صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تلخيص الخطابة
المؤلف : ابن رشد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال: وإذ قد تكلمنا في الأمور المشورية، وفي المدح والذم، فقد ينبغي أن نتكلم في الجنس الثالث من موضوعات هذه الصناعة وهو الشكاية والاعتذار، وذلك يكون بأن نخبر من كم صنف من أصناف المقدمات تأتلف القياسات التي تعمل على طريق الشكاية وطريق الاعتذار، ونعرف ماهية واحد واحد من تلك الأصناف. وأصناف المقدمات التي تعمل منها أقاويل الشكاية هي بالجملة ثلاثة أصناف: أحدها المقدمات المأخوذة من الفاعل، أعني الجائر. والصنف الثاني المقدمات المأخوذة من المفعول، أعني المجور عليه. والثالث المقدمات المأخوذة من الفعل نفسه. أما المأخوذة من الفاعل فمعرفتها تكون بأن تحصى الأشياء التي إذا كانت في الإنسان ظن به أنه قد جار، وأن نخبر ما تلك الأشياء. وأما المأخوذة من المفعول به فأن نحصى أيضا الأشياء التي إذا كانت في الإنسان كان معدا لأن يجار عليه. وأما المأخوذة من الفعل فأن نخبر أيضا بماذا من الأفعال يكونون جائرين، وبأي أحوال من أحوال الأفعال يتأتى الجور، وكيف يتأتى ذلك لهم.
قال: وقد ينبغي قبل ذلك أن نخبر ما الجور، ثم نصير إلى القول في واحد واحد من هذه الأشياء الثلاثة، فنقول: إن الجور: هو إضرار يكون طوعا على طريق التعدي للسنة. والسنة على ضربين: منها خاصة، ومنها عامة.
والسنن الخاصة هي السنن المكتوبة التي لا يؤمن أن تنسى إن لم تكتب، وهي التي تخص قوما قوما وأمة أمة.
وأما العامة فهي السنن الغير المكتوبة التي يعترف بها الجميع، مثل بر الوالدين وشكر المنعم.
والفعل يكون طوعا إذا فعله الفاعل عن علم به غير مكره عليه إكراها محضا، أو غير ذلك مما يذكر بعد، ويكون مع هذا ذلك الفعل مما يهواه ويتشوقه. والأفعال التي تكون طوعا: منها ما يكون عن روية واختيار متقدم لها، ومنها ما يكون لا عن روية متقدمة، لكن عن ضعف روية، لمكان خلق رديء أو عادة. وهو بين أن الذي يفعل الشيء عن روية متقدمة أنه يفعله عن علم. وإذا كان الأمر هكذا، فهو بين أن الذين يفعلون عن الروية أو عن ضعف الرأي أفعالا ضارة أو غاشة، أعني مختلطة من ضرر ومنفعة، يتعدون فيها السنة، أنهم جائرون، وأن ذلك شر منهم أو ضعف رأي. وأن من كانت فيه واحدة من الأشياء التي هي سبب ضعف الرأي، وكان هو سبب وجود ذلك الشيء فيه أنه جاهل شرير جائر، مثل الجور في المال الذي يكون سببه الرغبة فيه، والجور في اللذات الذي سببه شدة الشبق والشره، والكسل الذي هو سبب الجور في أشياء كثيرة، وكذلك الجبن. ولذلك قد يفارق الجبان أصحابه ويسلمهم عند أدنى شدة تنزل به. وكذلك محب الكرامة قد يفارق أصحابه من أجل حب الكرامة. وكذلك المحبون للغلبة يفارقون أصحابهم من أجل حب الغلبة. والسريع الغضب وذو الحمية أيضا والأنفة قد يضر بأصدقائه من أجل عار يلحقه. وأما الجاهل الأحمق فإنما يفعل الجور من أجل أنه يلتبس له العدل بالجور. وأما الوقاح فيفعل الجور لقلة رغبته في الحمد.
وكذلك ما أشبه هذا من الأحوال التي تكون سببا للجور لا عن روية. وهذه الأحوال تعرف من قبل ما تقدم من ذكر الفضائل، ومما يأتي بعد من ذكر الانفعالات، وأنها بالجملة: إما خلق رديء وإما انفعال رديء. والأخلاق الرديئة تعرف مما تقدم، أعني من معرفة أضدادها، وهي الفضائل. والانفعالات تعرف مما يقال بعد في المقالة الثانية.

(1/34)


قال: وإذا تقرر هذا، فقد انتهى القول بنا إلى أن نخبر من أجل ماذا يجور الجائرون، وكيف يكون للجائرين أن يجوروا، وفي أي الأشياء يجورون. غير أنه يجب أن نبتدئ فنبين أي الأشياء التي من أجلها يجورون، أعني الأشياء التي إذا اشتاقوها جاروا، أو إذا كرهوها جاروا أيضا. وهو بين أن القول في الشكاية ينبغي أن يقدم على القول في الاعتذار، لأن الذي يريد أن يشكو يجب أن يكون معروفا عنده الأشياء التي يشكى منها، وكم هي، وأي هي. وأما مواضع الاعتذار فليست محدودة كمواضع الشكاية. وإنما تتحدد مواضع الاعتذار بحسب مواضع الشكاية. والشكاية أمر وكيد في الاجتماع الإنساني. ولذلك ترى كثيرا من الناس، إذا لم يشكوا، أضروا بأقربائهم وإخوانهم. وكل فاعل شيئا على طريق الجور، فإما أن يفعله من أجل نفسه ومن ارادته واختياره فقط، وإما ألا يفعله بحسب نفسه واختياره. وهذا إما أن يفعله باتفاق وهو الذي يسمى هفوة وفلتة، وإما أن يفعله باضطرار: منه ما يفعله من أجل طبيعته مثل أن يكون سيء الخلق بالطبع، ومنه ما يفعله من أجل قاسر من خارج، أعني أن لا يكون الفعل الذي يفعله طوعا، بل عن وعيد من خارج أو تهديد وما أشبه ذلك. والذي يفعله من تلقاء نفسه هو الذي تكون نفسه ومفردا علة كونه، لا شيء آخر يقترن به من خارج. والذي يفعله من تلقاء نفسه: منه ما يكون من قبل عادة رديئة أو خلق رديء، ومنه ما يكون بحسب شهوة وشوق. والذي يكون بحسب الشوق: منه ما يكون بحسب شوق مظنون نطقي، ومنه ما يكون بحسب شوق خيالي. والذي يكون بحسب شوق خيالي: منه ما يكون بحسب شوق غضبي، ومنه ما يكون بحسب شهوة. وإذا كان هذا هكذا، فالجائرون يجورون لا محالة لمكان سبعة أسباب: أحدها لمكان الاتفاق، والثاني لمكان الطبيعة، والثالث لأجل الاستكراه، والرابع لأجل العادة والخلق، والخامس من أجل النطق، والسادس من أجل الغضب، والسابع من أجل الشهوة؛ وكلها ما عدى الذييكون عن النطق هي أقسام ضعف الرأي الذي تقدم.
قال: وليست قسمة الأفعال الجائرة من طريق الأسنان والهمم والجدود قسمة ذاتية. لأن الغلمان وإن كان جورهم أكثر فليس ذلك أولا وبالذات من جهة ما هم غلمان، بل من جهة أن الغلمان يكونون غضوبين أو شهوانيين. وكذلك يعرض للفقراء أن يشتاقوا إلى المال أكثر من الأغنياء بسبب فاقتهم، كما يعرض للأغنياء أن يشتاقوا إلى المال لمكان اللذات الغير الضرورية أكثر من الفقراء. فمتى نسب الأغنياء أو الفقراء إلى الجور في جنس ما من الأجناس فليس سبب ذلك القريب الغنى والفقر، بل الشهوة والخلق الذي تكتسب النفس عن الفقر والغنى. وكذلك الحال في الهمم، أعني أنه إن نسب شيء منها إلى الجور فليس ذلك بذاته وأولا، بل من قبل أن الهمم تكون سببا لواحد أو لأكثر من واحد من تلك الأسباب السبعة التي هي أولا وبالذات أسباب الجور. ولذلك كان الأبرار والفجار وسائر الذين يقال فيهم إنهم يفعلون بحسب هممهم إنما يفعلون: إما عن واحد من تلك الأسباب السبعة المتقدمة أو عن أكثر من واحد، وإما عن أضدادها، وهم ذوو الهمم الجميلة؛ أعني أن الفجار يفعلون عن تلك الأسباب، والأبرار عن أضدادها. مثال ذلك أن العفيف تلزمه شهوات فاضلة لذيذة، والفاجر تلزمه شهوات رديئة. ولذلك قد يجب أن يترك هذا النحو من التقسيم هاهنا وتذكر هذه الأشياء بأخرة على أنها أسباب لهذه الأسباب السبعة، لا على أنها أسباب أولى لأفعال الجور. وأما التي هي أسباب بالعرض فينبغي أن نتجنب ذكرها هاهنا أصلا، مثل أن يكون المرء أسود أو أبيض أو ضخما أو نحيفا. فإن هذه قد يلحقها بالعرض اختلاف الأخلاق والشهوات. وإنما ينبغي أن نذكر هاهنا من أسباب هذه الأشياء، أعني الأسباب السبعة التي عددنا قبل، الأعراض التي تغير الخلق بالذات سواء كان نفيسا أو جسمانيا أو من خارج مثل الشيخوخة والصبا والفقر والغنى. فإن المرء إذا افتقر ظن بنفسه صغر القدر واستحيا من كل شيء يصنعه، وإذا أثرى ظن بنفسه العظم ولم يستح من شيء. لكن هذه سيقال فيها فيما بعد.

(1/35)


وأما هاهنا فنرجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول: إنه إذا تبينت الأسباب الفاعلة للجور، تبينت الأسباب الغائية لواحد واحد منها. أما الذين يجورون بالاتفاق فليس لهم غاية محدودة، ولذلك لا يكون جورهم دائما ولا أكثريا ولا يكون عن ملكة وهيئة ثابتة. وهذا معلوم من قبل طبيعة ما بالاتفاق. وذلك أن الاتفاق إنما يكون سببا للأشياء على الأقل، على ما قيل في كتاب البرهان. وأما الجور الذي يكون عن طبيعة الجائر وغريزته فهو عن هيئة ثابتة راسخة.
والأفعال التي تصدر عن هذه الطبيعة هي أبدا بصفة واحدة، وذلك إما دائما وإما أكثريا. وغايتها هي غاية الانفعالات الرديئة التي سيقال فيها فيما بعد. وأما ما كان منه عن حالة خارجة عن الطبع مثل الجنون وغير ذلك من الآفات التي ليست تجرى مجرى الطبع فقد يظن أنه منسوب إلى الاتفاق، وليس ينسب إلى شيء بالذات. وأما الأفعال التي تكون عن الإكراه، أعني التي هي باختيار ولكن مبدؤها الإكراه، فغايتها هي غاية الأفعال الجائرة التي تكون باختيار؛ إذ كان الإكراه يعرض لجميع الأفعال التي تفعل باختيار. وأما الجور الذي يكون عن الروية والفكر فغايته: إما الأشياء التي يظن بها أنها نافعة وهي الأشياء التي ذكرت في باب المشورة، وذلك هو الشيء الذي يظن به أنه خير إما من جهة أنه يظن به أنه غاية نافعة أو أنه نافع في الغاية النافعة، وإما الأشياء اللذيذة.
ولذلك قد يفعل الفجار النافعة كثيرا من أجل اللذة.
وأما الجور الذي يكون عن الغضب فغايته الأخذ بالثأر. والأخذ بالثأر هو شيء غير العقوبة، لأن العقوبة إنما تكون لمكان المعاقب وذلك إما للأصلح له أو للأصلح للمدينة، أو لمكان الالتذاذ بنفس معاقبته. وهذه هي المعاقبة السبعية. وأما الثأر فإنما هو قصد مساواة الجناية التي جنى، أعني أن يجني عليه بمثل ما جنى. وهذه هي الغاية من الثأر التي يعرضها في نفسه الآخذ به. فأما معرفة حد الغضب ما هو ومعرفة لواحقه فسيقال فيه بعد، وذلك عند ذكر الانفعالات. وأما التي تكون بالخلق أو بالعادة فإنما تكون لمكان اللذة، وكذلك التي تكون عن الشهوة. ولذلك جميع الأشياء التي يظن بها أنها لذيذة فإنما تفعل من قبل سبب واحد من هذه الأسباب الأربعة التي يفعل بها المرء من تلقاء نفسه، أعني الروية والغضب والخلق والعادة والشهوة.
واللذات التي تكون عن الخلق والعادة قد تكون على وجوه شتى، أعني أن منها ما هو طبيعي، ومنها ما ليس هو طبيعيا، وإنما يلتذ بها من قبل العادة. وبالجملة فجميع الذين يفعلون الجور من تلقاء أنفسهم، فإنما يفعلون ذلك إما من قبل أشياء هي في الحقيقة خيرات أو يظن بها أنها خيرات، وإما من قبل أشياء هي في الحقيقة لذيذات، أو من قبل أشياء يظن بها أنها لذيذات. لأن الذين يفعلون من تلقاء أنفسهم إنما يفعلون لمكان خير عاجل أو آجل. ولذلك قد يفعلون لمكان شر ينالهم، إذا اعتقدوا أنهم ينالون به خيرا أعظم من الخير الذي يفقدون بحدوث الشر، أو اعتقدوا أنه يندفع عنهم بذلك شر عظيم أو يكون اللاحق منه يسيرا. ولذلك قد نختار أيضا تعجيل المحزنات والمؤذيات، إذا اعتقدنا أننا ننال بها في الآجل خيرا أعظم أو شرا أقل من الشر العظيم الذي يتوقع حدوثه إن لم نفعل ذلك الشيء. ويستعمل هذا النحو من القصد في وجوه شتى. وإذ قد تبين أن الذي يشتاقه الجائر فهو إما نافع وإما لذيذ، فقد ينبغي أن ننظر هاهنا في النافعات واللذيذات كم هي وأي هي. لكن الأشياء النافعة قد تقدم القول فيها في باب المشورة. والذي بقي أن نفرد القول فيه هاهنا هو القول في اللذيذات. والقول فيها هاهنا وتوفية حدودها إنما يكون بحسب الكافي في هذه الصناعة وهي الحدود المشهورة وإن لم تكن حقيقية، فنقول الآن:

(1/36)


إن اللذة هو تغير إلى هيئة تحدث بغتة عن إحساس طبيعي للشيء الذي أحس، أعني إذا كان المحسوس طبيعيا للحاس. والحزن والأذى ضد هذا، أعني أنه تغير إلى هيئة تحدث بغتة عن إحساس غير طبيعي. وإذا كانت اللذة هذه صفتها، فهو بين أن الذيذ هو المحسوسات التي تفعل هذه الهيئة في النفس. والمؤذيات ضد هذه، أعني المفسدات لهذه التي تفعل ضد هذه الهيئة في النفس الحسية. وإذا كانت اللذيذات هي هذه، فمن الواجب أن ما كان منها بالطبع بهذه الصفة أن يكون أكثر لذة ولا سيما إذا كانت هذه الهيئة انفعالا لا فعلا. وإنما صار الذي بالخلق والعادة لذيذا، لأن الشيء الذي يتخلق به أو يعتاد يصير كالشيء الذي هو بالطبع لذيذ دائما من قبل أن العادة تشبه الطبيعة. وذلك أن الذي يكون مرارا كثيرة قريب من الشيء الطبيعي وهو الذي يكون دائما. والعادة تكون مرارا كثيرة، فهي قريبة من الأمر الطبيعي. والأمر الطبيعي يكون بلا استكراه. ولذلك كان الإكراه مؤذيا محزنا، كما قال شاعر اليونانيين: إن كل أمر يكون باضطرار فهو مؤذ محزن.
قال: والعناية بالشيء والجد والتعب مؤذيات، لأنها تكون قسرا وبالكره إن لم يعتدها. فأما أضداد هذه فلذيذات، مثل الكسل والتواني ومخالفة تقديرات الشرع للأفعال والتودع والنوم من الأمور اللذيذة، لأنه ليس شيء من هذه باضطرار. وحيث كانت الشهوة، فهناك اللذة، لأن الشهوة هي تشوق إلى اللذات. والشهوات منها نطقية، ومنها غير نطقية، وأعني بغير النطقية كل ما اشتهى لا من قبل الروية والفكر. وهذه هي التي يقال فيها إنها مشتهاة بالطبيعة كالشهوات المنسوبة إلى الجسد مثل شهوة الغذاء المسماة جوعا، وشهوة الماء المسماة عطشا، وأنواع الشهوات المختصة بنوع نوع من أنواع الطعوم، وبالجملة: كل ما ينسب إلى حس اللمس وحس الشم، مثل النكاح والطعام والشراب والروائح الطيبة. فأما شهوات السمع والبصر فإنهما يشتهيان مع نطق ما، أعني أنه ليس تنشأ شهواتهما معراة من النطق ابتداء، كالحال في شهوة المطعوم والمنكوح. والسبب في ذلك أن هاتين الحاستين أكثر مشاركة للنطق من غيرهما. وذلك أن السمع يشارك النطق من جهة الألفاظ؛ ويشارك البصر النطق من جهة الخطوط والإشارة المستعملة عند التخاطب. والسمع أشد مشاركة للنطق من البصر؛ وذلك ما يشتهى المرء كثيرا أن يرى ما سمع، وليس يشتهي أن يسمع ما رأى. لأن الالتذاذ الحسي هو نوع من الانفعال الجسماني أكثر.

(1/37)


قال: فأما التخيل فهو حس ضعيف، يفعل أبدا إما ذكرا، وإما تأميلا. وإذا هو عدم الذكر، عدم التأميل. وذلك أن التأميل هو ترتيب ممكن في المستقبل لأشياء قد أحست في الماضي وهو الذكر فمتى ارتفع الذكر ارتفع التأميل ضرورة. وإذا كان التخيل حسا ما، فبين أن اللذة إنما توجد في الذكر والتأميل لأنهما شيء من الحس، حتى تكون اللذات كلها إنما توجد اضطرارا في الحس. وذلك أنه إذا كانت المحسوسات حاضرة وبالفعل، كانت اللذة في مباشرتها وإحساسها، وإذا كانت فيما سلف، كانت اللذة في ذكرها؛ وإذا كانت فيما يستقبل، كانت اللذة في التأميل. وذلك أن الحس يختص بالأمور الحاضرة، والذكر بالسالفة، والتأميل بالمستأنفة. والمدركات اللذيذة ليست هي القريبة من الزمان الحاضر فقط، بل قد يكون بعض الأشياء كلما قرب عهده يوجد غير لذيذ، وإذا بعد عهده وجد لذيذا. لأن القريب كالمملول، والبعيد العهد يصير عند الذاكر أحسن وأفضل لبعد عهده به فيشبه التأميل. وذكر المرء الكد والنصب الذي قد انقضى وتخلص منه لذيذ. وذلك أن الرجل الكدود الحريص يلتذ بذكر الكد والتعب، إذا كان قد أنجح سعيه فيه أو نجا به من الشر. فإن النجاة من الشر أيضا علة للذة. وأما الأشياء الملذة التي تؤمل فهي التي إذا كانت قريبة سرت أو نفعت، وذلك بأن تظن جليلة أو نافعة مع جلالتها إذا كانت منفعتها ليس يلحق فيها أذى. وبالجملة فالمؤملات الذيذة هي القريبة من الزمان الحاضر السهلة الوجود. ولذلك كان الغضب لذيذا، وذلك أن الغضب إنما يكون إذا أمل الإنسان إيقاع الشر بالمغضوب عليه، وكان مع ذلك ممكن الوقوع. ولذلك قال أوميروش فيه: إنه أحلى من قطرات العسل. ولكون الغضب إنما يكون إذا كان الانتقام ممكنا، لا حاضرا، ولا ممتنعا، ليس يغضب أحد على الضعيف الذي وقع الشر به، ولا على العظيم القدر الذي يؤيس من وقوع الشر به وهو الذي ليس لرتبته نسبة إلى رتبة الغاضب عليه، مثل السوق والملوك. وكذلك لا يغضب على الصغير القدر جدا الذي ليس له إليه نسبة. وكثير من الشهوات تلزمها اللذة وهي حاضرة بالفعل، أي محسوسة، بل وتلزمها اللذة وهي متخيلة، ولذلك كان الذاكرون للشيء، المشتهى كيف ما يذكرونه، قد يجدون له لذة ما. وكذلك الآملون أن يظفروا بشيء قد يجدون بعض لذة ذلك الظفر. ولهذا كان المحمومون الذين يمنعهم الأطباء من شرب الماء يلتذون بتذكر شربه، وبالرجاء أن يبرأوا فيشربونه. والذين يسئلون من الناس ما هو خير لهم أو يكتبون فيه أو يسعون فيه فقد يلتذون بالطلب والسعي لأنهم يرجون أن ينالوا تلك التي سألوا حتى تكون موجودة لهم فيلتذوا بإحساسها بالفعل. والأشياء التي يحبها الكل محبة صادقة هي ثلاثة أشياء: أحدها أن يكون الشيء اللذيذ حاضرا، والثاني أن يتخيلوه إذا لم يكن حاضرا وذلك إما بتذكره وإما بتأميله، والثالث سرعة السلو عن الغموم والأحزان. ولذلك يكرهون أن يشاهدوا المغتمين ولا يحضرون المآتم والمناحات لأنها تزيد في الأحزان. وبعض الشهوات يوجد فيها غم ولذة معا،. مثل تذكر المحبوب الغائب أو المائت إذا فكر وذكر أي امرئ كان وأي أفعال كانت أفعاله. ولذلك الذين يعملون المراثي تصيبهم لذة وغم معا.
قال: وقد أجاد أوميروش في هذا المعنى إذ قال: إنه لما تكلم الناعي بالمرثية صرخ السامعون لها صرخة فاجعة لذيذة.
والأخذ بالثأر يشبه أن يكون يعد من هذا الباب، فإن الأخذ بالثأر يلذ ويحزن معا، ويشبه أن يعد من الأشياء اللذيذة فقط. ومن الملذات ألا ينجح العدو. والذي يغضب إذا لم يبلغ ما يؤمل من العقوبة يلتذ ويغتم معا. أما اغتمامه فمن قبل أنه لم يبلغ ما يريده من العقوبة، وأما التذاذه فمن جهة تأميله البلوغ.

(1/38)


قال: والغلبة لذيذة ليس لمحبي الغلبة فقط بل المكل، لأن الغلبة هي شوق ما إلى الشرف، أعني أ، يكون له فضل ما معروف عند الناس، والشرف يشتهيه الكل، وإن كانوا يختلفون في ذلك بالأقل والأكثر. وإذا كانت الغلبة لذيذة، فإن الآداب والرياضيات التي تكون لمكان الغلبة لذيذة أيضا، إذ كانت نافعة في أن ينال بها اللذة، لأن الغلبة بها تكون أكثر ذلك، وذلك كاللعب بالكرة والمثاقفة والشطرنج والنرد والحذق بجميع الآداب المخرجة، أعني الرياضيات التي يقصد بها تحصيل ملكة ما. وهذه الآداب المخرجة على صنفين: منها ما ليس يكون لذيذا من ساعته حتى يعتاده المرء فيكون لذيذا من قبل العادة، وهي الآداب التي ليس تلزمها اللذة التي تلزم الملكة الحاصلة بأخرة عن تلك عن تلك الآداب، بل إنما يلزمها من أول الأمر التعب فقط كالتأدب بالحكمة؛ ومنها ما يكون لذيذا من ساعته مثل التصيد واللعب بالشطرنج، فإن المبتدئ فيها يشارك الحاذق فيها، أعني في الغاية التي يقصدها وهي الغلبة، فيلتذ بديا من أول الأمر، كما يلتذ الكامل فيها. والغلبة بالعدل لذيذة. والغلبة التي تكون بالمشاغبة والتمويه لذيذة عند السوفسطائيين الذين اعتادوا أن ينالوا بذلك مقاصدهم وهممهم، أعني من الخيرات الخارجة، مثل اليسار والكرامة. ومن الأمور اللذيذة والجلالة، من قبل أن الإكرام يخيل للمكرم في نفسه أنه فاضل أو ممن يجتهد في الفضيلة إذا صدر الإكرام ممن شأنه أن يوقع بإكرامه للمكرم مثل هذا الظن بنفسه والتخيل، أعني أن يتخيل أنه فاضل. والحضور من المكرمين أحرى بهذا الفعل من الغيوب. إذ كان الحضور يشاهدون من أمره مالا يشاهده الغيوب. فلذلك إذا أكرموا أحدا، خيل للإنسان المكرم أنهم أكرموه من قبل فضيلة عرفوها فيه. وإكرام العارف أحرى بهذا من إكرام من ليس يعرف المكرم، لهذا المعنى بعينه. وأهل مدينته أحرى بذلك من الأباعد. والموجودون أحرى بذلك من الذين يأتون من بعد، أعني الذين يكرمونه في حياته أحرى بهذا المعنى من الذين يكرمونه بعد موته. وإكرام الأكثر من الناس أحرى بهذا المعنى من الأقل. فإن هولاء الأصناف من الناس أحرى أن يصدق قولهم في ذي العقل واللب من الناس وشهادتهم فيه أنفع من الأصناف الذين يتنزلون من الناس منزلة الأطفال والبهائم وهم الجهال والعوام. ولذلك ليس أحد يعتد بتكرمة هؤلاء لأحد ولا يحمد أحد بذلك إلا يظن أن ذلك منهم لمكان حسن الطاعة أو الخوف منه.
والأحباء أيضا من اللذيذات، لأن المحبة لذيذة. وكل من يحب شيئا فهو يستلذه. ولذلك لا يستلذ الخمر أحد لا يحبها. والسبب في ذلك أ، المحبوب هو عند الحب من جملة الخير الذي يتشوقه الكل، وأعني بالكل الذين يحسون ويتخيلون. وأن يكون الإنسان محبوبا مقربا من أجل نفسه، لا من أجل آخر، لذيذ عند الإنسان المحبوب، أعني أن يحب من أجل نفسه. وكذلك أن يكون الإنسان عجيبا عند غيره، أي يتعجب منه الغير، لذيذ أيضا من أجل هذه العلة، أني من أجل الخير الذي يتشوقه الكل. لأنه إنما يتعجب منهإذا انفرد بخير سبيله ألا يكون في الأكثر. وذلك أن الشي الذي يفضل به على الأكثر هو لذيذ. والذين يقصدون أن يتعجب منهم هم أمثال القوم الذين يجمعون الناس ليروا ما يعملونه من تكلف الأشياء العجيبة والأمور الفاضلة.
قال: والتملق أيضا لذيذ، لأن المتملق يخيل للإنسان أنه يتعجب منه، وأنه ممن يحبه. فالمتملق هو محب مراء أو معظم مراء. وتكرير الشيء الواحد بعينه يستلذ، لأنه بتكرره يستولي على النفس. والمعتاد مستلذ. والتبدل والتنقل من حال إلى حال لذيذ بالطبع، لأنه يستفيد به إحساس شيء جديد. ولذلك ما توجد الأشياء التي تحدث في العالم بالطبع وقتا بعد وقت لذيذة، مثل انتقال الفصول وتغير الدول. وبالجملة: التغييرات التي تحدث بالناس وتغير الناس. والسبب في هذا أن الشيء الحاضر هو في حد ما قد استوفت النفوس منه حاجتها، ولم يبق لها فيه شيء تستفيده ولا سيما إذا طال وجوده، فتطلب النفس أن تستريح إلى شيء جديد تستفيد منه ما ليس عندها. وكل ما كان الحادث كونه أقل في الزمن، فهو ألذ.

(1/39)


قال: والتعلم أيضا لذيذ أكثر ذلك. وشهوة التعلم في الجمهور إنما تكون من قبل شهوة الإنسان لأن يكون في نفسه عجيبا متعجبا منه، إذ كان هذان الأمران لذيذين في أنفسهما. وأيضا فإن التعلم لما كان من جنس الإدراك، الذي يصير بالطبع من القوة إلى الفعل والكمال، كان أيضا لذيذا.
وبالجملة فحسن الفعل وحسن الانفعال من الأمور اللذيذة. وحسن الانفعال إنما يلتذ به، لا لنفسه، بل لمكان التشوق إلى الكمال الحاصل، أو الذي يظن أنه يحصل عنه. وأما حسن الفعل فيلتذ به المرء لنفسه ولغيره وهو الذي يقع به حسن الفعل.
وتأديب القرابات لذيذ. والكفاية وسد الخلة لذيذ.
قال: وإذا كان التعلم لذيذا، وكذلك يكون المرء عجيبا أو متعجبا منه، فإن التخييل والمحاكاة أيضا لشبههما بالتعلم لذيذة، وذلك مثل المحاكاة بالتصوير والنقش وسائر الأفعال التي يقصد بها محاكاة المثالات الأول، أعني الأشياء الموجودة لا الأفعال التي تحاكي أشياء غير موجودة. فإن التي تحاكي بها أمورا موجودة ليس تكون اللذة بها بأن تكون تلك الصور المشبهة حسنة أو قبيحة، بل ولأن فيها ضربا من المقايسة. وتعريف الأخفى وهو الغائب الذي هو المشبه بالأظهر وهو المثال الذي أقيم مقامه ففيه يضرب ما نوع من أنواع التعلم الذي يكون بالقياس. وذلك أن خيال الشيء يتنزل منه منزلة المقدمة، والشء الذي قصد تخييله وتفهيمه يتنزل منزلة النتيجة. ولهذا الشبه الذي بين التخييل والتعلم كان التخييل لذيذا.
قال: والحيل والتخلص من المكاره لذيذ أيضا؛ وإنما صارت المحاكاة والتعلم لذيذين، لأن ذلك إنما يكون بأخذ الوصل التي بين الأشياء. ومعرفة الاتصالات التي بين الموجودات متشوقة للإنسان بالطبع ولذلك كانت الأشباه والأمثال لذيذة فإن الإنسان يلتذ بالإنسان الشبيه به، والفرس بالفرس، والغلام بالغلام. ومن هاهنا تنتزع الأمثال، كما يقال: إن الصبي يفرح بالصبي، واللص يألف اللص، والطائر يقتنص بالطائر، والسبع لا يعدو على السبع، وما أشبه هذا. وبالجملة المتصلات والشبيهات كلها لذيذة في أنفسها. وما يجد كل واحد من اللذة في شبيه هو أمر مشهور. وليس يلحق المتشابهين تباغض إلا بالعرض. واللذة إنما هي في إدراك الاتصال الذي يكون بين شيئين من الأشياء الموجودة في العالم. وكل واحد يحب نفسه، لكن يفضل بعضهم في ذلك بعضا. فكل من وجد له حب نفسه أكثر، كان التذاذه ومحبته للشبيه أكثر. ومن أجل أن الإنسان يحب نفسه، تكون حالاته لا محالة لذيذة عنده، أعني أفعاله وأقواله. ولذلك يوجد أكثر الناس، وهم الجمهور، إنما يحبون الأفعال الجميلة والكرامة والبنين لمحبة أنفسهم. وذلك أن البنين أثر من آثارهم. وسد الخلة لذيذ من هذه الجهة، لأنه فعل من أفعاله وكذلك السلطان. وأن يظن بالإنسان أنه حكيم هو لذيذ من أجل حب الإنسان نفسه. وكذلك محبة الكرامة هي لذيذة من هذا المعنى. ونفع الأقارب من هذا المعنى هو لذيذ، والتسلط عليهم. وأن يرتاض الإنسان بالأمور التي ينال بها الفضيلة لذيذ وشريف، لأنه يخيل له فيه أنه قد حاز تلك الفضائل التي ارتاض بها. ولذلك مدح أوميروش إنسانا قسم نهاره أقساما يفعل في كل قسم منها فعلا يكتسب به نوعا من أنواع الفضيلة. فإنه قد حاز تلك الفضائل لما قسم نهاره بتلك الأقسام، وأنه رجل فاضل على التمام بها.
قال: والمضحكات لذيذة، والفكاهات المستطرفات لذيذة عند الناس لا محالة في الأفعال والأقوال. وقد حددنا الأشياء التي تعمل منها الطرائف والنوادر في كتاب الشعر وكيف تعمل.
وإذ قد تبين من هذا القول ما هي الأمور اللذيذة، فقد تبين من ذلك ما هي الأمور المؤذية والمحزنة، فإنها أضداد تلك؛ وإذا عرف أحد الضدين عرف الآخر.
ولإذ قد تبين من هذا القول الأشياء التي من أجلها يجور الجائر وبها يجور الجائر، فقد ينبغي أن يصير إلى القول في الكيفيات والأحوال التي تسهل الجور عليهم وتحركهم إليه وأية حالة هي الحالة التي يكون عنها الجور، فنقول:

(1/40)


إنه قد يكون منهم الجور حين يظنون أن ذلك الفعل مما يستطاع وهو ممكن لهم، وأن يكون مما يجهل ولا يعلم، أو يكون مما ينسى في مدة يسيرة إن لم يكن مما يجهل. وإن كان مما لا يجهل ولا ينسى فيكون مما لا يلحق الجائر في فعله شر أصلا لا له ولا لبعض من يعنى به لأنه عنده مثل نفسه، أو يكون الشر اللاحق منه أقل من المنفعة أو اللذة التي ينالها بالجور وذلك إما للجائر أو لمن يعنى به. فأما ذكر الأشياء التي بها يكون الفعل ممكنا، فسيقال فيها بأخرة وذلك في المقالة الثانية، لأن القول في ذلك عام في جميع المخاطبات الثلاثة. وأما الأحوال التي لا يللحق الجائر بها شر أصلا، أو يلحقه دون الخير الذي يؤمله، أو يكون الفعل مما يجهل أو ينسى في زمان يسير، فيقال ها هنا، إذ كان ذلك خاصا بهذا الموضع.
قال: وقد يظن أنهم قادرون على الجور أكثر من غيرهم: الصنف من الناس الذين يرون أن لهم فضل قوة على غيرهم، وأنهم يأمنون من الشر اللاحق لهم، إذا جاروا، وذلك إما في أنفسهم، وإما في من يعنون به، وهؤلاء هم أحد صنفين يفعل الجور بفضل قوة، وإما صنف يفعله بتجربة وروية حتى يقدر في نفسه النحو والجهة التي بها يسلم من الشر، وذلك بطول تجربته ومزاولته المتقدمة. والجائرون يسلمون من الجور في عاقبة أمرهم إذا كانوا كثيري الأخوان، أو كان أخوانهم مياسير، ولا سيما إن كان الإخوان داخلين في الأمر معه، أعني أن ينالهم من الجور نفع أو لذة، فإنه تكون قدرته على الجور أكثر. وكذلك إن كان الداخلون فيه المشاركون إخوان الإخوان أو خدم الإخوان أو أجراء الإخوان أو شركاؤهم أو المنقطعون إليهم، فإن الجائرين إذا كانوا بهذه الصفة كانت لهم قدرة على الجور والامتناع من أن يعطوا طائلة أو غرما. وقد يعرض لهم أن تجهل أفعالهم وتنسى، أما جهلها فمن قبل المشاركين لهم، وأما نسيانها فمن قبل أنه لا يبدأ بالتظلم من االجائر أولا.
قال: ومما يسهل الجور أن يكون الجائرون أصدقاء للذين يجورون عليهم، أو يكونوا أصدقاء للحكام. أما كونهم أصدقاء للذين يجورون عليهم فلأمرين: أحدهما أن الصديق لا يتحفظ من صديقه فيسهل الجور عليه. والثاني أنه إذا جارعله أرضاه بأدنى شيء قبل الوصول إلى الحكومة، لأن اليق يتغابن لصديقه. وأما كون الحكام أصدقاء فلأن الحكام يقضون لمن أحبوا بالميل والهوى، وذلك إما بأن يعفوه من الغرم البتة، وإما أن يغرموه اليسير. وهنا أحوال أضداد هذه الأحوال المنسوبة إلى القوة إذا كانت في الجائر كانت سببا إلى وقوع الجور منه، وذلك كالمرض والضعف والفقر. فإن الضعيف والمريض قد يظن به أنه لا يجور لأنهم لا يحتملون العقوبة في أبدانهم. وأما الفقير فلأنه لي عنده ما يغرم. وفعل الجور إذا كان في الغاية من العلانية يخفيه ويوهم أنه ليس بجور، وذلك أن فعل الجائر، إذا أشبه فعل المخاتل أو الهازل، غالط، فظن به أنه ليس بجور. وأيضا فإن أحدا لا يتحفظ من الجور الذي يكون علانية لقلة وقوعه، وإنما يتحفظ من الجور بالجهة التي أعتيد أن يكون منها وهو الإخفاء. فإن الجهة التي لم يعتد منها فليس أحد يحذرها. ولذلك لا يتحفظ منا ممن لا قدر له ولا من الإخوان والولد. ومن الناس من لا يتحفظ بأفعاله فيوهم بذلك أنه يجهل ما يفعل أو ما ينسى. وربما تغافلوا عن أشياء تقع بهم حتى لا يتوهم عليهم أنهم يبتدئون بالجور أصلا. ومما يعين الجائر القوة على الإخفاء، وذلك إما بأمكنة خفية تكون عنده وأما بحالات فيه من شأنها أن تخفى أفعاله، مثل أن يكون ظاهره ظاهر من لا يظن به الفعل القبيح. وقد يتمكن من الجور الذين لا يجهلون ولا يجهل جورهم إذا كان الحكام يجورون بأحد معنيين: إما بأن يحرفوا السنة، وإما بأن يسوفوا الحق حتى يمل صاحبه ويترك طلبه. ولذلك اذا كان الجائر له قدرة على التراوغ عن الغرم أو المماطلة أو كان عديما سهل عليه الجور.

(1/41)


والذين تكون لهم المنافع التي يستفيدونها من الجور ظاهرة بينة أو عظيمة أو قريبة حاضرة، والمضار اللاحقة عنه إما قليلة وإما مجهولة وإما بعيدة في الزمان بطيئة، يسهل عليهم الجور، وذلك أنهم لا يتركون النافع المتيقن به للضار المجهول وقوعه، وكذلك لا يتركون النافع العاجل لمكروه آجل، ولا المنافع الكثيرة لمكروه يسير. ومما يسهل الجور أن يكون فعلا يمدح به الجائر ويذكر، مثل ما يعرض للذي يأخذ ثأره في الجائر عليه أو في أبيه وأمه. والذي يكون له ثأر عند واحد من أهل مدينة فيقتل أهل المدينة بأسرها، وبخاصة إذا كان الضرر اللاحق لهم في المال والاغتراب فإن هذا كثيرا ما يمدح به، كما قال الشاعر:
عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا
وهؤلاء يظلمون في الأمر والمنع، أعني أخذ ما ليس لهم ومنع ما عليهم. فهذه هي الأشياء التي تسهل على أهل الهمم والروية والجور. فأما أضداد هؤلاء في الأخلاق والرأي وهم الضعفاء الرأي والخلق فقد يحركهم إلى الجور توقع نفع يسير مجهول، أعني غير متيقن أن ينال أو لا ينال، وقد يحركهم إلى الجور خوف خسران يسير يدخل عليهم لا أن يستفيدوا بجورهم شيئا يدخل عليهم سوى ألا يخسروا شيئا يسيرا من كثير ما معهم وقد يحرك هذا الصنف من الناس إلى الجور أن يجوروا فيخطئوا غرضهم ولا يظفروا بما راموا من الجور فيحركهم ذلك على أن يجوروا مرة بعد مرة، كما يعتري كثيرا من المنهزمين أن يعودوا إلى القتال على جهة اللجاج بعد أن يهزم مرة ثانية. والذين تحركهم إلى الجور اللذة في أول الأمر مع الحزن الذي يكون بأخرة أو يستعجلون المنفعة أولا مع وقوع المضرة بهم في العاقبة، وأخر هم أيضا من هذا الصنف. فإن الضعفاء الرأي قد يوجدون بهذه الحال عند كل ما يشتاقون إليه. وأضداد هؤلاء هم الذين يحركهم إلى الجور أن يكون المؤذي الضار متقدما لهم، واللذيذ النافع متأخرا أو بعد زمان. وهؤلاء فهم ذوو الأصالة واللب الذين في الغاية، وهم أهل الشر العظيم لأنه يظن إن تلك المنافع واللذات المتأخرة لم ينالوها بجورهم، وإنما نالوه بوقوع الجور منهم والضرر الذي يتعجلونه أو الأذى، فلا يظن بهم الجور أصلا. وقد يحرك ذوي الدهاء والمكر إلى الجور أن يخرجوه في صفة ما لا يظن به أنه جور. وذلك يكون بوجوه: أحدها أن يظن أن ذلك الفعل كان باتفاق، أو يظن أنه كان بإكراه، أو يظن أنه كان من أجل طبيعة، أو أنه كان عن خطأ وجهل لا عن تعمد، أو أنه كان عن عادة تقدمت له، أو يكون الفعل بحيث لا يستفيد منه شيئا ينتفع به في الحاضر بل في المستقبل. فإن الذي لا يستفاد منه شيء في الحاضر يظن به أنه غير مقصود لأحد وأنه غير محتاج إليه وأنه لا يجار إلا من قبل ما يحتاج إليه. والمحتاجون على ضربين: إما بالضرورة كالفقراء، أو بالشره كالأغنياء. والجور على جهة الضرورة أعذر على جهة الشره، ولذلك يهون هؤلاء جدا، وإن كانوا كثيرا ما ينجحون. وذو اللب والحزم إذا ظفر بالشيء الذي جار من قبله يرى كأنه لا يستحسن ذلك الشيء ولا يسر به. وأما ذوو الرأي الضعيف فهم يظهرون السرور بما ينالونه بالجور. والجائرون من قبل واحد من هذه الأسباب المخفية للجور والمسهلة له، إذا ظفروا بما أملوه من ذلك، فقد صدقت ظنونهم.
فهذا جملة ما قاله في الأشياء التي تسهل الجور على الجائرين وتبعثهم عليه.

(1/42)


وأما الذين يضر بهم الجائرون وهم المظلومون بالطبع، أعني الذين يطمع فيهم أهل الشر، فهم الذين يجهلون ما يفعل بهم فلا يرون أنه جور، أو الذين ينسون ما يفعل بهم من الجور بسرعة، وإن لم يجهلوه، وما أشبه هؤلاء من الذين لا إخوان لهم أو لهم إخوان فقراء. والجور الذي يكون في المال إنما بمن يقع بمن عنده مال، إذا كان في ذلك المال الشيء الذي يحتاج إليه الجائر، وذلك إما لموضع الضرورة إن كان فقيرا أو لموضع الشره إن كان غنيا قصده جمع المال فقط أو لموضع التنعيم إن كان قصده إنفاق المال والتمتع به. والمسوفون بطلب حقوقهم يقع بهم الجور كثيرا، وكذلك القرابة والإخوان، وذلك أن المرء لا يتحفظ من صديقه. وإذا جار عليه فقد يجهل أنه جار عليه. فجميع هؤلاء الأصناف يمنعهم من الانتقام من الجائر إما عدم الناصر كالفقر وعدم الإخوان، وإما تسويف الانتقام وتأخيره. ولذلك كثيرا ما ينجح الذين يسلبون أقرباءهم حين يجهلون جورهم من أول الأمر حتى يدرس وينسى.
والصنف من الناس المتوقين من الشر المتباعدين منه الذين يصونون أنفسهم عن أن يبتذلوها في الخصومات كثيرا ما يجار عليهم.

(1/43)


وكذلك يعرض للناس الذين لا يتحفظ من شرهم الصحيحي المعاملة الموثوق بهم المنصفين، أعني أن يطمع في الجور عليهم. وهؤلاء قد يمكن أن تجهل منهم هذه الأحوال فلا يتصدى أحد للجور عليهم. وذوو الكسل والتواني يطمع في الجور عليهم. وكذلك الجاهلون بما هو جور وعدل، وبالجملة: بما يحكم به الحاكم، لأن استخراج الحقوق عند الحكام إنما هو للرجل البصير النافذ، أعني العارف بما يحكم به الحكام. ومن الذين يجار عليهم الصنف من الناس الذين يغلب عليهم الحياء، لأنه ليس عندهم صخب ولا مغالطة في طلب منافعهم. والذين أيضا قد ظلمهم ناس كثيرون يجار عليهم لأنهم يلفون قد ذلت نفوسهم وأمن شرهم. والذين ليس تخرج لهم الأحكام إذا حضروا مجالس الحكام والسلاطين، إذ ليس لهم قدر، يجار عليهم. لأن هؤلاء كما قيل منحون أبدا. والذين أيضا يرومون الأخذ مرارا كثيرة فلا يأخذون شيئا يجار عليهم. لأن كلا الصنفين مزدرى به لا يتحفظ منه إلا على الإطلاق وإما في وقت ما. لأن هؤلاء القوم مذمومون، والمذمومون لا يتحفظ منهم، لأنه لا ناصر لهم. وإنما كان ذلك كذلك، لأن هؤلاء لا ينفذون إراداتهم ولا آراءهم، لأنهم يخافون الكلام ولا يستطيعون أن يأذنوا أو يمنعوا. وذلك أنه لا يخلوا واحد من هؤلاء أن يكون متقدما عليه في المجلس أو مستهانا به أو منفورا عنه. والذين عندهم لقوم ترة قديمة أو سوء بلاء إما من قبل أجدادهم أو من قبل آبائهم أو من قبل أنفسهم أو من قبل إخوانهم مهيئون أن يجور عليهم أولئك القوم جورا أكثر من الجور المتقدم. وكذلك إن كانوا تهاونوا بهم أو بآبائهم أو بمن يعنون به. ولذلك يقال في المثل: إن الشر اليسير يستثير الكثير، وإن الشر قد تبديه صغاره. والذين تقدمت منهم ترة قديمة: إن كانوا أصدقاء وتقدمت منهم ترة يسيرة، فإن القول فيهم واستماعه يكون سهلا، لا يقع من المقول فيه موقع مكروه. وإن كانت الترة كبيرة، كان القول فيهم أو استماعه لذيذا عند الذين لهم الترة عندهم. وإن كانوا أعداء، كان القول فيهم واستماعه مع تهاون بهم وألا يرى لهم قدر. فالمستمعون إما ألا يقولوا فيه شيئا، وإما أن ينكروا على القائلين، وإما أن يمالئوا على القول ويزيدوا فيه. وهنا صنف من الناس يجار عليهم وينالون بالضر والانتقام، لا لمنفعة، لكن لمكان الاستلذاذ بذلك. وهؤلاء هم الغرباء: إما في المدينة، وإما في الجنس، وإما في الشيم، وإما في اللسان، وإما في المللة. فإن الإنسان يستلذ الجور على الغرباء بأحد هذه الخمسة الأنحاء. والجور الواقع بهؤلاء هو التهاون. فإن الجور يكون في المال والكرامة والسلامة. وأهل الغفلة يجار عليهم أيضا. وإنما يستلذ الجور على الغرباء لأنهم لا يعرفون ما هو إهانة واستخفاف عند أهل تلك المدينة، أو عند ذلك الجنس وكذلك الحال في أهل تلك الغفلة. ومن الذين يستلذ الجور عليهم الصنف من الناس الذين يقلقون بالأشياء اليسيرة ويصيبهم منها كرب، وذلك بين في أفعال أهل اللعب في هذا الصنف من الناس.

(1/44)


قال: والذين جاروا كثيرا على الناس قد يستلذ الجور عليهم لا لمنفعة، ويظن به أنه قريب من ألا يكون الجور عليهم جورا، وذلك مثل أن يضرب أحد من قد تعود شتيمة الناس ونقصهم، فيشجه أو يجرحه. والذين أيضا أتوا أمرا قبيحا فاحشا عند الناس إما بعمد وإما بغير عمد، فإن الجور عليهم لذيذ حسن عند الناس، والفاعل لذلك يرى غير جائر. والذين يسرون أيضا بأفعال هؤلاء أو هم أصدقاؤهم ويتعجبون من أفعالهم.وبالجملة من أتى سوءا يستلذ الناس الجور عليهم، وكذلك بالجملة الذين يتعلقون بمن فعل سوءا أو يمشون معه. والصابرون من الناس المغضون بالحقيقة يستلذ الناس الجور على من جار عليهم. والذين يبتدئون بالظلم، فإن الظلم الواقع بهم قريب من ألا يكون جورا، ولذلك قيل: البادئ أظلم، وذلك مثل أن يقتل إنسان من قصده بالقتل. والقوم الذين يصادفون على شرف من الهلاك قد يبادر الناس للجور عليهم، لأنه يخفى أنهم كانوا سبب ذلك الجور. وقد يستلذ الجور على الطائفة التي تجور على من أشرف على الهلاك، وبخاصة إذا كانوا أقوياء على دفعهم فتظالموا لهم وتعافوهم وأبوا أن يؤذوهم. ويعلم مع هذا أنهم لو لم يصيروا إلى هذه الحال بتظالمهم وتعافيهم عن الطائفة التي أصارتهم إلى هذه الحالة من الإشراف على الهلاك لما تجرأت الطائفة الأخيرة أن تجور عليهم، كما عرض، فيما حكاه، في جزيرة معلومة عندهم، وذلك أن قوما سبوهم غصبا وجورا لأنهم صادفوهم على شرف من الهلاك من قوم آخرين، وقد كانوا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم ظلم الذين صيروهم بهذه الحال فلم يفعلوا ولكن تظالموا لهم وعفوا عنهم حتى صاروا من أجل ذلك إلى حالة أمكن فيها هؤلاء الآخرين أن يسبوهم جورا وغصبا.
فهذه هي الأشياء التي إذا كانت في الإنسان حركت الجائر إلى الجور عليه، وهم المظلومون بالطبع. وأما الأشياء التي يسهل الجور فيها فيجور فيها الكل والأكثر من الناس فهي الأشياء التي يكون فيها الصفح هي الأمور اليسيرة الحقيرة. والأشياء التي تستتر فتخفى هي الأشياء التي تفسد أعيانها سريعا مثل الطعام، أو الأشياء التي يسهل تغير أشكالها أو ألوانها أو التي تغير بالمزاج والخلط.
والأشياء بالجملة التي يمكن أن تغير أشكالها في أمكنة كثيرة منها هي أسهل إخفاء ولا سيما إذا كان التغيير منها في أمكنة صغار. فإنه كلما كان إمكان التغيير في الشيء أكثر وأسهل كان إخفاؤه أسهل. وكذلك تخفى الأمور التي يعلم أنه قد كان عند الجائر أشباهها أو ما لا يشبهها فيدخلها في جملة ما يشبهها أو يغيرها إلى التي لا تشبهها من التي تعلم أنها عنده. ولذلك يتقدم كثير ممن يريد أن يظلم فيقتني نوع الشيء الذي فيه يريد أن يظلم أو نوع الشيء الذي يريد أن يغيره إليه. وكل ما يستحي المظلوم من ذكره فهو مما يخفى مثل الجور في النساء، فإن إظهاره فضيحة وعار على المجور عليهم في أولادهم.
فهذه الأشياء وما أشبهها هي الأشياء التي يسهل فيها الجور، إذ يكون فيها الصفح أو الاستتار. فقد تبين من هذا القول الأشياء التي من أجلها يجور الجائر، والأحوال التي إذا كانت في الإنسان طمع أهل الجور فيه.
وبقي الصنف الثالث من الأشياء الثلاثة التي منها تؤخذ المقدمات التي يتبين بها أن الجائر قد جار، وهي معرفة الأفعال التي إذا تبين أنهم فعلوها، فقد تبين أنهم قد جاروا، والأحوال التي إذا كانت في الفعل كان جورا. وينبغي أن نقدم أولا أصناف الظلم وأصناف الواجب، أعني ما ليس بظلم. وقد قيل فيما سلف أن أصناف الظلم تكون نحو شيئين وهما إما اللذيذ، وإما النافع، وإنها توجد في الذين توجد فيهم على جهتين: إما لدفع مضرة، وإما لاجتلاب منفعة.

(1/45)


والسنن التي توقف على ما هو جور وعلى ما ليس بجور منها خاصة بطائفة من أهل المدينة، ومنها ما يعم جميع أهل المدينة. وهذان الصنفان من السنن مكتوبة، ومنها غير مكتوبة، وأعني بغير المكتوبة تلك التي هي في طبيعة الجميع وهي التي يرى الكل فيها بطبعه أنها عدل أو جور، وإن لم يكن بين واحد واحد منهم في ذلك اتفاق ولا تعاهد. وهذه أيضا قد تسمى عامة بهذه الجهة. وهذه السنن ليس يعلم متى وضعت ولا من وضعها. وهي كثيرا ما تضاد المكتوبة. فيقنع بها، فيما اعتقد فيه أنه جور بحسب المكتوبة، أنه ليس بجور. كما حكى أرسطو عن رجل مشهور عندهم لما أخبر عنه بأنه دفن على غير سنة الدفن الخاصة ببلده، اعتذر عنه في ذلك بأنه دفن على السنة العامة الموجودة في الطبيعة، وإن دفنه كان عدلا لا جورا. وأما السنن المكتوبة الخاصة بقوم قوم فهي مثل ما يرى بعض الناس أنه لا ينبغي أن تقتل ذوات النفوس كالحيوانات وأنه جور. فإن هذا ليس واجبا عند الجميع ولا بالطبع. وإذا كانت السنن الموقفة على العدل وما ليس بعدل: منها ما هي نحو العامة والكل من أجل المدينة، ومنها ما هي نحو واحد واحد، أعني أن منها سننا توقف على ما ينبغي أن يفعل في أمر العامة وألا يفعل، وسننا توقف على هذا المعنى في أمر واحد واحد، فبين أن أصناف الظلم والواجب، أعني ما ليس بظلم، تنحصر في هذين الصنفين، أعني أن الظلم وفعل الواجب: إما أن يكون نحو واحد واحد، وإما أن يكون نحو الجميع. مثال ذلك أن الذي يزني أو يضرب هو ظلم نحو واحد محدود، والذي يمتنع من الدخول في الشرطة، وهي عند أرسطو حراسة أهل المدينة بعضهم من بعض، فقد يظلم ظلما عاما. وكذلك الذي يمتنع من الحراسة، وهو الذي يحفظ المدينة مما يرد عليها من خارج ولا يتعدى في حفظه حدود المدينة، أو الذي يمتنع من القيادة وهو الذي يسير بجند المدينة وحماتهم إلى قوم غرباء للغلبة على نفوسهم أو على أموالهم أو على مدينتهم. وكل واحد من هؤلاء متى لم يفعل فعله، لحق المدينة منه جور عام وضرر شامل. فهذه القسمة واقعة في جميع أصناف الظلم، أعني أن منه ما هو عام، ومنه ما هو نحو واحد واحد.
وإذ قد وصفنا أصناف الظلم، فقد ينبغي أن نصف ما هي الظلامة، أعني المعنى الذي إذا وقع بالإنسان وانفعل له سمى مظلوما، فنقول: إن الظلامة هي أن يمس إنسانا شيء من الجور من إنسان آخر بمشيئته واختياره. وذلك أن الجور، كما قد قيل، إنما هو إضرار يكون بالمشيئة. فالظلامة هي أن يستضر آخر بمشيئة الجائر.
وأصناف الأشياء الضارة إحصاؤها في هذا الموضع واجب، إلا أنه قد ذكرت فيما تقدم، وذلك في باب المشورة، لأنه لما ذكرت النافعات هنالك تبينت أضدادها؛ وكذلك هي أيضا مذكورة في باب الذم. وكذلك قد تقدم القول في أصناف الأشياء التي تكون عن طوع. والشكايات - بالجملة - العامة والخاصة تنحصر في أربعة أصناف: أحدها ما يكون بلا علم من الفاعل وهو الكائن عن الاتفاق؛ والثاني ما يكون مع علم بلا مشيئة وهو الإكراه؛ والثالث ما يكون عن اختيار وروية؛ والرابع ما يكون عن انفعال من الانفعالات، وأكثر ما يكون ذلك عن الغضب. فأما الغضب وما يكون عنه فسيقال فيما بعد. وأما التي تكون عن تقدم الاختيار والروية فقد قيل فيها فيما تقدم. وليس يحتاج الشاكي إلى معرفة أصناف الظلامات والأفعال التي هي جور أو إلى معرفة الشرائط التي يكون بها الفعل ظلما وجورا بل وقد يحتاج إليه المتنصل والمعتذر، لأنه كثيرا ما يعترف المشتكي به بوجود الذي ادعى عليه، إلا أنه يجحد الشرط الذي به يكون ذلك الفعل جورا؛ وذلك مثل أن يعترف بأنه أخذ، لا بأنه سرق؛ وبأنه سب، لا بأنه افترى؛ وبأنه نكح، لا بأنه زنى. ولذلك ينبغي للشاكي والمتنصل أن يعرف ما السرقة وما الافتراء وما الزنا وذلك بحسب الشريعة العامة والخاصة بالقوم الذي هو منهم؛ فإنه بمعرفة هذه الأشياء يمكن الشاكي أن يثبت أن الفعل جور وظلم، والمتنصل أنه ليس بجور. فإن التنازع إنما هو في أنه ظالم أو غير ظالم. والظلم بالحقيقة الذي لا يقبل المعذرة إنما هو الظلم الذي يكون عن تقدم الروية والاختيار.

(1/46)


وهاهنا ظلامات أسماؤها الدالة عليها كافية في الدلالة على أنها ظلم في الغاية وعلى تقدم الاختيار والروية لها دون أن يحتاج في ذلك إلى تحديدها، مثل السرقة والزنا. فإن أحدا ليس يتصور فيه أنه يسرق أو يزني غير مختار. ولذلك إذا اعترف بهذه الأسماء المدعى عليه، لم يبق له موضع اعتذار. فيجب على المتنصل أبدا أن يتحفظ من الاعتراف بهذه الأسماء. وإن اعترف فلا يعترف منها إلا بالجنس فقط، مثل أن يعترف بأنه سب لا بأنه افترى، ويقول: لأن الافتراء إنما هو قذف الرجل أو قذف أبويه بالزنا. وذلك أن الذم بالنقائص يتفاضل. فإن هاهنا نقائص لا يلحق الإنسان منها بها عار وإن كانت تضع منه، مثل البخل. وهاهنا نقائص تضع من الإنسان ويلحقه منها عار عظيم، مثل الزنا. ولذلك غلظت الفرية في شرعنا. وكذلك يقول: إنه أخذ، لا أنه سرق، إذ كانت السرقة إنما هي من حرز.
فصل
قال: وبعض الظلامات وما ليس بظلامات فيه سنن، وبعضها ليس فيها سنن. وما فيها سنن: فمنها ما هي سنن مكتوبة، ومنها ما هي غير مكتوبة. وكل واحدة من هذه ترسم العدل والجور، والخير والشر. فالخير بحسب السنن الغير المكتوبة هي الأفعال التي كلما تزيد الإنسان منها إلى غير نهاية تزيد حمده ومدحه أو كرامته ورفعته، مثل معونة الأصدقاء ومكافأة المحسنين. والشر بحسب السنن الغير المكتوبة هو الفعل الذي كلما تزيد الإنسان منه لحقته المذمة أزيد، والهوان أزيد، وذلك أيضا إلى غير نهاية، مثل كفر الإحسان والإساءة إلى الأصدقاء. وأما الخير والشر في السنن المكتوبة فإنه مقدر لا يزاد فيه ولا ينقص منه. ولما كان الأمر على هذا وكانت السنة المقدرة لا تنطبق على كل شخص ولا في كل وقت ولا عند كل مكان، لم تكن كافية فيما تقدر من الخير والشر في معاملة شخص شخص من أشخاص الناس، فاحتيج إلى الزيادة والنقصان فيها بحسب ما تقتضيه السنة الغير المكتوبة. فوجب أن يكون في هذه السنن الغير المكتوبة عدل مكتوب وتفضل: وهو إما الزيادة على السنن المكتوبة، وإما النقصان منها. فإن كانت الزيادة على الخير المكتوب سمي إحسانا، وإن كانت الزيادة على الشر المكتوب سمي حسبة. وإن كانت نقصانا من الشر المكتوب سمي صلحا وحلما واحتمالا، وما أشبه ذلك من الأسماء. وهذا قد يعرض في السنن المكتوبة للواضعين: إما باضطرار، وإما من قبل أنفسهم. أما من قبل أنفسهم: فإذا هم غلطوا فوضعوا تحديدا كليا، وليس بكلى. وأما من قبل الأمر نفسه: فمن قبل أنه ليس يستطيع أحد أن يضع سننا كلية عامة بحسب جميع الناس في جميع الأزمنة وجميع الأمكنة، لأن ذلك غير متناه، أعني تبدل النافع والضار. وغاية الماهر في وضع السنن أن يضع من ذلك ما هو أكثري، أعني لأكثر الناس في أكثر الأزمنة وأكثر المواضع. وكلما اجتهد الواضع في أن تكون السنة التي يضعها منفعتها أطول زمانا وللأكثر من الناس، كانت السنة أفضل. وإذا كان الأمر كذلك، فباضطرار ألا تكون السنن المقدرة صادقة أبدا ودائما، أعني في كل شخص وفي كل وقت، ولذلك قد يحتاج إلى الزيادة والنقصان فيها. وأنت تتبين هذا من الملل المكتوبة في زماننا هذا.
والزيادة والنقصان فيها إنما تكون تفضلا إذا لحق ذلك مدح أو كرامة. والحلم بالجملة هو التفضل في نقصان الشيء المكتوب أو رفعه في الموضع الذي يلحق ذلك مدح أو كرامة. مثال ذلك ما حكاه أرسطو من أن السنة كانت عندهم ألا يشيل أحد يده بالخاتم وأن فعل ذلك يستوجب عقوبة وأنه ظالم. والسنة الغير المكتوبة تقتضي أن يصفح عن مثل هذا. فالصفح إذن عن مثل هذا عدل. وكذلك يشبه أن يكون الأمر عندنا في قطع اليد في النصاب وبخاصة في المطعومات. وإذا كان هذا هو الحلم فهو بين أي الأشياء هي من الحلم وأي الأشياء ليست هي من الحلم وأي الناس هم الحلماء وأيهم ليس كذلك. فإن المرء إنما يكون حليما في الأشياء التي يجمل فيها الصفح.
قال: وضروب الإساءة والظلم وإن لم تكن صنفا واحدا بل أصنافا كثيرة، فليس يجب أن يسوى بين ما يقع منها على جهة الخطاء وهو الذي يكون من السهو والغلط، وما ليس يقع على جهة الغلط وهو الذي يكون عن المكر والشر.

(1/47)


قال: والإساءة: هي ما لم تكن عن جهل ولا عن شرارة؛ وأما الظلم فهو ما كان من شرارة، لا من جهل.
والمقدمات التي بها يخاطب من يسئل الصفح عن الذنب الذي أوجبت العقوبة فيه الشريعة المكتوبة على فاعله، أعني التي ذكرها أرسطو في هذا الكتاب: إحداها أن يقول الجاني: إنه، أيها المعاقب، يجب ألا تقتدي بهذه السنة نفسها في ما أوجبته على من العقوبة، لكن بخلق الواضع لها في الصفح والرحمة.
والمقدمة الثانية أن يقول: إنه ليس يجب أن ننظر إلى ظاهر لفظ الشارع في هذه العقوبة التي وضعها، لكن إلى مقصوده، وذلك في الموضع الذي يكون المفهوم من اللفظ ضد ما يقتضي ظاهره من العقوبة. والثالثة أن يقول إنه ليس يجب أن نتنزل العقوبة على حسب الفعل الظاهر مني، لكن على حسب النية والاختيار، وذلك حيث يظن أن ذلك الفعل لم يكن عن اختيار منه. والرابعة أن يقول: إنه ليس ينبغي أن يعاقب على ما كان في الفرط ونادرا، لكن على ما كان متكررا من الجاني، وذلك إذا لم يتقدم منه ذلك الفعل. والخامسة أن يقول: إن الإنسان ليس ينبغي أن يعاقب على حسب حاله الحاضرة حتى ينظر إلى أحواله المتقدمة وأحواله المستقبلة، وذلك عندما تكون هذه الأحوال شافعة له. والسادسة أن يذكره بالخيرات التي وصلت من الجاني إلى المجني عليه. والسابعة أن يذكره بالخيرات التي وصلت إلى الجاني من المجني عليه، فإن ذلك يحركه إلى أن يعدو العفو عنه من جملة تلك الخيرات. والثامنة أن يحرضه على التأني عند الظلم بأن يقول له: إنه ليس ينبغي أن يعجل الإنسان إذا ناله جور من إنسان، فيكافئه بالعجلة، لكن يتوقف، فعسى أن يكون في عاقبة ذلك خير يناله. والتاسعة أن يقول: إنه ينبغي للإنسان أن يكون مع الناس مسامحا يقنع بالقول الجميل دون الفعل، وألا يكون شديد الاستقصاء. والعاشرة أن يقول: إنه ينبغي لللإنسان أن يكون متنزها عن الخصومات والعقوبات. والحادية عشرة أن يقول: إن الاحتمال والصفح من الخلق الفاضل؛ والمتهورون وذوو الخرق يقرون بهذا إذ يتشبهون بالحلماء فضلا عن غيرهم.
فقد تبين من هذا القول: ماهو التفضل والحلم والصفح، وما الحالم والصافح، ومن أي من المتقدمات يستدعى الحلم والصفح. ولأن المجني عليه يعظم الظلم الواقع به والجاني يصغره، فقد ينبغي هاهنا أن يقال في أنواع الظلم العظيم والظلم اليسير.
ومن الظلم العظيم ما يكون من الإنسان القوي للضعيف، وما يكون من الغني للفقير. ولذلك ما قد يكون الظلم في الأمور اليسيرة عظيما: إما من عظم الشر نفسه الموجود في ذلك الشر اليسير، وإما من عظم الضرر. أما عظم الضرر في الشيء فمثل من يسلب الإنسان قوته إذا كان يسيرا وليس ملك غيره. وأما الشر الذي هو عظم في نفسه، وإن كان الفعل يسيرا، فمثل ما حكي أرسطو أن رجلا خان الصناع الذين كانوا يدعون عندهم بالمقربن، وهم المختصون عندهم بصناعة محاريب البيوت المختصة بعبادة الله في ثلاثة أفلس من مقدسة من المال المختص ببيوت العبادة.

(1/48)


قال: فإن ثلاثة أفلس هي شيء يسير من طريق الجور في المال، وأخذها من طريق ما هي من المال المقدس للصناع المقربين شر عظيم، وذلك أن لك يدل على قوة الشر الذي في أخها إذ كان قد هتك حرمة بيت الله وحرمة ماله، ولذلك فاعل هذا ليس يرى أحد أنه اتقى من الظلم شيئا، بل بلغ فيه الغاية. وأما إذا اعتبر مقدار المضرة في أخذ الأفلس الثلاثة، فليس هنالك ظلم يعتد به. وأمثال هذه المظالم، أعني التي تقع ببيوت الله وأوليائه، ليس فيها صفح ولا حلم ولا احتمال، لأن الصفح فيها والحلم ليس تقتضيه مصلحة، بل يجب أن يكون الحاكم في أمثال هذه ينفذ العقوبة ولا بد، إما لمكان الانتقام من الجاني فقط، وإما لما في ذلك من المصلحة العامة ولمكان هذا، قال الفقهاء عندنا إن من قال في صاحب الشريعة عليه السلام إن زره وسخ قتل. ومن الظلم العظيم أن يجمع على الإنسان أخذ ماله وتعذيبه. ومن الظلم العظيم أيا أن يكون العادلون والصالحون، وبالجملة ذوو الفضائل يعذبون على فضائلهم. ولذلك يكون الظلم الواقع بهؤلاء فخرا لهم وكرامة ليست يسيرة. ولذلك ترى كثيرا من ملوك الجور يقصدون إهانة العلماء بالضرب وغير ذلك من الشر، فيكون ذلك فخرا لهم في الحياة وبعد الممات، كما عرض لمالك وغيره من الفقهاء. وكذلك المقتولون من هؤلاء يعرض لهم من ذلك بعد الموت كرامة عظيمة، مثل ما نال أصحاب عيسى عليه السلام بعد موتهم من الكرامة من التابعين لهم. وبالجملة كل من أوذي على شيء يكرم عليه الإنسان فهو يستفيد بتلك الأذية كرامة عظيمة. ومن الظلم العظيم أن يكون نوعا من الظلم مبتدعا لم يفعله أحد غيره لا قبله ولا بعده. ومما يعظم به الظلم أن يكون هو أول من فعله، فاقتدى به كل من أتى بعده ففعل ذلك الفعل، كما قيل في هابيل وقابيل ومن الظلم العظيم إلحاق الغرامة والخسران على الذين يتولون إيصال الخيرات إلى الناس مثل الظلم الذي يقع على واضعي السنن. ومن الظلم العظيم الذي يوجب العقوبات العظيمة في الشرائع المكتوبة مثل الإلقاء إلى السباع عند بعض الأمم. ومن الظلم العظيم الظلم الذي يقع من المرء بقرابته وخاصته لأن ذلك يكون لبغضهم والنفور عنهم. وأذية القرابة وبغضهم إنما يحمل عليه إفراط الشرارة. ومن الظلم العظيم الغدر بالأمانات والفجور في الأيمان ونقض العهود وما أشبه ذلك من الأمور التي تقتص في الأخبار المكتوبة ولذلك كانت عقوبة هؤلاء ليست كعقوبة سائر الظالمين، بل يفضحون مع العقوبة على رءوس الأشهاد مثل عقاب شهداء الزور، فإنه ليس يقتصر على عقابهم دون أن يفضحوا في مجالس الحكام وتسخم وجوههم. ولذلك زيد في عقاب الفرية عندنا التفسيق ورد الشهادة. وأقبح ما تكون الخيانة والغدر لمن تقدم منه إحسان للغادر والخائن. والذي يرائي بأفعال الخير، وقصده الشر، هو من هذا النوع. والظلم في السنن الغير المكتوبة، أعني تعديها، أعظم من الظلم في السنن المكتوبة؛ وذلك أن السنن الغير المكتوبة كأنها شيء يضطر إليها الإنسان، إذ كانت كل الأمر الطبيعي له، مثل بر الوالدين وشكر المنعم. وأما السنن المكتوبة فليس هي باضطرار للإنسان. وإن تعدى السنة المكتوبة فظلم ظلما مستبشعا فهو ظلم عظيم مثل قتل الأطفال والنساء. والغرامة في الأشياء التي ليس فيها غرامة في السنة المكتوبة من الظلم العظيم. ولذلك كان أقوى الأسباب في فساد الرياسات.
قال: فقد تبين من هذا القول الظلم العظيم والصغير، إذ الصغير ضد العظيم، والشيء يعرف بمعرفة ضده.
وقد ينبغي أن نقول في التصديقات التي تسمى غير صناعية، أعني التي ليس تكون عن قياس خطبي أصلا، فإن أليق المواضع بذكرها هو هذا الموضع، إذ كانت أخص بالمشاجرية منها بالإثنين الباقيين من أجناس الأشياء الخطبية، أعني المشاورية والمنافرية.
وهذه التصديقات الغير الصناعية هي خمسة في العدد: أحدها السنن، والثاني الشهود، والثالث العقود، والرابع العذاب، والخامس الأيمان.
والكلام فيها هاهنا إنما هو كيف يستعمل واحد واحد منها في الشكاية والاعتذار.

(1/49)


فلنقل أولا في السنن فنقول إن السنن لما كانت منها عامة ومنها مكتوبة، فقد يجب إن كانت السنن المكتوبة مضادة للشيء الذي يقصد تثبيته الشاكي أو المعتذر أن يحتج بالسنة العامة الموافقة له، أعني المضادة للسنة المكتوبة، ويقويها، ويزيف السنة المكتوبة. فأحد المواضع التي ذكر مما تزيف به السنة المكتوبة هو أن يقول: إن الواجب هو الأخذ بالسنن الغير المكتوبة، لأن الإنسان إذا اقتصر على ما توجبه السنة المكتوبة لم يكن محسنا ولا حليما ولا صفوحا، إذ كان الإنسان إنما يوصف بهذه الأشياء إذا اقتدى بالسنة العامة على ما تبين، وبالجملة فإنما يتطرق المدح والإكرام من قبل السنن الغير المكتوبة، فاعل الواجب لا يمدح. ولذلك لا يسمى من يعطي القدر الواجب من المال في السنة المكتوبة سخيا.
وموضع ثان وهو أن يقول: إن السنن المكتوبة إنما يقتصر عليها العامة من الناس الذين لا روية عندهم، وذلك أنها أمور مفروغ منها، فأما الاقتداء بالسنن الغير المكتوبة وتقديرها فهو لذوي الروية والخواص من الناس.
وموضع ثالث: وهو أن السنن المكتوبة شاقة إذ كانت تقصر الإنسان على أشياء محدودة، والسنن العامة ملائمة لطبائع الإنسان وهو أهم.
وموضع رابع: وهو أن السنن المكتوبة كثيرا ما يكون تركها أنفع وأفضل وأزيد في الخير، إذ كان الشيء المحدود لا يلائم كل إنسان ولا في كل حين. وأما السنن الغير المكتوبة فقد تقدر تقديرا يلائم كل إنسان وفي كل زمان.
وموضع خامس وهو: أن السنة الغير المكتوبة أبدية غير متغيرة لأنها في طبيعة الناس، والسنن المكتوبة متبدلة ومتغيرة. وحكى عن امرأة مشهورة عندهم أنها اعتذرت عن رجل دفن عندهم على غير السنة المكتوبة بأن قالت: لم أكن لأدفنه على سنة تكون اليوم ولا تكون غدا، بل على السنة التي لا تبيد أبدا.
وموضع سادس وهو أن السنة المكتوبة مظنونة، إذ كانت مقبولة من الغير، وإنما هي معروفة بالطبع. ومن القول النافع في ذلك أن نقول: أن نقول: إن السنة العامة هي التي يفعل بها الحاكم أفعالا مختلفة بحسب النافع لشخص شخص ووقت وقت، والحاكم هو بمنزلة المخلص للفضة من الخبث، ولذلك قد يجب على الحاكم الفاضل ألا يقتصر على السنة المكتوبة فقط، بل يستعمل السنتين معا حتى يتخلص له الحق في ذلك، ويتقرر لديه القول الخاص بالقضية التي يحكم فيها. ولذلك متى حكم في شيء، وكانت السنة المكتوبة ضد الغير المكتوبة، أو كانت فيه سنتان متضادتان، فقد يجب على الحاكم أن يستعمل السنة القديمة أحيانا، أعني الغير المكتوبة، في موضع، ويطرحها في موضع آخر؛ وكذلك الحال في السنة المكتوبة. فإن بهذا الوجه يسقط التعارض الذي بينهما في الظاهر ويصح الجمع. وهذا الذي قاله بين من فعل الفقهاء - وهذا عندنا - في السنن المكتوبة المتضادة.
قال: ومتى أشكل عليه وجه الجمع، فقد يجب عليه أن يتوقف ولا ينفذ إحدى السنتين، بل يرجئ الحكم حتى يتبين له موضع الشك والشبهة بين السنتين، إما العامة النافعة وإما المكتوبة الواجبة.
فهذا جملة ما قيل هاهنا في دفع السنن المكتوبة إذا كانت مضادة للشيء الذي يقصد تثبيته.
وأما إذا كانت السنة المكتوبة موافقة للأمر المقصود تثبيته، والعامة مضادة، فأحد ما تزيف به السنة الغير المكتوبة المضادة أن يقال: إن السنة العامة متبدلة الموضوع ومتبدلة الأوقات، فهي بالجملة غير غير محدودة، بل تحتاج إلى استنباط وتحديد، وأما المكتوبة فهي مفروغ منها. فإذا كان المضاد في السنة الغير المكتوبة متوهما وغير معلوم بعد، وكان الموافق لنا في السنة المكتوبة مصرحا به، فقد ينبغي أن يعتقد أنه ليس يجب أن كون الحكم يتعدى به السنة المكتوبة.
وموضع آخر تزيف به السنة الغير المكتوبة: وهو أن السنة الغير المكتوبة تقتضي حكما عاما مثل الإحسان إلى من أحسن إليك، والمكتوبة تقتضي حكما خاصا وهو مقدار ذلك الإحسان ووقته. والعام الكلي ليس يفعله أحد، وإنما يفعل الجزئي. والذي يفعل، هو الذي يجب أن يمتثل.
وموضع آخر يقوي السنة المكتوبة: وهو أن الوضع للسنة المكتوبة إن كان واجبا، فاستعمالها واجب؛ وإلا فأي فائدة في وضع شيء لا يستعمل.

(1/50)


وموضع آخر قوي في تثبيت السنة المكتوبة: وهو أن واضعها نسبته إلى الجمهور في تقدمه بعلم المصالح نسبة الطبيب إلى الذين يطبهم، وبالجملة نسبة أهل الصنائع إلى من لم يكن من أهل تلك الصناعة. وكما أن الطبيب ليس ينبغي للإنسان العليل أن يتوانى أو يتردد في قبوله قوله أو تأوله، كذلك الحال في قبول قول الواضع للسنة المكتوبة، بل المضرة في مخالفة واضع السنن أشد من المضرة في مخالفة الطبيب. وذلك أن مخالفة الطبيب إنما تلحق منها مضرة لواحد من الناس، ومخالفة واضع السنن يلحق منه هلاك أهل المدينة بأسرها.
وموضع آخر: وهو أن الذين ينصبون حكاما في المدن إنما هم الذين علموا السنن المكتوبة، لا السنن الغير المكتوبة. فإن كل الجمهور يستوون في إدراكها. وإذا كان ذلك كذلك، فواجب أن تمتثل السنن المكتوبة، وإلا كان استعمال الحكام عبثا وباطلا.
فهذا جملة ما قاله في السنن.
القول في الشهود
فأما الشهود، فمنهم قوم قد سلفوا، ومنهم حدث وموجودون. ومن الحدث من يشارك المشهود له في الخير الذي يرجوه أو الشر الذي يخافه. وأعني بالشهود القدماء الأسلاف المعروفين المقبولين عند جمهور الناس المشهور فضلهم. فهؤلاء تقبل شهادتهم على الأشياء السالفة سواء أخبروا أنهم عاينوها أو لم يخبروا بذلك، لأنه يحمل أمرهم على الجملة فيما أخبروا به على التصديق. والشهادات: إما شهادة على أشياء سالفة وهي التي لم يدركها أكثر الموجودين في ذلك الوقت، وإما شهادة على أمور موجودة، وإما شهادة على أمور مستقبلة. فأما الأشياء السالفة فإن الشهود عليها هم الأسلاف لا محالة. وأما الأشياء الموجودة في زماننا فإن الشهود عليها من في زماننا. وأما الأشياء المستقبلة فقد يكون الشهود عليها قوما تقدموا وقوما موجودين في زماننا هذا. والشهود على الأشياء المستقبلة صنفان: الكهان سواء كان تكهنهم بصناعة أو بغير صناعة، وذوو الأمثلة السائرة التي تمنع أو تأذن في العمل، مثل ما يقال: صل رحمك، فإن صاحب الشرع عليه السلام قد قال: صلة الرحم تزيد في العمر. وأشباه هذا. فأما الشهود الموجودون فالمقبولون والمعمول بشهادتهم هم الذين امتحنهم أهل معارفهم، أعني جيرانهم أو قرابتهم أو أهل مدينتهم، فوجدوها مقيمين على الأحوال التي تقبل بها شهادتهم غير منتقلين عنها. وأما الشهود من الأسلاف فقد استقر عمرهم على القبول، فلذلك ليس يحتاجون إلى الامتحان، وأعني بالقبول إما عدالتهم إن شهدوا على أشياء ماضية، وإما صحة وجود الملكات لهم التي يخبرون بها عن الأمور المستقبلة إن كانت شهادتهم في أمور مستقبلة. ومما يشترط في قبول شهادة الشهود الحدث ألا يشاركوا المشهود له في خير يرجوه ولا شر يتوقعه، مثل أن يكونوا آباء للمشهود له أو أبناء أو قرابة. وذلك أنه إن أراد منهم أن يكذبوا، كما يقول أرسطو، ربما كذبوا. وأما الأسلاف فليس يتصور فيهم هذا إذ قد عدموا. والشهود الحدث إنما تقبل شهادتهم إذا شهدوا أن الأمر كان أو لم يكن، وليس تقبل شهادتهم على أن الأمر عدل أو جور. وأما الأسلاف فإنه تقبل في ذلك شهادتهم، إما لأنهم لا يتهمون، لأنهم ليسوا مشاركين للشهود له؛ وإما لأن قولهم يحمل على أن الحاكم كان كذلك في الزمان السالف. والتصديقات قد تقع من قبل الشهادات، وقد تقع من قبل قرائن الأحوال المشاكلة، فتقوم مقام الشهادات والحكم بقرائن الأحوال المشاكلة هو من فعل ذوي الفطانة والحذق من الحكام. ولذلك ينبغي للحاكم ألا يغلط في المشاكلات المموهة كما لا يغلط الصيرفي في الفضة المغشوشة.وإذا كانت هذه الأحوال قد توقف الحاكم على الأمر الصادق نفسه، مع كون الشهادة الكاذبة مضادة لها، فهي أحرى أن توقف عليه حيث لا تكون هنالك شهادة، أو حيث تكون الشهادة موافقة لها ولذلك كانت هذه الأحوال تقوم عند الحكام مقام الشهود. فإنه لا خلاف بين أن يحكم بالشهود أو يحكم بهذه الأحوال المشاكلة التي تقترن بالمتكلمين. وهذه الأحوال هي غير الضمائر، ولذلك عدت مع الشهادات.

(1/51)


والشهادات: منها ما هي في الأمر المتنازع فيه، ومنها ما هي في الشهود، ومنها ما هي في المتخاصمين. والشهادة على الشهود: منها ما هي في تقويتهم، ومنها ما هي في توهينهم. وأما الشهادة على المتخاصمين فهي بتعديل أحدهما وتجريح الآخر. والشهادة على الشهود تكون إما أنه صديق أو عدو، وإما أنه وسط بين المدعى والمدعى عليه، وهو ألا يكون صديقا لأحدهما ولا عدوا للآخر. وهنا فصول أخر في الشهود سوى هذه الفصول سيقال فيها حيث يقال في المواضع العامة التي تعمل منها الضمائر وذلك في المقالة الثانية من هذا الكتاب.
فهذا جملة ما قاله في الشهادات.
القول في العقود
والعقود هي الشرائط التي يتفق عليها بعض الناس مع بعض. والشرائط التي يتفق عليها إنما هي نافعة في أمرين: أحدهما في تخسيس المعترف بها وذمه، إذا لم يقف عندها وهو مصدق بها، وفي مدحه إذا وفي بها. والمنفعة الثانية في تصديق المدعى وتكذيب المدعى عليه إذا أنكرها. وليس في هذا الموضع فرق بينها وبين الشهود، وذلك أن الشروط إذا كانت مكتوبة أو شهد عليها الشهود قامت مقام الشهود في تبيين الأمر الذي فيه الخصومة وتبيين حال الذين يتخاصمون، أعني كيف أحوالهم في الفضيلة والرذيلة. وذلك أن التزام الشرط يدل على الفضيلة، ومخالفته تدل على الرذيلة. وإذا اعترف الخصم بالشرط وادعى أنه لا يلزمه، فقد يحتاج المتكلم أن يقنع في وجوب لزوم الشرط بأن يقول: الشرط سنة خاصية وجزئية فيجب الوقوف عنده على الجهة التي يجب الوقوف عند السنن. وإذا كانت السنة مخالفة للشرط، قال: إن السنة ليس تحكم على الشرط ولا ترأسه، لأن السنة تقتضي مصلحة عامة والشرط مصلحة خاصة، والخاص يحكم على العام؛ فإذن الشرط هو الذي يرأس السنة، لا السنة ترأس الشرط. وإن لم تكن مخالفة له، أعني للشرط، قال: إن الشرط نوع من السنة، إن كانت السنة موضوعة عندهم بالاصطلاح، أو أن السنة توجب الوقوف عند الشرط، إن كانت السنة عندهم بوحي من الله.
وموضع آخر: وهو أن يقول إن الشروط هي التي تقتضي المصالح الخاصة بحسب شخص شخص ووقت وقت. فإن لم يوقف عند الشرائط، بطلت المصالح. وإن الشرط هو الذي يلتزمه الإنسان باختياره وعن رويته. وما هو بهذه الصفة فلا يعذر في ألا يقف عنده. إلى غير ذلك من المواضع التي تشبه هذه مما يطول الكلام بذكرها إن ريم استقصاؤها في هذا الموضع.
فهذا ما قاله في الأشياء التي تثبت بها الشروط. وأما الأشياء التي تزيف منها الشروط إذا رأى المتكلم أن الأصوب والأصلح تزييف الشروط فهي: السنن المكتوبة والسنن العامة؛ مثل أن يقول: إن السنن المكتوبة أشد مشاكلة ومناسبة للمصالح، لأن السنة المكتوبة مشتركة، والمشتركة أعم صلاحا من الخاصة التي هي الشرط. والصلاح العام أهم من الصلاح الخاص.
وموضع آخر وهو أن الشروط يمكن أن يلتزمها الإنسان لمكان مخالطة وخديعة تجرى عليه، وما توجبه السنن ليس يمكن فيه الخديعة، فالسنن أولى من الشروط.
وموضع آخر: وهو أن يقول إن الحاكم هو الفاحص عن العدل والكاشف عنه، أعني العدل الذي يكون بحسب المدينة، ولذلك يجب عليه أن يفحص عن العدل الذي اشترطاه في أنفسهما، أعني المتعاقدين. فإن كان عدلا في المدينة، تركهما على الشرط. وإن كان غير عدل أبطل الشرط.
وأيضا فإشن السنن لا توضع عن قسر ولا عن غلط؛ والشروط قد يمكن ذلك فيها. وبالجملة فينبغي أن نتبع أضداد الشرط في السنن، فإن لم نلفه في السنة المكتوبة، فربما ألفناه في السنة العامة، فزيفناه بذلك. وإن ألفيناه في المكتوبة احتججنا في إبطاله بها سواء كانت السنة سنة تلك المدينة أو سنة لمدينة ترأس تلك المدينة.
ومما يبطل العقود أن تكون هنالك عقود مضادة إما متقدمة عليها وإما متأخرة عنها. والأواخر أبدا في الأكثر تقضي على الأوائل. وقد تقضي المتقدمة على المتأخرة، إذا كانت المتقدمة صحيحة، والمتأخرة مغلطة خادعة.
وأيضا فينبغي للذي يزيف الشرط أن يتأمل ألفاظه، فإن كان فيها ما يمكن تحريفه، حرفه وأخرجه عن المفهوم الذي يقتضي علة الحاكم. وهذا إنما يمكن أن يفعله من كان له بصر بالألفاظ المشتركة والمعاني المتشابهة.
فهذا آخر ما قاله في العقود.

(1/52)


القول في العذاب
قال: وأما التقرير بالعذاب فإنها شهادة ما لقول المعذب، وفيه له تصديق ما، لأنه يخاف إن كذب أن تعاد عليه العقوبة، ولما تخيل أيضا أن في الصدق النجاة من الشر الواقع به، إلا أنه صدق مكره عليه. ولذلك ( لا) يعسر إدراك الأشياء التي بها يمكن أن يثبت الإقرار الذي يكون تحت العذاب إذا كان موافقا للمتكلم، وأن يزيف إذا كان موافقا للخصم. إلا أن تزييفه ونقضه هو حق في نفسه. فإن المعذبين لمكان الإكراه ليس يكون اعترافهم بالكاذب أقل من اعترافهم بالصادق، بل قد يعترفون بالذي يطلب منهم لمكان النجاة من العذاب وإن كان كاذبا. وأيضا فإنهم إذا صبروا على العذاب ولم يقولوا الحق فقد يبادرون إلى الكاذب ليظن به أنه هو الصادق، ليستريحوا من العذاب بذلك سريعا. ولذلك ما ينبغي للحكام أن لا يستعملوا هذا النوع من الاستدلال بل يعودون فيستعملون الدلالات الأخر. فإن كثيرا من الناس لصحة أبدانهم وعزة نفوسهم يصبرون على الأذى صبرا شديدا فلا يعترفون بالصادق. وأما الجبناء وأهل الضعف فقد يقرون على أنفسهم بالكاذب قبل أن يروا الشدائد. ولذلك ليس في العذاب شيء يوثق به. ولمكان هذا درأ الشرع عندنا الحدود التي تتعلق بالإقرارات التي تحت الإكراه.
القول في الأيمان
قال: وأما الأيمان فإنها تستعمل لمكان أربعة أشياء، وذلك أن الحالف إما أن يحلف ليعطى شيئا ويأخذ شيئا، مثل ما يكون في البيوع. وأما ألا يعطى شيئا ولا يأخذ شيئا. وإما أن يعطى ولا يأخذ. وإما أن يأخذ ولا يعطى. وحلف الإنسان ليعطى إنما يكون لأشياء أخر ضارة به، أعني إن أمسك ولم يعط. واليمين إما أن تكون من المدعى أو المدعى عليه. وليس في اليمين شيء من التصديق، إذا علم أن الحالف رجل فاجر. وإذا لزمت اليمين أحد الخصمين فنكل، فقد لزمته الحجة. لأن المطالبة باليمين تحد على الصدق. وإذا عجز المتحدى، فقد لزمته الحجة.
قال: ولما كان المطالب باليمين مترددا بين مكروهين أحدهما مما يناله من قبل اليمين - إذا حلف كاذبا - وهو الاستهانة بالله و حرماته؛ والثاني المكروه الذي يناله من الأخذ منه أو الإعطاء، فهو أبدا إنما يفعل أقل المكروهين ضررا عنده. فلذلك قد يصدق بعض الناس إذا حلف، ويكذب بعضهم. وهذا أحد ما يزيف به الاحتجاج بالأيمان.
قال: وقد يصدق الرجل الفاضل ويرى أنه لمحق، وإن لم يحلف. لكن تصديقه ليس هو لمكان أنه لم يحلف، ولكن لمكان فضيلته، ومن أجل أنه ليس ممن يحنث ولا يفجر بغير يمين، فضلا مع اليمين.
قال: وأما التحدي باليمين فإنه كثيرا ما يكون من الرجل الفاسق نحو الثقة الأمين، لأن تحرج الثقة عن اليمين مما يوقع التصديق بقول الفاسق.
قال: وهذا هو مثل أن يغلب المتهور المتوقي أو يدعوه إلى أن يغلبه ويتحداه بذلك. فإن المتوقي يتجنبه.
قال: ولكن ليس للثقة الأمين، وإن كان الأمر هكذا، أن يأخذ بغير يمين، إذا كان خصمه ليس يراه ثقة، بل ليس يأخذ إلا أن يحلف.
قال: وبذلك كان يحكم فلان لرجل مشهور في الحكام عندهم. وكذلك هي السنة عندنا قال: والثقة الأمين، إذا اشتد عليه إتيان اليمين عند الدعوى عليه، فإن أحب أن يعطى ويكرم الله ولا يحلف، فقد يجب له ألا ينكر الدعوى الكاذبة عندما يعطى ما طولب به. فإنه إن أنكر وأعطى، أوهم أن المدعى محق وأنه إنما أعطى لمكان اليمين الفاجرة التي لزمته، ولذلك ليس ينبغي أن يلجئ نفسه إلى أن يطالب باليمين، لأنه إذا طولب باليمين فلم يحلف ظن به الكذب.

(1/53)


قال: وهو معلوم عند الحكومة في المشاجرة الخاصة والعامة كيف يعتذر المرء إذا خالف يمينه أو يعتذر عنه، وكيف يؤنب مخالف اليمين ويعذل. وذلك أن الأشياء التي يخالف فيها اليمين هي تلك الأشياء الأربعة التي يحلف عليها، وهي التي يهواها إنسان إنسان من الناس، وذلك إما أن يأخذ ويعطى، وإما ألا يأخذ ولا يعطى، وإما أن يعطى ولا يأخذ، وإما أن يأخذ ولا يعطى. فإذا حلف المرء على واحد من هذه الأربعة، فلا يخلو أن يكون القول الذي يستعمله في تثبيت ذلك الشيء إما موافقا لما حلف عليه وإما مخالفا، وذلك يكون إذا جحد اليمين.
فإن كان مخالفا، فإن أحد ما يؤنب به المخالف لليمين أن يقال: إن اليمين هي شريعة من الشرائع، فمتى خالفها المرء طوعا وجحدها، فقد ظلم؛ لأن الظلم هو مخالفة للشريعة طوعا.
وأما المعتذر عن مخالفة اليمين فقد يعتذر أن يمينه كانت بإكراه أو بغلط أو بغفلة، وأنه إذ حلف لم ينو ذلك الشيء الذي خالفه، وإنما نوى غيره، وأن الذي حمله على اليمين هو اللجاج ومخالفة الخصم وضيق الصدر والحرج، وبالجملة التهيؤ الموجود فيه لسبوق اليمين وبدورها والمسارعة إليها وإلى الإنكار والجحود.
ومما يستعمل في التثبيت على السنن والأيمان والتمسك بها أن يقال: إنه قد يجب عليكم أن تثبتوا على أيمانكم ولا تخالفوها، فإن اليمين هو حكم شرعي ألزمه المرء نفسه طوعا وعن علم، فقد يجب عليه ألا يخالفه. وأما أولئك الذين يحلفون لمكان الخديعة أو الغفلة أو التهيؤ للجحود والمسارعة إلى اليمين فلا يثبتون على أيمانهم إلى غير ذلك من أشياء تشبه هذا القول مما تعظم به اليمين وتفخم.
فهذا هو القول في التصديقات التي تكون بلا قياس، وجهات استعمالها في هذه الصناعة.
وهنا انقضت المعاني التي تضمنتها هذه المقالة التي هي الأولى.
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله
المقالة الثانية
من الخطابة
قال: أما من أي أصناف الأقاويل يكون الإذن والمنع والمدح والذم والشكاية والإعتذار وأي المقدمات والقضايا هي التي تؤخذ أجزاء هذه الأقاويل التي تفعل التصديق في هذه الثلاثة فقد قيل فيها في المقالة الأولى. فإن المخاطبات في الأمور الجزئية إنما تكون من أجل هذه الأغراض الستة التي ذكرناها وبالأقيسة والمقدمات التي عددناها فيما سلف.
ومن أجل أن الخطابة لا بد فيها من حاكم يرجح أحد قولي المتخاطبين، إذ كانت الأقاويل المستعملة فيها غير يقينية، ولذلك احتيج إلى الحكام في المشوريات أكثر ذلك، إذ كانت أمورا ممكنة، وكذلك يحتاج إليهم في التشاجر والمدح والذم، فقد ينبغي أن ننظر هاهنا ليس في الأقاويل المثبتة والمبطلة، بل وفي بيان الأقاويل التي تفيد الحاكم الانفعالات التي تصيره إلى الميل في الأحكام.فإنه قد يختلف تصديق الحاكم بكلام المتكلم، وتصديق المتكلم بحكم الحاكم إذا عرف المتكلم أي امرئ هو الحاكم في صداقته له أو عداوته، وعرف الحاكم أي امرئ هو المتكلم في فضيلته ومعرفته. أما معرفة الحاكم بالمتكلم فغناء ذلك في الأكثر إنما هو في الأمور المشورية. وأما معرفة المتكلم بحال الحاكم فالانتفاع بذلك إنما يكون أكثر ذلك في الخصومات. وذلك أنه ليست أحكام الحكام على من أحبوه أو قلوه حكما واحدا، ولا من كانوا عليه غضابا أو غير غضاب أو خائفين منه أو غير خائفين منه، بل توجد أحكام الحكام تختلف بحسب هذا اختلافا كثيرا في القدر والمبلغ. فإذا حكموا على من يحبون، فإما ألا يخسروه شيئا وإما أن يخسروه اليسير. وأما حكمهم لمن يبغضون فخلاف ذلك. وكذلك فرق بين أن يحكم الحاكم وهو منشرح الصدر للمتكلم حسن الظن به وبين أن يحكم وهو ضيق الصدر مكترث به.

(1/54)


قال: والمتكلمون يكونون مصدقين في أقاويلهم أكثر ذلك لعلل ثلاث؛ لأنه قد يصدق المرء بهذه الثلاث دون قول مثبت. وهذه الثلاث هي: المعرفة والفضيلة والإلف، أعني أن لا يكون مستوحشا من الذي يشير عليه إما لمكان جهله به أو مباينته له في الجنس أو المكان أو اللسان. والمشيرون يصيرون غير مصدقين ومكذبين إما من أجل عدم هذه الأحوال الثلاثة فيهم أو عدم بعضها، لأنهم إما أن يكونوا لا يشيرون برأي صواب لمكان جهلهم وخطائهم، أعني أنهم يشيرون بما لا ينتفع به لضعف رأيهم. وإما أن يكونوا عارفين، لكنهم يمنعهم من الإشارة بالصواب الخبث والشرارة. وإما أن يكونوا عارفين ذوي فضائل، لكن يكونون مستوحشين من الذين يشيرون عليهم. وذلك أنهم إذا كانوا بهذه الصفة، أمكنهم أن يعرفوا الأمر الأفضل فلا يشيرون به. وهو بين أنه ليس سوى هذه الخلال الثلاث خلة إذا وجدت للمتكلم أمكن أن يكون بها مصدقا عند السامعين. فأما من أين يعرف المرء أن المتكلم بهذه الحال أو يثبت أنه على هذه الحال عند من لا يعرف ذلك فمن الأشياء التي ذكرت في باب المديح، أعني أنه ذو معرفة وفضيلة.
وأما أنه متأنس وصديق فإن القول فيها هو جزء من القول في المقدمات التي يثبت بها الانفعالات التي تختلف أحكام الحكام بسببها وهي التي تلزمها إما اللذة وإما الأذى، مثل الغضب والرحمة والخوف وأضداد هذه وما أشبه ذلك.
قال: وقد ينبغي أن نقول فيها هاهنا وذلك يكون بان ننظر من كل واحد من هذه الانفعالات في ثلاثة أشياء، أعني في الأشياء الفاعلة لذلك الانفعال، وفي الناس المستعدين لذلك الانفعال، وعلى من يقع ذلك الانفعال غالبا. ومثال ذلك: إذا نظرنا في الغضب، أن نقول: بأية حالة يكون المرء غضوبا، وما الأشياء الفاعلة للغضب، ومن القوم الذي يغضب عليهم بالطبع. فإن الغضب إنما يوجد ولا باجتماع هذه الثلاث. وإذا وجد بعضها ولم يوجد بعض، فليس يوجد الغضب ولا بد. وبالجملة فيفعل في هذا الجنس مثل ما فعل في الأبواب المتقدمة، أعني في باب الخصومات، وفي باب المشورة، حيث حددنا الأشياء التي يقصد تثبيتها، ثم الأشياء التي بها يلتئم وجودها، أعني النافع أو الضار أو العدل أو الجور. والاثنان من هذه الثلاثة هي التي تأتلف منها المقدمات التي إذا خوطب بها الإنسان حركته إلى ذلك الانفعال، أعني الفاعلة له وبمن يقع ذلك الانفعال. وأما الذين هم معدون لذلك الانفعال، فإنما يوجد من أحوالهم التي هم بها معدون أنهم قد انفعلوا لا أن تحركوا بذلك إلى ذلك الانفعال. ومثال ذلك أن المرء إنما يحركه إلى الغضب إذا وصفت له حضور الأشياء الفاعلة للغضب والمرء الذي يجب أن يغضب عليه. فأما الأحوال التي بها يكون المرء معدا لأن يغضب، فإنما يثبت بها أنه قد غضب. لكن معرفة هذه الأحوال نافعة لمن يريد أن يغضب، لأنه يعرف الوقت الذي يكون فيه المرء مستعدا لقبول القول الذي يحركه لذلك الانفعال.
قال: والغضب هو حزن أو أثر نفساني يكون عنه شوق من النفس إلى عقوبة ترى واجبة بالمغضوب عليه من أجل احتقار منه بالمرء الغاضب أو بمن هو بسببه ومتصل به.
والاحتقار هو الذي يسميه أرسطو صغر النفس لأن نفس المحتقر به كأنها تصغر بالأشياء الصغيرة التي يتوهم فيها.
وإذا كان هذا هو حد الغضب، فالغضب إنما يكون من إنسان مشار إليه أو ناس مشارين إليهم على إنسان مشار إليه أو ناس مشارين إليهم لا على الإنسان الكلي وذلك لشيء فعله المغضوب عليه بالغاضب أو بأحد ممن هو بسببه.
وكل غضب فيلزمه أبدا شيء من اللذة من قبل أن الغاضب يؤمل أن ينتقم من المغضوب عليه. وإذا أمل التذ، لأن هذا الأمل هو الظن بأنه سيظفر من المغضوب عليه بما هو كالممتنع على غير، وهو العقوبة التي تتوق نفسه إليها. ولذلك قد يشرف الغاضب في نفسه بما يتخيل فيها من القدرة على العقوبة، ولذلك ليس يغضب على من هو فوق رتبته جدا ولا على من هو دونه جدا.

(1/55)


قال: وما أحسن ما قال الشعراء في الغضب: إن الذي يعتلج منه في النفس شيء أحلى من العسل والشهد، وإن الذي يغشى الفكر منه هو شيء شبيه بالدخان. ولذلك لا يعقل الغضبان ولا يفهم. وإنما قيل فيه: إنه أحلى من العسل، لمكان اللذة التي تكون فيه عن تخيل الانتقام لأن تخيل الشيء المتشوق وتردده في النفس لذيذ، إذا لم يكن هنالك فكر يفهم معه شيء مكروه مقترن بالمتشوق، ولا شيء يعوق، ولكن يقوى حصول إمكانه، كالحال في الخيالات التي يلتذ بها في النوم.
قال: والاحتقار بالشيء والتهاون به يكون من قبل أن الشيء لا قدر له ولا يستحق أنيعتنى به، أعني أن يقتنى إن كان خيرا أو يحتال في دفعه إن كان شرا. ولذلك كانت الخيارات والشرور جميعا يظن بها أنها مستوجبات للعناية بها. وكذلك الأمور اللازمة للخير والشر مثل الخوف للشر والتأميل للخير هي أيضا معتنى بها. وإنما يرى الناس أنه لا يستحق شيئا من العناية ما ظن به أنه ليس فيه خير يرتجى ولا شر يتقى؛ وإن كان، فنزر قليل جدا.
وأنواع الاحتقار، وهو الذي يسميه أرسطو صغر النفس، ثلاثة: الإهانة، والسخرية والطنز، والشتيمة.
فإن الذي يهان، وهو الذي يفعل به ضد أفعال الكرامة، محتقر. وإنما يتهاون المرء بالذي يرى أنه ليس أهلا لشيء. وكذلك الذي يطنز به هو محتقر أيضا، إذا كان الطنز بالشيء يعوق عن تشوقه وإرادته.
والطنز الذي بهذه الصفة هو الطنز الذي ليس يقصد به فاعله شيئا يستفيده سوى مضرة المطنوز به. وذلك أنه لما كان المطنوز به محتقرا، فهو بين أنه لا يخاف منه ضررا. ولو ظن ذلك، لخاف فلم يحتقره. وأما الذين يطنزون لينالوا بالطنز منفعة ما، فأولئك إنما ينبغي أن يسموا مستعطفين ومحتالين، مثل أهل الدعابة الذين يتخذهم الملوك، وليس يدخلون في ذلك الجنس، وإنما يدخلون في جنس المحتالين.
وكذلك الشتيمة هي احتقار للمشتوم والشتيمة التي بهذه الصفة هي التزييف والبهرجة التي يقصد بها أذى المشتوم بالشيء الذي إذا صرح به خزي به المشتوم. وليس تكون الشتيمة التي بهذه الصفة إلا إذا كان الذي شتم به قد وجد للمشتوم فيما سلف لا فيما يستقبل، وأن يكون شتما قبيحا يخزى منه المشتوم، وأن يكون ليس يقصد به أن يحصل منه للمشتوم منفعة ما، مثل الشتم الذي يقصد به الأدب، فإن هذا ليس هو احتقارا، وإنما هو معاقبة. وإنما كان الشتم ملذا، لأن الشاتمين يظنون بأنفسهم أنهم أفضل من المشتومين. ولذلك ما يوجد الأغنياء والأحداث شتامين وفحاشين، لأنهم يظنون بأنفسهم الفضيلة على غيرهم. وهذا من فعل الشاتمين بين. فإن الشتيمة احتقار. وإنما يحتقر من ليس أهلا لشيء، وهو الذي ليس له شيء من الكرامة، لا من أجل خير يرجى منه، ولا من أجل شر يتوقى منه.
قال: والذين يظنون أن لهم حقا واجبا على كثير من الناس في الحسب والقوة والفضيلة، وبالجملة: في كل ما يفضل به إنسان إنسانا، مثل فضل الغنى على الفقير، والبليغ على العي، وذي الرياسة على المرؤوس، أو الذي يرى نفسه مستعدا للرياسة وإن لم يكن رئيسا، جميع هؤلاء معدون لأن يغضبوا على الناس من أدنى شيء يتخيلونه فيهم من الاحتقار. ولذلك قيل إن شدة الاستشاطة والغضب توجد في أبناء الملوك ومن يتصل بهم الذين نشأوا في الترفه ولم يلقوا قط إلا بما يسرهم من إكرام الناس لهم والمعاملة الجميلة. ويوجد في هذا الصنف مع شدة الاستشاطة أشياء تلزم شدة الاستشاطة مثل فرط الانتقام وألا يقنعوا من الجاني عليهم بالشيء اليسير إلا بالعقوبة العظيمة. وذلك أنهم يمتعضون لعظم شأنهم في أنفسهم.
ومن الأحوال التي إذا كانت في الإنسان صار بها معدا لأن يغضب عليه أن يكون ذلك الإنسان ممن يتوقع منه الإحسان بعادة فلا يفعل ذلك إما بالإنسان الذي عوده ذلك أو بمن يتصل به. وذلك إذا علم ذلك الإنسان إن تركه ذلك كان بهوى منه، أو علم أنه يهوى أن يترك ذلك وإن لم يترك. وقد يعد ترك الإحسان المعتاد في فاعلات الغضب. وإذا كان هذا هكذا، ففاعل الغضب بالجملة إنما هو الاحتقار أو ما يظن أنه احتقار.

(1/56)


والناس المستعدون للغضب هم الذين توجد فيهم أحوال تخيل فيهم في أكثر ما يرد عليهم أنه احتقار. والمستعدون لأن يغضب عليهم هم الذين يخيل فيهم إلى الغير أن أكثر الأفعال التي تصدر منهم هي احتقار.
وإذ قد تبين بالجملة من أجل أي شيء يكون الغضب ومن الذين هم غضوبون ومن الذين يغضب عليهم، فقد يجب أن نعدد هاهنا هذه الأحوال. فمن الأحوال التي بها يكون المرء غضوبا أن يكون الإنسان يتشوق إلى شيء ويكون تشوقه إليه مع غم وأذى فإن هؤلاء يسرع إليهم الغضب، فعل بأحدهم شيء موجب للغضب أو لم يفعل، لأنه لضيق صدره يظن أنه فعل به ذلك. ومن هؤلاء الذين لهم أشياء تؤذيهم، فهم يشتاقون إلى زوال ذلك المؤذي. فإن هؤلاء يغضبون على كل شيء ومن كل شيء، مثال الذين يمسهم فقر أو مرض. فإن هؤلاء يشتهون الصحة والأشياء المستعملة في الصحة والثروة والأشياء المدركة بالثروة. ولذلك ليس يقال لما يتردد في نفوس هؤلاء من هذه الشهوة أضنه سبب لأن يقال فيهم إنهم شهوانيون، بل ذلك سبب لأن يقال فيهم إنهم ضجرون. وأكثر ما يغضب هؤلاء على الذين يحتقرون الأمر الواقع بهم، مثل الذين يتهاونون بالوجع الذي يصيب العليل في حال إصابته إياه. وكذلك الذين يتهاونون بالحاجة الماسة التي أصابت إنسانا ما في حال فقره. ومثل من يتهاون بالجور الواقع على إنسان ما. ومن هذا الجنس من يتهاون بصديق المرء. وبالجملة فكل من يتهاون بما يؤذي الإنسان ويحزنه أو بما يلذه ويسره. والإنسان الذي أخفق أمله يسرع إليه الغضب، لأنه قد ظن ظنا ما فأخفق ظنه.
قال: وقد تبين من هذه الأشياء في أي أحوال من أحوال الإنسان وعوارض من عوارض نفسه، وفي أي سن، وخلق يكون أشد استعدادا للغضب، وعلى من يغضبون، وبمن يهزأون ومن يعيرون إذا كانوا في شيء شيء من هذه الأمور.
أما في الأحوال فمثل غضب أولي الرياسة على من لا رياسة له.
وأما في العوارض فمثل غضب المغتمين على المسرورين.
وأما في الخلق فمثل غضب الشجعان على الجبناء.
وأما في السن فمثل غضب المشايخ على الشباب.
قال: وإنما يشتم ويستهان بالذين تكون حالهم في أفعالهم وأقوالهم وحالاتهم حال من لا ينتفع بشيء من تلك الأفعال والأقوال والأحوال، أو يظن بهم ذلك. فإنه إذا اعتبر أمر الشتيمة والاحتقار وجدت لا تتعدى هذا الصنف. ولذلك قد يظن أن ما يقع من الاستهانة والاستخفاف بالفضلاء والحكماء أنه أمر واجب. لأن الجمهور يرون أنهم لا ينتفعون من أحوالهم بشيء، وكذلك سائر الفضائل التي هي غير نافعة، وخاصة ما كان منها إنما يحصل بعد تعب عظيم ويحفظ بعد حصوله بتعب عظيم أيضا. وذلك أن الجمهور لما كانوا يعتقدون في أمثال هؤلاء أنه ليس لهم منفعة في ما يقتنون من ذلك ولا شيء فيه قوة منفعة كان أحرى أن يظنوا أنه ليس ينتفعون منهم بتلك الأشياء. لأنهم إذا لم ينفعوا أنفسهم، فأحرى ألا ينفعوا غيرهم. وإذا رأى الجمهور في كثير من هذه الأشياء أن لهم فيها منفعة، وإن كان لا ينتفع بها أهلها، أعني الذي يقتنونها، ربما استعطفوهم واسترحموهم بعد التغيير، وذلك في وقت حاجتهم إليه، واعتذروا إليهم مما سلف. وهذا من فعلهم إنما ينتفعون به معهم إذا كان التغيير المتقدم لهم غير مفرط ولا خارج عن العادة. لأنه إذا كان مفرطا ظن بهم أنهم يستهزئون بهم في حال الاستعطاف والتودد.
قال: والذين يحسنون، ثم يقطعون إحسانهم؛ والذين لا يكافئون المرء على فعله بما يجب لذلك الفعل، أو يفعلون معه ضد فعله؛ والذين يرون المحسنين إليهم بحال خسيسة، وذلك بأن يرى الذي أحسن إليه أن ذلك الإحسان خسيس أو أن قدره فوق ذلك؛ فإن هؤلاء يغضب عليهم. وهذه الأفعال كلها هي من فاعلات الغضب، لأنه يظن بهم أنهم متهاونون.
قال: وهاهنا قوم يغضبون من التهاون الواقع بأمور خسيسة لهم أو بالتي هي أخس من الخسيسة وهي التي ليس يرى لها أحد قدرا في شيء ولا يمكن فيها كلام تعظم به أصلا ولا يطالب أحد بتعظيمها. وليس يجب أن يكون الأمر كذلك، أعني أن يغضب المرء على من يحتقر منه الأمور اليسيرة، بل إنما يجب أن يقع الغضب على من احتقر من المرء أمورا لها قدر.

(1/57)


قال: والأصدقاء قد يغضب عليهم إذا لم يقولوا في أصدقائهم قولا جميلا عندما ينالهم مكروه، أو يمتعضون إذا ذكروا بسوء. وأكثر من ذلك إذا لم يحسنوا إليهم إذا مستهم حاجة أو لم يألموا بما نزل بهم من المكروه، ولذلك قيل:
يواسيك أو يسليك أو يتفجع.
وإنما يغضب على هؤلاء عدم الارتماض بالمكروه الذي وقع بهم يدل على الاستهانة بهم. وذلك أن من المعلوم أن الإنسان يغضب إذا أوذي من يعتني به، وكذلك يغضب على الصديق الذي يتهم صديقه ويسيء الظن به، وعلى الذي يتهاون بما بلغه عنه من قول، لأنهم في هذه الأحوال يشبهون الأعداء. وذلك أن الأعداء هم الذين لا يمتعضون للمكروه الذي ينزل بعدوهم ولا يسوءهم الشر النازل بهم. وأما الأصدقاء فيمضهم السوء النازل بإخوانهم ويتفجعون لذلك ويجزعون.
قال: وقد يغضب على الذين يتهاونون بأمور خارجة عن الإنسان، وتلك هي خمسة أصناف: أحدها الذين يتهاونون بالذي تكرمه أنت، فإنك تغضب عليهم. والثاني أن يتهاون بالذي هو عندك متعجب منه ولا يتعجب منه. والثالث ألا يتعجب مما تحب أنت أن يكون متعجبا منه، وإن لم يكن كذلك. والرابع أن يتهاون بالناس الذين تتعجب منهم أو الذين يتعجبون منك. والخامس ألا يستحي المرء من الأشياء التي تستحي منها وتحتقرها.
قال: وإنما يشتد الغضب على الذين يتهاونون بهذه الأصناف الخمسة، لأن الناس يرون فيهم أنهم لا يعاونونهم على فعل الجميل ولا يؤازرونهم، فيغضبون عليهم. وهذا الغضب مثل غضب الآباء على الأبناء، أعني أنه إنما يغضبون من جهة أنهم غير معاونين لهم على فعل الجميل. وقد يكون الغضب على الذين يظن بهم أنهم يتهاونون بواحد من هذه الأصناف الخمسة، وإن لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة، وذلك يعرض كثيرا للنساء ذوات الرياسات مع الذين يرأسن عليهم لضعف تدبيرهن.
قال: ومما يفعل الغضب أيضا النسيان للأشياء المهمة عندك حفظها، كما يعرض كثيرا للمرء أن يغضب على من ينسى اسمه، ومثل ما يعرض من نسيان الأمور الهينة الحفظ التي تهم. وإنما كان النسيان مغضبا لأنه يرى أن سببه هو التهاون بالشيء المنسي. والذين يبتدئون بالإحسان فلا يكافأون، قد يغضبون أيضا على الذين لا يكافئونهم بالواجب. فإن النقصان من الواجب إنما يحمل عليه التهاون. والذين يهزلون في الشيء الذي تجد فيه أنت تغضب عليهم. وإذا كان بعض من تعرفه من الناس يحسن إلى غيرك ولا يحسن إليك، فإنك تغضب عليه.
فقد تبين من هذا القول من الناس المعدون لأن يغضبوا ولأن يغضب عليهم، وما الأشياء الفاعلة للغضب، وهي الأشياء التي إذا وجدت للمرء أثبت بها أن المرء قد غضب. ومن هذه الأشياء الثلاثة بعينها تؤخذ مسكنات الغضب أو فاعلات الغضب. فإن أضداد الأشياء الفاعلة للغضب إذا أثبتت لشخص ما إما أن يسكن عنه الغضب وإما أن توجب الرضى عنه. وكذلك إذا وجدت للمرء أضداد الأحوال التي يكون بها معدا لأن يغضب عليه بها، سهل سكون الغضب عنه أو وجود الرضى عنه. وكذلك إذا وجدت للمرء أضداد الأحوال التي بها يكون غضوبا سهل قبوله للرضى أو لسكون الغضب عنه. فإن الغضب له ضدان: أحدهما عدمه، والآخر ضده وهو الرضى. ولكن أرسطو في هذا الموضع مع تعريفه بهذا يأتي بالأشياء المسكنة للغضب على جهة الارتياض.
القول في المسكنات للغضب
قال: ومن أجل أن ضد الغضب هو سكون الغضب، فقد ينبغي أن ننظر من أمر سكون الغضب في أضداد تلك الأشياء الثلاثة التي ذكرناها، أعني بأية حال يكون الناس الذين يسهل سكون غضبهم، وبأية حالة يكون الناس الذين يسهل سكون الغضب عليهم، وأما الأشياء المسكنة للغضب.

(1/58)


قال: والسكون هو عدم الغضب أو فتوره. وإذا كان الغضب إنما سببه التهاون الذي يكون بالمشيئة والطوع، فهو بين أن الذينلا يتهاونون - وإن تهاونوا، فبكره، أو بغير روية - أو الذين يظنون أنهم بهذه الحال، أنه لا يغضب عليهم؛ وإن غضب عليهم، فيكون عنهم سكون الغضب سريعا. وقد يكون سكون الغضب بأن يفعل بالغاضب آلام ومكاره تنسيه الاحتقار به الذي كان سبب غضبه على جهة القصد والتعمد لذلك. وهذا إنما يفعله الدهاة ذوو الشرور العظيمة. ومما يفعل السكون أن يفعل المرء بنفسه الأشياء التي ظنها الغاضب احتقارا به. فإن هذا يوهم فيه أنه ليس يرى فيها أنها احتقار، إذ كان أحد لا يرى أنه محتقر لنفسه.
قال: ومما يفعل الكون الاعتراف بالذنب أو أن يجعل على نفسه ألا يعود إليه وهو المسمى عندنا توبة، أو أن ينقلب إلى ضد الاستهانة وهو الإجلال. وإنما كان الاعتراف مسكنا للغضب لأنه يوجب العقوبة. ووجوب العقوبة مما يفتر الاهتمام بما فعل والارتماض له. وذلك بين عند مشاهدة المعاقبات المحسوسة، فإنا قد نعاقب أكثر ذلك بشدة وزيادة الذين يجحدون ويحتجون عن أنفسهم. فأما الذين يقرون ويعترفون أن العقوبة النازلة بهم عدل، فقد يفتر الغضب عن هؤلاء. وأيضا فإنه قد تكون علة الجحود للأمر الظاهر وقاحة الوجه والصلف. والوقاح مستهزيء مستهين. فإن الذين لا يستحى منهم ليس لهم قدر، فيشتد الغضب لذلك على الجاحد. وأيضا فإن الإقرار ذلة واعتراف بالنقيصة، وهذا يتنزل منزلة العقوبة الواقعة بهم. وأما الذين لا يعترفون فإنهم يرون غير خائفين ولا متذللين للغاضب عليهم. وذلك مما يخيل فيه الاستهانة بالغاضب عليهم.
قال: وقد يدل على أن الغضب يفتر عن الذين يذلون ويتواضعون ما يظهر من فعل الكلاب، وذلك أنه تكف عن الناس الجلوس والمتدين وتنهش المستعجلين. وقد تأتي مواضع ليس يظن بالجحود فيها أنه استهانة بل دعوى الحق، وذلك إذا لم يكن الذنب ظاهرا.
قال: ومن الأصناف الذين لا يغضب عليهم، أو شأن الغضب أن يفتر عنهم، الصنف من الناس الذين هم طيبو النفوس، سلسو القياد، حسنو الخلق يحتملون، وهم الذين يسميهم أرسطو مفراحين. والصنف المحتاج أيضا يقل الغضب عليه لمكان الرحمة له، إذ كانت الحاجة النازلة به بمنزلة العقوبة. والصنف من الناس الذين يستعفون من الخصومات ويتفادون من المنازعات، فإنه أيضا يسكن الغضب عنهم لمكان الذلة والتواضع الموجود فيهم. والذين لا يشتمون أحدا ولا يطنزون به ولا يحتقرونه. أو الذين إن فعلوا ذلك فعلوه في الأقل فليس يغضب عليهم. وإن غضب، فيسكن الغضب عنهم سريعا.
قال: وبالجملة فينبغي أن تؤخذ مسكنات الغضب وذلك في الأكثر من أضدادها التي عددت قبل في باب الغضب.
قال: والذين يهابون أو يستحى منهم لا يغضب عليهم ما داموا بهذه الحال، لأنه لا يمكن أن يغضب المرء على إنسان ما ويخافه معا في حال واحدة. والذين فعلوا الاحتقار والاستهانة بالمرء في حال غضبهم عليه، فإما ألا يغضب عليهم، وإما إن غضب عليهم فيسير، لأن الغاضب على إنسان ما ليس يظن به أنه يحتقره، ويغضب عليه معا. وذلك أن الاحتقار ليس فيه أذى للمحتقر سواء كانت فيه لذة أو لم تكن. وأما الغضب فهو لذة مع أذى كما تقدم في حده. والإنسان المغضوب عليه فقد يسكن الغضب عنه أن يكون يستحي مما فعل.

(1/59)


قال: والأحوال التي يكون فيها الغضب قبيحا أو غير جميل، فأما ألا يغضب فيها الإنسان من الأشياء المغضبة الواردة عليه من خارج، وإما إن غضب فيسكن غضبه سريعا، وذلك كأفعال الاحتقار التي يؤدب ويعلم بها الإنسان مثل انتهار المتعلم، ومثل أفعال الاحتقار التي يقصد بها المزح في الحالة التي يكون المقصود منها المزح، أو التي يقصد بها اللهو في الحالة أيضا التي يكون المقصود منها اللهو. والفرق بين المزح واللهو عند أرسطو أن المزاح يقصد به تطييب نفس الممزوح به، لا أن ينال بذلك المازح لذة. واللهو يقصد به أن يلتذ اللاهي لا الملهو به. ولذلك يمزح الأخيار ولا يلهون. وكذلك أيضا أفعال الاحتقار التي يقصد بها التأنيب والموعظة عند الزلات والعوارض الرديئة. ومنها أيضا سد الخلة بالشيء اليسير المحتقر، فإن المحتاج لا يغضب منه إذا كان فيه سد خلته، ولو كان نزرا محتقرا.
قال: وبالجملة فكل فعل من أفعال الاحتقار أو المحتقر إذا لم يقترن به أذى للمحتقر به ولا لذة قبيحة، أو اقترن به رجاء وأمل فليس يغضب منه. فمثال ما لا يقترن به أذى الاحتقار الذي يؤدب به. ومثال ما لا يقترن به لذة قبيحة المزاح الذي لا يخرج إلى الفحش. ومثال ما يقترن به حسن رجاء سد الخلة.
قال: وإذا طال الزمان ولم يتكرر من المغضوب عليه فعل يوجب تجدد الغضب، فقد يسكن طول الزمان الغضب.
قال: ومما يسكن الغضب العظيم الأخذ بالثأر إما أولا فمن الجاني نفسه وإما ثانيا فممن يتصل بالجاني. وربما لم يسكن الغضب أخذ الثأر من الجاني الأول حتى يأخذه ممن يتصل به، إذا لم ير الجاني الأول كفؤا له، ورأى أن من يتصل به هو كفؤ له. ولذلك ربما ترك الجاني نفسه وأخذ الثأر ممن يتصل به. وقد يسكن الغضب الانتقام من غير الظالم ومن غير من يتصل به بل ممن اتفق من الناس. وكذلك قد يسكن الغضب نزول الشرور العظيمة بالجانين، وإن لم يكن ذلك من قبل المجني عليهم، لأنهم يرون كأنهم قد أدركوا ثأرهم.
قال: والذين يعتقدون في أنفسهم أنهم ظالمون فليس يغضبون من الأفعال الواردة عليهم من المظلومين، لأنهم يرون أو تلك الأفعال هي عدل، والعدل لا يغضب منه.
قال: ولذلك ما ينبغي أن يتقدم المعاقب أولا فيبين بالقول أن المعاقب ظالم، وحينئذ يعاقب. فإنه إذا كان الأمر كذلك، لم يلحقه أذى من المعاقب.
وقد ينفق في أفراد من الناس وهم الشرار والعبيد العتاة أن يعلموا أنهم ظالمون، ولكن مع ذلك يغضبون ويتذمرون، وإن كانت العقوبة التي نالتهم بعدل، لأن هؤلاء لا يرون أن ينالهم أذى.
والذين لا يشعرون بالاحتقار والضيم النازل بهم لا يغضبون أيضا. وهذا قد يعرض من قبل الجهل، وقد يعرض من قبل كبر النفس لأنهم يرون أن الأفعال التي يضامون بها ويحقرون ليس هي مما يوجب لهم تحقيرا. ولذلك قد يختبر كبار النفوس بأن يسلب عنهم كثير من أفعال الفضائل التي تنسب إليهم ليرى كيف تأثرهم عن ذلك، فإنه كلما كان الفعل المسلوب عنه أكبر ولم يغضب منه، كان أدل على كبر نفسه.
قال: ولموضع هذا لما أراد فلان أن يختبر كبر نفس فلان لرجل معروف عندهم بكبر النفس، قال له إنك لست معدودا في فتاحي المدائن، ليعلم هل يغضب من ذلك أم لا. وبالجملة فكل من لا يتأذى بالاحتقار إما من قبل صغر قدر المحتقر وإما من قبل كبر قدر المحتقر به. والمستضام فإنه لا يغضب، لأن الغضب قد قيل في حده إنه أذى مع شوق إلى الانتقام. والهالكون لا يغضب عليهم لأنهم قد صاروا إلى شر أعظم من الشر المؤمل فيهم.
قال: ولذلك ما استعمل أوميروش هذا المعنى في تسكين غضب فلان على فلان لناس مشهورين عندهم بأن قال في المغضوب عليه: إنه الآن معانق للأرض البكماء التي لا يفارقها أبدا. وإنما كان الأمر هكذا لأن الذي تنزل به مصيبة الموت يرثى له، إذ كانت أعظم المصائب. ولهذا الذي قاله ينبغي أن يعتقد أن الناس الذين لا يكفون عن الأموات، إذا لم يكن من يتصل بهم ممن يغضب عليه أو ينافس في دنيا، أنهم من شر الناس.
قال: فقد تبين أن الذين يريدون أن يسكنوا الغضب أو يفتروه أن من هذه المواضع ينبغي أن يأخذوا المقدمات المسكنة له، أعني جزئيات هذه المواضع.

(1/60)


والغضب بالجملة يفتر ويسكن عن ستة أصناف من الناس كما قيل: أحدها الصنف المخوفون، والصنف الثاني المستحى منهم، والصنف الثالث المفراحون من الناس، والرابع الذين يفعلون الاحتقار لا بالاختيار، والخامس أن يكون قد نزل بهم من الشر ما هو أعظم من الذي يتشوقه الغاضب عليهم، والسادس أن يكونوا قد بادوا وهلكوا.
وهذا آخر ما قاله في الغضب وضده.
القول في الصداقة والمحبة
قال: فأما من الناس الذين يصادقون ويصادقون بالطبع وما الأشياء الفاعلة للصداقة فإنه قد يوقف على ذلك إذا تقدم أولا فحدت الصداقة والمصادقة، فنقول: إن الصداقة هي أن يكون الإنسان يهوى الخير لإنسان آخر من أجل ذات ذلك الإنسان، لا من أجل ذات نفسه، وأن تكون له قوة وملكة يفعل بها الخير له. والمصادقة هي أن يكون كل واحد منهما من صاحبه بهذه الحال. وإذا كان ذلك كذلك، فالصديق بالحقيقة هو الذي يحب ويحب معا. وقد يظن أنه يحتاج هاهنا في الصداقة التامة إلى شرط ثالث وهو أن يكون كل واحد منهما مع أنه يحب الخير لصاحبه من أجل ذات صاحبه أن يعلم كل واحد منهما محبة صاحبه له. وإذا كان هذا موضوعا لنا في حد الصداقة فبين أن الصديق هو الذي يستلذ الخير الذي يكون لصديقه، ويشاركه في المؤذيات والمحزنات التي تنزل به ليس من أجل ذاته لكن من أجل ذات صديقه. وإذا كان الصديق بهذه الصفة، فكل واحد من أصدقائه يفرح به ويسر به. ولذلك كان الناس المشاركون بالطبع في السراء والضراء محبوبين، وأما الأعداء فهم بضد هؤلاء، أعني أنهم تؤذيهم الخيرات الواصلة إلى أعدائهم وتلذهم الشرور الواقعة بهم. وإذا كانت الصداقة يلزمها هذا فبين أن العلامة التي يوقف منها على أن المرء محب وصديق هي أن يحزن للشر الواقع بصديقه، وأن يسر بالخير الواصل إليه. ومن علامة الصداقة أيضا المشاركة في الخير والشر. وكذلك من علامتها أن يكون فعل المرء مضادا لفعل العدو في الشيء الواحد بعينه إذا قاس أحدهما إلى الآخر، مثل أن يستعين بإنسانين فيعينه أحدهما ويسلمه الآخر؛ فإن الذي يعينه صديق والذي يسلمه عدو. وإذ قد تبين أن الصديق هو الذي يهوى الخير من أجل ذات صديقه، وأن هؤلاء محبوبون بالطبع، فبين أن الذين يحسنون إلى إنسان ما أو ناس ما أو إلى من هو بسببهم أنهم محبوبون عند أولئك الذين أحسنوا إليهم، وأن الإحسان أحد فاعلات المحبة. وكذلك الذين يفعلون بآخرين أمورا عظيمة ذوات كلفة ومشقة بسهولة ونشاط هم أيضا محبوبون عند الذين يفعلون بهم ذلك، وسواء كان ذلك الأمر شاقا بإطلاق أو كان شاقا في وقت فعله فقط، باشروا ذلك بأنفسهم أو لم يباشروا ذلك بأنفسهم، لكن كانوا هم السبب في إيصال ذلك الأمر الجسيم إليهم.

(1/61)


قال: والذين يظن بهم أنهم يهمون بالإحسان محبوبون. وصديق الصديق محبوب وكذلك الذين يحبون المحبوبين محبوبون. وكذلك الذين يحبهم المحبوبون والذين يعادون ويبغضون من يبغض المرء محبوب أيضا عنده. وكذلك الذين يبغضهم المبغضون للمرء هم أيضا محبوبون عنده. وجميع هؤلاء، أعني المحبوبين، يرون أنهم أصدقاء، لأنهم يرون أن الخيرات التي لأولئك هي لهم ولذلك يهوون أن تكون الخيرات التي لهم هي أيضا لأصدقائهم، كما هي لهم من قبل أصدقائهم، أعني الذين كانوا يحسنون إليهم ويكرمونهم. ولمكان هذا يكرم الأسخياء والشجعان، أعني لمكان ما يرى الناس أنه يصل إليهم من المنفعة بهم. والخيرات التي تصل إليهم من الناس هي الكرامة. والفضلاء الأبرار هم الذين يسدون إلى كل أحد من الخير بحسب ما يقدرون عليه بحسب حال حال من أحوالهم وأقل أحوالهم أنهم لا يكلفون أحدا شيئا وهؤلاء، كما يقول أرسطو، إنما يكونون بهذه الحال إذا كانوا لا يعيشون من أصحابهم، يعني أنه لا يكون عيشهم من مواساة أصحابهم لهم، بل يكون معاشهم من استعمالهم أنفسهم وكدهم أبدانهم. والأفضل من هؤلاء من كان معاشهم من شيء شريف، مثل المعاش الذين يكون من الحرب التي تكون على طريق السنة، لا من أمور سوقية، أو يكون معاشهم من الصيد أو من الرعاية، وبالجملة: يكون معاشهم من وجه لا يحتاجون فيه لأهل المدينة من غير أن يلحقهم بذلك شين. فهذا الصنف من الناس قد يظن بهم أكثر من غيرهم أنهم أعفاء غير ظلامين سليمة صدورهم. والذين يفوض إليهم أن تفعل بهم الأفعال التي تفعل بالأصدقاء إن اختاروا ذلك هم أيضا محبوبون. وهؤلاء هم الأخيار ذوو الفضائل. فإن هؤلاء يرون مكتفين بأنفسهم وبأحوالهم عن الأشياء التي من خارج. ولذلك متى أراد إنسان أن يفعل بهم فعل الصديق بصديقه من إيصال الخير إليه خيرهم في ذلك. والسعداء المنجحون إما في كل الخيرات، أعني النفسانية والبدنية والتي من خارج، وإما في الخيرات التي هي منها فضائل فقط، وإما في الأشياء التي يتعجب من نيلها إما بإطلاق وإما بالإضافة لأولئك الذين نالوها، محبوبون أيضا.
قال: والطيبو النفوس والذين عشرتهم وملازمتهم النهار كله لمكان الالتذاذ بهم من غير أن يمل حديثهم فإن جميع هؤلاء محبوبون لأن أخلاقهم جميلة سهلة وليسوا موبخين على الخطإ والإساءة ولا يشغبون ولا يتعسرون ولا يحرشون ولا يستثيرون لفعل الشر إذا أثيروا ولذلك كان جميع من اجتمعت فيه هذه الصفات المذمومة صخابين، أعني المستعلين على الإنسان برفع الصوت عند المخاطبة وبالحرد، فالصخابون هم أضداد أولئك. وكذلك الجفاة من الناس القادرون على ضربهم بقوة أبدانهم أو الصابرون على ما ينالهم من المكروه أو الذين جمعوا الأمرين مسارعون إلى الصخب وإلى عذل أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم. وذلك إما - إذا أمكنهم - أن يعذلوهم، وإما إذا أوهموا أن عذلهم هو من جهة الشفقة.

(1/62)


قال: والذين يمدحون قد يحبون الممدوحين لأنهم يتوقعون منهم أن يشاركوهم في الخيرات التي عندهم لمكان مدحهم إياهم. وأما المادحون فمحبوبون عند الممدوحين، وإن كان المدح بأشياء لا يأمن الممدوح ألا تكون فيه وأن تكون كذبا. والذين ينظفون لباسهم وأزياءهم طول أعمارهم محبوبون، لأنهم يرون أنهم مكرمون للناس بتلك النظافة وغير مؤذين لهم بالمناظر القبيحة. والذين لا يعيرون بالذنوب ولا يعاتبون على الجنايات، فإن الذين يفعلون ذلك موبخون، والموبخون مبغضون؛ وأعني بالذنوب الإساءات التي تكون بين الله وبين العبد، وبالجنايات الإساءات التي تكون بين إنسان وإنسان. والذين لا يصرون على الضغن ولا يقيمون على العذل واللجاج، لكنهم يرضون سريعا ويزول غضبهم، محبوبون، وذلك أنه يظن بهم أنه كما أنهم بهذه الحال للناس، كذلك هم لأصدقائهم، بل هم أحرى بذلك. والذين لا ينطقون بالشر ولا يعرفون شرور أقاربهم وجيرانهم وذوي معارفهم لأنهم أخيار ليس عندهم شر محبوبون. والذين لا يشغبون على الذين يغضبون عليهم أو يجدون عليهم في أنفسهم ويحقدون محبوبون، فإن الذين هم بخلاف ذلك صخابون. والذين يتعجبون من غيرهم بالنوع الذي يتعجبون به من أنفسهم محبوبون، لأنهم ليس يظن بهم أنهم يراؤون بذلك التعجب، إذ كان ليس أحد يتعجب من نفسه إلا بشيء هو عنده بالحقيقة فضيلة ومتعجب منه. والذين يفرحون بالمرء وبما عنده محبون عند الذي يفرح به، ولا سيما إذا كان الفرح عن انفعال بين، لأنه يظن به أنه أحرى أن يكون ذلك الفرح ثابتا وأنه لا يرائي بذلك الفرح. والمكرمون محبوبون عند الذين يكرمونهم. والمكرمون محبوبون عند المكرمين لهم. والذين يحب المرء أن يحسدوه حسدا لا يبلغ بهم الاغتيال له والسعاية عليه محبوبون، لأنه ليس يهوى المرء هذا من أحد إلا وهو يهوى أن يقف ذلك المرء على فضائله. وإنما يهوى ذلك منه إذا كان عنده أهلا لذلك. فلذلك من كان بهذه الصفة عندك فإما أن تكون صديقه أو تهوى أن تكون صديقه، لأنه إذا كنت صديقه كان أحرى أن يقف على الفضائل التي فيك. والذين يفعلون الخيرات محبوبون عند المفعول بهم الخير إن لم يتبعوا الخير بشر هو أعظم وأفظع، مثل الامتنان الكثير والاستخدام الشاق. والذين يحبون الأقارب والأباعد الأحياء منهم والأموات، أعني ممن هو قريب أو صميم أو من المعارف. فإن الأموات لا يحبون إلا بشرطين: أحدهما أن يكون موتهم قريب العهد، والثاني أن يكونوا أقرباء أو معروفين. فكل أحد يحبهم لمكان صدق محبتهم، لأنه إذا أحب الأجنبي فهو أحرى أن يحب القريب. وإذا أحب الميت فهو أحرى أن يحب الحي. ولذلك كان بالجملة الذين يحبون أصدقاءهم جدا جدا ولا يخذلونهم محبوبون، فإن هؤلاء الصنف من الناس هم خيار، والإنسان يحب الخيار الذين ليسوا بأصدقاء، فكيف الخيار الأصدقاء. والذين ليس ودهم رياء ولا تصنعا مودودون. والذين يخبرهم المرء بمساوئه ولا يستحي عندهم من ذكرها هم أصدقاء له، لأن الصديق هو الذي لا يستحي عنده من ترك الأشياء التي يفعلها المرء لمكان الحمد والمرء القليل الحياء يود المرء القليل الحياء، لأنه لا يخافه ويثق به. وقد يحب المرء المرء الذي لا يخافه ويثق به ويأمنه؛ لأنه ليس يحب أحد الذي يخافه.
قال: فأما أنواع أفعال الصداقة فهي الصحبة والأنس والوصلة وما أشبه ذلك النحو مما يفعله الأصدقاء بعضهم ببعض. وأما الفاعلات للصداقة فالأيادي والمنن، وأن يفعل المرء بالمرء الخير حين لا يحتاج إليه، أعني إلى المرء. وإذا فعل الخير لم يخبر بذلك، وأن يبين أنه إنما فعل ذلك لمكان المفعول به لا لمكان شيء آخر.
فهذا جملة ما قاله في المحبة.
قال: وأما العداوة والبغضاء فقد ينبغي أن تؤخذ فيها هذه الأشياء الثلاثة من الأمور المضادة لهذه وهي معلومة بعلم هذه التي ذكرناها. وأما فاعلات العداوة فهي فعل ما يغيظ الإنسان، والعبث، والنميمة؛ وأعني بالعبث الازدراء بالجملة، وأعني بالنميمة السعاية الخبيثة بين نفسين.

(1/63)


والفرق بين الغضب والعداوة أن الغضب يكون بالأشياء التي تفعل بالغاضب أو بمن هو من سببه؛ والبغضة والعداوة فقد تكون وإن لم يفعل المبغض بالمبغض له شيئا. فإنا قد نبغض ذوي النقائص، وإن لم يجنوا علينا شيئا. وبالجملة إذا ظننا بالمرء ما يستحق البغضة، فنحن نبغضه أبدا. وفرق آخر: وهو أن الغضب إنما يكون على الأشخاص مثل زيد وعمرو أو أقوام محصورين بالعدد؛ وأما البغضة والعداوة فإنها تكون للجنس، فإنا نبغض البربر ويبغضوننا. وكذلك البغضة قد تكون للصنف فإنا نبغض السارق والنموم، وقد يبغضه الناس أجمعون. وفرق ثالث: وهو أن الغضب قد يسكن بطول الزمان من غير أن يفعل المغضوب عليه بالغاضب ما يزيل الغضب عنه؛ والعداوة ليس تسكن بطول الزمان، ما لم يفعل المعادى بالمعادى ما يوجب مودته. وأيضا فإن الغضب إنما هو تشوق إلى شر محدود أن ينزل بالمغضوب عليه؛ وأما البغضة فإنها تشوق إلى أن ينزل بالمبغض شر غير محدود، أعني أنه كلما وقع به شر تشوق العدو إلى أن يقع به شر أكثر. وذلك أن الذي يغضب إنما يهوى أن ينزل بالمغضوب عليه شر محدود يشفى به صدره. وأما العدو فإنه ليس يهوى هذا، بل شرا غير محدود، أعني شرا أكثر مما نزل به. فالبغضة تخالف الغضب بهذه الفصول. وأيضا فإن المؤذيات مبغضات، والأشياء التي هي أكثر أذية هي مبغضات أكثر، مثل الجور والجهالة. وأيضا فإن الغاضب يجد حزنا مع لذة كما قيل؛ وأما المبغض فليس يجد لذة. وأيضا فإن الغضب قد يزول بأيسر شيء يفعله الإنسان، أعني بأشياء كثيرة؛ وأما البغضة فليس تزول بذلك. وأيضا فإن الغاضب إنما يهوى أن ينزل بالمغضوب عليه مكروه ما فقط. مع ألا ينعدم من الوجود؛ وأما المبغض فإنه يهوى أن ينعدم المبغض من العالم أصلا.
قال: وهو معلوم أنه من قبل هذه الأشياء التي ذكرناها قد يمكننا أن نثبت بالقول انهم أعداء أو أصدقاء أو أن نجعلهم كذلك إن لم يكونوا كذلك، أعني إما أعداء وإما أصدقاء. وكذلك يمكننا بمعرفة هذه الأشياء بعينها أن ننقض على القائلين دعواهم في المحبة والصداقة، أعني أن فلانا عدو وأن فلانا صديق إذا دفعنا ذلك، وذلك إنما يكون، كما قلنا، بمعرفة ما هي الصداقة والعداوة والغضب، وبمعرفة هذه الأشياء الثلاثة من كل واحد منها، أعني الفاعلات لها، والناس المعدين للفعل بها والانفعال عنها. وقد ينتفع بمعرفة تثبيت العداوة والغضب في تثبيت الجور، لأن أحد الأسباب التي من قبلها يجور الجائر هي البغضة والغضب، مثل أن يثبت في زيد أنه جار علينا من قبل أن بيننا وبينه عداوة.
فهذا آخر ما قاله في الصداقة والعداوة.
القول في الخوف
قال: فأما معرفة ممن يكون الخوف ومماذا يكون، أعني الفاعلات له، ومن الذين يخافون، فنحن نبين ذلك هاهنا، بعد أن نحد الخوف ما هو، كما فعلنا في الأبواب المتقدمة.

(1/64)


فليكن الخوف حزنا أو اختلاطا من تخيل شر يتوقع أن يفسد أو يؤذى، وأعني بالحزن الغم والأذى الذي يلحق النفس، وبالاختلاط اختلال الروية، وبالفساد الهلاك، وبالأذية ما دون الهلاك. وإنما اشترط في الشر المخوف أن يكون مهلكا أو مؤذيا، لأن إمكان وجود النقائص في الإنسان هي شرور متوقعة، ولكن ليس يخافها الإنسان، مثل أن يكون ظلوما أو كسلان؛ وليس أن يكون الفساد أو الأذى المخوف يسيرا، بل وأن يكون عظيما. فإن اليسير لا يخافه أحد. وأيضا فليس يخاف من هذه ما كان متوقعا حدوثه في الزمان المستقبل البعيد، بل ما كان متوقعا في الزمان المستقبل القريب. فإن الشر المتوقع في الزمان المستقبل البعيد ليس يخافه أحد، بدليل أن كل أحد يعلم أنه يموت لا محالة، ولكن لأنه ليس يعلم أنه قريب، فهو لا يخاف الموت. وإذا كان حد الخوف هو هذا، فبين من ذلك أن المخوفين هم الذين يظن بهم أن لهم قوة عظيمة على الإفساد، أعني الإهلاك، أو على إدخال نوع من الضرر يؤدي إلى حزن أو أذى عظيم إما جسدي مثل الأسقام وإما نفساني مثل الذل والصغار. وكون من هذه صفته مخوفا معروف بنفسه. فإن المخوف إنما هو الشر الذي يظن قريبا. ولذلك كان الخطر أو الهول الشديد إنما هو اقتراب الأمر المخوف وهو الذي يفعل العداوة والغضب في الخائف ويحركه إلى دفع الشيء المخوف ومقاومته. وإذا كان المرء يهوى الشر وله قوة عليه، فبين أن شره قريب من الفعل، فهو ضرورة مخوف. والحال في المخوف كالحال في الظلوم، أعني أن الظلوم إنما يكون ظلوما متوقع الظلم بهذين المعنيين، أعني بالقوة على الظلم ويهوى الظلم؛ لأن الظلوم إنما يظلم بالفعل، إذ كانت له قوة على الظلم وإرادة لفعل الظلم. فالظلوم لا محالة أبدا مريد لفعل الظلم، وهواه متقدم لفعله. وإنما يفعل الظلم في الوقت الذي تكون له القوة على فعله. فإذن باجتماع هذين له، يكون ظلمه قريبا. وكذلك المخوف أيضا إنما يكون لمن اجتمع له هذان، أعني القوة والإرادة. ولذلك لا يخاف أحد شر الضعفاء، وإن كانوا مريدين للشر؛ كما لا يخاف الأقوياء، إذا لم يكونوا مريدين للشر. وكثير من الناس إنما يمنعهم من الشر ضعفهم أو الخوف من شر مهول يطرأ عليهم. وما كان من الشر المتوقع قد حدث بإنسان آخر فهو يخاف أكثر. والذين يعرفون بأنهم يفعلون الشرور الشديدة الفظيعة الناس لهم خائفون بالطبع. والذين يقدرون على العقوبات مخوفون إلا أن يعرفوا بالصفح والعفو، وبالجملة الذين يقدرون على الضرر مخوفون أبدا عند الذين يكونون ذلك النوع من الضرر ممكنا لهم. مثال ذلك أن السراق مخوفون عند ذوي الأموال، لا عند من لا مال له. وإنما كان ذلك كذلك لأن الظلم يكون في الناس أكثر ذلك مع القوة، أعني حيث توجد القوة يوجد الظلم. والذين يقع بهم الظلم مرارا، ويظنون أنهم سيظلمون، هم خائفون أبدا، مثل أهل الذمة. والذين يلقون أبدا خلاف ما يؤملونه هم خائفون. والذين في طباعهم الظلم، إذا كانت لهم قوة، فهم مخوفون. وكل ما لا يمكن أن يشترك فيه اثنان فهو مخوف خطر، مثل الرياسة. وذوو الرياسات والسلطان هم أبدا مخوفون ولا سيما إذا كانوا يهوون الإضرار بمن يفضلهم في الرأي وفي غير ذلك من الفضائل. والناس الذين يخافونهم أفاضلهم وذوو الكمالات فيهم هم مخوفون، سواء كانوا ممن لم يزل بهذه الصفة أو حصلت له هذه الصفة حين كبر وعظم قدره. وأصدقاء المظلومين مخوفون عند الظالمين لهم. وكذلك أصدقاء الأعداء أيضا مخوفون. كما أن العدو مخوف. وليس السريع الغضب من الناس ذوى الأنس والانبساط مخوفين عند الغضب والحقد، لأن هؤلاء ينحل غضبهم سريعا. وإنما المخوفون ذوو الأناة في الغضب والحقد وذوو الإزراء بالناس الدهاة الذين لا يظهرون ما يريدونه من الشر هل هو بالقرب أو بالبعد وهم أضداد ذوى الأنس، وذلك أن ذوى الأنس يظن بهم أنهم لا يرون أحدا دونهم، وذوو الإزراء يرون الناس دون أقدارهم.

(1/65)


قال: وجميع هذه الأشياء المخوفة تكون مخوفة أكثر إذا كان الفساد الواقع عن ذلك الشيء المخوف مما لا يمكن أن يتلافى فساده، لكن يكون إفساده إفسادا بالكلية، ولا سيما إذا كان المفسد لا يمكن أن يكافأ على إفساده بأن تنزل به الأضداد التي هي مكروهة عنده. والذين لا يجد الإنسان عليهم ناصرا، فخوفه منهم أشد. وبالجملة: فالشرور المخوفة هي الشرور التي تحدث بآخرين، إذا كان حدوثها بأولئك الآخرين مما يخيل وقوعها بالمرء، وذلك لموضع التشابه الذي بينه وبين أولئك الآخرين الذين نزل بهم الشر. مثال ذلك أن الشاب إنما يجزع من الموت إذا رآه قد نزل بشاب آخر مثله، لا إذا رآه قد نزل بشيخ أو بكهل.
قال: وهذا الذي ذكرنا من جزئيات الأمور المخوفة والأمور التي هي أشد مخافة وأعظم هو قريب من أن يكون يأتى على جميعها إلا اليسير الذي يمكن الإنسان أن يأتى به من تلقائه.
قال: فأما أي الأحوال هي أحوال الناس التي إذا وجدت لهم، كانوا خائفين فنحن الآن مخبرون عنها، فنقول: إن الخوف هو توقع المرء أن يمسه شر مفسد. وهذا معلوم بنفسه. فإنه ليس أحد يظن أنه لا يناله شر فيخاف أصلا، ولا إن ظن بالشرور أنها لا تناله يخاف أصلا منها. ولا يخاف أصلا من الناس الذين يظن بهم أنه لا يناله منهم شر أصلا. ولا يخاف أيضا في الوقت الذي لا يظن أنه يلحقه فيه شر. وإذا كان ذلك كذلك، فالخوف ضرورة إنما يكون للذين يظنون أنهم تنالهم شرور، ومن الشرور التي يظنون أنها تنالهم، وعند الناس الذين يظنون أنهم ينالونهم بذلك، وفي الوقت الذي يظنون لحوق الشر لهم وتأثيره فيهم. وإذا كان الخائفون هم هؤلاء بالجملة، فمن البين أن الذين يظنون أنهم لا ينالهم شر هم المصححو الأبدان، الحسنة أحوالهم جدا من قبل الأشياء التي من خارج. والذين يظنون أيضا بأنفسهم أنهم بهاتين الحالتين وإن لم يكونوا كذلك، أعني صحة البدن وموافقة الأشياء التي من خارج وحسن أحوالهم بها.
قال: ولذلك ما يوجد هذا الصنف من الناس شتامين جائرين متهورين. وسبب هذا الظن يكون إما في الصحة فمن الشباب والشدة، وذلك أن الشاب والشديد يظن بنفسه أنه مصحح، وإن لم يكن كذلك؛ وإما في حسن الحال من قبل الأشياء التي من خارج، فيعرض هذا الظن من أمرين أيضا: من العدة ومن كثرة الأصحاب. وأضداد هؤلاء هم الذين قد أشعروا أنفسهم أنهم يلقون كل بلاء، فهم ضعفاء عند الشرور المتوقعة كضعف الذين نزل بهم الشر بالفعل، ولكن على حال؛ فهؤلاء يوجد لهم رجاء في الخلاص، فهم يسعون في حصوله. ومن العلامة الدالة على ذلك أنهم يحتاجون عند الخوف إلى المشاورة. وليس أحد يستشير فيما لا يخاف، ولا فيما يخاف ولا يرجو الخلوص منه. ولذلك حد الخوف الذي يكف به الخائف عن الفعل الذي قصد به كفه عنه هو الخوف الذي يقترن به رجاء الخلوص من ذلك الشر المخوف، وهو الخوف الذي ينتفع به في هذه الصناعة، أعني الذي ينبغي للخطيب أن يمكنه في نفس الذي يريد أن يخيفه، أعني الحاكم أو السامع. وذلك إذا أثبت عندهم أنهم ممن ينالهم الشر أو تصيبهم المصائب من خصمه، مثل أن يقول لهم: إن آخرين قد لقوا ذلك منه من نظرائهم وأشباههم، وإنه كثيرا ما تلقى الشرور من الأشياء التي لا يظن بها أنها شرور، أو من الشرور التي يظن بها الإنسان أنها لا تناله، أو من الناس الذين لا يظن بهم ذلك، أو في الوقت الذي لا يظن ذلك فيه، وما أشبه هذا من الأقاويل.
فقد تبين من هذا القول ما هو الخوف والأمور الفاعلة له والناس المستعدون لهذا الانفعال.
القول في الشجاعة
قال: وقد ينبغي أيضا أن نخبر ما هي الشجاعة وما الأشياء الفاعلة لها وأي الأحوال التي إذا وجدت في الناس كانوا بها مستعدين لقبول هذا الانفعال، أعني شجعانا.

(1/66)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية