صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قصة الحضارة

ولسنا نريد أن نذكر بالتفصيل الممل أسماء الأباطرة الذين جلسوا على العرش في هذا العصر الدموي الذي سادته الفوضى، ولا أن نذكر وقائعهم الحربية وقتلهم ومماتهم. وحسبنا أن نقول إن سبعة وثلاثين رجلا نودي بهم أباطرة في الخمسة والثلاثين عاما الواقعة بين حكم الاسكندر سفيرس وأورليان. وقتل جرديان الثالث جنوده وهو يحارب الفرس (244)، وهزم ديسيوس Decius فليب العربي الذي خلفه على العرش وقتله في فرونا Verona (249)، وكان فليب هذا رجلا من أهل إلبريا، وكان ثريا مثقفا مخلصا لروما إخلاصا خلقيا بالشرف الذي ناله في القصص القديم، وقد وضع فليب هذا في أثناء فترات السلم التي تخللت حرب القوط برنامجا واسعا ليعيد به إلى روما دينها وأخلاقها، وعاداتها الصالحة، وأصدر أوامره بالقضاء على المسيحية. ثم عاد إلى نهر الدانوب، والتقى بالقوط، وشهد بعينه مقتل ابنه إلى جانبه، وأعلن في جيشه الهياب المتردد أن خسارة فرد من الأفراد لا قيمة لها البتة، وهاجم جيش العدو وقتل هو في هزيمة
صفحة رقم : 4035
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الفوضى

من أقسى الهزائم التي أصابت الرومان في تاريخهم كله (251). وخلفه جالس Gllus الذي قتله جنوده (253)، وجاء بعدهما إيمليانس Aemilianus وقد قتله هو الآخر جنوده في العام نفسه.

(12/145)


وكان فليريان Valerian الإمبراطور الجديد في سن الستين، ولما جلس على العرش اضطر لملاقات الفرنجة، والألمان، والمركمان، والقوط، والسكوذيين، والفرس في وقت واحد ولهذا عين إبنه جلينس Glaienus حاكما على الإمبراطورية الغربية، واحتفظ لنفسه بالشرق، وزحف بجيش على أرض النهرين ولكن كبر سنه أعجزه عن القيام بهذا الواجب الذي يحتاج إلى قوة أعظم من قوته فلم يلبث أن ناء به. وكان جلينس وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره، وكان شجاعا، ذكيا، مثقفا ثقافة لا تكاد تتفق مع أحوال ذلك القرن المليء بالحروب الوحشية. وقد أصلح دولاب الإدارة المدنية في الغرب، وقاد جيشه من نصر إلى نصر على أعداء الإمبراطورية عدوا بعد عدو، ووجد مع ذلك متسعا من الوقت يأخذ فيه بناصر الفلسفة والآداب، وأحيا الفن القديم إحياء لم يدم طويلا، ولكن عبقريته المتعددة الجوانب لم تقو على مغالبة الشرور التي تجمعت في ذلك الوقت.
ففي عام 254) أغار المركمان على بنونية وشمالي إيطاليا، وفي عام 255 غزا القوط مقدونية ودلماشيا، وهاجم الكوذيون والقوط آسية الصغرى، وأغار الفرس على سوريا. وفي عام 257 استولى القوط على مملكة بسبورس، ونهبوا المدن اليونانية الواقعة على شواطئ البحر الأسود، وحرقوا طرابزون، وساقوا أهلها عبيدا وإماء، وأغاروا على بنطس. وفي عام 258 استولوا على خلدقون، ونقوميميا. وبروصه، وأياميا، ونيقية، واستولى الفرس في العام نفسه على أرمينية، ونادى بستيوس بنفسه حاكما مستقلا على غالة. وفي عام 259 أغار الألمان على إيطاليا، ولكن جالينس هزمهم عند ميلان. وفي عام 260 هزم الفرس
صفحة رقم : 4036
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الفوضى

(12/146)


فليريان عند الرها ومات أسيرا في زمان ومكان غير معروفين إلى اليوم. وتقدم شابور الأول وفرسانه الخفاف الكثيرين مخترقين سوريا إلى إنطاكية، وباغتوا أهلها وهم يشهدون الألعاب، ونهبوا المدينة، وقتلوا آلافا من أهلها، وساقوا آلافا آخرين عبيدا، واستولوا على طرسوس وخربوها، وعاثوا فسادا في قيليقية وكبدوكية، وعاد شابور إلى بلاد الفرس مثقلا بالغنائم. وحلت بروما في مدى عشر سنين ثلاث مآس أذلتها وجللتها العار: ذلك أن إمبراطورا رومانيا آخر لأول مرة صريعا مهزوما في ميدان القتال، وأسر العدو إمبراطورا آخر وضحى بوحدة الإمبراطورية استجابة لضرورة ملاقاة الأعداء الذين أغاروا عليها من جميع الجهات. وضعضعت هذه الضربات وما صحبها من رفع الجنود الأباطرة على العرش واغتيالهم، أركان الإمبراطورية، وقضت على هيبتها، وفقدت هذه القوى النفسية التي أنزلها الزمان منزلة القداسة وخلع عليها سلطانا يألفه الناس ولا يسألون عن مبارراته، تقول فقدت هذه القوى سيطرتها على أعداء روما بل فقدتها أيضا على رعاياها ومواطنيها، فاندلع لهيب الثورة في كل مكان: ففي صقلية وغالة ثار الفلاحون الذين طال عليهم أمد الظلم ثورات عنيفة، وفي بنونيا نادى إنجينس بنفسه حاكما مستقلا على الولايات الشرقية. وفي عام 263 سار القوط بحرا بازاء سواحل أيونيا، ونهبوا إفسوس، وأحرقوا هيكل أرتميس الفخم، وساد الإرهاب جميع بلاد الشرق الهلنستي.
ولكن الإمبراطورية في آسية نجحت على يدي حليف غير متوقع. ذلك أن أوناثس، الذي كان يحكم تدمر خاضعا لسلطان روما طرد الفرس من أرض الجزسرة، وهزمهم في طشقونة (261)، ونادى بنفسه ملكا على سوريا وقليقلة، وبلاد العرب، وكبدوكية، وأرمينية. ثم اغتيل في عام 266، وورث ابن له شاب ألقابه، وورثت أرملته سلطانه.
وقد جمعت زنوبيا، كما جمعت كليوبطرة التي تدعي هي أنها من نسلها،
صفحة رقم : 4037

(12/147)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الفوضى

إلى جمال الخلق، براعة في الحكم، وكثيرا من أسباب ثقافة العقل. وقد درست آداب اليونان وفلسفتهم، وتعلمت اللغات اليونانية، والمصرية، والسريانية، وكتبت تاريخا لبلاد الشرق. ويلوح أنها جمعت بين العفة والقوة والنشاط، فلم تبح لنفسها من العلاقات الجنسية إلا ما يتطلبه واجب الأمومة(20). وعودت نفسها تحمل التعب والمشاق، وكانت تستمتع بأخطار الصيد، وتسير على قدميها أميالا طوالا على رأس جيشها. وجمعت في حكمها بين الحكمة والصرامة، وعينت الفيلسوف لنجيبس رئيسا لوزرائها، وأحاطت نفسها في بلاطها بالعلماء والشعراء والفنانين، وجملت عاصمة ملكها بالقصور اليونانية - الرومانية - الأسيوية التي يدهش لها عابر الصحراء في هذه الأيام.
وأحست أن الإمبراطورية تتقطع أوصالها، فاعتزمت إقامة أسرة حاكمة ودولة جديدتين، وأخضعت لسلطانها كبدوكية، وغلطية، والجزء الأكبر من بيثينيا، وأنشأت جيشا عظيما وعمارة بحرية ضخمة، فتحت بهما مصر واستولت على الإسكندرية بعد حصار هلك في نصف سكانها. وتظاهرت "ملكة الشرق الداهية" أنها تعمل نائبة عن الدولة الرومانية، ولكن العالم كله كان يدرك أن انتصاراتها لم تكن إلا فصلا من مسرحية واسعة النطاق هي مسرحية انهيار روما.
وعرف البرابرة ثروة الإمبراطورية وضعفها، فتدفقوا على بلاد البلقان واليونان. وبينما كان السرماتيون يعيثون فسادا من جديد في المدن القائدة على شواطئ البحر الأسود، وكان فرع من فروع القوط يسير في خمسمائة سفينة مخترقا مضيق الهلسبنت إلى بحر إيجة، ويستولي على جزائره جزيرة في إثر جزيرة، ويرسو في ميناء بيريه، وينهب أثينة، وأرجوس، وإسبارطة وكورنثة، وطيبة (267). وبينما كان اسطولهم يعيد بعض المغيرين إلى البحر الأسود، كانت جماعة أخرى منهم تشق طريقها برا نحو موطنها على نهر الدانوب. والتقى
صفحة رقم : 4038

(12/148)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الفوضى

بهم جالينس على نهر نستس في تراقية، وانتصر عليهم في معركة فيها كثيرا، ولكن جنوده اغتالوه بعد سنة واحدة من هذا النصر. وانقضت جموع أخرى من القوط في عام 269 على مقدونة وحاصرت تسالونيكي، ونهبت بلاد اليونان، ورودس، وقبرص، وشواطئ أيونيا. وأنقذ الإمبراطور كلوديوس الثاني تسالونيكي، وطرد القوط إلى أعالي وادي الواردار، وهزمهم عند نايسس (وهي نيش الحديثة) هزيمة منكرة قتل فيها منهم مقتلة كبيرة (269). ولو أنه خسر هذه المعركة لما وقف جيش بين القوط وإيطاليا.

صفحة رقم : 4039
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> التدهور الاقتصادي

الفصل الثالث
التدهور الاقتصادي

(12/149)


لقد عجلت الفوضى السياسية تدهور إمبراطورية الإقتصادي، كما عجلت التدهور الاقتصادي انحلال البلاد السياسي، فكان كلاهما سببا للآخر ونتيجة له. وكان سبب الضعف الاقتصادي أن ساسة الرومان لم يقيموا قط في إيطاليا حياة اقتصادية سليمة، ولعل سهول شبه الجزيرة الضيقة لم تكن في يوم من الأيام أساسا قويا تبنى عليه آمال الدولة الإيطالية العالية. وكان يقلل من إنتاج الحبوب منافسة الحبوب الرخيصة الواردة من صقلية، وأفريقية، ومصر، كما أن الكروم العظيمة أخذت تفقد أسواقها التي استولت عليها كروم الأقاليم. وشرع الفلاحون يشكون من أن الضرائب الفادحة تستنفذ مكاسبهم المزعزعة ولا تترك لهم من المال ما يحفظون به قنوات الري والصرف صالحة، فانطمرت القنوات، وانتشرت المستنقعات، وأنهكت الملاريا سكان كمبانيا وروما. ويضاف إلى هذا أن مساحات واسعة من الأرض الخصبة قد حولت من الزراعة إلى مساكن للأثرياء أصحاب الضياع الواسعة، وكان أصحاب هذه الضياع البعيدون عنها يستغلون العمال والأرض إلى أقصى حدود الاستغلال، ويبررون عملهم هذا بمشروعاتهم الإنسانية في المدن. وازدهرت العمائر الفخمة والألعاب الرياضية في المدائن في الوقت الذي أقفر فيه الريف، ومن أجل ذلك هجر كثيرون من ملاك الأراضي وعمال الريف الأحرار المزارع إلى المدن وتركوا الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية الإيطالية ضياعا واسعة يقوم بالعمل فيها أرقاء كسالى مهملون. ولكن هذه الضياع نفسها قضت عليها السلم الرومانية ونقص عدد حروب الفتح في القرنين الأول والثاني، وما نشأ عن ذلك من قلة الإنتاج، وارتفاع النفقات، وكثرة الأرقاء.
صفحة رقم : 4040
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> التدهور الاقتصادي

(12/150)


وأراد كبار الملاك أن يغروا العمال الأحرار بالعودة إلى الأعمال الزراعية، فقسموا أملاكهم وحدات أجروها إلى "الزراع" (Coloni)، يتقاضون منهم أجورا نقدية منخفضة أو عشر المحصول، وجزءا من الوقت يقضونه في العمل من غير أجر في بيت الملك الريفي أو في أرضه الخاصة. وقد وجد الملاك في كثير من الأحيان أن من مصلحتهم أن يعتقوا العبيد ويجعلوهم زراعا من هذا النوع، وأخذ هؤلاء الملوك في القرن الثالث يزدادون رغبة في سكنى بيوتهم الريفية يدفعهم إلى هذا أخطار الغزو الأجنبي والثورات الداخلية في المدن، وحصنوا بيوتهم فاستحالت قلاعا منيعة أصبحت بالتدريج قصور العصور الوسطى .
وقوى نقص الأرقاء إلى وقت ما مركز العمال الأحرار في الصناعة وفي الزراعة على السواء. ولكن فقر الفقراء لم ينقص على حين أن موارد الأغنياء التهمتها الحروب ومطالب الحكومة(22). وكانت الأجور وقتئذ تتراوح بين 6 و 11 في المائة من نظائرها في الولايات المتحدة الأمريكية أوائل القرن العشرين، وكانت الأثمان نحو ثلاثين في المائة من أثمان الولايات المتحدة في ذلك الوقت(23). وكانت حرب الطبقات آخذة في الاشتداد لأن الجيش المجند من فقراء الأقاليم كثيرا ما كان ينظم إلى من يهجمون أصحاب الثروة وكان يشعر بأن ما يؤديه للدولة من خدمات يبرر ما تفرضه عليهم ضرائب تبلغ حد مصادرة أموالهم لتعطي
صفحة رقم : 4041
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> التدهور الاقتصادي

(12/151)


منها هبات لهم. أو أن تنهب أ موال الأغنياء نهبا سافرا(24). وتأثرت الصناعة بكساد التجارة ونقصت تجارة الصادر الإيطالية حين انتقلت الولايات من عميلات لإيطاليا إلى منافسات لها؛ وجعلت الغارات والقراصنة لطرق التجارة غير مأمونة كما كانت قبل عهد بمبي، وكان انخفاض قيمة العملة وتقلب الأثمان من العوامل غير المشجعة للمشروعات الطويلة الأجل. ولما أصبحت إيطاليا عاجزة عن توسيع حدود الإمبراطورية، لم يعد في مقدورها أن تزدهر بأن تمد بالسلع دولة آخذة في الاتساع، أو أن تستغل موارد هذه الدولة. وكانت فيما مضى من الأيام تجمع سبائك الذهب والفضة من البلاد المفتوحة، وتملأ خزائنها بما تنهبه من أموال هذه البلاد؛ أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإن النقود كانت تهاجر الولايات الهلنستية الأكثر تصنيعا من إيطاليا، وأخذت هي تزداد على مر الأيام فقرا، في الوقت الذي كانت فيه ثروة آسية الصغرى المطردة الزيادة تحتم أن تستبدل بروما عاصمة شرقية للإمبراطورية. واقتصرت المصنوعات الإيطالية على الأسواق المحلية، ووجد الأهلين أفقر من أن يبتاعوا السلع التي كان في وسعهم أن ينتجوها(25). يضاف إلى هذا أن التجارة الداخلية كان يقف في سبيلها قطاع الطرق، والضرائب المتزايدة، وتلف الطرق لقلة العبيد وأضحت بيوت الأثرياء في الريف تنتج حاجتها من السلع وتكفي نفسها بنفسها، وحلت المقايضة في التجارة محل النقود، كما حلت الحوانيت الصغيرة عاما بعد عام محل الإنتاج الكبير وكانت تسد حاجة الإنتاج المحلي بنوع خاص.

(12/152)


وزاد الطين بلة كثرة الصعاب المالية، وذلك بأن المعادن الثمينة أخذت تقل شيئا فشيئا لأن مناجم الذهب في تراقية ومناجم الفضة في آسية تناقص إنتاجها وكانت داشيا وما فيها من الذهب توشك أن تخرج من يد أورليان. وكانت الفنون والحلي تستنفذ كثيرا من الذهب والفضة. وواجه الأباطرة من سبتيموس سفيرس ومن جاءوا بعده هذا النقص الشديد في الوقت الذي كانت فيه الحروب
صفحة رقم : 4042
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> التدهور الاقتصادي

لا تخبو نارها أبدا، فلجئوا أكثر من مرة إلى إنقاص نسبة ما في النقود من ذهب أو فضة لكي يستطيعوا القيام بنفقات الدولة أو حاجات الحروب. فقد كان ما في الدينار من معدن خسيس أيام نيرون عشرة في المائة، وبلغ في عهد كمودس ثلاثين، وفي عهد سبتميوس خمسين، واستبدل به كركلا الأنطوننيانس Antoninianis المحتوي على خمسين في المائة من وزنه فضة؛ وقبل أن يحل عام 260 نقصت نسبة ما فيه من فضة إلى خمسة في المائة(26).

(12/153)


وأصدرت دور السك الحكومية كميات لم يسبق لها مثيل من العملة الرخيصة، وكثيرا ما كانت الدولة ترغم الناس على أن يقبلوا هذه النقود بقيمتها الاسمية، بدل قيمتها الحقيقية، وكانت في الوقت نفسه تأمر بأن تؤدى الضرائب ذهبا أو عينا(27). وأخذت الأثمان ترتفع ارتفاعا سريعا، فزادت في فلسطين إلى ألف في المائة من القرن الأول إلى القرن الثالث(28). وفي مصر لم يعد في مقدور الحكومة وقف تيار التضخم، حتى صار مكيال القمح الذي كان يباع بثمان درخمات في القرن الأول يباع بمائة وعشرين ألف درخمة في أواخر القرن الثالث(29). ولم تصل الحال في الولايات الأخرى مثل هذا الحد، ولكن التضخم في عدد كبير منها خرب بيوت الكثيرين من أهل الطبقة الوسطى وأضاع أموال المواثقات والمؤسسات الخيرية وزعزع قواعد جميع الأعمال المالية، فأحجم الناس عنها، وأضاع جزءا كبيرا من رؤوس الأموال المستخدمة في التجارة والاستثمار والتي تعتمد عليها حياة الإمبراطورية.
ولم يكن الأباطرة الذين جاءوا بعد برتناكس ليسوءهم انعدام طبقة الأشراف وطبقة الملاك الوسطى على هذا النحو. ذلك بأنهم كانوا يشعرون بحقد طبقة أعضاء مجلس الشيوخ وكبار التجار عليهم بسبب أصلهم الأجنبي، واستبدادهم العسكري، واغتصابهم أموالهم. ولذلك تجددت الحرب بين مجلس الشيوخ والأباطرة وكانت قد خبت نارها من عهد نيرون إلى عهد أورليوس؛ وأقام الأباطرة سلطانهم
صفحة رقم : 4043
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> التدهور الاقتصادي

قاصدين متعمدين على ولاء الجيش، وصعاليك المدن، والفلاحين يشترونه بالهبات والأعمال العامة وتوزيع الحبوب عليهم من غير ثمن.

(12/154)


وعانت الإمبراطورية من البلاء مثلما عانته إيطاليا وإن نقص عنه بعض الشيء. نعم إن قرطاجنة وشمالي أفريقية البعيدين عن الغزاة، قد ازدهرتا، ولكن مصر اضمحلت بسبب ما حل بها من الخراب الناشئ من تنازع الأحزاب، ومن مذابح كركلا، ومن غزو زنوبيا، ومن فدح الضرائب، ومن السخرة والتراخي في العمل، وما كانت تبتزه روما من الحبوب في كل عام. وكانت آسية الصغرى وسوريا قد قاستا الأمرين من الغزو والنهب، ولكن صناعاتهما القديمة التي تعودت الصبر على الشدائد لم تقض عليها هذه الاضطرابات. وكانت بلاد اليونان، وتراقية، ومقدونية، قد خربها البرابرة، ولم تكن بيزنيطية قد أفاقت من حصار سبتميوس. ولما جاءت الحرب بالحاميات الرومانية وبالمؤن إلى حدود القبائل الألمانية، قامت مدائن جديدة على شواطئ الأنهار - ويانة، وكارلزبرج، وستراسبرج ومينز. وكانت غالة قد اضطرب فيها النظام، وفترت همة أهلها بسبب غزو الألمان لها. ذلك بأنهم نهبوا ستين مدينة من مدنها، وأخذت الكثرة الغالبة من المدن والبلدان الأخرى تنكمش داخل أسوارها الجديدة، وتتخلى عن طراز الشوارع العريضة المستقيمة الرومانية التخطيط والطراز، لتحل محلها الأزقة الضيقة غير المستقيمة التي يسهل الدفاع عنها والتي كانت من مميزات العهود القديمة والعصور الوسطى. وحتى في بريطانيا نفسها، كانت رقعة المدن آخذة في النقصان وكانت بيوت الريف آخذة في الاتساع(30)؛ ذلك بأن حروب الطبقات والضرائب الفادحة بددت الثروة أو اضطرتها إلى الاختفاء في الريف. وقصارى القول أن الإمبراطورية بدأت بسكنى المدن وبالتحضير، وها هي ذي تختتم حياتها بالعودة إلى الريف وبالهمجية.

صفحة رقم : 4044
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

الفصل الرابع
الوثنية تحتضر

(12/155)


يمكن القول بوجه عام أن الضعف الثقافي سار في إثر الضعف الاقتصادي والسياسي، ولكن حدث في هذه السنين البائسة أن نشأ علم الجبر ذو الرموز، وبرزت أعظم الأسماء في فقه القانون الروماني، وأروع نماذج النقد الأدبي القديم، وطائفة من أفخم المباني الرومانية، وأقدم قصص الحب، وأعظم الفلاسفة الصوفيين.
ويلخص الديوان اليوناني سيرة ديوفانتس Diophantus الإسكندري (250) تلخيصا جبريا فكها فيقول إن حداثته دامت سدس حياته، وإن لحيته نبتت بعد أن انقضى 1slash12 من عمره بعد سن الحداثة، وانه تزوج بعد أن مضى 1slash7 آخر من حياته، وإنه رزق بولده بعد خمس سنين أخرى، وإن هذا الولد عاش حتى بلغت سنه نصف سن أبيه، وإن الوالد مات بعد أربع سنين من موت الولد - أي إنه مات في سن الرابعة والثمانين، وأشهر ما بقي من مؤلفاته حتى الآن هو كتابه "الارثماطيقي Arithmatica" (الحساب) - وهو رسالة في الجبر. وفيه حل لمعادلات الدرجة الأولى، والمعادلات التي تؤدي إلى معرفة المجهول، والمعادلات التي لا يكن منها وحدها معرفة المجهول حتى الدرجة السادسة. وقد استخدم حرف سجما sigma اليوناني للدلالة على الكمية المجهولة التي نرمز لها نحن بحرف سين (وفي الانجليزية بحرف X)، وسمى هذه العلامة أرثمس Arithmos (أي العدد)، واستعمل حروف الهجاء اليونانية للدلالة على الأسس. وكان جبر من نوع ما معرفا قبل أيامه: فقد اقترح أفلاطون لتدريب عقول الشبان وتسليتهم مسائل متنوعة كتوزيع تفاحة بنسب معينة على عدد
صفحة رقم : 4045
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

(12/156)


من الأشخاص(32)؛ وأذاع أرخميدس ألغازا من هذا النوع في القرن الثالث قبل الميلاد، وكان المصريون واليونانيون يحلون بعض المسائل الهندسية بالطرق الجبرية دون الالتجاء إلى رموز علم الجبر. وأكبر الظن أن ديوفانتس لم يفعل أكثر من تنظيم طرق كان يعرفها معاصروه(33)، وإن مصادفات الزمن هي التي أبقت على أعماله؛ وفي استطاعتنا أن نرجع إليه عن طريق العرب تلك الطريقة الجريئة الغامضة التي تهدف إلى صياغة جميع النسب الكمية في العالم كله في قانون واحد.
وعلا نجم بابنيان، وبولس وألبيان، أعظم الأسماء الثلاثة في القانون الروماني في عهد سبتميوس سفيرس، وكانوا كلهم رؤساء الحرس البريتوري وكانوا بحكم منصبهم هذا رؤساء الوزارة في الدولة؛ وكانوا كلهم يبررون قيام الحكم المطلق بحجة أن الشعب قد عهد لحقوقه في السيادة إلى الإمبراطور، ويمتاز كتابا بانيان الأسئلة Questiones والأجوبة Responsa بوضوحهما، وإنسانيتهما وعدالتهما إلى حد جعل جستنيان يعتمد عليها في كثير من مجموعاته القانونية. ولما قتل كركلا جيتا أمر بابنيان أن يكتب دفاعا قانونيا عن عمله هذا، فأبى بابنيان وقال إن "قتل الاخوة أسهل من تبرير هذا القتل". فأمر كركلا بقطع رأسه. ونفذ الجنود الأمر فقطع رأسه ببلطة في حضرة الإمبراطور. وواصل دومنيوس البيانس جهود بابنيان القضائية والإنسانية. وسخر جهوده القضائية للدفاع عن العبيد لأنهم في رأيه أحرار بالفطرة، وعن النساء لأن لهن مثل ما للرجال من الحقوق(34)، وكانت كتاباته في جوهرها تنسيقا لأعمال من سبقوه شأنها في هذا شأن جميع الأعمال الهامة في تاريخ القضاء؛ ولكن أحكامه كانت باتة جازمة إلى حد أبقي على ما يقرب من ثلثها في ملخص، ويقول عنه لمبرديوس: "لم يبلغ الإمبراطور الإسكندر سفيرس ما بلغه من سمو المنزلة إلا لأنه كان يحكم أكثر ما يحكم وفقا لنصائح البيان"(35). بيد أن البيان قد عمل على قتل بعض
صفحة رقم : 4046

(12/157)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

معارضيه، ومن أجل هذا فإن بعض أعدائه من رجال الحرس قتلوه في عام 288 انتقاما منهم. وكانت أسباب قتله أقل انطباقا على القانون من قتل معارضيه ولكنه أدى إلى نفس النتيجة. وشجع دقلديانوس مدارس القانون وأمدها بالمال، وألف لجانا لتقنين ما سن بعد تراجان من شرائع، وجمعها كلها في القانون الجريجزياني Codex Gregorianus. ثم أتت على فقه القانون سنة من النوم دامت إلى أيام جستنيان.
وسار فن التصوير في القرن الثالث على الأنماط التي كان يسير عليها في بمبي والإسكندرية، والقليل الذي أبقى عليه الزمان فج، كاد الدهر أن يبليه. أما البحث فكان مزدهرا لأن الكثيرين من الأباطرة كانوا يطلبون أن تنحت لهم تماثيل، غير أنه جمد حتى أصبح المنظر الأمامي للشخص المصور بدائي الطراز، ولكن هذا العصر لم يفقه أي عصر بعده فيما أخرجه من صور تدهش الناظر إليها بصدقها وواقعيتها. ومما يدل على فضل كركلا، أو يدل على غباوته، أنه جاز لمثال أن يصوره في صورة شخص فظ، أكرث الشعر متجهم الوجه، وهي الصورة المحفوظة إلى الآن في متحف نابلي. ولدينا تمثالان ضخمان من تماثيل ذلك العصر هما الثور الفرنيزي وهرقول الفرنيزي، وكلاهما مبالغ في حجمه، متوترة عضلاته توترا غير مستحب، ولكنهما يشهدان بما كان في هذا العصر من إتقان فني لم ينقص قط عن إتقان العصور السابقة. ومما يدل على أن المثالين كانوا لا يزالون قادرين على النمط القديم تلك النقوش البارزة الناطقة بالعفة والطهارة والتي نراها على ثالوث الاسكندر سفيرس وهي ثالوث لدوفيزي. غير أن النقش الذي على قوس سبتميوس سفيرس في روما ليس فيه شيء مما يمتاز به الفن الأنكي من بساطة وظرف، بل يتصف بالخشونة والقوة الواضحتين اللتين تكادان تنبئان بعودة البربرية إلى إيطاليا.

(12/158)


وسار فن العمارة بالنزعة الرومانية التي ترى السمو في ضخامة الحجم إلى أقصى
صفحة رقم : 4047
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

حد. فأقام سبتميوس على تل البلاتين آخر ما أقيم عليه من القصور الإمبراطورية وضم إليها جناحا جهة الشرق يعلو في الجو سبعة طباق - وهو المعروف بالسبتزينيوم Septizonium. وقدمت جوليا دمنا ما يلزم من المال لإنشاء إيوان فستا، وإقامة هيكل فستا الصغير الذي لا يزال باقيا في السوق العامة. وشاد كركلا لسربيس زوج إيزيس ضريحا ضخما احتفظ الزمان بقطع جميلة منه إلى اليوم. ومن أعظم خرائب العالم روعة حمامات كركلا التي تم بناؤها في عهد الاسكندر سفيرس. نعم إنها لم تضف شيئا جديدا إلى هندسة البناء، لأنها تسير في جوهرها على طراز حمامات طراجان، وكان البناء الضخم القائم يعبر أحسن تعبير عن صاحبها قاتل جيتا وبابنيان. وكان بناؤها الرئيسي المكون من الآجر والإسمنت المسلح يشغل 270.000 قدم مربعة - أي أكبر من مسطح مجلس البرلمان الإنجليزي وبهو وستمنستر مجتمعين. وكان درج حلزونية تؤدي إلى أعلى الجدران. وهناك جلس شلى وكتب قصيدة برمثيوس الطليق. وكان بداخل الحمامات عدد كبير من التماثيل، ويحمل سقفها 200 عمود منحوتة من الحجر الأعبل والمرمر، والحجر السماقي، وكانت أرض الحمامات وجدرانها المبنية من الرخام مطعمة بمناظر من الفسيفساء، وكان الماء يصب من أفواه ضخمة من الفضة في برك وأحواض تتسع لاستحمام 1600 شخص في وقت واحد. وأنشأ جلينس وديسيوس حمامات مماثلة لهما، وفي هذه الحمامات الأخيرة أقام المهندسون الرومان قبة مستديرة فوق بناء ضخم ذي عشرة أضلاع متساوية وسندوها بدعامات عند زوايا البناء ذي العشر الأضلاع. وهي وسيلة لم تكن تستعمل إلا قليلا قبل ذلك الوقت ولكنها أصبحت كثيرة الاستعمال في المستقبل. وفي عام 295 شرع مكسميان في بناء الحمام الحار

(12/159)


الذي كان أضخم الحمامات الإمبراطورية الحارة الأحد عشر، وسماه حمامات دقلديانوس، وهو تواضع منه لم يكن معروفا في وقته. وقد أعد لأن يستحم فيه 3600 شخص. وكان به فوق
صفحة رقم : 4048
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

ذلك مدارس للتدريب الرياضي، وأبهاء للحفلات الموسيقية، وقاعات للمحاضرات: وأنشأ ميكل أنجلو من حجرة واحدة من هذا الحمام كنيسة سانتا ماريا دجلى أنجيلى Santa Maria degli Angeli وهي أكبر كنيسة في إيطاليا بعد كنيسة القديس بطرس. وأنشأت في الولايات مبان لا تفوقها في ضخامتها إلا العمائر السالفة الذكر، وأقام دقلديانوس نفسه كثيرا من المباني في نيقوميديا، والاسكندرية، وإنطاكية. وزين مكسميان ميلان وزين جليريوس سرميوم وجمل قسطنطينيوس تريف Treves.

(12/160)


وكان الأدب أقل ازدهارا من العمارة، لأنه قلما كان في مقدوره أن يصل إلى الثروة التي تجمعت في أيدي الأباطرة. ومع هذا فقد زاد عدد دور الكتب ووسعها، وكان لطبيب من أطباء القرن الثالث مجموعة تبلغ 62.000 مجلد، واشتهرت مكتبة البيان بما فيها من المحفوظات التاريخية؛ وبعث دقلديانوس بالعلماء إلى الإسكندرية لينسخوا ما فيها من المخطوطات الأدبية اليونانية والرومانية القديمة، ويأتوا بنسخ منها إلى مكتبات رومة. وكان العلماء كثيري العدد محببين إلى الأهلين، وقد أشاد فيلوستراتس بذكرهم في كتابه حياة السوفسطائيين؛ وواصل برفيري عمل أفلوطين، وهاجم المسيحية، وأهاب بالعالم أن يقتصر على أكل الخضر، وحاول أيمبليكس Iamblicus أن يوفق بين الأفلاطونية ومبادئ الديانة الوثنية، وأفلح في ذلك إلى حد استطاع معه أن يوحي بآرائه إلى الإمبراطور جوليان. وجمع ديجين ليرتبوس سير الفلاسفة وأراءهم في مقتطفات وقصص رائعة فاتنة، وبعد أن التهم أثينيوس النقراطيسي Athenaeus of Naucratis كل ما في مكاتب الإسكندرية أفرغ كل ما جمعه في كتابه المعروف سوفسطائيي مائدة الغداء وهو حوار ممل في الأطعمة، ومرق التوابل، والعاهرات، والفلاسفة والمفردات اللغوية، يخفف من ملله ما تجده في بعض أجزائه من كشف عن عادة قديمة، أو ذكرى عظيم، وكتب لنجينس، وهو كاتب من بلميريا في أغلب
صفحة رقم : 4049
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

(12/161)


الظن، رسالة لطيفة في "السمو" قال فيها أن اللذة الخاصة التي يبعثها الأدب في الإنسان، منشؤها أنها "تسمو" بالقارئ عن طريق الفصاحة التي يستمدها الكاتب من قوة اقتناعه، وإخلاصه ووفائه لأخلاقه . وشرع ديوكاسيوس ككيانس من أهل نيقية بيثينيا يكتب تاريخ روما (210؟) وهو في سن الخامسة والخمسين بعد أن قضى حياته يتقلب في مناصب الدولة. وأتم هذا الكتب في الرابعة والسبعين وقص فيه تاريخ المدينة من روميولوس إلى أيامه ولم يبق من هذا الكتاب إلا أقل من نصف أسفاره الثمانين، ولكن هذه الأسفار الباقية تشمل ثمانين مجلدا ضخما. ويمتاز هذا العمل باتساع نطاقه أكثر مما يمتاز بعلو صفاته، وفيه قصص واضحة حية، وخطب مبينة، واستطرادات فلسفية ليست سخيفة المعنى رثة العبارات مستمسكة بالقديم، ولكن النبوءات والنذر تفسد الكتاب كما تفسد كتاب ليفي، وهو مثل كتاب ناستس وصف مطول لمعارضة مجلس الشيوخ؛ وهو كجميع كتب التاريخ الرومانية يعنى أكثر ما يعنى بتقلبات السياسة والحرب كأن الحياة لم تكن في ألف عام إلا ضرائب وموت.
وأهم من هؤلاء الرجال الكرام في نظر مؤرخ العقل هو ظهور الرواية الغرامية في هذا القرن. وقد سبقها إعداد طويل تدرج من القبروبيديا لزنزفزن، إلى القصائد الغزلية لكلماكس، إلى القصص الخرافية التي تجمعت حول الاسكندر، "والحكايات الميليثية" التي يرويها أوستيديز وغيره في القرن الثاني قبل الميلاد وما تلا ذلك القرن من أجيال. وقد اعجب بهذه القصص
صفحة رقم : 4050
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

(12/162)


التي تروي أخبار المغامرات والحب جمهرة الأيونيين اليونان بتقاليدهم، الشرقيين بمزاجهم، ولعلهم وقتئذ قد أصبحوا شرقيين بدمائهم. وتطورت الرواية المنمقة تطورات شتى على ايدي بترونيوس في رومة وأبوليوس في أفريقية، ولوشيان في بلاد اليونان، وأيمبليكس في سوريا، ولم تكن في بادئ الأمر تعنى بالحب عناية خاصة، حتى إذا كان القرن الأول بعد الميلاد امتزجت رواية المغامرات برواية الحب، ولعل هذا الامتزاج كان استجابة منهما لزيادة عدد القارئات من النساء.
وأقدم الأمثلة الباقية من هذه الروايات هي "الأثيوبكا Aethiopica" أو القصص المصرية التي كتبها هليودورس الحمصي، وقد ثار الجدل الكثير حول تاريخ هذه القصص، ولكن في وسعنا أن نعزوها إلى القرن الثالث، وتبدأ بأسلوب خلع عليه قدم العهد ثوبا من الجلال:
"أفتر ثغر النهار عن بسمات البهجة، وأرسلت الشمس أشعتها فأنارت قلل التلال، حين وقف جماعة الرجال يبدو من أسلحتهم وظهرهم أنهم قراصنة، وأخذوا ينظرون إلى البحر بعد أن صعدوا إلى قمة أحد المنحدرات المطل على مصب النيل الهرقليوتي. ولكنهم لم يجدوا هناك شراع سفينة يبشرهم بالغنيمة فوجهوا أبصارهم نحو الشاطئ الممتد من تحتهم، وكان هذا هو الذي رأوه(37).
ونلتقي على حين غفلة بثياجينس Theagenes الشاب الغني الوسيم وبالأميرة كركليا Chsriclea الجميلة الباكية. وكان القراصنة قد قبضوا عليهما، وحلت بهما كثير من ضروب الشدائد المختلفة، من سوء التفاهم، والوقائع الحربية، والقتل واللقاء، تكفي لأن تكون مادة لجميع والقصص التي تصدر في فصل من فصول السنة في هذه الأيام. وتختلف هذه القصة عن قصص بترونيوس وأبوليوس في أن عفة العذارى في رواته هليودورس مسألة غير ذات خطر كبير، ويمر عليها القارئ بسرعة، بينما هي عند بترونيوس وأبوليوس جوهر القصة ومحورها الذي تدور عليه
صفحة رقم : 4051

(12/163)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

فترى هليودورس يحافظ على عفة كركليز وينجيها من عشرات الأخطار ويدبج عددا من العضات القوية المقنعة في جمال الفضيلة النسوية ووجوب المحافظة عليها. ولعلنا نجد هنا شيئا من تأثير المسيحية؛ بل إن الرواية المتواترة تجعل مؤلف القصة أسقف سالونيكي المسيحي فيما بعد. ولقد كانت الأثيوبكا، على غير علم أو قصد من مؤلفها، منشأ عدد لا يحصى من الروايات التي نسجت على منوالها؛ فلقد كانت هي أنموذج قصة سرفنتيز Cervontes المسماة Pesileey Sigismunda وقصة كورندا في رواية إنقاذ أورشليم لتاسو، وقصص السيدة ده اسكوديري Mme de Scudery. ففي هذه الرواية نجد جريمة الحب، ودلائله، والتوجع والإغماء، والخاتمة السعيدة التي نجدها في مئات الآلاف من القصص الممتعة؛ وهنا نجد رواية كلارسا هارلو Clarissa Harlowe قبل كاتبها ردشردسن Richardson بألف وخمسمائة عام.
وأشهر قصص الحب جميعها في النثر القديم قصة دفنيس وكلوني Daphnis and Chloe. ولسنا نعرف عن مؤلفها إلا اسمه لنجس Longus، كما اننا نظن مجرد ظن أنها ألقت في القرن الثالث بعد الميلاد. وتقول إن دفنيس عرض لتقلبات الجو القاسية وقت مولده، وإن راعيا أنقذه وعنى بتربيته وإنه أصبح هو الآخر راعيا. وفي القصة فقرات رائعة في وصف الريف توحي بأن لنجس كشف ما فيه من جمال بعد طول مقامه في المدينة، كما كشفه الشاعر ثيو كريتس الذي نسج هو على منواله. ويحب دفنيس فتاة حسناء أنقذت هي الأخرى بعد أن عرضت للجو القاسي في طفولتها. ويرعى الفتى والفتاة قطعانهما وتتوثق بينهما عرى الصداقة والألفة، ويستحمان معا وهما عريانين في طهر وبراءة، ويقبل كلهما الآخر أول قبلة يسكران منها. ويشرح لهما جارسنج نشوة حبهما، ويصف لهما ما لاقاه في أيام شبابه من آلام العشق فيقول: "لم أكن أفكر في طعامي،
صفحة رقم : 4052

(12/164)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

ولم أكن أذوق طعم الراحة، وهجر الكرا عيني، وأمضني الحزن، وأسرعت ضربات قلبي، وأحست أطرافي ببرودة الموتى(28). ويعرفهما أبواهما، وكان وقتئذ من أغنياء الناس، ويهبانهما الكثير من المال، ولكنهما لا يعبآن بالثراء، ويعودان إلى حياة الرعي المتواضعة. والقصة مكتوبة ببساطة الفن الجميل المصقول وقد ترجمها أميو Amyot إلى اللغة الفرنسية السلسلة المطواعة (1559) فكانت هذه الترجمة هي المثال الذي احتذاه سان بيير في بول وفيرجينيا كما أوحت بما لا يحصى من الرسوم والقصائد والقطع الموسيقية.
وشبيه بها قصيدة من الشعر تعرف باسم أمسية فينوس. ولا يعرف أحد اسم منشئها أو متى أنشأها، وأغلب الظن أنها من شعر ذلك القرن نفسه(39) وموضوعها هو موضوع خطب لكريشيوس التي تمتاز بما فيها من التفات، ورواية لنجس الغرامية - وخلاصتها أن ربة الحب تلهب قلوب جميع الأحياء بالرغبة الجامحة، وأنها لهذا السبب هي خالقة العالم الحقة!
غدا سيحب من لم يطف به طائف الحب،
غدا سيحب من ذاق قبل طعم الحب،
لقد أقبل الربيع النظر، أخذ يغني غناء الحب،
وولدت الدنيا من جديد، وها هو ذا حب الربيع،
يدفع كل طير إلى قرينه، وها هي ذي الغابات المترقبة
تنثر غدائرها لتستقبل شآبيب الربيع،
غدا سيحب من لم يطف به طائف الحب،
وسيحب من ذاق قبل طعم الحب،
وعلى هذا النحو يسترسل الكاتب في شعره العذب الصافي، ويجد الحب في المطر المخصب وفي أشكال الزهر، وفي أهازيج الأعياد البهجة، وفي التجارب
صفحة رقم : 4053
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الوثنية تحتضر

(12/165)


الصعبة التي يعانيها الشباب المشتاق، وفي مواعيد اللقاء الوجلة، وسط الغابات، وبعد كل مقطوعة يتردد الوعد القوي الجامع: "غدا سيحب من لم يطف به طائف الحب، وسيحب من ذاق قبل طعم الحب". وإنا لنجد هنا في آخر القصائد الغنائية الكبرى التي تغنت بها الروح الوثنية الوزن الشعري لترانيم العصور التي تستبق أنغام شعراء الفروسية الغرليين بعدة قرون.

صفحة رقم : 4054
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

الفصل الخامس
الملكية الشرقية
لما مات كلوديوس الثاني أثناء انتشار وباء كان يفتك بالقوط والرومان على السواء (270) اختار الجيش خليفة له ابن فلاح إليراي. وكان دومتيوس أورليانس Domitius Aurelianus قد ارتفع من أوطأ الطبقات بقوة الجسم والإرادة؛ وقد لقبوه من قبيل السخرية "يد على سيف" وكان مما يشهد بعودة العقل إلى الجيش أنه اختار رجلا يطلب عند غيره من النظام ما يطلبه عند نفسه.
وبفضل قيادته صد أعداء روما عن حدودها في كل مكان عدا نهر الدانوب، فهناك نزل أورليان عن داشيا للقوط لعلهم بذلك يقفون حاجزا بين الإمبراطورية وبين غيرهم من البرابرة. ولعل هذا الاستسلام قد شجع الألمان والوندال على غزو إيطاليا، ولكن أورليان انتصر عليهم في ثلاث معارك وشتت شملهم. وكان يفكر في القيام بحملات حربية على أجزاء قاصية، ويخشى أن يهاجم الأعداء روما في أثناء غيابه، فأقنع مجلس الشيوخ بأن يوافق على صرف المال اللازم لبناء أسوار جديدة حول العاصمة، كما أقنع النقابات الطائفية بأن تقوم بهذا العمل وأخذت المدن في جميع أنحاء الإمبراطورية تشيد الأسوار حولها، وكان قيامها بهذا العمل شاهدا على ضعف قوة الرومان وخاتمة السلم الرومانية.

(12/166)


ورأى أورليان أن الهجوم أفضل من الدفاع، ولذلك اعتزم أن يعيد مجد الإمبراطورية بالهجوم على زنوبيا في الشرق، ثم على تتريكس Tetricus الذي اغتصب السيادة على غالة بعد بستيوس. واسترد بروبس Probus قائد أورليان مصر من ابن زنوبيا في الوقت الذي كان هو نفسه يخترق بجيوشه بلاد البلقان،
صفحة رقم : 4055
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

ويعبر الهلسبنت، ويهزم جيش هذه الملكة في حمص ويحاصر عاصمتها. وحاولت الملكة أن تفر، وتستنجد بالفرس ولكنها أسرت، واستسلمت المدينة ونجت من التدمير، ولكن لنجينس قتل (272). وبينما كان الإمبراطور عائدا على رأس جيشه إلى الهلسبنت، ثارت تدمر وقتلت الحامية التي تركها فيها. فعاد إليها مسرعا كسرعة قصير، وحاصر المدينة مرة أخرى واستولى عليها بعد قليل من الوقت، وأباحها الجنود يسلبون ويعيثون فيها فسادا، ودك أسوارها، وقضى مرة أخرى على تجارتها، وتركها تعود قرية صحراوية، وهكذا ظلت من ذلك الحين إلى الوقت الحاضر. وسارت زنوبيا مكبلة بالأغلال تزين موكب أورليان وهو داخل منتصر إلى رومة؛ وسمح لها بأن تقضي البقية الباقية من عمرها حرة إلى حد ما في تيبور .

(12/167)


وفي عام 274 هزم أورليان تتريكس عند شالون Chalons وعاد بعدئذ إلى غالة. واغتبطت روما بعودة سيادتها إليها فرحبت بالقائد الظافر ولقبته "مرجع العالم" restittor orbis. ثم وجه عنايته إلى واجبات السلم، فأعاد إلى الإمبراطورية سيئا من النظام الاقتصادي بإصلاح النقد الروماني، وأعاد تنظيم الأداة الحكومية بأن طبق عليها نفس النظام الصارم الذي رد به الحياة إلى الجيش. وكان يعزو بعض ما تعانيه روما من الفوضى الأخلاقية والسياسية إلى تعدد الأديان والمذاهب فيها ويسعى لأن يوحد الأديان القديمة والجديدة ويوجهها إلى عبادة إله واحد هو إله الشمس، والإمبراطور نائبه في الأرض ولما أظهر الجيش ومجلس الشيوخ تشككهما، أبلغهما أن الله، لا اختيارهما، هو الذي جعله إمبراطورا. وأنشأ في روما هيكلا للشمس رائع الجمال، كان يرجو أن يمتزج فيه بعل حمص وإله المثراسية. وكانت الملكية المطلقة والتوحد تسيران
صفحة رقم : 4056
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

وقتئذ جنبا إلى جنب، وكانت كلتاهما تسعى لأن تستعين بالأخرى؛ وكانت سياسة أورليان الدينية توصي بأن قوة الدولة آخذة في الاضمحلال، وأن قوة الدين آخذة في الارتفاع، وقد أصبح الملوك وقتئذ ملوكا بنعمة الله. وكانت هذه هي فكرة الشرقيين عن الحكومة وهي فكرة وجدت في مصر، وبلاد الفرس، وسوريا؛ فلما قبلها أورليان عجل التيار الذي كان يحول الملكية إلى حكومة شرقية، وهو التيار الذي بدأ من عهد إلجابالس وانتهى عن دقلديانوس وقسطنطين.

(12/168)


وبينما كان أورليان يقود جيشا مخترقا به تراقية ليحسم الأمر بينه وبين فارس إذ اغتاله في عام 275 جماعة من ضباطه لأنهم خدعوا فظنوا أنه ينوي إعدامهم. وارتاع الجيش لكثرة ما ارتكبه هو نفسه من الجرائم فطلب إلى مجلس الشيوخ أن يختار من يخلف الإمبراطور القتيل؛ ولم يكن أحد يرغب في هذا الشرف الذي ينذر بالقتل على الدوام؛ وانتهى الأمر بأن رضي به تاستس لأنه كان وقتئذ في الخامسة والسبعين من عمره. وكان تاستس هذا يدعي أنه من نسل المؤرخ المسمى بهذا الاسم، وكانت تتمثل فيه جميع الفضائل التي كان ينادي بها ذلك الكاتب الموجز المتشائم؛ لكنه قضى نحبه من فرط الأعياء بعد ستة أشهر من جلوسه على العرش، وندم الجند على ندمهم، فعادوا إلى الاستئثار بالسلطة ونادوا ببروبس Probus إمبراطورا (276).
وكان ذلك اختيارا موفقا، كما كان بروبس خليقا باسمه لأنه كان يمتاز بالشجاعة والاستقامة. فقد طرد الألمان من غالة، وطهر إليركم Illyricum من الوندال، وشاد سورا بين الرين والدانوب، وأرهب الفرس بكلمة منه، واستمتعت الإمبراطورية كلها في أيامه بالسلم؛ وسرعان ما عاهد شعبه على ألا تكون في البلاد أسلحة، ولا جيوش، ولا حروب، وعلى أن يعم الأرض كلها حكم القانون.
صفحة رقم : 4057
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

وبدأ هذه الطوبى بأن أرغم جنوده على أن يصلحوا الأراضي البور، ويجففوا المستنقعات ويغرسوا الكروم، ويقوموا بضروب أخرى من الأعمال العامة. واستاء الجيش من هذا التسامي الذي لم يكن له به عهد، فاغتاله (283)، وحزن عليه؛ وأقام نصبا تذكاريا له.

(12/169)


ونادى برجل يدعى ديوقليز Diocles ابن معتوق دلماشي إمبراطورا على الدولة. وكان ديوقليشيان أو دقلديانوس - وهو الاسم الذي اختاره بعد ذلك لنفسه - قد ارتقى بمواهبه الفذة ومبادئه الأخلاقية المرنة حتى عين، وحاكما في بعض الولايات، وقائدا لحرس القصر. وكان رجلا عبقريا أكثر دراية بشئون الحكم منه بالحرب. وقد جلس على العرش بعد عهد من الفوضى أشد من الفوضى التي عمت البلاد من أيام ابني جراكس إلى أيام أنطونيوس، ولكنه هدأ كل الأحزاب الثائرة المتنافرة، وصد الأعداء عن جميع الحدود، وبسط سلطان الحكومة وقواه، وأقام حكمه على تأييد الدين ورضاء رجاله. وكان ثالث ثلاثة تدين لهم الإمبراطورية بالشيء الكثير - أغسطس وأورليان؛ ودقلديانوس. وأما أغسطس فقد أنشأها، وأما أورليان فقد أنقذها، وأما دقلديانوس فقد نظمها تنظيما جديدا.
وكان أول قراراته الحاسمة قرارا كشف عن المستور من أحوال الدولة وعن أفول نجم رومة، فقد هجر المدينة ولم يتخذها عاصمة لملكه، واتخذ مقامه في نيقوميديا وهي مدينة في آسية الصغرى تبعد عن بيزنطية بقليل من الأميال جهة الجنوب، وظل مجلس الشيوخ يعقد جلساته في روما كما كان يعقدها قبل، وظل القناصل يقومون بمراسمهم المألوفة، وظلت الألعاب الصاخبة تدور كسابق عهدها والشوارع تموج بمن فيها من الناس على اختلاف أجناسهم؛ ولكن السلطة والقيادة قد انتقلتا من هذه المدينة التي أضحت مركز الانحلال الاقتصادي والأخلاقي. وكان الذي دفع دقلديانوس إلى هذا العمل هو الضرورة الحربية. ذلك أنه كان لا بد
صفحة رقم : 4058
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

(12/170)


من الدفاع عن أوربا وآسية، ولم يكن الدفاع عنهما مستطاعا من مدينة في جنوب جبال الألب وتبعد عن تلك الجبال هذا البعد الشاسع. ولهذا أشرك معه في الحكم قائدا محنكا يدعى مكسميان (286)، وعهد إليه الدفاع عن الغرب؛ ولم يتخذ مكسميان روما عاصمة له بل اتخذ بدلا منها مدينة ميلان. وبعد ست سنين من ذلك العام اتخذ كلا الأغسطسين Augusyi "قيصرا" ليساعده في أعباء الحكم وليكون خليفة له من بعده. فاختار دبوقليشان جليريوس Galerius واتخذ هذا عاصمته مدينة سرميوم Sirmium وهي متروفيكا Mitrovica على نهر الساف Save، وعهد إليه حكم ولايات الدانوب؛ وعين مكسميان قنسطنطيوس طلورس Constantius Chlorus (الأصغر) خلفا له. واتخذ هذا حاضرته مدينة أوغسطا ترفرورم Augusta Trevirorum (تريف Treves). وتعهد كل أغسطس أن يعتزل الملك بعد عشرين عاما ليخلفه قيصره؛ وكان من حق هذا القيصر أن يعين هو الآخر "قيصرا" يعاونه ويخلفه. وزوج كل أغسطس ابنته "بقيصره" فأضاف بذلك رابطة الدم إلى رابطة القانون. وكان دقلديانوس يرجو بذلك أن يسد الطريق على حروب الوراثة، وأن يعيد إلى الحكومة استقرارها ودوامها، وسلطانها، وأن تكون الإمبراطورية متأهبة لملاقاة الأخطار في أربع نقاط هامة، سواء أكانت هذه الأخطار ناشئة من الثورات الداخلية، أم من الغزو الخارجي. لقد كان تنظيما باهرا، جمع كل الفضائل إذا استثنينا فضيلتي الوحدة والحرية. فقد انقسمت الملكية، ولكنها كانت ملكية مطلقة، وكان كل قانون يصدره كل حاكم من الحكام الأربعة يصدر باسمهم جميعا، ويطبق في أنحاء الدولة، وكان قرار الحكام يصبح قانونا ساعة صدوره، من غير حاجة إلى تصديق مجلس الشيوخ في روما. وكان الحكام هم الذين يعينون جميع موظفي الدولة، ومدت أداة بيروقراطية ضخمة فروعها في جميع أنحاء الدولة. وأراد دقلديانوس أن يزيد
صفحة رقم : 4059

(12/171)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> الملكية الشرقية

من قوة هذا النظم فحول عبادة عبقرية الإمبراطور إلى عبادة شخصه بوصفه تجسيدا لجوبتر، وتواضع لكسمليان فرضي أن يكون هو هرقول؛ وهكذا هبطت الحكمة والقوة من السماء لتعيدا النظام والسلم إلى الأرض، واتخذ دقلديانوس لنفسه تاجا - عصابة عريضة مرصعة باللآلئ - وأثوابا من الحرير والذهب؛ وأحذية مرصعة بالحجارة الكريمة، وابتعد عن أعين الناس في قصره، وحتم على زائريه أن يمروا بين صفين من خصيان التشريفات والحجاب وأمناء القصر ذوي الألقاب والرتب، وأن يركعوا ويقبلوا أطراف ثيابه. لقد كان في الحق رجلا يعرف العالم حق المعرفة. وما من شك في أنه كان يضحك في السر من هذه الخرافات والأشكال ولكن عرشه كان يعوزه ما يخلعه الزمان عليه من شرعية، وكان يأمل أن يدعمه وأن يقمع اضطراب العامة وعصيان الجيش بأن يخلع على نفسه مظاهر الألوهية والرهبة. وفي ذلك يقول أورليوس فكتور: "واتخذ لنفسه لقب السيد Dominus، ولكنه كان يسير في الناس سيرة الأب"(40) وكان معنى إقامة هذا الطراز الشرقي من الحكم الاستبدادي على يد ابن عبد رقيق، وهذا الجمع بين الإله والملك في شخص واحد، كان معنى هذا عجز الأنظمة الجمهورية في العهود القديمة، والتخلي عن ثمار معركة مرثون، والعودة إلى مظاهر بلاط الملوك الإكيمنيين، والمصريين، والبطالمة، والبارثيين، والملوك الساسانيين، وإلى النظريات التي كان يقوم عليها حكم هؤلاء الملوك كما عاد الاسكندر إليها من قبل. ومن هذه الملكية الشرقية الصبغة جاء نظام الملكيات البيزنطية والأوربية، وهو النظام الذي طل قائما إلى أيام الثورة الفرنسية. ولم يبق بعد هذا إلا أن يتحالف الملك الشرقي في عاصمة شرقية مع دين شرقي. ولقد بدأت الخواص البيزنطية في الظهور أيام دقلديانوس.

صفحة رقم : 4060

(12/172)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

الفصل السادس
اشتراكية دقلديانوس
وسار دقلديانوس في عمله بنشاط لا يقل عن نشاط قيصر، فأخذ يعيد تنظيم كل فرع من فروع الإدارة الحكومية. وبدل أحوال الأشراف بأن رفع إلى طبقتهم كثيرين من الموظفين المدنيين أو العسكريين، وبأن جعلها طبقة وراثية ذات مراتب مختلفة على النظام الشرقي، وألقاب كثيرة، ومراسم معقدة متعددة. وقسم هو وزملاؤه الإمبراطورية إلى ست وتسعين ولاية تتألف منها اثنتان وسبعون أبرشية، وأربع مقاطعات، وعين لكل قسم حاكم مدني وآخر عسكري، وأصبحت الدولة بذلك ذات حكومة مركزية صريحة، ترى أن الاستقلال الذاتي المحلي، وأن الديمقراطية نفسها، ترف لا يصلح إلا لأوقات الأمن والسلم، وتبرر سلطانها المطلق بحاجات الحرب القائمة أو المتوقعة. ودارت رحى الحرب في تلك الأيام فعلا وأحرزت الدولة فيها انتصارات باهرة؛ فاستعاد قنسطنطيوس بريطانيا التي ثارت عليه، وأوقع جليريوس بالفرس هزيمة منكرة حاسمة أسلموا بعدها أرض النهرين وخمس ولايات وراء نهر دجلة، وصد أعداء رومت عن حدودها جيلا من الزمان.
وواجه دقلديانوس وأعوانه في زمن السلم المشاكل الناشئة من الانحلال الاقتصادي، فأحل محل قانون العرض والطلب نظاما اقتصاديا تسيطر عليه الدولة ليتغلب بذلك على الكساد ويمنع نشوب الثورات(41). ووضع نظاما نقديا سليما بأن عين للعملة الذهبية وزنا وعيارا محددين، احتفظت بهما الإمبراطورية الشرقية حتى عام 1453، ووزع الطعام على الفقراء بنص ثمنه في السوق
صفحة رقم : 4061
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

(12/173)


أو بغير ثمن على الإطلاق، وشرع يقيم كثيرا من المنشآت العامة ليوجد بذلك عملا للمتعطلين(42)، ووضع عددا كبيرا من فروع الصناعة والتجارة تحت سيطرة الدولة ليضمن بذلك حاجات المدن والجيش؛ وبدأ هذه السيطرة الكاملة باستيراد الحبوب فأقنع أصحاب السفن والتجار والبحارة المشتغلين بهذه التجارة أن يقبلوا أشراف الدولة عليها نظير ضمان الحكومة لعدم تعطلهم ولأرباحهم(43). وكانت الدولة من زمن قديم تمتلك معظم مقالع الحجارة، ورواسب الملح، والمناجم، ولكنها خطت في ذلك الوقت خطوة أخرى فحرمت تصدير الملح، والحديد، والذهب، والخمر، والحبوب، والزيت، من إيطاليا، وفرضت نظاما دقيقا صارما على استيراد هذه المواد(44). ثم انتقلت بعد ذلك إلى السيطرة على المؤسسات الصناعية التي تنتج حاجيات الجيش، وموظفي الدولة وبلاط الأباطرة، وحتمت على مصانع الذخيرة، والنسيج، والمخابز ألا يقل إنتاجها عن قدر معين، واشترت هذا القدر بالأثمان التي حددتها هي له، وألقت على جمعيات الصناع تبعات تنفيذ أوامرها ومواصفات منتجاتها، فإذا تبينت أن هذه الخطة لم تؤد إلى الغرض المقصود منها أممت هذه المصانع، وجهزتها بعمال فرضت عليهم أن يعملوا فيها(45). وبهذا وضعت الكثرة الغالبة من المؤسسات الصناعية والنقابات الطائفية في إيطاليا شيئا فشيئا تحت سيطرة الدولة المتحدة في عهد أورليان ودقلديانوس. وخضع القصابون والخبازون، والبناءون، وصناع الزجاج، والحديد، والحفارون خضع هؤلاء جميعا لنظم مفصلة وضعتها لهم الحكومة(46). ويقول رستوفتزف Rostovizeff إن الهيئات الصناعية المختلفة كانت أشبه بمراقبات صغرى على مؤسساتها تقوم بهذا العمل نيابة عن الدولة وكانت أشبه بهذه المراقبات منها بمالكة المؤسسات. وكانت خاضعة لسلطان موظفي المصالح الحكومية المختلفة، ولقواد الوحدات العسكرية المتباينة(47).
وحصلت جمعيات التجار والصناع من الحكومة على مزايا كثير متنوعة،

(12/174)


صفحة رقم : 4062
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

وكثيرا ما كانت تؤثر تأثيرا كبيرا في خططها؛ وكانت في نظير هذه المزايا وهذا التأثير تعمل كأنها أعضاء في الإدارة القومية، فكانت تساعد الحكومة على وسائل من الإشراف الحكومي شبيهة بهذه الوسائل في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع إلى مصانع الأسلحة القائمة في الولايات، وإلى صناعة الأطعمة والملابس. وفي ذلك يقول بول-لوي Paul Louis: "وكان كل ولاية رقيب خاص يشرف على نواحي النشاط الصناعي، وأصبحت الدولة في كل مدينة كبيرة صاحب عمل وذات قوة كبيرة... تسيطر على جميع المصانع الخاصة التي كانت ترزح تحت أعباء الضرائب الفادحة"(49).
ولم يكن مستطاعا أن يسيطر هذا النظام إلا إذا سيطرت الدولة على أثمان السلع، ولهذا أصدر دقلديانوس وزملاؤه في عام 301 قانون الأثمان الذي حددت به أقل الأثمان والإجور التي يجيزها القانون لجميع السلع أو الخدمات العامة في جميع أنحاء الإمبراطوري. وهاجم القرار في مقدمته الاحتكارات التي منعت البضائع من السوق في الوقت الذي "قلت فيه السلع" لكي ترتفع أثمانها.
"ومن ذا الذي... خلا قلبه من العاطفة الإنسانية فلا يرى أن ارتفاع الأسعار ظاهرة عامة في أسواق مدننا، وأن شهوة الكسب لا يحد منها وفرة السلع ولا أعوام الرخاء؟- ولهذا... يرى أشرار الناس أنهم يخسرون إذا ما توافرت الحاجات... إن من الناس من يجعلون همهم الوقوف في وجه الرخاء العام... والجري وراء الأرباح الباهظة القاتلة... لقد عم الشره جميع الجشعون الأثمان، ولم يكتفوا بالحصول على سبعة أضعاف الثمن المعتاد أو ثمانية أضعافه، بل زادوه إلى الحد الذي تعجز الألفاظ عن وصفه، حتى لقد يضطر
صفحة رقم : 4063
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

(12/175)


الجندي إلى دفه مرتبه كله وإعانة الحرب في شراء سلعة واحدة، وبذلك يذهب كل ما يقدمه العالم كله لإمداد الجيش بحاجته في جيوب أولئك اللصوص الجشعين .
ولقد ظل هذا المرسوم حتى وقتنا الحاضر أعظم محاولة في التاريخ كله لاستبدال القرارات الحكومية بالقوانين الاقتصادية. ولكن التجربة أخفقت إخفاقا عاجلا كاملا، فقد أخفى التجار ما عندهم من السلع وشحت البضائع أكثر من ذي قبل، واتهم دقلديانوس نفسه بالتغاضي عن ارتفاع الأسعار(52). وحدثت عدة اضطرابات؛ واضطرت الحكومة إلى التراخي في تطبيق المرسوم لإعادة الإنتاج والتوزيع إلى حالتهما الطبيعية(53)، وانتهى الأمر بإلغائه على يد قسطنطين.
وكانت علة ضعف هذا النظام الاقتصادي الخاضع للسيطرة الحكومية
صفحة رقم : 4064
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

(12/176)


هي ما تطلبه تنفيذه من نفقات. فقد بلغت البيروقراطية التي تطلبها تنفيذه من الاتساع درجة وصفها لكتنيوس بأنها احتاجت إلى نصف السكان؛ ولا شك في أنه بالغ في هذا التقدير مبالغة كان الباعث عليها ميوله السياسية(54)، ووجد الموظفون آخر الأمر أن عملهم هذا مما تنوء به العدالة الإنسانية، وكانت رقابتهم متباعدة يستطيع الناس أن يقتلوا منها بما أوتوا من مكر ودهاء. وارتفعت الضرائب ارتفاعا لم يكن له مثيل من قبل، وفرضت على كل شيء لأداء أجور الموظفين، ونفقات البلاط، والجيش، وبرنامج المنشآت العامة، وإعالة العجزة والمتعطلين، ولكن الدولة قد كشفت بعد طريقة الاستدانة لتخفي بها إسرافها وتؤجل يوم حسابها، فقد كانت أعمال كل عام ينفق عليها من إيراد العام نفسه، وأراد دقلديانوس أن يحتاط لما عساه أن يحدث من أداء الضريبة بعملة مخفضة، فأمر بأن تؤدى الضرائب عينا كلما كان ذلك مستطاعا، وحتم على دافعي الضرائب أن يؤدوا ما عليهم إلى مخازن حكومية، ووضع نظاما شاقا لنقل هذه الضرائب العينية من هذه المخازن إلى مقرها الأخير(55)، وجعل موظفي البلديات في كل بلدية مسئولين من الوجهة المالية عن كل تقصير في تحصيل الضرائب المفروضة على إقليمهم(56).
وإذ كان من طبيعة كل ممول أن يحاول الهروب من أداء ما عليه من الضرائب، فقد أنشأت الدولة قوة خاصة من الشرطة للفحص عن أملاك كل شخص ودخله؛ واستخدمت وسائل التعذيب مع الزوجات، والأطفال، والعبيد لإرغامهم على الكشف عن ثروة بيوتهم أو مكاسبها، وفرضت عقوبات صارمة على من يحاولون الهرب من أداء ما عليهم(57). ومع هذا كله فقد كاد الفرار من الضرائب أن يصبح وباء متفشيا في الإمبراطورية كلها في القرن الثالث، وأضحى أكثر تفشيا في القرن الرابع؛ فكان الأغنياء يخفون ثروتهم، وبدل الأشراف طبقتهم ووضعوا أنفسهم في عداد الطبقة الدنيا حتى لا يختاروا للوظائف
صفحة رقم : 4065

(12/177)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

البلدية، وهجر الصناع حرفهم، وترك الزراع أرضهم المثقلة بالضرائب ليصبحوا أجراء عند غيرهم، وأقفرت كثير من القرى وبعض البلدان الكبيرة (مثل طبرية في فلسطين) من أهلها لفدح الضرائب المفروضة عليها(58)، فلما كان القرن الرابع اجتاز عدد كبير من الأهلين حدود الإمبراطورية ولجأوا إلى البرابرة فورا من الضرائب الفادحة.
وأكبر الظن أن الذي حمل دقلديانوس على الالتجاء إلى تلك الأعمال، التي أوجدت واقع الأمر نظام الاسترقاق الإقطاعي في الحقول، والمصانع، والنقابات الطائفية، هو حرصه على منع هذه الهجرة التي تكلف الدولة كثيرا من النفقة، وعلى ضمان ورود العام بانتظام للجيش والمدن، والضرائب لبيت المال. وبعد أن جعلت الحكومة مالك الأرض بما فرضته عليه من الضرائب النوعية مسئولا عن حسن استغلال مزارعيه لأرضه، قررت أن يبقى الزارع في أرضه حتى يؤدي جميع المتأخر عليه من الديون أو العشور. ولسنا نعرف متى صدر هذا القرار التاريخي، ولكنا نعرف أن قسطنطين سن في عام 332 قانونا يفترض وجود هذا القرار ويؤكده؛ ويجعل المستأجر "يرتبط كتابة" بالأرض التي يزرعها، لا يستطيع تركها إلا برضاء مالكها، فإذا بيعت الأرض بيع هو وأسرته معها(60). وليس فيما وصل إلينا من المعلومات ما يدل على أن الزراع قد احتجوا على هذه القيود؛ ولعل هذا القانون قد قدم إليه ضمانا لأمنه وسلامته، كما هو حادث في ألمانيا في هذه الأيام. وبهذه الطريقة وأمثالها انتقلت الزراعة في القرن الثالث من الاسترقاق إلى الحرية ثم الاسترقاق الإقطاعي، وبهذا النظام استقبلت العصور الوسطى.

(12/178)


واتبعت الصناعة وسائل من هذا النوع ليضمن بذلك استقرارها. فحرم على العمال تغيير عملهم، أو الانتقال من مصنع إلى مصنع إلا بموافقة الحكومة؛ وقصرت كل نقابة طائفية على حرفتها والعمل المقرر لها، وحرم على أي إنسان أن
صفحة رقم : 4066
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

يغادر النقابة التي سجل اسمه فيها(61). وألزم كم من يعمل في الصناعة أو التجارة بأن ينضم إلى نقابة من هذه النقابات الطائفية، وحتم على الابن أن يشتغل بحرفة أبيه(62)، فإذا رغب إنسان في أن يستبدل بمكانه أو حرفته مكانا آخر أو حرفة أخرى ذكرته الدولة بأن إيطاليا يحاصرها البرابرة وأن على كل رجل أو ابن يشتغل بحرفة أن يبقى حيث هو.
ولما استهل عام 305 نزل دقلديانوس ومكسيميان عن سلطتهما باحتفالين مهيبين أقيما في نيقوميديا وميلان، وأصبح جالريوس، وقنسطنطيوس أغسطسين إمبراطورين أولهما للشرق وثانيهما للغرب. ولم يكن دقلديانوس قد تجاوز وقتئذ الخامسة والخمسين من عمره، ولكنه اختفى في قصره الواسع القائم في أسبلاتا Spalata، وقضى فيه الثمانية الأعوام الباقية من حياته. وشهد بعينيه انهيار حكومته الرباعية في غمار الحرب الأهلية. ولما أن ألح عليه مكسميان أن يستولي على أزمة الحكم مرة أخرى، ويقضي على الشقاق والحب، قال إنه لو رأى مكسميان الكرنب الجيد الذي يزرعه في حديقته لما طلب إليه أن يضحي بهذه المتعة جريا وراء متاعب السلطان(63).
والحق أنه كان قمينا بكرنبه وراحته، فقد قضى على الفوضى التي دامت خمسين عاما وأقر من جديد سلطان الحكومة والقانون، أعاد الاستقرار إلى الصناعة، ورد الأمن إلى التجارة، وأذل فارس، وخضد شوكة البرابرة، وكان بوجه عام مشترعا أمينا مخلصا، وحاكما عادلا إذا ضربنا صفحا عن بحض الاغتيالات القليلة التي جرت على يديه.

(12/179)


ولسنا ننكر أنه أقام بيروقراطية باهظة الأكلاف، وقضى على الاستقلال الذاتي للولايات، وعاقب معارضيه أشد العقاب، واضطهد الكنيسة التي كان في وسعه أن يتخذها حليفة له فيما بذل من الجهود لإصلاح أحوال الدولة، وجعل سكان الإمبراطورية مجتمعا من الطبقات، في أحد طرفيه زراع جهلاء وفي طرفه
صفحة رقم : 4067
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انهيار الإمبراطورية -> اشتراكية دقلديانوس

الآخر ملك مستبد مطلق السلطان، ولكن الظروف التي واجهتها روما لم تكن تسمح بانتهاج سياسة تقوم على مبادئ الحرية؛ وقد جرب ماركس أورليوس والكسندر سفيرس هذه السياسة وأخفقا فيها، ورأت الدولة الرومانية نفسها محاطة بالأعداء من كل جانب، ففعلت ما لابد أن تفعله الأمم جميعها في أوقات الحروب التي يتقرر فيها مصيرها، وقبلت طغيان زعيم قوي، ورضيت أن يفرض عليها ما لا تكاد تطيقه من الضرائب، وتخلت عن الحرية الفردية إلى أن تنال الحرية الجماعية، ولقد قام دقلديانوس بالأعمال التي قام بها أغسطس، وإن كانت قد كلفت أولهما أكثر مما كلفت الآخر، ولكنه والحق يقال قام بها في ظروف أقسى من ظروفه، وقد أدرك معاصروه ومن جاءوا بعده الأخطار التي نجوا منها بفضل جهوده فلقبوه "أبا العصر الذهبي"، وسكن قسطنطين البيت الذي شاده له دقلديانوس.

صفحة رقم : 4068
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

الباب الثلاثون
انتصار المسيحية
306 - 325 م
الفصل الأول
النزاع بين الكنيسة والدولة
64 - 311 م

(12/180)


كانت الحكومة الرومانية قبل أيام المسيحية تظهر في أغلب الأحيان للأديان المعارضة للدين الوثني المقرر تسامحا تظهر هذه الأديان مثله للشعائر الرسمية وللإمبراطورية؛ فلم تكن تطلب من أتباع العقائد الجديدة إلا حركة يأتونها من حين إلى حين يمجدون بها الآلهة ورئيس الدولة. ولهذا آلم الأباطرة أن يجدوا أن المسيحيين واليهود، دون سائر أتباع الأديان الخارجة على دين الدولة، هو الذين يأبون أن يعظموا عبقرياتهم. ذلك أن إحراق البخور أمام تمثال الإمبراطور كان قد أصبح دليل الولاء للإمبراطورية وتوكيدا لهذا الولاء، فهو من هذه الناحية أشبه ما يكون بيمين الولاء التي تطب إلى من ينالون حق المواطنية في هذه الأيام. لكن الكنيسة كانت ترفض من ناحيتها الفكرة الرومانية القائلة بأن الدين خاضع للدولة، وترى في عبادة الإمبراطور نوعا من الشرك وعبادة الأصنام، ولذلك أمرت أتباعها أن يرفضوا هذه الشعائر مهما ينلهم من الأذى بسبب هذا الرفض. واستدلت الحكومة الرومانية من هذا على أن المسيحية
صفحة رقم : 4069
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

حركة متطرفة - بل لعلها حركة شيوعية - تعمل في السر على قلب النظام القائم.

(12/181)


وقد استطاعت القوتان قبل عهد نيرون أن تعيشا معا من غير أن يشتجر بينهما النزاع؛ وكان القانون يعفي اليهود من أن يعبدوا الإمبراطور؛ ونال المسيحيون في أول أمرهم هذه الميزة لأنهم لم يكن يستطاع التفريق بينهم وبين اليهود. ولكن مقتل بطرس وبولس، وحرق المسيحيين ليزيد حرقهم ألعاب نيرون بهاء، بدلا هذا التسامح المتبادل المشوب بالاحتقار من الجانبين عداء دائما، وحربا تندلع نارها بين الفينة والفينة. فلا غرابة أن وجه المسيحيون بعد هذا الإيذاء، أسلحتهم كلها إلى صدر روما - فنددوا بما فيها من فساد وعبادة للأصنام، وسخروا بآلهتها، وأظهروا الشماتة فيها حين حلت بها الكوارث(1)، وتنبئوا بسقوطها بعد زمن قليل، وأعلنوا؛ في حماسة الدين الذي أخرجه عن تسامحه عدم تسامح الدولة معه، أن كل من أتيحت لهم الفرصة لاعتناق المسيحية ثم لم يعتنقوها سيعذبون عذابا أبديا؛ وقال الكثيرون منهم إن هذا سيكون أيضا مصير كل الخلائق الذين وجدوا قبل المسيحية ثم لم يعتنقوها لأي سبب من الأسباب، وإن كان بعضهم قد استثنى سقراط وحده من العذاب. ورد الوثنيون على هذا بأن سموا المسيحيين "حثالة الناس" و "برابرة الوقحين"، واتهموهم بأنهم "أعداء الجنس البشري" وقالوا أن الكوارث التي حلت بالإمبراطورية ليست إلا نتيجة غضب الآلهة الوثنية والسماح لمن يسبونها من المسيحيين بأن يبقوا أحياء(2). وأخذ كل فريق يفتري على الآخر آلاف الإفتراءات، فاتهم المسيحيون بأنهم سحرة متصلون بالشياطين، وأنهم يقترفون الخطايا سرا، ويشربون دماء الآدميين في عيد الفصح(3)، ويعبدون الحمار.
لكن النزاع كانت له أصول أعمق من هذا الخصام. ذلك أن الدولة كانت أسا الحضارة الوثنية في حين أن الدين كان هو أساس الحضارة المسيحية. فالروماني كان ينظر إلى دينه أنه جزء من كيان الحكومة
صفحة رقم : 4070

(12/182)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

وشعائرها، وكانت الوطنية هي الذروة التي تنتهي عندها مبادئه الأخلاقية العليا. أما المسيحي فكان ينظر إلى دينه على أنه شيء منفصل عن المجتمع السياسي، وأنه أسمى من هذا المجتمع مقاما، وكان يدين أعظم الولاء للمسيح لا لقيصر، وقد وضع ترتليان المبدأ الثوري بأن الإنسان غير ملزم بأن يطيع قانونا يعتقد أنه ظالم(4)؛ وكان المسيحي يعظم أسقفه، بل يعظم قسيسه، أكثر من تعظيمه الحاكم الروماني، ويعرض ما يقع بينه وبين زملائه المسيحيين من مشاكل قانونية على رؤساء الكنيسة لا على موظفي الدولة(5). وكان اعتزال المسيحي للشئون الدنيوية يبدو للوثني كأنه هروب من الواجبات المدنية وضعف للروح القومي والإرادة القومية. وأشار ترتليان على المسيحيين بأن يرفضوا الخدمة العسكرية؛ وعمل عدد كبير منهم بنصيحته كما يدل على ذلك نداء سلسس لهم بأن يضعوا حدا لهذا الرفض، ورد أرجن عليه بأن المسيحيين سيدعون للإمبراطورية وإن أبوا أن يحاربوا من أجلها(6)، وكان زعماء المسيحيين يحرضونهم على أن يتجنبوا غير المسيحيين، وأن يبتعدوا عن الألعاب الهمجية التي يقيمونها في أعيادهم، وألا يغشوا دور تمثيلهم لأنها مباحة للفجور(7)، وحرم على المسيحي أن يتزوج بغير مسيحية، وعلى المسيحية أن تتزوج بغير مسيحي، واتهم الوثنيون العبد المسيحيين بأنهم يبذرون بذور الشقاق في الأسر بتحريضهم أبناء أسيادهم وزوجاتهم على اعتناق الدين المسيحي؛ واتهم الدين المسيحي بأنه يعمل لتشتيت شمل الأسر وخراب البيوت(8).

(12/183)


على أن معارضة الدين الجديد قد جاءت من قبل الشعب أكثر مما جاءت من قبل الدولة. ذلك أن الحكام كانوا في كثير من الأحيان رجالا مثقفين متسامحين، ولكن جمهور السكان الوثنيين قد ساءهم عزلة المسيحيين، وتعاليمهم، وثقتهم بأنفسهم، وأهابوا بحكامهم أن يعاقبوا أولئك الملحدين الذين يهينون الآلهة. ويشير ترتليان إلى "الكراهية العامة التي يحسون بها نحونا"(9).
صفحة رقم : 4071
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

ويلوح أن للقانون الروماني منذ أيام نيرون كان يعد الجهر بالمسيحية جريمة يعاقب عليها بالإعدام(10)، ولكن معظم الأباطرة كانوا يتغاضون عن تنفيذ هذا القانون متعمدين(11)، فكان في وسع المسيحي إذا اتهم بمخالفته أن ينجو عادة من العقاب بحرق البخور أمام تمثال الإمبراطور، ويبدو أنه كان يسمح له بعد ذلك أن يمارس شعائر دينه غير مضيق عليه(12). أما المسيحيون الذين يرفضون تقديم هذا الولاء للإمبراطور فكانوا يسجنون، أو يجلدون، أو ينفون، أو يحكم عليهم بالعمل في المناجم، أو بالإعدام في حالات نادرة. ويبدو أن دومتيان نفى بعض المسيحيين من روما ولكنه "وهو الرجل الرحيم إلى حد ما، لم يلبث أن وقف ما بدأه"(13). ونفذ بلني هذا القانون مدفوعا إلى ذلك بفضول الرجل الهاوي الذي يبغي إظهار سلطانه على الناس (111)، إذا جاز أن نحكم عليه من رسالته التي بعث بها إلى تراجان:
"إن الطريقة التي اتبعتها مع من اتهموا أمامي بأنهم مسيحيون هي هذه: لقد سألتهم هل هم مسيحيون؟ فإذا اعترفوا بأنهم كذلك أعدت السؤال عليهم مرة أخرى، وأنذرتهم في الوقت نفسه بأنهم سيقتلون إذا أصروا على قولهم، فإذا أصروا عليها أمرت بقتلهم... إن الناس بعد أن هجروا المعابد، فلا يكادون يطرقونها، قد أخذوا الآن يعودون إليها... وكثر الطلب على الضحايا من الحيوانات بعد أن قل الإقبال على شرائها" .

(12/184)


وقد رد عليه تراجان بقوله:
"إن الخطة التي سرت عليها يا عزيزي بلني في بحث حالات من اتهموا أمامك بأنهم مسيحيون خطة حكيمة... يجب ألا تجد في البحث عن
صفحة رقم : 4072
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

هؤلاء الناس، ولكن إذا ما بلغت أمرهم وتثبت من جرمهم فعاقبهم، فإذا أنكر الواحد منهم أنه مسيحي وأيد ذلك... بالابتهال إلى آلهتنا فاعف عنه... فإذا بلغت عن أحدهم ولم يذكر في البلاغ اسم المتهم فلا تتخذه بينة على أحد"(14).
وتوحي الفقرة التي أثبتناها هنا بخط الرقعة بأن ينفذ القانون القائم من قبل أيامه إلا مكرها، ولكننا مع ذلك نسمع عن شهيدين بارزين في أيام زعامته: أحدهما سمعان رئيس كنيسة أورشليم، وثانيهما أغناثيوس أسقف إنطاكية، وأكبر الظن أنه قد استشهد غيرهما ممن هم أقل منهما شهرة.

(12/185)


وأمر هدريان المتشكك الذي يتسع عقله لقبول كل الآراء، موظفيه بأن يفسروا كل شك في مصلحة المسيحيين(15)، أما انطونينس، الذي كان أكثر منه استمساكا بدينه، فقد أباح اضطهادهم أكثر من هدريان. وحدث في أزمير أن طالب الغوغاء فليب حاكم ولاية آسية ألا يتهاون في تنفيذ القانون، فأجابهم إلى ما طلبوا وأمر بإعدام أحد عشر من المسيحيين في المجتلد (155). ولكن هذا لم يطفئ من تعطش الغوغاء للدماء بل زادهم ظمأ إليه، فأخذوا يطالبون بإعدام الأسقف بوليكارب وهو أب ورع في السادسة والثمانين من العمر قيل إنه في أيام صباه كان يعرف القديس يوحنا، وقد وجد الجنود الرومان هذا الشيخ في بيت في ضاحية من ضواحي المدينة، فجاءوا به إلى الوالي وهو يشهد الألعاب دون أن يبدي الرجل أية مقاومة. وألح عليه فليب أن "أقسم اليمين، وسب المسيح، وسأصفح عنك". ويقول أقدم سفر من أعمال الشهداء إن يوليكارب أجابه بقوله: "لقد ظللت خادما له ستا وثمانين سنة، لم يسيء فيها إلي قط، فكيف إذا أسب ملكي الذي أنجاني؟" ونادا الغوغاء بأنه ينبغي أن يحرق حيا. وتقول الوثيقة التي فاض بها قلب مفعم بالتقوى والإيمان إن النار
صفحة رقم : 4073
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

كانت بردا وسلاما عليه، بل كان فيها كالخبز الذي يخبز، وقد فاحت منه رائحة ذكية كالتي تنبعث من البخور أو غيره من الأفاوية الغالية. وأمر الطغاة آخر الأمر سيافا أن يجهز عليه بسيفه؛ فلما فعل خرجت منه يمامة، وخرج دم بلغ من غزارته أن انطفأت منه النار وأثار ذلك دهشة الجماهير كلها"(16).

(12/186)


وتجدد الاضطهاد في عهد أورليوس الورع. ذلك أنه لما حلت بالبلاد الكوارث من فيضان، ووباء، أو حرب في حكمه الذي كان في أول أمره حكما موفقا سعيدا، ساد الاعتقاد بأن سبب هذه الكوارث هو إهمال آلهة الرومان أو إنكارها، وشارك أورليوس الجماهير في ذعرها، أو لعله خضع لها، فأصدر في عام 177 مرسوما يقضي بعقاب الشيع الدينية التي تنشر الاضطراب "باستثارة أصحاب العقول غير المتزنة" بتلقينها عقائد جديدة، وثارت الجماهير الوثنية في تلك السنة نفسها ثورة عنيفة على المسيحيين في فينا وليون ورجموهم بالحجارة كلما تجرءوا على الخروج من بيوتهم. وأمر المرسوم الإمبراطوري بالقبض على زعماء المسيحيين في ليون، ومات الأسقف يوثينس، وهو شيخ في سن التسعين، في السجن من آثار التعذيب. وأرسل رسول إلى روما ليسأل الإمبراطور عما يشير به في معاملة سائر المسجونين، فأشار ماركس بأن يطلق سراح من ينكر الدين المسيحي، وأن يقتل من يعتنقه كما يقضي بذلك القانون.
وكان أهل ليون يحتفلون وقتئذ بعيد الأوغسطاليا كعادتهم في كل عام، وأقبلت الوفود من جميع بلاد الغالة حتى ازدحمت بهم عاصمة الولاية. وبينما كانت الألعاب قائمة على قدم وساق جيء بالمسيحيين المتهمين إلى المدرج ووجهت إليهم الأسئلة، فأما من أنكروا فقد أخرجوا من المدرج، وأصر سبعة وأربعون على الاستمساك بدينهم "فقتلوا بعد أن ذاقوا من ألوان العذاب ما لا مثيل له إلا في أيام محاكم التفتيش. من ذلك أن أتلس الذي يلي يوثينس في المراتب الكهنوتية قد أرغم على الجلوس على كرسي من الحديد المحمى الذي شوى جسمه وأزهق
صفحة رقم : 4074
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

(12/187)


روحه(17). وظلت بلندينا Blandina، وهي أمة صغيرة السن، تعذب يوما كاملا، ثم ربطت في زكيبة، وألقيت في المجتلد ليفتك بها ثور وحشر، وتحملت الفتاة عذابها وهي صامتة، ولذلك اعتقد كثيرون من المسيحيين أن المسيح كان يفقد شهداءه قوة الإحساس بالألم؛ ولعل النشوة الدينية والخوف هما علة عدم الإحساس. وفي ذلك يقول ترتليان: "إن المسيحي كان يلهج بالشكر حتى حين يحكم عليه بالإعدام" .
وخفت حدة الاضطهاد في عهد كمودس، ثم عاد إلى ما كان عليه في عهد كبتميوس سفيرس، وبلغ من شدته أن كان التعميد نفسه يعد جريمة تستحق العقاب، وفي عام 203 استشهد كثيرون من المسيحيين في قرطاجنة ومن هؤلاء أم في مقتبل العمر تدعى بربتوا Berpetua تركت وراءها وصفا يفتت الأكباد لأيامها التي قضتها في السجن، ورجاء أبيها لها أن تنكر الدين المسيحي. وقد ألقيت هي وأم شابة أخرى إلى أحد الأثوار الوحشية وافترسهما الثور. ولدينا في أحد أسئلتها الأخيرة "حين ألقي بها إلى الثيران" دليل على ما يحدثه الخوف والغيبوبة من تخدير. وتصف لنا قصتها كيف وجهت بنفسها إلى عنقها خنجر المجالد الذي أمر على الرغم منه أن يقتلها(19). ولم تكن الإمبراطورات السوريات اللائي جلسن على العرش بعد سبتميوس يعنين كثيرا بالآلهة الرومانية. ولقيت المسيحية في أيامهن شيئا من التسامح الناشئ من عدم اهتمامهن بأمرها: ويبدو أن السلم قد سادت جميع الأديان المتنافسة في أيام ألكسندر سفيرس.
وانتهت الهدنة بتجدد هجمات البرابرة. وإذا شئنا أن نفهم الاضطهاد في عهد
صفحة رقم : 4075
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

(12/188)


ديسيوس (أو أورليوس) على حقيقته وجب علينا أن نصور لأنفسنا أمه منهمكة في حرب عوان، تزعجها الهزائم المنكرة، وتتوقع أن يغزو بلادها الأعداء، وتجتاح الإمبراطورية موجة من النشوة الدينية القوية في عام 249؛ ويهرع الرجال والنساء إلى الهياكل يحيطون بالآلهة ويضرعون إليها بالصلاة والدعوات؛ وفي وسط هذه الحمى التي تتأجج فيها نيران الوطنية والخوف، يقف المسيحيون عن بعد وقفة المشاهدين الذين لا يعنيهم الأمر، ويظلون كسابق عهدهم يستنكرون الخدمة العسكرية ويقاومونها(20)، ويسخرون من الآلهة، ويفسرون انهيار الإمبراطورية بأنه هو البشرى التي وردت في النبوءات عن تدمير "بابل" وعودة المسيح. وأراد ديسيوس أن يتخذ من حال الشعب النفسية فرصة يستعين بها على تقوية روح الحماسة الوطنية والوحدة القومية فأصدر مرسوما يطلب فيه إلى جميع سكان الإمبراطورية أن يتقدموا إلى آلهة روما بعمل يتقربون به إليها ويردون به غضبها. ويلوح أن المسيحيين لم يطلب إليهم أن ينكروا دينهم بل أمروا أن يشتركوا في التوسل إلى الآلهة التي طالما أنجت روما من الخطر المحدق بها كما يعتقد العامة. واستجابت كثرة المسيحيين إلى هذا الأمر؛ ففي الإسكندرية "كانت الردة عامة" على حد قول الأسقف ديونيشيوس(21)؛ وحدث ذلك بعينه في قرطاجنة وأزمير؛ وأكبر الظن أن المسيحيين من أهل تلك المدن وأمثالها كانوا يرون أن هذا التوسل لا يعد وأن يكون نوعا من الوطنية، ولكن أسقفي أورشليم وإنطاكيا قضيا نحبهما في غياهب السجن، وأعدم أسقفا روما وطولوز (250)، وألقي مئات من المسيحيين الرومان غياهب الجب، وقطعت رؤوس بعضهم، ومات الكثيرون منهم على قوائم الإحراق، وألقي عدد قليل منهم إلى الوحوش في حفلات الأعياد، وخفت حدة الاضطهاد بعد عام من ذلك الوقت، ولم يحل عيد الفصح في عام 251 حتى انتهى أمرها أو كاد. وبعد ست سنين من ذلك الوقت أمر فليريان، في خلال أزمة أخرى من أزمات الغزو والرعب،

(12/189)


صفحة رقم : 4076
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

أن "يمثل كل شخص للشعائر الرومانية، وحرم كل الاجتماعات المسيحية، وعصى البابا سكستس Sixtus هذا الأمر فأعدم هو وأربعة من شمامسته، وكذلك قطع رأس سبريان أسقف قرطاجنة، وحرق أسقف طراقونة حيا، وفي عام 261 نشر جالينوس، الذي جلس على العرش بعد أن أزال عنه الفرس فليريان، أول مرسوم يقضي بالتسامح الديني اعترف فيه بأن المسيحية من الأديان المسموح بها وأمر أن يرد إلى المسيحيين ما صودر من أملاكهم، وحدثت اضطهادات خفيفة في السنين الأربعين التالية، ولكن هذه السنين كانت في معظمها سني هدوء ونماء سريع للمسيحية لم تر لها مثيلا من قبل، فقد كان الناس في خلال الفوضى والرعب السائدين في القرن الثالث يفرون من الدولة الواهية المزعزعة الأركان إلى الدين يجدون فيهم سلواهم، وقد وجدوا هذه السلوى في المسيحية أكثر مما كانوا يجدونها في غيرها من الأديان المنافسة لها واعتنق المسيحية وقتئذ عدد من الأغنياء، فشادت كنائس فخمة، وأجازت لأبنائها أن يستمتعوا بطيبات العالم، وخبت نار الأحقاد الدينية بين الأهلين، وأصبح المسيحيون أكثر حرية في الاختلاط بالوثنيين بل انهم تزوجوا منهم، وبدا أن ملكية دقلديانس الشرقية قدر لها أن تعزز الأمن والسلام في الدين وفي السياسة على السواء.

(12/190)


بيد أن جليريوس كان يرى أن المسيحية هي آخر العقبات القائمة في سبيل السلطة المطلقة، فأخذ يحرض رئيسه على أن يجعل العودة إلى العهود الرومانية السابقة عودة كاملة، وذلك بإرجاع الآلهة الرومانية إلى منزلتها القديمة. وتردد دقلديانوس في الأخذ بهذه المشورة، لأنه كان عازفا عن ركوب أخطار لا موجب لها، ولأنه كان أكثر من جليريوس تقديرا لثقل العبء. ولكن حدث في يوم من أيام القربان الإمبراطورية أن رسم المسيحيون علامة الصليب ليتقوا شر الشياطين الخبيثة؛ ولما أن عجز العرافون عن أن يجدوا في أكباد الحيوانات المذبوحة العلامات التي كانوا يرجون تفسيرها ألقوا الذنب على وجود أشخاص
صفحة رقم : 4077
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

كفار نجسين، فأمر دقلديانوس أن يقرب جميع الحاضرين القرابين إلى الآلهة أو يجلدوا، وأن يمتثل جميع جنود الجيش لهذا الأمر أو يفصلوا من الخدمة (302). ومن أغرب الأشياء أن الكتاب المسيحيين يتفقون هنا مع الكهنة الوثنيين فيقول لكتنتيوس Lactantantantius(22) إن صلوات المسيحيين أبعدت الآلهة الرومانية، وكتب الأسقف ديونيشيوس بهذا المعنى ذاته قبل ذلك بجيل. ولم يترك جليريوس فرصة إلا انتهزها للقول بأن الوحدة الدينية ضرورية لتدعيم الملكية الجديدة، وما زال يلح على دقلديانوس حتى خضع له في آخر الأمر. وأمر الحكام الأربعة في عام 303 أن تهدم كل الكنائس المسيحية، وأن تحرق الكتب المسيحية، وتحل المجتمعات المسيحية وتصادر أملاكها، ويحرم المسيحيون من جميع المناصب العامة، ويعاقب بالإعدام من يضبط منهم في أي اجتماع ديني. وبدأت كتيبة من الجند هذا الاضطهاد بإحراق كنيسة نقوميديا وتدميرها عن آخرها.

(12/191)


وكان المسيحيون وقتئذ من الكثرة بحيث يستطيعون رد العدوان بمثله، فقامت حركة ثورية في سوريا، وأضرم بعضهم النار مرتين في قصر دقلديانوس بنقوميديا، واتهم جليريوس المسيحيين بجريمة الحرق عمدا، واتهموه هم بنفس التهمة، وقبض على مئات من المسيحيين وعذبوا، ولكن الجريمة لم تثبت على أحد واصدر دقلديانوس في شهر سبتمبر أمرا بأن يطلق سراح المسجونين من المسيحيين الذين يعبدون الآلهة الرومانية، أما من يرفض ذلك منهم فلتسلط عليه جميع أنواع العذاب التي تعرفها روما. فلما قاوم المسيحيون هذه الأوامر بازدراء استشاط غضبا من هذه المقاومة، وأمر جميع كبار الحكام في الولايات بأن يبحثوا عن كل مسيحي، وأن يستخدموا معه كل وسيلة مستطاعة لإرغامه على استرضاء الآلهة. ولعله قد سره أن يترك هذه المقامرة التعسة إلى من يخلفه فاعتزل الملك.
صفحة رقم : 4078
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

(12/192)


ونفذ مكسميان هذا المرسوم في إيطاليا تنفيذا عسكريا كاملا صارما. وشجع جليريوس بعد أن صار أغسطس الاضطهاد في الشرق بجميع وسائل التشجيع، فزاد عدد الشهداء في كل جزء من أجزاء الإمبراطورية عدا غالة وبريطانيا، حيث اكتفى قنسطنطيوس بإحراق عدد قليل من الكنائس. ويؤكد لنا يوسبيوس، ولعله يفعل ذلك في سورة الغضب، أن الناس كانوا يجلدون حتى تنفصل لحومهم عن عظامهم، أو أن لحمهم كان يقشر عن عظامهم بالأصداف ، وكان الملح أو الخال يصب في جروحهم، ويقطع لحمهم قطعة قطعة ويرمى للحيوانات الواقفة في انتظارها، أو يشدون إلى الصلبان فتنهش لحومهم الوحوش الجياع جزءا جزءا. ودست عصى حادة الأطراف في أصابع بعض الضحايا تحت أظافرهم، وسملت أعين بعضهم، وعلق بعضهم من يده أو قدمه، وصب الرصاص المصهور في حلوق البعض الآخر، وقطعت رؤوس بعضهم أو صلبوا، أو ضربوا بالعصى الغليظة حتى فارقوا الحياة؛ ومزقت أشلاء البعض بأن شدت أجسامهم إلى غصون أشجار ثنيت ثنيا مؤقتا(23). وقد وصل إلينا علم ذلك كله عن المسيحيين أما الوثنيون فلم ينقلوا إلينا شيئا من هذه الأخبار.

(12/193)


ودام الاضطهاد ثمانية أعوام، وهلك بسببه نحو ألف وخمسمائة من المسيحيين، بعضهم من أتباع الدين القويم، وبعضهم من الملاحدة، وقاسى عدد آخر يخطئه الحصر ألوانا مختلفة من العذاب. وارتد آلاف من المسيحيين عن دينهم؛ وتقول بعض الروايات أن مرسلينس Marcellinus أسقف روما نفسه أرغم بضروب من الإرهاب والتعذيب على أن يرتد عن دينه، ولكن معظم من نالهم الاضطهاد ثبتوا على دينهم؛ وكان منظر استبسالهم في الإخلاص لدينهم، أو كانت أخيار هذا الاستبسال؛ رغم ما قاسوه من ألوان العذاب، كان هذا وذاك سببا في شد عزيمة المترددين، وضم أنصار جدد للجماعات الدينية المضطهدة. وأثارت ضروب الاضطهاد الوحشي المتزايدة الرحمة في قلوب الأهلين الوثنيين؛ ووجد الصالحون في نفوسهم من الشجاعة ما دفعهم إلى التصريح بمقتهم لهذا الظلم الذي
صفحة رقم : 4079
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> النزاع بين الكنيسة والدولة

لم يكن له مثيل في التاريخ الروماني كله. لقد كان الشعب في الأيام الخالية يدفع الدولة إلى القضاء على المسيحية؛ أما الآن فقد وقف الشعب بعيدا عن الحكومة، وعرض كثيرون من الوثنيين أنفسهم للموت بحماية المسيحيين أو إخفائهم حتى تنجلي هذه العاصفة(24). وقد انجلت فعلا في عام 311، ففي ذلك العام أصدر جليريوس مرسوما بالتسامح مع المسيحيين واعترف فيه بالمسيحية دينا مشروعا، وطلب إلى المسيحيين أن يدعوا له في صلواتهم نظير "رحمتنا التي وصلت إلى أقصى حدود الرقة"(25). وكان الباعث له على إصدار هذا المرسوم رجاء زوجته وتوسلها له أن يصالح إله المسيحيين الذي لم يهزم؛ وكان جليريوس، وقتئذ يشكو من داء عضال، ويوقن بإخفاقه في القضاء على المسيحية.

(12/194)


وكان اضطهاد دقلديانوس أشد ما ابتليت به الكنيسة المسيحية، كما كان في الوقت نفسه أعظم انتصار نالته على أعدائها. نعم إن هذا الاضطهاد أضعفها إلى حين، بعد أن خرج منها بعض من انضموا إليها أو نشئوا في أحضانها خلال خمسين عاما من أعوام الرخاء لم يتعرض لهم فيها أحد بسوء؛ ولكن سرعان ما أخذ المرتدون يتوبون عن ذنبهم ويطلبون العودة إلى حظيرتها، ذلك أن أخبار وفاء الشهداء الذين قضوا نحبهم، أو عذبوا في سبيل دينهم، أخذت تنتشر من مكان إلى مكان. ونسجت حول أعمال الاستشهاد هذه قصص خيالية مبالغ فيها مثيرة للعواطف محركة للنفوس، كان لها شأن أيما شأن في إحياء العقيدة المسيحية، وتثبيت دعائمها. وفي ذلك يقول ترتليان "إن دم الشهداء هو البذور" التي نبتت منها المسيحية(26). وليس في تاريخ البشرية قصة أعظم روعة من فئة قليلة من المسيحيين توالت عليها ضروب الظلم والازدراء على يد سلسلة طويلة من الأباطرة، لكنها صبرت على هذه المحن جميعها واستمسكت بدينها، وتضاعف عددها وهي هادئة ساكنة، تقيم النظام وقت أن كان أعداؤها ينشرون الفوضى، تصد القوة بالقوة، والوحشية بالأمل، ثم تهزم آخر الأمر أقوى دولة عرفها التاريخ. لقد التقى قيصر والمسيح في المجتلد، فانتصر المسيح على قيصر.

صفحة رقم : 4080
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين

الفصل الثاني
قسطنطين
شهد دقلديانوس، وهو هادئ في قصره بدلماشيا، فشل الاضطهاد والحكومة الرباعية، ذلك أن الإمبراطورية لم تشهد قط في أيامها السابقة ما شهدته من الاضطراب بعد نزوله عن العرش. وقد استطاع جليريوس أن يقنع قنستنطيوس بأن يعين سفيرس ومكسمينس دازا "قيصرين" (305). وما لبث مبدأ الوراثة أن أخذ يثبت دعواه، فقد رغب مكسنتيوس Maxentius بن مكسميان أن يخلف أباه في سلطانه، وثارت هذه الرغبة نفسها في قلب قسطنطين.

(12/195)


وكان فلافيوس فليريوس قنسطنطينس قد بدأ حياته في نايسس Naissus ابنا غير شرعي لقنسطنطيوس من محظيته الشرعية هلينا، خادمة إحدى الحانات في بيثينيا(27). فلما أصبح قنسطنطيوس قيصرا طلب إليه دقلديانوس أن يتنحى عن هلينا ويتزوج بثيودورا ربيبة مكسميان. ولم يتلق قنسطنطين من العلم إلا قليلا، فقد انخرط في سلك الجندية في سن مبكرة، وأظهر بسالته في الحروب التي قامت ضد مصر وفارس: ولما خلف جليريوس دقلديانوس أبقى الضابط الشاب بالقرب منه ليكون رهينة لديه يضمن به حسن مسلك قنسطنطيوس. ولما طلب إليه قنسطنطيوس أن يرسل إليه الشاب، تلكأ جليريوس في إجابته إلى طلبه وأظهر في ذلك كثيرا من الدهاء ولكن قسطنطين فر من حراسه؛ واخترق أوربا راكبا ليلا ونهارا لينضم إلى أبيه في بولوني Boulogne، ويشترك معه في حرب ضد بريطانيا. وكان جيش غالة شديد الولاء لقنسطنطيوس لما كان يتصف به من الرحمة، ولما أبصر ابنه الوسيم، الشجاع، النشط، أحبه حبا جما؛ ولما مات والده في يورك York (306)؛ لم يكتف الجند بأن ينادوا قسطنطين
صفحة رقم : 4081
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين

"قيصرا" فحسب بل نادوا به أغسطسا - إمبراطورا. لكنه رضي بأصغر اللقبين بحجة أنه لن يأمن على حياته إذا لم يكن وراءه جيش يحميه. ولم يستطع جليريوس أن يتدخل في الأمر لبعده، فاعترف به "قيصرا" وهو كاره. وحارب قسطنطين الفرنجة الذين غزوا الإمبراطورية وانتصر عليهم وأطعم وحوش المدرج الغالي ملوك البرابرة.

(12/196)


وفي هذه الأثناء نادى الحرس البريتوري في رومة بمكسنتيوس إمبراطورا. لأنه كان يتوق لعودة الزعامة إلى العاصمة التليدة (306). وانقض عليه سفيرس من ميلان وهاجمه. وضاعف مكسميان الاضطراب والفوضى فعاد إلى لبس الأرجوان إجابة لطلب ولده، واشترك في الحرب التي شبت نارها وقتئذ. وتخلى جنود سفيرس عنه وقتلوه (307)؛ وأراد جليريوس، وكان في ذلك الوقت شيخا طاعنا في السن أن يقوي مركزه ليواجه الفوضى التي أخذت تضرب أطنابها في البلاد، فعين أغسطسا جديدا - فلافيوس ليسنيوس Flavius Licinius، فلما سمع قسطنطين بهذا اتخذ لنفسه أيضا هذا اللقب (307)؛ وبعد سنة واحدة لقب مكسمنيوس دازا نفسه باللقب عينه، وبهذا أصبح في الإمبراطورية ستة أغاطسة بدل الاثنين اللذين كانا على عهد دقلديانوس، ولم يكتف واحد منهم بأن يكون قيصرا فقط. وتنازع مكسنتيوس مع والده، وذهب مكسميان إلى غالة ليستغيث بقسطنطين، وقد كان وقتئذ يحارب الألمان على ضفاف الرين. وحاول مكسميان أن يكون هو قائد الجيوش الغالية بدله، واخترق قسطنطين غالة بجيشه، وحاصر المغتصب في مرسيليا، وأسره، وتفضل عليه بأن أجاز له أن ينتحر (310).
وأزال موت جليريوس الحاجز الأخير بين الدسائس والحرب، فائتمر
صفحة رقم : 4082
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين

(12/197)


مكسمينس ومكسنتيوس للقضاء على ليسنيوس وقسطنطين، وائتمر الثانيان للقضاء على الأولين. ورأى قسطنطين أن يكون هو البادئ بالعمل، فعبر جبال الألب، وهزم جيشا لعدويه قرب تورين Turin، وزحف على روما بسرعة مدهشة ونظام عسكري يذكران الإنسان بزحف قيصر من الربيكون Rubicon، والتقى في السابع والعشرين من شهر أكتوبر عام 312 بقوى مكسنتيوس عند سكسا ربرا Saxa Rubra (الصخور الحمراء) التي تبعد تسعة أميال عن روما جهة الشمال، وأفلح بخططه الحديثة الفائقة أن يرغم عدوه على أن يقاتل ونهر التيبر من ورائه، وليس له من طريق يسلكه إذا تقهقر إلا أن يعبر جسر ملفيوس(28) إن قسطنطين شاهد بعد ظهر اليوم الذي دارت فيه المعركة صليبا ملتهبا في السماء وعليه تلك العبارة اليونانية En touti mika ومعناها "بهذه العلامة أنتصر" .
وفي صباح اليوم الثاني - كما يقول يوسبيوس ولكتنيوس(31) رأى قسطنطين فيما يرى النائم أن صوتا يأمره بأن يرسم جنوده حرف X على دروعهم وفي وسطه خط يقطعه وينثني حول أعلاه - علامة الصليب. فلما استيقظ من نومه صنع بما أمر وخاض المعركة خلف لواء "عرف من ذلك الوقت باسم اللبارم Labarum" رسم عليه الحرفان الأولان من لفظ المسيح يربطهما صليب. ولعل حقيقة الأمر أن قسطنطين رأى أن يربط حظه بحظ المسيحيين حين رأى مكستنيوس يرفع لواء مثراس أورليان، وهو لواء الشمس التي لا تقهر. وكان عدد جنوده المسيحيين وقتئذ كبيرا، وبهذا جعل هذه المعركة نقطة التحول
صفحة رقم : 4083
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين

(12/198)


في تاريخ الأديان. ولم يكن الصليب يسيء إلى جنود قسطنطين من عباد مثراس، لأنهم طالما حاربوا تحت لواء يحمل شعارا مثراسيا من الضوء(32). ومهما يكن من شيء فقد انتصر قسطنطين في واقعة جسر ملفيوس وهلك مكسنتيوس هو وآلاف من جنوده في نهر التيبر، ودخل القائد الظافر روما وحبته المدينة وأصبح سيد الغرب بلا منازع.
وتقابل قسطنطين وليسنيوس في ميلان في أوائل عام 313 لينسقا حكمهما: وأراد أولهما أن يجعل تأييده للمسيحيين عاما يشمل الولايات جميعها، فأصدر هو وليسنيوس "مرسوم ميلان" يؤكدان فيه التسامح الديني الذي أعلنه جليريروس ووسعا نطاقه حتى شمل الأديان كلها، ويأمران بأن يعاد إلى المسيحيين ما انتزع من أملاكهم في أثناء الاضطهاد الأخير. وعاد قسطنطين للدفاع عن غالة بعد هذا الإعلان التاريخي الذي كان في واقع الأمر اعترافا بهزيمة الوثنية؛ واتجه ليسنيوس نحو الشرق ليكيل الضربات إلى مكسمينس (313). كلن مكسمينس مات بعد قليل من ذلك الوقت. فأصبح قسطنطين وليسنيوس حاكمي الإمبراطورية لا ينازعهما فيها منازع وتزوج ليسنيوس أخت قسطنطين، واختبط الشعب الذي مل الحروب بمخايل السلام البادية في الأفق.
ولكن كلا الحاكمين لم يفارقه قط أمله في أن يكون صاحب السيادة وحده على الدولة جميعها؛ ووصل العداء المتزايد بينهما في 313 إلى امتشاق الحسام، فغزا قسطنطين باثونيا، وهزم لينسيوس، واضطر إلى أن يسلم له جميع أملاك الدولة الرومانية في أوربا ما عدا تراقية. وانتقم ليسنيوس من المسيحيين المؤيدين لقسطنطين بالعودة إلى اضطهادهم في آسية ومصر؛ فطرد المسيحيين من قصره في نقوميديا، وحتم على كل جندي أن يعبد الآلهة الوثنية، وحرم اجتماع الرجال والنساء في أثناء العبادات المسيحية، ثم حرم آخر الأمر
صفحة رقم : 4084
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين

(12/199)


جميع الشعائر المسيحية داخل المدينة، وأمر بطرد من عصى من المسيحيين من خدمة الحكومة وحرمانهم من حق المواطنية، ومن أملاكهم، أو حريتهم أو حياتهم.
وظل قسطنطين يترقب الفرصة التي تمكنه من إنقاذ المسيحيين في بلاد الشرق ومن إضافة الشرق نفسه إلى أملاكه. وأتيحت له هذه الفرصة حين غزا البرابرة تراقية وعجز ليسنيوس عن الزحف لملاقاتهم، فسار قسطنطين على رأس جيشه إلى تسالونيكي لينقذ ولاية ليسنيوس من الغزاة. فلما أن صد البرابرة احتج ليسنيوس على دخوله تراقية، وتجددت الحرب بين الملكين لأن كليهما لم يكن يجنح للسلم. والتقى حامي المسيحية ومعه 130.000 من رجاله بحامي الوثنية على رأس 160.000 في أدرنة أولا ثم في كريسوبوليس Chrysopolis (أشقودرة)، وانتصر وأصبح وحده إمبراطورا على الدولة الرومانية (323). استسلم ليسنيوس بعد أن وعده قسطنطين بالعفو عنه، ولكنه أعدم في السنة الثانية متهما بأنه عاد إلى دسائسه. واستدعى قسطنطين المنفيين من المسيحيين، وأعاد إلى كل "المؤمنين" ما فقدوه من الامتيازات والممتلكات. ومع أنه كان لا يزال يعلن أن الناس كلهم أحرار فيما يعبدون، فقد أعلن وقتئذ صراحة اعتناقه الدين المسيحي، ودعا رعاياه أن ينهجوا نهجه في اعتناق الدين الجديد.

صفحة رقم : 4085
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

الفصل الثالث
قسطنطين والمسيحية

(12/200)


ترى هل كان قسطنطين حين اعتنق المسيحية مخلصا في عمله هذا؟ وهل أقدم عليه عن عقيدة دينية، أو هل كان ذلك العمل حركة بارعة أملتها عليه حكمته السياسية؟ أكبر الظن أن الرأي الأخير هو الصواب(33). لقد اعتنقت أمه هلينا الدين المسيحي حين طلقها قنسطنطيوس؛ ولعلها أفضت إلى ولدها بفضائل المسيحية، وما من شك في أنه تأثر بما ناله من انتصارات في المعارك الحربية التي خاض غمارها مستظلا بلواء المسيح وصليبه. ولكن المتشكك وحده هو الذي يحتال هذا الاحتيال على استخدام مشاعر الإنسانية الدينية لنيل أغراضه الدنيوية. ويقول صاحب كتاب تاريخ أغسطس Historia Augusta على لسانه: "إن الحظ وحده هو الذي يجعل الإنسان إمبراطورا"(34) - وإن كان قوله هذا تواضعا منه لا اعتقادا بسيطرة الظروف على مصائر الناس. وقد أحاط نفسه في بلاطه ببلاد غالة بالعلماء والفلاسفة الوثنيين(35)؛ وكلما كان اعتناقه دينه الجديد يخضع لما تتطلبه العبادات المسيحية من شعائر وطقوس، ويتضح من رسائله التي بعث بها إلى الأساقفة المسيحيين أنه لم يكن يعنى بالفروق اللاهوتية التي كانت تضطرب لها المسيحية - مع أنه لم يكن يتردد في القضاء على الانشقاق محافظة على وحدة الإمبراطورية. وقد كان في أثناء حكمه كله يعامل الأساقفة على أنهم أعوانه السياسيون؛ فكان يستدعيهم إليه، ويرأس مجالسهم، ويتعهد بتنفيذ ما تقره أغلبيتهم من آراء. ولو أنه كان مسيحيا حقا أولا وحاكما سياسيا بعدئذ؛ ولكن الآية انعكست في حال قسطنطين، فكانت المسيحية عنده وسيلة لا غاية.
صفحة رقم : 4086
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

(12/201)


ولقد شهد في حياته كيف أخفق الاضطهاد ثلاث مرات، وانطبع في نفسه بلا ريب انتصار المسيحية رغم كل اضطهاد. نعم إن أتباع هذا الدين كانوا لا يزالون قلة في الدولة، ولكنهم كانوا إذا قيسوا إلى غيرهم قلة متحدة، مستبسلة قوية، على حين أن الأغلبية الوثنية كانت منقسمة إلى عدة شيع دينية، وكان فيها عدد كبير من النفوس التي لا عقيدة لها ولا نفوذ في الدولة. وكان المسيحيون كثيرين في روما بنوع خاص في عهد مكسنتيوس، وفي الشرق في أيام ليسنيوس؛ وقد أفاد قسطنطين من تأييد المسيحية اثنا عشر فيلقا لاقى بها هذين القائدين. ولقد اعجب بجودة نظام المسيحيين إذا قيسوا بغيرهم من سكان الإمبراطورية، وبمتانة أخلاقهم، وحسن سلوكهم، وبجمال الشعائر المسيحية وخلوها من القرابين الدموية، وبطاعة المسيحيين لرؤسائهم الدينيين، وبرضاهم صاغرين بفوارق الحياة رضاء مبعثه أملهم في أنهم سيحظون بالسعادة في الدار الآخرة. ولعله كان يرجو أن يطهر هذا الدين الجديد أخلاق الرومان. ويعيد إلى الأسرة ما كان لها من شأن قديم، ويخفف من حدة حرب الطبقات، وقلما كان المسيحيون يخرجون على الدولة رغم ما لاقوه من ضروب الاضطهاد الشديد، ذلك بأن معلميهم قد غرسوا في نفوسهم واجب الخضوع للسلطات المدنية، ولقنوهم حق الملوك المقدس. وكان قسطنطين يأمل أن يكون ملكا مطلق السلطان، وهذا النوع من الحكم يفيد لا محالة من تأييد الدين، وقد بدا له أن النظام الكهنوتي وسلطان الكنيسة الدنيوي يقيمان نظاما روحيا يناسب نظام الملكية، ولعل هذا النظام العجيب بما فيه من أساقفة وقساوسة، يصبح أداة لتهدئة البلاد وتوحيدها وحكمها.
لكن قسطنطين اضطر إلى أن يتحسس كل خطوة يخطوها بحذر، لأن الوثنية كانت هي الغالبة على العالم الذي يعيش فيه. ولذلك ظل يستخدم ألفاظا توحيدية يستطيع أن يقبلها كل وثني، وقام خلال السنين الأولى من سلطانه
صفحة رقم : 4087

(12/202)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

المفرد في صبر وأناة بجميع المراسيم التي يتطلبها منه منصب الكاهن الأكبر، والتي تحتمها عليه الطقوس التقليدية، وجدد بناء الهياكل الوثنية، وأمر بممارسة أساليب العرافة؛ واستخدم في تدشين القسطنطينية شعائر وثنية ومسيحية معا، واستعمل رقى سحرية وثنية لحماية المحاصيل وشفاء الأمراض(36).
ولما توطدت دعائم قوته أخذ يجهر تدريجيا بمحاباة المسيحية، فمحا بعد عام 317 من نقوده واحدة بعد واحدة ما كان على وجهها من صور وثنية، ولم يحل عام 323 حتى كان كل ما عليها من الرسوم نقوشا محايدة لا هي مسيحية ولا وثنية. ومن المراسيم القانونية الباقية من عهده مرسوم مشكوك فيه ولكنه لم يثبت كذبه، يخول الأساقفة المسيحيين حق الفصل فيما يقوم في أبرشياتهم من منازعات قضائية(37)، وأعفت قوانين أخرى أملاك الكنيسة العقارية من الضرائب(38) وجعلت الجماعات المسيحية شخصيات معنوية قضائية، وأجازت لها امتلاك الأرض وقبول الهبات، وجعلت الكنيسة هي الوارثة لأملاك الشهداء الذين لم يعقبوا ذرية(39). وكذلك وهب قسطنطين أموالا إلى المجامع الدينية المحتاجة إليها، وشاد عددا من الكنائس في القسطنطينية وغيرها من المدن، وحرم عبادة الأوثان في عاصمته الجديدة. وكأنه نسي مرسوم ميلان فحرم اجتماع الشيع الدينية الملحدة، وأمر آخر الأمر بتدمير مجامعهم الدينية(40)، وربى أبناءه تربية مسيحية سليمة، وأعان بالمال أعمال البر المسيحية التي كانت تقوم بها أمه. وابتهجت الكنيسة بهذه النعم التي فاقت كل ما كانت تتوقعه؛ وكتب يوسيبوس صحائف كانت في واقع الأمر عقود مدح لقسطنطين وإقرارا بفضله، واحتشد المسيحيون في جميع أنحاء الإمبراطورية ليعبروا عن شكرهم لانتصار إلههم.
غير أن سحبا ثلاثا كدرت صفو ذلك اليوم الذي "لا سحاب فيه":
صفحة رقم : 4088

(12/203)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

تلك هي انشقاق الاديرة، والانشقاق الدوناني ، والإلحاد الأريوسي . وكانت الكنيسة، في الفترة الواقعة بين اضطهادي ديسيوس ودقلديانوس، قد أضحت أغنى الهيئات الدينية في الإمبراطورية، وخففت من هجماتها على الثراء. فترى سبريان يشكو من أن أبناء أبرشيته قد أضل حب المال عقولهم، ومن أن النساء المسيحيات يصبغ وجوههن، وأن الأساقفة يتولون مناصب في الدولة تدر عليهم المال الكثير، فأثروا، وأقرضوا المال بربا فاحش، وارتدوا عن دينهم إذا بدت لهم أول علامة من علامات الخطر(41)، ويبدي يوسبيوس حزنه من تناحر القساوسة في تنافسهم على المناصب الكنسية العليا(42).
وقصارى القول أن الدنيا جعلت المسيحيين رجال دنيا في الوقت الذي هدت فيه المسيحية العالم إلى ذلك الدين؛ وأظهرت الدنيا ما في الفطرة البشرية من غرائز وثنية. وقامت الرهبنة المسيحية احتجاجا على هذا التوفيق المتبادل بين الروح والجسم. ذلك أن أقلية من المسيحيين كانت ترغب في الابتعاد عن كل طاعة للشهوات البشرية، وتطالب بالاستمرار على الانهماك المسيحي القديم في التفكير في الحياة الأبدية الخالدة. وجرى بعض هؤلاء الزهاد على الكلبيين فتخلوا عن جميع أملاكهم، وارتدوا ثوب الفلاسفة الخلق، وعاشوا على ما يقدم لهم من صدقات. وذهب بعضهم ليعيشوا بمفردهم في الصحراء المصرية كما فعل بولس الناسك. وحدث حوالي عام 275 أن بدأ راهب مصري يدعى أنطونيوس ربع قرن من حياة العزلة قضى بعضها أولا في قبر، وبعضها في حصن جبلي مهجور، وبعضها الآخر في فجوة ضيقة نحتها في الصخور، كانت تنتابه فيها أثناء الليل
صفحة رقم : 4089
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

(12/204)


رؤى مخيفة وأحلام لذيذة تغلب عليها كلها، حتى اشتهر بالقداسة، وعمت هذه الشهرة جميع أنحاء العالم المسيحي، وعمرت الصحراء بالنساك المنافسين له. وأحس باخوميوس في عام 325 أن اعتزال الناس أنانية فجمع الزهاد في دير عند طابين في مصر، وأنشأ الرهبنة الجماعية التي صار لها أعظم الأثر في بلاد الغرب. وقاومت الكنيسة حركة الرهبنة وقتا ما، ثم رضيت بها لتوازن اهتمامها المتزايد بشئون الحكم.
وقبل أن يمضي عام واحد على اعتناق قسطنطين المسيحية حدث فيها انشقاق شديد الخطورة كاد يقضي عليها في ساعة النصر. ذلك أن دوناتس Donatus أسقف قرطاجنة، يؤيده قسطنطين اسمه كاسمه ومزاجه كمزاجه، أصر على أن الأساقفة الذين أسلموا الكتاب المقدس لرجال الشرطة الوثنيين قد فقدوا بعملهم هذا أهليهم لمنصبهم وسلطتهم، وأن شعائر التعميد ورسامة القساوسة التي تجري على أيدي هؤلاء الأساقفة باطلة، وان صحة العشاء الرباني يقف بعضها على الحالة الروحية للقائم بخدمته. ولما رفضت الكنيسة العمل بهذه العقائد الصارمة نصب الدوناتيون أساقفة جدد في كل مكان رأوا أن الأسقف الذي فيه لا تنطبق عليه شروطهم، وحزن قسطنطين أشد الحزن لما أعقب هذه الحركة من فوضى وعنف، وقد كان يظن أن المسيحية ستكون قوة تعمل على الوحدة؛ ولعله قد تأثر بعض التأثر بالحلف الذي عقد إلى حين بين الدوناتيين وبين القائمين بالحركة المتطرفة بين الزراع الأفريقيين. ولهذا دعا الأساقفة إلى مجلس جامع يعقد في أرليس (314)، وأيد ما أصدره من قرار بالتشهير بالدوناتية، وأمر المنشقين بالعودة إلى الكنيسة، وقرر أن المجامع التي لا تطيع هذا القرار تفقد أملاكها وحقوقها المدنية (316). وبعد خمس سنين من ذلك الوقت طافت بعقله في فترة قصيرة ذكرى مرسوم ميلان، فألغى هذه القرارات، وتسامح مع الدوناتيين
صفحة رقم : 4090
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

(12/205)


تسامحا مصحوبا بالسخرية. وبقيت هذه الشيعة حتى قضى العرب على أتباع الدين القويم وعلى الملحدين حين فتحوا أفريقية.
وفي هذه السنين نفسها شهدت الإسكندرية قيام أخطر حركة إلحادية في تاريخ الكنيسة. ذلك أن قسا مصريا تقدم إلى أسقفه حوالي عام 318 بآراء غريبة عن طبيعة المسيح، ويصفه مؤرخ كاثوليكي عالم وصفا كريما فيقول:
"كان أريوس... طويل القامة، نحيل الجسم، مكتئب المظهر، ذا منظر تبدو فيه آثار خشونة العيش. وكان معروفا بأنه من الزهاد، كما يستدل على ذلك من ملبسه - وهو جلباب قصير من غير كمين تحت ملحفة يستخدمها عباءة وكانت طريقته في الحديث ظريفة، وخطبه مقنعة. وكانت العذارى اللاتي نذرن أنفسهن للدين، وهن كثيرات في الإسكندرية، يبجلنه أعظم التبجيل، وكان له من بين رجال الدين عدد كبير من المؤيدين"(43).
ويقول أريوس إن المسيح لم يكن هو والخالق شيئا واحدا، بل كان هو الكلمة أول الكائنات التي خلقها الله وأسماها. واحتج الأسقف ألكسندر على هذا القول، ولكن أريوس أصر عليه وقال إنه إذا كان الابن من نسل الأب، فلابد أن تكون ولادته قد حدثت في زمن، وعلى هذا لا يمكن أن يكون الابن مصقفا مع وجود الأب في الزمن. يضاف إلى هذا أنه إذا كان المسيح قد خلق فلابد أن يكون خلقه من لا شيء، أي من غير مادة الأب؛ لأن المسيح والأب ليسا من مادة واحدة. وقد ولد الروح القدس من الكلمة، وهو أقل ألوهية من الكلمة نفسها. ونحن نرى في هذه العقائد استمرار للأفكار المنحدرة من أفلاطون عن طريق الرواقيين، وفيلون، وأفلوطينس، وأرجن إلى أريوس. وبذلك أصبحت الأفلاطونية التي كان لها أعظم الأثر في اللاهوت المسيحي في نزاع مع الكنيسة.
صفحة رقم : 4091
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

(12/206)


وارتاع الأسقف ألكسندر من هذه الآراء، وارتاع أكثر من هذا من سرعة انتشارها بين رجال الدين أنفسهم. ولهذا دعا مجلسا من الأساقفة المصريين إلى الاجتماع في الإسكندرية، وأقنع أعضاءه بأن يحكموا بتجريد أريوس وأتباعه؛ وأبلغ الإجراءات التي اتخذها المجلس إلى سائر الأساقفة، فاعترض عليها بعضهم، وأظهر بعض القساوسة عطفا على أريوس، واختلفت آراء رجال الدين والدنيا في الولايات الأسيوية في هذه المشكلة، وترددت في المدائن أصداء "الضجيج والاضطراب... حتى كان الدين المسيحي"، كما يقول يوسبيوس "موضوع السخرية الدنسة من الوثنيين، حتى في دور التمثيل نفسها"(45). ولما جاء قسطنطين إلى نقوميديا بعد أن هزم ليسنيوس، سمع هذه القصة من أسقفها، فأرسل إلى الاسكندر وإلى أريوس رسالة شخصية يدعوهما فيها أن يتخلقا بهدوء الفلاسفة، وأن يوفقا بين آرائهما المختلفة في سلام، فإن لم يفعلا فلا أقل من أن يخفيا جدلهما عن آذان الجماهير، ويكشف هذا الخطاب، الذي نقله لنا يوسبيوس، في صراحة عن قلة اهتمام قسطنطين بعلوم الدين، وعن الهدف السياسي الذي كان يبتغيه من سياسته الدينية:
"لقد اقترحت أن أرد جميع آراء الناس في الله إلى صورة واحد، لأني قوي الاعتقاد بأني إذا استطعت أن أوحد آراءهم في هذا الموضوع سهل علي كثيرا تصريف الشئون العامة. ولكني مع الأسف الشديد أسمع أن بينكما من الخلاف أكثر مما كان قائما في أفريقية من وقت قريب. ويبدو لي أن سبب هذا الخلاف بينكما صغير تافه غير جدير بأن يثير هذا النزاع الشديد. فأنت يا ألكسندر تريد أن تعرف رأي قساوتك في إحدى النقاط القانونية، في جزء من سؤال هو في حد ذاته عديم الأهمية؛ وأما أنت يا أريوس فقد كان الواجب عليك، إذا كانت لديك أفكار من هذا القبيل، أن تظل صامتا... ولم يكن ثمة حاجة إلى إثارة هذه المسائل
أمام الجماهير... لأنها مسائل لا يثيرها إلا من ليس لديهم عمل
صفحة رقم : 4092

(12/207)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

يشغلون به أنفسهم، ولا يرجى منها إلا أن تزيد عقول الناس حدة... تلك أعمال سخيفة بالأطفال العديمي التجربة لا برجال الدين أو العقلاء من الناس"(46).
ولم يكن لهذه الرسالة أثر ما لأن مسالة اتفاق الأب والابن في المادة لا مجرد تشابههما كانت في نظر الكنيسة مسألة حيوية من الوجهتين الدينية والسياسية، وكانت ترى أنه إذا لم يكن المسيح إلها فإن كيان العقيدة المسيحية كلها يبدأ في التصدع، وإذا ما سمحت باختلاف الرأي في هذا الموضوع فإن فوضى العقائد قد تقضي على وحدة الكنيسة وسلطانها، ومن ثم على ما لها من قيمة بوصفها عونا للدولة. ولما انتشر الجدل في هذه المسألة، واشتعلت نيران الخلاف في بلاد الشرق اليوناني، اعتزم قسطنطين أن يقضي عليه بدعوة أول مجلس عام للكنيسة. ولهذا عقد مجلسا من الأساقفة عام 325 في نيقية البيثينية بالقرب من عاصمة نقوميديا، وأعد ما يلزم من المال لنفقاتهم. وحضر الاجتماع عدد لا يقل عن 318 "يصحبهم" كما يقول واحدا منهم "حشد كبير من رجال الدين الأقل منهم درجة"(47)، وهو قول يدل على مقدار نماء الكنيسة العظيم. وكان معظم الأساقفة من الولايات الشرقية، لأن كثيرا من الأبرشيات الغربية تجاهلت هذا الجد، واكتفى البابا سلفستر الأول Silvester l بأن مثله بعض القساوسة، لأن المرض حال بينه وبين حضور الاجتماع بنفسه.

(12/208)


واجتمع المجلس في بهو أحد القصور الإمبراطورية تحت رياسة قسطنطين، وافتتح هو المناقشات بدعوة موجزة وجهها إلى الأساقفة يطلب إليهم فيها أن يعيدوا إلى الكنيسة وحدتها. ويقول يوسبيوس إنه كان يستمع بصبر عظيم إلى المناقشات، ويهدئ من عنف الجماعات المتنازعة(48)، ويشترك في المناقشات بنفسه. وأكد أريوس من جديد رأيه القائل بأن المسيح مخلوق، لا يرقى إلى منزلة الأب، ولكنه "مقدس بالاشتراك" معه لا غير. وقد أرغمته بعض الاسئلة
صفحة رقم : 4093
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

الحاذقة على أن يعترف بأنه إذا كان المسيح مخلوقا؛ وأن له بداية؛ فإن في مقدوره أن يتحول، وأنه إذا استطاع أن يتحول، فقد ينتقل من الفضيلة إلى الرذيلة.
وكانت إجاباته عن الأسئلة منطقية، صريحة، قاطعة. وقد أوضح أثناسيوس Athanasiua، رئيس الشمامسة البليغ المشاكس، الذي جاء به الاسكندر معه ليقطع به لسان معارضيه، انه إذا لم يكن المسيح والروح القدس كلاهما من مادة الأب، فإن الشرك لابد أن ينتصر. وقد سلم بما في تصوير أشخاص ثلاثة في صورة اله واحد من صعوبة، ولكنه قال بأن العقل يجب أن يخضع لما فيه الثالوث من خفاء وغموض. ووافقه الأساقفة جميعهم على رأيه عدا سبعة عشر منهم ووقعوا قرارا يعلنون فيه هذا الرأي. ورضي مؤيدو أريوس أن يوقعوا معهم إذا سمح لهم بأن يضيفوا إلى هذا الإعلان نقطة واحدة وهي أن يستبدلوا كلمة همويوسيون Homoiousion (اي مماثلا في الجوهر) بكلمة همؤوسيون Homoousion أي من جوهر واحد. ولكن المجلس رفض هذا التعديل وأصدر بموافقة الإمبراطور القرار الآتي:

(12/209)


"نحن نؤمن بإله واحد، وهو الأب القادر على كل شيء، خالق الأشياء كلها ما ظهر منها وما بطن، وبسيد واحد هو يسوع المسيح ابن الله، المولود... غير المخلوق من نفس جوهر الأب... وبأنه من أجلنا نحن البشر ومن أجل نجاتنا نزل وتجسد، وصار إنسانا، وتعذب، وقام مرة ثانية في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيعود ليحاسب الأحياء والأموات... ).
ولم يرفض توقيع هذه الصيغة إلا خمسة من الأساقفة، نقصوا آخر الأمر إلى اثنين. وحكم المجلس على هذين الأسقفين وعلى أريوس الذي لم يتزحزح عن عقيدته أو يتوب عما صدر منه، حكم عليهم باللعنة والحرمان، ونفاهم الإمبراطور
صفحة رقم : 4094
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والمسيحية

من البلاد. وصدر مرسوم إمبراطوري يأمر بإحراق كتب أريوس جميعها ويجعل إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام .
واحتفل قسطنطين بانقضاض المجلس بأن دعا جميع الأساقفة الذين حضروه إلى وليمة ملكية، ثم صرفهم بعد أن طلب إليهم ألا يمزق بعضهم أجساد بعض(51)، ولكنه أخطأ إذ ظن أن النزاع قد وقف عند هذا الحد، أو أنه هو لن يغير رأيه فيه. غير أنه كان على حق حين اعتقد أنه خطا خطوة كبيرة في سبيل وحدة الكنيسة. فلقد أذاع المجلس عقيدة الكثرة العظمى من رجال الدين، وهي أن نظام الكنيسة وبقاءها يتطلبان تحديد العقائد بطريقة ما؛ وقد أثمر آخر الأمر ذلك الإجماع العملي على العقيدة الأساسية التي اشتق منها اسم الكنيسة في العصور الوسطى وهو الكنيسة الكاثوليكية. وكان في الوقت نفسه إيذانا باستبدال المسيحية بالوثنية وجعلها المظهر الديني والعضد القوي للإمبراطورية الرومانية. واضطر قسطنطين أن يكون أكثر تصميما من ذي قبل على التحالف مع المسيحية؛ وهكذا بدأت حضارة جديدة، ومؤسسة على دين جديد، تقوم على أنقاض ثقافة مضعضعة وعقيدة محتضرة. لقد بدأت العصور الوسطى.

صفحة رقم : 4095

(12/210)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والحضارة

الفصل الرابع
قسطنطين والحضارة
أنشأ قسطنطين بعد سنة واحدة من اجتماع المجلس مدينة جديدة وسط خرائب بيزنطية سماها روما الجديدة Nova Roma وسمتها الأجيال التي أعقبته باسمه. وفي عام 330 أدار ظهره نحو روما ونيقوميدية كلتيهما، واتخذ القسطنطينية عاصمة له، وأحاط نفسه فيها بأبهة الملوك الشرقيين وحاشيتهم، لاعتقاده أن ما تحدثه هذه الأبهة من تأثير نفساني في الجيش والشعب سوف يجعل ما تحتاجه مظاهرها من المال الكثير اقتصادا حقيقيا في مطالب الحكم. وبسط رعايته على الجيش بما أوتي من حسن السياسة وقواه بأن أمده بالسلاح، وخفف من نير الاستبداد بقراراته الرحيمة، وناصر الآداب والفنون، وشجع مدارس أثينة، وأنشأ جامعة جديدة في القسطنطينية، كان فيها أساتذة يتناولون مرتبات من قبل الدولة، ويعلمون اللغتين اليونانية واللاتينية، والآداب والفلسفة، والبلاغة والقانون، ويدربون الموظفين الذين تحتاجهم الإمبراطورية(52). وأيد ما كان للأطباء والمدرسين في جميع الولايات من امتيازات ووسع نطاقها، وأمر الحكام أن ينشئوا في ولاياتهم مدارس للعمارة، وأن يستجلبوا الطلاب إليها بمختلف الامتيازات والمكافآت، وأعفي الفنانين من الواجبات المفروضة على غيرهم من المدنيين حتى يوفر لهم ما يكفي من الوقت لإتقان فنهم وتعليمه أبناءهم. وقد استعان بالكنوز الفنية في جميع أنحاء الإمبراطورية على تجميل القسطنطينية حاضرته الجديدة.
وبدأت أعمال البناء في روما في ذلك العهد على يد مكسنتيوس، فقد
صفحة رقم : 4096
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والحضارة

(12/211)


بدأ هو (306) وأنم قسطنطين باسلقا ضخمة كانت هي تاج العمارة القديمة في الغرب. وعمد في بنائها إلى طراز الحمامات الكبرى فعدله وشاد على طرازه المعدل صرحا عظيما تشغل قاعدته 330 قدما في 250. وكانت لردهتها الوسطى التي تبلغ 104 قدما في 82 سقف مكون من ثلاث قباب متقاطعة مشيدة بالأسمنت المسلح يبلغ ارتفاعها 120 قدما يستند بعضها إلى ثماني دعامات عريضة تواجهها عمد كورنثية ذات حزوز غائرة يبلغ ارتفاعها ستين قدما. وكانت أرضها من الرخام الملون؛ ووضعت بين الأعمدة عدة تماثيل، وعلت جدران هذه الأجزاء التي بين الأعمدة فوق سقفها لكي تكون دعامات مرتفعة للقباب الوسطى. ولقد تعلم مهندسو القوط ومهندسو النهضة الشيء الكثير من هذه القباب والدعامات، ولما أراد برامنتي Bramante أن يخطط كنيسة القديس بطرس اعتزم أن يتوج صحن الكنيسة الواسع بقبة ضخمة، أو "أن يقيم بناء الكنيسة الكبرى فوق باسلقا قسطنطين".
وشاد أول الأباطرة المسيحيين كنائس كثيرة في روما وأكبر الظن أن الشكل الأول لكنيسة سان لورنزو التي في خارج روما كان من هذه الكنائس. وأراد أن يحتفل بذكرى نصره عند نهر ملفيوس فأقام في عام 315 قوسا لا يزال يشرف على طريق النصر Via del Trionfi؛ وهو من أكمل الآثار الباقية في روما ولم ينقص من عظمته كثيرا ما انتزع من أجزائه آنا بعد آن. ويتركب من أربعة جذوع دقيقة التناسب ترتفع فوق القاعدة المنحوتة، وتقسم الأقواس للثلاثة، وتسند الدعامة المزخرفة المرتكزة عليها. وعلى الطبقة العليا نقوش بارزة وتماثيل مأخوذة من آثار لتراجان وأورليوس، كما أن الحليات الوسطى التي بين الأعمدة مأخوذة من مبان شيدت في عهد هدريان. وربما كان نقشان من النقوش البارزة من عمل فناني قسطنطين، ويشهد ما في هذا الأثر من صور جالسة، ومن اختلاط سمج بين الوجوه المصورة من الجانب والسيقان المصورة من الأمام، ومن
صفحة رقم : 4097

(12/212)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والحضارة

تكديس الرؤوس فوق الرؤوس بدل أن يراعي الفنان قواعد المنظور، يشهد كل هذا بخشونة الذوق وعدم الإتقان الفني ولكن الحفر العميق وما يقع عليه من ضوء وظل، يطبع في الخيال صورة واضحة من العمق والسعة، والحادثات التي تقصها تلك النقوش ممثلة بحيوية خشنة كأنما الفن الإيطالي قد اعتزم أن يعود إلى منبعه الأول.
ويبدو تمثال قسطنطين الضخم المحفوظ في الكنسر فتورى بدائيا إلى حد تشمئز منه النفس، ولا يكاد العقل يصدق أن الرجل الذي تفضل فرأس مجمع نيقية يشبه البربري الفظ إلى الحد الذي يطالع الإنسان في هذا التمثال- إلا إذا كان الفنان قد أراد أن يوضح مقدما العبارة الجامعة الساخرة التي قالها جبن: "لقد وصفت انتصار الهمجية والدين".
وفي أوائل هذا القرن الرابع أخذ فن جديد يتشكل ويزهر في الوجود- ونعني به "تزيين" المخطوطات بصورة ملونة صغيرة. وكان معظم الأدب في ذلك الوقت مسيحي الطابع. ومن أدباء ذلك العصر لوسيوس فرمنيانس لكتنيوس Lucius Firminianus Lactantius الذي شرح شرحا بليغا في كتابيه الأنظمة المقدسة Divinae Institutiones (307) وفي الاضطهاد المميت De Mortibus Persecutorum (314) الآلام الأخيرة التي عاناها الأباطرة مضطهدو المسيحيين، ولم يكن هذا الوصف يقل عن وصف شيشرون بلاغة وحقدا. ومن أقواله في هذا المعنى: "إن طبيعة الدين تحتم أن يكون حرا، طليقا، غير متأثر بأي ضغط"(55)، وتلك بدعة لم تطل حياته حتى يكفر عنها، وكان يوسبيوس بمفيلي أسقف قيصرية أوسع منه شهرة. وقد بدأ حياته الأدبية كاتبا قسيسا وأمين مكتبة لسلفه الأسقف بمفيلس، وقد بلغ من حبه لهذا الأسقف أن تسمى باسمه. وكان بمفيلس الأكبر قد حصل على مكتبة أرجن وضم إليها
صفحة رقم : 4098
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> شباب المسيحية -> انتصار المسيحية -> قسطنطين والحضارة

(12/213)


أكبر مجموعة من الكتب المسيحية عرفت حتى ذلك الوقت. وعاش يوسبيوس بين هذه الكتب، فأصبح بذلك أكثر رجال الدين علما في زمانه. وقضى بمفيلس نحبه أثناء اضطهادات جليريوس (310)، وأخذ الناس يتساءلون فيما بعد كيف بقي يوسبيوس حيا بعد هذا الاضطهاد، حتى أقضت هذه الأسئلة مضجع الرجل وآذت سمعته. وقد عاداه الكثيرون لموقفه الوسط بين أريوس والاسكندر، ولكنه رغم هذا أصبح في بلاط الاسكندر كما كان بوسويه Bossuet في بلاط لويس الرابع عشر، وكلف بكتابة سيرة الإمبراطور، وجمعت بعض كتاباته في تاريخ عام- يعد أوفى الكتب التاريخية القديمة. وقد رتب يوسبيوس التاريخين المقدس والدنس في عمودين متوازيين يفصل بينهما صف من تواريخ السنين المشتركة في كليهما، وحاول أن يحدد السنة التي وقعت فيها كل حادثة خطيرة من أيام إبراهيم الخليل إلى أيام قسطنطين. وقد اعتمدت كل التواريخ المتأخرة على "قانونه" هذا.
ثم كسا يوسبيوس هذه العظام لحما، ونشر في عام 325 تاريخا كنسيا يصف فيه نماء الكنيسة من أول عهدها إلى مجمع نيقية. ويحتوي الفصل الأول من هذا الكتاب- وكان نموذجا نسج منواله بوسويه مرة أخرى- على أقدم ما كتب في فلسفة التاريخ- فقد صور الزمان كأنه ميدان القتال بين الله والشيطان كما صور الحوادث جميعها على أنها معينة على انتصار المسيح. والكتاب سيئ الترتيب ولكنه حسن الأسلوب. وقد فحص عن المراجع فحصا دقيقا راعى فيه الذمة والضمير، وتبلغ أحكامه من الدقة ما تبلغه أحكام أي كتاب قديم في التاريخ؛ وهو في كل خطوة يخطوها يجعل الخلف مدينا له وذلك بما ينقله عن وثائق خطيرة لولا هذا لما عرف العالم عنها شيئا. والأسقف المؤلف غزير المادة، واسع الاطلاع إلى حد كبير، وأسلوبه تسري فيه العاطفة القوية، والشعور الفياض، ويسمو إلى أعلى الدرجات في لحظات الكراهية
صفحة رقم : 4099

(12/214)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية