صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قصة الحضارة

قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> المدن

الخامس. وقد كان تفوق شمالي إيطاليا على سائر أجزائها في خصب التربة، وفي جوه الصحي المنشط الباعث على العمل، وفي موارده المعدنية، وفي صناعاته المختلفة المتنوعة، وتجارته النهرية القليلة النفقة، كان تفوقه في هذا كله مما سما به من الناحية الاقتصادية على وسط إيطاليا في القرن الأول الميلادي ومن ناحية الزعامة السياسية في القرن الثالث.
ولم ينشأ على الساحل الشرقي في جزئه الممتد جنوبي أرمنينم وشمالي برنديزيوم إلا عدد قليل من المدن الهامة، وذلك لأن هذا الساحل صخري كثير العواصف قليل المرافئ. بيد أنه كان في أمبريا Umbria، وبسينم، وسمنيوم، وأبوليا، بلدان صغرى كثيرة لا يستطاع الحكم على ثرائها وفنها إلا بدراسة أنقاض بمبي، ومن هذه البلدان أسسيوم Assisum مسقط رأس بروبرتيوس والقديس فرانسيس؛ ومنها سرسينا Sarsina التي ولد فيها بلوتس Blautus؛ وأمتيرنم Amiternum مسقط رأس سلست Sallust وسلمو Sulmo التي شهدت مولد أوفد، وفنوزيا التي شهدت مولد هوراس. ولم تشتهر بنفنتم بهزيمة برس فحسب بل اشتهرت كذلك بقوس النصر العظيم الذي أقامه فيها تراجان وهدريان. وقد قص هدريان في نقوشه الواضحة على هذا العمود قصة أعماله المجيدة في الحرب والسلم. وكانت برتديزيوم القائمة على الساحل الجنوبي الشرقي تشرف على طرق الاتصال في دنماشيا وبلاد اليونان والشرق. وعند "عقب" إيطاليا كانت تقوم مدينة دلماشيا وبلاد اليونان والشرق. وعند "عقب" إيطاليا كانت تقوم مدينة تارنتم، وكانت من قبل دولة - مدينة عزيزة الجانب، ولكنها لم تكن الوقت الذي نتحدث عنه إلا مشتى آخذا في الاضمحلال لكبار الموظفين والأشراف الرومان. وفي جنوبي إيطاليا استولى أصحاب الضياع الكبيرة على معظم الأراضي وحولوها إلى مراع للماشية؛ ففقدت المدن من كانت تعتمد عليهم من المزارعين، واضمحلت طبقاتها من التجار وأرباب

(11/291)


الأعمال، وأفل نجم العشائر اليونانية التي كانت تنفق أموالها بسخاء في الأيام السابقة، وذلك بسبب تسرب
صفحة رقم : 3716
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> المدن

القبائل الهمجية إليها وبسبب قيام الحرب البونية النائية، فاضمحل شأنها حتى لم تعد أكثر من بلدان صغيرة أخذت اللغة اللاتينية تحل فيها ببطيء بحل اللغة اليونانية. وفي "اصبع" إيطاليا كانت مدينة رجيوم Rhegium (رجيوم Reggio الحالية) ذات المرفأ الصالح. وقد أثرت هذه المدينة بفضل تجارتها مع صقلية وأفريقية. وعلى الشاطئ الغربي كانت تقوم فيليا Velia؛ ولعلها لم يكن من السهل عليها أن تذكر أيامها السالفة حين كان اسمها إيليا، وحين كان يتردد في جنباتها أصداء أشعار برمنيدز وزينون وأقوالهما المتناقضة الخبيئة. وقد بدلت الجالية الرومانية التي استعمرت بوسيدونيا اسم هذه البلدة فجعلته بيستم Paestum، ولا تزال تدهش زائرها بما فيها من هياكل فخمة. وكان أهلها اليونان في الوقت الذي نتحدث عنه قد أخذوا يذوبون في الدم "البربري" - الإيطالي في هذه المرة - الذي كان ينصب فيها من الريف القريب منها. ولم تبق الحضارة اليونانية حية في إيطاليا إلا في كمبانيا.

(11/292)


وكانت كمبانيا - المكونة من الجبال ومن الساحل المحيطين بنابلي - من الناحية الجغرافية جزءا من سمنيوم. أما من الناحيتين الاقتصادية والثقافية فكانت عالما مستقلا بنفسه، لأنها كانت من الوجهة الصناعية أكثر تقدما من روما، وكانت قوية من الناحية المالية، جمعت في رقعة صغيرة من الأرض حياة مليئة بالاضطرابات السياسية، والمنافسات الأدبية، والازدهار الفني، والألعاب العامة المثيرة. وكانت أرضها خصبة التربة تنتج أحسن الزيتون والكروم في إيطاليا، وكان يصدر منها النبيذ السرنتي Surrentine والفالرني Falernian الذائعا الصيت ولعل فارو Varro كان يفكر في كمبانيا وهو يتحدى العالم بقوله: "يا من ضربتم في أرضين كثيرة، هل رأيتم فيها أرضا زرعت أحسن من أرض إيطاليا؟... أليست إيطاليا مليئة بأشجار الفاكهة امتلاء يخيل معه إلى من يراها أنها كلها بستان واحد عظيم؟"(6). وفي طرف كمبانيا الجنوبي شبه
صفحة رقم : 3717
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> المدن

جزيرة صخرية وعرة المنحدر تمتد ناتئة في البحر من سالرنم Salernum إلى سرنتم Surrentum. وكانت القصور الصغيرة منبثة بين الكروم والحدائق المغروسة على التلال، كما كانت تقوم بمحاذاة شاطئ البحر. وكانت سرنتم جميلة مثل سرنتو Sorrento في هذه الأيام، وقد لقبها بلني الأكبر بأنها "بهجة الطبيعة" التي حبتها بكل ما لديها من هبات(7)؛ ويبدو أنه لم يكد يتغير فيها شيء في خلال ألفي هام، وأكبر الظن أن أهلها لا يزالون محتفظين بعباداتهم القديمة، وأن آلهتهم في هذه الأيام هي آلهتهم في الأيام الخالية؛ ولا تزال أجراف الصخور تحصر البحر حصارا لا آخر له.

(11/293)


وكان في مواجهة هذا اللسان البارز في البحر جزيرة كبريا Capraea (كابري Cpri) تلاطمها الأمواج من جميع الجهات. وكان بركان فيروف المطل على الشاطئ الجنوبي للخليج يرسل دخانه في السماء، بينما كانت بمبي وهركيولانيم ترقدان تحت طبقات الحمم. ثم تلي هاتين المدينتين نيوبوليس Neopolis "المدينة الجديدة" أكثر بلاد إيطاليا اصطباغا بالصبغة اليونانية في عهد تراجان. وفي وسعنا أن نتبين من كسل نابلي في هذه الأيام مدى انهماكها القديم في الحب واللهو والفن. لقد كان أهلها إيطاليين، ولكن ثقافتهم، وعاداتهم، وألعابهم كانت كلها يونانية. وكان فيها هياكل وقصور، وملاه جميلة؛ وكانت تقام فيها مرة في كل خمس سنين مباريات في الموسيقى والشعر نال أستاتيوس في واحدة منها جائزة. وفي الطرف الغربي من الخليج كان ثغر بتيولي Puteoli (بزيولي Puzzuoli الحديثة) التي إشتق اسمها من رائحة بركها الكبريتية (8). وقد ازدهرت هذه المدينة بفضل تجارة روما وبفضل مصنوعاتها الحديدية، وخزفها، وزجاجها. وكان فيها مدرج تدل ممراته التي تحت الأرض والباقية إلى هذا اليوم على الطريقة التي كان يصل بها المجالدون والوحوش إلى المجلد وعلى الجانب الآخر من مرفأ بتيولي كانت تتلألأ قصور بايا Baiac التي
صفحة رقم : 3718
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> المدن

(11/294)


يزيد بهاءها وجاذبيتها قيامها بين الجبال والبحر. هنا كان يلهو قيصر وكلجيولا ونيرون، وهنا كان الرومان المصابون بداء الرئة يأتون ليستحموا في مياه عيونها المعدنية. وكانت المدينة تجني فوائد كثيرة من اشتهارها بالقمار وبالفساد الخلقي؛ وها هو ذا فارو Varro يقول إن فتياتها كن ملكا مشاعا، وإن كثيرين من فتياتها كانوا بنات(2)، وكان كلوديوس يرى أن شيشرون قد جلله عار لا يمحى أبد الدهر لأنه سافر مرة إلى هذه البلدة(10). ويقول سنكا متسائلا: "أتظن أن كاتو كانت تحدثه نفسه بأن يقيم في قصر مليء بأسباب اللهو والسرور، يستطيع وهو فيه أن يحصي عدد من يمر به أمام عينه من النساء القاصرات اللائي يملأن القوارب والسفن الكثيرة الأنواع المطلية بكافة الألوان، والورود التي تتمايل حول البحيرة؟"(11).
وعلى بعد بضعة أميال قليلة شمال بايا، في فوهة بركان خامد، كانت بحيرة أفيرنس Avernus تبعث في الجو دخانا كبريتيا بلغ من قوته أن وصفته الأساطير بقولها أنه ما من طائر يطير فوقه ويبقى حيا. وكان بالقرب من الكهف الذي شق إنياس طريقه السهل إلى الجحيم كما جاء في ملحمة فرجيل.
وفي شمال البحيرة كانت مدينة كومي Cumae القديمة، وقد أخذت تحتضر في ذلك الوقت بعد أن قامت إلى جانبها غبنتها مدينة نيوبوليس التي كانت أكثر منها جاذبية، ولوجود مرفأين بجوارها أكثر أمنا من مرفئها وهما بتيولي وأستيا، ولتقدم الصناعة في كبوا Capua. وكانت كبوا تبعد عن شاطئ البحر في الداخل نحو خمسين ميلا وتقوم في إقليم خصيب كان ينتج في بعض الأحيان أربع غلات في العام(12)؛ ولم يكن في إيطاليا كلها ما يضارع ما فيها من مصانع البرنز والحديد. وقد جازتها روما على مساعدتها هنيبال جزاء أضر بها قرنين من الزمان عجزت فيهما عن أن تفيق من كبوتها، ووصفها شيشرون
صفحة رقم : 3719
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> المدن

(11/295)


في خلالها بأنها "مسكن من ماتوا سياسيا"(13). وظلت كذلك حتى أعادها قيصر إلى سابق عهدها بأن جاء إليها بآلاف من المستعمرين الجدد؛ وأضحت في أيام تراجان مدينة مزدهرة مرة أخرى.
لقد يبدو لنا أن هذه المدن الكبرى التي كانت قائمة في إيطاليا القديمة والتي سردناها على القارئ سردا سريعا ليست أكثر من أسماء. ولشد ما نخطئ إذ نظن أنها مجرد ألفاظ على خريطة، أو لا نحس أنها كانت مساكن صاخبة لرجال مرهفي الحس يجدون في طلب الطعام والشراب والنساء والذهب.
والآن فلنرفع الرماد عن إحدى المدائن الرومانية لنقف في آثارها التي احتفظت بها بأعجب الوسائل عن مجرى الحياة في تلك الشوارع القديمة.

صفحة رقم : 3720
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

الفصل الثاني
بمبي

(11/296)


كانت بمبي إحدى البلدان الصغرى في إيطاليا، وقلما يرد لها ذكر في الآداب اللاتينية إلى إذا ذكر حساء سمكها المتبل، وكرنبها، ودفنها تحت الرماد البركاني، وقد أنشأها الإسكانيون Oscans، ولعلها تضارع روما في قدم عهدها؛ وسكنها مهاجرون من اليونان، واستولى عليها سلا، وجعلها مستعمرة رومانية، ودمر بعضها زلزال في عام 63م. وكان بناؤها لا يزال يجدد في الوقت الذي دمرها بركان فيزوف مرة أخرى. فقد ثار هذا البركان في اليوم الرابع والعشرين من شهر أغسطس عام 79م. وقذف من فوهته رمادا وصخورا في الهواء وعلته ألسنة من اللهب. وانهمر فوقها مطر غزير فاستحالت المواد التي قذفها البركان سيلا جارفا من الطين والحجارة حط على بمبي وهركيولانيم، فلم تمض إلا ست ساعات حتى غطاها بطبقة يبلغ سمكها ثماني أقدام أو عشر. وظلت الأرض تزلزل والمنازل تتداعى طوال ذلك النهار والليلة التي أعقبته. فدفن النظارة تحت أنقاض دور التمثيل(14)، واختنق مئات من الأهلين بالتراب والدخان، وثارت الأمواج فحالت بين من حاولوا النجاة بطريق البحر. وكان بلني الأكبر وقتئذ يتولى قيادة الأسطول الغربي عند ميسينم Misenum القريبة من بتيولي وتأثر قلبه باستغاثة أهل البلدة وطلبهم النجدة، كما تأثر برغبته في مشاهدة هذه الظاهرة عن كثب، فركب سفينة صغيرة ونزل منها إلى البر على الشاطئ الجنوبي للخليج، وأنجى عددا من الاشخاص؛ وبينما كانت تلك الجماعة تغدو خوفا من البرد والدخان اللذين كانا يتقدمان نحوها، خارت قوى العالم الشيخ، فسقط في
صفحة رقم : 3721
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

(11/297)


الطريق وقضى نحبه . وفي صباح اليوم التالي انظمت زوجته وابن أخيه إلى الجماعة اليائسة التي كانت سائرة بإزاء الساحل تحاول الفرار من الموت، وكانت ثورة البركان وقتئذ لا تزال مستمرة، وقد غطت السماء من نابلي إلى سرنتم بالحجارة والرماد حتى استحال النهار ليلا حالك السواد. واستولى الهلع على الفارين الذين افترقوا في هذا الظلام الدامس عن أزواجهم وأبنائهم، فعلا صراخهم وعويلهم وزادوا الموقف هلعا ورعبا. وأخذ بعضهم يستغيث بمختلف الآلهة لتنجيهم من هول الكارثة، وبعضهم ينادي بأن الآلهة كلها قد هلكت، وأن نهاية العالم التي طالما تنبأ بها الناس قد حلت(16). ولما صفت السماء آخر الأمر في اليوم الثالث كانت الحمم البركانية وما اختلط بها من الطين قد غطت كل شيء في بمبي إلى أعلى السقف، وحتى كانت هركيولانيم قد اختفت عن آخرها من الوجود.
وأكبر الظن أن ألفين أو نحوهما من سكان بنبي البالغ عددهم عشرين ألفا قد قضوا نحبهم في هذه الكارثة؛ وقد حفظ الرماد البركاني أشكال عدد من الموتى؛ ذلك بأن الأمطار وأحجار الخفاف التي سقطت عليها غطتها بطبقة سميكة صلبت حين جفت، ولما ملئ فراغ هذه القوالب العاجلة خرجت منه أشكال بشعة. وعاد قليلون ممن نجوا إلى أنقاض المدينة يبحثون فيها عن بعض ما فقدوه من النفائس، ثم تركوا هذا الموضع فيما بعد فغطته الأتربة على مر الأيام. وفي عام 1709 إتحفر قائد نمساوي حفرة في موضع هركيولانيم، ولكن الرواسب التي فوق المدينة والتي كان سمكها في بعض المواضع يبلغ ستين قدما بلغت من السمك درجة جعل أعمال الحفر تسير ببطء شديد وتتكلف نفقات باهظة. أما بمبي فقد بدأ الكشف عنها في عام 1749، وظل حتى الآن يجري في فترت متباعدة. وقد كشف الآن عن الجزء الأكبر من المدينة، فظهر عدد كبير من
صفحة رقم : 3722
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

(11/298)


البيوت، والأدوات، والنقوش، فاستطعنا أن نعرف عن بمبي القديمة من بعض النواحي أكثر مما نعرفه عن روما القديمة.
وكان محور حياة المدينة هو السوق العامة، شأنها في هذا شأن سائر المدن الإيطالية. وما من شك في أن هذه السوق كانت في الزمن القديم ملتقى الزراع، وحاصلاتهم في "يوم السوق"، وكانت تقام فيها الألعاب، وتمثل فيها المسرحيات، وقد أقام فيها الأهلون أضرحة لآلهتهم، فشادوا ضريحا لجوبتر في أحد طرفيها وضريحا لأبلو في الطرف الآخر، وبالقرب من هذا الضريح الأخير أنشأوا ضريحا لفينوس (زهرة) بمبيانا Pompeiana راعية المدنية وحاميتها. ولكن أهل المدينة لم يكونوا قوما متدينين، فقد شغلتهم الصناعة، والسياسة، والألعاب، والصيد فلم تترك لهم وقتا للعبادة، وكانوا إذا عبدوا عظمة عضو التذكير واتخذوه أهم الرموز لطقوسهم الديونيشية(17). ولما أن زادت الشؤون الاقتصادية والحكومية في مقدارها وخطرها، وعلت قيمتها، قامت أبنية عظيمة حول السوق إتخذت مراكز للأعمال الإدارية، وللمساومات، والمفاوضات، وتبادل السلع.
وفي وسعنا أن ندرك مما نعرفه عن المدن الإيطالية الحديثة كيف كانت الشوارع المجاورة للسوق تعج بالبائعين الجائلين، ويعلو فيها ضجيج البائعين والمشترين، وعجيج الصناعات بالنهار والمرح بالليل. وقد عثر المنقبون في خرائب الحوانيت على بعض النقل، والعيش، والفاكهة، المتفحمة أو المتحجرة التي لم تجد من يشتريها. وفي الشوارع على مسافة من السوق كانت الحانات، ومحال الميسر، وبيوت الدعارة، كل منها يحاول أن يجمع هذه كلها فيه.
ولو لم يحرص أهل بمبي على أن ينقشوا عواطفهم على جدران المباني العامة لما استطعنا أن نتخيل ما كانت عليه حياتهم من حدة ومضاء. وقد نقلت ثلاثة آلاف من هذه النقوش. وأكبر الظن أن آلافا أخرى لم يتح لها البقاء، وقد اكتفى ناقشوها في بعض الأحيان بذكر أسمائهم وفحشهم الجريء، الذي لا يزال
صفحة رقم : 3723

(11/299)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

الناس يجبون أن يفعلوه؛ ودون بعضهم الأوامر التي كانوا يصدرونها إلى أعدائهم مؤملين أن يطيعها هؤلاء الأعداء كقول واحد منهم "من ساميوس Samius إلى كورنليوس Cornelius: إشنق نفسك". ومن النقوش ما هو رسائل حب كثيرا ما تكون شعرا: فقد كتبت رميولا Romula تقول إنها "وقفت هنا مع ستفيلس Stephylus"، وكتب شاب متيم: "وداعا يا فكتوريا؛ في وسعك أيا كان مكانك أن تعطسي أحسن عطسة"(18).
وليست الحوادث العامة أو القرابين الخاصة المنحوتة أو المرسومة على الجدران بأقل عددا من هذه الرسائل، فترى الملاك يعلنون أيام عطلتهم، والذين فقد لهم متاع يعلنون عن فقده، ونقابات أرباب الحرف وغيرها من الجماعات تعلن عن تأييد المرشحين الذين يؤمل نجاحهم في حملات الانتخابات البلدية؛ فها هم أولاء "صائدوا السمك يرشحون بوبديوس روفس Popfdius Rofus ليكون إيديلا Aedile" و "قاطعوا الأخشاب وبائعوا الفحم النباتي يطلبون إليكم أن تنتخبوا مارسلينس"(19)، وها هي ذي بعض النقوش الخشنة تعلن عن ألعاب المجالدة، وبعضها الآخر يمتدح شجاعة مشهوري المجاهدين مثل سلادس Celadus، وها هي ذي "العذارى تتحسر" أو تهيم بأحد الممثلين المحبوبين _ "أي أكتيوس Actius، يا حبيب الشعب عجل بالعودة!"(20). لقد كانت بمبي تعيش لكي تتلذذ، فقد كان فيها ثلاثة حمامات عامة وساحة للتدريب الرياضي، ودار تمثيل صغيرة تتسع لألفين وخمسمائة من النظارة، وأخرى كبيرة تتسع لخمسة آلاف، ومدرج يستطيع عشرون ألفا أن يستمتعوا فيه بآلام الموت يقاسيها غيرهم من الناس بدلا منهم. وها هو نقش يقول: "يسقتل في بمبي في الرابع والعشرين، والخامس والعشرين، والسادس والعشرين، من نوفمبر ثلاثون زوجا من المجالدين: قدمهم حاكما المدينة، وسيكون هناك صيد؛ مرحبا
صفحة رقم : 3724

(11/300)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

بك يا ميوس Maius مرحى يا باريس! " وكان ميوس هذا أحد حاكمي المدينة، أما باريس فكان كبير المجالدين.
وتدل آثار داخل المنازل على أن الأهلين كانوا يحيون حياة مفعمة بالنعيم تجملها الفنون المختلفة. فأما البيوت فتكاد تكون خالية من النوافذ والتدفئة فيها نادرة، ولا تظهر الحمامات إلا في منازل الأغنياء، وكان لبعض الدور بركة في حديقة محاطة بألعاب وكانت أرض الحجرات تصنع من الإسمنت أو الحجر أو من الفسيفساء أحيانا، وقد نقش رجل صريح من طلاب المال على ارض داره هذه العبارة: "مرحبا بالكسب"، ونقش آخر "الكسب لذة"(21). ولم يعثر إلا على القليل من الأثاث فقد كان كله تقريبا من الخشب، ولهذا لم يبق منه شيئا يذكر، غير أن عددا كبيرا من النضد، والأسرة، والكراسي، ومصابيح الرخام أو البرنز قد نجت من التلف، وفي وسع الإنسان أن يرى في متحفي بمبي ونابلي مجموعة متنوعة من الأدوات المنزلية، من أقلام، ومحابر، وموازين، وأدوات المطبخ، والزينة، والآلات الموسيقية.

(11/301)


ونواحي البقايا الفنية التي كشفت في بمبي أو بالقرب منها بأن الأشراف الذين يسكنون في القصور الصغيرة ذات الحدائق لم يكونوا هم وحدهم الذين يستمتعون بالمميزات الثقافية للحياة، بل كان يشاركهم فيها تجار المدينة. فقد كشفت في هركيولانيم مكتبة خاصة كانت تحتوي على 1756 مجلدا أو ملفا، ولا داعي هنا لأن نعيد ما قلناه من قبل عن كؤوس البسكوريالي Boscoreale أو المناظر الرائعة والنساء الرشيقات المصورة على جدران منازل بمبي. ولقد كان في كثير من المساكن تماثيل ذات روعة، وكان في السوق العامة وحدها مائة وخمسون تمثالا. وقد عثر في هيكل جوبتر على رأس لهذا الإله قد يكون فدياس نفسه هو الذي سواه؛ فأنت ترى فيه القوة والعدالة ماثلتين في ثنايا الشعر الغزير واللحية الكثة. وكان في هيكل أبلو تمثال لدينان ثقب مؤخر رأسه حتى يستطيع كاهن
صفحة رقم : 3725
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> بمبي

(11/302)


مختبئ أن يتحدث بالنبوءات. وقد عثر في أحد قصور هركيولانيم الصغيرة على طائفة من التماثيل والأدوات البرنزية كانت من الكثرة بحيث امتلأت بها حجرة ذائعة الصيت في متحف نابلي. وأكبر الظن أن روائع هذه المجموعة - عطارد المستريح، ونارسس أو ديونيش، والساتير السكران وإله الحقول الراقص - كانت يونانية بأصلها أو بصنعها؛ وهي تكشف عن حذق في الصنع، وعن السرور غير المحتشم البادي في الجسم الصحيح السليم، وهما الخاصتان الماثلتان في الفن البركستيلي. ومن هذه التماثيل تمثال نصفي من البرنز لأحد الدلالين في مدينة بمبي ويدعى ل. كاسليوس أيوكندس L.Caacilius Iuoundus الذي وجدت حساباته منقوشة على 154 لوحا من الشمع عثر عليها في داره بمدينة بمبي. ويظهر في هذا التمثال الرأس الأصلع والوجه الصارم غير المجرد من الحنو. في هذا التمثال تمتزج الخشونة بالذكاء، والحكمة بالثآليل الجلدية؛ وهو من صنع مثال معاصر - ولعله مثال إيطالي - أظهر فيه شخصية صاحبه على حقيقتها وبأحسن ما تظهر الشخصيات. والحق أن الإنسان لتستريح نفسه لوجود هذه الشخصية الواقعية إلى جانب ما يحيط بها في متحف نابلي من تماثيل الآلهة والإلهات الخالية وجوهها من الغضون، والتي تكاد تنطع معارفها الملساء الوديعة المستكنة لتخبرنا بأن أصحابها لم يعيشوا قط على ظهر الأرض.
صفحة رقم : 3726
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> نظام البلديات وحياتها

الفصل الثالث
نظام البلديات وحياتها

(11/303)


ولم تكن الحياة الخاصة والعامة، حياة الأفراد وحياة الجماعات، أحد وأقوى ما كانت في إيطاليا القديمة؛ غير أن حوادث هذه الأيام تبلغ من الخطر ومن استنفاد الجهود حدا لا نستطيع معه أن نولي تفاصيل نظام البلديات في عهد القياصرة كثيرا من عنايتنا، ومن أجل هذا لم تعد نظم الحمم المختلفة المميزة أو الحقوق السياسية المتتابعة التي كان الأهلون يعضون عليها بالنواجذ، لم تعد هذه أو تلك جزءا من ذلك الماضي الحي الذي هو موضوع بحثنا ومثار اهتمامنا.
لقد كان من الخصائص الأساسية للإمبراطورية الرومانية تتألف من مجموعة من دول- المدن تحكم نفسها بنفسها إلى حد ما، وتضم كل منها في مؤخرتها أرضين واسعة تمتلكها وتسيطر عليها، مع أن الإمبراطورية كلها كانت مقسمة إلى ولايات. وكان معفي الوطنية في هذه الإمبراطورية حب الشخص لمدينته أكثر مما تعني حبه للإمبراطورية. وكان الأحرار في كل مدينة يقنعون في الأحوال العادية بممارسة حقوقهم السياسية المحلية البحتة؛ وقلما كان الذين نالوا المواطنية الرومانية من غير أهل روما يذهبون إلى تلك العاصمة ليعطوا أصواتهم في الانتخابات؛ ولم يكن اضمحلال الجمعيات العامة في العاصمة مصحوبا باضمحلال مماثل له في مدن الإمبراطورية ما تدل على هذا بمبي نفسها. وكان لمعظم البلديات الإيطالية مجالس شيوخ Curia- ولمعظم المدن الشرقية مجالس boule' تشريعية- تسن قوانينها وجمعيات comitia ekklesia تختار حكامها؛ وكان ينتظر من حاكم المدينة أن يهب مدينته مبلغا كبيرا من المال Snmma Honoraria (والكلمة الثانية مشتقة من Honas بمعنى المنصب) نظير تفضلها
صفحة رقم : 3727
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> نظام البلديات وحياتها

(11/304)


عليه بأن يكون حاكما لها، وقد جرت العادة أيضا أن يتبرع من حين إلى حين ببعض المال للأغراض أو الألعاب العامة. وإذ كان المنصب لا ينال عليه صاحبه أجرا فإن ديمقراطية الأحرار- أو أرستقراطية الأحرار- قد استحالت في كل مكان تقريبا الجركية يتولاها ذوو المال والجاه.
وظلت البلديات مائتي عام من عهد أغسطس إلى عهد أورليوس في رخاء وازدهار. ولسنا ننكر أن الكثرة الغالبة من أهلها كانت من الفقراء بطبيعة الحال؛ فقد تكفلت الطبيعة والمميزات المختلفة بإيجاد هذه الحال ولكن التاريخ لم يحدثنا قط عن عهد من العهود، قبل هذا العهد أو بعده، فعل فيه الأغنياء للفقراء قدر ما فعله أغنياء هذه المدائن لفقرائها: ذلك أن نفقات إدارة المدينة كلها تقريبا، وما يلزم من المال لتمثيل المسرحيات، وغير ذلك من ضروب التسلية، والألعاب، وتشييد الهياكل، ودور التمثيل، والملاعب؛ ومدارس التدريب الرياضي، والمكتبات العامة، الباسلقات، والقنوات التي تنقل ماء الشرب للمدن، والقناطر والحمامات، وتجميل هذه كلها بالأقواس والأروقة ذات العمد، والصور والتماثيل، كانت كلها يتحملها ذوو اليسار. وقد ظل الوطن طوال المائتي عام الأولى من عهد الإمبراطورية يدفع أولئك الأقوام إلى التنافس فيما بينهم للقيام بهذه الأعمال الخيرية تنافسا أدى في بعض الأحيان إلى إفلاس عدد من الأسر التي كانت تمولها، أو المدن التي تتكفل بها بعد إقامتها من مال الأغنياء. وقد جرت العادة في أيام القحط أن يبتاع الأغنياء الطعام ويوزعوه من غير ثمن على الفقراء، وكانوا في بعض المناسبات يقدمون لجميع المواطنين؛ ولجميع السكان أحيانا، زيتا أو خمرا بالمجان، أو يقيمون لهم وليمة عامة، أو يهبونهم قدرا من المال. وخلدت النقوش الباقية إلى الآن كثيرا من هذا السخاء. فها هو ذا مثر من أصحاب الملايين يهب مدينة ألتينم في فنيشيا 1.600.000 سسترس لإقامة حمامات عامة، وها هي ذي سيدة تشيد هيكلا

(11/305)


ومدرجا في كسينم Casinum؛
صفحة رقم : 3728
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> نظام البلديات وحياتها

وها هو ذا ديسميوس تلس Decimius Tullus يهب تركوينياي Tarquinii حمامات تكلفت 5.000.000 سسترس؛ وها هي ذي كرمونا Cremona التي دمرها جنود فسبازيانلا تلبث أن يعاد بناؤها من تبرعات المواطنين. وتذكر النقوش إسمي طبيبين قدما كل ما يملكان هبات لنلمثلي. وفي أستيا التي كانت مزدحمة بالسكان دعا لوسليوس جمالا Lucilius Gemala جميع أهلها إلى الطعام ورصف فيها طريقا طويلا واسعا، ورمم سبعة هياكل أو أعاد بناءها وأعاد بناء حمامات البلدية، ووهب خزانتها ثلاثة ملايين سسترس(22).
وكان من عادة بعض الأغنياء أن يقيم الواحد منهم وليمة يدعو إليها قسما كبيرا من المواطنين في عيد ميلاده أو لمناسبة إنتخابه إلى منصب عام، أو زواج إبنته، أو ارتداء إبنه الطوغة، دليلا على بلوغه سن الرشد، أو تدشين بناء أهداه إلى المدينة. وكانت المدينة تجزي هذا المحسن على إحسانه بأن تعينه في منصب عام، أو تقيم له تمثالا، أو تمتدحه بقصيدة أو نقش. ولم يكن الفقراء يشعرون بالذلة حين ينالون هذه العطايا كلها، ذلك بأنهم كانوا يتهمون الأغنياء بأنهم لم يحصلوا على هذا المال الذي يفعلون به الخير إلا من طريق الاستغلال، ومن أجل هذا كانوا يتطلبون الاقتصاد في المباني الجميلة والتماثيل، ويلحون في تخفيض ثمن الحبوب والإكثار من الألعاب(23).

(11/306)


وإذا أضفنا إلى هبات الأفراد، ما كان يهبه الأباطرة للمدن، وما كان يقام فيها بأموالهم من مبان، وما يقدمونه لها من مال لتخفيف ما يحل بها من الكوارث، فضلا عن الأعمال العامة والمناصب التي كانت تحول من خزائن البلديات، إذا فعلنا هذا بدأنا نحس بفخامة المدن الإيطالية في عهد حكومة الزعامة. لقد كانت شوارعها مرصوفة، وكان فيها مجار لنقل المياه القذرة، وشرطة لحماية الأمن، وكثير من وسائل الزينة، وخدمة طبية مجانية للفقراء من أهلها، وماء نقي نظيف يصل إلى الدور في أنابيب نظير أجر قليل، وطعام يقدم
صفحة رقم : 3729
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> إيطاليا -> نظام البلديات وحياتها

(11/307)


للفقراء بثمن بخس. وكانت الحمامات في معظم الأحوال مباحة من غير أجر ينفق عليها من هبات المحسنين، والمال يقدم للأسر الفقيرة مساعدة لها على تربية الأبناء والإكثار منهم؛ وكانت المدارس ودور الكتب تنشأ للتعليم والمطالعة، والمسرحيات تمثل، والحفلات الموسيقية تقام، والألعاب تنظم لتنافس بها تلك المدن روما غير عابئة بما تنفقه فيها من مال. ولم تكن حضارة المدن الإيطالية حضارة مادية بالقدر الذي كانت عليه في العاصمة؛ فقد كانت هذه المدائن تتنافس في إقامة المدرجات، ولكنها أقامت كذلك هياكل فخمة، يضارع بعضها أحسن ما كان منها في روما(24)، وجعلت شهورها مرحة بما كانت تقيمه من أعياد دينية ذات بهجة. وكانت تنفق بسخاء على الأعمال الفنية، وتنشئ القاعات الرحبة للمحاضرات، وللشعراء، والسفسطائيين، والخطباء، والفلاسفة، والموسيقيين. وكانت تيسر لمواطنيها أسباب الصحة، والنظافة، والتنزه، والحياة الثقافية القوية. ومنها، لا من روما، خرج عظماء المؤلفين اللاتين، وعدد كبير من أحسن ما في متاحفها من روائع النحت كتمثال نيكي (العدالة) في متحف نابلي، وتمثال بروس (الحب) في سنتومسلا Centumecella، وتمثال زيوس في أتركولي Atricolic. وكانت تقوم بحاجيات عدد من السكان، لا يقلون عن عددهم قبل هذا القرن، في المدن التي قامت مكانها وتؤمنهم من مصائب الحرب تأمينا منقطع النظير.
وقصارى القول أن القرنين الأول والثاني من التاريخ الميلادي قد شهدا ذروة مجد شبه الجزيرة العظيمة.

صفحة رقم : 3730
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> رومة والولايات

الباب الثاني والعشرون
تمدين الغرب
الفصل الأول
روما والولايات

(11/308)


كانت الوصمة التي يوصم بها رخاء إيطاليا - إذا غضضنا النظر عن نظام الاسترقاق الذي كان نظاما عاما في الدول القديمة - هي اعتمادها إلى حد ما على استغلال الولايات. لقد كانت إيطاليا معفاة من الضرائب لأن الولايات كانت تؤدى لها الشيء الكثير نهبا أو خراجا، ومن ذبنكما النهب والخراج كان أصل الثروة التي نشأ عنها ازدهار المدن الإيطالية. وكانت روما قبل عهد قيصر تعد الولايات أقاليم تمتلكها بحق الفتح، وتعد سكانها جميعا رعايا رومانيين، ولم يكن منهم إلا عدد قليل يعدون ضمن المواطنين الرومان؛ وكانت أرض تلك البلاد بأجمعها ملكا للدولة الرومانية، ويمتلكها أصحابها على أنها منحة لهم من قبل الحكومة الإمبراطورية ومن حقها أن تستردها منهم وأرادت روما أن تقلل من احتمال قيام الثورات في الأقاليم المفتوحة فقسمتها ولايات صغيرة حرمت على كل ولاية أن يكون بينها وبين غيرها من الولايات معاملات سياسية مباشرة، وكانت تفضل رجال الأعمال على الطبقات الدنيى في جميع الولايات. وكان سر الحكم الروماني وشعاره هو فرق تسد Divide et impera.
ولعل شيشرون كان يبالغ حين قال عن أمم البحر الأبيض المتوسط، في
صفحة رقم : 3731
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> رومة والولايات

(11/309)


سياق تشهيره بفريس Verres، إن بلادها كانت مقفرة في عهد الجمهورية: "إن كل الولايات تندب حظها، وجميع الأحرار يصرخون ويعولون، وجميع الممالك تحتج على قسوتنا وشرهنا، وليس ثمة مكان فيما بين المحيطين، مهما يكن قاصيا أو خافيا، لم يشعر بوطأة جشعنا وظلمنا"(1). أما الزعامة فكانت أكثر سخاء من الجمهورية في معاملتها للولايات، ولم يكن هذا كرما منها بل كان حسن التدبير. فقد كانت الضرائب في أيامها غير باهظة، وكانت تحترم الأديان واللغات والعادات المحلية، وكانت حرية الكلام مباحة إلا إذا كانت طعنا في السلطة العليا، وسمحت لها أن تحتفظ بقوانينها المحلية مادامت هذه القوانين لا تتعارض مع مكاسب الرومان وسيادتهم. وقد اتبعت خطة مرنة حكيمة أمكنها بها تقسيم الولايات الخاضعة لسلطانها أقساما متفاوتة في المرتبة، وتقسيم الأهلين في داخل كل ولاية طبقات متفاوتة القدر كذلك. فقد كانت بعض البلطيات كأثينة ورودس "مدنا حرة"، تعطي جزية، ولا تخضع لحاكم الولاية، وتدير شؤونها الداخلية بنفسها من غير أن تتدخل فيها روما ما دامت تحتفظ بالنظام الاجتماعي والسلم. وقد سمحت روما لبعض الممالك القديمة أمثال نوميديا وكبدوكيا أن تحتفظ بملوكها، ولكن هؤلاء الملوك كانوا "أفيالا" لروما يعتمدون على حمايتها وسياستها، وكان يطلب إليهم أن يمدوها بالمال والعتاد إذا أرادت ذلك. وكان حاكم الولاية تجمع في شخصه السلطة التشريعية التنفيذية، والقضائية، ولم يكن يحد من سلطانه إلا المدن الحرة، وحق المواطن الروماني في أن يلجأ إلى الإمبراطور، والرقابة المالية التي كان يقوم بها الكوستر أو الرقيب.

(11/310)


غير أن هذا السلطان المطلق كان يغري الحكام بأن يسيئوا استخدام سلطتهم، ومع أن المدة التي كان يتولى فيها الحاكم منصبه قد طالت في عهد الزعامة، ومع أن مرتبه ومخصصاته الأخرى قد زيدت زيادة كبيرة، ومع أن مسئوليته عن أعماله المالية أمام الإمبراطور قد قللت من فساد الحكم وسوء
صفحة رقم : 3732
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> رومة والولايات

استعمال السلطة، فإن في وسعنا أن نستدل من رسائل بلني ومن فقرات في كتاب تاستس، على أن ابتزاز المال والفساد لم يصبحا من الأمور النادرة في آخر القرن الأول.
وكانت جباية الضرائب أهم أعمال الحاكم وأعوانه. وكانت الدولة في عهد الإمبراطورية تقوم بإحصاء عام في كل الولايات، تقصد به فرض الضرائب على الأرض وعلى الأملاك - ومنها على الحيوانات وعلى العبيد. وأرادت الدولة أن تشجع زيادة الإنتاج فاستبدلت بالعشور خراجا محدد القيمة. ولم يعد الملتزمون هم الذين يجبون الضرائب، وإن ظلوا يجبون بعض العوائد الجمركية في الثغور، ويشرفون على الأعمال الجارية في غابات الدولة ومناجمها وعلى الأشغال العامة فيها. وكان ينتظر من الولايات أن تسهم في عمل تاج من الذهب لكل إمبراطور جديد، وأن تقوم بتكاليف إدارة الولاية، وأن ترسل في بعض الحالات سفنا محملة بالغلال إلى روما. واحتفظ في الشرق بالعادة القديمة، عادة أداء الأفراد خدمات عامة للدولة، ثم انتشرت فيما بعد من الشرق إلى الغرب. وكان للحكومة المحلية أو للوالي بمقتضى هذه العامة أن "يطلب " إلى الأغنياء أن يقدموا قروضا للحرب، وسفنا للأسطول، ومباني للأغراض العامة، وطعاما لضحايا القحط، ومغنين في الأعياد والمسرحيات.

(11/311)


ويقول شيشرون، وهو ممن تولوا بعض المناصب العامة في الدولة، إن الضرائب التي كانت تؤديها الولايات لا تكاد تكفي نفقات الإدارة والدفاع(3). وكان "الدفاع" عندهم يشمل القضاء على الفتن والثورات، وأكبر الظن أن نفقات "الإدارة" كانت تشمل المطالب التي خلقت ذلك العدد الكبير من الرومان أصحاب الملايين. ومن واجبنا ألا نرى حرجا في أن ترسل أي سلطة يناط بها حفظ الأمن والنظام في ذلك الوقت جباة يجمعون أكثر مما يكفي لهذين الغرضين. على أن الولايات قد عمها الرخاء في عهد حكومة الزعامة على الرغم من
صفحة رقم : 3733
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> رومة والولايات

هذه الأعباء كلها. ذلك بأن الإمبراطور ومجلس الشيوخ قد فرضا رقابة شديدة على الموظفين في الولايات، وكانا يفرضان أشد أنواع العقاب على كل من يسرق من الأموال أكثر مما تبيحه له منزلته. وكان ما يؤخذ من الولايات أكثر مما يتطلبه الفرضان السابق ذكرهما يرد آخر الأمر إليها ثمنا لبضائعها، وبفضل هذا العون الذي كان يقدم للصناعات أصبحت الولايات أقوى من إيطاليا الطفيلية المزعزعة الكيان. وجدير بنا أن نختم هذا الفصل بالعبارة الآتية المنقولة عن أفلوطرخس، وهي أن نعمتين يجب أن تضمنهما الدولة للشعب قبل كل شيء: وهما الحرية والسلام؛ "فأما السلام فلسنا في حاجة إلى أن نشغل أنفسنا به، لأن الحروب كلها قد وضعت أوزارها. وأما الحرية فإن لنا منها ما تركته لنا الحكومة (روما)؛ ولعلها قد أبقت لنا أكثر مما فعلت لما كان ذلك من مصلحتنا"(4).

صفحة رقم : 3734
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

الفصل الثاني
أفريقية

(11/312)


ضمت كورسكا وسردينيا معا وتكونت منهما ولاية واحدة، ليست جزءا من إيطاليا؛ وكان الجزء الأكبر من كورسكا أرضا جبلية مقفرة، يصيد فيها الرومان الأهلين بالكلاب ليبيعوهم عبيدا(5). أما سردينيا فكانت تمدهم بالعبيد، والفضة، والنحاس، والحديد، والحبوب؛ وكان فيها ألف ميل من الطرق الصالحة ومرفأ جيد ممتاز هو مرفأ كرالس Carales (كجلياري الحالية). وكانت صقلية قد انحطت منزلتها حتى كادت تصبح ولاية زراعية محضة من الولايات التي تمد روما الجائعة بالطعام. وكان الجزء الأكبر من أرضها الصالحة للفلاحة قد جعل ضياعا كبرى لتربية الماشية، يرعاها عبيد لا ينالون إلا أقل الغذاء والكساء، وكثيرا ما كانوا يفرون من عملهم لهذا السبب ويؤلفون عصابات للسلب والنهب. وكان سكانها في عهد أغسطس يبلغون 750.000، (وقد بلغوا في عام 1930 حوالي 3.972.300). وكانت أكثر مدنها الخمس والستين ازدهارا هي قطانيا Catania، وسرقوسة، وتورومينيوم Panormus (تورمينا Taormina الحالية)، ومسانا، وأجرجنتم، وبنورمس Panormus (بلرمو الحالية). وكان في سرقوسا وتورومينيوم ملهيان يونانيان فخمان، لا يزالان يستخدمان لهذا الغرض حتى الآن. وكانت سرقوسا، على الرغم مما أصابها من النهب على أيدي فريس Verres مملوءة بالمباني الرائعة، والتماثيل الشهيرة، والمواقع التاريخية بدرجة يسرت العيش للإدلاء المحترفين الذين كانوا يصحبون السياح الكثيرين الوافدين إلى تلك الجزيرة(6)، وكان شيشرون يحسبها أجمل مدينة في العالم كله. وكان لمعظم الأسر الغنية ضياع أو بساتين في
صفحة رقم : 3735
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

ضواحيها وكان جميع ريفها تعطره أشجار الفاكهة والكروم كما تعطره في هذه الأيام.

(11/313)


وعاد على أفريقية كل ما فقدته بسيطرة الرومان عليها، فقد أخذت تحل شيئا فشيئا محل تلك الجزيرة في توريد الحبوب مكرهة إلى روما، لكن الجنود، والمستعمرين، ورجال الأعمال، والمهندسين الرومان جعلوا تلك الولاية جنة وارفة الظلال إلى حد لا يكاد يصدقه العقل. وما من شك في أن الفاتحين الجدد قد وجدوا فيها حين قدموا إليها أصقاعا خصبة غنية؛ فقد كان بين الجبال العابسة المطلة على البحر الأبيض المتوسط وسلسلة جبال أطلس التي تصد عنها رمال الصحراء واد شبه مداري يمده نهر بجرداس Bagradas (مجردا) بكفايته من الماء؛ وكانت الأمطار تهطل فيها شهرين من السنة لتعوض الأهلين عن عملهم الزراعي الشاق الطويل الذي علمهم إياه ماجو Mago وأرغمهم عليه ماسينسا Masinissa. ولكن روما أصلحت ما وجدته فيها من الأساليب الزراعية وزادت عليه. فقد شاد مهندسوها السدود على مجاري الأنهار التي تنحدر من التلال الجنوبية، واختزنوا الزائد من المياه في خزانات إبان موسم الأمطار، وصبوه في قنوات للري في الأشهر الحارة التي تجف فيها مياه الأنهار(7). ولم تكن روما تفرض على هذه الولايات أكثر مما كان يجيبه منها رؤساؤها الوطنيون، ولكن فيالق روما وتحصينها كانت أقدر من حكوماتها الوطنية على حمايتها من القبائل البدوية التي تهبط عليها من الجبال، وكان يضم إليها ميل بعد ميل من الصحراء أو الأراضي البور فتزرع أو تسكن. وكان الوادي ينتج كميات من زيت الزيتون بلغت من الوفرة حدا أدهش العرب حين قدموا إلى هذه البلاد في القرن السابع، إذ وجدوا أن في وسعهم أن ينتقلوا من طرابلس إلى طنجة دون أن يبتعدوا عن ظلال أشجار الزيتون(8). وأخذت البلدان والمدن يتضاعف عددها ويرتفع شأنها بفضل ما اتبع فيها من الأساليب المعمارية،
صفحة رقم : 3736
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

(11/314)


ووجدت الآداب فيها سوطا جديدا يعبر عنها. وحسبنا دليلا على ما بلغته أفريقية الرومانية من الرقي والثراء أن نشاهد آثار ما خلفه الرومان من أسواق وهياكل وقنوات لجر مياه الشرب للمدن، ودور للتمثيل في أرض أصبحت الآن قفرا يبابا. ذلك أن هذه الحقول النادرة قد استحالت الآن صحارى رملية. ولم يكن سبب هذا التغيير الجو بل كان سببه تبدل الحكم - من دولة تضمن للبلاد الأمن الاقتصادي والنظام إلى أخرى تركت العنان للفوضى والإهمال يخربان الطرق والخزانات وقنوات الري.
وكان على رأس هذا الرخاء المستعاد مدينة قرطاجنة التي بعثت وقتئذ بعثا جديدا. ذلك أن أغسطس قد احتضن بعد وقعة أكتيوم مشروع كيوس وقيصر الذي أخفق من قبل، وأرسل إلى قرطاجنة بعض الجنود الذين أراد أن يعوضهم عم إخلاصهم وانتصاراتهم أرضا يهبها لهم. وسرعان ما انتزعت قرطاجنة مرة أخرى من يتكا تجارة الإقليم الصادرة منه والواردة إليه، وذلك بفضل موقعها الجغرافي الممتاز، ومرفأها الجيد، ودال نهر بجرداس الخصبة، والطرق الصالحة التي أنشأها المهندسون والرومان أو أعادوا فتحها؛ ولم يمض على تأسيس المدينة الجديدة قرن واحد حتى أضحت أكبر مدائن الولايات الغربية، وأقام أغنياء التجار والملاك قصورا فخمة على تل برسا Byrsa التاريخي، أو بيوتا صغيرة ذات حدائق في الضواحي الشجراء؛ أما الفلاحون الذين تركوا الأرض لعجزهم عن منافسة أصحاب الضياع الكبرى فقد انضموا إلى صعاليك المدن وإلى الأرقاء، وعاشوا في أحياء وبيوت قذرة حياة العدم والفاقة التي جعلتهم يرحبون فيما بعد بدعوة المسيحية إلى المساواة. وقامت البيوت في المدينة من ست طبقات أو سبع، وتلألأ الرخام في المباني العامة، وغصت الشوارع والميادين بالتماثيل المنحوتة على الطراز اليوناني. وشيدت الهياكل من جديد للآلهة القرطاجنيين القديمة، وظل ملكارت Melkart حتى القرن الثاني بعد الميلاد يستمتع بالضحايا
صفحة رقم : 3737

(11/315)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

من أطفال الأحياء(9). وأخذ أهل البلاد ينافسون الرومان في حب الترف، وأدهان التجميل، والحلي والشعر المصبوغ، وسباق العربات، وألعاب المجالدين. وكان من بين المناظر البارزة في المدينة حماماتها العامة العظيمة التي وهبها لها ماركس أوورليوس. وكانت فيها قاعات للمحاضرات، ومدارس لتعليم البيان، والفلسفة، والطب، والقانون، مما جعل قرطاجنة مدينة جامعية لا يفوقها من هذه الناحية إلا أثينة والاسكندرية، وفد إليها أبوليوس Apuleius وترتليان Tertullian ليدرسا فيها جميع فروع العلم، وقد دهش القديس أغسطين من مرح الطلاب وفساد أخلاقهم، فقد كان يحلو لهم أن يقتحموا قاعات المحاضرات ويخرجوا منها الأستاذ وتلاميذه(10).

(11/316)


وكانت قرطاجنة حاضرة الولاية المسماة أفريقية ومحلها الآن شرقي بلاد تونس. ونشأ من رواج التجارة في جنوبي هذه المدينة على الشاطئ الشرقي طائفة من المدن أخذت ثروتها القديمة تعود إليها بعد إثني عشر قرنا من الزمان حتى دهمتها الحروب في هذه الأيام، ومن هذه المدن القديمة حضرمنتم Hadrumentum (ومحلها الآن سوسة) ولبتس Leptes الصغرى، وثبسوس Thapsus وتكابي Tacapae (فابس الحالية). وكان إلى شرقيها على البحر الأبيض إقليم يدعى تريبوليس Tripolis (طرابلس) وسمي كذلك لأنه حلف مكون من ثلاث مدن: أويا Oea (طرابلس الحالية) التي أسسها الفينيقيون قبيل عام 900 ق.م، وسبراتة Sabrata ولبتس مجنا (الكبرى) (لبدة الحالية): وهذه البلدة الأخير هي مسقط رأس الإمبراطور سبتميوس Septimius Sevrus فقد ولد فيها عام 146م؛ ووهبها في حياته باسلقا وحماما عاما تدهش آثاره السائح أو المحارب في هذه الأيام. وكانت طرق مرصوفة تسير عليها قوافل الإبل تصل هذه الثغور بالمدن الداخلية: سفتولا Safetula وهي الآن قرية صغيرة بها آثار هيكل روماني عظيم؛ وثسدروس Thysdrus (الجم)، وكان فيها مدرج
صفحة رقم : 3738
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

(11/317)


يتسع لستين ألف، وثجا Thugga (دجا) التي تشهد خرائب ملهاها ذي العمد الكورنثية الرشيقة بثراء أهلها وحسن ذوقهم. وكانت في شمال قرطاجنة أمها ومنافستها القوية يتكا Ytica؛ وفي وسعنا أن نلمح ما كانت عليه من ثراء في عهد الرومان، إذا عرفنا أن ثلاثمائة من رجال المصارف وبائعي الجملة من الرومان كانت لهم فروع فيها عام 46 ق.م. وكان الإقليم التابع لها يمتد شمالا إلى هبو ديرهيتس Hippo Diarrgytus (بنزرت الحالية)، وكان يمتد فيها طريق محاذ لشاطئ البحر متجه نحو الغرب يصلها بمدينة هبو رجيوس Hippo Rigius (بونة)، التي أضحت بعد زمن قليل كرسي أبرشية القديس أوغسطين. وكان إلى جنوبيها في الداخل مدينة سرتة Cirta (قسطنطينية) عاصمة ولاية نوميديا، وفي غرب هذه المدينة الأخيرة بلدة ثمجادي Thomuhadi (ثمجاد)، التي تكاد تحتفظ بآثارها احتفاظ بمبي؛ ففيها الشوارع المرصوفة المعمدة، والمجاري المسقفة، وفيها قوس نصر ظريف، وسوق عامة، وبناء مجلس الشيوخ، وباسلقا، وهياكل، وحمامات، وملهى، ومكتبة، وبيوت خاصة كثيرة. وقد عثر في أرض السوق على لوحة للعب الداما نقشت عليها هذه العبارة: Venari, Iavare. ludere, ridere, hoc est vivere - ومعناها "الصيد، والاستحمام، واللعب، والضحك، هذه هي الحياة"(12). والفيلق الثالث الذي كان وحده يحرس الولايات الأفريقية هو الذي أنشأ ثمجادي حوالي عام 117م. ثم اتخذ في عام 123 مركزا لقيادته يقيم فيه أكثر مما يقيم في ثمجادي ويبعد عنها بضعة أميال نحو الغرب،وأنشأ في مدينة لمبيسيس Lambaesis (لمبيز). وهنا تزوج الجنود واستقروا، وعاشوا في بيوتهم أكثر مما كانوا يعيشون في المعسكر. ولكن معسكرهم نفسه كان مرحا، فخما، جميل الزينة، به حمامات لا تقل جمالها عن أية حمامات أخرى في أفريقية. أما في خارج المعسكر فقد أعانوا الأهلين في بناء هيكل لجوبتر، وعدد من الهياكل، وأقواس النصر، ومدرج يقام فيه صراع ويحدث فيه

(11/318)


الموت فيخففان من ملل الحياة السليمة الرتيبة.
وكان الذي مكن فيلقا واحدا من حماية أفريقية الشمالية من القبائل المغيرة الضارية في الداخل هو إنشاء شبكة من الطرق، كان الغرض الأول منها عسكريا ولكنها كانت عظيمة النفع من الناحية التجارية، وكانت تربط قرطاجنة بالمحيط الأطلنطي، والصحراء بالبحر الأبيض المتوسط. وكان للطريق الرئيسي يتجه نحو الغرب من سرتة إلى قيصرية عاصمة (مراكش)؛ وهنا نشر الملك جوبا الثاني Juba II أساليب الحضارة بين موري Mauri أي السود (المغاربة) الذين اشتق اسمهم من اسم الإقليم في الزمن القديم واسمه في هذه الأيام. وكان جوبا الثاني هذا إبن جوبا الذي مات في ثبسوس، وأخذ وهو طفل إلى روما ليزدان به موكب قيصر؛ ثم عفى عنه، وأخذ يدرس في روما حتى أصبح من جهابذة العلماء في أيامه. وعينه أغسطس قيلا على موريتانيا وأمره أن ينشر بين أهل وطنه الثقافة الرومانية التي جد في تحصيلها. ونجح في هذه المهمة، وكان من أسباب نجاحه أن امتد حكمه ثمانية وأربعين عاما؛ ولشد ما كانت دهشة رعاياه حين رأوا رجلا يكتب الكتب ويحكم. وجاء كلجيولا بإبن جوبا هذا إلى روما وأماته جوعا، وضم كلوديوس مملكته إلى روما وقسمها ولايتين: موريتانيا سيزرينسس Caesariensis (موريتانيا القيصرية) وموريتانيا تنجتانا Tingitana (موريتانيا التنجتانية) نسبة إلى عاصمتها تنجيس Tingis، وهي طنجة الحالية.
وكان في هذه المدن مدارس كثيرة مفتحة الأبواب للفقراء والأغنياء على السواء. ونسمع أنه كان يدرس فيها الاختزال (13)، ويسمى جوفتال أفريقية مربية المحامين(14). وقد أنجبت في هذا العهد مؤلفين أحدهما صغير والآخر كبير - هما فلنتو وبوليوس. ولكن الأدب الأفريقي لم تكن له الزعامة على آداب العالم إلا أيام مجده في عهد المسيحية. وكان لوسيوس أبوليوس شخصية غريبة جديرة بالتصوير، أكثر من شخصية منكاني المتعدد الكفايات. وكان مولده في

(11/319)


صفحة رقم : 3739
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

مدورا Madaura من أسرة عريقة النسب (124م)، وقد درس فيها وفي قرطاجنة وأثينة، وبدد ثروة كبيرة ورثها عن أسرته، وأخذ يتنقل من مدينة إلى مدينة ومن دين إلى دين، وانضم إلى الجماعات ذات الطقوس الدينية الخفية ومارس السحر وألف كتبا كثيرة في موضوعات تختلف من اللاهوت إلى مسحوق الأسنان، وألقى محاضرات في الفلسفة والدين في روما وغيرها من المدن، ثم عاد إلى أفريقية وتزوج في طرابلس من سيدة تكبره وتفوقه في الثراء. فلما فعل هذا رفع أصدقائها وورثتها المنتظرون الأمر إلى القضاء مطالبين بإلغاء الزواج، واتهموه بأنه حصل على موافقة السيدة عليه بفنون السحر؛ ودافع الرجل عن نفسه أمام المحكمة بخطبة وصلت إلينا بعد أن أدخل عليها بعد أيامه كثيرا من الصقل والتنميق، وكانت نتيجتها أن كسب القضية والزوجة، ولكن الناس أصروا على الاعتقاد بأنه ساحر؛ ولما ظهر المسيح أخذ حلفاء هؤلاء القوم يحيطون من قدره بتعداد معجزات أبوليوس. وقضى الرجل بقية حياته في مدورا وقرطاجنة يمارس صناعتي المحاماة والطب، وكتابة الرسائل والخطب، ولكن معظم ما كتب كان في الموضوعات العلمية والطبيعية؛ وقد أقامت له مدينته نصبا تذكاريا نقشت عليه باللاتينية العبارة الآتية: الفيلسوف الأفلاطوني، ولو أنه استطاع العودة إلى الحياة لساءه ألا يذكره الناس إلا بكتابه الحمار الذهبي.
وهذا كتاب شبيه كل الشبه بكتاب ساتريكون Satyricon لمؤلفه بترونيون، بل هو أكثر منه غرابة وشذوذا. وكان الاسم الأول لهذا الكتاب هو أحد عشر كتابا في التحول Metamorphoseon Lebri Xi، وهو توسع غريب في قصة رواها لوسيوس البتراسي عن رجل انقلب حمارا. ويتألف من سلسلة غير مرتبطة من المغامرات، والوصف، والحوادث المحشورة فيها حشرا، يتخللها السحر، والرعب، والفحش في القول، والحديث عن التقوى المرجأة.

(11/320)


صفحة رقم : 3740
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

ويروي لوسيوس بطل القصة كيف طاف بتساليا واستمتع فيها بعدد من الفتيات وألقى نفسه أين ما حل في جو من السحر. ومما جاء في هذا الكتاب:
"وما كاد الليل ينقضي ويبزغ فجر يوم جديد حتى كان من حظي أن أستيقظ، وأن أقوم من فراشي وأنا نصف مذهول، راغب حقا في أن أعرف وأرى أشياء عجيبة محيرة... والحق أني لم أكن أرى شيئا أعتقد أنه كما أراه في الواقع؛ بل أن كل شيء بدا لي أنه قد تحول إلى صور أخرى بتأثير قوة السحر الخبيثة. وبلغ من قوة اعتقادي هذا أن ظننت أن الحجارة التي قد تعثر بها قدماي تصلبت واستحالت من رجال إلى الصورة التي هي عليها، وأن الطيور التي سمعتها تغرد، والأشجار والمياه الجارية، استحالت إلى هذا الريش والورق ومنابع الماء، من صور أخرى غير هذه الصور. وكذلك ظننت أن التماثيل والصور ستتحرك في مستقبل الأيام، والجدران ستتكلم وتروي أخبارا عجيبة، وإني سأسمع من فوري وحيا من السماء ومن شعاع الشمس(15).

(11/321)


والآن وقد أصبح لوسيوس مستعدا لأية مغامرة يريدها، يقول انه يدلك جسمه بمرهم سحري، وهو شديد الرغبة في أن يستحيل طائرا؛ ولكنه يدلك نفسه بهذا المرهم يستحيل حمارا. وتروي القصة بعدئذ ما يلقاه من المحن ذلك الحمار "الذي له إحساس الإنسان وإدراكه". وكانت سلواه الوحيدة هي "أدني الطويلتين اللتين أستطيع بهما أن أسمع كل شيء ولو كان شديد البعد عني". وقد قيل له أنه سيعود إلى صورته الآدمية إذا عثر على وردة وأكلها، وهي أمنية يدركها بعد أن يمر بطائفة كبيرة من الحظوظ الحمارية منها ما هو طيب ومنها ما هو سيئ. ثم كره الحياة، فلجأ أولا إلى الفلسفة، ثم إلى الدين؛ وألف دعاء يشكر فيه إيزيس شكرا بينه وبين ابتهال المسيحيين إلى أم الإله شبه عجيب (16). ثم يحلق رأسه ويقبل في الطبقة الثالثة من أتباع إيزيس المبتدئين. ويرصف طريقا يعود به إلى الأرض بعد أن يفسر حلما يأمره فيه أوزريس "أعظم الآلهة" بأن يعود إلى وطنه ويشتغل بالقانون.
صفحة رقم : 3741
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أفريقية

(11/322)


وما أقل الكتب التي تحوي كل ما يحتويه هذا الكتاب من السخف، ولكن أقل منها ما يعبر عنه سخفه بعبارة تماثل عبارة هذا الكتاب في طلاوتها. ذلك أن أبوليوس يحاول فيه كل أنواع الأساليب، ويلبس كل أسلوب حاوله أجمل لباس؛ وأكثر ما يحبه من الأساليب، هو الأسلوب المطنب المنمق المسجوع المتجانس الأحرف في بداءة الألفاظ، المليء بالعبارات العامية الطريفة، والألفاظ القديمة المهجورة، والكلمات المصغرة العاطفية، والنثر الموزون الشعري في بعض المواضع. وقصارى القول أن الكتاب يضم إلى الأسلوب الشرقي القوي ما في الشرق من غموض وشهوانية . ولعل أبوليوس قد أراد أن يشير من طرف خفي، مستندا إلى تجاربه الخاصة، إلى ان الانهماك في الشهوة الجنسية يذهب بالعقل ويبدل الآدميين بهائم، والى أن السبيل الوحيدة التي يعودون بها إلى آدميتهم اقتطاف زهرة الحكمة والصلاح. وهو يبدو أحسن ما يكون في القصص العارضة التي يلتقطها بأذنيه القويتين الدوارتين؛ كما نرى في قصة العجوز التي تسلي فتاة بأن تروي لها قصة كيوبت وسيكي(17) - فتخبرها كيف وقع ابن الزهرة (فينوس) في حب فتاة حسناء، وهيأ لها كل أنواع السرور إلا سرورها برؤيته، وأثار غيرة أمه الشديدة، ثم نالت آخر الأمر سعادتها في السموات العلى. ولسنا نعرف مصورا، بز بقلمه لسان هذا الأشيب السليط، في رواية هذه القصة القديمة.

صفحة رقم : 3742
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أسبانيا

الفصل الثالث
أسبانيا

(11/323)


إذا عبرنا المضيق من طنجة انتقلنا من ولاية من أقدم ولايات روما إلى ولاية من أحدثها. وتقع أسبانيا في موقع عظيم الخطر من الناحية الحربية، عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، وفي جوف أرضها معادن ثمينة كانت نعمة عليها ونقمة روت أرضها بدماء الشره، وتخترقها سلاسل الجبال التي تعوق سبل الاتصال، وامتزاج السكان ووحدتهم. وقد أحست أسبانيا بحمى الحياة الشديدة من اليوم الذي كان فيه الفنانون في العصر الحجري القديم يصورون الثور الوحشي (البيزن) على جدران الكهوف في ألتميرا إلى أيامنا الحاضرة المضطربة. ولقد ظل الأسبان ثلاثين قرنا شعبا حربيا ذا عزة وأنفة، وأجسام نحيلة قوية، وشجاعة وجلد، وكانوا ولا يزالون أصلاب الرأي، أقوياء العاطفة، يمتازون بالزراعة والاكتئاب، والاقتصاد وكرم الضيافة، والمجاملة والمروءة، يسهل استثارة بغضهم، ويسهل أكثر من هذا استثارة حبهم. ولما جاء الرومان إلى بلادهم وجدوا فيها سكانا يتآلفون حتى في ذلك الوقت البعيد من أجناس مختلفة يتعذر فصل بعضها عن بعض: منهم الإمبيريون من أفريقية، واللجوريون من إيطاليا، والكلت من غالا، وعلى رأسهم طبقة من القرطاجنين. وإذا جاز لنا أن نصدق الرومان الذيبن فتحوا بلادهم قلنا أن الأسبان كانوا قبل الفتح الروماني شعبا قريبا من الهمجية، يعيش بعضه في مدن وبيوت، وبعضه في قرى وأكواخ وكهوف، ينام على أرض الحجرات أو على الطين، ويغسل أسنانه بالبول المعتق(18). وكان الرجال يلبسون عباءات سوداء والنساء يرتدين "مآزر طوالا
صفحة رقم : 3743
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أسبانيا

وجلابي زاهية الألوان"، ويضيف استرابون إلى هذا قوله في سياق اللون والتأنيب "إن النساء يرقصن مع الرجال ويمسكنهم بالأيدي(19".

(11/324)


وقد أنشأ سكان جنوب أسبانيا الشرقي - في ترسوس وهي ترشيش Tarshish الفينيقية - حوالي عام 2000 ق.م صناعة البرنز، وكانوا يبيعون منتجاتها في جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط. وأنشأت ترسوس أساس هذه الصناعة، في القرن السادس قبل الميلاد، أدبا وفنا قال أهلها إن عمرهما كان في ذلك الوقت يبلغ ستة آلاف عام. على أنه لم يبق من آثار هذا الفن سوى بضعة تماثيل فجة وتمثال نصفي متعدد الألوان منحوت من حجر الخرسان، وتمثال سيدة السكي Elcke المشابه للتماثيل اليونانية والنحوت على نمط كلتى قوى فياض. وشرع الفينيقيون حوالي عام 1000 ق.م يبحثون عن ثروة أسبانيا المعدنية، ولم يحل عام 800 حتى استولوا على قادس ومالقة Malaga وشادوا فيهما هيكلين عظيمين. ثم استقر المستعمرون اليونان حوالي عام 500 ق.م على الساحل الجنوبي الشرقي؛ وفي ذلك الوقت عينه أو حواليه استعان الفينيقيون ببني عمومتهم القرطاجنيين لإخماد ثورة في البلاد ففتحوا ترتسوس وجميع أسبانيا الجنوبية والشرقية. وكان من أثر استغلال القرطاجنين لشبه الجزيرة استغلالا سريعا بين الحرب البونية الأولى والثانية أن فتح الرومان أعينهم على ما في البلاد التي يسمونها "أيبيريا" من موارد ثروة غنية، فكان تحرك سبيو إلى أسبانيا هو الذي قضى آخر الأمر على انقضاض هنيبال على إيطاليا. ودافعت القبائل الأسبانية المفككة عن استقلالها دفاع الأبطال، فكان النساء يفضلن قتل أبنائهن على وقوعهم أسرى في أيدي الرومان، وكان الأسرى من الرجال ينشدون أغانيهم الحربية وهم يموتون مصلوبين(20). وتطلب فتح أسبانيا مائتي عام، ولكنها بعد أن تم فتحها كانت دعامة للدولة أقوى من معظم الولايات. وأحل ولدا جراكس، وقيصر، وأغسطس سياسة المجاملة والاحترام محل سياسة القسوة التي كانت تجري عليها الجمهورية
صفحة رقم : 3744
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أسبانيا

(11/325)


وأثمرت السياسة الجديدة أحسن الثمرات وأدومها، فأخذت البلاد تصطبغ اصطباغا سريعا بالصبغة الرومانية، وإتخذ الأهلون اللاتينية لغة لهم بعد أن كيفوها بما يلائم طبيعتهم، ونمت اقتصاديات البلاد واتسعت، وأخذت تمد روما بالشعراء، والفلاسفة، وأعضاء مجلس الشيوخ والأباطرة.
وظلت أسبانيا الدعامة الاقتصادية للإمبراطورية من أيام سنكا إلى عهد أورليوس، فأغنت المعادن الأسبانية روما كما أغنت من قبل صور ثم قرطاجنة؛ وكانت لإيطاليا كما كانت بلاد المكسيك وبيرو لها هي فيها بعد. فاستخرج من أرضها الذهب، والفضة، والنحاس، والقصدير، والحديد، والرصاص. وبذل فيها من العناية والدقة ما يبذل في استخراجها في هذه الأيام. ولا يزال في وسع المرء أن يرى في هذه الأيام مناجم عند ريو تنتو Rio Tinto بعيدة القرار محفورة في صخور الكوارتز الصماء، ويشاهد فضلات من الصخور باقية من أيام الرومان ولم يبق فيها إلا نسبة من النحاس يدهش الإنسان من ضآلتها. وكان الأرقاء والأسرى يعملون في هذه المناجم يوما بعد يوم، وكثيرا ما كانوا يقضون الشهور الطوال دون أن ترى أعينهم ضوء الشمس(22). ونشأت بجوار المناجم صناعات معدنية عظيمة. وكانت أرض أسبانيا في هذه الأثناء رغم ما فيها من جبال وقنوات جدباء تخرج الحلفاء التي تصنع منها الحبال الرفيعة والسميكة، والسلال، والفرش، والأخفاف، وتغذي الضأن وتخرج صناعة الصوف الذائعة الصيت، وتمد الإمبراطورية بأحسن ما عرفه الأقدمون من أنواع الخمور وزيت الزيتون. وكانت أنهار الوادي الكبير والتاجة والأبرة وغيرها من المجاري التي هي أصغر منها تساعد شبكة الطرق الرومانية على حمل غلات أسبانيا إلى ثغورها وإلى مدنها التي يخطئها الحصر.

(11/326)


والحق أن أعظم النتائج التي تمخض عنها الحكم الروماني في هذه البلاد نتيجة تمتاز بها الإمبراطورية الرومانية على سائر الإمبراطوريات وهي تضاعف عدد المدن أو اتساع رقعتها. فقد كان في ولاية بيتكا Baetica (الأندلس Andalusia
صفحة رقم : 3745
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أسبانيا

الحديثة) مدائن كارتيا Carteia (الجسر) ومندا (Munda) ومالقة، وإيطاليكا (مسقط رأس طراجان وهدريان)، وقرطبة، وهسبالس (أشبيلية)، وقادس. ونشأت قرطبة في عام 152 ق.م، وكانت مركزا أدبيا عظيما واشتهرت بما فيها من مدارس لتعليم فنون البلاغة، وفيها ولد لوكان، وسنكا الأكبر والأصغر، وجليو Gallio محرر القديس بولص. وقد احتفظت هذه المدينة بتقاليدها العلمية حتى العصور الوسطى، وبفضلها كانت قرطبة أعظم مدن أوربا علما. وكانت قادس أكثر مدائن أسبانيا سكانا، وكانت غنية عنى فاحشا. ذلك أنها لوقوعها عند مصب نهر الوادي الكبير كانت تسيطر على تجارة المحيط الأطلنطي مع غرب أفريقية، وإسبانيا، وغالا، وبريطانيا؛ وقد أضافت فتياتها الراقصات الرشيقات قدرا لا بأس به إلى شهرتها.

(11/327)


وكانت بلاد البرتغال تعرف عند الرومان بإسم لوزتانيا Lusitania، كما كانت لشبونة تعرف عندهم بإسم أولزيبو Olisipo. وقد أقام مهندسو تراجان جسرا على نهر التاجة عند نوربا قيصرينة Norba Caesarcna (التي أطلق عليها العرب اسمها الحديث القنطرة) هو أكمل جسر روماني بقي على حالته حتى اليوم. ولا تزال عقوده الفخمة التي يبلغ اتساعها مائة قدم والتي تعلو مائة وثمانين قدما فوق قاع النهر، وتحمل طريقا من أربعة دروب كثيرة الحركة. وكانت عاصمة لوزتانيا هي مدينة أمرينا (مريده Merida) وكانت تزهو بما فيها من تماثيل كثيرة، وبثلاث قنوات لجر مياه الشرب، وبحلبة للألعاب، ودار للتمثيل، وبحيرة لتمثيل المعارك البحرية، وقنطرة طولها 2500 قدم. وكان إلى شرقيها في ولاية تراكننسس Tarraconensis مدينة سجوفيا Segovia التي لا تزال تستمتع بالمياه النقية تحملها إليها قناة أنشئت في عهد تراجان. وكان إلى جنوبها مدينة طليطم (طليطلة Toledo الحديثة) التي اشتهرت في عهد الرومان بما فيها من مصانع الحديد، وقامت على الساحل الشرقي مدينة نوفا كرثاجو Nova Carthago
صفحة رقم : 3746
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> أسبانيا

(قرطاجنة الحديثة) التي أثرت من مناجمها، ومصائد سمكها، وتجارتها. وكان في البحر الأبيض بالقرب من أسبانيا جزائر البليار، وكانت فيها مدينتا بلما Palma، وبولنتا Pollentia. وكانتا في ذلك العهد مدنيتين قديمتين مزدهرتين. وكان على الساحل الشرقي نحو الشمال مدائن بلنسية، وتراكو Tarrae`s (Tarragona) (طرقونة) وبرسينو (برشلونة)، وكان إلى جنوب جبال البرانس مباشرة بلدة إمبوريا Emporiae القديمة. فإذا ما سار المسافر في سفينته مسافة قليلة حول حافة الجبال الشرقية ألقى نفسه في بلاد غالة.

صفحة رقم : 3747
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

الفصل الرابع
غالة

(11/328)


لقد كان في مقدور جميع السفن ذات الحمولة المتوسطة، بما فيها سفن المحيطات أن تسير في تلك الأيام في نهر الرون من مرسيليا إلى ليون. أما القوارب الصغيرة فكانت تستطيع مواصلة السير إلى ما يقرب من أربعين ميلا من نهر الرون الأعلى. فإذا نقلت البضائع بعد ذلك مسافة قصيرة فوق أرض مستوية استطاع الناس بعدها أن ينقلوها بالسفن مارة بمائة مدينة وألف قصر صغير إلى بحر الشمال. وكانت قفزات أرضية شبيهة بهذه القفزة تؤدى من الرون والساؤون إلى اللوار وإلى المحيط الأطلنطي، ومن الأود Aude إلى الجارون وبردو، ومن الساؤون إلى السين وبحر المانش. وكانت التجارة تسير في هذه الطرق المائية، ونشأت بفضلها مدائن عند ملتقاها، وكانت فرنسا، كما كانت مصر، هبة مجاريها المائية.
ويمكن القول أن الحضارة الفرنسية - بأحد المعاني التي يمكن أن تفهم من لفظ الحضارة- بدأت منذ أيام "الرجل الأوريناسي Ourignacian man" أي قبل ميلاد المسيح بثلاثين ألف عام، فقد كان في هذا الوقت البعيد، كما تدل كهوف منتنياك Montignac، فنانون يستطيعون أن يصوروا بالألوان الزاهية والخطوط الواضحة. ثم انتقلت فرنسا حوالي عام 12000 ق.م من ذلك العصر الحجري القديم، عصر الصيد والرعي، إلى حياة الاستقرار وفلح الأرض في العصر الحجري الحديث، وانتقلت منه بعد عشرة آلاف عام طوال إلى عصر البرنز. وحوالي عام 900ق.م أخذ جنس جديد هو الجنس "الألبي" المستدير الرؤوس يتسرب إلى البلاد من ألمانيا، وينتشر في فرنسا، ومنها إلى بريطانيا وإيرلندة،
صفحة رقم : 3748
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

(11/329)


ثم ينزل إلى أسبانيا. وجاء هؤلاء، "الكلت" معهم بثقافة هولستات Hallstatt الحديدية من النمسا. ثم استوردوا من سويسرا حوالي عام 550 ق.م فن لاتين La Te`ne في صناعة الحديد، وكان قد تقدم تقدما كبيرا في سويسرا. وسمت روما فرنسا أول ما عرفتها بإسم كلتيكا Celtica ولم يتغير هذا الاسم إلى غالة Gallia إلا في عهد قيصر.
وغلب المهاجرون أهل البلاد أو فاقوهم في عددهم، واستقروا قبائل مستقلة لا تزال أسماؤها تنم عليها المدن التي شادوها . ويقول قيصر إن الغاليين كانوا قوما طوال القامة، وأقوياء الأجسام، ظاهري العضلات(23)، يمشطون شعرهم الغزير الأشقر ويرسلونه خلف رؤوسهم وعلى أقفيتهم، وكان بعضهم يطيلون لحاهم، والكثيرون منهم يتركون شواربهم تتثنى حول أفواههم. وقد نقلوا معهم من بلاد الشرق، وربما كان ذلك عن الإيرانيين الأقدمين، عادة لبس السراويل القصيرة، وأضافوا هم إليها رداء مصبوغا بألوان كثيرة ومطرزا بالأزهار، ومن فوقه عباءة مخططة تتدلى من الكتفين، وكانوا مولعين بالجواهر، ويتزينون في الحروب بالحلي الذهبية - إن لم يكن عندهم ما هو أثمن منها(24). وكانوا يكثرون من أكل اللحم، وشرب الجعة والخمر غير المخفف بالماء، لأنهم كانوا "سكيرين بفطرتهم" إذا جاز لنا أن نصدق أبيان(25). ويصفهم أسترابون بأنهم قوم "سذج.. ذوو شمم وكبيراء، لا يطيقهم أحد إذا انتصروا، وتطير نفوسهم شعاعا إذا غلبوا"(26)، ولكن علينا ألا نثق كل الثقة بهذه الأقوال لأنه ليس من الخير
صفحة رقم : 3749
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

(11/330)


في كل الأحوال أن يكتب عن الناس أعداؤهم. وقد اشمئزت نفس بوسيدونيوس حين رآهم يعلقون رؤوس أعدائهم بعد فصلها عن أجسامهم في رقاب جيادهم(27). وكان يسهل استثارتهم للجدول والقتال، وكانوا في بعض الأحيان يسلون أنفسهم في المآدب بأن يتبارزوا حتى يقتلوا بعضهم بعضا. ويقول عنهم قيصر: "إنهم كانوا أكفاء لنا في الشجاعة وفي التحمس للحرب"(28)، ويصفهم أميناس مرسلينس Ammianus Marcellinus بأنهم:
"مهما تكن سنهم يليقون للخدمة العسكرية، فالشيخ منهم يخرج للحرب وهو لا يقل شجاعة عن الشاب في مقتبل العمر... والحق أن سرية كاملة من الأجانب لتعجز عن الوقوف في وجه غالي واحد إذا دعا زوجته إلى تأييده، وهي في العادة أشد منه بأسا وأعظم شراسة، وخاصة إذا نفخت عنقها، وعضت على أسنانها، ولوحت بذراعيها الضخمتين، وشرعت تكيل الربات بيديها وقدميها كأنها حجارة تقذف من منجنيق".
وكان الغاليون يؤمنون بآلهة كثيرة، نسي الناس كل أمرها فلا ضير عليها إذا لم نذكر أسماءها. وكان اعتقادهم بحياة سعيدة في الدار الآخرة قويا إلى حد حمل قيصر على الحكم بأن هذا الإيمان كان له أكبر الأثر في شجاعة الغاليين. ويقول فاليريوس مكسمس: إن قوة هذه العقيدة كانت تدفع رجالهم إلى أن يقرضوا المال على أن يرد إليهم في الديار الآخرة، ويقول ليسدونيوس إنه رأى الغاليين في إحدى الجنازات يكتبون الرسائل إلى أصدقائهم المتوفين ويلقون بها على كومة الحريق حتى يحملها الميت إلى المرسلة إليهم(30)؛ وليتنا نستطيع أن نستمتع برأي رجل غالي في هذه القصص الرومانية. وكان كهنتهم يشرفون على جميع شؤون التعليم، ويعنون كل العناية بغرس العقيدة الدينية في نفوس المتعلمين؛ وكانوا يقومون بطقوس دينية ذات روعة، يؤدونها في الأيك أكثر مما يؤدونها في الهياكل، ويسترضون الآلهة بتقديم الضحايا البشرية
صفحة رقم : 3750

(11/331)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

يأخذونها من المحكوم عليهم بالإعدام لجرائم ارتكبوها؛ وقد تبدو هذه العادة همجية لمن لم يروا بأعينهم في هذه الأيام طريقة الإعدام بالكهرباء؛ وكان الكهنة هم الطائفة الوحيدة المتعلمة - ولعلها كانت الطائفة والوحيدة غير الأمية - في هذا المجتمع الغالي؛ وكانوا يؤلفون الترانيم الدينية، والقصائد، ويكتبون السجلات التاريخية، ويدرسون النجوم وحركاتها، وحجم الكون والأرض، ونظام الطبيعة"(31)، وقد وضعوا لأنفسهم تقويما عمليا، وكانوا قضاة لهم نفوذ كبير في بلاط ملوك القبائل. وكانت غالة قبل عهد الرومان، كما كانت في العصور الوسطى، تسير على النظام الإقطاعي المكتسي بثياب الحكم الديني. وبلغت غالة الكلتية ذروة مجدها تحت حكم هؤلاء الملوك والكهنة في القرن الرابع قبل الميلاد، وازداد عدد السكان لوفرة الإنتاج الناشئ عن أساليب لاتين La Te`ne الفنية، فأدى ذلك إلى سلسلة من الحروب للاستيلاء على الأرض، ولم يحل عام 400 ق.م حتى كان الكلت الذين يمتلكون معظم أوربا الوسطى وغالة، قد استولوا على بريطانيا، وأسبانيا، وشمالي إيطاليا. وفي عام 390 اندفعوا جنوبا نحو روما، وفي عام 278 نهبوا دلفي واستولوا على فريجيا؛ وبعد قرن من ذلك الوقت أخذت قوتهم في الاضمحلال؛ وكان بعض السبب في هذا لين طباعهم الناشئ من ثروتهم ومن تأثرهم بالأساليب اليونانية، وبعضه الآخر قوة أمراء الإقطاع السياسية. فكما أن الملوك قد قضوا في العصور الوسطى على قوة الأمراء وأنشئوا بعد القضاء عليها دولة موحدة، كذلك قضى أمراء الإقطاع في القرن السابق لظهور قيصر على سلطة الملوك، وتركوا غالة مقطعة الأوصال أكثر من ذي قبل. وأخذ الكلت يردون إلى الوراء في كل مكان عدا أيرلندة، فأخضعهم القرطاجيون في أسبانيا، وأخرجهم الرومان من إيطاليا، وفتح الرومان في عام 125 ق.م جنوبي غالة لحرصهم على تأمين طريقهم إلى

(11/332)


أسبانيا، وجعلوا تلك البلاد ولاية رومانية. وفي عام 58 ق.م استغاث زعماء الكلت بقيصر
صفحة رقم : 3751
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

ليساعدهم على صد غارة ألمانية، فأجابهم قيصر إلى ما طلبوا وحدد هو ثم هذه المعونة:
وأعاد قيصر وأغسطس تنظيم غالة فقسماها أربع ولايات: غالة التربونية في الجنوب، وهي المعروفة للرومان باسم بروفنسيا Provincia ولنا باسم بروفانس Provence، وقد اصطبغت هذه الولاية إلى حد كبير بالصبغة اليونانية بسبب استيطان اليونان لشاطئ البحر الأبيض المتوسط، وأكوتانيا في الجنوب الغربي، ومعظم سكانها من الأيبيريين، وغالة اللدجونية Ludgonensis في الوسط، وكانت الكثرة الغالبة من أهلها من الكلت، وبلجيكا في الجنوب الشرقي وكثرة أهلها ألمان. وقد أقرت روما هذه الأقسام العنصرية وزادتها حدة لتتقي بذلك ثورتها الجامحة، فأبقت المقاطعات التي تسكنها القبائل المختلفة على حالها واتخذتها أقساما إدارية. وكان الملاك هم الذين يختارون الحكام، وقد ضمنت روما ولاء هؤلاء الملاك بما كانت تقدمه لهم من عون د الطبقات الدنيا، ومنحت حق المواطنية الرومانية مكافأة منها للغاليين الموالين لها الذين يؤدون لها خدمات قيمة. وكانت جمعية إقليمية تضم ممثلين يختارون من كل مقاطعة تجتمع كل عام في مدينة ليون. وقد قصرت وظيفتها في أول الأمر على القيام بطقوس عبادة أغسطس، ولكنها ما لبثت أن انتقلت من هذا إلى التقدم بملتمسات إلى الحكام الرومان، ثم أصبحت هذه الملتمسات توصيات ثم مطالب. وانتزعت شؤون القضاء من أيدي الكهنة، وبدد شملهم، واتبع القانون الروماني في فرنسا، وظلت غالة ما يقرب من قرن خاضعة مستسلمة للنير الجديد.

(11/333)


وحدث في عام 68م وفي عام 71م أن اندلع لهيب الثورة زمنا قصيرا بقيادة فندكس Vindex وسفيلس Civilis، ولكن الأهلين لم يقدموا إلا عونا قليلا لهاتين الحركتين، وفضلوا الاستمتاع بالرخاء، والأمن والسلام على حب الحرية.
صفحة رقم : 3752
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

وأصبحت في ظل السلم الرومانية من أغنى أقسام الإمبراطورية، وكانت روما نفسها تعجب من ثراء الأشراف الغاليين الذين انظموا إلى مجلس الشيوخ في عهد كلوديوس، وأخذ فلورس Florus بعد مائة عام من ذلك الوقت يذكر الفرق بين ثراء غالة المزدهرة وضعف إيطاليا المضمحلة (33). فقد قطعت الغابات لتفسح الأرض للزراعة، وجففت المستنقعات، وارتقت أساليب الزراعة حتى استخدمت حصادة آلية(34)، وانتشرت الكروم وأشجار الزيتون في كل مقاطعة، وكان بلني وكولملا Columella في القرن الأول الميلادي يمتدحان خمور برغندية وبردو. وكانت في البلاد ضياع واسعة يفلحها العديد وأفنان الأرض ويمتلكها أسلاف أمراء الإقطاع في العصور الوسطى، ولكن كان فيها أيضا كثيرون من صغار الملاك، وكانت الثروة في غالة القديمة، كما هي في فرنسا الحديثة، موزعة توزيعا أقرب إلى المساواة منه في أية دولة متمدنة أخرى. وتقدمت الصناعة بوجه خاص تقدما سريعا، فلم يحل عام 200م حتى أخذ صناع الفخار والحديد ينتزعون أسواق ألمانيا وأسواق الغرب من إيطاليا، والنساجون الغاليون يقومون بالجزء الأكبر من صناعة النسيج في الإمبراطورية، وحتى كانت مصانع ليون تخرج الزجاج التجاري وأدوات زجاجية ذات روعة فنية ممتازة(35). وكانت البراعة الفنية في الصناعة يتوارثها الأبناء عن الآباء، حتى أضحت جزءا ثمينا من التراث الروماني، وكانت الطرق التي أصلحها الرومان أو أنشئوها والتي يبلغ طولها 13000 ميل غاصة بأدوات النقل والتجارة.

(11/334)


وأثرت بلدان كلتيكا القديمة بفضل هذه الحياة الاقتصادية المتسعة، فأصبحت مدائن كبرى في غالة الرومانية، فكانت بردجالا Burdegala (هي بردو الحالية) عاصمة أكوتانيو من أكثر ثغور المحيط الأطلنطي حركة وتجارة، وكانت ليمونم Limonum (ليموج) وأفريكم Avaricum (يورج). وأغسطنمتم Augustonemetum (كيرمون - فران Clermont. Ferraand) مدائن غنية.
صفحة رقم : 3753
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

(11/335)


حتى قد استطاعت هذه المدينة الأخيرة أن تقدم لزنودوتس Zenodotus أربعمائة ألف سسترس ليقيم بها تمثالا ضخما لعطارد(36). وفي غاليا التربونية بلغت المدن من الكثرة درجة جعلت بلني يصفها بأنها "أشبه بإيطاليا منه بولاية من ولاياتها"(37). وكان في الجهة الغربية مدينة طولوزا Tolosa (طولوز الحالية) التي اشتهرت بمدارسها، وكانت ناربو Narbo نربونة (Narbonne) عاصمة الولاية في القرن الأول الميلادي أعظم مدائن غالة، وأهم الثغور التي تصدر منها غلاتها إلى إيطاليا وأسبانيا، وقد وصفها سيدونيوس أبلينارس Sidonius Apollinaris بقوله إن "فيها أسوارا، وطرقا للتنزه، وحانات، وعقودا وأروقة ذات عمد، وسوقا عامة، وملهى، وهياكل وحمامات، وأسواقا للبيع والشراء، ومراعي، وبحيرات، وقنطرة، وبحرا"(38). وكان إلى شرق هذه المدينة على طريق دوميتيا العظيم الذي يصل أسبانيا بإيطاليا بلدة نموسس Nemousus (نيمز Nimes). وقد شاد أغسطس والمدينة بيتها المربع Maison Carre`e الجميل تخليدا لذكرى حفيديه لوسيوس وكيوس قيصر؛ ومما يدعو إلى الأسف أن أعمدته الداخلية داخلة في جدران المحراب، ولكن أعمدته الكورنثية المنفصلة لا تقل جمالا عن أية عمد في روما. ولا تزال الاحتفالات تقام من آن إلى آن في مدرجها الذي كان يتسع لعشرين ألفا من النظارة. وتحولت القناة الرومانية التي كانت تنقل الماء العذب إلى روما على مر الزمن إلى قنطرة نهر جار Gard ولا تزال العقود السفلى لهذه القنطرة قائمة إلى اليوم في صورة آثار ضخمة محطمة في الريف العابس القريب من المدينة تظهر بجلاء ما بينها وبين العقود الصغرى التي فوقها من إختلاف، وتشهد هذه وتلك بعظمة فنون روما الهندسية.

(11/336)


وأنشأ قيصر شرق هذه المدينة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط مدينة أرلات Arelate (آرل الحديثة Arles) ظنا منه أنها ستحل محل مساليا Massalia) المشاكسة؛ فتكون مركزا لبناء السفن وثغرا تجاريا هاما. وكانت
صفحة رقم : 3754
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

مساليا (مرسيليا) مدينة قديمة حين ولد قيصر، وبقيت يونانية بلغتها وثقافتها إلى آخر أيامه، وكانت فنون الزراعة، وغرس الأشجار، وزراعة الكروم، والثقافة اليونانية قد دخلت بلاد غالة من مرفأ هذه الفرضة البحرية. وفيها بنوع خاص كانت أوربا الغربية تستبدل بغلاتها حاصلات بلاد اليونان والرومان، وكانت إلى هذا من أعظم مراكز الجامعات في الإمبراطورية، وكان أعظم ما اشتهرت به مدرسة الحقوق. وقد اضمحل شأنها بعد قيصر ولكنها ظلت ما كانت مدينة حرة مستقلة في شؤونها عن حاكم الولاية. وكان يليها من جهة الشرق فورم لولياي Forum Lulii (فريجو Frejus)، وأنتبوليس Antipolis (أنتيب Antibes) ونيسيا Nicaea (ميس)، ويتألف منها كلها ولاية الألب البحرية الصغيرة. وإذا انتقل المسافر في نهر الرون من أرلات وصل إلى أفنيو Avenio (أفنيون الحديثة Avignon) وأروسيو Arausio (أورانج Orange) وقد بقي في هذه المدينة الأخيرة قوس عظيم من أيام أغسطس؛ وفيها أيضا ملهى روماني ضخم لا تزال تمثل فيه مسرحيات قديمة.

(11/337)


وكانت أكبر ولايات غالة هي غالة اللجدونية، وسميت كذلك نسبة إلى عاصمتها لجدونم Lugdunum (ليون الحالية). وكانت هذه العاصمة تقع عند ملتقى الرون والساؤون وملتقى عدة طرق برية كبرى أنشأها أجربا، ولذلك أضحت المركز التجاري لإقليم غني وعاصمة لغالة كلها. وقد استطاعت بفضل ما قام فيها من صناعات الحديد والزجاج والخزف أن تقبل في القرن الأول الميلادي عددا من السكان بلغ حوالي مائتي ألف(40). وكان إلى شمالها بلدة كيلونم Cabillonum (شالون - على - الساؤون Chalon - sur - Saone) وقيصردونم Caesarodunum (تور Tours الحالية) وأغسطدونم Augustodunum (أوتون Outun الحالية) وسنابوم Cenabum (أورليان الحالية Orleans) ولورتيريا Luteria (باريس الحالية). وكتب الإمبراطور يوليان يصف هذه
صفحة رقم : 3755
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

المدينة الأخيرة فقال: "لقد قضيت الشتاء (357-358) في لوتيريا مدينتنا المحبوبة، لأن هذا هو الاسم الذي يطلقه الغاليون عن مدينة الباريزيين الصغيرة، وهي جزيرة في النهر... يعصر فيها الخمر الطيب(41).

(11/338)


وكانت ولاية بلجيكا التي تشمل أجزاء من فرنسا وسوسيرا الحاليتين بلادا لا يكاد أهلها يشتغلون بغير الزراعة؛ وكان معظم ما فيها من صناعات قليلة متصلا بالقصور الصغيرة ذات الحدائق التي تدل بقاياها الكثيرة على أن أصحابها كانوا من الأشراف الذين يعيشون معيشة الدعة الوترف. وفي هذه الولاية أنشأ أغسطس المدائن المعروفة الآن بأسماء سواسون Soissons، وسان كنتن St. Quentin، وسنلي Senlis، وبوفيه، وتريف Treves، وازدهرت آخر هذه المدن، وكانت تسمى أغسطا ترفرورم Augusta Trevirorum لأنها كانت مركز قيادة الجيش المدافع عن الرين، وأصبحت في أيام دقلديانوس عاصمة غالة بدل مدينة ليون، وصارت في القرن الخامس أكبر مدينة في شمال جبال الألب، ولا تزال حتى الآن غنية بآثارها الرومانية القديمة - فلا تزال البورتا نجرا Porta Nigra محتفظة بأسوارها الرومانية، ولا تزال فيها حمامات سانت بربارا، وفي إيجل Igel القريبة منها مقبرة أسرة سكنديني، وفي نوماجين Neumagen المجاورة لها النقوش الفجة التي كانت على كتل الحصن الحجرية.
وبدلت الحياة حول هذه المدن ظاهرها تبدلا بطيئا وجددت عناصرها في عناد شديد فاحتفظ الغاليون بحقهم، وسراويلهم القصيرة، وظلوا ثلاثة قرون محتفظين بلغتهم ولكن اللغة اللاتينية غلبتهم على أمرهم في القرن السادس. وكان أكبر السبب في هذه الغلبة استخدامها في الكنيسة الرومانية، ولكنها كانت وقتئذ قد شذبت ورخمت حتى صارت فرنسية. ونالت روما أعظم فوز لها في غالة بنقل الحضارة الرومانية إليها. ويرى بعض كبار المؤرخين الفرنسيين أمثال جوليان وفنك برنتانو
صفحة رقم : 3756
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> غالة

(11/339)


Funck Brentano أن فرنسا كانت تكون خيرا مما هي لو لم تفتحها روما، ولكن مؤرخا آخر أعظم من هذين المؤرخين يعتقد أنه لو لم تفتح روما غالة لفتحتها ألمانيا حتما، وأنه لو لم ينتصر قيصر في تلك البلاد كما يقول ممسن Mommsen:
"لحدثت هجرة الشعوب قبل حدوثها بأربعمائة عام، وفي وقت لم تكن الحضارة الإيطالية قد تأقلمت في غالة أو على ضفاف الدانوب، أو في أفريقية وأسبانيا. وبفضل ما كان للقائد والسياسي الروماني العظيم من بصيرة نافذة أدرك بها أن القبائل الألمانية هي العدو المنافس للعالم الروماني - اليوناني، وبفضل قوته وشدة بأسه التي استطاع بها أن يضع للدولة نظامها الجديد نظام الدفاع الهجومي بجميع تفاصيله ودقائقه ويعلم الناس أن يحصنوا حدود الإمبراطورية بالأنهار والأسوار الصناعية... بفضل هذا كله كسب للثقافة اليونانية - الرومانية الفترة التي لم يكن منها بد لتمدين الغرب"(44).
لقد كان نهر الرين هو الحد الفاصل بين الحضارة الرومانية - اليونانية وبين الحضارة البدائية؛ فأما غالة فلم يكن في وسعها أن تدافع عن هذا الحد، وأما روما فقد دافعت عنه، وكان دفاعها هذا هو الذي حدد مجرى تاريخ أوربا إلى يومنا هذا.

صفحة رقم : 3757
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> بريطانيا

الفصل الخامس
بريطانيا

(11/340)


عبر البحر من عالة حوالي عام 1200 ق.م من قبائل الكلت واستقر في إنجلترا. وقد وجدوا في تلك البلاد خليطا من شعب أسود الشعر لعله أيبيري، وشعب أشقر الشعر اسكندناوي: وغلب الكلت هؤلاء الأهلين على أمرهم، وتزوجوا منهم، وانتشروا في إنجلترا وويلز. حوالي عام 100 ق.م (وتقل تلك القرون الأحد عشر لأن أنانيتنا تحملنا على اختصار هذه الأحقاب المليئة بالحوادث وتمحو الأجيال الجليلة الشأن من الذاكرة المزدحمة لكي تقربنا من عصرنا الحديث) أقبل فرع آخر من الكلت من داخل القارة وطرد بني عمومته من جنوبي بريطانيا وشرقيها. ولما جاءها قيصر وجد سكان الجزيرة يتألفون من عدة قبائل لكل منها ملك يريد أن يوسع مملكته الصغيرة، وأطلق على السكان كلهم اسم البريطاني Britauni نسبة إلى قبيلة غالية تسمى بهذا الاسم كانت تسكن جنوبي القناة الإنجليزية مباشرة، ظنا منه أن هذه القبيلة نفسها تسكن كلا الشاطئين.
وكانت بريطانيا الكلتية شبيهة كل الشبه بغالة الكلتية في عاداتها ولغتها ودينها. ولكنها كانت متأخرة عنها في حضارتها. وقد انتقلت من العصر البرنزي إلى العصر الحديدي قبل مولد المسيح بنحو ستة قرون أي بعد انتقال غالة إلى هذا العصر الأخير بثلاثة قرون، ولما عبر بيثياس Pytheas، المرتاد الماسليوني Massiliot المحيط الأطلنطي إلى إنجلترا حوالي عام 350 ق.م، وجد بلدة كنتاي Cantii في مقاطعة كنت Kent غنية بزراعتها وتجارتها، فقد كانت تربتها خصبة بفضل الأمطار
صفحة رقم : 3758
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> بريطانيا

(11/341)


الغزيرة، وكانت أرضها تحتوي على خامات غنية بالنحاس، والحديد، والقصدير، والرصاص. وكانت صناعاتها المنزلية قبل عهد قيصر تكفي لإيجاد تجارة ناشطة بين القبائل التي تسكنها ومع القبائل الأوربية، وضربت فيها نقود من البرنز والذهب(45). وكانت غارات قيصر في واقع الأمر غارات استكشافية، عاد منها ليؤكد إلى روما أن القبائل التي تسكن تلك البلاد عاجزة عن المقاومة المتحدة، وأن غلاتها تكفي جيشا غازيا يأتيها في الوقت المناسب. وبعد مائة عام من ذلك الوقت (43م) عبر كلوديوس القناة ومعه أربعون ألفا من الجنود كان نظامهم وتسليحهم، ومهارتهم فوق طاقة السكان الأصليين، فأخضعوا بريطانيا لروما وأصبحت من ذلك الوقت ولاية تابعة لها. وفي عام 61 قادت ملكة لإحدى القبائل البريطانية تدعى بوتكا Boudicca أو بوديسيا Boadicea ثورة شديدة، وادعت أن ضباطا رومانيين قد اعتدوا على عفاف ابنتيها، ونهبوا مملكتها، وباعوا كثيرا من رجالها الأحرار في سوق الرقيق. وبينما كان الحاكم الروماني بولينس مشغولا في الاستيلاء على جزيرة مان Man هزم جيش بوتكا الفيلق الوحيد الذي وقف في وجهه، وزحف على لندنيوم Londinium، وكانت في ذلك الوقت - على حد قول تاستس - "أهم مسكن للتجار، كما كانت سوقا كبرى للتجارة"(46). وقتل كل روماني في هذه المدينة أو في فريولامنيوم Verulaminium (سانت أولبنز St. Aibans)، وذبح سبعون ألف روماني هم وحلفاؤهم قبل أن يلتقي بولينس وفيالقه بالثوار. وحاربت بوتكا وابنتاها في عربة حربية بشجاعة نادرة في أثناء هزيمتها، ثم تجرعت السم، وضربت بحد السيف رؤوس ثمانين ألفا من البريطانيين.
ويحدثنا تاستس عن أجر كولا زوج ابنته وحاكم بريطانيا (78-54م) فيروي كيف نشر الحضارة بين "شعب فظ مشتت ذي نزعة حربية" بإنشاء المدارس، وإذاعة استعمال اللغة اللاتينية، وتشجيع المدن والأغنياء على تشييد
صفحة رقم : 3759

(11/342)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> بريطانيا

المعابد، والباسقات، والحمامات العامة، ثم يقول ذلك المؤرخ السليط: "واستحوذت مباهج الرذيلة شيئا فشيئا على قلوب البريطانيين، فصارت الحمامات، والحجرات الجميلة، والمآدب الفخمة، محببة اليهم، وأخذ البريطانيون الغافلون يسمون الآداب الجديدة باسم فنون الإنسانية المهذبة، وإن لم تكن في حقيقة أمرها إلا ستارا جميلا للاسترقاق". واستطاع أجركولا بحملات حربية سريعة أن يحمل هذه الفنون والحكم الروماني، إلى ضفاف نهر الكليد Clyde والفورث Forth وأن يهزم جيشا من الاسكتلنديين مؤلفا من ثلاثين ألفا، ولو لم يدعه دومتيان ليواصل الزحف. وشاد هدريان سورا (122-127) طوله سبعين ميلا في عرض الجزيرة يمتد من خليج سلواي Splway Firth إلى مصب التين Tyne ليصد الاسكتلنديين الذين كانوا يرتابون في نواياه، وبعد عشرين عاما من ذلك الوقت أقام لوليوس Lollius في شمال هذا السور سورا آخر طوله ثلاثة وثلاثون ميلا يعرف بسور أنطونينسويمتد بين مصبي الكليد والفورث. وبفضل هذين الحصنين استطاعت روما أن تأمن على بريطانيا أكثر من قرنين من الزمان.

(11/343)


وكان حكم روما يزداد لينا ورحمة كلما زاد استقرارا، فأصبحت المدن تشرف عليها مجالس شيوخ وجمعيات وطنية وحكام من أهلها، وترك للريف كما ترك في غالة إلى رؤساء القبائل الخاضعين لإشراف الرومان. ولم تكن الحضارة في بريطانيا حضارة مدن كما كانت في إيطاليا، كما أنها لم تكن غنية غناء حضارة غالة، ولكن المدن البريطانية أخذت وقتئذ أشكالا جديدة بفضل استنهاض روما وحمايتها لها. وكانت أربع من هذه المدن مستعمرات يتمتع أهلها بحق المواطنية الرومانية وهي: كمولودنم Camulodunum (كلشستر Colchester) التي كانت أولى عواصم بريطانيا الرومانية ومقر مجلس الولاية، ولندم Lindum التي بدل اسمها لنكولن الحديث Lincoln على ما كان لها من امتياز قديم، وإبراكم Eboracum (يورك) وكانت وقتئذ مركزا حربيا هاما، وجليفم Glevum، التي
صفحة رقم : 3760
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> بريطانيا

(11/344)


امتزج في اسمها الحديث جلوسستر Gloucester لفظا جليفم وشستر وثاني اللفظين هو اللفظ الإنجليزي السكسوني المقابل لكلمة مدينة ؛ ويلوح أن تشستر، وونشستر، ودورشستر، وشيشستر، وليسستر (لستر)، وسلشستر، ومنشستر قد بدأت كلها في القرنين الأول والثاني من حكم الرومان. وكانت في أول الأمر بلدانا صغيرة يسكن كل منها حوالي ستة آلاف نفس، ولكنها كانت تستمتع بشوارع مرصوفة ذات مجار، وبأسواق عامة وباسقات، وهياكل، وبيوت أسسها من الحجارة وأسقفها مغطاة بالقرميد، وكان في فركونيوم Virconium (ركستر الحالية Wroxeter) باسقات تتسع لستة آلاف شخص، وحمامات تتسع لاستحمام مئات من الأشخاص في وقت واحد. وكان لأكوا سالس Aquae Salis (المياة الملحة)، التي تعرف باسم باث Bath عيون حارة أصبحت بفضلها ملاذا طيبا في الزمن القديم كما يدل على ذلك ما بقى من آثار حماماتها الحارة إلى اليوم. وعلا شأن لندنيوم من الناحيتين الاقتصادية والحربية لحسن موقعها على نهر التاميز ولأهمية الطرق المتفرعة منها، وزاد سكانها حتى بلغوا ستين ألفا وسرعان ما أضحت عاصمة بريطانيا بدل كولودونم(49).
وكانت البيوت في لندن الرومانية من الآجر والمصيص أما في البلدان الصغيرة فكانت من الخشب، وكان الجو هو الذي يحدد شكلها، فكان لها سقف هرمي يقيها المطر والثلج، ونوافذ كثيرة لينفذ منها ما عسى أن يكون من أشعة الشمس، "لأن الشمس" كما يقول استرابون "لم تكن ترى أكثر من ثلاث ساعات أو أربع حتى في اليوم الصحو"(50). أما داخلها فكان على الطراز الروماني: - أرضه من الفسيفساء، وبه حمامات كبيرة، وجدران قائمة عمودية وتدفئة مركزية،
صفحة رقم : 3761
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> بريطانيا

(11/345)


(تزيد على ما كان منها في البيوت الإيطالية) بأنابيب تحمل الهواء الساخن في أرض البيت وجدرانه وكان الفحم يستخرج من العروق القريبة من سطح الأرض. ويستخدم في تدفئة البيوت، وفي الأغراض الصناعية كصهر الرصاص. ويبدو أن مناجم بريطانيا القديمة كانت ملكا للدولة، ولكنها تؤجرها للأفراد يستغلونها(51). وكان باث مصنع (فبريكا Fabrica) لصنع الأسلحة الحديثة(52)، وأكبر الظن أن صناعات الخزف، والآجر والقرميد قد ارتقت حتى كانت تصنع في المصانع، ولكن معظم الصناعات كانت في البيوت، والحوانيت الصغيرة، والدور ذات الحدائق. وكان في الجزيرة خمسة آلاف ميل من الطرق الرومانية، وعدد لا يحصى من الطرق المائية تنقل عليها التجارة الداخلية النشيطة، هذا فضلا عن تجارتها الخارجية المتواضعة التي كانت عكس تجارة بريطانيا في هذه الأيام لأنها كانت تصدر المواد الأولية اللازمة للصناعة.
ترى إلى أي عمق نفذت الحضارة الرومانية في حياة بريطانيا وروحها في الأربعة القرون التي سيطرت فيها روما على الجزيرة؟ لقد صارت اللغة اللاتينية لغة السياسة، والقانون، والأدب، والأقلية المتعلمة في البلاد، لكن اللسان الكلتي بقي سائدا في الريف وبين عمال المدن، ولا يزال يقاوم حتى الآن في ويلز وفي جزيرة مان. ونشرت المدارس الرومانية القراءة والكتابة في بريطانيا، وعينت الصورة الرومانية لحروف الهجاء الإنجليزية، وغمر اللغة الإنجليزية سيل من الكلمات اللاتينية. وبنيت هياكل للآلهة الرومانية، ولكن الرجل العادي ظل يمجد الأرباب والأعياد الكلتية، وحتى المدن الكبرى نفسها لم تمد روما فيها جذورا باقية؛ وكل ما في الأمر أن الأهلين خضعوا كارهين لحكم استمتعوا في ظله بسلم مثمر ورخاء لم تستمتع الجزيرة بمثله إلا أيام الانقلاب الصناعي.

صفحة رقم : 3762
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

الفصل السادس
البرابرة

(11/346)


كان ما قرره أغسطس وتيبيريوس من عدم السماح بفتح ألمانيا من بين الحادثات الهامة في تاريخ أوربا. فلو أن روما فتحت ألمانيا وصبغتها كما صبغت غالة بالصبغة الرومانية، لكان لأوربا الواقعة في غرب الروسيا كلها تقريبا نظام واحد، ولربما قامت أوربا الوسطى في هذه الحالة حاجزا في وجه تلك الجماعات الكبرى التي كان ضغطها على الألمان سبب غزوهم إيطاليا.
ونحن نسميهم الألمان، وإن كانوا هم أنفسهم لم ينطقوا بهذا الاسم، وليس ثمة من يعرف مصدره ، ولقد كانوا في الأيام القديمة خليطا من قبائل مستقلة ضاربة في ذلك الجزء من أوربا المحصور بين نهري الرين والفستيولا Vistula؛ وبين الدانوب وبحر الشمال والبحر البلطي. وتبدلت أحوالهم شيئا فشيئا في القرنين الواقعين بين حكم أغسطس وحكم أورليوس فانتقلوا من حياة الهجرة للصيد والرعي إلى حياة الزراعة والقرى، ولكنهم كانوا لا يزالون على درجة من البداوة جعلتهم يستنفدون بسرعة خصب الأرض التي يفلحونها، ثم يرحلون ليفتحوا بحد السيف أرضا جديدة. ومن أجل هذا كانت الحرب طعام الألماني وشرابه إذا جاز لها أن نصدق قول تاستس:
"ليس شعار الألماني هو أن يزرع الأرض وينتظر حتى يجني المحصول في موسمه، بل إنك ليسهل عليك أن تقنعه بأن يهاجم عدوه ويلقى في جسمه الجراح الشريفة في ميدان القتال، ويرى الألماني أن كسبك بعرق الجبين ما تستطيع
صفحة رقم : 3763
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

أن تشتريه بدمك هو شعار العاجزين الخاملين وأنه لا يليق قد بالجندي"(53).

(11/347)


ولقد تحدث المؤرخ الروماني عن صفات الألمان الحربية وعن حماسة النساء وهن يحرضن الرجال على القتال، ويحاربن إلى جنبهم في كثير من الأحيان. وكان وهو يصفهم يتحسر على تدهور شعبه بفعل الترف والسلم، ويغالي في هذا الوصف مغالاة الواعظ والمعلم الأخلاقي. ولقد كان الفرار من العدو يسربل من يرتكبه بعار لا يمحى مدى الحياة، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى الانتحار. وقد وصف أسترابون الألمان بأنهم "أشد بأسا وأطول قامة من الغاليين"(54). وكأن سنكا قد قرأ تاستس فاستنتج من هذا نتائج منذرة بأسوأ النذر فقال: "إن الترف والثراء لا يزيدان هذه الأجسام القوية العنيفة، وهذه التقوى التي لا تعنى قط باللذة، إلا قليلا من التنظيم والحذق في الحركات العسكرية - وحسبي هذا. ولن تستطيعوا (أيها الرومان) أن تقفوا في وجههم إلا إذا عدتم إلى فضائل آبائكم"(55).
ويرى تاستس أن أولئك الأقوام كانوا في أيام السلم كسالى بلداء، يقضي الرجال أوقاتهم (ولعل ذلك بعد الصيد أو موسم الحصاد) في ملء بطونهم باللحم وشرب أنهار من الجعة، بينما تقوم النساء والأطفال بالأعمال المنزلية(56) وكان الألماني يشتري زوجته من أبيها بهدية من الماشية أو السلاح، وكان له عليها وعلى أبنائهما حق الحياة أو الموت بشرط أن توافق على ذلك جمعية القبيلة. لكن النساء رغم هذا كانت لهم عندهم مكانة عالية، وكثيرا ما كان يطلب إليهن أن يفصلن فيما يشجر بي رجال القبيلة من منازعات، وكان من حقهن أن يطلقن أزواجهن، كما كان من حق هؤلاء الأزواج أن يطلقوهن. وكان لبعض زعماء القبائل عدة أزواج، ولكن الأسرة الألمانية العادية لم يكن فيها إلا زوجة واحدة، ويؤكد لنا المؤرخون أنا كانت تراعي مستوى عاليا من الأخلاق الزوجية، "فالزنى قلما كان يسمع به عندهم"، وإذا ارتكبته المرأة عوقبت بقص شعرها والحكم عليها بأن تسير عارية في الشوارع وأن تضرب بالسياط، وهي تحاول
صفحة رقم : 3764

(11/348)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

الفرار. وكان يسمح للزوجة أن تجهض نفسها إذا شاءت(58)، ولكنها كانت في العادة امرأة ولودا. وكان يندر وجود رجال بلا أبناء ولهذا لم تكن عندهم وصايا، وكان المفروض أن أملاك الأسرة يرثها الولد عن أبيه جيلا بعد جيل(59).
وكان السكان يتألفون من أربع طبقات: (1) طبقة المقيدين - وبعضهم عبيد وكثرتهم من أفنان الأرض المرتبطين بها. والمفروض عليهم أن يؤدوا التزاماتهم للمالك من غلتها. (2) والمحررين - وهم المستأجرون الذين لا يتمتعون بحقوق سياسية. (3) والأحرار - وهم الملاك والمحاربون. (4) والأشراف - وهم ملاك الأراضي الذين تتصل أنسابهم بالآلهة، ولكنهم يقيمون سلطتهم على أساس أملاكهم الموروثة وحرسهم الخاص (Comites أي الرفاق، ومنها اشتقت كلمة كونت). وكانت الجمعية القبلية تتألف من الأشراف، ورجال الحرس، والأحرار، يأتون إليها مسلحين، ويختارون الزعيم أو الملك، ويوافقون على ما يعرض عليهم من اقتراحات بضرب الحراب بعضها ببعض، أو يرفضونها بزمجرة كثرة الحاضرين. وكان بعض أفراد الطبقتين الثانية والثالثة يشتغلون بالصناعات اليدوية والمعدنية التي برع فيها الألمان، أما الطبقة الرابعة فكان منها النبلاء والفرسان، وهي التي أنشأت نظام الفروسية في ألمانيا الإقطاعية.

(11/349)


ولم يضف إلا القليل من البناء الثقافي فوق هذا النظام الاجتماعي الساذج. ولم يكد الدين وقتئذ ينتقل من عبادة الطبيعة إلى عبادة الأرباب المجسدة في صورة الآدميين. ويسمى تاستس آلهتهم: المريخ Mars، وعطارد Mercury، وهرقل Hercules - والراجح أن الأسماء الحقيقية لهذه الآلهة هي تيو Tiu (تير Tyr) ووودن Woden (أو ودن Odin)، ودونار Donar (تور)، ولا تزال أربعة أيام من كل أسبوع تخلد ذكراها هي وفريا Freya إلهة الحب، على غير علم منا، وكانت لهم إلهة عذراء (هرثا Hertha) (الأم الأرض). التي حملت من أحد أرباب السماء، كما أن كل حاجات الإنسان وكل ما يخطر بباله كانت تؤديه طائفة
صفحة رقم : 3765
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

مختلفة من الجنيات، والعفاريت الصغار والكبار، وجن البحار، والمردة، والأقزام. وكانت الضحايا البشرية تقرب إلى وودن، وربما كانت الحيوانات الألذ طعما من الآدميين تقرب إلى غيره من الأرباب، وكانت الصلوات تقام في الخلاء في الغابات والغياض، لأن الألمان كانوا يرون أن من السخف حصر روح من أرواح الطبيعة في مسكن تشيده الأيدي البشرية.ولم يكن عندهم طبقة دينية قوية شبيهة بالدرويد Druids عند الغاليين أو البريطانيين، ولكنهم كان لديهم كهنة وكاهنات، يرأسون الاحتفالات الدينية، ويجلسون للفصل في القضايا الجنائية، ويتنبئون بالمستقبل بدراسة مهبل الجياد البيض وحركاتها. وكان عندهم كما كان في غالة شعراء يتغنون في شعر فج بأقاصيص قبائلهم وتاريخها. وكان منهم أقلية تعرف القراءة والكاتبة، وكيفت الحروف الهجائية اليونانية فجعلت منها العلامات التي تطورت منها الحروف القوطية وهي الحروف الألمانية الحديثة. وكان الفن عندهم بدائيا، ولكنهم أخرجوا تحفا جميلة من الذهب.

(11/350)


ولما أن سحبت روما فيالقها من ألمانيا احتفظت بسيطرتهم على نهر الرين من منبعه إلى مصبه، وقسمت هذا الوادي الفخم ولايتين - ألمانيا العليا وألمانيا السفلى. وكانت ثانيتهما تشمل هولندة وأرض الرين الممتدة جنوبا إلى كولوني. وكانت هذه المدينة الجميلة المعروفة عند الرومان بإسم كولونيا أجربننسس Colonia Agirpdinansis قد جعلت ولاية (50م) تكريما لأم نيرون التي ولدت فيها؛ ولم يمض عليها أكثر من خمسين عاما حتى كانت أغنى المحلات القائمة على نهر الرين. أما ولاية ألمانيا الشمالية فكانت تمتد على نهر الرين نحو الجنوب مخترقة مجنتياكم Maguntiacum (ماينس Mayence)، وأكوا أوريليا Aquae Aureliae (بادن - بادن Baden. Baden) وأرجنتراتم Argentoratum (ستراسبورج Strsbourg) وأغسطا روركورم Ausgusta Rauricorum (أوغسط August) وتنتهي عند فندونسا Vindonissa (فندش Windisch). وكان في هذه المدن
صفحة رقم : 3766
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

جميعها تقريبا ما في غيرها من الهياكل والباسقات، والملاهي، والحمامات، والتمايل العامة. وكانت كثير من الفيالق التي ترسلها روما لحراسة الرين تجيش خارج معسكراتها، ويتزوج رجالها بفتيات ألمانيات، ويعيشون مواطنين في تلك البلاد بعد أن تنتهي مدة خدمتهم العسكرية. والراجح أن بلاد الرين لم تكن في أيام الرومان أقل سكانا أو غنى منها في أي وقت قبل القرن التاسع عشر.

(11/351)


ولقد سبق القول إن مهندسي روما العسكريين قد أنشئوا بين نهري الرين والدانوب طريقا محصنا، وأقاموا على جانبيه قلاعا تبعد كل منها عن الأخرى تسعة أميال، كما أقاموا عليه سورا يبلغ طوله ثلاثمائة ميل. وأفاد هذا الطريق المحصن روما مائة عام، ولكنه لم يفدها شيئا حين نقصت نسبة المواليد بين الرومان نقصا كبيرا عما كانت عليه عند الألمان. وكان نهر الدانوب الذي يعده الأقدمون أطول أنهار العالم أضعف من نهر الرين حدا فاصلا بين الدولة الرومانية والقبائل الألمانية. وكان إلى جنوبه الولايات النصف الهمجية ريتيا، ونوركم، وبنونيا، وهي الولايات التي تتكون منها البلاد التي كنا نعرها في شبابنا بإسم دولتي النمسا والمجر والصرب. وقد أنشأ الرومان في موضع أجزبرج Augsburg (أي بلطة أغسطس الحديثة) مستعمرة رومانية هي مستعمرة أغسطا فندلكورم Augusta Vindelicorum كان هي المحطة الرئيسية على الطريق الممتد من إيطاليا فوق ممر برنر Brenner إلى نهر الدانوب. وشادوا على النهر نفسه مدينتين حصينتين عند فندوبونا Vindobona وهي مدينة فينا الحالية، وعند أكونكم Aquincum على المرتفعات التي تشرف منها بودا Buda على بست Pest. وقامت مدينة سرميوم Sirmium (متروفيكا Mitrovica) في بنونيا الجنوبية الشرقية على نهر الساف Save غرب موقع بلغراد الحديثة، وصارت هذه المدينة في أيام دقلديانوس إحدى العواصم الإمبراطورية الأربع. وقامت بفضل النشاط التجاري
صفحة رقم : 3767
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

(11/352)


اليوناني، والرومان، والأهالي الوطنيين في مقاطعة دلماشيا الواقعة جنوبي بنونيا ثغور البحر الأدرياوي وهي سالونا Salona (سبلاتو Spalato الحديثة) وأبولونيا Appolonia (بالقرب من فالونا) ودير هوكيوم Dyrrhachium (دورزو Durazzo الحديثة). وكانت روما الإمبراطورية تجند من هذه الولايات الواقعة جنوب الدانوب أقوى جنودها أجساما وأصلبهم عودا، كما كانت تستمد منها في القرن الثالث الأباطرة الحربيين الذين صدوا سيل البرابرة حوالي مائتي عام. وكان في شرق بنونيا ولاية داشيا (رومانيا الحديثة)، وكانت عاصمتها سرمزجتوسا التي لم يعد لها الآن وجود. وكان في جنوب هذه الولاية وشرقها ولاية متيزيا (وتشمل أجزاء من يوغوسلافيا ورومانيا وبلغاريا الحديثة)، وكان فيها على الدانوب مدينتان كبيرتان هوا سنجدنوم (بلغراد الحديثة) وترزمس Troesmia (أجلتزا Iglitza) وثالثة بالقرب من نهر إسكر Isker وهي سرديكا Sardica (صوفيا الحديثة). وثلاثة بلدان كبرى على البحر الأسود وهي إستروس Istrus، وتومي Tomi (قسطنجة الحديثة) وأديسس Oddessus (وارنة Varna). ولقد كافحت الحضارة اليونانية والجيوش الرومانية في هذه المستقرات النكدة لكي تحافظ على كيانها ضد القوط، والرومانيين، والهون، وغيرهم من القبائل المتبربرة التي أخذت تتكاثر وتتجول في شمال النهر العظيم، ولكن هذا الكفاح لم يجدهما نفعا.
وكان عجز روما عن تمدين هذه الولايات الواقعة جنوب الدانوب هو الذي أدى إلى سقوطها. فلقد كان هذا الكفاح من أشق الواجبات على شعب يعاني آلام الشيخوخة، وكانت حيوية الجنس السائد قد أخذت تضعف في مهاد الراحة والعقم بينما كانت القبائل الضاربة في الشمال تتكاثر وتقوى وتزداد جرأة وتهورا. لما أن قدم تراجان المال للرومانيين ليجنحوا للسلم كان ذلك العمل منه بداية النهاية، ولما أن جاء ماركس
أورليوس بآلاف من الألمان وأسكنهم داخل
صفحة رقم : 3768

(11/353)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> تمدين الغرب -> البرابرة

الإمبراطورية، انهارت الحواجز التي كانت تفصل بينهم وبين الرومان، واستقبل الجنود الألمان في الجيش الروماني بالترحاب، وارتقوا إلى مناصب القيادة. وما لبثت الأسر الألمانية أن تضاعف عددها في إيطاليا بينما كانت الأسر الإيطالية آخذة في الانقراض. وهكذا انعكست الآية في هذه الحركة، فأخذ البرابرة "يبربرون" روما بعد أن كانت روما تصبغهم بصبغتها. لكن عجز روما عن ضم الشمال لحظيرة التراث الروماني واليوناني القديم لم يقلل من عظمة ضمها الغرب لهذا التراث أو من خطر شأنه. ففي هذا الغرب على الأقل برزت فنون السلم من بين عجاج الحرب، وكان في وسع الناس أن يستبدلوا بسيوفهم محاريث من غير أن تنحل قواهم في نعيم المدن وأحيائها القذرة. ونبتت فيما بعد حضارة جديدة في أرض أسبانيا وغالة القوية حين ضعف تيار البرابرة، وأثمرت بذور قبور الطغيان ثمارها، وعفا الدهر عن آثامها في البلاد التي جاءت إليها الجحافل الغاشمة بقوانين روما ونقلت إليها شعلة الحضارة اليونانية.

صفحة رقم : 3769
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

الباب الثالث والعشرون
بلاد اليونان الرومانية
الفصل الأول
أفلوطرخس
بذلت روما جهدها لكي تكون كريمة في معاملتها لبلاد اليونان، ولت تخفق في هذا الإخفاق كله؛ فهي لم تضع حاميات من الجند في ولاية آخية الجديدة، وكان ما فرضته عليها من الخراج أقل مما كان ينتزعه جباتها من أهلها قبل مجيء الرومان إليها، وتركت روما دول المدن تحكم نفسها حسب دساتيرها وقوانينها القديمة، وجعلت لكثير منها: كأثينة، وإسبارطة، وبلاتية، ودلفي وغيرها "مدنا حرة"، تتمتع بحقوقها القديمة كلها عدا حقها في أن تشن الحرب الخارجية أو حرب الطبقات.

(11/354)


لكن بلاد اليونان كانت تتحرق شوقا إلى حريتها، كما أن القواد الرومان، والمرابين، ورجال الأعمال الذين حذقوا أساليب شراء غلات البلاد بأبخس الأثمان وبيعها بأغلاها، هؤلاء كلهم قد استنزفوا خيرات البلاد، ومن أجل هذا انضمت إلى ثورة مثرداتس وعوقبت على انضمامها إليها أشد العقاب، فحوصرت أثينة حصارا أهلك فيها الحرث والنسل، ونهبت كنوز هياكل دلفي، وإليس، وإيدورس.
وبعد جيل من ذلك الوقت تقاتل قيصر وبمبي، ثم أنطونيوس وبروتس،
صفحة رقم : 3770
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

على أرض اليونان، وجندوا أهلها في جيوشهم، واستولوا على محصولات البلاد وذهبها، وجبوا في عامين ضرائب عشرين عاما، وتركوا الدائن خاوية على عروشها. وانتعشت آسية اليونانية تحت حكم أغسطس، ولكن بلاد اليونان نفسها ظلت فقيرة، ولم يكن سبب فقرها هو الفتح الروماني بل كان هو الاستبداد الذي خنق أرواح الأهلين في إسبارطة، والحرية التي انحطت حتى أصبحت فوضى في أثينة، وما جره على البلاد عقم الرجال وجدب التربة من وبال. ذلك أن أكثر أبنائها جرأة ومغامرة قد هجروها إلى الأراضي التي كانت أغنى منها وأحدث استقلالا. وأدى قيام دول جديدة في مصر، وقرطاجنة، وروما، وقيام الصناعة في بلاد الشرق الهلنستي إلى ترك مواطن الروح اليونانية القديمة خاوية مهجورة. وكانت روما تثقل اليونان بمديحها وتنهب روائع فنها: قد أخذ منها اسكورس Sckourus ثلاثة آلاف تمثال ليزين بها ملهاه، وأرسل كلجيولا زوج عشيقته لينقب في بلاد اليونان عن التماثيل، ونهب نيرون وحده نصف ما في دلفي من روائع النحت، ولم يبسم الحظ لأثينة مرة أخرى إلا حين تولى هدريان الملك.

(11/355)


وكانت إبيروس هي التي انصب عليها غضب روما أول الأمر في الحروب المقدونية، وأباحها مجلس الشيوخ إلى الجند ينهبونها ويعيثون فيها فسادا، وبيع من أهلها خمسة عشر ألفا في سوق الرقيق، وبنى أغسطس عاصمة جديد لإبيروس فينيقوبوليس ليخلد ببنائها انتصاره في أكتيوم القريبة منها. وما من شك في أن الحضارة قد وجدت فيها ملجأ ومعتصما لأن "مدينة النصر" آوت إبكنتس، واستمعت إلى تعاليمه. وكان حظ مقدونية خيرا من حظ جارتها الوفية، فقد كانت هذه البلاد غنية بالمعادن والخشب، وزادت حياتها التجارية نشاطا بفضل طريق اجناشيا Egnatie الذي كان يصلها هي وتراقة من ابلونيا ودير هكيوم إلى بيزنطية. وعلى هذا الطريق الرئيسي الذي لا يزال بعضه باقيا حتى الآن
صفحة رقم : 3771
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

(11/356)


كانت تقوم أهم مدن الولاية: إدسا، وبلا، وتسالونيكا. وكانت هذه المدينة الأخيرة التي كان اليونان يعرفونها باسمها القديم "نصر تساليا" عاصمة الولاية، ومركز مجالسها، وإحدى الثغور التجارية الهامة بين بلاد البلقان وآسية. أما تراقية الواقعة في شرقها فقد اختصت نفسها بالزراعة، والرعي، والتعدين، ولكنها كانت تشتمل على مدن كبيرة أهمها سرديكا Serdica (صوفيا Sofia)، وفلبوبوليس Philippopolis عاصمتها، وأدريانوبل (أدرنة)، وبرنثس Perinthus، وبيزنطية (اسطنبول الحالية). وهنا على القرن الذهبي، كان التجار وصائدوا السمك يجمعون ثروة طائلة بينما كان اليونان الذين يقطنون من ورائها في الداخل يتقهقرون أمام البرابرة المعتدين. وكانت الحبوب الواردة من داخل البلاد تجيء إلى أرصفتها، كما كانت جميع تجارة سكوذيا والبحر الأسود تؤدي المكوس وهي مارة بها، ويكاد السمك لكثرته أن يقفز في الشباك وهو يجتاز مضيق البسفور. ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى أدرك قسطنطين قيمة هذا الموقع العظيم وعرف أنه مفتاح العالم اليوناني - الروماني القديم.
وتخصصت تساليا الواقعة جنوب مقدونية في إنتاج القمح وتربية الجياد الجميلة. وقد وصف ديوكريسستم(1) جزيرة عوبية العظيمة التي أطلق عليها هذا الاسم (كما أطلق اسم يؤوشيا على الجزيرة المسماة بهذا الاسم) لما فيها من الماشية الحسنة الشكل، وصفها بأنها تعود إلى البربرية في القرن الثاني الميلادي. وقد تجمعت في هذا الأقليم عدة عوامل كادت تمحو من الوجود الذين كانوا في يوم من الأيام شعبا زراعيا مطرد النماء والرخاء. وأهم هذه العوامل هي ما لاقاه الفقراء من عنت لتركز الأرض الزراعية والثروة في أيدي عدد قليل من الأسر، وما لاقاه الأغنياء من عنت لثقل الضرائب والفروض الدينية المطردة الزيادة، وقلة النسل لأنانية الرجال وحبهم الثراء أو لفقرهم المتقع. وكانت نتيجة
صفحة رقم : 3772

(11/357)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

هذا كله أن تركت الأرض مراعي للماشية في داخل أسوار خلقيس وإرنريا نفسهما ولم تكن بؤوشيا قد فاقت مما حل بها من موت وما فرض عليها من الضرائب الباهضة أيام حروب سلا. ويقول استرابون "إن طيبة ليست إلا قرية صغيرة"، قد انكمشت حتى لم تعد تشغل أكثر من الموضع الذي لم يكن قبل إلا قلعتها. على أن مائة عام من السلم قد أعادت بعض الرخاء إلى بلاتية، واحتفظت قيرونية التي كسب فليب سلا على سهولها إمبراطوريتين عظيمتين ما يكفي من الروعة لاستبقاء أشهر رجل من أبنائها فيها. ويقول عنها هذا الابن - أفلوطرخس - إنها بلغت من الصغر حدا لا يجب أن تصغر عنه بتركه إياها. وإنا لنجد في حياته الهادئة وتفكيره السار اللطيف ناحية مشرقة مبهجة من منظر نكد كئيب، كما نجد فيه هو نفسه رجلا مهذبا من رجال الطبقة الوسطى مستمسكا بفضائل العهد القديم، ينطوي قلبه على الإخلاص لبلده، والوفاء لأصدقائه، والحب لأبنائه.
وقصارى القول أنه ليس في قصتنا كلها شخصية أظرف من شخصية أفلوطرخس القيرونيائي.
وكان مولده في تلك البلدة حوالي عام 46م ووفاته فيها حوالي عام 126م. وكان يطلب العلم في أثينة حين كان نيرون يوالي انتصاراته في بلاد اليونان. وما من شك في أنه رحل إلى مصر وآسيا الصغرى، وطاف مرتين بإيطاليا. وقد ألقى محاضرات باللغة اليونانية في روما، ويبدو أنه خدم بلده في بعض الشؤون الدبلوماسية. وكان يحب العاصمة العظيمة، وآداب أشرافها الجدد، وحياتهم الرقيقة ويعجب بقانونها الصارم، ويقول مع انيوس إن روما قامت على دعائم من الأخلاق الطيبة العالية. وبينما هو يفكر في أمر هؤلاء النبلاء الأحياء والموتى خطر له أن يوازن بين أبطال روما وأبطال اليونان. ولم يكن يقصد أن يكتب تاريخا أو سيرا فحسب، بل كان يعتزم فوق هذا أن يعلم
صفحة رقم : 3773

(11/358)


قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

الناس الفضيلة والبطولة بضرب الأمثلة من التاريخ، وحتى سيره المتماثلة Parallel Lives كانت في ذهنه دروسا في الأخلاق، ولهذا تراه على الدوام معلما لا يترك فرصة تمر دون أن يستخلص مغزى خلقيا من كل قصة، وما من أحد قد قام بمثل هذا العمل أجمل مما قام به هو. وهو يحذرنا في سيرة الاسكندر بقوله إنه يهتم بالأخلاق أكثر من اهتمامه بالتاريخ، ويأمل أنه حين يجمع بين عظماء الرومان وعظماء اليونان ويوازن بينهم يستطيع أن يبعث في نفوس قرائه دوافع للخلق الطيب وللبطولة. وهو يعترف اعترافا صريحا لا يسعنا نعه إلا أن نعفو عن زلاته بأنه قد صلح حاله لطول صحبته لأولئك الرجال الممتازين(3).

(11/359)


وليس من حقنا أن نتوقع في كتاباته دقة المؤرخ الحق ونزاهته، فكتابه مليء بالأغلاط في أسماء الناس، والأمكنة، والتواريخ، وتراه أحيانا (إذا جاز لنا أن نصدر حكما عليه) يخطئ في فهم الحوادث، بل إنه ليقصر في واجبين كبيرين من واجبات كل كاتب سيسر - وهما أن يبين أن أي شيء في أخلاق المترجم له وأعماله يرجع إلى الوراثة أو البيئة أو الظروف، وأن يتتبع تطور أخلاقه خلال نموه، وما يلقى عليه من التبعات وما يقع فيه من أزمات. بل إنا لنخرج من كتاب أفلوطرخس كما نخرج من كتاب هرقليطس بأن خلق الإنسان مقدر له. ومع هذا فما من إنسان قرأ كتاب "السير" ثم أحس بعد قراءته بما فيه من عيوب، ذلك بأن هذه العيوب تخفي كلها في روايته الواضحة، وحوادثه المثيرة، وقصصه الفاتنة الساحرة، وتعليقاته الحكيمة، وأسلوبه الجزل. وليس في صفحاته البالغ عددها ألفا خمسمائة سحر واحد يحس القارئ أنه حشو لا ضرورة له، بل إن كل جملة من جمله لها شأنها معناها. وقد شهد بفضل الكتاب مائة من عظماء الرجال - منهم قواد عسكريون، ومنهم شعراء وفلاسفة، فقالت عنه السيدة رولان Roland "إنه مربع النفوس العظيمة"(4). وكتب عنه منتاني يقول:
صفحة رقم : 3774
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

"إني لا أستطيع الاستغناء عن أفلوطرخس فهو كتاب صلواتي"(5). وقد استمد منه شكسبير كثيرا من قصصه، وإن رأيه في بروتس لمستمد عن طريق أفلوطرخس من أخلاق الأشراف الرومان الأقدمين. وكان نابليون يحمل كتاب "السير" أينما ذهب لا يكاد يفارقه أبدا. ولما قرأ هين Heine هذه التراجم لم يسعه إلا أن يقفز على ظهر جواد ويعدو به إلى فتح فرنسا. وقصارى القول أن بلاد اليونان لم تترك لنا كتابا أثمن من هذا الكتاب.

(11/360)


وبعد أن شاهد أفلوطرخس علم البحر الأبيض المتوسط عاد إلى قيرونية ورزق فيها بثلاثة أبناء وبنت واحدة، وألقى محاضرات، وألف كتبا وسافر إلى أثينة من حين إلى حين، ولكنه قضى معظم وقته في مسقط رأسه وعاش فيه عيشة أهله البسيطة وكان برى أن من الواجبات المفروضة عليه لبلده أن يجمع بين المنصب الرسمي والحياة العلمية حياة الدرس والتحصيل، واختاره مواطنوه مفتشا للمباني، ثم كبير حكامها ثم بؤوتاركا Boeotarch أي عضوا في المجلس الوطني. وكان يرأس المواكب والاحتفالات البلدية، وأصبح في أوقات فراغه كاهنا في مهبط الوحي في دلفي، وكان هذا المنصب قد عاد إلى الوجود. وكان يرى أنه ليس من الحكمة أن يرفض الدين القديم لما فيه من عقائد لا يقبلها العقل، لأن أهم الأشياء في رأيه ليست العقيدة، بل هو التأييد الذي تستمده منها أخلاق الإنسان الضعيفة، وما توجده أعضاء الأسرة الأموات بين الأجيال المتعاقبة في الأسرة والدولة من روابط تبعث فيهما المزيد من القوة، وكان يعتقد أن نشوة العاطفة الدينية هي أعمق تجارب الحياة. ولقد كان بفضل تسامحه الديني وتقواه مجتمعين أن يضع أسس دراسة الدين المقارن في رسالته التي كتبها عن العبادات الرومانية والمصرية(6). ومما قالته هذه الرسالة أن الأرباب كلها مظاهر لكائن واحد أعلى، لا يحده زمان يجل عن كل وصف، بعيد عن الشؤون الدنيوية والزمنية بعدا يترك للأرواح الوسطى Daimones أن تخلق العالم
صفحة رقم : 3775
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

وتنظم شؤونه. وكان يقول أيضا بوجود أرواح خبيثة، يسيطر عليها ويرأسها شيطان هو مصر الفوضى جميعها وروحها، وأصل كل الخبائث وجميع ما لا ينطبق على العقل في الطبيعة وفي بني الإنسان.

(11/361)


ويرى أفلوطرخس أن من الخير أن يؤمن الإنسان بخلود الأشخاص - بجنة ينعم فيها الأخيار، ومطهر، وجحيم يعذب فيه الأشرار. وكان من أسباب سلواه أن الإقامة في المطهر قد تطهر أي إنسان مهما خبث حتى نيرون نفسه، وأنه قلما يوجد في الناس من يعذبون عذابا سرمديا(7). وكان يندد بالخرافات ويرى أن أهولها شر من الكفر نفسه، ولكنه يقبل العرافة والنبوءات واستحضار الأرواح ويؤمن بأن الأحلام تنبئ عن المستقبل. ولم يكن يدعى أنه فيلسوف مبتدع، بل كان يقول عن نفسه، كما يقول أبوليوس وكثيرون غيره من فلاسفة ذلك العصر عن أنفسهم، إنه يأخذ آراءه عن أفلاطون ويوفق بينها وبين زمانه. وكان يعيب على الأبيقوريين أنهم يستبدلون هول الفناء بالخوف من الجحيم، وينتقد عيوب الرواقية، ولكنه يرى ما يراه الرواقي من أن العمل بأوامر الله وإطاعة العقل شيء واحد (8).
وقد عني المتأخرون بجمع محاضراته ومقالاته وأسموها الآداب (Moralia) لأن معظمها مواعظ بسيطة لطيفة تبين ما تنطوي عليه الحياة من حكمة. وهي تبحث في كل شيء، من الحث على استبقاء كبار السن في المناصب العامة إلى البحث في أيهما أسبق الكتكوت أو البيضة. وأفلوطرخس مغرم بمكتبته، ولكنه يقر بأن الصحة الجيدة خير من الكتب القيمة:
"من الناس من يدفعهم الشره فيهرعون إلى الحانات يلتهمون ما فيها كأنهم يستعدون لحصار... إن أقل الأطعمة ثمنا هي على الدوام أكثرها نفعا... ولما عجز أردشير ممنون في أثناء تقهقره السريع عن أن يجد ما يأكله غير خبز الشعير
صفحة رقم : 3776
قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الإمبراطورية -> بلاد اليونان الرومانية -> أفلوطرخس

(11/362)


والتين صاح قائلا: "ما ألذ هذا الذي لم يكن لي من قبل!"... والنبيذ أفيد المشروبات على شريطة أن يكون في مناسبة سعيدة وأن يمزج بالماء... وأكثر ما يجب أن يخشاه الإنسان هو سوء الهضم الناشئ من أكل اللحوم لأنها تخمد العزيمة في أول الأمر، وتترك بعدئذ رواسب ضارة بالجسم. وخير ما يفعل الإنسان أن يعود جسمه عدم الحاجة إلى اللحم بالإضافة إلى غيره من الطعام، ذلك بأن الأرض تخرج كميات موفورة من أشياء كثيرة لا تفيد في التغذية فحسب، بل تفيد كذلك راحة ومتعة. أما وقد أصبحت العادة طبيعة ثانية طبيعية، فإن تعاطي اللحوم يجب أن يكون... دعامة وسندا لغذائنا؛ وينبغي لنا أن نأكل غيرها من الأطعمة... التي هي أكثر منها موافقة للطبيعة، وأقل منها كلالة على شعلة التفكير التي توقد من مواد سهلة خفيفة إذا صح هذا التعبير(9".
وهو يحذو حذو أفلاطون في الدعوة إلى تكافؤ الفرص للرجال والنساء على السواء، ويضرب أمثلة كثيرة للنساء المثقفات في الأزمنة القديمة (ولقد كان هناك نساء مثقفات في المحيط الذي يعيش فيه)؛ ولكنه ينظر إلى زنى الرجل بنفس السهولة التي ينظر بها إليه الرجل الوثني فيقول:
"إذا كان الرجل داعرا منهمكا في ملذاته وزل مع عشيقة أو خادمة، فلا يصح لزوجته أن تختاض لذلك أو تغضب، بل يجب أن تعتقد أن احترامه لها هو الذي دفعه إلى أن يشرك في فجوره امرأة غيرها)(10).
ولكننا مع هذا إذا فرغنا من قراءة هذه المقالات الممتعة الساحرة أحسسنا بعد قراءتها، بأنا كنا في صحبة رجل رقيق القلب، طيب في جوهره، كامل في رجولته، لا يسوءنا قط أن أفكاره عادية. وإن اعتداله لهو الترياق الشافي من الهوى الفكري الذي يغلب على عصرنا الحاضر، وإن عقله المتزن، وفكاهته اللطيفة، وإيضاحاته الجذابة لتدفعنا إلى القراءة دفعا لا نقوى على مقاومته حتى في المواضع المبتذلة منها. وإن الإنسان لترتاح نفسه حين يجد فيلسوفا أوتي من
صفحة رقم : 3777

(11/363)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية