صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجلة البيان ـ الأعداد 1 - 100

رد رشيد رضا أيضا على زعم من يزعم أن الصحافة هي المخرج ، وبين أن الصحافة -.مع مالها من شأن عظيم وأهمية لا تنكر- لكنها لا توجد المدنية بل هي أثر من آثارها وثمرة من ثمراتها .
وبعد أن استنفد ما يتصور من الأجوبة وناقشها ختم بجواب هو عنده الوسيلة الصحيحة التي ترجع إليها كل الأسباب لتحقيق التقدم والارتقاء وهو "تعميم التربية والتعليم" بين أفراد الأمة . فهل هذا هو الجواب الفاصل؟! قد لا يكون هناك إجماع على هذه النتيجة التي وصل إليها ، فقد عممت التربية والتعليم ، وأصبح التعليم مجانيا لدى أكثر الشعوب العربية ، وكثر الأطباء والمهندسون والخبراء ، فهل أدى ذلك إلى التقدم الذي نشده رشيد رضا من التربية والتعليم ؟ لا أحد يرى ذلك .
أين الخلل إذن ؟ هل هو في المناهج التعليمية ؟ أم في الإدارات التي تديرها ؟ أم في المصدر الذي يوجه هذه الإدارات ، ويرسم سياستها ؟ أم في علة أخرى..
الأجوبة كثيرة والحاصل واحد !
الهوامش :
1- لم تكن أمريكا حينذاك قد أصبحت قوة عظمى فاعلة على المسرح العالمي .
2- أي النمرود وفرعون .

خواطر في الدعوة
أزمتنا الأخلاقية
(2)
محمد العبدة
كم هو مؤلم للنفس أن يشكو إليك أخ مسلم حال بعض المنتسبين للدعوة فيذكر من جفائهم وبعدهم عن تطبيق ما يأمر به الإسلام من الرفق واللين والكلمة الطيبة ، والسؤال عن الحوائج وتفقد الأحوال ، والزيارة الأخوية ، ويتابع هذا الشاكي فيقول : "دخلت المستشفى فلم يزرني الإخوة الذين أعرفهم ، وزارني زملاء العمل الذين هم أقرب لأن يكونوا من عوام المسلمين ، وبعضهم يعرض علي المساعدة المالية ، أو أي خدمة يمكن أن يؤديها" .

(50/11)


ونحن نسمع ونرى كيف يخدم أهل الباطل بعضهم ، أو من يريدون وقوعه في شباكهم ، مع أن المسلمين هم أولى الناس بكل مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، ولا يجوز أن يسبقهم سابق في هذا المضمار ، وإننا نذكر المسلم بحديث : "اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب" وحديث العاهر التي سقت كلبا في يوم قائظ فغفر الله لها، وحديث المرأة التي عذبت في هرة لها حبستها ، وحديث الذي كان يقام عليه حد الخمر فلعنه أحدهم ، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : "لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله" كما نذكرهم بقصة الإمام أبي حنيفة مع جاره السكير الذي كان سجن فشفع له أبو حنيفة حتى تاب وأناب .
إن من أسباب هذا الجفاء والجفاف عند بعض المنتسبين إلى الدعوة هو ضيق عطنهم، وجهلهم بحال المدعو وبطريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاله في تأليف الناس وطريقة العلماء الربانيين من هذه الأمة. ولذلك تجدهم إذا رأوا من هو مقصر في بعض السنن عاملوه بازدراء واستخفاف ، وقد لا يسلمون عليه إلا بصوت منخفض ، ولا يهتمون به ولا يحاولون استمالته بالكلمة الطيبة أو بصنع المعروف حتى يميل قلبه إلى محبه السنة وأهلها.
وهذا الذي ينظر إلى المقصرين بعين الازدراء وقع في داء أشد وهو العجب بالنفس والاستطالة على الخلق . وهؤلاء غالبا ما يقعون في الغيبة باسم النقد والتقويم . وهذا المرض أصبح فاشيا، فتذكر معايب المسلم وقد لا تكون فيه، وأكثرها من الأوهام والظنون، ولا تسأل كذلك عن المكر الذي يستعمله بعضهم مع إخوانه ويعد هذا من الذكاء والكياسة، وينظر للمسلم الذي لا يستعمل هذا المكر على أنه مغفل مسكين .
وبعد هذا كله ، ألا يحق لنا أن تصف بعض جوانب أزمتنا بأنها أخلاقية ، وهي فرع ولا شك من تخالفنا العام الذي طال مكثه فينا ، ونحن نحاول من هنا وهناك الخروج من هذا المأزق ؟!

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية
عثمان جمعة ضميرية
-1-

(50/12)


اقتضت حكمة الله وإرادته أن يجعل آدم وذريته خلفاء في الأرض ، ليقوموا بعمارتها وفق منهج الله تعالى وشريعته ، فيحققوا بذلك غاية وجودهم ، توحيدا لله وعبادة له وطاعة ؛ حيث قال -سبحانه وتعالى- :
((وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)) [البقرة:30] .
((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم)) [الأنعام:165]
ولما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض لم يتركه لنفسه أو لعقله ، فهو يحتاج إلى عناية ورعاية ، ويحتاج إلى منهج وهداية ، وقد أكرمه الله تعالى بذلك ، فأنزل عليه الهداية الربانية والمنهج الذي تستقيم به حياته :
((قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) [البقرة:38 - 39] .
-2-
ومنذ أن أوجد الله تعالى البشر فطرهم على التوحيد والإيمان بالله تعالى ، وأخذ عليهم العهد والميثاق، مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم، ولذلك يأمرهم أن يقيموا وجوههم لله، وأن يخلصوا دينهم له ، فإنه مقتضى الفطرة ، وتحقيق للعهد ، وأداء للشهادة التي أشهدهم عليها :
((فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) [الروم:30] .

(50/13)


وعلى هذه الفطرة والتوحيد كانت البشرية الأولى قبل أن يقع الانحراف ، كانت على التوحيد والإسلام من وقت آدم إلى مبعث نوح ، وكان بينها عشرة قرون ، كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحا ، فكان أول رسول ، ثم بعث الله بعده النبيين :
((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)) [البقرة 213] .
-3-
ولا تستقيم حياة البشر إلا ببعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فهي ضرورية للعباد ، لا يستغنون عنها ، فهي بمثابة الروح للحياة والنور للهداية والإبصار ، ولذلك سمى الله تعالى ما أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - : روحا ونورا ، فقال : ((وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)) [الشورى:52] .
ولذلك بعث الله تعالى الرسل تترى ، كلما ضلت أمة بعث الله تعالى إليها رسولا ، يقيم عليها الحجة ويقطع العذر ، ويبشرها وينذرها : ((إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)) [ فاطر 24] .

(50/14)


وهؤلاء الرسل هم الذين يحملون الشرائع للناس ويبينونها لهم ، ويبلغونهم البلاغ المبين ، فيعرفون الناس بربهم معرفة صحيحة صادقة ، ويضبطون حركتهم الفكرية والعلمية بضوابط الوحي الإلهي ؛ إذ لا تستطيع العقول البشرية - مهما ارتقت - أن تستقل بمعرفة ما ينبغي معرفته من مصالحهم العاجلة والآجلة ، ولا تستطيع معرفة أمور الغيب المحجوبة عنها ، ولا الأمور الدينية على وجه التفصيل . وهم أيضا : القدوة الصالحة التي تتأسى بها البشرية ، ولهم الأثر الباقي الخالد في الحياة . وهم سبب كل خير ، وبرسالتهم ودعوتهم تقوم الحضارات .
-4-
ولما بلغ الكتاب أجله ، قضت حكمة الله تعالى أن تختم رسالات السماء برسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، فلا رسالة بعد رسالته ، ولا نبي بعده . وهذا يقتضي أن تكون دعوته خطابا عاما موجها للناس جميعا ، وأن يكمل الله تعالى بها الدين ، وأن يتم بها النعمة ويجعلها ظاهرة على الأديان كلها ناسخة لها . وقد كان ذلك كله ، فأصبحت هذه الأمور خصائص لهذه الرسالة التي تكفل الله بحفظها عندما تكفل بحفظ أصلها المنزل حين قال : ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) [الحجر:9] ، ولذا فهو كتاب ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)) [ فصلت:42] .
-5-

(50/15)


ونهض رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، بأعباء الدعوة وصدع بها ، منذ أن أمره الله تعالى بذلك ، واستمر نزول الوحي عليه في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما ، لم يعرف لها التاريخ مثيلا في الدعوة والتجرد والإخلاص والتفاني ، والصبر والجهاد والمجاهدة ، والتربية الإيمانية العميقة . فنشأت - عندئذ - القاعدة الصلبة التي رباها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى عينه ، يقود خطاها الوحي الإلهي في كل لحظة من اللحظات ، ويأخذ بيدها لتكون على الجادة من الطريق الطويل.. ثم انتقل بها إلى المدينة حيث تجد التطبيق العملي لمبادئ الإسلام كاملة، بعد أن أراد الله تعالى لأهلها الخير ، فساقهم ليبايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة العقبة التي كانت حجر الأساس في بناء الدولة الإسلامية ، التي عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - لإقامتها بوحي من ربه -تبارك وتعالى- .
كل هذا ، والصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- يتلقون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أحكام هذا الدين وتعاليمه وآدابه : فيما يتعلق بالإيمان ومعرفة الله سبحانه ، وما ينبغي له من الطاعة ، وفي كيفية العبادة وأداء الشعائر ، وفي شتى أنواع المعاملات ومناشط الحياة الفردية والاجتماعية ، وفي جوانب الأخلاق والآداب والسلوك ، ثم في علاقة الأمة بغيرها من الأمم الأخرى.. كل هذا دون أن يكون هناك تقسيم لهذه الأحكام أو تصنيف لها أو تبويب على أساس أن هذا عقيدة وذاك فقه وعبادة ، والثالث اقتصاد أو سياسة.. إلى غير ذلك من هذه التقسيمات الحادثة - اليوم - للضرورة ، ودون أن يكون هناك تفريق بينها في الالتزام بها والعمل بمقتضاها. فهي كلها أحكام منزلة من الله ، ينبغي عليهم أن يتلقوها بالتسليم ، وأن يسارعوا إلى الامتثال والالتزام بها والتفاعل معها ، ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم بالله واستسلامهم لشرعه ودينه .

(50/16)


ولذلك نجد الإسلام والإيمان والإحسان في سياق واحد يعبر عن الدين كله ، كما في حديث جبريل الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وفيه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال ، وجعل الإيمان اسما لما في من الاعتقاد ، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان ، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام ، بل ذلك كله تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ، ولذلك قال : "إنه جبريل جاءكم يعلمكم دينكم" .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يدعو لهذا الدين بجملته ، لأنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه ، كما قال -عليه الصلاة والسلام- لجماعة من شيبان بعد أن عرض عليهم الإسلام . وهو ما يشير إليه جوابه لوفد ثقيف عندما وفدوا عليه ، وغدوا عليه أياما ، وهو يدعوهم للإسلام كله دون أن يكون هناك استجابة لبعض ما يريدونه من مسامحة في أمور بعينها يريدونها !
-6-
فالدين الإسلامي - بما أنه منهج إلهي للبشر ينبغي أن يصرف حياتهم ويوجهها - يشمل جانبين اثنين ، تتفرع عنهما سائر الجوانب الأخرى وتعود إليهما:
الجانب الأول : الأصول الاعتقادية ، أو الأساس النظري الذي يشكل القاعدة الأساسية في بناء هذا الدين ، ومنه ينطلق المؤمن ، ويضبط حركته كلها بضوابطه ، ويوجه سلوكه وأعماله بمقتضاه ، وهو يفسر له أصل نشأة الإنسان وغايته مصيره ويحدد علاقته بالوجود كله من الحياة والأحياء بعد أن يحدد له صلة بالله تعالى .
وهذا الجانب هو العقيدة التي تقوم على أصول نسميها أصول الإيمان وأركانه ، مما يجب أن يعتقد به المؤمن ويصدق به.. وتسمى الأحكام المتعلقة بهذه النواحي أحكاما أصلية أو اعتقادية .

(50/17)


والجانب الثاني : هو النظام الذي ينبثق عن تلك الأصول الاعتقادية ويقوم عليها ، ويجعل لهذه الأصول صورة واقعية متمثلة في حياة البشر الواقعية . ، لذا فهو يحدد للمكلفين حدودا في أقوالهم وأفعالهم - كما يقول الشاطبي -رحمه الله - فيبين كيفية عمل المكلف ، والإتيان به على الوجه الذي أمر به الشرع ؛ في الشعائر التعبدية والنظام الاجتماعي ، ونظام الأسرة ، والنظام الاقتصادي وفي قواعد الأخلاق.. وفي كل ما من شأنه تنظيم حياة الناس وارتباطاتهم وعلاقاتهم.. وتسمى الأحكام المتعلقة بهذه الجوانب كلها : أحكاما فرعية أو عملية ، لأنها عمل متفرع عن الاعتقاد .
والعلم المتعلق بالجانب الأول من هذين الجانبين يسمى علم العقيدة أو أصول الدين . والعلم المتعلق بالجانب الثاني يسمى علم الشرائع والأحكام ، لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع ، ولا يسبق الفهم - عند الإطلاق - إلا إليها .
-7-
وإذا كانت العقيدة هي أصل البناء وأساسه ، فإن الشريعة تنبثق عن هذا الأصل وتقوم عليه ، بحيث يكون كل حكم من أحكام السلوك الإنساني ، في أي جانب من جوانب الحياة ، متفرعا عن أصل من أصول العقيدة والإيمان ومرتبطا به. فلا قيمة ولا استقرار لنظام لا يستند على أساس متين ، كما أنه لا جدوى من أساس ما لم نرفع فوقه بناء قويا محكما .
وهكذا تتعانق العقيدة والشريعة لتكوين هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به ، وإن كان أحد الجانبين أعظم أهمية من الآخر ، فإن العقيدة هي الجانب الأعظم الذي أولاه الإسلام عنايته الكبرى أولا في مكة المكرمة ، وهي مرحلة الإعداد والتربية والتكوين ، ثم استمر الحديث عن هذه العقيدة عندما بدأت الأحكام تتنزل على الأمة في المدينة ، بعد أن أصبح لها وجود فعلي وكيان مستقل ، بل كانت العقيدة هي الروح الذي يسري في هذه الأحكام ، فيهبها الحياة النابضة المتحركة .

(50/18)


وقد عرضت الأحكام الشرعية في جوانب الحياة ، حتى تلك التي تبدو وكأنها لصيقة جدا بالجانب المادي أو الجسماني البحت - من خلال العقيدة وارتبطت بالإيمان بالله تعالى ومراقبته ، وأحكام الشريعة بجملتها شاهد صادق على ذلك .
-8-
ولعله من نافلة القول ، أن نؤكد مرة أخرى على أن هذه التقسيمات السالفة للدين إلى عقيدة وشريعة وأخلاق.. إنما هي تقسيمات فنية اصطلاحية من أجل الدراسة والمعرفة، اقتضتها ضرورة التأليف والتصنيف بعد نشأت العلوم واستقلالها بالتدوين . ولكن الغفلة عن هذه الضرورة تركت آثارا سيئة في حس بعض الناس وشعورهم وواقعهم، حيث جعلتهم يظنون أنه يكفيهم أن يكونوا على عقيدة نظرية ، تستقر في قلوبهم ووجدانهم، دون أن يكون لذلك أثر في حياتهم ، أو دون العمل بمقتضيات هذه العقيدة ، ويحسبون أنهم متمسكون بهذا الدين حتى لو كانوا يستمدون تشريعاتهم في جوانب الحياة الأخرى من مصادر بشرية أو من مذاهب وأفكار أخرى لم يأذن الله بها .
ولم تكن هذه الآثار نابعة عن التقسيم إلى عقيدة وشريعة ، بحد ذاته ، فإن ذلك قسمة واقعية بيانية ، وإنما كانت هذه الآثار بعد أن بهت الدين في نفوس بعض الناس والتبست عليهم الأمور واختلفت المفاهيم . ولذلك كان من الغلو والإجحاف أن يجعل بعض الكاتبين هذا التقسيم مخالفا لحقيقة الدين حيث يقول : "إن ثنائية تقسيم الدين إلى عقيدة وشريعة من أخطر الأمور التي جرت آثارا سيئة على ديننا الحنيف ، وذلك لأن هذا التقسيم مخالف لحقيقة الدين التي تقوم على أمر واحد ، وهو تأليه الله -عز وجل- وحده.." وإن كان دافعه لهذا القول طيبا وحسنا ، إذ هو يريد أن يعيد للدين هيمنته وسيطرته على النفوس .
-9-

(50/19)


وبعد ؛ فحسبنا هذه الإشارات السريعة التي جعلتها مدخلا عاما بين يدي دراسة موجزة عن "علم العقيدة : تاريخ النشأة، وطرق التدوين"، أعرض خطوطها الرئيسية على صفحات "البيان" -إن شاء الله - لعل هذا الموضوع يأخذ حظه من الدراسات العميقة المتخصصة على يد أحد الباحثين. ولعل بعض القراء الكرام يصحح خطأ أو يقوم اعوجاجا أو يقترح منهجا للبحث فيما سأعرضه في هذه الصفحات المنتزعة من تلك الدراسة التي أشرت إليها .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
ردود الأفعال
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
إن "ردود الفعل" من الظواهر المرضية والمستفحلة في واقع المسلمين قديما وحديثا ، فما أن يظهر انحراف ما.. حتى يقابل برد فعل معاكس تماما للانحراف السابق.. لكن يوقع في انحراف من نوع آخر!! ومن ثم تتكاثر تلك الانحرافات وتتشعب هذه الشطحات الواقعة بين إفراط وتفريط ، أو غلو أو جفاء .
إن ردود الفعل مسلك سلكه أهل الجهل والظلم.. كما هو ظاهر عند طوائف المبتدعة.. وقد هدى الله تعالى أهل السنة فجمعوا بين العلم والعدل، فهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، ومن ثم فقد سلموا من نتائج وعواقب تلك الردود ، وصاروا وسطا وعدلا بين تلك الطوائف المتباينة .
ومن المعلوم أن دين الله عز وجل وسط بين الغالي والجافي، يقول الشاطبي في هذا الشأن: "الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الأوسط الأعدل ، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة، والصيام..

(50/20)


فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين ، كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل ، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، فعل الطبيب الرفيق يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته ، وقوة مرضه وضعفه ، حتى إذا ما استقلت صحته ، هيأ له طريقا في التدبير وسطا لائقا به في جميع أحواله"(1) .
ولقد تفطن سلفنا الصالح لهذا المزلق ، وأشاروا إليه ، فهذا خطيب أهل السنة ابن قتيبة يحكي أمثلة على ذلك فيقول :
"لما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر [أي في نفيه].. حملهم البغض لهم، واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو ، وعارضوا إفراطهم بإفراط ، فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض ، وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئا على الحقيقة.
وزعم آخرون تصحيح التوحيد ونفي التشبيه عن الخالق ، فأبطلوا الصفات مثل : الحلم والقدرة، والجلال ، والعفو وأشباه ذلك . فعارضهم قوم بالإفراط في التمثيل فقالوا بالتشبيه المحض: وكلا الفريقين غالط ، وقد جعل الله التوسط منزلة العدل ، ونهى عن الغلو فيما دون صفاته من أمر ديننا ، فضلا عن صفاته..
ثم قال -رحمه الله- : وقد رأيت هؤلاء أيضا حين رأوا غلو الرافضة في حب علي - رضي الله عنه -، وتقديمه على من قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته عليه، وادعاءهم له شركة النبي صلى الله عليه وسلم - في نبوته ، وعلم الغيب للأئمة من ولده ، وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب إفراط الجهل والغباوة ، قابلوا أيضا ذلك بالغلو في تأخير علي -رضي الله عنه- ، وبخسه حقه ، واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير الحق.. والسلامة أن لا تهلك بمحبته ولا تهلك ببغضته.."(2) .
وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يورد أمثلة أخرى لتلك الردود فيقول :

(50/21)


"لما أعرض كثير من أرباب الكلام ، وأرباب العمل عن القرآن والإيمان ، تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه ، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له .
وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه ويرون أن المقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذبه صريح العقل ، ويمدحون السكر والجنون والوله.. وكلا الطرفين مذموم، بل العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال الأعمال ، لكنه ليس مستقلا بذلك، فهو بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن ، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار"(3) .
ومما سطره يراع الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- في مقدمته النافعة لكتاب خصائص التصور الإسلامي : "إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامي أو الواقع الإسلامي ، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله.. لأن استحضار انحراف معين ، أو نقص معين والاستغراق في دفعه وصياغة حقائق الإسلام من أجل الرد عليه منهج شديد الخطر ، وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في الفكر والتصور الإسلامي لدفع انحراف قديم ، والانحراف انحراف على كل حال" .
إن هذه المشكلة التي ذكرها سيد تضرب أطنابها في واقع المسلمين قديما وحديثا.. ولو نظرت أخي - المسلم - إلى حاضر المسلمين الآن لرأيت استفحال هذه القضية وظهور آثارها وانعكاساتها .
وقد ذكر سيد قطب على ذلك أمثلة منها: أن تهمة المستشرقين وأذنابهم بأن الإسلام انتشر بالسيف والقوة ، قد قوبلت بهذا المسلك الذي حذر منه سيد وغيره من المصلحين.. حيث انبرى بعض "المنهزمين" بتبرئة الإسلام من تلك الفرية ، واشتطوا في ذلك حتى أسقطوا قيمة الجهاد في سبيل الله ، وحصروه في مجال الدفاع ورد العدوان !!

(50/22)


كما أورد سيد مثلا آخر خلاصته : أن النزعة العقلية الغالية عند محمد عبده بحيث جعل العقل ندا للوحي ، بل وربما قدمه على الوحي.. إنما جاء كرد فعل للبيئة التي ظهر فيها محمد عبده حيث أغلقت باب الاجتهاد ، وأنكرت على العقل دوره في فهم الشريعة والاستنباط ، فغلب على تلك البيئة الجمود والتقليد الأعمى وانتشار الخرافة.. وفي نفس الوقت كانت أوربا تعبد العقل..
وكم هو محزن حقا أن تظل إصلاحات بعض الناصحين وجهودهم وليدة ردود فعل لبعض الانحرافات السائدة ، فتستحوذ عليهم تلك الانحرافات ، وتصاغ حقائق هذا الدين وفق الرد والمواجهة لهذا الانحراف.. ما يورث انحرافا آخر يقابل الانحراف السابق .
وتأمل ظهور الفرق الإسلامية وتمزق الأمة شيعا وأحزابا.. تجد أن "ردود الفعل" أحد الأسباب الرئيسية في نشأة تلك الفرق وانحرافاتها.. فالإرجاء ظهر كرد فعل لقول الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) وكذا الجبر رد فعل لنفي القدر.. والتشبيه في مقابل التعطيل.
وانظر إلى ظاهرة الغلو في التكفير والتسرع فيه.. وكيف أدى الأسلوب الذي سلكه بعضهم من أجل علاج الظاهرة السابقة (ردود أفعال) ! لقد قام من يهاجم هذا الانحراف (التسرع في التكفير والغلو فيه) ويؤلف في موضوع التكفير.. لكن على سبيل الرد على أولئك الغلاة (خوارج اليوم) فانزلق القوم فصاروا "مرجئة اليوم" !
ومثال آخر: وهو أن الأمة لما غرقت في لجة الجمود على كتب الفقهاء المتأخرين ، ووقعت في أسر التقليد والتعصب لآراء الرجال.. قام قوم - إزاء هذا الشطط - فانكروا ذلك - بالأسلوب الخاطئ - واشتطوا في ذلك لدرجة تجريح العلماء وازدراء كتب الفقه .
لا شك أن لهذه الظاهرة أسبابا يمكن من خلال إدراكها معرفة الأسلوب الملائم في علاجها، فمن أسباب المشكلة : ضغط الواقع وشدة تأثيره وتفاعل الإنسان معه سلبا أو إيجابا ، أو نفورا أو استسلاما ، فربما نزل النصوص الشرعية على الواقع فجعل واقعه حكما على الوحي .

(50/23)


ومن أسباب هذه المشكلة : القصور في العلم الشرعي والجهل بالنصوص الشرعية متكاملة والظلم والاعتداء على الطرف الآخر ، والقصور في النظرة المتكاملة للواقع الحاضر ، ومن أسبابها : فقدان الموازنة والشمولية عند النظر إلى بعض الانحرافات العلمية أو العملية ، والنظر إلى أعراض المشكلة وآثارها دون أصلها وسببها .
وأخيرا لا بد أن نعرض حقائق وشرائع هذا الدين من خلال الأسلوب التقريري اليقيني، وأن نحذر من مسلك الرد والنقض لما قد يورثه من انفعالات ردود وتعديات، وأن لا تستحوذ علينا بعض الانحرافات بحيث تكون شغلنا الشاغل ، فنهمل ما هو أولى بالعلاج منها ، وأن نكثر أولا وأخيرا من التضرع إلى الله تعالى والاستعانة به فلا منجا من الله إلا إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
الهوامش :
1- الموافقات 2/163
2- باختصار من كناب الاختلاف في اللفظ ص 231-244
3- باختصار من الفتاوى 3/338 - 339

القواعد الفقهية
(3)
عبد العزيز الحويطان
شرح لبعض القواعد المهمة
سنقف في عجالة سريعة على أهم القواعد الفقهية ، التي عرفت قديما واتصفت بالدقة والشمول وهي:
1- الأمور بمقاصدها :
أصل هذه القاعدة حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"(1) . قال بعضهم : ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب .
وقد ورد في القرآن بعض الآيات التي تشهد لهذه القاعدة ، منها قوله تعالى :
((ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)) [ النساء:100] وقوله تعالى: ((ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)) [النساء:114] .
ومما ورد في السنة يشهد لهذه القاعدة الحديث الذي رواه البخاري والشاهد منه "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(2) .

(50/24)


ومن الأمثلة على فروع هذه القاعدة :
1- اللقطة إن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها ، كانت أمانة لا تضمن إلا بالتعدي وإن التقطها بنية أخذها لنفسه، كان في حكم الغاصب، فيضمن إذا تلفت في يده بأي صورة كان تلفها ، والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا فيها(3) .
2- لو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه ، ينظر فإن كان نشر الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما ، فإن الصيد ملكه ، وليس لأحد أن يأخذه ، وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها مثلا أو حفر الحفرة لغرض معين ، لا لأجل الاصطياد فإنه لا يعتبر من ملكه ، وساغ لغيره أن يتملكه بالأخذ إذا استبق إليه ، لأن إحراز المباحات لا يفيد الملك إلا إذا اقترن بالنية والقصد(4) .
- الضرر يزال
أصلها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا ضرر ولا ضرار"(3) . وقد وردت آيات في معنى هذه القاعدة منها قوله تعالى : ((ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا)) [البقرة 231] وقوله تعالى : ((الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) [البقرة 229] .
أما في السنة فقد قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم- : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"(4) .
وقد استنبط العلماء من هذه القاعدة عدة قواعد منها:
- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
- يختار أهون الشرين
- إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما بارتكاب أخفهما .
ومن الأمثلة على ذلك :
1- يجوز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم ، كما تجوز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شر أعظم (5) .
2- يجوز شق بطن الميتة لإخراج الولد ، إذا كانت ترجى حياته (6) .
3- حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد(7) .
3- العادة محكمة :

(50/25)


ما ورد في معنى هذه القاعدة من الآيات القرآنية ، قوله تعالى : ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)) [البقرة 228] و ((وعاشروهن بالمعروف)) [النساء 19] ، وقوله تعالى: ((فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم)) [البقرة 98] .
أماه الأحاديث فقوله -صلى الله عليه وسلم- "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"(8) . قال الإسنوي وغيره : "إن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف"(9) .
4- المشقة تجلب التيسير:
دلت على هذه القاعدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية منها قوله تعالى: ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)) [البقرة 185] ، وقوله تعالى: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) [البقرة 286] ، وقوله تعالى: ((يريد الله أن يخفف عنكم..)) [النساء 28] .
ومن الأحاديث قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"(10). وقوله صلى الله عليه وسلم- : " لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"(11) .
والأدلة التي تؤيد هذه القاعدة أكثر من أن تحصر ولذا يقول الإمام الشافعي :
"إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع"(12) . ومن هذه القاعدة استنبط العلماء قواعد تندرج تحتها منها :
- الضرورات تبيح المحظورات.
- ما جاز للضرورة يقدر بقدرها.
- إذا ضاق الأمر اتسع ، ومن فروع هذه القاعدة :
أن المديون إذا كان معسرا ولا كفيل له بالمال يترك إلى وقت الميسرة .
5- إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام الحلال :

(50/26)


وأصل هذه القاعدة قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات - أو مشبهات - لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات ، فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمي ، يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه"(13).
كما أن حديث عدي بن حاتم يعتبر أصلا لهذه القاعدة وهو: " قلت يا رسول الله أرسل كلبي وأسمي ، فأجد معه على الصيد كلبا آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما آخذ ، قال: لا تأكل ، إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر"( 14) .
6- التصرف على الرعية منوط بالمصلحة
وفي معنى هذه القاعدة ، يقول تعالى : ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) [النساء:58] .
أما الأحاديث فقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(15) وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة"(16) .
ومن فروع هذه القاعدة :
إذا لم يوجد ولي للقتيل فالسلطان وليه ، ولكن ليس له العفو عن القصاص مجانا لأنه خلاف المصلحة بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص أو في الدية أخذها(17) .
7- الميسور لا يسقط بالمعسور :
أصل هذه القاعدة ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"(18) . ومن فروعها:
1- إذا كان مقطوع بعض الأعضاء يجب عليه غسل ما بقي جزما .
2- إذا قدر على بعض السترة فعليه ستر القدر الممكن .
3- القادر على بعض الفاتحة يأتي به بلا خلاف .
4- من بجسده جرح يمنعه استيعاب الماء ، فعليه غسل الصحيح مع التيمم عن الجريح .
ومن القواعد المهمة :

(50/27)


1- المتعدي أفضل من القاصر ، لكنه يستثنى في الإيمان .
2- الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها ، مثل الصلاة في جوف الكعبة لكن الجماعة خارجها خير من الصلاة منفردا داخلها .
3- ما حرم استعماله حرم اتخاذه : ومنها تحريم آلات اللهو واتخاذ الذهب والفضة للزينة .
4- الخروج من الخلاف مستحب : مثل غسل المني، الترتيب في قضاء الصلاة .
5- الإيثار بالقرب مكروه وفي غيرها محبوب : والضابط أنها في الواجب محرم وفي السنة مكروه ،وفي المستحب خلاف الأولى ، ويشكل فيها ما لو سحب إنسان من الصف إذا لم يجد فرجة .
الهوامش :
1- رواه الستة ، انظر القواعد الفقهية للندوي ص 246
2- أخرجه البخاري 1/43 ، باب من سأل وهو قائم عالما جالسا
3- أخرجه الحاكم وتقدم تخريجه
4- ابن ماجه في الذبائح ، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، 2/1058 رقم 3170
5- شرح القواعد الفقهية للزرقاني ص 147
6- الأشباه والنظائر لأبي نجيم ص 97
7- صحيح مسلم بشرح النووي 3/190
8- صحيح البخاري بشرح العيني 13/16-17
9- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ص 224
10- أخرجه البخاري 1/16
11- أخرجه البخاري 1/15-16
12- الموافقات 1/231
13- أخرجه مسلم في المساقاة 2/1219 رقم 1099
14- رواه البخاري ، كتاب البيوع 4/1939
15- رواه البخاري 1/ 304 رقم 853
16- رواه البخاري ، فتح الباري 13/126-127
17- الأشباه والنظائر للسيوطي ص 121
18- أخرجه البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة 4/258

من شذرات القلم
اختيار عبد الرحيم بن صمايل السلمي
* العامل الأساسي لنجاح الداعية
"إن العامل الأساسي في نجاح الداعية : ليس كثرة علمه ، ولا قوة بيانه وسحره ، ولكن هناك عاملا قبل كل هذه الأمور : هو الإيمان بالدعوة التي يدعو إليها ، والخوف الشديد مما يعتريها ، والشعور بالأخطار التي تقع بسبب إهمال الدعوة ، إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكم" .

(50/28)


محمد أمين المصري
(المسؤولية ص 31)
* ذكر سبب لانشراح الصدر
"ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته (الإكثار من ذكر الله) فإن لذلك تأثيرا عجيبا في انشراح الصدر وطمأنينته ، وزوال همه وغمه ، قال تعالى : ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) [الرعد 28] . فلذكر الله أثر عظيم في حصول هذا المطلوب لخاصيته . ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره".
عبد الرحمن بن ناصر السعدي
(الوسائل المفيدة ص 22)
* حذار من الزهد من العلم
"وإياك يا أخي ثم إياك ، أن يزهدك في كتاب الله تعالى كثرة الزاهدين فيه ، ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به ، ويدعو إليه ، واعلم أن العاقل الكيس الحكيم لا يكترث بانتقاد المجانين، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي الحسني -رحمه الله-:
لا تسؤ بالعلم ظنا يا فتى ... إن سوء الظن بالعلم عطب
لا يزهدك أخي في العلم أن ... غمر الجهال أرباب الأدب
أن تر العالم نضوا مرملا ... صفر كف لم يساعده سبب
وتر الجاهل قد حاز الغنى ... محرز المأمون من كل أرب
قد تجوع الأسد في آجامها ... والذئاب الغبس تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله ... مضض المرين ذل وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى ... وإبار النحل مشتار الضرب.."
محمد أمين الشنقيطي
(أضواء البيان 1/5)

أسس تقويم المنهج
(2)
عبد العزيز صادق
أ- الصدق
لا بد أن تكون الوسائل المستخدمة في التقويم صادقة . ونقصد بذلك أن تكون الوسائل لديها القدرة على قياس الشيء المراد قياسه بدقة دون أن تتأثر النتائج بعوامل أخرى غير تلك التي وضعت الوسيلة لقياسها .

(50/29)


فمثلا لو أردنا قياس قدرة الشخص على فهم نص معين عن طريق القراءة فينبغي أن يكون الخط واضحا والوقت كافيا لإنهاء النص. أما إذا كان الخط غير واضح ولم يستطيع الشخص فهم النص فقد يكون سبب عدم الفهم هو سوء الخط وليس قصور في الفهم عنده . وبذلك تكون هذه الوسيلة غير صادقة في تقويم قدرة الشخص على الفهم .
كما أن الوسيلة لا تكون صادقة في الحكم على جميع الجوانب إذا كانت هذه الوسيلة مقتصرة على جانب معين فقط .
ومثال ذلك: لو أردنا معرفة حصيلة شخص من الفقه فسألناه عدة أسئلة ، ولكنها جميعها تدور حول موضوع واحد في الفقه فإننا لا نستطيع أن نعمم ونقول إن قدرته وحصيلته الفقهية ضعيفة إذا لم تكن إجابته صحيحة . وذلك لأن هذه الوسيلة اقتصرت على جزئية ولم تكن شاملة لعدة مواضيع حتى تعكس حصيلته العلمية في الفقه . أما إذ كانت الأسئلة شاملة بحيث تغطي جوانب الفقه المتعددة وكانت الإجابة ضعيفة فحينئذ نستطيع أن نقول : إن الوسيلة صادقة في كشف قدرته العلمية في الفقه .
وينبغي أن نلاحظ أيضا أن كل وسيلة لا يمكن أن نحكم عليها بأنها صادقة أو غير صادقة إلا إذا ربطناها بالموقف الذي استخدمت فيه . فقد تعتبر الوسيلة صادقة في بعض المواقف ولكنها نفسها قد تعتبر غير صادقة في مواقف أخرى .
فإذا استخدمنا وسيلة ما لقياس انضباط الشخص في وقت كان فيه في حالة شدة وغضب فإن هذه الوسيلة تعتبر صادقة تكشف هذا الجانب فيه . أما إذا استخدمت في فترة الهدوء والرخاء فإنها لا تعتبر صادقة في كشف مدى انضباطه .
ب- الثبات :
ويقصد بالثبات هنا هو الوصول إلى النتائج نفسها تقريبا لو أعيد استخدام الوسيلة عدة مرات سواء في صورتها الأولى أو في صورة مماثلة لها.

(50/30)


هناك مجالات يسهل فيها الوصول إلى درجة الثبات عند إعادة استخدام الوسائل نفسها في القياس كما هو الحال في مجال العلوم والهندسة والطب . ولكن الأمر يختلف عند التعامل مع البشر لقياس المهارات والاستعدادات والقدرات ومعرفة النفسيات والاتجاهات ففي هذه الحالات يصعب الوصول إلى نتيجة ثابتة بإعادة استخدام الوسيلة نفسها .
ولذلك لا بد من اختيار الوسائل التي تعطي قدرا معقولا من الثبات وفقا للمجال التي تتم فيه عملية القياس على ألا يكون هناك تناقض في النتائج المختلفة التي نصل إليها .
جـ- الموضوعية :
ونقصد بالموضوعية عدم تأثر نتيجة التقويم بالعوامل الشخصية التي يتعرض لها المربي أو من يشاركه في عملية التقويم . وينبغي أن نلاحظ أن هناك عدة عوامل شخصية قد تؤثر في عملية التقويم منها :
- الحالة النفسية أو الصحية أو الاجتماعية والظروف المحيطة بالشخص .
- قيم المربي واتجاهاته وآراؤه . فكثيرا ما يتعاطف الفرد مع الذين يشاركونه نفس القيم ويوافقونه في آراؤه .
- نوعية العلاقة بين المربي والتلميذ . فأحيانا يرتبط المربي بتلميذه بعلاقة شخصية سببها الجيرة أو القربى ولهذه العلاقة درجات متفاوتة في تأثيرها على التقويم . فإذا كانت هذه العلاقة قوية ووطيدة فإنها قد تؤثر في النتيجة بصورة إيجابية وإذا كانت سيئة للغاية فإنها ستؤثر في النتيجة بصورة سلبية .
وحتى تكون عملية التقويم فيها موضوعية فمن الواجب اختيار الوسائل المناسبة التي تساعد على تحقيق الهدف دون أن تتأثر بالعوامل الشخصية .
والموضوعية التامة أمر صعب بين البشر إلا إنه من الضروري التقليل من تأثير العوامل الذاتية في نتائج التقويم .
د- التنوع :

(50/31)


لا بد من استخدام وسائل مختلفة في عملية التقويم وعدم الاقتصار على وسيلة واحدة فقط . فاستخدام الوسائل المختلفة يمكننا من إلقاء الضوء على الجوانب المختلفة من شخصية التلميذ بحيث تساعد كل وسيلة في الكشف عن جانب معين من سلوك التلميذ وقدراته ومن ثم نستطيع أن نعدل من هذا السلوك وفقا للهدف المنشود . ومن الضروري أن تتكامل هذه الوسائل المختلفة بحيث نحصل في النهاية على صورة صادقة وكاملة لشخصية التلميذ .
ونريد أن نلفت النظر إلى أن طريقة التقويم التي تستخدم وسيلة واحدة مثل الاختبارات هي طريقة تفتقد إلى خاصية التنوع وبذلك تكون نتائجها غير شاملة لجميع الجوانب . فالتقويم الصحيح يعتبر التنوع ركنا من أركانه ، ويتطلب التنوع استخدام مجموعة من الوسائل المختلفة مثل :
- الاختبارات .
- المقابلات .
- دراسة الحالات .
- ملاحظة ردود الفعل عند المواقف المختلفة .
- الاستبيانات .
- مقاييس العلاقات الاجتماعية .
- المناقشة الجماعية (الندوات) .
- التكليف ببعض المسئوليات وملاحظة الأداء .
ولا يقصد بالتنوع الاكتفاء باستخدام وسائل متنوعة فقط وإنما يجب أن يمتد التنوع إلى داخل كل وسيلة تسمح طبيعتها بذلك .
فالتنوع بالنسبة للاختبارات (التي تعتبر وسيلة من الوسائل) يتطلب استخدام كافة أنواع الاختبارات (التحريرية ، الشفهية ، اختبار المقال ، الاختبارات الموضوعية ، اختبار القدرات ، الاختبارات العلمية) .
والتنوع بالنسبة للملاحظة يتطلب القيام بها في مجالات مختلفة ومواقف مختلفة حتى نستطيع أن نلاحظ معظم الجوانب في شخصية التلميذ . كما يفضل أن يقوم بالملاحظة عدة أفراد حتى تتحقق الموضوعية في التقويم بقدر الإمكان .
والتنوع بالنسبة للمناقشة الجماعية يتطلب القيام بها في مجالات مختلفة ومواقف مختلفة:
- داخل حجرة الدراسة : حول أحد الموضوعات ، مناقشة الأخطاء الشائعة ، تصحيح هذه الأخطاء والمفاهيم .

(50/32)


- أثناء التخطيط للأنشطة المختلفة وبعد الانتهاء منها مناقشة التجارب العملية التي مر بها التلميذ .
هـ- التمييز:
والمقصود بالتمييز هنا هو القدرة على إظهار الفروق بين التلاميذ . وتعتبر هذه العملية في منتهى الأهمية وذلك لأنها تساهم في الكشف عن ميول كل فرد وقدراته واستعداداته واتجاهاته ومن ثم يكون توجيه كل فرد إلى ما يناسبه ويلائمه . فإذا ما روعيت قضية التخصص في الطاقات فإننا نساعد في تنمية القدرة على الابتكار والإبداع الذي يعتبر من الأهداف الرئيسية التي ينبغي أن نوليها أقصى اهتمامنا . فبذلك يكون التكامل والعطاء الغزير بين الأفراد .
كما أن وجود عنصر التمييز يساهم أيضا في الكشف عن التلاميذ الذين يعانون من نقص أو تخلف في بعض الجوانب ومن هنا يمكن رعايتهم رعاية خاصة وبذل المزيد من الجهد معهم حتى يلحقوا بأقرانهم .
وهكذا تقوم عملية التقويم بالتشخيص والعلاج معا، تفسح الطريق أمام الموهوبين وتأخذ بيد الضعفاء والمتخلفين .
و- التخطيط :
يعتبر التخطيط أمرا هاما وحيويا ليس فقط في مجال التقويم وإنما في جميع المجالات . والتقويم المبني على أساس علمي لا بد أن يرتكز على التخطيط في كل مما بأتي :
- في تحديد الجوانب التي تنصب عليها عملية التقويم والهدف منها .
- في اختيار أنسب الوسائل لتقويم كل جانب من هذه الجوانب .
- في التنسيق بين مجموعة الوسائل المستخدمة لغرض واحد . فإذا كان الهدف من التقويم هو الكشف عن قدرة التلميذ على التفكير العلمي السليم فمن الممكن استخدام عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف مثل الاختبارات المخصصة لهذا الغرض،الملاحظة، المقابلة الشخصية. وحيث أن كل وسيلة من هذه الوسائل يقوم بها أفراد معينون فمن الضروري التنسيق بين مجموعة الوسائل .
- اختيار الأشخاص المدربين (أهل الاختصاص) لاستخدام كل وسيلة .

(50/33)


- وضع خطة زمنية يتحدد فيها استخدام كل وسيلة حسب الظروف المناسبة لكل منها . وكذلك عدد مرات الاستخدام إذا خطط لها أن تستخدم أكثر من مرة .
- تحديد أدق وأنسب الطرق لتسجيل نتائج كل وسيلة ويفضل استخدام البطاقات المخصصة لكل فرد .
- أن تتسم الخطة الموضوعة بالمرونة الكافية بحيث يمكن تغيير مواعيد استخدام الوسيلة أو استبدالها بوسيلة أخرى إذا دعت الظروف لذلك .
ز- مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ :
كثيرا ما يخطيء المربي حين يقارن تلميذا بتلميذ آخر . وإنما التقويم الصحيح يوجب مقارنة التلميذ بنفسه بدلا من مقارنته بغيره من التلاميذ لكي نعرف مدى ما أحرزه هذا التلميذ من تقدم نحو بلوغ الأهداف المنشودة . فالمقارنة هنا تحدد نوعية هذا التقدم وهل هو بالقدر المطلوب أم لا، وبذلك يكون الحكم على التلميذ وفقا لإمكاناته وقدراته وظروفه.
أما مقارنة التلميذ بغيره من التلاميذ سواء التلاميذ الذين معه في الدرس أو في سنه ومرحلته ففي ذلك تجاهل لمبدأ الفروق الفردية . وهذا التجاهل يؤدي إلى شعور التلميذ محدود القدرات والذكاء باليأس والاستسلام والإحباط . وقد يؤدي إلى إحساس التلميذ المتفوق الذكي بالغرور الذي قد يدفعه في بعض الأحيان إلى الكسل والتراخي . وفي كلتا الحالتين فإن هذا يعتبر ضررا بالغا . وليس معنى ذلك أن نغفل مقارنة التلميذ بغيره وإنما نقصد أن نبدأ بمقارنة التلميذ بنفسه أولا لكي نعرف مدى التقدم الذي أحرزه وعندما نلمس أنه أحرز نوعا من التقدم نقارنه بغيره ولكن بحرص وحذر وتشجيع .
ويتطلب مراعاة الفروق الفردية استخدام وسائل التقويم المتنوعة إلى أقصى درجة ممكنة . فبالنسبة للاختبارات مثلا فإنه من الضروري استخدام كافة أنواع الاختبارات الشفهية منها والتحريرية ، المقالية والموضوعية بحيث تعطينا النتائج وصفا دقيقا للأفراد .

البيان الأدبي
الأدب الإسلامي
بين القبول والرفض
د. حسن بن فهد الهويمل (*)

(50/34)


تعيش المذاهب الغربية والشرقية مخاض رؤية معزولة عن وحي السماء ، إنها تجهيز في إطار عالم الشهادة وهو عالم لا يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا . وقضية الأدب الإسلامي في إطار هذه البيئة تحتاج إلى تحرير ، فهي الآن مسألة خلافية حتى عند الإسلاميين الذين يحملون هم التناول الإسلامي ، ولا يعترضون على المضمون بل يرون مشروعية الأداء ويحتمونه ، ثم هم يختلفون بين أن يكون للمشروع مصطلحا أو نظرية نزعة أو اتجاها ، والأطروحات التي وصفت المصطلح بالبدعة ، والأطروحات المضادة لا تنفك عن ترديد اللغط المعروف ، وسوف أحاول تخطي ذلك قدر المستطاع متخلصا من معوقات التيئيس ، ومحاولا تخلية الموقع من بعض التساؤلات التي تركها بعض الكتاب .
ويقيني أن أي مشروع جديد لا بد له من حركة تمحيصية ليأخذ وضعه الطبيعي وأنا متفائل بل متأكد بأن مصطلح الأدب الإسلامي سيأخذ هذا الوضع مسقطا كل الإشكاليات ، وأملي أن تتوفر له الكفاءات المقتدرة لتبحر في مركبه وسط الأمواج المتلاطمة ، وما لم تتضافر الجهود فإن هاجس الخوف سينمو وبالتالي تصبح التجربة أقرب إلى الفشل المؤدي إلى الخروج من دائرة الضوء.

(50/35)


وإشكالية المصطلح الإسلامي تنمو بفعل الخصوم ، والخصوم فئتان : فئة تستبطن سوء النية تريد للمبدع والناقد التخلص من سيطرة الدين ، وهذه الفئة تنسجم مع دعوات التحرر من سلطة الماضي بما فيه الدين ، ولا صعوبة في مجادلة تلك الطائفة لأنها لا تطرح إشكاليات بل تطرح رأيا رافضا. وفئة ترى أن مشروعية التناول الإسلامي قائمة منذ البعثة ولا حاجة إلى تأطيرها ضمن مصطلح متميز . وهذه الفئة يمكن التحاور معها لأنها تمارس ما تمارس من باب التحفظ فقط، وهي لا تمنع أبدا مشروعية التناول بروح إسلامية، ونواياها حسنة ولكنها بحاجة إلى تجاوز الظاهر والخوض في عمق القضية . ومع خطورة الفئة الأولى فإن محاورتها يجب أن تكون في مشروعية الإسلام فهي كالفئة الكافرة لا تطالب بفروع الشريعة . وقبل أن نستهل الحديث نود الإشارة إلى شيئين:
- أولهما : ثنائية الشكل والمضمون ؛ ففئة ترى استقلال الشكل الفني عن المضمون العقدي وهذا يستتبع عزلة عن الحياة ، وفئة ترفع شعار الفن للحياة ، وتؤكد على مبدأ الالتزام بقضية "ما" وهذا يدخلنا في قضية الالتزام ومعالجتها على مستويات عدة وهو ما لا نريده الآن.
وفي اعتقادي أن لا فصل بين الفن والحياة ، فلا حياة بلا فن ، ولا فن بدون حياة واعية. والتجربة جزء من الحياة أو هي الحياة عينها ، والإبداع بدون تجربة عبث ولهو ، فالفن إذا استعادة التجربة حركيا في المسرح . وتعبيريا خياليا على الورق . والإنسان في كل ذلك عنصر هام في التجربة .
- وثانيهما: أنه يتحتم على كل إنسان يعرف أبعاد مسؤوليته ويرضى بهذه المسؤولية ممارسة ومنهج حياة أن يعيد النظر في أسلوب عمله. والإنسان الذي رضي بالله ربا، بالإسلام دينا له مسؤولية ، تلكم هي مسؤولية العبادة والدعوة إليها:
((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) .
((ادع إلى سبيل ربك)) .

(50/36)


وحين لا نجد بدا من تحمل هذه المسؤولية عملا ودعوة فعلينا أن نستذكر أنه من الأفضل أن نعيش هذه المسؤولية باستمرار ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) .
((الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم)) نعيش لها ومن أجلها وفق منهج محكم متطور يلائم العصر ويستجيب لحاجاته ، والدعوة إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة وبالأسوة الحسنة ، والمسلم الفذ هو الذي يعرف الحق ويثبت عليه ، ويدعو إليه ، ويتمثل الإسلام قولا وعملا على ما كان عليه سلف الأمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه . وعلى ضوء هذين الشيئين تتجلى لنا حياة المسلم التي لا تعرف الفراغ فهي مليئة بالعمل لدنياه وآخرته ، والكلمة الطيبة جزء من العمل الجاد المثمر ((ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)) .
فهناك ثبات وهناك سمو . والإبداع الفني لا بد أن ينطوي على الثبات والسمو وما الأدب الإسلامي إلا تجسيدا لهذا الثبات وهذا السمو ، فالله لا يحب الجهر بالسوء ، ويأمر عباده بأن يقولوا التي هي أحسن وينهى عن لهو الحديث ، ويثبت على القول السديد ، ولا يصعد إليه إلا الكلم الطيب . وإذا فثمة تلازم بين الكلمة الطيبة والإبداع . وإذ يكون التلازم.. تكون حتمية الأدب الإسلامي ، والكلمة مادة الفن المقروء ، والفن ضرورة إنسانية والنزوع إليه فطري،والاستجابة له طوعية وأثره واضح في الحديث "إن من البيان لسحرا".
والسحر يجعلك تتلبس بالاستجابة دون وعي ، ومن ثم قال توفيق الحكيم : "لو علم رجل الفن خطر مهمته لفكر دهرا قبل أن يكتب سطرا" فالحركات التي غيرت ملامح التاريخ وصاغت الحياة من جديد فتق لها المبدعون،ألم يكن للرسول شاعر في مقابل شعراء الوفود، وخطيب يفوق خطباءهم ؟

(50/37)


والمدركون لقيمة الفن الجمالية والدلالية ، وخطورة دوره وأهميته يتلبثون كثيرا قبل الإفضاء بإبداعهم ، ولعلنا نعرف صاحب الحوليات ، ومدرسة عبيد الشعر ، وفي العصر الحديث نسمع أن جوستاف فلوبير الفرنسي صاحب قصة "مدام بوفاري" قال في معرض حديثه:"ربما أخذت أسبوعا أو أسبوعين في صياغة جملة من جمل هذه القصة" ويقول: " قرأت ألفي كتاب من مكتبة المتحف الوطني الفرنسي من أجل استيفاء الأرضية الخلفية والاجتماعية لإحدى القصص" .
"وماركيز" أنتج إحدى قصصه في ستة عشر عاما كل هذا يدل على أن الأدب لم يعد جماليا للمتعة ، وإنما استصحب الجمالية وتخطى بها إلى عمل جاد لتحويل المسار البشري وتغيير قناعاته ، وثقافة النص تغلب على جمالياته ، والثقافة والإبداع يشكلان حجر الزاوية في العملية الإبداعية فلا أدب بدون ثقافة معمقة وشاملة ، ومن ثم أصبح الأدب عملا فكريا متلبسا بالفلسفة يطرح رؤية متميزة للكون والحياة والعالم ، هذا التحول في مسار الأدب جعل له خطره وأهميته وأثره الواضح في تشكيل ذهنية المتلقي مما دفع الصفوة من رجال الفكر والأدب إلى التفكير في التدخل المباشر لتوجيه الأدب والفن عامة وجهة تنسجم مع المقتضى الإسلامي ، وتسهم في صياغة الذهنية صياغة توجه الإنسان إلى بارئه .

(50/38)


وإذا كان هناك موقف رافض أو متردد أو متحفظ من مشروعية مصطلح الأدب الإسلامي ، فإن هذا الموقف يجب أن يكون أكثر احتداما وتصلبا في وجه المصطلحات الطارئة زمنا ، والطارئة فكرا ، مصطلحات تنطوي على توجهات فكرية مضادة للفكر الإسلامي ، إن هناك أدبا وجوديا ، وماركسيا ، وقوميا ، وحداثيا ، وعلمانيا ، هذا بالنسبة للبعد الدلالي ، وهناك آداب أخرى حسب الاتجاه الفني ، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا ، وتسهم في تلويث وعينا ، يتبناها أبناء المسلمين ، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود ولا يجدون غضاضة من معاشرتها وطرد الغربة عنها ، ولم نسمع إلا القليل ممن يبحث في مشروعيتها . وإزاء طوفان المذاهب الأدبية لا بد من أدب إسلامي يبرز شخصيتنا ، ويكرس خصوصيتنا ، والفن هو الأكثر قدرة على حمل هذه الخصوصية. وإذا كنا قد رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ، وتحملنا في سبيل ذلك مكائد العالم المتكبر ، فلا أقل من أن نسعى لتأصيل وتكريس الأدب الإسلامي ، ليسهم في الذوذ عن مقدراتنا ، ومقدساتنا الفكرية ، وليس فيما نسعى إليه بدعة ولا تجزئة ، فأسلمة الأدب مشروع إسلامي ، ومجيء المصطلح لم يكن بدعا من القول فالإسلام ، منذ البدء مارس أسلمة الشعر .

(50/39)


لقد نزل القرآن الكريم يحدد فئات الشعراء ((والشعراء يتبعهم الغاوون)) إلى أن قال : ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) ((وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا)) هذا السياق القرآني يحدد ملامح الشعر الإسلامي ، وإذا فهناك شاعر إسلامي تبرزه سماته وخصائصه ، وشاعر آخر تحدده توجهاته ، ومصطلح الأدب الإسلامي يقيم صروحه على هذا التقسيم القرآني . وينطبق على الأدب الرخيص والأدباء المنحرفين قوله تعالى : ((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا..)) إلى أن قال : ((وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها..)) وهل هناك أخطر من سهم الكلمة الجميلة المسمومة ؟! فالأدب الإسلامي إذا مشروع تطهيري يحاول تنقية الكلمة من الشوائب ، ويؤكد على صدق المحتوى وشرف الغاية وسلامة الوسيلة ، وجمال العرض ، ويعترف ببشرية الإنسان الناقصة ، وحاجتها إلى الترويح البريء واللهو المباح .
والأدب العربي المعاصر لا ينهض بكل هذه المهمات ، ولم يعد خاليا من الشوائب فالضخ الغربي والشرقي وقابلية التبعية والتهالك على الطارئ ، كل ذلك أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش ، وأجهض الكلمة الطيبة بالغموض والنثرية .
إن هناك تبعية في الأدب العربي تتمثل في المناهج النقدية ، وفي فصل الأدب عن الفكر الإسلامي ، وفي إعلاء الشخصيات المشبوهة ، وفي السقوط الأخلاقي وبضرب لغة القرآن ، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وكسر الثوابت ، والإيمان بشمولية التغيير واستمراره ، إنه أدب يعيش بلا هوية وبلا تماسك ، ولا خصوصية ، لقد تشكلت هذه المثبطات في غياب الوعي أو تزييفه ، لتكون امتدادا لمحاربة الكلمة الطيبة التي بدأت بقول المشركين : ((لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)) .

(50/40)


لقد سمعنا منكرا من القول سربه إلينا التقليد الفج للآداب الأجنبية إبداعا وتنظيرا ، ومن ثم تلاحقت المذاهب في لهاث مسعور كالسريالية ، والدادية ، والواقعية ، والوجودية ، والماركسية ، والحداثة الفكرية ، جاء كل ذلك نتيجة رؤية متوترة للكون والحياة رؤية مادية خالصة . وأعقب ذلك نهوض أقلام مقتدرة ومؤثرة لنبش العفن في موروثنا الأدبي ، بحجة أنه موروث ، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي ، والوثني وشعر الخمر ، والمجون والغزل الفاحش ، كما أعيدت ظواهر أدبية وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحويلها إلى قدوة سيئة للناشئة ، فالصعاليك ، والزنادقة ، والشعوبيون ، والباطنيون ، وغلاة المتصوفة ، كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء ويعبرون إلينا من شبا أقلامهم بشكل لم يسبق له مثيل . وتضافر الجهود في مثل هذه الأقبية يبعث على الشك والارتياب في النوايا ، ويحفز على التحرف للتصدي والمواجهة . والمواجهة يسبقها جمع الكلمة وتوحيد الصف تحت شعار (الأدب الإسلامي) .
لقد تعرض الأدب العربي لتغييرات أفقدته هويته ، وقضت على خصوصيته وسرعة التحولات أفقدت الأساطين زمام المبادرة حتى قال قائلهم : "قصائدنا بلا لون وبلا طعم وبلا صوت" كل هذه الترديات تسوغ لهذه النظرية المنقذة ، بل وتحتم التفكير الجاد في تكريسها وممارسة الإبداع على ضوئها لإقالة عثرة الكلمة الطيبة واستعادة ماء الحياة بعد النضوب والتصحر .
لقد كان الأدب العربي أدبا إسلاميا ، وكان الخروج على مقتضى الإسلام في الإبداع يعد تجاوزا فرديا ، أما الآن فإن الأدب العربي لم يعد في جملته إسلاميا ، ويكاد يكون الاتجاه الإسلامي فيه فرديا بحيث يمكن تمييز الأدب الإسلامي وسط طوفان التعدي على حمى الله ، ومع التباين في المحتوى بين الأدب العربي والإسلامي فإن أحدهما لا يلغي الآخر .

(50/41)


ومع هذا فنظرية الأدب الإسلامي لم تجتث من الأرض ، ولم تكن طارئة ، إنها تمتد بجذورها في عمق تاريخي لا مثيل له في كل الآداب العالمية ، وجذور الأدب الإسلامي مسوغات لاستمراره ، فالقرآن بكل ما يحفل به من مدد بياني معين لا ينضب يتدفق في شرايين الأدب ويمده بأرقى الأساليب وأشرف الأفكار وأنبل الغايات . والحديث النبوي يفيض بفصاحة عربية ، والشعر العربي الذي دافع عن الإسلام جنبا إلى جنب مع المجاهدين في سبيل الله ، تمتد وشائجه إلى اليوم ليضخ فكره وجمالياته في محيط الأدب الإسلامي الحديث ، أدب له هذه الجذور لماذا تقام المحاذير من حوله ، ولماذا يتساءل الطيبون عن مدى مشروعية المصطلح ، لقد طوع الغرب أدبه وسخره لخدمة مبادئه وأفكاره ، وأكسبه قيمة دلالية ، وجعله رسول دعوة يتخطف الناس ببريقه ، ولم يقل أحد عن هذا ما قاله المتحفظون ، والرافضون لمشروعية الأدب الإسلامي ، إننا نجد من يتحفظ على مشروعية المصطلح ملتمسا دعائم لهذا التحفظ . يقول أحد الطيبين : "لقد اعتورت تاريخنا الإسلامي موجات أدبية فيها بذور إلحاد ، كما في شعر "الحلاج" ، وأبي العلاء ، وفيها شعوبية كما في شعر بشار وابن يسار ، ولكن ما علم أن الأسلاف دعوا إلى الإصطلاح بأدب إسلامي يميزه" ، وأحب أن أشير إلى أن بذور الإلحاد والشعوبية ممارسات فردية ليس لها تنظيم ، ومجيئها في وقت كانت القوة والغلبة للإسلام وغياب المصطلح الإسلامي في تلك الفترة لا يبرر غيابه الآن . كما تخوف المتحفظون من التجزئة ومن ضعف أداء المنتمين إلى الأدب الإسلامي بجوار الآداب الأخرى التي يمثلها القمم في القيمة الأدبية ، ولا أحسب التجزئة قائمة لأن هناك وشائج قربى بين الأدب العربي والإسلامي فاللغة واحدة ، والقيم الجمالية واحدة ولا يكون التمايز إلا في المحتوى إذا حاد الأدب العربي عن جادة الصواب في تناولاته وهذا ينفي الخوف من التشرذم .

(50/42)


أما الخوف من ضعف المنتمين فليس الإسلام مظنة الضعف ، ومن ضعف من المسلمين فعليه ضعفه ، وهل من لوازم الأدب الوجودي والماركسي أو أي اتجاه منحرف القوة . وهل من لوازم الأدب الإسلامي الضعف بحيث نثيره كمحذور ، والله جل وعلا يقول : ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)) يقول هذا والأمة الإسلامية في حالة ضعف وهزيمة . وأحسب أن المتحفظ ينظر إلى الواقع المعيش . ومهمة المفكر والأديب التجاوز بالأدب والفكر الإسلامي هذه المرحلة وإعادة مجده وفوقيته ، ويمضي المتحفظون إلى ضرب الأمثال فالأدب الماركسي - في نظرهم - أخفق إخفاقا ذريعا حين أمم الأدب وفرض عليه الالتزام ، وفات أوشك أن المذهب الماركسي معاكس للطبيعة البشرية ، وقسر الأدب على خدمته مؤذن بفساد الأدب وتشوه جمالياته ، أما الإسلام فعقيدة فطرية تلائم نوازع الإنسان وتستجيب لمطالبه ، وسير الأدب في ركابه انطلاق وحرية ، فلا تعني تجربة الالتزام الماركسي الفاشلة موعظة للذين يحاولون الالتزام الإسلامي ، فالمسلم مطالب بالالتزام ، وإن لم يكن مبدعا ، ومسؤولية الكلمة وخطورتها تتضح من قوله تعالى : ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) والمصطفى - صلى الله عليه وسلم - حذر من حصائد الألسن وأشار إلى أنها تكب الناس على مناخرهم في النار وفي الأثر: "إن الرجل ليقول الكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا" .
وتألق الأدب الوجودي - إن كان ثمة تألق - لم يتأت من عدم التزامه ، فمجرد كينونته تعني حاجته إلى أدب يبشر به ، ولعل انتشاره مرتبط بتلك الحرية المطلقة التي بلغت حد العبث والفوضى والغثيان . لقد أصبح متنفسا للمقهورين بالشك والارتياب والرفض . وعلى الجملة فمقارنة الأدب الإسلامي بتلك الآداب انتقاص للأدب والإسلام معا لإنها مقارنة مع الفارق .

(50/43)


ومما أشار إليه المتحفظون التركيز على أهمية القيمة الجمالية بمعنى أن الأدب للمتعة فقط ، وتوريطه بالمهمات النفعية يكون على حساب جمالياته ، وبالتالي ينحيه عن مقتضيات الفن وأحسب أن الواقع المعيش أسقط من حسابه الانقطاع للجمال والمتعة .
لقد تلبس الأدب بالفلسفة ، واتخم بالفكر ، وتحولت المذاهب الأدبية من مذاهب شكلية إلى مذاهب فكرية ، وامتطت صهوة الكلمة لتكون رسولا من رسل هذا الفكر ، والإسلام سبق كل المذاهب في ذلك ، والقرآن الكريم معجزة الرسول يأتي في قمة الفن ، وقد نظر إلى الجماليات صوتا ، وصورة ، وأسلوبا ، وقضية النظم التي طلع بها الجرجاني تجسد الجمالية الأسلوبية بأبهى صورها ، ولم يؤثر المدلول القرآني على روعة الأداء وجمال النظم ، فكيف نفكر في إثارة الملمح الجمالي للأدب ، ونعده معوقا في طريق تلك النظرية ، ومن ينكر نفعية الأدب وأيديولوجيته وأثره الفكري والعقدي والأخلاقي ؟

(50/44)


لقد انتهت نغمة الفن للفن . وحل محلها الفن للحياة . والفن تجربة يشكلها الجدل مع الحياة ، وقضية الفن للفن أو للحياة سفسطة لا قيمة لها ، وهذا لا يعني تحويل الفن القولي إلى خطب ومواعظ وأمر ونهي ، إن الأدب الإسلامي أبعد من كل ذلك وأشمل لكل ذلك ، إن الأدب الإسلامي يريد فقط تميز الأديب المسلم بأدائه ، وذلك بإبراز الحس الإسلامي ، والتفكر في خلق السموات والأرض ، وتجلية جماليات الكون للالتفات إلى مبدع الكون ، ألم تشدنا الأرض وتثير انتباهنا حين تأخذ زخرفها وتتزين ؟ ألم تشدنا مناظر الطبيعة وأشكالها وألوانها المتناسقة ونظامها ؟ ألم نطرب لهذه الأصوات ،من حفيف وخرير وتغريد ؟ إن على المبدع أن يمارس إبداعه بحرية مطلقة ، ولكن عليه أى يستحضر عظمة الخالق ، فالكون صنع الله الذي أتقن كل شيء ، وهذا الاستحضار كفيل بإنتاج أدب إسلامي رفيع المستوى ولكن الحاصل ، خلاف ذلك لقد شغلنا بالطبيعة منفصلة عن خالقها ، فجاء الأدب ماديا لا قيمة له ، لأنه فقد نبض الإيمان ، وحين يفقد نبض الإيمان تتصحر الحياة ، ويجف معينها .
ومما أثير في سياق التحفظات في طريق مشروع الأدب الإسلامي احتياج الشاعر إلى التغني بذاته والتنفيس عن همومه الفردية والشاعر يغني ألم الحرمان ويصف مناظر الجمال ويحسب هؤلاء أن الأدب الإسلامي يمنع من ذلك وفاتهم أن الأدب الإسلامي أرحب صدرا وأوسع أفقا مما يتصورون .
إنه يستوعب كل الهموم وكل التطلعات ولا يضيق بخواطر النفس وخطراتها ، وآلامها وآمالها . إن الأدب الإسلامي يحفظ ويحافظ على جماليات الفن وموسيقاه ، وصوره وخياله ولغته المتميزة ، ويعرف حدود الأدب ، ويرفض تداخل المهمات ، فهو لا يحمل هم الوعظ والإرشاد ، ولا يفكر بالإفتاء ونظم العلوم ، وكل الذي نريده من المعارضين أن يعرفوا جيدا أبعاد الأدب الإسلامي ومقتضياته وخصائصه وسماته ، عندها لا يكون جدل أو خصام .

(50/45)


فالأدب الإسلامي يتفق مع الفن في القيم الفنية ، أما القيم الدلالية فله موقف ، وليس بدعا في ذلك ، فالأدب الماركسي له موقف من القيم الدلالية ، والأدب الوجودي والسريالي والحداثي وكل الآداب الحديثة تحدد موقفها من القيم الدلالية . ويقيني أننا إذا عرفنا ذلك فلن نحتاج إلى البحث عن مسوغات ، ولن نلتمس المحاذير ، والنص الإبداعي الحديث لا ينجو من الأدلجة والتسييس . وإشكالية الأدب الإسلامي لا تتجاوز إلى مشروعية الممارسة ، لقيامها منذ أن وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت للتصدي للمشركين ، ولكنها تقف عند مشروعية المصطلح ، وإذا كانت هناك ممارسة إبداعية فما المحذور من إطلاق مسمى يميزها عن غيرها ، وعندما لا ينتبه السلف إلى إطلاق هذا المصطلح فإن ذلك لا يدين الماضي ، ولا يمنع الحاضر ، فالمصطلح تولده الحاجة .
إن الأدب الإسلامي الذي يتوجس منه البعض خيفة حين يستوي على سوقه سينهض بفرائض غائبة إسهاما في تصحيح الفساد المتفشي ، ولن يعالج هذا الفساد إلا أدب ينطلق من قواعده الإسلامية من القرآن والحديث . إن سرعة التحولات أفقدت الأدب العربي هويته وشككت في انتمائه وولائه ، وغمسته في أوحال التبعية والإمعية وترديه في تلك الأوحال من أولويات مسوغات ،الأدب الإسلامي ومشروعيته ، مصطلحا وأداء .
الهوامش:
* وصلنا هذا المقال من الدكتور الهويمل الذي يعتبر من نقاد الأدب المشهورين في المملكة العربية السعودية والبيان ترحب به وبكل الاخوة الذين يساهمون في تعميق الأدب الإسلامي .

شعر
أمي
محمود مفلح
إلى روح التي ارتحلت عن هذه الدنيا ، وكلانا لم ير الآخر منذ عشر سنوات إلى روح أمي:
مالي سمعت كأن لم أسمع الخبرا ... هل صار قلبي في أضلاعه حجرا؟
مالي جمدت فلم تهتز قافيتي ... ولا شعرت ولا أبصرت من شعرا
كأن كل سواقي الشعر قد أسنت ... من جفف الشعر من بالشعر قد غدرا؟

(50/46)


أنا الذي عزفت أوتاره نغما ... هز الورى والذرا والطير والشجرا
مالي سكت فلم أنطق بقافية ... ولا رأيت بعيني الدمع منحدرا؟
هل جفف الرمل إحساسي وجففني ... فأصبح الشعر لا علما ولا خبرا؟
وهل عجزت عن التعبير واأسفي ... كأنني لم اصغ للغادة الدررا!؟
أمي تموت ويمناها على كبدي ... يا أم رحماك إن القلب قد فطرا
هزي سريري إني لم أزل ولدا ... ودثريني إن الريح قد زأرا..
وجففي عرقي فالصيف ألهبني ... وسلسلي الماء كي أقضي به وطرا
مدي يديك كما قد كنت ألثمها ... فقد نهضت ووجه الصبح قد سفرا
وحوطيني.. تلك العين خائنة ... وكم رأيت عيونا تقدح الشررا
ولوني أغنيات الصيف في شفتي ... وقربي من وسادي النجم والقمرا
ما زال صوتك يا أماه يتبعني ... يا رب رد حبيبا أدمن السفرا
يا رب صنه من الأشرار كلهم ... ورد عنه الأذى والكيد والخطرا
واجبر إلهي كسرا ، حل في ولدي ... فأنت تجبر يا مولاي ما انكسرا
يا رب جفت دموع الأمهات هنا ... فأنزلن علينا الغيث والمطرا
كل العصافير عادت من مهاجرها ... متى نعود إلى أعشاشنا زمرا
وارحم إلهي زوجا غاص عائلها ... في ظلمة السجن لم تبصر له أثرا
وطفلة كلما قالت زميلتها ... أتى أبوك ؟ تشظى القلب وانفجرا
وارحم إلهي شيخا دب فوق عصا ... قد كاد من طول ليل يفقد البصرا
يا من رددت إلى يعقوب يوسفه ... لا تترك الشيخ فردا لا يطيق كرى
يا رب ما ذنب أحرار إذا وقفوا ... مثل الجبالت وموج الظلم قد سكرا؟!
ما زال صوتك يا أماه يجلدني ... إني أسأت وجئت اليوم معتذرا
لا والذي خلق الدنيا وصورها ... ما خنت عهدك يوما ، ما قطعت عرى
لكنها محن حلت بساحتنا ... أودت بفكر الذي قد روض الفكرا
أمي تموت ولم أفزع لرؤيتها ... ولا قرأت على جثمانها سورا

(50/47)


ولا حملت على كتفي جنازتها ... ولا مشيت مع الماشين معتبرا

فوائد من كتاب
"الفوائد"
اختيار: أم عبد الرحمن
قيل في العلماء الصادقين أنهم أطباء القلوب ، وذلك بما عندهم من فراسة صادقة وهبها الله لهم من نوره الذي قذفه سبحانه في قلوبهم الممتلئة بالعلم والإيمان والإخلاص واليقين . فتجد أحدهم يكشف لكل مريض عن سبب مرض قلبه بحذق وفطنة وبصيرة نافذة .
ومن هؤلاء العلماء : ابن قيم الجوزية - رحمه الله - فإن معظم مؤلفاته تفصح عن مدى صدق فراسته ، وعن مدى قدرته في تحليل خفايا النفوس المريضة بالذنوب والأهواء . ومن كتبه التي تحمل تلك الصبغة كتاب "الفوائد" الذي اخترت منه هذه الفوائد المنوعة والموجزة والتي أرجو الله أن يجعل فيها المنفعة والفائدة لكل قارئ وقارئة .
* ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها ، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى .
* لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت.
* المعاصي سد في باب الكسب ، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه .
* من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله .
* الدنيا جيفة ، والأسد لا يقع على الجيف .
* من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه .
* للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه ، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله إليه .
* إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته ، كنت كالمسافر الذي يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ما تقف به .

(50/48)


* عير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال : ((يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)) [التوبة 38] .
وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة .
* الإخلاص : هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه فيبطله .
* ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية .
* لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره .
* الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون .
* وقار الله :
من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره ، فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها ، قال تعالى : ((ما لكم لا ترجون لله وقارا…)) [نوح:13] .
ومن وقاره ان لا تعدل به شيئا من خلقه... ، ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه ، ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية ، والناس في ناحية وحد ، فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ، ولا يعطي المخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ، ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه . فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ، ومن كان كذلك فإن الله لا يلقي له في قلوب الناس وقارا ولا هيبة ، بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم ، وإن وقروه مخافة شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم . ومن وقار الله أن يستحي من اطلاعه على سره وضميره فيرى فيه ما يكره . ومن وقاره أن يستحي من أكابر الناس .

(50/49)


* مواساة المؤمنين :
المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه ، ومواساة بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ، ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم ، ومواساة بالتوجع لهم . وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة . فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة ، وكلما قوي قويت . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله ، فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له .
* شرف النفس :
قال شقيق بن إبراهيم : أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء : اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل، والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم ، وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها ، وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها . قلت : وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة ، وأصله: ضعف اليقين، وأصله: ضعف البصيرة، وأصله: مهانة النفس، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير .

الركن الإعلامي
أخبار قصيرة
- آغا خان لصا
اتهم المدعو (صدر الدين أغاخان) باختلاس أموال المهاجرين والمجاهدين الأفغان . حيث إنه يعمل منسقا لجهود الأمم المتحدة لإعادة توطين المهاجرين الأفغان ، وقد ظهرت هذه التهمة عندما رشح آغا خان نفسه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة مما استدعى البحث في ملفه كاملا وتبين أنه صرف مبالغ طائلة من أموال مشاريع التوطين في غير ما خصصت له ، كما سبق للحكومة الفرنسية أن اتهمته باختلاس مليونين ونصف مليون من الدولارات صرفها دون أن يدرج بها كشفا بكيفية الصرف مما يدل على صرفها في غير وجهها.
العالم الإسلامي
- ندوة فاشلة عن الديموقراطية في بيروت

(50/50)


عقد في بيروت بين 20-23/1/92 ندوة بعنوان المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديموقراطية ، شارك فيها حوالي 90 باحثا ومفكرا من مختلف الأقطار العربية تحت إشراف مركز دراسات الوحدة العربية ، قدم فيها 16 بحثا وعقب عليها 29 باحثا يمثلون مختلف الاتجاهات الفكرية من قومية وأصولية وماركسية على حد ما جاء في الخبر . تطرق المتناقشون فيها إلى ما اسموه بالمؤسسات السلطوية والأنظمة الاستبدادية وأنظمة الحزب القامعة للديموقراطية وانتهاك حقوق الإنسان.. الخ
الأنباء العدد 5652
* والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يلق الإسلاميون وما يعانونه من اعتقالات واغتيالات وسرق لجهودهم الديموقراطية ، لماذا لم يلق الشجب والإدانة على أقل تقدير . لماذا لم تتطرق الندوة بما يدين تلك الجهات المناوئة لهم : لماذا ، أليسوا بشرا لهم حقوقهم وما ذاك إلا لأنهم إسلاميون فحسب ، وإذا عرفنا بأن المركز المشرف ذو اتجاه علماني بطل العجب ، والشيء من معدنه لا يستغرب . وماذا قدم من سموهم بالأصوليين المشاركين في هذا المجال !!
- اهتراء منظمة التحرير
في انتخابات الغرفة التجارية في مدينة رام الله فازت الكتلة الإسلامية بعشرة مقاعد من أحد عشر مقعدا ، وكانت هذه الكتلة قد عرضت على فصائل المنظمة تشكيل قائمة موحدة ولكن المنظمة رفضت وشكلت مرشحيها عن كل فصيل من فصائل المنظمة ، فكانت النتيجة أن اكتسحت الكتلة الإسلامية هذه الانتخابات .
الحياة 92/3/11
* الجدير بالذكر أن في هذه المدينة يعيش نسبة عالية من النصارى ، وهذه رسالة موجهة إلى منظمة التحرير بالبراءة منها ، وهي رسالة موجهة إلى كل من يريد إبعاد الإسلام بالقمع والقوة وأن الإسلام هو قدر هذه الأمة .
- ماليزيا تحتج على بورما للمجازر التى ترتكبها ضد المسلمين
استدعت وزارة الخارجية الماليزية سفير بورما وأعربت عن قلقها إزاء المعاملة التي تتلقاها الأقلية المسلمة هناك .
الحياة 11/3/92

(50/51)


* حسن من ماليزيا أن تحتج ولو بالكلام على وحشية حكومة بورما، وننتظر من دول أخرى أن تقوم بنفس العمل ، إذا كانوا يفهمون بلغة الإنسانية .
- نظام كابل يطلب من واشنطن مساعدته للقضاء على (الأصولية)؟!
في مقابلة مع صحيفة (نيويورك تايمز) طلب نجيب الله من الولايات المتحدة مساعدته في التغلب على المجاهدين مما يحول دون انتشار الأصولية في جمهوريات آسيا الوسطى المجاورة...
الحياة 11/3/92
* أصبح المسلمون سلعة يتاجر بها كل نظام يريد مساعدات مالية يضرب الإسلاميين ويسجنهم حتى تنهمر عليه المساعدات . ونحن نأمل من هذه (الأصولية) أن تقتلع جذور حكام كابل ومن وراءهم .

كتب -وثائق -مذكرات -إصدارات
- إلى اين تسير الجزائر : تأليف بلقاسم نابي
المؤلف وزير جزائري سابق للبترول وضح في كتابه هذا الذي بلغ 500 صفحة ، أزمة البترول وتأثيرها على التنمية خلال الحقبة الماضية في الجزائر.. حدد من خلاله الظاهرة البترولية وعلاقتها باستراتجية الدول المتقدمة وهدف إعادة تنظيم العالم من جديد،وتطرق لمشاكل البترول والغاز وخلفيات الصراع الدولي حول الأسعار بأسلوب لا يخفى المنطلقات السياسية التي تعكس تبرير قرارات التأميم ، وركز على خطر الاعتماد الكلي على قطاع المحروقات واعتبار الرأسمال البشري كقوة عاملة والاستمرار على نهج سياسة التصدير في الوقت الذي عجزت فيه الدولة عن تنشيط الصناعة المريضة والفلاحة العاجزة عن تلبية أدنى الاحتياجات الغذائية، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تكون الجزائر دولة بترولية مصدرة بينما هي اقتصاديا منحطة فضلا عن الديون المتراكمة التي تنوء تحت كاهلها.
- أبو نضال : بندقية للإيجار تأليف : باتريك سيل

(50/52)


عن حياة رئيس حركة فتح (المجلس الثوري) المدعو صبري البنا والمعروف بأبي نضال كتب الصحافي البريطاني (باتريك سيل) كتابه الجديد متطرقا للعمليات الإرهابية التي قام بها المذكور ومنظمته ضد بعض الأهداف الغربية واليهودية . وذكر المؤلف أن أبا نضال أو المقربين إليه كانوا يعملون لصالح إسرائيل ، ولا ندري عن معلومات المؤلف ، لكن حينما يغيب الإسلام عن التوجه ، والدين عن الضمير فلك أن تتصور أبشع الجرائم واشنع التصرفات .
- الحرب القادمة حرب المياه والصراع العربي الإسرائيلي
تأليف : د. سمير عيسى سعد
دراسة علمية تدرس مشكلة المياه في فلسطين المحتلة وأطماع العدو الصهيوني في مياه الدول المجاورة وتطرق الباحث إلى المواضيع التالية :
حدود فلسطين كما أقرتها الاتفاقيات الدولية ، وبيان الموارد المائية هناك ، ومشاريع المياه المنفذ منها وما هو تحت التنفيذ ، وكذلك تطور السكان في فلسطين وعلاقتهم بالمياه ، ثم الواقع المائي في الأراضي المحتلة ، وتظهر في هذا الفصل فكرة المرحلية في استيلاء العدو الصهيوني على الأرض والمياه ثم يبين بالأرقام والجداول مشاكلهم المائية نتيجة سياستهم في التوسع والاستيطان وخلص إلى أن أطماع العدو تصل إلى مياه نهري النيل والفرات ثم ختم الكتاب بخلاصة البحث وما تبين له من استنتاجات .
- اليهود والتحالف مع الأقوياء تأليف د. نعمان السامرائي
وهو العدد 32 من سلسلة كتاب الأمة التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية بقطر قدم لها الأستاذ المشرف بمقدمة تحليلية مطولة ويتكون الكتاب من عدة فصول هي :
1- اليهود والظواهر الغريبة (ثقة بالنفس أم غرور) و (فقدان الغربة في الحوار ، إثارة مخاوف الآخرين) و (الارتباط بفلسطين) وقانون العودة..
2- عبادة القوة والتحالف مع الأقوياء متطرقا لبيان ذلك بنبذة تاريخية ونصوص مختارة لقادتهم وتحالفهم مع الفاشية والنازية وإيضاح عصر أدبياتهم اليهودية .

(50/53)


3- الاستعمار والصهيونية (الأستاذ والطالب) الاستقلال والتبعية في آن واحد والتوسعية والوحدوية والتفاوت الثقافي بين المهاجرين اليهود ثم ملحق عن الحقوق الصهيونية المدعاة في فلسطين وبيان تهافتها علميا .
وأشار المؤلف في مقدمته إلى حقيقة هامة يريد اليهود استغلالها في سبيل استهدافهم تحطيم إرادة الخصم وهي محاولتهم بكل السبل تفريقنا وزرع الشكوك بيننا واقناع حكامنا زورا بأن الخطر على كراسيهم يأتي من الإسلاميين وليس من إسرائيل !!!

إحصاء
- في مؤتمر (تنسيق المساعدات للدول المستقلة الجديدة) الذي عقد في واشنطن من 22-23 يناير الماضي والذي حضره 47 دولة و 7 منظمات دولية ولم تدع له الجمهوريات المحتاجة للمساعدة أعلن الرئيس الأمريكي (بوش) أنه سيطلب من الكونجرس تخصيص 645 مليون دولار مساعدات للجمهوريات التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق ، وأعلنت اليابان تقديم 50مليون دولار ، ولم يقر المؤتمر أي مساعدات جديدة وإنما اكتفى بإقرار بعض خطوات تنسيق المساعدات وكيفية شحنها .
- سيصل إنتاج اليمن من النفط إلى 1.5 مليون برميل يوميا في نهاية العام الحالي 1992 والمعروف أن 18 شركة نفط مختلفة الجنسيات تعمل في اليمن على قدم وساق ، وأن المجلس الأعلى للشؤون النفطية والاستثمار وافق على 12 اتفاقية جديدة في مجال الاستثمار النفطي .
الخليج 4657

(50/54)


- قال سمحا دنس مدير الوكالة اليهودية للمهاجرين أن نقص فرص العمل في إسرائيل هو السبب الرئيس للانخفاض الكبير في عدد المهاجرين لإسرائيل حيث لم يبلغ عدد المهاجرين في فبراير الماضي سوى 500 مهاجر فقط وهو أقل معدل وقد وصل نحو 400 ألف مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق منذ أواخر عام 1989 مما أدى إلى إجهاد الاقتصاد اليهودي ورفع معدل البطالة إلى 11% وهو أعلى معدل منذ 20 عاما ، ووفقا لإحصائيات للوكالة المذكورة فقد بلغ معدل المهاجرين في شهر ديسمبر عام 1990 إلى الذروة إذ وصل إلى295.34 مهاجرا سوفياتيا وفي الأشهر الستة الماضية لم يصل العدد الشهري إلى 10 آلاف شخص بينما بلغ الشهر الماضي 237 مهاجرا .
الشرق القطرية العدد 1425

في دائرة الضوء
أي حرية تمارسها الصحافة الكويتية ؟
بعد أن عاد الكوتيون إلى ديارهم بعد المأساة التي عاشوها والتي اكتووا بنارها ، كنا نتوقع ويتوقع كل مخلص أن يتوب المبتعدون عن الإسلام إلى ربهم ، لا سيما من كان منهم يبارز الله بالمعاصي ، ومن عرف عنهم مواقفهم المتشنجة ضد الصحوة الإسلامية ، وضد الدعاة إلى الله عموما ، لا سيما الكتاب والصحفيين وغيرهم ، لكنا فوجئنا بأن الأمر انعكس رأسا على عقب ، ورأينا الفئة المفترية على الله عادت أشرس ما تكون عداءا للإسلام ، وأكثر افتراءا على دعاته وأسرع سقوطا في أحضان الكفر والكافرين . وقرأنا ما تقشعر له أبدان الذين آمنوا من السخرية من الدين وشعائره كما كتب المدعو (فؤاد الهاشم في صحيفة صوت الكويت) عليه من الله ما يستحق ، وكان محل انتقاد الدعاة والعلماء في الكويت .
ورأينا (أحمد الجار الله) يفتري على الله ويتهم الدعاة إلى الله بمفتريات سخيفة لا يصدقها عاقل .

(50/55)


ووجدنا صحيفة الوطن تملأ صفحاتها افتراءا وكذبا وتزويرا ضد من دعوا إلى (إقامة هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وجن جنونهم لهذا المشروع الخيري الكبير ، وكأنهم يعطون الدليل بأنه لا يصح أن يوقفوا عند حدهم وألا يفطموا على ما ألفوه من باطل وانحراف ، ووجدنا من يدعو إلى الاعتراف بالعدو الصهيوني بدعوى أنه لم يفعل بهم كما فعل (مجنون العراق) وشنوا حملات ظالمة ومفتراة على الجماعات الإسلامية التي كان لها موقف معين ووجهة نظر رأوها حيال تلك الأزمة التي مرت بالمنطقة فدعوا إلى مقاطعتها وشنعوا على قادتها واعتبروهم أبعد من العدو الصهيوني نفسه .
نعم إن للحرية الصحفية دورها في كل مطبوعة لكن أن تصل الحرية إلى الكفر البواح وإلى الافتراء بلا دليل والسخرية من المسلمات الشرعية المحترمة فهذا ما يجب أن يوقف وأن يكون محل دراسات علمية ونفسية لهؤلاء الكتاب الذين هم عالة على الصحافة ، وأبعد ما يكونون عن رسالتها الشريفة، ولقد تطرق نفر من الدعاة إلى الله إلى دراسة هذه الظاهرة وتحليلها وبيان منزلقاتها أمثال (الشيخ سلمان بن فهد العودة) في درسه (هشيم الصحافة الكويتية) الذي نشرته مجلة المجتمع مسلسلا ابتداءا من العدد 985 وما بعده .
لكن ما يمكن قوله في هذه العجالة :
1- أن أولئك الكتاب الذين أخرجوا ما في بواطنهم من غل هم أناس مشبوهون ولهم سوابق في الانحراف الفكري ، والقراء يعرفونهم قبل الأزمة .
2- إنهم جهلة بالدين الذي ينتسبون إليه لا يعرفون منه سوى ما يعرفه العوام أما أن يعرفوا أصوله وآفاقه وحلوله لمشكلات العصر فهم أبعد الناس عن ذلك وفاقد الشيء لا يعطيه .
3- اتهامهم للإسلام ودعاته ، وتكرارهم لما يقوله أعداؤه يدل دلالة أكيدة على أنهم عملاء سواء عرفوا أم جهلوا، وإلا لماذا يتبنون طروحات الأعداء حتى صارت كالإعلانات المدفوعة الأجر .

(50/56)


4- الموقف حيال تلك الاتجاهات الشائنة للإسلام ودعاته هو مقاطعتهم ولقد أحسنت الجمعيات التعاونية بالكويت صنعا حينما قاطعت تلك الصحيفة التي تبنت آراء ذلك الكاتب المشبوه ضد الإسلام حتى اعتذرت الصحيفة عما نشرت على لسانه .
ولابد من المقاطعة لتلك الصحف المشبوهة فإنها ستصاب بالسكتة القلبية من جراء مقاطعتها حتى تتأدب مع الإسلام ودعاته وتحترم الرسالة المفترضة فيها وهذا أبلغ علاج.
وإن من أبجديات الشكر لله على ما آلت إليه الأحوال أن يحترم دين هذه الأمة وأن يتاح المجال للكتاب المحترمين بأداء دورهم في الدعوة والإسلام ، وألا تنشر إلا كل نافع ومفيد فإن الصحيفة المحترمة تستطيع أن تجذب القارئ بالموقف الموضوعي والنقد البناء والخبر الطريف والتحقيق المفيد وطرح القضايا الحيوية التي تهم قطاعات المجتمع .

مصطلحات
الدين لله والوطن للجميع !
تتردد هذه الايام على ألسنة من يمارس اضطهاد الدعاة مقولة : لا وصاية لأحد على الإسلام ، والإسلام للجميع ، كما يرددون "الدين لله والوطن للجميع" .
وقد سئل الشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله - عن هذه العبارة فأجاب :

(50/57)


هذه المقالة : "الدين لله والوطن للجميع" صاغها الحاقدون على الإسلام الذين رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزورة إفكا وتضليلا ، ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون بحجة الوطن الذي جعلوه ندا لله ، وفصلوا بسببه الدين عن الدولة ، وحصروه في أضيق نطاق ، فأعادوا بذلك الحكم القيصري والكسروي بألوان وأسماء جديدة ، والعبرة بالمعاني من سوء التحكم والأعمال المخالفة للشرع، وعدم العدل لا بالأسماء والألقاب، فهي خطة شركية قل من انتبه لها ، ولا يجوز للمسلمين إقرارها أبدا ، ولكن غلبت عليهم سلامة الصدر فاغتروا بما يطلقه أولئك من الدجل والتهويل ويخادعون به الله والمؤمنين من دعوى تعظيم الدين والارتفاع به عن مستوى السياسة التي هي غش وكذب ، ليخدعوا به المسلمين ويخرسوهم والله لا يرضى من عباده أن يتهاونوا بالحكم ويتنازلوا عن حدوده قيد شعرة أو تنقص فيهم الرغبة الصادقة في تنفيذه - بدلا من أن تنعدم - لحب وطن أو عشيرة بل ولا لحب ولد أو والد أو أخ قريب ، فالدين الذي لله يجب أن يسيطر على الجميع ويكون أحب وأعز من الوطن وأن لا يتخذ الوطن أو العشيرة ندا لله ويعمل من أجله ما يخالف حكم الله وتبذل النفوس والأموال دون كيان العصبية القومية في سبيل الوطن لا في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه بل لتعزيز المفتري عليه ، فهذه وثنية جديدة أفظع من كل وثنية سبقتها ، إذ يعملون تحت هذا الشعار الوثني ما يشاؤون ويخططون لحياتهم الوطنية تخطيط من ليس مقيدا بشريعة ربه وكونها أفظع من كل وثنية هو لمزيد فتنتها وإخراجها للناس بهذا الأسلوب الذي صاغته (أوربا) هروبا من حكم الكنيسة والله يقول : ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين)) ويقول : ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب

(50/58)


يردوكم بعد إيمانكم كافرين..)) وقد عملوا منذ زمن طويل على ذلك حتى كسبوا بعض أولاد المسلمين فنفذوا لهم هذه الخطة التي طوحوا بها بحكم الإسلام بحجة أقلية نصرانية انتحلوا هذه النحلة وعطلوا دعوة الإسلام وأوقفوا زحفه إرضاء لهذه الأقلية وإغضابا لله بينما هي تزحف بالدعاية النصرانية وبث الإلحاد على حساب المسلمين وفي عقر بيوتهم وجعلوا الحكم لغير الله وأباحوا من أجلها ما حرم الله بإقرارهم له وإعفاء مرتكبه من العقوبة ليشهدوا لهم مع تلاميذ الأفرنج من أبنائهم أنهم متحررون أكفاء للحكم .

العنصرية والديموقراطية الأوربية
في الميزان
د. أحمد عجاج
لم يكن يخطر أبدا في بال عائلة سعدو اللبنانية التي هربت من جحيم الحرب الأهلية في لبنان بأنها ستواجه مأزقا بعد اليوم. فقد حطت رحالها أخيرا في بلدة هنكس الألمانية على نهر الراين، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات بالأمان والحرية . ولكن لم يكن هذا الشعور إلا وهما وسرابا. ففي منتصف ليل الخامس من اكتوبر الماضي ودون سابق إنذار اشتعل منزلها وأصيبت طفلتاها اللتان لم تتجاوزا بعد سن السادسة والثامنة بحروق خطيرة إثر هجوم قامت به العصابات النازية الجديدة بالقنابل الحارقة عليها . وسبب الهجوم بسيط جدا وهو أن تلك العائلة لا تنتسب إلى الجنس الألماني العظيم !
وعائلة سعدو ليست إلا واحدة من عدة عائلات تعرضت إلى ما هو أفظع وأشنع من ذلك بكثير على يد تلك المجموعات النازية الجديدة التي تطالب بتطهير ألمانيا من الغرباء الذين يشوهون منظرها ويزيدون أعباءها.

(50/59)


إن تصاعد الخطاب العنصري في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوربية ليس بحد ذاته حدثا عابرا أو أمرا عارضا بل هو يلمس جوهر السياسة الأوربية الجديدة في تعاملها المستقبلي مع الأقليات الموجودة على الأراضي الأوربية . ففرنسا تجد نفسها أمام تصاعد نجم العنصري "ماري لوبان" وألمانيا تقف عاجزة أمام موجات العنف التي يشنها المتطرفون ضد الأقليات واللاجئين من العالم الثالث، وبريطانيا تعرب عن قلقها إزاء تصاعد نشاط الجبهة القومية البريطانية، وسويسرا درة الغرب تحاول أن تتجنب تلك الموجات العنصرية المشينة .
وأوربا تعيش الآن مرحلة خطيرة من تاريخها الحديث الذي لا يختلف بنتائجه وآثاره عن تلك المرحلة المظلمة التي استساغت فيها أوربا استبعاد الشعوب واستغلال طاقاتها معتمدة على تبريرات واهية ترتكز إلى اللون والدين ودرجة التمدن. فالحملة العنصرية ضد المهاجرين ، أي اللاجئين كما يطلق عليهم ، بلغت مرحلة خطيرة جدا إذ أصبح معها المهاجرون غير آمنين حتى في بيوتهم وبحاجة دائمة لحماية من الشرطة. وتزامنت الحملة هذه مع تزايد البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين إلى أوربا.

(50/60)


وتصاعد الكراهية وموجة العداء لا ينطلقان من فراغ بل يستندان إلى مبررات ومسببات عديدة تجد تشجيعا وتغذية من الأحزاب العنصرية التي تعمل ليل نهار على نشر مشروعها العنصري . فالأحزاب العنصرية لها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية التي ترى فيها تفوقها وأفضليتها وأصالتها وسموها على بقية الأجناس البشرية . هذه الأحزاب والجماعات تتعامل مع موضوع المهاجرين من زاوية عنصرية بحتة . فهي ترى في وجودهم على أرضها تشويها لجمال بلادها وخطوة خطيرة نحو زوال نفوذها وسيطرتها وطمسا لحضارتها العظيمة . ولم لا وهي تعتقد بأن أولئك المهاجرين لا يتمتعون بأي رصيد حضاري ولا هم لهم سوى الاستيلاء على المدن الراقية وصبغها بلونهم شأنهم في ذلك شأن البرابرة . فأكثر ما يزعج تلك الجماعات العنصرية وجود أقليات كثيرة في مدنها الراقية مما يغير من طبيعتها ونمطها . لذا يطلقون على مرسيليا الفرنسية على سبيل النكتة والتهكم بأنها "عربية أكثر من الجزائر" نظرا لوجود أعداد هائلة فيها من المهاجرين العرب من شمال أفريقيا .

(50/61)


والخطورة لا تكمن في وجود تلك الأحزاب بل في أنها تعمل في جو من الحرية وضمن إطار الديموقراطية ، دون حسيب أو رقيب وضوابط وقيود . والحرية الممنوحة لتلك الجماعات تجاوزت الحدود الممكنة التي يمكن السماح بها في أي ديموقراطية . فقد وصل الأمر أخيرا أن تطرح الأحزاب العنصرية برامج سياسية تدعو إلى التخلص من جميع المهاجرين سواء كانوا مواطنين أصليين أم لا انطلاقا من أن أوربا للأوربيين وأنه من غير المجدي والممكن أن يتعايش الجميع فيها. فالرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان وغيره من الساسة المحترمين أمثاله لم يتورعوا عن إطلاق تصريحات عنصرية آملين من وراء ذلك أن يحصلوا على أصوات الناخبين الفرنسيين وسحب البساط من تحت أقدام الحزب العنصري الذي يتزعمه ماري لوبان . فقد صرح ديستان أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة الفيغارو الفرنسية الواسعة الانتشار بأن من الضروري التحرك لوضع حد لهجرة أبناء العالم الثالث مشبها إياها بالغزو الذي يتوجب مواجهته قبل فوات الأوان . ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك بكثير عندما أعلن رئيس وزراء فرنسا السابق جاك شيراك في احتفال حزبي عن امتعاضه من "صخب العرب وضوضائهم" ومن "روائحهم البشعة"(1) .

(50/62)


تلك التصريحات العنصرية والمليئة بالحقد والكراهية ساهمت إلى حد كبير في زيادة روح العداء والانقسام وغذت عنصر الأنا والاستعلاء لدى المواطنين الفرنسيين وشجعت بدورها على نمو التيارات العنصرية وبالذات الجبهة القومية الفرنسية التي بدأت تكتسب شعبية مرموقة في صفوف الشعب الفرنسي . فالجبهة القومية استطاعت أن تلعب ورقة المهاجرين واللاجئين بمهارة ودقة مما سمح لها أن تفرض نفسها على الساحة السياسية كقوة لها وزنها وقيمتها . وقد وصل الأمر أخيرا بزعيم الجبهة ماري لوبان أن يطرح برنامجا انتخابيا يطالب فيه بطروحات تضرب عرض الحائط جميع مقومات الديموقراطية التي يتغنى بها الفرنسيون في بلد الحرية والإخاء والمساواة . والبرنامج يدعو إلى طرد جميع المهاجرين واللاجئين غير الأوربيين مباشرة بعد مرور سنة على إقامتهم في فرنسا وحظر إعطاء تاشيرات سياحية للعرب والأفارقة(2) . والتبرير المعطى هو أن الهجرة من العالم الثالث مصدر الجرائم والبطالة والتهديد للوطن الفرنسي . وينص البرنامج على منح الفرنسيين الأفضلية في السكن والوظائف وحرمان المهاجرين ، بغض النظر عن مدة إقامتهم ، من جميع الضمانات الاجتماعية التي توفرها الديمقراطيات الحديثة لجميع المواطنين دون تمييز يرجع إلى اللون والجنس . ورغم بشاعة البرنامج فإن الفرنسيين وجدوا فيه إيجابيات عديدة ! فقد أفاد آخر استطلاع للرأي العام أن نسبة تأييد ماري لوبان ارتفعت من 18 إلى 32 بالمئة محرزا في ذلك تقدما ملموسا وظهورا قويا على الساحة السياسية(3) .

(50/63)


والتأييد الذي يلقاه ماري لوبان يعكس مدى التردي الأخلاقي في المجتمع حيث أصبح الجهر بالعنصرية شيئا مقبولا ولا يثير الخجل والحياء بل الفخر والإعجاب . فقد أصبح الخطاب العنصري مجالا رحبا وأرضا خصبة للتأييد الشعبي وتعزيز موقع الطامح إلى السلطة حتى وصل الأمر أخيرا بالرجل الثاني في الجبهة القومية الفرنسية برونو ميغرات أن يتسائل قائلا : "لماذا نجهد أنفسنا في الحفاظ على أجناس الحيوانات في حين لا نلقي بالا لاختفاء الجنس البشري من جراء الاختلاط العام بين الأجناس البشرية المختلفة" (4).
فلا غرابة إذن أن نرى متطرفين وعنصريين وأعمال إرهاب وعنف ضد المهاجرين واللاجئين طالما أن الخطاب العنصري يحتل رقعة واسعة من الحياة السياسية والاجتماعية.. ولكن ما يدعو إلى الاستغراب حقا هو كيف تتعايش الديموقراطية مع العنصرية ؟ فالديموقراطية الغربية بما تتضمنه من أفكار ومبادئ تتنافى كليا مع ما تطرحه العنصرية ، والاختلاف بينهما كبير بمقدار ما هو بين الماء والنار . فالدول الغربية بالذات تطالب دولا أخرى باستمرار أن تحترم حقوق الإنسان وأن تنتهج المنهاج المثالي في التعامل مع مواطنيها وتتزعم دائما المؤتمرات والمجالس الدولية رافعة الصوت عاليا باحترام حقوق الإنسان وتوفير الأمن والرفاهية للجميع دون استثناء لكن دون أن تكلف نفسها عناء النظر في ما يجري على أراضيها من حدث وخطاب سياسي . فظاهرة تفشي العداء والتطرف ضد المهاجرين قلما تجد تأنيبا من نخب الغرب الحاكمة إن لم تجد أحيانا تشجيعا كما هو الحال في فرنسا وألمانيا . وهذه المفارقة تكشف في جوهرها حقيقة الديموقراطية التي ملأ صيتها الآفاق وانتشر في أرجاء المعمورة .

(50/64)


إن كانت الديموقراطية كما يزعم بأنها من أنجح الأدوية وأفضل الطرق لرص صفوف المجتمع وصهر طاقاته فإن نموذجها الغربي المطبق لم يحقق حتى الآن إلا نجاحا نسبيا . وإلا لما طرح لوبان مشروعه ، ولما قال شيراك بأن العرب رائحتهم كريهة ولا تعرضت عائلة سعدو للحرق . فالديموقراطية بمثالها الغربي لا يمكن أبدا أن تنجح في توحيد المجتمع وصهر طاقاته البشرية ولم أجناسه المتنوعة في بوتقة واحدة . والسبب يكمن في كيان الديموقراطية الغربية ذاته القائم على الحرية الفردية المنفلت من كل قيد أو ضابط أخلاقي واللاهث وراء الإشباع المادي دون سواه . فإذا ما توفرت العناصر المادية ولوازمها يمكن للمجتمع آنذاك أن يعيش نسبيا نوعا من الأمان والاستقرار الاجتماعي . ففي الماضي غير البعيد انتجت ديمقراطية الغرب - عندما تردت الأوضاع وساءت الأحوال الاقتصادية - نازية هتلر وفاشستية موسوليني .

(50/65)


الثابت أن المجتمع الذي لا يتمتع بالمناعة الأخلاقية والمثل العليا غير قادر على معايشة حقوق الإنسان واحترام الآخرين عندما يواجه انحسارا وضمورا في وفرته الاقتصادية . وهذا بالطبع ليس شيئا غريبا لأن الفرد الذي تربى على تأليه المال والمبادرة الفردية الصرفة في الإنتاج واعتاد الوفرة والبذخ في العيش لا يمكنه أن يتنازل عن مكتسباته برحابة صدر وابتسام . بل يتطلع دائما إلى كبش فداء لتحميله وزر الضائقة وإنزال سخطه وغضبه عليه . وهو بسعيه هذا يتمتع بحصانة تحول دون معاقبته لأن السلطة ذاتها بحاجة إلى دعمه ودعم أمثاله ، وترى في أعمال كهذه منفذا للتهرب من مسؤولياتها وفشلها في إدارة البلاد . والسلطة في مواجهة أزمات كتلك ترتكز على أهمية ضمان الوحدة الاجتماعية التي لا تتحقق بنظرها إلا بتوفر عنصرين هما : الأمن الداخلي وتنفيذ مشروع الاندماج . والمقصود بعبارة الأمن الداخلي هو إقفال البوابة الأوربية في وجه الآلاف من المهاجرين الذين ضاقت بهم بلادهم وخرجوا منها قهرا أو بحثا عن مصدر رزق جديد. وعبارة الاندماج تتطلب من المهاجرين واللاجئين الانسلاخ عن ذاتهم وتقاليدهم استعدادا لتقمص هوية جديدة لم يعرفوها أو يألفوها من قبل. وفي كلا المطلبين تصبح الديموقراطية بلا معنى ويخسر المهاجرون واللاجئون حقوقهم الإنسانية .
فالديموقراطية والعنصرية يصعب تعايشهما معا ، إلا أن تعيش واحدة على حساب الأخرى . إذ لا يعقل أبدا أن تحرق عائلة سعدو وتذبح عائلة رومانية أخرى دون أن يعتقل الجاني أو تغلق مراكز الجماعات العنصرية وتمنع شعاراتها التي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان . فالديموقراطية الحقة التي نعرفها لا تستقيم إلا إذا عاشت عائلة سعدو بأمان وسجن قاتلو العائلة الرومانية وأقفلت أبواب الأحزاب والجماعات العنصرية إلى غير رجعة .
الهوامش :
1- الحياة ، 13 كانون الأول 1991
2- Foreign Report 14 of November 1991

(50/66)


3- Foreign Report 13 of November 1991
4- نفس المصدر

قراءة لفكر الصحافي هويدي
خالد بن صالح السيف
مدخل
الكتابة في المراجعات والرد على المخالف منهجية ذات تأصيل سلفي تتجاوز هشاشة العاطفة.. وتنأى باعتدالها عن الاستئناس بتبدي العورات قبالة الملأ.. وتتحرى الصواب مخافة بخس الناس أشياءهم ؛ ومن قبل تحتسبها إماطة للأذى.. ونفيا لخبث الفهم الفاسد في مرحلة اختلط فيها المتغير بالثابت.. وبخس النقل في سوت العقل.. ، ولم تعد الأولويات مواطن اتفاق.. رغم جلاء المنهج القرآني في الجانب العقدي؛ وبات فئام يصدورن عن فهم يساري إسلامي!! وآخرون عن فهم مستنير !! وثمة فهم عقلي وعصري وفهوم آخر ما أنزل الله بها من سلطان .
وهو واجب كفائي يحقق مطالب شرعية.. "أهم المهمات: نصح للمخالف : وضماد لجراحه ونصح لجميع المسلمين ، وكشف للغشاوة عنهم وحماية لقيمهم من التحلل والإدغام والدخولات وحياة الأنعام وغيرها من رواسب الخلاف الطائش . وتنقية الساحة من المنكودين ، وبالتعريف عليهم ، بما خالفوا به أمر السنة والكتاب فابتدعوا وفجروا ونابذوا السنة وآذوا المسلمين . وفي هذا تحذير بالغ من الوقوع في شراكهم وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون"(1) .
و "السنة شاهدة من وجه آخر إلى مدح القائمين بهذا الواجب ، وأنهم هم العدول المصلحون، الغرباء، وأن عملهم من الجهاد، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.."(2) .
ما سلف منهجية تبدو حقيقة محضة في ممارسة أرباب منهج "أهل السنة والجماعة" المتقدمين منهم والمتأخرين سيان وفي كتابتي هذه أتطلع إليها مجتهدا وأستشرف الصواب فيها متحريا ، والله المستعان .

(50/67)


الأستاذ فهمي هويدي صحافي يكتب في"الأهرام" و"العربي" و"المجلة"(*) ويعني في طرحه بقضايا إسلامية ذات بعد صحفي.. مغرق في الانتفاش ، ذو رؤية أحسبها تكونت من أمشاج رؤى احتطبها من "مركز للمعلومات" فحسب ، إن شئت فارقب ذلك في كتبه ومقالاته حيث النقول المستفيضة وإن كان يحسن صرف دلالتها بأن يلوي أعناقها أو يحرفها وفق مقتضى طرحه ، ودونك مثالا على ذلك:
في مقالة له وسمها بـ "العقل في قفص الاتهام" كتب الآتي : "ولشيخ المجتهدين ابن تيمية كتاب كامل في "رد تعارض النقل والعقل" خصصه لمناقشة القضية من زاوية دقيقة تتمثل في السؤال التالي : ما العمل إذا تعارض الشرع -وهو المنقول إلينا من غيرنا - مع العقل ؟، في رده قال ابن تيمية: إذا حدث التعارض بينهما فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين وأما أن يردا جميعا (أي يرفضا جميعا) وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه ، فكان تقديم النقل قدحا في العقل والنقل جميعا ، والحل يرد ابن تيمية : فوجب تقديم العقل .
ثم يضيف شيخنا الجليل إن هذا الرأي بمثابة قانون كلي عند أكثر الأئمة المجتهدين الفخر الرازي وأتباعه وقبله الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر العربي والجويني والباقلاني وهذا صحيح.." انتهى بنصه من كتابه القرآن والسلطان هموم إسلامية معاصرة(3) .
ويبدو واضحا حدة التمويه التي يمارسها هويدي في غالب نقوله رغبة في موافقة ما يصدر عنه من هوى وإن اضطر للتقول . واحسبها في النص السابق المنسوب لشيخ الإسلام تبدو أكثر وضوحا في هذا التجني وهويدي نفسه ربما يعي جيدا أن هذا ليس من كلام شيخ الإسلام إن لم يكن أول من يعلم ذلك.. إضافة إلى مفردات الاسلوب وعباراته ليست من أساليب شيخ الإسلام ولا من عباراته -رحمه الله تعالى- !!

(50/68)


يبدأ ابن تيمية كتابه - درء تعارض العقل والنقل - بعد الخطبة بقوله : "قول القائل : إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية.."(4) . وبعد أن أورد شيخ الإسلام القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة وهو ما نقله هويدي في مقاله السابق ونسبه إليه زورا قال - أي شيخ الاسلام : "وهذا الكلام قد جعله الرازي واتباعه قانونا كليا فيما يستدل به ولهذا أرادوا الاستدلال به بما جاءت به الأنبياء والمرسلون من صفات الله وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها،.."(5) .
وجاء في مقدمة الكتاب نفسه من وضع د. محمد رشاد سالم - رحمه الله - والنص الذي أورده ابن تيمية في مستهل كتابه هو تلخيص لكلام الرازي في كتبه المختلفة في هذه النقطة.."(6) .
أحسب أن القارئ الفطن أدرك جيدا إن ما نسبه هويدي للشيخ إنما هو "قانون التأويل الكلي" لأرباب الابتداع والذي جاء كتابه الفريد في رد هذا القانون من وجوه عديدة بلغت أربعة وأربعين وجها .
وبعد.. فليس ثمة تعليق على منهج يفتقد إلى مسلمات الموضوعية في أمانة النقل وأستميح القارئ عذرا لهذا الاستطراد الذي ليس منه بد.. إذ أن ما سلف جزئية استليتها من منهج الأستاذ الصحافي هويدي، والذي صنف في زمن استمراء الألقاب، "كاتبا ومفكرا إسلاميا ذا مبضع يدمل به جروح الأمة في تدينها المنقوص"!! و "أزمة وعيها الديني"!!
"إذ بات قدر الكاتب الذي يعلن انتمائه الإسلامي ويصر على أن يخوض بدينه معركة التقدم أن يواجه في مسيرته ثلاث معارك في آن واحد أولها ضد الناقدين للإسلام وثانيها ضد المتربصين بالعاملين في ميدان الدعوة والثالثة مع فصائل المتدينين أنفسهم الذن امتلأت قلوب أكثرهم بالإيمان ولكن وعيهم بحقائق الدين وأساليبه ومقاصده تشوبه شوائب عدة مما أطلقت عليه في أكثر من موضوع بالكتاب وصف: التدين المنقوص"(7).

(50/69)


وهو لا يكاد يتجاوز في جل كتبه وأطروحاته الصحافية الأدلجة العصرية لهموم المسلم المستنير ويعزف على ذات النغمة إياها لأرباب هذا الطرح ممن ينعتون بالكتبة والمفكرين الإسلاميين!! وهاك مفردات "قاموسه" من خلال كتابين اثنين من كتبه فحسب "التدين المنقوص" - "أزمة الوعي الديني"(*) لتكفيني مؤنة إبراز منهجه وتحديد هوية انتمائه وسقف طرحه :
** "فوجدت مكتبة المسجد عامرة بالكتب التي أفزعتني عناوينها إذ كانت هذه العناوين كما يلي : حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين - الجواب المفيد في حكم التصوير - الشفاء في أمر الموسيقى والغناء - التحذير من السفر إلى بلاد الكفرة وخطره على العقيدة والأخلاق - نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع - الضوء القرآني والسني على عقيدة النبهاني - الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد - فصل الخطاب في المرأة والحجاب - هذه نصيحتي إلى كل شيعي إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين"(8).
** كتابات شيوخه شلتوت والغزالي والقرضاوي من المعاصرين وحدهم : (تعد نماذج واجبة الاحتذاء لما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقيه في قلب هموم الأمة.."(9) .
** عقب أن استعرض كتاب البوطي "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي" بثناء مفرط كتب "أحسنت يا أستاذنا"(10) .
** الفقيه عنده "يتجاوز دارسي العلوم الشرعية ليشمل كل من حسن إسلامه وتعمق في أي فرع آخر من فروع المعرفة الإنسانية والعلمية"(11) .
** أدى فريق المنشدين الفتيات منهم والشباب أغنية فريد الاطرش (يا زهرة في خيالي) ثم قدموا أنشودة أقرب إلى التواشيح على أنغام أغنية أخرى لفريد الأطرش أيضا.. بعد ذلك وقفت مغنيتان في شرفة جانبية وقدمتا عدة أغنيات ماليزية بصوت رخيم على أنغام الآلات الموسيقية المحلية المتميزة .

(50/70)


سألت لماذا فريد الاطرش دون غيره ؟ قالوا إنه هو والسيدة أم كلثوم أشهر الفنانين العرب الذين تعرفهم ماليزيا وبعدهما يأتي عبد الوهاب.. رغم أنهم لا يفهمون معنى الكلام العربي ولكنهم يتعلقون باعتباره ينتسب الى لغة القرآن ، بصرف النظر عن مضمونه..
"قلت للشاب الماليزي المتحمس إن الترويج للأغانى العربية الراقية لا يعد متعة مشروعة ومطلوبة فقط ولكنه يؤدي رسالة أيضا من حيث أنه يجذب الناس إلى اللغة العربية ويعلمهم مفرداتها بمضي الوقت"(12) .
وبئس الميكافيلية تلك . وربما نعتت مستقبلا بالإسلامية !!
** لا يوجد نص شرعي صريح أو واضح الدلالة في تحريم أي من الغناء أو الموسيقى على إطلاقهما وأن النبي وصحابته سمعوا الأغاني والدفوف ولم ينكروها ، ثم إن الإسلام لم يخاصم فنا لذاته سواء كان غناء أو تمثيلا أو رقصا فتلك وسائط لا يسع عقلا إسلاميا أن يحكم بحلها أو حرمتها إلا إذا عرف لأي شيء وضعت للحلال أم للحرام"(13) .
** "وأستأذن في أن أعفى من الخوض في مسألة النقاب الذي تعرضت له في سياق سابق وقلت أنه مظهر شاذ ، لا يستند إلى دليل شرعي قوي ومع ذلك فلا تثريب على من تنقبت إذا استراح ضميرها الى ذلك شريطة ألا تلزم غيرها بما فعلت وألا تتهمها بنقصان في الدين أو خروج على تعاليمه"(14) .
** "تقاليد مجتمع الصحارى العربية لها دورها الذي لا ينكر أيضا في تطويق مساحة الترويح.. ونحن نلحظ مثلا أن بعض المذاهب المدرسية الفقهية التي تجنح إلى التشدد لم تستقر ولم يكتب لها الاستمرار إلا في البيئة الصحراوية والمذهب الحنبلي وامتداده النسبي المتمثل في التيار الوهابي لم يتجاوزا حدود شبه الجزيرة العربية كقاعدة عامة"(15) .

(50/71)


** "لست أخفي أن قلقا انتابني لأول وهلة حينما رأيت كتاب الأستاذ سيد قطب (معالم في الطريق) مترجما الى الملاوية ومتصدرا واجهات بعض المكتبات في كوالالمبور ربما لأني تمنيت أن يطل الشاب الملاوي على مساحة الفكر والعمل الإسلاميين من نافذة أخرى أكثر رحابة وسماحة فضلا عن أن كتاب (المعالم) ليس أفضل تعبير عن الأستاذ سيد الذي كان أكثر لياقة وأقرب إلى ما ننشد من وسطية واعتدال في كتابه المبكر (العدالة الاجتماعية)"(16) .
** "لكن المحظور الذي ننبه إلى خطره هنا هو أننا ينبغي ألا نسعى بأيدينا إلى إثارة النعرات المذهبية والطائفية سواء بين السنة والشيعة ، أو بين السلفيين والأباضية أو الزيدية أو الصوفية ، أو بين المسلمين في مجموعهم وبين غير المسلمين"(17) .
** "إذ الخوض في التاريخ لا طائل من ورائه والجدل حول رؤية الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة الذي تقول الأباضية باستحالته بينما يقرر آخرون وقوعه ويرون المخالفة فيه من قبيل الاجتهاد في شأن العقيدة الذي يستدل به على الضلال.. هذا الجدل يظل من قبيل الثرثرة في شأن عالم الغيب التي تضر ولا تفيد بالتالي فقد أصبح الحوار حول منابع أصول القفه الأباضي هو الاختيار - أو الاختبار - الصحيح"(18) .
** ".. فما قيل حول العلاقة بين مذاهب المسلمين إذا كان قد حقق مصلحة أكيدة - على الصعيد الفكري - فإنه أيضا صادف هوى(*) في نفسي من حيث أنه أحد مداخل المشروع الحضاري الإسلامي ، الذي ندعو إليه ونحلم به . هو المشروع الذي يتجاوز الحركة والمذهب والفرق ، ويطرح نفسه كصنيعة للمستقبل ، تظلل الجميع بمختلف مذاهبهم ودياناتهم ومدارسهم الفكرية والسياسية . وإن اكن التطبيق يخضع لسنن النمو الطبيعية مبتدئا بالوطن ومنتهيا بالناس كافة ومارا بالأمة العربية ، ثم الأمة الإسلامية"(19) .
** "كما أفسدت ملفات الماضي العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية وخسر الجميع الكثير بسبب ذلك الفساد"(20) .

(50/72)


لم أشأ أن أتعقب هذه النصوص ليقيني سلفا أن كل من لديه أثارة من علم من صغار المبتدئين يدرك فسادها جملة وتفصيلا ويجد فيها مواطن العبث.. ويتحسس أرضية الرؤية الهشة في تضاعيف النصوص المنقولة!!
ولنعد مرة ثانية إلى مفردات (قاموسه) من خلال كتابه الثاني (التدين المنقوص) لنبين عن هويته بلا ادعاء أو تحامل.. وأيضا لن نتعقبها برد البتة لذات السبب المذكور توا .
** "لسنا بحاجة إلى دليل من النقل نعزز به دعوتنا ، يكفينا دليل العقل الذي أحسب أنه لا يغيب عن ذوي الحس السليم"(21) .
** "وفي تجربة شخصية مع موظف في إحدى مصالح الحكومة نهض من مكانه بمجرد سماع أذان صلاة الظهر غير عابيء بطابور البشر الواقف أمامه حتى امتد طرفه إلى الشارع في ظل القيظ الشديد ، غاب الرجل ثلثا ساعة ثم عاد إلينا يبسمل ويحوقل بضمير مستريح ونفس راضية وعندما اعترضت على مسلكه قائلا إن وقت الظهر ممتد حتى صلاة العصر وأن الله لا يقبل صلاة تعطل مصالح الناس نظر الرجل إلي شذرا ونعى الزمن الذي تتعرض فيه (حقوق الله) للانتقاد"(22).
** "ليس الحل الإسلامي دعوة إلى الخلافة بالضرورة وإذا كانت الخلافة هي الصيغة التي أرتآها سلف المسلمين إلا أنها لا تلزم الخلف بأي حال"(23) .
"حتى بات الأمر والنهي ميدانا تداخل فيه الحق والباطل في الوقت ذاته ، ولسنا بحاجة لأن نسترجع صفحات التاريخ (*) لنستخلص من ممارسات الخوارج - مثلا - شواهد ندلل بها على صحة ما نقول . حسبنا الذي نشهده في زماننا باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تخليط تم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"(24) .
** "بالنسبة للذين يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فينبغي أن يكون معلوما أن مسؤولية الأمر والنهي تعد واجبا (كفائيا) لا يطالب به كل فرد بذاته وإنما إذا قام به البعض سقط عن الآخرين بهذا قال جمهور الفقهاء والمعتزلة"(25) .

(50/73)


** "بالنسبة لموضوع الأمر والنهي ، فينبغي أن يكون مما لا مجال للاجتهاد فيه . وعند السنة والشيعة فإنه لا يجوز الأمر والنهي - حتى للعلماء - في الأمور التى اختلفت فيها آراء المجتهدين . من مثال ذلك في زماننا الاختلاط والغناء والموسيقى وغير ذلك مما ينشغل شبابنا به"(26) .
** "لماذا لا نقف مع المزيد من ضمانات الحرية والديموقراطية ما دامت النصوص لا تعارض ذلك بل تحتمله"(27) .
** إذا ما أسهل أن يقعد الواحد في صدر مجلس أو يعتلي منبرا ولا هم له إلا أن يحذر الناس من الإلحاد والشرك ملوحا بمختلف صور العذاب في الآخرة وما أسهل أن يجرح آخرون في إيمانهم لمجرد أن أحدهم أقام قبرا لميت أو أقسم بغير الله أو استمع لصوت الموسيقى.." .
أما النضال من أجل وقف استيراد الدجاج المذبوح أو تقصير جلابيب الرجال أو.. أو.. فذلك مما لا يحتاج إلى جهد أو فقه أو حتى شجاعة حسب المرء قدر من الفراغ وحظ من ضيق الصدر والعقل على هذه الجبهة نجد ألوفا مؤلفة من المقاتلين مزروعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من أندونيسيا وماليزيا إلى الجزائر"(28) .

(50/74)


** "استمات في دفاعه عن الهالك توفيق الحكيم وسخر من الضجة التي أثارها الشيوخ عندما بدأ الأديب الحكيم كتابة سلسلة من المقالات بعنوان (حديث إلى الله) وكتب (فضلا عن أن الرجل أعلن صراحة في تقديمه لتلك المقالات أنه قد استشعر أن موعد لقائه بربه قد حان وأنه لن يخاطب سوى الله -سبحانه وتعالى- ولم تكن فكرة مخاطبته لله جديدة بحد ذاتها فثلث كتابات الصوفية تتوجه إليه سبحانه فيما عرف (بالمناجاة) حتى فكرة الحوار لم تكن جديدة فقد مارسها قبل الحكيم بسبعين عاما (1913) الشاعر والفيلسوف والمتصوف محمد إقبال.. ورغم تلك الملابسات التى تجعل الأمر مقبولا من فنان مسلم موثوق في اقتداره إذا ما كان مراعيا للغة وأدب الخطاب إلى الله فإن بعض الفقهاء وغيرهم من المزايدين والمتشيخين تلقفوا ما كتبه الحكيم وفتحوا النار عليه بدعوى الدفاع عن الذات الإلهية ، حتى تراجع الرجل عن المضي في الكتابة وغير عنوان الحديث إلى الله إلى حديث مع النفس ثم حديثه إلى القراء وهلل جمهور المشاهدين للنجاح الكبير.."(29) .
** "من يفتينا في القات : حلال هو أم حرام ؟ ربما كان السؤال متأخرا بعض الشيء لأن الفتوى أصدرها بالفعل فريق من الفقهاء فذهب البعض منهم إلى تحريمه وذهب آخرون إلى أنه حلال ولا حرمة فيه وتوقف الأمر عند هذا الحد حتى إشعار آخر ! ولست في موقفى يسمح لي بالانحياز لأي من الرأيين ليس فقط لأنني خضت تجربة فاشلة لتذوق القات في (مقيل) صنعاني ولكن لأن الذين أصدروا الحكم في القضية كانوا من الفقهاء في علوم الدين والأمر متعلق بأمور الدنيا !!(30) .
** "ومنهم من يصر على تقصير الثياب استجابة للتحذير النبوي الذي يقول بأن (ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار) غير مدرك أن إطالة الثياب في زمن الرسول كانت من علامات الكبر المذموم وهو ما لم يعد قائما الآن"(31) .

(50/75)


** "الاكتشاف في الأمر أن الإسلاميين تبينوا أن العلمانيين ليسوا كائنات غريبة تنفث الشر والفتنة والإلحاد.. أثبتت التجربة أن الطرفين من خلق الأسوياء والراشدين الذين تختلف وجهات نظرهم (32) .
** "ومثل العلمانيين فيه أحد علمائنا الأجلاء ، هو الدكتور فؤاد زكريا"(33) .
وهكذا - يمتح - هويدي بدلاء استنارته من قاع رؤية بائنة العوار !! يصمها تارة بالاستنارة وأخرى بالوعي.. وثالثة بالاعتدال ورابعة..و..؛ ولست ادري أي استنارة بمقدورنا أن نصنف ما قرأت توا مما نقلناه عنه وهو قليل من كثير تطفح به جل كتبه والتي في أصلها أطروحات صحفية وأي وعي نقده لبوسا لأطروحاته!! أم أي اعتدال ننعت به مشروعاته الثقافية والفكرية .
وقبل أن ندير وإياكم الرحى مع هويدي في همه الشيعي(*) المستعر بلظى التقريب لنقرأ جديده حيث راح يمارس تكريس ذات الرؤية التي يصدر عنها مع سبق إصرار وترصد ليمتهن ورثة الأنبياء ازدراء ويسلك بهم فجاج الجاهلية عنوة وثمة نعوت لا تليق بالسوق تأدبا فضلا عن قادة الأمة .
أعي جيدا أني أقرفت القارئ بتلك النقول بيد أنها ضرورة حتمية للإبانة عن تأصيل الاستنارة المعصرنة بوعي يقصر عن إدراكه علماؤنا ويتجاوزه كثر من أرباب اليسار الإسلامي.. وصناع الليبرالية الإسلامية وأشياخ تجديد السلفية المستنيرة .
إنه التقويض من الداخل لبناء الأمة المتصدع بمعاول شداة الحداء ذاته . وأختم هذه الكتابة بما قاله سيد -رحمه الله- في ظلاله(34) حول قوله تعالى: ((ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا)) وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى المدخولة!
وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا.. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة يباع بها الدين وتشترى بها جهنم عن يقين؟! إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن ، وليس أبشع من تفريط المستحفظ ، وليس أخس من تدليس المستشهد..

(50/76)


والقارئ يستحضر حديث حذيفة(*) ".... قلت فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم، دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا.. الحديث" .
واستغفر الله لي ولكم .
الهوامش :
1- الرد على المخالف من أصول الإسلام ص 38 ، لشيخنا بكر أبو زيد حفظه الله .
2- المصدر نفسه ص 28
*- وأخيرا في مجلة "الشراع"
3- الكتاب 49 ، 50 ط 1401 هـ دار الشروق .
4- جـ 1 ص 4 ط الأولى 1399 م تحقيق محمد رشاد سالم .
5- المصدر السابق ص 50 .
6- المصدر السابق ص 11 في المقدمة
7- التدين المنقوص - فهمي هويدي - ط الثانية 1409 هـ مركز الاهرام ص 7 المقدمة .
* المعتبر في ترتيب المنقول عنهما جاء كما هي في صفحات الكتابين "من حيث ترتيب الكتابين نفسيهما" .
8- أزمة الوعي الديني 19 ، 20 والمكتبة في مسجد بمنطقة الجيزة في مصر فأي فزع تثيرها كتب المنطقة بأمس الحاجة إلى موضوعاتها كما يقوله ابناؤها .
9- نفسه 27 .
10- نفسه ص 40.
11- ص 134.
12- 138
13- 139
14- نفسه 146
15- 155
16- 229 .
17- 292 .
18- 348 .
19- 356 .
20- 360 .
21- التدين المنقوص .
22- المصدر نفسه ص 14 .
23- ص 80 .
24- ص 83 .
* ضمن إطار مشروع الهوى الذي يحلم به ويدعو إليه ينعي علينا تأريخنا في سياقات دعوى التقريب بين المذاهب والفرق ويطالب بإلحاح تمزيق ملفات التاريخ وهنا يضطر إلى استرجاع صفحاته !! لإسقاط ممارسات الخوارج على الذين يحافظون على الخيرية في الأمة من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .
25- 85
26- 86
27- 113
28- 121 (أحسبك أدركت جيدا عملية الخلط المعتمد بين الشركيات واستيراد الدجاج !!)
29- 145
30- 193
31- 273
32- 273
33- 287
*- البخاري في الفتنة والمناقب ومسلم في الإمارة وابن ماجه في الفتنة

(50/77)


* في كتابة قادمة بإذن الله تعقب هذه القراءة لفكر هويدي نستفيض في الكتابة ردا ومناقشة على همه المستعر بلظى التقريب . علها تكن قريبا .
بل هم عنصريون
أحمد عبد العزيز أبو عامر
رفض اليهود إدانة هيئة الأمم المتحدة لهم بكون الصهيونية شكلا من أشكال التمييز العنصري واستمروا منذ صدور قرار هيئة الأمم المتحدة بهذا الصدد في 10/11/1975 يعملون بكل جهد بغاء القرار ، حتى استغلوا الظروف الدولية التي تمخضت عما سمي بالنظام العالمي الجديد ومرحلة السلام التي طرحت وتداعى لها العرب كتداعي الذباب على الشراب ، بينما تصلب (العدو الصهيوني) ليفرض ما يريده من آراء وتوجهات منها (إلغاء القرار المذكور) وما زال يطالب بإلغاء (المقاطعة العربية) بل وإلغاء (الجهاد ضد الصهاينة) كما جاء في (خطاب شامير) في مؤتمر مدريد . وحصل إلغاء القرار بمساواة الصهيونية بالعنصرية بقرار من أمريكا كما هو معلوم ، فما قصة القرارين ؟ وهل الصهاينة ليسوا عنصريين كما يزعمون أم أن الحق والواقع أنهم عنصريون بلسان حالهم ومقالهم ؟
قصة قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية
لم يأت القرار رقم 3379 الذي قضى بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية من فراغ فقد قررت هيئة الأمم شجب التمييز العنصري فيما يسمى بحقوق الإنسان ، وأكدت الهيئة ذلك حينما شجبت العنصرية القائمة على التمييز باللون والجنس والعرق.. في الدورة 22 حيث قررت الجمعية العمومية للأمم المتحدة اعتبار الفترة من 10/12/73 حتى 10/12/83 حقبة مكافحة التمييز العنصري حيث طلب من المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنبثق عن الأمم المتحدة بأن يتولى مساعدة الأمين العام في مسؤولية تنسيق النشاطات والبرامج المضطلع بها خلال ذلك العقد على أن يقدم تقريرا سنويا للجمعية العامة عن الحالة المختصة بهذا الشأن في نهاية كل دورة .

(50/78)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية