صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكامل في اللغة والادب
المؤلف : المبرد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

له نسب الإنسي يعرف نجره ... وللجن منه شكله و شمائله
وقوله:
وصبري عمن كنت ما إن أزايله
إن: زائدة، وهي تزاد مغيرة للإعراب، وتزاد توكيدا، وهذا موضع ذلك، فالموضع الذي تغير فيه الإعراب هو وقوعها بعد " ما " الحجازية، تقول: ما زيد أخاك، وما هذا بشرا، فإذا أدخلت إن هذه بطل النصب بدخولها، فقلت: ما إن زيد منطلق، قال الشاعر:
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
فزعم سيبويه أنها منعت " ما " العمل كما منعت " ما " إن الثقيلة أن تنصب تقول: إن زيدا منطلق، فإذا أدخلت " ما " صارت من حروف الابتداء، ووقع بعدها المبتدأ وخبره والأفعال، نحو: إنما زيد أخوك، " إنما يخشى الله من عباده العلمؤأ " فاطر28 ولولا " ما " لم يقع الفعل بعد " إن " لأن " إن " بمنزلة الفعل، ولا يلي فعل فعلا لأنه لا يعمل فيه، فأما كان يقوم زيد، " كاد يزيع قلوب فريق منهم " التوبة 117 ففي كان وكاد فاعلان مكنيان.
و " ما " تزاد على ضربين، فأحدهما أن يكون دخولها في الكلام كإلغائها، نحو " فبما رحمة من الله لنت لهم " آل عمران 159 أي فبرحمة، وكذلك : " مما خطيئتهم أغرقوا " نوح 25 وكذلك " مثلا ما بعوضة " البقرة 26 وتدخل لتغيير اللفظ، فتوجب في الشيء ما لولا هي لم يقع، نحو ربما ينطلق زيد، و " ربما يود الذين كفروا " الحجر 2، ولولا " ما " لم تقع رب على الأفعال، لأنها من عوامل الأسماء، وكذلك جئت بعد ما قام زيد، كما قال المرار:
أعلقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
فلولا " ما " لم يقع بعدها إلا اسم واحد، وكان مخفوضا بإضافة " بعد " إليه، تقول: جئتك بعد زيد.
وقوله: " كالصقر جلى " ، تأويل التجلي أن يكون يحس شيئا فيتشوف إليه، فهذا معنى " جلى " ، قال العجاج :
تجلى البازي إذا البازي كسر
أي نظر، ويقال: تجلى فلان فلانه تجليا، وأجتلاها اجتلاء، أي نظر إليها وتأملها، والأصل واحد .
وقوله: " قديرا:، هو ما يطبخ في القدر، يقال: قدير ومقدور، كقولك: قتيل ومقتول .
وقوله: " عبيطا خرادله " ، فالعبيط الطري، يقال: لحم عبيط إذا كان طريا، وكذلك دم عبيط، ويقال اعتبط فلان بكرته إذا نحرها شابة من غير علة وكذلك اعتبط فلان إذا مات شابا، قال أمية:
من لم يمت عبطة يمت هرما ... للموت كأس فالمرء ذائقها
وحدثني الزيادي إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن ابي بكر بن عبد الرحمن ابن زياد.
قال تحدث رجل من الأعراب، قال: نزلت برجل من طيئ، فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله لا أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث وفي كل ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئا، ويشرب عامة الوطب، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله فأقبلته الفج، فانتبه واختصر علي الطريق حتى وقف لي في مضيق منه، فألقم وتره فوق سهمه، ثم نادى بي: لتطب نفسك عنها قلت أرني آية، فقال. انظر إلى ذلك الضب، فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه، فقلت زدني، فقال: انظر إلى أعلى فقاره، فرماه فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك فقلت: شأنك بإبلك فقال: كلا حتى تسوقها إلى حيث كانت. قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة. قال: قلت هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها، فقلت : إذا والله لاأفعل حتى تسمع مدحك: والله ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب جوفا، ولا أكرم عفوا منك قال: فاستحيا فصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه وقوله: " خرادله " يعني قطعه، يقال: ضربا خردله، وتأويله قطعه، كما قال:
والضرب يمضي بيننا خرادلا
وقوله: " أهابوا به " ، يقول: دعوه، يقال: أية به، وأهاب به: أي ناداه، قال القرشي:
أهاب بأحزان الفؤاد مهيب ... وماتت نفوس للهوى وقلوب

(1/91)


وقوله: " ضوء برق ووابله " ، أراد صده عنهم ضوء برق ووابله، فأضاف الوابل من المطر إلى البرق. وإنما الإضافة إلى الشيء على جهة التضمين، ولا يضاف الشيء إلى الشيء إلا وهو غيره أو بعضه، فالذي هو غيره: غلام زيد ودار عمرو، والذي هو بعضه: ثوب خز، وخاتم حديد، وإنما أضاف الوابل إلى البرق، وليس هو له، كما قلت: دار زيد، على جهة المجاورة، وأنهما راجعان إلى السحابة، وقد يضاف ما كان كذا على السعة، كما قال الشاعر:
حتى أنخت قلوصي في دياركم ... بخير من يحتذي نعلا وحافيها
فأضاف الحافي إلى النعل، والتقدير: حاف منها.
ألم ترني صاحبت صفراء نبعة
فالنبع خير الشجر للقسي، ويقال : إن النبع والشوحط والشريان شجرة واحدة، ولكنها تختلف أسماؤها وتكرم وتحسن بمنابتها، فما كان في قلة الجبل منها فهو النبع، وما كان في سفحه فهو الشوحط، وما كان في الحضيض فهو الشريان.
وقوله: " لها ربذي " ، يريد وترا شديد الحركة عند دفع السهم، يقال رجل ربذ اليد إذا كان يكثر التحريك ليديه والعبث بهما، ويوصف به الفرس لكثرة حركة قوائمه، وكان الأصل ربذا لأنه " ربذ " ، ولكن ما كان من " فعل " فنسب إليه فتح موضع العين منه استثقالا لاجتماع ياءي النسب وكسرة اللام، لأن ياءي النسب تكسران ما تليانه، فلم يدعوا مع ذلك العين مكسورة، تقول في النسب إلى النمر بن قاسط: نمري، وإلى الحطبات: حبطي، وإلى شقرة وهو الحارث ابن تميم بن مر: شقري، وفي النسب إلى عم عموي يا فتى.
وقوله: " لم تفلل معابله " ، يريد لم ينكسر حدها، من الفلول.
ويروى أن عروة بن الزبير سأل عبد الملك أن يرد عليه سيف أخيه عبد الله بن الزبير فأخرجه إليه في سيوف منتضاة، فأخذه عروة من بينها، فقال له عبد الملك: بم عرفته فقال: بما قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
والمعبلة: واحد المعابل، وهي سهم خفيف، قال عنترة :
وآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع
بإسكان الجيم لاغير .
قال أبو الحسن : بجيلة: قبيلة من بني الهجيم، من اليمن .
باب
لبعض الشعراء يحرض
على خالد بن يزيد
قال أبوالعباس: تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هن شرف من هن منه، منهن أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية، ورملة بنت الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ففي ذلك يقول بعض الشعراء يحرض عليه عبد الملك:
عليك أمير المؤمنين بخالد ... ففي خالد عما تحب صدود
إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد؟
فطلق آمنة بنت سعيد، فتزوجها الوليد بن عبد الملك، ففي ذلك يقول خالد:
فتاة أبوها ذو العصابة، وابنه، ... وعثمان، ما أكفاؤها بكثير
فإن تفتلتها والخلافة، تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير
قوله : " أبوها ذو العصابة " يعني سعيد بن العاصي بن أمية، وذلك أن قومه يذكرون أنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظاما له، وينشدون :
أبو أحيحة من يعتم عمته ... يضرب وإن كان ذا مال وذا عدد
ويزعم الزبيريون أن هذا البيت باطل موضوع.
وقوله: " فإن تفتلتها " :يقول : تأخذها فجاءة، ومن ذلك قول الشاعر:
من يأمن الأيام بعد ... صبيرة القرشي ماتا
سبقت منيته المشيب ... وكان ميتته افتلاتا
وفي الحديث أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت، أي ماتت فجاءة.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟لخالد بن يزيد في رملة بنت الزبير
ويروى أن آمنه لبثت عند الوليد، فلما هلك عبد الملك سعى بها ساع إلى الوليد. قال أبو العباس: وبلغني أنها سعت بها إحدى ضراتها إلى الوليد بأنها لم تبك على عبد الملك كما بكى نظائرها فقال لها الوليد في ذلك، فقالت: صدق القائل، أكنت قائلة ماذا أقول ياليته كان بقي حتى يقتل أخا لي آخر كعمرو بن سعيد! وفي رملة بنت الزبير يقول خالد:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
فلا تكثروا فيها الملام فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قلبا

(1/92)


أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وزيد فيها:
فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري ... يعلق رجال بين أعينهم صلبا
فيروى أن عبد الملك ذكر له هذا البيت، فقال له: يا خالد، أتروي هذا البيت فقال: يا أمير المؤمنين، على قائلة لعنة الله
زواج الحجاج بن يوسف بابنة
عبد الله بن جعفر ثم طلاقه لها
وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة، ففكر عبد الله بن جعفر في الانفكاك منه، فألقي في روعه خالد بن يزيد، فكتب إليه يعلمه ذلك، وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك، فورد على خالد كتابه ليلا، فاستأذن من ساعته على عبد الملك، فقيل له: أفي هذا الوقت فقال: إنه أمر لا يؤخر، فأعلم عبد الملك بذلك. فأذن له، فلما دخل عليه، قال له عبد الملك : فيم السرى يا أبا هاشم قال: أمر جليل لم آمن أن أؤخر، فتحدث علي حادثة فلا أكون قضيت حق بيعتك، قال: وما؟ قال : أتعلم أنه ما كان بين حيين من العداوة والبفضاء ما كان آل الزبير وآل أبي سفيان ؟ قال لا. قال: فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيت أحب إلي منهم، قال: فإن ذلك ليكون، قال: فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم، وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجاج من سلطانك بحيث علمت قال: فجزاه خيرا، وكتب إلى الحجاج بعزمة أن يطلقها فطلقها، فغدا الناس عليه يعزونه عنها، فكان فين أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، فأوقع الحجاج بخالد، فقال: كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه. فقال له عمرو بن عتبة: لاتقل ذا أيها الأمير، فإن لخالد قديما سبق إليه، وحديثا لم يغلب عليه، ولو طلب الأمر لطلبه بحد وجد، ولكنه علم علما، فسلم العلم إلى أهله، فقال الحجاج: يا آل أبي سفيان، أنتم تحبون أن تحلموا ولا يكون الحلم إلا عن غضب، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل، ثم قال الحجاج: والله لأتزوجن من هو أمس به رحما، ثم لا يمكنه فيه شيء، فتزوج أم الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد .أما قوله : " ألقي في روعه " ، فإن العرب تقول ألقي في روعي، وفي قلبي وفي جخيفي وفي تاموري كذا كذا، ومعناه كله واحد، إلا أن لهذه الأشياء. مواضع مختصة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وصلم : " إن روح القدس نفث في روعي " ، فالروع والجخيف غير مختلفين، والعرب تقول: أذهب الله قلبه، ولا قلب له. ولا تقول: لاروع له، فكأن الروع هو متصل بالقلب، وعنه يكون الفهم خاصة، ويقال: رأيت قلب الطائر. ولا يقال : رأيت روع الطائر، والتامور عند العرب: بقية النفس عند الموت، وبعضهم يفصح عنه فيجعله دم القلب خاصة الذي يبقى للا نسان ما بقي، يقال: ضعه في تامورك وفي قلبك وفي روعك وفي جخيفك. والذماء، ممدود: مثل التامور سواء تقول العرب: ليس في الحيوان أطول ذماء من الضب، وذلك أنه يذبح ثم يطرح في النار بعد أن ظن أنه قد برد فربما سعى من النار .
نبذ من أقوال الحكماء
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: عظني، فقال: اتخذ الله صاحبا وذر الناس جانبا.
قال سعيد بن المسيب: كنت بين القبر والمنبر مفكرا، فسمعت قائلا ولم أره: اللهم إني أسألك عملا بارا. ورزقا دارا. وعيشا قارا قال سعيد: فلزمتهن فلم أر إلا خيرا .
وقال الأصمعي: كان من دعاء أبي المجيب: اللهم اجعل خير عملي ما قارب أجلي .
قال: وكان يقول في دعائه: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع.
أعرابي في حلقة يونس

(1/93)


قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: حدثني أبو زيد قال: وقف علينا أعرابي في حلقة يونس النحوي فقال: الحمد لله كما هو أهله، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، خرجنا من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه سلم، ثلاثين رجلا ممن أخرجته الحاجة، وحمل على المكروه، لا يمرضون مريضهم، ولا يدفنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل إلى منزل وإن كرهوه. والله يا قوم لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق، ولقد مشيت حتى انتعلت، وحتى خرج من قدمي بخص ولحم كثير. أفلا رجل يرحم ابن سبيل، وفل طريق، ونضو سفر فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن ثواب الله عز وجل، ولا عمل بعد الموت، وهو الذي يقول جل ثناؤه: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له " البقرة 245 ملي وفي ماجد واجد جواد، لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو الأخيار. قال: فبلغني أنه لم يبرح حتى أخذ ستين دينارا .
قوله: " بخص " ، يريد اللحم الذي يركب القدم، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: هو لحم يخلطه بياض من فساد يحل فيه، ويقال: بخصت عينه، بالصاد، ولا يجوز إلا ذلك، ويقال. بخسته حقه، بالسين: إذا ظلمته ونقصته، كما قال الله عز وجل: " ولا تبخسوا الناس أشياءهم " الأعراف 85، وفي المثل: " تحسبها حمقاء وهي باخس " ويدل على أنه اللحم الذي قد خالطه الفساد قول الراجز : قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: الراجز هو أبو شراعة
يا قدمي لا أرى لي مخلصا ... مما أراه أو تعودا بخصا
وقوله " فل " فالفل في أكثر كلامهم: المنهزم الذاهب .
وفي خبر كعب بن معدان الأشعري " إنا آثرنا الحد على الفل " . يعني مجاهدتهم عبد ربه الصغير، لأنه كان مقبلا على حربهم وتركهم قطريا لأنه كان منهزما.
خبر الحجاج بن علاط السلمي مع قريش
وفي حديث الحجاج بن علاط السلمي. وكان قد أسلم ولم تعلم قريش بإسلامه، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر في أن يصيرإلى مكة فيأخذ ما كان له من مال، وكانت له هناك أموال متفرقة، وهو غريب بينهم إنما هو أحد بني سليم بن منصور، ثم أحد بني بهز فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أحتاج أن أقول، قال: فقل.
قال أبو العباس: وهذا كلام حسن ومعنى حسن، يقول: أقول على جهةالاحتيال غير الحق، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من باب الحيلة، وليس هو من باب الفساد، وأكثر ما يقال في هذا المعنى تقول، كما قال المولى عز وجل: " أم يقولون تقوله " الطور 33 فصار إلى مكة فقالت قريش: هذا لعمر الله عنده الخبر. قال: فقولوا: بلغنا أن القاطع قد خرج إلى أهل خيبر، فقال الحجاج: نعم، فقتلوا أصحابه قتلا لم يسمع بمثله، وأخذوه أسيرا، وقالوا: نرى أن نكارم به قريشا، فندفعه إليهم، فلا تزال لنا هذه اليد في رقابهم. وإنما بادرت لجمع مالي لعلي أصيب به من محمد وأصحابه قبل أن تسبقني إليه التجار ويتصل بهم الحديث. قال: فاجتهدوا في أن جمعوا إلي مالي أسرع جمع، وسروا أكثر سرورا، وقالوا بلا رغم، وأتاني العباس وهو كالمرأة الواله فقال: ويحك يا حجاج ما تقول قال: فقلت: أكاتم أنت علي خبري ؟ فقال:إي والله قال: فقلت: فالبث علي شيئا حتى يخف موضعي. قال فسرت إليه، فقلت. الخبر والله على خلاف ما قلت لهم، خلفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فتح خيبر، وخلفته والله معرسا بابنة ملكهم، وما جئتك إلا مسلما، فاطو الخبر ثلاثا حتى أعجز القوم، ثم أشعه، فإنه والله الحق، فقال: العباس: ويحك، أحق ما تقول؟ قلت إي والله قال: فلما كان بعد ثلاثة تخلق العباس، وأخذ عصاه وخرج يطوف بالبيت قال: فقالت قريش: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة فقال: كلا، ومن حلفتم به لقد فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرس بابنة ملكهم فقالوا: من اتاك بهذا الحديث؟ فقال: الذي أتاكم بخلافه، ولقد جاءنا مسلما، ثم أتت الأخبار من النواحي بذلك، فقالوا: أفلتنا الخبيث، أولى له .
وأصل الفل مأخوذ من فللت الحديدة إذا كسرت حدها. والنضو: البالي المجهود، ويقال ناقة نضو: إذا جهدها السير، وجمعه أنضاء، وفلان نضو من المرض .

(1/94)


وقوله : " لا يستقرض من عوز " ، فالعوز: تعذر المطلوب، يقال: أعوز فلان فهو معوز إذا لم يجد، والمعاوز في غير هذا الموضع: الثياب التي تبتذل ليصان بها غيرها .
وقوله: " ولكن ليبلوا الأخيار " ، يقال: الله يبلوهم ويبتليهم ويختبرهم في معنى، وتأويله: يمتحنهم، وهو العالم عز وجل بما يكون كعلمه بما كان، قال ال جلله ثناؤه " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " هود 7 قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: رأيت أبا فرعون العدوي، ومعه ابنتاه، وهو في سكة العطارين بالبصرة يقول :
بنيتي صابرا أباكما ... إنكما بعين من يراكما
الله ربي سيدي مولاكما ... ولو يشاء عنهم أغناكما
وكان أبو فرعون، وهو من بني عدي بن الرباب بن عبد مناة بن أد، وقال اليزيدي: هو مولاهم وكان فصيحا، وقدم قوم من الأعراب البصرة من أهله، فقيل له: تعرض لمعروفهم، فقال:
ولست بسائل الأعراب شيئا ... حمدت الله إذ لم يأكلوني
؟حديث رجل من الصيارفة افتقر
وروى الأسدي أنه افتقر أنه رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لهم لديه، وتعذر أمواله التي كانت له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا من أولاد أجوادهم ليسد من خلته، فصاروا إليه، فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وسادة فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلة صاحبهم، مع قديم نعمته وقريب جواره، فخطر بالقضيب . ثم قال متمثلا :
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توامقه
بخلت وبعض البخل حزم وقوة ... فلم يفتلذك المال إلاحقائقه
ثم أقبل على القوم، فقال: إنا والله ما نجمد عن الحق، ولا نتدفق في الباطل، وإن لنا لحقوقا تشغل فضول، وما كل من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا رحمكم الله قال: فابتدر القوم الأبواب.
قوله : " فلم يفتلذك المال " ، يقول : لم يقتطع منك، يقال فلذ له من العطاء: أي قطع له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين قال الغلامان: في القوم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام بن هشام، وأمية بن خلف وفلان وفلان، فقال رسول الله صلى عليه وسلم : " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " .
وقال أبو قحافة أعشى باهلة يعني المنتشر بن وهب الباهلي:
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها ... من الشواء ويكفي شربة الغمر
رجل من أزد شنوءة
بين يدي عتبة بن أبي سفيان
قال عبد الملك بن عمير، استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من آله على الطائف، فظلم من أزد شنوءة، فأتى الأزدي عتبة، فمثل بين يديه، فقال :
أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته، فقال له عتبة: إني أراك أعرابيا جافيا، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة فقال: أرأيت إن أنبأتك ذلك، أتجعل لي عليك مسألة؟ قال نعم، فقال الأعرابي :
إن الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
فقال: فاسأل: فقال: كم فقار ظهرك فقال: لا أدري، فقال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك قال: ردوا عليه غنيمته .
قوله: " فقار " ، إنما هو جمع فقارة، ويقال فقرة، فمن قال في الواحدة فقرة قال في الجميع: فقر، كسرة وكسر، ومن قال للواحدة: فقارة، قال للجميع: فقار، كقولك دجاجة ودجاج، وحمامة وحمام .
أعرابي عند معاوية
وشهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه، فقال له معاوية: كذبت فقال الأعرابي: الكاذب والله متزمل في ثيابك. فقال معاوية وتبسم:هذا جزاء من عجل .
حديث السواقط
قال أبو العباس: قرأت على عبد الله بن محمد المعروف بالتوزي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، قال: كانت السواقط ترد اليمامة في الأشهر الحرم لطلب التمر، فإن وافقت ذلك، وإلا أقامت بالبلد إلى أوانه، ثم تخرج منه في شهر حرام، فكان الرجل منهم إذا قدم يأتي رجل من بني حنيفة، وهم أهل اليمامة، أعني بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربعة بن نزار

(1/95)


فيكتب له على سهم أو غيره: " فلان جار فلان " والسواقط: من ورد اليمامة من غير أهلها، وقد كان النعمان بن المنذر أراد أن يجليهم منها، فأجارهم مرارة بن سلمي الحنفي.
ثم أحد بني ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فسوغه الملك ذلك، فقال أوس بن حجر يحض النعمان عليه :
زعم ابن سلمي مرارة أنه ... مولى السواقط دون آل المنذر
منع اليمامة حزنها وسهولها ... من كل ذي تاج كريم المفخر
وذكر أبو عبيدة أن رجلا من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب قدم اليمامة، ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلمى أنه له جار وكان أخو هذا الكلابي جميلا فقال له قرين، أخو عمير: لا تردن أبياتنا بأخيك هذا، فرآه بعد بين أبياتهم، فقتله.
قال أبو عبيدة: وأما المولى فذكر أن قرينا أخا عمير كان يتحدث إلى امرأة أخي الكلابي، فعثر عليه زوجها فخافه قرين عليها فقله، وكان عمير غائبا، فأتى الكلابي قبر سلمي أبي عمير وقرين فاستجار به وقال : قال أبو الحسن الأخفش، قال أبو العباس: قرين، ووجدته بخط دماذ، صاحب أبي عبيدة قرين.
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائد بالأمنع
أقرين إنك لو رأيت فوارسي ... بعمامتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع
فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابي ديات مضاعفة، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك فأبى الكلابي أن يقبل، فلما قدم عمير قالت له أمه وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله، فأبى الكلابي أن يقبل، وقد لجأ قرين إلى خاله السمين بن عبد الله فلم يمنع عميرا منه، فأخذه عمير فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة، وقال للكلابي: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابي، ففي ذلك يقول عمير:
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا ... وكان أبونا قد تجير مقابره
وقالت أم عمير:
تعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يقتل أخاه فقد ألاما
وقوله : " ولم تكن للغدر خائنة " ، ولم يقل خائنا. فإنما وضع هذا في موضع المصدر والتقدير: ولم تكن ذا خيانة .
وقوله " للغدر " : أي من أجل الغدر، وقال المفسرون والنحويون في قول الله عز وجل: " وإنه لحب الخير لشديد " العاديات8 : أي لشديد: من أجل حب الخير، والخير ههنا: المال، من قوله تعالى: " إن ترك خيرا الوصية " البقرة 180 وقوله " لشديد " : أي لبخيل، والتقدير والله أعلم: إنه لبخيل من أجل حبه للمال، تقول العرب: فلان شديد ومتشدد أي بخيل، قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
وقلما يجيء المصدر على فاعل، فمما جاء على وزن " فاعل " : قولهم عوفي عافية، وفلج فالجا، وقم قائما: أي قم قياما، وكما قال:
ولا خارجا من في زور كلام
أي و لايخرج خروجا، وقد مضى تفسير هذا .
والمغل الذي عنده غلول، وهو ما يختان ويحتجن، ويستعمل مستعارا في غير المال، يقال: غل يغل كقول الله عز وجل: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " آل عمران161.
ويقال: أغل فهو مغل إذا صودف يغل، أو نسب إليه، ومن قرأ: " وما كان لنبي أن يغل " آل عمران161. فتأويله أن يأخذ ويستأثر، ومن قرأ " يغل " فتأويله على ضربين يكون أن يقال ذلك فيه، ويكون وهو الذي يختار أن يخون، فإن قال قائل كيف يكون التقدير، وقد قال: ما كان لنبي أن يغل فيغل لغيره، وأنت لا تقول ما كان لزيد أن يقوم عمرو؟ فالجواب أنه في التقدير على معنى: ما ينبغي لنبي أن يخون، كما قال: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " آل عمران 145. ولو قلت: ما كان لزيد أن يقوم عمرو إليه لكان جيدا، على تقديرك: ما كان زيد ليقوم عمرو إليه، كما قلنا في الآية .
والإصبع، أفصح ما يقال وقد يقال: أصبع وإصبع وأصبع موضعها ههنا موضع اليد. يقال: لفلان عليك يد، ولفلان عليك إصبع، وكل جيد، وإنما يعني ههنا النعمة.
وأما قوله :

(1/96)


قتلنا أخانا للوفاء بجارنا
فيكون على ضربين: أحدهما أن يكون فخم نفسه وعظمها، فذكرها باللفظ الذي يذكر الجميع به، والعرب تفعل هذا ويعد كبرا، ولا ينبغي على حكم الإسلام أن يكو هذا مستعملا إلا عن الله عز وجل، لأنه ذو الكبرياء، كما قال الله تبارك وتعالى: " إنا أنزلنه في ليلة القدر " القدر1 و " إنا أوحينا إليك " النساء 163، وكل صفات الله أعلى الصفات وأجلها، فما استعمل في المخلوقين على تلك الألفاظ وإن خالفت في الحكم فحسن جميل، كقولك: في فلان عالم، وفلان قادر، وفلان رحيم، وفلان ودود، إلا ما وصفنا قبل من ذكر التكبر، فإنك إذا قلت: فلان جبار أو متكبر كان عليه عيبا ونقصا، وذلك لمخالفة هاتين الصفتين الحق. وبعدهما من الصواب، لأنهما للمبدئ المعيد الخالق البارئ، ولا يليق ذلك بمن تكسره الجوعة، وتطغيه الشبعة، وتنقصه اللحظة، وهو في كل أموره مدبر. وأما القول الآخر في البيت وهو " قتلنا أخانا " فمعناه أنه له ولمن شايعه من عشيرته .
وأما قولها:
ومن يقتل أخاه فقد ألاما
تقول: أتى ما يلازم عليه، يقال: ألام الرجل إذا تعرض لأن يلام.
باب
مما أنشد أبو محلم السعدي
قال أبو العباس: انشدني السعدي أبو محلم:
إنا سألنا قومنا فخيارهم ... من كان أفضلهم أبوه الأول
أعطى الذي أعطى أبوه قبله ... وتبخلت أبناء من يتبخل
وأنشدني أيضا:
لطلحة بن حبيب حين تسأله ... أندى وأكرم من فند بن هطال
وبيت طلحة في عز ومكرمة ... وبيت فند إلى ربق وأحمال
ألا فتى من بني ذبيان يحملني ... وليس يحملني إلا ابن حمال
فقلت طلحة أولى من عمدت له ... وجئت أمشي إليه مشي مختال
مستيقنا أن حبلي سوف يعلقه ... في رأس ذيالة أو رأس ذيال
قوله: " إلى ربق وأحمال " ، إنما أراد جمع حمل على القياس، كما تقول في جميع باب فعل: جمل وأجمال، وصنم وأصنام .
وقوله :
ألا فتى من بني ذبيان يحملني
يعني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأنشد بعضهم:
وليس حاملني إلا ابن حمال
وهذا لايجوز في الكلام، لأنه إذا نون الاسم لم يتصل به المضمر، لأن المضمر لا يقوم بنفسه، فإنما يقع معاقبا للتنوين، تقول: هذا ضارب زيدا غدا، وهذا ضاربك غدا، ولا يقع التنوين ههنا، لأنه لو وقع لا نفصل المضمر، وعلى هذا قول الله تعالى: " إنا منجوك وأهلك " العنكبوت33. وقد روى سيبويه يتين محمولين على الضرورة، وكلاهما مصنوع، وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضرورة، لما ذكرت من انفصال الكناية، والبيتان اللذان رواهما سيبويه :
هم القائلون الخير والأمرونه ... إذا مال خشوا يوما من الأمر معظما
وأنشد :
ولم يرتفق والناس محتضرونه ... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه
وإنما جاز أن تبين الحركة إذا وقفت في نون الاثنين والجميع لأنه لا يلتبس بالمضمر، تقول: هما رجلانه، وهم ضاربوه، إذا وقفت، لأنه لا يلتبس بالمضمر إذ كان لا يقع هذا الموقع، ولا يجوز، تقول ضربته، وأنت تريد ضربت، والهاء لبيان الحركة، لأن المفعول يقع في هذا الموضع، فيكون لبسا، فأما قولهم: ارمه واغزه فتلحق الهاء لبيان الحركة، فإنما جاز ذلك لما حذفت من أصل الفعل، ولا يكون في غير المحذوف .
وقوله: " في رأس ذيالة " ، يعني فرسا أنثى أو حصانا، والذيال: الطويل الذنب، وإنما يحمد منه طول شعر الذنب، وقصر العسيب، واما الطويل العسيب فمذموم، ويقال ذلك للثور ايضا أعني ذيالا، قال امرؤ القيس:
فجال الصوار واتقين بفرهب ... طويل القرا والروق أخنس ذيال
ويقال أيضا للرجل: ذيال إذا كان يجر ذيله اختيالا، ويقال له: فضفاض في ذلك المعنى.
من كلام عمر بن عبد العزيز
ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمؤدبه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدبني؟ فقال أحسن طاعة. قال: فأطعني الآن كما أطيعك إذ ذاك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حت تبدو عقباك .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضل الازار في النار " .
لرجل يخاطب آخر اسمه دد

(1/97)


وقال آخر :
ما لدد ما لدد ما له ... يبكي وقد أنعمت ما باله
ما لي أراه مطرقا ساميا ... ذا سنة يوعد أخواله
وذاك منه خلق عادة ... أن يفعل الأمر الذي قاله
إن ابن بيضاء وترك الندى ... كالعبد إذ قيد أجماله
آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله
والدرع لا أبغي بها نثرة ... كل امرئ مستودع ماله
والرمح لا أملأ كفي به ... واللبد لا أتبع تزوال
قوله: " ما لدد " ، يعني رجلا، ودد في الأصل . هو اللهو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لست من ودد ولادد مني " ، وقد يكون في غير هذا الموضع مأخوذا من العادة، وهذه اللام الخافضة تكون مكسورة مع الظهر ومفتوحة مع المضمر، والفتح أصلها، ولكن كسرت مع الظاهر خوف اللبس بلام الخبر، تقول إن هذا لزيد، فيعلم أنه شيء في ملك زيد: فإن قلت: إن هذا لزيد في الوقف، علم قبل الإدراج إنه زيد، ولو فتحت المكسورة لم يعلم الملك من المعنى الآخر في الوقف، وأما المضمر فبين فيه، لأن علامة المخفوض غير علامة المرفوع، تقول: إن هذا لك، وإن هذا أنت.
وقوله:
......... وقد أنعمت ما باله
ف " ما " زائدة، والبال ههنا: الحال، وللبال موضع آخر، وحقيقته الفكر، تقول: ما خطر هذا على بالي.
وقوله: " مطرقا ساميا " فالسامي الرافع رأسه، يقال سما يسمو إذا ارتفع، والمطرق: الساكت المفكر المنكس رأسه، فإنما أراد ساميا بنفسه. وقوله: " ذا سنة " يقول: كأنه لطول إطراقه في نعسة. وقوله:
كالعبد إذ قيد أجماله
يريد أنه غير مكترث لاكتساب المجد والفضل، وذلك أن العبد الراعي إذا قيد أجماله لف رأسه ونام حجرة، وهذا شبيه بقوله:
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقوله:
فدخنوا المرء وسرباله
يروي أنه طعن فارسا فأحدث، فقال: نظفوه فإني لا أدفن القتيل منكم إلا طاهرا، وقوله :
والدرع لا أبغي بها نثرة
فالنثرة: الدرع السابغة، يقول: درعي هذه تكفيني، وقوله:
كل امرىء مستودع ماله
أي مسترهن بأجله، وهو كقول الأعشى:
كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها
وعلمت أن النفس تلقى حتفها ... ما كان خالقها الفضيل قضى لها
وقوله:
الرمح لا أملأ كفي به
يتأول على وجهين: أحدهما أن الرمح لا يملأ كفي وحده، أنا أقاتل بالسيف وبالرمح وبالقوس وغير ذلك. والقول الآخر أني لا أملأ كفي به إنما أختلس به كما قال الشاعر:
ومدجج سبقت يداي له ... تحت الغبار بطعنه خلس
وقوله:
واللبد لا أتبع تزواله
يقول: إن انحل الحزام فمال اللبد لم أمل معه، أي أنا فارس ثبت.
للفرزدق وقد نزل به ذئب فأضافه
وقال الفرزدق، ونزل به ذئب فأضافه:
وأطلس عسال وما كان صاحبا ... رفعت لناري موهنا فأتاني
فلما دنا قلت أدن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان
فبت أقد الزاد بيني وبينه ... على ضوء نار مرة ودخان
وقلت له لمت تكشر ضاحكا ... وقائم سيفي من يدي بمكان
تعش فإن عاهدتني لاتخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... أخيين كانا أرضعا بلبان
ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى ... رماك بسهم أو شباة سنان
قوله: " وأطلس عسال " ، فالأطلس الأغبر. وحدثني مسعود بن بشر قال: أنشدني طاهر بن علي الهاشمي قال: سمعت عبد الله بن طاهر بن الحسين ينشد في صفة الذئب :
بهم بني محارب مزداره ... أطلس يخفى شخصه غباره
في شدقه شفرته وناره
قوله: " يخفي شخصه غباره " ، يقول: هو في لون الغبار، فليس يتبين فيه. وقوله: " عسال " ، فإنما نسبه إلى مشيته، يقال: مر الذئب يعسل، وهو مشي خفيف كالهرولة، قال الشاعر يصف رمحا:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وقال لبيد:

(1/98)


عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل
قال أبو عبيدة: نسل في معنى عسل، وقال الله عز وجل: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون " يس 51. وخفض بهذه الواو لأنها في معنى " رب " ، وإنما جاز أن يخفض بها لوقوعها في معنى " رب " لأنها حرف خفض، وهي أعني الواو تكون بدلا من الباء في القسم لأن مخرجها في مخرج الباء من الشفة، فإذا قلت: والله لأفعلن، فمعناه: أقسم بالله لأفعلن، فإن حذفتها قلت: الله لأفعلن، لأن الفعل يقع على الاسم فينصبه، والمعنى معنى " الباء " كما قال عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا " الأعراف155 . وصل الفعل فعمل، والمعنى معنى " من " لأنها للتبعيض، فقد صارت " الواو " تعمل بلفظها عمل " الباء " ، وتكون في معناها، وتعمل عمل " رب " لاجتماعها في المعنى للاشتراك في المخرج.
وقوله: " رفعت لناري " ، من القلوب، إنما أراد رفعت له ناري والكلام إذا لم يدخله لبس جاز القلب للاختصلر، قال الله عز وجل: " وءاتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة " القصص76 . والعصبة تنوء بالمفاتيح، أي تستقل بها في ثقل، ومن كلام العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزاتها، والمعنى لتنوء بعجيزاتها، وأنشد أبو عبيدة للأخطل:
أما كليب بن يربوع فليس لها ... عند التفاخر إيراد ولا صدر
مخلفون ويقضي الناس أمرهم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
فجعل الفعل للبلدتين على السعة.
ويروى أن يونس بن حبيب قال لأبي الحسن الكسائي: كيف تنشد بيت الفرزدق؟ فأنشده:
غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر
فقال الكسائي لما قال :
" غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف 00 "
تم الكلام. فحمل الخمر على المعنى، أراد: وحلت له الخمر، فقال له يونس: ما أحسن ما قلت ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب، فنصب الطعنة ورفع العبيطات والخمر على ما وصفناه من القلب. والذي ذهب إليه الكسائي أحسن في محض العربية، وإن كان إنشاد الفرزدق جيدا.
وقوله: " لما دنا قلت ادن دونك " أمر بعد أمر، وحسن ذلك لأن قوله: " أدن " للتقريب، وفي قوله: " دونك " ،أمره بالأكل، كما قال جرير لعياش بن الزبرقان :
أعياش قد ذاق القيون مواسمي ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل
وقوله:
على ضوء نار مرة ودخان
يكون على وجهين : أحدهما على ضوء نار، وعلى دخان أي على هاتين الحالتين ارتفعت النار أو خبت. وجائز أن يعطف الدخان على النار، وإن لم يكن للدخان ضياء، ولكن للاشتراك كما قال الشاعر:
ياليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا
لأن معناها الحمل، وكما قال:
شراب ألبان وتمر وأقط
فأدخل التمر في المشروب لاشتراك المأكول والمشروب في الحلوق وهذه الآية تحمل على هذا: " يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس " الرحمن: 35، والشواظ: اللهب لا دخان له والنحاس: الدخان، وهو معطوف على النار، وهي مخفوضة بالشواظ لما ذكرت لك، قال النابغة الجعدي:
تضيء كمثل سراج الذبا ... ل لم يجعل الله فيه نحاسا
وقوله:
نكن مثل من يا ذ ئب يصطحبان
ف " من " تقع للواحد والاثنين والجميع والمؤنث على لفظ واحد، فإن شئت حملت خبرها على لفظها فقلت: من في الدار يحبك، عنيت جميعا أو اثنين أو واحدا أو مؤنثا، وإن شئت حملته على المعنى فقلت: يحبانك،وتحبك إذا عنيت امرأة ويحبونك إذا عنيت جميعا كل ذلك جائز جيد، وقال الله عز وجل : " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به " يونس: 40 . " ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى " . التوبة: 49 : 49 .وقال فحمل على المعنى: " ومنهم من يستمعون إليك " . يونس:42 . وقرأ أبو عمرو: " ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحا " الأحزاب: 31 فحمل الأول على اللفظ والثاني على المعنى. وفي القرآن: " بلى من أسلم وجهة لله وهو محسن فله أجره عند ربه " البقرة: 112 . فهذا كله على اللفظ، ثم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " البقرة: 62 على المعنى.
وقوله: " أو شباة سنان " فالشبا والشباة واحد وهو الحد.
في وصف الجود

(1/99)


ومما يستحسن في وصف الجود والحث على المبادرة به، وتعريف حد العاقبة فيه، قول النمر بن تولب العكلي، أحد بني عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر:
أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي و قريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أنفقت كان نصيبي
وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب
غدت وغدا رب سواه يقودها ... وبدل أحجارا و جال قليب
قوله: " إن يصبح صداي بقفزة " فالصدى: على ستة أوجه: أحدها ما ذكرنا وهو ما يبقى من الميت في قبره، والصدى: الذكر من البوم، قال ابن مفرغ :
وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامة
هتافة تدعو صدى ... بين المشقر و اليمامة
و يقال: فلان هامة اليوم أوغد، أي يموت في يومه أو في غده. ويقال ذلك للشيح إذا أسن، والمريض إذا طالت علته، والمحتقر لمدة الآجال. وفي الحد يث أن حسلا أباحذيفة بن حسل بن اليمان قال لشيخ آخر تخلف معه في غزوةأحد : انهض بنا ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما نحن هامة اليوم أو غد وكانا قد أسنا. والصدى : حشوة الرأس. يقال لذلك: الهامة والصدى وتأويل ذلك عند العرب في الجاهلية أن الرجل كان عندهم إذا قتل فلم يدرك به الثأر أنه يخرج من رأسه طائر كالبومة وهي الهامة والذكر: الصدى فيصيح على قبره. اسقوني اسقوني فإن قتل قاتله كف ذلك الطائر. قال ذو الإصبع العدواني أحد بني عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر:
ياعمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
و الصدى: ما يرجع عليك من الصوت إذا كنت بمتسع من الأرض، أو بقرب جبل، كما قال:
إني على كل إيساري و معسرتي ... أدعو حنيفا كما تدعى ابنة الجبل
يعني الصدى، وتأويله أنه يجيبني في سرعة إجابة الصدى. وقال آخر:
كأني إذ دعوت بني سليم ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا
والصدأ، مهموز: صدأ الحديد وما أشبه، قال النابغة الذبياني:
سهكين من صدإ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار
وقال الأعشى:
فأما إذا ركبوا فالوجو ... ه في الروع من صدإ البيض حم
والصدى: مصدر الصدي، وهو العطشان، يقال: صدي يصدى صدى وهو صد، قال طرفة:
ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي
وقال القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
تأويل قوله: " نآني " يكون على ضربين، يكون أبعدني، وأحسن من ذلك أن يقول : " أنآني " .وقد رويت هذه اللغة الأخرى، وليست بالحسنة، وإنما جاءت في حروف: يقال غاض الماء وغضته، ونزحت البئر ونزحته، وهبط الشيء وهبطنه، وبنو تميم يقولون: أهبطته، وأحرف سوى هذه يسيرة. والوجه في " فعل أفعلته " ، نحو دخل وأدخلته، مات وأماته الله، فهذا الباب المطرد.ويكون " نآني " في موضع " نأى عني " ، كما قال عز وجل: " وإذا كالوهم أو وزنونهم يخسرون " المطففين 3 : أي كالوا لهم أو وزنوا لهم .
وقوله: " ودؤوب " ، يقول: وإلحاح عليه، تقول: دأبت على الشيء، قال الشاعر :
دأبت إلى أن ينبت الظل بعدما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح
وقوله عز وجل : " كدأبءال فرعون " آل عمران 11 يقول: كعادتهم وسنتهم، ومثله الدين والديدن، وقد مر هذا.وقوله:
وبدل أحجارا وجال قليب
فالجال الناحية، يقال لكل ناحية من البئر والقبر وما أشبه ذلك: جال وجول، وقال مهلهل:
كأن رماحهم أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور
ويقال: رجل ليس له جول، أي ليس له عقل، وهذا الشعر نظير قول حاتم الطائي :
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض، لا ماء لدي ولا خمر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر
للحارث بن حلزة اليشكري في الجود
وقال الحارث بن حلزة اليشكري في هذا المعنى:
قلت لعمرو حين أرسلته ... وقد خبا من دوننا عالج
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
قوله:

(1/100)


لاتكسع الشول بأغبارها
فإن العرب كانت تنضح على ضروعها الماء البارد ليكون أسمن لأولادها التي في بطونها. والغبر: بقية اللبن في الضرع، فيقول: لاتبق ذلك اللبن لسمن الأولاد، فإنك لاتدري من ينتجها، فلعلك تموت، فتكون للوارث أو يغار عليها .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ابن آدم مالي مالي، وما من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت " .
ويرى عن بعضهم أنه قال: إني أحب البقاء، وكالبقاء عندي حسن الثناء. وأنشد أبو عثمان عمرو بن الجاحظ:
فإذا بلغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث متالف وخلود
وأنشد :
فأثنوا علينا لاأبا لأبيكم ... بأفعالنا، إن الثناء هو الخلد
وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ما كان قيس بن معد يكرب أعطى الأعشى ؟ فقال : أعطاه مالا، وظهرا، ورقيقا، وأشياء أنسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسىوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة هرم بن سنان المري: ما وهب أبوك لزهير ؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال عمر: لكن ما أعطاكموه لا يفنيه الدهر .
وقال المفسرون في قول الله عز وجل عن ابراهيم صلوات الله عليه: " وآجعل لى لسان صدق في الأخرين " الشعراء 84 أي ثناء حسنا، وفي قوله تعالى: " وتركنا عليه في الأخرين سلم على إبراهيم " الصافات 108 - 109 أي يقال له هذا في الآخرين. والعرب تحذف هذا الفعل من " قال " ويقول " استغناء عنه، قال الله عز وجل: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم " آل عمران 106، أي فيقال لهم. ومثله: " والذين اتخدوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " الزمر 3 أي يقولون، وكذلك: " والملكة يدخلون من كل باب سلم عليكم " الرعد 23 - 24
باب
من خطبة لعلي بن أبي طالب
قال أبو العباس: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة له: أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم. وبادروا الموت الذي إن هربتم منه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم .
خطبة الحجاج حين قدم أميرا على العراق
قال: وحدثني التوزي في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي، قال: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، إذ أتى آت فقال :هذا الحجاج قدم أميرا على العراق. فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا، متنكبا قوسا، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق حتى قال عمير بن ضابيء البرجمي: ألاأحصبه لكم ؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال :
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس برلعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
ثم قال :
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
وقال :
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
لابد مما ليس منه بد

(1/101)


إني والله يا أهل العراق، ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا. وأصلبها مكسرا، فرماكم بي. لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقدالضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. والخوف بما كانوا يصنعون. وإنى والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة. وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين.
فقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم " فلم يقل أحد منهم شيئا، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال : أسلم عليكم أمير المؤمنين، فلم تردوا عليه شيئا هذا أدب ابن نهية أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: " سلام عليكم " لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام.
ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا، فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني فتقلبه بدلا مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا قال: هذا عمير بن ضابئ البرمجي الذي يقول أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل الشيخ على عثمان مقتولا فوطىء بطنه، هلا فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال ردوه ! فلما رد قال الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلا يوم الدار! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين :يا حرسي، اضربن عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل، ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
قوله: " أنا ابن جلا " ، إنما يريد المنكشف الأمر، ولم يصرف " جلا " لأنه أرادالفعل فحكى، والفعل إذا كان فاعله مضمرا أو مظهرا لم يكن إلاحكاية، كقولك: تأبط شرأ، وكماقال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب
وتقول: قرأت: " اقتربت الساعة وانشق القمر " القمر 1 لأنك حكيت، وكذلك الابتداء، تقول : قرأت: " الحمد لله رب العلمين " الفاتحة 2 0 وقال الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه
وقوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
لسحيم بن الرياحي، وإنما قاله الحجاج متمثلا. وقوله: " وطلاع الثنايا " الثنايا: جمع ثنيةو الثنية: الطريق في الجبل. والطريق في الرمل يقال له: الخل، وإنما أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، كما قال دريد بن الصمة يعني أخاه عبد الله:
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من السوءات طلاع أنجد
والنجد: " ما ارتفع من الأرض، وقد مضى تفسير هذا.
وقوله: " إني لأرى رؤوسا قد أينعت " ، يريد أدركت، يقال : أينعت الثمرة إيناعا وينعت ينعا، ويقرأ : " انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه " الأنعام 99 و " وينعه " كلاهما جائز.
قال أبو عبيدة: هذا الشعر يختلف فيه، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. قال أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية وهو:
ولها بالماطرين إذا ... أكل النمل الذي جمعا
خرفة حتى إذا ربعت ... سكنت من جلق بيعا
في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
قال أبو الحسن: أول هذه الأبيات :

(1/102)


طال هذا الهم فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا
وبعد هذا ما أنشد أبو العباس، ويروى " بالماطرون " .
قال أبو العباس: وقوله:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم
يعني فرسا أو ناقة، والشعر للحطم القيسي .
وقوله:
قد لفها الليل بسواق حطم
فهو الذي لا يبقي من السير شيئا، ويقال: رجل حطم للذي يأتي على الزاد لشدة أكله، ويقال للنار التي لا تبقي: حطمة . وقوله: " على ظهر وضم " ، فالوضم: كل ما قطع عليه اللحم. قال الشاعر:
وفتيان صدق حسان الوجو ... ه لا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقوله :
قد لفها الليل بعضلبي
أي شديد. وأروع. أي ذكي.
وقوله: " خراج من الدوي، يقول: خراج من كل غماء شديدة ويقال للصحراء دوية، وهي التي لا تكاد تنقضي،وهي منسوبة إلى الدو، والدو: صحراء ملساء لاعلم بها ولا أمارة، قال الحطيئة:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
والداوية: المتسعة التي تسمع لها دويا بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها. وتقول جهلة الأعراب: إن ذلك عزيف الجن وقوله:
والقوس فيها وترعرد
فهو الشديد ويقال عرند في هذا المعنى.
وقوله: " إني والله ما يقعقع لي بالشنان " ، واحدها شن، وهو الجلد اليابس، فإذا قعقع به نفرت الإبل منه، فضرب ذلك مثلا لنفسه، وقال النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن
وقوله: " ولقد فررت عن ذكاء " ، يعني تمام السن. والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن، والآخر الحدة حدة القلب، فمما جاء في تمام السن قول قيس بن زهير: " جري المذكيات غلاب " . وقال زهير:
يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء
وقوله : " فعجم عيدانها " ، يقول: مضغها لينظر أيها أصلب، يقال : عجمت العود، إذا مضغته، وكذلك في كل شيء، قال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
والمصدر العجم، يقال عجمته عجما: ويقال لنوى كل شيء: عجم مفتوح، ومن أسكن فقد أخطا، كما قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم
وقوله: " طالما ما أوضعتم في الفتنة " ، الإيضاع: ضرب من السير. وقوله :
فأضحى ولو كانت خراسان دونه
يعني دون السفر رآها مكان السوق للخوف والطاعة.
خبر ضابىء البرجمي مع عثمان
وكان من قصة عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث البرجمي وجب عليه حبس عند عثمان رحمه الله وأدب وذلك أنه كان استعار من قوم كلبا فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشا فرمى أمهم به، فقال في بعض كلامه :
وأمكم لا تتركوها وكلبكم ... فإن عقوق الوالدات كبير
فاضطغن على عثمان ما فعل به فلما دعي به ليؤدب شد سكينا في ساقه ليقتل بها عثمان، فعثر عليه، فأحسن أدبه، ففي ذلك يقول:
وقائلة إن مات في السجن ضابىء ... لنعم الفتى نخلو به ونواصله
وقائلة لايبعدن ذلك الفتى ... ولا تبعدن أخلاقه وشمائله
وقائلة لايبعد الله ضابئا ... إذالكبش لم يوجد له من ينازله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا ... إذ الخصم لم يوجد له من يقاوله
فلا تتبعيني إن هلكت ملامة ... فليس بعار قتل من لاأ قاتله
هممت ولم أفعل، وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
وما الفتك ما آمرت فيه ولا الذي ... تخبر من لاقيت أنك فاعله
حديث أبي شجرة السلمي مع عمر بن الخطاب
قال أبو العباس: وشبيه بقوله ما حدثنا به عن أبي شجرة السلمي وكان من فتاك العرب فأتى عمر بن الخطاب رحمه الله يستحمله، فقال له عمر: ومن أنت ؟ فقال :أنا أبو شجرة السلمي،فقال له عمر: أي عدي نفسه، ألست القاتل حيث ارتددت:
ورويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا
وعارضتها شهباء تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا

(1/103)


ثم انحنى عليه عمر بالدرة، فسعى إلى ناقته فحل عقالها وأقبلها حرة بني سليم بأحث السير هربا من الدرة، وهو يقول:
قد ضن عنها أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق
مازال يضربني حتى خذ يت له ... وحال من دون بعض الرغبة الشفق
ثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق
أقبلتها الخل من شوران مجتهدا ... إني لأزري عليها وهي تنطلق
ويروى أنه كان يرمي المسلمين يوم الردة فلا يغني شيئا، فجعل يقول:
ها إن رميي عنهم لمعبول ... فلا صريح اليوم إلا المصقول
وقوله:
وكل مختبط يوما له ورق
أصل هذا في الشجرة أن يختبطها الراعي.، وهو أن يضربها حتى يسقط ورقها، فضرب ذلك مثلا لمن يطلب فضله، وقال زهير:
وليس مانع قربى وذي نسب ... يوما ولا معدم من خابط ورقا
وقوله: " حتى خذيت له " . يقول: خضعت له، وأكثر ما تستعمل العامة هذه اللفظة بالزيادة.، تقول: استحذيت له. وزعم الأصمعي أنه شك فيها، وأنه أحب أن يستثبت، أهي مهموزة أم غير مهموزة ؟ قال: فقلت لأعرابي: أتقول: استحذيت أم استحذأت ؟ قال: لاأقولهما، قلت: ولم فقال: لأن العرب لاتستخذي. وهذا غير مهموز. واشتقاقه من قولهم: أذن خذواء وينمة خذواء، أي مسترخية. قال أبو الحسن: الينمة: نبت مسترخ على وجه الأرض تأكله الإبل فتكثر عنه ألبانها.
قال الأصمعي: وقلت لأعرابي: أتهمز الفارة ! قال: تهمزها الهرة.
وقوله: " إني لأزري عليها " ، يقول: أستحثها، يقال: زرى عليه: أي عاب عليه، وأزرى به أي قصر به، فيقول: إنها لمجتهدة، وإني لأزري عليها، أي أعيب عليها لطلبي النجاء والسرعة، وقال الأخطل:
فظل يفديها وظلت كأنها ... عقاب دعاها جنح ليل إلى وكر
وقوله: " ها إن رميي عنهم لمعبول " ، يقول: مخبول مردود. والصريح: المحض الخالص، يقال ذلك للبن إذا لم يشبه ماء، ويقال عربي صريح ومولى صريح، أي خالص.
خطبة لعمر بن الخطاب
حين سمع أن قوما يفضلونه على أبي بكر
قال: وحدثني محمد بن إبراهيم الهاشمي في إسناد ذكره قال: بلغ عمر بن الخطاب رحمه الله أن قوما يفضلونه على أبي بكر الصديق رحمه الله، فوثب مغضبا حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنىعليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس، إني سأخبركم عني وعن أبي بكر، إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اردتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن قلنا له: يا خليفة رسول الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لاطاقة لك بقتال العرب. فقال أبو بكر الصديق: أو كلكم رأيه على هذا ؟ فقلنا: نعم فقال: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره وصلى على نبيه صلى عليه وسلم، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت. أيها الناس، أإن كثر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون. قوله الحق، ووعده الصدق، " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " الأنبياء18، و " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين " البقرة 249. والله أيها الناس. لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في حق جهاده حتى أبلي بنفسي عذرا أو أقتل قتيلا، والله أيها الناس لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله وهو خير معين.
ثم نزل فجاهد في الله حق جهاده حتى أذعنت العرب بالحق .
قوله: " كم من فئة " فهي الجماعة، وهي مهموزة، وتخفيف الهمز في هذا الموضع أن تقلب الهمزة ياء، وإن كانت قبلها ضمة وهي مفتوحة قلبتها واوا نحو جؤن تقول جون.

(1/104)


وقوله: " لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه " على خلاف ما تتأوله العامة ولقول العامة وجه قد يجوز، فأما الصحيح فإن المصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنها قيل: أخذ عقالا، وإذا أخذ الثمن قيل: أخذ نقدا، قال الشاعر:
أتانا أبو الخطاب يضرب طبله ... فرد ولم يأخذ عقالا ولا نقدا
والذي تقوله العامة تأويله: لو منعوني ما يساوي عقالا، فضلا عن غيره وهذا وجه، والأول هو الصحيح، لأنه ليس عليهم عقال يعقل به البعير فيطلبه فيمنعه، ولكن مجازه في قول العامة ما ذكرنا.
ومن كلام العرب: أتانا بجفنة يقعد عليها ثلاثة، أي لو قعد عليها ثلاثة لصلح.
من أبيات للحطيئة
حين ارتد بعض العرب
وكان ارتداد من ارتد من العرب أن قالوا: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة، فمن ذلك قول الحطيئة:
ألا كل أرماح قصار أذلة ... فداء لأرماح نصبن على الغمر
فباست بني عبس وأستاه طيئ ... وباست بني دودان حاشا بني نصر
أبوا غير ضرب يجثم الهام وقعه ... وطعن كأفواه المزفتة الحمر
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لهفتا، ما بال دين أبي بكر!
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر!
فقوموا ولا تعطوا اللئام مقادة ... وقوموا ولو كان القيام على الجمر
فدى لبني نصر طريفي وتالدي ... عشية ذادوا بالرماح أبا بكر
قوله: " يجثم الهام وقعه " ، إنما هو مثل، يقال: جثم الطائر، كما يقال: برك الجمل، وربض البعير.
وكان قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر عاملا على صدقات بني سعد، فقسم ما كان في يده من أموال الصدقات على بني منقر، وقال:
فمن مبلغ عني قريشا رسالة ... إذا ما أتتها محكمات الودائع
حبوت بما صدقت في العام منقرا ... وأيأست منها كل أطلس طامع
قوله: " فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد " ،فإنما خفض " كلا " على أنه توكيد لأسمائهم المضمرة، والظاهرة لا تكون بدلا من المضمر الذي يعني به المتكلم نفسه، أو يعني به المخاطب.
لايجوز أن تقول مررت بي زيد، لأن هذه الياء لا يشركه فيها شريك فتحتاج إلى التبيين، وكذلك لا يجوز: ضربتك زيدا، لأن المخاطب منفرد بهذه الكاف، فأما الهاء نحو مررت به عبد الله، فيجوز لأنا نحتاج إلى أن يعرفنا مبينا: من صاحب الهاء؟ لأنها ليست للذي يخاطبه فلا ينكر نفسه، وإنما يحدث به عن غائب فيحتاج إلى البيان.
وقوله: " أصحاب محمد " اختصاص: وينتصب بفعل مضمر، وهو " أعني " ليبين من هؤلاء الجماعة، كما ينشد:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
أراد: نحن أصحاب الجمل، ثم عين من هم، لأن هذا قد كان يقع على من دون بني ضبة معه، وعلى من فوقها إلى مضر ونزار ومعد ومن بعدهم، وكذلك: نحن العرب أقرى الناس لضيف، ونحن الصعاليك لا طاقة لنا على المروءة.
ويختار من الشعر:
إنا بني منقر ذوو حسب ... فينا سراة بني سعد وناديها
وقليل هذا يدل عل جميع هذا الباب، فافهم.
الجزء الثاني
باب في المختار من أشعار المولدين
قال أبو العباس: هذه أشعار اخترناها من أشعار المولدين حكيمة مستحسنة.يحتاج إليها للتمثل،لأنها أشكل بالدهر،ويستعار من ألفاظها في المخاطبات والكتب.
لعبد الصمد بن المعذل
قال ابن المعذل:
تكلفني إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه رب يحيى بن أكثما
لبشار بن برد
وقال بشار بن برد يذكر عبيد الله بن قزعة، وهو أبو المغيرة أخو الملوي المتكلم، قال : وقال المازني لم أر اعلم من الملوي بالكلام، وكان من أصحاب إبراهيم النظام :
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجدا ... ولم يدر أن المكرمات تكون

(1/105)


فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين
إذا جثته في حاجة سد بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
نظير قوله: وفي كل معروف عليك يمين قول جرير: ولاخير في مال عليه آلية ولا في يمين عقدت بالمآثم
لإسماعيل بن القاسم أبي العتاهية
وقال إسماعيل بن القاسم:
اطلع الله بجهدك ... عامدا أودون جهدك
أعط مولاك كما تط ... لب من طاعة عبدك
لمحمود الوراق
وقال محمود:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعمته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وقال أيضا:
إني شكرت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي
ورأيت أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه وإح ... ساني مضاعف الجرم
وغدوت ذا اجر ومحمدة ... وغدا بكسب الظلم والإثم
فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم
مازال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم
اخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش لرجل قال له:إني مررت بقوم من قريش من آل الزبير أو غيرهم يشتمونك شتما رحمتك منه، قال : فسمعتني أقول إلا خيرا! قال: إياهم فارحم.
وقال الصديق:رحمه الله لرجل قال له: لأشتمنك شتما يدخل معك في قبرك،قال :معك والله يدخل ، لامعي.
وقال ابن مسعود : إن الرجل ليظلمني فأرحمه.
وقال رجل للشعبي كلاما اقذع له فيه، فقال الشعبي : إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
ويروى انه أتى مسجدا فصادف فيه قوما يغتابونه فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال:
هنيئا مريئا غير داء مخاطر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وذكر ابن عائشة أن رجلا من أهل الشام قال:دخلت المدينة فرأيت رجلا ركبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولاثوبا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه ، فسألت عنه ، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، فامتلأ قلبي له بغضا، وحسدت عليا أن يكون له أبن مثله ، فصرت إليه، فقلت له: أنت ابن أبي طالب ؟ فقال: أنا ابن ابنه فقلت: فبك وبأبيك أسبهما . فما انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريبا. فقلت : أجل ، قال: فمل بنا ، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ، أو إلى مال آسيناك ، أو إلى حاجة عاوناك ، قال: فانصرفت عنه ، ووالله ما على الأرض أحد احب إلي منه .
لمحمود الوراق أيضا
وقال محمود الوراق:
ياناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
منيت نفسك ضلة وأبحتها ... طرق الرجاء وهن غير قراصد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفور العابد
ونسيت ان الله اخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
لابي نواس الحسن بن هانئ
وقال الحكم للفضل بن الربيع:
ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها
نام الكرام على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عني عفو مقتدر ... حلت له نقم فألغاها
لعبد الله بن محمد بن عيينه
وقال عبد الله بن أبي عيينه لذي اليمينين:
لما رأيتك قاعدا مستقبلا ... أيقنت أنك للهموم قرين
فارفض بها وتعر من أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين
مالا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون
يسعى الذكي فلا ينال بسعيه ... حظا و يحظى عاجز ومهين
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
الله يعلم أن فرقة بيننا ... فيما أرى شيء علي يهون
لصالح بن عبد القدوس
وقال صالح بن عبد القدوس:
إن يكن مابه أصبت جليلا ... فذهاب العراء فيه أجل

(1/106)


كل آت لاشك آت وذو الجه ... ل معنى و الغم والحز نفضل
مكن الأبيات المنفردة وأنشد منشد من الأبيات المنفردة القائمة بأنفسها:
إذا أنت لم تعطي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
ومنها قول ابن وهيب الحميري:
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
وقال آخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال أشجع السلمي:
رأي سرى وعيون الناس راقدة ... ما أخر الحزم رأي قدم الحذرا
وقال آخر: فلله مني جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب وقال آخر:
يرى فلتات الرأي مقبل ... كأن في اليوم عينا على غد
لعبد ا لصمد بن المعذل أيضا
وقال عبد الصمد بن المعذل:
أمن على المجتدي ... وما أتبع المن من
كان لم يزل ما أتى ... وما قد مضى لم يكن
أرى الناس أحدوثة ... فكوني حديثا حسن
وقال أيضا:
زعمت عاذلتي أني لما ... حفظ البخل من المال مضيع
كلفتني عذرة الباخل إذا ... طرق الطارق والناس هجوع
ليس لي عذر وعندي بلغة ... إنما العذر لمن لا يستطيع
للحسن بن هانئ أبي نواس
إليك غدت بي حاجة لم أبح بها ... اختف عليها شامتا فأداري
فأرخ عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدما على عواري
وقال أيضا:
قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح منكشفا
لاتحدثن إلي عارفة ... حسبي أقوم بشكر ما سلفا
لدعبل بن علي الخز اعي
أحببت قومي ولم أعدل بحبهم ... قالوا تعصبت جهل قول ذي بهت
دعني أصل رحمي إن كنت قاطعها ... لا بد للرحم الدنيا من الصلة
فاحفظ عشيرتك الأدنين إن لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة
قومي بنوا مذحج والأزد أخوتهم ... وآل كيندة والأحياء من علة
ثبت الحلوم فإن سلت حفائظهم ... سلوا السيوف فأرادوا كل ذي عنت
لاتعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية ... مشؤومة لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيت مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت
وقال أيضا:
نعوني ولما ينعني غير شامت ... وغير عدو قد أصيبت مقاتله
يقولون إن ذاق الردى مات شعره ... وهيهات عمر الشعر طالت طوائله
سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرواية حامله
يموت ردي الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم:
يا من يعيب وعيبه متشعب ... كم فيك من عيب وأنت تعيب!
لله درك كيف أنت وغاية ... يدعوك ربك عندها فتجيب
وقال أيضا :
يا علي بن ثابت بأمن مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا
يا علي بن ثابت أي أنت ... أين أنت أنت بين القبور حيث دفنتا
قد لعمري حكيت لفي قصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا
وقال أيضا:
صاحب كان لي هلك ... والسبيل التي سلك
يا علي بن ثابت ... غفر الله لي ولك
كل حي مملك ... سوف يفنى ومالك
وقال أيضا:
طوتك خطوب دهرك كبعد نشر ... كذاك خطوبه نشرا وطيا
فلو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا أخي بدمع عيني ... فلم يغني البكاء عليك شيا
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا

(1/107)


وكانت في حياتك لي عضات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يخلي شعر من تقدم من الأخبار والآثار فينظم ذلك الكلام المشهود،ويناوله أقرب متناول، ويسرقه أخفى سرقة.
فقوله:وأنت اليوم أوعظ منك حيا، إنما أخذه من قول الموبذ لقباد الملك حيث مات ، فإنه قال في ذلك الوقت :كان الملك أمسى أن انطق منه اليوم. وهو اليوم أوعظ منه أمس .
واحذ قوله:
قد لعمري حكيت لي قصص المو ... ت وحركتني لها وسكنت
من قول نادب الإسكندر فإنه لما مات بكى من بحضرته فقال نادبه حركنا بسكونه.
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم :
ياعجبا للناس لو فكرروا، ... حاسبوا أنفسهم أبصروا
وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر
الخير مما ليس يخفى هو ال ... معروف والشر هو المنكر
والموعد الموت وما بعده ال ... حشر الموعد الأكبر
لافخر إلا فخر أهل التقى ... غدا إذا ضمهم المحشر
ليعلمن الناس ان التقى ... البر كانا خير ما يذخر
عجبت للإنسان في فخره ... وهو غدا في قبره يقبر
ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر!
أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضى وما يقدر
أما قوله:
ياعجبا للناس لو فكروا ... وحاسبوا أنفسهم أبصروا
فمأخوذ من قولهم: الفكرة مرآة تريك حسنك من قبيحك. ومن قول لقمان لابنه: يا بني لعاقل أن يخلي نفسه من أربعة أوقات: فوقت منها يناجي فيه ربه، وقت يحاسب فيه نفسه، ووقت يكسب فيه لمعاشه، ووقت يخلي فيه بين نفسه وبين ذاتها، ليستعين بذلك على سائر الأوقات.
وقوله:
وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر
مأخوذ من قول الحسن: اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها.
وقوله:
الخير مما ليس يخفى ... هو المعروف والشر هو المنكر
مأخوذ من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، وصار الناس هكذا " .وشبه بين أصابعه، فقلت: مرني يا رسول الله، فقال " خذ ما عرفت " ودع ما أنكرت، وعليك بخويصة نفسك، وإياك وعوامها " .
قوله صلى الله عليه وسلم: " في حثالة الناس " أما الحثالة فهو ما يبقى في الإناء من ردي الطعام، وضربه مثلا. وقوله: " مرجت عهودهم " .يقول : اختلطت وذهبن بهم كل مذهب، يقال: مرج الماء إذا سال ولم يكن له مانع، قال الله عز و جل: " مرج البحرين يلتقيان " الرحمن:19.
وقوله:
ليعلمن الناس إن التقى ... والبر كانا خير ما يذخر
مأخوذ من قول أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حشر الناس في صعيد واحد نادى مناد من قبل العرش: ليعلمن أهل لا لموقف، من أهل الكرم اليوم؟ ليقم المتقون!ثم تلا رسول الله صلى الله وعليه وسلم: " عن أكرمكم عند الله أتقاكم " وقوله:
ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر
مأخوذ منقول علي بن أبي طالب رشي الله عنه: " وما ابن آدم والفخر إنما أوله نطفة،آخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه.
لابن أبي عيينة
وقال ابن أبي عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أنت ساعة في الدهر فانصرمت ... حتى تؤثر في في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسها ... عن غير أنفسها لم تكتم الخيرا
فأخذ هذا المعنى حبيب بن أوس الطائي وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان إنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
فزاد بقوله:ناصح لا يشفق على قول ابن أبي عيينة شيئا طريفا، وهكذا يفعل الحاذق بالكلام. ولو قال قائل: إن أقرب ما تأخذ منه أبو العتاهية:
ليعلمن الناس أن التقى ... والبر كانا خير ما يذخر
من قول خليل بن أحمد:

(1/108)


قال أبو الحسن: زعم النسابون أنهم لا يعرفون أنهم منذ وقت النبي صلى الله وعليه وسلم إلى الوقت الذي ولد فيه احمد أبو الخليل أحدا سمي بأحمد غيره.
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح إلى الأعمال
لكان قد قال قولا.
وقال العباس بن الفرح:
أملي من دونه أجلي ... فمتى أفضي إلى إملي
للخليل بن أحمد
وقال الخليل بن أحمد، وكان مظر في النجوم فابعد ثم لم يرضها فقال:
ابلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب
عالم،أن ما يكون وما كا ... ن بحتم من المهيمن واجب
لمحمد بن بشير يعيب المتكلمين
قال محمد بن بشير يعيب المتكلمين، أنشدنيه الرياشي:
يا سائلي عن مقالة الشيع ... وعن صنوف الأهواء والبدع
دع من يقود الكلام ناحية ... فما يقود الكلام ذو وزع
كل أناس بد يهم حسن ... ثم يصيرون بعد للشنع
أكثر ما فيه أن يقال له ... لم يك في قوله بمنقطع
وأنشد الرياشي لغيره:
قد نقر الناس حتى أحدثوا بدعا ... في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل
حتى استخف بحق الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من حقه شغل
وقال محمد بن بشير:
ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
يا حسرتا في كل يوم مضى ... يذكرني الموت وأنساه
من طال في الدنيا به عمره ... وعاش فالموت قصاره
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه
صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
وقال أيضا:
أي صفو إلا إلى تكدير ... ونعيم إلا إلى تغيير
وسرور ولذة وحبور ... ليس رهنا لنا بيوم عسير
عجبا لي ومن رضاي بدنيا ... أنا فيها على شفا تغرير!
عالم لا أشك أني إلى الله ... إذا مت أو عذاب السعير
ثم ألهو ولست أدري إلى أي ... هما بعدة يصير مصيري
أي يوم علي أفظع من يو ... م به تبرز النعاة سريري
كلما مر بي على أهل ناد ... كنت حسنا بهمم كثير المرور
قيل: من ذا على سرير المنايا ... قيل هذا محمد بن بشير
للحكمي أبي نواس أيضا
وقال الحكمي أبو نواس:
أخي ما بال قلبك ليس ينفي ... كأنك لاتظن الموت حقا
ألا يا أبن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما أحد بزادك منك أحظى ... وما أحد بزادك منك أشقى
ولا لك غير تقوى الله زاد ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ومما يستحسن من شعره قوله:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمرة
فمثل هذا لو تقدم لكان في صدور الأمثال، كذالك قوله أيضا:
فامض لاتمنن علي يدا ... منك المعروف من كدرة
وكان يقول : ذكر المعروف من المنعم إفساد له، وكتمانه من النعم عليه كفر له، وفي الشعر أبيات مختارة ، فمنها:
وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صورة
راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره
تتأبى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
فاسل عن نوء تؤمله ... حسبك العباس من مطره
لا تعطى عنه مكرمة ... بربا واد ولا خمره
ذللت تلك الفجاج له فهو مجتاز على بصره وقد عابوا عليه قوله:
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره

(1/109)


وهو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه ، لأن حق رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن يضاف إليه، ولا يضاف إلى غيره، ولو اتسع متسع فأجراه في باب الحيلة لخرج على الاحتيال ، ولكنه عسر موضوع في غير موضعه ، وباب الاحتيال فيه أن، تقول: قد يقول القائل من بني هاشم لغيره من أفناء قريش: منا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ، وحق هذا أ،ه من القبيل الذي أنا منه. فقد أضاف إلى نفسه، وكذلك يقول القرشي لسائر العرب ، كما قال حسان بن ثابت:
مازال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لاترام ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
فقال: منهم كما قال من نفره ، من النفر الذين العباس هذا الممدوح منهم.
وأما قول حسان : منهم جعفر وابن أبن أمه علي ومنهم أحمد المتحيز فإن، العرب إذا كان العطف بالواو قدمت وأخرت ، قال الله تبارك وتعالى: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " التغبان2، وقال: " يا معشر الجن والإنس " الرحمن 33، وقال: " واسجدي واركعي مع الراكعين " آل عمران 43، ولو كان بثم أو بالفاء لم يصلح إلا تقديم المقدم، ثم الذي يليه واحدا: أحدا.
وأما قوله في هذا الشعر:
وكريم الخال من يمن ... وكريم العم من مضره
فأضاف مضر إليه ، فهو كلام لا يمنع منه ممتنع ، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم الحمل للأشتر وهو مالك بن الحارث أخذ النخع ابن مرو بن علة بن جلد وكان على الميمنة: احمل . في أصحابه فكشف من بإزائه، ثم قال لهاشم بن عتبة بن مالك أحد بني زهرة بن كلاب وكان على المسيرة احمل . فحمل في المضرية فكشف من بإزائه. فقال علي رضي الله عنه لأصحابه: كيف رأيتم مضري ويمني! ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟فأضاف القبيلتين إلى نفسه،قال جرير:
إن الذين ابتنوا مجدا ومكرمة ... تلكم قريشي والأنصار أنصاري
لإسحاق بن خلف البهراتي
ومما يستحسن من أشعار المحدثين قول إسحاق بن خلف البهراتي، ونسبه في بني حنيفة لسباء وقع عليه، يقول لعلي بن عيسى بن مريم بن موسى بن طلحة الأشعري المعروف بالقمي:
وللكرد منك إذا زرتهم ... بكيدك يوم كيوم الحمل
ومازال عيسى بن موسى له ... مواهب غير النطاف المكل
لسل السيوف وشق الصفوف ... لنقض الترات وضرب القلل
ولبس العجاجة والخافقات ... تريك المنا برؤوس الأسل
وقد كشرت عن شبا نابها ... عروس المنية بين الشعل
وجاءت تهادى وأبناؤها ... كأن عليهم شروق الطفل
خروس نطوق إذا استنطقت ... جهول تطيش على من جهل
إذا خطبت أخذت مهرها ... رؤوسا تحادر قبل النقل
ألد إليه من المسمعات ... وحث الكؤوسه في يوم طل
وشرب المدام ومن يشتهيه ... معاط له بمزاح القبل
بعثنا النواعج تحت الرحال ... تسافه أشدقها في الجدل
إذا ما حدين بمدح الأمير ... سبقن لحاظ المحث العجل
قوله: تريك المنا يريد المنايا وهذه كلمة تخف على ألسنتهم فيحذفونها، وزعم الأصمعي أنه سمع العرب تقول: درس المنا ، يريدون المنازل، وجاء في التخفيف أعجب من هذا، حدثنا بعض أصحابنا عن الأصمعي وذكره سيبويه في كتابه ولم يذكر قائله، ولكن الأصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم كل واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعي.فيقول أحدهما لصاحبه : ألاتا؟ فيقول الآخر: بلى فا ، يريد: ألا تنهض؟ فيقول الآخر، فأنهض . وحكى سيبويه في هذا الباب:
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
يريد: وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تريد.
وهذا خلاف ما تستعمله الحكماء، فإنه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته، رقت عذ بته.
وحدثني أبو عثمان الجاحظ قال: قال لي محمد الجهم : لما كانت أيام الزط أدمنت الفكر، وأمسكت عن القول، فأصابتني حبسة في لساني.
وقال رجل من الأعراب يذكر آخر منهم:
كأن فيه لففا إذا نطق ... من طوال تحبيس وهم وأرق

(1/110)


وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لتكثر، فقال: أكثر لضربين: أحدهما فيما لاتغني فيه القلة، والآخر لتمرين اللسان ، فإن حبسه يورث العقلة.
وكان خالد يقول: لا تكون بليغا حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة الظلماء، في الحاجة المهمة ، بما تكلم به في نادي قومك، فإنما اللسان عضو إذا مرنته، مرن، وإذا أهملته خار، كاليد التي تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبه، والرجل إذا عودته المشي مشت.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزالون أصحاء ما نزعتم ونزوتم.فتزعم في القسي، نزوتم على طهور الخيل.
وقال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل إن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط الأكل، والمشي، والجماع .فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه، وكان ابن الزبير رحمه الله يواصل فيما ذكروا بين خمس عشرة من يوم وليلة،ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق أمعاءه. قال أبو العباس: قال الأول: والمشي، إن لم تتعهده أوشكت ان تطلبه فلا تجده، والجماع كالبئر إن نزحت جمت ، وإن تركت تحير ماؤها، وحق هذا كله القصد.
وقوله: كأن عليهم شروق الطفل يريد: تألق الحديد، كأنه شمس طالعة عليهم، وإن لم تكن شمس وأحسن من هذا قوله سلامه بن جندل:
كأن النعام باض فوق رؤوسهم ... وأعينهم تحت الحديد جواحم
فهذا التشبيه المصيب: وأما قوله: أحب إليه من المسمعات فقد قال مثله القاسم بن عيسى بن إدريس أبو ذلف العجلي:
يوماي يوم في أويس كالدمى ... لهوي، ويوم في قتال الديلم
هذا حليف غلائل مكسوة ... مسكا وصافية كنضح العندم
ولذاك خالصة الدروع وضمر ... يكسوننا رهج الغبار الأقتم
وليومهن الفضل لولا لذة ... سبقت بطعن الديلمي المعلم
وأول هذه القصيدة طريق مستملح، وهو:
طواه الهوى فطوى من عدل ... وحالف ذا الصبوة المختبل
وأما قوله:
تسافه أشداقها في الجدلفتسافه من السفه، وإنما يصفها بالمرح، زانها تميل ذا كذا مرة، كما قال رؤية:يمشي العرضنى في الحديد المتقنوكما قال الآخر:
وإن آنست حسا من السوط عارضت ... بي الجور حتى تستقيم ضحى الغد
والجدل: جمع جديل وهو الزمام المجدول، كما تقول: قتيل ومقتول، وأدنى العدد أجدلة، كقولك: قضيب وقضب وأقضبة، وكذلك كثيب ورغيف وجريت، وفعلان في المثير ، يقال قضبان ورغيفان وجربان، ومثل قوله.
تسافه أشداقها في الجدل قول حبيب بن أوس الطائي:
سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السفيه على الحليم
لإسحاق أيضا يمدح الحسن بن سهل
ومما يستحسن من شعر إسحاق هذا قوله في الحسن بن سهل:
باب الأمير عراء ما به أحد ... إلا امرؤ واضع كفا على ذقن
قالت وقد أملت ما كنت آمله ... هذا الأمير ابن سهل حاتم اليمن
كفيتك الناس لا تلقى أخا طلب ... بفيء دارك يستعدي على الزمن
إن الرجاء الذي قد كنت آمله ... وضعته ورجاء الناس في كفن
في الله منه وجدوى كفه خلف ... ليس السدى والندى في راحة الحسن
وإسحاق هذا هو الذي يقول في صفة السيف:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذر الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح
إسحاق هذا هو الذي يقول في مدح العربية:
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرة تكرمه إذا يلحن
وإذا طلبت من العلوم اجلها ... فاجلها منها مقيم الألسن
وقال أبو العباس: واحسبه أخذ قوله: والمرء تكرمه إذا لم يلحن من حديث حدثناه أبو عثمان الخز اعي عن الأصمعي قال: كان يقال: ثلاثة يحكم لهم بالنبل حتى يدرى من هم: رجل رأيته راكبا، أو سمعته يعرب، أو شممت منه طيبا. وثلاثة يحكم عليهم بالاستصغار حتى يدري من هم. وهم: بالفارسية، أو رجل رأيته على ظهر طريق ينازع في القدر.
لشاعر في عبد الله بن طاهر
قال أبو العباس: أنشدني أحد الأمراء لشاعر من أهل الري يكنى أبا يزيد، شيئا يقوله لعبد الله بن طاهر أحسن فيه وأصاب الفص، وقصد بالمدح إلى معدنه،واختاره لأهله:

(1/111)


اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في شاذ مهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فأحسن الترتيب جدا ، وإن كانت الملوك كلها تلبس التاج في ذلك الدهر.
وإنما ذكر ابن ذي يزن لقول أمية بن أبي الصلت الثقفي حيث يقول:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
وقال الأعشى في هوذة بن علي ، وإن لم يكن هوذة ملكا:
من ير هوذة يسجد غير متئب ... إذا تعمم فوق التاج أو وضعا
له أكاليل بالياقوت فصلها ... صواغها لاترى عيبا ولاطبعا
وقال أبو العباس: وحدثني التوزي قال: سمعت أبا عبيدة يقول عن أبي عمرو، قال : لم يتتوج معدي قط، وإنما كانت التيجان لليمن، فسأليه عن هوذة بن علي الحنفي ، إنما خرزات تنظم له.
قال أبو العباس: وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي يدعوه كما كتب إلى الملوك، وكان يجيز لطيمة كسرى في البر بجنبات اليمامة. واللطيمة: الإبل تحمل الطيب والبر. ووفد هوذة بن علي على كسرى بهذا السبب فسأله عن بنيه، فذكر منهم عددا فقال: أيهم أحب إليك؟ فقال: الصغير حتى يكبر،والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يصح . فقال له كسرى: ماغذاؤك في بلدك؟ فقال: الخبز، فقال كسرى لجلسائه : هذا عقل الخيز، يفضله على عقول أهل البوادي الذين يغتذون اللبن والتمر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد هممت ألا أقبل هدية ويروى : أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي . وروى بعضهم : أو دوسي وذلك أن أعرابيا أهدى إليه هدية فمن بها، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأمصار تفضيلا على أهل البوادي.
لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه
وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينه يعاتب رجلا من الأشراف:
أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب
ولست بساقط في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كل ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب
وقال أيضا:
كنا ملوكا إذا كان أولنا ... للجود والبأس والعلا خلقوا
كانوا جبالا عزا يلاذ بها ... ورائحات بالوبل تنبعق
كانوا بهم ترسل السماء على ال ... أرض غياثا ويشرق الأفق
لا يرتق الراتقون إن فتقوا ... فتقا ولا يفتقون مارتقوا
ليسوا كمعزى مطيرة بقيت ... فما بها من سحابة لثق
والضعف والجبن عند نائبة ... تنوبهم والحذار والفرق
لهذا زمان بالناس منقلب ... ظهرا لبطن جديده خلق
الأسد فيه على براثنها ... مستأخرات تكاد تمزق
وكان سبب قوله هذا الشعر أن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كان له صديقا ، وكان عبد الله بن محمد بن أبي عيينه من رؤساء من اخذ البصرة للمأمون في أيام المخلوع، وكان معاضدا لطاهر بن الحسين في حروبه، وكان إسماعيل بن جعفر جليل القدر، مطاعا في مواليه وأهله،وكانت الحال بينهما ألطف حال، فوصله ابن أبي عيينه بذي اليمينين فولاه البصرة وولى ابن أبي عيينه اليمامة والبحرين وغوص البحر فلما رجعا إلى البصرة تنكر إسماعيل لابن أبي عيينه، فهاج بينهما من التباعد على مثال ما كان بينهما من المقاربة،ثم عزل ابن أبي عيينه فلم يزل يهجو من أهله من يواصل إسماعيل ، وكان أكبر أهله قدرا في ذلك الوقت يزيد بن المنجاب، وكان أعود قائم العين لم يطاع على علته إلا بشعر ابن أبي عيينه ، وكان منهم. وكان سيد أهل البصرة محمد بن عباد بن حبيب بن الملهب ، ومنهم سعيد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن ملهب بن أبي صفرة، وكان قصيرا، وكان ابن عباد احول، فذلك حيث يقول ابن أبي عيينه في هذا الشعر الذي أمليناه:
تستقدم النعجتان والبرق ... في زمن سرو أهله الملق

(1/112)


عور وحول ثالث لهم ... كأنه بين أسطر لحق
ولهم يقول ولاثنين ظن أنهما معهم، وقد مروا به يريدون إسماعيل بن جعفر:
ألا قل لرهط خمسة أو ثلاثة ... يعدون من أبناء آل الملهب
على باب إسماعيل روحوا وبكروا ... دجاج القرى مبثوثة حول ثعلب
وأثنوا عليه بالجميل فإنه ... يسر لكم حبا هو الحب واقلب
يلين لكم عند اللقاء مواربا ... يخالفكم منه بنات ومخلب
ولولا الذي تولونه لتكشفت ... سريرته عن بغضة وتعصب
أبعد بلائي عنده إذا وجدته ... طريحا كنصل القدح لما يركب
به صدأ قد عابه فجلوته ... بكفي حتى ضوؤه ضوء كوكب
وركبته في خوط نبع وريشة ... بقادمتي نسر ومتن معقب
فما إن أتاني منه إلا مبوأ ... إلي بنصل كالحريق مذرب
ففللت منه حده وتركته ... كهدية ثوب الخز لما يهدب
رضيتم بأخلاق الدني وعفتم ... خلائق ماضيكم من العم والأب
وفي هذا يقول لطاهر بن الحسين:
مالي رأيتك تدني منتكث ... إذا تغيب ملتاث إذا حضرا
إذا تنسم ريح الغدر قابلها ... حتى إذا نفخت في انفه غدرا
3 - ومن يجيء على التقرب منك له وأنت تعرف فيه الميل والصعرا
أحلك الله من قحطان منزلة ... في ا لرأس حيث احل السمع والبصرا
فلا تضع حق قحطان فتغضبها ... ولاربيعة كلا لا ولا مضرا
أعط الرجال على مقدار أنفسهم ... وأول كلا بما أولى وما صبرا
ولا تقولن وإني لست من أحد ... لا تمحق النيرين الشمس والقمرا
وقول له في أخرى:
هو الصبر والتسليم لله والرضا ... إذا نزلت بي خطة لا أشاؤها
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
هي الأنفس الكبر التي إن تقدمت أو استأخرت فالقتل بالسيف داؤها
سيعلم إسماعيل انه عداوتي ... له ريق أفعى لايصاب دواؤها
ولما حمل إسماعيل مقيدا ومعه أبناه أحدهما في سلسلة مقرونا معه، وكان الذي تولى ذلك أحمد بن أبي خالد في قصة كانت لإسماعيل أيام الخضرة فقال ابن أبي عيينه في ذلك:
مر إسماعيل وابنا ... ه معا في الأسراء
جالسا في محمل ضن ... ك على غير وطاء
يتغنى القيد في رجلي ... ه ألوان الغناء
باكيا لا رقأت عين ... اه من طول البكاء
يا عقاب الدجن في الأم ... ن وفي الخوف ابن ماء
وقد كان تطير عليه بمثل ما نزل به، فمن ذلك قوله:
لا تعدم العزل يا أبا الحسن ... ولا هزالا في دولة السمن
ولا انتقالا من دار عافية ... إلى ديار البلاء والفتن
ولا خروجا إلى القفار من ال ... أرض وترك الأحباب والوطن
كم روحه فيك لي مهجرة ... و دلجة في بقية الو سن
في الحر والقر كي تولى على ال ... بصرة عين الأمصار والمدن
إني أحاجيك يا أبا حسن ... ما صورة صورت فلم تكن؟
وما بهي في العين منظره ... لو وزنوه با لزف لم يزن؟
ظاهره رائع وباطنه ... ملآن من سوء ومن درن
وهذا الشعر اعترض له فيه عمر بن زعبل، مولى بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وكان منقطعا إلى إسماعيل وولده، وكان لا يبلغ ابن أبي عيينه في الشعر ولا يدانيه، ومن أمثل شعره وما اعترض له به قوله:
إني أحاجيك ما حنيف على ال ... فطرة باع الرباح بالغبن
وما شييخ من تحت سدرته ... معلق نعله على غصن؟
ما سيوف حمر مصقلة ... قد عريت من مقابض السفن؟

(1/113)


وما سهام صفر مجوفة ... تخشى خيوط الكتان والقطن؟
وما ابن ماء إن يخرجوه إلى الأر ... ض تسل نفسه من الأذن؟
وما عقاب زوراء تلحم من ... خلف فتهوي قصدا على سنن؟
لها جناحان يحفزان بها ... نيطا إليها بجذوتي وسن
يا ذا اليمينين اضرب علاوته ... يدفع و ماني في النار في قرن
فأجاب إبراهيم السواق مولى آل المهلب وكان مقدما في الشعر بأبيات لا أحفظ اكثرها، منها:
قد قبل ما قيل في أبي حسن ... فانتحروا في تطاول الزمن
وهذا السواق هو الذي يقول لبسر بن داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب:
سماؤك تمطر الذهبا ... وحربك تلتظي لهبا
وأي كتيبة لاقت ... ك لم تستحسن الهربا
ومن شعره السائر:
هبيني يا معذبتي أسأت ... وبالهجران قبلكم بدأت
فأين الفضل منك فدتك نفسي ... علي إذا أسأت كما أسأت!
ولابن أبي عيينه في هذا المعنى أشعار كثيرة في معاتبات ذي اليمينين وهجاء إسماعيل وغيره، سنذكرها بعد في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ومن شعره المستحسن قوله في عيسى بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان تزوج امرأة منهم يقال لها فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة، ولم يلده المهلب، وكان يقال لأبي صفرة ظالم ين سراق:
أفاطم قد زوجت عيسى فأيقني ... بذل لديه عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفاه منك بطائل ... وما ظفرت كفاك منه بطائل
وقد قال فيه جعفر ومحمد ... أقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختنا ... وفي السر منا والذرا والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابه ... بأن صررت منه في محلل الحلائل
إذا ما بنو العباس يوما تبادروا ... عرا المجد وابتاعوا كرام الفضائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسه ... إلى بيع بياحاته والمباقل
يرخم بيض العام تحت دجاجه ... ليخرج بيضا من فراريج قابل
وقال أبو العباس: وولد عيسى من فاطمة هذه لهم شجاعة ونجدة وشدة أبدان، وفاطمة التي ذكرها هي التي كان ينسب بها أبو عيينه أخو عبد الله ويكني عنها بدنيا ، ومن ذلك قوله لها:
دعوتك بالقرابة والجوار ... دعاء مصرح بادي السرار
لأني عنك مشتغل بنفسي ... ومحترق عليك بغير نار
وأنت توفرين وليس عندي ... على نار الصبابة من وقار
فأنت لأن ما بك دون ما بي ... تدارين العيون ولا أدري
ولو والله تشتاقين شوقي ... جمحت إلي خالعة العذار
وقال عبد الله يعاتب ذا اليمينين:
من مبلغ عني الأمير رسالة ... محصورة عندي عن الإنشاد
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحساد
وأظن لي منها لديك خبيثة ... ستكون عند الزاد آخر زاد
مالي أرى أمري لديك كأنه ... من ثقله طود من الأطواد!
وأراك ترجيه وتمضي غيره ... في ساعة الإصدار والإيراد
الله يعلم ما أتيتك زائرا ... من ضيق ذات يد وضيق بلاد
لكن أتيتك زائرا لك راجيا ... بك رتبة الآباء والأجداد
قد كان لي بالمصر يوم جامع ... لك مصلح فيه لكل فساد
ودعوت منصورا فأعلن بيعة ... في جمع أهل المصر والأجناد
في الأرض منفسح ورزق واسع ... لي عنك في غوري وفي إنجادي
وقال أيضا يعاتبه:
أيا ذا اليمينين إن العتا ... ب يغري صدورا ويشفي صدورا

(1/114)


وكنت أرى أن ترك العتا ... ب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظننت ... بأني لنفسي أرضى ألا الحقيرا
فأضمرت النفس في وهمها ... من الهم هما يكد الضميرا
ولابد للماء في مرجل ... على النار موقدة أن يفورا
ومن أشرب اليأس كان الغني ... ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتي ... لديك ونصري لك الدهر بورا
ألم أك بالمصير أدعو البعيد ... إليك وأدعو القريب العشيرا
ألم اك أول آت أتاك ... بطاعة من كان خلفي بشيرا
وألزم غرزك في ماقط ال ... حروب عليها مقيما صبورا
ففيم تقدم جفالة ... إليك أمامي وأدعي أخيرا
كأنك لم تر أن الفتى ال ... حمي إذا زار يوما أميرا
فقدم من دونه قبله ... ألست تراه يسخط جديرا!
ألست ترى أن سف التراب ... به كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف الهوى والمدى ... أكون الصبا وأكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بي ... مهما تجد كوكبي مستنيرا
فهل لك في الإذن لي راضيا ... فإني أرى الإذن غنما كبيرا
وكان لك الله فيما ابتعثت ... له من جهاد ونصر نصيرا
ولاجعل الله في دولة ... سبقت إليها وريح فتورا
فإن ورائي لي مذهبا ... بعيدا من الأرض قاعا وقورا
به الضب تحسبه بالفلاة ... إذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالا ومصرا على أهله ... يد الله من جائر أن يجورا
وإني لمن خير سكانه ... وأكثرهم بنفيري نفيرا
وقال عبد الله لعلي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان دعاه إلى نصرته حين ظهرت المبيضة فم يجبه ، فتوعده علي، فقال عبد الله: أعلي إنك جاهل مغرور لاظلمة لك، لا ولا لك نود
أكتبت توعدني إذا استبطأتني ... إني بحربك ما حييت جدير
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطين أجنحة البعوض يضير
وإذا ارتحلت فإن نصري للألى ... أبوهم المهدي والمنصور
نبتت عليه لحومنا ودماؤنا ... وعليه قدر سعينا المشكور
وقال عبد الله قتل داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب من قتل بأرض السند بدم أخيه المغيرة بن يزيد:
أفنى تميما سعدها و ربابها ... بالسند قتل مغيرة بن يزيد
صعقت عليهم صعقة عتكية ... جعلت لهم يوما كيوم ثمود
ذاقت تميم عركتين عذابنا ... بالسند من عمر ومن داود
قدنا الجياد من العراق إليهم ... مثل القطا مستنة لورود
يحملن من ولد المهلب عصبة ... خلقت قلوبهم قلوب أسود
وفي المغيرة يقول في قصيدة مطولة:
إذا كر فيهم كرة أفر جواله ... فرار بغاث الطير صادفن أجدلا
وما نيل إلا من بعيد بحاصب ... من النيل والنشاب حتى تجدلا
وإني لمثن بالذي كان أهله ... أبو حاتم إن ناب دهر فأعضلا
فتى كان يستحيي من الذم أن يرى ... له مخرجا يوما عليه ومدخلا
وكان يظن الموت عارا على الفتى ... يد الدهر إلا أ، يصاب فيقتلا
منية أبناء المهلب أنهم ... يرون بها حتما كتابا معجلا
وقد أطلق الله اللسان بقتل من ... قتلنا به منهم ومن وأفضلا
أناخ بهم داود يصرف نابه ... ويلقي عليهم كللا ثم كللا
يقتلهم جوعا إذا ما تحصنوا ... وتقربهم هوج المجانيق جندلا
وهذا الشعر عجيب من شعره: وفي هذه القصة يقول:
أبت إلا بكاء وانتحابا ... وذكرا للمغيرة واكتئابا

(1/115)


ألم تعلم بأن القتل ورد ... لنا كالماء حين صفا وطابا
وقلت لها: قري وثقي بقولي ... كأنك قد قرأت به كتابا
فقد جاء الكتاب به فقولي ... ألا لا تعدم الرأي الصوابا
جلبنا الخيل من بغداد شعثا ... عوا بس تحمل الأسد الغضابا
بكل فتى أعز مهلبي ... تخال بضوء صورته شهابا
ومن قحطان كل أخي حفاظ ... إذا يدعى لنائبه أجايا
فما بلغت قرى كرمان حتى ... تخدد لحمها عنها فذابا
وكان لهن في كرمان يوم ... أمر على الشراة بها الشرابا
وإنا تاركون غدا حديثا ... بأرض السند سعدا والربابا
تفاخر بابن أحورها تميم ... لقد حان المفاخر لي وخابا
وفي مثل هذا البيت الأخير يقول أبو عيينه:
أعاذل صه لست من شيمتي ... وإن كنت لي ناصحا مشفقا
أراك تفرقني دائبا ... وما ينبغي لي أ، أن أفرقا
أنا ابن الذي شاد لي منصبا ... وكان السماك إذا حلقا
قريع العراق وبطريقهم ... وعزهم المرتجى المتقى
فمن يستطيع إذا ما ذهب ... ت أنطق في المجد أن ينطقا
أنا ابن المهلب ما فوق ذا ... لعال إلى شرف مرتقى
فدعني أغلب ثياب الصبا ... بجدتها قبل أن تخلقا
قال أبو الحسن: وهذا شعر حسن، أوله:
ألم تنه نفسك أن تعشقا ... وما أنت والعشق لولا الشقا
أمن بعد شربك كأس النهى ... وشمك ريحان أهل النقا
عشقت فأصبحت في العاشقي ... ن أشهر من فرس أبلقا
ثم قال:
أعاذل صه لست من شيمتي
ثم قال بعد
قوله فدعني أغلي ثياب الصبا
أدنياي من غمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمن ... إذا سره عبده أعتقا
وقال أبو الحسن: قوله " أنا لك عبد " فوصل بالألف، فهذا إنما يجوز في الضرورة، والألف تثبت في الوقف لبيان الحركة، فلم يحتج إلى الألف، زمن أثبتها في الوصل قاسه على الوقف للضرورة، ظن كقوله: فإن يك غثا أو سمينا فإنني سأجعل عيينة لنفسه مقنعا لأنه إذا وقف على الهاء وحدها، فأجرى الوصل على الوقف، وأنشدوا قول الأعشى:
فكيف أنا وانتحال القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عارا
والرواية الجيدة:
فكيف يكون انتحالي ال ... قواف بعد المشيب
سقى الله دنيا على نأيها ... من القطر منبعقا ريقا
ألم أخدع الناس عن حبها ... وقد يخدع الكيس الأحمقا
بلى وسبقتهم إنني ... أحب إلى المجد أن اسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلت ... على رقبة أن جيء الخندقا
إلى السال فاختر لنا مجلسا ... قريبا وإياك أن تخرقا
هذا مما يغلط فيه عامة أهل البصرة، يقولون:السال بالخفيف، وإنما هو السال يا هذا، وجمعه سلان، وهو الغال وجمعه غلان، وهو الشق الخفي في الوادي:
فكنا كغصنين من بانة ... رطيبين حدثان ما أورقا
فقالت لترب لها استنشديه ... من شعره الحسن المنتقى
فقلت أمرت بكتمانه ... وحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك! قولي له ... تمتع لعلك إن تنفقا
قوله: لعلك أن تنفقا اضطرار، وحقه لعلك تنفق. لأن لعل من أخوات إن فأجريت مجراها، ومن أتى بأن فلمضارعتها عسى، كما قال متمم بن نويرة:
لعلك يوما أن تلم ملمة ... عليك من الللائي يدعنك أجدعا
وهو كثير.
قال أبو العباس: وزعم أبو معاذ النميري أنه يعتاد عبد الله بن محمد بن أبي عيينة، ويكثر المقام عنده، وكان راوية للشعره، وأم أبن أبي عيينة بن المهلب يقول لها:خيرة وهي من بني سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فأبطأت عليه أياما فكتب إلي:

(1/116)


تمادى في الجفاء أبو معاذ ... وراوغني ولاذ بلا ملاذ
ولولا حق أخوالي قشير ... أتته قصائد غير اللذاذ
كما راح الهلال بن حرب ... به سمة على عنق وحاذ
يعني محمد بن حرب بن قبيصة بن مخارق الهلالي، وكان من أقعد الناس.
ولقبيصة بن المخارق صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد سار إليه فأكرمه وبسط له رداءه وقال: " مرحبا بخالي " !، فقال: يا رسول الله، رق جلدي، ودق عظمي، وقلي مالي، وهنت على أهلي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد أبكيت بما ذكرت ملائكة المساء " .
ومحمد بن حرب هذا ولي شرطة البصرة سبع مرات، وكان على شرطة جعفر بن سليمان على المدينة، وكان كثير الدب عزيزة،فأغضب ابن أبي عيينة في حكم جرى عليه بحضرة إسحاق بن عيسى - وكان على شرطته إذا ذاك - ففي ذلك يقول عبد الله بم أبي عيينة:
بأخوالي وأعمامي أقامت ... قريش ملكها وبها تهاب
متى ما أدع أخوالي لحرب ... وأعمامي لنائبه أجابوا
أنا أبن أبي عيينة فرع قومي ... وكعب والدي وأبي كلاب
خلا ابن عكابة الظربان سهل ... له فسو تصاد به الضباب
وآخر من هلال قد تداعى ... فصار كأنه الشيء الخراب
باب نبذ من أقوال الحكماء
قال أبو العباس: كان ابن شبرمة إذا نزلت به نازلة قال: سحابة ثم تنقشع.
وكان يقال: أربع من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان الصدقة، وكتمان الوجع.
قال عمر بن الخطاب رحمه الله: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت.
للعتبي يذكر ابنا له مات
وقال العتبي محمد بن عبد الله، يذكر ابنا له مات:
أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد فيا لمصائب كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
وقال أبو العباس: وأحسب أن حبيبا الطائي سمع هذا فاسترقه في بيتين: أحدهما قوله في إدريس بن بدر الشامي:
دموع أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوب تقطع
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجذع
والآخر قوله:
قالوا الرحيل! فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
الصبر اجمل غير أن تلذذا ... في الحب أحرى أن يكون جميلا
وقال سابق البربري:
وإن جاء ما لا تستطيعان دفعه ... فلا تجرعا مما قضى الله واصبرا
وقال آخر أيضا:
اصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرئ عيش يسر به ... إلا سيتبع يوما صفوة كدر
خالد بن صفوان مع بلال بن أبي بردة
وكان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه فيلحن، فلما كثر ذلك على بلال قال له: أتحدثني أحاديث الخلفاء، وتلحن لحن السقاءات!وقال التوزي: فكان خالد بن صفوان بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب، وكف بصره فكان إذا مر به موكب بلال يقول: ما هذا؟ فيقال له: الأمير، فيقول خالد: سحابة صيف عن قليل تقشع فقيل ذلك لبلال،فاجلس معه من يأتيه بخبرة، ثم مر به بلال، فقال خالد كما كان يقول، فقيل ذلك لبلال،فأقبل على خالد فقال:لا تقشع والله حتى تصبيك منها بشؤبوب برد! فضربه مائتي سوط. وقال بعضهم: بل أمر به فديس بطنه.
قوله:بشؤبوب مهزوم، وهو الدفعة من المطر بشدة، وجمعه شآبيب.وقال النابغة يخاطب القبيلة:
ولا تلاقي كما لاقت بنو أسد ... فقد أصابهم منها بشؤبوب
يريد ما نال بني أسد من غارة النعمان عليهم، وضرب الشؤبوب مثلا للغارة، والغارة تضرب لذلك مثلا، كما يقال شن عليهم الغارة، أي صبها عليهم ، قال ابن هرمة:
كم بازل قد وجأت لبتها ... بمستقبل الشؤبوب أو جمل
يريد ما وجأها به من جديدة، يقول: لما وجأتها دفعت بشؤبوب من الدم، فكأنه قال: بسنان مستهل الشؤيوب، أما ما أشبه بذلك.
خالد بن صفوان وسليمان بن علي

(1/117)


وكان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال،فيقال إن سليمان بن علي سأله عن ابنيه جعفر ومحمد، فقال:كيف إحمادك جوار همايا أبا صفوان؟فقال:
أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيا لك جاري ذلة وصغار؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!
؟؟؟؟؟ش قوله: أبو مالك، صوابه أبو نافع وهو مولى لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فأعرض عنه سليمان، من أحلم الناس وأكرمهم، وهو في الوقت الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعم الخليفة المنصور، والشعر الذي تمثل به خالد ليزيد بن مفرغ الحميري، قال:
سقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب داري معقل بن يسار
أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!
وكان الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه: فإن عرض له القول نظر، فإن كان له أن يقول قال، وإن كان عليه القول أمسك،ولسان الأحمق أمام قلبه،فإذا عرض له القول قال، كان عليه، أو له.
وخالد لم يكن يقول الشعر.ويروى أنه وعد الفرزدق شيئا فأخره عنه، وكان خالد أحد البخلاء، فمر به الفرزدق فهدده،فامسك عنه حتى جاز الفرزدق، ثم أقبل على أصحابه فقال: عن هذا قد جعل إحدى يديه سطحا، وملأ الأخرى ثم أقبل على أصحابه فقال: إن هذا قد جعل إحدى يديه سطحا، وملأ الأخرى سلحا، وقال: إن عمرتم سطحي، وإلا نضحتكم بسلحي!
من أخبار إياس بن معاوية
وقال إياس بن معاوية المزني أبو واثلة - وكان أحد العقلاء الدهاة الفضلاء - لخالد: لا ينبغي أن نجتمع في مجلس، فقال له خالد: وكيف يا أبا واثلة؟ فقال:لأنك لا تحب أن تسكت، وأنا لا أحب أن أسمع! وخاصم إلى إياس رجل رجلا في دين وهو قاضي البصرة، فطلب منه البينة، فم يأته بمقنع، فقيل للطالب: استجر وكيع بن أبي سود حتى يشهد لك، فإن إياسا لا يجترئ على رد شهادته، ففعل، فقال وكيع: فهم إياس عنه فأقعده إلى جانبه، ثم سأله عن حاجته، فقال: جئت شاهدا، فقال له: يا أبا المطرف، أشهد كما تفعل الموالي والعجم؟ أنت تجل عن هذا؟ فقال:إذن والله لاأشهد، فقيل لوكيع بعد: إنما خدعك، فقال أولى لابن اللخناء! شهد رجل من جلساء الحسن بشهادة، فأتاه الحسن فقال: يا أبا واثلة، لم رددت شهادة فلان؟ فقال: يا أبا سعيد، إن الله تعالى يقول: " ممن ترضون من الشهداء " البقرة:282 وليس فلان ممن أرضى.
من أخبار أبي دلامة
واختلف نصراني إلى أبي دلامة مولى بني أسد يتطبب لابن له، فوعده إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم، فبرأ ابنه، فقال للمتطبب: إن الدراهم ليست عندي، ولكن والله لوصلنها إليك، ادع على جاري فلان هذه الدراهم فإنه موسر، وأنا وابني نشهد لك، فليس د ون أخذها شيء، فصار النصراني بالجار إلى ابن شبرمة، فسأله البينة، فطلع عليه أبو دلامة وابنه، ففهم القاضي، فلمال جلس بين يديه قال أبو دلامة:
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن يحثوني كان فيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم قوم كيف تلك النبائث
فقال ابن شبرمة: من ذا الذي يبحثك يا أبا دلامة؟ ثم قال للمدعي : قد عرفت شاهديك! فخل عن خصمك، ورح العشية إلي، فراح إليه فغرمها من ماله.
من أخبار عبيد الله بن الحسن العنبري
وشهد أبو عبيدة عند عبيد الله بن الحسن العنبري على شهادة ، ورجل عدل . فقال عبيد الله للمدعي: أما أبو عبيدة فقد عرفته، فزدني شاهدا.
وكان عبيد الله أحد الأدباء الفقهاء الصلحاء. وزعم ابن عائشة قال: عتبت عليه مرة في شيء، قال : فلقيني يدخل من باب المسجد يريد مجلس الحكم، وأخرج فقلت معرضا به:
طمعت بليلى ان تريع وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع
فأنشدني معرضا تاركا لما قصدت له:
وباينت ليلى في خلاء ولم يكن ... شهود على ليلى عدول مقانع
وكان ابن عائشة يتحدث عنه حديثا عجيبا، ثم عرف مخرج ذلك الحديث.وذكر ابن عائشة ، وحدثني عنه جماعة لا أحصيهم كثرة: أن عبيد الله بن الحسن شهد عنده رجل من بني نهشل على أمر أحسبه دينا فقال له: أتروي قول الأسود بن يعفر: نام الخلي فما أحسن رقادي.
فقال له الرجل : لا! فرد شهادته وقال: لو كان في هذا خير روى شرف.

(1/118)


من أخبار سوار بن عبد الله
فحدثني شيخ من الأزد حديثا ظننت أن عبيد الله إياه قصد، قال: تقدم رجل إلى سوار بن عبد الله وسوار ابن عم عبيد الله بن الحسن - يدعي دارا، وامرأة تدافعه وتقول لسوار: إنها والله خطة ما وقع فيها كتاب قط. فأتى المدعي بشاهدين يعرفهما سوار، فشهدا له بالدار، وجعلت المرأة تنكر إنكارا يعضده التصديق، ثم قالت: سل عن الشهود، فإن الناس يتغيرون، فرد المسألة، فحمد الشاهدان. فلم يزل يريث أمولاهم، ويسأل الجيران، فكل يصدق المرأة، والشاهدان قد ثبتا، فشكا ذلك إلى عبيد الله. فقال له عبيد الله: أنا أحضر مجلس الحكم معك فآتيك بالجلية إن شاء الله تعالى، فقال للشاهدين: ليس للقاضي أن يسألكما كيف شهدتما، ولكن أنا أسألكما. قال : فقالا: أراد هذا أن يحج فأدارنا على حدود الدار من خارج، وقال: هذه داري، فإن حدث بي حادث فلتبع ولتقسم على سبيل كذا، قال: أفعندكما غير هذه الشهادة؟ قالا: لا، فقال: الله أكبر!وكذا ولو أدرتكما على سوار، وقلت لكما مثل هذه المقالة، أكنتما تشهدان بها لي؟ ففهما أنهما قد اغترا، فكان سوار إذا سأل عن عدالة الشاهد غفلة فاختبره بهذا وما أشبهه.وحدثني أحد أصحابنا أن رجلا من الأعراب تقدم إلى سوار في أمر فلم يصادف عنده ما يحب، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي، وكانت في يده عصا:
رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
بأنني أخيط في ليلتي ... كلبا فكان الكلب سوار
ثم انحنى على سوار بالعصا فضربه حتى منع منه، قال: فما عاقبه سوار بشيء.
قال: وحدثت أن أعرابيا من بني العنبر سار إلى سوار فقال: عن أبي مات وتركني وأخا لي - خطين في الأرض - ثم قال: وهجينا - وخط خطا ناحية - فكيف نقسم المال؟ فقال: أههنا وراث غيركم؟ قال: لا، قال: المال بينكم أثلاثا، فقال: لا أحسبك فهمت عني! إنه تركني وأخي وهجينا لنا، فقال سوار: المال بينكم اثلاثا، قال: فقال الأعرابي: أيأخذ الهجين كما آخذ، وكما يأخذ أخي! قال: أجل! فغضب الأعرابي، قال: صم أقبل على سوار فقال:تعلم والله إنك قليل الخالات بالدهناء، فقال سوار: إذا لا يضيرني ذلك عند الله شيئا.
أنفة عقيل بن علفة
وكان عقيل بن علفة من المغيرة والأنفة على ما ليس عليه أحد علمناه، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات فقال: أما إذ كنت فاعلا فجنبني هجاءك.وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة - وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض - فرده عقيل وقال:
رددت صحيفة القرشي لما ... أبت أعراقه إلا احمرارا
وكانت حفصة بنت عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله قد ميت عنها، فخطبها جماعة من قريش، أحدهم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأحدهم إبراهيم بن هشام، فكان أخوها محمد بن عمران،إذا دخل إلى إبراهيم بن هشام أوسع له وأنشده:
وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب
أحبك أن نزلت جبال حسمى ... وأن ناسبت بثينة من قريب
وهذا الشعر لجميل بن عبد الله بن معمر الذري ، فأما جميل بن معمر الجمحي فلا نسب بينه وبين معمر، أي ليس بينه و بين أب آخر، وكانت له صحبة، وكان خالصا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب
ويروى عن عبد الرحمن عوف أنه قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رحمه الله، فسمعه ينشد بالركبانية:
وكيف ثواني بالمدينة بعدما ... قضى وطرأ منها جميل بن معمر
فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ماقلت؟ فقلت: نعم!فقال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.
قال ش: وهم أبو العباس رحمه الله في هذا، وإنما القصة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي سمععبد الرحمن بن عوف ينشد:
لأبي خراش وكان قد قتل أخاه جميل بن معمر
وكان جميل بن معمر الجمحي قتل أخا لبي خراش الهذلي يوم فتح مكة وأتاه من ورائه وهو موثق، فضربه، ففي ذلك يقول أبو خراش:

(1/119)


فأقسم لو لاقيته غير موثق ... لآ بك بالعرج الضباع النواهل
لكان جميل أسوأ الناس صرعة ... ولكن أقران الظهور مقاتل
فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالزقاق السلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئا فاستراح العواذل
قوله:أسوء الناس صرعة، أي الهيئة التي يصرع عليها كما تقول: جلست جلسة وركبت ركبة، وهو حسن الجلسة والركبة، أي الهيئة التي يجلس عليها ويركب عليها، وكذلك القعدة والنيمة. وقوله لآبك، أي لعادك، وأصل هذا من الإياب و الرجوع، قال الله تبارك وتعالى: " إن إلينا إياهم " الغاشية25،وقال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب وقوله:بالعرج، فهو ناحية من مكة، به ولد عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، فسمي العرجي، ويقال: بل كان له مال بذلك الموضع، فكان يقيم فيه.
وقال ش: هذا وهم من أبي العباس رحمه الله، وأما صوابه فعبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والنواهل فيه قولان:أحدهما العطاش وليس بشيء والآخر الذي قد شرب شربة فلم يرو، فاحتاج إلى ان يعل، كما قال امرؤ القيس:
إذا هن أقساط كرجل الدبى ... أو كقطا كاظمة الناهل
وقوله: احتطت بالرقاب السلاسل، يقول: جاء الإسلام فمنع من الطلب بالأوتار إلا على وجهها. وكان أمير البصرة وقاضيها، وفي ذلك يقول رؤية: وأنت يا ابن القاضيين قاض،وكان بلال يقول: عن الرجلين ليقدمان إلي فأجد أحدهما على قلبي أخف فاقضي له.
بلال بن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز
ويروى أن بلالا وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فسدك " ش: معناه لصق " بسارية من المسجد، فجعل يصلي إليها ويديم الصلاة، فقال عمر بن عبد العزيز للعلاء بن المغيرة بن البندار: عن يكن سر هذا كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع ، فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فاتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء، فقال: اشفع صلاتك فإن لي إليك حاجة، ففعل، فقال العلاء: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لي؟ قال: عمالتي سنة، وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم، قال: فاكتب لي بذلك، قال: فارقد بلال إلى منزله، فأتى بداوة وصحيفة فكتب له بذلك.
فأتى العلاء عمر بالكتاب، فلما رآه، كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان والي الكوفة أما بعد: فإن بلالا غرنا بالله، فكدنا نغتر، فكسبناه فوجدناه خبثا كله، والسلام.ويروى أنه كتب إلي عبد الحميد: إذا ورد عليك كتابي هذا فلا تستعن على عملك بأحد من آل أبي موسى.
شعر ذي الرمة في بلال
قال أبو العباس: وكان بلال داهية لقنا أدبيا، ويقال: إن ذا الرمة لما أنشده:
سمعت، الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا
فقلت سمع قوله: فقلت لصيدح انتجعي بلالا،قال: يا غلام، مر لها بقت ونوى، أراد أن ذا الرمة لايحسن المدح.
قوله:سمعت الناس ينتجعون حكاية، والمعنى إذا حقق إنما هو سمعت هذه اللفظة، أي قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، ومثل هذا قوله:
وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار
فمعناه: وجدناه هذه اللفظة مكتوبة، فقوله: " أحق الخيل " ابتداء، " والمعار " خبره، وكذلك " الناس " ابتداء،و " ينتجعون " خبره. ومثل هذا في الكلام : قرأت " الحمد لله رب العالمين " ، إنما حكيت ما قرأت، وكذلك قرأت على خاتمه " الله أكبر " يا فتى، فهذا لا يجوز سواه. وقوله: " إذا النكباء ناحت الشمالا " فإن الرياح أربع، ونكباواتها أربع، وهي الريح التي تأتي من بين ريحين فتكون بين المال والصبا، أو الشمال والدبور، أو الجنوب والدبور،أو الجنوب والصبا، فإذا كانت النكباء تناوح الشمال فهي آية الشتاء. ومعنى " تناوح " تقابل، يقال: تناوح الشجر إذا قابل بعضه بعضا، وزعم الأصمعي أن النائحة بهذا سميت، لأنها تقابل صاحبتها.
وقال يحيى بن نوفل الحميري ويقال إنه لم يمدح أحدا قط:

(1/120)


فلو كنت ممتدحا للنوال ... فتى لامتدحت عليه بلالا
ولكنني لست ممن يريد ... بمدح الرجال الكرام السؤالا
سيكفي الكريم إخاء الكريم ... ويقنع بالود منه نوالا
ومن احسن ما امتدح به ذو الرمة بلالا، قوله:
تقول عجوز مدرجي متروحا ... على بيتها من عند أهلي وغاديا
اذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا عن أهلي لجيرة ... لأكثبة الدهنا جميعا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة أرجع فيها يا ابنة الخير قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قسا ... أزور فتى نجدا كريما يمانيا
من آل أبي موسى عليه مهابة ... تفادي أسود الغاب منه تفاديا
مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى أسود الغاب منه تفاديا
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
وقوله مدرجي يقول: مروري، فأما قولهم في المثل : خير من دب ومن درج ، فمعناه: منحيي ومن مات ، يريدون: من دب على وجه الأرض ومن درج منها فذهب.
وقوله:أراك لها بالبصرة العام ثاويا، فإنه في هذا المعنى: ثوى الرجل فهو ثاو،يا فتى، إذا أقام، وهي أكثر ، ويقال : أثوى فهو فهو مثو يا فتى، وهي أقل من تلك ، قال الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ... فمضى وأخلف من قتيله موعدا
وقوله:قسا، فهو موضع من بلاد بني تميم. وقوله : لأكثبة الدهنا، فأكثبة جمع كثب، وهو أقل العدد، والكثير كثبان والدهنا من بلادي بني تميم، ولم أسمع إلا القصر من أهل ا لعلم والعرب، وسمعت بعد من يروي مدها ولا أعلافه ن قال ذو الرمة:
حنت إلى نعم الدهنا فقلت لها ... أمي هلالا على التوفيق والرشد
يعني هلال بن أحوز المازني، وقال جرير: باز يصعصع بالدهنا قطا جونا وقوله: كأنهم الكروان أبصرن بازيا.
فالكروان جماعة كروان، وهو طائر معروف ، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزيادة، فالتقدير: كرا وكروان، كما تقول : أخ وإخوان وورل وورلان، وبرق وبرقان، والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية، واستعمل الكروان جمعا على حذف الزيادة، واستعمل في الواحد كذلك، تقول العرب في مثل من أمثالها:
أطرق كرا أطرق كرا ... إن النعام في القرى
يريدون الكروان.
وقوله: من آل أبي موسى ترى القوم حوله، فقال: ترى، ولم يقل ترين، وكانت المخاطبة أولا لامرأة، ألا تراه يقول:
ومما كنت مذ أبصرتني في خصومةأراجع فيهالا يا ابنة الخير قاضيا ثم حول المخاطبة إلى رجل، والعرب تفعل ذلك، قال الله عز وجل: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " يونس22، فكأن التقدير والله اعلم كان للناس، ثم حولت المخاطبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عنترة بن شداد:
شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم
وقال جرير:
ما للمنازل لا تجيب حزننا ... أصممن قدم المدى قبلينا
وترى العواذل يبتدرن ملامتي ... وإذا اردن هواك عصينا
قال أولا لرجل، ثم قال:سوى هوالك.وقال آخر:
فدى لك والدي وسراة قومي ... ومالي إنه منه أتاني
على تحويل المخاطبة: وقوله:مرمين، يريد سكوتا مطرقين،بقال: أرم إذا أطرق ساكنا. وقوله:تفادى أسود الغاب معناه تفتدي منه بعضها ببعض. الخبر أن سليمان بن عبد الملك أمر بدفع عيال الحجاج ولحمته إلى يزيد بن المهلب فتفادى منهم ، تأويله: فدى نفسه من ذلك المقام بغيره. وقوله:
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
إذا رفعت هيبة فالمعنى: ولكن أمره هيبة، كما قال الله عز وجل: " لم يلبثوا ولا ساعة من نهار بلغ " الأحقاق35 ، أي ذلك بلاغ، ومثله قوله عز وجل: " طاعة وقول معروف " محمد21، يكون رفعة على ضربين ، أحدهما أمرنا طاعة وقول معروف، والوجه الآخر طاعة وقول معروف أمثل.ومن نصب هيبة أراد المصدر،أي ولكن يهاب هيبة.

(1/121)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية