم الطائفة المستهدفة الضعيفة ، وها هو لبنان خير شاهد على مأساة تتكرر في عدد من بلدان المسلمين.
إن داء الغفلة ، وداء التواكل ، والتسويف المميت ، من أشد أمراض المسلمين مع الأسف في هذه الأيام رغم أن ديننا هو دين العزة والقوة والمنعة إذا تحول إلى واقع حي في نفوس أتباعه ، إذ لا بد أن يتفاعل المسلم مع أحداث أمته تفاعلا إيجابيا ، أن يتأثر ويؤثر من أجل تغيير هذا الواقع المرير.. والمسلم قوي بأخيه ، والتعاون على البر والتقوى من أهم مبادئ ديننا .

البيان الأدبي
رواية الشعر
ومنهج التربية الإسلامية

(53/27)


د. مصطفى عليان
لا مراء في أن الغواية وتبعيتها في قول الله -عز وجل- ((والشعراء يتبعهم الغاوون)) [سورة الشعراء الآية 224] صفة ذات التصاق بالشاعر وشعره ، من حيث نوعيته المباينة للصدق الأخلاقي ، المارقة عن موقف الحق الثابت ومنهجه المطرد القويم ، أو من حيث أهدافه التي تثير الأحقاد ، وتغرز الفتن ، وتبعث الغرائز، وترغب في فعل المنكرات ، و تهون من ارتكابها.. وما إلى ذلك من أضرب الفساد وفنون الإغواء .
ولا يبتعد من راوية الشعر وروايته عن تبعية هذه الغواية إذا كان الراوية رديفا مشايعا للشاعر في صفات شعره النوعية، وظهيرا مساندا لأهدافه الفكرية ، إذ أن الرواية نشاط فكري يتجاوز حدود النقل والضبط والاتقان إلى الاستمالة والتأثير ، بما يحكم الرواية انتخابه من شعر ، وبما يبرع في استخدامه من وسائل فنية في عملية التواصل والتوصيل بين المنتج والمتلقي .
ولخطورة هذا المجال الذي يجري فيه نشاط الراوية ، خلع عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنه- الغواية عليه ، وخصه بها حين قال : "الغاوون هم رواة الشعر"(1).. أما الشعر الذي يحمل الخير ويعضد فعله ، أو يزين الحق ويرغب في اتباعه ، أو يرشد سلوك الإنسان وينظم علائقه مع الناس والحياة والكون، على أساس من حب المودة ، بلا صراع، أو عداء أو قلق أو حيرة أو شك ، فإنه مرغوب في قوله ، محضوض على روايته وحفظه. فقد كتب عمر بن الخطاب -رضي الله تعالي عنه- إلى ساكني الأمصار : "أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر"(2) .

(53/28)


وإذا كان الحسن الذي هو اسم جامع لكل شرف وفضيلة قد جاء في هذه الرسالة مجملا موجزا ، فإن تفسيرا لأبعاده ، وتعزيزا لروايته ، نجده في رسالة أخرى بعث بها عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- ، قال فيها: "مر من قبلك بتعلم الشعر ، فإنه يحل عقدة اللسان ، ويشجع قلب الجبان ،ويطلق يد البخيل ،ويحض على الخلق الجميل"(3).
ولنا أن نعد هاتين الرسالتين الديوانيتين ، الصادرتين عن أمر الخليفة الراشد ، وثيقتين هامتين في اعتماد الأدب ، خاصة الشعر ، عنصرا هاما في تربية الجيل المسلم وتنشئته . على أن فيهما ما يرتفع بأهمية هذا العنصر وقيمته في منهج إعداد الفرد المسلم ، إذ قرن التوجيه الرسمي في الرسالة الأولى تعلم الشعر بمهارة . الفروسية والعوم ، وفي هذا من الوعي بضرورة توازن أهداف المنهج التربوي ما لا يخفى ، فهو كما يهدف إلى إعداد الفرد جسميا لا يغفل عن تعهده عقليا وفكريا ونفسيا ، مهما يكن شأن الحياة الجديدة وتبدل أحوالها ، وتدفق خبراتها ، وتعدد متغيراتها الحضارية والاجتماعية .
فرواية الشعر والاجتهاد في تعلمه أمر مستحب في أبسط فهم للأمرية في مطلب الخليفة الراشد -رضي الله عنه- ، وقد يرتفع التوجيه والإرشاد في معناه إلى منزلة يقترب فيها من الوجوب ، إذا نظرنا إلى وقوع الأمر بالتساوي على تعلم الشعر . واكتساب مرانة عدتي الحرب ؛ العوم والفروسية . وقد يرشح هذا الفهم بالوجوب ، أن بعض العلماء عد قسما من الشعر واجب الرواية لما فيه من الخير (4).

(53/29)


ولا يزال الحض على تعلم الشعر وروايته أثيرا بأبعاده الأخلاقية وأهدافه السلوكية عند خلفاء بني أمية ممن وعى هذا المنهج . فقد بعث زياد بن أبيه بولده إلى معاوية بن أبي سفيان فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالما بكل ما سأله عنه، ثم استنشده الشعر فقال: لم أرو منه شيئا ، فكتب معاوية إلى زياد يقول : "ما منعك أن ترويه الشعر فوالله إن كان العاق ليرويه فيبر ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو ، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل"(5). وفي وصية معاوية لزياد كذلك ، أدرك الآثار التعليمية لرواية الشعر في تحقيق المهارات اللغوية في قوامة اللسان وفصاحة منطقه ، والقدرة على تدفق التعبير وطلاقته ، ومرونة استيعابه لعمق الفكر ، وسعة أفق العقل ، يقول : "روه فصيح الشعر، فإنه يفصح العقل ، ويفصح المنطق ، ويطلق اللسان"(6).
أما عبد الملك بن مروان فقد جعل رواية الشعر مقوما هاما في بناء شخصية المتعلم ومظهرا دالا على رفعة منزلته ، إذ يقول لمؤدب ولده : "روهم الشعر يمجدوا وينجدوا"(7).
وزاد ذلك تنبيها إلى إحدى الوسائل المعينة على تحقيق بعض أهداف رواية الشعر ، حين خص بالعناية الشعر الرقيق في لغته ، البسيط في تعبيره ، قال عبد الملك : "أدبهم برواية شعر الأعشى، فإن لكلامه عذوبة"(8)، مصيبا بذلك أثره النفسي، إذ في سهولته ما يحسن موقعه من القلب،وفي عذوبته ما يعين على عظم غنائه في النفس وسرعة تحصيله في الذهن.
بهذه الأخبار المقتضبة يمكن القول إن منهج تعليم الشعر في القرن الأول الهجري منهج سلوكي وظيفي ، كما يعنى بقوامة اللسان وفصاحة تعبيره ، فإنه يعنى بترشيد سلوك المتعلم وغرائزه . فهو منهج تربوي تكاملي ، فيه التعلم والسلوك قرينان متلازمان ، وبقدر ما في هذا المنهج من أصالة ، فإن فيه إدراكا عميقا سابقا لإدراكنا الحديث في أن التعلم القويم النافع هو الذي يترك أثرا في المتعلم ؛ سلوكه وعقله .

(53/30)


النسبة والتناسب في الرواية
ومن المسلمات الثابتة التي لا تمس بحال ، أن رواية الشعر في منهج التعليم لا ينبغي أن تقايس بمحفوظ المسلم من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، بل إن الاقتصار في محفوظ المتعلم على رواية الشعر يوقع في قبح الصنيع الذي جاء حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- مصورا له في قوله : "لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا(9) .
ويوضح حدود النسبة والتناسب في هذا الأمر موقف علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- من غالب بن صعصعة وابنه الفرزدق ، وقد سأله عن الغلام فقال: هذا ابني، قال: ما اسمه قال : همام ، وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب ، ويوشك أن يكون شاعرا مجيدا . قال علي بن أبي طالب : "علمه القرآن فإنه خير له من الشعر"(10) . فقد أحس علي بقصور منهج غالب في تربية ابنه وتعليمه ، فضلا عن مفاخرته وسروره بقرب ولادته الشعرية ، فأرشده - منبها له على تفريطه - إلى خير ما يملأ قلب ابنه ووجدانه ، وأصدق ما يجري على لسانه ؛ إلى آيات الله البينات المحكمات . ووقع صدق توجيه أمير المؤمنين في قلب الفرزدق وعقله ، فقيد نفسه وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن فكان له ما أراد(11) .
فمن التفريط إذا أن يقتصر محفوظ المتعلم في منهج التعلم على رواية الشعر ، مهما تكن المبالغة في قيمته الأخلاقية والسلوكية ، إلا أن من الإفراط كذلك إهمال رواية الشعر من محصول المتعلم ، لأن للشعر أثرا غير منكر في صياغة ذوق المتعلم وتوجيه سلوكه والتسامي به .
فقد روي أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن زياد عما يروي من الشعر فقال : كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدرى . قال معاوية : اغرب ، والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مرارا ، ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة حين يقول :
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح

(53/31)


وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر مصالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح (12)
المطلق والمقيد في الرواية
رواية الشعر في مجال التعلم مطلقة غير مقيدة ، شريطة أن يكون للراوية موقف إيجابي مما يرويه ؛ لأن هذا الموقف مخرج له من قبول ما يروي من شعر فاسد أو منحرف في تصوره الفكري . ويستوي في ذلك المعلم والمتعلم ، إذ كلاهما مرتبط بالعملية التعليمية التعلمية التي من أهدافها عدم قبول المعصية أو التحريض عليها .
وإذا كان ناقل الكفر ليس بكافر ما دام ملتزما بالشرط الذي قدمنا والغاية التي حددنا ، فرواية الشعر في مجال التعليم لا تزيد عن كونها تردادا لألفاظ الشعر وتكرارا لها ، فهي مباحة إذا نبه الراوية على مواضع الانحراف فيها ، من كفر أو فحش أو فساد . ومن نافل البيان أن نلفت النظر إلى أن الوزر في هذا الشعر المنحرف عن جادة القوامة إنما يقع على قائله لا على راويته .
أما رواية الشعر للمتعة الفنية فقائمة على نوعية الشعر ، حيث أن حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، فهو كسائر الكلام فما كان فيه لمسلم أذى فهو مما لا يباح روايته ، لأن من قال في الإسلام شعرا مقذعا فلسانه هدر ، ومن روى هجاء مقذعا فهو أحد الشاتمين .
وترخص ابن قتبية - وهو من علماء السلف - في رواية ما كان رفثا لخروجه عن حدود الإثم ، وفرق بين روايته وما يحرم من شعر جرير والفرزدق في الهجاء وقذف المحصنات فقال : "وإذا مر في حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع والتخاشع على أن تصعر خدك ، وتعرض بوجهك ، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم ، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب"..

(53/32)


وأدرك ابن قتيبة بترخيصه رواية هذا اللون من الشعر النزوع النفسي نحوه ، والميل الفطري للطبائع إليه ، دون أن يكون في ذلك مساس بدرجة تقوى المرء أو صلاحه ، إلا أنه لم يترك رواية الرفث مطلقة غير مقيدة ، بل جعل الرخصة فيه محدودة بالغليل العارض ، وبالرواية التي تنقص رونقها الحكاية ، ويذهب بجمالها التعريض فقال : "ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال ، وديدنك في كل مقال ، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها أو رواية ترويها ، تنقصها الكناية ويذهب بحلاوتها التعريض ، وأحببت أن تجري في القليل على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على السجية ، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع ، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزهت ، وثلموا أديانهم وتورعت"(13) .
ولا تعارض بين المتعة الفنية والفائدة العلمية ، بل لا فصل بينهما في مجال الرواية ، على الرغم من أن المتعة لا تكون كاملة إذا لم تكن خالصة لذاتها ؛ لأن الفصل بينهما أمر مجاف لطبيعة التذوق الأدبي وحقيقة النقد الأدبي ، الذي تأتي فيه الفائدة العلمية نتاجا حتميا لتعمد المتعة الفنية .

(53/33)


وإذا كان الأمر بهذا التلازم فإننا نميل إلى القول بأن قيد الموقف الإيجابي الذي قيدنا به إطلاق الرواية التعليمية يحسن ألا يتخلى الراوية عنه في مجال المتعة الفنية ، فقد روى البخاري عن إسحاق قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا الوليد بن جميع عن أي سلمة عن عبد الرحمن قال : "لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحزقين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم ، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون"(14)، ولا شك أن دوران حماليق العينين موقف تعبيري عن السخط والرفض . ويزيد هذا الأمر وضوحا موقف عبد الله بن عمر ابن الخطاب من إياس بن خيثمة حين قال له : "ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق قال : بلى، ولكن لا تنشدني إلا حسنا ، فأنشده حتى إذا بلغ شيئا كرهه ابن عمر قال له : أمسك"(15).
ولما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ما كان الحياء في شيء إلا زانه ، ولا كان الفحش في شيء إلا شانه"(16)، فقد قال هشام بن عروة : "لا ترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا"(17)، وحرص كذلك عبد الله بن مصعب ألا يدخل شعر عمر بن أبي ربيعة على نسائه تجنبا للفتنة التي بعثها شعره . تقول فاطمة بنت عمر بن مصعب : "مررت بعبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه ، ومعي دفتر ، فقال ما هذا معك ؟ ودعاني فجئته وقلت : شعر عمر بن أبي ربيعة ، فقال ويحك! أتدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة ، إن لشعره لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا ، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به ، قالت : ففعلت"(18).

(53/34)


وصفوة القول : إن رواية الشعر بأهدافها المعرفية والسلوكية تحتل جزءا هاما في منهج التربية الإسلامية، وهي مطلقة في التعليم والإمتاع إلا من قيد العقيدة ، الذي يوجب على الراوية أن يبرأ لدينه ونفسه ، بموقف ينكر فيه ما انحرف أو فسد من الشعر المروي .
الهوامش :
1- سورة الشعراء لآية 224-227 .
2- جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ، ط دار المعرفة بيروت ، 19/78 .
3- البيان والتبيين للجاحظ ، تحقيق عبد السلام هارون ، ط مكتبة الخانجي، 2/180.
4- العمدة في صناعة الشعر ونقده لابن رشيق القيرواني ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، ط المكتبة التجارية -القاهرة 1/30 .
5- فتح القدير للشوكاني ، ط مكتبة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الثانية 1964 4/121 .
6- العقد الفريد لابن عبد ربه ، تحقيق محمد سعيد العريان ، ط الاستقامة 1953، 6/ ه12 .
7- ديوان المعاني لأبي هلال العسكري ،1/114، نشر مكتبة الأندلس - بغداد .
8- الأدب المغرد للبخاري ، ط دار الباز ، مكة المكرمة ص 127، والمزهر للسيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط عيسى البابي الحلبي ، القاهرة 2/309-310.
9- جمهرة أشعار العرب ، ط دار صادر بيروت ، ص 63.
10- خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي، ط بولاق ، 1/206 ، ومعجم الشعراء ص 466.
11- معجم الشعراء ، للمرزباني ، ص 466 .
12- المزهر للسيوطي 2/310-311 .
13- المصدر نفسه ج 1 المقدمة ص م .
14- الأدب المفرد ص 81 .
15- المصدر نفسه ص 88 .
16- المصدر نفسه ص 126.
17- الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ، ط وزارة الثقافة والإرشاد بمصر ، 1/74 .
18- المصدر نفسه 1/78 .

رسالة عزاء إلى البوسنة والهرسك
محمد بن عائض القرني
جرد السيف وألق القلما ... هذه البسنة تنثال دما
ذبح الصرب بها إخوتنا ... هتكوا العرض ، أباحوا الحرما
سفر الباطل عن سحنته ... فخذوا الجد سبيلا أمما(1)
وارفعوا ألوية الحق على ... قمم المجد وسيروا قدما

(53/35)


لا يصون الحق إلا وهج ... من لظى القوة يجري حمما
لا يجلي الحق إلا رهج ... يرتديه الأفق أرضا وسما
أيها الصرب رويدا فلقد ... طفح الكيل سئمنا السأما
ظهرت أحقادكم سافرة ... وبدا من أمركم ما كتما !!
أطبق الكفر على أمتنا ... يزرع الخوف بها والألما
يسرق اللقمة من صبيتها ... يقتل العزم يميت القيما
فانهضي يا أمة الحق فقد ... عظم القيد وأدمى القدما
تلك أشتاتك من يجمعها ... أو من يبعث تلك الرمما
أمتي هل لك من مستند ... فلكم ذقت الأسى والندما
أمتي هل لك من معتصم ... فلكم ناديت.. وامعتصما
جربي الذروة(2) في ملتنا ... فبه النصر على من ظلما
إنه المارد ما أروعه! ... هل رأيت الليث لما كلما !!
حطمي صلبانهم واثقة ... أن سيف الحق لن ينثلما
دمري أوثانهم صامدة ... إنها في ساعة الروع دمى
واسألي كابل في زينتها ... سلمت كابل قلبا وفما
خفقت عالية رايتها ... وتولى خصمها منهزما
مثل العزة يا قدوتنا ... كلما زمجر هول وطمى
الدم الحر على تربتها ... لم يدع في قلب حر سقما
وبلاء الصيد في محنتها ... جذوة توقد فينا الشمما
ذكري يا أخت بدر ذمما ... غدر الناس وخانوا الذمما
ذكري ناشئة الجيل فما ... يكشف الجهل سوى من علما
أوقدي من عزمك الصارم ما ... يبعد الهم ويذكي الهمما
إن طغى السيل على أمتنا ... فسنبقى للمعالي قمما
وإذا احلولك ليل فلنا ... قبس الوحي يبيد الظلما
الهوامش :
1 - الأمم : القصد
والسبيل الأمم : الطريق المعتدل غير المعوج ، أو القريب .
2- الجهاد ذروة سنام الإسلام

سراييفو .. حضارة أخيرة!؟
د .سعد عطية الغامدي
لك الله يا أخت أشبيلية ... وتوأم كاديز والمرسيه
حضارتنا.. شادها الأولون ... وأرسوا مناراتها.. عالية
وضيعها صبية مترفون ... تديرهم الكأس والجارية
فعادت مساجدها بيعا ... وآثارها.. دمنا خاوية
لك الله يا وهجا في الصدور ... ريا كوكبا في سما بوسنية

(53/36)


تعانين وحدك - يا ويحنا ... وتلقين أسرابهم عارية
وتستنجدين صباح مساء ... وآذاننا - وقرت - واعية
ونبصر قصفهم جائرا ... يذيبك.. ناحية .. ناحية
يجرعك الصرب سوء العذاب ... وتستعر البطشة الطاغية
تساق العجوز إلى حتفها ... وتغتصب الحرة الزاكية
ويسقى الرضيع دماء الأسى ... ويطعم من جثة ذاوية
وتسمعى يد للجريح القتيل ... لتذبحه ذبحة الماشية
خذلناك.. إذ يثب الآخرون ... لأشياعهم.. وثبة ماضية
وخضنا على رسلنا في اجتماع ... ومؤتمر أمه هاوية
وقلنا : لينصرهم مجلس الـ ... أمن في هيئة الأمم البالية
وننسى بأنهم يرقصو ... ن على لهب الهجمة الضارية
لك الله.. يا لهبا عارما ... ويا صخرة لم تزل عاتية
نسوق إليك وعتودا عرا ... ضا وبالوهم نلبسك العافية
ونختال تيها بتلك الوعو ... د كما جرجرت ذيلها غانية
بأنا.. وأنا.. ولم ندر أنا ... أضعناك في ليلة شاتية
وقد نذرف الدمع للزائرين ... إذا أزهقت روحك الغالية

المسلمون والعالم
مأساة البلقان
الأقوياء يكسبون والضعفاء يسحلون
د .عبد الله عمر سلطان

(53/37)


"النظام العالمي الجديد يواجه صعوبات جمة يتمثل أخطرها في رفع اللجام عن قوى وأفكار واتجاهات ذات جذور عميقة وجدت نفسها في معزل عن ظلال الحرب الباردة التي أوقفت من انفجارها لنصف قرن فقط" ، هكذا خلصت المجلة الأمريكية الرصينة "فورين أفيرز" في عددها الأخير وهي تستشرف المستقبل القادم وتتوقع ملامحه ومعالمه... وتمضي لتقول : "صحيح أن هناك قوى دولية تطمح للزعامة والقيادة كالتجمع الأوربي واليابان وصحيح أن هناك أفكارا متداولة تطرح تحديا مقبلا كالأصولية الإسلامية ؛ إلا أن أكثر المعضلات المطروحة للنقاش الآن هي ثورة الأقليات العرقية والحرب العنصرية التي تشهد البشرية أعنفها اليوم في يوغسلافيا".. هذه الحرب التي تحاول المجلة الأمريكية النخبوية أن تخلط الجانب العنصري فيها بالعمق الديني المعروف هي مادة دسمة ومهمة لكثير من الدراسات والتعليقات التي تناقش مأساة المسلمين في دولة البوسنة والهرسك خصوصا ودول البلقان عموما..
ومنذ اليوم الأول بداء واضحا أن المنطقة البلقانية ستعود إلى سابق شهرتها وسمعتها لتحتل مرتبة لبنان في بشاعة التعصب والحقد وما يجره من حرب أهلية . والبلقان تمثل بؤرة التهاب دائمة ، لأنها منطقة تماس بين قوى دولية متعددة تقتات على التباين الديني والعنصري الموجود في المنطقة . وفي نفس الآن تسعى هذه القوى الكبرى لتغذية الصراع والإفادة منه .
ولكون المنطقة البلقانية مثالية لصراع داخلي/دولي منذ القدم فإن الحرب الباردة قد رفعت الستار عن مشهد جديد من الحرب المستعرة في منطقة البلقان منذ قرون.. ولا بد هنا من استحضار النقاط التالية عند تحليل الوضع الراهن :

(53/38)


* إن منطقة البلقان هي خط الالتقاء الفاصل بين ثلاث عوالم دينية وقوى كبيرة في الماضي ، وأن تاريخها وواقعها صبغ بدرجة أو بأخرى بين التفاعل والخصام بين هذه القوى المتنافرة ، فالقوة الأولى هم المسلمون في البلقان والذين نجحت عوامل التفكك والضمور الذي انتاب الدولة العثمانية في عهودها الأخيرة في تفريقهم وإضعافهم من خلال إقامة كيانات هشة هدفها الرئيسي تشتيت التواجد المسلم في البلقان ومنعه من الحصول على حقوق المسلمين فضلا عن وصولهم إلى الحكم ، وقد أضاف الحكم الشيوعي جراحا جديدة إلى واقع المسلمين هناك حيث ظن المضطهدون أن سيادة المبادئ الماركسية كفيل بانهاء التسلط العرقي والمذهبي عن كواهلهم ، إلا أن الحقيقة هي أن القوى الأخرى استمرت في إضعاف المسلمين من وراء اللافتة الحمراء الشيوعية ، أما القوة الأخرى فهم الأرثوذكس الذين يمثل الصرب سوادهم الأعظم وقد دعموا من روسيا القيصرية في السابق كما نصرتهم اليونان التي تدين بنفس المذهب ، وقد كان لهم دور كبير في صد الفتح الإسلامي المتجه لأوربا في القرون المتأخرة حيث اكتسبوا خبرة عسكرية كبيرة ورصيدا هائلا من الحقد ضد المسلمين ، كما أنهم تقاضوا ثمن الانتصار على الدولة العثمانية من خلال سيطرتهم على دول البلقان ، واليوم تعود نفس التحالفات القديمة بعد انهيار الشيوعية ، حيث تحتضن موسكو الأرثوذكسية أبناءها في البلقان وكذلك تفعل أثينا.. أما الكاثوليك المتركزين في شمال البلقان (كرواتيا وسلوفينيا) والأقليات المتفرعة عنهم فإنهم امتداد للشمال الأوربي المسيطر على الساحة الدولية للقرون الخمسة المنصرمة ولا سيما أن تحالفهم مع النمسا وألمانيا اليوم يضرب بجذوره إلى فترة تاريخية بعيدة .

(53/39)


* إن المنطقة البلقانية لا تمثل في حساب المصالح الأمريكية اليوم مناطق اقتصادية أو سياسية استراتيجية بحد ذاتها ، لكن الرصيد التاريخي المتشابك وارتفاع الحديث عن الزحف الأخضر الإسلامي القادم في الأوساط الغربية يؤدي إلى تداعيات كثيرة لا سيما بالنسبة للدول الأوربية التي رأت بعينها خيول وكتائب المسلمين تعبر البلقان قبل ثلاثة قرون لتحاصر "فيينا" خاصرة ورمز الحضارة الأوربية ، ومن هنا فإن اهتمام الدول الأوربية بالقضية له ما يبرره في حين أن ارتخاء الولايات المتحدة في التعامل مع المشكلة ينطلق من بعد يوغسلافيا عن المصالح الأمريكية المباشرة وما تمثله المنطقة للحليفات الأوربيات من أهمية ، وإن كانت أمريكا تسعى إلى توطيد دعائم نظامها الجديد في العالم حتى في مناطق النفوذ التقليدية للحليفات الأوربيات .
* ونتيجة لثقل وأهمية اللاعبين الأوربيين لا سيما المانيا فإن حلفاءهم من الكاثوليك كانوا الأقوى والأسرع إلى إقامة كياناتهم الخاصة في وجه التسلط الصربي الذي استولى على مقاليد يوغسلافيا المتهالكة لا سيما أن الصرب قد نهبوا أموال الحكومة الاتحادية وقبضوا على مقاليد الجيش الاتحادي مما فجر مشاريعهم التوسعية باتجاه القوميات والأديان الأخرى.. ولكن نقول إن الكاثوليك في سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك خرجوا بأقل عدد من الخسائر في الحرب الأهلية لوقوف ألمانيا وأوربا من خلفهم.. أما المسلمون فإن الواقع الأليم في العالم الإسلامي جعل من السند الخارجي لهم عاملا هامشيا حين وجد الصرب أن الوقت قد حان لتصفية حسابهم مع "الغزاة" الذين حطموا مملكة الأمير الصربي قبل خمسة قرون .

(53/40)


* إن السيناريو القائم في البوسنة والهرسك مرشح للانتقال في كل مساحة بلقانية يشعر فيها الصرب وأمثالهم أن ضربتهم القادمة في ربوعها لن تستثير ردة فعل إسلامي أو دولي حاسم ، فمناطق تواجد المسلمين في دويلات البلقان تبقى هدفا متجددا للتوسع خصوصا إذا استمر الصمت الدولي والدعم المستتر للصرب من روسيا واليونان وربما دويلات الاتحاد السابق التي تدين بالأرثوذكسية.. فالمعطيات واحدة والمحصلات شبيهة لحد كبير..
* إن القوميتين الصربية والكرواتية ومنذ بداية هذا القرن تعاملت مع المعطيات المحلية والإقليمية والدولية بصورة أفضل بكثير من المسلمين في البلقان ، وما كشفت عنه الأحداث الأخيرة من مذابح "وتنظيف" بشري للمسلمين على أيدي الصرب وما تردد عن اتفاق كرواتيا عام 1939.. يقول المفكر الصربي ميلوفان جيلاس أحد مؤسسي الحركة الشيوعية في يوغسلافيا سابقا ورفيق تيتو في حرب التحرير: "إن كرواتيا وصربيا اليوم يعيدان تفاصيل أحداث 1939 حينما توصل قادة القوميتين إلى اتفاق تقسيم البوسنة وهم اليوم يحاولون إعادة سرقة البوسنة".. والحديث اليوم ينحصر في بشاعة أعمال الصرب أما الكروات فإن الإعلام الدولي لا يكاد يتطرق لمشروعه القومي المتعصب البتة، جيلاس مرة أخرى : "الكروات لا يخفون أطماعهم في المناطق الغربية والجنوبية من البوسنة وهم يحملون تعصبا قوميا زاده التعصب الديني وشعورهم بحماية أوربا".. أما المسلمون اليوم فهم بشهادة أعدائهم : "إذا أخذنا المسلمين بشكل عام وعلي عزت بيكوفيش كزعيم فهم لم يبدأو الصدام المسلح وقد حاولوا تجنبه منذ البداية" .

(53/41)


* بالرغم من كل تلك المعطيات البلقانية كان العالم يترقب من الذين تحدثوا عن "عالم يسوده الأمن والسلام" و "نظام لا يسمح للقوي أن يفرض سيطرته على الضعيف" و "مفهوم لا يفرق بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة أمام الشرعية الدولية" أن ينقلوا هذه القوالب البلاغية إلى عالم الواقع.. كان هذا الترقب في محله والمذبحة الجماعية لمسلمي البوسنة على قدم وساق ، حتى أصبحت صور الجثث البشعة ورائحة الموت والتدمير والهلاك مساوية في الإثارة لأخبار الطقس أو كأس الأمم الأوربية..!! هذه الأمم الأوربية التي هبت قبل أشهر في وجه الصرب كيف تعاملت مع مأساة المسلمين في البلقان ؟؟
وهذه الشعارات الأمريكية المبشرة بنظام عالمي جديد كيف ترجمت إلى واقع خلال مسرحية الحقد الصربي ؟؟

النظام العالمي الجديد ومجزرة البلقان
لخصت مجلة نيوزويك الصراع الأوربي الأمريكي حول مشكلة البلقان بأنه "صراع يدعو للشماتة" وأنه حمل بذور الخلافات المستقبلية بين أمريكا وأوربا (لا سيما ألمانيا) والتي أشاحت عنها أحداث البلقان ، فالولايات المتحدة كانت تدعو منذ بداية الأحداث إلى الإبقاء على يوغسلافيا الموحدة ، لكن قادة ألمانيا والنمسا وإيطاليا (دول الطوق الكاثوليكي) خلصوا إلى ضرورة انفصال تلك المناطق ذات الكثافة الكاثوليكية عن يوغسلافيا ، وتنقل المجلة أن لورنس إيجلبرجر نائب وزير الخارجية الأمريكية كان هو عراب الفكرة الاتحادية بينما كان وزير الخارجية الألمانية السابق (غينشر) معارضا قويا لبقاء يوغسلافيا موحدة لدرجة أن الخلاف بين الرجلين أصبح معروفا في الأوساط الدولية واصطبغ الخلاف بطابع شخصي "قذر"..
وفي النهاية بدا واضحا أن أوربا تسير خلف ألمانيا مما شكل هزيمة نكراء للسياسة الأمريكية كما تقول المجلة ، حيث ذهبت تصريحات بيكر التي أدلى بها في بلغراد والتي كانت تدعو إلى بقاء كرواتيا وسلوفانيا ضمن سيطرة بلغراد أدراج الرياح...

(53/42)


لقد كانت هذه التصريحات بمثابة الضوء الأخضر (*) "لجزار البلقان" ميلوفيتش حيث أخذ في تنفيذ سياسة الضم القسري لكرواتيا والتي فشلت بعد أن تدخلت ألمانيا والأمم المتحدة لحماية الكروات وضمان إقامة دولتهم وكيانهم الخاص ، وإن كانت هذه الإشارة قد ظهرت ملامحها بعد أسابيع قليلة عندما هاجمت قوات الصرب في البوسنة المدعومة من الجيش الاتحادي قرى وتجمعات المسلمين دون أن تهب دول الطوق الكاثوليكي أو الأمم المتحدة لوقف نزيف الدم المسلم .

(53/43)


إن الصراع بين ألمانيا وأمريكا في قضية البلقان هو صراع مستتر ومغلف بلهجة دبلوماسية هادئة، وهو يصب في مجرى المحاولات الألمانية/الأوربية للتوسع وكسب الأسواق والحلفاء في عصر انهيار الشيوعية ، وقد يكون الاهتمام الألماني بقضية الأكراد شاهد آخر على هذا التوجه الاستعماري المغلف. والألمان يدركون حتما أن النظام العالمي الجديد يسمح لهم بالمناورة في هامش المصالح الجانبية التي لا تشكل أهدافا أمريكية مباشرة، والأمريكان بدورهم لا يودون التورط في كل الصراعات الإقليمية لا سيما تلك التي لا تشكل أهمية اقتصادية وعسكرية مباشرة وهامة ، كما أنهم يراهنون على فشل الدور الألماني وتدخله في الصراعات الدولية حيث ظلت ألمانيا بعيدة عن اللعبة الدولية الاستعمارية لفترة من الزمن ، فقدت خلالها كثيرا من خبراتها ومواهبها . في الوقت ذاته أثبت الأمريكان أن الدور الألماني يبقى محدودا ، فبدون التبني الأمريكي لقرارات الأمم المتحدة ودفعها إلى مواقف فعلية يبقى الدور الألماني هاما وإن لم يكن حاسما.. ويبقى الدوران: الألماني العاطفي والأمريكي المتردد من نزاع البوسنة رسالة مبطنة إلى سفاحي العالم والقيادات الدكتاتورية والمنتشرة هنا وهناك تقول:"طالما أن المصالح الأمريكية والغربية مصانة فلا ضير من العدوان واحتلال أراضي الآخرين ولا مانع من بقر بطون النساء واغتصابهن، وسحل جثث الأبرياء كل لحظة، وتطاير الخوف من عيون الأطفال خصوصا إذا كانوا من أتباع الأمة الإسلامية .. هذه الأمة الغائبة ، أو قل المغيبة" .
* هل هي صورة مكررة من تلميحات غلاسبي السفيرة الامريكية لصدام حسين ؟

البوسنة والهرسك
محنة شعب ومأساة أمة
د. يوسف الصغير
تاريخ دخول الإسلام :

(53/44)


كانت قبائل إيليريه (أسلاف الألبان) تسكن في الأراضي التي تعرف اليوم ييوغسلافيا، وفي غضون القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) أخذت قبائل صقلبية تغزو هذه المناطق، حتى قضت على الإليريين إلا في المناطق الجنوبية الغربية . ومعظم سكان يوغسلافيا اليوم بما فيهم المسلمون ينحدرون من هؤلاء الصقالبة ، وكانت القبائل الصقلبية تنقسم إلى مجموعات أهمها الصرب الذين اعتنقوا المذهب الأرثوذكسي الذي كانت تدين به الدولة البيزنطية ، والكروات والسلوفين الذين اعتنقوا المذهب الكاثوليكي، والبشناق الذين اتبعوا المذهب البوغوميلي وكونوا الكنيسة البشناقية . وكانت الحروب الدينية الطاحنة تدور بين الصرب والكروات ، وكان مجالها أرض البشناق التي كانت محل نزاع بين الدولتين حتى كون البشناق دولتهم في أوائل القرن السادس الهجري (عام 1137م) .
دخل العثمانيون الأراضي البشناقية لأول مرة حينما فتحوا جتيلو عام 1353 م وهزموا الجيوش النصرانية المتحالفة سنة 1365 م قرب أدرنة وبعد عدة معارك تمت هزيمة الصرب عام 792 هـ (1389م) في معركة كوسوفو الشهيرة التي تعتبر نهاية دولة الصرب، وتم فتح بلغراد عام 1452 م ولم يفتح العثمانيون بلاد البشناق بل اكتفوا بأخذ الجزية، ولما قامت الحرب الأهلية في بلاد البشناق بسبب محاولة الملك الكاثوليكي إكراه الشعب البوغوميلي على اعتناق الكاثوليكية استنجد زعماء البوغوميل بالمسلمين فقام محمد الفاتح بفتح بلاد البشناق وأعلن أن لا إكراه في الدين، وبعد فترة بدأ البشناق بالدخول في الإسلام حتى عمهم وصاروا من أقوى أنصاره، وكانوا درعا حصينا للدولة الإسلامية في تلك المناطق المضطربة ، وتم استكمال فتح بلاد البشناق والهرسك سنة 1481 م ثم معظم أوكرانيا سنة 1526 م ووصل العثمانيون إلى سلوفينيا عام 1566 م غير أنهم لم يفتحوها .

(53/45)


وبعد دخول البشناق في الإسلام بدأوا عهدا جديدا وأخذوا يشيدون المدن ويعطونها طابعا إسلاميا بمساجدها ومدارسها وأسواقها، وأهم هذه المدن سيراجيفو أو "بشناق سراي"، وبلغت الحركة العلمية أوجها في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الهجري حيث ظهرت مؤلفات كثيرة باسم علماء بشناق ، ومع استمرار الفتوحات العثمانية استوطن المسلمون وخاصة في البوسنة كثيرا من المناطق المجاورة مثل صربيا والأجزاء الشمالية الشرقية والغربية للجبل الأسود وسلافونيا وانطبعت كثير من المناطق بالطابع العثماني ، فعلى سبيل المثال سجل الرحالة التركي الشهير أوليا شلبي بأن المدن بودا (جزء من بودابست عاصمة هنغاريا) وستولني بيوغراد وبوجفا وأوسيك ومدن أخرى في هنغاريا وسلافونيا في القرن السابع عشر كانت تشبه المدن البوسنوية تماما وهذا في المناطق التي لم يستقر فيها العثمانيون أما المناطق التي استقروا فيها طويلا مثل بلغراد عاصمة الصرب فيقول أوليا شلبي الذي زارها عام 1600م : "كان سكانها 100 ألف نسمة ثلاثة أرباعهم مسلمون وكان بالمدينة 270 مسجدا تقام في 33 منها صلاة الجمعة وبها 17 تكية و 8 مدارس ثانوية إسلامية و 9 دور للحديث و 270 من الكتاتيب القرآنية .
وكانت الحرب مستعرة بين العثمانيين الذين كانوا أقوى دولة عسكريا في ذلك الوقت وبين التحالف الصليبي في أوربا وعلى رأسهم النمسا والمجر (هنغاريا) وبولندا ، وتمكن المسلمون من فتح مناطق كثيرة وقد حاصروا فيينا عاصمة النمسا مرتين كان آخرها عام 1095 هـ (1683م) وبعدها بدأوا في التقهقر أمام تكالب الصليبيين خاصة بعد أن بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة ، ومع هذا التقهقر بدأت الإبادة الجماعية للمسلمين وذلك في الحرب الكبيرة أو في حرب الدفاع عن فيينا من سنة 1683 -1699 م ففي هذه الحرب خسر العثمانيون الأراضي في هنغاريا (المجر) وبلافونيا وليكا ودالماتسا وبوكا كوترسكا .

(53/46)


جميع المسلمين في هذه المناطق والذين لم يتمكنوا من الانسحاب إلى البوسنة والهرسك ومناطق أخرى حولوا إلى الكاثوليكية فعلى سبيل المثال عاش في منطقة ليكا حوالي سنة 1680 م سبعة آلاف عائلة مسلمة (أكثر من 300000 فرد) وخلال الحرب اختفوا كلهم إما عن طريق التنصير الإجباري وإما عن طريق اللجوء إلى البوسنة وتدل على إقامتهم اليوم بعض أسماء الأماكن وبعض الألقاب فقط .
وقد عمل النمساويون على استثارة النصارى الصرب الذين كانوا خير عون لهم ، ونجح النمساويون في احتلال بلغراد عام 1718 م وسرعان ما حولوا أول مسجد بنى في بلغراد عام 1521 م إلى كاتدرائية ولكن تمت استعادة بلغراد عام 1738م وأعيد المسجد إلى سابق عهده. ونظرا لاستمرار التمرد الصربي في ولاية بلغراد فإن المسلمين الذين يعيشون في القرى أحسوا بانعدام الأمن فكان المسلمون مضطرين إلى التركيز في المدن التي توجد فيها حاميات عثمانية وكان من أهداف التمرد الصربي طرد المسلمين من صربيا، وحدثت أولى حالات التصفية في الأعوام 1711 - 1712 م في الجبل الأسود. وازدادت حدة خلال التمرد الصربي الأول عام 1807م والثاني 1830م حيث تم الاتفاق على أن يهاجر المسلمون من صربيا (ولاية بلغراد) خلال سنة من إصداره وتم تمديده إلى خمس سنوات ولكن مع ذلك بقي عدة آلاف من المسلمين . وبعد 1830م أصبح الوجود العثماني في صربيا رمزيا ونتيجة لحرب القرم 1876 -1878 حصلت الإمارتان ذواتا الحكم الذاتي صربيا والجبل الأسود على استقلالهما عن الدولة العثمانية مع ضم بعض المناطق إليهما بموجب قرارات مؤتمر برلين ، وأيضا حصل انقلاب آخر في أحوال المسلمين حيث قرر المؤتمر أيضا أن يعهد إلى النمسا بإدارة البوسنة والهرسك مع الاحتفاظ بسيادة صورية للدولة العثمانية ، ولم يقبل المسلمون وبدأت الحرب بينهم وبين الجيش النمساوي الذي تمكن من دخول سيراجيفو في 19/8/1878م وعلى أثرها بدأت موجة هجرة واسعة نتيجة سياسة

(53/47)


الإفقار والتضييق الذي تمارسه قوات الاحتلال ، وكانت السلطات مرتاحة في البداية لهذه الهجرة حتى تتمكن من استعمار المنطقة وكان أغلب المهاجرين من الفلاحين ولكن الضغوط خفت لأن الإدارة انتبهت إلى أن الهجرة الجماعية للمسلمين ستؤدي إلى اختلال التوازن القومي والديني في البوسنة والهرسك لصالح العنصر الصربي مما يعقد موقف النمسا في البلقان ، وخلال أربعين سنة من الاحتلال (1878-1918) بلغ المهاجرون بين 300 و 700 ألف .
وأخيرا ففي حرب البلقان (1912-1913م) التي أشعلها الصرب تحت شعار "أن الدولة الواحدة تجمع بين الصربيين وإلا ستصبح البلقان مقبرة كبيرة" تم تقسيم إقليم سنجق بين صربيا والجبل الأسود وضم إقليم كوسوفو ذي الغالبية الألبانية للصرب .
الأحداث الحالية :
تمكن الصرب عن طريق الحزب الشيوعي من التغلغل في جميع مجالات الحكم ، فأصبحوا يمثلون أكثر من 80% من الضباط وأكثر من 80% من السلك الدبلوماسي وممثلي الشركات اليوغسلافية في الخارج وغالب مدراء الشركات ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمدرسين في جميع المراحل التعليمية . والطالب الصربي يجد منحة دراسية وسكنا أينما ذهب ويجد عملا بسهولة عند تخرجه بخلاف الطلاب المسلمين وغيرهم .

(53/48)


وتصور أحداث كوسوفو في عام 1981م وما بعدها مدى طغيان الصرب فقد كان الألبان يمثلون حوالي 95% من السكان وهم محرومون من كل حقوقهم فنظموا مظاهرات وإضرابات قامت السلطات الصربية بمواجهتها بعنف وحكم على 6000 شخص بالأشغال الشاقة لمدد تصل إلى عشرين عاما ، وفصل أكثر من 80 ألف عامل من وظائفهم ، وبدأ استبدال المدرسين والأطباء والممرضات الألبان بصرب ، حتى أن النساء الألبانيات بدأن يلدن في البيوت خشية من قتل أولادهن أو تعقيمهن من قبل الأطباء الصرب وأصبح أكثر من ثلث السكان بدون عمل ، كما ألغيت جميع امتيازات ولاية كوسوفو ، ولم يعترف ببرلمانها الرسمي رغم موجة الديمقراطية الحديثة التي لم يستفد منها الألبان شيئا ولذلك أعلن الألبان أخيرا جمهوريتهم المستقلة عن صربيا من جانب واحد .
بعد سقوط الشيوعية العالمية تراخت قبضة الشيوعية الصربية وسمحت السلطات بنظام تعدد الأحزاب للتنافس على السلطة ، فقامت أحزاب سياسية كثيرة على مستوى يوغسلافيا ، وأسرعت كل قومية إلى تأسيس أحزابها لتحقيق مطالبها السياسية .
أسس المسلمون حزبا سياسيا سمي بحركة الجبهة الديمقراطية برئاسة الأستاذ علي عزت وعلى الرغم من أن برنامجه ليس إسلاميا للظروف المحيطة فإنه يعتبر حزب المسلمين .
ولما أجريت الانتخابات فاز الحزب الصربي الاشتراكي القومي بأكثر من 80% من الأصوات في صربيا، وفاز الحزب الكرواتي القومي في كرواتيا ، والحزب السلوفيني القومي في سلوفينيا ، والحزب المقدوني بالأغلبية في مقدونيا ، وكذلك الجبل الأسود حيث فاز الحزب الصربي القومي .
أما جمهورية البوسنة والهرسك فجاءت النتائج فيها كما يلي :
* حصل حزب المسلمين على 38% .
* حصل الحزب الصربي القومي على 33% .
* وحصل الحزب الكرواتي القومي على 18 % .

(53/49)


فتحالفت الأحزاب الثلاثة لتشكيل الحكومة ولإسقاط الحكومة الشيوعية في الجمهورية ، واختير على عزت رئيسا وتم توزيع بقية المناصب على حسب نسبة الأصوات . وتكونت حكومات قومية جديدة وكانت الحكومات في كرواتيا وسلوفينيا تقترح أن تصبح يوغسلافيا مجموع دول مستقلة ويكون الرباط بينهما شكليا بحيث تبقى باسم دولة يوغسلافيا ، ولكن صربيا أصرت على بقاء النظام المركزي القديم للحفاظ على سيطرة الصرب مما جعل كلا من سلوفينيا وكرواتيا تخطوان خطوات فعلية نحو الاستقلال فكونت وحدات الجيش الشعبي واشتريت الأسلحة من الخارج استعدادا للدفاع أمام هجوم الجيش الاتحادي المسير من قبل الصرب ، وأيضا قام الصرب بتوزيع الأسلحة على الصرب مجانا بواسطة الجيش الاتحادي في كرواتيا والبوسنة والهرسك .
وبدأت الأزمة فعليا بإعلان سلوفينيا استقلالها ، فحاول الجيش تأديبها واندلعت المعارك مع الجيش الشعبي ، ثم تم الاتفاق على سحب الجيش الاتحادي مقابل تجميد إجراءات الاستقلال لمدة ثلاثة شهور ، كل هذا تحت ضغط الدول الأوربية .
وحصل الشيء نفسه مع كرواتيا إلا أن الحرب اتخذت أبعادا أكبر فقد كانت الحرب أشد عنفا وقامت الحكومة الصربية بإثارة الأقلية الصربية في كرواتيا ، وأعلنوا رفضهم استقلال كرواتيا وسعيهم للاستقلال بمناطقهم وبدأت الحرب بين الجيش الكرواتي من جهة وقوات المتطوعين الصرب يدعمهم الجيش الاتحادي عند الحاجة ، وأتم الصرب الاستيلاء على حوالي ثلث كرواتيا والتي هي ضمن نطاق صربيا الكبرى ثم جاءت قوات الأمم المتحدة للفصل بين القوات وما زالت موجودة .

(53/50)


وبدأ الصرب الإعداد للمرحلة الثانية من صربيا الكبرى فبدأت القوات الاتحادية المنسحبة من سلوفينيا وكرواتيا تتمركز في البوسنة والهرسك وقامت بسحب المواد الغذائية والأدوية من الأسواق توقعا للحرب ونظرا لتوقع المسلمين ما سيحصل فقد حاول الناس التسلح، ولكن الحكومة لم توزع السلاح بل كان الناس يقومون ببيع ما يملكون حتى يشتروا الأسلحة ، ومقابل ذلك كانت صربيا وكرواتيا تقومان بتوزيع الأسلحة على الصرب والكروات داخل الجمهورية .
وما إن أعلن البرلمان في البوسنة الاستقلال عن يوغسلافيا إذا انفصلت سلوفينيا وكرواتيا حتى انسحب الصرب من المجلس وأعلنوا عدم اعترافهم بجمهورية البوسنة والهرسك وبعدها أعلنوا عن استقلال أجزاء من البوسنة يكثر فيها الصرب وانضمام تلك المناطق إلى صربيا الأم . وقبل استعراض الأحداث الجارية في البوسنة والهرسك فإنه ينبغي إلقاء بعض الضوء على الوضع السياسي في جمهورية صربيا .
صربيا الكبرى:
إذا كانت الشيوعية سقطت في يوغسلافيا فإن الملاحظ أن زعماء الصرب الشيوعيين هم أنفسهم الذين يدغدغون عواطف الصرب القومية وتحولوا بين عشية وضحاها من شيوعيين أمميين إلى قوميين على ما بين هذين المذهبين من تناقض وذلك حتى يستمروا في مراكزهم وقد يكون الأصل فيهم التعصب القومي ولكن الشيوعية كانت سبيلا للسيطرة على بقية أجزاء البلاد ولما بدأت الجمهوريات في الاستقلال عاد الزعماء إلى لبس ثيابهم الوطنية وكمثال لمن يحكم جمهورية صربيا فهذه لمحة عن حياة وشخصية وسياسة رئيس جمهورية الصرب سلو بودان ميلوسيفيتش .
ولد ميلوسيفيتش في بلدة بوناريفاك الصربية القريبة من بلغراد عام 1941م وكان أبوه أستاذا وأمه معلمة وكلاهما كان عضوا ناشطا في الحزب الشيوعي وبعد الحرب انفصل والداه وانتحرا لاحقا .

(53/51)


التحق بكلية الحقوق عام 1960 ونمى صداقات كانت له خير معين في ارتقاء سلم السلطة ومثلا فقد التقى ايفان ستامبوليتش ابن شقيق أحد أقوى شيوعي يوغسلافي ، وقد أفاد من نجم إيفان الصاعد فكان يتولى تباعا المناصب التي يخليها إيفان وفي منتصف الثمانينات أصبح ستامبوليتش رئيسا لصربيا فيما تولى ميلوسيفيتش المركز الثاني وهو رئاسة الحزب الشيوعي الصربي وفي النهاية دبر انقلابا أطاح بصديقه القديم الرئيس الصربي الذي لم يصدق ما حصل .
وكان معروفا بحماسه للشيوعية حتى إنه عمد إلى زيادة صفوف الماركسية في المدارس ولكنه كان يتغير مع الظروف فقد بدأ يظهر الميول القومية ابتداء من 1986م وبعد توليه زمام الأمور في صربيا وطد سلطته في صربيا متجاهلا حقوق غير الصرب ثم حاول بسط نفوذه على بقية الجمهوريات ولكن الحزب الشيوعي سقط وتم حله وهنا تحول كليا إلى داعية قومي وفاز في الانتخابات.
اتبع ميلوسيفيتش في سبيل تحقيق حلم صربيا الكبرى استراتيجية بسيطة وهي الحملات الإعلامية الدعائية التي ترتكز على الظلم الذي يلحق بالصرب وتهييج العواطف ومنها أنه تم تصوير جثث مجموعة من المسلمين في البوسنة على أنها لصرب قتلهم المسلمون ودعا الناس للدفاع عن إخوانهم وكذلك تركز الحملات الإعلامية على أن صربيا يحاصرها الأعداء من كل مكان وأنهم يتآمرون عليها مثل وكالة المخابرات الأمريكية ،وألمانيا والنمسا والفاتيكان وحتى الشيوعية العالمية ، وعلى سبيل المثال بث التلفزيون مقطعا قديما لمقابلة بين هتلر وعميله الكرواتي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم اتبعت اللقطة بلقطة للرئيس الحالي لكرواتيا وهو يصافح المستشار الألماني هلمت كول .

(53/52)


ويتبع الحملات الإعلامية بضغط عسكري وسياسي وهو عنيد لا يقبل التنازل وقد قال عنه وزير الخارجية الهولندي بعد مقابلة معه استمرت خمس ساعات لإقناعه بالسماح بإرسال مراقبين غير مسلحين من المجموعة الأوربية إلى كرواتيا: "إننا نشفق على شعوب لها مثل هؤلاء القادة" وتسيطر عليه فكرة تحقيق حلم صربيا الكبرى ، ففي بداية الأحداث قال في خطاب له أمام مئة وخمسين من قادة الصرب : "إن واجب صربيا الأول هو الدفاع عن الصرب المشتتين في جمهوريات يوغسلافيا الأخرى وإن عنى ذلك إعادة رسم خريطة البلاد بالقوة ، وأضاف أن لا معارضة سياسية ولا عويل حول التدهور الاقتصادي يستطيعان الصمود أمام الدعوة الصربية إلى السلاح" وما كاد ينهي كلامه حتى دوت القاعة بالتصفيق .
وجاء دور البوسنة والهرسك :

(53/53)


وما أن استقرت الأحوال في كرواتيا بمرابطة القوات الدولية في المنطقة التي يسيطر عليها الصرب (حوالي ثلث كرواتيا) حتى انتقل ثقل الصراع إلى جمهورية البوسنة والهرسك وما إن أعلن استقلال الجمهورية عن يوغسلافيا حتى بدأت الميليشيات الصربية المدعومة من قبل الجيش الاتحادي بشن غارات على المدن والقرى الإسلامية المتاخمة لصربيا وبينما كان الصرب مدججين بالسلاح كان المسلمون بحاجة ماسة للسلاح وكانت نداءاتهم للحكومة في سيراجيفو بتزويدهم بالسلاح لا تلقى استجابة مناسبة بسبب قلة السلاح ومعرفة الحكومة أنها ستحتاجه للدفاع عن سيراجيفو نفسها عند تعرضها للتهديد وقد تقدم الصرب بسرعة في البداية فاستولوا على مدينتين إسلاميتين في شمال شرق البوسنة . واستمر حصار وقصف المدن سواء التي يشكل المسلمون أكثرية فيها أو التي يتقاسمونها مع الصرب حتى أتموا احتلال حوالي 65% من أراضي الجمهورية ، ومن المدن التي استولى عليها الصرب بيلينا وزفورتيك وبراتوناتسك وفيشغراد وروغانتيسا وفوتشا وهذه تمثل مناطق على الحدود الشرقية ، وأيضا فقد حقق الصرب جيوبا مهمة في مناطق فيها أقليات صربية مثل سيراجيفو ومنطقة بوساتسكي برود وكوبريس وموستار ، وأقام الصرب جمهورية اسمية في الأراضي التي احتلوها في البوسنة والهرسك واتخذوا من مدينة بانيالوكا عاصمة لهم .

(53/54)


وقد استفاد الصرب من الصدمة التي أصابت المسلمين وقاموا بعمليات قتل وترويع يقصد منها تفريغ المنطقة من المسلمين حتى تكون خالصة لهم وعلى الرغم من أن المجازر الرهيبة التي ارتكبوها قد نجحت في تهجير أعداد كبيرة من السكان بلغت حوالي المليون سواء داخل الجمهورية أو في كرواتيا وسلوفينيا فإنهم يواجهون مقاومة متصاعدة ، فبينما صرح رئيس الحزب الديمقراطي الصربي في البوسنة والهرسك في بداية الأحداث أن الصرب يستطيعون الاستيلاء على سيراجيفو خلال ساعات فقط إذا أرادوا فإن الواقع يكذبهم حيث صمدت سيراجيفو حتى الآن أكثر من شهرين ، وأيضا تمت استعادة بعض المناطق ومنها موستار كما أحرز عدد من الانتصارات في المناطق الشمالية من الجمهورية وعلى الرغم من عدم ثقة المسلمين بحسن نوايا الكروات فإنهم اضطروا إلى التباحث حول اتحاد كونفيدرالي مع كرواتيا مع أن الكروات أيضا لهم أطماع في الجمهورية بل ويرفعون علم كرواتيا على أي منطقة يقومون بطرد الصرب منها ، فإلى الله المشتكى..
البوسنة والهرسك والنظام العالمي الجديد

(53/55)


لقد أكثر دهاقنة النفاق السياسي من ترديد الشعارات البراقة ، وبشروا بعالم جديد يسوده العدل ويتم فيه الأخذ على يد الظالم ، وأكبر مثال على ذلك ما حصل في الكويت . وإذا تساءلت : ما بال أهل فلسطين يسامون الخسف على يد يهود ، تحس من الإجابة أن هذا النظام لا يعمل به بأثر رجعي ولكنه يخضع للتجربة أمام المشاكل المستجدة ، وحصلت الحرب بين الصرب والكروات فتدخلت الدول الأوربية بحزم وقامت بمد كرواتيا بالسلاح والضغط على صربيا لوقف العدوان وقامت الأمم المتحدة بإرسال حوالي 14 ألف جندي لحفظ السلام وكان مركز قيادتهم في سيراجيفو ولكن ما إن انتقل الصراع إلى بلاد المسلمين حتى تحولت الأمم المتحدة إلى حمل وديع لا تستطيع منع الصرب من العدوان ، بل لا تفكر في إرسال قوات لحفظ السلام ، بل إنه حرصا على سلامة جنود الأمم المتحدة يأمر بطرس غالي بسحبها من سيراجيفو حتى يسهل على الصرب مهمة قصف المدينة وإبادة أهلها ، واصطدم بطرس غالي في سبيل ذلك مع جل الساسة الأوربيين بل ومسؤولي الأمم المتحدة الذين استنكروا موقفه لتناقضها مع مواقف أخرى له ، فتراجع قليلا وأذعن بأن تنشر قوات حفظ السلام (1100 رجل) في سيراجيفو لفتح المطار وإغاثة السكان المحاصرين الذين يتعرضون للمجاعة، ولكنه اشترط لذلك - كما يقول المراقبون - شرطا تعجيزيا وهو أن تقوم هدنة وتصمد لمدة 48 ساعة على الأقل ، وهذا معناه ضوء أخضر للصرب بالاستمرار بالقصف حتى لا تتدخل الأمم المتحدة ، ولكن السؤال : ما هو وزن بطرس غالي ، بل ما هو وزن هيئة الأمم المتحدة من أحداث العالم ؟ إن الإجابة واضحة وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأمم المتحدة ، وعندما تريد شيئا تتخذ من هذه الهيئة غطاء قانونيا لتنفيذ أغراضها والحفاظ على مصالحها، وعندما لا ترغب في شيء من ذلك فإن الأمم المتحدة تبقى مكانا للخطب والقرارات غير الملزمة كما صرح بطرس غالي بتقسيم قرارات الأمم المتحدة إلى

(53/56)


قرارات ملزمة وأخرى غير ملزمة حسب هوى البعض . وتجد في حالة البوسنة والهرسك أن الدول الأوربية وبضغط من ألمانيا بدأت تنظر بريبة لتصرفات الصرب التي تعيد إلى الأذهان الأحوال في البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى حيث إنه لا يساند الصرب الآن إلا حليفتهم القديمة روسيا الاتحادية التي ورثت روسيا القيصرية . وبرزت ألمانيا كقوة أساسية في أوربا وذلك لمواقفها المتميزة من مشكلة يوغسلافيا وفي ذلك إحراج كبير للولايات المتحدة التي يجب أن تدخل الساحة حتى لا تفوتها المكاسب وبالتالي اعترفت الأمم المتحدة بالدول الثلاث ومنها البوسنة والهرسك ، وتحركت الأمم المتحدة التي بعثت فيها الحياة من جديد لفرض حظر دولي على صربيا والجبل الأسود ، وبدأت الولايات المتحدة بالتلويح بعمل عسكري محدود لإيصال المعونات لسكان سيراجيفو المحاصرين وإذا حصل شيء من ذلك فهو لأسباب منها :
1- قرب العهد من أحداث الخليج والحرج الحاصل من اختلاف ردة الفعل ، على الرغم من أن ما يحصل في البوسنة والهرسك من الأعمال الوحشية لا يقارن بما حصل في الكويت .
2- كون المسلمين في يوغسلافيا يغلب عليهم التفريط والانسلاخ الفعلي وهذه التصرفات الصليبية قد تؤدي إلى تنامي تيار إسلامي يكبر في أوساطهم ، أو بلغتهم انتشار الأصولية بين المسلمين في أوربا وهذا ما لا يتحمله الغرب .
3- إفساح المجال للحكومات في البلاد الإسلامية لتقديم العون للمسلمين وذلك لتخفيف استياء الشعوب مما يجري .
4 - محاولة تحجيم دور ألمانيا وفرنسا في الميدان الأوربي ولا يغيب عن البال أن ميتران ذهب إلى سيراجيفو وهي تحت الحصار وأرسل المساعدات الإنسانية إلى أهلها .
لا تنس أخي المسلم

(53/57)


أخي العزيز : إن ما سأذكره لك هو مصداق لقوله تعالى : ((إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون)) ، وقال تعالى: ((لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون)) [التوبة 10] .
إن ما يجري في بلاد البوسنة والهرسك هي عمليات إبادة يمارسها الصرب ضد البشناق وهم من أصل واحد بل ويتكلمون لغة واحدة ولكن فرق بينهم الدين . أخي المسلم إننا لا نريد منك فقط أن تذرف الدمع الغزير تعاطفا مع إخوانك ، فهذا لا يكفي ، بل يجب أن تتذكر ولا تنسى أن ما جرى لهم اليوم قد جرى لهم مرات ومرات قبل اليوم ، وهو أيضا ما حصل لغيرهم من المسلمين في مخيمات اللاجئين في لبنان على يد الموارنة والرافضة وحصل للمسلمين في الهند على يد الهندوس وفي بورما على يد البوذيين وفي سيلان على يد التاميل وفي وفي.. ولكننا أصبنا بداء الوهن مضافا إليه ضعف شديد في الذاكرة ، وما نريده منك - أخي المسلم - ألا تنسى هذه الأحداث وتعرض عليها كل ابتسامة من كافر وكل مجاملة من ملحد وصدق الله حيث قال : ((يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون)) [التوبة 8] .
* يروي شهود العيان القلائل الذين نجوا من سكاكين ومناشير العصابات الصربية المسماة بـ شتنيك ، يروون صورا من أفاعيلهم البشعة . قام شتنيك بإحراق المسلمين في مساجدهم وبيوتهم في مناطق جنوب شرق البوسنة وكانوا يمثلون بالقتلى بعد ذبحهم بالسكاكين ويقطعون بها ثدي النساء بعد اغتصابهن ويبقرون بطون الحوامل للتمثيل بالأجنة .

(53/58)


* في مدينة قوتشا الإسلامية المشهورة بمساجدها الجميلة التي بنيت في العهد العثماني قام الصرب بالاستيلاء على بعض أحيائها ثم علقوا أعلاما صربية على مئذنة المسجد الجامع فيها وتسمع عبر مكبراتها أغان صربية تشتم مقدسات المسلمين وتحرض على إبادتهم .
* في مدينة بيلبينا على الحدود مع صربيا حدث ما يلي : بعد آخر صلاة تراويح في رمضان 1412 هـ وعند خروج المصلين من المسجد أخذت القوات الصربية اثنين منهم وذبحتهما على باب المسجد وبدأت بإطلاق النار على الآخرين وعندئذ هرع المصلون راجعين إلى المسجد ثم ألقى الصرب القنابل في داخله ليقتلوا ما يزيد على مئة مصل ثم دخلوا المسجد وسلبوا المسلمين ، وقضوا الحاجة على جثثهم ، والأدهى أن تلفزيون بلغراد بث هذا المشهد المروع في نشرته الرئيسية بعد أن عرض القتلى في الكنيسة بدلا من المسجد المهدم وعلق على الصورة بأن المسلمين المسلحين المدعومين من الخارج هكذا يعاملون أفراد الشعب الصربي في البوسنة والهرسك وهذا هو مصير ما يزيد على مليون صربي فيها ولحماية الشعب الصربي في البوسنة من المسلمين المتطرفين نناشد جميع شباب صربيا سرعة الالتحاق بمراكز المتطوعين لإنقاذ الصرب الأبرياء .
* والآن إليك محضر تحقيق أجري مع أحد المجرمين الصرب ونشر في أحد صحف سيراجيفو وذلك بعد القبض عليه ، ففي الرابع عشر من أيار في حي سوكبونار في سيراجيفو ألقى أفراد الشرطة البوسنية القبض على الإرهابي الصربي جيلكو كوفاشيفيتش ، وفي الحال اعترف بالآتي مع حذف المعلومات غير الضرورية :
- نشأت في عائلة من الطبقة العاملة ، والدي ووالدتي افترقا عام 1975م ، أسكن أنا ووالدي في نفس المنزل .
- أخي ميلنيكو ولد عام 1967م يعمل كسائق شاحنة ، حاليا ينتظم في صفوف الميليشيات الصربية.

(53/59)


- في الرابع من أبريل استلمت دعوة للانتظام في احتياط القاطع العسكري لمنطقة سوكولاتس ، أخذت مكاني مع ثلاثين عنصرا في فصيل عسكري بقيادة ضابط احتياط .
- في معسكر هان بيساك كنا حوالي 400 جندي بقيادة سبعة ضباط احتياط من صربيا .
- تلقينا تدريبا عسكريا يشمل تمرينات جسمانية ، التدريب بالرصاص الحي على أسلحة القنص ، الرشاشات الأوتوماتيكية ، المدافع وأسلحة أخرى .
- بعد التدريب أمرنا بالذهاب للدفاع عن سيراجيفو ولإنقاذ الشعب الصربي المعرض للقتل والتنكيل من جانب منظمة الكوفيات الخضر "الإسلامية" .
- قائد الكتيبة الذي حضر من صربيا وقادة المعسكر الآخرون كانوا غالبا يحدثوننا خلال دروس التوجيه السياسي كيف ينكل المسلمون والكروات بالصرب ويطردونهم من بيوتهم ويقودونهم إلى جهات مجهولة .
- حوالي الساعة العاشرة من الثاني والعشرين من أبريل تحركنا بالشاحنات والباصات العسكرية نحو سيراجيفو ، وصلنا معسكر لوكافيتا بالقرب من سيراجيفو . قبل مساء ذلك اليوم انطلقنا من المعسكر إلى حي جربافيتا في سراجيفوا تلك الليلة ، لم ندخل الحي لأسباب أمنية بل قضينا الليل في الحافلات.
- في صباح اليوم التالي وتحت حراسة عسكرية مشددة دخلنا جربافيتا . قضينا الليلة الأولى في الهواء الطلق ، ثم وجدنا بعض المنازل المهجورة فوقع اختيارنا على منزل لأحد المسلمين واسمه يوسف في شارع زغرب .
- بانتظام كنا نحصل على التموين في ذلك المنزل من معسكر لوكافيتا التابع للجيش الاتحادي. خلال النهار نستريح وخلال الليل نذهب إلى المواقع، كنا نمشط ونفتش المنازل بحثا عن السلاح. نعم لقد نهبنا مواد مختلفة، لقد أخذت من بعض المنازل أجهزة كهربائية ، ساعة يدوية وأشياء أخرى .

(53/60)


- قائدنا رايكو تسفييكش كان قد قال لنا أن ننهب أي شيء تقع عليه أيدينا وبشكل خاص أن نحضر له جهاز فاكس من نوع "باناسونيك" . كنا نسرق السيارات ونحملها بالمواد المنهوبة وننقلها إلى سوكولاتس .
- قبل سبعة أيام وبينما نحن سوية ، فإذا بشاب يسير نحونا ، أوقفناه فسأله ماركوفيتش عن الهوية الشخصية ، أعطاه الشاب هويته فورا ، وعندما عرف ماركوفيتش اسم الشاب قال : انظر ابن "..." نحن نبحث عن هؤلاء لنذبحهم . بدأنا جميعا بضربه بأيدينا وأرجلنا فسقط على الأرض فواصلنا ركله بأرجلنا دون الالتفات إلى توسلاته ، لكننا مع ذلك ضربناه أكثر وأكثر . عند ذلك بدأ الدم يسيل من رأسه ووجهه فأجبرناه أن يقف على رجليه .
- ماركوفيتش طلب مني السكين فأعطيته ، عند ذلك قال : الآن سأذبح ابن "..." ، الغلام كان يتوسل لنا أن لا نفعل.. لكنه صاح بعد ذلك قائلا : افعلوا ما بدا لكم.. أنا لا أخاف الموت.. سوف تنالون جزاءكم يوما ما .
- ماركوفيتش قال لنا عند ذلك بحدة : إن القائد تسفييتش أمر بذبح المسلم بالسكين لأنه خسارة أن نطلق عليه رصاصا غالي الثمن .
- في تلك اللحظة وقف خلف الغلام بإحدى يديه شد لحيته وباليد الأخرى أمسك بالسكين.. ذبح الغلام !! انتظرنا مدة خمس دقائق لنتأكد من موت الغلام . كان يلفظ أنفاسه وماركوفيتش يقول :..تعذب.. تعذب سوف نذبحكم كلكم بهذه الطريقة .

(53/61)


- قبل أربعة أيام تحركنا نحن الأربعة باتجاه قراتشي ، هناك رأيت رجلا يجلس أمام بيته في أحد الأزقة ، ذهبت إليه وسألته عن هويته الشخصية ، قال لي إنه لا يملك هوية وإن اسمه رادي ، لم أصدقه لأنه كان شبيها بالمسلمين وجها وتعبيرا . سألته لماذا لا يذهب إلى الجيش إذا كان صربيا كما يقول ، فقال : إن الحرب لا تهمه وإنه لا يريد أن ينحاز لأي جهة ، أغضبني جوابه كثيرا ، فأمسكت بلحيته من الخلف وبيدي الأخرى أخرجت سكيني من الجعبة فذبحته ، سال دمه بكثافة ، انتظرت قليلا وبعدها رجعت إلى رفاقي . وأضاف لقد قتلنا أو ذبحنا ما مجموعه ثلاثة عشر مسلما وأضرمنا النار في خمسة بيوت تابعة للمسلمين (1).
1- نقلا عن جريدة ASI البوسنية الصادرة بتاريخ 29/5/1992 م

الجهاد الأفغاني ومرحلة البناء
كم نتمنى أن ينتقل الجهاد الأفغاني بعد محنته الأخيرة مع مجددي وكيلاني والتحالفات المشبوهة التي أرادت أن تسرق ثمرة الجهاد أو التي تخصصت في استغلال جهود الآخرين لمصلحتها أن ينتقل إلى مرحلة البناء ، ويا لها من مهمة صعبة ، تتطلب جهودا مخلصة دؤوبة ، جهودا فيها صبر وحكمة واتخاذ القرار الصائب ، فبعد التخريب الشيوعي وجهل المسلمين بشكل عام وكثرة تفرقهم في مثل هذه الأجواء قد يكون البدء من الصفر . إن أعداء الإسلام من أبناء جلدتنا خاصة يراهنون على أن المسلمين إذا حكموا فلن يستطيعوا الاستمرار وإدارة البلاد ، ويقولون فلندعهم يحكموا حتى يظهر فشلهم . وهذه مقولة ماكرة مضللة ولكنها في الوقت نفسه تضع المسلم في موقع التحدي، وخاصة في الظروف الدولية السائدة . والتحديات كثيرة جدا ومن أصعبها توحيد الصف الإسلامي الذي جاهد طوال السنوات السابقة، وتوجيه الشعب الأفغاني،الذي إن لم يتدارك الأمر فستمزقه الصراعات القبلية والعرقية وإننا من موقع الأخوة والنصح والمشاركة في الرأي نبدي بعض الملاحظات حول المرحلة الحالية .

(53/62)


1- نتمنى أن يستمر التعاون والتنسيق بين فصائل الجهاد الحقيقي والذي كان قويا في الأيام الأخيرة لمواجهة المؤامرة ، بل لا بد من جمع فصائل أهل السنة ونبذ أي نوع من التفرق (وهو داء عميق) ، ولا بد من تضميد جراح الشعب الأفغاني والمسارعة في بدء التوطين والإعمار حتى يلتف هذا الشعب حول حكومته . ويجب ألا يخطر ببال جبهة واحدة الانفراد بالأمور، ولا بد من إبعاد المنافقين وأصحاب الأهواء وعدم تمكينهم من المراكز المهمة، فإنهم يفسدون أكثر مما يصلحون .
2- إن أهم ما يبدأ من جوانب الإصلاح والبناء هو التعليم وإعداد المناهج المناسبة للأطفال والشباب، فهؤلاء الأجيال إذا أعدوا دينا وخلقا وعلما وعملا هم حماة الدولة واستمراريتها ، ولا ننسى مقولة الشاعر الهندي المسلم : "يا لغباء فرعون كان بإمكانه أن يفتح المدارس ويخرب عقول شباب بني إسرائيل عوضا أن يذبحهم"، فالتعليم هو الذي يصلح أو يفسد . ولا بد من الحرص على تعلم الشباب شتى الاختصاصات التي تؤهله للمشاركة في الاستقلال الاقتصادي والسياسي عن الدول الكافرة ، وعند المسلمين كفاءات تربوية لإعداد المناهج المناسبة فيجب أن يستفاد منها .
3- الاستفادة من التجارب الفاشلة للدول العربية ودول العالم الإسلامي بشكل عام عندما رفعوا شعارات التصنيع وأهملوا موضوع الزراعة فلا هم أتقنوا الصناعة ، ولا هم تركوا الناس يزرعون وأصبحوا يستجدون القمح من أمريكا ، وذلك لأن الشيء الطبيعي أن تبدأ الدول الصغيرة خاصة بالزراعة والصناعة تأتي في مرحلة تالية .
4 - إن الذي يثبت أركان الدولة هو إقامة العدل ولا شك أن تطبيق الإسلام فيه العدل الشامل ، والشعب الذي يعامل بالعدل وتصان حريته وكرامته سيلتف حول دولته ويكون معها في السراء والضراء ، والشعب الذليل لا يقيم دنيا ولا دينا ، وإن كل المقولات التي تبرر الضغط على الناس وممارسة الاستبداد غير مقبولة .

(53/63)


5- لا يقولن أحد من ضعفاء النفوس إننا لا نستطيع في هذه الظروف إلا أن ننحاز إلى إحدى الدول الغربية القوية . نعم يجب أن نتعامل مع الواقع حولنا ، ولكن استقلال القرار السياسي والإداري ليس صعبا وبشيء من الهدوء وضبط النفس ومعرفة ظروف المرحلة وتقوية العلاقات مع الدول الصديقة ، مع تماسك الجبهة الداخلية تستطيع الدول أن تكون مستقلة القرار . وهناك أمثلة من القريب والبعيد ، فالسلطان عبد الحميد استطاع لمدة ثلاثين سنة أن يجنب الدولة ضربات الغرب المتربصين وذلك لمعرفته بالظروف الدولية واستغلالها لصالحه .
هذه ملاحظات سريعة مشفقة ، وأمر البناء أكبر من هذا وخاصة في مجال بناء النفوس .

أوضاع المسلمين في اسكتلندا
عمران العمراني
تقع اسكتلندا في الجزء الشمالي من بريطانيا ، ويبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، وتعتبر مدينة "ادنبرة" عاصمة لها بينما تعد مدينة "جلاسجو" المدينة الصناعية والتجارية ومن أهم مدنها دندي وأبردين وغيرها .
يمثل المهاجرون الباكستانيون والهنود والبنغال معظم سكانها المسلمين بل إنهم أساس وجود المسلمين.. وهذه الهجرة كانت بعد الحرب العالمية الثانية وخلال استعمار بريطانيا للهند أوائل هذا القرن وسببها طلب العيش والبحث عن فرص أفضل للعمل.
ادنبره
هي العاصمة ويبلغ عدد المسلمين فيها حوالي خمسة عشر ألفا ، وبها ثلاثة مساجد لأهل السنة ، وبها أيضا للشيعة وجود ، ويبنى الآن مسجد جامع كبير ولا يزال قيد الإنشاء .
جلاسجو

(53/64)


عدد سكانها مليون نسمة منهم عشرون إلى خمسة وعشرين ألفا من المسلمين يعمل معظمهم بالتجارة، ويملك كثير منهم عقارات ومحلات بيع الجملة بل إن أكبر محلات الجملة في جلاسجو ملك لرجل باكستاني . وهم بهذه المثابة غير مرغوب فيهم من قبل سكان البلاد الأصليين لأنهم في نظرهم قد حصلوا على أحسن الوظائف وتسببوا في الغلاء والتضخم ، ولذلك ينادي كثير من الشخصيات الاسكتلندية بتحديد الهجرة والتشدد في إجراءات الإقامة ومنح اللجوء وغيرها من القوانين .
المساجد والمراكز الإسلامية
لأهل السنة خمسة مساجد رئيسية موزعة على النحو التالي :
- جماعة التبليغ مسجدان .
- الجماعة الإسلامية في باكستان ويمثلها الحركة الإسلامية في بريطانيا مسجد .
- جمعية اتحاد المسلمين مستقلة مكونة من بعض التجار وتشرف على المسجد المركزي .
- جماعة دعوة الإسلام وهم من البنغال .
وهناك مسجدان تابعان لكل من جامعة جلاسجو وجامعة ستراتكلايد .
إلى جانب مساجد أهل السنة يوجد مسجد للقاديانيين وآخر للبريليويين واثنان للشيعة .
وللأزهر مندوب يقوم بإلقاء خطبة باللغة العربية والإنجليزية يوم الجمعة في المسجد المركزي وله علاقة طيبة بالباكستانيين .
ولجمعية الطلاب المسلمين في بريطانيا فرع تحت اسم "دار المسلمين" تقام فيه حلقة أسبوعية يوم السبت ويقومون ببعض الرحلات خلال أيام الأعياد ، ويقيمون أياما ثقافية في مقر الدار .

(53/65)


وأيضا هناك جمعية "الرسالة" وتقيم حلقة أسبوعية يوم الأحد وتقوم بتنظيم أيام ثقافية بالتعاون مع المسجد المركزي ، وتقوم بالرحلات ونشاطات أخرى . المسلمون الباكستانيون في الجملة ليس لهم تأثير على أبناء جلدتهم بل إن نظرتهم للإسلام تكاد تنحصر في صلاة الجمعة واللحم الحلال وعدم أكل لحم الخنزير ، أما شرب الخمور وتضييع الصلوات فلا يعدونه منكرا أو كبيرة ، وقد سألت أحد أصحاب المحلات التجارية هل يوجد مصلى؟ - لأنهم يعملون من الثامنة صباحا حتى التاسعة مساء بدون توقف - فأجاب: لا، قلت: وأين تصلون؟ فأجاب: إذا رجعنا للبيت صلينا العشاء والفجر ، فقلت: وبقية الصلوات؟ أجاب : لا نصليها .
فهم محتاجون إلى توجيه مركز ودعوة تعرف واقعهم وتعالجه بما يناسبه ولا شك أن ذلك يحتاج إلى وقت وجهد ومال والله المستعان .
دندي
يبلغ عدد المسلمين بها حوالي ألف وخمسمائة منهم مائة من العرب معظمهم من الطلاب ، ومعظم المسلمين هنود سكنوا ملاوي الأفريقية وهاجروا ، وهم أقرب إلى الإسلام من سكان جلاسجو وإدنبره .
يوجد بدندي مسجدان لأهل السنة ، واحد للتبليغ والآخر تابع لجامعة دندي ، وللشيعة مسجد وكذلك للبريليوية .
أول من استوطنها أحد التجار الهنود ثم تبعه أقاربه الذين يبلغ عددهم الآن حوالي خمسمائة فرد .
توصيات :
المسلمون في اسكتلندا يفتقدون التوجيه والمؤسسات التي تشرح لهم الإسلام بطريقة تلائم واقعهم وتفهم حاجاتهم ، ومحتاجون إلى دعم وتكوين بل وإيجاد فرص عمل تستوعب الطاقات وهذا يحتاج إلى مال ورجال وبالإمكان الاستعانة بالطلاب الباكستانيين الطيبين الذين يوجد عدد كبير منهم ، وكملخص لما يمكن أن يوصى به أقول :
1- مؤسسات دعوية يكون نشاطها موجه للجالية الباكستانية .
2- الاستفادة من طاقات الشباب الباكستاني .
3- التعاون مع الجماعة الإسلامية في باكستان .
4-التفكير في فرص عمل ولو محدودة .
5-تكثيف توزيع النشرات بالأوردو .

(53/66)


آخر أخبار المعارك في الفلبين
تدور حاليا معارك ضارية في مديرية ملانج بمحافظة كوتباتو الشمالية .
بدأت هذه المعارك في الساعة السادسة والثلث تقريبا صباح يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة 1412هـ ، حيث هاجمت المليشيا النصرانية الحكومية قرية ليجاواسان الإسلامية بجوار المستنقعات الواسعة .
وكان مركز هؤلاء النصارى المعتدين هو قرية أنتباني النصرانية التي أقاموها بعد اغتصاب أراضي المسلمين في المنطقة ، وقد فاجئوا الأهالي المسلمين الآمنين بالهجوم المبكر الذي دبر أثناء صلاة الصبح . فقد هاجموا المسلمين بعد خروجهم من المسجد وقتلوا سبعة من هؤلاء المسلمين من بينهم شابان مثلوا بهما حيث قطعوا رأسيهما ومزقوا جثتيهما لأنهما متهمان بالانتماء إلى جبهة تحرير مورو الإسلامية وقتلوا الباقين .
وفي نفس الوقت قام مجاهدو جبهة تحرير مورو الإسلامية في معسكر عثمان بن عفان بالهجوم المضاد بعد أن وصل إليهم خبر الاعتداء على المسلمين الآمنين وألحقوا بالمليشيا النصرانية خسائر كبيرة ويقدر عدد قتلاهم بأكثر من عشرة قتلى ، وتصاعدت المعارك يوم العيد المبارك (الخميس العاشر من ذي الحجة 1412هـ) ولم يتمكن المجاهدون في المنطقة من أداء صلاة العيد لانشغالهم بالقتال من الصباح الباكر إلى آخر النهار . واستمرت المعارك إلى يوم الجمعة 11 ذو الحجة 1412 هـ .
جبهة تحرير مورو الإسلامية

من مكتبة البيان
إعداد: عبد العزيز الحويطان
- صدر حديثا كتاب بعنوان "ضوابط للدراسات الفقهية" للشيخ الداعية سلمان بن فهد العودة ، يأتي الكتاب في 130 صفحة من الحجم المتوسط ، وهو محاولة ناجحة لرسم خطة عملية متكاملة للدراسات الفقهية المعاصرة ، تحدث المؤلف فيه عن أهمية الفقه وضرورته ، والملاحظات على الدراسات الفقهية قديمها وحديثها ، ثم تحدث عن الضوابط التي يجب أن يتحلى بها الباحث في هذا المجال ، ثم ذيله ببعض المراجع التي يحتاج إليها الباحث المتخصص .

(53/67)


أتى الكتاب قيما متميزا في عرضه وفكرته ، والكتاب من توزيع دار الوطن للنشر .
- "شرح العمدة في الفقه" لشيخ الإسلام ابن تيمية :
خرج الجزء الأول "كتاب الطهارة" من كتاب شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق الدكتور سعود بن صالح العطيشان وذلك في مجلد حافل وضخم ، والكتاب يكتسب أهمية من مؤلفه ابن تيمية - رحمه الله - الذي تميز بسعة اطلاعه ومعرفته بالخلاف وقوة ترجيحه .
الكتاب لم يتمه شيخ الإسلام بل وصل إلى كتاب الحج ، وهذا القسم - قسم الطهارة - قدمه المحقق لنيل شهادة (الماجستير) من الجامعة الإسلامية وأخذ عليه درجة امتياز والكتاب من توزيع مكتبة العبيكان .
- "مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها" :
هذا الكتاب للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل ، الأستاذ المشارك بقسم العقيدة - كلية أصول الدين بالرياض - كتاب قيم ونفيس ، تكلم عن قضية كبرى مهمة في هذا الدين ألا وهي قضية العقيدة ، عرف المؤلف من خلاله العقيدة ومعنى أهل السنة والجماعة ، ثم ذكر تاريخ العقيدة وأصولها ومصادرها وخصائصها ، ثم ذكر فصلا مجملا عن اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وأخيرا تحدث عن بعض النتائج والخواطر عن هذا الموضوع ، وعلاقته بالحركات الإسلامية المعاصرة وموقفها منه .
أتى الكتاب في (80) صفحة تقريبا ، من توزيع دار الوطن للنشر..
- صدرت أخيرا مجموعة من الكتب للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ، مثل "الرقابة على التراث" و"الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" و"تحريف النصوص من مأخذ أهل الأهواء في الاستدلال" و"الرد على المخالف" و"معرفة النسخ والصحائف الحديثة" و"التحديث بما لا يصح فيه حديث" .
وهي كتب جديرة بالقراءة والاطلاع ، بذل فيها المؤلف جهدا طيبا من ناحية الاستقصاء والبحث .

منتدى القراء
الكلمة الهادفة الهادئة

(53/68)


كثيرا ما نرى في المساجد بعض الشباب الممتلئ حماسا وحيوية والذي يلمس من نفسه شعورا بالقدرة على صعود أعواد المنابر ومواجهة الناس للتكلم إليهم سواء في خطبة جمعة أو كلمة تلقى على المصلين .
وتظهر مع بعض هؤلاء الشباب نبرة الصوت العالية التي هي - إن شاء الله - خرجت من قلب مشفق محب للخير ، ولكن قد يصاحب هذه النبرة بعض الكلمات الموجهة إلى شريحة معينة من المجتمع - كالعصاة الظاهرة معاصيهم - بعض الكلمات الجارحة مما يؤدي إلى نفور هذه الشريحة من المتحدث وعدم الأخذ بكلامه جملة وتفصيلا وذلك لمصادمته لهم مباشرة وبأسلوب فيه غلظة في القول .
لا ندري لماذا لا يلجأ هؤلاء الشباب ومن على شاكلتهم إلى تلافي مثل هذه المآخذ في كلماتهم وخطبهم ، واللجوء إلى الكلمة الهادفة الهادئة . التي ترتكز على عدم رفع الصوت أكثر مما ينبغي ، وعلى محاولة كسب قلوب الناس وملاطفتهم بالنصيحة ، وذكر ما يناسبهم من الحديث ، وعدم مصادمة مشاعرهم ، وإطلاق الكلمات الجارحة ، والأخذ بمنهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي وصفه ربه بقوله : ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)) .

هل نسينا مسألة الوحدة
عبد العزيز العنزي
يعتبر أي مشروع نهضوي إسلامي لا يضع في مقدمة أهدافه تحقيق الوحدة بين المسلمين مشروعا فاشلا ، وليس سبب هذا الفشل فقط إغفاله للنصوص الشرعية المتواترة القاضية بالحث على الوحدة وذم التفرق بين المسلمين ؛ بل لأجل إغفاله ضرورة عملية من ضرورات العمل الدعوي ، ولا أظن أن هذه القضية تخفى على كل ممارس للعمل الدعوي على أرض الواقع .

(53/69)


إذا تقرر ما تقدم فإن الناظر والمتأمل في واقع الدعاة يرى عجبا في هذا الجانب فالقضية أصلا لا تتناول إلا في نطاق ضيق،وإن تنولت فليس على مستوى الهم العام لجميع الدعاة، ولم نصل بعد إلى مرحلة جعل هذه القضية من قضايا المسلمين العامة التي لا يجهلها أحد .

أين أجد لذة العبادة
أم قتيبة
تكالبت علي الهموم والأحزان، بسبب ما أسمع وأرى عن المآسي التي تمر بها الأمة الإسلامية : حروب طاحنة ، مجاعات رهيبة ، فيضانات مدمرة ، وما يكاد يلتئم جرح حتى تنفجر جروح من بورما إلى كشمير إلى إرتريا إلى يوغسلافيا ، ولكنني أتساءل أين دور المسلمين على الساحة العالمية ؟
فلما تكالبت علي هذه الأحزان ، قمت بزيارة إلى البلد الأمين ، لعلي أنسى بعض همومي وعندما وصلت هناك ، ورأيت الكعبة انهمرت من عيني الدموع وهالني منظر الجموع المحتشدة ، وتذكرت دعاء أبينا إبراهيم : ((ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)) . وبعد أداء مناسك العمرة رجعت أدراجي إلى السكن لأستريح قليلا، ولكنني فوجئت بالنغمات الموسيقية تنطلق من الشقة المجاورة ، وبعد قليل دوى صوت الله أكبر الله أكبر فذهبت الحرم لأداء الصلاة . وهناك طلبت إحدى الأخوات تسوية الصفوف ، فانبرت أخرى بلسانها البتار ، بشتائم مقذعة ، وتعالت الصيحات والعويل من الصفوف الخلفية ، قلت في نفسي عل بعض النساء وصلتهن أخبار محزنة ، ولكنني علمت فيما بعد أن إحداهن حجزت مكانا لأخرى فنازعتها امرأة ثانية على ذلك المكان فقلت : سبحان الله أين نحن من حديث المصطفى -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" .

(53/70)


ومكثت في مصلاي ، وشد انتباهي تبرج بعض النساء من إبداء زينتهن ، وتذكرت قول رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن الصنف الذي لم يره ، وهن الكاسيات العاريات . فتساءلت أين ذووهن ؟ ومن المسؤول عنهن ، لماذا لا يؤخذ على يد السفيه حتى لا يعمنا الله بعقاب ، وما أفقت من تفكيري حتى لسعتني أشعة الشمس ولسان حالي يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم ثبتنا على الإيمان .
القراءة الناقدة
فيصل الذواد
لو تأملت ظروف تطور الفتن ، قديمها وحديثها ، فسوف تلاحظ أن عامة الناس ، بادي الرأي، الذين يجرون وراء كل ناعق، هم وقودها وسبب انتشارها ، لذا فإنهم في زمن الأمن قنبلة موقوتة، سهلة الاستعمال، قليلة التكاليف لأعداء هذا الدين، ما لم تحصن عقولهم، وترم آراؤهم ، ويقطع دابر الفوضى المستشرية في أفكارهم وعقائدهم .
والمطبوعات بأنواعها من كتب، ودوريات وصحف ونشرات مختلفة المشارب، والأهواء، تضخ في عصرنا هذا بكميات هائلة، تجعل من الصعب استيعابها ، فما بالك بغربلتها، وإبراز ما فيها من عيب وخلل .
والناس يتعاملون مع هذه المطبوعات ، على ضروب كثيرة ، أبرزها ثلاثة ، نخص الأخير منها بهذه المقالة ، أما الأول : فهو المتلقي الواعي ، الذي يغربل ما يقرأ ، ثم يتأنى في قبول أو رد رأي يعرض عليه، فيعرف الغث من السمين، ويراعي قبل ذلك، حال صاحبه أهو ثقة ، أم مجهول لا يعرف منبته ، وهذا الضرب لا يخاف منه ولا عليه .
والثاني: هو الذي لا يقبل أي رأي، ولا يقتني أي مطبوع ، إلا باستشارة من يثق ، وهذا أمره أهون ، والخوف منه وعليه أقل .
أما الأخير فهو المستهدف ، وإليه توجه السهام ، فهو الذي يقبل ما هب ودب ، ليس له رأي معين، وليس عنده مسلمات، ولا يعرف الثوابت ، فهو طوع لكل فصيح ، فهذا مصدر الداء وأس البلاء، وعون الأعداء .

(53/71)


وكما الطحين بحاجة إلى غربال، يزيل عنه قشوره وشوائبه، فما يقرأ أيضا بحاجة إلى عين ناقدة، تستخلص ذهبه من نحاسه، تلك القراءة الواعية المستنيرة بنور الإيمان، وضياء القرآن وعدل الإسلام ..

في دائرة الضوء
نعم الإسلام هو البديل
كثيرا ما يتباهى الغربيون أنهم أهل الديمقراطية ودعاة الحرية العامة وحرية الرأي بخاصة ، وأنهم أكدوا ذلك في دساتير بلدانهم ، وأنهم مع (حقوق الإنسان) التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة ، ويرون أنها من بدهيات الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الإنسان أيا كان ، بل لأنهم يسالمون ويعادون على ضوء تلك الحقوق الإنسانية . وكثيرا ما يكونون في صف أدعياء الفكر من الكتاب والأدباء الذين ألفوا كتبا إلحادية بدعوى أن ذلك مما تكفله حرية الرأي للجميع . ولا يغيب عن البال موقفهم من (سلمان رشدي) حينما ألف كتابه (آيات شيطانية) و (علاء حامد) في روايته (مسافة في عقل رجل) .
إلا أننا وبمعرفتنا بالعقليات الغربية ومنطلقاتها الصليبية لا نشك في أن مؤازرتهم لأمثال أولئك الكتاب ذوي الاتجاهات المنحرفة ليس إلا لكونهم طعنوا في الإسلام عقيدة ومنهاج حياة ، وإلا فلماذا أصدروا في (بريطانيا) قرارا بمصادرة كتاب (صائد الجواسيس) ، وصودرت حرية الرأي حينما أراد أحد الباحثين أن يدرس وينقض دعوى اليهود الصهاينة بادعائاتهم إحراق (هتلر لليهود)؟! وحينما تقدم الباحث برسالته العلمية التي تنقص تلك الدعوى التي ما زالوا يمتصون بها الملايين بدعوى التعويض عن القتلى اليهود من قبل (النازية) رفضت الرسالة. في الوقت الذي تباشر عمليات الاضطهاد لمن ينقد التوجهات الصهيونية للعدو الإسرائيلي في أمريكا بدعوى عدم إثارة النزعة اللاسامية .

(53/72)


هذا كله مقدمة لحال السفير الألماني الدكتور (مراد ويلفريد هوفمان) الذي ألف كتابه الجديد (الإسلام البديل) وتعرض بعده إلى حملة صحفية قادتها الجمعيات النسائية ، بدعوى أن الإسلام أهان المرأة . وتعرض للمساءلة من (الخارجية الألمانية) ولومه لأنه خرج عن مهام وظيفته . ودعت نائبة في (الحزب الديمقراطي الاشتراكي) إلى إقالته لأنه تجاوز حقوق المرأة في الدستور الألماني . هذه الحملة المغرضة ضد السفير مع أن الدستور الألماني يعتبر الدين من الشؤون الشخصية .
والحقيقة خلاف ما قيل عن المؤلف المسلم وكتابه فهذا الألماني المسلم (عبد الله رودلف بيريت) صديق المؤلف (هوفمان) يقول أن الحملة وجعل عنوانها "الدفاع عن حقوق المرأة" ليس ذلك إلا مجرد عنوان والحقيقة هي الخوف من الكتاب وما تضمنه من أفكار تقدم (الإسلام كبديل من نمط الحياة الغربية). فالمؤلف (هوفمان) سبق له أن ألف كتابا سابقا بعنوان (مذكرات مسلم ألماني) ولم يثر أي ردود فعل غير عادية ، بل إن الكتاب موجود في السفارات الألمانية بالدول الإسلامية . وإن جريدة كبرى مثل (فرنكفورتر الجيامينيه) نشرت لذلك الكتاب عرضا موضوعيا لكاتب غير مسلم . وما ذلك إلا لأن الكتاب الأول لم يكن فيه أي إثارة ، ولما جاء الكتاب الجديد بأفكار تغييرية أثارت حمية القوم ، وقامت قائمة الخائفين من عرض الإسلام بوجهه المشرق كبديل عن الأنظمة الأرضية ، التي لم تورث إلا الفساد والدمار والانحراف .
ودعونا نستعرض الخطوط العريضة لكتاب (الإسلام البديل) ونحكم القراء المسلمين بعامة وغيرهم بصفة خاصة . ثم لنتساءل هل لتلك الحملات الظالمة ضد الكتاب أدنى وجه من الحق أم أنها حملة صليبية ليس إلا ؟؟..
فالعناوين الرئيسية لفصول الكتاب الذي يقع في 220 صفحة تتلخص فيما يلي :

(53/73)


* الإسلام والغرب و (مفهوم الإيمان في الإسلام) والديانة المسيحية من وجهة النظر الإسلامية.. الإسلام كدولة ووجهة نظر الإسلام في النظام الاقتصادي ، وحماية البيئة وحقوق الإنسان ، والجهاد والحقوق الدولية ، وفي الفصل الخاص بالمرأة والذي آثار الضجة تناول المؤلف المرأة في المجتمع الإسلامي مدعما رأيه بالقرآن والحديث ، حيث بين مكانة المرأة المسلمة ودورها الكبير في المجتمع كأم ومربية ومحور للحياة والمجتمع ، وناقش مسائل الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والميراث والحجاب ، وما أكده الإسلام من العدل بين النساء وأحكام الطلاق كضرورة اجتماعية ، وشرح بموضوعية أحكام الإرث وشهادة المرأة ، وحذر المؤلف من أن يسيء الغربيون فهم أحكام الإسلام تلك لأنها لا تتلاءم مع واقعهم الذي ركز عليه انتقاده ، متسائلا عن معنى إطلاق الحرية للإجهاض وقتل الجنين في رحم أمه وانتشار الإباحية والتعري المفضوح ، وأكد السفير في كتابه وجود الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة وأن الإباحية ستدمر المجتمعات الغربية .
هذا ما أثار حفيظة هؤلاء وما حرك ضغينتهم بلا مبرر معقول ؛ فأين الحرية التي يدعون وأين الديمقراطية التي يزعمون ، لماذا تكون الحرية حينما يكون ذلك في حرب الإسلام وفي نقد قيمه ومثله ، أما حينما تكون في عقائدهم هم ومنطلقاتهم هم ودساتيرهم هم فإنها تصادر ويدعى إلى استئصالها بل إلى خوض معارك صليبية ضد من يثير حولها التساؤلات..؟!
لماذا لا يتاح المجال للفكر الحر النزيه أن يرى النور في مجتمعاتهم التي يسمونها بمجتمعات النور!...النور العنصري !
لماذا لا يتركون كل مفكر موضوعي أن يقول رأيه في وضح النهار ؟! إن ما قاله المسلم الألماني (عبد الله رودلف) هو الحقيقة وهو أنهم إنما جعلوا المرأة عنوانا للحملة ولكن المقصود هو الخوف من جعل الإسلام هو البديل لحضارتهم .

(53/74)


ويوم يترك للإسلام المجال في النور لا شك سيرى فيه الناس المثل الأعلى الذي يحل مشاكلهم ويستأصل أمراضهم وانحرافاتهم وهذا ما تنبأ به بعض عقلائهم .
نعم إن حل مشاكل الدنيا يوم يكون للإسلام الحاكمية كاملة ، يوم يوقف أدعياء الحرية محاولاتهم وأد الحرية المسؤولة خوفا من البديل الذي يهز بيوت العنكبوت التي يهتمون بها .

مراجعات في عالم الكتب
الحياة السياسية عند العرب
دراسة مقارنة على ضوء الإسلام
تأليف : محمد حامد الناصر
عرض : عثمان جمعة ضميرية
الدراسات الأدبية التي تنحو منحى المقارنة على ضوء الإسلام قليلة أو نادرة، وهذا الكتاب ، الذي فرغت من قراءته، واحد منها، يرصد مفهوم الجاهلية كما وردت في الشعر الجاهلي، ذلك الشعر الذي صور لنا حياة العرب قبل الإسلام، في حروبهم وثوراتهم وعاداتهم وعقائدهم وخرافاتهم .
وهذا الكتاب هو الأول في دراسة مطولة تشمل الحياة السياسية والأخلاقية والاجتماعية والدينية في العصر الجاهلي ، فتكتمل الدراسة في أربعة أجزاء، أولها عن الحياة السياسية وما فيها من حروب وثارات وصراعات بين القبائل، وفيه كذلك دراسة موسعة عن العصبية القبلية وتطورها ، ثم ظهورها في العصور التالية ، على صورة شعوبية حينا أو وطنية حينا آخر .
ولئن وجدنا في المكتبة الأدبية والتاريخية المعاصرة كثيرا من الدراسات التي عنيت بجانب من تلك الجوانب السالفة ، فإننا لا نجد فيها هذه الموازنة والمقارنة بين مفهوم الجاهلية كما تبدت في الشعر الجاهلي الذي يعبر عنها أصدق تعبير وبين هدي الإسلام الذي أنقذ هذه الأمة من تلك الرواسب الجاهلية واستنفذ الفضائل التي كان يتصف بها "العرب قبل البعثة، ووجهها الوجهة البناءة ، وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام الرذائل!

(53/75)


والميزة الثانية لهذا الكتاب : أنه يرصد آثار الجاهلية كلما ظهرت في جانب من جوانب حياتنا المعاصرة، ويلحظ أن وجه الشبه قوي بين المظاهر العامة، والمنطلقات في كل منهما .
وقد اتخذ الكاتب من الشعر الجاهلي مصدرا للبحث في القسم الذي يبحث فيه عن الجاهلية ، فرجع إلى المصادر الموثوقة له ، مثل المفضليات والأصمعيات والمعلقات ، ودواوين الشعراء . ورسم الصورة المقابلة من المصادر الإسلامية ، فالقرآن الكريم ، وحي الله المنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكتب السيرة والتاريخ الإسلامي ، فيها الغناء كل الغناء في هذا الجانب ، ولذلك كان التركيز عليها خلال المقارنة .
ويقع الكتاب في مقدمة وفصلين متتالين يسلم أولهما لثانيهما ، ففي المقدمة دراسة موجزة عن منزلة الشعر ومكانة الشعراء ثم بيان لمعنى الجاهلية .
أما الفصل الأول عن "الحياة السياسية عند العرب قبل البعثة المحمدية" ؛ ففيه خمسة مباحث تصور حياة الرعب قبل الإسلام ، وتدرس أسباب الحروب الجاهلية وأثرها على موضوعات الشعر، وتفرد مكانا للثأر وآخر للأحلاف - وكلاهما موجز - ثم تفصل الحديث عن أيام العرب وحروبهم ، لتنتهى الدراسة ببعض النتائج والملاحظات عن المقومات الأساسية في الحياة العربية .

(53/76)


ثم يأتي معظم الكتاب بعد ذلك ، وهو الفصل الثاني : "الإسلام والجاهلية" ، وفيه دراسة موازنة تقع في خمسة مباحث ، تدرس التربية العقدية ودورها في اجتثاث مقومات الجاهلية ، والعصبية وموقف الإسلام منها ، وفي المبحث الثالث : وحدة الأمة بعد التفرق والتناحر ، ثم سيطرة العادات واتباع الأهواء، وأخيرا يرفع راية الجهاد في سبيل الله بدلا من الحروب والثارات الجاهلية الدامية . وفي تضاعيف كل مبحث من هذه المباحث أفكار ينبغي الوقوف عندها ودراستها . وقد فعل ذلك ، لينتهي البحث إلى التحذير من عودة مظاهر الجاهلية في حياتنا الإسلامية ، ويرسم سبل الوقاية من ذلك ويحدد العلاج ووسائل التغيير .
وإلى أن تصدر سائر أجزاء هذه الدراسة الجديدة النافعة - إن شاء الله - ندعو للكاتب ونسأل الله أن يوفقه للمزيد من البحث النافع الجيد ، ليسد بذلك ثغرة في المكتبات الأدبية الإسلامية .

الصفحة الأخيرة
على قلوب أقفالها !!
عبد القادر حامد
كثير من العلمانيين من هو متخصص في علم الاجتماع ، ومن ليس متخصصا به يدعي أنه قد اطلع على بعض قوانينه وشروطه . ولكن هؤلاء العلمانيين يتجاهلون عمدا - أو لأن الله طبع على قلوبهم - مبادئ هذا العلم ونظرياته عندما يسعون وراء سراب ما يسمونه "التغيير" في المجتمعات الإسلامية، فيمشون عكس تيار هذه المجتمعات، وضد قوانين نموها ، وينتشون بنسمة تحد هو أشبه بالتحدي الذي يعتري الصبية عندما يخالفون من حولهم . لكنه يخلو من براءة تحدي الصبية لأنه ملوث بنزعة الاستظهار بالأجنبي وتسهيل الطريق له .
وشيء آخر يتميز به هؤلاء العلمانيون هو الإصرار على باطلهم بصلف قاتل ، واستغلال محطات نجاحهم وفشلهم في سبيل هذا الباطل ، ودفعه حتى يصبح شيئا معروفا لا ينكره الأسوياء ، بل يدافعون عنه وينكرون على من ينكره !

(53/77)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية