صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : دليل المرأة المسلمة لعلي الحجاج الغامدي

وانعقد الإجماع على تحريم وطء المرأة في فرجها وهي حائض ، ونقل النووي عن الشافعي أن من فعل ذلك فقد أتى كبيرة ، ثم قال النووي : (( قال: أصحابنا : من استحل وطء الحائض حكم بكفره )) . (1)
ويجوز أن يستمتع الرجل من امرأته بنحو القبلة والضمة والجماع في ما دون الفرج والدبر لأنه حرام بالإجماع ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر من شاء من أزواجه إذا حاضت أن تتزر ثم يباشرها ، أو يلقي خرقة على فرجها ثم يباشرها . (2)
9 - الطلاق :
يحرم طلاق الحائض في الجملة لقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } (3) وهو الطهر الذي لم يمس فيه ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر أن يأمر ابنه عبدالله وقد طلق زوجته وهي حائض أن يراجعها حتى تطهر ثم يتركها حتى تحيض ثم تطهر فإن شاء طلقها أي في طهر لم يمسها فيه. وقال : (( فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء )) . (4)
ويستثنى من ذلك ما إذا طلق المرأة قبل الدخول بها وهي حائض فلا يحرم لعدم العدة عليها ، وكذلك لو خالعته فطلقها حال الحيض لسوء العشرة دفعا لأعلى الضررين بارتكاب أخفهما .
ولا ينبغي للمرأة أن تطلب الطلاق حال حيضها أو تضطر زوجها إلى طلاقها وهي حائضة ؛ لأن الطلاق في الحيض إثم فلا يجوز أن تتسبب في وقوعه في تلك الحال .
وأصح أقوال أهل العلم أنه يقع عليها لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( مرة فليراجعها )) (5) فلو لم يكن وقع عليها طلاق لما أمر بمراجعتها ، والله أعلم .
10 - الحكم ببراءة الرحم :
__________
(1) المجموع 2 / 374 .
(2) أخرجه البخاري في الحيض - باب مباشرة الحائض - ح 302 من الفتح 1 / 403 .
(3) سورة الطلاق - الآية ( 1 ) .
(4) أخرجه البخاري في التفسير - باب تفسير سورة الطلاق - ح 4908 .
(5) هذا جزء من الحديث السابق .

(6/11)


فإذا حاضت المرأة تبين أنها غير حامل ، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن توطأ حامل - أي من السبي - حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ . (1) أي تحيض ثم تطهر .
فهنا يحكم ببراءة الرحم لخلوه عن الحمل ؛ فإن الحامل لا تحيض على أصح الأقوال، وإن حصل فنادر والنادر لا حكم له .
11 - الغسل :
إذا رأت المرأة الطهر وهي القصة البيضاء ، أو جفت تماما ومر عليها وقت يمكن أن تكون قد طهرت وجب عليها أن تغتسل واستحب لها أن تتطهر من آثار ما كان بها فتدلك شعر رأسها حتى يصل الماء وما معه من المنظفات إلى شئون رأسها أي جلدته ، وتنظف فرجها بنحو فرصة من مسك تتبع بها أثر الدم لأمره - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت شكل - رضي الله عنه - بذلك . (2) وبينت لها عائشة رضي الله عنها كيف تتطهر، ويمكن استخدام المنظفات الحديثة .
وهذا من أجل العبادة فتقف بين يدي الله طاهرة نظيفة ، و إذا كانت متزوجة تكون مقبولة عند زوجها ، والله أعلم .
المبحث الثاني : أحكام الإستحاضة
تعريف الاستحاضة :
لغة : قال الفيروزآبادي : (( والمستحاضة من يسيل دمها لا من الحيض بل من عرق العاذل )) . (3)
وقال ابن مفلح : (( المستحاضة : المرأة التي استمر بها الدم بعد أيامها )).(4)
والاستحاضة اصطلاحا : استمرار دم المرأة في النزول من غير انقطاع أو مع الانقطاع يسيرا . ويعرف الآن بالنزيف .
صفته : في الغالب يكون دما أحمر يخرج من عرق في الرحم .
__________
(1) رواه أبو داود في النكاح - باب في وطء السبايا - ح 2157 .
(2) أخرجه البخاري في الحيض - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض - ح 314 من الفتح 1 / 414 ، وأخرجه مسلم في الحيض - باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم - 1 / 261 - 262 ح 332 .
(3) القاموس المحيط - باب الضاد ، فصل الحاء ( ص : 826 ) .
(4) المطلع على أبواب المقنع ( ص : 30 )

(6/12)


أحوال المستحاضة : مبتدأة ، معتادة ، متحيرة .
والمبتدأة : هي التي ابتدأ بها الدم ثم زاد عن أكثر الحيض سواء استمر أو انقطع يسيرا فهي تجلس أكثر الحيض كما مر معنا ثم تغتسل وتصلي ، ثم تعصب فرجها وتتوضأ لكل صلاة إذا دخل وقتها وجوبا وتصلي ، وإن استطاعت أن تغتسل لكل صلاة فهو أكمل ، أو تؤخر الظهر وتعجل العصر وتؤخر المغرب وتعجل العشاء ، وتغتسل لهما غسلا واحدا وتغتسل للصبح غسلا واحدا ، وهذا أعجب لجمعه بين طهارة الغسل والأخذ بالرخصة في الجمع .
أما المعتادة : وهي التي عرفت أيام عادتها فإذا عبر الدم أكثر الحيض ترد إلى أيام عادتها ثم تغتسل وتصلي ، وإن لم يجاوز أكثر الحيض فهو حيض كأن تكون عادتها خمسة أيام ثم زاد خمسة أخرى ثم انقطع فهذا حيض ولم يعده بعضهم حيضا إلا إذا تكرر ثلاث مرات ، والظاهر أن حيض ما دام لم يجاوز أكثر الحيض و إن اختلفت عادتها بأن تكون خمسة في شهر وسبعة في شهر وعشرة في شهر فتقعد ما دامت ترى الدم .
أما المتحيرة فهي على ثلاثة أصناف :
1 - متحيرة في العدد مع معرفتها مكان حيضتها :
فإن كان لها تمييز كأن يكون بعض دمها ثخينا أسود منتنا عملت بالتمييز لحديث (( دم الحيض أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق)).(1)
وإن لم يكن لها تمييز مع معرفتها لمكانه تحيضت ستا أو سبعا في علم الله تعالى مكانه ثم تغتسل وتصلي .
2- متحيرة في المكان مع معرفتها لعددأيام حيضها : - إذا كان لها تمييز جلست أيام عادتها وإن لم يكن لها تمييز جلست أيام عادتها من أول كل شهر.
__________
(1) هو جزء من حديث فاطمة بنت أبي حبيش الآتي .

(6/13)


3- أن تتحير فيهما معا : فإن ميزت عملت به وإن لم تميز تحيضت في علم الله ستا أو سبعا من أول كل شهر ثم اغتسلت وصلت ، ويلزم المستحاضة بكل حال أن تتوضأ لكل صلاة إذا دخل وقتها لدوام حدثها ، ولا تمنع المستحاضة زوجها من من وطئها إلا ما كان أيام عادتها لأنه لم ينقل عن فاطمة بنت أبي حبيش ولا حمنة بنت جحش ولا سهلة بنت سهيل ولا غيرهن أن أزواجهن كانوا يمتنعون من الوطء اللهم إلا استقذارا ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -ذلك لما سألته المستحاضة ماذا تصنع والأصل بقاء ما كان على ماكان . ونص حديث فاطمة بنت أبي حبيش روته أم المؤمنين عائشة - صلى الله عليه وسلم - أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي )) . (1)
وحديث حمنة بنت جحش وتكنى بأم حبيبة وهي ختنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي أن أختها زينب تحته - صلى الله عليه وسلم - فلما سألته قال لها - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ، ثم اغتسلي ، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة ، أو ثلاثا وعشرين ليلة و أيامها وصومي ، فإن ذلك يجزيك وكذلك فافعلي كما تحيض النساء ، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ، فإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ، ثم تغتسلين حتى تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعا ، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين ، وتغتسلين للصبح فافعلي وصومي إن قويت على ذلك )) .
__________
(1) متفق عليه ، أخرجه البخاري في الحيض - باب الاستحاضة- ح 306- الفتح 1/ 409 وأخرجه مسلم في الحيض - باب المستحاضة وغسلها وصلاتها - 1 / 262ح 333 .

(6/14)


قال : (( وهو أعجب الأمرين إلي )) . (1)
فحديث فاطمة بنت أبي حبيش في المميزة ، وحديث حمنة في الناسية .
المبحث الثالث : أحكام النفاس
النفاس لغة : بالكسر . ولادة المرأة ، فإذا وضعت فهي نفساء . (2)
واصطلاحا : دم يرخيه الرحم للولادة وبعدها مدة معلومة . (3)
وتحديده : لا حد لأقله على أصح أقوال أهل العلم ، وإذا ولدت المرأة جافة وجب عليها الغسل للولادة .
وأما أكثره ففي الأعم الغالب أنه أربعون يوما ما لم تر الطهر فبل ذلك فإن رأت الطهر وهو المادة البيضاء تخرج مع ماتحتشى به أو الجفاف بحيث لا يظهر أثر على القطن المحتشى به إذا رأت ذلك وجب عليها الغسل والصلاة ، وكرهوا لزوجها جماعها قبل الأربعين خشية عود الدم ولم يكرهه ابن تيمية وهو الصحيح في القياس ، أما إذا زاد الدم عن الأربعين فإن صادف وقت عادتها جلستها ، و إن لم يصادف وقت عادتها فإن كانت منه نفس صفات دم النفاس فتبقى في نفاس حتى ينقطع و لو إلى شهرين أما إذا تغير لونه بعد الأربعين فأصبح مثل غسالة اللحم فهو استحاضة تغتسل وتصلي وتعامل نفسها كالمستحاضة . والمتتبع لما ذكره العلماء ونقلوه عن السلف ، و ما هو حاصل اليوم أن الأربعين هي أكثر مدة النفاس ، وقد تطهر قبل ذلك أو بعده بعدة أيام، ولهذا جعل حدا في الأعم الأغلب .
__________
(1) أخرجه أبو داود في الطهارة - باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة 1 / 67 ، والترمذي في الطهارة - باب في المستحاضة ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
(2) الفيروزآبادي في القاموس المحيط ، باب السين ، فصل النون ( ص : 745 ) .
(3) المبدع لابن مفلح 1 / 293 .

(6/15)


قال الترمذي رحمه الله : (( أجمع أهل العلم من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر فبل ذلك فتغتسل وتصلي )) .(1)
وحكم النفساء حكم الحائض فيما يحل ويحرم ويباح وقد سبق بيان ذلك .
ودم النفاس هو دم الحيض كان محتبسا من أجل الولد ، وإذا ولدت المرأة انقضت عدتها أيا كانت ولو كانت من وفاة على أصح الأقوال .
وإذا رأت الدم قبيل ولادتها فهو نفاس , ولا تعتد بالماء الذي ينزل قبل الولادة بل تصلي وتصوم حتى تلد أو ترى دم النفاس , وكذلك آلام الطلق ليست من النفاس وإنما هي من مقدماته ولا تمنع صلاة ولا صوما ولا غيرها وعلى المسلمة أن تحتاط لدينها وتستبرئ لذمتها , فتتأكد من طهارة نفسها بما ذكرنا سابقا ولا تعجل.
المبحث الرابع : أحكام الجنابة وفيه مسائل
المسألة الأولى : آداب الجماع :
1 - تستحب التسمية قبله .
2 - قول ما ورد قبله من الدعاء . لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا )) متفق عليه . (2)
وهذا مشروع في حق الزوج والزوجة و إذا نسي ذكرته ، وقد نقل علماء التفسير عن عطاء في تفسير قوله تعالى : { وقدموا لأنفسكم } (3) قال: هي التسمية عند الجماع . (4)
__________
(1) انظر : الترمذي في الطهارة - باب ما جاء في كم تمكث النفساء ( عارضة الأحوذي
1 / 299 ) .
(2) أخرجه البخاري في أماكن متعددة منها : النكاح - باب ما يقول إذا أتى أهله - ح 5165 - الفتح 9/228 ، ومسلم في النكاح - باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع 2 / 1058 .
(3) سورة البقرة - الآية ( 223 ) .
(4) تفسير ابن كثير 1 / 231 .

(6/16)


3- التستر عن أعين الغير وعن أسماعهم ، فأما التستر عن أعين الغير فلا خلاف في وجوبه ، وكذا ينبغي خفض الصوت فكان السلف يكرهون الوجس به وهو الصوت الخفي .
ولا حرج فيما يفعله الرجل مع امرأته لحديث : (( احفظ عورتك إلا عن زوجتك وما ملكت يمينك )) (1) لكن من المستحب التغطية ولو كان داخل غرفة بحيث لا يراهما أحد , فإن الله أحق أن يستحيا منه .
وفي حديث ميمونة السابق أنها سترت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يغتسل في بيته .
4- عدم التحدث بما يحصل بين الزوجين . فقد روى ابن أبي شيبة في
(( مصنفه )) عن الحسن قال : جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرجال والنساء فأقبل على الرجال فقال : (( لعل أحدكم يتحدث بما يصنع بأهله إذا خلا ؟ )) ثم أقبل على النساء فقال : (( لعل إحداكن تحدث النساء بما يصنع بها زوجها ؟ )) قال : فقالت امرأة : إنهم ليفعلون ، وإنا لنفعل . فقال : (( لا تفعلوا ، فإنما مثل ذلك كمثل شيطان لقي شيطانة ، فجامعها والناس ينظرون )) (2) ، وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها )) (3).
ولأبي داود عن أبي هريرة مثله . (4)
5- عدم الإكثار من الكلام عليه ، وأورد ابن قدامة أثرا عن قبيصة بن ذؤيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء ، فإن منه يكون الخرس والفأفاء)) (5) ، و لأنه حال قضاء حاجة فينبغي قصد الحاجة وترك الكلام .
__________
(1) انظر : صحيح أبي داود - كتاب الحمام - باب ما جاء في التعري - ح 3391 .
(2) المصنف 4 / 391 .
(3) صحيح مسلم كتاب النكاح - باب تحريم إفشاء سر المرأة – ح 1437.
(4) كتاب النكاح - باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله 1 / 502 .
(5) أورده صاحب كنز العمال 16 / 354 ونسبه لابن عساكر .

(6/17)


6- ويستحب الملاعبة قبله والتقبيل وما أشبه ذلك لأنه أكمل في الاستمتاع .
7- أن لا يعجل أحدهما الآخر ، فإن من كمال الاستمتاع أن يفرغا جميعا وقد قضى كل منهما وطره من صاحبه فإن كان ممن يقضي بسرعة انتظرها حتى تقضي حاجتها .
8- ويستحسن إذا قضى الرجل حاجته أن تناوله زوجته خرقة أو منديلا ليمسح عنه أثر الجماع وتفعل هي مثل ذلك اتقاء لتقذير الفرش والثياب .
9- شكر الله عز وجل الذي أباح الاستمتاع بالحلال مع إحسان القصد في الجماع ليثابا على فعله .
10- استحضار النية عنده لقصد الولادة فإن ذلك من مقاصد الزواج .
المسألة الثانية : صفة غسل الجنابة الكامل كما وردت به السنة
1- النية لرفع الحدث فإنما الأعمال بالنيات .
2- التسمية ولو قبل دخوله دورة المياه أو المغتسل ليبارك الله له فيما يفعل ويصرف عنه وسوسة الشيطان .
3- غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا أراد أن يغرف بهما ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يغسل كفيه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء . (1)
4- غسل الفرج باليد اليسرى حتى ينظف ما عليه من أثر الجماع .
5- دلك اليد اليسرى إما بتراب أو صابون ، وقد دلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دلكا شديدا بالتراب (2) .
ولعل الصابون يقوم مقام ذلك لتعسر استعمال التراب في الأبنية الحديثة .
6- أن تتوضأ وضوءها للصلاة وقد جاء في بعض الأحاديث مطلقا ، وفي بعضها مقيدا بترك القدمين إلى ما بعد الانتهاء . وكلاهما في السنة الصحيحة .
7- غسل الرأس وتروية شعره وإدخال الأصابع فيه حتى يحصل ظن غالب بتروية أصوله وبلوغ الماء إلى جلدة الرأس ففيها أصول الشعر .
8- البدء بالميامن ثم بالمياسر لفعله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) جاء في حديث ميمونة في الغسل - باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده - ح 274 - الفتح 1/382 .
(2) تقدم تخريجه ، وهو في مسلم 1 / 254 ح 317 .

(6/18)


9- إفاضة الماء على سائر البدن وتعميمه به بحيث لا يبقى جزء ظاهر أو خفي إلا وصله الماء كالإبطين ومغابن السرة و ما تحت الركبتين ونحو ذلك .
10- التنحي عن موضع الغسل ثم غسل القدمين لما في ذلك من تأكيد الطهارة وقطع الوسواس .
11- لا مانع من المنشفة فليس معنى قول أم المؤمنين : فأتيته بالمنديل فلم يردها ، وأخذ ينفض عنه الماء بيديه أن استعمالها مكروه ، وإنما هذا من قبيل العادات . ولعله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك إما لترك الترفه ، أو من أجل أن يبقى جسمه مبتلا بأثر الطهارة التي من أسباب المغفرة ومحو الذنوب. أو لئلا تصير عادة أو لغير ذلك.
المسألة الثالثة : أحكام تتعلق بالغسل :
1- جواز استعمال المرأة مع زوجها من إناء واحد كما مر معنا في حديث عائشة رضى الله عنها ، وأنه لا يضر اختلاف أيديهما في الإناء ، كما أن رشاش الماء المتقاطر على الإناء معفو عنه ، لأنه من المستحيل أن تختلف أيديهما في الإناء ولا يحصل شيء من ذلك فهو معفو عنه - كما يجوز للرجل أن يغتسل مما أفضلته المرأة لحديث ميمونة رضي الله عتها . (1)
2- استحباب تقليل ماء الغسل والوضوء ، فقد مر معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكفيه المد وهو ملء حفنتي الرجل المتوسط لوضوئه والصاع وهو أربعة أمداد لغسله . وكما اعترض بعض الناس ممن أدرك الصحابة رضوان الله عليهم بقوله : هذا لا يكفيني ، ردوا عليه بأنه كان يكفي منه أوفى جسما وأوفر شعرا . (2)
__________
(1) رواه مسلم في الحيض - باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة - 1 / 257 ح 323 .
(2) انظر : صحيح مسلم -كتاب الحيض - باب استحباب إفاضة الماء على الرأس 1 / 259 ح 329 ، والصحابي المسئول هو : جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، والسائل الحسن بن محمد بن الحنفية .

(6/19)


يعنون بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن الرجال والنساء في هذا الزمن الذي تيسرت فيه الأدوات الصحية لمسرفون في ماء الوضوء إلا من رحم الله وقليل ما هم .
وقد أدركنا إلى وقت قريب أن قربة الماء كانت تكفي الأسرة في الطعام والشراب والوضوء وغسل الزوجين وتنظيف الأواني ، وهذه البركة بسبب عدم الإسراف .
3- وجوب التستر عند الاغتسال إذا كان ثم من يراه أو يخشى دخول داخل أو استيقاظ نائم بل إن حديث ميمونة أنها سترت النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلق . وهذا إذا كان ثم من يراه أو يخشى ذلك أما إذا أمن على نفسه ذلك فله أن يغتسل متجردا ولعله لو غطى حدود العورة بمئزر أو نحوه كان أولى و أستر ولو لم يكن ثم من يراه .
4- إن الغسل يجب بالجماع ولو لم يحصل إنزال وهو ما يعرف بالإكسال، وكان لا يغتسل منه ثم نسخ وحديث عائشة - صلى الله عليه وسلم - عندما سألها أبو موسى الأشعري عن ذلك بعد خلاف بين المهاجرين والأنصار قطع النزاع فإذا مس الختان الختان ولا يكون إلا بإيلاج، فقد وجب الغسل ولو لم يحصل إنزال كما جاء في (( صحيح مسلم )) .
كما أن المرأة إذا رأت ما يرى الرجل في نومه من الاحتلام وجب عليها الغسل إذا هي رأت الماء ، أما إذا لم ترى الماء فلا يجب عليها غسل . وقد ذكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر وصف ماء الرجل وماء المرأة و أن من المائين يحصل الشبه . (1)
5- أن من أفاض الماء على بدنه أو انغمس في بركة فقد طهر و ارتفع عنه حدثه وهذا هو الغسل المجزئ .
__________
(1) انظر : صحيح مسلم – كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها ح310،311 .

(6/20)


6- أن من جامع أو جومع وأراد أن يأكل أو ينام أو يعود فمن السنة أن يفعل بين ذلك بوضوء. فقد استفتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له: (( توضأ واغسل ذكرك ثم نم )) وحديث عائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة.(1)

الفصل الثاني : أحكام المعاشرة :
المبحث الأول : أحكام النكاح
لعل المباحث السابقة مثل مسؤولية المرأة نحو زوجها وكذلك ما مر معنا في بيان الحقوق والواجبات وحسن المعاشرة وما ذكرته من الآداب الأخرى فيه مما يتعلق بالنكاح فلم يبق إلا مسائل عامة أذكر أهمها مما يتعلق بالنكاح فيما يلي:
المسألة الأولى : تعريف النكاح والأصل فيه وبيان فضله والحكمة منه .
تعريفه : النكاح لغة : الوطء ، والعقد له ، و يراد به التزويج . وتناكحت الأشجار إذا تضامت ، ونكح المطر الأرض اعتمد عليها ، ونكح النعاس عينيه غلبها . (2)
النكاح اصطلاحا : عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدا . (3)
__________
(1) رواهما البخاري في الغسل – باب الجنب يتوضأ ثم ينام – ح 288 ، 289 – انظره مع الفتح 1/393 .
... ورواهما مسلم في كتاب الحيض - باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج - ح 306 ، 307 .
(2) القاموس المحيط ، باب الحاء ، فصل النون ( ص : 314 ) ، المطلع على أبواب المقنع
( ص : 318 ) .
(3) التعريفات للجرجاني ( ص : 246 ) .

(6/21)


الأصل فيه : الكتاب ، السنة ، الإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى :
{ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم } (1)، وقال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } . (2)
وأما السنة فأحاديث كثيرة تقدم بعضها ولعل من أهم ما ورد في السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )) . (3)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( أما إني لأتقاكم وأخشاكم لله ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )) . (4)
وعن سعيد بن جبير قال : قال لي ابن عباس - رضي الله عنه - : (( هل تزوجت ؟ قلت : لا . قال : فتزوج ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء )) . يعني بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (5)
__________
(1) سورة النور - الآية ( 32 ) .
(2) سورة النساء - الآية ( 3 ) .
(3) رواه البخاري في النكاح - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( يا معشر الشباب )) - ح 5065 - من الفتح9/106 .
(4) رواه البخاري في النكاح - باب الترغيب في النكاح - ح 5063 - من الفتح 9 / 104 .
(5) رواه البخاري في النكاح - باب كثرة النساء - ح 5069 - من الفتح 9 / 113 .

(6/22)


وعن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - يقول : (( رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا )) . (1)
وعن ابن مسعود مثله . (2)
ومما ورد في فضل النكاح :
- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفخر بأنه ولد من نكاح ولم يولد من سفاح ، قال - صلى الله عليه وسلم - : (( ولدت من نكاح ولم ألد من سفاح )) (3) ، وكان أمر السفاح في الجاهلية منتشرا ، وقد ذكرت عائشة - رضي الله عنه - أربعة أنواع من الأنكحة مما كان سائدا قبل الإسلام ثلاثة منها نكاح سفاح . (4)
- كون النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج الرجل المرأة التي جاءت تعرض نفسها بما معه من القرآن (5) فهذا دليل على حرص الشارع على التزويج لأنه إذا انتشر الحلال وتيسرت سبله قلت طرق الحرام وضيقت مسالكه .
- أن الشارع الحكيم تولى رعاية الرابطة الزوجية منذ بداية التفكير فيها حتى تتم بل يحصل انتهاء بين الزوجين بموت أو أي فرقة أخرى .
لذا كان الزواج عماد الأسرة الثابتة إذ تؤدى فيه الحقوق والواجبات بشعور ديني تحترم فيه الروابط والعلاقات ويسمو بروح الإنسان عن دركة الحيوانية التي تجعل العلاقة جنسية بهيمية كما هو الشأن في كثير من المجتمعات التي تدعي التمدن والحضارة .
__________
(1) المصدر السابق في النكاح - باب ما يكره من التبتل - ح 5073 .
(2) المصدر السابق - ح 5075 .
(3) البداية والنهاية لابن كثير 2 / 255 .
(4) انظر : صحيح البخاري في النكاح - باب لا تكاح إلا بولي - ح 5127 .
(5) رواه البخاري في النكاح - باب التزويج على القرآن - ح 5149 - من الفتح 9 / 205 .

(6/23)


والزواج هو المقام الأول للأسرة التي هي الأساس في بناء المجتمع ونحوه و المجتمع الذي يكثر فيه الزواج يزيد سكانه ويكثر عطاؤه ، وعلى العكس من ذلك فالمجتمع الذي يقل فيه الزواج يتناقص فيه عدد السكان ويكون عرضة للانقراض ، و لهذا كان الزواج سببا من أسباب تكثير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد روى معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يارسول الله أصبت امرأة ذات حسن وجمال وحسب ومنصب ومال ، إلا أنها لا تلد أفأتزوجها ؟ فنهاه ، ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة فقال: (( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم )).(1)
ولو لم يكن في الزواج إلا راحة النفس وطمأنينة القلب ، والتعاون على بناء الأسرة، وأمور الحياة ، والصبر على الأذى ، لكان أعظم وظيفة في هذه الحياة . قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}(2)

المسألة اثانية: الخطبة وآدابها .
تعريفها : الخطبة بكسر الخاء : مقدمة النكاح .
وفي الاصطلاح : طلب النكاح ممن إليه أمره .
الأصل فيها :
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 158 ، 245 ، وأخرجه أبو داود في النكاح - باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء - ح 2050 .
(2) سورة الروم – الآية (21) .

(6/24)


قال الله تعالى : {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم}(1) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب )) . متفق عليه .(2)
ومما جرت به عادة الناس أن يتقدم الرجل إلى أهل المرأة فيخطبها لنفسه أو من وكله في ذلك ثم ينتظر الجواب ، وفي هذه الأثناء يحرم على من علم بهذه الخطبة أن يتقدم للمرأة لنهي الشارع عن ذلك ، والأصل في النهي التحريم .
ومثل هذا إذا تقدم رجل لامرأة ثم تقدمت امرأة أو وليها للخاطب ليتزوجها ويترك زواجه من مخطوبته فهما في الحرمة سواء لاتحاد المعنى ، إلا إذا أراد نكاحهما معا فتزول الكراهة .
والأحوال التي يجوز فيها لخاطب آخر أن يتقدم هي :
1 - أن يترك الخاطب الأول الخطبة .
2 - أن يرد الأول من المخطوبة أو ولي أمرها .
3 - أن يستأذن الثاني الأول فيأذن له .
ولمن جهل الحال جواز الخطبة فإذا أخبر أنها مخطوبة وجب عليه الترك ويحرم على من أجيب بالموافقة أن يترك الأمر معلقا فإما أن يمضي أو يترك .
ولايجوز التصريح بخطبة المعتدة من غيره ، ويباح التعريض للمعتدة غير الرجعية .
__________
(1) سورة البقرة – الآية (235)
(2) رواه البخاري في النكاح - باب لا يخطب على خطبة أخيه - ح 5142 من الفتح 9 / 198 ، ومسلم في النكاح - 2 / 1032 ح 1412 .

(6/25)


ما يباح من النظر إلى المخطوبة : مما يستحق التنبيه في هذا المقام هو أن يكون المتقدم صادقا عازما على النكاح ، وإلا فإنه يحرم على من قصد النظر لغير النكاح ، ومما يباح له النظر إليه : الوجه ، والكفان ، والقدمان .
فالوجه فيه علامة الجمال . وفي الكف علامة النعومة ، وفي القدم علامة خصوبة البدن .
وله تصعيد النظر وتصويبه إلى قوام المرأة ، وهذا قدر كاف إن شاء الله ولا يزيد على ذلك على الصحيح إلا ما ظهر له دون طلب منه .
والأصل في إباحة النظر للمخطوبة : حديث جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل )) . (1) قال : فخطبت جارية من بني سلمة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها.
وهذا يدل على إباحة النظر لكل من الزوجين إلى الآخر فكما هو حق للرجل كذلك هو حق للمرأة ولهذا جاء في بعض طرق حديث جابر : قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )) .
ويستفاد من حديث جابر ما كان عليه النساء من الحياء والتستر والابتعاد عن مخالطة الرجال .
ومن أهم الضوابط للرؤية المشروعة :
1 - أن يكون القصد بالرؤية النكاح مع العزم على ذلك .
2 - أن لا تكون الرؤيا بخلوة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخلو رجل بامرأة إلا ومعها محرم ، وقد توسع الناس في الخلو بالمخطوبة بما لا يبيحه الشرع .
3 - أن يكون النظر لما يظهر غالبا وتعرف به الحال ولو كرر . ولعل بعض الصفات التي يريد أن يعرفها الخاطب تحصل عن طريق قريبات من النساء ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : أركان النكاح وشروطه :
أ - أركان النكاح :
__________
(1) رواه أحمد في المسند 3 / 334 ، 360 ، وأبو داود في النكاح - باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها - ح 2082 ، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء ( 1791 ) .

(6/26)


1 - الإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه كزوجتك أو أنكحتك ، ويكون قبل القبول .
2 - القبول : وهو القول الصادر من الزوج أو وكيله مثل قبلت أو تزوجت أو رضيت بهذا النكاح . ويأتي بعد الإيجاب ولا يصحان ممن يحسن العربية إلا بها .
3 - الزوجان الخاليان من الموانع .
ب - شروطه :
1 - تعيين الزوجين بأن يقول : زوجتك ابنتي فلانة إذا كان له بنات غيرها ويصح زوجتك ابنتي إذا لم يكن له غيرها . ويقول الآخر : قبلت زواجها لابني فيسميه ليتميز بين إخوانه ، أو يقول : قبلته لابني إذا لم يكن له غيره .
وهذا لاخلاف فيه بين أهل العلم فيما نعلم .
2 - رضى الزوجين : والأصل في هذا الشرط قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تستأذن )) . (1)
ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكاح الخنساء بنت خدام لما رفعت أمرها إليه وذكرت أنها تكرهه . (2)
والإجماع منعقد على ذلك في الجملة حكاه غير واحد من أهل العلم . (3)
وذكر أهل العلم أن لولي المجنون والمعتوه تزويجه بغير إذنه لعدم معرفته مصلحة نفسه ولانعدام الإذن حينئذ .
واختار أكثر أهل العلم أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة التي لها دون تسع سنين بغير إذنها ، وليس ذلك لأحد سواه . أما إذا بلغت تسع سنين ولو لم تكن بالغة فليس لأحد أن يجبرها على النكاح ولو كان أباها .
وهنا مسألة وهي أن الأباء في بعض الأماكن لا يستشيرون بناتهم ولو كن بالغات عاقلات مدركات لمصلحتهن ، لأنه لا رأي للمرأة عندهم ، وفي بعض المجتمعات الأخرى يكون الأمر على العكس فآخر من يعلم بأمر الزواج الأب وكلاهما طرفا نقيض .
__________
(1) رواه البخاري في النكاح - باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما - ح 5136 من فتح الباري 9 / 191 .
(2) أخرجه البخاري في النكاح ، باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة - ح 5138 (الفتح 9/194) .
(3) الإفصاح 2 / 113 .

(6/27)


والإسلام وسط لا إفراط و لا تفريط ، ومع إعطاء البنت حرية التفكير وحرية الاختيار فللولي أن يمنع الزواج من غير الكفء ، وبخاصة فيما يتعلق بأمر الدين . فكما أنه لا حق له في الإجبار على من يريده له حق المنع من تزويجها بمن لا يصلح لها .
والنطق هو الأساس سواء كانت ثيبا أم بكرا ، لكن لو صمتت البكر استحياء ، فتستعلم من قبل أمها أو أختها .
وهذا نادر اليوم فتعليم المرأة وأجهزة الإعلام نقلت الفتيات إلى عصر الصراحة وإبداء الرأي مباشرة ، وإن وجد من لا تستطيع التصريح فإذنها صماتها كما جاء في الأثر.
3- الولي : والأصل في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا نكاح إلا بولي )) (1) .
ولعائشة - رضي الله عنه - مرفوعا : (( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل )) ، ثلاث مرات . (2)
وقد روي عن الشافعي رحمه الله قوله تعالى : { فلا تعضلوهن } بأنها أصرح آية في اعتبار الولي . (3)
ويعتبر في الولي : التكليف ، والذكورية ، والحرية ، والرشد في العقد بأن يعرف الكفء ومصالح النكاح ، وأن يكون عدلا ولو ظاهرا ، وأن يتفقا في الدين فلا ولاية لكافر على مسلمة (4).
ومن ترك الصلاة متعمدا وأصر على الترك فلا ولاية له لكفره .
__________
(1) خرجه أصحاب السنن إلا النسائي ، انظر : سنن أبي داود في النكاح - باب الولي - ح 2085 .
(2) المرجع السابق - ح 2083 .
(3) انظر : تفسير ابن جرير 2 / 488 عند تفسير الآية ( 232 ) من سورة البقرة .
(4) وفي بعض البلدان الكافرة يحصل توثيق لعقد النكاح فيكون الولي كالأب مثلا كافرا أو من يتولى العقد والمنكوحة مسلمة فلا بد من تجديد وتصحيح للعقد عند من يتولى أمر المسلمين من العلماء أو الدعاة في تلك البلاد قبل الدخول .

(6/28)


ويتولى العقد الأب ثم وصيه فيه ، ثم الجد لأب وإن علا ، ثم الابن ثم بنوه وإن نزلوا ، ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم بنوهما كذلك ، ثم أقرب عصبة لأب ثم بنوهما كذلك ، ثم العم الشقيق ، ثم العم لأب، ثم بنوهما كذلك ، ثم أقرب عصبة نسب كالإرث ، ثم المولى المنعم بالعتق ، ثم أقرب عصبته نسبا حسب الميراث ، ثم عصبة الولاء ، ثم السلطان وهو القاضي فهو ولي من لا ولي له .
فإن عدموا زوجها ذو سلطان في مكانها ، فإن تعذر وكلت لأصلح رجل تراه فيتولى عقدها ، ولا تعقد لنفسها إلا عند عدم أولئك كلهم فتكون ضرورة يلجأ إليها عند الحاجة الشديدة إليها ، والله أعلم .
وتدخل الوكالة عقد النكاح لقصة زواجه صلى الله عليه وآله وسلم من أم حبيبة وهي بالحبشة (1) ، وكان وكيله فيه عمرو بن أمية الضمري .
4- الشهادة : فلا ينعقد إلا بحضور شاهدين ذكرين مكلفين سميعين مسلمين في العقد بين مسلمين أو مسلم وكتابية عدلين ولو ظاهرا من غير أصلي الزوجين أو فرعيهما، لحديث ابن عمرو ابن عباس (( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )) . (2)
5 - خلو الزوجين من الموانع :
بأن لا يكون بهما أو بأحدهما ما يمنع التزويج من نسب أو سبب كرضاع أو مصاهرة واختلاف دين ، وكذا ما يمنع حق المعاشرة من العيوب الآتي ذكرها .
__________
(1) رواه من أصحاب السنن : أبو داود في النكاح - باب الولي - ح 2086 ، والنسائي في النكاح - باب القسط في الأصدقة 6 / 119 .
(2) رواه الدارقطني في كتاب النكاح 3 / 211 ، 225 ، وانظر : السنن الكبرى 7 / 125 .

(6/29)


وهل الكفاءة شرط ؟ اعتبرها بعضهم شرطا ولم يعتبرها البعض الآخر ، واعتبرها فريق ثالث شرطا للزوم العقد لا لصحته ، وعليه أكثر أهل العلم ، لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (1) ، ولما ثبت في السنة الصحيحة ففي (( الصحيح )) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة فنكحها بأمره ، فكان خيرا لها . (2) وزوج أبو حذيفة سالما ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة ، وهو مولى . (3)
والكفاءة في خمسة أشياء : الديانة ، الصناعة ، اليسار ، الحرية ، النسب .
ولايزال الناس يهتمون بشأن النسب والصناعة والحرية وبخاصة من جهة اللون ، والذي اختاره أن الكفاءة المعتبرة إنما هي في الدين لما مضى من الأدلة ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )) . قالوا : يارسول الله وإن كان فيه ؟ قال : (( إذا جاءكم من ترضون دينه فانكحوه )) ثلاث مرات ، رواه الترمذي وحسنه . (4)
فالفاسق ليس كفئا للعدل ، قال تعالى : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } (5) .
__________
(1) سورة الحجرات - الآية ( 13 ) .
(2) صحيح مسلم في الطلاق - باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها - ح 1480 .
(3) رواه البخاري في النكاح - باب الأكفاء في الدين - ح 5088 - من الفتح 9 / 131.
(4) صحيح الترمذي في النكاح - باب من جاء فيمن ترضون دينه فزوجوه - ح 865 ، 866 .
(5) سورة السجدة - الآية ( 18 ) .

(6/30)


وأود أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أن بعض الأزواج إنما يعرف فجوره وفسقه بعد الزواج ، وعلى المرأة أن تبادر معه بالنصح و بخاصة ما يتعلق بأمر الصلاة ، وكذا ما يتعلق بالمسكرات والمخدرات فإذا لم تر منه استجابة فلتبادر إلى طلب فسخ العقد ولتهرب منه ، وكثير من الأخوات لا تكشف أمر زوجها إلا فيما بعد وعند الاختلاف مع الأمور المادية وتكون قد أنجبت منه عددا من الأطفال فتقع في ورطة كبيرة يكون الخلاص منها شاقا .
المسألة الرابعة : عقد النكاح :
تعريفه : العقد في اللغة نقيض الحل هذا أصله ثم استعمل في كل ما يبرم من العقود ومنه الاعتقاد الجازم .
واصطلاحا : ألفاظ مخصوصة من شخص مخصوص بصفة مخصوصة تؤدي إلى ربط المرأة بالرجل .
الأصل فيه : قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب
أجله } (1) ، وقوله تعالى : { إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } (2) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي طلب الواهبة نفسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما لم ير له فيها حاجة : (( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن )) . (3)
وذكر العلماء في العقد مجموعة من المستحبات :
1- كونه يوم الجمعة مساء لأنها أرجى ساعة إجابة فيه .
2- كونه في المسجد لأنه أبرك مكان .
3- أن يتقدمه بخطبة الحاجة المعروفة .
ولو ضمنه بعض العبارات الواردة مثل ترويح بإحسان وتسريح بإحسان ونحو ذلك لكان حسنا .
وإذا تم العقد يدعى للمتزوجين بقوله : بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير ، ورزقكما الذرية الصالحة .
__________
(1) سورة البقرة - الآية ( 235 ) .
(2) سورة البقرة - الآية ( 237 ) .
(3) رواه البخاري في النكاح - باب تزويج المعسر - ح 5087 - الفتح 9 / 131 ، ومسلم في النكاح - باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد - 2 / 1040 ح 1425 .

(6/31)


ومما يحسن التنبيه عليه أن الناس يجعلون عقد القران فرحا ويبالغون في الوليمة فيه حتى لكأنه ليلة العرس ، ثم يجرى على ذلك عرف الناس والكارثة إنما تقع في الغالب على المتزوج ، فينبغي على الناس أن يقتصروا في هذه الأمور تسهيلا لأمر الزواج .
المسألة الخامسة : العيوب في النكاح ، وهي ثلاثة أقسام :
أ- ما يخص الرجل وهو عدم قدرته على الوطء بأي سبب من الأسباب .
ب- ما يخص المرأة وهو ما يمنع من وطئها بالكلية كالرتق والقرن والعفل، أو يمنع لذة الوطء كالاستحاضة المستمرة والقروح المستديمة وما أشبه ذلك .
ج- المشترك بينهما كالجنون والبرص والجذام والقرع والبخر وكل ما يؤدي إلى النفرة .
والمهم هنا أن من به عيب لا يجوز أن يكتمه عن صاحبه قبل العقد ، فإذا كتمه ثم تبين بعد فلصاحبه الخيار .
المسألة السادسة : أحكام الصداق :
الصداق : ويسمى المهر والنحلة ، والحباء ، والعقر ، والعلائق ، والصدقة .
تعريفه : لغة : الصداق لغة مأخوذ من الصدق لإشعار الزوجة بصدق الرغبة فيها .
واصطلاحا : هو العوض في النكاح ونحوه .
وإنما قلنا ونحوه ليدخل ما تستحقه المرأة بوطء الشبهة مثلا .
الأصل فيه : الكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى قال الله تعالى: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .(1)
ومن السنة فعله صلى الله عليه وآله وسلم مع نسائه وبناته ، فقد فرض لكل منهن مهرا لم يزد فيه على خمسمائة درهم ، أو اثنتي عشرة أوقية فضة .
والحديث السابق وفيه قال صلى الله عليه وسلم: (( التمس ولو خاتما من حديد )).(2)
وانعقد الإجماع على مشروعيته ، وعند بعضهم يفسد النكاح بفساده ، ولا حد لأكثره ولا لأقله ، والمسنون تخفيفه ، فأكثر النساء بركة أيسرهن مؤونة ، وقد تقدم الكلام عليه فلا نعيده .
ويبقى هنا الإشارة إلى مسائل مهمة :
__________
(1) سورة النساء - الآية ( 4 ) .
(2) متفق عليه وتقدم قريبا .

(6/32)


المسألة الأولى : المهر حق للمرأة قرره الشرع ولا يجوز لأحد كائنا من كان أن يعتدي عليه ، ولها أن تطيب نفسا ببعضه لوليها بشرط أن لا يكون ذلك سببا في التغالي فيه ، فهو موضوع لقضاء لوازم المرأة فحسب .
قال الله تعالى: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .(1)
ومن المؤسف أن الكثير من الناس اتخذوا بناتهم وأخواتهم سلعة تباع بالمزاد العلني ، وظن البعض أن المغالاة في المهر تزيد من قيمة المرأة أو تجعل لها هيبة ومنزلة عند الرجل، أو تحجزه عن بعض التصرفات كالزواج عليها مثلا .
وكل هذه الأمور ليست مخولة للأولياء أن يبالغوا في مهور النساء ، بل إن من أسباب فساد الشباب وانحرافهم الرئيسة المغالاة في الصداق .
المسألة الثانية : بيان متى تكون المرأة مستحقة له ؟
الأولى : أن يسمي الصداق قبل العقد ، ولا يمنع أن ينص عليه في العقد ومن شروطه أن يكون معلوما .
وتملكه بالعقد ويستقر في ذمته بالدخول ، وما حصل من نمائه فهو لها ، ولها أن تتصرف فيه ببيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك .
وإذا طلقها قبل الدخول فلها نصف المهر المسمى أو المتعة .
وإذا لم يسم لها مهر فدخل بها ، فلها مهر مثلها من قريباتها كأخواتها وعماتها وخالاتها ، ويرجع إلى العرف فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا .
وحكم الهدايا التي يقدمها الزوج لزوجته حكم الهبة لا يحق له المطالبة بها في حال الانفصال لأنها تبرع ، اللهم إلا إذا وقع منهم غرر وحيلة فتحرم عليها لأن من أكل أموال الناس بالباطل .
المسألة الثالثة : حكم المهر المؤجل :
__________
(1) سورة النساء - الآية ( 4 ) .

(6/33)


حكى ابن قدامة (1) رحمه الله خلاف أهل العلم في المهر المؤجل ومحصل الخلاف أن أكثر أهل العلم يجيزه ويتأقت بأقرب الفرقتين من موت أحدهما أو المفارقة حال الحياة ، ومنهم من منعه واعتبره فاسدا ولها مهر مثلها ، ومنهم من حد له مدة كسنة ثم يحل ، وكلها أقوال لا أدلة عليها .
والذي ظهر لي أن ترك التأجيل هو الأفضل لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما لم يجد الصحابي شيئا زوجه بما معه من القرآن ، ولم يفرض مهرا مؤجلا ، وكان بإمكانه أن يفعل لكنه لم يفعل وسنته أحق بالاتباع .
ثم إن التأجيل في المهر يسبب مشكلات بين الزوجين ، فقد يبدو للزوج أن يفارق المرأة فيضطرها إلى أن تتنازل عن الصداق المؤخر بدون وجه حق .
وقد تمارس المرأة بعض التصرفات غير اللائقة ولا تنصاع لطاعة الزوج ، وتجعل المهر المؤجل ورقة ضغط تهدد بها زوجها .
ومن خلال معايشتي لبعض المشكلات المتعلقة بالمهر المؤجل تبين لي أنه لا خير فيه، ولا يلجأ إليه إلا لضرورة قصوى ، أو حاجة ظاهرة والله أعلم .
المسألة السابعة : الشروط فيه :
المراد بها اشتراط ما يحقق مصلحة أو يدفع مضرة ، والمعتبر منها ما كان صحيحا موافقا للشرع ، وكان في العقد أو قبله بقليل على الصحيح .
وهي قسمان : صحيح لازم مثل أن تشترط في مهرها نقدا معينا يمكن الوفاء به أو تشترط أن تكون في سكن مستقل أو ألا يخرجها من بلدها ، أو أن لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها ، وجعل بعضهم منه أن لا يتزوج عليها .
وألحق البعض كل ما لها فيه مصلحة ولا يعارض الشريعة مثل إكمال التعليم أو السماح لها بالعمل فترة معينة ، وما أشبه ذلك .
والدليل على صحة مثل هذه الشروط عموم الأحاديث الواردة في ذلك مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( المسلمون على شروطهم )) (2) .
__________
(1) المغني ( 10 / 115 ) .
(2) صحيح الترمذي للألباني في الأحكام - باب ما ذكر في الصلح بين الناس - ح1089 .

(6/34)


وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج )) متفق عليه (1) .
وقول عمر - رضي الله عنه - : (( مقاطع الحقوق عند الشروط )) .
لكن لو شرطت طلاق ضرتها ، ولم يف بذلك هل من حقها طلب
الفسخ ؟
الظاهر من النصوص أن لها ذلك ، ولكن ورد فيه نهي من الشارع حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتستكفئ إناءها )) (2) ، فيكون الاشتراط بمنزلة العام والنهي خاص ، والخاص يقدم على العام ، وبخاصة إذا علم أن الشخص عنده القدرة على تحمل المسؤولية وفية الكفاءة للتعدد .
وكذلك كل شرط ينافي مقتضى العقد أو يمنع الاستمتاع بالمرأة ، فهو باطل ، فإذا كانت الدراسة أو العمل خارج المنزل يترتب عليها إضاعة الحقوق الزوجية أو الإخلال بالواجبات فليس للمرأة حق المطالبة بإنفاذ الشرط لتعارضه مع حق الزوج ، وحينئذ يدخل تحت حديث: (( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ))(3)
والقسم الثاني : الشروط الفاسدة : وهي على نوعين :
1- ما يبطل العقد من أساسه مثل نكاح الشغار ففيه يشترط كل منهما أن يزوجه الآخر موليته وهو باطل وكذا نكاح التحليل والمتعة .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشغار . متفق عليه (4)
__________
(1) رواه البخاري في الشروط - باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح - ح2721 من الفتح 5 / 323 ، ومسلم في النكاح - باب الوفاء بالشروط في النكاح - ح 1418 .
(2) رواه البخاري في الشروط - باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح - ح 2723 من الفتح 5 / 523 .
(3) هذا حديث بريرة المشهور ، وقد رواه البخاري في مواضع منها كتاب الشروط - في باب النكاح - ح 2735 من الفتح 5 / 353 .
(4) رواه البخاري في النكاح - باب الشغار - ح5112 ، ومسلم في النكاح - باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه - ح 1415 .

(6/35)


وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( لعن الله المحلل والمحلل له )) (1) وسماه التيس المستعار .
أما نكاح المتعة فكان مباحا ثم حرم ونسخ إلى الأبد ، ونهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح وفي حجة الوداع . (2)
2- ما يبطل ويصح معه العقد مثل أن يشترط أن لا مهر لها أو لا نفقة عليه أو تشترط هي أن لا يطأها وما أشبه ذلك مما ينافي مقتضى عقد الزوجية فيلغى الشرط ويصح العقد ، وعلى كل واحد من الزوجين أن يقوم بما عليه من الحقوق والواجبات التي يقتضيها عقد الزوجية .
المبحث الثاني : الطلاق ، الرجعة ، الإيلاء ، الظهار ، الخلع ، اللعان ، وهذه أهم أسباب المفارقة .
المطلب الأول : الطلاق وفيه مسائل :
المسألة الأولى : تعريفه ، وبيان الأصل فيه ، وحكمه :
الطلاق لغة : المفارقة ، وإزالة القيد والتخلية . (3)
واصطلاحا : حل قيد النكاح (4) بلفظ مخصوص .
والأصل في مشروعيته : الكتاب ، والسنة ، والإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ... } (5) وقوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } (6)
__________
(1) رواه ابن ماجه في النكاح - باب المحلل والمحلل له - ح 1936 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 1572 .
(2) انظر : البخاري مع الفتح 9 / 166 - ح 5115 ، ومسلم في النكاح - ح 1404
( 2 / 1022 ) .
(3) لسان العرب ( 10 / 225 - 226 ) .
(4) المغني لابن قدامة ( 10 / 323 ) .
(5) سورة الطلاق - الآية ( 1 ) .
(6) سورة البقرة - الآية ( 229 ) .

(6/36)


وأما السنة فأحاديث كثيرة منها قصة ابن عمر رضي الله عنهما لما طلق زوجته فأمره صلى الله عليه وآله وسلم برجعتها ثم يتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء متفق عليه . (1)
والناس مجمعون على جواز الطلاق (2) في الجملة .
كما أن الخبرة دالة على جوازه ، فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين واستحكم الخلاف ، وأصبحت الحياة جحيما لا يطاق فالطلاق حينئذ حل لزوال المفسدة ودفع المضرة .
وأما حكمه ففي الجملة جائز ، وتنتابه أقسام الحكم التكليفي فقد يجب عليه إذا كان موليا أو حكم به الحكمان إذا رأيا ذلك ، ويكره إذا كان لغير حاجة فهو أبغض الحلال إلى الله حينئذ ، ويحرم إذا كان بدعيا كما يأتي بيانه ويندب إليه إذا كانت المرأة غير عفيفة وتتهاون في أمور الشرع وزجرها فلم تنزجر ويباح فيما عدا ذلك .
المسألة الثانية : الحكمة منه :
شرع الله النكاح لبني آدم ، ومما يترتب عليه المعاشرة والمخالطة ولابد من الاحتكاك بين الزوجين ، وقد تضيق الأخلاق ، ويستحكم الخلاف ويحتدم النزاع إلى درجة لا يكون أمام الزوج أو الزوجة أو الحكمين إلا حل عقد النكاح .
وقد أخذ كثير من الغربيين على الإسلام إباحته الطلاق ، واعتبروا ذلك استهانة بحق المرأة ، ثم قلدهم بعض تلاميذهم من أبناء المسلمين .
وجهل هؤلاء وأولئك أن الطلاق موجود في شريعة اليهود، وعرفه العالم منذ القدم.
__________
(1) البخاري في الطلاق - باب قول الله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } - ح 5251 ، الفتح 9/345 ، ومسلم في الطلاق - باب تحريم طلاق الحائض - ح 1471 ( 2 / 1093 ) .
(2) المغني كما سبق .

(6/37)


ثم إن نظرة هؤلاء العاتبين على الإسلام إباحته الطلاق إنما نظروا من زاوية واحدة وهي ما يقع على المرأة من الضرر وغاب عنهم جوانب أخرى ، فقد تتعذر العشرة بين الزوجين ، وتفشل كل سبل الإصلاح ، ولا يبقى إلا المفارقة وقد قال الله تعالى عن ذلك الموقف : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } (1) .
وكثيرا ما يحدث بين الزوجين من الأسباب والدواعي ما يجعل الطلاق ضرورة لازمة، ووسيلة متعينة لتحقيق الخير ، والاستقرار العائلي والاجتماعي لكل منهما .
وقد يطلع أحد الزوجين على ما لا يرضاه من صاحبه من خلق فيضيق به ضرعا ولا مخلص حينئذ إلا الطلاق أو المفاداة .
ولم ينكر صلى الله عليه وآله وسلم على الصحابية التي جاءته فقالت : يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكن لا أطيقه ، وإني أخاف الكفر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أتردين عليه حديقته ؟ )) فقالت : نعم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة )) . (2)
والشاهد أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على زوجة ثابت بن قيس ابن شماس كرهها له ، وعدم صبرها عليه وتضايقها من دمامة خلقته ، وكان الخلع وهو نوع من أنواع الفرقة حلا ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
ولو لم يكن هناك حل عند التباغض وأجبر كل من الزوجين بالبقاء مع الآخر لأدى ذلك إلى مفاسد عظيمة منها :
1- أن الضغينة تأكل قلبيهما وتزداد النفرة والتضايق بينهما .
2- ومنها أن كلا منهما يسعى للتخلص من صاحبه بكل وسيلة ممكنة وهذا يؤدي إلى ارتكاب جرائم القتل واستعمال السحر والإيقاع بالآخر متى واتت الفرصة .
3- ومنها أن المرأة إذا لم تنسجم مع زوجها اتخذت خدينا سريا وكذلك الرجل يتخذ خليلات وعشيقات يوافقنه في المزاج .
__________
(1) سورة النساء - الآية ( 130 ) .
(2) البخاري في الطلاق - باب الخلع - ح 5273 ، الفتح ( 9 / 395 ) .

(6/38)


لكن الشارع جعل الطلاق حلا عند انسداد طرق الإصلاح ، وقد يجد الرجل امرأة تستريح إليها نفسه ، وكذلك المرأة تجد رجلا صالحا يضمها إليه ويعوضها ما فقدته في زوجها الأول .
والزواج عقد كسائر العقود متى رأى الشركاء أن المصلحة في حله جاز حله ، وإلا كان من أعظم أنواع الظلم أن يجبر أحد على الحياة مع لم يرغبه ولا تقبله نفسه .
ولهذا حرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المرأة أن تطلب الطلاق من زوجها بدون سبب ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة )) . (1)
والطلاق كما سبق هو أبغض الحلال إلى الله تعالى ، ولا يلجأ إليه إلا آخر الأمر فيسبقه الوعظ ثم الهجر ثم الضرب غير المبرح ، ثم تدخل أهل الإصلاح لرأب الصدع وإيقاف المخطئ عند حده ، لعل الأمور تستقيم ويتراجع المخطئ .
فإذا استحكم الخلاف أبيح الطلاق وأحسنه ما كان طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، لأنه هو السنة ، وليبقى أمام الزوجين فرصة المراجعة عند الندم .
فمع هذه الضمانات والاحتياطات أيرمى الإسلام بأنه بالطلاق استهان بحق المرأة ؟
إن للزواج مقاصد وأهداف إذا لم تتحقق فلا مانع من حله ليحل محله ما يحقق تلك الأهداف وتلك المقاصد .
المسألة الثالثة : أنواع الطلاق وأقسام المطلقات :
ينقسم الطلاق من حيث السنة والبدعة فيه إلى قسمين :
1- طلاق السنة : وهو أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة ، وهذا مجمع على أنه طلاق سنة ، وسند هذا الإجماع حديث ابن عمر السابق ، فقد بين له صلى الله عليه وآله وسلم كيف يفعل إذا أراد أن يطلق كما أمر الله تعالى . (2)
__________
(1) رواه ابن ماجه في الطلاق - باب كراهية الخلع للمرأة - ح 2055 ، وذكره الألباني في صحيح أبي داود برقم 1928 ، وفي صحيح ابن ماجه برقم 1672 .
(2) حكاه الموفق إجماعا بنفي الخلاف . المغني ( 10 / 325 ) .

(6/39)


2- طلاق البدعة : وهو أن يطلق في طهر مس فيه ، أو في حيض ، أو يجمع لها الثلاث سواء بلفظ واحد على الصحيح أو متفرقات .
ولا خلاف أنه آثم ، وفي وقوع الطلاق خلاف ، والصحيح إن شاء الله أنه يقع .
قال الموفق : (( يقع في قول عامة أهل العلم ، ونقل عن ابن المنذر وابن عبد البر أنه لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال )) .
ثم ذكر من ذهب إلى عدم الوقوع وهم : أبو نصر بن علية ، وهشام بن الحكم ، والشيعة . (1)
وذكر صاحب الإنصاف أن تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (2) ذهبا إلى عدم الوقوع إذا طلق في حيض أو طهر أصابها فيه ، وتابعهما الشيخ عبد العزيز بن باز من المعاصرين .
ولعل حجتهم أن هذا طلاق مخالف لأمر الشرع فهو محرم فلا يقع ، وقاسوا على الوكيل فيه إذا حدد له الموكل زمنا فخالف وأوقع الطلاق في غيره.
ولعل حديث ابن عمر رضي الله عنهما صريح في وقوع الطلاق ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بمراجعتها ، ليطلقها طلاق السنة ، ولو لم يقع الطلاق لما كان في أمره بمراجعتها فائدة ، ولقال صلى الله عليه وآله وسلم : لم يقع عليه طلاق .
ثم هو طلاق من مكلف وقع على محل الطلاق فيقع كطلاق الحامل ، بل إنه أولى بالإيقاع لكونه خالف السنة ، وهو آثم مع الوقوع .
أقسام المطلقات :
1- الرجعية : أي التي يجوز للرجل أن يراجعها قبل انقضاء عدتها وهي المدخول بها إذا طلقها واحدة أو اثنتين ، والرجعة مستحبة على أصح القولين في الجملة .
2- البائن : وهي التي لا يجوز أن تعود إلى عصمة الرجل إلا بشروط معينة وتنقسم البينونة إلى قسمين :
أ- بينونة صغرى : ولها صورتان : إحداهما : أن يطلق قبل الدخول فتبين بطلقة واحدة ، وإذا أراد إعادتها فلابد من عقد ومهر جديدين ولابد من رضاء الزوجة ، فكأنه عقد زواج جديد .
__________
(1) المصدر السابق ( 10 / 327 ) .
(2) انظر : الإنصاف ( 8 / 448 ) .

(6/40)


ثانيهما :أن يطلقها تطليقة أو تطليقتين ثم لا يراجعها حتى تنقضي عدتها ، وحينئذ لابد من عقد ومهر جديدين .
ب- بينونة كبرى : وهي أن يطلق المدخول بها ثلاثا فلا تحل له إلا بعد زوج آخر، قال تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } (1)
المسألة الرابعة : الألفاظ التي يقع بها وحكم تعليقه :
أ- الألفاظ الصريحة فيه : وهي ما لا تحتاج إلى الرجوع إلى النية كلفظ طالق وطلقتك وسرحتك وفارقتك وما أشبه ذلك .
ب- الألفاظ الكنائية : وهي ما تحتاج إلى النية في بيان المراد بها مثل قوله لزوجته : أنت خلية وبرية وبائن وبته وأنت حرة ، وما أشبه ذلك ، فيرجع في هذه الألفاظ إلى النية وبيان المراد بها فيقع ما أراد من طلاق أو عدد فيه أو غير ذلك مما قصد .
تعليق الطلاق :
كثر استعمال التعليق للطلاق في هذا الزمن بسبب ما يقع من المشكلات فمثلا نجد أن الرجل يعلق طلاق امرأته على خروجها من البيت فيقول : إن خرجت فأنت طالق ، وتارة يقول : إن ذهبت إلى فلانة فأنت طالق ، وحينا يقول: إن كلمت فلانة أو كلمتك فأنت طالق ، ولعل لهذا التعليق بعض التبرير عند بعض الأزواج لما يلمسه من الزوجة من التغير عند بعض الزيارات أو أثر بعض المكالمات الهاتفية فيريد أن يكف الشر فيعلق الطلاق.
وإذا علق الرجل طلاق امرأته على شرط يمكن وقوعه تعلق الطلاق به ، فإذا تحقق الشرط وقع الطلاق على الصحيح .
ولهذا أنصح الزوجة إذا نهاها زوجها عن أمر ليس فيه مصلحة أو فيه عليه مضرة أن تنتهي وتسمع وتطيع لئلا يترتب عليه خراب بيتها .
__________
(1) سورة البقرة - الاية ( 230 ) .

(6/41)


كما أنصح الأزواج أن لا يعلقوا الطلاق على أمر قد يتراجعون عنه مثل إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق ، فلابد من الذهاب لصلة الرحم وزيارة الوالدين ولو بعد حين ، ومثل لو كلمت أختك فأنت طالق ، فلابد مستقبلا أن تكلمها وهكذا لا ينبغي الاستعجال في أمر للإنسان فيه أناة وقدرة على التحكم في ألفاظه ، فاللفظ إذا خرج من الصعوبة بمكان إعادته ، فحتى لو رضي الزوج فيما بعد وسمح للزوجة أن تذهب وأن تكلم يقع به الطلاق لكونه علق شرط معلق ، اللهم إلا إذا خرجت مخرج اليمين كأن يريد حثها على فعل شيء أو الكف عنه فتكون يمينا مكفرة (1) على أصح القولين .
المسألة الخامسة : الحلف بالطلاق :
في بعض المجتمعات يكثر الحلف بالطلاق وعلى أتفه الأسباب ، ومما جرت به عادة بعض الناس لا يقبل عزومة إلا إذا حلف عليه بالطلاق أو بالحرام ، ولاشك أن الحلف بالطلاق أو الحرام أيمان الفساق ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت .
ومن صور الحلف بالطلاق أن يقول : علي الطلاق أو الطلاق يلزمني أو علي الحرام، ويريد به الطلاق ، فمتى أراد بحلفه الطلاق وقع عليه ما أراد إذا حنث في يمينه كأن يقول : علي الطلاق ما أفعل الشيء الفلاني ، ثم فعله فيما بعد ، أو علي الطلاق لأفعلن كذا ، ولم يفعل فإنه يقع به ما علق عليه .
لكن إذا أراد حث زوجته على فعل شيء أو كفها عنه مثل أن يقول علي الطلاق ما تخرجين اليوم ، أو ما تكلمين أهلك ولم يكن في نيته سوى ذلك فتنعقد يمينا إذا حنث فيها كفر كفارة يمين والله أعلم .
المسألة السادسة : حكم التوكيل فيه :
__________
(1) أي تحلها كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة ، فإن لم يجد شيئا صام ثلاثة أيام .

(6/42)


يجوز التوكيل في الطلاق كما يجوز التوكيل في النكاح وممن يصح توكيله الزوجة فلو قال : طلقي نفسك أو أنت بالخيار أو أمرك بيدك فلها أن تطلق نفسها طلقة واحدة ، لأنه حق له ويجوز أن يوكل فيه أو يهبه لمن يشاء ولا تزيد على الواحدة .
وإذا عاد عن التوكيل أو فعل ما ينافيه كالجماع قبل حصول الطلاق منها سقط حقها فيه ، لأنه عزل للوكيل عما وكل فيه .
وإذا حدد لها عددا معينا ملكته إلا أن يعود فيه قبل أن تطلق نفسها فيسقط حقها في التوكيل حينئذ .
وعلى هذا لا تملك المرأة أن تطلق نفسها ابتداء ، وإنما جعل الله أمر الطلاق بيد الرجل ، لأنه أكمل عقلا وأعرف بعواقب الأمور وأقل انسياقا وراء العاطفة بخلاف المرأة فلو كان الأمر بيدها لطلقت نفسها لأتفه الأسباب .
المطلب الثاني : الرجعة :
1- تعريفها والأصل فيها :
وهي إعادة الزوجة المطلقة إلى ما كانت عليه قبل الطلاق ، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع .
قال تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } . (1)
وطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفصة ثم راجعها . (2)
وأجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق مدخولا بها طلقة أو طلقتين أن له الرجعة ، وإذا طلق العبد طلقة واحدة فله الرجعة كذلك . (3)
2- شروطها : ومن شروطها :
1- أن يكون الطلاق غير بائن فكل طلاق أو فسخ تبين به المرأة ، ولو بينونة صغرى لا يملك الرجل حق الرجعة فيه .
2- ويشترط أن تكون المراجعة في أثناء العدة ، ولا يشترط رضى الزوجة فيها .
ومن ألفاظها : راجعت زوجتي فلانة أو ارتجعتها ، أو أمسكتها أو رددتها وما شابه ذلك مما يؤدي معناها .
__________
(1) سورة البقرة - الآية ( 228 ) .
(2) صحيح سنن أبي داود - ح 1998 في الطلاق - باب في المراجعة .
(3) المغني ( 10 / 547 ) .

(6/43)


3- الرجعية زوجة من كل وجه تجب لها النفقة ويصح له وطؤها ويجوز أن تتزين له وترثه لو مات وهو يرثها إن ماتت قبل انقضاء عدتها ، ويلحقها طلاقها لكن لا قسم لها إلا بعد المراجعة .
4- ويسن له الإشهاد على رجعتها ولا يجب في أصح القولين .
5- وإذا عادت فتعود على ما بقي له من عدد الطلقات .
6- حكمها : وتستحب الرجعة لكل من طلق زوجته وأوجبها بعضهم لظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :
(( مره فليراجعها )) .
ولعل في الرجعة إصلاحا لحالها إذا كان الطلاق بسبب من قبلها كتهاونها في أمر الشرع مثلا ، وربما يرزقان ولدا صالحا بعد المراجعة فيكون خيرا لهما .
7- حكم المضارة : ولا يجوز له مراجعتها من أجل مضارتها وتطويل العدة عليها، قال الله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا } (1).
المطلب الثالث : الإيلاء :
تعريفه : وهو الحلف بأن لا يطأ زوجته مطلقا أو أكثر من أربعة أشهر
والأصل فيه : قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } (2)
حكمه : وهو حرام كالظهار ، وهو من عمل أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوج بها غيره فيحلف أن لا يقربها أبدا ، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، فكان المسلمون عليه أول الإسلام فضرب الله له أجلا وحد له حدا، وهذا من سماحة الإسلام ورفعه مكانة المرأة وقطع الطريق على المضارين .
__________
(1) سورة البقرة - الآية ( 231 ) .
(2) سورة البقرة - الآيتان ( 226 - 227 ) .

(6/44)


ممن يصح : يصح من كل زوج يصح منه الطلاق ، وإذا حلف أن لا يطأ زوجته أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر أجل مدة أربعة أشهر ، ثم يخير بين أن يكفر عن يمينه ويطأ وجوبا وبين أن يطلق، فإن امتنع طلق عليه الحاكم لأنه مضار.
ومن حلف لا يطأ زوجته مدة تقل عن أربعة أشهر فليس بمول ، وقد حلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يقرب نساءه شهرا فلما انتهى الشهر غدا أو راح . (1)
ولا يجوز للرجل أن يضار زوجته فيتركها كالمعلقة ، فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
المطلب الرابع : الظهار :
تعريفه:وهو تشبيه الرجل امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد بسبب أو نسب.
حكمه : هو من أفعال الجاهلية وقد حرمه الشرع حيث قال الله تعالى : { الذين يظاهرون من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ... } (2)
وقد نزلت في خولة بنت مالك بن ثعلبة حين ظاهر منها ابن عمها أوس بن الصامت فجاءت تشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذت تجادله وهو يقول : (( ما أرى إلا أنك قد حرمت عليه )) ، وهي تقول : أشكوا إلى الله صبية إن تركتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( اتقي الله فإنه ابن عمك )) ، فما برحت حتى نزل القرآن : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } . (3)
وبين سبحانه أن الظهار منكر من القول وزور ، وبين بعد حكمه ما يكفره.
__________
(1) رواه البخاري في الطلاق - باب قول الله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } - ح5289 من الفتح 9 / 425 .
(2) سورة المجادلة - الآية ( 2 ) .
(3) صحيح أبي داود في الطلاق - باب الظهار - ح 1934 .

(6/45)


كفارته : وهي إما أن يعتق رقبة ، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن عجز أطعم ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع من طعام .
ويكفر قبل أن يطأ لقوله تعالى : { من قبل أن يتماسا } (1) .
وكان الأمر في الجاهلية كالإيلاء يظاهر الرجل من امرأته فتحرم عليه ولا يكون طلاقا لها فتنكح زوجا آخر فهو أيضا للمضارة ، فجاء الإسلام بالحل وهو الكفارة إذا أراد أن تعود امرأته إلى عصمته ، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بالمسلمين ومن رفقه بالمرأة ، وقد أنزل الله تعالى في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة وسميت السورة بالوصف الذي اتصفت به خولة بالمجادلة فأي تكريم هذا للمرأة في دين الإسلام ؟ فسبحان من وسع سمعه الأصوات وجعل لكل مشكلة حلا ومخرجا.
المطلب الخامس : الخلع
تعريفه : وهو فراق الزوجة بعوض بلفظ مخصوص .
والأصل فيه : الكتاب ، السنة ، الإجماع .
أما الكتاب فقول الله تعالى: { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } (2)
وأما السنة فقصة حبيبة بنت سهل مع زوجها ثابت بن قيس بن شماس وقد أبغضته وعرضت الأمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (( أتردين عليه حديقته ؟)) فقالت : نعم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( خذ الحديقة وطلقها تطليقة )) (3) ففعل، فكانت سنة .
وقد انعقد الإجماع على جوازه إذا كان هناك ما يقتضيه . (4)
__________
(1) سورة المجادلة - الآية ( 3 ، 4 ) .
(2) سورة البقرة - الآية ( 229 ) .
(3) خرجه البخاري في الطلاق - باب الخلع وكيف الطلاق فيه - ح 5273 من فتح الباري ( 9 / 395 ) .
(4) الإفصاح ( 2 / 144 ) .

(6/46)


الحكمة منه : ولعل الحكمة ظاهرة منه ، وهي أن المرأة قد تضيق بالرجل من حيث خلقه أو خلقه أو دينه أو كبر سنه وتخشى أن تغضب الله تعالى بالتقصير في حقوقه وارتكاب أمر لا يجوز ، فجعل الله لها حلا ومخرجا فتدفع له ما أخذته منه ، وينفسخ النكاح بينهما ، وكذلك الرجل قد لا يجد من المرأة تفهما وقد يبغضها لخلقها أو خلقها أو دينها فيضطرها إلى المخالعة لئلا يظلمها أو يرتكب أمرا يخالف به شرع الله ، فشرع الله له مخالعتها { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } .
تكييفه الشرعي : والخلع فسخ على الصحيح أي يحل عقد الزوجية بالكلية، وإذا أرادا التراجع فلابد من عقد ومهر جديدين ، ولهما ذلك .
صيغته : وصيغته الصريحة : خلعت ، فسخت ، فاديت ، ونحو ذلك .
ولا يجوز للرجل أيضا أن يضايق المرأة مع قيامها بحقوقه وحقوق الله تعالى لتفتدي منه ، وإنما جعل حلا عندما يخافا أن لا يقيما حدود الله تعالى ، وإذا احتدم بينهما النزاع ، وهذا أيضا من تكريم الإسلام للمرأة وصيانتها وحفظ حقوقها ، وإذا أبى الزوج المخالعة فللقاضي أن يفسخ النكاح بعد استنفاد طرق الإصلاح .
المطلب السادس : اللعان
تعريفه : وهو شهادات مؤكدات بأيمان تصدر عن الزوجين بصفة مخصوصة .
الأصل فيه : الكتاب ، السنة ، الإجماع .
قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } (1) .
__________
(1) سورة النور - الآية ( 6 - 9 ) .

(6/47)


ومن السنة قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( البينة أو حد في ظهرك )) ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت آيات الملاعنة في سورة النور. (1)
وحكى الإجماع عليه ابن هبيرة في (( إفصاحه )) .(2)
حكمه : يختلف باختلاف الأحوال :
أ- فإذا رأى الرجل امرأته تزني والعياذ بالله وغلب على ظنه أنها تحمل من ذلك الزنا وجب عليه شرعا أن يقذفها ، فإن اعترفت بما فعلت أقيم عليها حد الزنا ، وإن أنكرت تلاعنا .
ب- إذا رآها تزني وشك في حملها جاز له ذلك ، واستحبه بعض أهل العلم ولو لمجرد الزنا .
ج- إذا علم أنها زنت وأنها لا تحمل من ذلك الزنا أبيح له القذف وسترها أفضل ، ويطلقها خير له من إمساكها لإتيانها بالفاحشة .
ما يترتب عليه من أحكام :
1- إذا تلاعنا فرق بينهما فرقة أبدية لقول سهل بن سعد الساعدي :
(( مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا )) . (3)
2- أن ابنها الذي رميت بالزنى من أجله يكون تبعا لأمه ترثه ويرثها لعموم الحديث : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )) . (4)
وفي (( صحيح مسلم )) : (( فكانت حاملا فكان ابنها يدعى إلى أمه ، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها )) . (5)
__________
(1) أصل القصة في البخاري في الطلاق - باب اللعان - باب يبدأ الرجل بالتلاعن - ح 5370 ، وهو بهذا اللفظ في صحيح أبي داود - ح 1974 ( 2 / 425 ) في الطلاق - باب في اللعان .
(2) 2 / 167 ) .
(3) السنن الكبرى للبيهقي ( 7 / 410 ) .
(4) متفق عليه : رواه البخاري في مواضع منها : البيوع - باب تفسير المشبهات - ح 2053 ، الفتح (4/292 ) ، ومسلم في الرضاع - باب الولد للفراش - ح 1457 .
(5) صحيح مسلم في اللعان - ح 1492 ( 2 / 1130 ) .

(6/48)


3- إذا جاءت بالولد بعد الملاعنة شبيها بزوجها أو بمن رميت به فلا يغير ذلك من الحكم شيئا ، وقد جاءت امرأة هلال بابنها شبيها بمن رميت به ، ولم يتعرض لها رسول صلى الله عليه وآله وسلم بل قال : (( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن )) . (1)
كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى بالملاعنة بين الزوجين ثم فرق بينهما ولم يقم حدا لمن رميت به ، لإقدام الزوج على الملاعنة ثم الزوجة بعده .
4- عرض التوبة عليهما بعد التلاعن ، لأن أحدهما كاذب قطعا .
الحكمة منه :
1- أن الرجل قد يجد مع امرأته من يعاشرها بالحرام وليس معه من يشهد على ذلك ، فجعل الله له مخرجا بالتلاعن .
2- قد تحمل المرأة من ذلك الوطء ، فلو لم يكن للرجل مخرج بقذفها لنسب إليه ، ولاختلفت الأنساب وورث من ماله وكشف على محارمه وهو أجنبي عنه .
3- إن الأعراض مما يجب صيانتها ، فلا يجوز أن تلوك فيها الألسن بدون مبرر ، فلا يجوز أن يقول الرجل لامرأته : يا زانية ، وهو لم يرها تزني ، فلو قال ذلك ثم نكل عن اللعان ، أقيم في ظهره حد القذف ، كما أن المرأة إذا علمت أن من حق الزوج قذفها إذا زنت احتاطت وعفت واتقت الله تعالى .

المبحث الثالث : العدة والإحداد ، وفيه مطلبان :
المطلب الأول : العدة :
تعريفها : مأخوذ من العدد ، فإن أزمنة العدد محصورة بعدد معين .
واصطلاحا : تربص المرأة التي فارقت الزوج مدة معينة .
الأصل فيها : الكتاب ، السنة ، الإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } (2) .
__________
(1) صحيح أبي داود كما سبق قريبا .
(2) سورة البقرة - الآية ( 228 ) .

(6/49)


وأما السنة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت قيس : (( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ، فإذا حللت فآذنيني )).(1)
وأما الإجماع : فأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة . (2)
كما أجمعوا على أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها ، وسند هذا الإجماع قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } (3) ، كما أنها تجب عليها العدة إذا توفي عنها الزوج كما يأتي .
أنواع المعتدات :
الحامل : تعتد بوضع كل الحمل مطلقا ، لقول تعالى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } (4) ولو كانت متوفى عنها على الصحيح أو مطلقة .
المتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا : فتعتد بأربعة أشهر وعشرا سواء كانت صغيرة أو كبيرة من ذوات الأقراء أو يائسة لعموم قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } (5) .
3- المطلقة :
1- إن كانت من ذوات القروء وهي الحيض فلا بد أن تحيض ثلاث حيض ثم تطهر لقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } (6) .
__________
(1) رواه مسلم في الطلاق - باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها - ح 1480 .
(2) المغني ( 11 / 194 ) .
(3) سورة الأحزاب - الآية ( 49 ) .
(4) سورة الطلاق - الآية ( 4 ) .
(5) سورة البقرة - الآية ( 234 ) .
(6) سورة البقرة - الآية ( 228 ) .

(6/50)


إن كانت صغيرة لم تحض أو يائسة فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى :
{ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } (1) أي فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر .
3- المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها لما سبق .
وكل فرقة بين الزوجين بعد الدخول فعدتها عدة الطلاق إن كانت حاملا بوضع الحمل ، وإن كانت ذات أقراء فبثلاثة أقراء ، وإن كانت صغيرة أو يائسة فثلاثة أشهر سواء كانت تلك الفرقة خلعا أو لعانا أو بسبب رضاع أو فسخ بعيب أو غيره ، أو موطوءة بشبهة أو في نكاح فساد .
يكفي أن تستبرأ الأمة المسبية بحيضة .
لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى حيض حيضة )) . (2)
الحكمة من العدة :
1- تعظيم حدود الله والوقوف عند ما حده الشارع طاعة لله تعالى .
2- احترام حق الزوج وتقديس رباط الزوجية .
3- براءة الرحم لئلا تختلط الأنساب .
4- تعظيم مكانة المرأة بحيث إذا انتهى أمد العدة فهي حرة تعمل في نفسها ما تشاء ، وليس لأحد عليها سلطة كما كانت تفعل الجاهلية بها .
5- أن في العدة مجالا للتراجع إذا كان الطلاق رجعيا .
المطلب الثاني : الإحداد ويقال له الحداد :
تعريفه : وهو اجتناب المتوفى عنها كل ما يدعو إلى النكاح ويرغب فيه من زينة أو طيب أو نحو ذلك .
الأصل فيه : السنة ، الإجماع .
__________
(1) سورة الطلاق - الآية ( 4 ) .
(2) صحيح أبي داود للألباني - ح 1889 في النكاح - باب في وطء السبايا ، ورقمه في السنن 2157 .

(6/51)


أما السنة فمنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا )) . (1)
وأما الإجماع فقال الموفق رحمه الله : (( ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها ، إلا عن الحسن ، فإنه قال : لا يجب الإحداد ، وهو قول شذ به عن أهل العلم ، وخالف به السنة ، فلا يعرج عليه )) . (2)
ويستوي فيه سائر النساء اللهم إلا الحامل ، فإنها إذا وضعت انقطع إحدادها لانتهاء عدتها كمن توفي عنها زوجها وهي حامل في نهاية شهرها السادس ، فإنها تحد حيث تضع حملها ، ثم تنقضي عدتها وإحدادها على أصح أقوال أهل العلم ، ولا تعتد بأطول العدتين حينئذ للعموم في قوله تعالى : { أجلهن أن يضعن حملهن } .
بيان ما تجتنبه المرأة في الإحداد :
الواجب أن تجتنب المرأة الزينة من الثياب والكحل والطيب والحلي والخضاب وكل ما يدعو إلى نكاحها ، وما تتزين به المرأة لزوجها ، وتلزم بيت الزوج وبخاصته في المبيت إلا أن تدعو ضرورة أو حاجة ملحة إلى خروجها .
بيان ما يجوز لها فعله :
وللمرأة أن تتنظف في ثيابها ، وتمشط شعرها ، وتقص أظفارها ، فإن ترك الأوساخ على البدن والثياب وعدم أخذ الأظفار والشعور للحادة حتى تنتهي عدتها من عادات الجاهلية وكانت تبقى حولا كاملا حتى تصبح مثل الوحش ، وقلما افتضت بشيء بعد الحول إلا مات ، فألغى الإسلام هذه العادة وأبدلها بالإحداد مدة معينة تجتنب فيها أشياء محددة ، وليس منها النظافة ، فهذا من حكمة الشرع وفضل الله على المرأة ورحمته بها مع المحافظة على حق الزوج فسبحان العليم الخبير.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحيض - باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض - ح 313 ، الفتح ( 1 /413)، ومسلم في الطلاق - باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة - ح 1486 ( 2 / 1123 ) .
(2) المغني ( 11 / 284 ) .

(6/52)


المبحث الرابع : الرضاع :
تعريفه : لغة : مصدر رضع الثدي إذا مصه .
واصطلاحا : مص من دون الحولين لبن امرأة ثاب عن حمل أو نحو ذلك .
الأصل في التحريم بالرضاع : الكتاب ، السنة ، الإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } (1) فقد عدهن الله من جملة المحرمات .
وأما السنة فحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة )) متفق عليه . (2)
وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد من أهل العلم ، قال الوزير ابن هبيرة : (( واتفقوا على أن الرضاع يحرم منه ما يحرم من النسب )) . (3)
شروط الرضاع المحرم :
1- أن يكون من امرأة فلا يحرم لبن البهيمة اتفاقا .
2- أن يكون في الحولين ، فلا يحرم رضاع الكبير اتفاقا ، وما جاء في خبر سالم مولى أبي حذيفة خاص به ، وخالف أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة حيث لم يذهبن إلى قولها كما في (( صحيح الإمام مسلم )) (4) ، وهو ما فتق الأمعاء وأنبت اللحم .
3- أن يكون اللبن نتج عن حمل أي بعد الولادة على الصحيح .
4- أن تكون الرضعات خمسا مشبعات ، فلا تحرم المصة ولا المصتان ، ولا الرضعة ولا الرضعتان ، ولا ما دون الخمس على الصحيح ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ))(5)
__________
(1) سورة النساء - الآية ( 23 ) .
(2) أخرجه البخاري في النكاح - باب { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } - ح 5099 ، الفتح ( 9 / 139 )، ومسلم في الرضاع - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة - ح 1444 .
(3) الإفصاح ( 2 / 178 ) .
(4) في الرضاع - باب رضاعة الكبير - ح 1454 ( 2 / 1078 ) .
(5) صحيح مسلم في الرضاعة - باب التحريم بخمس رضعات - ح 1452 (2/1075) .

(6/53)


4- نسبة الرضيع إلى أبيه وأمه من الرضاع :
يعتبر الرضيع ولدا للمرأة التي أرضعته وهو أخ لكل ولد ولدته سواء كانت الولادة من زوج سابق أو لاحق ، على أبي الرضيع لعموم النص السابق فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
كما أنه يصبح أخا لكل ولد للرجل من هذه المرأة أو غيرها ، فإن اللبن مشترك بين الرجل والمرأة .
والدليل الحديث السابق ، وقصة أفلح أخي أبي القعيس ، فإن عائشة رضي الله عنها رضعت من أم أبي القعيس ، فلما جاءها أفلح وهو يصبح عمها لأنه أخو أبيها من الرضاع لم تأذن له حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال : (( إإذني له )) ، وفي لفظ : (( فإنه عمك تربت يمينك )) (1)
وهكذا سائر القرابة تنتشر فيهم الحرمة كما تنتشر في القرابة النسبية .

خطأ شائع :
يظن بعض الناس أن الولد إذا رضع من امرأة مع مولودها فيكون أخا لذلك المولود فقط ، وربما يتقدم المرتضع لابنة المرأة التي لم تصادف رضاعته ، وهذا منكر فإنه يتزوج أخته لأنه أصبح ولدا لهذه المرأة كالولد النسبي ، يحرم عليه كل بنت لها مطلقا من هذا الزوج أو من غيره ، رضعت معه أو لا .
إذا شكوا في عدد الرضعات فما الحكم ؟
أي هل بلغت خمسا أم لم تبلغ ؟ فحينئذ يعمل بالأحوط ، فتكون هذه المرأة التي أرضعت وبناتها محرمات على ذلك الرضيع منها ، وفي نفس الوقت يحتجبن منه لعدم القطع بحرمته ، والقاعدة الفقهية المشهورة أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر قدم جانب الحظر ، كما أن الفروج يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها .

المبحث الخامس : الكفالة :
والمراد هنا كفالة اليتيم ومن لا ولي لها من النساء .
قرر الشارع الحكيم كفالة الطفل وحضانته والعناية به ، وجعلها من الواجبات ، لأنه يهلك بتركها ، فلابد من الإنفاق عليه ، ومنعه من المهالك وتعليمه وتربيته لينشأ صالحا مصلحا .
__________
(1) صيحح مسلم في الرضاع - باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل - ح 1445 ( 2 / 1069 ) .

(6/54)


وهو إما أن يعيش بين أبوين إذا كانا مجتمعين في عش الزوجية وإما أن يكفله أحدهما في حال المفارقة .
ولا كفالة لفاسق لعدم الثقة به في أداء الواجب ، ولا لقاصر لحاجته إليها ، ولا لكافر على مسلم ، خوفا على دين المكفول ، ولأنه لا ولاية له على المسلم
ولحنان الأم وشفقتها فيه أحق بالحضانة إذا توفرت فيها الشروط ، وانتفت الموانع متى ما طلقت حتى تبلغ البنت سبع سنين ، ثم تسلم إلى أبيها ، ويخير الغلام بعد تلك السن، إلا إذا نكحت المرأة فإن حقها يسقط في الحضانة لحديث : (( أنت أحق به ما لم تنكحي )) . (1)
والنفقة واجبة على الأب بكل حال أو على الوارث ولو اختار الغلام أمه بعد سبع سنين يكون بالنهار عند أبيه ليعلمه ويربيه ويؤدبه ، ويبيت عند أمه ليلا من أجل دفئها وحنانها .
وقد ينشأ في المجتمع بسبب الكوارث والأمراض والموت فئة هم الأيتام وهم الذين فقدوا الأبوين أو فقدوا الأب ، أما فاقد الأم مع وجود الأب فلا يسمى على الصحيح يتيما .
قال القرطبي رحمه الله: (( اليتيم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم )) .(2)
وقد جاء في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
(( كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة )) . (3)
__________
(1) رواه أبو داود في الطلاق - باب من أحق بالولد ، السنن ( 1 / 529 ) ، وذكره الألباني في صحيح أبي داود برقم 1991 وقال : حسن .
(2) الجامع لأحكام القرآن ( 2 / 14 ) .
(3) متفق عليه : خرجه البخاري في الطلاق - باب اللعان - ح 5304 من الفتح ( 9 / 439 ) ، ومسلم في الزهد - باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم - ح 2982 ( 4 / 2286 ) .

(6/55)


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : قال شيخنا في (( شرح الترمذي )) : (( لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو منزلة النبي لكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا ، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه )) . (1)
وهذا الكلام عام في كفالة اليتيم سواء كان ذكرا أو أنثى .
غير أن الإسلام خص يتامى النساء ببعض التوصيات والأحكام :
فقال الله تعالى : { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ... } (2) الآية .
وقال تعالى : { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } (3) .
__________
(1) فتح الباري ( 10 / 437 ) .
(2) سورة النساء - الآية ( 3 ) .
(3) سورة النساء - الآية ( 127 ) .

(6/56)


ففي تفسير الآية الأولى ذكر البخاري رحمه الله بسنده المتصل إلى عروة بن الزبير : (( أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية : { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } فقالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يسقط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن .
قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله : { ويستفتونك في النساء } ، قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى : { وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمة حين تكون قليلة المال والجمال ، قالت : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهن عنه إذا كن قليلات المال والجمال )) . (1)
فيكون المراد أن اليتيمة يجب أن يقسط إليها ، وأن يتورع عن مالها ، ولا يجوز لمن في حجره يتيمة ذات مال أن يطمع في ماله ، فيجعل النكاح وسيلة للوصول إليه مع عدم رغبته فيها لذاتها ، ثم إذا رغب في نكاحها أعطاها من الصداق مثل صداق مثيلاتها لا ينقص منه شيئا ، فهذا هو القسط الذي أمر الله به من كان وليا لليتيمة وأمرها بيده .
واختار ابن جرير رحمه الله أن العدل كما يجب في حق اليتامى يجب أن يكون في حق النساء . (2)
__________
(1) رواه البخاري في التفسير ، باب { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } ح 4576 ، الفتح (8/239).
(2) جامع البيان ( 4 / 235 ) .

(6/57)


ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير الآية الأولى : (( أي وإن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم ، وخفتم أن لا تقوموا بحقهن ، لعدم محبتكم إياهن فاعدلوا إلى غيرهن وأنكحوا ما طاب لكم من النساء أي ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدين ، والجمال ، والحسب ، والنسب ، وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن فاختاروا على نظركم )) . (1)
ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله حول هذه الآية : (( ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل ، فالمطلوب هو العدل في كل صورة ، وبكل معانيه في هذه الحالة سواء فيما يختص بالصداق ، أو فيما يتعلق بأي اعتبار آخر ، كأن ينكحها رغبة في مالها ، لا لأن لها في قلبه مودة ، ولا لأنه يرغب رغبة نفسية في عشرتها لذاتها ، وكأن ينكحها وهناك فارق كبير في السن لا تستقيم معه الحياة، دون مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح ، هذه الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفا من ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته إلى آخر تلك الملابسات التي يخشى أن لا يتحقق فيها العدل ... )) .
إلى أن قال : (( فعندما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم على القسط مع اليتيمات اللواتي في حجورهم ، فهناك النساء غيرهن ، وفي المجال متسع للبعد عن الشبهة والمظنة )) . (2)
__________
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( 1 / 311 ) .
(2) ظلال القرآن ( 1 / 578 ) .

(6/58)


ويقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله حول الآية الأخرى عند تفسير قوله تعالى : { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } : (( وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت ، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها ، وظلمها إما بأكل ما لها الذي لها أو بعضه أو منعها من التزوج لينتفع بمالها خوفا من استخراجه من يده إن زوجها ، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به بشرط أو غيره ، هذا إذا كان راغبا عنها ، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ، ولا يقسط في مهرها ، بل يعطيها دون ما تستحق ، فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص ، ولهذا قال : { وترغبون أن تنكحوهن } أي ترغبون عن نكاحهن ، أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله)).(1)
وهذا يدل على اهتمام الإسلام بالمحافظة على الأيتام وبخاصة إذا كان اليتيم أنثى فيكثر فيها الطمع لضعفها أو حيائها .
وقد أوجب الشرع كفالة اليتيم على وليه سواء كان يرثه بالفرض أو التعصيب لذا قال : { وعلى الوارث مثل ذلك } أي يجب عليه من الإنفاق والرعاية ما يجب على الأب .
وإن لم يكن هناك قرابة فالسلطان ولي من لا ولي له ، فيجب على الدولة المسلمة أن ترعى الأيتام بإنشاء دور خاصة بهم ، تهئ لهم فيها الطعام والشراب والملبس والتعليم والتربية والتوجيه ، وبهذا يتحقق هدفان : أحدهما : كفاية الأيتام وإدخال السرور عليهم وإشعارهم بالحنان الذي فقدوه بفقد آبائهم ومن يعولهم .
__________
(1) تيسير الكريم الرحمن ( 1 / 417 ) .

(6/59)


ثانيها : نشر البركة والنصر للدولة التي تقوم بذلك وترعاه ، فقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم )) . (1)

الفصل الثالث : زينة المرأة المسلمة ، وفيه مقدمة وتمهيد ومباحث :
المقدمة :
قال الله تعالى : { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } (2) .
وقال الله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } (3) .
فطر الله آدم وذريته على الحياء ، وحب ستر العورة ، وكراهة انكشافها .
__________
(1) رواه البخاري في الجهاد - باب من استعان بالضعفاء ، بدون (( وترزقون )) - ح 2896 من الفتح (6/88 ) ، وروه بها الترمذي في الجهاد وأحمد في المسند ( 5 / 198 ) .
(2) سورة الأعراف - الآية ( 26 - 27 ) .
(3) سورة الأعراف - الآية ( 31 - 32 ) .

(6/60)


وحرص الشيطان عدو آدم اللدود على كشف عورة آدم وزوجه حواء : { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما } (1) ، { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } (2) .
وقد تكرم الله على آدم وذريته بلباس آخر هو التقوى وهو ستر لعوراتهم النفسية .
وابن آدم يحرص على ستر عورته البدنية والنفسية ، وأعداء الله تعالى يحرصون على انكشافه من كل لباس ويسعون لتغيير فطرته .
وسلب خصائص إنسانيته التي صار بها إنسانا ، ومتى رأى الإنسان العري ضربا من ضروب الجمال فهو منتكس في فطرته .
إن العري النفسي من الحياء والتقوى وهو ما تجتهد فيه الأصوات والأقلام وجميع أجهزة التوجيه والإعلام لهو النكسة والردة إلى الجاهلية ، وليس ذلك من التقدم أو التحضر في شيء ، وإنما هو من وساوس الشيطان .
إن الإسلام دين الفطرة وقد أوجب ستر العورة وجعل سترها في الصلاة شرطا من شروط صحته ولو لم يكن عنده أحد يراه طالما كان قادرا على الستر
التمهيد : خصال الفطرة :
روى مسلم بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء )) .
قال زكريا : قال مصعب : ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة .
زاد قتيبة : قال وكيع : انتقاص الماء يعني الاستنجاء . (3)
__________
(1) سورة الأعراف - الآية ( 20 ) .
(2) سورة الأعراف - الآية ( 22 ) .
(3) صحيح الإمام مسلم في الطهارة - باب خصال الفطرة من حديث عائشة رقم 261 ( 1 / 223 ) .

(6/61)


وفي البخاري بسنده إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( الفطرة خمس - أو خمس من الفطرة - : الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب )) . (1)
ولا تعارض بين الحديثين فقد يرد عدد ثم يزاد عليه ، أو أن ذلك حسب المقام ، وخصال الفطرة كثيرة وإنما نبه الشارع على أهمها . (2)
ومعنى الفطرة : الخلقة المبتدأة ، والجبلة والدين والسنة ، والمراد بها في الحديث : أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة .
وقد ذكر بعض هذه الخصال في الطهارة فلا نعيد الكلام عليه .
والذي يهمنا هو بعض خصال تتعلق بالمرأة .
الأولى : الختان ، وهو بالنسبة للمرأة قطع رأس الجلدة المدلاة على الفرج وهي كعرف الديك ، وإنما يقطع منها أعلاها دون استئصالها ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لخاتنة كانت تختن البنات : (( اخفضي ولا تنهكي فإنه أنظر للوجه وأحظى عند الزوج )) . (3)
وأصح أقوال أهل العلم أنه ليس بواجب في حق النساء وإنما هو مكرمة لهن وسنة ، وقد أثيرت هذه المسألة في صحف بعض البلاد الإسلامية مؤخرا بطريقة تشمئز من عرضه النفوس وصعد فيه الكلام ، حتى صدر منع ختان البنات على أعلى المستويات وهي قضية بسيطة فصل فيها الدين الموقف بأيسر الطرق .
الثانية : الاستحداد :
__________
(1) متفق عليه : أخرجه البخاري في اللباس - باب قص الشارب - ح 5889 من الفتح 10 / 334 ، ومسلم كما سبق - ح 257 .
(2) انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري ( 10 / 337 ) .
(3) أشار إليه في الفتح وذكر له شاهدين ( 10 / 340 ) .

(6/62)


هو من خصال الفطرة إجماعا ، وهو حلق شعر العانة ، وفي الحديث :
(( ولستحد المغيبة )) (1) ، والمراد إزالة الشعر بالموسى أو بأي مزيل ينفع في ذلك، وكانوا يستعملون النورة ، وقد تنوعت وسائل إزالة شعر العانة فكل وسيلة مباحة لا ضرر فيها على البدن جاز استعمالها في إزالة الشعر .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : (( يتأدى أصل السنة بالإزالة بكل
مزيل )) .(2)
الثالثة : نتف الإبط : ولعل الحكمة في التعبير بالنتف لأن الشعر يضعف به وبالحلق يقوى ، ولهذا عبر بالنتف في الإبط وبالحلق في العانة .
ومن أطيب ما صلح للإبط والعانة استعمال الحلوى فهي تذهب بالشعر ويتأخر إنباته وهذا مطلوب في الموضعين .
الرابعة : تقليم الأظافر : والمراد إزالة ما يزيد على ما يلامس رأس الإصبع من الظفر .
والحكمة من تقليم الأظافر ، لأن الأوساخ تجتمع تحتها فيستقذر منظرها ، كما أن ذلك إذا كثر منع وصول الماء إلى تلك الأجزاء التي يجب غسلها في الطهارة .
كما أنها تجمع الجراثيم والميكروبات فإذا أكل بيده خالطت الطعام ونزل إلى جوفه ملوثا .
وقد روى البيهقي في الشعب من طريق قيس بن أبي حازم قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة فأوهم فيها ، فسئل فقال : (( ما لي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته )) .
قال الحافظ : رجاله ثقات (3) ، والرفغ كل موضع يجتمع فيه الوسخ ، ولعل الأظفار أكثر تلك المواضع تعرضا لاجتماع الأوساخ .
__________
(1) متفق عليه : رواه البخاري في النكاح - باب تزويج الثيبات - ح 5080 من الفتح 9 / 121 ، ومسلم في الرضاع - باب استحباب نكاح الأبكار - ح 1466 .
(2) فتح الباري ( 9 / 132 ) .
(3) فتح الباري ( 10 / 345 ) .

(6/63)


وقد اغتر كثير من النساء في عصرنا الحاضر بما تفعله الكافرات من إطالة الأظافر بل وتغطيتها بطلاء يسمى بالمناكير له جرم يمنع من وصول الماء إليها فلا تصح معه الطهارة ، وفي الحديث : قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) . (1)
فلا يجوز للمسلمة أن تكون نهبا للموضات وما يصدر عن أعداء الإسلام ، بل تكون لها شخصيتها المستقلة ، وقد ندبها دينها إلى تقليم الأظفار وجعلها من خصال الفطرة التي ارتضاها الله تعالى لعباده الصالحين ، هذا مع ما في إطالتها من منظر قبيح وإعاقة بعض الأعمال ، وتشبه بالسباع .

المبحث الأول : زينة المرأة في اللباس :
تقدم بيان أن الله تعالى جل ذكره تكرم على بني آدم بلباس يواري العورة ولباس التقوى ذلك خير فكلاهما لباس المؤمن والمؤمنة .
وأنه ارتكز في الفطرة السليمة حب التستر وكراهة التعري .
ولعلنا نختصر الكلام هنا في عدة مسائل :
المسألة الأول : ذكر بعض ما كان النساء يلبسنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
وباستعراض بعض النصوص التي وردت في الزينة يعرف ذلك .
1- قال الله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } (2) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في اللباس - باب في لبس الشهرة -ح 4031 من السنن 4 / 314 ، وللحديث شواهد ترفعه ، وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود : (( حسن صحيح )) ح 3401 .
(2) سورة الأحزاب - الآية ( 59 ) .

(6/64)


2- وقال الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... } إلى قوله : { ليعلم ما يخفين من زينتهن } (1) .
3- حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنها حريرا سيراء . (2)
وثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع الذهب والحرير وقال :
(( هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها )) . (3)
4- حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ذكر الإزار : فالمرأة يا رسول الله ؟ قال : (( ترخي شبرا )) ، قالت أم سلمة : إذا ينكشف عنها ، قال : (( فذراعا لا تزيد عليه )) . (4)
5- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( كلوا ، واشربوا ، وتصدقوا ، والبسوا ، ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة )) (5) وهي الكبر .
وهذا نص عام يدخل فيه لبس الأردية ، والقمص ، والسراويل ، وما جرت العادة بلبسه بشرط أن يكون مضبوطا بضوابط الشرع .
المسألة الثانية : الضوابط الشرعية للباس المرأة المسلمة :
1- أن لا يكون رقيقا يشف البدن إلا عند الزوج كما يأتي .
__________
(1) سورة النور - الآية ( 31 ) .
(2) أخرجه البخاري في اللباس - باب الحرير للنساء - ح 5842 من الفتح 10 / 296 .
(3) أخرجه ابن ماجه في اللباس - باب لبس الحرير والذهب للنساء - ح 3595 .
(4) أخرجه أبو داود في اللباس - باب في قدر الذيل - ح 4117 ، وأخرجه النسائي في الزينة - باب ذيول النساء - ح 5339 .
(5) رواه ابن ماجه في اللباس - باب البس ما شئت - ح 3605 ، وذكره الألباني في صحيح ابن ماجه برقم 2904 .

(6/65)


والأصل في هذا الاشتراط : ما روته عائشة رضي الله عنها : أن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا )) وأشار إلى وجهه وكفيه .
وفي سنده سعيد بن بشير متكلم فيه .
وقال أبو داود بعده : (( هذا مرسل ، خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها )) . (1)
ويشهد له حديث دحية في القباطي وهي من الشفوف فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر امرأته أن تجعل تحتها ثوبا لا يصفها . (2)
والإجماع منعقد على تحريم لبس ما يشف بدن المرأة إلا عند زوجها ، لأنه عورة .
وقد انسلخ نساء من نساء المسلمين من الحياء ، فلبسن الشفوف وأظهرن الصدور والظهور وكشفن الرؤوس وأظهرن كثيرا من البدن دون حياء أو وازع من دين نسأل الله لهن الهداية والعودة إلى الرشد والستر والحياء من الله تعالى ثم من الخلق .
2- أن لا يكون ضيقا يصف مفاتن المرأة :
لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : كساني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبطية كثيفة مما أهداها له دحلية الكلبي فكسوتها امرأتي ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك لم تلبس القبطية ؟ قلت : يا رسول الله كسوتها امرأتي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( مرها فلتجعل تحتها غلالة ، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها )) . (3)
__________
(1) رواه أبو داود في اللباس - باب فيما تبدي المرأة من زينتها - ح 4104 ( 4 / 357 ).
(2) أخرجه أبو داود في اللباس - باب في لبس القباطي للنساء - ح 4116 (4 / 363) .
(3) رواه أحمد في المسند ( 5 / 205 ) ، والغلالة تشبه الملابس الداخلية اليوم .

(6/66)


ولعل الحديث الذي رواه مسلم يصلح شاهدا للشرطين السابقين وهو ما رواه أبوهريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها يوجد من مسيرة كذا وكذا )) . (1)
فلباس الشفوف والذي يصف البدن يصدق على لابستها أنها كاسية عارية فهي لابسة لما لا يسترها .
3- أن يكون اللباس سابغا يغطي البدن :
وللمرأة خمسة أحوال :
1- أمام الرجال الأجانب .
2- إذا كانت في الصلاة .
3- حالها مع النساء .
4- حال المرأة مع زوجها وفي خلوتها .
1- المرأة عند الرجال الأجانب :
لا خلاف بين أهل العلم أن المرأة إذا بلغت المحيض أو سنه لم يجز لها أن تكشف شيئا من بدنها أمام الرجال الأجانب إلا ما ورد عن بعض أهل العلم في الوجه والكفين .
والذي اختاره وتميل إليه نفسي وتطيب به أن المرأة لا يجوز أن يظهر منها أمام الرجال الأجانب حتى ظفرها فضلا عن الوجه والكفين إلا لعذر شرعي .
وذلك للأدلة التالية :
1- عموم قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } (2) وقد فسر ابن مسعود - رضي الله عنه - وغير واحد من علماء السلف : (( الظاهر من الزينة بأنه ما لا يمكن التحرز منه مما يظهر من الثياب )) . (3)
2- قوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } (4) وإذا كان هذا في حق أمهات المؤمنين فغيرهن أولى .
__________
(1) رواه مسلم في اللباس والزينة - باب النساء الكاسيات العاريات - ح 2128 ( 3 / 1680 ) .
(2) سورة النور - الآية ( 31 ) .
(3) انظر : تفسير ابن جرير ( 18 / 117 - 118 ) .
(4) سورة الأحزاب - الآية ( 53 ) .

(6/67)


3- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى الفضل بن العباس وكان رديفه ينظر إلى الخثعمية حول وجهه . (1)
فلو كان كشف الوجه جائزا لما صرفه عن رؤيتها وهي كانت محرمة .
4- ما جاء في قصة عائشة رضي الله عنها لما تخلفت تبحث عن العقد ، ورحل الناس عنها وجاء صفوان بن المعطل السلمي قالت : (( وكان رآني قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي )) . (2)
5- أن نساء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كن يسدلن على وجوههن وهن محرمات إذا مر بهن الرجال (3) ، فإذا ذهبوا كشفن عن وجوههن ، هذا مع نهي المحرمة أن تتبرقع .
6- أن الذين ذهبوا إلى جواز كشف الوجه والكفين شرطوا لذلك شرطين
أحدهما : أن يخلو الوجه والكفان من الزينة .
ثانيهما : أن تؤمن الفتنة .
ولا أظن في هذا الزمن يتحقق الشرطان أو أحدهما ، فلا يكاد يخلو وجه امرأة اليوم من زينة ، ولا تؤمن الفتنة حتى على أصلح الناس ، فكيف بالفساق والانحلاليين ؟ ثم إن الوجه هو الدليل على جمال المرأة أو قبحها .
ولهذا كان من الخير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال إلا ما أحل الله تعالى .
والأصل في الفتوى أن يجتمع في المفتي معرفة الحكم الشرعي ، وكيفية تنزيله على واقع الحال ، فإن هذا من الفقه في الدين .
__________
(1) رواه البخاري في الحج - باب وجوب الحج وفضله - ح 1513 من الفتح 3 / 378 .
(2) متفق عليه : رواه البخاري في التفسير ، باب { لولا إذ سمعتموه ... } - ح 4750 (الفتح 8/452)= = ومسلم في التوبة - باب في حديث الإفك حديث 2770، صحيح مسلم ( 4 / 2129 ) .
(3) أخرجه مالك في الموطأ ( 1 / 328 ) ، وصححه الألباني في إروائه ( 4 / 212 ) رقم 1023 .

(6/68)


وهذا ولله الحمد اختيار هيئة كبار علماء المملكة وعلى رأسهم والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله وأجزل لهما الثواب والأجر .
وللشيخ محمد بن صالح العثيمين فتوى في البرقع الذي يظهر ما حول العينين ويحصل بسببه فتنة أن ذلك من السفور المحرم ، وقد نشرت على شكل مطوية ونفع الله بها كثيرا من النساء .
2- حال المرأة في الصلاة :
إذا كانت أمام رجال أجانب فتقدم وجوب التستر حتى للوجه والكفين .
أما إذا كانت بين النساء أو وحدها في منزلها مثلا فلها أن تكشف الوجه والكفين كما تفعل في الإحرام وليسا من العورة في الصلاة .
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )) (1) وهو غطاء الرأس .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( المرأة عورة )) (2) .
وسألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت : يا رسول الله أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( نعم إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها )) . (3)
وقد أرخص لها الشارع أن ترخي ذيلها ذراعا لئلا تنكشف قدماها .
فما عدا الوجه والكفين لا يجوز للمرأة كشفه في الصلاة ، وإن انكشف شيء من ذلك وتفاحش بطلت الصلاة ، وما لم يتفاحش عرفا فيعفى عنه ، ومما يجب العناية بستره شعر رأس المرأة في الصلاة ، فيجب لفه وستره بلباس يحفظه من الانكشاف لتسلم لها صلاتها .
__________
(1) أخرجه أبو داود في الصلاة - باب المرأة تصلي بغير خمار ، السنن ( 1 / 149 ) ، والترمذي في الصلاة - باب ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار وحسنه .
(2) أخرجه الترمذي في الرضاع - باب حدثنا محمد بن بشار ، انظره مع عارضة الأحوذي
5 / 122 .
(3) أخرجه أبو داود في الصلاة - باب كم تصلي المرأة ؟ - ح640 ( 1 / 420 ) ، وكأنه يرجح وقفه على أم سلمة .

(6/69)


3- حال المرأة مع محارمها كأبيها وأخيها ومن تحرم عليه بسبب أو نسب:
اختلفت كلمة الفقهاء في هذه المسألة ، وكانوا بين متشدد ومتساهل ، ولعل من أحسن ما قرأت في هذا الباب ما كتبه الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى قال : (( فصل : ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا : كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك ، وليس له النظر إلى ما يستر غالبا كالصدر والظهر ونحوهما )) (1) ، وهذا مع أمن إثارة الشهوة ، فأما النظر بشهوة فمحرم مطلقا .
والأولى بالمرأة التستر أمام المحارم وبخاصة الشباب ، ويتأكد هذا في زماننا الحاضر الذي كثرت فيه الفتن ، وانتشر في وسائل الإعلام الإثارة الجنسية مع ضعف في الوازع الديني، وكم حصل من الكوارث بسبب الإهمال وعرض المفاتن.
ولعل الكاتب الإسلامي أبو الأعلى المودودي يعذر عندما ذهب إلى أن المرأة يجب عليها أن تستر بدنها كله إلا وجهها وكفيها حتى عن أدنى أقاربها في البيت . (2)
ولعله نظر نظرة الفقيه لمشكلات هذا العصر الذي تفسخ فيه النساء عن حيائهن ، وضعف إيمان الناس حتى اشتكت البنت من مراودة أبيها وأخيها وابن أختها وخالها وابن زوجها ، ولعل من أهم الدواعي إلى ذلك التكشف وإبراز المفاتن .
ثم إن المحافظة على ستر عامة البدن إلا ما ظهر غالبا يعطي الأنثى صورة الوقار ، ويظهرها بالمظهر الإسلامي اللائق بالأنثى .
4- حال المرأة بين النساء :
ربما كان كلام أهل العلم أن المرأة مع المرأة لها أن تكشف ما عدا العورة المغلظة وهما الفرجان .
وفي هذا نظر ، وبخاصة أن الكثير من النساء غرهن بعض التقليعات العريانة فلبسنها بحجة أنهن لن يظهرن إلا أمام نساء وفي هذا عدة محاذير :
__________
(1) المغني ( 9 / 491 ) .
(2) الحجاب للمودودي ( ص : 274 ) .

(6/70)


المحذور الأول : أن في هؤلاء النساء من لا تصلي ولا تصوم فهي كافرة حكما ، والمسلمة ممنوعة من الظهور أمام الكافرات عارية ، لأن نظر الكافرة بالنسبة للمسلمة كنظر الرجل الأجنبي ، ولكونها لا تتورع عن نقل الصفات التي تراها .
المحذور الثاني : أن الحفلات العامة قد لا تخلو عن تصوير فربما التقطت لها صورة وهي بشكل لا يرضاه لها الشرع ولا ولي أمرها أن تظهر به ، وربما عرضت الصور على رجال أجانب وسبب مشاكل عائلية .
المحذور الثالث : إن لبس ما يسمى بالعريان تقليد لأعداء الله من اليهود والنصارى والإباحيين ومن تشبه بقول فهو منهم ، ولما فيه من إرضاء الشيطان عدو الله وعدو آدم وذريته .
المحذور الرابع : خطر التقليد فربما تأثر برؤيتها الشابات المراهقات فقلدنها ظنا منهن أن ذلك صفة كمال في المرأة .
ولهذا فإني أهيب بالمرأة المسلمة أن تبتعد كل البعد عن هذه المظاهر السيئة، وأن تتقي الله تعالى حتى أمام النساء فإن لله ملائكة ترصد على المسلم والمسلمة كل حركة وسكنة ورب كاسية عارية .
5- حال المرأة مع زوجها :
أما حال المرأة مع زوجها فالإجماع منعقد على أن لها أن تلبس له ما
شاءت ، ما خلا ما كان فيه تشبه بالكفار ، ولها أن تتعرى أمامه إذا تلاقيا في المكان المخصص لذلك ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( احفظ عورتك إلا من زوجت أو ما ملكت يمينك )) (1) ومفهوم الحديث واضح .
__________
(1) رواه أبو داود في كتاب الحمام - باب ما جاء في التعري ، السنن ( 2 / 364 ) ، والترمذي في الأدب - باب ما جاء في حفظ العورة ، انظره مع عارضة الأحوذي ( 10 / 223 ) .

(6/71)


وقد عقد أهل العلم في كتب الحديث والفقه بابا نصوا فيه على كراهية التعري حتى بين الزوجين لكن الأحاديث والآثار التي ساقوها لا ترق إلى الصحة ، والحديث الذي ذكرت واضح في المسألة ، كما أن السنة أثبتت أن الملائكة تفارق الرجل عند قضاء حاجته وإذا أراد جماع أهله (1) ، مع أن الستر أفضل وأكمل ، والله أعلم .
4- انتفاء التشبه :
والتشبه المنهي عنه نوعان :
1- تشبه النساء بالرجال .
2- تشبههن بالكافرات وأهل الفجور من الفاسقات .
فأما عن تشبه النساء بالرجال فقد جاء في الحديث : (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال )) . (2)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : (( قال الطبري : المعنى لا يجوز للرجال التشبه في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس ، قلت : وكذا في الكلام والمشي ، فأما هيئة اللباس مختلف باختلاف عادة كل بلد ، فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس ، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار )) .(3)
ولعل الحافظ أشار إلى العرف والعادة ، فمن عادة الرجل لبس العمامة والثياب البيض والقلنسوة ( الطاقية ) والبشت وهو العباءة الرجالية ، والسراويل البيضاء .
والمرأة تلبس الخمار وعادة يكون من الأسود ، والثياب الملونة من الأقمشة النسائية، والعباءة ، والسراويل الملونة .
وقد تفننت المصانع بإبراز لباس الرجل عن لباس المرأة حتى في الملابس الداخلية تحت الثياب ، فصنعوا لكل جنس ما يخصه .
فإذا لبست المرأة ما اعتاد الرجال لبسه من غير ضرورة أو حاجة فهي متشبهة وكذلك العكس .
__________
(1) رواه الترمذي في الأدب - باب ما جاء في الاستتار عند الجماع - ح 2800 .
(2) رواه البخاري في اللباس - باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال - ح 5885 من فتح الباري 10/332 .
(3) فتح الباري كما سبقت الإشارة .

(6/72)


وأما التشبه بالكفار وأهل الفجور : فالأصل في تحريمه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) (1) ، وقوله صلى الله عليه وآله
وسلم : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا ، وذراعا ذراعا ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم )) ، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : (( فمن ؟))(2)
ونقل الحافظ في الفتح عن القاضي عياض قوله : (( الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه )) . (3)
والمتتبع لأخبار بيوت الأزياء والزينة العالمية التي تتحدث الموضات والتقليعات المتعلقة باللباس والزينة للمرأة يجد هم من اليهود الذين يحرصون على الإطاحة بعفة المرأة وبخاصة المسلمة ، وصرع الفضيلة مع اختلاس لأموال كثير من المغفلين في العالم حيث أشغلوا المرأة بما يستحدثون من تصميمات للشتاء والصيف والربيع والخريف ونشر ذلك في وسائل الإعلام المختلفة مع عرضه بأسلوب مشوق ومثير .
والمرأة إذا لم يكن عندها من يردعها ويكبح جماحها ذهبت نهبا لتلك التصميمات المعروضة صباح مساء ، واستنزفت الطاقة الاقتصادية ، مما تملكه أو مما يملكه ولي أمرها .
وإنك لتعجبين أن فستانا يستعمل لساعات في فرح يكلف عشرات أو مئات الآلاف وهناك ما هو أغرب من ذلك مما يذاع أو ينشر أو يسكت عليه ويطوى .
__________
(1) رواه أبو داود في اللباس - باب في لبس الشهرة - ح 4029 .
(2) رواه البخاري في اللباس - باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم )) - ح7320 من الفتح 13 / 312 .
(3) فتح الباري ( 13 / 313 ) .

(6/73)


واسمعي إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخير النساء قالت عائشة رضي الله عنها : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إذا أردت اللحوق بي فليكفيك من الدنيا كزاد الراكب ، وإياك ومجالسة الأغنياء ، ولا تستخلفي ثوبا حتى ترقعيه )) . (1)
والقاعدة : أن من تشبه بقوم في المأكل والمشرب والملبس ففيها ميل إلى أفكارهم وعقائدهم وانتحال طريقتهم .
5- أن لا يكون لباس شهرة : والأصل في هذا ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة )) ولأبي عوانة : (( ثم تهلب فيه النار )) . (2)
ولاشك أن هذا النهي يعم الرجال والنساء ، والمراد بالشهرة لبس ما يتميز به اللابس عن الناس سواء في ذلك الرفيع من الثياب أو الوضعي .
وهذا لا يتنافى مع لبس الطيب وغالي الثمن ، فقد لبسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا مع الزهد بلبس الرخيص وبقصد التواضع ، فقد لبس من ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكثير .
لكن النهي ينصب على النية مع العمل بلبس الغالي المتميز مع التكبر والفخر بما يصل إلى حد الشهرة .
أو لبس الوضيع أيضا ليلفت النظر ويشار إلى من لبسه بالتواضع لإرادة الشهرة ، ولتكن المسلمة وسطا كأمورها في شأن الدين كله .
وقد لبس صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه من الكتان والقطن والصوف والحبرة وما كان متعارفا عليه بين الناس . (3)
6- أن يخلو من الصور لذات الأرواح والصلبان :
__________
(1) رواه الترمذي في اللباس - باب ما جاء في ترقيعه الثوب - ح 1780 من السنن 4 / 245 .
(2) أخرجه أبو داود في اللباس - باب في لبس الشهرة - ح 4029 ، وابن ماجه في اللباس - ح 3607 .
(3) انظر : نيل الأوطار ( 6 / 126 ) ، زاد المعاد ( 1 / 53 ) .

(6/74)


كثر في زماننا تصوير ذوات الأرواح على الملابس ، وكذلك رسم الصلبان بأشكال مختلفة ، وكتابة عبارات غير لائقة .
والمشكل أن هذه الكتابات والصور والرسوم تكون على ألبسة ذات قماش جيد ، ولعل السبب يرجع إلى سيطرة اليهود والنصارى على مصانع النسيج ، وتسلل بعضهم إلى المصانع في بلاد المسلمين .
ثم عدم الاهتمام من المسلمين وبخاصة الجهات ذات الشأن في البلاد الإسلامية، فإن من الواجب أن تمنع مثل هذه الملابس، وتصادرها إذا دخلت خلسة وتفرض عقوبات على من يستوردها أو يبيعها،لكن للأسف أحيانا لايعرف الخطأ إلا بعد أن يروج بين الناس فيتنبه له بعض أهل الغيرة على دين الله تعالى .
ولو فرضت شروط على التجارة وألزموا بها ثم هم ألزموا الشركات المصنعة بما تمليه عليهم عقيدتهم ودينهم لاستقام الأمر ولكن لا حياة لمن تنادي، وكم يحتار المسلم الملتزم بشرع الله حين ينزل السوق فيجد الكثير من الملابس قد صور عليها صور أبطال الكرة أو المغني أو الفنانين وأهل المجون .
وقد جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( أميطي عنا قرامك هذا ، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي )) . (1)
وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله : باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى عن ذلك .
وذكر رحمه الله في اللباس باب نقض الصور حديث عائشة رضي الله عنها: (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه )) . (2)
فقد اشتركت الصورة والصليب في معنى واحد هو عبادة غير الله تعالى .
__________
(1) أخرجه البخاري في الصلاة - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير - ح 374 من الفتح 1 / 484 .
(2) ح 5952 من الفتح 10 / 385 .

(6/75)


ونقل الحافظ عن ابن بطال في شرح الحديث أنه قال : (( في هذا الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينقض الصورة سواء كانت مما له ظل أو لا ، وسواء كانت مما توطأ أم لا ، وسواء في الثياب وفي الحيطان وفي الفرش والأوراق وغيرها )) . (1)
وأقل أحوال النهي الكراهة مع أن الأصل فيه التحريم ، وهذا أقرب وأقله حرمة الصلاة في الثياب التي عليها الصور أو الصلبان ، والتي يلبس ثوبا فيه صور ذات روح أو صليب فهي آثمة ، وقد امتنع جبريل عليه السلام من دخول بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال : (( إنا لا ندخل بيتا في كلب أو صورة )) . (2)
ولهذا أمر النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عائشة أن تهتك الستارة التي كانت وضعتها على جانب بيتها بسبب ما كان فيها من الصور (3) وتجعلها وسائد مع ذهاب الصور وهذا يدل على تحريم اللبس من باب أولى والله أعلم .
المسألة الثالثة : حذاء المرأة المسلمة :
للمرأة أن تلبس الحذاء كالرجل فالاحتذاء من السنة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( استكثروا من النعال ، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل )) . (4)
وأوصى صلى الله عليه وآله وسلم أن تنعل الرجلان معا ، أو تحفيا معا ، فلا تنعل رجل وتحفى الأخرى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا يمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا )) . (5)
وهذا من اهتمام الإسلام بحسن مظهر الإنسان ، والعدل والإنصاف حتى بين رجلي الشخص الواحد .
__________
(1) فتح الباري ( 10 / 385 ) .
(2) أخرجه البخاري في اللباس - باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة - ح 5960 من الفتح 10 / 391 .
(3) رواه البخاري في اللباس - باب ما وطئ من التصاوير - ح 5954 من الفتح 10 / 387 .
(4) رواه مسلم في اللباس والزينة - باب استحباب لبس النعال - ح 2096 .
(5) المصدر السابق - ح 2097 .

(6/76)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية