صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحاضرات المفرغة
المؤلف : مجموعة مشايخ و طلبة علم
مصدر الكتاب : موقع قافلة الداعيات
http://www.gafelh.com

إذا سها الإمام في الصلاة وترك ركنا وجعل المأمومون يسبحون وهو لا يفهم مقصودهم ولا يدري أين الخطأ وينتقل إلى أركان ليس بينها الركن المتروك فلأهل العلم عدة أقوال في إفهامه ، من أمثلها أن يجهروا بالذكر الخاص بالركن المفقود فإن كان ركوعا قالوا : سبحان ربي العظيم ، وإن كان سجودا قالوا : سبحان ربي الأعلى ، وإن كان الجلسة بين السجدتين قالوا : رب اغفر لي وهكذا . المغني مع الشرح الكبير 1/707 .
أحكام متفرقة
إذا نسي ملابس الإحرام وأقلعت به الطائرة فإن استطاع أن يتدبر أمره بإزار ورداء من أي لون أو صنف من الشراشف أو المناشف ونحوها فعل ذلك وإن لم يجد أزال من المخيط وغطاء الرأس وأحرم في ثيابه إذا حاذى الميقات من الجو ولا يجاوز الميقات بغير إحرام فإذا وصل إلى مكان يستطيع فيه استبدال ملابسه بإزار ورداء فعل ذلك وعليه فدية ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين وهو مخير في فعل أي واحدة منها وإحرامه صحيح . من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة .
إذا كان الرجل في الطواف أو السعي فعرضت له حاجة كأن عطش وأراد أن يشرب أو فقد أحد من أهله فتوقف للبحث عنه أو تعب واحتاج أن يستريح فإن كان التوقف يسيرا عرفا فإنه يتابع الطواف ويبني على ما سبق . أما إذا أقيمت الصلاة فقطع الطواف وصلى فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة والأحوط عند إكماله الأشواط الباقية أن لا يعتد بالشوط الأخير الذي لم يكمله وقطعه لأداء الصلاة . ابن باز فتاوى الحج والعمرة ص : 80 ، والمجموع للنووي 8/49 .
أما مسألة الاستراحة في الطواف والسعي فهي مبنية على مسألة اشتراط الموالاة في الطواف والسعي .
فأما السعي فلا تشترط فيه الموالاة على القول الراجح . المغني مع الشرح الكبير 3/414 . فعليه لو سعى الإنسان عدة أشواط ثم توقف ليستريح ثم عاد ليكمل جاز ذلك . وأما الموالاة في الطواف فقد اختلف فيها أهل العلم على قولين :

(148/20)


القول الأول : وجوب الموالاة فيبطل الطواف بالتفريق الكثير بغير عذر .
القول الثاني : أن الموالاة سنة فلا يبطل الطواف وإن طالت المدة . اختاره النووي في المجموع 8/47 . والعمل بالقول الأول أحوط .
إذا توفي رجل في سفينة في البحر فيقول الإمام أحمد : ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا ( كجزيرة في البحر أو شاطيء ) يدفنونه به حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد ، فإن لم يجدوا غسل وكفن وحنط وصلى عليه ويثقل بشيء ويلقى في الماء . المغني مع الشرح الكبير 2/381 .
إذا كان لدى رجل ورقة من فئة الـ 50 ريالا مثلا واحتاج إلى صرفها عشرات فذهب إلى آخر ليصرفها فلم يكن لدى صاحبه إلا ثلاث عشرات مثلا فهل يجوز أن يعطيه الخمسين ويأخذ منه ثلاث العشرات والعشرين الباقية تبقى دينا له على صاحبه يستوفيها منه بعد ذلك ؟ رغم شيوع مثل هذه الصورة وانتشارها في الواقع إلا أن كثيرا من الناس يتعجبون إذا قيل لهم هذا ربا والعلة أن التفاوت موجود فيما قبضه كل منهما وشرط التبايع والصرف في الأوراق النقدية إذا كانت من جنس واحد أن تكون مثلا بمثل يدا بيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز ) رواه البخاري رقم 2068 . { تشفوا من الاشفاف وهو التفضيل والزيادة - الورق : أي الفضة - غائبا : أي مؤجلا - بناجز : أي بحاضر } والحديث فيه النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة .
فإن قيل فما هو المخرج والبديل والناس دائما يحتاجون إلى صرف الأوراق النقدية :
فالجواب : إن الحل في ذلك أن يضع الخمسين رهنا عند صاحبه ويأخذ منه الثلاثين دينا وسلفا ثم يسدد الدين بعد ذلك ويفك الخمسين المرهونة ويأخذها . من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة .

(148/21)


إذا أمر الرجل في وظيفته بأمر فعليه أن ينظر فإن كان الأمر ليس فيه معصية لله فإنه يفعل ما أمر به ، أما إن كان في الأمر معصية فلا يطع حينئذ وإلا كان مشاركا في الإثم والوزر ، قال عليه الصلاة والسلام : ( لا طاعة لبشر في معصية الله إنما الطاعة في المعروف ) الحديث في البخاري الفتح 13/121 ، وأحمد 1/94 والسياق من السلسلة الصحيحة رقم 181 . وقال الله تعالى : ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) .
سنن وآداب
إذا تجددت للمسلم نعمة أو اندفعت عنه نقمة فيستحب له أن يسجد سجود الشكر . المغني مع الشرح الكبير 1/654 ، فعن أبي بكرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شاكرا لله تعالى ) رواه أبو داود 2774 وهو صحيح : تخريج المشكاة 1494 . ولا تشترط الطهارة واستقبال القبلة ولكن إذا توضأ واستقبل القبلة فهو أفضل . مجموع فتاوى ابن عثيمين 4/216 .
إذا أتاك مال حلال من شخص أو من جهة دون طلب منك ولا مد يد ولا إذلال ولا تطلع فخذه والدليل : عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ) رواه البخاري 1404 .
إذا وضع للمسلم طعام في بيت أخيه المسلم فتحير في أمر اللحم هل هو حلال أم لا ؟ فيجوز له الأكل دون السؤال لأن الأصل في المسلم السلامة . والدليل : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه فإن سقاه شرابا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه ) رواه أحمد 2/399 وهو في السلسة الصحيحة 627 . وكذلك فإن في السؤال إيذاء للمسلم وجعله في مجال الشك والريبة .

(148/22)


إذا كان يمشي في نعليه وانقطع أحدهما فلا يمش في نعل واحدة والأخرى حافية فإما أن يصلحها ويمشي بهما أو يخلعهما ويحتفي والاحتفاء أحيانا سنة . والدليل : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمشي أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا ) رواه البخاري 5518 ، وأما العلة في ذلك فقد ذكر العلماء أقوالا أصحها دليلا ما ذكره ابن العربي وغيره أن ( العلة أنها مشية الشيطان ) فتح الباري 10/310 . ودليل ذلك : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة ) السلسلة الصحيحة 348 .
إذا رأى المسلم رؤيا حسنة أو صالحة يستحب فعل ما يلي :
أن يحمد الله عز وجل .
يعبرها لنفسه أو يخبر عالما يعبرها له .
لا يخبر بها إلا ناصحا أو لبيبا أو حبيبا ولا يخبر حاسدا . والدليل : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها ) رواه البخاري 6584 ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح ) رواه الترمذي 2280 وهو في السلسلة الصحيحة 119 . لأنهما يختاران أحسن المعاني في تأويلها بخلاف الحاسد والجاهل .
إذا رأى المسلم حلما سيئا فإنه يفعل ما يلي :
يبصق عن يساره ثلاثا .
يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثا .
يستعيذ بالله من شرها .
أن يقوم فيصلي .
يغير الجنب الذي كان نائما عليه إذا أراد مواصلة النوم ولو كان تحوله إلى الشمال لظاهر الحديث .
لا يخبر بها أحدا من الناس .

(148/23)


لا يفسرها لنفسه ولا يطلب تفسيرها . والدليل : عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ) رواه مسلم 2262 . وفي رواية ( وليعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره ) فقال - أي الراوي - إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل ، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها . رواه مسلم 2261 . وعن جابر قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : ( لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك ) رواه مسلم 2268 . وفي رواية ( فمن رأى ما يكره فليقم فليصل ) رواه الترمذي 2280 وهو في صحيح الجامع 3533 .
إذا وقع بصر المسلم على امرأة أجنبية وبقي أثر ذلك في نفسه فإن كان له زوجة فليذهب إلى بيته وليأت أهله ليرد ما وجد في نفسه . والدليل : عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه ) رواه مسلم 1403 .
إذا صار مجلسه بين الشمس والظل فليتحول عن مجلسه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه الظل وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم ) رواه أبو داود 4821 وهو في صحيح الجامع 748 . والعلة في ذلك أنه مجلس الشيطان ، والدليل : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس بين الضح والظل وقال : ( مجلس الشيطان ) . رواه أحمد 3/413 وهو في صحيح الجامع 6823 .

(148/24)


إذا أصاب أهل الرجل الوعك فيستحب له أن يفعل كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ( كان إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه وكان يقول إنه ليرتق فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسر إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ) . { يرتق أي يشد القلب لأن الحزن يرخيه ، ويسروا أي : يكشف ويجلو - رواه الترمذي 2039 وهو في صحيح الجامع 4646 } .
إذا كذب أحد أبناء الرجل أو أحد أفراد أهله فإنه يعالج هذا الموقف كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضا عنه حتى يحدث توبة ) السلسلة الصحيحة 2052 وصحيح الجامع 4675 .
إذا واجه المرء المسلم ظروفا صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه أو ينقذ معصوما أو يخرج من حرج عظيم أو يتخلص من موقف عصيب فهل من طريقة غير الكذب ينجو فيها من الحرج ولا يقع في الإثم ؟ .
الجواب : نعم توجد طريقة شرعية ومخرج مباح يستطيع أن يستخدمه عند الحاجة ألا وهو التورية أو المعاريض وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه ( باب المعاريض مندوحة عن الكذب ) صحيح البخاري كتاب الأدب باب 116 .
والتورية هي الإتيان بكلام له معنى قريب يفهمه السامع ومعنى آخر بعيد يقصده المتكلم تحتمله اللغة العربية ويشترط أن لا يكون فيها إبطال حق ولا إحقاق لباطل وفيما يلي التوضيح بأمثلة من المعاريض التي استخدمها السلف والأئمة أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان :
ذكر عن حماد رحمه الله أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه قال متوجعا : ضرسي ، ضرسي ، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير .

(148/25)


وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه ، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب ، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له أنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله .
وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد : ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه .
ومن أمثلة التورية أيضا :
لو سألك شخص هل رأيت فلانا وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته وهذا صحيح في اللغة العربية أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زمانا أو مكانا معينا لم تره فيه ، وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلانا : فقلت : والله لن أكلمه ، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح . وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله ، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي . يعني اللاعب . إغاثة اللهفان : ابن القيم 1/381 وما بعدها 2/106-107 ، وانظر بحثا في المعاريض في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/14 . هذا مع التنبيه هنا أن لا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ ولذلك لأمور منها :
أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب .
فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضا لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا ؟ .
أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذابا وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعا
أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.

(148/26)


وفي خاتمة هذه الرسالة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا ويعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(148/27)


القابضات على الجمر

كتبه : الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي

بسم الله الرحمن الرحيم

القابضات على الجمر
الحمد الله الذي أسكن عباده هذه الدار .. وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار .. وجعل الدار الآخرة هي دار القرار .. فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار .. ويرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار .. وسبق رحمته بعباده غضبه وهو الرحيم الغفار ..أحمده على نعمه الغزار ..وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار ..وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار ..الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار صلى الله عليه وسلم .. صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار ..
أما بعد :
فهذه رسالة .. رسالة .. إلى القابضات على الجمر ..
رسالة .. إلى أولئك الفتيات الصالحات .. والنساء التقيات ..
حديث .. إلى اللاتي شرفهن الله بطاعته .. وأذاقهن طعم محبته ..
إلى حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة ..
هذه أحاسيس .. أبثها ..إلى من جعلن قدوتهن أمهات المؤمنين ..
وغايتهن رضا رب العالمين ..إلى اللاتي طالما دعتهن نفوسهن إلى الوقوع في الشهوات ..
ومشاهدة المحرمات .. وسماع المعازف والأغنيات ..
فتركن ذلك ولم يلتفتن إليه .. مع قدرتهن عليه .. خوفا من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ..
هذه وصايا .. إلى الفتيات العفيفات .. والنساء المباركات .. اللاتي يأمرن بالمعروف .. وينهين عن المنكر .. ويصبرن على ما يصيبهن ..
هذه همسات .. إلى حبيبة الرحمن .. التي لم تجعل همها في القنوات .. ومتابعة آخر الموضات .. وتقليب المجلات .. وإنما جعلت الهموم هما واحدا هو هم الآخرة ..
هذه رسالة .. إلى تلك المؤمنة العفيفة التي كلما كشر الفساد حولها عن أنيابه .. رفعت بصرها إلى السماء وقالت : اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ..
هذه رسالة .. إلى القابضات على الجمر اللاتي قال فيهن النبي صلى الله عليه وسلم : (

(149/1)


يأتي على
الناس زمان يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر ) ..
رسالة .. إلى المرأة الصالحة التقية .. التي قدمت محبة الله وأوامره .. على تقليد فلانة أو فلانة .. فأصبحت غريبة بين النساء بسبب صلاحها وفسادهن .. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لها فيما رواه ابن ماجة والدارمي : " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " . قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : " الذين يصلحون إذا فسد الناس " ..
هذه كلمات .. إلى القابضات على الجمر .. لأذكرهن بأخبار من تقدمهن إلى طريق الجنة .. ممن تركن لذة الحياة .. وحملن هم الدين .. حتى ضاعف الله لهن الحسنات .. وكفر السيئات .. ورفع الدرجات .. حتى سبقن كثيرا من الرجال ..

أول تلك القابضات على الجمر ..
هي تلك المرأة الصالحة التي كانت تعيش هي وزوجها .. في ظل ملك فرعون .. زوجها مقرب من فرعون .. وهي خادمة ومربية لبنات فرعون ..
فمن الله عليهما بالإيمان .. فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله ..فلم تزل
الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون .. وتنفق على أولادها الخمسة .. تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها ..
فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوما .. إذ وقع المشط من يدها ..
فقالت : بسم الله .. فقالت ابنة فرعون : الله .. أبي ؟
فصاحت الماشطة بابنة فرعون : كلا .. بل الله .. ربي .. وربك .. ورب أبيك ..
فتعجبت البنت أن يعبد غير أبيها ..
ثم أخبرت أباها بذلك .. فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره ..
فدعا بها .. وقال لها : من ربك ؟ قالت : ربي وربك الله ..
فأمرها بالرجوع عن دينها .. وحبسها .. وضربها .. فلم ترجع عن دينها .. فأمر فرعون
بقدر من نحاس فملئت بالزيت .. ثم أحمي .. حتى غلا ..
وأوقفها أمام القدر .. فلما رأت العذاب .. أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله
تعالى .. فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة .. الأيتام الذين تكدح لهم..

(149/2)


وتطعمهم .. فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة .. تدور أعينهم .. ولا
يدرون إلى أين يساقون ..
فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون .. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي .. وأخذت
أصغرهم وضمته إلى صدرها .. وألقمته ثديها ..
فلما رأى فرعون هذا المنظر ..أمر بأكبرهم .. فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي
.. والغلام يصيح بأمه ويستغيث .. ويسترحم الجنود .. ويتوسل إلى فرعون .. ويحاول
الفكاك والهرب ..
وينادي إخوته الصغار .. ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين .. وهم يصفعونه ويدفعونه ..
وأمه تنظر إليه .. وتودعه ..
فما هي إلا لحظات .. حتى ألقي الصغير في الزيت .. والأم تبكي وتنظر .. وإخوته
يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة .. حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل .. وطفحت
عظامه بيضاء فوق الزيت .. نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله .. فأبت عليه ذلك ..
فغضب فرعون .. وأمر بولدها الثاني .. فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث .. فما هي
إلا لحظات حتى ألقي في الزيت .. وهي تنظر إليه .. حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه .. والأم ثابتة على دينها .. موقنة بلقاء ربها ..
ثم أمر فرعون بالولد الثالث فسحب وقرب إلى القدر المغلي ثم حمل وغيب في الزيت ..
وفعل به ما فعل بأخويه ..
والأم ثابتة على دينها .. فأمر فرعون أن يطرح الرابع في الزيت ..
فأقبل الجنود إليه .. وكان صغيرا قد تعلق بثوب أمه .. فلما جذبه الجنود .. بكى وانطرح على قدمي أمه .. ودموعه تجري على رجليها .. وهي تحاول أن تحمله مع أخيه ..
تحاول أن تودعه وتقبله وتشمه قبل أن يفارقها .. فحالوا بينه وبينها .. وحملوه من
يديه الصغيرتين .. وهو يبكي ويستغيث .. ويتوسل بكلمات غير مفهومة .. وهم لا يرحمونه ..
وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي .. وغاب الجسد .. وانقطع الصوت .. وشمت الأم رائحة اللحم .. وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها ..تنظر الأم إلى

(149/3)


عظامه .. وقد رحل عنها إلى دار أخرى ..
وهي تبكي .. وتتقطع لفراقه .. طالما ضمته إلى صدرها .. وأرضعته من ثديها .. طالما
سهرت لسهره .. وبكت لبكائه ..
كم ليلة بات في حجرها .. ولعب بشعرها .. كم قربت منه ألعابه .. وألبسته ثيابه ..
فجاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك ..فالتفتوا إليها .. وتدافعوا عليها ..
وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها .. وكان قد التقم ثديها ..
فلما انتزع منها .. صرخ الصغير .. وبكت المسكينة .. فلما رأى الله تعالى ذلها
وانكسارها وفجيعتها بولدها .. أنطق الصبي في مهده وقال لها :
يا أماه اصبري فإنك على الحق ..ثم انقطع صوته عنها .. وغيب في القدر مع إخوته ..
ألقي في الزيت .. وفي فمه بقايا من حليبها ..
وفي يده شعرة من شعرها .. وعلى أثوابه بقية من دمعها ..
وذهب الأولاد الخمسة .. وهاهي عظامهم يلوح بها القدر ..
ولحمهم يفور به الزيت .. تنظر المسكينة .. إلى هذه العظام الصغيرة ..
عظام من ؟ إنهم أولادها .. الذين طالما ملئوا عليها البيت ضحكا وسرورا .. إنهم
فلذات كبدها .. وعصارة قلبها .. الذين لما فارقوها .. كأن قلبها أخرج من صدرها ..
طالما ركضوا إليها ..وارتموا بين يديها ..
وضمتهم إلى صدرها .. وألبستهم ثيابهم بيدها .. ومسحت دموعهم بأصابعها .. ثم هاهم
ينتزعون من بين يديها .. ويقتلون أمام ناظريها ..
وتركوها وحيدة وتولوا عنها .. وعن قريب ستكون معهم ..
كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب .. بكلمة كفر تسمعها لفرعون .. لكنها
علمت أن ما عند الله خير وأبقى ..
ثم .. لما لم يبق إلا هي .. أقبلوا إليها كالكلاب الضارية .. ودفعوها إلى القدر ..
فلما حملوها ليقذفوها في الزيت .. نظرت إلى عظام أولادها .. فتذكرت اجتماعهم معهم
في الحياة .. فالتفتت إلى فرعون وقالت : لي إليك حاجة .. فصاح بها وقال : ما حاجتك
؟ فقالت : أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد .. ثم أغمضت عينيها ..
وألقيت

(149/4)


في القدر .. واحترق جسدها .. وطفت عظامها ..
فلله در هذه الماشطة ما أعظم ثباتها .. وأكثر ثوابها ..
ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئا من نعيمها .. فحدث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي : ( لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة .. فقلت: ما هذه الرائحة ؟ فقيل لي : هذه ماشطة بنت فرعون وأولادها .. ) ..
الله أكبر تعبت قليلا .. لكنها استراحت كثيرا ..
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } ..
مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها .. وجاورت ربها ..
ويرجى أن تكون اليوم في جنات ونهر .. ومقعد صدق عند مليك مقتدر .. وهي اليوم أحسن منها في الدنيا حالا .. وأكثر نعيما وجمالا ..
وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا .. ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ..
وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : من دخل الجنة ينعم لا يبؤس ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه . وله في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ..ومن دخل إلى الجنة نسي عذاب الدنيا .. فمن سكان الجنة ؟!
إنهم .. أهل الصيام مع القيام وطيب الكلمات والإحسان
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان
عسل مصفى ثم ماء ثم خمر ثم أنهار من الالبان
وطعامهم ما تشتهيه

(149/5)


نفوسهم ولحومهم طير ناعم وسمان
وفواكه شتى بحسب مناهم يا شبعة كملت لذي الإيمان
وصحافهم ذهب تطوف عليهم بأكف خدام من الولدان
وشرابهم من سلسبيل مزجه الكافور ذاك شراب ذي الإيمان
والحلي أصفى لؤلؤ وزبرجد وكذاك أسورة من العقيان
هذا وخاتمة النعيم خلودهم أبدا بدار الخلد والرضوان
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر العشاق عنك وهم ذوو إيمان
والله لم تخرج إلى الدنيا للذة عيشها أو للحطام الفاني
لكن خرجت لكي تعد الزاد للأخرى فجئت بأقبح الخسران
ـــ
فما أطيب عيش المؤمنة في الجنة ..
عندما تتقلب في أنهارها .. وتشرب من عسلها ..
بل وتنظر إلى وجه ربها ..
ما أطيب عيشك أنت .. وربك يسألك في الجنة :
يا فلانة .. هل رضيت .. هل رضيت بما أنت فيه من النعيم ..
فتقولين : وما لي لا أرضى وقد أعطيتني ما أرجو وأمنتني مما أخاف ..
فيقول : أعطيك أعظم من ذلك .. ثم يكشف الحجاب عن وجهه فتنظرين إليه ..
فلا تنصرفين إلى شيء من النعيم ما دمت تنظرين إليه ..
{ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده
المقربون * إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون } ..
ولكن لن يصل أحد إلى الجنة إلا بمقاومة شهواته .. فلقد حفت الجنة بالمكاره .. وحفت
النار بالشهوات .. فاتباع الشهوات في اللباس .. والطعام .. والشراب .. والأسواق ..
طريق إلى النار .. قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( حفت الجنة بالمكاره .. وحفت النار بالشهوات ) ..
فاتعبي اليوم وتصبري .. لترتاحي غدا ..
فإنه يقال لأهل الجنة يوم القيامة : { سلام عليكم بما

(149/6)


صبرتم فنعم عقبى الدار } ..
أما أهل النار فيقال لهم : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون } ..
ـ
هذه أولى القابضات على الجمر ..
ثبتت على دينها برغم الفتنة العظيمة التي أحاطت بها ..
فعجبا والله لفتيات .. لا تستطيع إحداهن الثبات على إقامة الصلاة .. فلا تزال تتساهل بأدائها حتى تتركها حتى تكفر ..
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ..
ومن تركت الصلاة خلدها الله في النيران .. وعذبها مع الشيطان .. وأبعدها عن النعيم
.. وسقاها من الحميم ..
{ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } ..
ذكر الذهبي في الكبائر ..
أن امرأة ماتت فدفنها أخوها .. فسقط كيس منه فيه مال في قبرها فلم يشعر به حتى
انصرف عن قبرها .. ثم ذكره فرجع إلى قبرها فنبش التراب .. فلما وصل إليها وجد القبر يشتعل عليها نارا .. ففزع .. ورد التراب عليها ..
ورجع إلى أمه باكيا فزعا وقال : أخبريني عن أختي وماذا كانت تعمل ؟
فقالت الأم : و ما سؤالك عنها ؟
قال : يا أمي إني رأيت قبرها يشتعل عليها نارا ..
فبكت الأم وقالت : كانت أختك تتهاون بالصلاة .. وتؤخرها عن وقتها .
فهذا حال من تؤخر الصلاة عن وقتها .. فلا تصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس .. أو تؤخر غيرها من الصلوات ..
فكيف حال من لا تصلي ؟
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤياه لعذاب من يخرج الصلاة عن وقتها .. فقال :
أتاني الليلة آتيان .. وإنهما ابتعثاني .. وإنهما قالا لي : انطلق .. وإني انطلقت معهما ..
وإنا أتينا على رجل مضطجع .. وإذا آخر قائم عليه بصخرة .. وإذا هو يهوي بالصخرة
لرأسه .. فيثلغ رأسه ..فيتدهده الحجر هاهنا .. فيتبع الحجر .. فيأخذه ..

(149/7)


فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه ..فيفعل به مثل ما فعل به مرة الأولى ..
فقلت : سبحان الله !! ما هذان ..فقال الملكان : هذا الرجل .. يأخذ القرآن فيرفضه .. ( يعني لا يعمل بما فيه ) ..وينام عن الصلاة المكتوبة ..
{ كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ..
ـ
أما ثانية القابضات على الجمر ..
فقد كانت ملكة على عرشها ..
على أسرة ممهدة ، وفرش منضدة ..
بين خدم يخدمون .. وأهل يكرمون ..
لكنها كانت مؤمنة تكتم إيمانها ..
إنها آسية .. امرأة فرعون .. كانت في نعيم مقيم ..
فلما رأت قوافل الشهداء .. تتسابق إلى السماء ..
اشتاقت لمجاورة ربها .. وكرهت مجاورة فرعون ..
فلما قتل فرعون الماشطة المؤمنة .. دخل على زوجه آسية يستعرض أمامها قواه ..
فصاحت به آسية : الويل لك ! ما أجرأك على الله .. ثم أعلنت إيمانها بالله ..
فغضب فرعون .. وأقسم لتذوقن الموت .. أو لتكفرن بالله ..
ثم أمر فرعون بها فمدت بين يديه على لوح .. وربطت يداها وقدماها في أوتاد من حديد
.. وأمر بضربها فضربت ..
حتى بدأت الدماء تسيل من جسدها .. واللحم ينسلخ عن عظامها ..
فلما اشتد عليها العذاب .. وعاينت الموت ..رفعت بصرها إلى السماء .. وقالت :
{ رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم
الظالمين } ..
وارتفعت دعوتها إلى السماء ..
قال ابن كثير : فكشف الله لها عن بيتها في الجنة ..
فتبسمت .. ثم ماتت .. نعم .. ماتت الملكة ..
التي كانت بين طيب وبخور .. وفرح وسرور ..
نعم تركت فساتينها .. وعطورها .. وخدمها .. وصديقاتها ..
واختارت الموت ..
لكنها اليوم .. تتقلب في النعيم كيفما شاءت ..
ولماذا لا يكون جزاؤها كذلك .. وهي .. طالما ..
وقفت تناجي ربها والليل مسدول البراقع
تصغي لنجواها السماء وقد جرت منها المدامع
تدعو فتحتشد الملائك والدجى هيمان خاشع
والعابدات الزاهدات جفت مراقدها المضاجع
وتخر

(149/8)


للرحمن ساجدة مطهرة النوازع ..
نفعها صبرها على الطاعات .. ومقاومتها للشهوات ..
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا * أولئك لهم
جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا } ..
فأين نساؤنا اليوم ؟
أين نساؤنا عن سير هؤلاء الصالحات ..
أين النساء اللاتي يقعن في المخالفات الشرعية في لباسهن .. وحديثهن .. ونظرهن .. ثم
إذا نصحت إحداهن قالت : كل النساء يفعلن مثل ذلك .. ولا أستطيع مخالفة التيار ..
سبحان الله !!
أين القوة في الدين .. والثبات على المبادئ ..
إذا كانت الفتاة بأدنى فتنة تتخلى عن طاعة ربها .. وتطيع الشيطان .. أين الاستسلام
لأوامر الله .. والله تعالى يقول : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } ..
أين تلك الفتيات العابثات .. اللاتي تتعرض إحداهن للعنة ربها ..
فتلبس عباءتها على كتفها .. فيرى الناس تفاصيل كتفيها وجسدها .. إضافة إلى تشبهها
بالرجال .. لأن الرجال هم الذين يلبسون عباءاتهم على أكتافهم .. ومن تشبهت بالرجال
فهي ملعونة ..
وأين تلك المرأة التي تنتف حواجبها وتغير خلق الله .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد لعن النامصة والمتنمصة ..
وأين تلك تلك الواشمة .. التي تضع الوشم على وجهها على شكل نقط متفرقة .. أو على
شكل رسوم في مناطق من جسدها .. وهذا فعل المومسات .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة ..
بل .. أين تلك المرأة التي تلبس الشعر المستعار .. أو ما يسمى بالباروكة .. والله تعالى قد لعن الواصلة والمستوصلة ..
فهؤلاء النساء ملعونات ..أتدرين ما معنى ملعونة ؟! أي مطرودة من رحمة الله ..
مطرودة عن سبيل الجنة ..
أو ترضين أن تطردي عن الجنة ..

(149/9)


بسبب شعرات تنتفينها من حاجبيك .. أو عباءة تنزلينها على كتفيك .. أو نقاط من وشم في أنحاء جسدك ..
أو تريدين الجمال ؟!
ليس الجمال والله بالتعرض للعنة الله وسخطه ..
بل الجمال الحقيقي هو ما يكون بطاعة الله ..
ويكمل الجمال ويزين .. للمؤمنات في الجنة ..
فإذا كان الله تعالى قد وصف الحور العين بما وصف ..
وهن لم يقمن الليل .. ولم يصمن النهار .. ولم يصبرن عن الشهوات ..
فما بالك بجمالك أنت .. وحسنك .. وبهائك ..
وأنت التي طالما خلوت بربك في ظلمة الليل .. يسمع نجواك .. ويجيب دعاك .. طالما
تركت لأجل رضاه اللذات .. وفارقت الشهوات ..
فيا بشراك وقد تلقتك الملائكة عند الأبواب .. تبشرك بالنعيم وحسن الثواب .. وقد
ازددت جمالا فوق جمالك ..
{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ..
فأنت في الجنة .. قد ..
كملت خلائقك وأكمل حسنك كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهك والليل تحت ذوائب الأغصان
والبرق يبدو حين يبسم ثغرك فيضيء سقف القصر بالجدران
وتبختري في مشيك ويحق ذاك لمثلك في جنة الحيوان
ووصائف من خلفك وأمامك وعلى شمائلك ومن أيمان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرمي ذا وذا يا ذلة الحرمان
منتك نفسك باللحاق مع القعو د عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا إمكان
ـ
فأين تلك المسكينة .. التي تعرض عن سماع السور والآيات .. وتستمع إلى المعازف
والأغنيات .. فتتعرض لعذاب الله .. وتحرم من سماع الغناء في الجنة .. سبحان الله ..
ما كفاك القرآن وسماعه .. فتركتيه وبحثت عن الغناء .. قال محمد ابن المنكدر : إذا
كان يوم القيامة نادى مناد :
أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان ؟!
أسكنوهم رياض المسك .. ثم يقول الله للملائكة :

(149/10)


اسمعوهم تمجيدي وتحميدي ..
وعن شهر بن حوشب : أن الله جل ثناؤه يقول لملائكته : إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من أجلي .. فأسمعوا عبادي ..
فيأخذون بأصوات من تسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط ..
قال ابن عباس
ويرسل ربنا ريحا تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتا تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
واها لذياك السماع فكم به للقلب من طرب ومن أشجان
نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغنا عن هذه الألحان
حب الكتاب وحب الحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان
والله إن سماعهم في القلب والإيمان مثل السم في الأبدان
والله ما انفك الذي هو دأبه أبدا من الإشراك بالرحمن
فالقلب بيت الرب جل جلاله حبا وإخلاصا مع الإحسان
فإذا تعلق بالسماع أصاره عبدا لكل فلانة وفلان ..
ـ
بل إن القابضات على الجمر .. لم يكتفين بالصبر على العذاب .. وتحمل البلاء .. وإنما
كان لهن في نصر الدين .. ومقاومة الباطل .. بطولات وأعاجيب .. صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم .. عجوز قد جاوز عمرها الستين سنة .. فلما اجتمع الكفار من قريش وغيرها .. وتآمروا على غزو المدينة .. حفر المسلمون خندقا في جهة من جهات المدينة .. وكانت الجبال تحيط ببقية الجهات ..
وكان عدد المسلمين قليلا .. فاستنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم للرباط أمام الخندق لصد من يتسلل إليهم من الكفار ..
أما النساء والصبيان فقد جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في حصن منيع .. ولم يترك عندهم من يحرسهم .. لقلة المسلمين وكثرة الكفار ..
وبينما النبي صلى الله عليه وسلم منشغل مع أصحابه في القتال عند الخندق .. تسلل جمع من اليهود حتى وصلوا إلى الحصن .. ثم لم يجرؤا على الدخول خشية من وجود أحد من المسلمين .. فاصطفوا خارج الحصن .. وأرسلوا واحدا منهم يستطلع لهم الأمر .. فجعل هذا اليهودي يطوف بالحصن .. حتى وجد فرجة فدخل

(149/11)


منها .. وجعل يبحث وينظر .. فرأته صفية رضي الله عنها .. ففزعت وقالت في نفسها :
هذا اليهودي يطوف بالحصن .. وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من
يهود .. وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.. وإن صرخت فزعت النساء والصبيان .. وعلم اليهودي أن لا رجال في الحصن ..
فتناولت سكينا وربطتها في وسطها .. ثم أخذت عمودا من خشب ..
ونزلت من الحصن إليه وتحينت منه التفاتة .. فضربته بالعمود على أم رأسه .. حتى
قتلته .. فلما خمد .. تناولت سكينا .. فلله در صفية .. تلك العابدة التقية ..
ـ
فتأملي في جرأتها وبذلها نفسها لخدمة الدين ..
فكم تبذلين أنت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
كم ترين في المجالس من النامصات .. وفي الأسواق من المتبرجات .. وفي الأعراس من المتعريات .. فماذا فعلت تجاههن ؟!
{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز
حكيم } ..
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحق اللعنة ..
{ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } ..

ولا تخجلي من ذلك فالدعوة تحتاج إلى جرأة في أولها .. ثم تفرحين بآخرها ..
والصالحات القابضات على الجمر .. إذا أتى إحداهن الأمر من الشريعة .. أطاعت ..
وسلمت .. وأذعنت .. ولم تعترض .. أو تخالف .. أو تبحث عن مخارج ..
وتأملي في خبر تلك الفتاة العفيفة الشريفة .. العروس ..
قال أنس رضي الله عنه : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له : جليبيب في وجهه دمامة .. فعرض عليه رسول الله التزويج .. فقال : إذا تجدني كاسدا ..
فقال : غير أنك عند الله لست بكاسد ..
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتحين الفرص لتزويج جليبيب ..
حتى

(149/12)


جاء رجل من الأنصار يوما يعرض ابنته الثيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ليتزوجها .. فقال صلى الله عليه وسلم : نعم يا فلان .. زوجني ابنتك ..
قال : نعم ونعمين .. يا رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلم : إني لست أريدها لنفسي .. قال : فلمن ؟ قال : لجليبيب ..
قال : جليبيب !! يا رسول الله !! حتى استأمر أمها ..
فأتى الرجل زوجته فقال : إن رسول الله يخطب ابنتك ..
قالت : نعم .. ونعمين .. زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال : إنه ليس يريدها لنفسه .. قالت : فلمن ؟ قال : يريدها لجليبيب ..
قالت : حلقى لجليبيب .. لا لعمر الله لا أزوج جليبيبا .. وقد منعناها فلانا وفلانا .. فاغتم أبوها لذلك .. وقام ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فصاحت الفتاة من خدرها بأبويها : من خطبني إليكما ؟
قالا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
قالت : أتردان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟ ادفعاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فإنه لن يضيعني .. فكأنما جلت عنهما ..
فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله .. شأنك بها فزوجها جليبيبا .. فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم جليبيبا ..
ودعا لها وقال : اللهم صب عليهما الخير صبا .. ولا تجعل عيشهما كدا كدا ..
فلم يمض على زواجه أيام .. حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة .. وخرج معه جليبيب .. فلما انتهى القتال .. وبدأ الناس يتفقد بعضهم بعضا ..
سألهم النبي صلى الله عليه وسلم : هل تفقدون من أحد قالوا : نفقد فلانا وفلانا ..
ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلانا وفلانا ..ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلانا وفلانا ..قال : ولكني أفقد جليبيبا ..
فقاموا يبحثون عنه .. ويطلبونه في القتلى .. فلم يجدوه في ساحة القتال ..
ثم وجدوه في مكان قريب .. إلى جنب سبعة من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه .. فوقف
النبي

(149/13)


صلى الله عليه وسلم ينظر إلى جثته ..
ثم قال : قتل سبعة ثم قتلوه .. قتل سبعة ثم قتلوه .. هذا مني وأنا منه ..
ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه .. وأمرهم أم يحفروا له قبره ..
قال أنس : فمكثنا نحفر القبر .. وجليبيب ماله سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. حتى حفر له ثم وضعه في لحده ..
قال أنس : فوالله ما كان في الأنصار أيم أنفق منها .. تسابق الرجال إليها كلهم يخطبها بعد جليبيب ..
{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } ..
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) ..

فأين تلك الفتيات الصالحات .. اللاتي تقدم إحداهن محبة الله ورسوله على هواها .. فإذا سمعت الأمر من الله تعالى قدمته على أمر كل أحد .. بل قدمته على ما تزينه لها صديقاتها .. أو توسوس به لها نفسها ..
قالت عائشة رضي الله عنها كما عند أبي داود : والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار .. أشد تصديقا بكتاب الله .. ولا إيمانا بالتنزيل .. لقد أنزل في سورة النور قوله تعالى في الأمر بحجاب المؤمنات { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن } ..
فسمعها الرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم انقلبوا إليهن .. يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها .. يتلو الرجل على امرأته .. وابنته .. وأخته .. وعلى كل ذات قرابته ..فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها - وهو كساء من قماش تلبسه النساء - .. فاعتجرت به .. - لفته على رأسها - .. وقامت بعضهن إلى أزرهن فشققنها واختمرن بها .. أي الفقيرة التي لم تجد قماشا تستر به وجهها .. أخذت إزارها وهو ما يلبس من

(149/14)


البطن إلى القدمين ثم شقت منه قطعة غطت بها وجهها .. تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه ..
قالت عائشة : فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ..
ــ
الله أكبر .. هذا حال المرأة في ذلك الزمان .. في تغطيتها لوجهها .. وسترها لزينتها
.. تتستر حتى لا يراها الرجال ..
هل تدرين من هي هذه المرأة التي أمرت بالتستر ..
إنها عائشة أم المؤمنين .. وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأسماء بنت أبي بكر .. وغيرهن من الصالحات التقيات ..
وهل تدرين يسترن زينتهن عن من .. عن أبي بكر .. وعمر .. وعثمان .. وعلي .. وغيرهم من الصحابة .. أزكى رجال الأمة .. وأعفهم وأطهرهم .. ومع ذلك أمرت النساء بالتستر مع صلاح ذلك المجتمع ..
بل قد نهى الله أبا بكر .. وعمر .. وطلحة .. والزبير .. والصحابة جميعا عن الاختلاط بالنساء .. فقال : { وإذا سألتموهن متاعا } يعني إذا سألتم أزواج النبي وهن أطهر النساء .. { فاسألوهن من وراء حجاب } .. لماذا ..؟؟ { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ..
فكيف الحال اليوم مع نسائنا .. ورجالنا .. وقد فسد الزمان ؟
ماذا نقول لنساء جريئات .. تحادث إحداهن البائع في السوق بكل طلاقة لسان .. وكأنه
زوجها أو أخوها .. بل قد تضاحكه وتمازحه .. ليخفض لها في السعر .. مع لبسها للنقاب الواسع ..
وقد تزيد على ذلك الخلوة بالسائق .. وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ..
وكل هذه المعاصي هي تعلم أنها معاص .. لكنها مع ذلك تقدم عليها بنعم أعطاها الله
لها .. فتعصي الله بنعمته .. وكأن ربها عاجز عن عذابها ..
سبحان الله .. لو شاء الله لسلب منك هذه النعم التي تعصينه بها !!
اذهبي إلى مستشفى النقاهة وانظري أحوال النساء التي فقدن العافية ..
اذهبي إلى هناك .. لتري فتيات في عمر الزهور ..
لا يتحرك في الواحدة منهن إلا عيناها ..
أما بقية جسدها فمشلول شلل كلي .. لو قطعت رجلاها ويداها بالسكاكين

(149/15)


لما أحست بشيء .. نسأل الله لهن الشفاء والعافية .. والأجر العظيم ..
كل واحدة منهن .. تتمنى لو تتحكم ولو .. بإخراج البول والغائط ..
بل لا تدري إحداهن أنه قد خرج منها بول أو غائط إلى إذا شمت الرائحة .. يلبسن
حفائظ على عوراتهن كالأطفال ..
وتبقى الحفائظ على بعضهن ثلاثة أيام وأربعة ..
قد كانت مثلك .. تأكل وتشرب .. وتضحك وتلعب .. وتتمشى في الأسواق .. وفجأة .. ودون سابق تحذير .. أصيبت بحادث سيارة .. أو جلطة في القلب أو الدماغ ..
والنتيجة .. صارت حية في صورة ميتة .. عشر سنين .. وعشرين سنة .. وثلاثين ..
{ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون * قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } ..
ولا يعني أن كل من أصابها مرض فإن ذلك يكون عقوبة وجزاء .. كلا .. ولكن .. لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ..

والقابضات على الجمر ..
يتسابقن إلى الأعمال الصالحة .. صغيرها وكبيرها .. ولهن في كل ميدان سهم .. ولا
تعلمين ما هو العمل الذي به تدخلين إلى الجنة ..
فلعل شريطا توزعينه في مدرسة ..
أو نصيحة عابرة تتكلمين بها .. يكتب الله بها لك رضاه ومغفرته ..
ولقد .. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : أن امرأة بغيا من بني إسرائيل كانت تمشي في صحراء .. فرأت كلبا بجوار بئر يصعد عليه تارة .. ويطوف به تارة .. في يوم حار قد أدلع لسانه من العطش .. قد كاد يقتله العطش .. فلما رأته هذه البغي ..
التي طالما عصت ربها .. وأغوت غيرها .. ووقعت في الفواحش .. وأكلت المال الحرام ..
لما رأت هذا الكلب .. نزعت خفها .. حذاءها .. وأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء .. وسقته ..
فغفر الله لها بذلك .. الله أكبر .. غفر الله لها .. بماذا ..؟
هل كانت تقوم الليل وتصوم النهار ؟! هل قتلت في سبيل الله ؟!
كلا ..

(149/16)


وإنما سقت كلبا شربة من ماء .. فغفر الله لها ..
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرت عن : امرأة مسكينة جاءتها .. تحمل ابنتين لها .. فقالت : يا أم المؤمنين .. والله ما دخل بطوننا طعام منذ ثلاثة أيام ..
فبحثت عائشة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد إلا ثلاث تمرات ..
فأعطتها الثلاث تمرات .. ففرحت المسكينة بها .. وأعطت كل واحدة من الصغيرتين تمرة .. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها .. فكانت البنتان لفرط الجوع .. أسرع إلى تمرتيهما من الأم إلى تمرتها .. فرفعتا أيديهما تريدان التمرة التي بيد الأم .. فنظرت الأم إليهما .. ثم شقت التمرة الباقية بينهما ..
قالت عائشة : فأعجبني حنانها .. فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله قد أوجب لها بها الجنة .. أو أعتقها بها من النار ..

فالقابضات على الجمر يتسابقن إلى الطاعات .. وإن كانت يسيرة صغيرة .. والأعظم من ذلك هو الحذر من المعاصي .. وعدم التساهل بها .. فقد قال تعالى عن قوم تساهلوا بالمعاصي وتصاغروها : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ..
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين .. أنه رأى امرأة تعذب في النار ..
فما الذي أدخلها إلى النار ؟
هل سجدت لصنم ..؟ هل قتلت نبيا ؟ .. هل سرقت أموال الناس .. ؟ كلا ..دخلت امرأة
النار في هرة .. سجنتها .. فلا هي أطعمتها .. ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض
حتى ماتت هزلا .. قال صلى الله عليه وسلم : فلقد رأيتها في النار والهرة تخدشها ..
وروى البخاري .. أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار .. وتفعل .. وتصدق .. لكنها .. تؤذي جيرانها بلسانها ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها .. هي من أهل النار ..
قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة .. وتصدق بأثوار – يعني بأجزاء يسيرة من الطعام –
ولا تؤذي أحدا ..
فقال رسول الله

(149/17)


صلى الله عليه وسلم : هي من أهل الجنة ..

والقابضات على الجمر في هذا الزمان .. تعلم كل واحدة منهن .. أن الحرب الموجهة إليها حرب ضروس يريدون منها استعبادها .. وهتك عرضها .. باسم الحرية والمساواة ..
فما معنى الحرية التي يدعوا إليها المفسدون ؟ ..
ولماذا لا يدعون إلى تحرير العمال المظلومين .. والضحايا المنكوبين .. والأيتام
المنبوذين ..
لماذا يصرون على أن المرأة العفيفة .. التي تعيش في ظل وليها .. ولو مد أحد
العابثين يده إليها .. لما عادت إليه يده .. لماذا يصرون دائما على أن هذه المرأة
تحتاج إلى تحرير ..
هل ارتداء المرأة للعباءة والحجاب لتحمي نفسها من النظرات المسعورة .. يعد عبودية
تحتاج أن تحرر المرأة منها ..؟؟
هل تخصيص أماكن معينة لعمل المرأة .. بعيدة عن مخالطة الرجال .. هو عبودية وذل
للمرأة .. ؟
هل تربية المرأة لأولادها .. ورأفتها ببناتها .. وقرارها في بيتها .. هو عبودية
تحتاج إلى تحرير ..؟؟
ثم .. لماذا نجد أن أكثر من يتنابحون ويدعون إلى تحرير المرأة .. وتكشفها لهم ..
ويزعمون أن حجابها قيد وغل لا بد أن تتحرر منه .. لماذا نجد أن أكثر هؤلاء هم
ليسوا من العلماء .. ولا من المصلحين .. وإنما أكثرهم من الزناة .. وشراب الخمور ..
وأصحاب الشهوات المسعورة ؟؟
فلماذا يدعوا هؤلاء إلى تحرير المرأة ؟
لماذا يستميتون لإخراج العفيفة من بيتها .. لماذا ؟؟ الجواب واضح ..
اشتهوا أن يروها متعرية راقصة فزينوا لها الرقص .. فلما تعرت وتبذلت .. وأصبحت
تلهو وترقص في المسارح .. أرضوا شهواتهم منها .. ثم صاحوا بها وقالوا : قد حررناك
..
واشتهوا أن يتمتعوا بها متى شاءوا .. فزينوا لها مصاحبة الرجال .. ومخالطتهم .. حتى
حولوها إلى حمام متنقل .. يستعملونه متى شاءوا .. على فرشهم .. وفي حدائقهم ..
وباراتهم .. وملاهيهم .. فلما تهتكت وتنجست .. صاحوا بها وقالوا : قد حررناك ..
خدعوها بقولهم حسناء

(149/18)


والغواني يغرهن الثناء
واشتهوا أن يروها عارية على شاطئ البحر .. وساقية للخمر .. وخادمة في طائرة ..
وصديقة فاجرة .. فزينوا لها ذلك كله وأغروها بفعله ..
فلما ولغت في مستنقع الفجور .. تضاحكوا بينهم وقالوا : هذه امرأة متحررة .. فمن
ماذا حرروها ؟
عجبا .. هل كانت في سجن وخرجت منه إلى الحرية ؟
هل الحرية في تقصير الثياب .. ونزع الحجاب ..
أم الحرية في التسكع في الأسواق .. ومضاجعة الرفاق ..
هل الحرية في مكالمة شاب فاجر .. أو الخلوة بذئب غادر ..
أليس الحرية الحقيقية .. والسيادة النقية .. هي أن تكوني عفيفة مستترة ..
أبوك يرأف عليك .. وزوجك يحسن إليك ..
وأخوك يحرسك بين يديك .. وولدك ينطرح على قدميك ..
وهذه هي الكرامة العظيمة التي أرادها الله تعالى لك ..
فلقد أوصى الله بك أباك وأمك :
فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : ( من عال جاريتين حتى تبلغا .. جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) ..
وأوصى بك أولادك فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين .. للرجل الذي سأله فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟
قال : أمك .. ثم أمك .. ثم أمك .. ثم أبوك ..
بل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة زوجها .. وذم من غاضب زوجته أو أساء إليها .. فعند مسلم والترمذي ..أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حجة الوداع .. فإذا بين يديه مائة ألف حاج .. فيهم الأسود والأبيض .. والكبير والصغير .. والغني والفقير .. صاح صلى الله عليه وسلم بهؤلاء جميعا وقال لهم : ألا واستوصوا بالنساء خيرا .. ألا واستوصوا بالنساء خيرا ..
وروى أبو داود وغيره .. أنه في يوم من الأيام أطاف بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن ..فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .. قام .. وقال للناس : لقد طاف بآل محمد صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن .. ليس أولائك بخياركم ..
وصح عند ابن ماجة والترمذي أن النبي

(149/19)


صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) ..
بل .. قد بلغ من إكرام الدين للمرأة .. أنها كانت تقوم الحروب .. وتسحق الجماجم ..
وتتطاير الرؤوس .. لأجل عرض امرأة واحدة ..
ذكر أصحاب السير :
أن اليهود كانوا يساكنون المسلمين في المدينة ..
وكان يغيظهم نزول الأمر بالحجاب .. وتستر المسلمات .. ويحاولون أن يزرعوا الفساد
والتكشف في صفوف المسلمات .. فما استطاعوا ..
وفي أحد الأيام جاءت امرأة مسلمة إلى سوق يهود بني قينقاع ..
وكانت عفيفة متسترة .. فجلست إلى صائغ هناك منهم ..
فاغتاظ اليهود من تسترها وعفتها .. وودوا لو يتلذذون بالنظر إلى وجهها .. أو لمسها
والعبث بها .. كما كانوا يفعلون ذلك قبل إكرامها بالإسلام .. فجعلوا يريدونها على
كشف وجهها .. ويغرونها لتنزع حجابها .. فأبت .. وتمنعت .. فغافلها الصائغ وهي جالسة .. وأخذ طرف ثوبها من الأسفل .. وربطه إلى طرف خمارها المتدلي على ظهرها .. فلما قامت .. ارتفع ثوبها من ورائها .. وانكشفت سوأتها .. فضحك اليهود منها.. فصاحت المسلمة العفيفة .. وودت لو قتلوها ولم يكشفوا عورتها .. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين .. سل سيفه .. ووثب على الصائغ فقتله ..فشد اليهود على المسلم فقتلوه ..
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .. وأن اليهود قد نقضوا العهد وتعرضوا للمسلمات .. حاصرهم .. حتى استسلموا ونزلوا على حكمه ..
فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكل بهم .. ويثأر لعرض المسلمة العفيفة ..
قام إليه جندي من جند الشيطان .. الذين لا يهمهم عرض المسلمات .. ولا صيانة المكرمات .. وإنما هم أحدهم متعة بطنه وفرجه ..
قام رأس المنافقين .. عبد الله بن أبي ابن سلول ..
فقال : يا محمد أحسن في موالي اليهود وكانوا أنصاره في الجاهلية ..
فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. وأبى ..
إذ كيف يطلب العفو عن أقوام يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا

(149/20)


..فقام المنافق
مرة أخرى .. وقال : يا محمد أحسن إليهم .. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. صيانة لعرض المسلمات .. وغيرة على العفيفات ..
فغضب ذلك المنافق .. وأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم .. وجره وهو يردد : أحسن إلى موالي .. أحسن إلى موالي ..
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم والتفت إليه وصاح به وقال : أرسلني ..
فأبى المنافق .. وأخذ يناشد النبي صلى الله عليه وسلم العدول عن قتلهم ..
فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : هم لك ..
ثم عدل عن قتلهم .. لكنه صلى الله عليه وسلم أخرجهم من المدينة .. وطردهم من ديارهم ..
إن الصالحات .. القابضات على الجمر .. عفيفات مستورات ..
تموت إحداهن ولا تهتك سترها .. بل قد ..
ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ..
أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كانت دائمة الستر والعفاف ..
فلما حضرها الموت ..
فكرت في حالها وقد وضعت جثتها على النعش .. وألقي عليها الكساء .. فالتفتت إلى
أسماء بنت عميس ..
وقالت يا أسماء : إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء ..
إنه ليطرح على جسد المرأة الثوب فيصف حجم أعضائها لكل من رأى ..
فقالت أسماء : يا بنت رسول الله .. أنا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة ..
قالت : ماذا رأيت .. فدعت أسماء بجريدة نخل رطبة فحنتها .. حتى صارت مقوسة كالقبة .. ثم طرحت عليها ثوبا .. فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله .. تعرف بها المرأة من الرجل ..فلما توفيت فاطمة .. جعل لها مثل هودج العروس .. هذا حرص فاطمة على الستر وهي جثة هامدة .. فكيف لما كانت حية ؟!
سبحان الله !!
أين أولئك الفتيات المسلمات .. اللاتي نعلم أنهن يحببن الله ورسوله ..
وقلوبهن تشتاق إلى الجنة .. ولكن مع ذلك :
تذهب إحداهن إلى المشغل النسائي فتكشف عورتها طائعة مختارة لتقوم امرأة أخرى بإزالة الشعر من أجزاء جسدها .. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي : ( ما

(149/21)


من امرأة تضع ثيابها .. في غير بيت زوجها .. إلا هتكت الستر بينها وبين ربها ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال فيما صح عند البيهقي : ( شر نسائكم المتبرجات المتخيلات ، وهن المنافقات ، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ) ..
بل .. أين الفتيات المسلمات اللاتي نؤمل فيهن أن ينصرن الإسلام .. ويبذلن أنفسهن وأرواحهن خدمة لهذا الدين ..
فنفاجأ بإحداهن قد لبست العباءة المطرزة .. أو الكعب العالي .. ثم ذهبت إلى سوق ..
أو حديقة .. أو تلبس إحداهن البنطال .. وتقول : لا يراني إلا إخوتي .. أو أنا ألبسه بين النساء .. وكل هذا لا يجوز .. كما أفتى بذلك العلماء ..
بل قد تزيد بعض النساء بأن لا تكتفي بعمل المعصية بل تجر غيرها من الفتيات إليها .. فتنشر الصور المحرمة .. أو أرقام الهواتف المشبوهة .. أو المجلات المليئة بالعهر والفساد .. والله تعالى يقول : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم
عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ..
ــ
إن تساهل المرأة بالتكشف والسفور .. يؤدي إلى فساد حياتها .. وأن تكون أحقر عند
الناس من كل أحد ..
سألت عددا من الشباب .. ممن يتتبعون الفتيات في الأسواق وعند بوابات المدارس ..
كيف تنظرون إلى الفتاة التي تستجيب لكم فقالوا لي جميعا – والله - : إننا نحتقرها
ونلعب بها وبعقلها .. فإذا شبعنا منها ركلناها بأرجلنا .. بل قال لي أحدهم : والله
يا شيخ إني إذا ذهبت إلى السوق ورأيت فتاة عفيفة قد جمعت على نفسها ثيابها فإنها
تكبر في عيني .. ولا أجرؤ على الاقتراب منها .. بل والله لو رأيت أحدا يقترب منها
لتشاجرت معه ..
بل انظري إلى ما يحدث في البلاد التي يزعمون أن فيها حرية ..
فقد بلغت المرأة من التكشف والسفور .. بل التفسخ والانحطاط .. ما ندمت عليه ..
يغتصب يوميا في أمريكا ألف وتسعمائة فتاة .. عشرون في المائة منهن يغتصبن من قبل آبائهن

(149/22)


..!!
ويقتل سنويا في أمريكا مليون طفل ما بين إجهاض متعمد أو قتل فور الولادة !! وبلغت
نسبة الطلاق في أمريكا ستين في المائة من عدد الزيجات ..!! وفي بريطانيا مائة وسبعون شابة تحمل سفاحا كل أسبوع !!
كم من امرأة هناك والله تتمنى ما أنت عليه من تستر وعفاف ..
بل إن النساء لما تكشفت هناك .. انتشرت الفواحش .. وكثرت السرقات وأنواع الجرائم ..
والشيطان طالما استعمل بعض النساء لتحقيق الفساد في الأرض .. ومن استغواها الشيطان .. فأطاعته وقدمت شهوات نفسها .. وتتبعت الموضات .. في اللباس .. والعباءة .. والنمص .. والوشم .. والأغاني .. والأفلام .. والمجلات .. وصارت هذه الشهوات أغلى عندها من اتباع شريعة ربها .. فهي عاصية .. وما خلقت النار إلا لتأديب العصاة ..
أخرج مسلم عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما .. فسمعنا وجبة .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما هذا ؟
فقلنا : الله و رسوله أعلم ..
قال : هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا .. فالآن انتهى إلى قعرها ..قال الله
: { خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } ..
{ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين * ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون *
لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } ..
أما طعامهم فيها فشجرة الزقوم : { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم به تمترون } ..
أما حالهم في المحشر بين الناس فهم كما

(149/23)


قال الله :{ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } ..
هذا حال من عصت ربها .. وأهملت آخرتها ..
حتى خفت موازينها .. وتبرأ منها أبوها وأمها ..
ولم تنفعها صديقاتها .. ولا أساورها ومجلاتها ..
وأهل النار .. هم في النار لا ينامون ولا يموتون ..
يمشون على النار .. ويجلسون على النار ..
ويشربون من صديد أهل النار .. ويأكلون من زقوم النار ..
فرشهم نار .. ولحفهم نار .. وثيابهم ونار .. وتغشى وجوههم النار ..
قد ربطوا بسلاسل بأيدي الخزنة أطرافها ..
يجرونهم بها في النار .. فيسيل صديدهم .. ويرتفع صراخهم ..
ويلقى الجرب على جلودهم .. فيحكون جلودهم .. حتى تبدو العظام ..
ولو أن رجلا أدخل النار .. ثم أخرج منها إلى الأرض ..
لمات أهل الأرض من نتن ريحه .. وتشوه خلقه ..
{ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون * ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون } ..
{ فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون
* تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون *
فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم * فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ..
ــ
والقابضات على الجمر ..
لا تعيش إحداهن لنفسها فقط .. بل تحمل هم هذا الدين .. ليس هم إحداهن لباسها وحذاؤها .. وتسريحة شعرها .. وإنما همها الأكبر كيف تخدم هذا الدين .. إذا رأت عاصية فكيف تنصحها .. فتجدين أنها مباركة أينما كانت .. تفيد النساء في مجالسهن ..
توزع عليهن الأشرطة النافعة .. تنصح هذه .. وتتودد

(149/24)


إلى هذه .. فهي أحسن الناس قولا
.. { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين }
* * * * * * * *
القابضات على الجمر ..
هن نساء صالحات .. تغض إحداهن بصرها عن النظر إلى الرجال .. بل وتغض بصرها عن النظر إلى من قد تفتن بها من النساء .. ومن تساهلت بالنظر الحرام .. والخلوة المحرمة .. جرها ذلك إلى كبيرة الزنا .. أو السحاق عياذا بالله ..
{ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ..
وعند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجالا ونساء عراة في مكان ضيق مثل التنور .. أسفله واسع وأعلاه ضيق .. وهم يصيحون ويصرخون .. وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم .. فإذا أتاهم ذلك اللهب صاحوا من شدة حره ..قال صلى الله عليه وسلم : فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟
قال : هؤلاء الزناة والزواني .. فهذا عذابهم إلى يوم القيامة .. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .. نسأل الله العفو والعافية .
ومن تساهلت بالمعصية الصغيرة جرتها إلى الكبيرة .. وخشي عليها من سوء الخاتمة ..
والله يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } ..
ذكر ابن جرير في تفسيره .. إن راهبا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة ..
وأن الشيطان أراد أن يغويه فلم يقدر عليه ..
فمرضت فتاة لها ثلاثة إخوة ..
فجاؤوا بها إليه .. وجعلوها في بيت قريب منه .. ليأتي إليها ويداويها ..
فوسوس له الشيطان مرارا .. حتى خلا بها .. فوقع عليها وحملت منه ..
فقال له الشيطان : الآن يعلم أخوتها .. فيفضحوك ..
فاقتلها .. وقل لهم : ماتت فصليت عليها ودفنتها ..
فعمد إليها فقتلها ودفنها .. فلم يلبث أخوتها أن علموا به ..
فاشتكوه إلى ملكهم فأمر بصلبه وقتله ..
فلما ربط ليقتل .. أتاه الشيطان .. وقال له :
أنا صاحبك الذي وسوست لك حتى أوقعتك ..
فاسجد لي سجدة واحدة .. وأخلصك مما أنت فيه ..
فخر له الراهب ساجدا .. فلما سجد له .. قال له الشيطان :
إني بريء منك ..

(149/25)


إني أخاف الله رب العالمين ..
فذلك قوله : { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين } ..
واعلمي أن المؤمنات إذا ذكرن تذكرن ..
ذكر ابن قدامة في كتابه التوابين :
أن قوما فساق .. أمروا امرأة ذات جمال أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه .. وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم ..
فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب .. وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ..ثم تعرضت له حين خرج من مسجده .. فنظر إليها .. فراعه أمرها فأقبلت عليه وهي سافرة ..
فقال لها الربيع : كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك ؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين ؟ أم كيف بك لو قد ساء بك منكر ونكير ؟ فصرخت صرخة .. وبكت .. ثم تولت إلى بيتها .. وتعبدت .. حتى ماتت ..
وذكر العجلي في تاريخه :
أن امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة ..
فقالت لزوجها : أترى يرى أحد هذا الوجه ولا يفتتن به ؟!
قال : نعم .. قالت : من ؟! قال : عبيد بن عمير العابد الزاهد في الحرم ..
قالت : أرأيت إن فتنته .. وأكشف وجهي عنده ..
قال : قد أذنت لك ..فاتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام ..فأسفرت
عن وجه مثل فلقة القمر ..
فقال لها : يا أمة الله .. غطي وجهك واتق الله ..
فقالت : إني قد فتنت بك ..
فقال : إني سائلك عن شيء .. فإن أنت صدقت .. نظرت في أمرك ..
قالت : لا تسألني عن شيء إلا صدقتك ..
قال : اخبريني .. لو أن ملك الموت أتاك يقبض روحك .. أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة .. قالت : اللهم لا ..
قال : فلو أدخلت في قبرك فأجلست للمساءلة .. أكان يسرك إني قضيت لك هذه الحاجة ؟..
قالت : اللهم لا ..
قال : فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك .. أكان
يسرك أنى قضيت لك

(149/26)


هذه الحاجة ؟
قالت : اللهم لا ..
قال : فلو أردت المرور على الصراط ولا تدرين تنجين أم لا .. كان يسرك أنى قضيت لك هذه الحاجة ..
قالت : اللهم لا .. قال : فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين .. كان يسرك إني قضيت لك هذه الحاجة ؟
قالت : اللهم لا .. قال : فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة .. كان يسرك إني قضيت لك
هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا ..قال : فاتقي الله يا أمة الله .. فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك .. فرجعت إلى زوجها ..
فقال : ما صنعت ؟ قالت : أنت بطال .. ونحن بطالون .. الناس يتعبدون ويستعدون للآخرة .. وأنا وأنت على هذا الحال ..
فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة .. حتى ماتت ..

وختاما :
أيتها الجوهرة المكنونة .. والدرة المصونة ..
يا مربية الأجيال .. وصانعة الرجال ..
هذه وصايا استخرجتها لك من مكنون نصحي ..
سكبت فيها روحي .. وصدقتك فيها النصح والتوجيه ..
أسأل الله تعالى أن يحفظك ويحميك من كل سوء ..
وأن يجعلك مباركة في نفسك وأهلك وولدك ..
اللهم وفق ولي أمرنا لمل تحب وترضى ..

(149/27)


غض البصر

كتبه : هيثم جواد الحداد
ملخص الخطبة
1- أهمية الحديث عن غض البصر. 2- فتنة النساء والتحذير منها. 3- مسوغات الإقامة في بلاد الكفر. 4- فوائد غض البصر عن الحرام. 5- وسائل معينة على غض البصر.

الخطبة الأولى
أما بعد:
فإن الفتن في هذه الدنيا متنوعة متعددة، وهي راجعة إلى نوعين اثنين: فتن الشبهات، وفتن الشبهات، وكل من هذين النوعين يتبدل ويتلون بأشكال مختلفة ويختلفة قوة وضعفا من حين لآخر.
وفي هذه البلاد، ومع دخول هذا الفصل فصل الصيف، تهاجمنا فتنتة عمياء لا يكاد يسلم من أذاها، ولا ينجو من خطرها من ابتلي بالسكن هذه الديار.
أيها الإخوة، مع حلول فصل الصيف، وعندما تشتد حرارة هذه الشمس ولو بشيء يسير، يتحين أهل هذه البلاد هذه الفرصة بعد طول انتظار وعناء، فينسلخون من ملابسهم، ويتفنون في إظهار أجسادهم، ويتسابقون في تقصير ألبستهم، وصدق الله عز وجل إذ يقول: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179].
أيها المؤمنون، لعلكم أدركتم هذه الفتنة وطبيعتها، إنها فتنة النظر المحرم إلى النساء.
أيها الإخوة، قد يسأل أحدكم قائلا: لماذا نتكلم عن غض البصر؟
نتكلم عنه لأمور:
إن أكبر فتنة سيتعرض لها الإنسان في هذه الحياة الدنيا هي فتنة المسيح الدجال، لكن هذه قد لا تصيب الناس جميعهم، فمن مات قبل أن يتعرض لها، فقد أمن مصيبتها.

(150/1)


يتلو هذه الفتنة، فتنة الرجال بالنساء، في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)).
أيها الإخوة، وحتى لا نقع في فهم خاطئ لهذا الحديث، فنقصر الفتنة فيه على فتنة الشهوة الجنسية المحرمة، سواء عن طريق النظر، أو عن طريق الزنا، فإن المراد بالفتنة هنا عموم الفتنة من عموم النساء، سواء كانت زوجة أم أجنبية، وسواء كانت فتنتها الشهوة الجنسية، أم الصد عن ذكر الله والانشغال بها عن طاعة الله، كما قال الله عز وجل: ياأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم [التغابن:14].

(150/2)


أيها المؤمنون، وفتنة النساء هذه خطيرة جدا، حيث أوقعت في شباكها جماعة من العباد والصالحين، حتى صرفتهم عن زهدهم وتنسكهم، وعبادتهم لله عز وجل، بل إن بعضهم مرق من دين الإسلام بسبب امرأة، وما القصة التي اشتهر ذكرها عن جمع من أهل السير والتاريخ والتفسير، ببعيدة عنا عن جمع من الصحابة والتابعين، وذكرها ابن جرير في تفسيره من عدة أوجه أحدها عن علي بن أبي طالب قال: إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاؤوا بها إليه فداواها، وكانت عنده فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها، فحملت فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة، فسجد له، فقال: إني برىء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين [الحشر:16].
عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنه لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء، وهو كفر من بقي أيضا.
وعن سعيد بن المسيب قال: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء.
أيها المؤمنون، هذه الفتنة المدلهمة، والخطر العظيم، له مداخل ووسائل يلج بها الشيطان على الإنسان، أول مداخل هذه الفتنة، هو النظر إلى النساء، وصورهن، وأشكالهن.
النظر إلى الصور الجميلة يا عباد الله، بلاء ابتلينا به، ومحنة أذهلت العقول، وصهرت أفئدة الرجال، وتلاشى معها إيمان كثير من المسلمين، وصرفت قلوب آخرين عن البر والتقوى.

(150/3)


النظر إلى النساء، فتنة ليس لها من دون الله حام ولا مانع، مصيبة كبيرة، ومفسدة ضخمة، وشر مستطير، وبلاء ومحنة، اللهم اعصمنا منها، واحفظنا عن الوقوع فيها، وارحمنا يا أرحم الراحمين، فإنه لا حول لنا ولا طول بها.
في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي : ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه)).
أيها الإخوة، النظر بريد الزنا، قال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والعبد ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على خطر
يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
وقال الحجاوي: فضول النظر أصل البلاء لأنه رسول الفرج , أعني الآفة العظمى والبلية الكبرى , والزنا إنما يكون سببه في الغالب النظر , فإنه يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب والفكرة , فهذه الفتنة من فضول النظر , وهو من الأبواب التي يفتحها الشيطان على ابن آدم.
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذالك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون [النور:30].

(150/4)


وتأملوا أيها المؤمون ما في هذه الآية من البلاغة الغوية، وسمو التشريع، وفصاحة الخطاب، فقد قال الله عز وجل: يغضوا من أبصارهم ولم يقل يغضوا أبصارهم، ومن هنا على رأي كثير من المفسرين للتبعيض، لأن أول نظرة لا يملكها الإنسان، وإنما يغض فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج، فلم يقل: يحفظوا فروجهم، وقال: ويحفظوا فروجهم، إذ حفظ الفرج عام.
ثم تأمل كيف بدأ بالأمر بحفظ البصر ثم أتبعه بحفظ الفرج، وذلك لأن البصر الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه.
ولهذا قالوا: النواظر صوارم مشهورة، فأغمدها فى غمد الغض والحياء من نظر المولى، وإلا جرحك بها عدو الهوى[1].
وما أحسن قول الشاعر :
وغض عن المحارم منك طرفا طموحا يفتن الرجل اللبيبا
فخائنة العيون كأسد غاب إذا ما أهملت وثبت وثوبا
ومن يغضض فضول الطرف عنها يجد في قلبه روحا وطيبا
أيها المؤمنون، في الديار الكافرة التي طغا أهلها في البلاد فأكثروا فيها الفساد، إذا نظرت أمامك فسيقع نظرك على محرم، وإذا صرفته إلى الجهة اليمنى، فستشاهد صورة قبيحة، وإذا التفت إلى يسارك فسيمر أمام ناظريك شيطان في صورة امرأة شبه عارية، وإذا نظرت أسفل منك فسترى مفاتن من نوع آخر، فأين تنظر، انظر إلى السماء لتدعو الله عز وجل أن يهدي أهل هذه البلاد، وأن يرحمنا وإياهم فلا ينزل عليهم حجارة من سجيل تحرق أجسادهم العارية، فإن لم يهدهم فندعوه أن يخرجنا من هذه البلاد سالمين في ديننا وأعراضنا، وأهلينا، وأن يهدي بلاد المسلمين فلا تحذو حذوهم في هذا العري والفجور، وأن تلتزم الإسلام نهجا وتقرب أهل الخير بدل أن تضيق على أهل الخير حتى تضطرهم للقدوم إلى هذه الديار.

(150/5)


أيها الإخوة، مظاهر الفجور التي نشاهدها بأم أعيننا صباح مساء، تعيد علينا السؤال المهم والخطير، ما هو المسوغ الشرعي لبقائنا في هذه البلاد، هذا السؤال المحرج الذي كثيرا ما تسائلنا به في دواخل أنفسنا، وكثيرا ما تهربنا من الإجابة عنه، وكثيرا ما غالطنا عند الإجابة عنه حقائق شرعية، بل وواقعية.
أيها المؤمنون، وكما ذكرت قبل، فإن الحق مؤلم، والصراحة مزعجة، ومواجهة المشكلة تحتاج إلى شجاعة وإقدام، فلذا أريد أن ألخص لكم جواب هذا السؤال فيما يلي:
سكنى هذه الديار لا تجوز إلا بتحقق ثلاثة شروط:
الأول: الأمن على الدين، بحيث يكون لدى المقيم من العلم، والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه من الثبات على دينه، والحذر من الزيغ والإنحراف، ومولاة الكافرين ومحبتهم.
الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة، والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلى جماعة، وكذلك لا يمنع من الصيام والزكاة والحج وغيرها من شعائر الدين.
الثالث: المسوغ الشرعي. ولا نريد أن نفصل في هذه الشروط.
لكن ليسأل كل منا نفسه عن مدى تحقق هذه الشروط، وليتذكر قول الرسول : ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)).
أيها الإخوة، ولما كان النظر المحرم بهذه الدرجة من الخطورة، وهذه المنزلة من الغواية، كان لغض البصر فوائد كثيرة، يسر الله لبيانها العالم الرباني طبيب القلوب الشيخ ابن قيم الجوزية، وها نحن نذكر نتفا من تلك الفوائد التي صاغها يراعه:
أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة:
فإن من أطلق نظره دامت حسرته، فأضر شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه.
قال الشاعر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليـ ـه ولا عن بعضه أنت صابر

(150/6)


والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه، والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه، وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه.
وقال الشاعر:
إذا أنت لم ترع البروق اللوامحا ونمت جرى من تحتك السيل سائحا
غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته وأهملته مستأنسا متسامحا
ولم تدر حتى أينعت شجراته وهبت رياح الوجد فيه لواقحا
فأمسيت تستدعي من الصبر عازبا عليك وتستدني من النوم نازحا
الفائدة الثانية:
أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه، ولهذا ـ والله أعلم ـ ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض [النور:35]، عقيب قوله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور:30].
الفائدة الثالثة:
أنه يورث صحة الفراسة فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب صحت الفراسة لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوة، تظهر فيها المعلومات كما هي، والنظر بمنزلة التنفس فيها، فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه، فطمست نورها، كما قيل:
مرآة قلبك لا تريك صلاحه والنفس فيها دائما تتنفس
وقال شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من الحلال لم تخطىء فراسته، وكان شجاع لا تخطىء له فراسة.
والله سبحانه وتعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه، فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته، فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته.

(150/7)


الفائدة الرابعة:
أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة، ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه، قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
أيها المؤمنون، إن فهم هذا وإداركه يبين لنا سببا من أسباب الذل الذي ضرب على هذه الأمة في هذه العصور، لقد أذلتنا المعاصي، وأسرتنا الذنوب، وأوهن قوانا البعد عن الله، فخارت لنا كل قوة، ووهنت لنا كل عزيمة، وأصبحنا أهون الخلق، وانظر في حال قنواتنا الفضائية التابعة لدولنا الإسلامية تعلم أين نحن.
وبهذا المناسبة، فأقول عرضا: هذا الكلام، أعني اتهام قنواتنا الإعلامية بنشر الرذيلة، وبث الفساد، يريح النفس، ويسلي القلب لأن فيه إلقاء للتعبة على الآخرين، وينسى الفرد منا مجابهة الحقيقة، ومواجهة الصراحة، إذا كان هؤلاء يصنعون الفساد في هذه القنوات الفضائية، فما الذي يدعونا لهذا الفساد بجلب هذه القنوات إلى منازلنا، ثم يجبرنا على مشاهدتها؟
يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
وباعث الطرف يرتاد الشفاء له توقه فإنه يأتيك بالعطب
ترجو الشفاء بأحداق بها مرض فهل سمعت ببرء جاء من عطب
وبائعا طيب عيش ما له خطر بطيف عيش من الأيام منتهب
غبنت والله غبنا فاحشا فلو اس ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب
الفائدة الخامسة:
أيها الإخوة، من فوائد غض البصر أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.

(150/8)


وأيضا فإنه لما كف لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم: والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب.
ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى.
الفائدة السادسة:
أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل: طليق برأي العين وهو أسير، ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كما قال القائل:
كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب
الفائدة السابعة:
أنه يسد عنه بابا من أبواب جهنم، فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمتى هتك الحجاب وقع في المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية، فإن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها، وذلك أن لذتها في الشيء الجديد، فغض البصر يسد عنه هذا الباب.
أيها المؤمنون، وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهنا على بعضها.
أيها المؤمنون، والآن وبعد بيان خطورة هذا الآمر، وبيان أهمية غض البصر، يرد علينا سؤال هام جدا، ولعل قد خطر بخاطركم كلكم، ألا وهو ما هي الوسائل المعينة على غض البصر؟
أيها المؤمنون، نعم هو سؤال هام جدا، بل هو سؤال محير، لا سيما في هذه البلاد، ولا سيما في هذه الأجواء الصيفية.
أيها الأخ المبارك، إليك بعض الوسائل التي تعينني وتعينك على خوض هذه المعركة القاسية مع النفس، والهوى، والشيطان، فارع لي أذنا صاغية، وامنحني فؤادك الخير، وامنحني عقلك النير لأقول لك:
القاعدة الأولى: إذا نظرت نظر الفجأة فاصرف بصرك:
في صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله البجلي قال سألت رسول الله عن نظرة الفجأة, فأمرني أن أصرف بصري.

(150/9)


قال النووي في شرح مسلم ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك , ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال , فإن صرف في الحال فلا إثم عليه , وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث , فإنه أمره بأن يصرف بصره مع قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.
أيها المؤمنون، كما ذكرنا فإن بصر الإنسان في هذه البلاد معرض في كل دقيقة، بل في كل لحظة إلى الوقوع على صورة محرمة، فماذا يفعل؟
اصرف بصرك ولو أن تضطر لإغماض عينيك، واعلم يا عبدالله أنك إنما تتعامل مع الله، مع ربك ومولاك، من إذا غضب ألقى بك في نار وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم.
القاعدة الثانية: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى و ليست لك الآخرة)[2] رواه الإمام أحمد وأبوداود وهو حديث حسن.
وهذه قاعدة متصلة بالقاعدة السابقة، ومكملة لها، وهي قاعدة ذهبية في غض البصر وحفظه عن الحرام، لا سيما في هذه البلاد.
قال ابن الجوزي : "وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب , ولا يتأمل بها المحاسن, ولا يقع الالتذاذ بها , فمتى استدامها مقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم".
القاعدة الثالثة: تجنب الجلوس والتسكع في الطرقات:

(150/10)


في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: ((إياكم والجلوس في الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال رسول الله : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).
قال النووي: "هذا الحديث كثير الفوائد, وهو من الأحاديث الجامعة, وأحكامه ظاهرة, وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث".
أيها الإخوة، نههاهم الرسول عن الجلوس في الطرقات لأنها مظنة التعرض للنظر المحرم، وارتكاب منهيات أخرى، فلذلك قال لهم النبي : ((فإن كان لابد))، فأعطوا الطريق حقه، وذكر من حق الطريق غض البصر.
أيها الإخوة، يشترك مع الطرقات هذه التي هي مظنة النظر المحرم، الأماكن العامة التي يكثر فيها التفسخ، كبعض الحدائق والأسواق، وللأسف إن كثيرا من المسلمين يتهاونون في هذا الأمر، فيخرجون للنزهة في مثل هذه الحدائق مع علمهم بأنها مليئة بمظاهر التفسخ والانحلال والعري، ثم بعد ذلك يطالبون بالحلول العملية المعنية على غض البصر.
فإن قال قائل: لكن لا يستطع الإنسان حبس نفسه بالبيت، فلا بد من الخروج لشراء الحوائج، والنزهة، فنقول أولا: لا بد أن يكون ذلك بقدر الحاجة، ولا يحدث فيه توسع، ثم ليتجنب الإنسان الأزمنة والأمكنة التي هي مظنة الفساد، وبعد ذلك نقول له كما قال الرسول لأصحابه: ((فإن كان ولا بد فأعطوا الطريق حقه... غض البصر، وكف الأذى)).

(150/11)


أيها الإخوة، ما أشبه هذه البلاد في هذه الأيام، دور النظافة والاستحمام التي وجدت في بعض البلاد الإسلامية في عصور سابقة، دور النظافة هذه كانت تسمى بالحمامات، وليس المقصود بها أماكن قضاء الحاجة، بل هي أماكن عامة تتوفر فيها التدفئة والماء الساخن الذي لا يتوفر لكل أحد في تلك الأزمنة.
هذه الدور يدخلها عموم الناس من الرجال فقط، أو النساء فقط، ولا يراعون فيها حفظ عوراتهم وسترها عن أعين الناس، ومع أنها تخلو عن الاختلاط بين الرجال والنساء، إلا أن العلماء ذكروا لها أحكاما خاصة، لأن فيها كشفا للعورات، وهذه الأحكام التي ذكرها العلماء للتك الدور كأنما ذكروها لهذه البلاد.
قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشر شروط، نذكر منها ما يلي:
الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهر عن الرحضاء، ومعنى هذا أن الدخول لمجرد الترفه الذي لا حاجة له به.
الثاني: أن يتعمد أوقات الخلوة أو قلة الناس.
الثالث: أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور، وغير ذلك.
فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض البصر.

---
[1] بتصرف من تفسير الثعالبي (3/116).
[2] (حم د ت ك) عن بريدة. تحقيق الألباني. (حسن) انظر حديث رقم (7953) في صحيح الجامع.

الخطبة الثانية
وبعد: فمن القواعد المعينة على غض البصر: قوله تعالى.
القاعدة الرابعة: يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور [غافر:19].
قال ابن عباس: (هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها، وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره, فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر, فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره, وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها).
وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه[1].
وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى.

(150/12)


سئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره. وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
القاعدة الخامسة: بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره [القيمامة:14، 15].
يكثر الإنسان من البحث عن الأعذار في عدم إمكانية غض البصر، وأنه أمر غير واقعي، ويبدأ الشيطان بحياكة صور متعددة من الأعذار، ويزين له الاتكال عليها من أجل أن يطلق بصره، ويسرح بنظره، فتارة يقول له مستهزئا: الأحسن لك أن تكون أعمى، أو أن تصطدم بالناس، وتارة يقول له: سر كالأبله الذي لا يعرف شيئا، وأخرى يقول له المهم نظافة القلب، ولو نظرت إلى النساء، وهكذا، إلى غير هذه من الأعذار، والجواب عن كل هذا: بل الإنسان على نفسه بصير، ولو أكثر من إلقاء المعاذير، وهذا معنى تلك الآية.
القاعدة السادسة: ((احفظ الله يحفظك)).
نعم احفظ الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، يحفظك من الإنزلاق في المعاصي، كما يحفظك إذا احتجت إليه في يوم شدة، ومن حفظ الله أن تلزم ذكره حتى تكون أقرب إليه، وأبعد عن الشيطان، فإذا مر عليك منظر، أو رأيت صورة فإنك تكون متصلا بالله، مستمدا القوة منه، فيكون ذلك أقوى لأن تغض بصرك.
أيها الإخوة، من الغريب أن بعض الإخوة، مفرط في ذكر الله، بل هو مصاحب للشيطان، إما عن طريق الغناء الذي هو مزمار الشيطان كما قال غير واحد من السلف، وباعث على النشوة ومحرك للغرائز، وباعث على الخفة، مصاحب لكل ذلك، ثم بعد ذلك يقول: إن غض البصر غير ممكن في هذه الديار.
يا أخي أحطت نفسك بأسوار الشيطان، وتخندقت في حبائله، ثم بعد ذلك تطالب نفسك بما لا مقدرة عليه، وتتمنى أن تغض بصرك.

(150/13)


ترجو السلامة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
قال ابن تيمية: وتأمل كيف عصم الله عز وجل يوسف عليه السلام من فتنة امرأة العزيز، فقد كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله: ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر:39، 40]، قال تعالى: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر:42].
القاعدة الثامنة: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)).
أيها الأخ المبارك، إن انزلاق عينيك في نظرة محرمة، واختلاسة طرفك لصورة نهيت عن النظر إليها، ينكت نكتة سوداء في قبلك، فاحذر أن تكثر هذه النقاط السود حتى يصبح قلبك أسود مربادا كالكوز مجخيا أي منكوسا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب في هواه، فاحذر كل الحذر من هذا، وأتبع هذه السيئة بحسنة، حتى تجلو قلبك وتغسل فؤادك من ظلمة المعصية، وذلة المخالفة، وتضيق على شيطانك منافذه.
إن الشيطان يأتيك فيقول لك: ها قد وقعت، فانتهى أمرك، فلا تحمل نفسك ما لاطاقة لك به، فلا داعي لأن تعاهد نفسك بعدم النظر وتمنتع عن شيء تعلم يقينا أنك ستعود إليه، وهكذا ينسج الشيطان الرجيم حولك خيوطا من الوهم، والوهن، حتى تصبح أسيره، ولا تلبث أن يصدق عليك قول الله عزوجل: أفرأيت من اتخذ الهه هواه [الجاثية:23].
القاعدة التاسعة: وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين [غافر:60].

(150/14)


روى شعبة عن عبدالملك بن عمير قال سمعت مصعب بن سعد يقول: كان سعد يعلمنا هذا الدعاء عن النبي: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء وأعوذ بك من عذاب القبر)).
الدعاء، خير سلاح، وأقوى وسيلة، وأنفع دواء، به استعانة برب الأرض والسماء، به النصر على الأعداء، فاستعن به يا أخي.
ادع الله دائما أن يحفظ عليك إيمانك، وأن يقوي عزيمتك على غض البصر، وحفظ النظر، ادع الله في ليلك ونهارك، في أوقات الاستجابة، وفي كل وقت.
أيها الإخوة المؤمنون، ضيق الوقت يمنعني من بيان أمور أخرى متصلة بهذا الموضوع، منها ذكر بعض الحيل الشيطانية التي يحتال بها الشيطان لأجل أيقاعنا في هذه الفتنة، وكذا الحديث عن مشاهدة القنوات الفضائية، ثم الحديث عن شبكة الانترت والوسائل المعنية على السلامة من أخطارها، ولعل الله ييسر ذلك إن كان في العمر بقية.
أيها الإخوة، ما هي إلا كلمات سكبت فيها روحي، وأفرغت فيها مشاعري، أرجو أنها خرجت من قلب اعتصر من هول هذه المشكلة، والكلام يسير، لكن الفعل عسير.

---
[1] تفسير القرطبي.

(150/15)


كونوا على الخير أعوانا

كتبه : الشيخ محمد صالح المنجد
كونوا على الخير أعوانا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " آل عمران : 102
" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " النساء : 1
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " الاحزاب : 70-71
أما بعد :
فقد جاء الإسلام بالأمر بالتعاون على البر والخير والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان قال الله تعالى : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) سورة المائدة
وما أحوجنا في هذا الزمان الذي انتشر فيه الشر وانحسر فيه الخير وقل المعينون عليه أن نحيي هذه الشعيرة العظيمة وندعو إليها ونحث عليها لما فيها من الخير العظيم والنفع العميم . من إقامة أمر الدين وتقوية المصلحين ، وكسر الشر ومحاصرة المفسدين .
الإعانة ومرادفاتها في اللغة
قال صاحب الألفاظ المؤتلفة :
باب الاعانة :
يقال أعانه وأجاره وأيده .. ورافده وأغاثه وعاونه وعاضده وآزره وناصره .. وظافره وظاهره ومالأه ، والعون : الظهير ، ورجل معوان كثير المعونة للناس و استعان به فأعانه و عاونه وفي الدعاء : " رب أعني ولا تعن علي . " وتعاون القوم أعان بعضهم بعضا .

(151/1)


ومن ثمرات التعاون الألفة ، قال الجرجاني في تعريف الألفة : اتفاق الآراء في المعاونة على تدبير المعاش
( انظر الألفاظ المؤتلفة 1/159 ، التعريفات 1 /51 ، ولسان العرب 13/298 )
وفي التعريف كلمة مهمة وهي : " اتفاق الآراء " وما توحي به من وحدة الهدف ، واجتماع القلوب على بلوغه .
معنى التعاون شرعا
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : " الإعانة هي : الإتيان بكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها ، والامتناع عن كل خصلة من خصال الشر المأمور بتركها ، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه ، وبمعاونة غيره عليها من إخوانه المسلمين ، بكل قول يبعث عليها ، وبكل فعل كذلك " ( تيسير الكريم الرحمن 2/238 بتصرف يسير )
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى " فقال : هو أن تعمل به وتدعو إليه وتعين فيه وتدل عليه . ( حلية الأولياء 7 /284 )
يقول القرطبي في تفسيره : ( وتعاونوا على البر والتقوى : هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ؛ أي ليعن بعضكم بعضا ، وتحاثوا على أمر الله تعالى واعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الدال على الخير كفاعله ) الجامع لأحكام القرآن 3/6/33 .
وقال القاسمي في تفسيره : ( لما كان الاعتداء غالبا بطريق التظاهر والتعاون ، أمروا - إثر ما نهوا عنه - بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى ، ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى .. ، ثم نهوا عن التعاون في كل ما هو من مقولة الظلم والمعاصي ) ( محاسن التأويل 3/22)
وقال ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى .. الآية :

(151/2)


( اشتملت هذه الاية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم ، فإن كل عبد لاينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين : واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق ، فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونه والصحبة فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولاسعادة له إلا بها وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله ) ( زاد المهاجر 1 /6-7 ) .
ثم بين أهمية التعاون على البر والتقوى وأنه من مقاصد اجتماع الناس فقال : " والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى ، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علما وعملا ، فإن العبد وحده لايستقل بعلم ذلك ولابالقدرة عليه ؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الانساني قائما بعضه ببعضه معينا بعضه لبعضه . ( زاد المهاجر 1/13)
فالإنسان ضعيف بوصفه فردا ، قوي باجتماعه مع الآخرين ، وشعور الإنسان بهذا الضعف يدفعه حتما إلى التعاون مع غيره في أي مجال ، فأمر الله العباد أن يجعلوا تعاونهم على البر والتقوى .
الفرق بين البر والتقوى ، والإثم والعدوان :
قيل البر والتقوى لفظان بمعنى واحد ، وكل بر تقوى ، وكل تقوى بر . وقيل : البر يتناول الواجب والمندوب إليه ، والتقوى رعاية الواجب ، وقد ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته . ( أنظر الجامع لأحكام القرآن 6/47)
و" البر هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأعمال الظاهرة والباطنة ، من حقوق الله ، وحقوق الآدميين ، والتقوى في هذه الآية : اسم جامع ، لترك كل ما يكرهه الله ورسوله ، من الأعمال الظاهرة والباطنة . ( تيسير الكريم الرحمن 2/238)

(151/3)


وقال ابن القيم مفرقا بينهما : " وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) فالفرق بينهما فرق بين السبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها فإن البر مطلوب لذاته إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه كما تقدم وأما التقوى فهي الطريق الموصل الى البر والوسيلة اليه ( زاد المهاجر 1 /11)
أما الفرق بين الإثم والعدوان :
فيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي : ( " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهو التجري على المعاصي التي يأثم صاحبها .. " والعدوان " وهو التعدي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم .
فكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه ، ثم إعانة غيره على تركه ) ( تيسير الكريم الرحمن 2/239)
ومن القواعد المؤكدة في التعاون :
أن المعاونة على البر : بر
قال البيهقي - رحمه الله - : " الثالث والخمسون من شعب الإيمان ؛ وهو باب في التعاون على البر والتقوى قال الله عز وجل ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ومعنى هذا الباب أن المعاونة على البر بر لأنه إذا عدمت مع وجود الحاجة إليه لم يوجد البر وإذا وجدت وجد البر فبان بأنها في نفسها بر ثم رجح هذا البر على البر الذي ينفرد به الواحد بما فيه من حصول بر كثير مع موافقة أهل الدين والتشبه بما بني عليه أكثر الطاعات من الاشتراك فيها وأدائها بالجماعة " ( شعب الإيمان 6/101 )
ثم ساق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تمنعه من الظلم ، فذلك نصره ) أخرجه البخاري برقم 2444
ومعنى هذا أن الظالم مظلوم من جهته كما قال الله عز وجل ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ) فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ليدفع الظلم عنه كذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ..

(151/4)


التعاون بين البشر من فطرة الله التي فطر الناس عليها
يقول ابن خلدون في مقدمته :
الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيء لذلك التعاون ، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه . ( مقدمة ابن خلدون 1/429 )
وبين رحمه الله أهمية الاجتماع والتعاون لبني البشر وذكر أن التعاون يحصل به من الثمرة أكثر من حاجات المتعاونين فقال :
( قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل لتحصيل حاجاته في معاشه وأنهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك ، والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا ، فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد ونجار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السنبل وسائر مؤن الفلح وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم ) . انتهى ( مقدمة ابن خلدون ج: 1 ص: 360)
ويقول في موضع آخر فيه مزيد بيان : ( إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصلح حياتها ولا بقاؤها إلا بالغذاء ، وهداه إلى التماسه بفطرته ، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله ، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء ، غير موفية له بمادة حياته منه .
ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا ، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري .

(151/5)


هب أنه يأكل حبا من غير علاج ؛ فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه ؛ الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير ، ويستحيل أن توفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد ، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم ) ( مقدمة ابن خلدون 2/272-274 ) .
وهذا الكلام يدل قطعا على أن توزيع المهمات لإنجاز الأعمال من التعاون المطلوب ، وأن هذا التعاون بين الأفراد ينتقل بعمل كل منهم ليصبح وظيفة عامة اجتماعية تكفل العيش لعدد كبير من المجمتع ، فالتعاون بين الأفراد وتقسيم العمل ظاهرتان ملازمتان للإنسان ولا غنى له عنهما ، وأن تعاون المجموعة لا ينتج ما يكفيهم فقط وإنما يزيد ويفيض .
وهذا كلام عام في الأمور الدينية والدنيوية ، فأما بالنسبة للتعاون الشرعي فإن الأسباب الدافعة لدى المسلم للتعاون على البر والتقوى والمشاركة في الخير عدة ومنها :
- تحصيل ثواب امتثال الأمر الوارد في قوله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى "

(151/6)


- زيادة الأجر والمضاعفة : قال ابن القيم رحمه الله : ( فإن العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله ، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها كالصلاة في جماعة ؛ فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة ، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر بل قد قيل إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين ، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه ، ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم ، وقد أخبر الله سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم . ( الروح 1/128)
- الحاجة : فإن كثيرا من الأهداف والمشاريع الإسلامية لا يمكن تحقيقها فرديا ، ولهذا قيل : لا يعجز القوم إذا تعاونوا .
- إتقان العمل وسهولة القيام به يكون أبلغ مع التعاون والعمل الجماعي وذلك أن الاشتراك في العمل مع آخرين يجعله أخف مشقة وأسهل لتوزع الحمل على الجميع
والتعاون المأمور به في الآية :

(151/7)


الأول : تعاون على البر والتقوى ؛ من الجهاد وإقامة الحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واستيفاء الحقوق وإيصالها إلى مستحقيها ، يقول القرطبي في تفسيره : ( والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ، ويعينهم الغني بماله ، والشجاع بشجاعته في سبيل الله ، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" ، ويجب الإعراض عن المتعدي، وترك النصرة له ورده عما هو عليه ) ( الجامع لاحكام القرآن 6/47 )
والتعاون المنهي عنه في الآية : التعاون على الإثم والعدوان ؛ كالإعانة على سفك دم معصوم ، أو أخذ مال معصوم ، أو انتهاك عرض مصون ، أو ضرب من لا يستحق الضرب ونحو ذلك ..
والمعاونة تكون بالجاه والبدن والنفس والمال والقول والرأي .
مجالات التعاون على البر والتقوى :
إن التعاون على البر والتقوى يكون بوجوه كثيرة تفوق الحصر ، فكل عمل في مرضاة الله يكون التعاون والتظاهر عليه من التعاون على البر والتقوى .. ومن أمثلة ذلك :
أولا : التعاون في مجال الدعوة ونصرة الدين :
ويكون ذلك بنصرة الإسلام وأهله ، فقد حض الله تعالى عباده المؤمنين على نصرة دينه وأوليائه ، ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة بشتى الوسائل المشروعة ، فقال عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله " الصف : 14 ، أي يساعدني في الدعوة إلى الله ( البداية والنهاية 2/85 ) .

(151/8)


ولهذا ينبغي أن يتعاون المسلم مع أخيه المسلم في الدعوة إلى الله ، ليشد أزره ويتقوى به كما قال الله تعالى لموسى عليه السلام : " سنشد عضدك بأخيك " ( القصص : 35 ) ، وقال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : " وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا " أي أعاونك وأؤيدك في نشر دعوتك ، وقال جابر رضي الله عنه مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول من يؤويني ؟ من ينصرني ؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة رواه الإمام أحمد في مسنده 13934
ومن صور التعاون في مجال الدعوة ونصرة الدين : جهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله عز وجل ، ومشاركة أهل الدعوة الإسلامية في الحروب ضد أهل الكفر والضلال ، وتهيئة جميع الوسائل والعدة والعتاد من أجل الجهاد في سبيل الله ؛ وقد تعاون الصحابة في الجهاد في مشاهد كثيرة ومواقف متنوعة ومن ذلك حفر الخندق وأصابهم في ذلك ما أصابهم فصبروا ، فعن جابر رضي الله عنه أنه قال : " لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع " أخرجه البخاري برقم 4101 .
ومن صور التعاون في نصرة الدين التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : التعاون على قتل مدعي النبوة ، وقتل رؤوس أهل الشرك والمرتدين ومنهم الذين يسبون النبي صلى الله عليه وسلم .

(151/9)


فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله ، فقام محمد بن سلمة ، فقال : يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم ، قال : فأذن لي أن أقول شيئا ، قال : قل ، فأتاه محمد بن مسلمة فقال : إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك ، قال : والله لتملنه ( ليزيد ضجركم منه ) قال : إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ، فقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين ، فقال : نعم ارهنوني ، قالوا : أي شيء تريد ؟ قال : ارهنوني نساءكم ، قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب . قال : فارهنوني أبناءكم ؟ قالوا : كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم ، فيقال : رهن بوسق أو وسقين ، هذا عار علينا ، ولكنا نرهنك اللأمة ( يعني السلاح ) ، فواعده أن يأتيه ، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة ، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم ، فقالت له امرأته : أين تخرج هذه الساعة ؟ فقال : إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريم لو دعي لطعنة بليل لأجاب ، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب ، فقال : ما رأيت كاليوم ريحا - أي أطيب - .. أتأذن لي أن أشم رأسك ، قال : نعم ، فشمه ، ثم أشم أصحابه ، ثم قال : أتأذن لي ، قال : نعم ، فلما استمكن منه ، قال : دونكم ، فقتلوه ، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه . ( أخرجه البخاري برقم 4037 ) .
وقال ابن عبد البر في ترجمة زياد بن حنظلة التميمي : له صحبة ، وهو الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر ليتعاونوا على مسيلمة وطليحة والأسود . ( بغية الطلب في تاريخ حلب 9/3916 ) .
ثانيا : التعاون على إقامة العبادات :

(151/10)


جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في خطبة خطبها في قوم : ( فانظروا رحمكم الله واعقلوا وأحكموا الصلاة واتقوا الله فيها وتعاونوا عليها وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان فإن الله عز وجل قد أمركم أن تعاونوا على البر والتقوى والصلاة أفضل البر ) ( طبقات الحنابلة 1/ 354 ) .
ومن أمثلة ذلك :
التعاون على قيام الليل
كان أهل البيت الواحد من أوائل هذه الأمة يتوزعون الليل أثلاثا يصلي هذا ثلثا ثم يوقظ الثاني فيصلي ثلثا ثم يوقظ الثالث فيصلي الثلث الأخير .
عن أبي عثمان النهدي قال تضيفت أبا هريرة سبعا فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا ( سير أعلام النبلاء 2/609 )
وكان الحسن بن صالح وأخوه علي وأمهما يتعاونون على العبادة بالليل وبالنهار قياما وصياما فلما ماتت أمهما تعاونا على القيام والصيام عنهما وعن أمهما فلما مات علي قام الحسن عن نفسه وعنهما وكان يقال للحسن حية الوادي يعني لا ينام بالليل . ( أنظر حلية الأولياء 7/ 328 )
ثالثا : التعاون في بناء المساجد :
قال الله تعالى : " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين " التوبة :18

(151/11)


وقد أورد البخاري في صحيحه بابا في التعاون في بناء المساجد ، وسطر فيه أحاديثا تبين بوضوح مدى التعاون بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بناء المسجد النبوي فعن أبي سعيد في ذكر بناء المسجد قال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن ( رواه البخاري 428 )
وقام المسلمون يعمرون المساجد في البلاد التي فتحوها ، قال بعض الشعراء في وصف مسجد الكوفة لما بني على أربعة أساطين ضخمة لم يحدث فيها خلل ولا عيب :
بنى زياد لذكر الله مصنعة ...... من الحجارة لم تعمل من الطين
لولا تعاون أيدي الإنس ترفعها ..... إذا لقلنا من اعمال الشياطين
( فتوح البلدان 1/342 )
رابعا : التعاون في مجال طلب العلم :
وهذا باب من التعاون يكفي في معرفته مطالعة كتب السير الغاصة بالقصص التي بلغت من التعاون أوجه ، فهذا عمر رضي الله عنه يقول : كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك .. الحديث رواه البخاري 4792

(151/12)


" وكان عمر مؤاخيا أوس بن خولي لا يسمع شيئا إلا حدثه ولا يسمع عمر شيئا إلا حدثه , وقوله ( جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره ) أي من الحوادث الكائنة عند النبي صلى الله عليه وسلم , وفي رواية " إذا غاب وشهدت أتيته بما يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية الطيالسي " يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غبت وأحضره إذا غاب ويخبرني وأخبره " . وفي رواية " لا يسمع شيئا إلا حدثه به ولا يسمع عمر شيئا إلا حدثه به " ( باختصار من فتح الباري : شرح الحديث السابق : كتاب النكاح )
وقد تعرض لطالب العلم ضائقة خلال طلبه فيهب إخوانه لمعاونته : قال عمر بن حفص الأشقر : كنا مع محمد بن إسماعيل ( وهو البخاري ) بالبصرة نكتب الحديث ففقدناه أياما فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان وقد نفذ ماعنده ولم يبق معه شيء ، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبا وكسوناه ثم اندفع معنا في كتابة الحديث . ( تاريخ بغداد 2 / 13) .
وقد يعين العالم من ليس من أهل العلم ويحتسب بالإنفاق عليه أجر تفريغ العالم وطالب العلم للتدريس والطلب : قال هياج بن عبيد كان لرافع قدم في الزهد وإنما تفقه الشيخ أبو إسحاق وأبو يعلى بن الفراء بمعاونة رافع لهما لأنه كان يحمل وينفق عليهما . ( سير أعلام النبلاء 18/52 )

(151/13)


ويدخل في التعاون العلمي : التعاون في تأليف الكتب ، فقد جاء في ترجمة الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي رحمه الله أنه " ولع بتخريج أحاديث الإحياء ورافق الزيلعي الحنفي في تخريجه أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية فكانا يتعاونان . " ( طبقات الشافعية ج: 4 ص: 30 ) فاستفدنا من ذلك تخريج ثلاثة كتب صارت من أهم المراجع لطلاب الحديث .
ومن هذا الباب أيضا شرح المواد الدراسية من الخبير بها للقاصر عن فهمها ، وكان بعض نبلاء المسلمين يشتري المصاحف والألواح ويوزعها على أطفال الكتاتيب معونة لهم على حفظ القرآن الكريم .
خامسا : التعاون في الدعوة والتعليم وإنكار المنكر
فهذ يقترح فكرة لموضوع وهذا يجمع قصصا واقعية عنه وهذا يعمل بحثا ميدانيا أو استبيانا حول الموضوع وآخر يجمع الأدلة الشرعية وكلام العلماء بشأنه وهذا يحشد الشواهد والأبيات الشعرية المتعلقة به وآخر أوتي موهبة في التحدث يلقيه في محاضرة تسير بها الركبان . أو كاتب مجيد يخط بأسلوبه ذلك المحتوى من العمل المشترك في رسالة أو كتاب يؤثر في نفوس القراء .
وعالم أو طالب علم لديه - مما فتح الله به عليه - ما يقدمه في دورة علمية ، وآخر يملك خبرة إدارية يسير بها أعمالها وثالث عنده مال يبذله لإسكان الطلاب الفقراء وإعاشتهم فترة الدورة ، وهكذا وعصرنا الذي نعيش فيه يحتاج كثيرا إلى الأعمال المشتركة والبركة مع الجماعة .
وفي مجال إنكار المنكر المنكر تعاون عظيم أيضا : فهذا يجمع معلومات عن المنكر ويستقصي خبره في المجتمع وهذا يبحث حكمه شرعا وثالث يعين على إيصاله إلى من ينكره ويغيره ، وآخر يخطب عنه ويحذر منه .

(151/14)


وهذا الاشتراك في العمل الصالح له اجر عظيم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به والممد به
رواه الترمذي 1561 وقال : هذا حديث حسن صحيح
فلا بد أن تكون هناك أدوار تكاملية إذا أن كثيرا من المشروعات وأمور الدين لا يمكن القيام بها فرديا ، وإتاحة المجال للتخصصات المختلفة أن تعمل بتعاون سيثمر نتائج باهرة .
سادسا : المعاونة في إقامة الأنشطة الخيرية والأعمال الإسلامية
والمشاركة فيها بالنفس والمال ، والجود عليها بالوقت ، والحث على الحضور ، وتكثير السواد فيها ، وحسن استقبال روادها ، وإتقان وضع برامجها وترتيب جداولها ، وشحذ الهمم لتنفيذ مهامها ، والعمل على تحقيق مقاصدها ، ونشر فكرتها ، وتصحيح مسيرتها ، والذب عنها ، وحراسة أهلها ، ومقاومة محاولات هدمها وإعاقتها .
سابعا : التعاون في القيام بحقوق المسلمين :
روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن سهل بن حنيف عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ( مسند الإمام أحمد 15147 )

(151/15)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية