صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قصة الحضارة

وشهدت هذه السنة المشئومة نفسها خاتمة حياة أرسطو. لقد كان منذ زمن طويل غير محبب للأثينيين: فقد كان المجمع العلمي ومدرسة إسقراط يحقدان عليه لأنه كان ينقدهما وينافسهما، بينما كان الوطنيون يعدونه زعيما للحزب المناصر للمقدونيين. وانتهز أعداؤه فرصة موت الإسكندر فاتهموا أرسطو بالمروق من الدين، وجيء بفقرات من كتبه دالة على كفره بالآلهة تأييدا لهذه التهمة؛ واتهم أيضا بأنه كرم الطاغية هرمياس Hermeias بما يكرم به الآلهة، وكان هرمياس هذا عبدا رقيقا ومن ثم لم يكن في مقدوره أن يصبح إلها. وغادر أرسطو المدينة في هدوء وهو يقول إن نفسه لا تطاوعه أن يتيح لأثينة فرصة أخرى ترتكب فيها الإثم في حق الفلسفة(43). ولجأ إلى بيت أسرة والدته في خلقيديا وأوصى ثاوفراسطوس Theophrastus أن يعنى بشئون اللوقيون. وحكم عليه الأثينيون بالإعدام، ولكن الفرصة لم تسنح لهم لتنفيذ الحكم، كما أنهم لم يكونوا في حاجة لتنفيذه. ذلك أن أرسطو قضى نحبه بعد بضعة أشهر من مغادرته أثينة؛ وقد يكون سبب موته مرضا أصيب به في معدته واشتد عليه بسبب فراره، وقد يكون سببه كما يقول بعضهم أنه تجرع السم. وكان وقت وفاته في الثالثة والستين من عمره، وكانت وصيته مثلا أعلى في الحنان والتقدير لزوجته الثانية، وأسرته، وعبيده.
وبعد فقد كان موت الديمقراطية اليونانية موتا عنيفا وطبيعيا في وقت واحد. وكان أهم أسباب هذا الموت ما أصاب هذا النظام من اضطراب
صفحة رقم : 2621
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> اضمحلال الحرية اليونانية وسقوطها -> الإسكندر -> خاتمة عصر

(8/339)


تغلغل في كيانه، ولم يكن سيف مقدونية إلا الضربة الأخيرة التي أجهزت عليه وهو يلفظ آخر أنفاسه. لقد تبين أن دولة المدينة لا تستطيع حل مشاكل الحكم: فقد عجزت عن حفظ النظام في الداخل، وصد الأعداء في الخارج؛ ولم تهتد إلى وسيلة توفق بها بين الاستقلال وبين الاستقرار القومي وقوة السلطان رغم نداء غورغياس، وإسقراط وأفلاطون لهذه المدن بأن تستعين بشيء من التنظيم الدوري القوي لتكبح به جماح الحرية الأثينية. هذا إلى أن حب دولة المدينة للحرية لم يقف قط في سبيل نزعتها الإمبراطورية. يضاف إلى هذا أن حرب الطبقات قد اشتدت حتى أفلت زمامها من أيدي الزعماء، وجعلت الديمقراطية سباقا إلى الانتهاب عن طريق التشريع. وانحطت الجمعية التي كانت هيئة شريفة في أحسن أيامها فأصبحت هيئة من الرعاع الصخابين تكره كل سلطة فوق سلطتها، وترفض كل قيد يحد من هذه السلطة، تقسو على الضعيف وتخضع ذليله للقوي، توافق على كل ما تنال من ورائه النفع لنفسها، وتفرض على الأملاك من الضرائب الفادحة ما من شأنه أن يقضي على الابتكار والنشاط والادخار. إن فليب والإسكندر وأنتباتر لم يكونوا هم الذين قضوا على الحرية اليونانية، بل إن هذه الحرية هي التي قضت على نفسها بنفسها؛ ولقد أبقى النظام الذي أقاموه حضارة لولاه لقضى عليها ما فيها من عناصر الفوضى الاستبدادية، ونشر هذه الحضارة في مصر والشرق.
ومع هذا كله فهل استطاعت الألجركية أو الملكية المطلقة أن تفعل خيرا مما فعلته تلك الديمقراطية؟ إن حكومة "الثلاثين" قد ارتكبت في الشهور القلائل التي استولت فيها على أزمة الحكم من الفظائع ضد الأنفس والأموال أكثر مما ارتكبته الديمقراطية في مائة السنين السابقة لهذا الحكم(45). وبينما كانت الديمقراطية تخلق الفوضى في أثينة كانت الملكية تخلق الفوضى في مقدونية؛ وهل ثمة فوضى أكثر من حروب تربى على عشر جر إليها النزاع
صفحة رقم : 2622

(8/340)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> اضمحلال الحرية اليونانية وسقوطها -> الإسكندر -> خاتمة عصر

على العرش، ومائة من الاغتيالات، وألف من القيود على الحرية، وذلك كله من غير أن يصحب هذه الفوضى شيء من المجد الأدبي أو العلمي أو الفني يخفف من فظاعتها؟ ولقد كان ضعف الدولة وصغرها في بلاد اليونان نعمة كبرى على الفرد، نعمت بها روحه بلا ريب إن لم ينعم بها جسمه؛ ذلك أن هذه الحرية، وإن كلفته كثيرا، قد أمكنت العقل اليوناني من أن يقوم بجلائل الأعمال. إن الفردية تقضي في آخر الأمر على الجماعة، ولكنها قبل أن تقضي عليها تقوي الشخصية، والكشف العقلي، والإبداع الفني. ولسنا ننكر أن الديمقراطية اليونانية أضحت فاسدة عاجزة يجب أن تموت؛ ولكن الناس أدركوا بعد موتها ما كانت عليه من الجمال في أيام مجدها، وكانت الأجيال القديمة التالية على بكرة أبيها ترنو ببصرها إلى عهود بركليز وأفلاطون وتعدها أعظم العهود التي شهدتها بلاد اليونان بل أحسن العهود في التاريخ كله.

صفحة رقم : 2623
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مقدمة الترجمة

مقدمة الترجمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع أنبيائه ورسله، وبعد: فهذا هو الجزء الثالث والأخير من المجلد الثاني من مجلدات قصة الحضارة الستة، وهو يقص تاريخ اليونان ويصف حضارتهم في عهد انتشارهم في بلاد الشرق والغرب حتى الفتح الروماني كم يصف أسباب قوتهم وضعفهم وما يدين يه العالم إلى هذا الشعب العظيم.

(8/341)


وقد تداركنا في هذا الجزء بعض ما فاتنا في الجزأين السابقين من الأسماء اليونانية التي وردت في الطتب العربية القديمة فكتبناها كما وردت في تلك الكتب وإن اختلفت بعض الاختلاف عن نطقها الذي أثيته المؤلف في الأصل الإنجليزي، فإذا وجد القارئ بعض الاختلاف في كتابة تلك الأسماء في هذا الجزء الثالث عنها في الجزأين السابقين فسبب هذا أن المراجع العربية لم تكن ميسرة لنا من قبل. وليس هذا الاختلاف بذي بال وهو لا يعدو عددا قليلا من الألفاظ أمثال القبيادس وأكسانوفون Xonophon, Alcibiades ولربما كان تعريبها كما ورد في الجزأين السابقين أقرب غلى نطقها اليوناني من الصيغة التي وردت بها في الكتب العربية القديمة، ولكننا آثرنا أن نثبتها حتى تكون الصورتان أمام القارئ.
ولا يسعنا مرة أخرى إلا أن ننوه بفضل الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية التي اختارت هذا الكتاب وعهدت إلينا لترجمته، وإلى لجنة التأليف والترجمة والنشر التي تكفلت بطبعه ونشره، وإلى القراء الذين أقبلوا على أجزائه السابقة إقبالا كان الحافز الأكبر لما بذلناه وما نبذله من جهد في ترجمة هذه الموسوعة القيمة.
المترجم
محمد بدران
مايو 1954

صفحة رقم : 2624
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

الكتاب الخامس
انتشار الهلنستية
من 322 إلى 146 ق. م.
الباب الثالث والعشرون
بلاد اليونان ومقدونية
الفصل الأول
تنازع السلطان

(8/342)


يقسم المؤرخون الماضي أحقابا، وسنين، وحوادث، كما يقسم الفكر العالم جماعات، وأفرادا أو أشياء؛ ولكن التاريخ لا يعرف، كما لا تعرف الطبيعية، إلا الاستمرار والتغير- والتاريخ لا يقفز قفزات- Historia mon facit. لهذا لم تشعر بلاد اليونان الهلنستية بأن موت الإسكندر كان نهاية عصر من العصور؛ بل نظرت إلى الإسكندر نفسه بأنه بداية العصور "الحديثة" وعلى أنه رمز الشباب القوي لا على أنه عامل من عوامل الاضمحلال والفناء؛ وكان هذا العالم موقنا بأنه قد بدأ الآن أعظم مراحل النضوج، وأن زعمائه لم يكونوا يقلون عظمة وفخامة عن الزعماء في أي عصر من العصور الماضية ما عدا الملك الشاب نفسه، فهو دون غيره نسيج وحده(1). ولقد كان هذا العالم على حق من نواح كثيرة. ذلك أن الحضارة اليونانية لم تمت بموت الحرية اليونانية، بل إنها على العكس من ذلك قد افتتحت لنفسها أقطارا جديدة، وانتشرت في ثلاث جهات بعد أن حطم تكوين الإمبراطوريات الواسعة ما كان يعترض سبل الاتصال والاستعمار والتجارة من حواجز سياسية. وكان اليونان لا يزالون شعبا مغامرا يقظا، فهاجروا بمئات الآلاف إلى آسية، ومصر، وإبيروس، ومقدونية، وبذلك لم تزدهر أيونيا مرة أخرى وحسب، بل إن الدم الهليني
صفحة رقم : 2625
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

واللغة اليونانية والثقافة اليونانية قد شقت طريقها إلى داخل آسية الصغرى، وفينيقية وفلسطين؛ واخترقت سوريا، وبابل؛ وتخطت نهري الفرات ودجلة، بل وصلت إلى بكتريا والهند نفسهما. ولم تكن الروح اليونانية في وقت من الأوقات أشد مما كانت في ذلك الوقت حماسة وشجاعة؛ لم تحرز الآداب والفنون اليونانية نصرا مؤزرا أوسع من النصر الذي أحرزته في تلك الأيام.

(8/343)


ولعل هذا هو السبب الذي جعل المؤرخين يختتمون تاريخ بلاد اليونان بالإسكندر؛ ذلك أن العالم اليوناني بعد موته قد بلغ من الاتساع والتعقد حدا لا يستطيع الإنسان معه أن ينظر إليه على أنه وحدة، أو يقص تاريخه قصة متصلة. ذلك أنه لم تقم فيه ثلاث دول ملكية كبرى فحسب- مقدونية، وسلوقية ومصر- ؛ بل نشأ فيه أيضا مائة من دول المدن اليونانية تتمتع بدرجات مختلفة من الاستقلال؛ وقامت أحلاف واتحادات متشابكة؛ وأنشأت دول نصف يونانية في أبيروس، وبلاد اليهود، وبرجموم، وبيزنطية، وبيثينيا، وكبدوكيا، وغلاشيا، وبكتريا. وقامت في الغرب إيطاليا وصقلية اليونانيتان تتنازعهما قرطاجة العجوز ورومة الفتية. وكانت دول الإسكندر المزعزعة القواعد لا تربطها إلا روابط ضعيفة من اللغة وسبل الاتصال، والعادات والدين، لا تقوى معها على البقاء طويلا. يضاف إلى هذا أنه لم يترك وراءه رجلا قويا واحدا بل ترك رجالا كثيرين، ولم يكن منهم من يقنع بأقل من السيادة التامة. وغفلت الدولة الجديدة لسعتها واختلاف أصقاعها عن فكرة الديمقراطية، فقد كان الاستقلال، كما يفهمه اليونان، يفترض وجود دولة مدينة يستطيع مواطنوها أن يجتمعوا في أوقات معينة في مكان واحد. يضاف إلى هذا أن فلاسفة أثينة الديمقراطية قد عابوا على هذه الديمقراطية نفسها أنها مستقر الجهالة والتحاسد والفوضى. وكان خلفاء الإسكندر جماعة من الزعماء المقدونيين تعودوا من زمن بعيد أن يقيموا حكمهم بالسيف؛ ولم يكن للديمقراطية نصيب من تفكيرهم إلا في أوقات متفرقة
صفحة رقم : 2626
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

(8/344)


يستشيرون فيها أعوانهم. وبعد عدة مناوشات حربية صغيرة تخلصوا فيها من صغار منازعيهم، قسموا الدولة خمسة أقسام (321)، فاختص أنتباتر بمقدونية وبلاد اليونان؛ وليسماخوس بتراقية، وأنتجونس بآسية الصغرى، وسلوقس ببابل، وبطليموس بمصر. ولم يروا ضرورة لدعوة مجمع عام من الدول اليونانية يؤيد هذا التقسيم. وظلت الملكية من تلك الساعة إلى قيام الثورة الفرنسية- إذا استثنينا فترات متقطعة في تاريخ بلاد اليونان نفسها وتاريخ جمهورية رومة الأرستقراطية- هي المسيطرة على أوربا بأكملها.
إن المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديمقراطية هو الحرية التي تدعو إلى الفوضى، كما أن المبدأ الأساسي في الملكية هو السلطان الذي يدعو إلى الاستبداد والثورة والحرب. ولقد كانت الحروب الخارجية والأهلية من عهد فليب إلى عهد برسيوس، ومن قيرونية إلى بدنا (338- 168) تكملها الحروب الخارجية والداخلية في الممالك لأن منافع الحكم تغري مائة من القواد على أن يتنازعوا العروش. ولم يكن العنف أقل انتشارا في بلاد اليونان الهلنستية منه في رومة في عهد النهضة. كذلك لم يكن زعماء العصابات الذين يستأجرون بالمال لتأييد هذا الفريق أو ذاك أقل عددا أو أقل شهرة في الأولى منهم في الثانية. ولما مات أنتباتر ثارت أثينة مرة أخرى، وقتلت فوشيون الشيخ الطاعن في السن بعد أن حكمها باسم أنتباتر حكما كان أعدل ما يستطيع أن يهبها من أحكام، وأعاد كسندر بن أنتباتر المدينة إلى حكم مقدونية (318)، ووسع حق الانتخاب حتى شمل من كان يملك ألف درخمة، وأناب عنه في الحكم دمتريوس الفلرومي Demetrius of Phalerum الفيلسوف، والعالم، والفنان الهاوي الذي نعمت المدينة في عهده بعشر سنين من الرخاء والسلام. وفي هذه الأثناء كان أنتجونس الأول "الجبار الأعور" يحلم بضم دولة الإسكندر كلها تحت عينه الواحدة؛ ولكن حلفا من أقسام هذه الدولة هزمه عند إبسوس (301)، وانتزع منه سلوكس آسية الصغرى، وحرر

(8/345)


صفحة رقم : 2627
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

ابنه دمتريوس بوليكريتيز ("آخذ المدن") بلاد اليونان من نير مقدونية، واستمتعت أثينة تحت حكمه باثني عشر عاما أخرى من الحكم الديمقراطي؛ وأقام في البرثتون ضيفا على المدينة، وجاء بالسراري ليعشن معه فيه(2)، ودفع بعض الشبان المستيئسين إلى أعمال العنف بمغامراته النسائية ، وانتصر في معركة بحرية انتصارا باهرا على بطليموس الأول قرب قبرص (308)، وحاصر رودس ستة أعوام استخدم فيها آلات جديدة من آلات الحصار، لكنه ارتد عنها خائبا. وجعل نفسه ملكا على مقدونية (294)، وقضى على حرية أثينة بحامية وضعها فيها، وتورط في حرب بعد حرب، حتى هزمه سلوكس وقبض علية؛ ومات من كثرة الشراب.
وبعد أربع سنين من ذلك الوقت (279)، انتهزت جموع من الكلت أو "الغاليين" بزعامة برنوس Brennus فرصة ما حدث من الاضطراب بسبب النزاع القائم على السلطة في شرق البحر الأبيض المتوسط ، فانقضت على بلاد اليونان مخترقة تراقية ومقدونية. ويقول بوسنياس إن برتوس "أشار إلى ضعف بلاد اليونان، وإلى ما في مدنها من ثروة طائلة، وما في هياكلها من نذور ضخمة، وإلى ما في البلاد من مقادير هائلة من الفضة والذهب(4)". وشبت في نفس هذا الوقت نار الثورة في مقدونية بزعامة أبلودوروس Apollodorus؛ وانضم قسم من الجيش إلى الثوار، وأيدوا الفقراء الجياع في ثأرهم الدوري المتكرر من الأغنياء وانتهاب ثروتهم. وما من شك في أن الغاليين قد وجدوا لهم بإرشاد أحد اليونان طريقا سريا حول ترموبيلي، فعاثوا في الأرض فسادا، يقتلون وينهبون بلا حرج ولا تمييز، ثم تقدموا بجموعهم نحو هيكل دلفي
صفحة رقم : 2628
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

(8/346)


الغني. فلما صدتهم عنه قوة يونانية وعاصفة هوجاء أرسالها أبلو كما يعتقد اليونان للدفاع عن مزاره، تقهقر برتوس وقتل نفسه فرارا من العار. وعبرت فلول الغاليين الذين نجوا من القتل إلى آسية الصغرى، ويقول فيهم بوسنياس إنهم "ذبحوا جميع الذكور، والعجائز، كما ذبحوا الأطفال على صدور أمهاتهم؛ وشربوا دمائهم وأكلوا لحوم السمان منهم". فلما رأت ذلك النساء الشريفات والعذارى المخدرات انتحرن فرارا من العار...وتعرض من بقين على قيد الحياة لأصناف من الامتهان لا حصر لها...فمنهن من ألقين بأنفسهن على شفار سيوف الغاليين، يطلبن لأنفسهن الموت، ومنهن من قضين نحبهن من الجوع وعدم النوم، وكان هؤلاء البرابرة الغلاظ الأكباد يغتصبونهن واحدة في إثر واحدة ويشبعون فيهن شهواتهم سواء كن أحياء أو أمواتا .
وبعد أن عاث الغزاة فسادا في البلاد أعواما طوالا، أقنعهم يونانيو آسية بما نفحوهم من المال بأن ينسحبوا من شمالي فريجيا (وعرفت مستعمراتهم فيها باسم غالاشيا)، وإلى تراقية وبلاد البلقان. وظل الغاليون جيلين كاملين يرهبون سلوقس الأول والمدن اليونانية القائمة على سواحل آسية وشواطئ البحر الأسود. وكانت بيزنطية وحدها تؤدي لهم جزية سنوية تقدر بما يوازي 240.00 ريال أمريكي . وكما أن أباطرة رومة وقوادها قد شغلوا في القرن الثالث بعد الميلاد بصد غارات البرابرة على الدولة الرومانية، كذلك
صفحة رقم : 2629
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

(8/347)


سخر ملوك برجموم، وسلوقيا، ومقدونية هم وقوادها مواردهم وقواهم في القرن الثالث قبل الميلاد لصد موجات الكلت الغزاة المتكررة على البلاد اليونانية. ذلك أن الحضارة القديمة كانت طوال تاريخها تعيش على شاطئ بحر من الهمجية طالما هددها بإغراقها واجتياحها؛ وقد استطاعت بسالة المواطنين أن تصد أمواج هذا البحر الطامي في يوم من الأيام بعد أن أعدت لهذا الغرض إعدادا دائما طويل الأمد؛ ولكن البسالة كانت تحتضر في بلاد اليونان في وقت أن كان الدهر يضفي عليها صبغتها القديمة ويخلع عليها اسمها اللذين عرفت بهما في مستقبل أيامها.
وطرد أنتجونس الثاني ابن دمتريوس بوليكراتيس والمعروف باسم "جوناتاس" لأسباب لا نعرفها الآن، طرد الغاليين من مقدونية، وقلم أظفار فتنة أبلودوروس، وحكم مقدونية حكما حازما معتدلا دام ثمانية وثلاثين عاما (277- 239). وكان سمحا جوادا يناصر الآداب والعلوم والفلسفة، واستدعى شعراء مثل أراطوس السليائي إلى بلاطه، ووثق مع زينون الرواقي الصداقة التي دامت طوال حياته، وكان أول تلك السلسلة غير المتصلة الحلقات من الفلاسفة الملوك التي انتهت بماركس أورليوس. ومع هذا ففي أثناء حكمه بذلت أثينة آخر جهودها لاستعادة حريتها. وذلك أن الحزب الوطني الأثيني الذي كان يتزعمه في ذلك الوقت أقرمنيدس Chremonides أحد تلاميذ زينون الشبان استولى على أزمة الحكم في عام 267. واستطاع بمعونة مصر أن يطرد الجنود المقدونيين من المدينة، ويعلن استقلال أثينة وحريتها. وجاءه أنتجونس على مهل، واسترد المدينة (262)، ولكنه عامله معاملة من يحترم الفلسفة والشيخوخة؛ فوضع حاميات في بيرية وسلاميس وعند سنيوم، وحذر أثينة من الاشتراك في أحلاف والاشتباك في حروب، وفيما عدا هذا ترك للمدينة حريتها كاملة.

(8/348)


وكانت المدن اليونانية الأخرى وقتئذ تحل بأساليب أخرى مشكلة التوفيق بين الحرية والنظام، فشرعت إيتوليا الصغيرة حوالي عام 279، وكان يسكنها
صفحة رقم : 2630
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

كما يسكن مقدونية أقوام جبليون نصف همج لم يخضعوا في حياتهم لغريب، شرعت هذه المدينة الصغيرة تنظم مدن اليونان الشمالية- وخاصة مدن الحلف الدلفي الاثني عشري- وتضمها في الحلف الإيتولي؛ وضم الحلف الآخي المؤلف من مدائن بتري Patrae، وديمي Dyme، وبليني، إلى عضويته حوالي ذلك الوقت كثيرا من مدن البلوبونيز. وظلت الهيئات البلدية التي يتألف منها كلا الحلفين تشرف على جميع فروع الحكومة المحلية، ولكنها أسلمت قواها المسلحة وعلاقاتها الخارجية إلى مجلس الاتحاد وإلى استراتيجوس ينتخبه من يستطيع من المواطنين أن يحضر الجلسات السنوية التي تعقدها الجمعية في إجيوم من أعمال آخية أو في ثرموس من أعمال إيتوليا. وكانت مهمة كل حلف أن يحافظ على السلم، ويوحد المقاييس والموازين والسكة في الأصقاع التي يشملها- وتلك خطوة في سبيل التعاون تجعل القرن الثالث أرقى من عصر بركليز من بعض الوجوه.

(8/349)


وحول أراتوس السكيوني عصبة الدول السكيونية إلى قوة من الطراز الأول. واستطاع هذا الثمستكليز الجديد وهو في سن العشرين أن يحرر سكيون من طاغيتها بأن باغته بالهجوم ليلا هو وحفنة من الرجال. واستطاع بفصاحته وبراعته في المفاوضات أن يقنع جميع مدن البلوبونيز ما عدا إسبارطة وإليس بأن تنظم إلى العصبة التي ظلت تنتخبه رئيسا لها مدى عشر سنين (245- 235). ودخل مدينة كورنثة سرا ومعه بضع مئات من رجاله وتسلق قمة أكروكورنثس المنيعة، وبدد شمل الجيوش المقدونية، وأعاد إلى المدينة حريتها. ثم انتقل إلى ثغر بيرية ورشا الحامية المقدونية المقيمة بها بالمال فاستسلمت له وأعلن تحرير أثينة، وظلت تلك المدينة من ذلك الوقت إلى الفتح الروماني تستمتع باستقلال فذ في نوعه- فقد كانت لا حول لها ولا طول
صفحة رقم : 2631
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

من الناحية العسكرية ولكن الدول الهلنستية تركتها وشأنها لم تمسها بسوء لأن جامعاتها العلمية جعلتها العاصمة الذهنية للعالم اليوناني. ووجهت أثينة عنايتها للفلسفة، واختفت من ذلك الحين من التاريخ السياسي.

(8/350)


وكانت عصبتا الدول اليونانية وقتئذ في عنفوان قوتهما، ثم أخذتا تضعفان نفسهما بمحاربة كل منهما للأخرى في الخارج، وبحروب الطبقات في الداخل. ففي عام 220 اشتبكت العصبة الإيتولية ومعها إسبارطة وإليس في الحرب "الاجتماعية" العوان ضد العصبة الآخية ومقدونية. وكان أراطوس المدافع عن الحرية يدافع أيضا عن حق الملكية؛ ولذلك كانت العصبة تؤيد حزب الملاك في كافة المدن. وشكا فقراء المواطنين من أنهم لا يستطيعون حضور الجمعيات النائية لعصبة الدول وأنهم كانوا في واقع الأمر محرومين من الحقوق السياسية؛ وكانوا يرتابون في فائدة حرية لا معنى لها إلا أن تتيح الفرصة كاملة للأقوياء والمهرة دون غيرهم لكي يستغلوا الضعفاء والسذج؛ فأخذوا يؤيدون تأييدا متزايدا المهرجين من زعماء الشعب الذين كانوا ينادون بإعادة توزيع الأراضي الزراعية؛ وشرع الفقراء يفضلون حكم المقدونيين على حكومتهم الوطنية كما كان يفعل الأغنياء قبل مائة عام من ذلك الوقت.
بيد أن الذي قضى على مقدونية آخر الأمر هو أمانة أنتجونس الثالث. وذلك أنه كان قد استولى على زمام السلطة بوصفه وصيا على فليب ابن زوجته، ووعد بأن يتخلى عن الملك حين يبلغ فليب سن الرشد. وأطلق عليه الساخرون في ذلك الوقت اسم "الدوسون Doson أي الواعد"، لأنهم على ما يبدو كانوا موقنين بأنه لن يوفي بوعده. ولكنه أنجز هذا الوعد فعلا، وبدأ فليب الخامس في عام 221، وهو في السابعة عشرة من عمره، حكما طويلا مليئا بالدسائس والحروب. وكان فليب شجاعا قديرا، ولكنه كان مختالا ميت الضمير، لم
صفحة رقم : 2632
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> تنازع السلطان

(8/351)


يتورع عن أن يغرر بزوجة ابن أراطوس، ويسم أراطوس نفسه، ويقتل ابنه هو لأنه ظنه يأتمر به، وأقام ولائم من الخمر المسموم للذين وقفوا في وجه خططه(7). وقد وسع رقعة مقدونية وزاد ثروتها، وتركها وهي أكثر سكانا وأعظم رخاء مما كانت عليه منذ مائة وخمسين عاما. ولكنه في عام 215 أوجس خيفة من قوة رومة النامية، فارتكب الغلطة التاريخية الموبقة بأن تحالف مع هنيبال وقرطاجة، فما كان من رومة إلا أن أعلنت الحرب على مقدونية بعد عام واحد من ذلك الوقت وبدأت تستولي على بلاد اليونان.

صفحة رقم : 2633
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

الفصل الثاني
الكفاح من أجل المال

(8/352)


ويقول أثنيوس، وهو ثرثار خليق بأن يعتمد عليه بالقدر الذي يصح أن يعتمد به على أمثاله الثرثارين، إن دمتريوس الفالرومي أحصى سكان أثينة حوالي عام 310 ق.م فوجد فيها 21.000 من المواطنين، و 10.000 من الغرباء المستوطنين، و 400.000 من الأرقاء(8): فأما العدد الأخير فلا يمكن تصديقه، ولكنا لا نعرف شيئا ينقضه، وأكبر الظن أن عدد الأرقاء الذين كانوا يعملون في المزارع قد ازداد لأن الضياع كانت آخذة في الاتساع، ولأن استغلالها بجهود العبيد تحت إشراف العبيد الذين يعملون في خدمة المالك البعيد عنها، كان آخذا في الازدياد(9). وبفضل هذا النظام انتشر نظام الزراعة الذي يعتمد على العلم أكثر من ذي قبل؛ ودليلنا على ذلك أن فارو Varro كان يعرف أسماء خمسين كتابا في فن الزراعة. ولكن عوامل التعرية وتقطيع الغابات أدت إلى اكتساح التربة في مساحات واسعة من الأرض الخصبة. وحتى في القرن الرابع ذ كر أفلاطون أن الأمطار وفيضانات الأنهار قد جرفت على مر الزمن كثيرا من تربة أتكا الخصبة؛ ويشبه ما بقي من التلال بالهيكل العظمي الذي انتزع منه اللحم(10). وما وافى القرن الثالث حتى كانت مساحات واسعة في أتكا قد تعرت من تربتها الخصبة إلى درجة اضطرت أصحاب كثير من الضياع القديمة إلى هجرها، وأخذت غابات بلاد اليونان تختفي شيئا فشيئا، حتى اضطر الأهلون إلى استيراد الخشب كما اضطروا إلى استيراد الطعام من خارج البلاد(11). كذلك أجدبت مناجم لوريوم، وكادت هي الأخرى أن تهجر، وكان
صفحة رقم : 2634
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

استيراد الفضة من أسبانيا أرخص من استخراجها من مناجم البلاد، وأضحت مناجم الذهب في تراقية تغني خزائن مقدونية وتجمل عملتها بعد أن كانت تصب ثروتها في أثينة.

(8/353)


وبينما كانت موارد الرجولة والمواطنية المستقلة ينضب معينها في القرى، كانت الصناعة وحرب الطبقات تفعلان فعلهما في المدن، فكانت المصانع الصغيرة في أثينة وفي جميع المدائن الكبرى في العالم الهلنستي يتزايد عددها وعدد العبيد الذين يعملون فيها؛ وكانت تجار الرقيق يصحبون الجيوش، ويبتاعون من لا يفتدون من الأسرى، ويبيعونهم بسعر ثلاث مينات أو أربع (مائة وخمسين ريالا أو مائتي ريال) في أسواق الرقيق الكبرى في ديلوس ورودس. وكان عدد من الناس يشعرون بما في هذا النظام القديم، نظام الاسترقاق، من مجافاة للمبادئ الإنسانية؛ وكان من ثمار الفلسفة أن سرت في قلوب الناس عاطفة إنسانية نبيلة؛ يضاف إلى هذا أن الروح العالمية التي سادت ذلك العصر لم تكن تميز بين الأجناس البشرية، وأن العمال المأجورين الذين يخرجون من الأعمال حين لا تأتي بأرباح ليعيشوا من معونة الدولة، كانوا في كثير من الظروف أقل كلفة من العبيد الذين لا بد من إطعامهم على الدوام(12). وكان من أثر هذه العوامل كلها أن أخذ عدد العبيد المحررين يزداد في ذلك الوقت زيادة ملحوظة.
وكسدت التجارة في المدن القديمة ولكنها راجت في المدن الحديثة، فازدهرت الثغور اليونانية في آسية ومصر على حساب ثغر بيرية، وحتى في أرض اليونان القارية كانت خلقيس وكورنثة هما اللتين استفادتا من تيار التجارة الهلنستية الزاخر؛ فقد كان التجار لا ينقطعون عن التردد غادين رائحين على هذين البلدين ذوي المركز الهام والاستعداد التجاري العظيم، كما لم يكونوا ينقطعون عن التردد على أنطاكية، وسلوقية، ورودس، والإسكندرية، وسرقوسة؛ وكانوا ينشرون مع تجارتهم نزعتهم العالمية والمتشككة. وتضاعف عدد رجال المصارف، ولم يكونوا يقرضون المال
صفحة رقم : 2635
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

(8/354)


للتجار والملاك فحسب، بل كانوا يقرضونه أيضا للمدن والحكومات(13). وكان لبعض المدن مثل ديلوس وبيزنطية مصارف عامة أو وطنية تودع فيها الحكومات أموالها ويديرها موظفون معينون من قبل الدولة(14). وفي عام 324 أنشأ أنتمنيس الرودسي أول نظام معروف للتأمين، وذلك بأن ضمن للملاك نظير ثمانية في المائة من إيرادهم ما عسا أن يصيبهم من الخسارة إذا فر منهم عبيدهم(15). وكانت نتيجة انطلاق الأموال المكدسة في خزائن بلاد الفرس، وسرعة تداول رؤوس الأموال، أن نقص سعر الفائدة إلى عشرة في المائة في القرن الثالث، وإلى سبعة في المائة في القرن الثاني. كذلك انتشرت المضاربات انتشارا كبيرا، ولكنها كانت على غير نظام؛ فمن المضاربين من كانوا يعملون لرفع الأسعار بتحديد الإنتاج؛ وقد وجد في البلاد من كانوا يدعون إلى تحديد مقدار الحاصلات الزراعية لكي يحتفظ الزراع بقدرتهم على الشراء(16). وكانت أثمان السلع مرتفعة في العادة لأن الإسكندر هو الآخر قد صب في أيدي الناس الأموال المكدسة في خزائن الملوك الأكمينيين؛ لكن هذا السبب عينه كان من الأسباب التي يسرت سبل التجارة، ونشطت الإنتاج فعادت الأثمان إلى مستواها العادي. وازدادت ثروة الأغنياء إلى حد لم يعرف له مثيل في تاريخ اليونان، فاستحالت البيوت قصورا، وأضحت الرياش والعربات أفخم من ذي قبل، وكثر العبيد، وصارت وجبات الطعام قصفا ولهوا خليعا، وأضحت النساء معارض لثراء أزواجهن(17).
ولم تستطع الأجور لانخفاضها مجاراة أثمان السلع الآخذة في الارتفاع، فإذا انخفضت هذه الأسعار انخفضت معها الأجور على الفور؛ ولم تكن تكفي إلا لإطعام شخص بمفرده، وكانت سببا في انتشار العزوبة والمسكنة، وإقفار البلاد من أهلها؛ وأخذ الفرق بين أجر العمل الحر ونفقات الرقيق ينقص-تدريجا. ولم يكن العمل ميسرا للعمال على الدوام، وترك آلاف من الرجال مواطنهم في المدن اليونانية التي في أرض القارة ليعملوا جنودا

(8/355)


صفحة رقم : 2636
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

مرتزقين في خارج البلاد، أو ليخفوا فقرهم في عزلتهم الريفية(18). وأعانت حكومة أثينة المعدمين من أهلها بهبات من الحبوب، وأخذ الأغنياء يسلونهم بما يقدمون لهم من التذاكر التي تبيح لهم حضور الحفلات والألعاب. فقد كانوا يقترون في الأجور، ولكنهم كانوا أسخياء في الصدقات؛ وكثيرا ماكانوا يقرضون المال لمدنهم من غير فائدة، أو ينقذونها من الإفلاس بالهبات الضخمة، أو ينشئون المباني العامة على نفقتهم الخاصة، أو يهبون المال للهياكل والجامعات، أو يجودون بالكثير منها لإقامة التماثيل، أو إجازة الشعراء الذين يذيعون في الناس ملاحمهم أو يشيدون بعطاياهم. ونظم الفقراء أنفسهم في اتحادات ليتبادلوا المعونة فيما بينهم، ولكنهم كانوا أضعف من أن يحدوا من سلطان الأغنياء أو مهاراتهم؛ ومن جمود الفلاحين واستعداد الحكومات والأحلاف المتنافسة لتبادل المعونة المسلحة للقضاء على الثورات(19). وقد أدت حرية الكفايات غير المتكافئة في جمع الثروة أو الهلاك جوعا إلى ما أدت إليه من قبل في أيام صولون، ألا وهو تركز الثروة في أيدي عدد قليل جدا من الأفراد. وكان الفقراء سريعي الاستجابة إلى الدعايات الاشتراكية، فأخذ ممثلوهم يطالبون بإلغاء الديون، وإعادة توزيع الأراضي الزراعية على الأهلين، ومصادرة الثروات الكبرى؛ وكان أكثرهم جرأة يطالبون من حين إلى حين بتحرير العبيد(20).

(8/356)


وكان ضعف العقيدة الدينية سببا في نشأة الدعوة إلى إقامة مدائن فاضلة خيالية تعوض على الناس هذا الضعف: فوصف زينون الرواقي في جمهوريته التي نشرها عام 300ق.م على ما يظن نظاما شيوعيا مثاليا؛ وألهم يمبولوس أحد أتباعه (250 في الغالب) الثوار اليونان برواية له وصف فيها جزيرة مباركة في المحيط الهندي (قد تكون جزيرة سرنديب) قال إن الناس كلهم فيها أكفاء لا في الحقوق فحسب، بل في مقدرتهم وذكائهم؛ وإنهم كلهم يعملون على قدم المساواة، ويقتسمون ثمار عملهم بالتساوي، ويشتركون
صفحة رقم : 2637
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

كلهم إذا جاء دورهم في تصريف شؤون الحكومة، وإن هذه الجزيرة لم يكن فيها غنى ولا فقر، ولا حرب بين الطبقات، وإن الطبيعة تنتج فيها الفاكهة موفورة بلا حاجة إلى جهد، وإن الناس يعيشون فيها متآخين متحابين(20).

(8/357)


وأممت بعض الحكومات عددا من الصناعات: فاستولت حكومة برييني على مصانع الملح، وأممت ميليطس مصانع النسيج، ورودس ونيدس مصانع الفخار؛ ولكن الحكومات لم تؤدي للعمال أجورا أعلى مما يؤديه أصحاب الأعمال الشحيحون، وكانوا يمتصون من كدح عبيدهم كل مل يستطيعون امتصاصه من المكاسب. واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء(21)، وأضحت حرب الطبقات أشد مرارة مما كانت قبل؛ فأخذت كل مدينة قديمة كانت أو حديثة تردد أصداء كراهية الطبقات بعضها لبعض، وكانت هذه الكراهية تتمثل في الفتن، والمذابح، وأعمال القمع، والنفي، والقضاء على الأنفس والثمرات. فإذا ما انتصر فيها حزب طرد الحزب الآخر وصادر أملاكه؛ فإذا عاد إلى المنفيين سلطانهم ثأروا لأنفسهم مثل هذا الثأر وقتلوا أعداءهم، ألا فليتصور القارئ أي استقرار يمكن أن يتاح لنظام اقتصادي يتعرض لأمثال هذه الاضطرابات والهزات العنيفة. وقد وصل ما حل من الخراب ببعض المدن اليونانية القديمة من جراء النزاع بين الطبقات إلى درجة أن هجرتها الصناعات وفر منها الناس، وأن نمت الأعشاب في شوارعها وأقبلت عليها الماشية ترعاها(22). وكتب بولبيوس حوالي عام 150 ق.م يصف بعض مظاهر هذه الحرب كما يراها رجل محافظ ثري:
"ولما أن هيئوا (أي الزعماء المتطرفون) نفوس العامة إلى الجشع والرشوة، قضي على ما في الديمقراطية من فضيلة، واستحالت حكم العنف والاستبداد. ذلك أنه إذا اعتادت الغوغاء أن تطعم على حساب غيرها، وأن تبعث فيها الآمال بأن تعيش من مال جيرانها، ثم وجدت زعيما أوتي قدرا كافيا من
صفحة رقم : 2638
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الكفاح من أجل المال

الطموح والجرأة...إذا حدث هذا نشأ عنه حكم العنف. وحينئذ تقوم الجمعيات الصاخبة، والمذابح، والنفي، وإعادة توزيع الأرض(23)".

(8/358)


وكانت الحروب ونزاع الطبقات هي التي أضعفت بلاد اليونان الأصلية حتى جعلتها غنيمة سهلة لرومة. ذلك أن قسوة المنتصرين وغلظة قلوبهم المتناهية، وتدمير الغلات، والكروم، والبساتين، وتخريب الضياع، وبيع الأسرى في سوق العبيد قد قضى على إقليم في إثر إقليم، وترك البلاد أشبه بقشرة فارغة أمام العدو الأخير. وهل تقوى أرض أفقرها التنازع والتباغض، واكتسحت تربتها عوامل التعرية، وقطعت غاباتها، ولم يكن يزرع أرضها إلا المستأجرون الفقراء أو الأرقاء الكليلون، هل تقوى أرض هذا شأنها على منافسة السهول الفيضية التي تشقها أنهار العاصي، والفرات، ودجلة، والنيل. أضف إلى هذا أن المدن الشمالية لم تعد كما كانت من قبل قائمة على الطرق التجارية الكبرى، وأنها قد فقدت أساطيلها الحربية، ولم يكن في مقدورها أن تشرف على موارد الحبوب وطرقها وهي الموارد والطرق التي كانت أثينة وإسبارطة تسيطران عليها في أيام عظمتهما الإمبراطورية. وانتقلت مراكز القوة، بما فيها قوة الإبداع الأدبية والفنية، إلى أماكنها القديمة في آسية ومصر، وهي المراكز التي أخذت منها بلاد اليونان في تواضع وخشوع آدابها وفنونها قبل ذلك الوقت بألف عام.

صفحة رقم : 2639
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

الفصل الثالث
أخلاق الانحلال

(8/359)


لقد عجل فشل نظام دول المدائن تدهور الدين القديم؛ ذلك أن آلهة المدينة قد ثبت عجزها عن حمايتها، ومن أجل هذا تزعزع إيمان الناس بهذه الآلهة. واختلط أهلها بالتجار الأجانب الذين لم يكن لهم نصيب في حياة البلد المدنية والدينية والذين انتشر تشككهم ولهوهم بين المواطنين. على أن أساطير الآلهة المحلية القديمة قد بقيت بين الفلاحين والسذج من سكان المدن، وبقيت كذلك في الطقوس الرسمية، وظل المتعلمون يستخدمونها في الشعر والفن؛ أما من تحررت من عقائدهم بعض التحرر من سلطانهم فأخذوا يهاجمونها بعنف. غير أن الطبقات العليا ظلت تستمسك بها وتستعين بها على حفظ النظام، وتقاوم الإلحاد الصريح وتعده شاهدا على فساد الذوق. ولما قامت دول كبيرة أدى قيامها هذا إلى توحيد الآلهة واندماجها هي الأخرى، وسرت في نفوس الناس نزعة غامضة نحو التوحيد، وحاول الفلاسفة أن يصوغوا للأدباء مذهب وحدة الوجود في صيغة لا تتعارض تعارضا صريحا كل الصراحة مع العقائد الثابتة القديمة. من ذلك أن أوفمروس Euphemerus أحد سكان مسانا في صقلية نشر حوالي عام 300 ق.م. كتابه المسمى هيرا أنجرافا Hiera Anagrapha (ومعناها الحرفي الكتابات أو السجلات المقدسة)، والذي قال فيه إن الآلهة إما أن تكون قوى طبيعية جسدها الناس، وإما أن تكون-وهذا هو الأغلب الأعم-أبطالا آدميين ألههم خيال الشعب أو عبدهم اعترافا بفضلهم على بني الإنسان؛ وإن الأساطير هي إلا استعارات وتشبيهات، وإن الاحتفالات الدينية كانت في الأصل مراسم تخليدا لذكرى الموتى. فزيوس
صفحة رقم : 2640
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

(8/360)


مثلا كان فاتحا مات في كريت وأفرديتي كانت موجدة الدعارة ونصيرتها، ولم تكن قصة كرونوس وأكله أبناءه إلا طريقة للقول بأن أكل اللحوم البشرية في الزمن القديم عادة متبعة على ظهر الأرض. وقد كان لهذا الكتاب أثر قوي في نشر النزعة الإلحادية في بلاد اليونان في القرن الثالث قبل الميلاد .
بيد أن الناس لا يستريحون للتشكك لأنه يترك قلب الإنسان وخياله فارغين، وهذا الفراغ لا يلبث أن يجذب إليه عقيدة جديدة مشجعة؛ وقد مهدت انتصارات الفلسفة وانتصارات الإسكندر السبيل إلى الطقوس الدينية الجديدة. وسادت أثينة في القرن الثالث عقائد دينية غريبة اضطربت لها أحوالها، وكانت كلها تقريبا، تبشر بالجنة ونذر بالجحيم، حتى أحس أبيقور، كما أحس لكريشيوس في رومة في القرن الأول، أن من واجبه أن يندد بالدين ويقول إنه يتعارض مع طمأنينة العقل ومتعة الحياة. ومن أجل هذا أصبحت المعابد الجديدة، حتى في أثينة نفسها، تشاد عادة لإيزيس، وسرابيس، Serapis، وبنديس Bendis وأدنيس، وغيرها من الأرباب الأجانب. وانتشرت الطقوس الإليزينية الخفية وأخذ الناس يحاكونها في مصر، وإيطاليا، وصقلية، وكريت. وظلت عبادة ديونيشيوس إليوثيريوس-المحرر-واسعة الانتشار حتى اندمج هذا الإله في المسيح. وانضوى تحت لواء الأرفية أتباع جدد حين جددت اتصالها بالأديان الشرقية التي نشأت هي عنها. لقد كان الدين القديم أرستقراطيا، وكان يحرم على الأجانب والرقيق أن يكونوا من أتباعه، أما الطقوس الشرقية الجديدة فكانت تقبل بين أتباعها جميع الرجال والنساء، ومنهم الأجانب، والأرقاء، والأحرار، وكانت تعد الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلود في الدار الآخرة.
صفحة رقم : 2641
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

(8/361)


وانتشرت الخرافات والأوهام في الوقت الذي بلغ فيه العلم أوجه، وإن الصورة التي رسمها ثاوفراسطوس "للرجل المخرف" لتكشف عن رقة الغشاء الثقافي في حاضرة النور والفلسفة نفسها. فلقد كان العدد 7 عددا مقدسا إلى حد لا يصوره العقل؛ فكان ثمة سبعة كواكب سيارة، وسبعة أيام في الأسبوع، وسبع عجائب في العالم، وسبعة أعمار للإنسان، وسبع سماوات، وسبعة أبواب للجحيم. وانتعش علم التنجيم على أثر انتشار التجارة مع بابل، وكان من العقائد المسلم بها والتي لا تقبل الجدل أن النجوم آلهة تتصرف في مصائر الأفراد والدول صغيرها وكبيرها، وحتى خلق الإنسان كان يحدده الكوكب الذي ولد الإنسان في مطلعه، فيكون مرحا إذا ولد والمشتري في السماء؛ أو نشطا زواغا، إذا كان فيها عطارد، أو نكدا إذا كان زحل . وحتى اليهود أنفسهم كانوا يعبرون عن الأماني الطيبة بقولهم: "مزول-توف Mazzol-Tof " "نرجو أن يكون كوكبك سعدا(24)". وكان علم الفلك يكافح في سبيل الحياة ضد التنجيم، ثم استسلم له آخر الأمر في القرن الثاني بعد الميلاد. وكان الناس في جميع أنحاء العالم الهلنستي يعبدون تيكي Tyche إله الفرص.
وليس في مقدور الإنسان أن يدرك عظيم الأثر الذي يحدثه في الأمة موت دينها التقليدي إلا إذا أوتي خيالا قويا لا يكل، أو قدرة فائقة على الملاحظة. لقد قامت الحضارة اليونانية القديمة على الإخلاص لدولة المدينة والتفاني في حبها، وكانت العقائد الخرافية من أقوى العوامل في تدعيم المبادئ الأخلاقية وإن كانت هذه المبادئ متأصلة في القصص الشعبي والمعارف الشعبية أكثر من تأصلها في العقيدة الدينية. لكن الرجل اليوناني المتعلم قد خسر في الوقت الذي نتحدث عنه دينه ووطنيته؛ ومحت الإمبراطوريات الحدود المدنية، وأضحت
صفحة رقم : 2642
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

(8/362)


المبادئ الخلقية، وشؤون الزواج، والأبوة، والقوانين، بسبب انتشار المعارف من الأمور الدنيوية. وقد كان عصر الاستنارة في أيام بركليز من أسباب تدعيم الأخلاق إلى حين، وهذا شبيه بما حدث في أوربا الحديثة فقد نمت المشاعر الإنسانية، وأيقظت-دون جدوى-في نفوس الناس استياء شديدا من الحروب، ونشأت عادة التحكيم في المنازعات بين المدن والأفراد، وأصبحت الآداب أظرف مما كانت وأكثر صقلا، وصار الجدل أكثر تحضرا، وانتقلت آداب اللياقة والمجاملات اللطيفة من حاشيات الملوك، حيث كان الباعث عليها السلامة الشخصية والهيبة الملكية، إلى أفراد الشعب، فلما أن جاء الرومان دهش اليونان أشد الدهشة من سوء آدابهم وغلظة طباعهم. لقد أضحت الحياة في بلاد اليونان أرقى مما كانت وأكثر تهذيبا، وكان النساء يستمتعن بقسط أوسع من الحرية في غدوهن ورواحهن، ويبعثن في الرجال الميل إلى الظرف والرشاقة؛ فأخذوا يحلقون لحاهم وخاصة في بيزنطية ورودس، حيث كانت القوانين تحرم هذا العمل وتعده تشبها بالنساء(25). غير أن الجري وراء اللذات قد أنهك حياة الراشدين من أفراد الطبقات العليا. ولم تجد المشكلة القديمة مشكلة الآداب والقوانين الأخلاقية، وكيف يوفق الناس بين أبيقورية الفرد الفطرية ورواقية الدولة الضرورية، لم تجد هذه المشكلة حلا لها في الدين، أو السياسة، أو الفلسفة.
وانتشر التعليم ولكن انتشاره كان رقيقا غير عميق، فقد كان يفعل ما يفعله في جميع العصور التي كانت الغلبة فيها للعقل فيعنى بالمعارف أكثر مما يعنى بالأخلاق، ولذلك أخرج جماهير غفيرة من أنصاف المتعلمين الذين انتزعوا من العمل ومن الأرض، وأخذوا يطوفون وهم ساخطون حيث يجب أن لا يكونوا، كأنهم بضاعة سائبة في سفينة الدولة. وأنشأت بعض المدن مثل ميليطس ورودس مدارس عامة تنفق عليها الدولة، وكان الذكور والإناث
صفحة رقم : 2643

(8/363)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

يتعلمون مجتمعين في مدارس تيوس Teos، وطشيوز، وكانت تعطى للجنسين فرص متكافئة لا نظير لها إلا في إسبارطة(26). وتطورت مدارس الرياضة البدنية حتى أضحت مدارس عليا أو كليات جامعية بها غرف للتدريس، وقاعات للمحاضرات ومكتبات. كذلك ازدهرت ساحات التدريب الرياضي وأضحى لها شأن في بلاد الشرق؛ ولكن الألعاب العامة اضمحلت حتى أصبحت مباريات بين المحترفين وخاصة في الملاكمة، التي كانت قوة الجسم فيها أهم من المهارة والحذق؛ وأصبح اليونان أمة من النظارة يقنعون بأن يشاهدوا ولا يعملوا وقد كانوا في ماضي أيامهم أمة من الرياضيين.
وتحللت الأخلاق الجنسية من القيود أكثر من تحللها في عصر بركليز نفسه، وإن كان هذا التحلل لم يقلل من انتشار اللواط بل ظل كما كان في سابق الأيام. أنظر إلى قول سميثا Simaetha في بعض قصائد ثاوفراطوس: "إن الشاب دلفس Delphis يحب، ولكني لا أعرف أيحب امرأة أم رجلا(27)". ظلت الحظية صاحبة السلطان الأعلى، وهل أدل على ذلك من أن دمتريوس بليوكرتيز جبى من الأثينيين ضريبة مقدارها مائتي وزنة وخمسين (750.000 ريال أمريكي) ثم وهبها لعشيقته لاميا Lamia بحجة أنها في حاجة إلى هذا المال لتبتاع به ما يلزمها من الصابون؛ وقال الأثينيون الغضاب "إن هذه السيدة لا بد أن تكون قذرة إلى أبعد حدود القذارة". وأصبح الناس لا يتأففون من رقص النساء العاريات بل يرونه من العادات المألوفة، وكان هذا يحدث أمام أحد ملوك مقدونية(29). وقد صور منندر في مسرحياته الحياة الأثينية بأنها حياة تدور كلها حول السفاسف، والغواية والزنى.

(8/364)


واشتركت المرأة اليونانية اشتراكا نشيطا في الأعمال الثقافية في ذلك العصر، وكانت لها جهود موفقة في الأدب والعلم والفلسفة والفن، فكانت أرسطوداما Aristodama الأزميرية تنشد أشعارها في طول بلاد اليونان وعرضها وتقابل أينما حلت بأعظم مظاهر التكريم؛ ولم يتردد بعض
صفحة رقم : 2644
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

الفلاسفة، كأبيقور مثلا، في قبول النساء في مدارسهم. وبدأ الأدب يعنى بوصف جمال المرأة الجسماني بعد أن كان من قبل يعنى بقيمتها وفتنتها من ناحية الأمومة، ونشأت العبادة الأدبية للجمال النسوي في ذلك العهد إلى جانب أشعار الحب الروائي وقصصه. وقد صحب هذا التحرير الجزئي للمرأة ثورة على قصر وظيفتها على الأمومة، وأضحى تحديد النسل من أهم الظواهر البارزة في ذلك العصر، فلم يكن يعاقب على الإجهاض مثلا إلا إذا لجأت إليه المرأة على غير إرادة زوجها، أو بتحريض من أغواها؛ وكان الطفل في كثير من الأحيان يعرض للجو القاسي. ولم يكن عدد الأسر التي تربي أكثر من بنت واحدة في المدن اليونانية القديمة يزيد على واحد في المائة من مجموع أسرها؛ وفي ذلك يقول بوسيدبوس Posidippus، "وحتى الرجل الغني نفسه، كان يعرض ابنته للجو القاسي على الدوام. وكان يندر وجود أخوات للأبناء، وكثر عدد الأسر التي لم يكن لها أبناء قط أو كان لكل منها ولد واحد. وفي وسعنا أن نتتبع من النقوش الباقية إلى هذه الأيام خصوبة تسع وسبعين أسرة من سكان ميليطس في عام 200 ق.م: لقد كان لاثنتين وثلاثين من هذه الأسر طفل واحد، ولإحدى وثلاثين منها طفلان؛ وكان مجموع أبناء هذه الأسر جميعها مائة وثمانية عشر ولدا وثمانيا وعشرين بنتا(30). وفي إريتريا Eretria لم يكن عدد الأسر التي لها ولدان يزيد على أسرة واحدة في كل اثنتي عشرة أسرة، وقلما كان لأسرة واحدة ابنتان. وكان الفلاسفة يتجاوزون عن قتل

(8/365)


الأطفال بحجة أنه يخفف من ضغط السكان على موارد الرزق؛ فلما أن لجأت الطبقات الدنيا إلى هذه العادة وأسرفت فيها تساوت نسبة الوفيات مع نسبة المواليد. ولم يعد في مقدور الدين أن يتغلب على مقتضيات الراحة ونفقات الأبناء، مع أن الدين نفسه كان في الأيام الخالية يخيف الناس ويحذرهم من قلة النسل حتى تجد أرواحهم من يعنى بها بعد موتهم. وحل المهاجرون في المستعمرات محل الأسر القديمة، فلما أن نقص عدد المهاجرين في أتكا والبلوبونيز إلى أدنى حد قل عدد السكان كثيرا. ورأى
صفحة رقم : 2645
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> أخلاق الانحلال

ذلك فليب الخامس فحرم تحديد عدد أفراد الأسر في مقدونية، وزاد بذلك عدد الرجال بنسبة خمسين في المائة مما كانوا عليه قبل هذا الأمر(31)؛ وفي وسعنا أن نستدل من هذا على مبلغ ما وصلت إليه عادة تحديد النسل حتى في مقدونية التي كانت لا تزال نصف بدائية، وفي هذا المعنى يقول بولبيوس في عام 150 ق.م:
لقد سرت في جميع بلاد اليونان موجة من نقص المواليد ومن قلة السكان تبعا لهذا النقص، نشأ عنها أن أقفرت المدن من السكان وأجدبت الأرض فلم تعد تخرج ثمرها...ذلك أن الناس قد انغمسوا في الترف والبخل والكسل، فلم يعودوا يرغبون في الزواج، أو في تربية الأبناء إذا تزوجوا، وأقصى ما كانوا يسمحون به أن يكون لهم من الأبناء ولد أو ولدان حتى يظلوا يستمتعون برخاء العيش، وحتى يربوا هؤلاء الأبناء ليتلفوا ما يتركون لهم من المال. واستشرى هذا الفساد بسرعة وإن تكن غير ملحوظة، وكان يحدث أحيانا أن يهلك أحد الولدين في الحرب وأن يقضي الموت على الولد الثاني، فيكون مصير البيت الخراب...وهكذا نضب معين المدن وحل بها الوهن شيئا فشيئا(32).

صفحة رقم : 2646
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الثورة في إسبارطة

الفصل الرابع

(8/366)


الثورة في إسبارطة
وفي هذه الأثناء كانت تركز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد يثير النزاع الأبدي بين الطبقات في جميع أنحاء اليونان. وكان من أثر هذا التركز في إسبارطة أن بذلت محاولتان لإصلاح الحال بإحداث انقلاب تام في أحوال تلك المدينة. لقد استطاعت إسبارطة بفضل عزلتها بين الحواجز الجبلية أن تحافظ على استقلالها، وأن تصد جيوش مقدونية، وتهزم جيش بيروس (272) الضخم ببسالة أبنائها وشدة بأسهم. ولكن نهم الأقوياء أحدث في داخل البلاد من الخراب ما لم تقو جيوش الأعداء على إحداثه فيها من الخارج. فقد ألغي قانون ليقورغ الذي كان يمنع انتقال الأرض من أيدي ملاكها بالبيع أو تقسيمها بالوصية ، واستخدم الإسبارطيون ما عاد عليهم من الثروة بطريق الإمبراطورية أو الحرب في شراء هذه الأراضي من أصحابها(33). وما وافت سنة 244 حتى آلت أراضي لكونيا الزراعية التي تبلغ مساحتها 700.000 فدان إلى مائة أسرة لا أكثر(34)، وحتى لم يحتفظ بحقوق المواطنية إلا سبعمائة رجل، وحتى هؤلاء السبعمائة لم يكونوا يطعمون مجتمعين كما كانوا يطعمون من قبل. ذلك أن الفقراء لم يستطيعوا تقديم قسطهم من الطعام، وأن الأغنياء كانوا يفضلون ولائمهم الخاصة. وحلت الفاقة بمعظم الأسر التي كانت من قبل تستمتع بالحقوق السياسية، وأخذت تطالب بإلغاء الديون وإعادة توزيع الأراضي على الأهلين.
صفحة رقم : 2647
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الثورة في إسبارطة

(8/367)


وكان من فضائل الملكية أن محاولة إصلاح هذا الحال قد قام بها ملوك إسبارطة. ذلك أن أجيس الرابع Agis IV وليونداس قد ارتقيا عرش المدينة المزدوج في عام 242. وأيقن أجيس أن ليقورغ كان يقصد أن تكون الأراضي موزعة بالتساوي بين جميع الأحرار، فاقترح أن يشرع في توزيعها بينهم من جديد، وأن تلغى جميع الديون، وأن يعاد النظام شبه الشيوعي الذي وضعه ليقورغ. وأيد الملاك الذين كانت أرضهم مرتهنة اقتراح إلغاء الديون؛ فلما أن وافق على المشروع عارضوا أشد المعارضة كل ما عداه من عناصر إصلاحات أجيس؛ ثم اغتيل أجيس نفسه بتحريض ليونداس، واغتيلت معه أمه وجدته، وكانت كلتاهما قد نزلت عن ضياعها طائعة مختارة لتوزع على أبناء الشعب. وكانت النساء أنبل الشخصيات في هذه المسرحية الملكية؛ فقد كانت كلونيس Chilones ابنة ليونداس زوجة كليمبروتوس Cleombrotus الذي يؤيد أجيس. ولما نفي ليونداس واغتصب كليمبروتوس الملك هجرت كلونيس زوجها الظافر لتشترك في النفي مع زوجها، ولما أن استعاد ليونداس السلطة ونفي كليمبروتوس، آثرت كلونيس أن تنفى مع أبيها(35).
وأراد ليونداس أن يضم لأملاك أسرته ما كان لأرملة أجيس من ثروة طائلة، فأرغمها على أن تتزوج بابنه كليمنيس Cleomenes. ولكن كليمنيس هام بحب زوجته، واستلهم منها آراء الملك القتيل؛ ولما أن اعتلى العرش باسم كليمنيس الثالث، قرر أن ينفذ إصلاحات أجيس. واستطاع أن يضم الجيش إلى جانبه ببسالته في الحرب، وأن يكسب تأييد الشعب ببساطة معيشته، فلما تم له ذلك ألغى الإفورية الألجركية بحجة أن ليقورغ لم يوافق عليها قط، وقتل أربعة عشر من الذين عارضوا هذا الإلغاء، ونفى منهم ثمانين، وألغى جميع الديون، ووزع الأراضي على الأهلين الأحرار، وأعاد نظام ليقورغ إلى ما كان عليه من قبل. ولم يكتف بهذا، بل شرع
صفحة رقم : 2648
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الثورة في إسبارطة

(8/368)


يفتح البلوبونيز أمام الثورة. ورحب به الصعاليك في كل مكان ورأوا فيه منقذا ومحررا لهم، واستسلمت له عدة مدن وهي فرحة مستبشرة، فاستولى على أرجوس، وبليني، وفليوس Philius، وإبدورس، وهرميوني Hermione، وتريزين Troezeu؛ وحتى كورنثة الفتية استسلمت له هي الأخرى في آخر الأمر. وانتشرت عدوى خطته هذه في كل مكان: ففي بؤوشيا امتنع المدينون عن الوفاء بديونهم، واستولت الدولة على الأموال لاسترضاء الفقراء؛ وفي مجالوبوليس Megalopolis قام الفيلسوف سرسداس Cercidas يدعوا الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للفقراء قبل أن تطيح الثورة بجميع أموالهم(36). ولما أن غزى كليمنيس آخية Achaea وهزم أراطوس، دب الرعب في قلوب الطبقات العليا جميعها خوفا على أملاكها، واستغاث أراطوس بمقدونية ولبى نداءه أنتجونس دوسن Antigonus Doson ، وهزم كليمنيس في سلاسيا Sellasia (221)، وأعاد النظام الألجركي في لسديمون. وفر كليمنيس إلى مصر، وحاول دون جدوى أن يستعين ببطليموس الثالث، كما حاول دون جدوى أن يدفع أهل الإسكندرية إلى الثورة، فلما أخفق في كلتا المحاولتين لم يجد بدا من الانتحار(37).
وظلت حرب الطبقات مستعرة نارها، فخرج أهل إسبارطة على حكومتهم بعد جيل واحد من حكم كليمنيس، وأقاموا دكتاتورية ثورية، فما كان من فلوبيمين الذي خلف أراطوس في رياسة العصبة الآخية إلا أن غزا لكونيا، وأعاد إليها حكم الملاك. وما كاد فلوبيمين ينصرم أجله حتى ثار الشعب مرة أخرى، وأقام مكانه نابيس Nabis حاكما بأمره (207). وكان نابيس هذا سوري الموطن سامي الجنس، أخذ أسيرا في الحرب، وبيع عبدا في مجالوبوليس. ولم يطق صبرا على كفايته المقموعة فانتقم لنفسه بتنظيم ثورة بين الهيلوتين، ولما تم له الأمر منح حق المواطنية الإسبارطية لجميع الأحرار، وقال للهيلوتين كونوا
صفحة رقم : 2649

(8/369)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> الثورة في إسبارطة

أحرارا فكانوا. ولما وقف الأغنياء في وجهه صادر أملاكهم وقطع رؤوسهم. وانتشرت أنباء أعماله هذه في خارج إسبارطة، ووجد من أيسر الأمور أن يفتح بمعونة الطبقات الفقيرة مدائن أرجوس، ومسينيا، وإليس، وبعض أركاديا. وكان أينما سار يؤمم المزارع الكبرى، ويعيد توزيع الأراضي على الأهلين، ويلغي الديون(38). ورأت عصبة الدول الآخية أنها عاجزة عن القضاء عليه فطلبت العون من رومة. ولبى فلامنينوس طلبه، ولكن نابيس قاومه مقاومة عنيفة أرغمت الرومان على قبول هدنة رضي بمقتضاها نابيس أن يطلق سراح الأغنياء المسجونين، ولكنه اشترط أن يظل محتفظا لنفسه بالسلطة. وفي هذه الأثناء اغتال نابيس مغتال بتحريض عصبة الدول الإيتولية (192)(39). وبعد أربع سنين من ذلك الوقت زحف فلبومين مرة أخرى على إسبارطة، وأعاد السلطة إلى الملاك، وألغى أنظمة ليقورغ، وباع ثلاثة آلاف من أتباع نابيس في أسواق الرقيق. وهكذا قضى على الثورة، ولكن إسبارطة قضي عليها أيضا؛ نعم إن المدينة ظلت قائمة، ولكنها لم يكن لها بعدئذ شأن في تاريخ بلاد اليونان.

صفحة رقم : 2650
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> سيادة رودس

الفصل الخامس
سيادة رودس
انتقلت التجارة ورؤوس الأموال من بلاد اليونان القارية وأخذت تبحث لها عن ملاجئ جديدة في جزائر بحر إيجة، وذلك لأنها خشيت عنف الانقسامات الحزبية، ولأن حركات السكان اجتذبتها إلى تلك الجزائر. فازدهرت ديلوس في القرن الثاني، وقد كانت من قبل موفورة الثراء بسبب وجود هيكل أبلو بها؛ وأضحت ثغرا حرا تحت حماية رومة وإن كانت أثينة هي التي تصرف شؤونها. وازدحمت الجزيرة الصغيرة بالتجار الأجانب، وبمكاتب رجال الأعمال وبالقصور، والأكواخ، والهياكل المختلفة التي أقيمت للآلهة الأجنبية.

(8/370)


وبلغت رودس غاية مجدها في القرن الثالث، وأضحت بإجماع الآراء أجمل مدائن هلاس وأعظمها حضارة. وقد وصف استرايون الثغر الكبير بأنه "يفوق سائر الثغور في مرافئه، وطرقه، وأسواره، وما أدخل عليه من الإصلاحات، حتى لأعجز عن القول بأن مدينة أخرى تضارعه أو تكاد تضارعه(40)".
وكانت رودس ذات موقع طيب في ملتقى الطرق التجارية التي تخترق البحر الأبيض المتوسط، يمكنها من أن تفيد من التجارة الآخذة في الانتشار والتي يسرت سبلها فتوح الإسكندر، بين أوربا، ومصر، وآسية، ومن أجل هذا حلت مرافئ رودس الرحبة محل مرافئ صور وبيرية، وأضحت المرافئ التي يعاد منها شحن البضائع، كما أضحت مكان المقاصة التجارية والمالية والعاملة على تنظيمها في شرق البحر. وكان لتجارها سمعة حسنة في الأمانة، ولمصارفها وحكومتها شهرة طيبة في الاستقرار، وسط عالم كله خيانة وتقلقل. وأفادت
صفحة رقم : 2651
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> سيادة رودس

الجزيرة كثيرا من هذه السمعة الحسنة، وكان لها عمارة بحرية قوية يسيرها ملاحون من مواطنيها، استطاعت أن تطهر إيجة من القراصنة، وتؤمن السبل البحرية لجميع السفن التجارية لسائر الأمم على قدم المساواة، وأن تضع قوانين صالحة للملاحة تدل على عقلية ناضجة، رضيت بها سائر السفن التجارية، وظلت هذه القوانين هي المسيطرة على تجارة البحر الأبيض قرونا عدة، ثم أضحت جزءا من القوانين التجارية لرومة والقسطنطينية والبندقية.

(8/371)


وبعد أن حررت رودس نفسها من سيطرة مقدونية بفضل مقاومتها الباسلة لدمتريوس بليوكريتيس (305)، وجهت سفينتها السياسية توجيها ناجحا وسط بحر السياسة المضطرب في ذلك العصر، فاحتفظت بحيادها احتفاظا حكيما ولم تتورط في الحرب إلا لتحول بين ازدياد سلطان دولة معتدية يخشى بأسها، أو لتحفظ للبحار حريتها. وقد ضمت كثيرا من مدن بحر إيجة وألفت منها "عصبة جزرية"، وكانت في ممارستها حقوق السيادة عليها عادلة إلى حد لم تشك أية واحدة منها فيما لها من حق الزعامة عليها. وكانت لها حكومة ذات نظام أرستقراطي على أساس ديمقراطي، شبيهة بحكومة رومة في عصر الجمهورية؛ وكانت تحكم مدائن لندس، وكميروس Camirus، وياليسوس Ialysus، ورودس مجتمعة بمهارة وعدل نسبي، ومنحت المقيمين فيها من الأجانب من الامتيازات ما لم تمنحه أثينة من هاجر إليها من الغرباء؛ وبسطت حمايتها على عدد كبير من الأرقاء، ولما أن تعرضوا للخطر لم تتردد في تسليحهم للدفاع عن أنفسهم، وفرضت على أغنياء المدينة أن يعنوا بالفقراء من أهلها(41). وكانت الدولة تواجه نفقاتها بفرض ضريبة مقدارها اثنان في المائة على الصادرات والواردات؛ وكانت تقرض المال بسخاء، ومن غير فائدة في بعض الأحيان، إلى المدن إذا حلت بها الأزمات.
صفحة رقم : 2652
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> بلاد اليونان ومقدونية -> سيادة رودس

(8/372)


ولما أن خرب الزلزال رودس نفسها (225)، هب جميع العالم اليوناني لمعونتها، وذلك لأن اليونان على بكرة أبيهم كانوا يعتقدون أن اختفاءها من وسط بحر إيجة سيؤدي لا محالة إلى الفوضى التجارية والسياسية. فأرسل هيرون الثاني مثلا مائة وزنة ذهبية (300.000 ريال أمريكي)، وأعاد في المدينة نحت طائفة من التماثيل تمثل أهل رودس يتوجهم السرقوسيون، وأرسل بطليموس الثالث ثلثمائة وزنة ، وأنتجونس الثالث ثلاثة آلاف، ومعها مقادير كبيرة من الخشب والقار لتستخدمها في البناء، وتبرعت زوجته الملكة كريسيس Chryseis بثلاثة آلاف وزنة من الرصاص، وبما يعادل ثمانية وعشرين أردبا من الحبوب؛ وبعث سلوقس الثالث بضعفي هذا القدر وبعشر سفن ذات خمسة صفوف من المجاديف كاملة العدة. "أما المدن التي قدمت كل منها ما يتناسب مع قدرتها المالية فهذه يخطئها الحصر على حد قول بولبيوس(42). لقد كانت هذه الفترة مشكاة نيرة في دياجير التاريخ السياسي المظلمة، وكانت فرصة من الفرص القليلة النادرة التي فكر فيها العالم اليوناني وعمل يدا واحدة.

صفحة رقم : 2653
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الإمبراطورية السلوقية

الباب الرابع والعشرين
الهلنية والشرق
الفصل الأول
الإمبراطورية السلوقية
إذا انتقلنا من أرض اليونان مجتازين بحر إيجة إلى المستقرات اليونانية في آسية ومصر أدهشنا أن نجد فيها حياة جديدة مزدهرة، وأدركنا أن العصر الهلنستي لم يشهد سقوط الحضارة اليونانية بل شهد انتشارها. ذلك أن طوائف في إثر طوائف من الجنود والمهاجرين اليونان أخذت تتدفق على آسية، وزادت فتوح الإسكندر من ضخامة هذه الطوائف بما أتاحت للمغامرات اليونانية من فرص وما مهدت لها من سبل جديدة.

(8/373)


وكان سلوقس الملقب "بنيكاتور" Nicator (المظفر) يمتاز من بين قواد الإسكندر بالشجاعة، وقوة الخيال، والكرم الذي لا حد له. وحسبك دليلا على هذا الكرم أنه وهب زوجته الثانية استرتنيسي Stratonice الحسناء لابنه دمتريوس لما عرف أن الغلام قد افتتن بها. وغضب أنتجونس الثاني حين جعلت بابل من نصيب سلوقس فزحف بجيوشه ليستولي على جميع بلاد الشرق الأدنى، ولكن سلوقس وبطليموس هزماه عند غزة (312). وكانت الأسرة السلوقية تعد هذه الحادثة مبدأ لتاريخ الإمبراطورية السلوقية والعصر الجديد، وهي طريقة في التأريخ بقيت في غرب آسية إلى ظهور الإسلام. وضم سلوقس تحت لوائه عدة ممالك وثقافات قديمة هي عيلام، وسومر، وفارس، وبابل،
صفحة رقم : 2654
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الإمبراطورية السلوقية

(8/374)


وآشور، وسورية، وفينيقية؛ وشملت آسية الصغرى وفلسطين في بعض الأحيان، وأنشأ في سلوقية وأنطاكية عاصمتين لملكه كانتا أعظم ثروة وأكثر سكانا من أية مدن عرفناها في بلاد اليونان الأصلية. واختار لسلوقية موضعا قرب موضع مدينة بابل القديمة التي شيدت فيه بغداد فيما بعد، لا يبعد إلا قليلا عن ملتقى نهر دجلة والفرات؛ وكان هذا الموضع من أصلح المواضع لاجتذاب التجارة المتبادلة بين أرض الجزيرة والخليج الفارسي وما وراءه. ولم يكد يمضي عليها نصف قرن من الزمان حتى بلغ عامرها 600.000 نفس، كانوا خليطا من مختلف أجناس آسية تسيطر عليها أقلية يونانية . وكان موقع أنطاكية على نهر العاصي شبيها بموقع سلوقية، ولم تكن تبعد عن مصبه بعدا يحول دون وصول السفن المحيطة إليها، ولكنها تبعد عنه بعدا يجعلها في مأمن من هجوم الأساطيل المعادية، ويمكنها من استغلال حقول وادي النهر الغنية، ومن اجتذاب تجارة البحر الأبيض المتوسط وشمالي الجزيرة وسوريا. وفي هذه المدينة شاد الأباطرة السلوقيون المتأخرون قصورهم، وظلت المدينة تنمو وتزدهر حتى صارت في عهد أنتيوخوس الرابع أغنى مدائن آسية السلوقية. تزينها المعابد والأروقة المعمدة، ودور التمثيل، وساحات الألعاب الرياضية، والمدارس، وحدائق الأزهار، والشوارع الواسعة ذات المناظر الرائعة، والبساتين الجميلة ومنها حديقة دفني Daphne التي طبقت الخافقين شهرة ما بها من أشجار الغار والسرو، والفوارات والجداول.
واغتيل سلوقس الأول في عام 281، وبعد أن حكم البلاد حكما صالحا دام خمسا وثلاثين سنة كسب فيها قلوب شعبه. وأخذت دولته بعد موته في التفكك،
صفحة رقم : 2655
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الإمبراطورية السلوقية

(8/375)


تمزقها الاختلافات الجغرافية والعنصرية، والتنازع العنيف على العرش، وغارات البرابرة من كل صوب. واستبسل أنتيوخوس الأول سوتر Soter (المنقذ) في حرب الغاليين؛ وعاش أنتيوخوس الثاني ثيوس (الإله)، عيشة الإدمان المستمر، كأنه أراد أن يثبت مرة أخرى ما تتعرض له البلاد ذات الحكومات الملكية المطلقة من خطر شديد؛ وبدأت زوجته لأوديسي Laodice سلسلة الدسائس والمؤامرات التي مزقت البيت المالك شر ممزق وقضت عليه في آخر الأمر. وكان أنتيوخوس الثالث الأكبر رجلا عظيم الكفاية، حسن الثقافة؛ ويظهره تمثاله النصفي المحفوظ في متحف اللوفر رجلا يونانيا-مقدونيا جمع إلى شجاعة المقدونيين ذكاء اليونان. وقد استعاد بحروبه الطويلة معظم الأقاليم التي فقدتها الإمبراطورية من أيام سلوقس الأول، وأنشأ مكتبة في أنطاكية وناصر الحركة الأدبية التي بلغت ذروتها على يدي مليجر الغزي Meleager of Gaza في أواخر القرن الثاني. وحافظ هذا العاهل على العادة اليونانية، عادة استقلال المدن بشؤونها، وكتب إليها يقول إنه "إذا أمر بشيء يخالف القوانين، فعليها ألا تعير أمره التفاتا، بل يجب أن تفترض أنه فعل ما فعل عن جهل(2)". ولكنه قضت عليه المطامع المفرطة، والخيال القوي، والعشق العنيف. وهزمه بطليموس الرابع عند رافيا Raphia في عام 217، وضاعت منه فينيقية، وسوريا، وفلسطين. وخفف من وقع هذه الهزيمة وأعقابها حملته المظفرة إلى بكتريا والهند (208)، وهي الحملة التي جددت أعمال الإسكندر. وأغراهم هنيبال بأن يساعدهم على رومة فأرسل جيشا إلى عوبية؛ وهام وهو في سن الخمسين بحب فتاة حسناء في خلقيس، وأخذ يغازلها غزلا شريفا، ثم تزوجها باحتفال عظيم، ونسي الحرب وقضى فصل الشتاء يستمتع معها بالسعادة(3). وهزمه الرومان في ترمبيلي، وطردوه إلى آسية الصغرى، وهجموا عليه هجوما عنيفا في مجنيزيا. ولم تطاوعه
صفحة رقم : 2656

(8/376)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الإمبراطورية السلوقية

نفسه على السكون فتورط في حرب أخرى في بلاد الشرق مات في أثنائها بعد أن حكم ستة وثلاثين عاما.
وكان ابنه سلوقس الرابع ميالا للسلم، صرف شؤون الدولة بالاقتصاد والحكمة، واغتيل في عام 175 ق.م. وكان أصغر ابنيه في ذلك الوقت أركونا في أثينة، حيث ذهب ليدرس الفلسفة. فلما سمع بموت سلوقس، جمع جيشا زحف به على أنطاكية، وخلع قاتل أبيه، واعتلى العرش. وكان أنتيوخوس الرابع أجدر أفراد هذه الأسرة بالاهتمام وأكثرهم أخطاء؛ ذلك أنه كان مزيجا نادرا من الذكاء والجنون، والجاذبية، وقد حكم مملكته حكما حازما رغم ما ارتكبه من مئات المظالم والسخافات. فقد أجاز لعماله أن يسيئوا استخدام سلطتهم، وأطلق يد عشيقته في ثلاث مدن؛ وكان كريما وقاسيا لا يعتمد في أحكامه على عقل ، يحكم ويصفح عن هوى، ويفاجئ البسطاء من أفراد الشعب؛ بالهدايا القيمة، ويلقي بالنقود على رؤوس الجماهير في الشوارع كما يفعل الأطفال المنتشون. وكان يحب الخمر والنساء والفنون؛ يفرط في الشراب، ويقوم من مجلسه في الولائم ليرقص عاريا مع أضيافه، أو يتعاطى نفايات الطعام والشراب. وكان رجلا إباحيا شاءت الأقدار أن تحقق له ما كان يحلم به من سلطان. كان يحتقر وقار البلاط وزخرفه، ويمزح مزاحا عمليا مع كبار رجال الدولة، ويتخفى ليستمتع بما يهيئه التخفي من الترف. وكان يسره أن يختلط بأفراد الشعب ليتعرف ما يقولونه عن الملك، وأن يتجول في أماكن الفنانين ليدرس أعمال الحفارين والصياغ ويناقشهم في التفاصيل الفنية لصناعتهم. وكان يشعر بحماسة صادقة للآداب والفنون والأفكار اليونانية، وبفضله ظلت أنطاكية مائة عام كاملة مركز الفنون في العالم اليوناني؛ وكان يجود بالمال بسخاء على الفنانين لينحتوا التماثيل ويشيدوا المعابد في غير أنطاكية من مدن هلاس، فأعاد تزيين ضريح أبلو في

(8/377)


ديلوس، وشاد دار تمثيل لتيجيا، وتبرع بالأموال اللازمة لإتمام الأولمبيوم في أثينة. وإذ كان
صفحة رقم : 2657
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الإمبراطورية السلوقية

قد قضى في رومة أربعة عشر عاما وهو في سن يكون فيها المرء سريع التأثر بما حوله، فقد تشرب فيها بحب الأنظمة الجمهورية؛ وكأنما أراد أن يستبق عهد أغسطس، فكان يسره ويوائم مزاجه وسياسته أن يخلع على سلطته الملكية المطلقة ستارا من الحرية الجمهورية. وكان أهم آثار هيامه بكل ما هو روماني أن أدخل ألعاب المجالدين في أنطاكية عاصمة ملكه. واستاء الشعب من هذه الألعاب الوحشية، ولكن أنتيوخوس استرضاه بما أقام له من الاستعراضات الفخمة الرائعة وما أنفق عليها من أموال طائلة؛ فلما أن ألف الشعب مظاهر التقتيل عد انحطاطه هذا نصرا له. وكان من مميزاته أنه بدأ حياته رواقيا شديد التحمس للرواقية، ثم اختتمها بعد أن تحول في غير عناء إلى الأبيقورية. وكان يستمتع بصفاته هذه استمتاعا بلغ من قدره أن نقش على النقود التي ضربت في أيامه "أنتيوخوس الإله البين Antiochus Iheos Epiphanes ". ولما أن عدا طوره كما يفعل أمثاله من ذوي الخيال، حاول في عام 169 أن يفتح مصر. وكاد يتم له مما أراد لولا أن أمرته رومة، وكانت هي الأخرى تتطلع إلى الاستيلاء على مصر، أن ينسحب من أرض إفريقية بأجمعها. وطلب أنتيوخوس أن يتاح له بعض الوقت ليفكر في أمره، ولكن بوبليوس رسول رومة رسم في الرمل دائرة حول أنتيوخوس وأمره أن يقطع برأي قبل أن يجتاز محيطها. فاستسلم وهو غاضب ثائر، ونهب هيكل أورشليم ليسترد ما أنفق في حملته من الأموال، وطلب المجد كما طلبه أبوه من قبل في شن الحرب على القبائل الشرقية، ومات في فارس وهو في طريقه إلى هذه القبائل من الصرع والجنون والمرض(5).

صفحة رقم : 2658

(8/378)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

الفصل الثاني
الحضارة السلوقية
لقد كانت مهمة الدول السلوقية في التاريخ أن تهب الشرق الأدنى الاستقرار الاقتصادي والنظام السياسي، اللذين وهبتهما إياه فارس قبل الإسكندر، واللذين أعادتهما إليه رومة بعد قيصر. ولقد أدت في واقع الأمر هذه المهمة رغم ما ينتاب أحوال البشر من حروب وثورات ونهب وفساد. ذلك أن الفتوح المقدونية قد حطمت ما أقامته الحكومات واللغات من حواجز بين الأمم، ودعت الشرق والغرب إلى تبادل المصالح التجارية تبادلا أتم مما كان بينهما من قبل؛ وكانت نتيجة هذا أن بعثت الحياة في بلاد آسية اليونانية بعثا باهرا جديدا. فبينما كان الانقسام والنزاع وجدب التربة وتحول الطرق التجارية يقضي على بلاد اليونان الأصلية، كانت الوحدة والسلم اللتان احتفظ بهما الأباطرة السلوقيون ذواتي أثر عظيم في تشجيع الزراعة والتجارة والصناعة. ولم تعد مدن آسية اليونانية حرة في إشعال نار الثورات أو التجارب في أساليب الحكم؛ بل أرغمها الملوك على أن تأتلف، حتى أصبح الائتلاف إلها يعبد في هذه المدن(6)، وكانت نتيجة هذا أن ازدهرت من جديد مدن قديمة مثل ميليطس، وإفسوس، وأزمير.
وكانت أودية دجلة والفرات، والأردن، والعاصي، وميندر، وهاليس، وجيحون خصبة إلى حد لا يستطيع خيالنا أن يتصوره الآن لما يثقله من مناظر الصحارى، والقفار الصخرية التي تغطي أصقاع واسعة من بلاد الشرق الأدنى بعد أن ظلت ألفي عام كاملة معرضة لعوامل التعرية، ولتقطيع الغابات وإهمال الأهلين حرثها وزرعها(7). وكانت الأرض في أيام تلك الإمبراطورية ترويها
صفحة رقم : 2659
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

(8/379)


شبكة من القنوات تشرف عليها الدولة وتعنى بأمرها. وكانت وقتئذ ملكا للملوك والنبلاء من رجال حاشيته، أو للمدن، أو الهياكل، أو الأفراد. وكان الأقنان هم الذين يزرعونها في جميع هذه الأحوال وينتقلون معها إذا ما أورثت أو بيعت. وكانت الحكومة تعد كل ما تحتويه الأرض من ثروة ملكا قوميا(8)، ولكنها قلما كانت تعنى باستغلالها. وقد بلغت الحرف وقتئذ، والمدن نفسها، درجة عظيمة من التخصص؛ فكانت مليطس مثلا مركزا هاما لصناعة النسيج، وكانت أنطاكية تستورد المواد الغفل وتحيلها إلى بضائع مصنوعة، وبلغت بعض المصانع الكبرى التي تستخدم العبيد درجة لا بأس بها من الإنتاج الكبير ترسله للأسواق العامة(9). ولكن الاستهلاك المحلي لم يجار الإنتاج، لأن فقر الأهلين لم يساعد على قيام أسواق محلية كبيرة تشجع الصناعات الكبرى.
وكانت التجارة حياة الاقتصاد الهلنستي، فهي التي أوجدت الثروات الكبرى، وشادت المدن العظيمة، واستخدمت نسبة متزايدة من السكان الآخذين في الازدياد. وحل التعامل بالنقد في ذلك الوقت محل المقايضة التي ظلت أربعة قرون وسيلة للتعامل لم تقض عليها نقود كروسس. لكنها وقتئذ كادت تختفي اختفاء تاما من تلك البلاد، فقد أصدرت مصر، ورودس، وسلوقية، وبرجموم، وغيرها من الحكومات نقودا بلغت من الاستقرار والتشابه حدا يكفي لتيسير التجارة الدولية. وكانت المصارف تيسر وسائل الائتمان الفردي والعام، وكانت السفن كبيرة تتراوح سرعتها بين أربعة أميال بحرية وستة أميال في الساعة، وكان لها فضل تقصير المسافات بعد أن استطاعت السير في عرض البحار. وفي البر عنى السلوقيون بالطرق الكبرى التي ورثتها بلاد الشرق عن فارس، وأكثروا منها، وزادوا في أطوالها. وكانت طرق القوافل الممتدة من أطراف آسية الصغرى تلتقي في سلوقية ثم تتفرع منها إلى دمشق، وبريتس (بيروت) وأنطاكية. وأثرت سلوقية من هذه التجارة الواسعة،
صفحة رقم : 2660

(8/380)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

وعملت على إنمائها، فقامت أحياء غاصة بالسكان فيها وفي بابل، وصور، وطرسوس، وزانثوس، ورودس، وهليكرنسس، وميليطس، وإفسوس، وأزمير، وبرجموم، وبيزنطية، وسزيكوس Cyzicus، وأباميا Apamea، وهرقلية، وأمسوس Amisus، وسينوب، وبنتيكبيوم Banticapaeum، وألبيا Albia، ولسماكيا Lysimacheia، وأبيدوس، وثسلونيكا (سلونيكا)، وخلقيس، وديلوس، وكورنثة، وأمبراشيا Ambracia، وإبدامنوس Epidamnus (درازو الحالية)، وتراس، ونيبوليس Neapolis (نابلي) ورومة، ومساليا، وإمبوريوم Emporium، وبنورموس Banormus (بالرمو)، وسرقوسة، ويوتيكا Utica، وقرطاجة، وقوريني Cyrene والإسكندرية. وكانت شبكة ناشطة من طرق التجارة تربط أسبانيا في عهد قرطاجة برومة؛ وقرطاجة في أيام هملكار وسرقوسة في عهد هيرون الثاني برومة أيام آل سبيو؛ ومقدونية في عهدالأنتجونيين، وبلاد اليونان في عهد العصب المتحالفة، ومصر في عهد البطالمة، والشرق الأدنى في عهد السلوقيين، والهند في عهد آل موريا Maurya والصين في عهد أسرة هان. وكانت الطرق الآتية من بلاد الصين تخترق التركستان، وبكتريا، وفارس، أو تجتاز بحر أرال والبحر الأسود وبحر قزوين. أما الطرق الآتية من الهند فكانت تجتاز أفغانستان وفارس إلى سلوقية أو تخترق بلاد العرب والبتراء إلى أورشليم ودمشق، أو تعبر المحيط الهندي إلى أدانا (عدن) ثم تجتاز البحر الأحمر إلى أرستوي (السويس الحالية)، ومنها إلى الإسكندرية. ومن أجل الإشراف على هذين الطريقين الآخرين اشتبك السلوقيون والبطالمة في "الحروب السورية" التي أضعفتهما جميعا آخر الأمر ضعفا أخضعهما إلى رومة.
وورثت الملكية السلوقية التقاليد الآسيوية فكانت ملكية مطلقة، لا تحد من سلطتها جمعية شعبية. وقد نظم بلاط الملك على الطراز الشرقي فكان فيه
صفحة رقم : 2661

(8/381)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

رجال التشريفات ذوو الملابس المزركشة، والحلل الرسمية، والبخور والموسيقى؛ ولم يبق فيه شيء يوناني عدا الكلام والملابس الداخلية. ولم يكن الأشراف فيها زعماء شبه مستقلين كما كانت الحال في مقدونية وفي أوربا في العصور الوسطى، بل كانوا موظفين إداريين أو عسكريين يعينهم الملوك. وهذا النظام الملكي هو الذي انتقل من بلاد الفرس عن طريق السلوقيين والساسانيين إلى رومة في عهد دقلديانوس، وبيزنطية في عهد قسطنطين. وكان السلوقيون يعرفون أن سلطانهم في هذا المحيط الأجنبي إنما يعتمد على ولاء السكان اليونان، ولهذا بذلوا كل ما يستطيعون من جهد لإعادة المدن اليونانية القديمة وإنشاء مدن أخرى جديدة؛ فأنشأ سلوقس الأول تسع مدن باسم سلوقية وستا باسم أنطاكية وخمسا باسم لأوديسيا، وثلاثا باسم أباميا، وواحدة باسم أسترتونيس Stratonice، وحذا خلفاؤه حذوه بقدر ما وسعته جهودهم التي كانت أقل من جهوده. ونمت هذه المدن وتضاعف عددها كما حدث في أمريكا في القرن التاسع عشر.

(8/382)


وعن طريقهم أخذ غربي آسية يصطبغ بالصبغة اليونانية بخطى سريعة في ظاهر الأمر. ولا حاجة إلى القول بأن هذه العملية كانت قديمة العهد، فقد بدأت في أيام الهجرة الكبرى، وكان الانتشار الهلنستي من بعض نواحيه هو نهضة أيونيا من جديد وعودة الحضارة اليونانية إلى مواطنها الآسيوية القديمة، ولقد كان اليونان حتى قبل الإسكندر يشغلون مناصب رفيعة في الإمبراطورية الفارسية، كما كان التجار اليونان يسيطرون على المسالك التجارية في الشرق الأدنى القريب. أما الآن فإن الفرص السياسية والتجارية والفنية قد اجتذبت سيلا جارفا من المهاجرين المغامرين، والمستعمرين والكتبة، والجند والتجار، والأطباء، والعلماء، والسراري. وكان المثالون والحفارون اليونان ينحتون التماثيل وينقشون النقود لملوك فينيقية، وليشيا، وكاريا، وصقلية، وبكتريا.
صفحة رقم : 2662
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

(8/383)


وهرعت الراقصات اليونانيات إلى الثغور الآسيوية(10)، وغشى الفساد الخلقي الجنسي ستار يوناني ظريف، وأثارت مدارس الألعاب الرياضية اليونانية وساحاتها في بعض الشرقيين شغفا لم يألفوه من قبل بالألعاب والحمامات. فأنشأت المدن طرقا جديدة تمدها بالماء ونظما جديدة لصرف الأقذار، ورصفت الطرق ونظفت. ونشطت المدارس، ودور الكتب، والتمثيل والقراءة والأدب؛ وكان طلاب العلم في الكليات والجامعات يطوفون بشوارع المدن يحاجج بعضهم بعضا، أو يحاجون الناس كما كانوا يفعلون في العهد القديم؛ ولم يكن أحد يحسب من المثقفين إلا إذا كان يفهم اللغة اليونانية، ويستطيع الاستمتاع بمسرحيات مناندر، ويوربديز. وكانت سيطرة الحضارة اليونانية على بلاد الشرق الأدنى من أغرب الظواهر في التاريخ القديم؛ ولم تر آسية من قبل مثل هذا التبدل السريع الواسع المدى. غير أننا لا نعرف من تفاصيله وآثاره إلا النزر اليسير؛ ذلك أن ما وصلنا من المعلومات عن آداب آسية السلوقية، وفلسفتها، وعلومها جد ضئيل، وإذا لم نجد فيه إلا عددا قليلا من الشخصيات الجبارة أمثال زينون الرواقي، وسلوقس الفلكي، وفي العهد الروماني مليجر الشاعر، وبسيدبس الذي كان يلم بكثير من العلوم المختلفة، إذا لم نجد إلا هذا العدد القليل فإنا لا نستطيع أن نجزم أنه لم يكن هناك كثيرون غيرهم. والحق أن هذه الثقافة كانت ثقافة مزدهرة، ذات ألوان متعددة، رقيقة مهذبة، متحمسة، لا تقل خصبا في الفنون عن أية ثقافة سبقتها. ومبلغ علمنا أنه لم توجد قبلها ثقافة تضارعها في سعة انتشارها وفي وحدتها المعقدة بين ما كان يحيط بها من بيئات متباينة. وقصارى القول أن غرب آسية ظل مدى قرن من الزمان تابعا لأوربا، وأن السبيل قد مهد للسلام الروماني والتآلف المسيحي الجامع الشامل.

(8/384)


ولكن هذا لا يعني أن الشرق قد غلب على أمره، فلقد كانت خصائصه متأصلة فيه قديمة العهد، ولم يكن من اليسير أن يسلم روحه إلى الغرب أيا كانت
صفحة رقم : 2663
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

قوته. لهذا ظلت جمهرة الناس تتخاطب بلغاتها الوطنية، وتجري على سننها وأساليبها المألوفة من قديم الزمان، وتعبد الآلهة التي كان يعبدها آباؤها وأجدادها؛ وكان الغشاء اليوناني الذي يغشى البلاد البعيدة عن شواطئ البحر الأبيض المتوسط رقيقا، وكانت المراكز الهلينية القائمة في هذه الأصقاع أمثال سلوقية على نهر دجلة جزائر يونانية في البحر الشرقي. ولم تمتزج في هذه الأصقاع الأجناس والثقافات الامتزاج الذي كان يحلم به الإسكندر؛ بل كان من فوق سطحه يونان وحضارة يونانية، ومن تحتها خليط من الشعوب والثقافات الشرقية، ولم تدخل الصفات الذهنية اليونانية في العقل الشرقي، ولم تحدث ما امتاز به اليونان من نشاط وحب للجديد، وحرص على الشؤون الدنيوية، ورغبة شديدة في الكمال، والتعبير عن الذات والنزعة الفردية القوية، لم يحدث هذا كله تغييرا ما في أخلاق الشرقين. بل حدث عكس هذا، حدث على مر الأيام أن جاشت أساليب التفكير والإحساس الشرقية من أسفل وغمرت الطبقة اليونانية الحاكمة، ثم نقلها هؤلاء إلى الغرب فكانت هي التي بدلت العالم "الوثني". ففي بابل استعاد التاجر السامي ومصرفي الهيكل الصابران سيطرتهما على الهلني المتقلب الفرار، فاحتفظا بالكتابة المسمارية، وأنزلت اللغة اليونانية إلى المكانة الثانية في عالم الأعمال؛ وأفسد التنجيم، والكيمياء الكاذبة، فلك اليونان وعلومهم الطبيعية، وأثبتت الملكية المطلقة الشرقية أنها أقوى من الديمقراطية اليونانية، وانتهى الأمر بأن فرضت صورتها على الغرب نفسه، فأصبح الملوك اليونان والأباطرة الرومان آلهة كما كانوا في بلاد الشرق، وانتقلت نظرية حق

(8/385)


الملوك المقدس التي كانت تسود بلاد الشرق إلى أوربا الحديثة عن طريق رومة والقسطنطينية.
وبث الشرق عن طريق زينون نزعته التجريبية والجبرية في الفلسفة اليونانية، كما سرى تصوفه وتقواه من مئات السبل إلى الفراغ الذي تركه تدهور
صفحة رقم : 2664
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الحضارة السلوقية

الدين اليوناني السليم. وسرعان ما قبل اليونان آلهة الشرق ورأوا أنهم في جوهرهم آلهتهم هم؛ ولكن اليوناني لم يكن في واقع الأمر يؤمن بالآلهة كما كان يؤمن بها الشرقي، ولهذا بقي الإله الشرقي ومات الإله اليوناني، فعادت أرتميس الإفيزية كما كانت إلهة شرقية للأمومة، ذات اثنتي عشر ثديا، واستسلم عدد عظيم من غزاة اليونان للطقوس الدينية البابلية، والفينيقية، والسورية. وقصارى القول أن اليونان عرضوا على الشرق الفلسفة، وأن الشرق عرض على اليونان الدين، كانت الغلبة للدين، لأن الفلسفة كانت ترفا يقدم للأقلية الضئيلة، أما الدين فكان سلوى للكثيرين. واستعاد الدين سلطانه في هذا التبادل التاريخي المضطرب بين الإيمان والكفر؛ والنزعة التصوفية والنزعة الطبيعية؛ والدين والعلم؛ وذلك لأن الدين أدرك ما ينطوي عليه الإنسان من ضعف وعزلة، وبعث فيه الإلهام والشعر. وقد سر العالم الذي زالت عن أعينه غشاوة الخداع، العالم المستقل، الذي سئم الحروب، وسر هذا العالم أن يعود إليه الإيمان والأمل. وكان أعمق فتوح الإسكندر أثرا نتيجة أبعد ما تكون عن العقل، ألا وهي اصطباغ الروح الأوربية بالصبغة الشرقية.

صفحة رقم : 2665
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> برجموم

الفصل الثالث
برجموم

(8/386)


لقد كان امتصاص آسية لليونان امتصاصا تدريجيا سببا في ضعف قوة الدولة السلوقية، ونشأة ممالك مستقلة على أطراف العالم الهلنستي. فقد أقامت منذ عام 280 بلاد أرمينية، وكبدوكيا وتيتس، وبيثينيا ممالك مطلقة مستقلة؛ ولم تلبث المدن اليونانية القائمة على شواطئ البحر الأسود أن خضعت لحكم الأسيويين. وانفصلت بكتريا وسجديانا من حكم السلوقيين حوالي عام 250؛ وفي عام 247 اغتال أرسسيز زعيم البارني Parni-وهي قبيلة إيرانية بدوية- حاكم بلاد الفرس السلوقي، وأنشأ مملكة بارثيا التي قدر لها أن تنازع رومة سلطانها عدة قرون؛ وفي عام 282 استولى فلاتيروس Philataerus على تسعة آلاف وزنة من المال، وكان لسمخوس Lysemachus قد ائتمنه عليها، كما استولى على تل برجموم الحصين في آسية وأعلن استقلاله عن الدولة السلوقية. وضم ابن أخيه أمنيز الأول Eumenes إلى ملكه بيتاني Pitane وأترنيوس Atarneus وجعل برجموم مملكة مطلقة مستقلة ذات سيادة (262). وكان لأتلوس الأول Attaus I فضل كبير على آسية اليونانية لأنه صد عنها الغاليين الذين اخترقوا هذه الأصقاع حتى وصلوا إلى أسوار مدينته (230)؛ وواصل أمنيز الثاني أكبر أبنائه حكم أبيه الحازم، ولكنه أثار دهشة اليونان بأن استغاث برومة لتحميه من أنتيوخوس الثاني؛ وبعد أن هزم بمعونتها أنتيوخوس عند مجنيزيا ترك له الرومان جميع بلاد آسية الصغرى تقريبا؛ وخلفه على العرش أخوه أتلوس الثاني، وكان يرتاب في مقدرة أبنائه على أن يحتفظوا بحرية برجموم، فأوصى بملكه وهو على فراش الموت (139) إلى رومة.
صفحة رقم : 2666
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> برجموم

(8/387)


وبذلت الدولة الصغيرة كل ما في وسعها لتكفر عما أحاط بمولدها ونشأتها من غدر وخيانة، فأخذت تنافس الإسكندرية بوصفها مركزا للعلم والفن؛ فلم تنفق كل ما عاد عليها من خيرات المناجم، والكروم، وحقول الغلال، ومن نسيج الصوف وصناعة رقائق الجلد والعطور، والآجر والقرميد، ومن سيطرتها على تجارة بحر إيجة، نقول إنها لم تنفق كل ما عاد عليها من هذا في إنشاء جيش وأسطول قويين بل أنفقت جانبا كبيرا منه في تشجيع الأدب والفن؛ ذلك أن ملوك برجموم كانوا يؤمنون بأن الحكم والأعمال التجارية والمالية الخاصة تستطيعان أن تتنافسا تنافسا يؤتي خير الثمرات، وأن تقضيا على كثير من أسباب العجز والشره. فقد كان الملك يستخدم العبيد في زرع مساحات واسعة من الأرضين، ويدير كثيرا من المصانع، والمحاجر والمناجم، وإن لم يكن ذلك بطريق الاحتكار. وبهذه الطريقة الفذة ازدادت الثروة وتضاعفت، وأضحت برجموم حاضرة مزخرفة، اشتهرت بمذبح زيوس، وبقصورها الفخمة، وبمكتبتها الجامعة، ودار تمثيلها العظيمة، وبما كان فيها من مساحات رياضية وحمامات؛ بل إن ما كان فيها من دورات مياه عامة ليشهد بفضل إدارتها البلدية(11). ولم تكن مكتبتها الجامعة يفوقها في عدد مجلداتها، وفي شهرة علمائها الواسعة إلا مكتبة الإسكندرية وحدها، وكان معرض صورها يحتوي على مجموعة عظيمة من الرسوم الملونة يتردد عليها الزائرون ليستمتعوا بجمالها. وظلت برجموم خمسين عاما أنضر زهرة في الحضارة الهلينية.
وكان بيت سلوقس في هذه الأثناء آخذا في الاضمحلال والفناء. ذلك أن قيام الممالك المستقلة في أنحاء الإمبراطورية السلوقية كان يقصر سلطان الملوك السلوقيين على سوريا وبلاد الجزيرة. وأخذت بارثيا وبرجموم، ومصر، ورومة تعمل جاهدة في صبر وأناة لإضعاف هذه الأسرة، يساعدها على هذا
صفحة رقم : 2667
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> برجموم

(8/388)


المدعوون الذين كانوا يطالبون بعرش البلاد كلما انتقل هذا العرش من ملك إلى ملك، كما تساعدها الحزازات والانشقاق والحرب الأهلية. وبينما كان دمتريوس الأول يعيد القوة والنشاط للحكومة السلوقية، إذ جيشت رومة في عام 153 جيشا من مرتزقة الجند جاءت بهم من كافة الأنحاء لتأييد مغامر من أهل أزمير في مطالبته الباطلة بعرش البلاد. وانضمت برجموم ومصر في الهجوم على دمتريوس، فقاوم هذا الملك جيوش أعدائه مقاومة الأبطال، وخر صريعا في ميدان القتال، وآلت سلطة السلوقيين إلى يدي رجل حقير خامل يدعى ألكسندر بالاس Alexander Balas، كان ألعوبة في أيدي عشيقاته ورومة.

صفحة رقم : 2668
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

الفصل الرابع
الهلنية واليهود

(8/389)


يدور تاريخ بلاد اليهود في العصر الهلنستي حول نزاعين: الكفاح الخارجي بين آسية السلوقية ومصر البطالمة للاستيلاء على فلسطين، والكفاح الداخلي بين أساليب الحياة الهلنية والعبرية. فأما الكفاح الأول فهو تاريخ ميت، وفي وسعنا أن نفرغ منه في عبارات موجزة، وأما الكفاح الثاني فهو في اعتقاد ماثيو آرنلد Mathew Arnold أحد الانشقاقات الخالد التي طرأت على الأفكار والمشاعر البشرية. وكانت بلاد اليهود (أي فلسطين الواقعة جنوب السامرة) في التقسيم الأول لإمبراطورية الإسكندر من نصيب بطليموس؛ ولكن السلوقيين لم يقبلوا قط هذا التقسيم لأنهم وجدوا أنفسهم بمقتضاه منفصلين عن البحر الأبيض المتوسط، ولأنهم كانوا يطمعون فيما قد يعود عليهم من ثراء بسبب التجارة المارة بدمشق وأورشليم. وانتصر بطليموس في الحروب التي ثارت بسبب هذا النزاع، واستولى على بلاد اليهود وظلت خاضعة لسلطان البطالمة أكثر من مائة عام (318-198)، كانت تؤدي في خلالها جزية سنوية مقدارها ثمانية آلاف وزنة، ولكنها ازدهرت وعمها الرخاء رغم هذا العبء الثقيل. وقد ترك البطالمة لبلاد اليهود قسطا كبيرا من الحكم الذاتي، تحت سلطان كاهن أورشليم الأكبر والجمعية الوطنية الكبرى. وأضحت الجروسيا أو مجلس الكبار، التي أنشأها عزرا ونحيما قبل ذلك العهد بمائتي عام، مجلس شيوخ ومحكمة عليا في وقت واحد. وكان أعضاؤها السبعون أو الأكثر من السبعين يختارون من بين رؤساء الأسر الشهيرة في البلاد، ومن بين أكبر رجال العلم (السفريم Soferim). وقد ظلت قرارات هذه الجمعية المعروفة
صفحة رقم : 2669
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

باسم "الدبرسفريم" Dibre Soferim أساس الدين اليهودي العام من العصر الهلنستي إلى العصر الحديث.

(8/390)


وكان أساس اليهودية هو الدين: كما كانت فكرة وجود إله قادر تسيطر على كل ناحية من نواحي الحياة اليهودية وكل لحظة من لحظاتها. وكان مجلس الكبراء يفرض القوانين الأخلاقية والآداب الاجتماعية بجميع دقائقها. ويشرف على تنفيذها إشرافا تاما. وكانت أسباب اللهو والتسلية والألعاب قليلة محدودة، وكان الزواج بغير اليهود محرما، وكذلك العزوبة وقتل الأطفال. ومن ثم كان اليهود يلدون كثيرا ويربون جميع أبنائهم، وظلوا طوال العصور القديمة يتكاثرون رغم الحروب والمجاعات حتى بلغ عددهم في الإمبراطورية الرومانية أيام قيصر سبعة ملايين. وكان معظم السكان قبل العهد المقدوني يشتغلون بالزراعة، لأن اليهود لم يكونوا قد أصبحوا بعض أمة من التجار. وقد كتب عنهم يوسفوس Josephus في ذلك العهد المتأخر، وهو القرن الأول بعد الميلاد، يقول: "لسنا شعبا تجاريا(13)". أما الشعوب التجارية العظيمة في ذلك العصر فهي الفينيقيون والعرب واليونان. وكان الرق موجودا في بلاد اليهود كما كان في غيره من الأقطار، غير أن حرب الطبقات كانت هادئة نسبيا. ولم يكن للفنون عندهم شأن عدا الموسيقى فقد كانت راقية مزدهرة. وكان الناي والطبل، والصنوج و "قرن الكبش" أو البوق، والقيثارة تستخدم مصاحبة للصوت الواحد، أو للأغاني الشعبية، أو الترانيم الدينية. وكان الدين اليهودي يعيب على الطقوس اليونانية استرسالها في الخضوع لخيال الشعب ويزدريها لهذا السبب؛ وكانت الصلة مقطوعة بينه وبين الصور، والنبوءات، ومعرفة الغيب بالنظر في أحشاء الطير. وكان أقل تجسيدا وتخريفا، وأقل بهرجة ومرحا من دين اليونان. وكان الربانيون يواجهون طقوس الشرك الهلنية بإنشاد هذه النغمة التي لا تزال تتردد حتى اليوم في كل كنيس يهودي: "استمعي يا إسرائيل: الرب إلهنا، الرب واحد".
صفحة رقم : 2670
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

(8/391)


وأدخل الغزاة اليونان في هذه الحياة البسيطة المتزمتة كل ما في الحضارة المهذبة الأبيقورية من أسباب اللهو والغواية. وقد كان يحيط ببلاد اليهود حلقة من المستقرات والمدن اليونانية: السامرة، ونيوبوليس، وغزة، وعسقلان، وأزوتس Azotus (أشرود) وجبا Joppa (يافا)، وأبولونيا Appollonia، ودوريس Dorisa، وسكمينا Sycamina، وبوليس Polis (حيفا) وأكو (عكا). وكان على الضفة الأخرى من نهر الأردن عصبة من عشر مدن يونانية: هي دمشق، وجدارا Gadara، وجراسا Gerasa، وديوم Dium، وفلدلفيا، وبلا Pella، ورافيا Raphia، وهبو Hippo، واسكيثوبوليس Csythopolis، وكنيثا Canetha. وكانت تقوم في كل واحدة من هذه المدن نظم ومؤسسات يونانية وهياكل للآلهة والإلهات اليونانية، ومدارس، ومجامع علمية، ومدارس وساحات للألعاب الرياضية، وألعاب يشترك فيها الناس وهم عراة. وأقبل على أورشليم من هذه المدن ومن الإسكندرية، وأنطاكية، وديلوس، ورودس يونان ويهود يحملون العدوى الهلينية، عدوى التبحر في العلم والفلسفة، والفن، والأدب، والاستمتاع بالجمال واللذة، والغناء، والرقص، والشراب، والطعام، والألعاب الرياضية، والعشيقات، والغلمان؛ فضلا عن السفسطة المرحة، التي ترتاب في جميع القوانين الأخلاقية، والتشكك الذي قضى على كل عقيدة في خوارق الطبيعة. وهل يستطيع الشاب اليهودي أن يقاوم هذه المغريات، التي تدعوه إلى الاستمتاع باللذة وإلى التحرر من آلاف القيود الضيقة الثقيلة؟ لقد بدأ الشبان اليهود الفكهون يسخرون من الكهنة ويصفونهم بأنهم طلاب مال، كما يصفون الأتقياء من أتباعهم بأنهم حمقى، ينحدرون إلى الشيخوخة من غير أن يعرفوا الملاذ والترف ومباهج الحياة. وانضم إليهم في هذا أغنياء اليهود، لأنهم كانوا يستطيعون أن يستجيبوا لداعي الغواية. وأحس اليهود الذين كانوا يطلبون المناصب من الموظفين اليونان بأن من
صفحة رقم : 2671

(8/392)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

حسن السياسة أن يتكلموا اللغة اليونانية، وأن يعيشوا كما يعيش اليونان، بل أن يقولوا بضع كلمات طيبة في حق الآلهة اليونانية.
وكانت ثلاث قوى تحمي اليهود من هذا الهجوم القوي على عقلهم وحواسهم! هي ما وقع عليهم من الاضطهاد أيام أنتيوخوس الرابع، وحماية رومة، وسلطان القانون وهيبته لأنه كان في اعتقاد اليهود وحيا منزلا من عند ألله. وتجمع الأتقياء من اليهود، كما تتجمع الكرات البيضاء من الدم لحماية الجسم من جراثيم الأمراض، وألفوا هيئة من الصفوة المختارة أطلقوا عليها اسم "المتقين". وبدأت هذه الجماعة (حوالي عام 300 ق.م) بعهد بسيط قيدوا به أنفسهم أن يمتنعوا عن شرب الخمر زمنا معينا؛ ثم ذهبوا فيما بعد مدفوعين بسيكولوجية الحرب المحتومة إلى أبعد حدود التزمت، فحرموا جميع الملاذ الجسمية وعدوها استسلاما للشيطان واليونان. وعجب منهم اليونان أشد العجب وضموهم إلى زمرة الفلاسفة الزاهدين العرايا العجيبين الذين التقت بهم جيوش الإسكندر في بلاد الهند. وحتى اليهودي العادي نفسه كان يعارض في تزمت جماعة المتقين الشديد ويبحث لنفسه عن خطة وسطى بين التزمت والإباحية، ولعله هو وأمثاله كان يستطيع أن يجد هذا الحل الوسط لولا أن أنتيوحوس إيفانيز حاول أن يقحم الهلنية في بلاد اليهود بالإقناع تارة وبالسيف تارة أخرى.

(8/393)


وظلت بلاد اليهود تابعة لمصر حتى عام 198 حين هزم أنتيوخوس الثالث بطليموس الخامس وضمها إلى الإمبراطورية السلوقية. وكان اليهود قد ملوا حكم المصريين فأعانوا أنتيوخوس ورحبوا باستيلائه على أورشليم وتحريرهم من حكامهم؛ ولكن خلفه أنتيوخوس الرابع لم ير في بلاد اليهود إلى أنها مصدر للإيراد؛ وكان وقتئذ يستعد لحروب عوان تتطلب الكثير من الأموال، فأمر اليهود أن يؤدوا إلى خزانة الدولة ثلث محصولاتهم من الحبوب، ونصف ما تثمره أشجار الفاكهة(14). ثم عين جيسن المعروف بتذلله وملقه حاخاما
صفحة رقم : 2672
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

أكبر، وتجاهل في هذا التعيين ما جرت به العادة من توارث هذا المنصب الديني. وكان جيسن هذا يمثل الحزب القائم في أورشليم والذي ينادي بفرض الثقافة الهلنية على بلاد اليهود، ويطلب الإذن بإقامة النظم اليونانية في تلك البلاد. وأصغى أنتيوخوس إلى مطالبه وهو فرح مستبشر لأن اختلاف الطقوس الدينية الشرقية في بلاد آسية اليونانية وقوة هذه الطقوس كانا يقلقان باله إذ كان يحلم بتوحيد إمبراطوريته المتعددة اللغات والأجناس بإخضاعها كلها لشريعة واحدة وعقيدة واحدة. ولما أن أبطأ جيسن في العمل للوصول إلى هذه الغاية عين أنتيوخوس بدلا منه منلوس، بعد أن وعده بأكثر مما وعده به سلفه ونفحه برشوة أكبر(15). وتوحد يهوة وزيوس على يدي منلوس، وبيعت آنية المعابد للحصول على المال، وقربت بعض الجماعات اليهودية القرابين إلى الآلهة الهلنية. وافتتحت في أورشليم مدرسة للرياضة البدنية، واشترك شباب اليهود والكهنة أنفسهم وهم عراة في الألعاب الرياضية. وبلغ من تحمس بعض الشبان اليهود للهلنية أن تحملوا جراحات في أجسامهم ليعالجوا بها بعض العيوب التي قد تكشف عن أصلهم(16).

(8/394)


وارتاعت كثرة الشعب اليهودي من هذه التطورات وأحست أن دينها يكاد ينهار من أساسه، فانحازت إلى آراء المتقين؛ ولما أن طرد بوبليوس (165) أنتيوخوس الرابع من مصر، شاع في أورشليم أنه قتل، فاغتبط اليهود بالنبأ، وخلعوا الموظفين المعينين عليهم من قبله، وقتلوا زعماء الحزب الذي كان يدعوا إلى الثقافة الهلينية، وطهروا الهياكل مما كانوا يرونه منكرا أو كفرا. لكن أنتيوخوس لم يكن قد مات، بل هزم وذل وأصبح فقيرا معدما؛ وقد أيقن أن اليهود كانوا سببا في هزيمته في مصر وأنهم كانوا يأتمرون ليعيدوا بلادهم إلى البطالمة(17)، فعاد إلى أورشليم وذبح آلافا من اليهود رجالهم ونسائهم، ودنس الهيكل ونهبه، وصادر مذبحه الذهبي وآنيته وكنوزه وضمها إلى الخزائن الملكية، وأعاد إلى منلوس سلطته العليا، وأمر أن يثقف اليهود كلهم
صفحة رقم : 2673
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

(8/395)


على الرغم منهم بالثقافة الهلينية (167)، وأن يعود الهيكل كما كان ضريحا مقدسا لزيوس، وأن يقام مذبح يوناني فوق المذبح القديم، وأن يستبدل بالقرابين القديمة قربان من الخنازير. ثم حرم تقديس السبت والاحتفال بالأعياد اليهودية، وجعل الختان جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وحرمت جميع مراسم الدين اليهودي في جميع أنحاء بلاد اليهود، وألزم الأهلون باتباع المراسم اليونانية، وعوقب من يخالف هذه الأوامر بالإعدام. وكان كل من يأبى من اليهود أن يأكل لحم الخنزير وكل من يوجد عنده كتاب الشريعة يسجن أو يقتل، وأمر أن يحرق هذا الكتاب أنى وجد(18). وأشعلت النار في أورشليم نفسها، وهدمت أسوارها، وبيع سكانها اليهود في أسواق الرقيق، وجيء بالأجانب ليقيموا في مواضعها، وشيد حصن جديد على جبل صهيون، ووضعت فيه حامية من الجند لتحكم المدينة باسم الملك(19). ويبدو أن أنتيوخوس سعى في بعض الأوقات لأن يجعل نفسه إلها، وأنه طلب إلى الناس أن يتخذوه إلها يعبدونه(20).
وزاد الاضطهاد شدة على مر الزمن. ذلك أنه يوجد دائما في كل مجتمع أقلية فطرت على الابتهاج إذا أذن لها بالاضطهاد، لأنها ترى في هذا الاضطهاد انطلاقا من قيود الحضارة. وكان عملاء أنتيوخوس من هذه الأقلية، فأنهم بعد أن قضوا على جميع مظاهر اليهودية في أورشليم انطلقوا انطلاق اللهب يبحثةن عن هذه المظاهر في المدائن والقرى: وكانوا أينما حلوا يخيرون الأهلين بين الموت والاشتراك في العبادات الهلنية وما تتضمنه من أكل لحم الخنازير المذبوحة على النصب(21). وأغلقت جميع الهياكل والمدارس اليهودية، وعد جميع من يأبون الاشتغال في يوم السبت عصاة خارجين عن القانون. وأرغم اليهود في عيد باخوس أن يزينوا باللبلاب كاليونان أنفسهم، وأن يشتركوا في المواكب، وأن ينشدوا الأناشيد الهمجية تكريما لديونيشس. وصدع الكثيرون من اليهود بما أمروا به، وترقبوا أن تمر العاصفة، وفر كثيرون غيرهم إلى

(8/396)


صفحة رقم : 2674
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

الكهوف أو المعاقل الجبلية النائية، وعاشوا على ما يلتقطونه خلسة من الحقول، وثبتوا على ممارسة أساليب الحياة اليهودية. وأخذ "المتقون" يطوفون بهم يدعونهم إلى الشجاعة والمقاومة. وعثرت شرذمة من جنود الملك على كهوف آوى إليها آلاف من اليهود-رجال ونساء وأطفال- فأمروهم بالخروج؛ فلما عصوا أمر الجنود وأبوا كذلك أن يزيلوا ما عساه أن يكون في مدخل الكهوف من الحجارة، لأن اليوم كان يوم السبت، أعمل فيهم الجنود النار والسيف، وقتلوا كثيرين من اللاجئين، واختنق الباقون بالدخان(22). وفي المدن قبض على النساء اللائي ختن من ولدن حديثا من الأطفال وألقين هن وأطفالهن من فوق الأسوار(23). وما كان أشد دهشة اليونان من استمساك الأهلين بدينهم القديم، وذلك أنهم لم يروا من عدة قرون مثل هذا الإخلاص للرأي والاستمساك بالعقيدة. وكانت قصص الاستشهاد تتناقلها الألسن وتملأ بها الكتب، فضربت للمسيحيين أمثلة صادقة في الاستشهاد والشهداء. وهكذا أضحت اليهودية دينا وقومية وثبتت قواعدها وتأصلت جذورها وآثرت العزلة لتحتمي بها من أعدائها.

(8/397)


وكان من بين اليهود الذين فروا وقتئذ من أورشليم متاثياس Mattathias من أسرة هزموناي Hasmonai من سبط هارون-وأبناؤه الخمسة يوهنان كاديس، وسيمون، وبوداس، والبزر، ويوناثان. ولما أقبل أبليز عامل أنتيوخوس إلى مدين Modin التي لجأ إليها هؤلاء الستة، أمر أهلها أن يجحدوا "الشريعة" ويقربوا لزيوس. وجاء متاثياس الشيخ ومعه أبناؤه الخمسة وقال: "لو أن جميع سكان المملكة أطاعوا أمركم بالمروق من دين آبائهم لبقيت أنا وأولادي الخمسة مستمسكين بعهد آبائنا الأولين". ولما أن اقترب أحد اليهود من المذبح ليقرب القربان المطلوب ذبحه متاثياس بيده وذبح أيضا مندوب الملك. ثم نادى في الشعب قائلا: "من كان يغار على الشريعة، وأراد
صفحة رقم : 2675
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

أن يؤيد العهد فليتبعني(24). فساروا وراءه هو وأبنائه كثيرون من القرويين حتى وصلوا إلى جبل إفرايم، حيث انضمت إليهم جماعة صغيرة من الشبان الثائرين ومن كان باقيا على قيد الحياة من "المتقين".

(8/398)


وبعد قليل من هذا الحادث توفي متاثياس بعد أن أوصى بأن يرأس أتباعه من بعده ابنه بوداس المعروف باسم مكابي . وكان بوداس هذا رجل حرب أوتي من الشجاعة ما أوتي من التقوى. وكان من عادته قبل أن يخوض أية معركة أن يصلي كما يصلي الأولياء المطهرون، حتى إذا خاض غمارها "كان كالأسد في سورته". وكان جيشه الصغير "يعيش في الجبال كما تعيش الوحوش، ويقتات بالأعشاب". ثم ينقض من حين إلى حين على إحدى القرى المجاورة ويقتل المارقين ويهدم مذابح الوثنيين و "إذا وجدوا أطفالا لم يختتنوا أجروا لهم عملية الاختتان بشجاعة(25)". ونقلت هذه الأنباء إلى أنتيوخوس فسير عليهم جيشا من السوريين اليونان وأمره أن يهدم حصن المكابيين. والتقى بهم بوداس في ممر إموس Emmaus وانتصر عليهم نصرا مؤزرا(166)، مع أن اليونان كانوا من الجنود المرتزقة المدربين أحسن تدريب والمسلحين أتم تسليح، بينما كانت فرقة بوداس يعوزها الكثير من السلاح والثياب. وسير أنتيوخوس عليهم قوة أخرى أكبر من القوة السابقة بلغ من ثقة قائدها بالنصر أن جاء معه بالنخاسين ليبتاعوا من كان ينتظر أسرهم من اليهود، ووضع في المدن لوحات بما يطلب فيهم من الأثمان(26). وهزم بوداس هذا الجيش في مزباح، وكانت الهزيمة حاسمة سقطت على إثرها أورشليم في قبضته دون مقاومة؛ فلما دخلها أخرج ما كان في الهيكل من مذابح وزينات وثنية وطهره ودشنه من جديد، وأعاد الصلوات القديمة إلى سابق عهدها وسط مظاهر الابتهاج من اليهود العائدين المستمسكين بالدين (164).
صفحة رقم : 2676
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> الهلنية والشرق -> الهلنية واليهود

(8/399)


ولما تقدم ليسياس Lysias نائب الملك بجيش جديد ليسترد به العاصمة، شاع بين الجند أن أنتيوخوس قد مات-وكانت هذه الشائعة صادقة في هذه المرة (163). وأراد ليسياس أن يكون حرا في العمل في غير هذا الميدان فعرض على اليهود أن يترك لهم حريتهم الدينية الكاملة إذا ما ألقوا السلاح؛ فرضي بذلك "المتقون" ورفضه المكابيون، وأعلن بوداس أن بلاد اليهود لا تأمن على نفسها من الاضطهاد إلا إذا نالت استقلالها السياسي والديني جميعا. وسكر المكابيون بخمرة النصر فبدؤوا أنفسهم يضطهدون أعداءهم، وينتقمون من الحزب المشايع لليونان في أورشليم وفي المدن المجاورة للحدود(27). وفي عام 161 هزم بوداس نكانور Nicanor عند أداسا Adasa نفسه بأن عقد حلفا مع رومة، ولكنه قتل في تلك السنة نفسها وهو يحارب جيشا أقوى من جيشه عند إلاسا Elasa. وواصل أخوه يوناثان الحرب بشجاعة عظيمة ولكنه قتل هو الآخر عند عكا (143). ولم يبق بعدئذ من الأخوة الخمسة إلا سيمون، وقد استطاع بمعونة رومة أن ينال من دمتريوس الثاني في عام 142 اعترافا باستقلال بلاد اليهود. وعين سيمون بمرسوم شعبي حاخاما أكبر وقائدا عسكريا، وإذ كان هذان المنصبان قد أصبحا وراثيين في هذه الأسرة فقد أضحى هو مؤسس الأسرة المالكة الهزمونية Hasmonean، وعدت أول سني حكمه بداية التاريخ الجديد، وصدرت عملة تعلن مولد الدولة اليهودية الجديدة.

صفحة رقم : 2677
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

الباب الخامس والعشرون
مصر والغرب
الفصل الأول
سجل الملوك

(8/400)


كانت أصغر أجزاء تركة الإسكندر وأغناها من نصيب قواده وأعظمهم حكمة. وقد برهن بطليموس بن لاجوس على ولائه العظيم للملك المتوفي-ولعله أراد أن يدعم سلطانه بهذا الولاء-بأن نقل جثته إلى منفيس وأمر أن تودع تابوتا من الذهب وجاء معه أيضا بتاييس Thais التي كانت عشيقة الإسكندر في بعض الأوقات، وتزوجها ورزق منها بولدين. وقد كان بطليموس هذا جنديا بسيطا، صريحا، خشن الطباع، قادرا على الإحساس الكريم والتفكير الواقعي. وبينما كان غيره من ورثة ملك الإسكندر يقضون نصف حياتهم في الحروب، ويحلمون بأن تكون لكل منهم دون غيره السيادة على هذا الملك، بذل بطليموس جهوده كلها في تدعيم مركزه في البلد الأجنبي الذي كان من نصيبه، وفي ترقية زراعته وتجارته وصناعته. وأنشأ لذلك أسطولا عظيما وأمن مصر من الغزو البحري كما أمنتها الطبيعة من الغزو البري، وجعلتها من هذه الناحية أمنع من عقاب الجو. وساعد رودس وعصب المدن المتحالفة على الاستقلال عن مقدونية، ومن أجل هذا سمي "سوتر Soter "؛ ولم يلقب نفسه ملكا إلا بعد ثمانية عشر عاما من العمل الشاق دعم في خلالها
صفحة رقم : 2678
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

(8/401)


حياة مملكته الجديدة من النواحي السياسية والاقتصادية، وأقامها على نظام ثابت متين (305). وكانت نتيجة جهود خلفه أن بسطت مصر حكمها على قورينة، وكريت، وجزائر سكلديز، وقبرص، وعلى سوريا، وفلسطين، وفينيقية وساموس، ولسبوس، وسمثريس، والهلسبنت. وقد وجد في شيخوخته متسعا من الوقت يكتب فيه شروحا وتعليقات صادقة صدقا مدهشا على حروبه، وأن ينشئ حوالي عام 290 دار العاديات والمكتبة اللتين قامت عليهما شهرة الإسكندرية. ولما بلغ الثانية والثمانين من عمره وأحس بضعف الشيخوخة أجلس ابنه الثاني بطليموس فلدلفس مكانه على العرش وأسلمه زمام الحكم، واتخذ مكانه كأحد الرعايا في بلاط الملك الشاب. ومات بعد عامين من ذلك الوقت.
وكان وادي النيل الخصيب وداله قد ملأ خزائن الملك بالمال. وحسبنا دليلا على هذا أن بطليموس الأول حين أراد أن يولم وليمة لأصدقائه اضطر إلى أن يقترض آنيتهم الفضية وطنافسهم، أما بطليموس الثاني فقد أنفق في آخر حفلات تتويجه ما قيمته 2.500.000 ريال أمريكي(2). واعتنق الملك المصري الجديد فلسفة قورينة واعتزم أن يستمتع بكل ما تتيحه له الساعة التي هو فيها من لذة. فكان يتخم معدته بشهي الطعام، وجرب كثيرا من العشيقات، وأقصى عنه زوجته، وتزوج آخر الأمر باخته أرسينوئي(3) Arsinoe. وحكمت الملكة الجديدة الإمبراطورية وصرفت شؤونها الحربية بينما كان بطليموس الثاني يحكم بين طهاته وعلماء بلاطه. وحذا حذو أبيه وزاد عليه بأن استقدم إلى الإسكندرية مشهوري الشعراء، والعلماء، والنقاد، والمتبحرين في العلوم الطبيعية والفلسفة، والفنانين، واستضافهم عنده؛ وزين عاصمته بالمباني الفخمة على الطراز اليوناني حتى صارت الإسكندرية في أثناء حكمه الطويل عاصمة بلاد البحر الأبيض المتوسط الأدبية والعلمية، وازدهرت آدابها ازدهارا لم تر مثله مرة
صفحة رقم : 2679
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

(8/402)


أخرى. لكن فلدلفس لم يكن مع هذا كله سعيدا في شيخوخته. فقد اشتد عليه داء النقرس، وزادت متاعبه بازدياد ثروته وسلطانه. وأطل مرة من نافذة قصره فأبصر متسولا يرقد مستريحا في الشمس على كثبان الميناء الرملية، فحسد الرجل على نعمته وقال متحسرا: "وا أسفاه! ليتني ولدت واحدا من هؤلاء(4)!". وساوره خوف الموت، فطلب إلى الكهنة المصرين أن يدلوه على إكسير الخلود السحري(5).
ووسع المتحف والمكتبة وأنفق عليهما من المال ما جعل المؤرخين الذين جاءوا بعده يقولون إنه هو الذي أنشأهما. وكان دمتريوس فليرم قد لجأ إلى مصر في عام 307 بعد أن طرد من أثينة، فإذا نحن نجده بعد عشر سنين من ذلك الوقت في بلاط بطليموس الأول؛ ويلوح أنه هو الذي أوحى إلى بطليموس سوتر أن عاصمة ملكه وأسرته تذيع شهرتهما إذا أنشأ متحفا (أي بيتا لربات الفنون والعلوم Muses ) يضارع جامعات أثينة. وأكبر الظن أن دمتريوس قد ألهم نشاط أرسطو في جميع الكتب، وضروب المعرفة، وأنواع الحيوان، والنبات، ودساتير الحكم، وتصنيف ما جمعه منها، فأشار على ما يظهر بأن تقام طائفة من المباني لا تتسع لإيواء مجموعة عظيمة من الكتب فحسب، بل تتسع فوق ذلك لإيواء العلماء الذين يقضون حياتهم في البحث العلمي. واقتنع بطليموس الأول والثاني بهذه الفكرة، فأمداه بالمال، وقامت الجامعة الجديدة على مهل بالقرب من القصور الملكية. وكانت تحتوي على ردهة عامة يلوح أن العلماء كانوا يتناولون فيها الطعام، وقاعة للمحاضرات، وبهوا، ورواقا، وحديقة، ومرصدا فلكيا، والمكتبة الكبرى. وكان رئيس هذا المعهد كله من الناحية الرسمية كاهنا دينيا، كان مخصصا لإلهات الفن بوصفها
صفحة رقم : 2680
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

(8/403)


معبودات بحق. وكان يعيش في المتحف أربع طوائف من العلماء: فلكيين، وكتاب، وعلماء في الطبيعة، وأطباء. وكان هؤلاء كلهم من اليونان، وكانوا جميعا يتقاضون مرتبات من الخزانة الملكية. ولم يكن مهمتهم أن يعلموا الطلاب، بل أن يتوفروا على البحوث والدراسات وإجراء التجارب. ولما تضاعف عدد الطلاب في المتحف في العقود التالية، قام أعضاؤه بإلقاء المحاضرات، ولكنه بقي إلى آخر أيامه معهدا للدراسات الراقية أكثر مما كان جامعة للطلاب. ومبلغ علمنا أنه كان أول مؤسسة أقامتها دولة للعمل على تقدم الآداب والعلوم، وكانت أهم ما أفاده تاريخ الحضارة من البطالمة ومن الإسكندرية.
ومات بطليموس فلدلفس عام 246 بعد حكم طويل قام فيه بكثير من جلائل الأعمال. وكان بطليموس الثالث أورجيتيس Euergetes (المحسن) ملكا من طراز تحتمس الثالث يبغي فتح بلاد الشرق الأدنى. فبدأ بالاستيلاء على سرديس وبابل، ثم واصل زحفه حتى بلغ بلاد الهند، وزعزع كيان الإمبراطورية السلوقية حتى انهارت حين مستها جيوش رومة. ولسنا نريد أن نتتبع حادثات حروبه، لأنها، وإن كانت في تفاصيلها أشبه الأشياء بالرواية التمثيلية، كانت في أسبابها ونتائجها موحشة لا حد لوحشتها؛ وإن تاريخ الحروب إذا قص أصبح تابعا ذليلا لتقلبات القوة والسلطان تلغي فيها الانتصارات والهزائم بعضها بعضا فتجعله تاريخا أجوف لا قيمة له. وحسبنا أن نقول إن برنيس Berenice زوجة أورجيتيس الشابة عبرت عن شكرها لانتصاراته بأن وهبت خصلة من شعرها للآلهة؛ وتغنى الشعراء بهذه القصة، ورفع الفلكيون عقيرتهم بها إلى السماء فسموا إحدى المجموعات النجمية باسم كوما برنيسيز Coma Berenices أي شعر برنيس.
وكان بطليموس الرابع فلوباتر يحب أباه حبا حمله على أن يحذو حذوه في
صفحة رقم : 2681
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> سجل الملوك

(8/404)


حروبه وانتصاراته. ولكنه أحرز النصر على أنتيوخوس الثالث في رافيا (217) باستخدام جيوش مصرية، وكانت هذه أول مرة استخدم فيها البطالمة هؤلاء الجنود؛ فلما أن تسلح المصريون على هذا النحو وشعروا بقوتهم بدءوا يقوضون سلطان اليونان في وادي النيل. وانغمس فلوباتر في اللهو، وقضى كثيرا من الوقت في قارب نزهته، وأدخل عيد البكاناليا في مصر، وكاد يقنع نفسه بأنه من نسل ديونيشس. وقد حدث في عام 205 أن قتلت عشيقته زوجته، ولم يلبث فلوباتر نفسه أن اختفى هو الآخر من التاريخ. وأعقبت موته فترة من الفوضى أوشك فيها فليب الخامس المقدوني وأنتيوخوس الثالث السلوقي أن يمزقا أوصال مصر ويضماها إلى بلادهما، ولكن رومة التي عقد معها بطليموس الثاني معاهدة صداقة-تدخلت في الأمر وهزمت فليب، وأرغمت أنتيوخوس على أن يعجل بالعودة إلى بلاده وبسطت حمايتها على مصر (205).

صفحة رقم : 2682
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> الاشتراكية في عهد البطالة

الفصل الثاني
الاشتراكية في عهد البطالمة

(8/405)


إن أهم ما يعنينا في مصر البطالمة هو تجربتها الواسعة في الاشتراكية الدولية. لقد كانت ملكية الأرض من زمن بيد عادة مقدسة في مصر، وكان لفرعون، بوصفه ملكا وإلها، حق كامل على الأرض وعلى كل ما تنتجه. ولم يكن الفلاح عبدا، ولكنه لم يكن يستطيع أن يترك مكانه إلا بإذن الحكومة، وكان يطلب إليه أن يورد الجزء الأكبر من محصوله إلى الدولة(6). وأبقى البطالمة على هذا النظام ووسعوا نطاقه باستيلائهم على الأراضي الواسعة التي كانت في عهد الأسر الحاكمة السابقة ملكا للأعيان المصريين أو للكهنة. وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين الحكوميين، يؤيدها حراس مسلحون، تدير شؤون أرض مصر كلها كأنها مزرعة حكومية ضخمة(7). وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريبا قطعة الأرض التي ينبغي له أن يزرعها، والمحصولات التي يجب أن ينتجها؛ وكان في وسع الدولة أن تجنده هو ودوابه للعمل في المناجم، وإقامة المباني العامة، والصيد، وشق قنوات الري، وإنشاء الطرق. وكانت محصولاته تكال بمكاييل حكومية؛ ويدون الكتبة مقدارها، وتدرس في أجران الملك، ويحملها الفلاحون أنفسهم إلى مخازن الملك(8). وكان يستثنى من هذا النظام بعض حالات: فقد كان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر، ويؤجرون قطعا من الأرض للجنود يكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات. ولكن هذه الأراضي المستأجرة كانت مقصورة في العادة على المساحات التي يوافق صاحبها على أن يخصصها للكروم، أو البساتين، أو أشجار الزيتون؛ ولم يكن
صفحة رقم : 2683
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> الاشتراكية في عهد البطالة

(8/406)


يسمح له أن يورثها أبناءه أو أن يوصي بها لمن يشاء؛ وكان للملك أن يلغي حق الإيجار متى أراد. ولما تحسنت حال هذه الأرض التي يشترك في ملكيتها الفرد والدولة بفضل جهود اليونان ومهارتهم، بدأ أصحابها يطالبون بأن يكون لهم حق توريثها أبناءهم. وكان العرف لا القانون يجيز هذا التوريث في القرن الثاني، ثم أعترف به القانون في القرن الأول قبل الميلاد(9)، وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة.
وما من شك في أن تطور هذا النظام الاشتراكي الحكومي، قد حدث لأن أحوال الزراعة في مصر كانت تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تهيئه الملكية الفردية، وأن مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي، وكفاية نظام الري والصرف، وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية. وقد عمل المهندسون اليونان الذين استخدمتهم الحكومة على تحسين الأساليب القديمة، واستخدموا في زراعة الأرض وسائل أكثر انطباقا على العلم وعلى الإنتاج الضيق الوفير، فاستبدل بالشادوف "الناعورة" أو "الساقية"، وهي عجلة كبيرة يبلغ طول قطرها أحيانا أربعين قدما تعلق عليها دلاء غير مشدودة على حافتها الخارجية . فإذا وصل الدلو إلى أعلى مكان في العجلة أثناء دورتها مال على قضيب وأفرغ ما فيه من الماء في حوض. وخير من هذه الآلة "لولب أركميديز " ومضخة تسبيوس وهما يرفعان الماء بسرعة لم تكن معروفة قبل عصر البطالمة. وبفضل تركيز الإدارة الاقتصادية في يد الحكومة ونظام السخرة أمكن إقامة المنشآت العامة للتحكم في فيضان النيل، وإنشاء الطرق،
صفحة رقم : 2684
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> مصر والغرب -> الاشتراكية في عهد البطالة

(8/407)


وشق قنوات الري، وتشييد المباني، وتمهيد السبيل للأعمال الهندسية الكبرى التي تمت في أيام الحكم الروماني. وقد جفف بطليموس الثاني بحيرة موريس وحول قاعها إلى مساحة واسعة من الأرض الخصبة وزعها على جنوده، وشرع في عام 258 يعيد فتح القناة التي تصل النيل بالقرب من عين شمس بالبحر الأحمر قرب السويس(11). وكان نخاو ودارا قد حفرا هذه القناة من قبل، ولكن الرمال في كلتا الحالتين طمرها، كما طمرت قناة بطليموس بعد مائة عام من شقها.
وسارت الصناعة وسط ظروف مماثلة لهذه الظروف، فلم تكن الحكومة تمتلك المناجم فحسب، بل كانت تديرها بنفسها أو تستولي على ما يخرج من المعادن(12). واستغل البطالمة رواسب الذهب الغنية في بلاد النوبة، وكانت لهم عملة ذهبية مستقرة؛ وكانوا يسيطرون على مناجم النحاس في قبرص وطورسيناء، ويحتكرون صناعة الزيت-ولم يكونوا يستخرجونه من الأرض، بل كانوا يعصرونه من النبات كبذور الكتان وحب الملوك (الكروتن)، والسمسم؛ وكانت الحكومة تحدد في كل عام مقدار ما يزرع من الأرض بهذه النباتات، وتستولي على المحصول بالثمن الذي تحدده له؛ وتصر الزيت في مصانع تمتلكها الدولة بعصارات من كتل الخشب الضخمة يحركها أقنان الأرض، ثم تبيع الزيت إلى تجار التجزئة بالثمن الذي تريده هي، وتمنع المنافسة الأجنبية بالضرائب الجمركية العالية؛ وكانت أرباحها من هذه العملية تتراوح بين سبعين وثلاثمائة في المائة(13). ويلوح أن الحكومة كانت تجني أرباحا مماثلة لهذا الربح من الملح، والنطرون (كربونات الصودا المستخدمة في صنع الصابون)، والبخور، والبردي، والمنسوجات. وكانت في البلاد مصانع للنسيج يمتلكها الأفراد، ولكنها كانت تضطر إلى بيع كل ما تنتجه إلى الحكومة(14). أما الصناعات الصغرى فقد تركت للأفراد، وكانت الدولة تكتفي بالتصريح بها
صفحة رقم : 2685

(8/408)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية