صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قصة الحضارة

أضف إلى كل هذه الحياة المتعددة الأوجه، عشق الإنجليز للمسرح ولا يزالون مولعين به حتى اليوم· وكان الوضع كما هو عليه الآن حيث كان الناس ينظرون للمسرحية من خلال ممثليها ولا يعبأون كثيرا بمؤلفي هذه المسرحيات· ويبدو أن المؤلفين المسرحيين خشوا أن يكتبوا التراجيديات مخافة أن يبدوا قليلي الشأن في نظر الناس الذين سيعقدون بينهم وبين شيكسبير مقارنة لن تكون في صالحهم، وبعد ذروة شريدان Sheridan وجولد سمث Goldsmith كانت الكوميديات (الملهاة) تمثل أعمالا لا بقاء لها مثل (الطريق إلى رون Ruin) (2971) التي ألفها توماس هولكروفت Holcroft و (تعاهد العشاق) (8971) التي ألفتها إليزابث إنشبالد Inchbald، فمثل تلك الأعمال تشبثت بالاتجاه الضعيف ولعبت على أوتار سهولة الانقياد إلى الإثم مداعبة بذلك الطبقة الوسطى، وأين هذا من فكاهة شكسبير المنطوية على معان فلسفية، والأثر الرجولي الذي تحدثه مسريحات بن جونسون في المشاهدين؟ ولم يبق في عالم المسرح من ظل متبوئا مكانه سوى الممثلين·
لقد بدا الممثلون - من النظرة الأولى - وكأنهم جميعا من أسرة (واحدة) من روجر كمبل Roger Kemble الذي توفي في سنة 2081 إلى هنري كمبل الذي توفي سنة 7091، وروجر كمبل أنجب سارة كمبل (التي أصبحت مدام سيدونز Siddons) وجون فيليب كمبل الذي انضم لفرقة دروري لين Drury Lane وفي سنة 3871 وأصبح مديرا للفرقة في سنة 8871، وستيفن كميل الذي أدار مسرح أدنبرة من سنة 2971 إلى سنة 0081·

(42/395)


ولدت سارة في سنة 5571 في فندق شولدر أف متون في بريكون Brecon، وفي ويلز في أثناء جولة فرقة أبيها· وأسند إليها دور بمجرد أن أصبحت قادرة على التمثيل، وأصبحت ممثلة موسمية وهي في العاشرة من عمرها· وقد دبرت أمرها لتحصل على قسط غير قليل من التعليم في أثناء حياتها غير المستقرة هذه، فأصبحت امرأة ذات نضج أنثوي، وذات عقل واع مثقف، واحتفظت بجاذبيتها دوما، وتزوجت وهي في الثامنة عشر من عمرها وليم سيدونز Siddons أصغر أعضاء فرقتها· وبعد ذلك بعامين أرسل جارك Garrick - بعد أن سمع بنجاحاتها - وكيلا عنه لمراقبة أدائها التمثيلي، فكتب تقريرا لصالحها فعرض عليها جارك الارتباط بفرقة دروري لين Drury Lane فظهرت هناك في دور بورتيا Portia في 92 ديسمبر 5771· ولم تؤد الدور جيدا لسببين أحدهما عصبيتها وربما كان ثانيهما أنها كانت قد وضعت مولودا منذ فترة وجيزة· لقد كانت نحيلة طويلة رزينة ذات ملامح كلاسية وكان صوتها ملائما للمسارح الصغيرة، إذ كانت تفشل في مواءمة صوتها مع المسارح الواسعة· وبعد موسم غير ناجح عادت إلى جولاتها في المنطقة (المقاطعة) وظلت طوال سبع سنوات تعمل صابرة على الرقي بفنها· وفي سنة 2871 حثها شريدان - الذي خلف جارك كمدير للفرقة - على العودة إلى لندن· وفي 01 أكتوبر 2871 أخذت دور البطولة في مسرحية (الزواج القدري) لتوماس سوثرن Southerne فأدت دورها بإتقان تام حتى إنها أصبحت منذ هذه الأمسية تسير بخطى حثيثة لتصبح أفضل ممثلة مأساة (تراجيدية) في التاريخ البريطاني· وظلت طوال واحد وعشرين عاما تحكم دروري لين، وأصبحت لعشر سنوات بعدها ملكة كوفنت جاردن Covent Garden بلا منازع· وأدت دور الليدي مكبث بإتقان صبت فيه كل خبراتها المسرحية· وعندما اعتزلت خشبة المسرح في 92 يونيو 2181 وهي في السابعة والخمسين من عمرهابعد أن أدت هذا الدور (الليدي مكبث) تأثر جمهور المسرح تأثرا شديدا بأدائها لمشهد (السير

(42/396)


نائما) حتى أنه فضل أن يظل يصفق لها على متابعة العرض المسرحي(95)· وظلت طوال تسعة عشر عاما بعد ذلك تعيش في عزلة هادئة، وقطعت ألسن مروجي الشائعات في المدينة، بوفائها لزوجها· وفاز جينسبورو Gainsborough برسم صورة لها لازالت حتى اليوم في المتحف الوطني للصور الشخصية·
وكان أخوها جون فيليب كمبل الذي ولد مثلها في إحدى فنادق (خانات) الأقاليم، قد نذر والداه ليكون قسا كاثوليكيا وربما كان هذا (النذر) تمشيا مع الفكر الشعبي الذي مؤداه أن وجود أحد أفراد الأسرة في المؤسسة الدينية قد يضمن الفردوس لسائر أفراد الأسرة، فأرسله والداه إلى دواي Douai ليدرس في كليتها الكاثوليكية فتلقى هناك قدرا طيبا من التعليم الكلاسي كما اكتسب الرزانة والوقار اللذين مازا بعد ذلك كل أدواره تقريبا، وظل مفتونا في طوايا نفسه بمهنة والده (التمثيل) فغادر وهو في الثامنة عشرة من عمره دواي Douai وعاد إلى إنجلترا· وبعد عودته بعام انضم لفرقة مسرحية، وبحلول عام 1871 كان يؤدي دور هاملت في دبلن، وانضمت إليه أخته سارة لفترة ثم ألحقته معها في فرقة دروري لين(06) Drury Lane فكان ظهوره للمرة الأولى على هذا المسرح كظهوره في هاملت (3871) مصحوبا بنجاح متواضع· لقد وجده جمهور لندن رزينا رزانة شديدة لا تتفق مع الدور وأدانه النقاد لأنه عدل في نص شكسبير واختصره· وعلى أية حال فإنه عندما انضم إلى مدام سيدونز Siddons في مكبث (5871) كان أداؤهما رائعا حتى إنه أصبح حدثا مهما في تاريخ المسرح الإنجليزي·

(42/397)


وفي سنة 8871 عين شريدان - الذين كان في ذلك الوقت هو المالك الرئيسي لمسرح دروري لين - كمبل مديرا للفرقة، فواصل القيام بأدوار البطولة لكن الممثل الحساس لم يكن مرتاحا بسبب تحكمات شريديان وبسبب قلة العائد المالي· وفي سنة 3081 قبل إدارة مسرح كوفنت جاردن واشترى سدس الأسهم في هذا المسرح بمبلغ 000،32 جنيه إسترليني، وفي سنة 8081 احترق المبنى، وبعد فترة بطالة سببت له خسائر جسيمة أخذ كمبل على عاتقه إدارة المسرح بعد أن يعيد بناءه· ولكنه عندما حاول أن يوازن التكاليف الهائلة غير المتوقعة للمبنى الجديد برفع أسعار دخول المسرح أوقف الجمهور عرضه التالي بصياحهم محتجين عد إلى الأسعار القديمة ولم يسمح له الجمهور بالاستمرار في عروضه حتى يعد بذلك(16)· وأنقذ دوق نورثمبر لاند Northumberland الفرقة بمنحة مقدارها 000،01 جنيه إسترليني وواصل كمبل كفاحه لكن ظهر ممثلون شبان مثلوا تحديا له· وكان آخر نجاحاته في (كوريولاموس Coriolamus) عندما هز الجمهور المسرح تصفيقا لفرط إعجابه، وكان هو الجمهور نفسه الذي سبق أن صاح في وجهه محتجا في سنة 9081· واعتزل كمبل المسرح البريطاني مسلما تاجه لإدموند كين Kean واختفى الأسلوب الكلاسي في التمثيل من إنجلترا باعتزاله، تماما كما اختفى في فرنسا بانتهاء دور صديقه تالما Talma، وانتصرت الحركة الرومانسية في المسرح كما انتصرت في الرسم والموسيقا والشعر والنثر·

(42/398)


تضم حياة كين Kean بين جنباتها كل التقلبات التي حاقت بمهنته شديدة الحساسية - بما فيها من ملهاة ومأساة· ولد في حي الفقراء بلندن في سنة 7871 نتيجة لقاء في نزهة ليلية بين آرون Aaron (أو إدموند Edmund) كين Kean وهو عامل (فراش) في مسرح وآن كاري Ann Carey التي كانت تكسب مالا قليلا من المسرح والشارع، وقد طرده أبواه في طفولته الباكرة فرباه عمه موسى كين المغني المشهور، وتولته على نحو خاص خليلة موسى واسمها شارلوت تدسويل Tidswell وهي ممثلة قليلة الشأن في مسرح الدروري لين· لقد دربته على الفن المسرحي والخدع المسرحية، وحثه موسى على دراسة الأدوار الشكسبيرية، فتعلم الفتى يجلب إليه النظارة بدءا من الأكروبات (الألعاب البهلوانية) وإصدار الأصوات من بطنه (دون تحريك شفتيه) والملاكمة إلى هاملت وماكبث· لكنه كان متمردا في أعماقه، ففر مرارا، وأخيرا وضعت شارلوت الطوق المقيد للكلب حول عنقه ونقشت عليه مسرح دروري لين (المقصد ضبطته وربطته بهذا المسرح) لكنه نزع الطوق وهو في الخامسة عشرة من عمره، وشرد وراح يعمل ممثلا بشكل مستقل يؤدي أي دور، مقابل 51 شلنا في الأسبوع·
وظل طوال عشر سنين يعيش حياة قلقة غير مستقرة ممثلا جوالا، يكاد يكون معدما محترقا في كل الأوقات، لكنه كان واثقا تماما من أنه يستطيع ان يبز الجميع على خشبة المسرح· وسرعان ما عكف على الكحول لينسى تعبه وعذابه وليغذي أحلامه وتمنياته بأن يكون نبيل الأصل، وليتصور انتصاراته المرتقبة· وفي سنة 8081 تزوج ماري شامبرز زميلته في إحدى الفرق التي كان يعمل بها، فأنجبت له ولدين والتصقت به لم تفارقه في أثناء كل استبعاده لنفسه أمام الويسكي (الخمور) والنساء· وأخيرا بعد سنوات عديدة قضاها وهو يمثل الأدوار الشكسبيرية، ويحاكي الشمبانزي الذكي تلقى دعوة من مسرح دروري لين ليقوم بدور تجريبي (ممثل تحت الاختبار)·

(42/399)


وقد اختار دور شيلوك Shylock الصعب ليؤديه في أول صعود له على خشبة الدروري لين في 62 يناير 4181· لقد صب في هذا الدور بعض الإهانات التي تلقاها في هذه الحياة· فعندما قال شيلوك - باحتقار وسخرية - لتاجر البندقية المسيحي الذي طلب منه قرضا:
- ألدى الكلب مال؟ محال
- ألخسيس يستطيع أن يقرضك ثلاثة آلاف دوكة؟
لقد بدا أن كين قد تقمص تماما شخصية شيلوك ونسى أنه شخص آخر· لقد وضعت العواطف والمشاعر والانفعالات التي صبها في دوره هذا نهاية للحقبة الكلاسية لفن التمثيل الإنجليزي (مع أن الدور الذي أداه كادت كلماته لا تتجاوز السطرين، وهكذا بدأت على مسارح لندن حقبة جديدة في التمثيل قوامها المشاعر والخيال والرومانسية· وبالتدريج راح جمهور المسرح يتفاعل مع هذا الممثل غير المعروف· لقد بدا المتحمسون له في البداية فرادى متشككين، لكن الجمهور سرعان ما تفاعل معه لفرط تفاعله واستغراقه في دوره· وسارع وليم هازلت Hazlitt أبرع النقاد في عصره بكتابة عرض تحمس فيه كثيرا لهذا الممثل، واندفع كين عائدا إلى أسرته فعانق زوجته قائلا لها: الآن يا ماري ستركبين مركبتك الأنيقة وعانق ابنه قائلا: يا ابني سوف تدرس في إيتون Eton(26)·

(42/400)


وامتلأ المسرح عند عرض مسرحية تاجر البندقية التي كان يؤدي كين فيها دوره للمرة الثانية (في العرض الثاني) وبعد العرض الثالث قدم صامويل (صموئيل) هويتبيرد Whitebeard له عقدا للعمل في هذا المسرح لمدة ثلاث سنوات مقابل ثمانية جنيهات أسبوعيا فوقعه كين، لكن هويتبيرد غيره بعد التوقيع فجعل الجنيهات الثمانية، عشرين جنيها مع أن كين كان قد وافق على الثمانية· وأتى وقت دعي فيه كين لأداء دور لليلة واحدة بخمسين جنيها· لقد أدى تقريبا كل الأدوار المشهورة في مسرحيات شكسبير - هاملت، ريتشارد الثالث، ريتشارد الثاني، هنري الخامس، ماكبث، أوثيلو Othello، ياجو Iago، روميو· وقد نجح في كل هذه الأدوار باستثناء الأخير (روميو)·

(42/401)


وعندما حان الوقت ليرى الممثلين الشبان ينتظرون بتوق ليحلوا محله، بدد عوائده المالية في الشراب، وراح يرضي نفسه بما يتلقاه من حب شديد من مرتادي الحانات التي يرتادها(36) وانضم إلى حركة سرية لإدانة كل اللوردات وذوي المكانة ونجح في إقامة علاقة آثمة مع زوجة أحد أعضاء المجلس التشريعي بالمدينة(5281)(46) وعمل على استعادة مكانته في المسرح، لكن ذاكرته لم تعد قوية كما كانت فصعب عليه حفظ أدواره فقد كان ينسى السطور الموكل به أداؤها· لقد حدث هذا أكثر من مرة· ومع أن الجمهور كان معجبا به إعجابا شديدا، إلا أنه عندما قصر لم يرحمه وصب عليه الإهانات صبا، وسأله لم يغرق في الشراب دون اهتمام أو حذر؟ فغادر إنجلترا، وقام برحلة في أمريكا أدى فيها أدوارا تمثيلية فحقق انتصارا في فنه وكون ثروة بدلا من التي بددها، وبدد الثروة الجديدة التي حققها، وعاد إلى لندن ووافق على القيام بتمثيل دور أوثيلو Othello أمام ابنه الذي كان عليه القيام بدور ياجو Iago على مسرح كوفنت جاردن Covent Garden (3381) وصفق الجمهور لياجو، واستقبلوا أوثيلو صامتين· وكان هذا شديد الوقع على كين الذي لم يلق التصفيق الكافي، فانهارت قواه وأصبح على شفا الانهيار وبعد أن نطق بعبارة وداعا، لقد انتهت مهمة أوثيلو سقط بين ذراعي ابنه وهمس له: إنني أحتصر يا شارلز تحدث لهم نيابة عني(56) فحملوه إلى بيته لترعاه زوجته التي كان قد هجرها ذات مرة، وبعد شهرين مات في 51 مايو 3381 ولم يتجاوز السادسة والأربعين· لقد اختطف الموت أعظم الممثلين في التاريخ الإنجليزي - باستثناء جارك - وهو في منتصف العمر·
صفحة رقم : 14633
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الحياة الإنجليزية -> خلاصة

8- خلاصة

(42/402)


الحق أن الحياة في إنجلترا كانت ناشطة مثمرة، والحق أيضا أن الصورة لم تكن خالية من عيوب كثيرة، وهذا أمر طبيعي في الحياة· لقد اختفى صغار ملاك الأراضي من الطبقة الوسطى، وتعرضت البروليتاريا للاستعباد وخرب القمار بيوتا ودمر ثروات، وكانت الحكومة قائمة على الامتيازات الطبقية، وكان هذا أمرا معلنا واضحا، وكانت قلة قليلة من الرجال هي التي تشرع لرجال آخرين ولكل النساء، ومع هذا ففي وسط الأخطاء والجرائم، كان العلم يتطور، وكانت الفلسفة تترعرع، وكان كونستابل يستوحي مناظر الريف الإنجليزي، وكان تيرنر Turner يقيد الشمس ويثبت العاصفة (المقصود يرسمهما) وكان وردزورث وكولردج وبايرون وشيلي يقدمون لإنجلترا مهرجانا من الشعر لا نظير له في أي مكان منذ إليزابث الأولى· وكان التمرد والاضطراب كقشرة خارجية إذ كان النظام والاستقرار هما العصب الأصيل الذي أتاح كثيرا من الحريات لم تكن متاحة في أي دولة أوروبية أخرى خلا فرنسا التي كان الإفراط في الحرية فيها مؤديا إلى الانتحار· لقد كانت حرية الحركة والانتقال والسفن مكفولة بغير قيود إلا في أوقات الحروب، وكانت حرية العبادة مكفولة فيما عدا التجديف على الله، وكانت حرية الصحافة مكفولة أيضا فيما عدا الخيانة العظمى، وكانت حرية الرأي مكفولة فيما عدا الدفاع عن الثورة والتمرد فهذا على وفق لكل الشواهد والسوابق سيؤدي إلى عقد أو أكثر من الخطر حيث يختفي الأمن ومن الفوضى حيث يختفي القانون·

(42/403)


ولم يكن الرأى العام راقيا جدا فقد كان يتمسك بالمحاذير taboos البالية وغالبا ما كان يدافع عن القديم لكن كانت لديه الشجاعة لإطلاق أصوات الازدراء نقدا لأمير منحط، واستحسانا لموقف زوجته التي طردها بقسوة(66)، وعبر الرأي العام عن نفسه أيضا في مئات التجمعات والجمعيات التي وقفت نفسها لأغراض التعليم والعلم والفلسفة والإصلاح· وكان الرأي العام يظهر واضحا في القضايا الحرجة إذ يعبر الناس عن آرائهم في اجتماعات عامة، ويمارسون حق تقديم العرائض (الاحتجاجات) الذي كفله القانون الإنجليزي، فالإنجليز الصبورون لا يعمدون إلى المقاومة إلا كحل أخير إزاء هذه الدولة الأوليجاركية· لقد حدث أكثر من مرة أن قام تمرد ناجح (حقق غرضه) في شوارع القرى والمدن· لقد كانت الحكومة أرستقراطية ومع ارستقراطيتها فقد كان أقل ما تتصف به هو أنها مهذبة فهذبت العادات وتصدت للمستحدثات الضارة، وحافظت على الذوق السليم في الآداب والفنون وحمته من البربرية، كما تصدت للخرافات، وأيدت العديد من القضايا الطيبة (الصالحة) ولم تترك شعراءها الكبار نهبا لمجاعة· حقيقة لقد مر بها في بعض الأحيان ملك مجنون، لكن الحكومة كانت تغل يده، ليظل ملكا محبوبا يمثل رمزا للوحدة الوطنية ومحورا لكبرياء الأمة وحماسها ولم يجد الإنجليز معنى في قتل مليون شخص لعزل ملك له كل هذه الفائدة كرأس للتشريفات· فبعد انحراف لمرة أو مرتين يعود الإنجليزي إلى طبيعته غير مصر على أن ماسح الأحذية والبويرن البارون الصغير (البارونت) لهما الحقوق نفسها في اقتراح بنود قانون الأراضي· وقد ذكرت مدام دي ستيل أن الإبداع في إنجلترا متاح للأفراد، ومن هناك كان يمكن تنظيم الجموع(76)· إن النظام الهيراركي في إنجلترا - حيث لكل طبقة مكانتها فوق الأخرى - هو الذي سمح بانتشار الحرية·

(42/404)


دعونا الآن نرى كيف تفاعل الفن والعلم والفلسفة، ونظام الحكم حتى تكتمل صورة الحياة في إنجلترا في سنة 0081· إننا سنعرض لذلك في الفصول التالية بقدر جهدنا·
صفحة رقم : 14634
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> سبل التقدم

الفصل الثامن عشر
العلم في إنجلترا
1- سبل التقدم
لقد كانت إنجلترا تقود النقلة من الزراعة إلى الصناعة، وكان طبيعيا أن تشجع تلك العلوم التي تقدم إمكانات عملية، تاركة الدراسات النظرية للفرنسيين، وكان من المتوقع أن يكون فلاسفتها في هذه الفترة - بورك Burke ومالتوس وجودوين Godwin وبنثام Bentham وبين Paine - رجال دنيا يواجهون المشاكل أو القضايا الحية، والأخلاقية والدينية والسكانية والحكومية والثورية، تاركين للفلاسفة الألمان التحليق في أجواء المنطق والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والدراسات الفلسفية لتطور العقل (فينومينو لوجيا العقل)· وقد أعلنت جمعية لندن الملكية لزيادة المعلومات في مجال العلوم الطبيعية Natural عند تشكيلها في سنة 0661 أنها تعمل على تأسيس كلية لتحسين التعليم التجريبي الفيزيائي الرياضي· لكنها لم تصبح كلية بمعنى أنها لم تصبح مؤسسة أو منظمة لتخريج معلمي الشباب في المرحلة الثانوية وإنما تطورت لتصبح ناديا مقتصر على خمسة وخمسين عالما، يجتمعون بشكل دوري للتشاور وتكوين مكتبة تضم كتب العلوم والفلسفة ويقدمون للجمهور المهتم المحاضرات والتجارب، ويقدمون الأوسمة لذوي الإسهامات العلمية، وينشرون في المناسبات مطبوعا بعنوان المدونات الفلسفية Transactians Philosophical· وكانت الفلسفة لاتزال تضم العلم بين جنبيها وقد تبرعمت العلوم وانبثقت منها علما في إثر علم نتيجة إحلال الصياغات الكمية والتجارب اليقينية محل المنطق والنظر المجرد· ونظمت الجمعية الملكية - بدعم حكومي عادة - مشروعات ومهام علمية· وفي سنة 0871 خصصت الحكومة لها مقرا أنيقا في دار

(42/405)


سومرست Somerest House ظلت به حتى سنة 7581 حيث انتقلت إلى مقرها الحالي في دار بيرلنجتون Burlington House في بيكادلي Piccadilly وأنفق السير جوزيف بانكس Banks - رئيسها في الفترة من 8771 إلى 0281 - كثيرا من أمواله للارتقاء بالعلم ورعاية العلماء· وكانت مؤسسة لندن الملكية - الأقل شهرة من الجمعية الملكية، وإن كانت أهدافها أكثر وضوحا من حيث كونها مؤسسة تهتم بالتعليم - قد أسسها الكونت رمفورد Rumford في سنة 0081 لتوجيه الاكتشافات الجديدة في مجال العلوم لخدمة الفنون والصناعات، وذلك عن طريق تقديم دراسات نظامية - محاضرات فلسفية وتجارب ( معملية أوميدانية) وأتاحت مبنى شاسعا في شارع البمارل Albemarle لتقديم برامجها التعليمية فألقى فيه جون دلتون Dalton وسير همفري ديفي Davy محاضرات في الكيمياء، وتوماس يونج Young محاضرات في الطبيعة nature وانتشار الضوء، وكولردج Coleridge محاضرات في الفكر والأدب وسير إدوين لاندسير Edwin Landseer محاضرات في الفنون ··· وكانت هناك جمعيات أكثر تخصصا كجمعيات الشلالات التي اندمجت في سنة 2081 في جمعية للنبات، والجمعية الجغرافية (7081) وسرعان ما ظهرت بعد ذلك جمعية لعلم الحيوان وأخرى للبساتين وثالثة للكيمياء الحيوية ورابعة للفلك، وأسست مانشستر وبريمنجهام جمعياتها الفلسفية رغبة منها في تطبيق العلم على صناعاتها، وأقامت بريستول معهد دراسة الغازات، وتم تكوين أكاديميات لشرح العلوم وتبسيطها للجمهور العام· وقدم ميشيل فاراداي Michael Faraday في إحدى هذه الأكاديميات وهو في الخامسة والعشرين من عمره سلسلة محاضرات أسهمت طوال نصف قرن في حفز البحوث في مجال الكهرباء· وقد ألقى ميشيل محاضراته هذه سنة 6181، وبشكل عام، ففي التعليم العلمي، كان مجتمع رجال الأعمال في طليعة الجامعات كما جرى كثير من التقدم العلمي في مجال العلوم على أيدي أفراد مستقلين (غير تابعين لمؤسسات علمية أو تعليمية)

(42/406)


يدعمهم أو يمولهم أصدقاؤهم· لقد تخلى البريطانيون عن الرياضيات للفرنسيين، وراح العلم البريطاني يركز على الفلك والجيولوجيا والجغرافيا والفيزياء والكيمياء·
لقد اهتم التاج البريطاني بعلم الفلك ووضعه تحت حمايته وقدم لبحوثه الإعانات المالية، لأنه علم حيوي للملاحة ويساعد في السيطرة على البحار· واعترف بمرصد جرينوتش Greenwich بما فيه من أدق المعدات التي أمكن شراؤها بالأموال التي أقر البرلمان صرفها - بأنه على قمة المراصد الأخرى· ونشر جيمس هتون Hutton سنة 5971 قبل موته بعامين مبحثه نظرية الأرض وهو مبحث جيولوجي كلاسي: يلخص الحياة العامة لكوكبنا من خلال عمليات دورية يقوم المطر في كل دور منها بجرف سطح الأرض فتنشأ الأنهار نتيجة التحات الذي تسببه الأمطار أو تحمل الأنهار بدورها نتيجة التحات إلى البحر، وتتبخر المياه والرطوبة من فوق سطح الأرض فتصير سحابا، وبتكثف المياه في السحب تنزل مرة أخرى مطرا··· وعند الطرف الآخر لهذا العصر (5181) حقق وليم سمث W. Smith - الملقب بستراتا شمث أو سمث طبقات جيولوجية Strata Smith - شهرة لبحثه المركز الذي لا يزيد عن خمس عشرة صفحة والذي يحمل عنوان خريطة جيولوجية لإنجلترا وويلز ويظهر هذا البحث أن طبقات جيولوجية تتجه تدريجيا نحو الشرق صاعدة حتى تصل في النهاية إلى سطح الأرض، وتقدم لنا في أثناء اتجاهها الصاعد أشكال الحياة في العصور الجيولوجية السابقة كما تظهر في المتحجرات الحيوانية والنباتية في العصور الجيولوجية المختلفة، وقد قدمت له الحكومة البريطانية راتبا سنويا مقداره مائة جنيه إسترليني مدى الحياة بدءا من عام 1381 مكافأة له لكشفه عن أسرار باطن الأرض، وتوفي وليم سميث سنة 9381·

(42/407)


واستمر الملاحون البريطانيون في شرح زوايا الأرض والبحر وشقوقها· وفيما بين عامي 1971 و 4971 رسم جورج فانكوفر G. Vancouver خريطة لسواحل أستراليا ونيو زيلندا وهاواي والباسيفيكي شمال غرب أمريكا، وهناك دار مبحرا حول الجزيرة الفاتنة التي تحمل اسمه·
صفحة رقم : 14635
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> الفيزياء رمفورد ويونج

2- الفيزياء: رمفورد، ويونج
من الصعب أن تحدد جنسية بنيامين طومسون Thompson الذي ولد سنة 3571 وأقام في أمريكا وحصل على رتبة فارس في إنجلترا وأصبح هو الكونت رمفورد Rumford في بارفاريا ومات في فرنسا سنة 4181· واتخذ جانب بريطانيا في أثناء حرب الاستقلال الأمريكية وانتقل إلى لندن في سنة 6771· وأعادته بريطانيا كوزير في مستعمرة جورجيا، وقد امتد اهتمامه ليشمل العلوم إلى جانب اهتمامه السياسية وقام بأبحاث علمية ضمنت له زمالة الجمعية الملكية· وفي سنة 4871 دخل - بإذن من الحكومة البريطانية - في خدمة بافاريا التي كان يحكمها الأمير مكسيميليان جوزيف - Maxi milian Joseph وفي غضون الأحد عشر عاما التي قضاها وزيرا للحرب والشرطة في بافاريا أعاد تنظيم الجيش وحسن أحوال الطبقة العاملة وقضى على التسول ومع هذا فقد وجد لديه من الوقت لكتابة أبحاث لدورية الجمعية الملكية المدونة الفلسفية وقد جعله مكسمليان - اعترافا منه بفضله - كونت الإمبراطورية الرومانية المقدسة (1971)، ويظن أن لقبه هو اسم مكان ميلاد زوجته (الآن كونكورد) في ماساشوستس · وفي غضون عام قضاه في بريطانيا (5971) عمل على تنظيم وسائل التدفئة والطهي بقصد تخفيف حدة التلوث في الهواء، وبعد عام آخر قضاه في الخدمة في بافاريا عاد إلى إنجلترا وأسس مع السير جوزيف بانكس Banks المؤسسة الملكية Royal Institution، وأسس نظام تكريم العلماء المعروف باسم وسام رمفورد الذي تمنحه الجمعية الملكية وكان هو نفسه أول من حصل عليه·

(42/408)


وقدم أموالا لجوائز وأوسمة مماثلة تقدمها أكاديميات الفنون والعلوم في بافاريا وأمريكا ولأستاذية رمفورد في جامعة هارفارد· وبعد وفاة زوجته انتقل إلى باريس (2081) واتخذ لنفسه مسكنا في أوتيل Auteuil وتزوج من أرملة لافوازيه Lavoisier ظل في فرنسا رغم تجدد حربها مع إنجلترا· وظل نشيطا إلى آخر حياته وعمل في آخر أعوامه على إطعام العامة المعوزين من فرنسيين حساء رمفورد Rumford Soup وكان نابليون قد أخذ معه كل أبنائهم (جندهم) وانطلق إلى قدره·
كانت إسهامات رمفورد في العلوم متبانية وعرضية بدرجة لا تجعلها دراماتية مذهلة، لكن إذا جمعناها معا وجدناها تمثل مجموعة عناصر مؤتلفة جديرة بالملاحظة نظرا لانشغاله بالأعمال الإدارية، وبينما كان يراقب تجويف مدفع في ميونخ فوجئ بالحرارة الشديدة الناتجة من العملية· ولقياس هذه الحرارة رتب الحصول على أسطوانة معدنية دوارة ورأسها في مواجهة مثقب من الصلب وكلاهما الأسطوانة والمثقاب في صندوق محكم يحتوي على ثمانية عشر رطلا وثلاثة أرباع الرطل من المياه· وفي غضون ساعتين وثلاثة أرباع ساعة ارتفعت حرارة الماء من ستين درجه فهرنهيت إلى 212 - درجة الغليان · وقد ذكر رمفورد في وقت لاحق كان من الصعب أن نصف الدهشة التي اعترت المشاهدين عند رؤيتهم هذا القدر الكبير من المياه يصل إلى درجة الغليان دون استخدام نيران(1) وقد أثبتت هذه التجربة أن الحرارة ليست جوهرا أو مادة وإنما هي أسلوب للحركة الجزيئية تتناسب في الدرجة مع كمية الجهد المبذول لإنتاجها· وكان هذا الاعتقاد سائدا منذ فترة طويلة لكن تجربة رمفورد كانت هي الدليل التجريبي الأول، كما أنها كانت طريقة (منهجا) لقياس المعادل الميكانيكي للحرارة - أي كمية العمل المطلوبة لتسخين رطل من المياه درجة حرارية واحدة·

(42/409)


ويكاد يكون توماس يونج Young مثل ومونتاني Montaigne في تباين اهتماماته· ولد في سنة 3771 من أسرة على مذهب الكوكر Quaker في سومرست· لقد بدأ متعلقا بالدين وانتهى مخلصا الإخلاص كله للعلم· وهناك ما يؤكد لنا أنه كان قد قرأ الكتاب المقدس المسيحي وهو في الرابعةمن عمره وكان يستطيع الكتابة بأربع عشرة لغة وهو في الرابعة عشر من عمره(2) وتم انتخابه وهو في الواحدة والعشرين من عمره كزميل في الجمعية الملكية، وفي الثمانية والعشرين كان يقوم بتدريس الفيزياء في الموسسة الملكية، وفي سنة 1081 بدأ هناك التجارب التي أكدت -وطورت- فكرة هويجنز Huyghens عن الضوء كموجات لأثير افتراضي· وبعد مناقشات طويلة أزاحت هذه النظرية بشكل عام - وليس على مستوى العالم - نظرية نيوتن Newton عن الضوء كإشعاع لجسيمات مادية، وقدم يونج أيضا فرضا مؤداه أن إدراك اللون يعتمد على وجود ثلاثة أنواع من الألياف العصبية في شبكية العين حساسة - على التوالي - للأحمر والبنفسجي والأخضر، وقد طور هيلمهولتس Helmholts هذا الفرض فيما بعد· وقدم لنا أول وصف لحرج البصر (اللابؤرية أو اللا استجمية) وضغط الدم والجاذبية الشعرية والمد والجزر وشارك بنشاط (4181) في فك رموز حجر رشيد· وقال مؤرخ طبي مثقف إنه كان أكثر الأطباء ثقافة وعلما في عصره وأضاف هيلمهولتس قائلا إنه كان أوضح الناس بصيرة(3)·
صفحة رقم : 14636
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> الكيمياء (دالتون وديفي)

3- الكيمياء: دالتون وديفي

(42/410)


في العقد نفسه، وأيضا في المؤسسة الملكية نفسها أحدث دالتون Dalton ثورة في مجال الكيمياء بنظريته الذرية atomic theory (4081) لقد كان ابنا لنساج من طائفة الكويكر· ولد في سنة 6671 في إيجلسفيلد Eaglesfield بالقرب من كوكرموث Cockermouth في الطرف الشمالي لمنطقة البحيرة الضبابية الرائعة Lake District التي أنجبت الشعراء: وردسورت Wordsworth وكولردج Coleridge وسوثي Southey· وفي وقت لاحق كتب على لسان شخص ثالث ملخصا اهتماماته الأولى في عرض زمني مجرد لم يخف طموحه الحار الذي أضاء أمامه طريق الإنجاز:
كاتب هذه ··· درس في مدرسة القرية··· حتى سن الحادية عشرة· وفي هذه الفترة قطع شوطا في دراسة حساب المساحات والحجوم، والمساحة والملاحة ···الخ، وبدأ في سن الثانية عشرة في التدريس في مدرسة القرية ···وكان يعمل في المناسبات لمدة عام أو أكثر في مجال الزراعة وتربية الحيوانات الداجنة، وانتقل إلى كندال Kendal وهو في الخامسة عشرة من عمره مساعدا في مدرسة مؤقتة (مشيدة من الألواح الخشبية) وظل في هذا العمل مدة ثلاث سنوات أو أربع، ثم أخذ على عاتقه إقامة مدرسة على نسق هذه المدرسة وقضى ثماني سنوات فيها وبينما كان في كندال كان يقضي وقت فراغه في دراسة اللاتينية واليونانية والفرنسية، والرياضيات مع الفلسفة الطبيعية natural، وفي سنة 3971 انتقل إلى مانشستر معلما للرياضيات والفلسفة (العلوم) الطبيعية في الكلية الجديدة(4)

(42/411)


وكان يواصل - إذا سمح الوقت والمال - ملاحظاته ومشاهداته وتجاربه التي كان يقوم هو شخصيا بكثير منها رغم أنه كان مصابا بعمى الألون ورغم الأدوات المعملية البسيطة (البدائية) ووسط اهتماماته الكثيرة وجد الوقت الكافي لتدوين سجل بالأرصاد الجوية منذ كان في الواحدة والعشرين من عمره إلى اليوم الذي سبق وفاته مباشرة(5)· وعادة ما كان يقضي إجازاته طوافا باحثا عن الحقائق في الجبال نفسها التي كان الشاعر ورد سورث Wordsworth يجول فيها بعد ذلك بأعوام قلائل، وعلى أية حال فبينما كان ورد سوث Wordsworth يطوف بحثا عن الله مصغيا له فإن دالتون كان يرصد الأحوال الجوية عند الارتفاعات المختلفة (فوق سطح البحر)، وكان عمله هذا يشبه إلى حد كبير عمل بسكال Pascal قبل ذلك بقرن ونصف قرن· وقد قبل في تجاربه نظرية أن المادة مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام تلك النظرية التي قال بها كل من ليوسيبوس Leucippus (حوالي 054 ق م) وديموقريتوس Democritus (حوالى 004 ق·م) وواصل فرضية روبرت بويل Boyle (7261 - 1961) التي مؤداها أن كل الذرات تنتمي إلى واحد أو آخر من عناصر معينة لا تنحل إلى عناصر أخرى أساسية - هذه العناصر المعينة التي لا تنحل هي: الهيدروجين والأكسوجين والكالسيوم··· وقد دلل دالتون في كتابه نظام جديد لفلسفة الكيمياء (8081) A New System of Chmical Philosophy على أن وزن أي ذرة من ذرات عنصر إذا قورنت بأي ذرة من عنصر آخر، يجب أن يكون هو نفسه تماما كما أن وزن إجمالي العنصر الأول هو نفسه وزن إجمالي العنصر الآخر· وبعد العديد من التجارب والحسابات أخذ دالتون وزن ذرة الهيدروجين كوحدة as oneت وراح يراوح بين كل ذرة من ذرات العناصر الأخرى بالوزن النسبي لأي واحدة من ذراتها من ناحية وذرة الهيدروجين من ناحية أخرى، ومن ثم كون قائمة بالأوزان الذرية للثلاثين عنصرا التي كانت معروفة لديه · وكان لابد من أن تصحح أبحاث لاحقة ما وصل

(42/412)


إليه دالتون من نتائج، لكن نتائجه وكذلك قانونه المعقد المعروف باسم قانون النسب المتضاعفة Law of multiple proportions ثبت أنها ساهمت إسهاما كبيرا في تطور العلم في القرن التاسع عشر· كان السير همفري ديفي Humphry Davy بحياته وتعليمه واكتشافاته اكثر إثارة كما أنه كان نمطا مختلفا· ولد في بنزانس Penzance (8771) من أسرة ثرية من الطبقة الوسطى وتلقى تعليما وزاد عليه بدراسات في الجيولوجيا وصيد الأسماك Fishing ورسم الاسكتشات sketching والشعر· وأكسبته طبيعته المرحة أصدقاء مختلفين بدءا من كولردج Coleridge وسوثي Southey والدكتور بيتر روجت Peter Roget (الذي أعد قاموسا بمفردات الإنجليزية وعباراتها، والذي اتسم بالجد والاجتهاد والعبقرية، وأطلق على عمله هذا الذي صدر في سنة 2581 اسم: Thesaurus of English words & phrases) - حتى نابليون· وكان له صديق آخر أتاح له استخدام معمله الكيميائي مما جعل ديفي يعبر عن امتنانه له في صيغة الإهداء التي وجهها له· وقد نظم ديفي مكتبته الخاصة وكان يصنف الغازات بتشممها وحث كولردج وسوثي على مشاركته في تشمم الغازات كاد يقتل نفسه بتسممه أبخرة الغازات شديدة السمية·

(42/413)


ونشر وهو في الثانية والعشرين مبحثا عن تجاربه بعنوان مباحث كيميائية وفلسفية Researches Chemical and Philo sophical في سنة 0081· ودعاه الكونت رمفورد وجوزيف بانكس Banks إلى لندن لإلقاء محاضرات عن عجائب المركم (البطارية) (عمود فولتا Voltas pile) وعرض لبعض إمكاناتها، فحقق شهرة جديدة في المعهد الملكي Royal Institution لقد استخدم بطارية مكونة من 052 زوج من الرقائق المعدنية كوسيلة للتحليل الكيميائي بالكهرباء واستطاع - بهذه الطريقة - تحليل المواد المختلفة إلى عناصرها، فاكتشف - وعزل - الصوديوم والبوتاسيوم، وواصل تجاربه فاستطاع عزل الباريوم barium والبورون bo ron والسترونتيوم strontium والكالسيوم والمغنيسيوم وأضافها إلى قائمة العناصر· لقد وضعت اكتشافاته وإنجازاته أسس علم الكيمياء الكهربائية، كعلم له إمكانات نظرية وعملية لا حد لها· ووصلت أخبار أعماله إلى نابليون فأرسل له في سنة 6081 عبر جبهة القتال جائزة المعهد الوطني الفرنسي Institute Nationale·
وكان بيرثوليه Berthollet قد شرح في سنة 6871 لجميس وات Watt ما في الكلور chlorine من طاقة تبييض bleaching power وتوانت إنجلترا في الأخذ بهذه الفكرة إلا أن ديفي جدد الأخذ بها وكانت جهوده فعالة· لقد تطور العلم والصناعة من خلاله فقد كانت اكتشافاته وتجاربه ذوات دور رائد في التحول الاقتصادي لبريطانيا العظمى· وفي سنة 0181 أجرى ديفي تجارب لإظهار قوة التيار الكهربائي بتمريره من سلك كربوني دقيق إلى سلك آخر ، لإنتاج ضوء وحراره، وكان ذلك أمام جمهور المعهد الملكي· وقد وصف هذه العملية كالتالي :

(42/414)


عند تقريب قطع من الفحم النباتي يبلغ طول القطعة الواحدة منها بوصة واحدة ويبلغ قطرها سدس بوصة - بعضها من بعضها الآخر (بحيث تكون كل قطعة على بعد: واحد على أربعين أو واحد على ثلاثين من البوصة) ينتج عن هذا شرارة فيحترق أكثر من نصف حجم الفحم النباتي ليصبح رمادا أبيض، وبسحب مآخذ التيار points وإبعادها بعضها عن بعضها الآخر يحدث تفريغ خلال الهواء الساخن في مساحة تبلغ أربع بوصات على الأقل فينتج عن هذا قوس من النور صاعد متألق ··· وعند إدخال أي مادة في هذا القوس الضوئي فإنها تشتعل (تحترق) فورا، فكل المواد في هذه الحال تنصهر وتتحد سواء البلاتين أو الشمع المعتاد أو الكوارتز أو الياقوت الأزرق أو المغنيسيوم أو الجير (أكسيد الكلسيوم)(6)·
إن إمكانات توليد الضوء والحرارة الآنف ذكرها لم تتطور حتى تم اختراع وسائل أرخص لإنتاج التيار الكهربائي، لكن في هذه التجربة الألمعية كان أساس الأفران الكهربائية التي أحالت الليل إلى نهار لنصف سكان المعمورة·

(42/415)


وفي سنة 3181 ارتحل ديفي بصحبة مساعده الشاب ميشيل فاراداي Faraday عبر فرنسا وإيطاليا في وقت كانت فيه كل أوربا تقريبا تخوض الحرب، لكنه استطاع التنقل بفضل حق المرور الآمن الذي أصدره له نابليون· وراح يزور المعامل ويجرب التجارب واكتشف خواص اليود (عنصر لافلزي) وأثبت أن الألماس هو نوع من الكربون· ولما عاد إلى إنجلترا درس أسباب انفجارات المناجم واخترع مصباح أمان للعاملين في المناجم· وفي سنة 8181 منحه الوصي على العرش Regent رتبة البارونتية (وهي رتبة دون البارون) وفي سنة 0281 خلف بانكس Banks كرئيس للجمعية الملكية Royal Society· وفي سنة 7281 بدأت صحته في التدهور فترك العلم ليمارس صيد السمك وكتب كتابا في هذا الموضوع وجعل فيه رسوم إيضاح من رسمه· وفي سنة 9281 - وكان مصابا بشلل جزئي - ذهب إلى روما ليكون حطاما بين الخرائب(7) أو بتعبير آخر ليكون أثرا بين الآثار لكنه مات قبل انصرام العام· إنه لم يعش سوى 15 سنة لكن سنواته هذه كانت تساوي حيوات كثيرة· لقد كان رجلا عظيما طيبا وكان واحدا من البشر المخلصين (بتشديد اللام وكسرها) الذين عملوا على تخليصنا من الجهل والخطايا ( الآثام)·
صفحة رقم : 14637
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> البيولوجيا (إرازموس داروين)

4- البيولوجيا (علم الأحياء)
إرازموس داروين
حتى الآن لم تكن البيولوجيا (علم الأحياء) في إنجلترا تسير سيرا حسنا كسير الفيزياء والكيمياء والجغرفيا، فقد كانت هذه العلوم ذوات صلات وثيقة بالعمل على تحسين الصناعة والتجارة وتطويرهما، أما البيولوجيا فقد كانت توحي بتراجيدية (مأساوية) الحياة وبهائها وكانت تهز العقيدة الدينية·

(42/416)


لقد كان إرازموس داروين - جد شارلز - قد تلقى بالفعل تقديرنا وثناءنا فقد كان شرارة وضاءة وسط ألمعية هذا العصر الذي شهد نشر أعماله: الحديقة النباتية Botanic Garden (2971) وعلم أصول الحياة الحيوانية Zoonomia (4971 - 6971) ومعبد الطبيعة The Temple of Nature (3081)· لقد كتبت هذه الكتب جميعا من وجهة نظر تطورية· وقد اتفقت هذه الدراسات مع لامارك Lamarck في إقامة النظرية على أمل تكيف العادات والأعضاء على وفق للرغبة والمجهود والعزم فإذا ما استمر ذلك وقويت خلال أجيال كثيرة لأمكن انتقال (هذه الصفات الجديدة والمرغوب فيها) إلى العصب والجسم· هذا الأستاذ العبقري الذي أصبح اسمه كبيرا على طول المدى عمد إلى التوفيق بين التطور والدين بافتراض أن كل الحياة الحيوانية (بما فيها البشرية) كانت قد بدأت من مستودع لقاح حي واحد كان هو العلة الأولى الكبيرة المتضمنة لكل الكائنات الحية ثم خلي سبيلها لتتحسن على وفق لنشاطها الداخلي الخاص بها، ولتسلم مالحق بها من تطورات وتحسنات للأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل وبلا نهاية(8)·

(42/417)


لقد دخل الحوار الدائم بين الدين والعلم - رغم خفوته في هذا العصر - في مملكة (عالم) السيكولوجيا الذي أصبح مجالا يحظى بالرعاية في وقت من الأوقات ، عندما قام هارتلي Hartley وبريستلي Priestly بإعداد تفسير فسيولوجي للربط بين الأفكار وعندما استوحى علماء التشريح - بشكل متزايد - فكرة العلاقة بين الجسد والعقل (النفس)· وفي سنة 1181 نشر شارلزبل Bell مبحثه فكرة جديدة عن تشريح المخ Anew Idea of the Anatomy of the Brain وبدأ في هذا المبحث يبرهن على أن أجزاء مخصوصة في الجهاز العصبي تحول انطباعات الحواس إلى أجزاء مخصوصة في المخ، وأن أعصابا مخصوصة تحمل أوامر الحركة إلى أعضاء الاستجابة المنوط بها التنفيذ· وبدت ظاهرة التنويم المغاطيسي - التي زاد انتشارها - تشير إلى تحول فسيولوجي للإحساس إلى أفكار ومن ثم إلى أعمال ، وقد تم تناول تأثير الأفيون من حيث جلبه للنوم وتأثيره في الأحلام وحفزه للخيال وإضعافه للإرادة (كما ذكر كولردج Coleridge ودى كوينسي De Quincey) في سياق الحديث عن حرية الإرادة، وتم تقليص هذه القضية الكبيرة (حرية الإرادة) إلى مقادير جبرية تصوغ الدوافع والمحركات والخيالات المختلفة المتصارعة· وبدا الوضع المزدهر الصاعد للمناقشات العلمية والمركز الاجتماعي المرموق لمهنة الطب مقارنة بالمركز المتدني للإكليروس الأنجليكاني (رجال الدين الأنجليكان) الذي قلت فعاليته كثيرا - يعكس اللامبالاة الدينية التي كانت قد بدأت تنتشر بشكل سري، بل وتعكس ماحاق بالدين من شك لدرجة وجود من أنكره تماما·
صفحة رقم : 14638
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> العلم في إنجلترا -> الطب (جنر)

5- الطب: جنر
Jenner

(42/418)


لايكاد الإخاء الطبي (تمتع الجميع بالرعاية الطبية) يستحق هذا الاسم الذي أطلق عليه لأن الرعاية الطبية تعكس تماما الولع البريطاني بالتمييز بين الطبقات، فكلية الأطباء الملكية Royal College of physicians - الفخورة بتأ سيسها في عهد هنرى الثامن في سنة 5181 - تقصر زمالتها على نحو خمسين كانوا قد حصلوا على درجاتهم العلمية من أكسفورد أوكامبردج، كما تقصر إجازاتها Licentiate على نحو خمسين من الممارسين المميزين· ويكون هؤلاء المائة نوعا من المجالس أقرب مايكون إلى مجلس لوردات الأطباء ودارسي الطب House of Lords to medicos في إنجلترا· ويحصل هؤلاء الأعضاء على دخول كبيرة فأحيانا مايصل دخل الواحد منهم إلى عشرين ألف جنيه في السنة· ولايمكن للواحد منهم أن يكون نبيلا أو أميرا، وإن كان يمكن أن يصبح في رتبة فارس وقد يطمح للبارونتية (درجة دون البارون ) والكلية الملكية للجراحين التي أسست سنة 0081 من بين المؤسسات الأدنى درجة· ويلي تلك الدرجة الأطباء القائمون بتوليد النساء (الذين يقومون بعمل القابلات male midwives) الذين تخصصوا في سحب الأجنة من الأرحام (حيث الدفء والأمان) إلى العالم الخارجي حيث المنافسة والصداع· وفي قاع السلم الاجتماعي للعاملين في المهن الطبية يأتي الصيادلة الذين يقدمون كل الرعاية الطبية تقريبا في المناطق الريفية·

(42/419)


ولا تقدم أي كلية من هذه الكليات الآنف ذكرها أي نوع من التعليم الطبي فيما عدا بعض المحاضرات التي يلقيها مشاهير الأطباء في المناسبات· ولم يكن في أكسفورد ولا كامبردج مدرسة للطب فالطلاب الذين كانوا يرغبون في الحصول على تعليم وتدريب طبيين كان عليهم أن يلتمسوه في إسكتلندا وفيما عدا ذلك فإن تدريب الأطباء الإنجليز ترك للمدارس الخاصة التي أقيمت بالقرب من المستشفيات الكبرى بأموال المؤسسات الخيرية وتبرعات المحسنين· وقد أنقق السير توماس برنارد Thomas Bernard كثيرا من ثروته في إصلاح مستشفى اللقطاء الشهيرة في شمال لندن وشارك غيره من الأثرياء في تمويل مستوصفات (عيادات Clinics) لعلاج السرطان والرمد والفتق، في لندن وأماكن أخرى· لكن وسائل منع انتشار الأمراض كانت هزيلة في المدن مما أدى إلى انتشار الأمراض بل وظهور أمراض جديدة، وكانت سرعة انتشار الأمراض تفوق إمكانات العلاج·
وفي سنة 6081 سجلت لندن حدثا فريدا: لقد مضى أسبوع كامل دون أن يتوفى أحد بمرض الجدري - ذلك المرض المسبب للبثور والحمى والمشوه للوجه والمعدي والذي كان في وقت من الأوقات متوطنا في إنجلترا وقد ينتشر في أي وقت مرة أخرى ليصبح طاعونا مميتا (المقصود كارثة مسببة للموت)·

(42/420)


وقد أعاد أسبوع المعجزات طبيب إنجليزي بسيط هو إدوارد جنر كان مدمنا على الصيد (القنص) وعلم النبات وقرض الشعر، وعزف الفلوت والضرب على الكمان (العثيولين)، بنشر التطعيم ضد هذا المرض طوال عقد من الزمان منهيا بذلك موقف المجتمع البريطاني المتحفظ ضد كل ما هو جديد· لقد كانت الوقاية من مرض الجدري عن طريق التطعيم بفيروس المرض بعد إضعافه طريقة يمارسها الصينيون القدماء ووجدت الليدي ماري وورتلى مونتاجو Mary Wortley Montagu هذه الطريقة معتادة في القسطنطينية (إسطنبول أو استانبول) في سنة 7171 وقد أوصت عند عودتها إلى إنجلترا باستخدام هذه الطريقة· وقد جرب نظام التطعيم هذا على المجرمين ومن ثم على الأيتام وحقق نجاحا ملحوظا· وفي سنة 0671 قرر الدكتور روبرت ستون sutton والدكتور دانيال ستون أنه من بين ثلاثين ألف حالة طعمت ضد الجدري لم يصب بهذا المرض سوى 0021 (ألف ومائتي حالة)· أيمكن أن تكون هناك طريقة أفضل لمنع الجدري؟
لقد اهتدى جنر إلى طريقة أفضل عندما لاحظ أن كثيرات من العاملات في حلب ما شية اللبن في بلده جلوسسترشير Gloucestershire يصابون بجدري البقر من خلال ملامستهم لحلمات الأبقار المصابة وبالتالي يصبحن ذوات مناعة ضد مرض الجدري (الذي يصيب البشر)، وتراءى له أنه يمكن تكوين مناعة شبيهة باستخدام طعم (لقاح) (الكلمة الإنجليزية Vaccine من الكلمة اللاتيينة Vacca وتعني بقرة) من فيروس جدري البقر الذي يمكن الحصول عليه من الأبقار المصابة· وفي بحث نشر في سنة 8971 ذكر جنر الإجراء المغاير لما هو متبع والذي وضع به أسس الطب التجريبي وعلم الطب الوقائي (علم المناعة):

(42/421)


·· لقد تخيرت صبيا صحيحا في نحو الثامنة من عمره بغرض تجريب تطعيمه بجدري البقر، وتم الحصول على القيح من قرحة من يد إحدى العاملات في حلب ألبان البقر وحقن الصبي بهذا القيح في 41 مايو سنة 6971 في ذراعه ··· وفي اليوم السابع اشتكى متوعكا ·· وفي اليوم التاسع أصبح يرتعد وفقد شهيته وأصيب بصداع خفيف ··· وفي اليوم التالي كان في حالة جيدة تماما···
وكي أتأكد مما إذا كان الصبي بعد تعريضه لإصابة خفيفة من فيروس جدري البقر، أصبح آمنا (اكتسب مناعة) ضد الجدري (الذي يصيب البشر)، فقد تم حقنه في أول يوليو التالي بقيح الجدري الذي يصيب البشر Variolous matter (الكلمة اللاتينية Variola تعنى الجدري Smallpox) تم أخذها مباشرة من بثرة مصاب بالجدري ··· فلم تظهر على الصبي أعراض الجدري وبعد عدة أشهر تم حقنه مرة أخرى بقيح الجدري الذي يصيب البشر لكن لم يظهر على بدنه أي عرض من أعراض الجدري·(9) واستمر جنر Jenner يصف حالات أخرى بلغت اثنتين وعشرين حالة اتخذ معها الإجراء نفسه فكانت النتائج مرضية تماما· وقد تعرض لاتهامات بإجراء التجارب على الأحياء وبدا للذين اتهموه وكأنه يقوم بتشريح الأحياء وحاول الاستفادة من الأقلية الموافقة ببناء بيت صغير له، وإنشاء حديقة زهور يزرعها بيديه(01) وفي عامي 2081 و 7081 وافق البرلمان على منح جنر 000،03 جنيه إسترليني لتحسين طرائقه لمقاومة الجدري ونشرها· وكاد الجدري يختفي من أوربا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر، وإذا حدث وأصيب به شخص فإن هذا الشخص يكون غير مطعم (لم يتلق التطعيم ضد المرض)· وتم تطبيق نظام التطعيمات الواقية ضد أمراض أخرى وأسهم علم المناعة الجديد بالإضافة للوسائل الجديدة التي أحرزها الطب وبالإضافة لتحسن الظروف الصحية والبيئية العامة في تحسين الأحوال الصحية في المجتمعات الحديثة التي نهشها الفقر وترعرع فيها الجهل وازداد فيها الجشع وثابر فيها المرض بأساليب شتى·
الفصل التاسع عشر

(42/422)


الفلسفة الإنجليزية
لم يكن للعلم في بريطانيا في الفترة من 9871 إلى 5181 سوى تأثير ضئيل في الفلسفة· أعني أن العلوم الطبيعية Physical يمكن أن تتوافق مع اللاهوت (الثيولوجيا) الليبرالي(المتحرر) بل وحتى فكرة التطور يمكن· مواءمتها مع تفسير الخلق في ستة أيام باعتبار كل يوم يمثل فترة من فترات التطور تتسم بالطول· لقد أصبح أفراد الطبقات العليا الآن بعد أن أنهت الثورة الفرنسية تعاطفهم مع فولتير والموسوعيين Encyclopedists، لايثقون في الأفكار(الجديدة) باعتبارها أمراضا معدية تصيب الشباب· لقد اعتبروا العبادة الأسبوعية استثمارا حكيما يؤدي إلى الانضباط الاجتماعي والاستقرار السياسي واشتكوا لأن رئيس الوزراء بت Pitt لايجد وقتا للذهاب إلى الكنيسة وكان هناك بعض الأساقفة الذين تشككوا في أمور الدين فيما بينهم وبين أنفسهم لكنهم عرفوا بين العامة بتقواهم ومع هذا استمر الصراع القديم· وفي عام 4971 ظهر صوتان معبران عن الفكرتين المتناقضتين: توماس بين Paine في كتابه عصر العقل The Age of Reason ووليم بيلي Paley في كتابه نظرة في البراهين على المسيحية Aview of the Evidences of Christianity·
صفحة رقم : 14639
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> الفنانون

الفصل السابع عشر
الفنون في إنجلترا
1- الفنانون

(42/423)


كانت كلمة (فن) تطلق في العصور الوسطى (أيام نظام الطوائف التجارية والصناعية) على أية حرفة، كما كانت كلمة (فنان) تطلق على أي حرفي وقد تغير معنى الكلمتين في القرن الثامن عشر لأن الحرف ونطام الطوائف الحرفية قد حل محلهما صناعات وعمال صناعة، لقد أصبحت كلمة (فن) تطلق على الموسيقا والديكور وأعمال السيراميك (الخزف) والرسم والحفر والتصوير والنحت والعمارة، وأصبحت كلمة فنان تطلق على كل من يمارس واحدا أو أكثر من هذه الأعمال· وقد تغير أيضا معنى كلمة العبقرية أو النبوغ genius، فقد كانت تعنى شيئا من التميز الفطري، أو روحا متفوقة بشكل غير طبيعي، أما الآن فقد أصبحت بشكل متزايد تشير إلى القدرة الوطنية الفائقة أو المتعالية (والمتسمة بشيء من الغموض بمعنى أن أسبابها غير واضحة تماما) أو يوصف بها مالكو هذه المقدرة· إنها كالمعجزة أو لنقل هبة من الله أو هي فعل من أفعاله· لقد أصبحت هذه الكلمة (العبقرية) أو (النبوغ) بديلا مناسبا لوصف (شخص) أو (حدث) متفرد أو غير عادي

(42/424)


لقد أدى الانتقال إلى الصناعة (الحديثة) والتجارة وحياة المدن إلى مزيد من التدهور فيما يتعلق برعاية الأرستقراطية للفن· وعلى أية حال لابدلنا أن نذكر رعاية الأثرياء للشاعر وردزورث والشاعر كولردج، وأن لورد إجر يمونت فتح بيته المحاط بمزرعة، في بتورث Petworth للرسام تيرنر Turnerليلجأ إليه هروبا من ضوضاء لندن· وكان جورج الثالث قد عاون في تأسيس أكاديميةالفنون الملكية (8671) بخمسة آلاف جنيه ومقار (جمع مقر) أنيقة في دار سوميرست· ولم يكن أعضاؤها الأربعون ليصبحوا خالدين بمجرد عضويتهم بها كنظرائهم الفرنسيين وإنما كان الواحد منهم يرقى إلى مرتبة النبالة (الأرستقراطية) بحصوله على لقب اسكوير (معناها الحرفي حامل الدروع Squire أو المبجل المحترم) ورغم أن هذا اللقب لم يكن يرثه أبناؤهم، فقد ساعد على تحسين الوضع الاجتماعي للفنانين الكبار في بريطانيا ونظمت الأكاديمية فصولا لتعليم التشريح والرسم والتصوير والنحت والعمارة·ومن الطبيعي أن تصبح قلعة للتراث والتقاليد والوقار مادام يدعمها عرش محافظ· وقد عارضها الفنانون المجددون الذين كثر عددهم وحازوا الإعجاب حتى إن بعض النبلاء والماليين مولوهم لتأسيس المعهد البريطاني لتطوير الفنون الجميلة الذي أقام معارض دورية وحصل على جوائز وأصبح منافسا - بشكل حيوي - للأكاديمية الملكية· وأدت هذه النافسة إلى ظهور أعمال ممتازة في مختلف مجالات الفنون في بريطانيا·

(42/425)


عفوا، لقد كانت الموسيقا مستثناة من هذا، ففي هذه الفترة لم تظهر أعمال موسيقية خالدة· وكان الإنجليز على وعي شديد بهذا النقص، وتجلى هذا في تقديرهم الوافر للمؤلفين الموسيقيين الذين كانوا يأتون إليهم من القارة الأوروبية· لقد احتفوا بهايدن Haudn احتفاء حارا في سنة 0971 وفي سنة 4971· وتم تأسيس الجمعية الملكية لعشاق الموسيقا في سنة 3181 وظلت باقية بعد الثورة الصناعية، والثورة الفرنسية، وبعد النابوليونين، وبعد قيام حربين عالميتين، ولازالت موجودة كعنصر دوام واستمرارفي فيض غير متقطع· وانتعشت الفنون الصغرى دون أن يكون لها خصائص خاصة· لقد واصل الإنجليز إنتاجهم للأثاث الأنيق - رغم صرامته، وأشغال المعادن المتسمة بالقوة والجمال وأعمال السيرميك (الخزف) البديعة تماما· وقد طوع بنيامين سمث Smith الحديد فشكل منه شمعدانا ذا شعب لتقدمه مدينة لندن لدوق ولنجتون(1)· أما جون فلاكسمان فبالإضافة إلى قيامه بتصميمات كلاسية لمصنع ودجوود Wedgwood للفخار فإنه صمم كأس الطرف الأعز الشهير لتخليد ذكرى انتصار نلسون(2)، وكان نحاتا ومعماريا في أن عندما أقام النصب التذكاري لنلسون في كنيسة القديس بول·

(42/426)


وعلى أية حال فإن فن النحت أوشك أن يكون من الفنون الصغرى في إنجلترا، وربما كان هذا لأن فن النحت يفضل العري غير الملائم للمناخ أو للأخلاق السائدة· وفي سنة 1081 - بينما كان توماس بروس إيرل إلجن Elgin السابع، مبعوثا لبريطانيا لدى الباب العالي (الدولة العثمانية) طلب من السلطات التركية (العثمانية) في أثينا السماح له بأن ينقل من الأكروبولس أية أحجار عليها نقوش قديمة أورسوم، وقد وجه طلبه هذا باعتباره لوردا، وبالفعل نقل اللورد الإفريز الضخم للبارثينون (معبدا إغريقي) وكثيرا من التماثيل النصفية في سفينة إثر سفينة إلى إنجلترا في الفترة من 3081 إلى 2181· وقد وصفه بايورن وآخرون - احتجاجا على هذا العمل - بأنه وندالي سلاب، لكن لجنة برلمانية برأته، وبيعت رخامات إلجن بمبلغ 000،53 جنيه إسترليني دفعها الشعب البريطاني وتم إيداعها في المتحف البريطاني والمبلغ الذي دفعته الحكومة للورد إلجن كان أقل بكثير مما دفعه هو للحصول عليها(3) ·
صفحة رقم : 14640
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> النحت

2- النحت
لقد أسهمت هذه الرخامات (المقصود الأعمال النحتية التي جلبها من اليونان اللورد إلجن والآنف ذكرها) في دعم الاتجاه الكلاسي، في مواجهة الاتجاه القوطي، وأنهى الصراع بينهما لصالح الاتجاه الأول في مضمار الأساليب المعمارية· لقد أدت آلاف الأعمدة

(42/427)


- من الطراز الاغريقي: الدوري Doric أو الأيوني Ionic أو الكورنثي - إلى تحدي جهود الهواة مثل والبول Walpole وبكفورد Beckford لإعادة الأقواس المستدقة (التي تنهتي من الجانبين بنقطة واحدة Poited arches) والشرفات أوالأسوار المفرجة ( ذات الفرج أسوة بأسوار قلاع العصور الوسطى حيث كانت هذه الفرج تستخدم لإطلاق السهام وغيرها على العدو)· تلك الشرفات والفرج التي كانت عزيزة على فرسان العصور الوسطى وقديسيها· وحتى في المباني المدنية (غير الدينية) ربحت الأعمدة الجولة، فدار سومرست للسير وليم شامبرز(5771وما بعدها) كانت مثل باراثون واسع، وكان الكثير من بيوت الريف يبدو كالأروقة الإغريقية المعمدة (ذات الأعمدة) التي تحيط بقصر روماني، ولندع قصر حديقة أشردج Ashridge Parkmansian لجيمس ويات Wyatt (6081 - 3181) يعطينا مثالا راسخا على هذا النوع· وفي سنة 2971 بدأ من سيعرف باسم السير جون سون Soane وهو ابن أحد البنائين بالآجر - بدأ في إعادة بناء بنك إنجلترا خلف رواق كورنثي (على النسق الإغريقي الكورنثي) مازجا بين قوس قستنطين ومعبد الشمس أو القمر· وبدأت المنافسة القوطية· بمبني هوراس ولبول Horace Wapole لستروبري هل Strawberry Hill (8471 - 3771) ولم تستطع (أي هذه المنافسة القوطية) أن تصمد في وجه طوفان الأعمدة والقباب والقواصر (جمع قوصرة وهي مثلث في أعلى واجهة المبنى)· وكان وليم بكفورد W. Beckford هو البطل الرومانسي لهذه النشوة الوسيطة (نشوة العصور الوسطى) لقد ولد ثريا، فقد شغل أبوه منصب رئيس بلدية لندن لمرتين وتلقى تعليما مكثفا؛ تلقى دراسات في البيانو من الشاب موزارت وتدريبات معمارية على يد سير وليم شامبرز ومدرس التاريخ من خلال جولات واسعة زار خلالها المتاحف والمواقع الأثرية· وفي لوزان اشترى مكتبة إدوارد جيبون Gibbon، وبعد إشاعات جنسية مخزية تزوج الليدي مارجرت جوردون التي ماتت في أثناء الولادة· وفي هذه

(42/428)


الأثناء كتب رواية (فاثك Vathek) التي تعد أقوى الروايات التي استوحت أحداثها من أساطير الشرق، والتي كان لها فضل كبير على الحركة الرومانسية وقد نشرت بالإنجليزية والفرنسية (6871 - 7871) وأثنى عليها اللورد بايرون ثناء عاطرا· وبدأ في سنة 6971 بمعاونة ويات Wyatt وبكفورد في تشييد مبنى على الطراز القوطي (على شكل كنيسة) في مزرعته في ولشير Wilshire، وملأه بالقطع الفنية والكتب وعاش فيها حياة النساك في الفترة من 7081 إلى 2281 ثم باعها، وتبين أن بالمبنى عيوبا في الأساسات والتصميم أدى إلى انهياره· ومات في باث Bath في سنة 4481 وهو في الخامسة والثمانين من عمره· وقد رسم له جون هوبنر Hoppner صورة شخصية أظهر فيها حبه له (رسمها حوالي سنة 0081)· والصورة تنطق بروحه الشاعره وإنسانيته وتأمله الباطني·

(42/429)


وقد أضاف جون ناش Nash إلى العمارة البريطانية المتجهمة لمسة من مرح الروكوكو (لمسة من الزخارف ذات الطابع المرح) وأتى ول Well وأعقبه همفري ربتون Repton ليقوم بدور بستاني فصمم القصور والمباني الواقعة في المزارع الريفية واضعا في اعتباره توزيع الأكواخ والعرائش والزرائب على الطراز الفرنسي والهندي والصيني· وقد أمتعت هذه التصميمات النبلاء الذين كانوا قد برموا بحياتهم، وأفراد الطبقة العليا · وأصبح ناش Nash ثريا ورعاه الأمير السخي · وفي سنة 1181 عهد إليه إعادة تشييد ميل من شارع الوصي على العرش (ريجنت ستريت Regent st. بدءا من دار كارلتون ثم في قوس كبير (شامل) إلى المناطق الريفية· ونوع ناش في خطوط مشروعه مستخدما الأهلة والشرفات جاعلا مساحات مكشوفة من الحشأئش والأشجاربين مجموعات المباني واستخدم الأعمدة ذوات الطرز الأيونية لاضفاء البهجة على قوس الطريق (في وقت لاحق تم تدمير معظم هذا العمل للسماح بمزيد من المباني على حساب الحشائش والأشجار) ، لقد كان مشروعا عبقريا في تخطيط المدن لكن تكاليفه صدمت الشعب الذي كان صابرا على الجوع أملا في إلحاق الهزيمة بنابليون·
ومع هذا فإن الوصي على العرش كان مبتهجا بعمل ناش فعهد إليه بتجديد الجناح الملكي في بريتون Brighton الذي كان مكانا أثيرا للأمير وأصدقائه، فأنجز ناش العمل فيما بين عامي 5181 و 3281 بتكلفة بلغت 000،061 جنيه إسترليني لقد أعاد بناء الجناح على الطراز الهندي الإسلامي بمآذن ذات اليمين وأخرى ذات الشمال· ومبان أخرى ذوات قباب وكانت صالة المآدب ذات سقف محدب وزخارف صينية، وبها ثريات على هيئة اللوتس والتنين، وتكلفت هذه الصالة 092،4 جنيها إسترلينيا(4)· وكان الانطباع الأول الذي يأخذه المرء عند رؤيتها هو الفخافة الغريبة، وكان الحكم النهائي عليها أنها عمل مسرف سواء في النفقات أم في الزينات والزخارف ·

(42/430)


وفي سنة0281 أصبح الوصي على العرش ملكا· إنه جورج الرابع· وسرعان ما عهد هذا الملك الجديد إلى ناش إعادة بناء دار بكنجهام لتكون قصرا ملكيا· ووسط هذا الفقر والاقتراب من الإفلاس الذي أعقب الانتصار على نابليون، راح ناش يعمل حتى مات الملك المبذر (0381) فاستدعت الحكومة ناش ذلك المعماري الوافر الإنتاج ليوضح لها ما صرفه ويفسر بعض الأخطاء التي نسبت إليه· قلما كانت إنجلترا في مثل هذا السناء العظيم أو البؤس الشديد·
صفحة رقم : 14641
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> من الكارتون إلى كونستابل

3- من الكارتون إلى كونستابل

(42/431)


كان على آلاف الفنانين البريطانيين - طوال عشرين عاما من الحروب - أن يكافحوا لإطعام أسرهم وتحقيق أحلامهم· ولم يكن أسوأهم حالا من حيث العائد المالي والشهرة رسامو الكاريكاتير الذين ملأوا الصحف برسومهم عن الأحداث الجارية· وكان نابليون هو الموضوع الأثير لدى هؤلاء العباقرة الشياطين· فقد راحوا يهجون كل يوم هذا الضئيل الحجم ناتئ العظام أو هذا الخلاسي المولد كما كانت تسميه صحيفة المورننج بوست(5) Marnnig Post ويخزونه لإضعاف جهوده الحربية والحط من كبريائه كإمبراطور· وكان أعظم هؤلاء الرسامين الكاريكاتيريين الذين ظلوا يخزون نابليون وخزا مؤلما هو توماس رولاندسون (6571 - 7281) الذي ولد لأب تاجر غني مولع بالمضاربة شجعه تشجيعا كبيرا لتنمية مواهبه في الرسم، وبعد أن درس في الأكاديمية الملكيه قيد نفسه في أكاديمية باريس وعاد إلى إنجلترا فحازت رسومه الإعجاب، وفجأة اعتراه الفقر بسبب خسائر أبيه في القمار، وأقيل من عثرته عندما أرسلت له إحدى قريباته (aunt) الفرنسيات 000،53 جنيه إسترليني· وكان متحررا في هجاء ما في عصره من سخافات ورياء· لقد رسم كاريكاتيرات عن دوقة تقبل يد جزار طمعا في صوته الانتخابي، وشخصا سمينا يتلقى خنزيرا كضريبة عشر من فلاح على وشك الموت جوعا، ومجموعة من ضباط البحرية تصطاد البغايا من الشاطئ· وواصل رسم صور مركبة وشاملة: حدائق فوكسهول، مباهج باث Bath، وسلسلة رسوم مرحة صاخبة حققت شهرة على مستوى بريطانيا - رحلات الدكتور سينتاكس Syntax· وأدى غضبه من السياسيين والمهرجين (الصخابين) والأغبياء إلى رسم رسوم كاريكاتيرية فيها مبالغة شديدة، لكنها كانت مبالغة يمكن غفرانها· وكثير من رسومه تحتاج إلى تنقيتها مما فيها من بذاءات، وقد فقد هجاؤه (البحث عن المثالب) كل تعاطف· وإنجازه الفني الأخير ينضح احتقارا للجنس البشري كما لو أن البشرية لم تشهد أما عطوفا ولا رجلا كريما·

(42/432)


وكانت رسوم جيمس جيلراي Gillray (7571 - 5181) الكاريكاتيرية أكثر شعبية، فكان الناس يتزاحمون على محلات بيع الكتب للحصول على الطبعات الأولى لرسومه(6)· وقد درس جيمس جيلراي - مثل رولاندسون - في الأكاديمية الملكية وأصبح فنانا مصقولا خصب الخيال وإن كانت خطوطه صارمة· وكاد يضع كل فنه في خدمة الحرب: لقد صور نابليون كقزم وصور جوزفين كامرأة بذيئة، ورسم فوكس وشريديان وهورن توك Tooke (مؤيدي الثورة الفرنسية) ينتظرون في نادي لندن حضور الجنرال الثوري المنتصر· وقد انتشرت رسومه الهجائية ذات الأفكار البسيطة والخطوط المصقولة في مختلف أنحاء أوربا وأسهمت في خلع نابليون من فوق عرشه(7)· وقد مات قبل معركة واترلو بسبعة عشر يوما·

(42/433)


وشهد هذا الجيل كثيرا من الحفارين (النقاشين على الأخشاب أو المعادن) لكن أعمال وليم بليك Blake كانت هي الأكثر خلودا· لقد طور لنفسه طريقة خاصة في الحفر، بل إنه حاول أن يحل الحفر محل الطباعة، بحفر نصوص إلى جوارها رسومها التوضيحة على ألواح نحاسية، لكن قلمه سبق حفره، إذ راح يعبر عن نفسه في خاتمة المطاف بالشعر· وكان متمردا لأنه امتعض من فقره ويرجع هذا إلى كون الأكاديمية رفضت الاعتراف بالحفارين كفنانين ورفضت أن يقدموا أعمالهم في معارضها· ولأنه كان يرفض بشدة وصاياها بضرورة الالتزام بقواعد معينة وبالتقاليد الفنية التي فرضتها· لقد صرح في نحو سنة 808ا بأن القضية في إنجلترا ليست مسألة رجل موهوب وعبقري، وإنما لا بد أن يكون خاضعا مشتغلا بالسياسة وثورا قويا ، ومطيعا لأوامر النبلاء فيما ينتجه من فن ، فإن كان كذلك فهو رجل طيب، والإ فعليه أن يموت جوعا(8)· وكان بالفعل قد اقترب من الموت جوعا في أوقات عدة لأنه لم يكن يتلقى سوى أجر زهيد لرسوم وأعمال حفر قدر ثمنها في لندن في سنة 8191 بمبلغ 000،011 دولار(9)، ومكنته أعمال الحفر على المعادن التي قام بها لسفر أيوب والتي بلغت 22 لوحة، من العيش بما مقداره جنيهان في الأسبوع في الفترة من 3281 إلى 5281، وقد بيعت هذه اللوحات في سنة 7091 إلى ج· بيربونت مورجان Pierpont Morgan · J بمبلغ 006،5 جنيه إسترليني وهذه اللوحات التي حفرها لسفر أيوب من بين أجمل أعمال الحفر في التاريخ· وكان بليك Blake في موقف عوان بين البيوريتانية (التطهرية - مذهب ديني مسيحي متشدد - وإنكار المسيحية)، كما كان في موقف عوان بين الكلاسية والرومانسية، وكان مفتونا بمجموعة تماثيل ميشيل أنجلو (ميكل أنجلو) والرسوم التي رسمها على سقف الكنيسة وأحس أيضا ببهاء الجسم الإنساني السليم ورمزله بتجسيد بارز (0871) في عمل جعل عنوانه يوم سعيد بشاب يرتدي ملابس شفافة يعرف الحيوية المنضبطة، ولم يكن للجنس

(42/434)


(العلاقة بين الرجل والمرأة سوى مكان متواضع في أعماله) فقد كانت زوجته مطيعة متعاونة محبة فجعلت الإخلاص لها ممكنا، وكانت خطوطه في البداية كلاسية صارمة يجعل الخط أهم من اللون والشكل أهم من الصورة الذهبية، لكنه كان كلما تقدمت به السنون وازداد حبه للعهد القديم (الجزء الأول من الكتاب المقدس عند المسيحيين)، ترك قلمه يجول في شخوص خيالية يغمرها بالملابس الكاسية، ووجوه تعبر عن ألغاز الحياة وغموضها(01)·
وفي أعوامه الأخيرة حفر سبع لوحات لطبعة من طبعات دانتي وحفر وهو على فراش الموت (7281) لوحة أخرى للرب يخلق العالم في قديم الزمان· ومن خلال خياله الراقي وتصوراته لما فوق الطبيعة، وكذلك من خلال دقة خيوطه وبراعتها، أصبح - طوال جيل بعد موته - السلف المعلن لمدرسة ما قبل الرافائيلية· وسنلتقي به مرة أخرى في هذه الصفحات·
لقد كان السؤال الحيوي بين الرسامين (وهو سؤال ينطوي أحيانا على طلب الخبز والزبد) هو: إلى أي مدى هم متوافقون مع نصيحة الأكاديمية وذوقها؟ لقد كان بعض أساتذة هذه الأكاديمية يوافقون موافقة تنطوي على التشجيع على الموضوعات التاريخية باعتبارها تذكر بالشخصيات المشهورة في الأحداث الخالدة· وكان أساتذة آخرون يمتدحون رسم الشخصيات باعتباره فنا يسبر أغوار الشخصية، وباعتباره فنا يسعد المشاهير الراغبين في تخليد أنفسهم في صور زيتية· وكان عدد قليل جدا من أساتذة الأكاديمية يهتم بالرسوم التي تصور مشاهد من الحياة اليومية لأنها تبدو عامية، أو بتعبير آخر فيها ريح العامة· وكانت رسوم المناظر الريفية تحظى بأدنى موافقة· لقد كان على كونستابل أن يطل يعمل فاقد الأمل في رسم لوحات فن الريف وهو خامل الذكر، ولم تمنحه الأكاديمية عضويتها الكاملة إلا وهو في الثالثة والخمسين·

(42/435)


وفي سنة 2971 مات السير جوشوا رينولدز Joshua Reynolds فاختارت الأكاديمية رئيسا لها أمريكيا مقيما في إنجلترا إقامة دائمة· إنه بنيامين وست West الذي ولد في سبرنجفيلد في بنسلفانيا من سنة 8371· وقد أظهر في شبابه موهبة فنية عظيمة حتى إن جيرانه الكرماء أرسلوه للدراسة في فيلا دلفيا وبعد ذلك إلى إيطاليا· وبعد أن تشرب التراث الكلاسي هناك في الصالات الفنية والمتاحف والمواقع الأثرية انتقل إلى لندن (3671) حيث رسم بعض الصور الشخصية التي جلبت له الأموال، وأعجبت جورج الثالث، فتقدم بعدها لتناول الموضوعات التاريخية· لقد صدمت الأكاديمية بلوحته (موت ولف Wolfe) الذي انتزع كندا من مونتكالم Montcalm وفرنسا - صدمت لأنه صور شخوصا معاصرة بملابس حديثة، لكن كبار السن ذكروا أن نصف قارة أوربا تنحني احتراما للسراويل (البنطلونات)·
وثمة أمريكي آخر هو جون سنجلتون كوبلي Copley ولد بالقرب من بوسطن في سنة 8371حقق شهرة برسمه جون هانوك، وصامويل آدمز وأسرة كوبلي· وفي سنة5771انتقل إلى لندن وسرعان ما وصل إلى لذروة بلوحته (موت شاثام) (9771) · وليهرب من مثالية الكلاسية الجديدة في رسم الشخوص التاريخية رسم المشهد بواقعية شجاعة، أحدثت - رغم أنها أزعجت الأكاديمية - ثورة في فن الرسم الإنجليزي·

(42/436)


واستمر التعليم في الأكاديمية على أكتاف جوهان هينريتش فوسلي Fussli (من زيورخ) الذي أصبح اسمه في سنة 4671 هنري فوسيلي اللندني (من لندن) وكان وقتها في الثالثة والعشرين من عمره· وبتشجيع من رينولدز غادر إنجلترا في سنة 0771 ليدرس لمدة ثماني سنوات في إيطاليا· وكان نزوعه إلى التحليق الخيالي ذي الطابع الهرطقي غير متفق تماما مع النماذج والأساليب الكلاسية، وعندما عاد إلى لندن أيقظ الجمال النائم بلوحته الكابوس (1871) التي صور فيها امرأة جميلة تحلم باقتراب عفريت مرعب منها· (ارتبطت هذه اللوحة بدراسة لسيجموند فرويد)، ورغم اتجاهه الساخر أصبح (فوسيلي) أستاذا في الأكاديمية ويسرت محاضراته فيها الانتقال من الرومانسية إلى ما قبل الرافيئيلية (اتجاه فني إنجليزي ذو طابع صوفي)·
وقد وضحت أحوال جون هوبنر Hoppner (8571 - 0181) وجون كروم Crome (8671 - 1281) صعوبة حصول الفنانين على مايمكنهم من العيش برسم الطبيعة، فهوبنر عانى شظف العيش كعاشق للمناظر الطبيعة لكن أحواله انتعشت كرسام للصور الشخصية، وكاد ينافس لورنس في زبائنه وأجره· لقد جلس نلسون أمامه وكذلك فعل ولنجتون و والترسكوت وعدد من اللوردات· وقصر القديس جيمس غني بلوحات هوبنر، وظل كروم Crome في مسقط رأسه نورتش Norwich طوال ثلاثة وخمسين عاما هي كل عمره، ودرس صورهوبيما Hobbema وغيره من الرسامين الهولنديين الكبار وتعلم أن يجعل المشاهد البسيطة المألوفة في حياة العامة سائغة، ولأنه كان ملازما لبلدته لايكاد يفارقها فقد بحث عن موضوعات للوحاته في المناطع الريفية المحيطة بنوروتش Norwich· لقد وجد هناك منظرا سجله في إحدى أجمل لوحاته (مرج موسهولد)· لقد كانت هذه اللوحة ذروة فنية بالإضافة لما تنطوي عليه من معادن فلسفية ليس هناك ما هو أرقى منها·

(42/437)


أما السير توماس لورنس (9671 - 0381) فاتخذ طريق رسم الصور الشخصية (البورتريهات) وهو طريق معترف به ولا يحتاج إلى مقاومة· وكان السير توماس ابنا لصاحب فندق، ولم يتلق قدرا كبيرا من التعليم ولم يتلق إلا قدرا قليلا من التدريب الفني· وكان لابد أن تحار الأكاديمية عندما لاحظ أساتذتها أنه نجح في الالتزام بما يريدون· لقد كان لديه حاسة التقاط الشبه بسرعة، وبسرعة كان يرسمه - في صباه في بريستول كان يرسمه بقلمه الرصاص، وفي شبابه في باث Bath كان يرسمه بالألوان البستل Pastel ولم يستخدم الألوان الزيتية إلا عندما انتقل إلى لندن (6871) وربما كانت جاذبيته وروحه المرحة هما اللذين فتحا له القلوب والأبواب· وقد كلف وهو لم يتجاوز العشرين بالذهاب إلى وندسور لرسم صورة شخصية للأميرة شارلوت سوفيا Charlotte Sophia· وتصرف بدبلوماسية شديدة انطبعت على لوحته (ذلك لأن الأميرة لم تكن جميلة) وأدت به دبلوماسيته هذه إلى أن انتخب عضوامشاركا في الأكاديمية وهو في الثانية والعشرين، ومنح العضوية الكاملة فيها وهو في الخامسة والعشرين· وتنافس ذوو الحيثيات على الجلوس أمامه لرسمهم، ورفض نصيحة كرومويل Cromwell برسم البقع والبثور والتجاعيد كما يرسم الخال والغمازة (المقصود أن يرسم مظاهر القبح ومظاهر الجمال فيمن يرسمهم) ورفض لورنس الأخذ بهذه النصيحة فليس في البثور ذهب (المقصود أن ذلك قد لايرضي من يرسمه فلا يدفع له مالا كثيرا)· لقد كان يحسن من ملامح من يرسمه، ولم يكن المرسوم ليعترض على ذلك· فإذا كانت المرأة أو الفتاة التي يصورها يعوزها الجمال، عمد إلى رسمها بملابس رقيقة شفافة جميلة، ورسم يديها جميلتين دقيقتين، وجعل عينيها فاتنتين، وجعلها في وضع (بوز Pose) درامي (مثير)· وتعد لوحته (بورتريهه) للوصي على العرش التي أظهره فيها وسيما جميلا نموذجا نمطيا للوحاته· وقد رسم هذه اللوحة الآنف ذكرها في سنة 5181· وفي بعض الأحيان كان يضفي

(42/438)


شيئا من الغرابة الباعثة على السعادة في صوره كما في صورته (Pinkie) في جلري (رواق) هنتجتون Huntington Gallery، لكن لوحاته التي رسم فيها الرجال كانت تفتقد الطبيعة القوية التي نجدها في رسوم رينولدز Reynolds· لقد كسب لورنس الكثير وأنفق الكثير وأصبح محبوب عصره· وعندما مات حفه موكب جنائزي فخم إلى مثواه الأخير في كنيسة القديس بول· وأصر جون كونستابل (6771 - 7381) على رسم المناظر الطبيعة، ولم يتزوج حتى الأربعين· وكان والده هو طحان miller سوسكس Sussex، وقد قدم الدعم المالي لابنه لدراسة الفن في لندن لمدة عامين عندما لمس مواهبه، لكن تطور جون كان بطيئا،فعاد في سنة 7971 إلى سوسكس ليعمل في طاحونة أبيه، وظل يواصل الرسم في أوقات فراغه، وأرسل بعض أعماله إلى الأكاديمية فأتاحت له فرصة الالتحاق بمدرستها، فعاد إلى لندن في سنة 9971 بموافقة أبيه بتشجيع من بنيامين ويست West، ورسم له ريتشارد ريناجل Reinagle - وهو فنان زميل له - صورة شخصية في العام نفسه·
وربما قرأ أشعار وردزورث عن المناظر حول بحيرة وندرمير، لأنه كان يرى الله في كل ورقة شجر· وفي سنة 6081 قام برحلة في أنحاء منطقة (دائرة) البحيرة فدرس الجبال يحتضنها الهضاب، والحقول تهطل عليها الأمطار الهادئة، وعاد إلى لندن وقد قوي عزمه على وقف فنه للطبيعة·
لقد قال عن لوحته التي عالج فيها الطبيعة أنه يأمل أن يخلد لحظة قصيرة أمسك بها من زمن سريع الزوال ليجعل لها وجودا دائما رزينا(11) وفي هذه الأثناء كان يتلقى تكليفات عرضية مكنته من تدبير أمر طعامه وسكناه· وأخيرا في سنة 1181 رسم لوحته العظيمة التي حازت الإعجاب - وادي ددهام Dedham Vale وهي بانوراما(مشهد عام) لإسكس Essex في شمس منتصف النهار·

(42/439)


وفي ذلك العام فيما يبدووقع في حب ماريابكل Maria Bickell التي رحبت باهتمامه بها لكن أباها منعها كي لاتنحط بقبول شخص ذى دخل منحط مثل كونستابل، ولم تكن تنقضي خمس سنوات حتى مات والده فأورثه دخلا ثابتا فعاود التقدم لطلب ماريا فوافق أبوها فانطلق كونستابل بعروسه واحتفى بها برسم صورة (بورتريه) لها لا زالت تزين حدار تيت جلري (رواق تيت Tate Gallery) وبعد ذلك راح يرسم أجمل لوحات المناظر الطبيعية، التي لم تكن إنجلترا قد شهدت مثيلا لجمالها قبله· لم تكن لوحاته مثيرة مدهشة كلوحات تيرنر Turner لكنها كانت تحتفي بأدق التفاصيل حتى ورقة الشجرة كما كانت تركز على الهدوء والسلام والثروة الخضراء في الريف الانجليزي· وفي هذه الفترة السعيدة قدم للأكاديمية (طاحونة فلا تفورد Flatford Mill(7181) والحصان الأبيض (9181) والهاي وين Hay Wain (1281) وكاتدرائية سالسبوري (3281) وحقول القمح (6281) وكانت كل لوحة من هذه اللوحات حدثا فنيا وحازت الإعجاب وكثيرا من الإطراء·
وفي سنة 4281 قدم الهاي وين (اسم لعربة تجرها الخيول) لتعرض في صالون باريس، وفي 5281 عرض (الحصان الأبيض) في ليل Lille وفازت كلتا اللوحتين بالميدالية الذهبية واحتفى الفرنسيون بكونستابل كأستاذ في فنه· وأحست أكاديمية لندن بتقصيرها في حقه فمنحته أخيرا عضويتها الكاملة (9281)·
لقد أتى التكريم متأخرا فلم يكن له عنده معنى كبير، لأن زوجته ماتت في هذا العام نفسه بالسل الذي تفاقم ربما بسبب تلوث جو لندن بالسخام· وواصل كونستابل رسم المناظر مثل (مزرعة الوادي) و (جسر واترلو) لكن تكاد تكون كل أعماله الأخيرة تعكس ما يتحمله من أحزان، إذ ظل يلبس ملابس الحداد حتى موته المفاجئ·
صفحة رقم : 14642
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفنون في إنجلترا -> تيرنر

4- تيرنر
5771 - 1581

(42/440)


كان چوزيف وليم تيرنر معتزا بنفسه وباسمه ولم يسمح أبدا لنقد معاد أوحب عنيف محطم بتعويق مسيرته نحو التفوق المطلق في مجاله· ولد في 32 أبريل سنة 5771، وربما شارك شكسبير في يوم الميلاد وكذلك الشهر· وكان أبوه صاحب محل حلاقة في ميدن لين Maiden Lane خلف الكوفنت جاردن Covent Garden، وهو مكان لايكاد يكون ملائما لفنان المناظر (الطبيعة)، فعلى وفق لكاتب سيرة ذاتية متقدم زمنا(21) كانت ميدن لين منطقة كئيبة مسواة بالطين، مزدحمة تعج بصيحات البائعين· وكان بالقرب من محل الحلاقة خان يغني المترددون عليه بأصوات منكرة· أضف إلى هذا أن أخت وليم سرعان ما ماتت وأصبحت أمها مجنونة لكن الطبيعة والظروف عوضا الصبي شيئا ما فجعلته قوي البدن حديد الإرادة، واقعي العقل، لا تهتز ثقته بنفسه فاستعان بهذا كله ليقاوم طوال ست وسبعين سنة الأزمات والنكبات والنقاد والجراثيم·
ورأى فيه والده علامات الموهبة، كما رأى أن مكانه ليس في ميدن لين، فأرسله وهو في العاشرة ليعيش مع عمه، وليلتحق بالمدرسة في برنتوود في مدلسكس Middlesex· وفي غضون عامين رسم الصبي لوحات فنية حتى إن والده الفخور علق بعضها في محل الحلاقة وعلق بعضها الآخر حول المحل، وعرضها للبيع· وذكر رجل دين كان يحلق عند أبيه بعض هذه اللوحات بخير عند صديق له في الأكاديمية، وسرعان ما أجري له اختبار في الأكاديمية فاجتازه بنجاح فقبل طالبا في مدرستها وهو في الرابعة عشرة من عمره، وبعد ذلك بعام سمح له بعرض لوحات بالألوان المائية في معرض الأكاديمية·

(42/441)


وفيما بين عام 9871 و 2971 كان يقضي فترة الإجازة متجولا في الريف ومعه دفتر الرسم (دفتر الإسكتشات)· لقد ذهب بعيدا حتى أكسفورد وبريستول وويلز، ولازالت هذه الاسكتشات الشائقة التي سجل فيها الأرض والشمس والبحر موجودة في المتحف البريطاني· وكان يبيع رسومه وهو في التاسعة عشرة من عمره للمجلات، وفي الحادية والعشرين بدأ يعرض لوحاته الزيتية في الأكاديمية، وفي الرابعة والعشرين ثم اختياره عضوا مشاركا، وفي السابعة والعشرين أصبح عضوا كامل العضوية (في الأكاديمية) وبعد أن أصبح مستقلا من الناحية المالية بفضل ما باعه من لوحات افتتح في سنة 0081 مرسما ستوديو واسعا في 46 شارع هرلي Hurly وأتى أبوه ليعيش معه كمساعد وممثل تجاري له· وكان هذا الحب المتبادل بين الوالد وابنه متمشيا مع عزوف الفنان الابن عن الزواج، فلم يكن جذابا من الناحية البدنية ولم يكن مليح الوجه، وكان ذا طباع فيها القليل من الجاذبية· لقد كان رجلا منشغلا ظل نحو نصف قرن يسيطر على الفن في إنجلترا ويسوده بأعماله الرائعة الكثيرة·

(42/442)


وعمد كتاب السير إلى تقسيم حياته إلى ثلاث مراحل لتيسير دراستها ومحاولة فهمها· المرحلة الأولى (7871 - 0281) كان يميل فيها إلى الموضوعات التاريخية لكنه حولها إلى دراسات للشمس والبحر· وفي سنة 9971 كان من بين الرسامين الأربعة الذين احتفوا في معرض الأكاديمية بانتصار نلسون وتحطيم أسطول نابليون في (أبوقير)، وفي سنة 2081 قام بأول رحلة له خارج بلاده، وعندما اقتربت السفينة التي تقله من كاليه Calais ارتفعت الأمواج عالية وهبت العاصفة الشديدة، فدبر تيرنر وبعض الركاب أمر الوصول إلى الشاطئ بقارب تجديف، وتناول - على الشاطئ - كراسة الرسم (الاسكتشات) وراح يخطط المنظر المعقد لسفينة تناضل ضد العاصفة، وبعد ذلك بعام عرض في لندن لوحته القماشية الضخمة (رصيف كاليه Cslais Pier) قدم فيها تفاعله مع مناظر السحب السوداء والبحار الغاضبة والرجال الشجعان ومن فرنسا أسرع إلى سويسرا ليرسم 004 لوحة للجبال وهي تتحدى السماء بشموخها· لقد أصبحت رسومه (إسكتشاته) كذاكرة ثانية له·
وعندما عاد إلى لندن وجد النقاد الأكاديميين يشكون من أنه وضع ألوانه ثقيلة وباضطراب وبشكل طائش وخلطها بشكل ينافي كل السوابق المعقولة، ذلك أن طريقته تجاهلت التعاليم التي علمها الراحل سير جوشوا رينولدز للأساتذة Masters القدامى الذين خلفوه كما تتجاهل القواعد التقليدية المرعية·

(42/443)


وقد احترم تيرنر ذكرى الدكتاتور الرفيق (المقصود رينولدز) ولكنه أطاع ما تمليه عليه شخصيته· ومن الآن فصاعدا أصبح هو أوضح الأصوات المعبرة عن الثورة الرومانسية في مواجهة الموضوعات القديمة والقواعد العتيقة، والمحاكاة الحرفية للواقع والالتزام بما هو معتاد مما يخنق التجربة ويقيد الخيال· وقد واجه ناقديه بعرض لوحة (سفينة جانحة أوجنوح سفينة) في الاستوديو الخاص به في سنة 4081 وكانت اللوحة توضح قسوة الطبيعة وهيمتها على الإنسان· وحظيت اللوحة بالإعجاب، وبعد ذلك بعام أحبه البريطانيون كثيرا لاحتفائه بانتصار نلسون في معركة الطرف الأغر·
لقد كانت لوحته فوضى من السفن والرجال والعناصر الأخرى لكن هكذا تكون المعارك· ومع هذا فقد أحس النقاد إزاءها بالارتباك:
لقد كان كل ما يستخدمه تيرنر هو الألون، وليس هناك خط واحد، وحتى الألون بدت وكأنما رشرشها دون أن يقصد تكوين شكل محدد، بل وجعلها موضوعا في حد ذاتها· لقد كانت القصور والصروح والمباني والبشر في لوحاته (المرسومة على كانافاه) بقعا غير محددة ونقطا تشير إلى المعنى كما لو كان الفنان قد سلم بعجز الإنسان في مواجهة الطبيعة الساخطة· وهذا لايمنع من وجود استثناءات مبهجة كما في لوحة الشمس تشرق من خلال الضباب (7081) لكن في لوحته هانيبال يعبر الألب (2181) نجد كل معاني البطولة البشرية يضيع وسط السحب السوداء والصفراء التي تمثل دوامة فوق جنود يرتعدون خوفا· أكان هذا الفنان الجامح عدوا للجنس البشري؟·

(42/444)


لقد واصل تيرنر منهجه معملا فرشاته بقوة وحيوية عازما فيما يظهر على محق الحياة والبشر من فوق الأرض، مخليا إياها إلا من الشمس والسحب والجبال والبحار الهائجة· لكنه لم يكن عدوا للبشرية تماما فقد كان قادرا على تكوين علاقات دافئة وطور صداقات هادئة مع السير توماس لورنس المناقض له في أسلوبه الفني وفي نظرياته الفنية· ولم يكن تيرنر يعترف بأية نبالة سوى نبالة العبقرية، وكان مخدوعا شيئا ما من العوام، وكان يحب عمله وخصوصيته، وكان يشعر - مثل ليوناردو Leonardo - أنه إذا كنت متفردا كلية فستكون كلية نفسك أي خير معبر عن نفسك ولم يكن له عقيدة إيمانية يمكن التأكد منها فيما يتعلق بأي وجود فوق الطبيعة (غيبي)، فقد كان إلهه هو الطبيعة وقد وجه إليها نوعا من العبادة خاصا به - عبادة ليست من نوع عبادة وردزودث الذي بحث في حكمتها وجمالها، وإنما راح تيرنر يركز على بقائها وإلحاحها وسطوتها، وكان يعلم أنها ستغمره أيضا وستغمر الإنسان في زمنها الشرس المروع· ولم يزعج نفسه كثيرا بشأن الأخلاق· لقد كان لديه خليلة أو خليلتان، وجعلهما - بشكل رقيق - مقتصرتين عليه، ورسم بعض الصور الزيتية العارية ذات طابع جنس فتم تدميرها ذات مرة عندما وقعا في يد رسكين Ruskin وكان يحب المال ويتقاضى أثمانا باهظة وخلف ثروة· لقد كان ألماسا خاما - سوليتير -·

(42/445)


وبدأ في المرحلة الثانية (0281 - 3381) رحلة إلى إيطاليا بحثا عن دفء الشمس، وخلال هذه الرحلة التي استغرقت ستة أشهر رسم خمسة عشر إسكتشا، وبعد عودته إلى إنجلترا حول بعضها إلى لوحات حاول فيها استخدام أساليب جديدة في اللون والضوء والظلال مثل ( خليج بايبي) 3281 جعل كل شيء فيها ينطق - حتى الظل· ومرة أخرى في فرنسا استخدم الألوان المائية في رسم نهر السين وجعله يتألق منيرا· في 5281 - 6281 تجول في بلجيكا وهولندا وأحضر إلى بلاده إسكتشات حول بعضها إلى لوحات مثل (كولوني Cologne) و (ديبي Dieppe) وهي الآن في مجموعة الفريك Frick في نيويورك· وفي سني الثلاثين من هذا القرن كان بين الحين والحين ينعم بضيافة اللورد إجريمونت Egermont في بتورث Petworth وكان كعادته ينشغل بعمله لكنه أعطى لمضيفه لحظة خالدة بلوحته (البحيرة عند الغروب)
وفي مرحلته الأخيرة (4381 - 5481) راح يستسلم أكثر فأكثر لإغراء الضوء، فغالبا ما كانت تختفي في لوحاته الأشياء فلا يتبقى إلا دراسة فاتنة للألوان والتألق والظلال، وفي بعض الأحيان كان يترك الأشياء تلعب دورا أساسيا كما في لوحته (Fighting temeraire towed to her Last berth) (9381) أو لوحته (المطر والبخار والسرعة) (4481) التي تمثل إعلانا حركيا فخورا لقرن من الخيول الحديدية· وعندما احترق مبنى البرلمان في سنة 4381 جلس تيرنر بالقرب منه يرسم إسكتشات لآخر لوحاته عن هذا المشهد· وعندما كان يعبر من هاروتش Harwich تعرضت سفينة لريح مجنونة وهطل عليها الجليد فاندفع الفنان الهرم نحو الدقل وظل عنده طوال أربع ساعات حتى يحفر في ذاكرته تفاصيل المشهد وما فيه من رعب(31) ورسمه بعد ذلك مستخدما اللون الأبيض بكثرة في لوحته عاصفة ثلجية (2481)، وفي سنة 3481 حقق نصره الأخير بلوحته (شمس البندقية تتجه للبحر)·

(42/446)


واسودت سنوات عمره الأخيرة بذروة الإجماع على إدانته، وإن خفف وطأة ذلك عنه ما كاله له سيد النثر الإنجليزي من مديح· لقد انتقد أحد النقاد لوحة (العاصفة الثلجية) باعتبارها مجرد رغاوى صابون ودهان أبيض(41) ولخص آخر أعمال الفنان في حقبته الأخيرة بأنها نتاج عين مريضة ويد طائشة واقترح شرابا مخلصا من عناصر شتى كعنوان عام لأي لوحة من لوحات تيرنر (إعصار استوائي) يضرب (برياح سمومه) (دوامة) محدثا (اضطرابا عظيما) و (سفينة تحترق) وقت (الكسوف)، وتأثير (قوس قزح القمري)(51) - لقد بدت الأعمال الكاملة لهذا الفنان الكبير المتألق بعد نصف قرن من العمل - حقيرة مرفوضة في نظر أصحاب الاتجاه المحافظ·
وفي مايو 3481 أصدر جون رسكن Ruskin وكان في الرابعة والعشرين المجلد الأول من كتابه (رسامون معاصرون)، ألح فيه بحماس على تفوق تيرنر على كل رسامي المناظر المحدثين، والحيوية البالعة التي عبر فيها تيرنر عن العالم (الوجود) الخارجي (خارج ذاته) حتى إنها تعد أفضل تقرير عن هذا العالم (الوجود)، ووجد تيرنر نفسه في درجة أعلى من كلود لورين Claude Laurain الذي كان يستلهم رسومه من مطلع شبابه، ولم يكن هذا غريبا بالنسبة إليه، لكنه كلما واصل قراءة كتاب رسكين راح يتساءل: ألن يضره هذا المديح المبالغ فيه؟ لقد أضره فعلا ولكن لفترة· لقد راح النقاد يثنون على كتاب رسكين Ruskin لكنهم راحوا يناقشون أحكامه طالبين حكما أكثر توازنا، ولم يتقيد رسكين بهذا النقد فراح يكرر في مجلد إثر مجلد دفاعه عن تيرنر وتمجيده له حتى كاد يخصص لتيرنر ثلث كتابه ذى الألفي صفحة· وأخيرا كسب معركته وعاش حتى رأى فنانه المحبوب وقد اعترف به الجميع كواحد من أعظم المبدعين في الفن الحديث·

(42/447)


وفي هذه الأثناء مات تيرنر (92 ديسمبر 1581) وتم دفنه في مقبرة كنيسة القديس بول، وكان قد أوصى بأن تكون أعماله الفنية للأمة - 003 سكتش، 003 لوحة بالألوان المائية، 000،91 تخطيط (رسوم تخطيطية) وترك 000،041 جنيه إسترليني لإنفاقها على الفنانين الفقراء (حصل أقرباؤه الأحياء بعد موته على قرار ببطلان الوصية وقسموا الأموال بين أنفسهم ومحاميهم) وربما كان أعظم تراثه هو اكتشافه للضوئية (نزعة في التصوير الحديث)، وفي هذا الجيل نفسه صاغ توماس يونج Young نظريته عن الأمواج الضوئية، لقد نشرتيرنر عبر أوروبا رسومه التي طبق فيها هذا الأسلوب (الضوئي) وكذلك لوحاته بالألوان المائية، معلنا أن الضوء هو (موضوع) للرسم كما أنه (وسيلة) للرسام أو (وسط) يرسم فيه الأشياء، وبالتالي فهو يستحق أن يمثل بأشكاله المختلفة وألوانه وتشكيلاته وتأثيراته· تلك هي الانطباعية impressioism ظهرت على يد تيرنر فبل ظهور الانطباعيين Impressionists· وربما كان مانت Manet وبيسارو Pissarro قد رأوا بعض أعمال تيرنر التي استخدم فيها هذا الأسلوب عند زيارتهم للندن في سنة 0781(61)· وبعد ذلك بسبع سنين أرسل ديجاس Degas، ومونت (مونيه) Monet وبيسارو، ورينوار Renoir، خطابا إلى تاجرأعمال فنية، ذكروا فيه أنه في دراساتهم للظاهرة الهائمة للضوء لم ينسوا أنه قد سبقهم في هذا الاتجاه أستاذ عظيم لمدرسة فنية إنجليزية - إنه الفنان الشهير - تيرنر(71)·
صفحة رقم : 14643
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> توم بين عن المسيحية

1- توم بين: عن المسيحية

(42/448)


لقد كان توم بين - الذي عرف بهذا الاسم توم في قارتين - رجلا إنجليزيا ولد في أسرة من الكوكر Quaker في ثتفورد في نورفولك Norfolk في سنة 7371، وهاجر إلى أمريكا في سنة 4771 بناء على نصيحة بنيامين فرانكلين، وقام بدور ناشط في الثورة الأمريكية· وأثنى الجنرال واشنجطن على كتيب بين Paine الموسوم باسم الحصافة أو الفطرة السليمة Common Sense (يناير 6771) لأنه أحدث تغييرا قويا في عقول أناس كثيرين(1) وفي أثناء حروب الثورة الأمريكية أصدر سلسلة من نشرات الدعاية باعتباره معاونا للجنرال ناثانيال جرين Nathanael Greene بعنوان الأزمة لرفع الروح المعنوية لجيش الثوار وللمواطنين· وقد بدأت إحدى هذه النشرات بالعبارة الشهيرة في هذه الأوقات تعرف معادن الرجال أوبتعبير آخر تلك هي الأوقات التي تختبر فيها أرواح الرجال· وفي الفترة من 7871 إلى 2081 كان يعيش معظم الوقت في أوربا عاملا لصالح الثورة الفرنسية في كل من فرنسا وإنجلترا· ووجدناه يخاطر برأسه عند تصويته لصالح تخفيف عقوبة الإعدام الصادرة ضد لويس السادس عشر إلى النفي· وفي ديسمبر من هذا العام (3971) - بتحريض ظاهر من روبيسبير(2) - أصدرت الجمعية الوطنية مرسوما بطرد كل الأجانب من عضويتها ولم يبق فيها إلا اثنان: أناكارزيس كلوتس Anacharsis Cloots وتوماس بين Paine· وعندما توقع بين Paine أن يقبض عليه سارع بكتابة ما يعرف الآن بالجزء الأول من عصر العقل The Age of Reason، وأرسل مخطوطة الكتاب إلى أمريكا مشفوعة بالإهداء التالي:
إلى رفاقي أهل بلدي في الولايات المتحدة الأمريكية: إنني أضع العمل التالي تحت حمايتكم· إنه يضم آرائي في الدين· إنكم ستسدون إلي عدلا إن تذكرتم أنني كنت دائما أؤيد بشدة حق كل إنسان في إبداء رأيه مهما كان مختلفا مع ما قد يكون رأيي· إن من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي·

(42/449)


إن العقل هو أمضى سلاح ضد كل أنواع الخطأ ولم يحدث أبدا أن استخدمت سواه وإنني واثق أنني لن أثق - مستقبلا - في سواه ·
صديقكم المخلص ومواطنكم
توماس بين
باريس، 72 يناير 4971·
ويقدم لنا بين Paine في مستهل كتابه هذا سببا غير متوقع لتأليف كتابه فيقول: إنه لا يهدف إلى تدمير الدين وإنما يهدف إلى منع الفساد الناتج عن أشكاله(أشكال الدين) غير العقلية(اللاعقلانية) من أن يقوض النظام الاجتماعي ويدمره خوفا من الخراب العام الذي تسببه الخرافة، والذي تسببه النظم الحكومية الزائفة واللاهوت الزائف، فهذه النظم الزائفة تفقدنا الأخلاق والإنسانية واللاهوت الحق ويضيف قائلا ومؤكدا مجددا: إنني أومن بالله الواحد الأحد لا رب سواه One and no more، وإنني آمل في تحقيق السعادة بعد هذه الحياة أي بعد الموت(3)·
ثم يستل موسى أكام Occam يقول: إنني لا أومن بعقائد اليهود ولا عقائد كنيسة روما ولا كنيسة الأورثوذكسية الشرقية (الكنيسة اليونانية) ولا عقائد المسلمين (النص: الكنيسة التركية Turkish Church) ولا الكنيسة البروتستنطية ولا أي كنيسة (مؤسسة دينية) أعرفها· فعقلي هو كنيستي· فكل الكنائس كمؤسسات وطنية··· لاتبدو لي أكثر من كونها بدع بشرية أقيمت لإرهاب البشر واسترقاقهم ولاحتكار السلطة وتحقيق المكاسب(4)·
وكان معجبا بالمسيح كرجل فاضل ودود وكان مقتنعا أن الأخلاق والقيم اللتين بشر بهما وطبقهما كانتا خيرتين إلى أقصى حد لكن حكاية كونه ابن الله ليست سوى خرافة مشتقة من خرافة شائعة بين الوثنيين·

(42/450)


إذ يكاد كل الرجال المميزين الذين عاشوا في ظل الميثولوجيا الوثنية قد كرروا الزعم بأنهم أبناء الآلهة ··· لقد كان اتصال الأرباب (الآلهة) اتصالا جنسيا بالنساء رأيا شائعا بين الناس· فالرب جوبيتر Jubiter في زعمهم قد تعايش مع كثيرات عيشة الأزواج· وعلى هذا فحكاية أن المسيح ابن الله ليست جديدة ولا غريبة ولا مدهشة ولا فاحشة وإنما هي مجرد فكرة كانت موجودة بالفعل ومريحة ومتمشية مع آراء وعقول غير اليهود Gentiles، ولأنها كانت منتشرة بينهم فهم وحدهم الذين آمنوا بها· أما اليهود الذين احتفطوا بالإيمان بإله واحد ولا سواه (لا شريك له) فكانوا يرفضون دائما الميثولوجيا الوثنية ولم يوافقوا أبدا على هذه الحكاية (على أن المسيح هو ابن الله)(5)·
وعلى هذا فالميثوجيا المسيحية ليست سوى الميثولوجيا الوثنية في شكل جديد· إنها لا تعدو كونها تكرارا للميثولوجيا الوثنية:

(42/451)


ففكرة التثليث أو وجود أرباب (أقانيم) ثلاثة التي ظهرت بعد ذلك ليست سوى تخفيض أو تنقيص للتعددية السابقة التي كانت تقول بوجود نحو عشرين ألف أوثلاثين ألف رب· وقد حل تمثال مريم (العذراء) محل تمثال ديانا الإفسوسية Diane of Ephesus، وحل تطويب القديسين(المصطلح المسيحي تطويب يعني ضم شخص ما إلى قائمة القديسين) محل تأليه (أو تعظيم) الأبطال· فالمؤمنون بالأساطير (الميثولوجيون) لديهم آلهة (أرباب) لكل شيء، والمسيحيون المؤمنون بالأساطير عندهم قديسون لكل شيء، وأصبحت الكنيسة مزدحمة بهم كما كان البانثيون Pantheon مزدحما بالآلهة· فالنظرية (العقيدة) المسيحية لا تختلف إلا قليلا عن وثنية الميثولوجيين القدماء بعد تحويرها (أي العقيدة المسيحية) لتخدم أغراض السلطة والدخل (الاقتصاد) وبقي على العقل والفلسفة أن يبطلا هذا الدجل المبهم(6)· ثم راح بين Paine يلقي أضواءه البحثية مستخدما العقل في سفر التكوين (السفر الأول في التوراة) ولم يطق صبرا على حكاياته الرمزية وأمثاله فهوى بمعوله على حواء والتفاحة· وكان مثل ميلتون Milton مفتونا بالشيطان أول الثائرين لقد كان الشيطان (إبليس) ملكا أدخل جهنم لمحاولته الإطاحة بالعرش، وفي جهنم ظل يعاني طول الوقت بلا نهاية· ومع هذا فلا بد أن يهرب من هذه النار التي لاتخمد (جهنم) في وقت أو آخر لأنه كان قد وجد طريقه إلى جنة عدن، ولأنه استطاع غواية (الناس) بأكثر الطرق التواء· لقد استطاع أن يقدم المعرفة لحواء ونصف عالم المسيح· ويعجب بين Paine من أن الميثولوجيا المسيحية قد أضفت على الشيطان (إبليس) شرفا كبيرا· إنها تفترض أنه أجبر الله (عز وجل) على إرسال ابنه (المقصود المسيح) لبلاد اليهودية Judea ليصلب، وذلك ليعيد له (المقصود لله سبحانه) على الأقل جزءا من أهل الأرض كانوا على علاقة حب - بشكل واضح - مع الشيطان· ورغم صلب المسيح فلازال الشيطان يحتفظ لنفسه بكل الممالك غير المسيحية

(42/452)


بل وله ملايين من الأتباع في الممالك المسيحية نفسها·
كل هذا - كما يقول مفكرنا المتشكك توماس - تقدمه لنا بوقار شديد - على لسان الله جل جلاله - سلسلة من الأقوال منسوبة إلى موسى وحتى القديس بول (بولس)· ورفض بين Paine كل هذه الأقوال (الحكايات) باعتبارها حكايات تصلح لأطفال الحضانة وللكبار الذين أنهكهم البحث عن الخبز والزبد وأعياهم المرض وأرهبهم الموت فباع لهم اللاهوتيون أوهام الوعود الموعودة· وقدم بين Paine لذوي الأرواح الأقوى الله بصورة لا تشبه الإنسان وإنما باعتباره حياة الكون (الروح الحي في الكون)·
لا يمكننا أن نوحد كل أفكارنا عن الله الإ من خلال الخلق ·· إن الخلق (الكون) يتحدث لغة عالمية (كونية) ··· إنه كلمة الله (الكون) التي توحي للبشر كل ما هو ضروري لمعرفة الله· أتريد أن تتأمل قوته؟ إنها تتجلى في عظمة خلقه· أتريد أن تتأمل حكمته؟ إنها تتجلى في سنن الكون التي لا يعتريها تبديل والتي تحكم الكل الذي لايحيط به أحد· أتريد أن تتأمل كرمه؟ إنها تتجلى في تلك الوفرة التي تملأ الأرض· أتريد أن تتأمل رحمته؟ إنها تتجلى في كونه لايمسك فضله حتى عن العصاة· باختصار أتريد أن تعرف الله؟ ابحث عنه في الخلق لا في الكتاب المقدس المسيحي Scripture(7)·

(42/453)


وقد سجن في الفترة من 82 ديسمبر 3971 حتى سقوط روبيسبير في 72 يوليو سنة 4971· وفي 4 نوفمبر دعتني الجمعية الوطنية Convention علنا وبالإجماع للعودة إليها (الجمعية الوطنية)··· وقبلت(8)· وفي أثناء الاضطراب العظيم لرد الثيرموديريين Thermidorean reaction ألف الجزء الثاني من كتابه (عصر العقل The Age of Reason) وكرسه لتوجيه نقد حاد للكتاب المقدس Bible وأضاف قليلا لنقد أفكار وردت في دراسات أكاديمية كان معظمها من تأليف رجال الدين· لقد ضاعت سدى - في إنجلترا وأمريكا - اعتراضاته على الإيمان بالرب (المقصود هنا يسوع المسيح) بسبب اعتراضه وعدم تعاطفه مع الكتاب المقدس الذي كان عزيزا على الشعوب والحكومات، فوجد نفسه بلا تكريم في وطنه الأصلي ووطنه الجديد ، وعندماعاد في سنة 1802إلى نيويورك (التي سبق لها أن قدرت خدماته لجمهور الأمريكيين بمنحه 003 أكر (فدان) في نيوروشل New Rochelle) ووجه باستقبال بارد· وأدمن الشرب في السنوات السبع الأخيرة من عمره ومات في نيويورك سنة 9081 وبعد موته بعشرة أعوام عمل وليم كوبت William Cobbett على نقل رفاته إلى إنجلترا، حيث لعبت روحه غير الواهنة - من خلال كتبه - دورا في المعارك الطوال التي تمخض عنها صدور مرسوم الإصلاح Reform Act في سنة 2381·

(42/454)


ورغم أن بين Paine كان من القائلين بوجود إله (دون إيمان بأديان منزلة) ولم يكن ملحدا إلا أن كثيرين من المؤمنين بالمسيحية شعروا أن إيمانه بوجود إله لم يكن إلا غطاء مهذبا لعدم إيمانه برب متجسد (المسيح كرب) وقدم وليم بالي William Paley كاهن أسقفية ويرموث Wearmouth دفاعا مقتدرا عن عقيدته في كتابه نظرة في البراهين على المسيحية (4971) لدرجة أن قراءة هذا الكتاب ظلت حتى سنة 0091 شرطا للقبول في جامعة كيمبردج وكان كتابه لاهوت الطبيعة Natural history (2081) لايزال هو الأكثر شهرة فهو كتاب يبحث في البرهنة على وجود قوة ذكية علوية بتجميع براهين وأدلة من العلوم المختلفة· لقد قال: برهنا إذا رأى إنسان ساعة ولم يكن قد سبق له رؤية ساعة من قبل، ألن يتفحص ماكينتها، ويضع في اعتباره أن كائنا ذكيا صممها؟! ثم أليس في الطبيعة مئات العمليات تشير إلى تنظيم الوسائل لتحقيق الأثر المطلوب؟! فمن ناحية نحن نرى قوة ذكية ترتب نظام الكواكب ··· ومن ناحية أخرى فإنها - أي هذه القوة الذكية تقدم العملية (الميكانيكية) المناسبة لحركة جناحي الطائر الطنان وحركة ريشه··· فكل جسم طبيعي متسق، بما ينطوي عليه من إمكانية حفظ نوعه وكيانه وإمكانية تكاثره يشهد بعناية الخالق وتوجيهه لتحقيق أهدافه(9)·
وبدأ نصف المتعلمين في إنجلترا بمنافشة كتب بالي Paley وساعته ، وتحدث كولردج Coler idge ووردسورث Wordsworth وهازلت Hazlitt عنها في مناقشة حية في كزويك Keswick· لقد عاش كتاب اللاهوت الطبيعي Natural Theulogy طويلا، بل إن دارون العظيم نفسه درسه بعناية(01) قبل صياغة نظريته المنافسة عن تكيف الأعضاء وتطورها لتحقيق الغايات المطلوبة وأن البقاء للأصلح من خلال الانتخاب الطبيعي· وبعد بالي Paley بقرن جاء هنري بيرجسون Bergson ليفيد - ببلاغة - صياغة برهان من تصميم الكون في كتابه Levolution Creatrice الصادر في سنة 6091· واستمر الجدل·
صفحة رقم : 14644

(42/455)


قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> جودون عن العدالة

2- جودون: عن العدالة
رغم أن الجميع قد نسوا وليم جودون (6571 - 6381) الآن إلا أنه كان أكثر الفلاسفة الإنجليز تأثيرا في جيله· لقد كتب هازلت Hazlitt في نحو سنة 3281: ليس ثمة عمل في زماننا وجه لطمة للتفكير الفلسفي في هذه البلاد مثل العمل الشهير أسئلة حول العدالة السياسية Enquiry Concerning Political Justice(11) لقد قال وردسورث لطالب شاب الق بكتب الكيمياء الخاصة بك واقرأ كتاب جودون عن الضرورة On Necessity(21) وعندما كبر جودون في السن وراح يشك في نفسه رأى أفكاره تنتشر على جناحي أغنية تغنى بها الشاعر شيليChelley زوج ابنته وكان أبواه مسيحيين متمسكين بمذهب كالفن مؤمنين بالقضاء والقدر خيره وشره من الله (الجبرية) وقد أصبح جودون مثلهما قدريا (جبريا) وكان أبوه منشقا عن كنيسة إنجلترا وتلقى هو نفسه تعليما ليكون واعظا وعمل كرجل دين في مدن كثيرة، وبينما كان في ستوماركت Stowmarket قدمه شاب جمهوري للمفكرين الفرنسيين الذين سرعان ما قلبوا عقيدته رأسا على عقب· لقد أخذ الإلحاد عن دولباش d, Holbach رغم أنه في سنوات لاحقة جعل لله مكانا - بشكل مهذب - في مجلده الحاشد· لقد أخذ من هلفيتيوس Helvetius الإيمان بالتعليم والعقل باعتبارهما أساس اليوطوبيا (المدينة الفاضلة) وحذا حذو روسو في قبول مبدأ صلاح البشر لكنه كان يفضل إقامة مجتمع قائم على التعاون الطوعي بين الأفراد والجماعات - يفضله على دولة روسو ذات السلطة المطلقة· لقد تخلى عن منصبه في الكهنوت المسيحي وشرع في دهن خبزه بالأحبار والقلم· وانضم إلى لورد ستانهوب Stanhope وتوماس هولكروفت Holcroft في نادي الثوريين لكنه أسلم نفسه معظم الوقت للدراسة الشاقة والكتابة الصعبة، وفي سنة 3971- وكان قد بلغ السابعة والثلاثين - أصدر أكثر الأعمال(الكتب) راديكالية في زمانه·

(42/456)


وقد جعل لكتابه عنوانا هو سؤال عن العدل السياسي وتأثيره في الفضائل العامة والسعادة Enqiry Concerning Political Justice & its influence on General virtue & Happiness وواضح أنه كتابا عن الحكومة يغطي تقريبا كل قضايا الفلسفة من الإدراك إلى فن الحكم (فن إدارة شؤون الدولة) ويتوقف غير بعيد عن تناول الرب (الله)· لقد احتقر خرافات الجنة والجحيم كأدوات (وسائل) واضحة لتسهيل أمور الحكم وفرض الطاعة(31)· وأدان الإكليروس (رجال الدين) الذين يقسمون على قبولهم الإيمان الرسمي المصاغ في تسع وثلاثين مادة (قانون الإيمان) بينما هم يتخلون عنه فيما بينهم وبين أنفسهم(41)· لقد رفض حرية الأرادة free will والإرادة نفسها إذا جرى فهمها كسلطة أو صلاحية أو مقدرة مميزة أو استثنائية· إنها بالنسبة إليه مجرد مصطلح مجرد للاستجابات الواعية للمواقف والرغبات والحوافز أو المثيرات(51)· وما دامت الأفعال مقررة سلفا بفعل الوراثة والخبرة الفردية والظروف الحالية فلا بد أن نواجه أخطاء الآخرين بدون غضب أو اتهام مضاد وإنما لا بد من إصلاح نظامنا العقابي ليكون مبنيا على الإصلاح أو إعادة التأهيل أكثر من أن يكون مبنيا على العقاب، وعلى أية حال، فإنه قد يكون من الضروري أن نستخدم المديح واللوم والعقاب كوسائل معينة على الإصلاح مستقبلا(61)·

(42/457)


ما هو الذي سنمتدحه وما هو الذي سندينه؟ سنمتدح ما هو حسن وسندين ما هو قبيح، فما هو الحسن؟ لقد سار جودون على خطى هيلفيتيوس Helvetius (8571) وبنثام Bentham (9871) فعرف الحسن (الخير) بأنه ما يزيد سعادة الفرد والجماعة وعرف السعادة بأنها بهجة الجسد والنفس والعقل والمشاعر، بهجة سوية، وهذه الفلسفة الأخلاقية ليست حسية جسدية (شهوانية) وليست هي فلسفة اللذة لأنها تجعل المباهج العقلية فوق مباهج الحواس· إنها ليست أنانية (ذاتية تتحلق حول الأنا) لأنها تقول بأن الفرد جزء من جماعة لأن صلاح الجماعة شرط لأمان الأفراد الذين يكونون هذه الجماعة، ولأن من بين أرقى أنواع المباهج إسهام الأفراد في إسعاد رفاقهم في الجماعة· فغرائزنا الاجتماعية تؤدي إلى قيامنا بأفعال غير أنانية (منطوية على حب الغير) وهذه الأفعال يمكن أن تمنحنا مسرة تفوق أي بهجة حسية أو عقلية وأكثر دواما منها(71)· فأن تكون شفوقا رحيما يعني أن تكون سعيدا، وأن تنزع منك الرحمة يعني أن تكون بائسا· فالأخلاق - علم السعادة البشرية - هي المبدأ الذي يربط الفرد بجنسه البشري وهي الدوافع التي تعمل على حثنا على تعديل سلوكنا وجعله على نحو أمثل لتحصيل مزايا يجنيها الجميع(81)·
فالعدالة إذن هي تنظيم سلوك الفرد والجماعة لتحقيق أقصى قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس· فالهدف العاجل للحكومة هو أمن الجماعة والفرد وما دام الفرد يرغب في أكبر قدر من الحرية مما ينسجم مع أمنه، فإن أفضل وضع للبشر هو الوضع الذي يحافظ على الأمن العام مع أقل انتهاك ممكن لاستقلال الفرد(91)· وعلى هذا فليست هناك حاجة لمراسيم حكومية أو دينية للزواج، فاتفاق اثنين من البالغين على العيش معا يجب أن يكون كافيا، ويجب فسخ الارتباط(الاتفاق على العيش معا) إذا رغب في ذلك أحد الطرفين(02)· (وقد أعجب الشاعر شيلي Shelley بهذا الاتجاه على نحو خاص)·

(42/458)


ولم يكن جدون يحب الحكومات· فمهما كانت أشكالها ومهما كانت النظريات التي تقوم عليها، فإنها لاتعدو أن تكون سيطرة الأقلية على الأغلبية· لقد كان دوما يتبرأ من دعوى المحافطين أن الجماهير مفطورة على الدونية وأنها دائما تميل للقتل، ولهذا فلا بد من حكمها إما بالكذب عليها أو إرهابها أو إجبارها (بالكذب أو الإرهاب أو القوة)· وكان - مثل أوين Owen - يعتقد أن هذه الصفات الدونية ترجع إلى نقص التعليم أو قلة الفرص أو فساد البيئة(12)· وسخر من المساواة أمام القانون لأنه كان يرى كل يوم الذين يحصلون الأموال الطائلة بطرق ملتوية وغير سليمة يفلتون من العقاب بحيل قانونية أو بسبب محاباة القضاة لهم(22)· ولم يكن اشتراكيا فقد قبل مبدأ توريث الثروة ومبدأ تعيين أوصياء لإدارتها(32)· وعارض السيطرة الحكومية على الإنتاج والتوزيع(42)، لكنه أصر على ضرورة أن تكون الملكية الشخصية في خدمة الصالح العام(52)، وحذر من أن تركيز الثروة ما هو إلا دعوة إلى الثورة(62)·
وعلى أية حال، لم يكن ميالا إلى الثورة· فحين تتغير طبائع الأجناس البشرية تغيرا جوهريا فإن الإطاحة بالنظام القائم بالقوة، وأية محاولة ثورية لإعادة توزيع الثروة، ستسبب فوضى اجتماعية تلحق ضررا بالرخاء العام أكثر من الضرر الذي يلحقه عدم المساواة (التفاوت في الثروة) الذي تحاول إزالته(72)· فالثورة في الفكر (تغيير الآراء) هي السبيل الوحيد للوصول لتوزيع أفضل للثروة(82)· وهذا يتطلب تعليما يستغرق فترة طويلة ويتطلب صبرا·· تعليما تتلقاه الأجيال من خلال المدارس والإنتاج الأدبي والفكري·

(42/459)


ومع هذا فسيكون من الخطأ أن نقدم تعليما عاما من خلال نظام وطني للمدارس (المقصود نظام حكومي تتبناه الدولة) لأنه سيكون في هذه الحال أداة من أدوات الشوفينية (الغلو في الوطنية) مما يؤدي إلى قيام الحروب، وأداة من أدوات البروبا جندا (الدعاية) الحكومية التي تهدف إلى ترسيخ قيم الطاعة العمياء(92)· إذ لا بد من ترك التعليم في أيدي القطاع الخاص الذي يجب دائما أن يقول الحق والذي يجب أن يعود الطالب على استخدام العقل· فالعقل ليس مبدأ مستقلا أو ملكة أو قدرة كلية وليس لديه ميل لحثنا على الفعل· فهو من الناحية العملية مجرد أداة للمقارنة - والموازنة - بين المشاعر المختلفة· فالعقل ··· قد صمم (بضم الصاد) لتنظيم سلوكنا على وفق القيمة المقارنة للمثيرات أو المنبهات أو الدوافع· فالأخلاق ليست إلا حساب النتائج أو العواقب(03) بما في ذلك النتائج أو العواقب التي تعود على المجتمع· وعلى هذا فتحسين العقل يعني تحسين أحوالنا الاجتماعية(13) ·
إن الطريق إلى المدينة المثالية (اليوطوبيا) عن طريق التعليم طريق طويل وشاق لكن الإنسان قد حقق بعض التقدم في السيرفي هذا الطريق، وليس هناك حد لمزيد من التقدم فيه· إن الهدف أن تتلقى البشرية تعليما كافيا متبصرا يتيح لها إعمال العقل بحرية (دون قيود)· إن إلغاء الحكومة (الأنارشية) هدف بعيد لكنه سيظل مع هذا هدفا لكثير من الأجيال القادمة وطبيعة الإنسان ستحتم شكلا أو آخر من أشكال الحكومة· دعونا نواصل آمالنا في أن يتطور الذكاء - عبر أجيالنا القادمة - ليصبح حرية منضبطة·

(42/460)


ولابد أن جدون كان يمتلك نبعا ثرا من الذكاء لأنه في سنة 4971 أصدر - بعد عام واحد من نشرة كتابه الحاشد (أسئلة عن العدالة السياسية ···) أصدر رواية حكم عليها كثيرون بأنها الرواية الرائعة البارزة في ذلك العصر· إنها رواية كالب وليامز Caleb Williams التي أظهرت روح الحكومة وطبيعتها من حيث كونها تقحم نفسها في حياة كل طبقات المجتمع وقد أضاف المؤلف إلى هذه الرواية قصة حياته: لقد تزوج ماري ولستونكرافت Wollstonecraft (7971) وتبنى ابنتها فاني إمالي Fanny Imaly التي أنجبتها نتيجة اتصالها الجنسي بشخص دون زواج (نتيجة علاقة زنا) وعاش مع ماري مدة عام في عشرة مثيرة· يقول : لقد قدرت فيها طاقاتها العقلية، ونزوعها النبيل إلى الكرم، ولم تكن الرقة وحدها كافية لتحقيق السعادة التي جربناها(23) وقد ماتت - كما رأينا - بعد فترة قصيرة من إنجابها ماري جدون شلي Mary Godwin Shelley وفي سنة 1081 تزوج من مدام ماري جين كليرمونت Mary Jane Clairmont التي كانت ابنتها (من زوجها الأول) واحدة من مديرات منزل بايرون Byron· وقد دعم الزوج والزوجة حياتهما المعقدة بنشر الكتب التي كان من بينها حكايات من شكسبير (7081) الذي ألفه شارلز لامب وماري لامب Charles & Mary Lamb· ونتيجة تخلي وردسورث Wordsworth وكولردج Coleridge عنه وابتعادهما عن صداقته واجه أياما عصيبة، وساعده شيلي Shelley الذي كان هو نفسه معسرا، وفي سنة 3381 - ويالسخرية التاريخ - عينته الحكومة - التي كان يعتبرها شرا لا بد منه - موظفا في الخزانة براتب متواضع كان يكفي طعامه حتى مات في سنة 6381·
صفحة رقم : 14645
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> مالتوس عن السكان

3- مالتوس: عن السكان

(42/461)


لقد عمل كتاب جودون الآنف ذكره (أسئلة حول العدالة السياسية) على دفع كتاب آخر إلى المطبعة وقد أصبح هذا الكتاب الآخر أكثر شهرة من كتاب جودون نفسه· وساعد على ذلك رد فعل غير عادي من ابن ضد فلسفة أبيه الليبرالية· لقد كان دانيال مالتوس Daniel Malthus (توفي سنة 0081) شخصا لطيفا غريب الأطوار وكان صديقا شخصيا لديفد هيوم (تكتب أيضا دافدslashالصيغة العربيةللاسم هي داود) وجان جاك روسو· وشارك الإسكتلندي شكوكيتة والسويسري تشاؤمه، حول الحضارة· وقد كان هو شخصيا مشرفا على تعليم ابنه فيما قبل دخوله الكلية، وكان واثقا من أن توماس مالتوس (6671 - 4381) سيكون راديكاليا ممثلا للقانون مثله (أي مثل أبيه دانيال مالتوس) مثل جودون· وواصل مالتوس في كامبردج ودخل في سنة 7971 سلك الكهنوت الإنجليكاني، وعندما ظهر كتاب جودون (3971) راح الأب والابن يتناقشان بشغف فيما ورد به من أفكار، ولم يشارك الابن أباه في حماسه لأفكار الكتاب· لقد شعر الابن بأن هذا الولع المثالي (اليوطوبي) بالعقل المنتصر (بانتصار العقل) لامبرر له، لأنه قد جرى تسفيهه مرارا بالحقيقة البسيطة التي مؤداها أنه كلما زاد الطعام وتحقيق الرخاء سرعان ما يؤدي تزايد السكان إلى محق هذا الرخاء، وقد عبر سفر الجامعة في التوراة عن هذا ببلاغة· فمادامت خصوبة الأرض محدودة ولا سبيل لوقف الشهوة الجنسية فهذا يؤدي إلى تضاعف عدد الأفواه بسبب الزواج المبكر والإنجاب الكثير وانخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال والشيوخ، وهذا بدوره يؤدي إلى استهلاك أية زيادة في الطعام بسرعة· ولم يتفق الأب مع ابنه في هذا النتيجة ولكنه كان معجبا بالطريقة التي دافع بها ابنه عن آرائه فطلب من ابنه أن يكتب وجهات نظره وبالفعل كتبها توماس ونشرها في سنة 8971 في كتاب بعنوان: مقال عن مبادئ السكان وتأثيرها في مستقبل المجتمع An Essay on the principle of population as it affects the future

(42/462)


improvement of Society وقد بدأ كتابه باعتذار يسترضي فيه الكاتبين اللذين يتحدى في كتابه نزعتهما التفاؤلية:
لا أستطيع أن أشك في مواهب رجال مثل جودون، وكوندرسيه Concdorcet··· لقد قرأت - وبسرور شديد - بعضا من آرائهما عن طرائق الوصول بالإنسان والمجتمع إلى حد الكمال، ولقد ابتهجت وتفاعلت بحرارة مع الصورة البهيجة التي رسماها· إنني أرغب بشدة في تحقيق هذه التحسينات· إلا أنني - على وفق ما يهديني إليه تفكيري - أرى صعوبات شديدة لا تقهر أمام ما ذكراه· وهدفي هو تبيان هذه الصعوبات، لكنني أعلن في الوقت نفسه أنني أبعد ما يكون عن السعادة لوجود هذه الصعوبات، وأنني لم أتخذها سببا يسعدني للانتصار على أصدقاء الفكر، فلا شيء يسعدني أكثر من أن أرى هذه الصعوبات وقد تلاشت(33)· وحاول مالتوس أن يصيغ حججه بشكل رياضي· فافترض أن الطعام يزيد كل 52 عاما بمتوالية حسابية (من 1 إلى 2 إلى 3 إلى 4 إلى 5 إلى 6 وهكذا) أما السكان فيزيدون - إذا لم تكن هناك عوائق تمنع الزيادة - بمتوالية هندسية (1، 2، 3، 4، 8، 61، 23·· وهكذا) مفترضا أن كل زوج وزوجة سينجبان 4 أبناء يظلون على قيد الحياة· وعلى وفق هذه النسبة فإنه في غضون قرنين سيصبح (عدد السكان) بالنسبة إلى مواراد الرزق 52 إلى 9، وفي غضون ثلاثة قرون 690،4 الى 31، وفي غضون ألفي سنة سيصبح الفارق مهولا(43) والسبب في أن عدد السكان لايرتفع بمثل هذه السرعة هو أن الناس يواجهون بعوامل سلبية أو إيجابية تحول بينهم وبين التناسل· فالعوامل السلبية مانعة (وقائية): تأجيل الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب، الرذيلة (ويعنى بها مالتوس العلاقات الجنسية خارج نطاق الزوجية) والعلاقات غير الطبيعية (كالشذوذ الجنسي ··الخ) واستخدام وسائل منع الحمل أو تمديد النسل داخل نطاق الزوجية أو خارجها· وإذا فشلت هذه العوامل السلبية في حفظ التوازن بين السكان والطعام المتاح فإن الطبيعة nature والتاريخ

(42/463)


يقدمان لنا عوامل إيجابية تؤتي مفعولها مع الأفراد الموجودين بالفعل: قتل الأطفال، الأمراض، المجاعات، الحروب، وبذلك تتم الموازنة بين المواليد والوفيات·
وخلص مالتوس من هذا التحليل الكئيب بنتائج غريبة· أولا، لا يوصي بزيادة أجور العمال لأنه إن زادت أجورهم تزوجوا مبكرا وأنجبوا مزيدا من الأطفال مما سيؤدي إلى زيادة السكان زيادة تفوق الزيادة المتاحة في الطعام فيعود الفقر من جديد· وعلى النحو نفسه لا داعي لزيادة الضرائب المخصصة للإنفاق على العاطلين فهذا سيؤدي إلى التشجيع على الكسل وسيجعل عدد أفراد الأسرة يزداد فتتضاعف الأفواه بسرعة أكثر من تضاعف الطعام المتاح، وسيؤدي التنافس بين المشترين لأن يرفع البائعون أسعار بضائعهم المتناقصة، وسرعان ما يعود الفقراء الذين كانوا قد نعموا بشيء من الرخاء إلى الفقر من جديد(53)·

(42/464)


وليواصل تدمير (أفكار) جودون، استمر مالتوس متناولا حلم فلسفة اختفاء الحكومة (الاستغناء عنها) فإذا اختفت الحكومة تعين على كل فرد أن يحرس مخزونه القليل بالقوة كما نحكم اغلاق أبوابنا ونوافذنا إذا ضاع القانون وعمت الفوضى· وستنتصر الأنانية وسيصبح النزاع أبديا(63) وبإزالة كل العوائق أمام الاتصال الجنسي سيزيد عدد السكان زيادة تفوق زيادة الإنتاج مما سيؤدي إلى تقليص نصيب الفرد وستضيع المدينة الفاضلة (اليوطوبيا) في خضم منافسة يائسة وستحل فوضى لا سبيل إلى تجنبها وسينتشر البؤس(73)· فلا يكون هناك حل إلا إعادة الحكومة وحماية الملكية الخاصة وتشجيع الإنتاج والاستثمار وإن حدث تمرد قامت عليه جماعة مخصوصة تحتم قمعه بالقوة وسيعود التاريخ إلى صيغته التقليدية: منتجات الطبيعة nature تقتسمها طبيعة الإنسان، أو طبيعة الإنسان هي التي تقسم نتجات الطبيعة· وفي صياغة جديدة موسعة ومراجعة لكتابه وضح مالتوس بشكل أكثر حدة وتفصيلا العلاجات الوقائية التي تحول بيننا وبين الكوارث التي يلحقها بنا التاريخ والطبيعة كعلاج لمشكلاتنا (عدم التوارن بين عدد السكان والطعام المتاح)· لقد اقترح وقف الإعانات عن الفقراء وعدم التصدي للمشروعات الخاصة (الحرة) واقترح ترك قانون العرض والطلب ليقوم بدوره في العلاقات بين المنتجين والمستهلكين وبين العاملين وأصحاب العمل· واقترح وضع العوائق أمام الزواج المبكر لخفض نسبة المواليد· إن التزامنا هو إلا نتزوج الإ بعد أن تكون إمكاناتنا في حالة تسمح لنا بدعم (رعاية) أبنائنا(83) وفوق هذا يجب أن يتعلم الناس كيف يكبحون شهواتهم قبل الزواج وبعده ولا بد أن تتسم الفترة الواقعة بين سن البلوغ والزواج، بالعفة والتزام الفضيلة(93) فإذا ما تم الزواج لا بد أن يمنع الحمل بأي طريقة وبأي صورة من الصور· وإذا لم نلتزم بهذه التدابير أو تدابير مماثلة، فلا بد أن نوطن أنفسنا على مجاعات أو أوبئة أو حروب تقوم بدورها

(42/465)


في إنقاص عدد السكان· وتلقى المحافظون البريطانيون ما ورد في كتاب مالتوس كوحي مقدس (إلهي)، وشعر البرلمان وأصحاب الأعمال بأن لديهم مايبرر موقفهم في مقاومة مطالب الليبراليين - مثل روبرت أوين Robert Owen - التي تنادي بالتخفيف من وطأة قانون العرض والطلب بإصدار قوانين لتخفيف آلام المحتاجين· وسحب وليم بت Pitt المرسوم الذي كان قد قدمه لتوسيع نطاق قوانين إغاثة الفقراء(04)· وبدت الإجراءات التي كانت الحكومة قد اتخذتها بالفعل ضد الراديكاليين البريطانيين عادلة بفعل مبررات مالتوس واتهاماته لهؤلاء الباعة الجوالين الذين يسوقون المدينة الفاضلة (اليوطوبيا) والذين يضلون البسطاء تضليلا مأسويا· واشتد إيمان أصحاب الصناعة البريطانيين في جدوى خفض الأجور لتحقيق الطاعة والانضباط في العمل· وجعل ريكاردو Ricardo من نظرية مالتوس أساسا لعلمه الكئيب his dismal Science (أطلق كارليل Carlyle هذا الاسم العم الكئيب على الاقتصاد بعد قراءته لكتابات مالتوس)· والآن أصبحت كل الشرور تقريبا تعزى إلى خصوبة الفقراء الطائشة أو بتعبير آخر تعزى إلى كثرة إنجابهم بشكل غير محسوب - لقد أحدث كتاب مالتوس الاضطراب والفزع في صفوف الليبراليين، فاستغرق جودون عشرين عاما لإعداد رده وأخيرا أصدر كتابة عن السكان، رد على مالتوس (0281) وكان في غالبه تكرارا لآماله وشكوى من أن مالتوس حول أصدقاء التقدم إلى رجعيين(14)· وكان وليم هازلت Hazlitt استثناء: ففي مقال عن مالتوس في كتاب روح العصر The spirit of the Age (4281) هاجم هذه القدسية التي لاتعرف الرحمة أوبتعبير آخر هاجم نسبة القسوة إلى الله بكل ما أوتي من طاقة عقلية وحدة في الذهن· لقد ذكر أن خصوبة النبات تفوق كثيرا خصوبة النساء فالحبوب ستتكاثر وتتضاعف أسرع بكثير جدا من زيادة الجنس البشري، فمقدار بوشل bushel(مكيال للحبوب يساوي ثمانية جالونات أو نحو 23 لترا ونصف اللتر) يزرع حقلا، وهذا الحقل

(42/466)


سيثمر حبوبا تكفي لزراعة عشرين حقلا آخر· ستكون هناك ثورات خضراء green revolutions(24)·
وفي أوقات لاحقة راح الكتاب يجمعون الحقائق لإبطال مخاوف مالتوس وتسكينها· ففي أوروبا والصين والهند زاد السكان لأكثر من الضعف بعد مالتوس، ومع هذا كان لديهم من موارد الطعام أكثر من ذي قبل· وفي الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف السكان عدة مرات منذ سنة 0081 ومع ذلك زاد الإنتاج الزراعي عن الحاجة وتبقى فائض وفير للتصدير· وعلى العكس مما قاله مالتوس أدى ارتفاع الأجور إلى انخفاض نسبة المواليد· فلم تعد المشكلة نقصا في البذور أو الحقول وإنما نقصا في الطاقة غير البشرية (الآلية) لاستخدامها في الزراعة والصناعة، وإمداد القرى والمدن·

(42/467)


وبطبيعة الحال فإن الإجابة الحقيقية بالنسبة إلى مالتوس كانت هي منع الحمل - لقبوله على المستوى الأخلاقي، ولانتشاره وكفايته وقلة تكلفته· لقد حطمت علمانية الفكر الحواجز اللاهوتية التي وضعها رجال الدين في وجه ضبط النسل· لقد حولت الثورة الصناعية الأطفال من موجودات اقتصادية ذات نفع كما كان الحال عند عملهم في المزارع إلى موجودات معوقه اقتصاديا في المدن إذ راح تشغيل الأطفال ينقص تدريجيا، وارتفعت تكاليف التعليم وزاد ازدحام المناطق الحضرية· وانتشر الوعي (الذكاء) فقد تحقق الرجال والنساء أن الأحوال التي تغيرت لم تعد تتطلب أسرة كبيرة العدد· وحتى الحروب لم تعد تتطلب حشودا من الشباب ينتشرون في مواجهة حشود أخرى ليلقوا مصرعهم بقدرما أصبحت في حاجة إلى الابتكار التقني لتحقيق التدمير المادي·وعلى هذا فالرد على مالتوس لم يكن متمثلا في نظريات جودون وإنما من المالتوسيين الجدد Neo Malthusians ودعوتهم إلى ضبط النسل· وفي سنة 2281 نشر فرانسس بلاس Place كتابيه توضيحات وبراهين حول قضية السكان· لقد وافق على المبدأ الذي وضعه مالتوس والذي مؤداه أن السكان يزيدون بمعدل أسرع من زيادة مقادير الطعام· ووافق على ضرورة وضع قيود على الزواج لكن ليس بتأجيله وإنما الأفضل قبول منع الحمل كبديل شرعي ومقبول - نسبيا - من الناحية الأخلاقية لمواجهة الخصوبة الطبيعية العمياء (غير الموجهة) والتدمير الجماعي الذي تسببه الحروب·

(42/468)


(وكان هونفسه قد أنجب خمسة عشر طفلا مات منهم خمسة في مرحلة الطفولة) وقد وزع في لندن نشرات طبعها على نفقته الخاصة يدعو فيها لضبط النسل وواصل معركته (دعوته) هذه حتى موته وهو في الثالثة والثمانين من عمره (مات سنة 4581)· ولقد عاش مالتوس عمرا طويلا يسمح له بالشعور بمدى قوة حجج بلاس Place· وفي سنة 4281 ساهم في دائرة المعارف البريطانية بمقال راجع فيه نظريته وتراجع عن نسبه الرياضية المرعبة، وركز - بشكل جديد - على زيادة عدد السكان كعامل في النضال من أجل الوجود· وبعد ذلك بسنوات طوال كتب شارلز دارون في سيرته الذاتية:
في أكتوبر سنة 8381 بعد أن بدأت بحثي النظامي بخمسة عشر شهرا، حدث أن قرأت - ترفيها عن نفسي - كتاب مالتوس عن السكان وكنت مهيأ لتقدير قيمة الصراع من أجل البقاء ··· من خلال ملاحظاتي المستمرة الطويلة لعادات الحيوانات والنباتات· لقد أذهلني ذات مرة أنه في ظل هذه الظروف فإن التغييرات الملائمة (المناسبة) ستسبب حفظ النوع، والتغييرات غير الملائمة ستؤدي إلى التدمير· ونتيجة هذه العملية هو ظهور أجناس جديدة· وهنا أمسكت بنواصي نظرية البقاء للأصلح
وعلى هذا وبعد نحو جيل استمر فيه المزيد من البحوث والتأمل والتفكير نشر دارون في سنة 9581 كتابه أصل الأنواع The Origin of species وهو الكتاب الأكثر تأثيرا في القرن التاسع عشر· إن سلسلة من الأفكار تزين السلسلة الكبرى للوجود وتشكل تاريخ الحضارة·
صفحة رقم : 14646
قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الفلسفة الإنجليزية -> بنثام عن القانون

4- بنثام: عن القانون

(42/469)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية