صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : قصة الحضارة

قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس

التي كانت تسود تماثيل القرن السادس. وقد حذر لوشان الخطباء من أن يكون مسلكهم كمسلك هذه التماثيل العديمة الحياة. فلما أن نحت بيونيوس Paeonius من أهل مندي Mende المقدونية للمسينيين تمثال النصر بعد أن درس فن النحت في أثينة أظهر فيه من الرقة والرشاقة والجمال ما لم يظهره أحد غيره من الفنانين اليونان إلى عهد بركستيليز، وحتى بركستيليز نفسه لم يفقه في تمثيل طيات الثياب المنسدلة على الجسم أو في تمثيل نشوة هذه الحركة .

صفحة رقم : 2220
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس

3- فدياس
كان فدياس وأعوانه بين عامي 447، 438 منهمكين في نحت تماثيل البرتنون وحفر نقوشه. وكما كان أفلاطون كاتبا مسرحيا قبل أن يصير فيلسوفا مسرحيا، كذلك كان فدياس في أول الأمر مصورا، تتلمذ بعض الوقت على بولجنوتس. ويلوح أنه أخذ عنه أساليب التصميم والتأليف بين الوحدات المختلفة والجمع بين الأشكال لإحداث الأثر الكلي للصورة. ولعله أخذ عنه أيضا ذلك "النمط العظيم" الذي جعله أعظم مثال في بلاد اليونان بأجمعها. ولكنه لم يجد في التصوير ما يشبع كفايته لأنه كان في حاجة إلى أبعاد أوسع، فاتجه إلى النحت، ولعله درس فن أجلاداس في صب البرونز وظل يمارسه في صبر وأناة حتى برع في كل فرع من فروعه.
وكان حين فرغ من نحت تمثال أثينة بارثنون في عام 438 قد أصبح شيخا طاعنا في السن، وشاهد ذلك أنه صور نفسه على درعه شيخا أصلع طاف به طائف
صفحة رقم : 2221
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس

(7/427)


الحزن. ولم يكن أحد ينتظر منه أن ينحت بيديه مئات التماثيل التي امتلأ بها فضاء البارثنون، وإفريزه، وقواصره، وكان حسبه أن يشرف على جميع أبنية بركليز ويضع خطط ما يزينها من تماثيل، ثم يعهد إلى تلاميذه، وخاصة إلى الكيمنيز، أن يقوموا هم بتنفيذها. على أنه هو نفسه قد نحت ثلاثة تماثيل لإلهة المدينة تقام في الأكربوليس. وقد كلفه بنحت واحد منها المستعمرون الأثينيون في لمنوس، وكان هذا التمثال من البرونز أكبر قليلا من الحجم الطبيعي، وبلغ من دقته أن كان النقاد اليونان يعدون تمثال أثينة اللمنوسية أجمل تماثيل فدياس كلها بلا استثناء . وثاني هذه التمثيل تمثال أثينة يروماكوس، وهو تمثال برونزي ضخم يمثل الإلهة في صورة المدافعة الحربية عن المدينة. وقد أقيم بين البروبليا Propylaea والإركثيوم Erchtheum، وكان ارتفاعه هو وقاعدته سبعين قدما، وكان دليلا للملاحين وتحذيرا لأعداء المدينة . وأشهر هذه التماثيل الثلاثة تمثال أثينة بارثنوس ويبلغ ارتفاعه ثماني أقدام وثلاثين قدما، وكان مقاما في داخل البارثنون ويمثل أثينة العذراء إلهة الحكمة والعفة. وكان فدياس يريد أن ينحت هذا التمثال الأخير من الرخام، ولكن الشعب أبى إلا أن يكون من العاج والذهب.فاستخدم الفنان العاج للأجزاء الظاهرة من الجسم كما استخدم أربعين وزنة (2545 رطلا) من الذهب لصنع الثياب(32)، ثم زينه بالمعادن الثمينة والنقوش المتقنة البديعة على الخوذة، والحذاءين، والدروع. وقد وضع هذا التمثال بحيث تقع أشعة الشمس مباشرة في يوم عيد أثينة على الثياب الجميلة وعلى وجه العذراء الشاحب بعد
صفحة رقم : 2222
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس

دخولها من أبواب المعبد العظيم .

(7/428)


ولم يكن إتمام هذا التمثال من أسباب سعادة فدياس، لأن بعض ما قدم له من الذهب والعاج لصنعه قد اختفى من محترفه ولم تعرف أسباب اختفائه. وانتهز أعداء بركليز هذه الفرصة السانحة، فاتهموا فدياس بسرقة الذهب والعاج وأدانوه . ولكن أهل أولمبيا شفعوا له وأدوا الكفالة المطلوبة منه وقدرها أربعون؟ وزنة على شريطة أن يذهب إلى أولمبيا ويصنع فيها تمثالا من الذهب والعاج لمعبد زيوس(34). وسرهم أن يقدموا له من العاج والذهب أكثر مما قدم له قبل. وبنوا له ولمساعديه مصنعا خاصا بجوار حرم الهيكل، وكلف أخوه بانينوس Panaenus أن يزين بالصور العرش الذي يجلس عليه التمثال وجدران الهيكل(35). وإذ كان فدياس مولعا بالضخامة، فقد جعل ارتفاع تمثال زيوس الجالس ستين قدما، ولما أن وضع في مكانه في الهيكل شكا النقاد من أن الإله سيخترق سقفه إذا ما بدا له أن يقوم واقفا، ووضع فدياس على "جبيني" الإله الراعد "القائمين" و "غدائره المعطرة" تاجا من الذهب في صورة أغصان شجر الزيتون وأوراقه. ووضع في يد الإله اليمنى تمثالا للنصر صغيرا مصنوعا من الذهب والعاج، وفي يده اليسرى صولجانا مطعما بالأحجار الكريمة، وألبسه ثوبا ذهبيا نقشت عليه الأزهار، ووضع في قدميه خفين من الذهب المصمت. أما عرشه فكان من الذهب، والأبنوس، والعاج. وكان عند قاعدته تماثيل صغيرة للنصر، لأبلو، وأرتميز، ونيوبي، ولصبيان من طيبة اختطفهم أبو الهول (37). وكان الأثر الذي يبعثه في النفس هذا التمثال وتوابعه رائعا قويا
صفحة رقم : 2223
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس

(7/429)


إلى حد جعل الناس ينسجون حوله كثيرا من الخرافات والأساطير. فمن قائل إنه عندما أتمه فدياس طلب أن تطلع عليه من السماء آية تدل على رضائها عن عمله، فأرسلت صاعقة نزلت على الأرض غير بعيدة عن قاعدة التمثال - وهي آية كمعظم الآيات السماوية تقبل عدة تفاسير مختلفة . وعد التمثال من عجائب الدنيا السبع، وكان يحج إليه كل من استطاع الحج ليشاهد الإله المتجسد فيه. ولما فتح إيمليوس بولس Aemilius Paullus القائد الروماني بلاد اليونان ورأى هذا التمثال الضخم استولى عليه الرعب، واعترف أن ما شاهده بعينه قد فاق كل ما كان يصوره له خياله (38). ووصفه ديوكريسوتوم Dio Chrysotom بأنه أجمل تمثال على وجه الأرض، وأضاف إلى قوله هذا ما قاله بيتهوفن في الموسيقى: "إذا وقف أمام هذا التمثال إنسان قد تراكمت عليه الهموم، وتجرع في حياته كأس المصائب والأحزان حتى الثمالة، وطار النوم الحلو من أجفانه، نسي كل ما يصيب الإنسان في حياته من متاعب وأحزان" (39). وقال فيه كونتليان Quintilian: "إن جمال التمثال قد أضاف بعض الشيء إلى دين البلاد، ولقد كان جلاله خليقا بالإله الذي يمثله"(40).
ولسنا نعرف عن أواخر أيام فدياس شيئا موثوقا به. فمن القصص ما يرى أنه عاد إلى أثينة حيث قضى نحبه في السجن(41)، ومنها ما يقول إنه أقام في إليس Elis، وإن هذه المدينة نفسها قد قتلته في عام 432(42). وليست إحدى هاتين القصتين اللتين تتحدثان عن خاتمة فدياس أصدق من أختها. وواصل تلاميذه عمله، وبرهنوا على نجاحه معلما بما أخرجوه من آيات فنية لا تكاد تقل روعة عن آياته هو. فقد نحت أجركريتس Agoracritus أحب تلاميذه إليه تمثالا لنمسيز Nemesis طبقت شهرته الآفاق،
صفحة رقم : 2224
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس

(7/430)


ونحت الكمنيز تمثالا لأفرديتي إلهة الحدائق كان لوشان يضعه في مصاف أرقى ما أخرجه المثالون من آيات فنية(43). وكانت خاتمة مدرسة فدياس في نهاية القرن الخامس، ولكنها تركت فن النحت اليوناني أرقى كثيرا مما كان حين بدأت حياتها الفنية، فقد أشرف الفن بفضل فدياس وأتباعه على الكمال في اللحظة التي بدأت فيها حرب البلوبونيز تنزل بأثينة الخراب. لقد أتقنت هذه المدرسة أصول الفن وقواعده، وفهمت تشريح الجسم، وصبت الحياة والحركة والرشاقة في البرونز والحجر صبا، ولكن العمل الجليل الذي يميز فدياس من غيره من المثالين هو ما أخرجه من طراز في النحت جديد عبر عنه أصدق تعبير، ذلك الطراز السامي أو "الطراز العظيم" كما يسميه ونكلمان. وهو طراز يجمع بين القوة والجمال، والتهور والإحجام، والحركة والسكون، واللحم والعظم مع الروح والعقل. وفي هذا الطراز تمثل الفنانون على الأقل بعد ما بذلوا من جهود دامت خمسة قرون ذلك "الصفاء" الذائع الصيت الذي يعزوه المؤرخون بخيالهم إلى اليونان. وكان في وسع الأثينيين ذوي العاطفة الثائرة الجياشة إذا ما تدبروا تماثيل فدياس أن يروا كيف يقترب الآدميون من الآلهة، وإن يكن ذلك فيما أبدعوا من تماثيل فحسب.

صفحة رقم : 2225
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة

الفصل الرابع
البناءون
1- ارتقاء فن العمارة

(7/431)


تمت سيطرة الطراز الدوري في العمارة على بلاد اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم يبق إلى الآن من الهياكل اليونانية التي شيدت في ذلك العصر الزاهر إلا قليل من الأضرحة الأيونية وأهمها الإركثيوم وهيكل نيكي أبتروس Nike Opteros المقام على الأكربوليس. وبقيت أتكا في ذلك العهد محافظة على الطراز الدوري، فلم تخضع للطراز الأيوني إلا حين كانت تستخدمه في العمد الداخلية للبروبيليا، وفي صنع إفريز حول الثسيوم والبارثنون. ولعل ما يشاهد من نزعة ذلك العصر إلا إطالة العمود وتقليل سمكه عما كان من قبل يدل على أثر آخر من آثار الطراز الأيوني.
وفي آسية الصغرى أشرب اليونان حب الشرقيين للتحلية الدقيقة وعبروا عن هذا الحب بتنميق الدعامات الأيونية المرتكزة على العمد تنميقا فيه كثير من التعقيد، وبإيجاد طراز جديد من هذه الدعامات أكثر زخرفا من الطراز الأيوني يعرف بالطراز الكورنثي. وحدث حوالي عام 430 (حسب رواية فتروفيوس Vitruvius) أن استلفتت نظر مثال أيوني يدعى كلمسكس Callimachus، سلة لتقديم النذور مغطاة بقرميدة، تركتها مربية على قبر سيدتها، وقد نبتت شجيرة أكنتوس حول السلة والقرميدة. وأعجب المثال بالصورة الطبيعية التي أوحت بها إليه السلة وما حولها فعدل
صفحة رقم : 2226
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة

(7/432)


تيجان العمد الأيونية في هيكل كان يشيده في كورنثة بأن أضاف أوراق الأكنتوس إلى الحلي اللولبية (44). ونحن نرجح أن هذه القصة خرافة لا أصل لها، وأن سلة المربية كان أثرها في نشأة الطراز الكورنثي أقل من أثر تيجان العمد المصرية المحلاة بسعف النخيل وأوراق البردي. ولكننا نستطيع أن نقول واثقين إن الطراز الجديد لم ينتشر انتشارا واسعا في بلاد اليونان في عصرها الذهبي، وإن كان إكتينس قد استخدمه في عمود منفرد في ساحة هيكل أيوني في فيجاليا Phigalea، وإن كان استخدم أيضا حوالي آخر القرن الرابع في هيكل أقيم تخليدا لذكرى لسكارتيز Lysicartes. ولم يبلغ هذا الطراز الدقيق أرقى صورة له إلا على يد الرومان المتأنقين في عهد الإمبراطورية.
وكان العالم اليوناني كله يشيد الهياكل في ذلك العهد، وأوشكت المدن أن تفلس في تنافسها لإقامة أجمل التماثيل وأكبر الأضرحة، وأضافت أيونيا إلى مبانيها الضخمة في ساموس وإفسوس هياكل أيونية جديدة في مجنيزيا، وتيوس وبريني، وأقام المستعمرون اليونان في أسوس Assus من أعمال بلاد اليونان الطروادية مزارا لأثينة لا يكاد طرازه يختلف في شيء عن الطراز الدوري العتيق، وشادت كروتونا في الطرف الآخر من بلاد هلاس حوالي عام 480 ق. م بيتا دوريا واسعا لهيرا ظل باقيا إلى عام 1600 م حين ظن أحد الأساقفة أن في مقدوره أن يستخدم حجارته في غرض أنفع من الغرض الذي كانت تستخدمه فيه(45). وأقيمت في القرن الخامس أعظم هياكل بسدونيا (بستم Paestum)، وسجستا Segesta، وسلينس، وأكرجاس، وفيه أيضا أقيم كعبد أسكلبيوس Asclepius في إبدورس. ولا تزال تشاهد في سرقوسة عمد هيكل شاده جيلون الأول Gelon I لأثينة، وقد بقي بعض هذا الهيكل لأنه حول إلى كنيسة مسيحية؛
صفحة رقم : 2227
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة

(7/433)


واختلط إكنتيس في باسيا بالقرب من فيجاليا من أعمال البلوبونيز هيكلا لأبلو يختلف اختلافا عجيبا عن البارثنون آيته الفنية الأخرى. ذلك أن صفوف الأعمدة الدورية تحيط بفضاء يشغله محراب صغير وبهو مكشوف كبير تحيط به أعمدة أيونية. وحول هذا البهو الداخل في مقابل الوجه الداخلي للعمد الأيونية يمتد إفريز لا يقل في رشاقته عن إفريز البارثنون نفسه، ويمتاز عنه في أنه ظاهر تراه العين .
وشاد ليبون Libon المهندس الإبلي في أولمبيا قبل أن يشاد البارثنون بجيل من الزمان مزارا لزيوس دوري الطراز يضارع البارثنون نفسه. وقد أقيمت في كل طرف من أطرافه ستة أعمدة، وثلاثة عشر عمودا في كل جانب من جانبيه، ولعلها قد بلغت من الضخامة حدا لا يتفق مع جمال الشكل، كما أن المادة التي صنعت منها كانت غير خليقة بهذا الأثر الجميل - فهي من الجير الخشن المطلي بالمصيص، أما السقف فقد صنع من القرميد البنتيلي Pentelie . ويحدثنا بوسنياس(46) أن بيونيوس Paeonius وألكمنيز قد نحتا للقواصر أشكالا قوية تمثل على الجانب الشرقي من السقف سباق المركبات بين بلييس وإينوماؤوس Aenomaus، وعلى الجانب الغربي منه صراع اللبيثيين والقناطرة . واللبيثيون، كما تروي الخرافات اليونانية قبيلة جبلية تقيم في تساليا، ولما أن تزوج ملكها برثوس Pirithous بهبوداميا Hippodameia ابنة إينوماؤوس ملك بيزا إحدى مدائن إليس Elis، دعا القناطرة إلى وليمة العرس. وكانت القناطرة تسكن الجبال المحيطة ببليون، ويصورها الفن اليوناني مخلوقات نصفها خيل ونصفها آدميون، ولعلهم
صفحة رقم : 2228
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة

(7/434)


أرادوا بهذا أن يدلوا الناس على طبيعة أولئك الأقوام الوحشية غير المروضة أو يوحوا بأن القناطرة كانوا فرسانا مهرة إلى حد يخيل معه إلى من رآهم أن الفارس هو وفرسه حيوان واحد. وسكر أولئك الفرسان في أثناء الوليمة وحاولوا أن يختطفوا النساء اللبيثيات، لكن اللبيثيين دافعوا عن نسائهم دفاع الأبطال وهزموا القناطرة (ولم يمل الفنانون اليونان تصوير هذه القصة، ولعلهم كانوا يرمزون بها إلى تنظيف الغابات من الحيوانات البرية وإلى الكفاح القائم بين طبيعتي البشر الإنسانية والحيوانية). والأشكال المصورة على القوصرة الشرقية عتيقة الطراز جامدة ساكنة، أما التي على القوصرة الغربية فإن من أصعب الأمور أن يعتقد الإنسان أنها عملت في نفس هذا العصر، ذلك بأنها نشيطة تنبض بالحياة، وتدل على تمكن ناضج من التأليف بين المجاميع. وإن كان بعضها فجا، وإن كان الشعر قد مثل على النمط الذي جرى به العرف في الزمن القديم. أما العروس فذات جمال بارع يثير الدهشة، فهي امرأة نحيفة في غير ضعف، كاملة النمو، جميلة المحيا، جمالا لا نعجب إذا قامت بسببه الحرب بين الطائفتين المتقاتلتين. ونرى قنطروسا ملتحيا يطوق خصرها بذراعه، ويضع إحدى يديه على صدرها، ويوشك أن يختطفها من دار عرسها، ولكن الفنان مع هذا يصورها هادئة الملامح ساكنة سكونا يظن الإنسان معه أنه قد قرأ لسنج Lessing أو ونكلمان، أو أنها ككل الغواني يغرها الثناء عليها والرغبة فيها. وأقل من هذه الصور شأنا وأصغر منها حجما، وإن كانت أحسن منها صقلا، الأجزاء الباقية من جبهة الهيكل، وهي التي تروي بعض أعمال هرقل الأسطوري، فتصور بعضها هرقل يرفع العالم لأطلس. وقد أجاد الفنان في هذا كل الإجادة، فليس هرقل هنا جبارا شاذا مخالفا للمألوف، مفتول العضلات المحيطة بجسمه كأنها قدت من الحجر الصلد، بل هو رجل كامل النمو، متناسق الجسم، وقد وقف أمامه أطلس له رأس لو أنه وضع على كتفي أفلاطون

(7/435)


لزانهما.
صفحة رقم : 2229
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة

وإلى يسارها وقفت إحدى بنات أطلس مكتملة النمو بارعة الجمال الطبيعي الذي أكسبتها إياه صحتها وكمال أنوثتها.
ولعل المصور كان يرمز إلى صورة مرسومة في ذهنه حين صورها تساعد في رقة وظرف الرجل القوي على حمل العالم. إن في مقدور الفنان الإخصائي أن يعثر على بعض أغلاط في التنفيذ وفي التفاصيل الدقيقة عندما يتأمل هذه الجبهة نصف المخربة، لكن الملاحظ الهاوي إذا نظر إلى العروس، وإلى هرقل، وابنة أطلس، يرى أن هذه المجموعة تقرب من الكمال قرب أية مجموعة أخرى في تاريخ النحت البارز.

صفحة رقم : 2230
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

2- إعادة بناء أثينة

(7/436)


تفوق أتكا سائر بلاد اليونان في كثرة ما أقيم فيها من أبنية في القرن الخامس، وفي حسن هذه الأبنية. فهنا نرى الطراز الدوري، الذي يبدو في غيرها منتفخا ضخما، قد اكتسب الكثير من الرشاقة والانسجام الأيونيين، وأضيف اللون إلى الخطوط، والتحلية إلى التناسب. ولقد أقام الذين خاطروا بركوب البحر معبد البسيدن على رأس شديد الخطر عند سنيوم Sunium، بقي منه الآن أحد عشر عمودا. واختط إكتنيس في إلوسيس هيكلا رحبا لدمتر، وقدمت أثينة بناء على نصيحة بركليز ما يلزمه من المال لجعل هذا المعبد خليقا بالحفلات الإلوسيسية. وفي أثينة نفسها شجع الفنانين على مواصلة عملهم وجود الرخام الجيد بالقرب منها في جبل بنتكليس وفي باروس، لأنه أجمل مواد البناء على الإطلاق. وقلما استطاعت الديمقراطية أو رغبت في عهد من العهود، قبل حلول الكارثات الاقتصادية في أيامنا هذه، أن تنفق المال بمثل هذا السخاء على إقامة المباني العامة. فلقد تكلف البارثنون سبعمائة وزنة (000ر200ر4 ريال أمريكي)، وتكلف تمثال أثينة بارثنوس (وقد كان تمثالا ومستودعا للذهب في آن واحد) ما قيمته
صفحة رقم : 2231
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

000ر000ر6 ريال، وتكلف هيكل البروبليا 000ر400ر2 ريال، وأنفقت 000ر000ر18 ريال على مباني أصغر من هذه أقامها بركليز في أثينة وبيرية، و000ر200ر16ريال في إقامة تماثيل وما إليها من أسباب الزينة. وجملة القول أن أثينة خصت من مواردها في الستة عشر عاما الواقعة بين 447، 431 نحو 000ر000ر57 ريال أمريكي للمنشآت العامة والتماثيل والتصوير(47). وكان توزيع هذا المبلغ الضخم بين الصناع، والفنانين، والمنفذين لأعمالهم، والأرقاء، أثر كبير في الرخاء الذي عم أثينة في عهد بركليز.

(7/437)


وفي وسعنا أن نرسم في مخيلتنا صورة غامضة للعوامل التي كانت تستند إليها هذه المغامرة الفنية الجريئة. ذلك أن الأثينيين، بعد أن عادوا من سلاميس، وجدوا أن الفرس لم يكادوا يبقون على شيء من المدينة في أثناء احتلالهم إياها، فقد أحرقوا كل بناء ذي قيمة فيها، وتلك كارثة، إذا لم تقض على السكان كما تقضي على المدينة، تزيد السكان قوة وصلابة، كما أن هذه النيران تطهر المدينة من الأحياء القذرة والمباني غير الصالحة للسكنى، وبذلك تعمل المصادفات ما يحول عناد الإنسان دون عمله، وإذا ما وجد الأهلون الطعام في خلال هذه الأزمنة استطاعوا بجهودهم وعبقريتهم أن ينشئوا مدينة أجمل من المدينة المخربة. ولقد كان الأثينيون بعد الحرب الفارسية أغنياء بجهودهم وعبقريتهم، وضاعفت روح النصر من قوة إرادتهم ومن رغبتهم في الإقدام على جلائل الأعمال، فلم يمض جيل واحد حتى أعيد بناء أثينة، فأقيم فيها بناء جديد لمجلسها، وشيدت فيها دار جديدة للبلدية، ومنازل جديدة، وأروقة جديدة ذات أعمدة، وأسوار جديدة لصد المغيرين وأقيمت أرصفة ومخازن في مرفأ لها جديد. ذلك أن هبودامس Hippodamus الملطي أشهر من خططوا المدائن في الزمن القديم وضع أساس فرضة جديدة مكان بيرية، ووضع هذا الأساس على طراز جديد، فقد استبدل بالفوضى القديمة وبالأزقة الملتوية التي كانت تشق في المدينة على
صفحة رقم : 2232
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

(7/438)


غير نظام شوارع واسعة مستقيمة تتقاطع متعامدة. وشاد فنانون مجهولون على ربوة تبعد عن الأكربوليس بميل واحد ذلك البارثنون الأصغر المعروف بالثسيوم أو هيكل ثسيوس . وملأ المثالون قواصر البناء وواجهاته بالنقوش المحفورة. وأنشئوا له إفريزا فوق الأعمدة الداخلية القائمة على جانبيه. وطلى الرسامون (الكرانيش) والحزوز، والواجهات وإلافريز، كما طلوا بالألوان الزاهية الجدران من الداخل التي لا يدخل إليها إلا قليل من الضوء ينفذ في المربعات الرخامية .
وكان خير ما قام به البناؤون في عصر بركليز هو الأكربوليس، الحاضرة القديمة لحكومة المدينة ودينها، وقد بدأ ثمستكليز تجديده، فاختط هيكلا طوله مائة قدم سمي لهذا السبب "ذا المائة قدم" Hecatompedon. فلما سقط ثمستكليز وقف العمل في بنائه لمعارضة الحزب الألجركي في ذلك، بحجة أنه إذا أريد إقامة بيت للإلهة أثينة لا يكون شؤما على المدينة وجب أن يقام هذا البيت في موضع الهيكل القديم هيكل أثينة بولياس (أثينة المدينة) الذي دمره الفرس. لكن بركليز، الذي لم يكن من طبعه أن يعني بهذه الأوهام، رأى أن يقيم البارثنون في موضع الهكتمبدون وسار في العمل وفقا لهذه الخطة رغم احتجاج الكهنة. وشاد فنانوه على منحدر تل الأكربوليس الجنوبي الغربي بهوا للموسيقى (أوديوم Odeum) يمتاز عن جميع أبهاء أثينة
صفحة رقم : 2233
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

(7/439)


بقبته المخروطية الشكل. وقد أتاح هذا البناء لهجائي بركليز المستمسكين بالقديم فرصة اغتنموها فأخذوا من ذلك الحين يسمون رأس بركليز المخروطي "أودينة Odeion أي بهو غنائه". وأقيم معظم الأوديوم من الخشب فلم يلبث إلا قليلا حتى عدا عليه الدهر. وكانت تقام فيه الحفلات الموسيقية، ويتدرب فيه الممثلون على تمثيل مسرحيات ديونيسس، وتجري فيه كل عام المباريات التي أنشأها بركليز في الموسيقى الصوتية والوترية. وكثيرا ما كان هذا السياسي الذي نبغ في كثير من الأعمال يقوم بالحكم في هذه المباريات.
وكان الطريق الموصل إلى قمة التل في الأيام القديمة ملتويا متدرجا، على جانبيه تماثيل وقرابين الشكر للآلهة. وكان بالقرب من قمة التل مجموعة من الدرج الرخامية العرضة الفخمة تستند إلى بروج على كلا الجانبين. وشاد كلكراتيز فوق البرج الجنوبي أنموذجا مصغرا لهيكل أيوني لأثينة في صورة نيكي أبتروس Nike Apteros أو النصر غير ذي الجناح . وكانت نقوش جميلة (لا يزال بعضها محفوظا في متحف أثينة) تزين الحاجز ذا العمد الصغيرة هي وطائفة من التماثيل تمثل النصر المجنح وتحمل أثينة الغنائم التي جاءت بها من أماكن قاصية. وقد صنعت هذه التماثيل على صورة أجمل تماثيل فدياس، وهي أقل قوة وعنفا من تماثيل الإلهات الضخمة التي في البارثنون، ولكنها أكثر منها رشاقة في حركتها، وأرق منها وأقرب إلى الطبيعة في شكل ملابسها، وتمثال النصر الذي يربط خفيه خليق باسمه لأنه نصر حق للفن اليوناني.
وأقام نسكليز Mnesicles في أعلى سلم الأكربوليس مدخلا ذا خمس
صفحة رقم : 2234
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

(7/440)


فتحات أمام كل واحدة منها رواق ذو عمد دورية من طراز الأبواب الميسينية، ولكنها أكثر منها إحكاما، ومن هذه العمد أخذ الاسم الذي أطلق على البناء كله فيما بعد وهو البروبليا Propylaea أي ما أمام الباب. وكان لكل رواق إفريز ذو واجهة محززة، من فوقه قوصرة. وكان في داخل الممشى طائفة من العمد الأيونية لم يتحرج من شادوها أن يضعوها داخل هذا المحيط الدوري. وزين داخل الجناح الشمالي برسوم من صنع بولجنوتس وغيره من الفنانين، ووضعت فيه لوحات نذور من الأجر أو الرخام، ومن أجل ذلك سميت البناكثكا Pinakotheka أي بهو الرخام. وبقي جناح صغير في الجهة الجنوبية ناقصا، فقد تعطل العمل فيه بسبب الحرب أو بسبب الانتقاض على بركليز، فترك مدخل البارثنون مجموعة مشوهة من القطع الصغيرة المتفرقة الجميلة.
وكان إلى يسار الداخل من هذه الأبواب مزار الإركثيوم ذو الطراز الشرقي العجيب. وهذا أيضا قد أدركته الحرب فلم يتم أكثر من نصفه حين وقعت أثينة في مخالب الفوضى والفاقة على أثر نكبة إيجسبتماي Aegospotamai. وقد بدئ العمل فيه بعد موت بركليز بإيعاز المحافظين الذين كانوا يخشون أن يعاقب البطلان القديمان إركثيوس Erechtheus وسكربس Cecrops هما وأثينة ساكنة الضريح القديم، والأفاعي المقدسة التي كانت تأوي إلى هذا المكان، نقول كانوا يخشون أن تعاقب هذه كلها مدينة أثينة لأنها شادت البارثنون في مكان غير مكانه الأول. وكانت الأغراض المختلفة التي شيد من أجلها البناء هي التي عينت شكله، وقضت على وحدته. فقد خصص أحد أجنحته لأثينة بولياس (أثينة المدينة)، ووضعت فيه صورتها القديمة، وخصص جناح آخر لإركثيوس وبسيدن، ولم يكن يحيط بالمحراب أو جسم المعبد رواق بين أعمدة يضم أجزاءه المتفرقة، بل كان يستند إلى ثلاثة أروقة متفرقة. وكان المدخلان الشمالي والشرقي تسندهما عمد أيونية رفيعة لا تفوقها
صفحة رقم : 2235

(7/441)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة

في جمالها أية عمد أخرى من نوعها . وكان المدخل الشمالي بابا كامل البناء مزينا بأزهار محفورة في الرخام. ووضع في المحراب تمثال أثينة الخشبي البدائي الذي هبط، في اعتقاد الصالحين، من السماء. وهناك كان أيضا المصباح العظيم الذي لا تنطفئ ناره أبدا، والذي صاغه كلمكس، سليني Cellini زمانه، من الذهب المصفى وزينه بأوراق الأكتثوس كتيجان الأعمدة الكورنثية. وكان المدخل الجنوبي هو باب القداري أو الكريتيدات Caryatids الذائع الصيت. وأكبر الظن أن تلك النساء الصابرات كن من نسل حاملات السلال الشرقيات. وفي تراليس Tralles من أعمال آسية الصغرى عمود قديم في صورة امرأة لا يترك مجالا للشك في أن هذا الطراز من العمد شرقي الأصل، وأكبر الظن أنه بابلي. والثياب التي تغطي أجسام العذارى فاخرة، ويدل انحناء الركبة على أنهن مستريحات في وقفتهن، ولكن أولئك الفتيات أنفسهن لا يشعرن الإنسان بأن فيهن من القوة ما يعينهن على حمل ذلك البناء، كما يشعر الإنسان حين ينظر إلى أجمل أنواع الأبنية. لقد كان هذا انحرافا في الذوق أكبر ظننا أن فدياس لم يكن يجيزه قط.

صفحة رقم : 2236
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

3- البارثنون

(7/442)


في عام 447 بدأ إكتنوس ينشئ هيكلا جديدا لأثينة بارثنوس يساعده في ذلك العمل كلكراتيز Callicrates ويشرف عليهما فدياس وبركليز إشرافا عاما. وأنشأ في الطرف الغربي من البناء حجرة لكاهناتها العذارى سماها حجرة "العذارى" Ton Parthenos، ثم استعير هذا الاسم على توالي الزمن فأطلق على البناء كله. واختار إكتنوس لبناء الهيكل رخام جبل بنتكلوس الأبيض المشوب بحبيبات حديدية، ولم يستخدم في بنائه ملاطا، بل نحتت كتل الحجارة وصقلت بحيث تمسك كل كتلة في التي تليها كأن الاثنتين كتلة واحدة، وثقبت صفحات الأعمدة ووضعت في ثقب الصفحة قطعة من خشب الزيتون تصل كلا منها بالأخرى وتدور على التي تحتها حتى يسوى السطحان المتقابلان ويصقلا فلا يكاد يرى فارق بينهما(49). وكان طراز البناء دوريا خالصا وبسيطا بساطة أبنية العصر الذهبي، أما شكله فكان رباعيا لأن اليونان لم تكن تعجبهم الأشكال المستديرة أو المخروطية، ومن أجل هذا لم تكن في العمارة اليونانية عقود وإن يكن المهندسون اليونان على علم بها من غير شك. ولم تكن أبعاد البناء كبيرة فهي 65× 151× 228 قدما، وأكبر الظن أنه كان يسود البناء كله تناسب معين كالتناسب الذي يفرضه قانون بليكليتس، فكانت جميع مقاييسه تتناسب تناسبا معينا مع قطر العمود(50). ففي بسدونيا كان ارتفاع العمود أربعة أمثال قطره، أما هنا فكان الارتفاع خمسة أمثال القطر، وكان هذا الطراز الجديد وسطا بين المتانة الإسبارطية والرشاقة الأتكية. وكان قطر كل عمود يزداد قليلا من قاعدته إلى وسطه (نحو ثلاثة أرباع البوصة) ثم ينقص كلما علا، ويميل نحو مركز بهو الأعمدة. وكان سمك كل عمود في ركن البناء يزيد قليلا على سمك سائر الأعمدة، وكل خط أفقي من قاعدة كل صف ومن الدعامة
صفحة رقم : 2237
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

(7/443)


المرتكزة عليه ينحني إلى أعلى نحو وسط حتى إذا نظر إليه الإنسان من أحد طرفي هذا الخط الذي يظنه مستقيما لم يستطع رؤية طرفه الثاني البعيد عنه. ولم تكن واجهات البناء كاملة التربيع، ولكنها خططت بحيث تظهر لمن ينظر إليها من أسفل كأنها مربعة. ولم تكن هذه الانحناءات كلها إلا تصحيحا دقيقا للخداع البصري، ولولاها لبدت قواعد صفوف الأعمدة منخفضة في وسطها مائلة نحو الخارج. وما من شك في أن هذا الضبط يتطلب قدرا كبيرا من العلم بالرياضيات والبصريات، وأنه كان من المظاهر الهندسية الآلية التي جعلت الهيكل صرحا يجمع بين العلم والفن. فقد كان كل خط مستقيم في البارثنون، كما هو في علم الطبيعة، خطا منحنيا، وكان كل جزء من البناء ينسحب نحو الوسط، كما هو الشأن في التصوير، انسحابا دقيقا بارعا. وقد نشأ من هذا كله نوع من المرونة والرشاقة يخيل إلى الإنسان معه أنه يخلع على الحجارة نفسها حياة وحرية.
وكان فوق العارضة البسيطة (العارضة الراكزة على الأعمدة) سلسلة من الحزوز والأجنبة (ما بين الحزوز) تلي كلتاهما الأخرى. وقد نقشت على الأجنبة الاثنين والتسعين نقوش بارزة تقص مرة أخرى كفاح "الحضارة" و "الوحشية" في حروب اليونان والطرواديين، واليونان والأمزونيات، واللبيثيين والقناطرة (Centaurs)، والجبابرة والآلهة. ولا شك في أن هذه الألواح من صنع فنانين كثيرين يختلفون في مهارتهم، فهي لا تعادل النقوش البديعة التي على إفريز المحراب وإن كانت بعض رؤوس القناطرة لا تقل دقة وجمالا عن صور رمبرانت Rembrandt، وإن كانت هذه الرؤوس قد صنعت من الحجارة. وكان في قواصر السقف الهرمي طائفة من التماثيل المقامة من حجارة منحوتة كبيرة الحجم، وفي القوصرة الشرقية المقامة فوق المدخل، كان يسمح للزائر أن يشهد مولد أثينة
صفحة رقم : 2238
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

(7/444)


من رأس زيوس. وفي هذا المكان يشاهد تمثالا متكئا لثسيوس قوي الجسم جبارا، قادرا على تفكير الفلاسفة وسكون المتحضرين، وتمثالا جميلا لإيريس Iris (وهي هرمس في صدرة نسوية) في ثياب ملتصقة بجسمه ولكنها تلعب بها الريح، لأن فدياس كان يرى أن الريح التي لا تلعب بالثياب نذير سوء.
وهناك أيضا كان تمثال فخم لهيبي Hebe إلهة الشباب التي كانت تصب الرحيق في كؤوس الآلهة الأولمبية، وثلاثة تماثيل رائعة "للأقدار". وكان في الركن الأيسر أربعة رؤوس جياد- تبرق أعينها، وتنخر مناخيرها، وتزبد أفواهها وهي مسرعة في عدوها، تعلن شروق الشمس. وفي الركن الأيمن يسوق القمر للمغيب عربته ذات الجياد الأربعة والرؤوس الثمانية أجمل رؤوس للخيل في تاريخ النحت كله. وفي القوصرة الغربية نرى أثينة تنازع بسيدن السيادة على أتكا. وهناك أيضا كانت خيول، كأنها وضعت لتكفر عن سخافات الإنسان الكثيرة، وكانت هناك تماثيل لأناس متكئين تمثل في فخامتها غير الواقعية نهيرات أثينة الصغيرة. ولعل تماثيل الرجال كانت كثيرة العضلات فوق ما يجب، ولعل تمثيل النساء كانت أكبر مما ينبغي،ن ولكننا نشاهد تماثيل قد تجمعت بحالتها الطبيعية التي تجمعت بها هنا، وقلما نرى تمثيل بهذه الكثرة قد نسقت في ذلك المكان الضيق من قوصرة البناء. ويصفها كنوفا Canova وصفا لا نشك أنه قد غالى فيه فيقول: "إن سائر التماثيل من حجارة أما هذه فمن لحم ودم".
وأجمل من هذه وأكثر منها جاذبية صور الرجال والنساء التي في الإفريز، فهنا نشاهد أشهر النقوش كلها على الإطلاق تمتد إلى مدى 525 قدما في أحد الجدران الخارجية للمحراب، وفي داخل الرواق. وأكبر الظن أن هذه
صفحة رقم : 2239
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

(7/445)


النقوش تمثل فتيان أتكا وفتياتها يقدمن الهدايا وفروض الطاعة للإلهة أثينة في يوم الاحتفال بألعاب الجامعة الأثينية، فترى جزءا من الموكب يتحرك بمحاذاة الجانبين الغربي والشمالي، وجزءا آخر يتحرك بمحاذاة الجانب الجنوبي، ثم يلتقيان في الواجهة الشرقية أمام الإلهة، وهي تقدم في فخر وكبرياء هدايا المدينة وجزءا من مغانمها إلى زيوس وغيره من الآلهة الأولمبية. وهناك أيضا فرسان حسان تتمثل فيهم المهابة والرشاقة فوق خيول أجمل منهم، وعربات تقل طائفة من كبراء المدينة تتبعهم جماعات من العامة تبدو عليهم مظاهر السعادة وهم يسيرون في الموكب رجالا. ونرى فتيات حسانا، وشيوخا هادئين يحملون أغصان الزيتون وصحاف الكعك، ونرى الخدم وعلى أكتافهم أباريق من الخمر المقدسة، ونساء موقرات يحملن إلى الإلهة الأثواب الخارجية التي نسجنها وطرزنها استعدادا لهذا اليوم المقدس وقبل أن يحل بزمن طويل. وترى الأضحية تمشي لتلاقي مصيرها وهي صابرة كالأثوار أو غاضبة عارفة بما ينتظرها من بلاء، وعذارى الطبقات الراقية يأتين بآنية الطقوس والتضحية، وموسيقيين يعزفن على القيثارات أناشيد خالدة لا تسمع لها نغما. وقلما نرى حيوانات أو أناس قد بذل في تكريمها من الفن مثل ما بذل في هذه النقوش، فقد استطاع المثالون بما رسموا وظللوا فيما لا يزيد على بوصتين ونصف بوصة من النقش البارز أن يخدعوا العين فيخيل إليها أن جوادا أو فارسا بعيدا عن الآخر،ن وإن كان أقربها لا يرتفع عن خلفية الصورة أكثر من سائر النقوس(51). ولربما كان من الخطأ أن يكون هذا النقش البديع عاليا لا يستطيع الناظر إليه أن يتأمله في يسر وراحة ويستوعب كل ما فيه من رونق وجمال، وما من شك في أن فدياس كان يعتذر عن هذا وهو يغمز بعينيه بحجة أن الآلهة كانت تستطيع رؤيته، ولكن الآلهة كانت تحتضر وهو ينقش هذه النقوش.
صفحة رقم : 2240

(7/446)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

وكان مدخل الهيكل الداخلي تحت الآلهة الجالسة المنقوشة في الإفريز. وكان داخل هذا الهيكل صغيرا نسبيا لأن معظم الفراغ كانت تشغله صفوف من الأعمدة الدورية التي تحمل السقف وتقسم المحراب إلى صحن وممشيين، وفي الطرف الغربي كان سنا أثواب أثينة الذهبية يذهب بأبصار عبادها، وكان رمحها ودروعها وأفاعيها توقع الرعب في قلوبهم. وكان من خلفها حجرة العذارى تزينها أربعة أعمدة دورية الطراز. وكان في الألواح الرخامية التي تغطي السقف من الصفاء ما يسمح بنفاذ بعض الضوء إلى صحن المحراب، ومن العتمة ما يكفي لمنع الحرارة عنه، هذا إلى أن التقى، كالحب، يصد عن المتقين حر الشمس. وكانت الطنف منقوشة نقشا دقيقا بذل فيه الكثير من العناية، وكانت تعلوها وقايات من الآجر ركبت فيها ميازيب لإزالة مياه الأمطار. وكانت أجزاء كثيرة من الهيكل مطلية بالألوان الزاهية الصفراء والزرقاء والحمراء. فأما الرخام فقد طلي باللونين الزعفراني واللبني، وكانت الخروز وبعض النقوش زرقاء، وكذلك كانت أرضية الإفريز. أما الواجهة فكانت حمراء، وكان كل ما فيها من الصور ملونا(52). وقد فضل اليونان الألوان الناصعة على الألوان الهادئة لأنهم شعب اعتاد جو البحر الأبيض المتوسط ولأن في طاقته أن يتحمل الألوان البراقة، بل هو يفضلها عن الألوان الخفيفة الهادئة التي توائم جو شمال أوربا القاتم. والآن وقد تجرد البارثنون من ألوانه فإنه يبدو أجمل ما يكون في الليل حين تظهر من الفراغ الذي بين العمد مناظر السماء المتغيرة، أو منظر القمر معبود الأقدمين، أو أضواء المدينة النائمة مختلطة بتلألأ النجوم .
صفحة رقم : 2241
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

(7/447)


لقد كان الفن اليوناني أعظم ما أبدعه اليونان، ذلك أن روائعه، وإن لم تقو على مقاومة عوادي الأيام، قد بقى من صورتها وروحها ما يكفي لأن يجعلها نبراسا تهتدي به كثير من البلدان.ولقد كان في هذا الفن أخطاء، شأنه في هذا شأن كل عمل يعمله الإنسان، فقد كانت التماثيل تعنى بالجسم فوق ما يجب أن تعنى به، وقلما كانت تنفذ إلى الروح، فهي تحملنا على الإعجاب بكمالها، لا بالشعور بما فيها من حياة. وكان شكل المباني وطرازها محصورين في حدود ضيقة، وظلت هذه المباني مدى ألف عام متشبثة بالشكل الرباعي البسيط الذي أخذته عن المباني الميسينية ، ولم تكن تبتدع شيئا في غير ميدان الدين، ولم تحاول إلا طرق البناء السهلة، وتجنبت الأساليب الصعبة كالأقواس والقباب، ولعلهم لو أقدموا عليها لوجدوا فيها
صفحة رقم : 2242
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون

ميادين للعمل واسعة. وكانوا يقيمون سقفهم بالطريقة غير الجميلة طريقة العمد الداخلية المقامة بعضها فوق بعض. وكانوا يزحمون داخل هياكلهم بالتماثيل التي لا يتناسب حجمها مع حجم البناء الكلي، وكانت زينتها تنقصها البساطة والتحفظ اللذين يتوقع الإنسان وجودهما في طراز أبنية العصر الذهبي.

(7/448)


على أنه مهما تكن أغلاط ذلك الفن فإنها لا ترجح تلك الحقيقة الماثلة في الأذهان، وهي أن الفن اليوناني قد خلق على طراز أبنية العصر الذهبي. وجوهر هذا الطراز- إذا سمح لنا أن نذكر مرة أخرى موضوع هذا الفصل قبل أن نختمه- من حيث نظامه وشكله هو: التوسط والاعتدال في التخطيط والتصميم والتغيير، والتزيين، والتناسب بين الأجزاء، والوحدة التي تشمله كله، وعلو سلطان العقل دون أن يقضي بذلك على الشعور، والكمال الهادئ الذي يقنع بالبساطة، والسمو الذي لا يدين بشيء إلى انضمامه. ولم يكن لطراز من الأبنية اللهم إلا الطراز القوطي، من الأثر مثل ما كان لهذا الطراز، والحق أن التماثيل اليونانية لا تزال هي المثل الأعلى في فنها، وقد ظلت العمد اليونانية حتى الأمس القريب هي المسيطرة على فنون العمارة تحول دون قيام طرز أخرى أجمل منها وأوقع في النفس. وإن من الخير أنا قد أخذنا نتحرر من سيطرة الفن اليوناني لأن كل شيء، حتى الكمال نفسه، يصبح ثقيلا بغيضا إذا لم يتغير. ولكننا بعد أن يتم تحررنا بزمن طويل سنجد علما وحافزا في هذا الفن الذي كان حياة العقل ممثلة في ذلك الطراز، وهو خير ما أهدته بلاد اليونان إلى بني الإنسان.

صفحة رقم : 2243
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> مقدمة

الباب الخامس عشر
تقدم العلوم

(7/449)


لقد ظهر النشاط الثقافي في عصر بركليز في ثلاثة أشكال رئيسية - هي الفن والتمثيل والفلسفة. وكان الدين الملهم لأولها، وميدان القتال الملهم لثانيها، والتضحية هي الملهمة لثالثها. وإذ كان تنظيم الجماعة الدينية يتطلب وجود عقيدة مشتركة مستقرة، لأن كل دين لا بد أن يتعارض عاجلا أو آجلا مع تيار التفكير الدنيوي السائد المتبدل الذي نطلق عليه بحق اسم تقدم المعرفة. ولم يكن هذا التعارض في أثينة ظاهرا للعين على الدوام، ولم يؤثر في جمهرة الشعب تأثيرا مباشرا، فقد كان العلماء والفلاسفة يواصلون عملهم دون أن يهاجموا العقائد الدينية للشعب مهاجمة صريحة، وكثيرا ما كانوا يخففون من حدة النزاع باتخاذ المصطلحات الدينية القديمة رموزا أو استعارات لعقائدهم الجديدة، ولم يظهر هذا النزاع سافرا ويصبح مسألة حياة أو موت إلا في فترات متفرقة كما حدث حين وجهت التهم إلى أنكساغوراس، وأسبازيا، وديجراس الميلوسي Diogaras of Melos ويوربديز، وسقراط. ولكن النزاع رغم خفائه كان موجودا بحق، وكان تياره يسري في عصر بركليز، وكان من الموضوعات الكبرى التي تشغل الأذهان، كما كان يظهر في صور وأشكال مختلفة قويا تارة وضعيفا تارة أخرى. وأوضح ما كان يسمع في أحاديث السوفسطائيين المتشككة، وفي آراء دمقريطس المادية، وكانت أصداؤه الخفية تتردد في آراء إسكلس الصالحة التقية، وفي زندقة يوربديز وحتى في أقوال أرسطوفان المحافظ المليئة بالهزل وقلة الاحتشام. وظهرت مرة أخرى قوية في محاكمة سقراط وموته. ذلك هو الموضوع الذي تدور حوله الحياة العقلية لأثينة في عصر بركليز.
صفحة رقم : 2244
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة

الفصل الأول
علماء الرياضة

(7/450)


كان العلم الخالص في بلاد اليونان في القرن الخامس لا يزال يسير في ركاب الفلسفة، وكان يدرسه ويعمل على ترقيته رجال فلاسفة أكثر منهم علماء. ولم تكن علوم الرياضة العليا في نظر اليونان أداة عملية بل كانت أداة منطقية، تهدف إلى التركيب الذهني للعالم المعنوي أكثر مما تهدف إلى السيطرة على البيئة المادية الطبيعية.
ويكاد علم الحساب المتداول بين جمهرة اليونان قبل عصر بركليز أن يكون علما بدائيا لم يدخل عليه إلا القليل من الصقل والتهذيب ، فكان يرمز لرقم 1 بشرطة عمودية ولرقم 2 بشرطتين، وبثلاث شرط لرقم 3 وبأربع لرقم 4، وكانت الأعداد 5، 10، 100، 1000، 000ر10 يرمز لها بالحروف الأولى من الكلمات اليونانية التي تسمى بها هذه الأعداد وهي: بنتي Pente، وديكا Deka، وهكتون Hekaton، وكليوي Chilioi، ومريوي Myrioi. ولم يضع علماء الحساب اليونان رمزا للصفر. ومما يدل على أن علم الحساب اليوناني كعلم الحساب عندنا، مصدره بلاد الشرق أنه أخذ عن المصريين النظام العشري فكان اليونان يعدون بالعشرات، وأنه أخذ عن البابليين في علمي الفلك وتقويم البلدان الطريقة الاثني عشرية والستينية فكانوا يعدون في هذين العلمين بالاثني عشرات والستينات، ولا نزال نحن نستخدم هذه الطريقة في الساعات وعلى الكرات الأرضية والخرائط
صفحة رقم : 2245
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة

الجغرافية. ولعل العامة كانوا يستعينون بمعداد لإجراء عمليات الحساب السهلة. أما الكسور الاعتيادية فكانت تسبب لهم عناء شديدا، فكانوا إذا أجروا عملية حسابية تحتوي على كسر اعتيادي بسطه أكبر من 1 حولوا هذا الكسر إلى عدة كسور بسطها كلها 1 فالكسر الاعتيادي 23slash32 مثلا كان يقسم إلى 1slash2 + 1slash8 + 1slash16 + 1slash32 .

(7/451)


وليست لدينا معلومات مدونة عن الجبر عند اليونان قبل التاريخ المسيحي. أما الهندسة النظرية، فكانت من الدراسات المحببة إلى الفلاسفة، ولم تكن تدرس لفائدتها العملية بقدر ما كانت تدرس لفائدتها الذهنية النظرية وما فيها من استدلال منطقي خلاب، وما فيها من دقة ووضوح، وتفكير متتابع ينبني بعضه على بعض. وكانت ثلاث مسائل بوجه خاص تسترعي انتباه هؤلاء العلماء الرياضيين الباحثين فيما وراء الطبيعة، ومما يدل على ما أصبح للمشكلة الأولى من شأن عندهم أن شخصية من شخصيات مسرحية الطيور لأرسطوفان تمثل ميتون Meton تأتي إلى المسرح بمسطرة وفرجار وتعلن أنها سترى النظارة كيف "تحول الدائرة إلى مربع" أي كيف يرسم مربع مساحته تساوي مساحة دائرة معلومة. ولعل هذه المسائل وأمثالها هي التي جعلت الفيثاغوريين المتأخرين يضعون قواعد الأعداد الصماء والكميات غير المتناسبة . كذلك كانت دراسات الفيثاغوريين للقطع المكافئ، والقطع الزائد، والقطع الناقص هي التي مهدت السبيل إلى مؤلف
صفحة رقم : 2246
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> علماء الرياضة

(7/452)


أبولونيوس البرجي Appolonius of Perga في القطاعات المخروطية، وهو المؤلف الذي كان عظيم الشأن في تاريخ العلوم الرياضية(2). وفي عام 440 ق.م. نشر أبقراط الطشيوزي (وهو غير أبقراط الطبيب) أول كتاب معروف في الهندسة النظرية وحل مشكلة تربيع المساحة الكائنة بين قوسين متقاطعين . وفي عام 420 أفلح هيبياس الإليائي Hippias of Elia في تقسيم الزاوية ثلاثة أقسام متساوية بالاستعانة بالمنحني، وحوالي عام 410 أعلن دمقريطس الأبدري على الملأ قوله: "لم يفقني أحد قط ولا المصريون أنفسهم في رسم خطوط حسب شروط معلومة"(4)، وكاد يفلح في تبرير هذا الازدهاء بتأليف أربعة كتب في الهندسة النظرية، ووضع قوانين لمعرفة مساحتي المخروط والهرم(5). وملاك القول أن براعة اليونان في الهندسة قد بلغت من العظمة ما بلغه ضعفهم في الحساب. وكان للهندسة شأن عظيم في جميع نواحي نشاطهم، وحتى فنونهم نفسها قد تدخلت فيها فوضعت أشكالا كثيرة للحلي المنقوشة على خزفهم وأبنيتهم، وحددت النسب بين أجزاء البارثنون ومنحنياته.

صفحة رقم : 2247
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

الفصل الثاني
أنكساغوراس

(7/453)


كان من مظاهر النزاع القائم بين الدين والعلم أن حرمت الشرائع الأثينية دراسة علم الفلك في الوقت الذي بلغ فيه عصر بركليز أعلى درجاته(6). وكان هذا العلم قد خطا خطوته الأولى في بلاد اليونان حين أعلن أنبادوقليس في أكرجاس أن الضوء يستغرق بعض الوقت في انتقاله من نقطة إلى أخرى(7). ثم خطى خطوة ثانية حين أعلن بارمنيدس في إيليا Elea أن الأرض كروية الشكل، ثم قسم هذا الكوكب الأرضي إلى خمس مناطق، وعرف أن القمر يواجه الشمس بجزئه المنير على الدوام(8). ثم قام فيلولوس Philolaus الفيثاغوري في طيبة فخلع الأرض عن عرشها في مركز الكون وأنزلها منزلة كوكب من الكواكب الكثيرة التي تطوف حول "نار تتوسطها" جميعا(9). وجاء لوقيبوس Leucippus تلميذ فيلولوس فقال إن النجوم قد نشأت من الاحتراق المتوهج لمواد "تندفع في مجرى الحركة العالمية للدوامة الدائرية" ومن تجمع هذه المواد وتركزها(10). وقام في أبدرا دمقريطس تلميذ لوقيبوس بعد أن درس العلوم البابلية، فوصف المجرة بأنها مكونة من عدد لا يحصى من النجوم الصغرى، ولخص التاريخ الفلكي بقوله إنه تصادم دوري وتحطيم لعدد لا يحصى من العوالم(11). وفي طشيوز كشف إينوبديز انحراف منطقة البروج(11أ). وجملة القول أن القرن الخامس كان في جميع المستعمرات اليونانية عصر تطور علمي عجيب في زمن يكاد يكون خلوا من الآلات العلمية.
فلما حاول أنكساغوراس أن يقوم بمثل هذه الأعمال في أثينة وجد أن مزاج الأهلين ومزاج الجمعية معاديان للبحث الحر بقدر ما كانت صداقة بركليز
صفحة رقم : 2248
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

(7/454)


مشجعة له. وكان أنكساغوراس قد أقبل على أثينة من كلزميني Chlazomenae حوالي عام 480 ق.م. وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وحبب إليه أنكسيمانس Anaximenes دراسة النجوم إلى حد جعله يقول جوابا عن سؤال وجهه إليه بعضهم عن الغرض من الحياة: "هو البحث عن حقيقة الشمس والقمر والسماء"(12). وأهمل العناية بالثروة التي خلفها له والده وصرف وقته في رسم خريطة للأرض والسماء، وحلت به الفاقة في الوقت الذي رحبت فيه الطبقات في أثينة بكتابه في الطبيعة وعدته أعظم الكتب العلمية التي ظهرت في ذلك القرن.
وكان هذا الكتاب حلقة من سلسلة البحوث العلمية التي قامت بها المدرسة الأيونية، وفيه يقول أنكساغوراس إن العالم كان في بادئ الأمر فوضى أو عماء مكونا من بذور مختلفة الأنواع (Spermata)، يسري فيها فكر (Nous) أو عقل مادي، لطيف، قوي الصلة بأصل الحياة والحركة في الآدميين، وكما أن العقل يصدر الأوامر إلى الفوضى التي تسود أعمالنا، فكذلك أصدر العقل العالمي أمره إلى البذور الأولية فبعث فيها دوامة رحوية ، وهداها إلى طريق نشأة الأشكال العضوية(13). وقسم هذا الدوران البذور إلى الأركان أو العناصر الأربعة - النار، والهواء، والماء، والأرض - وقسم العالم طبقتين دوارتين طبقة خارجية مكونة من "الأثير" وأخرى داخلية مكونة من الهواء. وبسبب هذه الحركة الدوارة العنيفة انتزع الأثير الناري الملتف حول الأرض حجارة من الأرض وأضاءها فكانت نجوما(14). والشمس والنجوم في رأيه كتلة من الصخور حمراء متوهجة أكبر من البلوبونيز مرارا كثيرة(15). وحين تضعف حركتها الدائرية تسقط أحجار الطبقة الخارجية على الأرض فتكون شهبا(16).
صفحة رقم : 2249
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

(7/455)


والقمر جسم صلب متوهج، في سطحه سهول وجبال وأخاديد(17)، يستمد ضوءه من الشمس، وهو أقرب الأجرام السماوية إلى الأرض(18). "ويخسف القمر إذا توسطت الأرض بينه وبين الشمس كما تكسف الشمس إذا توسط القمر بينها وبين الأرض"(19). وربما كانت بعض الأجرام السماوية مسكونة عليها خلائق كالأرض، وعليها "يتكون أناس، وتتكون حيوانات أخرى ذات حياة، ويسكن الناس المدن، ويزرعون الأرض كما نزرعها نحن"(20). وقد نشأ من التكثف المتتابع للطبقة الداخلية أو الغازية من طبقتي كوكبنا سحب، وماء، وتراب، وحجارة. وتنشأ الرياح من رقة الجو الناشئة من حرارة الشمس كما "ينشأ الرعد من تصادم السحب والبرق من احتكاكها"(21). وكمية المادة ثابتة لا تتغير، ولكن الأشكال جميعها تبدأ ثم تزول، وستصبح الجبال في مستقبل الأيام بحارا(22). وينشأ كل ما في العالم من أشياء وأشكال بتجمع أجزاء متماثلة Homoiomeria وفقا لنظام يزداد تحديدا على مدى الأيام(23). وقد ولدت جميع الكائنات العضوية في بادئ الأمر من التراب، والرطوبة، والحرارة، وبذلك نشأ بعضها من البعض الآخر(24). وقد تطور الإنسان أكثر مما تطورت سائر الحيوانات لأن قامته المعتدلة أطلقت يديه فاستطاع بهما أن يمسك الأشياء(25).
وأصبح أنكساغوراس بفضل ما حققه من نتائج - وهي وصفه أساس علم الظواهر الجوية، وتفسير الكسوف والخسوف تفسيرا علميا صحيحا، ووضع فرض معقول لتكوين الكواكب السيارة، وإدراكه أن القمر يستمد نوره من الشمس، وقوله بتطور الحياة الحيوانية والبشرية - أصبح بفضل هذه النتائج كوبرنيق ذلك العصر ودارونه معا. ولعل الأثينيين كانوا يعفون عن هذه الآراء لو أن أنكساغوراس لم يهمل تفسير منشأ عقله ومواهبه فيما فسر من حادثات طبيعية وتاريخية، ولعلهم ظنوا أنه
صفحة رقم : 2250
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

(7/456)


لجأ إلى هذا الصمت، كما لجأ يوربديز في إحدى تمثيلياته إلى "آلة إسقاط الآلهة من السماء" لينجو بها من غضب مواطنيه. ويقول عنه أرسطاطاليس إنه كان يبحث عن العلل الطبيعية لكل شيء. من ذلك أنه جيء لبركليز بكبش ذي قرن واحد في وسط جبهته وقال أحد العرافين إنه نذير من نذر الآلهة، فأمر أنكساغوراس بفتح رأس الحيوان وأظهر للحاضرين أن مخه قد نما في مقدم الجبهة بدل أن يملأ جانبي الجمجمة كلها، فنشأ من نموه على هذا النحو قرن الكبش الوحيد(27). وقد أثار أنكساغوراس مشاعر السذج بتفسير سقوط الشهب على أساس القوانين الطبيعية، وأرجع كثيرا من الشخوص الأسطورية إلى تجسيم المجردات العقلية(28).
وصبر عليه الأثينيون وداروه إلى حين، وكل ما فعلوه به أن أطلقوا عليه لفظ Nous (الفكر- العقل(29)). فلما لم يجد كليون Cleon الذي كان يناقش بركليز في تزعم الشعب وسيلة أخرى يضعف بها خصمه اتهم أنكساغوراس بالإلحاد لأنه وصف الشمس (وكانت لا تزال في نظر الشعب إلها من الآلهة) بأنها كتلة من الحجارة المحترقة، ولم يترك وسيلة يستعين بها على تأييد دعواه إلا اتبعها. وأدين أنكساغوراس رغم دفاع بركليز المجيد عنه . ولم يكن أنكساغوراس راغبا في تعاطي عصير الشوكران السام، ففر إلى لمبسكوس Lampasacus على مضيق الهلسبنت، وأخذ يكسب عيشته بتدريس الفلسفة . ولما ترامى إليه أن الأثينيين حكموا عليه بالإعدام قال: "لقد قضت الطبيعة عليهم وعلي بهذا الحكم من زمن بعيد"(33). ومات بعد بضع سنين من ذلك الوقت في الثالثة والسبعين من عمره.
صفحة رقم : 2251
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

(7/457)


ويرى تأخر الأثينيين في علم الفلك واضحا في تقويمهم، ذلك أنه لم يكن لليونان تقويم عام بل كان لكل دولة تقويم خاص بها، وكانت كل نقطة من النقاط الأربع التي يصح اتخاذها بداية للسنة الجديدة متبعة في مكان ما من بلاد اليونان، وحتى الشهور نفسها كانت تتغير أسماؤها في الدويلات المختلفة، فكان تقويم أتكا يحسب الشهور بمنازل القمر والسنين بأبراج الشمس(34). وإذ كان في كل اثني عشر شهرا قمريا 360 يوما فقط، فقد كانوا يزيدون شهرا على كل سنتين لكي يتفق حساب السنة مع حساب الشمس والفصول(35). وهذا الحساب نفسه يجعل السنة تطول عشرة أيام فوق ما يجب أن تكون، ولذلك وضع صولون النظام الذي يقضي بأن تكون أيام الشهور القمرية 30 يوما و29 يوما بالتناوب مقسمة إلى ثلاثة أسابيع (ديكادوي) في كل أسبوع عشرة أيام (أو تسعة في بعض الأحيان)(36). وتبقى بعد هذا أربعة أيام صححها اليونان بحذف شهر من كل ثمان سنين. وبهذه الطريقة الملتوية التي لا يكاد يدركها العقل وصل اليونان آخر الأمر إلى احتساب السنة 365 يوما وربع يوم .
وحدث في هذه الأثناء تقدم قليل في علم الجغرافية. فقد فسر أنكساغوراس فيضان النيل السنوي تفسيرا صحيحا بقوله إنه ينشأ من ذوبان جليد بلاد الحبشة في فصل الربيع ومن سقوط الأمطار فيها(38). وفسر علماء طبقات الأرض اليونان وجود مضيق جبل طارق بأنه نتيجة لتشقق الأرض من أثر زلزال، كما فسروا وجود جزائر بحر إيجه بأنه ناشئ من انخفاض قاع البحر(39). وقال زنثوس الليدي Zanthus of Lydia حوالي 495 إن البحرين الأبيض المتوسط والأحمر كانا في الزمن القديم متصلين أحدهما بالآخر عند السويس، وسجل إسكلس ما كان
صفحة رقم : 2252
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أنكساغوراس

(7/458)


يعتقده أهل زمانه من أن صقلية قد انفصلت من إيطاليا نتيجة لاضطراب في القشرة الأرضية(40). وارتاد إسكيلاكس الكاري Scylax of Caria (521-485 ق.م) جميع شواطئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ويبدو أن أحدا من اليونان لم يجازف بالقيام برحلة استكشافية كالرحلة التي قام بها هنو Hanno القرطاجي بأسطول مؤلف من ستين سفينة، اخترق به مضيق جبل طارق وسار به نحو 2600 ميل إزاء الساحل الغربي لإفريقية (حوالي 490 ق.م). وكانت خرائط عالم البحر الأبيض المتوسط منتشرة في أثينة في أواخر القرن الخامس. أما الطبيعة فمبلغ علمنا أنها لم تتقدم على أيدي اليونان وإن كانت منحنيات البرثنون تدل على أنهم كانوا يعرفون الكثير عن البصريات. غير أن الفيثاغوريين أعلنوا حوالي عام 450 أبقى الفروض العلمية اليونانية، وهو التركيب الذري للمادة. كذلك وضع أنبادوقليس وغيره من العلماء نظرية نشوء الإنسان وارتقائه من صور للحياة أدنى منه، ووصفوا رقيه البطيء من الهمجية إلى الحضارة(41).

صفحة رقم : 2253
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

الفصل الثالث
أبقراط

(7/459)


لقد كان أهم الحوادث في تاريخ العلوم اليونانية في عصر بركليز نهضة الطب القائم على العقل لا على الخرافة. ذلك أن الطب اليوناني قبل ذلك الوقت حتى في القرن الخامس نفسه كان وثيق الارتباط بالدين إلى حد كبير، وكان كهنة هيكل أسكلبيوس Asclepiusلا يزالون يقومون بعلاج المرضى. وكان العلاج في هذا الهيكل يقوم على خليط من الأدوية التجريبية، والطقوس المؤثرة الرهيبة، والرقى السحرية التي تؤثر في خيال المريض وتطلقه من عقاله، وليس ببعيد أنهم كانوا يلجأون أيضا إلى التنويم المغناطيسي وإلى بعض المخدرات(42). وكان الطب الدنيوي ينافس الطب الديني ويحاول أن يتغلب عليه. وكان أنصار هذا وذاك يعزون منشأ علمهم إلى أسكلبيوس، ولكن الأسكلبيسيين غير الدينيين كانوا يرفضون الاستعانة بالدين في عملهم، ولا يدعون أنهم يعالجون المرضى بالمعجزات، وقد أفلحوا شيئا فشيئا في إقامة الطب على قواعد العقل.
وتطور الطب الدنيوي في بلاد اليونان أثناء القرن الخامس في أربع مدارس كبرى: في كوس ونيدس من مدن آسية الصغرى، وفي كرتونا بإيطاليا، وفي صقلية. وفي أكرجاس اقتسم أنبادوقليس- وهو نصف فيلسوف ونصف رجل معجزات- مفاخر الطب مع أكرون Acron الطبيب المفكر المنطقي(43). وقد وصلت إلينا أنباء مدونة ترجع إلى عام 520 عن طبيب يدعى دمسديز Democedes ولد في كرتونا، ومارس مهنة الطب في إيجينا، وساموس، وسوسة، وعالج دارا والملكة أتسا Atossa، ثم عاد ليقضي آخر أيامه في مسقط رأسه(44). وفي كرتونا أيضا خرجت المدرسة الفيثاغورية أوسع أطباء اليونان شهرة قبل أبقراط،
صفحة رقم : 2254
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

(7/460)


ونعني به ألقميون Alcmaeon الذي يلقبونه الأب الحق للطب اليوناني(45). ولكنه لم يكن في واقع الأمر إلا اسما متأخرا في ثبت طويل من أسماء الأطباء غير الدينيين ضاعت أسماؤهم فيما وراء أفق التاريخ. وقد نشر هذا الطبيب في أوائل القرن الخامس كتابا في الطبيعة Peri Physeos- وكان ذلك هو العنوان المألوف في بلاد اليونان لأي بحث عام في العلوم الطبيعية. ومبلغ علمنا أنه كان أول من حدد من اليونان موضع العصب البصري وقناة أستاخيو ، وشرح الحيوانات، وفسر فسلجة النوم، وقرر أن المخ هو العضو الرئيسي في عملية التفكير، وعرف الصحة تعريفا فيثاغوريا فقال إنها التوافق بين أجزاء الجسم المختلفة(46). وكان أكبر رجال الطب في نيدس هو يوريفرون Euryphron الذي كتب في الطب خلاصة موجزة تعرف باسم الجمل النيدية Cnidian Sentences، وقال عن التهاب البلورا إنه مرض من أمراض الرئتين، وإن الإمساك منشأ الكثير من الأمراض، وذاع صيته لنجاحه في عمليات التوليد(47). وقامت حرب مشئومة بين مدرستي كوس ونيدس لأن النيديين لم يكونوا يحبون ولع أبقراط في أن يقوم "التشخيص" على معرفة طبائع الأمراض، ومن ثم أصروا على وجوب العناية بتصنيف الأمراض كلها تصنيفا دقيقا، وعلاج كل مرض منها بطريقته الخاصة. وتسرب في آخر الأمر، بنوع من العدالة الفلسفية، كثير من الكتابات النيدية إلى المجموعات الطبية الأبقراطية.
ويبدو أبقراط، كما تراه في سيرته الموجزة التي كتبها سويداس Suidas، أعظم أطباء زمانه بلا منازع. وقد ولد في جزيرة كوس في السنة التي ولد فيها دمقريطس، وأصبح الرجلان صديقين حميمين بالرغم من بعد موطنيهما، ولربما كان "للفيلسوف الضاحك" نصيب في توجيه الطب وجهة دنيوية. وكان
صفحة رقم : 2255
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

(7/461)


أبقراط ابن طبيب ونشأ ومارس صناعته بين آلاف المرضى والسياح الذين وفدوا على كوس "لأخذ الماء من عيونها الساخنة". ووضع له معلمه هيرودكس السلمبري Herodicus of Selymbria الأساس الذي بنى عليه فنه بتعويده الاعتماد على نظام التغذية وعلى الرياضة الجسمية أكثر من اعتماده على الأدوية. وذاعت شهرة أبقراط حتى كان من بين مرضاه حكام مثل بردكاس Percdiccas ملك مقدونية، وأردشير الأول ملك الفرس، وفي عام 430 ق.م. استدعته أثينة ليحاول وقف انتشار الطاعون فيها. وأخجله صديقه دمقريطس بأن عاش من العمر مائة عام كاملة، على حين أن الطبيب العظيم مات في الثالثة والثمانين من عمره.
وليس في كل ما كتب في الطب وفي كل ما يمكن أن يكتب فيه ما هو أكثر اختلافا وأقل تجانسا من مجموعة الرسائل التي كانت تعزى في القديم إلى أبقراط. ففيها كتب مدرسية للأطباء، ونصائح لغير رجال الطب، ومحاضرات للطلبة، وتقريرات، وبحوث، وملاحظات، وتسجيلات سريرية (كلينيكية) )لحالات طريفة، ومقالات كتبها سوفسطائيون ممن يهتمون بالناحيتين العلمية والفلسفية في الطب. وكانت الاثنان والأربعون سجلا سريريا هي السجلات الوحيدة من نوعها في السبعة عشر قرنا التي أعقبت ذلك العهد، وكانت أعلى الأمثلة في الأمانة باعترافها أن المرض أو العلاج قد أعقبه الموت في ستين في المائة من الحالات(48). وأربعة لا أكثر من هذه المؤلفات هي التي انعقد إجماع المؤرخين على أنها من كتابات أبقراط:وهي "الحكم" و"الأدلة" و "تنظيم التغذية والعوائد في الأمراض الحادة"، ورسالته "في جروح الرأس". أما ماعدا هذه الأربعة من المؤلفات المعزوة إلى أبقراط فمن وضع مؤلفين مختلفين عاشوا في
صفحة رقم : 2256
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

(7/462)


أوقات مختلفة بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد(49). وفي هذه المجموعة قدر غير قليل من السخف والهذيان، ولكن أكبر الظن أنه ليس أكثر مما سيجده علماء المستقبل في رسائل هذه الأيام وتواريخها. وكثير من المعلومات التي في هذه الكتب والرسائل شذرات متفرقة، موضوعة في صورة حكم وقواعد مفككة تقترب بين الفينة والفينة من الغموض الذي يلازم كتابات الفيلسوف هرقليطس. ومن بين "حكم" أبقراط تلك العبارة الذائعة الصيت: "الفن طويل، ولكن الوقت يمر مر السحاب"(50).
وأكبر فضل لأبقراط وخلفائه أنهم حرروا الطب من الدين والفلسفة. نعم إنهم يشيرون في بعض الأحيان بأن يستعين المريض بالصلاة والدعاء، كما نرى ذلك في كتاب "التنظيم"، ولكن النغمة السارية في صفحات المجموعة كلها هي وجوب الاعتماد الكلي على العلاج الطبي. وتهاجم رسالة "المرض المقدس" صراحة النظرية القائلة بأن الأمراض ترسلها الآلهة، ويقول مؤلفها إن للأمراض جميعها عللا طبيعية بما في ذلك الصرع نفسه الذي يفسره الناس بأنه تقمص الشيطان جسم المريض : "وما زال الناس يعتقدون بأنه من عند الآلهة، لعجزهم عن فهمه... ويتوارى المشعوذون والدجالون وراء الخرافات ويلجأون إليها لأنهم لا يجدون علاجا ناجعا لهذا الداء، ومن أجل هذا يطلقون عليه اسم المرض المقدس حتى لا ينكشف للناس جهلهم الفاضح"(51) وكانت روح العصر البركليزي تتمثل أوضح تمثيل في عقلية أبقراط، فقد كان واسع الخيال ولكنه واقعي، يكره الخفاء، ولا يطيق الأساطير، يعترف بقيمة الدين ولكنه يكافح لفهم العالم على أساس العقل والمنطق. وإنا لنحس بأثر السوفسطائيين في الحركة التي تهدف إلى تحرير الطب، والحق أن الفلسفة قد أثرت في طرق العلاج اليونانية تأثيرا بلغ من قوته أن قام النزاع بين العلم والفلسفة كما قام بينه وبين العقبات التي يضعها الدين في سبيله. ويقول أبقراط، ويصر
صفحة رقم : 2257

(7/463)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

على قوله، إن النظريات الفلسفية لا شأن لها بالطب ولا موضع لها فيه، وإن العلاج يجب أن يقوم على شدة العناية بالملاحظة(52) وعلى تسجيل كل حالة من الحالات وكل حقيقة من الحقائق تسجيلا دقيقا. ولسنا ننكر أنه لم يدرك كل الإدراك قيمة التجارب العلمية، ولكنه كان يصر على أن يهتدي في جميع أعماله بالخبرة والتجربة العلمية.
وفي وسعنا أن نتبين ما تلوث به الطب الأبقراطي في منشئه من عدوى الفلسفة بالنظر إلى عقيدة "الأخلاط" المشهورة. يقول أبقراط: إن البدن يتكون من الدم، والبلغم، والصفراء، والصفراء السوداء، وإن الإنسان يستمتع بالصحة الكاملة إذا امتزجت فيه هذه الأركان (العناصر) بنسبها الصحيحة، وإن الألم ينشأ من نقص بعض هذه "الأخلاط" أو زيادتها أو انفصالها عن الأخلاط الأخرى(53). وقد بقيت هذه النظرية وعاشت بعد زوال جميع الفروض الطبية القديمة، ولم يتخل عنها الناس إلا في القرن الماضي، ولعلها لا تزال باقية في صورة أخرى هي عقيدة الأنوار (الهرمونات) أو إفرازات الغدد، التي يقول بها الأطباء في هذه الأيام. وإذ كان اليونان يعتقدون أن سير هذه الأخلاط يتأثر بالجو والطعام، وإذ كانت أكثر الأمراض انتشارا في بلاد اليونان هي أمراض البرد، وذات الرئة، والملاريا، فقد كتب أبقراط (؟) رسالة موجزة في "الأهوية، والمياه، والأماكن" وعلاقتها بالصحة، وفيها يقول: "في وسع الإنسان أن يعرض نفسه للبرد وهو واثق من أنه لن يصيبه منه سوء، إلا إذا فعل ذلك بعد الأكل أو الرياضة... وليس من الخير للجسم ألا يتعرض لبرد الشتاء"(54). وليس لنا أن نستخف بأقوال أبقراط وأتباعه هذه لأن من واجب الطبيب العلمي، أيا كان مستقره، أن يدرس الرياح، والفصول، وموارد ماء الشرب، وطبيعة الأرض، وأثر هذه العوامل كلها في السكان.
والتشخيص أضعف النقط في طب أبقراط. فقد يبدو أنه لم يكن يعنى

(7/464)


صفحة رقم : 2258
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

بقياس النبض، وكانت الحمى تعرف باللمس البسيط كما كان الاستماع يحدث بالأذن مباشرة. وكان يؤمن بالعدوى في أحوال الجرب، والرمد، والسل(55). وفي كتابه عن (الجسم Corpus) صور إكلينيكية كثيرة للصرع، والتهاب الغدة النكفية الوبائي، وحمى النفاس، والحمى اليومية، وحمى الثلث، وحمى الربع. ولم يرد في المجموعة ذكر للجدري أو الحصباء، أو الخناق (الدفتريا) أو الحمى القرمزية أو الزهري، كما لم يرد فيه ذكر صريح للتيفود(56). وتنزع رسائل : "التنظيم" نحو الطب الوقائي بدعوتها إلى دراسة أحوال الداء في أول ظهوره- وهي محاولة لمعرفة أولى علامات المرض والقضاء عليه قبل أن يستفحل(57). وكان أبقراط شديد الولع بمعرفة العواقب في الطب ويرى أن الطبيب الماهر يعرف بتجاربه نتائج أحوال الجسم المختلفة، وفي مقدوره أن يتنبأ بسير المرض من مراحله الأولى. ويقول إن معظم الأمراض تصل إلى مرحلة يقضى فيها إما عليها وإما على المريض ذاته، وإن تقديره الحسابي- الذي يكاد يبلغ في دقته الحساب الفيثاغوري- الذي يصل فيه المرض إلى أشد حالاته لمن أخص خصائص النظرية الأبقراطية. وهو يقول في هذا المعنى أنه إذا استطاعت حرارة الجسم في هذه الأزمات أن تتغلب على سبب العلة وتطرده من الجسم شفي المريض. ويقول إن الطبيعة- أي قوى الجسم وبنيته- هي أهم علاج لكل مرض أيا كان نوعه، وإن كل ما يستطيع الطبيب أن يفعله هو أن يقلل أو يزيل العقبات القائمة في طريق هذين الدفاع والشفاء الطبيعيين. ولهذا فإن الطريقة الأبقراطية لا تستخدم العقاقير في العلاج، وأكثر ما تعتمد عليه هو الهواء النقي، والمقيئات، والأقماع، والحقن الشرجية، والحجامة، والإدماء، والكمادات، والمراهم، والتدليك، والمياه المعدنية. ومن أجل ذلك كان دستور الأدوية اليوناني جد صغير يتكون معظمه من المسهلات. وكانت أمراض الجلد

(7/465)


تعالج بالحمامات الكبريتية، وبالتدليك بدهن كبد
صفحة رقم : 2259
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

الدلفين(58). ويسدي أبقراط للناس هذه النصيحة: "عش عيشة صحية تنج من الأمراض إذا انتشر في البلد وباء أو أصابتك حادثة. وإذا مرضت ثم اتبعت نظاما صالحا في الأكل والحياة أتاح لك ذلك أحسن الفرص للشفاء" (59). وكثيرا ما كان يوحي بالصوم إذا سمحت بذلك قوة المريض لأنه "كلما أكثرنا من تغذية الأجسام المريضة زدنا بذلك تعريضها للأذى"(60). ويمكن القول بوجه عام إن "الإنسان يجب ألا يتناول إلا وجبة واحدة من الطعام في اليوم إلا إذا كانت معدته شديدة الجفاف"(61).
وكان تقدم علمي التشريح ووظائف الأعضاء في بلاد اليونان بطيئا، وكان أكبر العوامل فيما أحرزاه من تقدم هو الفحص عن أحشاء الحيوانات في عملات العرافة. وفي المجموعة الأبقراطية كراسة صغيرة "في القلب" تصف البطينين، والأوعية الكبرى، وصماماتها. وكتب سينيسس Syennesis القبرصي وديوجين الكريتي يصفان الجهاز الدموي، وعرف ديوجين أهمية النبض(62). كذلك عرف أنبادوقليس أن القلب مركز الجهاز الدموي، ووصفه بأنه العضو الذي يحمل النيوما Pneuma أو الهواء الحيوي (الأوكسجين؟) من الأوعية الدموية إلى جميع أجزاء الجسم(63). وفي كتاب الجسم Corpus يحذو أبقراط حذو القيمون فيجعل المخ مركز الشعور والتفكير ويقول: "وبه نفكر، ونبصر، ونسمع، ونميز القبيح من الجميل والغث من الثمين"(64).
أما الجراحة فكانت لا تزال في معظم الأحوال عملا لا يتخصص فيه الطلاب، ويشتغل به كبار الأطباء، وإن كان من الموظفين في الجيوش جراحون(65). وتصف مؤلفات أبقراط عملات التربنة، والطريقة التي تصفها لعلاج انخلاع الكتف أو الفك "حديثة" في كل شيء عدا استخدام المخدرات(66).

(7/466)


وقد وجدت في هيكل إسكلبيوس بأثينة لوحة نذور نقشت عليها علبة تحتوي مباضع ذات أشكال مختلفة(67). ويحتفظ متحف أثينة الصغير بعدد من
صفحة رقم : 2260
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

الملاقط، والمسابر، والمباضع، والقناطر، والنظارات الطبية القديمة لا تختلف في جوهرها عن أمثالها المستحدثة في هذه الأيام. ويبدو أن بعض ما هنالك من تماثيل هي نماذج أعدت لشرح الوسائل التي تتبع لرد الخلع في مفاصل العجز(68). وفي رسالة أبقراط "في الطب" تعليمات مفصلة لتحضير حجرة العمليات الجراحية وتنظيم ما فيها من ضوء طبيعي وصناعي، وتنظيف اليدين، والعناية بآلات الجراحة وطريقة استخدامها، وموضع المريض، وتضميد الجروح وما إلى ذلك(69).

(7/467)


ويتضح من هذه الفقرات وغيرها أن الطب اليوناني في عهد أبقراط قد تقدم تقدما عظيما من الناحيتين الفنية والاجتماعية. لقد كان الأطباء اليونان قبل أيامه ينتقلون من مدينة إلى أخرى كلما دعتهم الحاجة إلى الانتقال، شأنهم في هذا شأن السوفسطائيين في أيامهم والوعاظ في أيامنا نحن. أما في عهده فقد استقروا في مدنهم وافتتحوا مكاتب أو "أمكنة للعلاج Iatria" يعالجون فيها المرضى تارة ويعالجونهم في منازلهم(70)تارة أخرى. وكثرت عندهم الطبيبات، وكن يستخدمن عادة في علاج أمراض النساء، وقد كتب بعضهن رسائل في العناية بالجلد والشعر تعد حجة في موضوعاتها(71). ولم تكن الدولة تحتم على من يريد ممارسة الطب أن يؤدي امتحانا عاما، ولكنها كانت تطلب إليه أن يقدم لها أدلة مقنعة على أنه قد تمرن أو تتلمذ على طبيب معترف به(72). ووفقت حكومات المدن بين الطب المأمم والطب الخاص باستخدام أطباء للعناية بالصحة العامة، ولعلاج الفقراء. وكان أكبر أطباء الدولة هؤلاء، أمثال دموسيدز Democedes يتقاضون وزنتين (000ر12 ريال أمريكي) في العام(73). وكان عندهم بطبيعة الحال دجالون كثيرون، كما كان عندهم عدد لا يحصى من الهواة الذين يدعون العلم بكل شيء في الطب، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان. ولقد قاست المهنة في تلك الأيام، كما تقاسي في كل جيل من الأجيال، الأمرين من أعمال أقلية فيها خربة الذمة، عاجزة عن القيام
صفحة رقم : 2261
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

بواجبها(74)، وثأر اليونان لأنفسهم، كما ثأر غيرهم من الأمم، من عدم وثوقهم بأطبائهم بما كالوه لهم من السخرية والفكاهة اللاذعة، التي لا تقل عن سخرياتهم من الزواج.

(7/468)


وقد رفع أبقراط من شأن هذه المهنة بتوكيده شأن الأخلاق في الطب، ذلك أنه لم يكن طبيبا فحسب بل كان طبيبا ومدرسا معا، وربما كان القسم الشهير الذي يعزى إليه قد وضع لضمان ولاء طالب الطب لأستاذه .
قسم أبقراط
"أقسم بأبلو الطبيب، وبأسكلبيوس، وبهجيائيا Hygiaea وباناسيا Panacea وبجميع الآلهة والإلهات، وأشهدها جميعا على ، أن أنفذ هذا القسم وأوفي بهذا العهد بقدر ما تتسع له قدرتي وحكمتي، وأن أضع معلمي في هذا الفن في منزلة مساوية لأبواي، وأن أشركه في مالي الذي أعيش منه، فإذا احتاج إلى المال اقتسمت مالي معه، وأقسم أن أعد أسرته إخوة لي، وأن أعلمهم هذا الفن إذا رغبوا في تعلمه، من غير أن أتقاضى منهم أجرا أو ألزمهم باتفاق، وأن ألقن الوصايا والتعاليم الشفوية وسائر التعاليم الأخرى لأبنائي، ولأبناء أستاذي، وللتلاميذ المتقاعدين الذين أقسموا يمين الطبيب، ولا ألقنها لأحد سواهم. وسوف أستخدم العلاج لأساعد المرضى حسب مقدرتي وحكمتي، ولكن لا أستخدمه للأذى أو لفعل الشر. ولن أسقي أحدا السم إذا طلب إلي أن أفعل هذا، أو أشير بسلوك هذا السبيل. كذلك لن أعطي امرأة صوفة لإسقاط جنينها، ولكني سأحتفظ بحياتي وفني كليهما طاهرين مقدسين، ولن أستعمل المبضع ولو كنت محقا في استعماله، لمن يشكو حصاة، بل أتخلى عن مكاني لمن يحذقون
صفحة رقم : 2262
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

(7/469)


هذا الفن. وإذا دخلت بيت إنسان أيا كان، فسأدخله لمساعدة المرضى، وسأمتنع عن كل إساءة مقصودة أو أذى متعمد، وسأمتنع بوجه خاص عن تشويه جسم أي رجل أو أية امرأة، سواء كانا من الأحرار أو من الأقرباء. ومهما رأيت أو سمعت في أثناء قيامي بفروض مهنتي، وفي خارج مهنتي في خلال حديثي مع الناس، إذا كان مما لا تجب إذاعته، فلن أفشيه، وسأعد أمثال هذه الأشياء أسرارا مقدسة. فإذا ما ألزمت نفسي بإطاعة هذا القسم ولم أحنث فيه، فإني أرجو أن أشتهر مدى الدهر بين الناس جميعا بحياتي وبفني، أما إذا نقضت العهد وحنثت بالقسم فليحل بي عكس هذا"(76).
ويضيف أبقراط إلى هذا أن من واجب الطبيب أن يحتفظ بحسن مظهره الخارجي، وأن ينظف جسمه ويتأنق في ملبسه. ويجب عليه أن يكون هادئا على الدوام، وأن يكون سلوكه بحيث يبعث الثقة والاطمئنان في نفس المريض(77) ، ويجب عليه:
"أن يعنى بمراقبة نفسه، و... وألا يقول إلا ما هو ضروري... وإذا دخلت حجرة مريض فتذكر طريقة جلوسك، وكن متحفظا في كلامك، معتنيا بهندامك، وصريحا حاسما في أقوالك، موجزا في حديثك، هادئا... ولا تنس ما يجب أن تكون عليه أخلاقك وأنت إلى جانب فراش المريض... واضبط أعصابك، وازجر من يقلقك، وكن على استعداد لفعل ما يجب أن يفعل... وأوصيك ألا تقسو على أهل المريض، وأن تراعي بعناية حال مريضك المالية، وعليك أيضا أن تقدم خدماتك من غير أجر، وإذا لاحت لك فرصة لأن تؤدي خدمة لإنسان غريب ضاقت به الحال، فقدم له معونتك كاملة، ذلك أنه حيث يوجد حب الناس يوجد أيضا حب الفن"(78). وإذا أضاف الطبيب إلى هذا دراسة الفلسفة والعمل بها، كان هو المثل الأعلى لأبناء مهنته لأن "الطبيب الذي يحب الحكمة لا يقل عن الآلهة في شيء"(79).
صفحة رقم : 2263
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> تقدم العلوم -> أبقراط

(7/470)


وبعد فإن الطب اليوناني لا يرقى رقيا جوهريا عما كانت تعرفه مصر عن الطب وعن الجراحة قبل عصر آباء الطب المختلفين بألف عام، وإذا ما نظرنا إلى التخصص بدا لنا أن ما وصل إليه اليونان فيه أقل مما وصل إليه المصريون. على أننا يجب من الناحية الأخرى أن نجل اليونان ولا نبخسهم حقهم، لأن الطب من ناحيته النظرية والعملية قد بقى حتى القرن التاسع عشر عند الحد الذي أوصله إليه اليونان. وجملة القول أن العلوم اليونانية قد بلغت الدرجة التي ينتظر الإنسان أن يبلغها علم من العلوم من غير الاستعانة بآلات دقيقة للرصد والملاحظة، ومن غير التجارب العلمية. ولولا العقبات التي أقامها في طريقه الدين والفلسفة لكان له شأن أعظم من شأنه هذا، فقد حدث في الوقت الذي كان فيه كثيرون من الشبان في أثينة يتحمسون لدراسة الفلك والتشريح المقارن، أن حالت التشريعات الرجعية الجاهلة دون تقدم العلوم، وكانت سببا في اضطهاد أنكساغوراس، وأسبازيا، وسقراط. وكذلك كان "تحول" سقراط والسوفسطائيين عن دراسة العالم الخارجي إلى دراسة العالم الداخلي، ومن الطبيعة إلى علم الأخلاق، كان هذا التحول سببا في تحويل التفكير اليوناني من مشاكل الطبيعة والنشوء والتطور إلى مشاكل ما وراء الطبيعة والأخلاق. وظل العلم واقفا لا يتحرك مائة عام كاملة خضع فيها اليونان لسحر الفلسفة ومفاتنها.

صفحة رقم : 2264
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون

الباب السادس عشر
النزاع بين الفلسفة والدين
الفصل الأول
المثاليون

(7/471)


كان عصر بركليز شبيها بعصرنا هذا في تنوع أفكاره واضطرابها، وفي تحديه لجميع المعايير والعقائد التقليدية القديمة، ولكن ما من عصر من العصور يضارع عصر بركليز في كثرة آرائه الفلسفية وعظمتها أو في غزارتها وفي القوة التي كانت تناقش بها. فقد كانت كل المسائل التي يضطرب بها العالم اليوم تدور على ألسنة الناس في أثينة القديمة، يناقشها الناس بحرارة وحماسة روعت جميع اليونان ما عدا شبابهم. وقد حرمت كثير من المدن - وخاصة إسبارطة - أن يبحث الجمهور المسائل الفلسفية بسبب ما كانت تثيره من "حقد، ونزاع، وجدل عقيم" على حد قول أثنيوس. ولكن "بهجة" الفلسفة "العزيزة" كانت تستحوذ على خيال الطبقات المتعلمة في أثينة، فكان أغنياء المدينة يفتحون أبواب بيوتهم وأبهائهم للباحثين كما كان يحدث في عهد الاستنارة في فرنسا، وكانت الولائم تولم للفلاسفة، والبحوث الطريفة يصفق لها كما يصفق للضربات القوية في الألعاب الأولمبية.
ولما أن أضيفت حرب السيوف إلى حرب الألفاظ في عام 432، استحال هياج العقول الأثينية إلى حمى احترق فيها كل ما كانت تتصف به تلك العقول من اعتدال وحكمة. وخبت نار هذه الحمى بعض الوقت بعد استشهاد سقراط
صفحة رقم : 2265
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون

أو بالأحرى توزعت من أثينة على غيرها من مراكز الحياة اليونانية. وحتى أفلاطون نفسه الذي عرف ما بلغته هذه الحمى وما أدت إليه من أزمات استنفدت قواه بعد أن دامت هذه الحال الجديدة ستين عاما كاملة، وكان يحسد مصر على إيمانها الديني واستقرار أفكارها وهدوئها. ولم يشهد عصر من العصور المقبلة إلى أن حل عصر النهضة ما شهده هذا العصر من حماسة في التفكير وقوة في النقاش.

(7/472)


وكان أفلاطون يمثل أعلى منزلة وصلت إليها الحركة التي بدأت ببارمنيدس، وكان لها بمثابة هجل Hegel لكانت Kant، ومع أنه لم يكن يتورع عن التنديد بآراء الفلاسفة، فإنه لم ينقطع يوما ما عن تعظيم أبيه الميتافيزيقي. وفي بلدة إيليا الصغيرة القائمة على ساحل إيطاليا الغربي نشأت في عام 450 ق.م الفلسفة المثالية التي أثارت في كل قرن من القرون المقبلة حربا شعواء على المادية ، وقذفت في بوتقة التفكير الأوربي مشكلة المعرفة الغامضة العجيبة، ومشكلة الفرق بين الظاهر من جهة وما لا يعرف ولا يمكن أن يعرف من جهة أخرى، وبين الحقيقي غير المنظور والمنظور غير الحقيقي، وظلت هذه الأفكار تغلي أو تغطمط طوال تاريخ اليونان القديم وفي أثناء العصور الوسطى حتى انفجرت مرة أخرى في عصر كانت وعلى يديه وأضحت ثورة فكرية عارمة.
وكما أن هيوم Hume قد أيقظ "كانت"، كذلك كان أكسانوفان Xenophanes هو الذي دفع بارمنيدس إلى الاشتغال بالفلسفة، ولعل عقل بارمنيدس كان واحدا من عقول كثيرة أثارها قول أكسانوفان إن الآلهة ليست إلا أساطير، وإنه لا توجد إلا حقيقة واحدة هي العالم والله جميعا. كذلك درس بارمنيدس مع الفيثاغوريين وسرى فيه شغفهم بعلم الفلك، ولكنه لم يضل في بيداء النجوم،
صفحة رقم : 2266
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون

(7/473)


بل كان كمعظم فلاسفة اليونان يهتم بالشئون الحية ومنها شئون الدولة. وقد كلفته إيليا أن يضع لها قوانينها، فلما وضعها أعجبت به إعجابا جعلها تطلب إلى جميع قضاتها أن يحكموا في جميع القضايا بمقتضاها(3). ولعله أراد أن يرفه عن نفسه في حياته المفعمة بالعمل، فأنشأ قصيدة فلسفية في الطبيعة بقي منها إلى الآن نحو مائة وستين بيتا تكفي لأن نأسف لأن بارمنيدس لم يكتب نثرا. وفي هذه القصيدة يعلن الشاعر، وهو يغمز بعينه، أن إلهة قد أوحت إليه أن الأشياء جميعها وحدة، وأن الحركة، والتغير، والنمو، أشياء غير حقيقية، فهي خيالات لمشاعر سطحية، متعارضة تافهة، وأن من وراء هذه المظاهر وحدة، متجانسة لا تتبدل، ولا تنقسم، ولا تتحلل، ولا تتحرك، وهي وحدة الكائنات، والحقيقة التي لا حقيقة سواها، والإله الذي لا إله غيره. لقد كان هرقليطس يقول إن كل شيء يتغير Panta Rei أما بارمنيدس فيقول إن الأشياء بأجمعها كل واحد أبدا Hen Ta Panta. وهو في بعض الأحيان يقول كما يقول أكسانوفان إن هذا الواحد هو الكون، ويصفه بأنه شبه كرى ومحدود، وكان في بعض الأحيان حين ينظر إليه نظرة فكرية مجردة يرى أن هذا الكائن هو الفكر ويقول: "إن الفكر والكون شيء واحد"(4). وكأنه يريد بهذا أن يفهمنا أن الأشياء لا وجود لها في إدراكنا، وأن البداية والنهاية، والمولد والموت، والتكوين والتدمير، لا تصيب إلا الأشكال والصور، أما الواحد الحق فلا بداية له ولا نهاية، وليس ثمة صيرورة، وليس ثمة إلا وجود، وأن الحركة أيضا غير حقيقية لأنها تفترض انتقال شي من المكان الذي هو فيه إلى مكان لا يوجد فيه شي أي إلى الفراغ، ولكن الفراغ الذي هو غير كائن لا يمكن أن يكون، إذ ليس ثمة فراغ قط، لأن الواحد يملأ كل ركن وكل شق في العالم، وهو ساكن سكونا سرمديا .
صفحة رقم : 2267
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون

(7/474)


ولم يكن ينتظر بطبيعة الحال أن يستمع الناس إلى هذه الأقوال كلها وهم صابرون، ويبدو أن السكون البارمنيدي كان الهدف الذي صوبت إليه مئات من الهجمات الميتافيزيقية. وترجع أهمية زينون الإليائي الحصيف تلميذ بارمنيدس إلى محاولته إثبات أن فكرتي التعدد والحركة كانتا من الوجهة النظرية على الأقل مستحيلتين كاستحالة واحد بارمنيدس الثابت القديم الحركة - وأراد زينون أن يدرب نفسه على الضلال والمشاكسة، وأن يسلي شبابه في الوقت نفسه، فألف كتابا في المتناقضات وصلت إلينا تسع منها، حسبنا أن نورد منها ثلاثا: وأولى هذه المتناقضات كما يقول زينون أن الجسم لكي يتحرك إلى نقطة أ لا بد أن يصل إلى ب وهي منتصف طريقه إلى أ، ولكي يصل إلى ب يجب أن يصل أولا إلى ج منتصف طريقه إلى ب، وهكذا إلى ما لا نهاية. وإذ كانت هذه السلسلة التي لا نهاية لها من الحركات تتطلب قدرا لا نهاية له من الزمن، فإن تحرك أي جسم إلى أية نقطة في زمن محدد أمر مستحيل. والثانية وهي صورة أخرى من الأولى أن أخيل السريع العدو لا يستطيع أن يدرك السلحفاة البطيئة. وذلك لأنه كلما وصل إلى النقطة التي كانت فيها السلحفاة، تكون السلحفاة في هذه اللحظة نفسها قد انتقلت من هذه النقطة. والثالثة أن السهم الطائر في الهواء هو في الحقيقة ساكن غير متحرك، لأنه في كل لحظة من طيرانه لا يكون إلا في نقطة واحدة في الفضاء، أي أنه يكون ساكنا، وحركته منطقيا وميتافيزيقيا غير حقيقية مهما بدا للحواس أنها واقعة فعلا .
صفحة رقم : 2268
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> المثاليون

(7/475)


وجاء زينون إلى أثينة حوالي عام 450 ق.م. ولعله جاء إليها مع بارمنيدس وأثار ثائرة المدينة السريعة التأثر بقدرته على تحويل أي نوع من أنواع النظريات الفلسفية إلى سخافات غير معقولة. وقد وصف تيمون الفليوسي Temon of Phlius "لسان زينون ذي الحدين الذي يستطيع أن يبرهن على أن كل قول يقوله الإنسان غير حقيقي"(8).
ومن هذه النعرة قبل السقراطية (ونحن نسميها نعرة لأن جهلنا بالماضي يضطرنا إلى تسمية هذه المعاني بتلك الأسماء) كانت بداية علم المنطق كما كان بارمنيدس بالنسبة لأوربا هو واضع علم ما وراء الطبيعة. ولقد حاكى سقراط طريقة زينون الجدلية(9) محاكاة شديدة وإن كان قد ندد بها وشنع عليها، وبلغ من تحمسه لهذه الطريقة أن اضطر قومه إلى قتله لكي يريحوا عقولهم من جدله. ولقد كان أثر زينون في السوفسطائيين المتشككين حاسما وقويا، وكان لتشككه آخر الأمر الغلبة في بيرون Purrho وقرنيادس Carneades. وقد أصبح في شيخوخته رجلا "ذا حكمة عظيمة وعلم غزير" (10) فأخذ يشكو من أن الفلاسفة قد حملوا مزاحه العقلي في أيام شبابه محمل الجد. وكان انقلابه الأخير سبب القضاء عليه. ذلك أنه اشترك في حركة تهدف إلى خلع الطاغية نيارقيس Nearches في إيليا ولكنه أخفق في محاولته، وقبض عليه، وعذب، وقتل(11). وصبر الفيلسوف على عذابه صبر الأبطال، وكأنما أراد بذلك أن ينضم اسمه بعد قليل من الزمن إلى أسماء أصحاب الفلسفة الرواقية.

صفحة رقم : 2269
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

الفصل الثاني
الماديون

(7/476)


لقد كان إنكار بارمنيدس للحركة والتغير بمثابة ثورة على ميتافيزيقية هرقليطس المائعة المزعزعة، وكذلك كانت عقيدة وحدة الكون ثورة عنيفة على عقائد الفيثاغوريين المتأخرين. ذلك أن هؤلاء الفلاسفة قد حولوا نظرية الأعداد التي قال بها كبيرهم إلى المبدأ القائل بأن الأشياء جميعها تتكون من أعداد أي من وحدات غير قابلة للانقسام(12). ولما أن أضاف فيلولوس الطيبي إلى هذا المبدأ أن "الأشياء جميعها تحدث بالضرورة والتوافق"(13) كان كل شي قد أعد لظهور المذهب الذري أو مذهب الجوهر الفرد في الفلسفة اليونانية.
ففي عام 435 جاء لوقيبوس الملطي إلى إيليا وتلقى العلم على زينون. ولعله قد سمع هناك بالذرية العددية التي يقول بها الفيثاغوريون، ذلك أن زينون كان قد وجه بعض متناقضاته الدقيقة إلى عقيدة التعدد(14). واستقر لوقيبوس آخر الأمر في أبدرا وهي مستعمرة أيونية مزدهرة في تراقية. وقد ضاعت تعاليمه المباشرة فلم يبق منها إلا هتامة صغيرة هي قوله : "لا شي يحدث من غير علة، بل إن الأشياء كلها تحدث لعلة، وبالضرورة"(15).
ولعل لوقيبوس قد أوجد فكرة الفراغ ليرد بها على أقوال زينون وبارمنيدس، وكان يأمل بهذه الطريقة أن يجعل الحركة مستطاعة من الوجهة النظرية كما هي واقعية من الناحية الحسية. ويقول : إن العالم يحتوي على جواهر فردية وعلى فراغ ولا شي غيرهما، وإن هذه الجواهر التي تتساقط في دوامة كبرى تسقط بالضرورة إلى الصور الأولية للأشياء جميعها، وينضم كل شي
صفحة رقم : 2270
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

إلى مثيله، وبهذه الطريقة وجدت الكواكب والنجوم(16)، والأشياء جميعها بما فيها النفس البشرية مكونة من جواهر فردية(ذرات).

(7/477)


وكان دمقريطس تلميذ لوقيبوس أو زميله في تحويل فلسفة الجوهر الفرد إلى نظرية مادية كاملة. وكان والده من ذوي المكانة الملحوظة والثراء العظيم في أثينة(17)، ويقال إنه ورث منه مائة وزنة من المال (000ر800 ريال أمريكي) أنفق معظمها في الأسفار(18). وتقول بعض الروايات التي لا نجد ما يؤيدها إنه سافر إلى مصر وبلاد الحبشة وبابل وفارس والهند(19)، ويقول هو نفسه في ذلك : "لقد طفت بين معاصري في أكبر جزء من الأرض للبحث عن أبعد الأشياء، ورأيت أكثر الجواء والأقطار، وسمعت إلى أكبر عدد من المفكرين" . وأقام في بؤوتية الطيبية زمنا يكفي لتشبعه بنظرية فيلولوس في الذرية العددية(22)، ولما فرغت منه نقوده لجأ إلى الفلسفة، واخشوشن في معيشته، ووجه جهوده كلها إلى الدرس والتفكير، وقال : "إن الكشف عن برهان واحد (في الهندسة) خير لي من الحصول على عرش فارس"(23). وكان على شيء من التواضع لأنه كان يبتعد عن الجدل والنقاش، ولم يوجد مدرسة خاصة، وأقام في أثينة من غير أن يتعرف إلى أحد من فلاسفتها(24). وقد ذكر ديوجين ليرتيوس Diogenese Laertius (ديوجانس) ثبتا طويلا من كتبه في علوم الرياضة والطبيعة والفلك والملاحة، والجغرافية، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وعلم النفس، والعلاج النفساني، والطب، والفلسفة، والموسيقى(25). ويسميه ثراسيلس Thrasyllus صاحب التمارين الخمسة في الفلسفة، ويطلق عليه بعض معاصريه اسم الحكمة (Sophia) نفسها(26). وقد بلغت معارفه من السعة والتعدد ما بلغته معارف أرسطاطاليس
صفحة رقم : 2271
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

نفسه، ونال أسلوبه من الإعجاب ما ناله أفلاطون(27)، ووصفه فرانسس بيكن Francis Bacan في ساعة تخلى فيها عن عناده بأنه أعظم الفلاسفة الأقدمين على بكرة أبيهم(28).

(7/478)


وهو يبدأ كما يبدأ بارمنيدس ببحث تحليلي في الحواس فيقول إنه لا بأس علينا من الوثوق بها في الأغراض العملية، ولكننا لا نكاد نحلل ما تمدنا به من المعلومات حتى نجد أنفسنا ننتزع من العالم الخارجي طبقة بعد طبقة مما تضفيه عليه الحواس من اللون، والحرارة، والطعم، والنكهة، والحلاوة، والمرارة، والصوت. وهذه "الصفات الثانوية" كائنة فينا نحن أو في عملية الإدراك الكلية، لا في الشيء الموضوعي، وفي العالم الخالي من الآذان لا تحدث الغابة الساقطة صوتا، ولا يكون لماء البحر مهما غضب هدير "والعرف (Nomos) هو الذي يجعل الحلو حلوا والمر مرا، والحار حارا، والبارد باردا، أما الحقيقة فهي أنه لا وجود إلا للجواهر الفردية (الذرات) والفراغ"(29). ومن ثم فإن الحواس لا تمدنا إلا بالمعلومات أو الآراء العامة، أما المعرفة الحقة فلا سبيل إليها إلا البحث والتفكير". والواقع أننا لا نعرف شيئا، فالحق مدفون على بعد منا عظيم... ولسنا نعرف شيئا معرفة أكيدة، بل كل ما نعرفه هو ما يحدث في جسمنا من تغيرات بتأثير القوى التي تصطدم به"(30). وكل الأحاسيس ناشئة من الجواهر الفردية التي يقذف بها الجسم الخارجي فتقع على أعضاء الحواس(31)، وليست الحواس كلها إلا أشكالا من اللمس(32).
وتختلف الجواهر الفردية التي يتكون منها العالم في شكلها وحجمها ووزنها، وكلها تنزع إلى السقوط إلى أسفل، وتنتج من هذا حركة دائرية تتحد فيها الجواهر المتماثلة بعضها ببعض فتنتج من اتحادها الكواكب والنجوم. وهذه الجواهر لا يقودها فكر (Nous) أو ذكاء، ولا يرتبها "حب" أو "كراهية" كما يقول أنبادوقليس، بل إن الضرورة- أي الأثر الطبيعي للعلل الكامنة فيها هي التي تسيطر عليها جميعا(33). وليس ثمة مصادفة، بل المصادفة
صفحة رقم : 2272
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

(7/479)


خرافة اخترعت لتبرير جهلنا(34). وكمية المادة تبقى على حالها، لا يضاف إليها شيء جديد، ولا يفنى منها شيء(35)، وكل الذي يحدث هو تغير في اتحاد الجواهر الفردية. لكن صور الأشياء مع هذا لا حصر لها، وحتى العوالم نفسها يوجد منها في أكبر الظن عدد "غير محدود"، وهي تنشأ وتزول في موكب لا نهاية له(36). وقد نشأت الكائنات العضوية في مبدأ أمرها من التراب المبلل(37)، وكل شيء في الإنسان مصنوع من جواهر فردية، والروح نفسها مكونة من جواهر جد صغيرة ملساء مستديرة كجواهر النار، والعقل، والنفس، والحرارة الحيوية، والمبدأ الحيوي، كلها شي واحد، لا يختص بها الإنسان أو الحيوان بل هي منتشرة في العالم كله موزعة عليه، والجواهر الفردية العقلية الكائنة في الإنسان وغيره من الحيوانات التي بها نفكر في جميع أجزاء الجسم .
بيد أن هذه الجواهر الفردية الدقيقة التي تتكون منها النفس هي أكثر أجزاء الجسم نبلا وأعظمها إثارة للدهشة. والرجل العاقل ينمي فكره، ويحرر نفسه من الانفعالات، والخرافات، والمخاوف، ويبحث بالتأمل والإدراك عن السعادة العقلية التي في متناول الحياة البشرية. والسعادة لا تنشأ من الطيبات الخارجية، بل ينبغي للإنسان أن يتعود على أن يجد في داخل نفسه مصادر متعته وسعادته"(42). والثقافة خير من الغنى...ولا تستطيع قوة أو ثروة أن ترجح اتساع دائرة العلم"(43). والسعادة تأتي متقطعة، و "اللذائذ المادية لا تشبع صاحبها إلا زمنا قصيرا"(44)، لكن الإنسان ينال سرورا أدوم إذا حصل على سلا م النفس وصفائها (أتاركسيا Ataraxia) وعلى البهجة (Euthumia). والاعتدال (Metriotes) قدر من النظام والتناسب في الحياة (Biou Symmetria). وفي وسعنا أن نتعلم الشيء الكثير من الحيوانات-
صفحة رقم : 2273
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

(7/480)


"الغزل من العنكبوت، والبناء من العصفور، والغناء من العندليب والتم" (45)، و "قوة الجسم لا تكون من أسباب النبل إلا في دواب النقل، أما قوة الخلق فهي سبب النبل في الإنسان"(46). وهكذا يفعل دمقريطس ما فعله من بعده الضالون في إنجلترا في عصر الملكة فكتوريا فيقيم على ميتافيزيقاه الشائنة صرحا من المبادئ الخلقية الخلابة الظاهرة. "والأعمال الحسية يجب أن تصدر عن عقيدة لا عن قسر، ويجب أن يفعلها الإنسان للرغبة فيها لا أملا فيما يناله عليها من جزاء..." ومن واجب الإنسان أن يشعر بالعار أمام نفسه إذا فعل الشر أكثر مما يشعر به أمام العالم كله" (47). وقد أوضح حكمته، ولعله برر أيضا نصائحه، بأن عاش حتى بلغ من السن مائة عام وتسعة أعوام، أو تسعين عاما كما يقول بعضهم(48). ويروي ديوجين ليرتيوس أنه لما قرأ دمقريطس على الجماهير أهم مؤلفاته كلها وصور كتاب العالم الأكبر Megas Diakosmos أهدت إليه مدينة أبدرا مائة وزنة (000ر600 ريال أمريكي)، ولكن لعل أبدرا كانت وقتئذ قد خفضت قيمة نقدها. ولما سأله بعضهم عن سر عمره الطويل أجاب بأنه كان يأكل عسل النحل في كل يوم وأنه كان يستحم بالزيت(49). ولما رأى آخر الأمر أنه قد عاش من العمر ما يشتهي أخذ يقلل من طعامه يوما عن يوم يريد بذلك أن يميت نفسه جوعا شيئا فشيئا(50)، ويقول ديوجين "إنه بلغ أرذل العمر(51) وإنه خيل إلى الناس أنه يحتضر. وحزنت أخته لأنه سيموت في أثناء عيد ثزموفوريا Thesmophoria فيحول موته دون قيامها بما يجب عليها نحو الإلهة، فما كان منه إلا أن أمرها بأن تخفف من لوعتها، وأن تأتيه كل يوم ببضعة أرغفة من الخبز الساخن (أو بقليل من عسل النحل(52). وأخذ يضع هذا
صفحة رقم : 2274
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> الماديون

(7/481)


الطعام فوق منخريه، واستطاع بذلك أن يطيل حياته خلال أيام العيد. فلما أن انقضت ثلاثة أيام العيد لفظ آخر أنفاسه دون أي ألم، كما يؤكد لنا هباركس وذلك بعد أن عاش مائة عام وتسعة أعوام".
واحتفلت مدينته بجنازته احتفالا عاما، وأثنى عليه تيمن الأثيني Timon of Athens. ولم ينشئ دمقريطس مدرسة خاصة، ولكنه صاغ أهم فرض من الفروض العلمية وأوجد للفلسفة نظاما بقي بعد أن عفا الزمان على غيره من النظم التي ظلت تندد به، ولا يزال يظهر في العالم جيلا بعد جيل.

صفحة رقم : 2275
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس

الفصل الثالث
أنبادوقليس
المثالية تضايق الحواس، والمادية تكدر النفس، لأن أولاهما تفسر كل شيء ما عدا العالم، والأخرى تفسر كل شيء ما عدا الحياة، وإذا أريد مزج هذين النصفين من أنصاف الحقائق فلا بد من العثور على مبدأ محرك دافع يتوسط بين التركيب والنماء، وبين الأشياء والأفكار، وقد حاول أنكساغوراس أن يبحث عن هذا المبدأ في العقل الكوني، وحاول أنبادوقليس أن يبحث عنه في القوى الكامنة التي تنزع إلى الثورة والانقلاب.

(7/482)


وكان مولد هذا الأكرغامي الشبيه بليوناردو Leonarda في عام مرثون، من أسرة غنية كانت مولعة بسباق الخيل ولعا لم يكن يرجى معه أن ينبغ أحد أبنائها في الفلسفة. وقد درس بعض الوقت مع الفيثاغوريين، فلما نضج عقله أخذ يفشي بعض عقائدهم السرية فطرد من زمرتهم(54). وأولع أشد الولع بعقيدة تناسخ الأرواح، وأعلن بخيال الشعراء وعواطفهم أنه كان "في سالف الأيام شابا، وفتاة، وغصنا مزهرا، وطائرا، وسمكة تسبح صامتة في البحر العميق" (55). وذم أكل الطعام الحيواني ووصفه بأنه لا يخرج عن أن يكون صورة من أكل اللحوم البشرية، أليست هذه الحيوانات تجسيدا جديدا لبعض الآدميين(56)؟ وكان يعتقد أن الناس جميعا كانوا من قبل آلهة، ولكنهم خسروا مكانهم في السماء لارتكابهم شيئا من الدنس أو العنف. ويقول إنه واثق بأنه يشعر في قرارة نفسه بما يوحي إليه بألوهيته قبل مولده. "وأي مجد عظيم وأية سعادة ليس فوقها سعادة قد تدهورت منهما الآن، وأصبحت أطوف الأرض مع
صفحة رقم : 2276
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس

(7/483)


الآدميين!" (57). وإذ كان واثقا من هذا الأصل الإلهي فقد احتذى حذاءين من الذهب، ولبس ثوبين أرجوانيين، ووضع على رأسه إكليلا من الغار، وقال لأبناء وطنه متواضعا إنه محبوب أبلو، ولم يعترف لغير أصدقائه بأنه إله. وادعى أن لها قوى فوق قوى البشر، ومارس بعض طقوس السحر، وحاول بطريق العزائم والرقى أن ينتزع من العالم الآخر أسرار مصير الإنسانية. وعرض على الناس أن يشفي مرضاهم بسحر الألفاظ، وشفى كثيرين منهم حتى كاد الناس يصدقون دعواه. أما الحق فإنه كان طبيبا نطاسيا ذا آراء كثيرة في علم الطب، ومتمكنا من سيكولوجية الفن، وكان فوق ذلك خطيبا مصقعا، "اخترع" كما يقول أرسطاطاليس، أصول البلاغة وعلمها غورغياس، فعرضها هذا للبيع في أثينة، وكان مهندسا أنجى سلينس من الوباء بتجفيف المستنقعات وتحويل مجاري الأنهار(59). وكان سياسيا شجاعا تزعم، وهو أرستقراطي الأصل، ثورة على الأرستقراطية الضيقة، وأبى أن يكون حاكما بأمره، وأقام حكما ديمقراطيا معتدلا. وكان شاعرا كتب في الطبيعة وفي التطهير شعرا بديعا اضطر أرسطاطاليس وشيشرون إلى أن يضعاه في مصاف الشعراء المجيدين، وأظهر لكريشيوس إعجابه به بمحاكاته. وقال فيه ديوجين ليرتيوس : "وإذا ذهب إلى الألعاب الأولمبية استلفت جميع الأنظار، حتى لم يكن يذكر إنسان آخر بمثل ما يذكر به هو"(61)، ولعله كان كما يقول إلها.
ولم يبق لنا من أشعاره إلا 470 بيتا لا نجد فيها إلا إشارات متقطعة لفلسفته، فنرى منها أنه كان يختار مبادئه من فلسفات مختلفة، ويرى في كل طريقة من طرائقها شيئا من الحكمة، ولا يوافق بارمنيدس على رفض جميع ما يجيء إلينا من المعلومات عن طريق الحواس، بل يثني على كل حاسة ويرى أنها "طريقا موصلا للإدراك"(63). وعنده أن الحس ينشأ من انبعاث جزيئات تنتقل من الجسم الخارجي، وتقع على "مسام" (Poroi) الحواس،
صفحة رقم : 2277

(7/484)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس

ومن أجل هذا يحتاج الضوء إلى بعض الوقت لكي يصل إلينا من الشمس(64)، وينشأ الليل من اعتراض الأرض لأشعة الشمس(65)، والأشياء كلها تتكون من عناصر أربعة : الهواء، والنار، والماء، والتراب، وتعمل في هذه العناصر قوتان رئيسيتان هما قوتا الجذب والطرد، أو قوتا الحب والبغض.
وينتج من اجتماع العناصر وتفرقها بفعل هاتين القوتين اجتماعا وتفرقا لا آخر لهما عالم الأشياء والتاريخ. فإذا كانت الغلبة للحب أي النزعة إلى الاتحاد تحولت المادة إلى نبات، واتخذت الكائنات العضوية أشكالا مطردة الرقي. وكما أن تناسخ الأرواح يؤلف من الأنفس كلها سيرة واحدة، كذلك لا يوجد في الطبيعة فرق واضح بين جنس وجنس، أو بين نوع ونوع. ألا ترى مثلا أن "الشعر، وأوراق الشجر، وريش الطيور السميك، والحراشف التي تتكون على الأعضاء الصلبة، كلها من نوع واحد؟"(68). والطبيعة تنتج كل نوع من أنواع الأعضاء والأشكال، والحب يؤلف بينها، فيجعل منها تارة هولات غريبة تهلك لعدم قدرتها على التكيف لتلائم البيئة المحيطة بها، وتارة أخرى يجعل منها كائنات عضوية قادرة على التكاثر ومواءمة ظروف الحياة(69). والأشكال العليا كلها تنشأ من الأشياء السفلى(70)، وقد كانت الذكورة والأنوثة في بادئ الأمر مجتمعين في جسم واحد، ثم انفصلا وظلت كلتاهما تتوق إلى الاتحاد مع الأخرى . ويوجد في مقابل عملية التطور هذه عملية الانحلال، يمزق فيها الكره، أو قوة التقسيم، البنيان المعقد الذي أقامه الحب، فتعود الكائنات العضوية والنباتية عودا بطيئا إلى صور تزداد بدائية يوما بعد يوم، ويظل هذا يحدث حتى تختلط الأشياء جميعها مرة أخرى في كتلة فطيرة غير محددة الشكل(72)
صفحة رقم : 2278
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس

(7/485)


وهاتان العمليتان المتبادلتان عملية التطور وعملية الانحلال مستمرتان إلى أبد الدهر في كل جزء على حدة وفي الكل مجتمعا، وتتنازع القوتان قوة الائتلاف وقوة التفرقة، قوة الحب وقوة الكره، قوة الخير وقوة الشر، وتتوازنان في نظام عالمي شامل هو نظام الحياة والموت. ألا ما أقدم فلسفة هربرت اسبنسرا!(73).
ومكان الله في هذه العملية غير واضح، وذلك لأن من الصعب أن نفرق بين الحقيقة والمجاز أو بين الفلسفة والشعر في أقوال أنبادوقليس، فهو في بعض الأحيان يوحد بين الإله وبين الكون نفسه، وفي بعضها الآخر يوحد بينه وبين حياة كل حي أو عقل كل عاقل، ولكنه يدرك أننا لن نستطيع قط أن نكون فكرة صحيحة عن القوة الخالقة الأساسية الأصلية. انظر مثلا إلى قوله: "لن نستطيع أن نقرب الله منا قربا يمكننا من أن ندركه بأعيننا، ونمسكه بأيدينا... ذلك أنه ليس له رأس بشري ملتصق بأعضاء جسمه، وليس له ذراعان متفرعتان تتدليان من كتفيه، وليس له قدمان ولا ركبتان ولا أعضاء مكسوة بالشعر. إنه كله عقل لا غير، عقل مقدس لا ينطبق عليه وصف، يومض في طيات العالم كله وميض الفكر الخاطف"(74). ويختم أنبادوقليس حديثه هذا بنصيحة الشيخوخة التي أنطقته بها الحكمة والكلالة: "ما أضعف وما أضيق القوى المودعة في أعضاء الإنسان، وما أكثر المصائب التي تثلم حد التفكير، وما أقصر الحياة التي يكدح فيها الناس والتي تنتهي بالموت. فإذا حل بهم زالوا من الوجود وتلاشوا كما يتلاشى الدخان وصاروا هواء، يعرفون أن ما يحلمون به ليس إلا الصغائر التي عثر عليها كل واحد منهم أثناء تجواله في هذا العالم. ومع هذا تراهم جميعا يفخرون بأنهم عرفوا كل شيء. ألا ما أشد حمقهم وأكثر غرورهم! ذلك أن هذا الكلي الذي يفخرون بمعرفته لم تره عين ولم تسمعه أذن، ولا يمكن أن يدركه عقل إنسان"(75).
واستحال في آخر سن من حياته واعظا دينيا أكثر مما كان من قبل،
صفحة رقم : 2279

(7/486)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> أنبادوقليس

منهمكا في نظرية التجسيد، وأخذ يتوسل إلى بني جنسه أن يتطهروا من الخطيئة التي طردوا بسببها من السموات، ويدعو الجنس البشري، بما أوتي من حكمة بوذا وفيثاغورس، وشوبنهور، أن يمتنع عن الزواج، والتناسل(76). ولما حاصر الأثينيون سرقوصة في عام 415، بذل أنبادوقليس كل ما في وسعه لتأييد المقاومين وأغضب بذلك أكرجاس، التي كانت تحقد على سرقوصة بكل ما في قلوب الأقارب من حقد دفين، ونفي من بلده، فذهب إلى أرض اليونان القارية حيث وافاه الأجل في ميغارا كما تقول بعض الروايات(78). ولكن ديوجين ليرتيوس يروي عن هبوبوتس Hippobotus أن أنبادوقليس بعد أن أعاد إلى الحياة الكاملة امرأة اعتقد الناس أنها قضت نحبها غادر الوليمة التي أقيمت احتفاء بشفائها، واختفى فلم ير بعد ذلك أبدا. وتقول بعض الأساطير إنه ألقى بنفسه في فوهة بركان إتنا الثائر لكي يموت من غير أن يخلف وراءه أثرا، فيؤيد بذلك دعواه أنه إله. ولكن النار العنصرية غدرت به، فقذفت بخفيه النحاسيين، وتركتهما على حافة كأس البركان، كأنهما رمزان ثقيلان للفناء(80).

صفحة رقم : 2280
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

الفصل الرابع
السوفسطائيون

(7/487)


إن الذين يقولون إن بلاد اليونان هي أثينة يكذبهم أن أحدا من كبار المفكرين اليونان قبل سقراط لم يكن من أهل تلك المدينة، وأنه لم يعقبه مفكر من أهلها حتى جاء أفلاطون. إن المصير الذي لاقاه أنكساغورس وسقراط ليدل على أن الجمود الديني كان في أثينة أقوى منه في المستعمرات، وذلك لأن انفصال هذه المستعمرات من الناحية الجغرافية قد حطم بعض قيود التقاليد القديمة. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن أثينة كانت تبقى مدينة غير متسامحة إلى حد السخف والغباء ولا مجال فيها للتفكير الحر لو لم تقم فيها طبقة دولية من التجار، ولم يفد إليها جماعة السوفسطائيين.
وقد كانت المناقشات التي تدور في الجمعية، والمحاكمات التي تجري أمام الهيليا، والحاجة المتزايدة إلى القدرة على التفكير تفكيرا منطقي الظاهر، وإلى التعبير عن الأفكار تعبيرا واضحا مقنعا، لقد كانت هذه كلها مضافة إلى ثراء المجتمع الإمبراطوري وتشوفه عاملا في إشعار الناس بالحاجة إلى شيء لم يكن معروفا في أثينة قبل بركليز، ونعني بذلك الدراسة العليا المنظمة للآداب، والخطابة، والعلوم، والفلسفة، وأساليب الحكم، والسياسة. ولم تقابل هذه الحاجة في بادئ الأمر بتنظيم الجامعات، بل قوبلت بوجود طائفة العلماء الجوالين يستأجرون قاعات المحاضرات، ويدرسون فيها ما يضعونه للتعليم من مناهج، ثم ينتقلون إلى مدن أخرى ليعيدوا فيها هذه الدراسة. وكان بعض هؤلاء المعلمين، ومنهم بروتاغوراس Protagoras، يطلقون على أنفسهم لقب سوفسطاي أي معلمو الحكمة(81)، وكان الناس يفهمون من هذا اللفظ ما نفهمه نحن من لفظ "أستاذ جامعي"، ولم يكن
صفحة رقم : 2281
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

(7/488)


له معنى محط بالكرامة حتى قام النزاع بين الدين والفلسفة فأدى إلى هجوم المحافظين على السوفسطائيين، وأثارت نزعة بعضهم التجارية أفلاطون إلى أن تسوئ سمعتهم بأن عزا إليهم تهمة "السفسطة" بغية المكسب، وهي الوصف الذي ظل لاصقا بهم إلى يومنا هذا. ولعل الجمهور كان يشعر نحو هؤلاء بشيء من الكره الخفي من بدء ظهورهم، لأن ما كانوا يتقاضونه من باهظ الأجر نظير تدريس المنطق والبلاغة لم يكن يطيقه إلا الأغنياء الذين أفادوا من علمهم هذا في دور القضاء(82). ولسنا ننكر أن المشهورين من السوفسطائيين كانوا يتقاضون ممن يعلمونهم أكثر ما يرضى هؤلاء أن يؤدوه إليهم من الأجر، وذلك هو قانون الأثمان في كل مكان... فكان بروتاغوراس، وغورغياس، كما يقول الرواة، يطلبان عشرة آلاف درخمة (000ر10 ريال أمريكي) أجرا لتعليم تلميذ واحد. غير أن من كانوا أقل من هذين شأنا كانوا يقنعون بأجور معتدلة، فكان برودكس Prodicus مثلا - وهو الذي ذاع صيته في جميع أنحاء اليونان - يطلب ما بين درخمة وخمسين أجرا للاشتراك في مناهجه(83).
وقد ولد بروتاغوراس أشهر السوفسطائيين جميعهم في أبدرا قبل مولد دمقريطس بجيل من الزمان. وكان في أثناء حياته أشهر الرجلين وأعظمهما نفوذا، وفي وسعنا أن نستدل على ما كان له من شهرة واسعة بما أحدثته زياراته لأثينة من حماسة بالغة واهتياج فيها كبير، وحتى أفلاطون نفسه - وهو الذي لم يقل كلمة طيبة في السوفسطائيين عن قصد - كان يجله ويصفه بأنه على خلق عظيم. وفي الحوار الأفلاطوني الذي سمي باسمه نرى بروتاغوراس أحسن مظهرا من سقراط الشاب الكثير الجدل، فسقراط في هذا الحوار
صفحة رقم : 2282
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

(7/489)


هو الذي يتحدث كما يتحدث السوفسطائيين. وبروتاغوراس هو الذي يسلك مسلك الرجل المهذب والفيلسوف، فلا يغضب أو يثور، ولا يحقد على أحد ما يبديه من دلائل الفطنة والذكاء، ولا يحمل حجج مناظريه من الجدل أكثر مما تتحمله، ولا يهتم قط بأن يتكلم. ويعترف بأنه أخذ على نفسه أن يعلم تلاميذه التبصر والحذر في الشئون الخاصة والعامة، وحسن تنظيم المنزل والأسرة، وفنون البلاغة أو الكلام المقنع والقدرة على فهم شئون الدولة وحسن إدارتها(86). وهو يبرر ما يأخذه من أجور عالية بقوله إن من عادته، إذا عارض تلميذ فيما يطلبه من أجر، أن يقبل منه أي أجر يراه التلميذ عادلا على شريطة أن يؤكد ذلك في خشوع أمام مزار مقدس(87) - وتلك لعمري خطة حمقاء من معلم يشك في وجود الآلهة. ويتهمه ديوجين ليرتس بأنه "أول من سلح المجادلين بسلاح المغالطات المنطقية" وهي تهمة يسر منها سقراط بلا ريب، ولكن ديوجين يضيف إلى قوله: "كان بالإضافة إلى هذا أول من اخترع ذلك النوع من الجدل الذي يسمونه الجدل السقراطي"(88) -وهي تسمية قد لا يرتاح لها سقراط.
وكان من أفضاله الكثيرة أنه وضع أساس النحو وفقه اللغة الأوربيين، ويقول عنه أفلاطون إنه بحث في الطريقة الصحيحة لاستعمال الألفاظ، وإنه كان أول من قسم الأسماء إلى مذكرة ومؤنثة وغير مذكرة ولا مؤنثة، وأول من ذكر أزمان الأفعال وحالاتها (إخبارية أو شرطية الخ(90)). ولكن أهم ما يعنينا من أمره أن به، لا بسقراط، تبدأ النظرة الذاتية في الفلسفة. فقد كان على عكس الأيونيين يعنى بالأفكار أكثر مما يعنى بالأشياء، ونعني بالأفكار عملية الإحساس، والإدراك، والفهم والتعبير بأكملها. فبينما كان بارمنيدس يرى أن الإحساس لا يهدي إلى الحقيقة، كان بروتاغوراس يرى كما يرى لك Locke أنه السبيل الوحيد إلى المعرفة، ويأبى أن يعترف بوجود أية حقيقة تعلو على العقل ولا تدركها الحواس. ومن
صفحة رقم : 2283

(7/490)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

أقوال بروتاغوراس أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها، وأن كل ما يوجد هو الحقائق التي يعتنقها بعض الناس في ظروف خاصة، وقد تكون الأقوال المتناقضة حقائق متساوية القيمة في اعتقاد أشخاص مختلفين أو في أزمنة مختلفة(91). والحقيقة كلها والخير والجمال، أمور نسبية وشخصية، "والإنسان هو المقياس الذي تقاس به جميع الأشياء فهو الذي يقرر أن الأشياء الكائنة كائنة، وأن الأشياء غير الكائنة غير كائنة"(92). ولقد يخيل إلى المؤرخ أن العالم كله قد بدأ يرتجف ويتزعزع كيانه حين أعلن بروتاغوراس هذا المبدأ البسيط من مبادئ الإنسانية والنسبية، وأن الحقائق المقررة والمبادئ المقدسة جميعها أخذت تتصدع وتنهار، وأن الفردية قد وجدت صوتا ينادي بها وفلسفة تؤيدها، وأن الأسس فوق الطبيعية للنظام الاجتماعي قد تعرضت كلها لخطر الزوال.
ولولا أن بروتاغوراس قد طبق في وقت من الأوقات هذا التشكيك البعيد الأثر، والذي يتضمنه هذا القول الذائع الصيت، على شئون الدين لبقي قولا نظريا مأمون العاقبة. ذلك أن بروتاغوراس قرأه على جماعة من كبار المفكرين في بيت يوربديز الملحد الحر التفكير البغيض إلى الشعب. وقد أثارت أول جملة في هذه الرسالة ثائرة الناس في أثينة وكانت الجملة الأولى فيها هي: "أما من حيث الآلهة فلست أدري أهي موجودة أم غير موجودة كما لا أعلم لها شبها. وثمة أشياء كثيرة تقف في سبيل هذه المعرفة: فالموضوع غامض، وحياتنا الفانية قصيرة الأجل"(93).وارتاعت الجمعية الأثينية من هذه الكلمة الافتتاحية التي تنذر بشر مستطير فقررت نفي بروتاغوراس، وأمر الأثينيون على بكرة أبيهم أن يسلموا كل ما عساه أن يكون لديهم من كتاباته، وأحرقت كتبه في السوق العامة. وفر بروتاغوراس إلى صقلية ولكنه، على ما ترويه القصة، غرق في الطريق(94).
صفحة رقم : 2284

(7/491)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

وواصل غورغياس الليونتيني Gorgias of Leontini هذه الثورة التشكيكية، ولكنه أوتي من الحكمة ما جعله يقضي معظم حياته في خارج أثينة. وكانت سيرته أنموذجا لسير الرجال الذين يجمعون بين الفلسفة والسياسة في بلاد اليونان. وقد ولد في عام 483، ودرس الفلسفة والبلاغة مع أنبادوقليس، وبلغ من شهرته في الخطابة وفي تدريسها أن أرسلته ليونيني في عام 427 سفيرا لها في أثينة. واستحوذ في الألعاب الأولمبية التي أقيمت في عام 408 على قلوب حشد كبير من الناس بخطاب له طلب فيه إلى اليونان المتحاربين أن يعقدوا الصلح فيما بينهم لكي يواجهوا وهم متحدون واثقون من الفوز قوة بلاد الفرس الآخذة في الانتعاش، وأخذ يتنقل من مدينة إلى مدينة ويشرح أينما حل آراءه بأسلوب خطابي طلي، وألفاظ ممتعة وعبارات منسقة في معناها ومبناها، متزنة اتزانا دقيقا بين الشعر والنثر، لم يجد معها أية صعوبة في جذب الطلاب إليه يعرضون عليه مائة مينا نظير منهجه الدراسي. وقد حاول في كتابه في الطبيعة أن يثبت ثلاث قضايا مدهشة مروعة هي أنه: (1) لا وجود لشيء ما. (2) ولو أن شيئا وجد لكانت معرفته غير ممكنة. (3) ولو أن شيئا كانت معرفته ممكنة لما أمكن نقل هذه المعرفة من شخص إلى آخر . ولم يبق من كتابات غورغياس غير هذه القضايا. وبعد أن استمتع بكرم كثير من الدول وأجورها ألقى عصا التسيار في تساليا وهدته حكمته إلى استهلاك معظم ثروته الطائلة قبل وفاته(96). ويؤكد لنا كل من أرخوا له أنه عاش حتى بلغ من العمر مائة سنة وخمس سنين على أقل تقدير، ويقول لنا كاتب قديم إن غورغياس، وإن بلغ من
صفحة رقم : 2285
قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

(7/492)


العمر مائة سنة وثمان سنين، لم يضعف جسمه من طول العمر، بل ظل إلى آخر حياته في جيد الصحة لا تقل قوة حواسه عن قوة حواس الشباب(97).
وإذا كان السوفسطائيين مجتمعين قد كونوا مدرسة متفرقة، فإن هيبياس الإليسي (Elis) كان مدرسة بمفرده، وكان أنموذجا للرجل المتعدد المعارف في عالم لم تكن المعرفة فيه قد بلغت من الاتساع حدا يجعلها في غير متناول عقل واحد. فقد كان يعلم الفلك والرياضيات، وكانت له بحوث مبتكرة في الهندسة وكان شاعرا، وموسيقيا، وخطيبا. وكان يلقي محاضرات في الأدب، والأخلاق والسياسة، وكان مؤرخا، وضع أساس التأريخ اليوناني وتقويمه وتسلسله بأن جمع ثبتا من أسماء الفائزين في الألعاب الأولمبية، وأرسلته إليس مبعوثا لها لدى دول أخرى، وكان يعرف من الفنون والحرف عددا كبيرا أمكنه به أن يصنع ملابسه وأدوات زينته(98). وكان عمله في الفلسفة صغيرا ولكنه خطير، فقد كان يعترض على حياة المدن المصطنعة المؤدية إلى الانحلال، ويوضح الفرق بين الطبيعة والقانون، ويقول: إن القانون الظالم مستبد بالخلق(99). وواصل برودكس ألكيوس عمل بروتاغورس في النحو، وحدد أجزاء الكلام، وأدخل السرور على الشيوخ بوضعه قصة خرافية يصف فيها هرقل وهو يختار الفضيلة المجهدة بدل الرذيلة الهينة(100).ولم يكن غيره من السوفسطائيين أتقياء مثله: وكان منهم أنتيفون الأثيني الذي حذا حذو دمقريطس في ماديته وإنكاره الآلهة، والذي عرف العدالة تعريفا يجعلها هي الطريقة الملائمة للظروف الموصلة إلى الغاية المطلوبة، ومنهم ثرازيماكس الخلقدوني Thrasymachus of Chalcedon الذي قال إن الحق هو القوة (إذا أخذنا بما يقوله عنه أفلاطون) وإن نجاح الأوغاد ليبعث في نفوسنا الشك في وجود الآلهة(101).
والسوفسطائيين في مجموعهم يعدون من العوامل التي كان لها أعظم الأثر
صفحة رقم : 2286

(7/493)


قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> النزاع بين الفلسفة والدين -> السوفسطائيون

في تاريخ اليونان، فهم الذين اخترعوا لأوربا النحو والمنطق، وهم الذين رقوا فن الجدل، وحللوا أشكال الحوار، وعلموا الناس كيف يكشفون الخطأ المنطقي وكيف يمارسونه، وبفضل ما بعثوه في اليونان من حافز قوي وما ضربوه بأشخاصهم من أمثلة شغف مواطنوهم بالمناظرة والاستدلال، وهم الذين استخدموا المنطق في اللغة فزادوا الأفكار وضوحا ودقة، ويسروا انتقال المعرفة انتقالا صحيحا دقيقا. وهم الذين جعلوا النثر صورة من صور الأدب والشعر ووسيلة للتعبير عن الفلسفة، وطبقوا التحليل على كل شيء، وأبوا أن يعظموا التقاليد المتواترة التي لا تؤيدها شواهد الحس أو منطق العقل، وكان لهم شأن كبير في الحركة العقلية التي حطمت آخر الأمر دين اليونان القديم عند طبقات الذهنيين. وفي ذلك يقول أفلاطون: إن "الرأي السائد" في زمنه هو أن "العالم وكل ما فيه من حيوان ونبات... وجماد نشأ من علة تلقائية غير مدركة" ولا عاقلة. ويحدثنا ليسياس Lysias عن وجود مجتمع يكفر بالآلهة يطلق على نفسه اسم "نادي الشياطين Kadodatimoniotai" كان أعضاؤه يتعمدون أن يجتمعوا ليطعموا في الأيام المقدسة التي كان الصيام مقررا فيها(103). وكان بندار في بداية القرن الخامس يقبل ما ينطق به الوحي في دلفي قبول الأتقياء الصالحين، وكان إسكلس يدافع عنه دفاع السياسيين، وفي عام 450 انتقده هيرودوت وهو خائف وجل، وكفر به توكيديدس صهره في آخر ذلك القرن، وشكا أوطيفرون Euthyphro من أن الناس كانوا يسخرون منه إذا تحدث عن النبوءات في الجمعية، ويعدونه من البلهاء الذين دالت دولتهم(104).

(7/494)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية