صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكشكول
المؤلف : البهاء العاملي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن خطبة له صلى الله عليه وسلم: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل وقضاء وحق ولقد أبلغ في الأعذار من تقدم في الإنذار.
ومن خطبة له عليه الصلاة والسلام: أيها الناس لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية واستهوته البدعة، فاركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، وصرة حالب فعلام تعرجون؟ وماذا تنتظرون؟ فكأنكم والله بما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل فخذوا الأهبة لزوف النقلة وأعدو الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم.
ومن خطبة له عليه الصلاة والسلام: الدنيا دار فناء ومنزل قلعة وعناء قد نزعت عنها نفوس السعداء وانتزعت بالكره من قيد أيدي الأشقياء فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشية لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها، والجائرة لمن انقاد لها والفايز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه ونصح نفسه وقدم توبته وأخر شهوته من قبل أن يلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا أن ينقص من سيئة؛ ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفد عذابها.
ومن خطبة له عليه الصلاة والسلام: أيها الناس حلو أنفسكم بالطاعة والبسوا قناعة المخافة واجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم، واعلموا: أنكم عن قليل راحلون وإلى الله صائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب أخرتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، فكان قد كشف القناع وارتفع الارتياب ولاقى كل امرىء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف من أين حصل الرجل المال فانظر في أي شيء ينفقه.
كان بعض العلماء يبخل ببذل العلم، فقيل له: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحب إلي أن أجعله في إناء سوء.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة.
كان الشيخ علي بن سهل الصوفي الأصفهاني ينفق على الفقراء والصوفية ويحسن إليهم وقد دخل عليه يوما جماعة منهم ولم يكن عنده شيء فذهب إلى بعض أصدقائه والتمس منه شيئا للفقراء فأعطاه شيئا من الدراهم واعتذر من قلتها وقال إني مشغول ببناء دار أحتاج إلى خرج كثير فأعذرني فقال له الشيخ علي بن سهل: وكم يصير خرج هذه الدار؟ فقال لعله يبلغ خمسمائة درهم، فقال الشيخ ادفعها إلي لأنفقها على الفقراء وأنا أسلمك دارا في الجنة وأعطيك خطي وعهدي فقال الرجل: يا أبا الحسن إني لم أسمع منك قط خلافا ولا كذبا فإن ضمنت ذلك فأنا أفعل فقال ضمنت وكتب على نفسه كتابا بضمان دار له في الجنة، فدفع الرجل الخمسمائة درهم وأخذ الكتاب بخط الشيخ وأوصى أنه إذا مات أن يجعل ذلك الكتاب في كفنه، فمات في تلك السنة وفعل ما أوصى به، فدخل الشيخ يوما إلى مسجده لصلاة الغداة، فوجد ذلك الكتاب بعينه في المحراب وعلى ظهره مكتوب بالخضرة: قد أخرجناك من ضمانك وسلمنا الدار في الجنة إلى صاحبها فكان ذلك الكتاب عند الشيخ برهة من الزمان يستشفي به المرضى من أهل أصفهان وغيرهم وكان بين كتب الشيخ فسرق صندوق كتبه وسرق ذلك الكتاب معها.
وكان رأيت في بعض التواريخ الموثوق بها: أن الشيخ علي بن سهل كان معاصرا للجنيد وكان تلميذ الشيخ محمد بن يوسف البناء، كتب الجنيد إليه سل شيخك ما الغالب على أمره؟ فسأل ذلك من شيخه محمد بن يوسف البناء، فقال: اكتب إليه. والله غالب على أمره.
يقول كاتب هذه الأحرف محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه: رأيت في المنام أيام إقامتي بأصفهان كأني أزور إمامي وسيد ومولاي الرضا رضي الله عنه وكانت قبته وضريحه كقبة الشيخ علي بن سهل وضريحه فلما أصبحت نسيت المنام واتفق أن بعض الأصحاب كان نازلا في بقعة الشيخ فجئت لرؤيته ثم بعد ذلك دخلت إلى زيارة الشيخ فلما رأيت قبته وضريحه خطر المنام بخاطري وزاد في الشيخ اعتقادي.
من كلام سيد الأوصياء رضي الله عنه أفضل العبادة الصبر والصمت وانتظار الفرج.

(1/70)


ومن كلامه: الصبر على ثلاثة وجوه، فصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وصبر على المصيبة.
ومن كلامه رضي الله عنه: ثلاثة من كنوز الجنة، الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض.
ومن كلامه: كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو.
ومن كلامه: ضاحك معترف بذنبه خير من باك يدل على ربه.
ومن كلامه: الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا رحمكم الله من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم على من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم، إن المرء إذا هلك قالت الملائكة ما قدم؟ وقال الناس ما خلف؟ فالله آباؤكم، قدموا بعضا يكن لكم، ولا تتركوا كلايكن عليكم، فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه.
ما كان يدعو به بعض الحكماء: اللهم أهلنا بالإنابة إليك، والثناء عليك، والثقة بما لديك، ونيل الزلفى عندك وهون علينا الرحيل من هذه الدار الضيقة والفضاء الحرج والمقام الرخص، والعرصة المحشوة بالغصة، والساحة الخالية عن الراحة بالسلامة والربح والغنيمة إلى جوارك، حيث قلت: في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وحيث يجد ساكنه من الروح والراحة ما يقول معه: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن واحسم مطامعنا من خلقك، وانزع قلوبنا عن الميل إلى غيرك، واصرف أعيننا عن زهرة عالمك الأدنى برحمتك وفضلك وجودك يا كريم.
كان عيسى عليه السلام يقول لأصحابه: يا عباد الله بحق أقول لكم: إنكم لا تدركون من الآخرة إلا بترك ما تشتهون من الدنيا، دخلتم إلى الدنيا عراة، وستخرجون منها عراة فاصنعوا بين ذلك ما شئتم.
ومن كلام بعض الوزراء: عجبت ممن يشتري العبد بماله ولا يشتري الأحرار بفعاله، من كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها.
من كلام معروف الكرخي: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى.
لكاتب الأحرف بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه:
يا كراما صبرنا عنهم محال ... إن حالي عن جفاكم شرحال
إن أتى من حيكم ريح الشمال ... صرت لا أدري يميني عن شمال
حبذا ريح سرى من ذي سلم ... عن ربى نجد وسلع والعلم
أذهب الأحزان عنا والألم ... والأماني أدركت والهم زال
يا أخلائي بحزوى والعقيق ... ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق
هل لمشتاق إليكم من طريق ... أم سددتم عنه أبواب الوصال
لا تلوموني على فرط الضجر ... ليس قلبي من حديد أو حجر
فات مطلوبي ومحبوبي هجر ... والحشا في كل آن في اشتغال
من رأى وجدي لسكان الحجون ... قال ما هذا هوى هذا جنون
أيها اللوام ماذا تبتغون؟ ... قلبي المضني وعقلي ذو اعتقال
يا نزولا بين جمع والصفا ... يا كرام الحي يا أهل الوفا
كان لي قلب حمول للجفا ... ضاع مني بين هاتيك التلال
يا رعاك الله يا ريح الصبا ... أن تجز يوما على وادي قبا
سل أهيل الحي في تلك الربى ... هجرهم هذا دلال أم ملال؟
جيرة في هجرنا قد أسرفوا ... حالنا في بعدهم لا يوصف
إن جفوا أو واصلوا أو أتلفوا ... حبهم في القلب باق لا يزال
هم كرام ما عليهم من مزيد ... من يمت في حبهم يمضي شهيد
مثل مقتول لدى المولى الحميد ... أحمدي الخلق محمود الفعال
صاحب العصر الإمام المنتظر ... من بما يأباه لا يجري القدر
حجة الله على كل البشر ... خير أهل الأرض في كل الخصال
من إليه الكون قد ألقى القياد ... مجريا أحكامه فيما أراد
إن تزل عن طوعه السبع الشداد ... خر منها كل سامي السمك عال
شمس أوج المجد مصباح الظلام ... صفوة الرحمن من بين الأنام

(1/71)


الإمام ابن الإمام ابن الإمام ... قطب أفلاك المعالي والكمال
فاق أهل الأرض في عز وجاه ... وارتقى في المجد أعلى مرتقاه
لو ملوك الأرض حلوا في ذراه ... كان أعلى صفهم صف النعال
ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع ... صير الأظلام طبعا للشعاع
وارتدى الامكان برد الامتناع ... قدرة موهوبة من ذي الجلال
يا أمين الله يا شمس المدى ... يا إمام الخلق يا بحر الندى
عجلن عجل فقد طال المدى ... وأضمحل الدين واستولى الضلال
هاك يا مولى الورى نعم المجير ... من مواليك البهائي الفقير
مدحة يعنو لمعناها جرير ... نظمها يزري على عقد اللئال
يا ولي الأمر يا كهف الرجا ... مسنى الضر وأنت المرتجى
والكريم المستجار الملتجا ... غير محتاج إلى بسط السؤال
كتب بعض الحكماء إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك واستح من الله بقدر قربه منك وخفه بقدر قدرته عليك والسلام.
من كلام عيسى عليه السلام: إن مرتكب الصغيرة ومرتكب الكبيرة سيان فقيل: وكيف ذلك؟ فقال: الجرأة واحدة، وما عف عن الدرة من يسرق الذرة.
قال حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه: أتحب أن تغلب شر الناس؟ فقال: نعم، فقال: إنك لن تغلبه حتى تكون شرا منه.
قيل لفيثاغورس: من الذي يسلم من معاداة الناس؟ قال: من لم يظهر منه خير ولا شر، قيل: وكيف ذلك؟! قال: لأنه إن ظهر منه خير عاداه الأشرار، وإن ظهر منه شر عاداه الأخيار.
كان أنوشيروان يمسك عن الطعام وهو يشتهيه. ويقول: نترك ما نحب لئلا نقع فيما نكره. من أمثال العرب وحكاياتهم عن ألسنة الحيوانات: لقي كلب كلبا في فمه رغيف محرق فقال: بئس هذا الرغيف ما أردأه؟! فقال له الكلب الذي في فمه الرغيف: نعم لعن الله هذا الرغيف ولعن من يتركه قبل أن يجد ما هو خير منه. قيل لبعض الأكابر من الصوفية: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت آسفا على أمسي كارها ليومي متهما لغدي. روي أن سليمان على نبينا وآله السلام رأى عصفورا يقول لعصفورة: لم تمنعين نفسك مني؟ ولو شئت أخذت قبة سليمان بمنقاري، فألقيتها في البحر، فتبسم سليمان عليه السلام من كلامه، ثم دعا بهما، وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال يا رسول الله: لا، ولكن المرء قد يزين نفسه ويعظمها عند زوجته والمحب لا يلام على ما يقول، فقال سليمان للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ فقالت يا نبي الله إنه ليس محبا، ولكنه مدع لأنه يحب معي غيري، فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان عليه السلام وبكى بكاء شديدا واحتجب عن الناس أربعين يوما يدعو الله أن يفرغ قلبه لمحبته وأن لا يخالطها بمحبة غيره.
ومن خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس أكثروا ذكر هادم اللذات فإنكم إن ذكرتمه في ضيق وسعه عليكم، وإن ذكرتموه في غنى نغصه إليكم، إن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال، وإن العبد بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه، وإن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف، أيها الناس إن في القناعة لسعة لغنى وإن في الاقتصاد لبلغة وإن في الزهد لراحة ولكل عمل جزاء وكل آت قريب.
احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له قل لا إله إلا الله يقول هذا البيت:
يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب؟!
سبب ذلك أن امرأة عفيفة حسناء خرجت إلى حمام معروف بحمام منجاب، فلم تعرف طريقه وتعبت من المشي، فرأت رجلا على باب داره فسألته عن الحمام فقال: هو هذا وأشار إلى باب داره، فلما دخلت أغلق الباب عليها فلما عرفت بمكره، أظهرت كمال الرغبة والسرور وقالت: اشتر لنا شيئا من الطيب وشيئا من الطعام وعجل بالعود إلينا، فلما خرج واثقا بها وبرغبتها خرجت وتخلصت منه، فانظر كيف منعته هذه الخطيئة عن الإقرار بالشهادة عند الموت؟! مع أنه لم يصدر منه إلا إدخال المرأة بيته وعزمه على الزنا فقط. من دون وقوعه منه.

(1/72)


قال حكيم: ما رأيت واحدا إلا ظننته خيرا مني لأني من نفسي على يقين ومنه على شك.
سئل الشبلي لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: إنه لا يأسف على الغايب، ولا ينتظر الوارد.
فائدة: التجريد سرعة العود إلى الوطن الأصلي والاتصال بالعالم العقلي وهو المراد بقوله عليه السلام حب الوطن من الإيمان، وإليه يشير قوله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " ، وإياك أن تفهم من الوطن دمشق وبغداد وما ضاهاهما، فإنهما من الدنيا، وقد قال سيد الكل في الكل صلوات الله وسلامه عليه: حب الدنيا رأس كل خطيئة فاخرج من هذه القرية الظالم أهلها وأشعر قلبك قوله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما " .
قال معاوية لابن عباس بعد أن كف بصره: ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ فقال: كما أنكم يا بني أمية تصابون في بصائركم. قدم قوم غريمهم إلى الوالي وادعوا عليه بألف دينار، فقال الوالي: ما تقول؟ فقال: صدقوا فيما ادعوا، ولكني اسئلهم أن يمهلوني لأبيع عقاري وإبلي وغنمي، ثم أوفيهم فقالوا: أيها الوالي: قد كذب والله ما له شيء من المال لا قليل ولا كثير؛ فقال: أيها الوالي قد سمعت شهادتهم بإفلاسي فكيف يطالبوني؟! فأمر الوالي بإطلاقه.
كان في بغداد رجل قد ركبته ديون كثيرة وهو مفلس فأمر القاضي بأن لا يقرضه أحد شيئا، ومن أقرضه فليصبر عليه ولا يطالبه بدينه، وأمر بأن يركب على بغل ويطاف به في المجامع ليعرفه الناس ويحترزوا من معاملته فطافوا به في البلد ثم جاؤا به إلى باب داره، فلما نزل عن البغل قال له صاحب البغل: أعطني أجرة بغلي فقال وفي أي شيء كنا من الصباح إلى هذا الوقت يا أحمق؟!
أبو الأسود الدؤلي
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضا ... ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
القاضي المهذب
وترى المجرة والنجوم كأنما ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم يكن نهرا لما غاصت به ... أبدا نجوم الحوت والسرطان
لله در من قال
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
أبو الحسن التهامي
عبسن من شعر في الرأس مبتسم ... ما نفر البيض مثل البيض في اللمم
ظننت شبيبته تبقى وما علمت ... أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
ما شاب عزمي ولا خلقي ولا حزمي ... ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما اعتاض رأسي غير صبغته ... والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
وصل الخيال ووصل الخود إن نحلت ... سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصلا إن لذته ... تخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضرآء يصرفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف في بؤس وأنعمه ... من غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة ... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهم ... بطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت بها ... فحاسدي منهم في زي منتقم
فالله يكلؤ حسادي فأنعمهم ... عندي وإن وقعت من غير قصدهم
كتب رجل إلى شخص؛ تخلى للعبادة وانقطع عن الناس: بلغني أنك اعتزلت عن الخلق وتفرغت للعبادة، فما سبب معاشك؟ فكتب إليه يا أحمق يبلغك أني منقطع إلى الله سبحانه وتسألني عن المعاش؟! قال بعض العارفين: الوعد حق الخلق على الله تعالى، فهو أحق من وفى، والوعيد حقه سبحانه على الخلق فهو أحق من عفى، وقد كانت العرب تفتخر بإيفاء الوعد وخلف الوعيد، قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

(1/73)


قال بعض الحكماء: الدنيا إنما تراد لثلاثة، العز والغنى والراحة؛ من زهد فيها عز؛ ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح، حكي عن بعض أصحاب الحقيقة أن البسطامي مر بكلب قد ترطب بالمطر فنحى عنه ثوبه ترفعا، فنطق الكلب بلسان فصيح وقال: إن نجاسة ثوبك مني يطهرها الماء ولكن تنحية ثوبك عني لا يطهرها الماء.
كلمات أبجد ثمانية، أربعة رباعية الحروف وأربعة ثلاثية، ولكل كلمة رقم هندي على الترتيب، ولكل حرف من كل كلمة رمز سندي: فللحرف الأول سا وللثاني ل وللثالث ما وللرابع! لكنا نكتفي عن رقم الكلمة الأولى بصفر إن قصد حرف تاليها ويرمز حروفها إن قصد حرفها ونجعل رقم متلو كل كلمة دالا عليها متصلا رمز حرفها المطلوب بالرقم المذكور، فعلامة الألف سا،، وعلامة الدال! وعلامة الواو وعلامة الكاف آ يوصل رمز كل منهما برقم متلو كلمته وعلامة الفاء ع ! كما عرفت، فتكتب أحمد هكذا.
وتكتب علي هكذا وتكتب جعفر هكذا وتكتب غانم هكذا لأن متلو كلمة الغين المعجمة سابعة الكلمات، ومن هذا يظهر أنه لا حاجة إلى رقم الكلمة الثامنة كما لا حاجة إلى رقم الكلمة الأولى إن قصد حرفها إذ الثامنة غير متلوة والأولى غير تالية وإذا تمت الكلمة فيمد حرفها الآخر السندي ليحصل الاطلاع على آخر الكلمة ولا يخلط بما بعدها اللهم إلا أن يكون في آخر السطر فتكتب زيد بن خالد هكذا.
خبروني أيها الإخوان عن اسم خماسي الأعداد ثنائي الآحاد أوله نصف وسطه ووسطه مضعف آخره طرفاه فعل ماض مركب من حرفين وآخره ما يتحقق بين الأخوين أولاه من المعدنيات وما سواهما من النباتات، طرفا ثانيه من الأعضاء الظاهرة بعض الأحيان وطرفا آخره من الأعضاء الباطنة لكل حيوان لولا رابعه لتبدل الأعمى بالأصم ولولا أوله لم يوجد العلم والحكم والكرم لولا خمسه لتبدل رأس الإنسان بالشجر ولما تميزت بلدة من الحجر طرفا ثانيه لا يكون في أول العمر ولا في آخره للإنسان وبعض منه ما يتحقق به السهو والنسيان بثانيه يبتدىء السؤال وبأوله يختم الكلام ويتم المقال والله أعلم بحقيقة الحال.
لابن الفارض
ما اسم طير شطره بلدة؟ ... في الشرق من تصحيفها مشربي
وما بقي تصحيف مقلوبه ... مضاعفا قوم من المغرب
الجواب
ذاك اسم طير شطره بلدة ... أخرى يروي نيلها مشربي
وما سوى آخره سائر ... ليلا من الشرق إلى المغرب
ووسطاه صمغة مرة ... نافعة من لسعة العقرب
وما بقي تصحيف مقلوبه ... قد أعجز الفيل عن المأرب
وما سوى أوله عضوك ... اللازم في المأكل والمشرب
فافهم وقاك الله من عثرة ... ولا كبا خيلك في المذهب
وقف أعرابي على قبر هشام بن عبد الملك وإذا بعض خدامه، يبكي على قبره، ويقول: ماذا لقينا بعدك فقال الأعرابي أما إنه لو نطق لأخبرك أنه لقي أشد مما لقيتم.
الأمير أبو فراس يصف نفسه
وقور وأحداث الزمان تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهاب
صبور وإن لم يبق مني بقية ... قؤول ولو أن السيوف جواب
وألحظ أحوال الزمان بمقلة ... بها الصدق وصدق الكذاب كذاب
تغابيت عن قومي فظنوا غباوة ... بمفرق أغبانا حصا وتراب
إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة ... فليس له إلا الفراق عتاب
بنى بعض ملوك بني إسرائيل دارا تكلف في سعتها وزينتها، ثم أمر من يسأل عن عيبها، فلم يعبها أحد إلا ثلاثة من العباد، قالوا: إن فيها عيبين، الأول أنها تخرب، والثاني أنه يموت صاحبها فقال: وهل يسلم من هذين العيبين دار؟ فقال: نعم دار الآخرة فترك ملكه وتعبد معهم مدة، ثم ودعهم فقال: هل رأيت منا ما تكره؟ فقال: لا ولكنكم عرفتموني فأنتم تكرموني. فاصحب من لا يعرفني.
سئل بعض الزهاد عن مخالطة الملوك والوزراء، فقال من لا يخالطهم ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا ممن يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.

(1/74)


لكاتبه من السوانح، غفلة القلب عن الحق من أعظم العيوب وأكبر الذنوب ولو كانت آنا من الآنات أو لمحة من اللمحات حتى أن أهل القلوب عدو الغافل في آن الغفلة من جملة الكفار.
وكم يعاقب العوام على سيئاتهم، كذلك يعاقب الخواص على غفلاتهم، فاجتنب الاختلاط بأصحاب الغفلة على كل حال إن أردت أن تكون من زمرة أهل الكمال.
سانحة يا مسكين عزمك ضعيف، ونيتك متزلزلة، وقصدك مشوب، ولهذا لا ينفتح عليك الباب ولا يرتفع عنك الحجاب، ولو صممت عزيمتك وأثبت نيتك وأخلصت قصدك لانفتح لك الباب من غير مفتاح كما انفتح ليوسف عليه السلام لما صمم العزم وأخلص النية في الخلاص من الوقوع في الفاحشة، وجد في الهرب.
سانحة أيها الغافل قد شاب رأسك وبردت أنفاسك، وأنت في القيل والقال، والنزاع أو الجدال، فاحبس لسانك عن بسط الكلام فيهما لا ينفعك يوم القيام.
من مجموع قديم في مدح صاحب الزمان رضي الله عنه:
لله دركم يا آل ياسينا ... يا أنجم الحق أعلام الهدى فينا
لا يقبل الله إلا مع محبتكم ... أعمال عبد ولايرضى له دينا
بكم أخفف أعباء الذنوب بكم ... بكم أثقل في الحشر الموازينا
سآء ابن آكلة الأكباد منقلبا ... إذ جر حرب أبيكم يوم صفينا
الشمس ردت عليه بعدما غربت ... من ذا يطيق لعين الشمس تطيينا
مهما تمسك بالأخبار طائفة ... فقوله وال من والاه يكفينا
لوالدي طاب ثراه في معارضة البردة:
أسحر بابل في جفنيك أم سقمي؟! ... أم السيوف لقتل العرب والعجم
والخال مركز دور للعذار بدا ... أم ذاك نضج عثار الخط بالقلم
أم حبة وضعت كيما تصيد بها ... طير الفؤاد وقد صادته فاحتكم
أنا الملوم وقلبي مولم برشا ... ساق غدا قلبه قاس على الأمم
ذي أعين إن رنت يوما إلى جسد ... إلبسنه كلما فيهن من سقم
قلبي غضا وضلوعي منحنى وله ... عقيق جفني بسفح ناب عن ديم
وما سقاني رحيقا بل حريق أسى ... وكان من أملي منه شفا ألمي
أبكي فتبسم مني كالغمام متى ... يبكي على زهرفي الروض يبتسم
والشمس ما طلعت إلا لتنظره ... وإن تغب فحياء خجلة الفهم
بكيت والشمل مجموع لخوف نوى ... فكيف حالي شملي غير ملتئم؟
وكلما مت هجرا عشت من أملي ... فكم أموت وكم أحيا من القدم
دمع طليق وقلب في قيود هوى ... والرشد ضد بذات الضال والسلم
وقد أقام قوام القدلي حججا ... وبالعذار بدي عذري فلا تلم
وجدي عليك ونفسي في يديل وذا ... قلبي لديك فنل ما شئت واحتكم
أصغي إلى العذل أجني ورد ذكرك من ... ما بين شوك ملام اللايم النهم
إلى متى كل آن أنت في وله؟ ... يسمو وقلب بنيران العذاب رمي
فدع سعاد وسلمى واسع تحظ ففي ... السهام سهم مصيب فاستمع كلمي
إن الحياة منام والمآل بنا ... إلى انتباه وآت مثل منعدم
ونحن في سفر نمضي إلى حفر ... فكل آن لنا قرب من العدم
والموت يشملنا والحشر يجمعنا ... وبالتقى الفخر لا بالمال والحشم
صن بالتعفف عز النفس مجتهدا ... فالنفس أعلى من الدنيا لذي الهمم
واغضض عيونك عن عيب الأنام وكن ... بعيب نفسك مشغولا عن الأمم
فإن عيبك تبدو فيه وصمته ... وأنت من عيبهم خال عن الوصم
جاز المسيء بإحسان لتملكه ... وكن كعود يفوح الطيب في الضرم
ومن تطلب خلا غير ذي عوج ... يكن كطالب ماء من لظى الفحم
وقد سمعنا حكايات الصديق ولم ... نخله إلا خيالا كان في الحلم

(1/75)


إن الإقامة في أرض يضام بها ... والأرض واسعة ذل فلا تقم
ولا كمال بدار لا بقاء لها ... فيا لها قسمة من أعدل القسم
دار حلاوتها للجاهلين بها ... ومرها لذوي الألباب والهمم
أبغي الخلاص وما أخلصت في عمل ... أرجو النجاة وما ناجيت في الظلم
لكن لي شافعا ذو العرش شفعه ... أرجو الخلاص به من زلة القدم
محمد المصطفى الهادي المشفع في ... يوم الجزاء وخير الخلق كلهم
لولا هداه لكان الناس كلهم ... كأحرف ما لها معنى من الكلم
لو لم يرد ذو المعالي جعله علما ... لم يوجد العالم الموجود من عدم
لو لم تطأ رجله فوق التراب لما ... غدا طهورا وتسهيلا على الأمم
لو لم يكن سجل البدر المنير له ... ما أثر الترب في خديه من قدم
نصرت بالرعب حتى كاد سيفك أن ... يسطو بغير انسلال في رقابهم
كفاك فضل كمالات خصصت بها ... أخاك حتى دعوه بارىء النسم
خليفة الله خير الخلق قاطبة ... بعد النبي وباب العلم والحكم
علم الكتاب وعلم الغيب شيمته ... وفي سلوني كشف الريب للفهم
والبيض في كفه سود غوائلها ... حمر غلائلها تدلي على القمم
بيض متى ركعت في كفه سجدت ... لها رؤوس هوت من قبل للصنم
ولا ألومهم أن يحسدوك وقد ... علت نعالك منهم فوق هامهم
مناقب أدهشت من ليس ذا نظر ... وأسمعت في الورى من كان ذا صمم
فضائل جاوزت حد المديح على ... فكل مدح شبيه الهجو للفهم
من هاشم ليس في يتم يمت وقد ... عدا عديا فلم يدنس بلومهم
سل عنه ذا فكرة وامدحه تلق فتى ... ملا المسامع والأفكار والكلم
واستخبرن خبيرا من غزا أحدا ... وفي حنين تراه غير منهزم
من لم يكن بقسيم النار معتصما ... فماله من عذاب النار من عصم
من لم يكن ببني الزهراء مقتديا ... فلا نصيب له في دين جدهم
أولاد طه ونون والضحى وكذا ... في هل أتى قد أتى مخصوص مدحهم
قد شرف الانس إذ هم في عدادهم ... كالأرض إذ شرفت بالبيت والحرم
وإن يشاركهم الأعداء في نسب ... فالتبر من حجر والمسك بعض دم
هم الولاة وهم سفن النجاة وهم ... لنا الهداة إلى الجنات والنعم
نفوسهم أشرقت بالنور وانكشفت ... لها حقايق ما يأتي من القدم
ومن سرى نحوهم أغناه نورهم ... عن الدليل ونجم الليل في الظلم
فضايل جعلت ليل الفخار ضحى ... وأخجلت كل ذي فخر وذي شيم
قد زينوا كل نظم يوصفون به ... كما يزين كلام الله للكلم
عذاب قلب عذب في محبتهم ... ومر ما مر بي حلو لأجلهم
رجوتهم لعظيم الهول من قدم ... وهل يرجى سوى ذي الشان والعظم
يا مظهر الملة العظمى وناصرها ... وأنت مهديها الهادي إلى اللقم
يا وارث العلم يرويه ويسنده ... إلى جدود تعالوا في علوهم
مآثر الفخر فيكم غير خافية ... والشمس أكبر أن تخفى على الأمم
أوضحتم للورى طرق الوصول كما ... صيرتم العلم بين الناس كالعلم
مولاي طال المدى والله واندرست ... معالم العلم والإيمان والكرم
فاسحب سحابين خيلا فوقها أسد ... تسطو ونيلا عميا ساكب الديم
ولا تقل قل أنصاري فناصرك ... الباري ومن ينصر الرحمن لم يضم

(1/76)


يفديك كل خبير عن علاك وهم ... كل البرية من عرب ومن عجم
اقصر حسين فلن تحصي فضائلهم ... لو أن في كل عضو منك ألف فم
عليهم صلوات لا انتهاء لها ... كمثل قدرهم العالي وعلمهم
قال الفاضل البيضاوي عند قوله تعالى في سورة هود " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " إن الفعل معلق عن العمل. وقال في سورة الملك نقيض ذلك، وصرح في تفسير هود بأن نزول التوراة كان قبل إغراق فرعون، وقال في تفسير سورة المؤمنين: نقيض ذلك، وقال عند قوله تعالى في سورة مريم " وكان رسولا نبيا " إن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة وقال في سورة الحج نقيض ذلك، وصرح في سورة النمل بأن سليمان على نبينا وعليه السلام توجه إلى الحج بعد إتمام بناء بيت المقدس، وقال في سورة سبأ نقيض ذلك.
من رسالتي الموسومة بالجوهر الفرد، ومما سنح بخاطري في إبطال تركب الجسم من الأجزاء التي لا يتجزى سوى الوجوه الستة السابقة أن نفرض مثلثا متساوي الساقين كل منهما ثمانية أجزاء، وقاعدته سبعة فما بين طرفي ساقيه خمسة من قاعدته، لاشتراك طرفيها، والثامن الذي هو رأس المثلث مشترك أيضا فيما بين الساقين إن كان واحدا فبين السادسين اثنان، وبين الخامسين ثلاثة فبين الأولين سبعة، وقد كان خمسة هذا خلف وإن كان أكثر، فالفساد أشد فهو أقل من جزء فافهم.
وقد لاح لي وجه ثامن، وهو أن نفرض دائرة ونصل بين جزئين منها بالقطر ثم بين ثمانية يتوسطها القطر، وبين نظايرها بأوتار ثمانية، ونصل بين طرفي الأقصرين بخط مستقيم، فهو تسعة أجزاء ووتر القوس هو تسعة أيضا، فقد ساوت قاعدة القطعة قوسها، ولنا وجه تاسع لطيف ذكرته في لغز زبدة الأصول فهذه وجوه تسعة في إبطال الجزء لم يسبقني إلى شيء منها أحد والله ولي التوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، الحمد لله الذي جعل صحيفة عالم إلا مكان مرآة لمشاهدة الآثار الملكوتية، وصير نشأة نوع الإنسان مشكلة لمطالعة الأنوار اللاهوتية، والصلاة على أكمل نوع البرية وأفضل النفوس القدسية أبي القاسم محمد قاسم موائد المواهب الربانية، ومنبع رحيق الفيوض السبحانية وآله الوارثين لمقامات العلية المكرمين بكراماته الخفية والجلية.
وبعد فهذا يا إخوان الدين وخلان اليقين ما غفلت حوادث الزمان عن المنع من تأليفه وتحريره، وذهلت صوارف الدهر الخوان عن الصرف عن ترصيفه وتقريره من شرح واف بإظهار ما ألهمني الله سبحانه من حقايق كنوز الصحيفة الكاملة من كلام سيد العابدين وإمام الموحدين وقبلة أهل الحق على اليقين، مولانا وإمامنا زين العابدين أبي محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
سلام من الرحمن نحو جنابهم ... فإن سلامي لا يليق ببابهم

(1/77)


كشفت به حجاب الاحتجاب عن خبايا كنوزها، مع قلة البضاعة، ورفعت به أستار الاستتار عن خفايا رموزها بقدر الاستطاعة، مشيرا إلى ما يلوح من جواهر عباراتها ويفوح من زواهر إشاراتها مما هو منبع كلام أعلام الحقيقة والعرفان، ومعدن مقالة أهل الطريقة والإيقان، بل هو أقصى غايات أرباب المجاهدة وأعلى نهايات أصحاب المشاهدة مما لم يهتد إليه غلا واحد بعد واحد ولم يطلع عليه إلا وارد بعد وارد وأسئل الله سبحانه أن يعينني على إتمام ما أرجوه وأن يوفقني لإكماله على أحسن الوجوه وأن يجعلني ممن تزود في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده وهو حسبي ونعم الوكيل، اعلموا أيها الإخوان المقصود على إدراك الحقايق كدهم المعروف في اقتناص المعارف جدهم أني اسخرت الله سبحانه، ووشحت صدر هذا الشرح بعدة من الحقايق ينطوي كل منها على نبذة من الحقايق يفيد المقتبسين لأنوار الصحيفة الكاملة كمال البصيرة ويجعل أيدي الراغبين في اجتناء ثمارها غير قصيرة، وتزيل عن بصايرهم غشاوة الارتياب، ويغنيهم عن الغوص في هذا البحر العجاب، ويشير إلى يسير من بدايع صنايع الله عز وجل في أرضه وسمائه مما تضمن كلامه الإشارة إليه، وتنبيه أرباب الألباب عليه ويهدي إلى كشف الأستار عن بعض الأسرار طبق ما حققه المشاهدون من أهل العيان وشاهده المحققون من ذوي الإيقان، ويؤمي إلى التوفيق والتطبيق بين ما قادت إليه العقول الصحيحة السليمة وتطابقت عليه النقول الصريحة القويمة إلى غير ذلك من فوايد لا يطلع على أسرارها إلا واحد بعد واحد، وفوايد لم يرتشف من أنهارها إلا وارد بعد وارد.
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/78)


أما بعد الحمد والصلات فيقول الفقير إلى رحمة ربه الغني محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه يا من صرف في مطالعة النحو أياما، وخاض فيه شهورا وأعواما أخبرني عن اسم ثنائي الآحاد، ثلاثي العشرات، ثالثه آخر الحروف، وهو بين الناس مشهور ومعروف، فمن جملة حروفه حرف ربما تحلى بحلية الأسماء فيجري غالبا في مضمار المضمرات، ويسلك نادرا مسالك المظهرات، فما دام في ضمير الإضمار مكتوما، يكون من ارتفاع المحل مجزوما وبسمة النصب والجر موسوما، ولا يزال دائما معمولا، وعن رتبة العمل معزولا، وربما انخرط في سلك الحروف، فيصير في بعض الأحيان عاملا، وفي بعضها عن العمل عاطلا ومعموله كمعمول أخواته الست لا يكون إلا ظاهرا وربما عمل في الضماير نادرا ومنها حرف هو رابع علايم الرفع في ثلاثة، خامس علايم النصب في ستة ولا يقع في أوشيء من الكلمات الثلاث ولكن يقع في آخر ما يتصف به من الإناث إن جاور الأفعال صار من الأسماء وارتفع محله ومقداره، وإن خالط الأسماء عاد إلى الحروف واختلف بالرفع والنصب آثاره، إن أسقطته من عدد الأسماء اللازمة الرفع بقي عدد الجمل التي لها محل من الإعراب، وإن نقصته من عدد الأسماء اللازمة النصب ومن الباقي عدد المنبهات بقي عدد الجمل التي لها عن إعراب المحل غاية الاجتناب، وإن أضفت إليه عدد أسماء تنصب تارة ولا تنصب أخرى ساوى عدد ما هو من المتبوعية ممنوع، وبالتابعية أحرى، وإن زادت عليه عدد ما يعتمد اسم الفاعلي عليه في التقوى على معموله ساوى عدد المواضع الموجبة لتأخير الفاعل عن مفعوله، ومنها حرف ربما ينتظم في سمت أخواته العشر فيتصف بالفصاحة في بعض الأحيان. وقد يندرج في سلك أخواته الخمس بعد إحدى الست فينصب تاليه عند أهل اللسان، ومنها حرف إن جرى مجرى الأسماء، فقد يكون محلى بكل من الحلى الثلاث محلا فما دام مرفوعا فهو ما يلصق بعامله في جميع الأطوار، وما دام منصوبا فهو مفترق عنه، لئلا يسري إليه الانكسار وبينهما فاصل يحفظه عن ذلك العار وهو في البحر داخل في عدد السمكات، وفي أفعال النساء مانع لها عن الحركات، وإن جرى مجرى الحروف يكون في أوايل بعض الكلمات للغياب وفي أواخر بعضها للانتساب وقد يتصل به الثاني فيعمل في الأسماء بالنيابة عن الأفعال، وعن مقلوبه أيضا عن هذا المنوال لكنه قد يدخل في سلسلة الأسماء فيختص بين أخواته وقد يلج في ربقة الحروف فيصير في عدد أخوته الستة الموجبة للإيجاب، ومنها حرف معدود في الأسماء غالبا وقد يعد في الحروف نادرا؛ فما دام في الأسماء مدرجا وعن الحروف مخرجا فهو عن الفتح عري وبالخفض والضم حري، فيخفض ما زال للأربعة من الحروف الجارة معمولا، ويضم ما دام للسبعة منها مدخولا ومتى صار بالحرفيه موسوما، ومن الاسمية محروما، فقد يتصل ببعض الكلمات لإفادة المبالغات، فيلبس المذكرين حلية المؤنثات وقد يبنى على السكون فيلزم السكون أين ما يكون، فهذه صفات حروف هذا الاسم قد فصلتها لك تفصيلا شافيا وقررتها لك تقريرا وافيا وسأزيد في التوضيح بما يقارب التصريح فأقول إنه ظرف لحرف خص بالظرفية من بين أخواته وهو مع كمال ظهوره بعض المخفي في حد ذاته ثم أنك إن نقصت من رابعه موجبات الانفصال بقي عدد مانعات حذف حرف النداء وإن أضفت إلى خمس أوله ما يوجب في كل نصت من العشر المشهورة حصل عدد روابط الجملة الخبرية بالمبتدأ، وإن نقصت من رابعه حروف الزيادة النحوية، بقي عدد المواضع التي تعلق فيها العامل عن المعمول، وإن أسقطت من طرفيه عدد أخوات كان بقي عدد المواضع التي عود الضمير فيها على المتأخر لفظا ورتبة مقبول، وإن نقصت من خمس ثالثة عدد موانع الصرف بقي عدد الأمور التي يتميز بها التمييز عن الحال وإن زدت ثانيه على رابعه حصل عدد الموضع التي يجب فيه استتار الفاعل عن الأفعال، وإن نقصت رابعه من الحروف الجارة بقي عدد الأمور التي يفترق بها البدل عن عطف البيان وإن أسقطت عدد الأسماء العامة للمشبه بالفعل من أخويه بقي عدد الأشياء التي يمتاز بها الصفة المشبهة عن اسم الفاعل في كل حين وزمان، ومما اختص بهذا الاسم الخماسي الحروف من الغرايب إنك إذا نقصت من حروفه حرفين بقي حرف واحد وهذا من أعجب العجايب!
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/79)


يقول أقل الأنام بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه: أيها الأصحاب الكرام والإخوان العظام إن لي حبيبا جالينوسي المشرب، بقراطي المطلب، مسيحي الأنفاس، فلسفي القياس، مشهور بين الأنام مقبول عند الخاص والعام، مصاحب لا يعرف النفاق، وخادم لا يحتاج إلى الإنفاق، ومعلم لا يطلب أجرة على التعليم، ولا يتوقع التواضع والتسليم، لباسه من الجلود، ليس بمتكبر ولا حسود، باق في سن الشباب على توالي الأزمان، مقبول القول في جميع الملل والأديان اسمه واحدي المئات، ثنائي الآحاد والعشرات آخره نصف اوله ومنقوطه أكثر من مهمله أوله جبل عظيم وآخره في البحر مقيم خماسي الحروف، فإن نقصت منها حرفين، بقي حرف واحد وهذا عجيب وعدد بعضها يساوي مجموع حاشيتيه، وهذا أيضا غريب، إن سقط أوله بقي شكل اللحيان، وبزيادة خمسي أوله مع ثانيه يساوي عدد عظام الإنسان عدد علامات الامتلاء بحسب الأوعية يعلم من ضعف رابعه الاثانيه، وكون الامتلاء دمويا يظهر من أكثر مبانيه خمس أوله عدد المبردات، فإن نقصت منه ثانيه بقي عدد المسخنات رابعه ينبىء عن الست الضروريات وخمس آخره يخبر عن أجناس أدلة النبضات، وقد تولد من هذا الحكيم ولدان طبيبان لبيبان أحدهما أكبر والآخر أصغر أما الأكبر فنصفه الأعلى أيبس الأعضاء اليابسات ونصفه الأسفل بعدد القوى والأعضاء الرئيسة وأجناس الحميات شكله مع شكل نصرة الداخل متساويان والسرطان فيه متوسط بين العقرب والميزان وسطان بعدد ما للبحران الجيد من العلامات، وآخراه بعدد الأمور التي يجب مراعاتها في الاستفراغات، وأما الولد الأصغر فزايد على أبيه بعدد الغير المعتدل من المزاجات فإن زدت على آخريه أنواع الرسوب، حصل عدد كل من المرطبات والمجففات، وإن زدت على أحدهما مسطح آخره عادل بسايط مقادير النبض ومركباته الثنائيات، تم اللغز وتاريخ إتمامه لغز طبيبانه بي عديل وفيه صنعة المعمى، والمراد إذا سقط لفظ عديل من قولنا لغز طبيبانه يبقى التاريخ أعني ألف واثنان انتهى.
شرح: المرطبات هي السكون والنوم واحتباس ما يستفرغ استفراغ الخلط المجفف وكثرة الغذاء والغذاء المرطب والدواء المرطب وملاقات المرطبات وملاقات ما يبرد وملاقات ما يسخن تسخينا لطيفا والفرح المعتدل، والمجففات الجماع والحركة والسهر وكثرة الاستفراغ وقلة الأغذية وكونها يابسة والأدوية المجففة والحركات النفسانية وملاقات المجففات البرد المجمد منه ره وهي كونه بعد تمام النضج وفي يوم محمود كالسابع وإنذار يوم مناسبه كالرابع بالسابع وكونه باستفراغ لا بانتقال ولا بإخراج، وكون استفراغه من جهة مناسبة ويحمل الأعراض اللازمة وجريان النبض على ما ينبغي وكذا القوة وأعقاب الراحة منه رحمه الله، المزاجات ثمانية أربعة بسيطة وأربعة مركبة؛ حار - بارد - رطب - يابس - حار - رطب - حار - يابس - بارد يابس.
من كلام أفلاطون الإلهي: لا يكمل عقل الرجل حتى يرضى بأن يقال: إنه مجنون.
في سورة البرائة " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " الآية.
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم.
قال بعض الحكماء: ليس من احتجب بالخلق عن الله كمن احتجب بالله عنهم.
قيل لبعض الحكماء: قد شبت وأنت شاب فلم لا تغضب فقال إن الثكلى لا تحتاج إلى الماشطة.
بعضهم
آه يا ذلي ويا خجلي! ... إن يكن مني دنى أجلي
لو بذلت الروح مجتهدا ... ونفيت النوم عن مقلي
كنت بالتقصير معترفا ... خائفا من خيبة الأمل
فعلى الرحمن متكلي ... لا على علمي ولا عملي
وبين التراقي والترائب حسرة ... مكان الشجى أعي الطبيب علاجها
إذا قلت ها قد يسر الله سوغها ... أبت شقوتي وازداد سد رتاجها
سئل أمير المؤمنين رضي الله عنه بعض أصحابه، فقال: يا أمير المؤمنين هل نسلم على مذنب هذه الأمة؟ فقال:
يراه الله للتوحيد أهلا ... ولا تراه أهلا للسلام
وقال رضي الله عنه: لا تبدين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة وقال رضي الله عنه إن السبب الذي أدرك به العاجز مأموله هو الذي حال بين الحازم وطلبته.

(1/80)


وقال رضي الله عنه: إذا عظمت الذنب. فقد عظمت حق الله، وإذا صغرته فقد صغرت حق الله وما من ذنب عظمته إلا صغر عند الله؛ وما من ذنب صغرته إلا عظم عند الله، وقال رضي الله عنه: لو وجدت مؤمنا على فاحشة لسترته بثوبي، أو قال بثوبه هكذا، وقال رضي الله عنه: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه، وقال رضي الله عنه: قال رسول الله في قوله تعالى: " ويخلق ما لا تعلمون، إن الله خلق إحدى وثلاثين قبة أنتم لا تعلمون بها، فذلك قوله تعالى: " ويخلق ما لا تعلمون " .
قال واليس الحكيم: محبة المال وتد الشر، ومحبة الشر وتد العيوب، وسئل وهو في أيام شيخوخته ما حالك؟ فقال هوذا، أموت قليلا قليلا، وقيل له: أي الملوك أفضل، ملك اليونان أم ملك الفرس؟ فقال: من ملك غضبه وشهوته فهو أفضل وقال إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركت الطالب لها قتلته، وقال: إعط حق نفسك، فإن الحق يخصمك إذا لم تعطها حقها.
قال بعض الحكماء: إن الرجل ينقطع إلى بعض ملوك الدنيا، فيرى عليه أثره، فكيف من انقطع إلى الله سبحانه، وقال: نحن نسأل أهل زماننا إلحافا وهم يعطوننا كرها فلا هم يثابون ولا نحن يبارك لنا، سرور الدنيا أن تقنع بما رزقت، وغمها أن تغنم لما لم ترزق.
قال بعض الحكماء: الدليل على أن ما بيدك لغيرك، أن ما بيد غيرك صار بيدك، ومن كلامه: عيشة الفقر مع الأمن خير من عيشة الغنى مع الخوف.
قال الكاظم رضي الله عنه لابن يقطين: إضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثا إضمن أن لا تلقى أحدا من موالينا في دار الخلافة إلا قمت بقضاء حاجته، أضمن لك أن لا يصبك حد السيف أبدا ولا يظللك سقف سجن أبدا ولا يدخل الفقر بيتك أبدا.
سئل رجل حكيما: كيف حال أخيك فلان؟ فقال مات، فقال وما سبب موته؟ قال حياته.
سمع أبو يزيد البسطامي شخصا يقرأ هذه الآية " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " فبكى، وقال: من باع نفسه كيف له نفس؟! وقال بعض الحكماء إن غضب الله أشد من النار ورضاه أكبر من الجنة.
قال بعض الأكابر: يقول ما أصنع بدينا إن بقيت لم تبق لي وإن بقيت لم أبق لها.
كان بشر الحافي يقول: لا يكره الموت إلا مريب وأنا أكرهه.
قال المسيح على نبينا وعليه السلام: ليحذر من يستبطي الله في الرزق أن يغضب عليه.
ومن كلام بعض الحكماء أقرب ما يكون العبد من الله إذا سأله، وأقرب ما يكون من الخلق إذا لم يسألهم.
قال بعض العباد إني لأستحيي من الله سبحانه أن يراني مشغولا عنه وهو مقبل على شعر:
سلام عليكم من محب وداده ... لكل ذوي الألباب والفضل صادق
ولكنه من نحو عشرين حجة ... تراءى له من عالم الغيب شارق
وشام وميضا من نواحي تهامة ... ويا حبذا من جانب الطور بارق
فصار له شغل عن الخلق شاغل ... ورافقه الشوق الذي لا يفارق
يبيت له حاد إلى السير سائق ... ويضحى له من كامن الوجد شائق
وهذا هو العذر الذي قلت عنده ... لخلطة من لم أرضه أنت طالق
وأثرت عنها عزلة في غصونها ... حقايق للمغزى بها ودقايق
وماذا عسى أن يستفيق للائم ... أخو الوجد أو أن يسمع العذل عاشق
قال بعض الحكماء: لست منتفعا بما تعلم إذا لم تعمل بما تعلم، فإن زدت في علمك، فأنت مثل رجل حزم حزمة من حطب وأراد حملها فلم يطق فوضعها وزاد عليها.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " وأما السائل فلا تنهر " ليس هو سائل الطعام، ولكنه سائل العلم.
قال بعض ولاة البصرة لبعض النساك: ادع لي، فقال: إن بالباب من يدعو عليك قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي؟ وقال حق على الرجل العاقل الفاضل أن يجتنب مجلسه ثلاثة أشياء الدعابة وذكر النساء، والكلام في المطاعم.
قيل لإبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟ فقال إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله وإن صحبت من هو فوقي تكبر علي، وإن صحبت من هو مثلي حسدني، فاشتغلت بمن ليس في صحبته ملال، ولا في وصله انقطاع، ولا في الأنس به وحشة.

(1/81)


دعاء: يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أسألك بنبيك نبي الرحمة وعترته أئمة الأمة أن تصلي عليه وأن تجعل لي من أمري فرجا قريبا ومخرجا وحيا وخلاصا عاجلا إنك على كل شيء قدير.
في الحديث: إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومن كلام بعض الأكابر: ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن من الوعيد.
سئل بعض الرهبان: متى عيدكم؟ فقال يوم لا نعصي فيه الله سبحانه فذلك عيدنا ليس العيد لمن لبس الفاخرة، إنما العيد لمن أمن عذاب الآخرة، ليس العيد لمن لبس الرقيق إنما العيد لمن عرف الطريق.
من كلام الحكماء: لا تقعد حتى تقعد، وإذا قعدت كنت أعز مقاما، ولا تنطق حتى تستنطق، فإذا استنطقه كنت أعلى كلاما.
وروى شيخ الطايفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في كتاب الأخبار بطريق حسن عن الباقر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في المسجد فدخل رجل فصلى فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال النبي: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهذه صلاته ليموتن على غير ديني.
من كلام بعض أكابر الصوفية: إن فوت الوقت أشد عند أصحاب الحقيقة من فوت الروح، لأن فوت الروح انقطاع عن الخلق وفوت الوقت انقطاع عن الحق.
قال أبو علي الدقاق وقد سئل عن الحديث المشهور من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه، إن المرء بقلبه ولسانه وجوارحه، فمن تواضع لغني بلسانه وجوارحه ذهب ثلثا دينه، فإن تواضع بقلبه أيضا ذهب دينه كله.
لجار الله الزمخشري
كثر الشك والخلاف وكل ... يدعي الفوز بالصراط السوي
فاعتصامي بلا إله سواه ... ثم حبي لأحمد وعلي
فاز كلب يحب أصحاب كهف ... كيف يشقى محب آل النبي؟!
لبعضهم
يا من هجروا وغيروا أحوالي ... مالي جلد على نواكم مالي
عودوا بوصالكم على مدنفكم ... فالعمر قد انقضى وحالي حالي
من خط جدي ره
كم تذهب يا عمري في خسراني ... ما أغفلني عنك وما ألهاني
إن لم يكن الآن صلاحي فمتى؟ ... هل بعدك يا عمري عمر ثاني
لم أكن للوصال أهلا ولكن ... أنت صيرتني لذلك أهلا
أنت أحييتني وقد كنت ميتا ... ثم بدلتني بجهلي عقلا
نعم ما قال
أعيني لم لا تبكيان على عمري ... تناثر عمري من يدي ولا أدري
إذا كنت قد جاوزت خمسين حجة ... ولم أتأهب للمعاد فما عذري؟
استعجمت دارمي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أبعاد
مما نقله جدي رحمه الله من خط السيد الجليل الطاهر ذي المناقب والمفاخر السيد رضي الدين علي بن طاووس قدس الله روحه من الجزء الثامن أو الثاني في كتاب الزيارات لمحمد بن أحمد بن داود القمي ره أن أبا حمزة الثمالي قال للصادق رضي الله عنه: إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين قبر الحسين يستشفون به فهل في ذلك شيء مما يقولون من الشفا؟ فقال يستشفى ما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال وكذلك قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قبر الحسن وعلي ومحمد فخذ منها فإنها شفاء من كل سقم وجنة مما يخاف، ثم أمر بتعظيمها وأخذها باليقين بالبرء وبختمها إذا أخذت.
ومن الكتاب المذكور عن الصادق رضي الله عنه من أصابته علة لا تتداوى فتداوى بطين قبر الحسين رضي الله عنه شفاه الله من تلك العلة إلا أن يكون علة السام، ومن الكتاب المذكور: روي أن الحسين رضي الله عنه اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوا والغاضرية بستين ألف درهم، وتصدق بها عليهم وشرط أن يرشدوا إلى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام، وقال الصادق رضي الله عنه: حرم الحسين رضي الله عنه الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال فهو حلال لولده ومواليه حرام على غيرهم ممن خالفهم، وفيه البركة.
ذكر السيد الجليل السيد رضي الدين بن طاووس رحمه الله أنها إنما صارت حلالا بعد الصدقة، لأنهم لم يفوا بالشرط، قال: وقد روى محمد بن داود عدم وفائهم بالشرط في باب نوادر الزيارات.

(1/82)


في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه فاقبلوا رخص الله ولا تكونوا كبني إسرائيل حين شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
من خط جدي طاب ثراه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: صوم ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صوم الدهر ويذهب بوحر الصدر؛ الوحر: مشتق من الوحرة بتحريك الواو والحاء والراء وهي دويبة حمراء تلصق باللحم وتكره العرب أكله للصوقها به ودبيبها عليه.
قال الشاعر يذم قوما ويصفهم بالبخل:
رب أضياف بقوم نزلوا ... فقروا أضيافهم لحما وحر
وسقوهم في إناء كلع ... لبنا من دم مخراط فئر
المخراط: الناقة التي بها مرض ويكون لبنها معقدا، وفيه دم، والفئر ما شربت منه الفارة.
في الحديث: خير الخيل الأدهم الأرثم الأقرح المحجل طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشبه. الأدهم: الأسود، والأقرح: الذي في جبهته بياض بقدر الدرهم، والأرثم ما في أنفه وشفته العليا بياض، والتحجيل بياض قوايم الفرس قل أو كثر بعد أن لا يجوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والطلق بضم الطاء عدم التحجيل.
من كلام مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه: جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه.
ومن كلامه: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأنعم على من شئت تكن أميره.
عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم. وسداد السهم: ذهابه على الاستقامة نحو الغرض.
قال بعض الأعلام: في الحديث دلالة ظاهرة على أنه ينبغي في الدعا ملاحظة الداعي لمعانيه وقصدها على الوجه الأتم مما يقرأ للأمر المهم وللأوجاع منقول عن الصادق رضي الله عنه يقول ثلاث مرات: الله الله ربي حقا لا أشرك به أحدا اللهم أنت لها ولكل عظيمة ففرجها عني وإن قرأتها للوجع فضع يدك حال قرائته على المكان الوجع.
قال بعض الأكابر من السلف: التوبة اليوم رخيصة مبذولة، وغدا غير مقبولة شعر الحسين رضي الله عنه:
إغن عن المخلوق بالخالق ... تغن عن الكاذب بالصادق
واسترزق الرحمن من فضله ... فليس غير الله من رازق
قال بعض الأكابر: البلاغة أداء المعنى بكماله إلى النفس في أحسن صورة من اللفظ.
من كلام العرب وهو يجري مجرى الأمثال قولهم: أعطني قلبك والقني متى شئت يريدون إن الاعتبار بخلوص المودة لا بكثرة اللقاء.
سأل رجل الجنيد رحمه الله كيف حسن المكر من الله سبحانه وقبح من غيره، فقال: لا أدري ما تقول ولكن.
أنشدني فلان الطبراني:
فديتك قد جبلت على هواكا ... فنفسي لا تطالبني سواكا
أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
فقال له الرجل: أسألك عن آية من كتاب الله، وتجيبني بشعر الطبراني، فقال: ويحك أجبتك إن كنت تعقل.
مما كتب الشريف جمال النقباء أبو إبراهيم محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحق ابن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وهو أبو الرضي والمرتضى رضي الله عنهما إلى أبي العلاء المعري:
غير مستحسن وصال الغواني ... بعد ستين حجة وثمان
فصن النفس عن طلاب التصابي ... وازجر القلب من سؤال المعاني
إن شرخ الشباب بدله شيبا ... وضعفا مقلب الأعيان
فانفض الكف من حياء المحيا ... وامعن الفكر في اطراح المعاني
وتيمن بساعة البين واجعل ... خير فال تناعب الغربان
فالأديب الأريب يعرف ما ضمن ... طي الكتاب بالعنوان
أترجي مالا رحيبا وإسعاد ... سعاد وقد مضى الأطيبان
غلف الدهر عارضيك بشيب ... أنكرت عرفه أنوف الغواني
وتحامت حماك نافرة عنك ... نفار المهى من السرحان
ورد العايب البغيض إليهن ... وولى حبيبهن المداني
وأخو الحزم مغرم بحميد الذكر ... يوم الندى ويوم الطعان

(1/83)


همه المجد واكتساب المعالي ... ونوال العافي وفك العاني
لا يعير الزمان طرفا ولا ... يجعل صيرا بطارق الحدثان
مما سنح بخاطر قلمي
من الصفات المحمودة في الخادم، خير الخدام من كان كاتم السر، عادم الشر، قليل المؤنة، كثيرة المعونة، صموت اللسان، شكور الإحسان، حلو العبارة، دراك الإشارة، عفيف الأطراف، عديم الاتراف.
عن ضرار بن ضمرة: دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين رضي الله عنه فقال: صف لي عليا، فقلت اعفني، فقال: لابد أن تصفه فقلت أما إذ لابد، فإنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين.
ويقول: يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت، أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات قد بتتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وعيشك حقير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك يا ضرار؟ فقلت: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.
حديث المذكور منقول من كتاب كشف اليقين في فضايل مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه عن عبد الله ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه من يده فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله: خذ خاتمك وانتفع به فقال: لا آخذ شيئا طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو العميثل لما حجب عن الدخول على عبد الله بن طاهر
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخف قليلا
إذا لم أجد يوما إلى الأذن سلما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
بعضهم
عللت باليأس نفسي عنك فانصرفت ... واليأس أحسن مرجو من الطمع
فكن على ثقة أني على ثقة ... ألا أعلل بعد اليوم بالخدع
محوت ذكرك من قلبي ومن أذني ... ومن لساني فقل ما شئت أو فدع
إذا تباعد قلبي عنك منصرفا ... فليس يدنيك مني أن تكون معي
عبد الله بن طاهر
إغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر ... مني ولا يفوتك أجري
لا تكلني إلى التوسل بالعذر ... لعلي أن لا أقوم بعذري
جحظة الشاعر
وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب مثر أنت أم ثوب مقتر؟
فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرام مقتر
الباجي الشاعر اسمه سليمان كان من علماء الأندلس والباجي بالباء الموحدة والجيم ومن شعره ما أورده ابن خلكان في وفيات الأعيان:
إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا بها؟ ... وأجعلها في صلاح وطاعة
وهو منسوب إلى باجة قرية من قرى الأندلس.
بعضهم
توخ من الطرق أوساطها ... وعد عن الجانب المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
من الكلمات المنسوبة إلى سيد الأوصياء صلى الله عليه وسلم: من أمضى يومه في غير حق، قضاه أو فرض أداه، أو مجد بناه أو حمد حصله أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عق يومه.

(1/84)


لقي الحسن البصري الإمام علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه فقال له الإمام رضي الله عنه: يا حسن أطع من أحسن إليك وإن لم تطعه فلا تعص له أمرا؛ وإن عصيته فلا تأكل له رزقا وإن عصيته وأكلت رزقه وسكنت داره، فأعد له جوابا، وليكن صوابا. في الحديث: إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه، فإن في أحد جناحيه سمان وفي الآخر شفاء، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء قال أهل اللغة: إن معنى أمقلوه اغمسوه والمقل بالقاف الغمس في القاموس عند ذكر كسكر إنها قصبة واسط وكان خراجها اثني عشر ألف ألف مثقال كأصبهان.
دعاء منقول عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم قال: من أراد أن لا يوقفه الله على قبيح أعماله ولا ينشر له ديوانا فليدع بهذا الدعاء في دبر كل صلاة: اللهم إن مغفرتك أرجى من عملي، وإن رحمتك، أوسع من ذنبي اللهم إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهل أن تبلغني، لأنها وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين.
عبد الله بن حنيف
قد أرحنا واسترحنا ... من غدو ورواح
واتصال بلئيم ... أو كريم ذي سماح
بعفاف وكفاف ... وقنوع وصلاح
وجعلنا اليأس مفتاحا ... لأبواب النجاح
لما مات جالينوس وجد في جيبه رقعة فيها مكتوب: أحمق الحمقاء من يملأ بطنه من كل ما يجد، فما أكلته فلجسمك، وما تصدقت به فلروحك، وما خلفته فلغيرك والمحسن حي وإن نقل إلى دار البلى، والمسيء ميت وإن بقي في الدنيا، والقناعة تستر الخلة وبالصبر تدرك الأمور، وبالتدبير يكثر القليل، ولم أر لابن آدم شيئا أنفع من التوكل على الله تعالى.
من كلام المسيح على نبينا وعليه السلام: لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها.
كان سقراط الحكيم قليل الأكل خشن اللباس، فكتب إليه بعض فلاسفة عصره: أنت تزعم تحسب أن الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنت ذو روح، فلم لا ترحمها بترك قلة الأكل وخشن اللباس؟ فكتب في جوابه: عاتبتني على لبس الخشن وقد يعشق الإنسان القبيحة ويترك الحسناء، وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن آكل لأعيش، وأنت تريد أن تعيش لتأكل: والسلام.
فكتب إليه الفيلسوف: قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة كلامك، وإذا كنت تبخل على نفسك بالمأكل، فلم تبخل على الناس بالكلام؟ فكتب في جوايه: ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس، فليس لك والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق سبحانه لك أذنين ولسانا لتسمع ضعف ما تقول، لا لتقول أكثر مما تسمع والسلام.
لبعضهم
إلى الله أشكو إن في النفس حاجة ... تمر بها الأيام وهي كما هيا
روى شيخ الطايفة في التهذيب في أوايل كتاب المكاسب بطريق حسن، أو صحيح، عن الحسن ابن محبوب، عن جرير: قال سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه يقول: اتقوا الله وموتوا أنفسكم بالورع، وقووه بالثقة، والاستغناء بالله عن طلب الحوائح إلى صاحب سلطان.
واعلم أنه من خضع لصاحب سلطان، أو لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه أخمله الله ومقته عليه، ووكله إليه فإن هو غلب على شيء من دنياه، فصار إليه منه شيء نزع الله منه البركة ولم يؤجره على شيء من دنياه ينفقه في حج ولا عتق ولا بر.
أقول: قد صدق رضي الله عنه فإنا قد جربنا ذلك وجربه المجربون قبلنا، واتفقت الكلمة منا، ومنهم على عدم البركة في تلك الأموال وسرعة نفادها واضمحلالها وهو أمر ظاهر محسوس يعرفه كل من حصل شيئا من تلك الأموال الملعونة، نسأل الله تعالى رزقا حلالا طيبا يكفينا ويكف أكفنا عن مدها إلى هؤلاء وأمثالهم، إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء.
شعر لابن سينا
تعس الزمان فإن في أحشائه ... بغضا لكل مفضل ومبجل
وتراه يعشق كل رذل ساقط ... عشق النتيجة للأخس الأرذل
أبو العلاء المعري
لا تطلبن بآلة لك رتبة ... قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
آخر
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع

(1/85)


في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك، يا أبا ذر دع ما لست منه في شيء ولا تنطق بما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك.
وفي كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه: من جمع له مع الحرص على الدنيا البخل بها فقد استمسك بعمودي اللؤم، من لم يتعاهد علمه في الخلاء فضحه في الملاء، من اعتز بغير الله سبحانه أهلكه العز، من لم يصن وجهه عن مسألتك فصن وجهك عن رده لا تضيعن مالك في غير معروف، ولا تضعن معروفك عند غير عروف، لا تقولن ما يسؤوك جوابه، لا تمار اللجوج في محفل، لا يكونن أخوك على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه.
قال حبر من بني إسرائيل في دعائه: يا رب كم أعطيك ولا تعاقبني، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان قل لعبدي: كم أعاقبك ولا تدري ألم أسلبك حلاوة مناجاتي؟! نقل الراغب في المحاضرات: أن بعض الحكماء كان يقول لبعض تلامذته: جالس العقلاء أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل.
دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، فقال: علمني يا ابن رسول الله ما علمك الله، فقال رضي الله عنه: وإذا تظاهرت الذنوب فعليك بالاستغفار، وإذا تظاهرت النعم فعليك بالشكر، وإذا تظاهرت الغموم، فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فخرج سفيان وهو يقول: ثلاث وأي ثلاث؟! ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: عجبت ممن يحتمي عن الطعام مخافة المرض، كيف لا يحتمي عن الذنوب مخافة النار؟! سئل بعضهم بعض الحكماء ما الشر المحبوب؟ فقال الغنى.
كان بعض الحكماء يقول: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل.
تحسر بعض الحكماء عند الموت، فقيل: ما بك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفرا طويلا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مونس، ويقدم على حكم عدل بلا حجة.
بعضهم
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا ... وإذا وليت عنه تبعك
مر عبد الله بن المبارك برجل واقف بين مزبلة ومقبرة، فقال له: يا هذا إنك واقف بين كنزين من كنوز الدنيا: كنز الأموال وكنز الرجال.
كان الربيع بن خيثم
يقول: لو كانت الذنوب تفوح ما جلس أحد إلى أحد.
كان أبو حازم يقول: عجبت لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويتركون العمل لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة، وكان يقول: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا ما وري عنا. قال المسيح على نبينا وعليه السلام: لو لم يعذب الله الناس على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصوه شكرا لنعمته. لما اجتمع يعقوب مع يوسف على نبينا وعليهما السلام قال يا بني حدثني بخبرك، فقال له يا أبت لا تسألني عما فعل بي إخوتي واسألني عما فعل الله سبحانه بي.
قال هرون الرشيد للفضيل بن عياض: ما أشد زهدك؟! فقال أنت أزهد مني، لأني زهدت في فان لا يبقى، وأنت زهدت في باق لا يفنى.
كان بعض الحكماء يقول: لا شيء أنفس من الحياة ولا غبن أعظم من أنفادها لغير حياة الأبد.
لبعضهم
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب ود امرىء غرضا
وقد عرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغيري بعدما عرضا
وقد تعوضت عن كل بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا
ابن الخياط الشامي وهو صاحب الأبيات المشهورة التي أولها:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤادا وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بواد الغضايا بعدما أتمناه
لله درهما من بيتين يأخذان بمجامع القلوب.
شهاب الدين السهروردي صابح كتاب المعروف
تصرمت وحشة التنائي ... وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حسودا ... من كان في حجركم رثالي
وحقكم بعد إذ حصلتم ... بكل ما فات لا أبالي
وما على عادم أجاجا ... وعنده بحر الزلال
عبد الله بن القاسم الشهر زوري
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي ... وحار الدليل

(1/86)


فتأملتها وفكري من البين عليل ... ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ... ذاك الغرام الدخيل
ثم قابلتها وقلت لصحبي ... هذه النار نار ليلى فميلوا
قرموا نحوها لحاظا صحيحات ... فعادت خواسئا وهي حول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلب ما رأيت أم تخييل؟
فتجنبتهم وملت إليها ... والهوا مركبي وشوقي الزميل
ومعي صاحب أتى يقتفي الآثار ... والحب شأنه التطفيل
وهي تبدو ونحن ندنو إلى أن ... حجزت دونها طلول محول
فدنونا من الطلول فحالت ... زفرات من دونها وعويل
قلت من بالديار قالت جريح ... وأسير مكبل وقتيل
ما الذي جئت تبتغي قلت ضيف ... جاء يبغي القرى فأين النزول؟
فأشارت بالرحب دونك فاعقرها ... فما عندنا لضيف رحيل
من أتانا ألقى عصا السير عنه ... قلت من لي بذا وكيف السبيل؟
فحططنا إلى منازل قوم ... صرعتهم قبل المذاق الشمول
درس الوجد منهم كل رسم ... فهو رسم والقوم فيه حلول
منهم من عفى ولم يبقى للشكوى ... ولا للدموع فيه مقيل
ليس إلا الأنفاس تخبر عنه ... وهو عنها مبرأ معزول
ومن القوم من يشير إلى وجد ... تبقى عليه منه القليل
قلت أهل الهوى سلام عليكم ... بي فؤاد عنكم بكم مشغول
لم يزل حافز من الشوق ... يحدوني إليكم والحادثات تحول
جئت كي أضطلى فهل لي إلى ... ناركم هذه الغداة سبيل؟
فأجابت شواهد الحال عنهم ... كل حد من دونها مفلول
لا تروقنك الرياض الأنيقات ... فمن دونها ربي وذحول
كم أتاها قوم على غرة منها ... وراموا قرى فعز الوصول
فوقفنا كما عهدت حيارى ... كل عزم من دوننا محلول
يدفع الوقت بالرجاء وناهيك ... بقلب غذاؤه التعليل
كلما ذاق كأس يأس مرير ... جاء كأس من الرجا معسول
وإذا سولت له النفس أمرا ... حيد عنه وقيل صبر جميل
هذه حالنا وما وصل العلم ... إليه وكل حال تحول
من وفيات الأعيان: دخل عمرو بن عبيد يوما على المنصور، وكان صديقه قبل خلافته فقربه وعظمه، ثم قال له عظني: فوعظه بمواعظ منها: قوله: إن لهذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك، فاحذر ليلة يوم لا ليل بعده، فلما أراد النهوض قال له: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها فقال: والله تأخذها فقال والله لا آخذها.
وكان المهدي ولد المنصور حاضرا، وقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال هذا المهدي ولدي وولي عهدي، قال: أما لقد ألبسته لباسا هو لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال: يا ابن أخي إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارة من عمك، فقال له المنصور هل من حاجة؟ قال لا تبعث إلي حتى آتيك قال إذن لا تلقاني، قال هي حاجتي ومضى فأتبعه المنصور طرفه.
وقال:
كلكم يمشي رويد ... كلكم طالب صيد
غير عمرو بن عبيد

(1/87)


توفي عمرو بن عبيد سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران.
ورثاه المنصور بقوله
صلى الإله عليك من متوسد ... قبرا مررت به على مران
قبرا تضمن مؤمنا متحققا ... صدق افله ودان بالفرقان
لو أن هذا الدهر أبقى صالحا ... أبقى لنا عمروا أبا عثمان
قال ابن خلكان: لم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه ومران بفتح الميم وتشديد الراء موضع بين مكة والبصرة.
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عند ذكر حماد عجرد ما صورته: إن حمادا كان ماجنا خليعا متهما في دينه بالزندقة، وكان بينه وبين أحد الأئمة الكبار مودة، ثم تقاطعا فبلغه أنه ينتقصه فكتب إليه هذه الأبيات.
إن كان نسكك لا يتم ... بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي كيف ... شئت؟ مع الأداني والأقاصي
فلطالما شاركتني ... وأنا المقيم على المعاصي
أيام نأخذها ونعطي ... في أباريق الرصاص
ويقال: إن الإمام المذكور هو أبو حنيفة انتهى كلام ابن خلكان.
ذكر صاحب تاريخ الحكماء عند ترجمة الشيخ موفق الدين البغدادي أنه قال: لما اشتد بأستاذي المرض الذي مات فيه، وكان ذات الجنب عن نزلة فأشرت عليه بالمداواة فأنشد:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره
من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: لأن أكون في شدة أتوقع رخاء، أحب إلي من أن أكون في رخاء أتوقع شدة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أذنب ذنبا، فأوجع قلبه عليه، غفر له ذلك الذنب وإن لم يستغفر منه.
العباس بن الأحنف
لابد للعاشق من وقفة ... تكون بين الصد والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
قال صاحب الإكسير في تفسير هذه الآية: المراد وما وليناك الجهتين إلا لأنك المنعوت في التوراة بذي القبلتين فأكدنا على اليهود الحجة لنعلم من يتبعك عن ظهور أيامك انتهى ولا يخفى أنه يمكن تطبيق كلامه هذا على كل من الجعل الناسخ والمنسوخ فتدبر.
وقال صاحب جامع البيان وهو من المتأخرين عن زمان البيضاوي: ويحتمل أن يراد من التي كنت عليها الكعبة أي خاطرك مائل إليها فإن الأصح أن القبلة قبل الهجرة الصخرة لكن خاطره الأشرف مايل إلى أن تكون الكعبة قبلة انتهى كلامه ولا يخفى أنه على هذا يمكن توجيه إرادة الجعل الناسخ في الرواية عن أئمتنا رضي الله عنهم، أن قبلته صلى الله عليه وسلم كانت في مكة بيت المقدس فتأمل.
لله در صاحب الكشاف فإن كلامه في تفسير هذه الآية كالدر المنثور، وكلام المتأخرين عنه كالإمام الرازي والنيشابوري والبيضاوي ولا يخلو من خبط كما بيناه في الكشكول.
من الكشاف في تفسير وما جعلنا الآية التي كنت عليها ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعول جعل يريد وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة، يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصافية ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد كقوله: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، الآية، ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته أن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وإن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض، وإنما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلتك وقبل هذا وهي بيت المقدس لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه.
لله در من قال
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحد منهم بمؤتمن

(1/88)


قد كان لي كنز صبر فافتقرت إلى ... إنفاقه في مداراتي لهم ففني
الشيخ شمس الدين الكوفي
إليك إشاراتي وأنت مرادي ... وإياك أعني عند ذكر سعاد
وأنت تثير الوجد بين أصابعي ... إذا قال حاد أو ترنم شادي
وحبك ألقى النار بين جوانحي ... بقدح وداد لا بقدح زناد
خليلي كفا عني العذل واعلما ... بأن غرامي آخذ بقيادي
ولذة ذكرى للعقيق وأهله ... كلذة برد الماء في فم صادي
طربنا بتعريض العذول بذكركم ... فنحن بواد والعذول بواد
مما أنشده العلامة على الإطلاق مولانا قطب الدين شيرازي:
خير الورى بعد النبي ص ... من بنته في بيته
من في دجى ليل العمى ... ضوء الهدى في زيته
قال المحقق الدواني في بحث التوحيد من إثبات الواجب الجديد أقول: لأن هذا المطلب أدق المطالب الإلهية وأحقها بأن يصرف فيه الطالب وكده وكده، ولم أر في كلام السابقين ما يصفو عن شوب ريب، ولا في كلام اللاحقين ما يخلو عن وصمة عيب، فلا بأس على أن أشبع فيه الكلام حسبما يبلغ إليه فهي وإن كنت موقنا بأنه سيصير عرضة لملام اللئام.
بيت
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها
وأقدم على ذلك مقدمة
هي أن الحقايق لا يقتنص من قبيل الإطلاقات العرفية، وقد يطلق في العرف على معنى من المعاني لفظ توهم ما لا يساعده البرهان، بل يحكم بخلافه، ونظير ذلك كثير منه: إن لفظ العلم إنما يطلق في اللغة على ما يعبر عنه: بدانستن ودانش ومراد فإنهما مما يوهم أنه من قبيل النسب، ثم البحث المحقق والنظر الحكمي يقضي بأن حقيقته هو الصورة المجردة، وربما يكون جوهرا كما في العلم بالجوهر بل ربما لا يكون قائما بالعالم بل قائما بذاته كما في علم النفس وساير المجردات بذواتها، بل ربما يكون عين العالم كعلم الواجب تعالى بذاته، ومنه أن الفصول الجوهرية يعبر عنها بألفاظ توهم أنها إضافات عارضة لتلك الجواهر، كما يعبر عن فصل الإنسان بالناطق والمدرك للكليات وعن فصل الحيوان بالحساس والمتحرك بالإرادة، والتحقيق أنها ليست من النسب والإضافات في شيء بل هي الجواهر، فإن جزء الجوهر لا يكون إلا جوهرا كما تقرر عندهم.
وبعد ذلك، نمهد مقدمة أخرى وهي: أن صدق المشتق على شيء لا يقتضي قيام مبدء الاشتقاق به وإن كان في عرف اللغة توهم ذلك، حيث فسر أهل العربية اسم الفاعل بما يدل على أمر قام به المشتق منه وهو بمعزل عن التحقيق، فإن صدق الحداد على زيد إنما هو بسبب كون الجديد موضوع صناعته على ما صرح به الشيخ وغيره، وصدق المشمس على الماء المستند إلى نسبة الماء إلى الشمس بتسخينه، وبعد تمهيد هاتين المقدمتين نقول: يجوز أن يكون الوجود الذي هو مبدء الاشتقاق للموجود ما أمرا قائما بذاته هو حقيقة الواجب ووجود غيره تعالى عبارة عن انتساب ذلك الغير إليه سبحانه ويكون الموجود أعم من تلك الحقيقة ومن غيرها المنتسب إليه، وذلك المفهوم العام أمر اعتباري عد من المعقولات الثانية وجعل أول البديهيات فإن قلت: كيف يتصور كون تلك الحقيقة موجودة في الخارج مع أنها كما ذكرته عين الوجود؟ وكيف يعقل كون الموجود أعم من تلك الحقيقة وغيرها؟ قلت: ليس معنى الموجود يتبادر إلى الذهن ويوهمه العرف من أن يكون أمرا مغايرا للوجود بل ما يعبر عنه بالفارسية وغيرها ومرادفاتها، فإذا فرض الوجود عن غيرها قائما بذاته كان وجودا لنفسه فيكون موجودا بذاته كماأن الصورة المجردة إذا قامت بنفسها فكانت علما وعالما ومعلوما كالنفوس والعقول بل الواجب تعالى.
ومما يوضح ذلك أنه لو فرض تجرد الحرارة عن النار كان حارا وحرارة، إذ الحار ما يؤثر تلك الآثار المخصوصة من الإحراق وغيره والحرارة على تقدير تجردها كذلك.

(1/89)


قد صرح بهمنيار في كتاب البهجة والسعادة: بأنه لو تجردت الصورة المحسوسة عن الحس وكانت قائمة بنفسها كانت حاسة ومحسوسة ولذلك ذكروا أنه لا يعلم كون الوجود زايدا على الموجود إلا ببيان مثل أن يعلم أن بعض الأشياء قد يكون موجودا فيعلم أنه ليس عين الوجود أو يعلم أنه إنما هو عين الوجود يكون واجبا بالذات، ومن الموجودات ما لا يكون واجبا وزيد الوجود عليه.
فإن قلت: كيف يتصور هذا المعنى الأعم من الوجود القائم بذاته وما هو منتسب إليه؟ قلت: يمكن أن يكون هذا المعنى أحد الأمرين من الوجود القائم بذاته وما هو منتسب إليه انتسابا مخصوصا ومعنى ذلك أن يكون مبدءا للآثار ومظهرا للأحكام ويمكن أن يقال: إن هذا المعنى ما قام به الوجود أعم من أن يكون وجودا قائما بنفسه فيكون قيام الوجود به قيام الشيء بنفسه، ومن أن يكون من قيام الأمور المنتزعة العقلية لمعروضاتها كقيام الأمور الاعتبارية مثل الكلية والجزئية ونظايرهما ولا يلزم من كون إطلاق القيام على هذا المعنى مجازا أن يكون إطلاق الموجود عليه مجازا كما لا يخفى، على أن الكلام هيهنا ليس في المعنى اللغوي وأن إطلاق الموجود عليه حقيقة أو مجازا فإن ذلك ليس من المباحث العقلية في شيء.
فتلخص من هذا أن الوجود الذي هو مبدأ اشتقاق الموجود أمر واحد في نفسه وهو حقيقة خارجية، والموجود أعم من هذا الوجود القائم بنفسه وهو مما ينتسب إليه انتسابا خاصا وإذا حمل كلام الحكماء على ذلك لم يتوجه عليه أن المعقول من الموجود أمر اعتباري هو وصف للموجودات وهو الذي جعلوه أول الأوايل البديهية، فإطلاق الموجود على تلك الحقيقة القائمة بذاتها إنما يكون بالمجاز أو بوضع آخر، ولا يجدي ذلك في استغناء الواجب عن عروض الوجود والمفهوم المذكور أمر اعتباري، فلا يكون حقيقة الواجب تعالى.
قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " قد اتفق الكل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة مدة ثم أمر أهل البيت رضي الله عنهم، أنها كانت بيت المقدس، ثم لا يخفى أن الجعل في الآية الكريمة جعل مركب لا بسيط وقوله تعالى: كنت عليها ثاني مفعوليه كما نص عليه صاحب الكشاف واختلفوا في المراد بهذا الموصول؛ فأئمتنا سلام الله عليهم على أن المراد ببيت المقدس ما يجعل في الآية هو الجعل المنسوخ، وأما القائلون بأنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى الكعبة فالجعل عندهم يحتمل أن يكون جعلا منسوخا باعتبار الصلاة في المدينة مدة إلى بيت المقدس، وأن يكون جعلا ناسخا باعتبار الصلاة بمكة.
أقول: وبهذا يظهر أن جعل البيضاوي رواية ابن عباس دليلا على جواز كون الجعل منسوخا كلام لا طايل تحته، وصاحب الكشاف لما قرر ما يستفاد منه جواز إرادة الجعل الناسخ والمنسوخ نقل الرواية عن ابن عباس، وغرضه بيان مذهبه في تفسير هذه الآية كما ينقل مذهبه في كثير من الآيات، فظن البيضاوي أن مراده الاستدلال على جواز إرادة الجعل المنسوخ.
ثم أقول: إن في كلام الإمام الرازي في تفسيره الكبير في هذه الآية نظرا أيضا فإنه فسر الجعل بالشرع والحكم أي: وما شرعنا القبلة التي كنت عليها وما حكمنا عليك بأن تستقبلها إلا لنعلم؛ ثم قال إن قوله تعالى: " التي كنت عليها ليس نعتا للقبلة وإنما هو ثاني مفعولي جعلنا، وأنت خبير بأن أول كلامه مناف لآخره فتأمل به.
قال بعض الحكماء لبنيه: لا تعادوا أحدا وإن ظننتم أنه لا يضركم ولا تزهدا في صداقة أحد وإن ظننتم أنه لا ينفعكم، فإنكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدو، ولا متى ترجون صداقة الصديق.
وقيل للمهلب: ما الحزم؟ فقال: تجرع الغصص إلى أن تنال الفرص. ومن كلامهم ما تزاحمت الظنون على شيء مستور إلا كشفته.
لما تقدم الحلاج إلى القتل قطعت يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رجله فخاف أن يصفر وجهه من نزف الدم فأدنى يده المقطوعة من وجهه فلطخه بالدم ليخفي اصفراره.
وأنشد
لم أسلم النفس للأسقام تبلغها ... إلا لعلمي بأن الوصل يحييها
نفس المحب عل الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوما يداويها
فلما صلب إلى الجذع قال:
يا معين الضنى علي ... أعني على الضنى
ثم جعل يقول:

(1/90)


مالي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلايل الهجران لا تخفى
وأراك تمزجني وتشربني ... ولقد عهدتك شاربي صرفا
فلما بلغ به الحال أنشأ يقول:
لبيك يا عالما سري ونجوائي ... لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل ... ناجيت إياك أم ناجيت إيائي
حبي لمولاي أضناني وأسقمني ... فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
يا ويح روحي من روحي ويا أسفي ... علي مني فإني أصل بلوائي
قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء توبتك؟ فقال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
من المستطهري للغزالي: حكى عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الخراساني، قال: حججت مع أبي سنة حج الرشيد، فإذا نحن بالرشيد، واقف حاسر حاف على الحصباء وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول: يا رب أنت أنت، وأنا أنا، أنا العواد بالذنوب وأنت العواد بالمغفرة، اغفر لي فقال لي أبي: انظر إلى جبار الأرض كيف يتضرع إلى جبار السماء؟! ومنه أيضا: شتم رجل أبا ذر، فقال له أبو ذر: يا هذا إن بيني وبين الجنة عقبة، فإن أنا جزتها فوالله ما أبالي بقولك، وإن هو صدني دونها فإني أهل لأشد مما قلت لي.
من كتاب قرب الإسناد، عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: كان فراش علي وفاطمة رضي الله عنهما حين دخلت عليه إهاب كبش إذا أرادا أن يناما عليه، قلباه، وكانت وسادتهما أدما حشوها ليف وكان صداقها درعا من حديد.
ومن الكتاب المذكور عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها، فيقع فيها من ماء المطر فيخلق اللؤلؤ الصغيرة من القطرة الصغيرة واللؤلؤ الكبيرة من القطرة الكبيرة.
صورة كتاب يعقوب إلى يوسف على نبينا وعليهما السلام بعد إمساكه أخاه الصغير باتهام أنه سرق نقلتها من الكشاف: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر: أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت عليه النار بردا وسلاما، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم آتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به فذهبوا به، ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق وأنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.
قال في الكشاف: فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وبكى وكتب في الجواب: إصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا.
لبعض الأكابر
ما وهب الله لامرىء هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أجمل به
ابن حجة الحموي
خاطبنا العاذل عند الملام ... بكثرة الجهل فقلنا سلام
ما لا منا من قبل لكنه ... لما رأى العارض في الخد لام
وليس لي من عشقه مخلص ... لكنني أسأل حسن الختام
والجفن في لجة دمعي غدا ... من بعده يسبح شهرا وعام
اخترته مولى فيا ليته ... لو قال يا بشرأي هذا غلام
لبرق هذا الثغر كم عاشق؟! ... قد هام وجدا بين مصر وشام
وفيه قد زاحمني شارب ... والمنهل العذب كثير الزحام
مالي سهم قط من وصله ... لكن من اللحظ لقلبي سهام
كتب النصير الحمامي إلى الجزار
ومذ لزمت الحمام صرت به ... خلا يداري من لا يداريه
أعرف حر الأسى وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه
وكتب الجزار إليه
حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والعقول تختلف
والعبد قد صار في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف
وللجزار
لا تلمني مولاي في سوء حالي ... عند ما قد رأيتني قصابا

(1/91)


كيف لا أرتضي الجزارة ما ... عشت قديما وأترك الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا
سمع أمير المؤمنين رضي الله عنه رجلا يتكلم بما لا يعنيه، فقال يا هذا إنما تملي على كاتبيك كتابا إلى ربك.
من كلام أفلاطون: إذا أردت أن تطيب عيشك فارض من الناس بقولهم: إنك مجنون بدل قولهم: إنك عاقل.
أبو الفتح محمد الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل منسوب إلى شهرستان بفتح الشين، قال اليافعي في تاريخه: شهرستان اسم لثلاث مدن الأولى في خراسان بين نيشابور وخوارزم، والثانية قصبة بناحية نيشابور، والثالثة مدينة بينها وبين إصفهان ميل ونسبة أبي الفتح المذكور إلى الأولى.
ومما أنشده في كتاب الموسوم بالملل والنحل عند ذكر اختلاف بعض الفرق:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... ورددت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حاير ... على ذقن أو قارعا سن نادم
وفاته سنة خمسمائة وسبع وأربعين كذا ذكر في تاريخ اليافعي. صاحب الملل والنحل بعد ان عد الحكماء السبعة الذين قال: إنهم أساطين الحكمة وذكر آخرهم أفلاطون قال: وأما من جانسهم في الزمان وخالفهم في الرأي فمنهم: أرسطاطاليس وهو المقدم المشهور والمعلم الأول والحكيم المطلق عندهم ولد في أول سنة من ملك أردشير، فلما أتت عليه سبع عشر سنة أسلمه أبوه إلى أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة، وإنما سموه المعلم الأول، لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل وحكمه حكم واضع النحو وواضع العروض، فإن نسبة المنطق إلى المعاني نسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر ثم قال: وكتبه في الطبيعيات والألهيات والأخلاق معروفة ولها شروح كثيرة ونحن أخترنا في نقل مذهبه شرح ثامسطيوس الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم أبو علي سينا وأحلنا ما في مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم كالمقلدين له، والمتهالكين عليه، وليس الأمر على ما نالت ظنونهم إليه، ثم قرر محصول رأيه وخلاصة مذهبه في الطبيعي والألهي في كلام طويل، ثم قال في آخره، فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة، وأكثرها من شرح ثامسطيوس.
والشيخ علي بن سينا الذي يتعصب له وينصر مذهبه ولا يقول من الحكماء إلا به.
لبعضهم
خفيت عن العيون فأنكرتني ... فكان به ظهوري للقلوب
وأوحشني الأنيس فغبت عنه ... لتأنيسي بعلام الغيوب
وكيف يروعني التقريد يوما ... ومن أهوى لدي بلا رقيب
إذا ما استوحش الثقلان مني ... أنست بخلوتي ومعي حبيبي
في تفسير القاضي وغيره أن إدريس على نبينا وعليه السلام أول من تكلم في الهيئة والنجوم والحساب.
وفي الملل والنحل في ذكر الصابئة قال: إن هرمس هو إدريس عليه السلام صرح في أوايل شرح حكمة الإشراق: هرمس هو إدريس عليه السلام وصرح ماتنه بأنه من أساتذة أرسطو.
الحارث الهمداني عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي ما من عبد إلا وله جواني وبراني، يعني سريرة وعلانية فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه ومن أفسد جوانيه أفسد الله برانيه، وما من أحد إلا وله صيت في أهل السماء، فإذا حسن وضع له ذلك في الأرض، وإذا ساء صيته في السماء وضع له ذلك في الأرض، فسئل عن صيته ما هو؟ قال: ذكره.
من إحياء علوم الدين رأى أبو بكر الراشيد محمد الطوسي في المنام، فقال: قل لأبي سعد الصفار المؤدب:
وكنا على أن لا نحول عن الهوى ... فقد وحيات الحب حلتم وما حلنا
قال فانتبهت، فأتيته، وذكرت له ذلك، فقال: كنت أزوره كل جمعة، فلم أزره هذه الجمعة.
ابن الخياط
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... إذا هب كل الوجد أيسر خطبه
وفي الحي محني الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام بلبه
إذا نفحت من جانب الغور نفحة ... ننبه منها داؤه دون صحبه
خليلي لو أبصرتما لعلمتما ... مكان الهوى من مغرم القلب صبه

(1/92)


غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
ومحتجب بين الأسنة والقنا ... وفي القلب من أعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنه ... حذارا عليه أن تكون لحبه
بسم الله الرحمن الرحيم
أحاديث منقولة من صحيح البخاري، باب مناقب فاطمة رضي الله عنها حدثنا أبو الوليد حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي مليكه، عن المسور بن محرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.
باب في فرض الخمس
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح، عن ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير: أن عايشة أم المؤمنين أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، قال وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما أفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر قال فهما على ذلك إلى اليوم.
في باب مرض النبي: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟! اشتد برسول الله وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا وقال: لا ينبغي عندي تنازع فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بمثل ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها.
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال وفيهم عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت، واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: غير ذلك: فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا عني قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
باب قوله: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عمر بن أبي بكر، حدثنا أبو رجا، عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنه حتى مات صلى الله عليه وسلم قال رجل برأيه ما شاء، قال أبو عبد الله إنه عمر.
باب قوله: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " حدثنا حفص بن عمرو، وحدثنا خالد بن عبد الله بن حصين: عن سالم بن أبي جعدة، وعن أبي سفيان، وعن جابر بن عبد لله قال: أقبلت عير يوم الجمعة، ونحن مع النبي فسار الناس إلا اثنا عشر رجلا فأنزل الله: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " .
باب قوله: " وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه " حديثا حدثنا علي حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت عبيد بن حنين، قال سمعت ابن عباس، يقول: أردت أن أسأل عمر فقلت له: من المرأتان اللتان تظاهرتا رسول الله، فما أتممت كلامي حتى قال عايشة وحفصة.

(1/93)


باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا عني، حدثني إبراهيم بن موسى قال حدثنا هشام عن معمر ح وحدثني عبد الله بن محمد، قال حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس.
قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم هلم: أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمران النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلفوا أهل البيت، فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عني قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
باب الحوض: حدثنا يحيى بن حماد قال: حدثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا فرطكم على الحوض، وحدثني عمرو بن علي، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن المغيرة، قال: سمعت أبا وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنا فرطكم على الحوض ليرفعن علي الرجال منكم، ثم لتختلجن دوني وأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " .
حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إبراهيم قال حدثنا وهيب قال: حدثنا أنس: عن النبي، قال: " ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك؟! " .
حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن مطرف قال: حدثني أبو حازم، عن سهل ابن سعد قال النبي: " أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا فيردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم " .
قال أبو حازم، فسمعني النعمان بن أبي العباس، فقال: هكذا سمعت من سهل، فقلت: نعم فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فيها، فيقول: إنهم أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غيره بعدي، وقال ابن عباس سحقا بعدا. يقال سحيق بعيد، سحقه وأسحقه: أبعده.
وقال أحمد بن شبيب بن سعيد الحيطي: حدثنا أبي، عن يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون علي الحوض فأقول: يا رب أصحابي فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
وقال شعيب عن الزهري: كان أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجلون وقال: عقيل فيحلوون وقال: وقال الزبيدي عن الزهري عن محمد بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا ابن شهاب، عن ابن المسيب إنه كان يحدث عن أصحاب النبي أن النبي قال: يا ربي أصحابي فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
حدثنا إبراهيم بن المنذر الخرامي، قال حدثنا محمد بن فليح؛ قال حدثنا أبي قال: حدثني هلال عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل بيني وبينهم فقال هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم قلت إلى أين؟ قال إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم.
حدثنا سعيد بن أبي مريم؛ عن نافع بن عمر، عن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم إني على الحوض حتى وارد علي منكم وسيؤخذ ناس من دوني فأقول: يا ربي مني ومن أمتي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك،؟! والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم وكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا؛ قال أبو عبد الله: على أعقابهم ينكصون أي يرجعون على العقب.

(1/94)


دخل أبو حازم على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: عظني فقال: اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك في تلك الساعة، فخذ به الآن: وما تكره أن يكون فيك في تلك الساعة فدعه الآن، فلعل الساعة قريبة.
ودخل صالح بن بشر على المهدي، فقال له: عظني فقال: أليس قد جلس هذا المجلس أبوك وعمك قبلك؟ قال نعم، قال: فكانت لهم أعمال ترجو لهم النجاة بها، قال نعم قال: فكانت لهم أعمال تخاف عليهم الهلكة منها قال: نعم قال: فانظر ما رجوت لهم فيه فآته وما خفت عليهم فيه فاجتنبه.
من الأحياء في كتاب الحج عن رضي الله عنه ما روى الشيطان في يوم هو أصغر، ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه يوم عرفة، ويقال: إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة، وقد أسنده جعفر بن محمد رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث مسند عن أهل البيت، أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة، فظن أن الله تعالى لم يغفر له.
كتب المحقق العلامة الطوسي إلى صاحب حلب بعد فتح بغداد: أما بعد فقد نزلنا بغداد سنة خمس وخمسين وست مائة، " فساء صباح المنذرين " فدعونا مالكها إلى طاعتنا، فأبى، " فحق عليه القول فأخذناه أخذا وبيلا " ، وقد دعوناك إلى طاعتنا فإن أتيت " فروح وريحان وجنة نعيم " فإن أبيت فلا سلطان منك عليك فلا تكن كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه والسلام.
من خط والدي طاب ثراه: سئل عطاء عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم خير الدعاء دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي، وهو: لا إله إلا الله، وحده وحده وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وليس هذا دعاء إنما هو تقديس وتمجيد، فقال هذا كما قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان:
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
أفيعلم ابن جدعان ما يراد منه بالثناء عليه ولا يعلم الله ما يراد منه بالثناء عليه.
من الإحياء قال الحجاج عند موته: اللهم اغفر لي فإنهم يقولون: إنك لا تغفر لي وكان عمر بن عبد العزيز يعجبه هذه الكلمة منه ويغبطه عليها.
ولما حكي ذلك للحسن البصري، قال: قالها، فقيل: نعم، قال: عسى.
من كلام بعض الحكماء: الموت كسهم مرسل عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
من الملل والنحل في ذكر حكماء الهند: ومن ذلك أصحاب الفكرة، وهم أهل العلم منهم بالفلك والنجوم وأحكامها.
وللهند طريقة تخالف طريقة منجمي الروم والعجم وذلك: أنهم يحكمون أكثر الأحكام باتصالات الثوابت دون السيارات، وينسبون الأحكام إلى خصايص الكواكب دون طبايعها، ويعدون زحل السعد الأكبر وذلك لرفعه مكانه، وعظم جرمه، وهو الذي يعطي العطايا الكلية من السعادة الخلية من النحوسة، فالروم والعجم يحكمون من الطبايع، والهند يحكمون من الخواص، وكذلك طبهم، فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبايعها، وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون أمر الفكر؛ ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول والصور من المحسوسات ترد عليه والحقايق من المعقولات ترد عليه أيضا، فهو مورد المعلمين من العالمين ويجتهدون كل الجهد حتى يصرف الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة والاجتهادات المجهدة، حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، فربما يخبر عن مغيبات الأحوال وربما يقوى على حبس الأمطار، وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الآن في الحال ولا يستبعد ذلك فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس.

(1/95)


أليس الاحتلام في تصرف الوهم في الجسم؟ أليس الإصابة بالعين تصرف الوهم في الشخص؟ أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية، والوهم إذا تجرد، عمل أعمالا عجيبة ولهذا كانت أهل الهند تغمض عينها أياما لئلا يشغل الفكر والوهم بالمحسوسات ومع التجرد إذا اقترن به وهم أخر اشتركا في العمل، خصوصا إن كانا مشتركين في الاتفاق، ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر يجتمع أربعون رجلا من الهند المخلصين المشفقين على رأي واحد في الإصابة لينجلي لهم المهم الذي دهمهم حمله، ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكاد ثقله ومنهم البكريسته لنلكر بسته يعني المصفدين بالحديد وسنتهم حلق الرؤوس واللحى وتعرية الأجساد ما خلا العورة، وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم، لئلا ينشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر، ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام، وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن وكثرة العلم كيف يوجب ذلك؟! من تاريخ اليافعي: الحسين بن منصور الحلاج أجمع علماء بغداد على قتله، ووضعوا خطوطهم وهو يقول الله في دمي، فإنه حرام، ولم يزل يردد ذلك، وهم يثبتون خطوطهم وحمل إلى السجن، وأمر لمقتدر بالله بتسليمه إلى صاحب الشرطة، ليضرب ألف سوط، فإن مات وإلا يضربه ألفا أخرى ثم يضرب عنقه، فتسلمه فسلمه الوزير للشرطي وقال له: إن لم يمت فاقطع يديه ورجليه، وجز رأسه واحرق جثته، ولا تقبل خدعه، فتسلمه الشرطي وأخرجه إلى باب الطاق، يجر في قيوده واجتمع عليه خلق عظيم، وضربه ألف سوط، فلم يتأوه ثم قطع أطرافه وجز رأسه وأحرق جثته ونصب رأسه على الجسر وذلك سنة ثلاثمائة وتسع. في الحديث إذا أقبلت الدنيا إلى إنسان أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
أوصى بعض الحكماء ابنه، فقال: ليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك ولباسك دون قدرتك.
المحقق التفتازاني ذكر في المطول في بحث العكس من فن البديع:
شعر
طويت لإحراز الفنون ونيلها ... رداء شبابي والجنون فنون
فمنذ تعاطيت الفنون وخضتها ... تبين لي أن الفنون جنون
من كتاب سر العربية في أنواع الخياطة يقال خاط الثوب وخرز الخف، وخصف النعل، وكتب القربة وكلب المزادة وسرد الدرع وخاص عين البازي.
علم الطلسمات: علم يتعرف منه كيفية تمزيج القوى العالية الفعالة بالسافلة المنفعلة ليحدث عنها أمر غريب في عالم الكون والفساد، واختلف في معنى طلسم، والمشهور أقوال ثلاثة، الأول أن الطل بمعنى الأثر فالمعنى أثر اسم، الثاني أنه لفظ يوناني معناه عقدة لا تنحل، الثالث: أنه كناية عن مغلوب أعني مسلط، وعلم الطلسمات أسهل تناولا من علم السحر وأقرب مسلكا.
وللسكاكي في هذا الفن كتاب جليل القدر عظيم الخطر.
من الكتاب الخمسين أو الخميس عن رجال الساكنين السائس صورة كتاب كتبه حاكم الموت وهو علاء الدين ابن الكيا إلى صاحب الشام، في جواب كتابه الذي تهدده فيه باستيصاله وهدم قلاعه:
يا للرجال لأمر هال مفظعه ... ما مر قط على سمعي توقعه
يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام نائم جنبي حين تصرعه
قام الحمام إلى البازي يهدده ... واستيقظت لأسود الغاب أصبعه
أضحى يسد فم الأفعى باصبعه ... يكفيه ما قد تلافي منه أصبعه

(1/96)


وقفنا على تفصيله وجمله وما هددنا به من قوله وعمله، فيا لله العجب من ذبابة تطن بأذن فيل، ومن بعوضة تعد في التماثيل، ولقد قالها قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم وما كان لهم من ناصرين: فللباطل تظهرون وللحق تدحضون تدمرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ولأن صدق قولك في أخذك لرأسي وقلعك قلاعنا بالجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة وخيالات غير صائبة، وهيهات لا تزول الجواهر بالأعراض كما لا تزول الأجسام بالأمراض، ولئن رجعنا إلى الظواهر والمنقولات، وتركنا البواطن والمعقولات لنخاطب الناس على قدر عقولهم، فلنا في رسول الله أسوة حسنة لقوله ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت، وقد علمتم ما جرى على أهل بيته وشيعته وصحابته وعترته فلله الحمد في الآخرة والأولى، إذ لم نزل مظلومين لا ظالمين، ومغصوبين لا غاصبين، وقد علمتم صورة حالنا وكيفية أحوالنا وما يتمنونه من الفوت ويتقربون به إلى حياض الموت فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فلا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين، فالبس للرزايا أثوابا وتجلبب للبلايا جلبابا، فلارسلنهم فيك منك ولآخذن بهم عنك فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه، وستعلمن نبأه بعد حين.
لبعضهم
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعزو أحداث الزمان تهون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون؟
ولست كمن أخنى عليه زمانه ... فظل على أحداثه يتعتب
تلذ له الشكوى وإن لم يجد لها ... صلاحا كما يلتذ بالحك أجرب
روي أن الحلاج كان يصبح في بغداد ويقول: يا أهل الإسلام أغيثوني عن الله؛ فلا يتركني ونفسي فآنس بها ولا يأخذني من نفسي فأستريح منها وهذا دلال لا أطيقه يقال: إن هذا الكلام كان أحد البواعث على قتله.
ومن شعره
كانت لنفسي أهواء مفرقة ... فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي
فسار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي
عن كتاب المحاسن، قال: وقع حريق في المدائن فأخذ سلمان سيفه ومصحفه، وخرج من الدار، وقال: هكذا ينجو المخفون.
ابن المعتز
ضعيفة أجفانه والقلب منه حجر ... كأنما ألحاظه من فعله تعتذر
أبو الفتح البستي
الدهر خداعة ذو خدعة خلوب ... وصفوه بالقذا مشوب
وأكثر الناس فاعتزلهم ... قوالب ما لها قلوب
الصفي الحلي
قالت كحلت الجفون بالوسن ... قلت ارتقابا لطيفك الحسن
قالت تسليت بعد فرقتنا ... فقلت عن مسكني وعن سكني
قالت تشاغلت عن محبتنا ... قلت بفرط البكاء والحزن
قالت تناسيت قلت عافيتي ... قالت تسليت قلت عن وطني
قالت تخليت قلت عن خلدي ... قالت تغيرت قلت في بدني
قالت أذعت الأسرار قلت لها ... صير سري هواك كالعلن
قالت فماذا تروم قلت لها ... ساعة سعد بالوصل تسعدني
قالت فعين الرقيب ترصدنا ... قلت فإني للعين لم أبن
أنحلتني بالصدود منك فلو ... ترصدتني المنون لم ترني
حرضوني على السلو وعابوا ... لك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجه ... في التسلي ولا لوجهك عذر
علاء الدين
انظر صحاح المبسم السكري ... رواية صحت عن الجوهر
وصحح النظام في ثغره ... ما قد رواه خاله العنبري
معتزلي أصبح لما بدا ... في خده عارضة الأشعري
قد كتب الحسن على خده ... يا أعين الناس قفي وانظري
أمطر دمعي عارض قد بدا ... يا مرحبا بالعارض الممطر
في وجهه لاحت لنا روضة ... نباتها أحلى من السكر
وجه لأنواع البها جامع ... من لي بذاك الجامع الأزهري
لما نضى من جفنه مرهفا ... رحت قتيل الناظر الأحور

(1/97)


أسهرت لحظا يا فقيها به ... قد راحت الروح على الأشهر
كتب يحيى بن خالد من الحبس إلى الرشيد:
كلما مر من سرورك يوم ... مر في الحبس من بلائي يوم
ما لنعمى ولا لبؤسي دوام ... لم يدم في النعيم والبؤس قوم
قال ابن عباس: من حبس الله الدنيا عنه ثلاثة أيام وهو راض عن الله تعالى، فهو في الجنة سمى المال مالا، لأنه مال بالناس عن طاعة الله عز وجل.
أبو الفتح
إذا أبصرت في لفظي فتورا ... وخطي والبلاغة والبيان
فلا تعجل بذمي إن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان
قال المحقق الدواني في شرح الهياكل: إن للحيوانات عند المصنف نفوسا مجردة كما هو مذهب الأوايل، وبعضهم أثبت في النبات أيضا، ويلوح ذلك من بعض تلويحات المصنف، وبعضهم أثبتوا في الجمادات أيضا.
من فعل ما شاء، لقي ما لم يشاء.
قال آخر: من فعل ما شاء لقي ما ساء.
البهاء زهير المصري
يا من لعبت به شمول ... ما ألطف هذه الشمايل؟
نشوان يهزه دلال ... كالغصن مع النسيم مايل
لا يمكنه الكلام لكن ... قد حمل طرفه رسائل
البدر يلوح في قناع ... والغصن يميل في غلائل
والورد على الخدود غض ... والنرجس في الجفون وابل
عشق وتحمل مسرة وسكر ... والعقل بدون ذاك زائل
ما أطيب وقتنا وأهنى ... والعاذل غائب وغافل
لي فيك كما علمت شغل ... لا يفهم سره العواذل
لا أطلب في الهوى شفيعا ... لي فيك غنى عن الوسائل
ذا العام مضى وليت شعري ... هل يحصل لي رضاك قابل؟
ها عبدك واقف ذليل ... بالباب يمد كف سائل
من وصلك بالقليل يرضى ... الطل من الحبيب وابل
مالي وإلى متى التمادي؟ ... قد آن بأن يفيق غافل
ما أعظم حسرتي لعمري ... قد ضاع ولم أفز بطائل
ما أعلم ما يكون مني ... والأمر كما علمت هايل
قد عز علي سوء حالي ... ما يفعل ما فعلت عاقل
يا أكرم من رجاه راج ... عن بابك لا يرد سائل
الشيخ سعدي الشيرازي
يا نديمي قم بليلي ... واسقني واسق النداما
خلني أسهر ليلي ... ودع الناس نياما
إسقياني وهدير الدهر ... قد أبكى الغماما
في أوان كشف الور ... د عن الوجه اللثاما
أيها المصغي إلى الزها ... د دع عنك الملاما
فز بها من قبل أن ... يجعلك الدهر عظاما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبداء الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
قل لمن عير أهل الحب بالحب ولاما ... لا عرفت الحب هيهات ولا ذقت الغراما
الصلاح الصفدي فيه تورية
ما أبصر الناس صبري ... على بلائي وكربي
الصمت دأب لساني ... وقد تكلم قلبي
وله وفيه تورية
يقول الزمان ولم تسمع ... لمن طلب الرزق أو أمله
أنا حرب من جد في كسبه ... ومن يتقنع تعصبت له
وله وفيه القول بالموجب
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه
وقيل هل أبصرت منه يدا ... تشكرهاقلت ولا راحه
وله في الشكاية من دمل وفيه تورية:
أشكو إلى الله من أمور ... يمر دهري ولا تمر
ودمل مع دوام ليل ... ما لهما ما حييت فجر
وله
لا يعز الله من ذللنا ... كل من ذللنا ذل لنا
وله أيضا

(1/98)


يا ساحرا بطرفه ... وظالما لا يعدل
أخربت قلبي عامدا ... كذا يراعى المنزل
من تأويلات جمال العارفين الشيخ عبد الرزاق الكاشي في قصة مريم: إنما تمثل لها بشرا سوى الخلق، حسن الصورة، لتتأثر نفسها به، فتتحرك على مقتضى الجبلة، ويسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها، فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام، وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة، لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تولد الولد بمنزلة الأنفحة في الجبن ومني الأنثى بمنزلة اللبن أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى، لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى والمنعقدة في مني الأنثى أقوى، وإلا لم يكن أن يتحدا شيئا واحدا ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزء من الولد، فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما يكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المني الذي ينفصل عن كليتها اليسرى وإذا اجتمعا في الرحم وكان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا، وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس متقوية به يسري أثر اتصالها به إلى الطيعة والبدن وتغيير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فتصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس.
كتب المنصور العباسي إلى أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله عنه: لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها، فكتب المنصور إليه تصحبنا لتنصحنا، فكتب إليه أبو عبد الله: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك.
خرج أبو حازم في بعض أيام المواقف وإذا بامرأة جميلة حاسرة عن وجهها، قد فتنت الناس بحسنها، فقال لها يا هذه إنك بمشعر حرام وقد شغلت الناس عن مناسكهم فاتقي الله، فقالت: يا أبا حازم إني من اللائي قال فيهن الشاعر:
أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأرخت على المتنين بردا مهلهلا
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
قال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة أن لا يعذبها الله بالنار فجعل يدعو وأصحابه يؤمنون، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: ما أرقكم يا أهل الحجاز، أما لو كان أهل العراق لقال اغربي عليك لعنة الله.
قال عبد الله بن المعتز في جملة كلام له: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، كم راقد في طلبها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه ويسكن رمسه وينقطع عن أمله؛ ويشرف على عمله، قد ركض الموت إلى حياته ونقض قوى حركاته وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته وصار كخط من رماد تحت صفايح انضاد، قد أسلمه الأحباب وافترسه التراب في بيت قد اتخذته المعاول وفرشت فيه الجنادل ما زال مضطربا في أمله حتى استقر في أجله ومحت الأيام ذكره واعتادت الألحاظ فقده.
من كلامهم: إذا أفنيت عمرك في الجمع، فمتى تأكل؟! من بعض التواريخ المعتمد عليها اصطبح المأمون وعنده عبد الله بن طاهر ويحيى بن أكثر فغمز المأمون الساقي على إسكار يحيى فسقاه حتى تلف، وبين أيديهم ردم فيه ورد، فشقوا له فيه شبه اللحد ودفنوه في الورد، ونظم المأمون فيه هذين البيتين، وأمر بعض جواريه فغنت بهما عند رأس يحيى:
ناديته وهو ميت لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين
وقلت قم قال رجلي لا تطاوعني ... فقلت خذ قال كفي لا تواثيني
وجعلت تردد الصوت، فأفاق يحيى وهو تحت الورد فأنشأ يقول مجيبا:
يا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضا قد وهى بدني ... ولا أجيب المنادي حين يدعوني
فاختر لنفسك قاض إنني رجل ... الراح تقتلني والعود تحييني

(1/99)


سئل بعض الأدباء من بعض الوزراء جملا فأرسل إليه جملا ضعيفا نحيفا فكتب الأديب إليه: حضر الجمل فرأيته متقادم الميلاد كأنه من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور وتعاقبته العصور فظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما الله لنوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الجمال لذريته ناحلا ضئيلا باليا هزيلا، يعجب العاقل من طول الحياة به وتأبى الحركة فيه لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد لو ألقى إلى السبع لأباه ولو طرح للذئب لعافه وقلاه قد طال للكلاء فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير العلف إلا نائما ولا عرف الشعير إلا حالما وقد حيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه عناء الدهر أو أذبحه فيكون خصب الرحل، فملت إلى استبقائه، لما تعلم من محبتي للتوفر، ورغبتي في التثمير وجمعي للولد، وادخاري للغد، فلم أجد فيه مدفعا لفناء، ولا مستمتعا لبقاء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا فتى فينسل، ولا صحيح فيرعى، ولا سليم فيبقى، فملت إلى الثاني من رأيك، وعملت على الآخر من قوليك، فقلت أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وحددت الشفار وشمر الجزار شعر:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: وما الفايدة في ذبحي وأنا لم يبق؟ إلا نفس خافت، ومقلة إنسانها بائت باهت لست بذي لحم، فأصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام مزقت أديمي ولا صوفي للغزل، فإن الحوادث قد جزت وبري: فإن أردتني للوقود فكف بعر أبقى من ناري، ولن تفي حرارة جمري بريح قتاري فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته. ولم أدر من أي أمريه أعجب؟ أمن مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء، أم قدرتك عليه مع أعواز مثله، أم تأهيلك الصديق به مع خساسة قدره فما هو إلا كقايم من القبور، أو ناشر عند نفخ الصور والسلام.
من تفسير القاضي " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " الآية فتعرفوا وتفصحوا. روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث الوليد بن عتبة عقبه مصدقا إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة فلما سمعوا به استقبلوه، فحسبهم مقاتليه، فرجع، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قد ارتدوا ومنعوا الزكوة، فهم بقتالهم، فنزلت. وقيل بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين مجتهدين فسلموا إليه الصدقات فرجع. وتنكير الفاسق والنبأ للتعليم، وتعليق الأمر بالتبين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل، من حيث أن المعلق على شيء بكلمة إن عدم بكله انعدم عند عدمه، وإن خبر الواحد لو وجب تبينه من حيث هو كذلك لما رتبه على الفسق، إذ الترتيب يفيد التعليل، وما بالذات لا يعلل بالغير؛ وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا أي توقفوا إلى أن تبين لكم الحال، أن تصيبوا: كراهة إصابتكم، قوما بجهالة: جاهلين بحالهم، فتصبحوا: فتصيروا على ما فعلتم نادمين، مغتمين غما لازما، متمنين أنه لم يقع، وتركيب هذه الأحرف الثلاثة دائر مع الدوام اللزوم قال كاتب الأحرف: لا ريب أن صيغة اسم الفاعل هنا حاملة لمعنى الواحدة، والوصف العنواني معا، فيجوز كون المجموع علة للتثبت، فكأنه قيل: إن جاءكم فاسق واحد فتبينوا، ولو كان التثبت معلقا على طبيعة الفسق، لبطل العمل بالشياع. ثم لا يخفى أن التثبيت في الآية معلل بأدائه إلى إصابة القوم: أي قتالهم، فإذا لم يكن مظنة هذه العلة، لا يجب التثبت، لأصالة عدم هذه العلة علة أخرى، كما يقول الخصم: من أنه إذا انتفى الفسق انتفى التثبت، لأن الأصل عدم علة أخرى له، وعند التأمل فيما ذكرناه يظهر لك أن الاستدلال بالآية على حجية خبر الآحاد العدول لا غيرهم، كما ذكره بعض الأصوليين فيه ما فيه، والعجب عدم تبينهم لهذا مع ظهوره فتأمل

(1/100)


قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " إن قلت: ما النكتة في تقديم التجارة على اللهو في صدر الآية، وتقديم اللهو على التجارة في آخرها. قلت: التجارة أمر مقصود يقبل الاهتمام بالجملة، وأما اللهو فأمر حقير مرذول غير قابل للاهتمام. ومقام التشنيع عليهم يقتضي الترقي من الأعلى إلى الأدنى، فالمراد والله أعلم: أن هؤلاء لا جد لهم في القيام بالوظائف الدينية، ولا لهم قدم راسخ في الاهتمام بالأوامر الإلهية، بل إذا لاح لهم أمر دنيوي يرجون نفعه كالتجارة، أعرضوا عما هم فيه من عبادة الله سبحانه، ولم يراقبوا مقامك فيهم وخرجوا إليها، جاعلين ما يؤملونه من التكسب نصب أعينهم، بل إذا سنح لهم ما هو أقل نفعا من التجارة بكثير، وهو اللهو، ضربوا لأجله من العبادة صفحا وطووا عن ذكر الله كشحا وخرجوا إليه ولم يستحيوا منك، وأنت قائم تنظر إليهم، فظهر بهذا أن المقام يقتضي تقديم التجارة على اللهو في أول الآية. وأما تقديمه عليها في آخرها، فإن المقام هناك يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى، فإن الغرض تنبيههم على أن ما عند الله سبحانه من الأجر الجزيل والثواب العظيم خير من هذا النفع الحقير الذي حصل لكم من اللهو، بل خير من ذلك النفع الآخر الذي اهتممتم بشأنه، وجعلتموه نصب أعينكم، وظننتموه أعلى مطالبكم، أعني نفع التجارة، الذي يقبل الاهتمام في الجملة.
خطب الحجاج يوما، فقال: إن الله أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤنة الدنيا، فليتنا كفانا مؤنة الآخرة، وأمرنا بطلب الدنيا. فسمعها الحسن البصري. فقال: هذه ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق.
وكان سفيان الثوري يعجبه كلام بعض الخوارج، ويقول: ضالة المؤمن على لسان المنافق.
من كلام الحكماء: أفضل الفعال صيانة العرض بالمال.
أنت أحرز نفسك إن صحبت من هو دونك، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أم قبيحة.
إرفض أهل المهانة تلزمك المهابة. من غضب من لا شيء رضي من لا شيء. السكوت عن الأحمق جوابه. لا تخضع للئيم فإنه لا يطيعك.
لله در من قال
كن عن الناس جانبا ... وارض بالله صاحبا
قلب الناس كيف شئت ... تجدهم عقاربا
عن سفيان الثوري قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه، يقول: عزت السلامة حتى لقد خفي مطلبها، فإن تكن في شيء، فيوشك أن تكون في الخمول، فإن لم توجد في الخمول فيوشك أن تكون في التخلي، وليس كالخمول، وإن لم تكن في التخلي، فيوشك أن تكون في الصمت، وليس كالتخلي. وإن لم توجد في الصمت، فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح، والسعيد من وجد في نفسه خلوة.
لبعض الأكابر
كن عن همومك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى
فلرب أمر مسخط ... لك في عواقبه رضا
ولربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا
الله يفعل ما يشاء ... فلا تكن متعرضا
الله عودك الجميل ... فقس على ما قد مضى
آخر
صبرت عل ما لو تحمل بعضه ... جبال شراة أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين حتى رددتها ... إلى باطني فالعين في القلب تدمع
آخر
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي وفي أمثالها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
وقريب منه قول بعضهم
شكر الإله نعمة موجبة لشكره ... فكيف شكري بره وشكره من بره
قيل لرابعة العدوية: متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى، فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة كسروه بالنعمة. وقيل لها يوما: كيف شوقك إلى الجنة؟ فقالت: الجار قبل الدار.
ومن كلامها ما ظهر من عملي فلا أعده شيئا.
قال بعض العباد: أهينوا الدنيا فإنما أهنى ما يكون لكم، أهون ما يكون عليكم.
لله در من قال:
وحسناء لم تأخذ من الشمس شيمة ... سوى قرب مسراها وبعد منالها
ألوم ولم يقرع ملامي سمعها ... وأرضى ولم يخطر رضائي ببالها
لله در من قال

(1/101)


ألذ من التلذذ بالغواني ... إذا أقبلن في حلل حسان
منيب فرمن أهل ومال ... يسيح من مكان إلى مكان
ليخمل ذكره ويعيش فردا ... ويأخذ في العبادة في أمان
تلذذه التلاوة أين ولى ... وذكر بالفؤاد وباللسان
آخر وأظنه الإمام الشافعي
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
أورد بعض المفسرين عند قوله تعالى: " وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم من العذاب " أن العمل الصالح يقول لصاحبه يوم القيامة عند مشاهدة الأهوال: اركبني، ولطال ما ركبتك في الدنيا، ويركبه ويتخطى به شدائد القيامة.
قال بعض الأعلام: لا ينال عبد الكرامة حتى يكون على أحد صفتين، إما أن يسقط الناس عن عينه فلا يرى في الدنيا إلا خالقه، وأن أحدا لا تقدر على أن يضره ولا ينفعه، وإما أن يسقط عن قلبه، فلا يبالي بأي حال يرونه الناس.
لبعض آل الرسول صلى الله عليه وسلم
نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة كاظمنا
قديمة في الزمان محنتنا ... أولنا مبتلى وآخرنا
يفرح هذا الورى بعيدهم ... ونحن أعيادنا مآتمنا
الناس في الأمن والسرور ولا ... يأمن طول الحياة خائفنا
آخر
يا طالب العالم ها هنا وهنا ... ومعدن العلم بين جنبيكا
فقم إذا قام كل مجتهد ... وادع إلى أن يقول لبيكا
لم أنسه لما بدا متمايلا ... يهتز من لين الصبا ويقول
ماذا لقيت من الهوى فأجبته ... في قصتي طول وأنت ملول
أوحى الله سبحانه إلى عزير عليه السلام إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين أكتبك عندي من المتواضعين.
الخطاف لا يغتدي إلا بالشعر ولا يأكل شيئا مما يأكله بنو آدم، وما أحسن ما قال الشاعر:
كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تضحى إلى كل الأنام حبيبا
أو ما ترى الخطاف حرم محرم زادهم ... فغدا مقيما في البيوت ربيبا
من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه: أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، ومواساة الإخوان بالمال، وإنصاف الناس من نفسك.
قال بعض الأكابر: ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا فإن لم يقبله قلبك فقل لقبلك ما أقساك، يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبل عذره، فأنت المعتب لا هو.
قال أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الضرير:
يا ليل الصب متى غده؟ ... أقيام الساعة موعده؟
رقد السمار وأرقه ... أسف للبين يردده
فبكاه النجم ورق له ... مما يرعاه ويرصده
نصبت عيناي له شركا ... في النوم فعز تصيده
صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معربده
يا من سفكت عيناه دمي ... وعلى خديه تورده
خداك قد اعترفا بدمي ... فعلى م جفونك تجحده؟
بالله هب المشتاق كرى ... فلعل خيالك يسعده
لم يبق هواك له رمقا ... فلتبك عليه عوده
وغدا يقضي أو بعد غد ... هل من نظر يتزوده؟
ما أحلى الوصل وأعذبه ... لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا ... لفؤادي كيف تجلده؟
القاضي الأرجاني
تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
آخر
على هذه الأيام ما تستحقه ... فكم قد أضاعت منك حقا مؤكدا
فلو أنصفت شادت محلك بالسهى ... علوا وصاغت نعل نعلك عسجدا
آخر
أيا من غاب عن عيني منامي ... لفرقته وواصلني سقامي
رحلت بمهجة خيمت فيها ... وشأن الترك تنزل في الخيام

(1/102)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية