صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الفرج بعد الشدة
المؤلف : القاضي التنوخي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقال لابنه أبي الحسين: بحياتي عليك، عاون أبا علي حتى يحصل له هذا كله في أسبوع، وفي دفعة واحدة، ولا ينمحق عليه.
قال: فوعدني أبو الحسين بذلك، وأمرني بالمصير إليه، فانصرفت.
ورحت إلى أبي الحسين، فأعانني، فحصل ذلك كله لي في أيام قليلة، وحصلت لي الضيعة، فاستغللتها في تلك السنة ألف دينار.
ولزمت أبا علي، فعوضني بمكاسب جليلة، عاد إلي منها أكثر مما خرج عن يدي بنكبته.
إبن عبدون الأنباري الكاتب يكسب في ليلة واحدة مائة ألف دينار
قال محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: حكي عن محمد بن خلف، المعروف بابن عبدون الأنباري الكاتب، إنه قال: بينما أنا يوما أدرج في بعض سكك المدينة، وكانت حينئذ لا يدخلها راكبا إلا من له نباهة، إذ سمعت خلفي وقع حوافر، فنظرت فإذا يوسف بن الوليد الأنباري، وكانت بيني وبينه مودة وقرابة، فلم أسلم عليه.
فقال لي: من أين يا أبا عبد الله ؟.
فقلت: إني كسرت هذه السنة ثلاثة آلاف فرسخ، وانصرفت وأنا سبروت.
فقال لي: ثلاثة آلاف فرسخ ؟.
قلت: نعم، مضيت إلى مصر، فأخفقت، ثم مضيت إلى فارس، ثم إلى كرمان، ثم إلى خراسان، وانقلبت إلى أذربيجان، وانصرفت بغير شيء، وأنا أتمنى أن يهب الله تعالى قوتا، فأتمونه في بلدي.
فقال لي: كم يكفيك من الرزق ؟.
فقلت: إن كان في بلدي، فخمسة عشر دينارا في كل شهر، أتقوت بها أنا وعيالي، وهو ما لا فضل فيه لشهوة ولا نائبة.
فقال: كن معي.
فاتبعته، فصار بي إلى ديوان فيه كتاب، وحجرة لطيفة، فدخلتها، فإذا في صدرها الفضل بن مروان، وهو يكتب حينئذ للمعتصم، وهو أمير، فوصفني للفضل، ورغبه في استخدامي، فرمى إلي الفضل بكتاب.
وقال: أجب عنه بما يجب.
فاستعلمت منه الدعاء، وأجبت الرجل عن الكتاب، وعرضته عليه، فرضي خطي، ولفظي.
وقال لي: كم يكفيك في كل شهر من الرزق ؟.
فقال له يوسف: الذي ذكر إنه يقنعه خمسة عشر دينارا في كل شهر.
فقال: هذا قوت، ولا بد من استظهار لنائبة، ولكن قد جعلتها ثلاثين دينارا في كل شهر، فقبلت يده.
فقال: الزمني ليلك ونهارك، طلبتك أم لم أطلبك، فإن الملازمة رأس مال الكاتب.
قال: فلزمته كما رسم.
وكان صالح بن شيرزاد، يخلفه في دار المعتصم، وقد استولى على المعتصم بحيلته، وتلطفه، على حمارية كانت فيه، وكره ذلك الفضل بن مروان، واجتهد في قلعه، فلم يتمكن.
فقال لي يوما، ما في نفسه من ذلك، وقال: أنا أحب أن أجعلك مكانه، إلا أني أتخوف أن تسلك مسلكه، فهل فيك خير ؟.
فقلت: قد عرفت أخلاقي وطبعي، فإن كنت عندك ممن يصلح للخير، وإلا فلا تثق إلي.
فكان في هذا التدبير، حتى حدث أمر القبط بمصر، فندب المأمون أخاه أبا إسحاق، لمحاربتهم، في سنة اثنتي عشرة ومائتين.
فخرج أبو إسحاق إلى مصر، ومعه الفضل بن مروان، واستخلف صالح بن شيرزاد بحضرة المأمون، فيما لا يضره أن يغلب عليه، وسله عن المعتصم، وجعلني مكانه، وشخصنا.
فكسبت مع المعتصم، في ليلة واحدة، مائة ألف دينار حلالا طيبا، وذلك إن القتل كثر في أهل مصر، وجلا الباقون، وأشرف البلد على الخراب.
وشق ذلك على المأمون، وأنكره على أبي إسحاق، إنكارا شديدا، فكان فيما رآه، تسكين الناس، وردهم إلى مصر.
فوردت علي في يوم واحد، كتب جماعة من رؤساء البلد، يسألون الأمان لهم.
فقلت للفضل في ذلك.
فقال: أجبهم إلى ما التمسوا، وأجب كل من سأل مثل ذلك.
فكتبت في ليلة، لمائة رجل، أمانا، فظهروا، وبعث إلي كل واحد منهم، من ثلاثة آلاف دينار، إلى ألف دينار، إلى خمسمائة دينار، وبعضهم لم يبعث إلي شيئا.
فحصلت ما اجتمع لي، فكان مائة ألف دينار، وأحييت مائة إنسان، وفرجت عنهم، وعن أتباعهم، ومن يلوذ بهم، وكشفت كربة عظيمة عن أبي إسحاق.
الفضل بن سهل ومسلم بن الوليد الأنصاري
أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني حبيب ابن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن سليمان، عن أبي الخطاب الأزدي، قال: كان مسلم بن الوليد، والفضل بن سهل، متجاورين في قنطرة البردان، وكانا صديقين.
قال مسلم: فأعسرت إعسارا شديدا، ولحقتني محنة، وولي الفضل بن سهل الوزارة بمرو، فتحملت إليه على مشقة.
فلما رآني رحب بي وأدناني، وقال: ألست القائل ؟

(1/183)


فأجر مع الدهر إلى غاية ... ترفع فيها حالك الحال
فقلت: نعم.
قال: صرنا إلى هذه الحال، وصرت بنا إليها، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، وولاني عملا اخترته.
فانصرفت عني المحنة التي كنت أعانيها، وحصلت لي نعمة طائلة.
قرئ على أبي بكر الصولي وأنا أسمع، في كتابه، كتاب الوزراء، بالبصرة، في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، حدثكم أحمد بن يزيد المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، فذكر بإسناده نحوه، إلا أنه ذكر في الشعر زيادة أربعة أبيات، لا تتعلق بكتابي هذا فأذكرها، وذكر أن الفضل ولى مسلما بريد جرجان.
كيف طهر عثمان بن حيان المري المدينة من الغناء
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب، عن عبد الرحمن بن المغيرة الحرامي الأكبر، قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: قد وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح، فطهرها من الغناء والزناء.
فصاح في ذلك، وأجل أهله ثلاثا، يخرجون فيها من المدينة.
وكان ابن أبي عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح، فلما كان في آخر ليلة من الأجل، قدم.
فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القس.
فقال لها، وقد دخل عليها: ما دخلت منزلي، حتى جئتكم أسلم عليكم.
قالوا: ما أغفلك عن أمورنا، فأخبروه الخبر.
فقال: اصبروا لي الليلة.
فقالوا: نخاف أن لا يمكنك شيء، ونؤذى.
فقال: إن خفتم شيئا، فاخرجوا في السحر.
ثم خرج، واستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له، فسلم عليه، وذكر غيبته، وأنه جاء ليقضي حقه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزناء.
وقال: أرجو أن لا تكون عملت عملا، هو خير لك من ذلك.
قال عثمان: قد فعلت ما بلغك، وأشار علي به أصحابك.
قال: قد وفقت، ولكن ما تقول يرحمك الله في امرأة كانت هذه صناعتها، ثم تركتها، وأقبلت على الصيام والصدقة والخير، وإني رسولها إليك تقول: أتوجه إليك، وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مسجده.
فقال: إني أدعها لك ولكلامك.
فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك، وتسمع كلامها، وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها يسع أن تترك، تركتها.
قال: نعم.
فجاءه بها، وقال لها: احملي معك سبحة، وتخشعي، ففعلت.
فلما دخلت على عثمان، حدثته، فإذا هي من أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك.
فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، فقرأت.
فقال لها: احدي له، ففعلت، فكثر عجبه بها.
فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها، فلم يزل ينزله شيئا شيئا، حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي عتيق، غني:
سددن خصاص البيت لما دخلنه ... بكل لبان واضح وجبين
فغنته، فقام عثمان بن حيان، فقعد بين يديها، ثم قال: لا والله، ما مثل هذه تخرج.
فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، يقولون أقر سلامة، وأخرج غيرها.
فقال: دعوهم جميعا، فتركوهم.
وأصبح الناس يتحدثون بذلك، يقولون: كلم ابن أبي عتيق الأمير في سلامة القس، فتركوا جميعا.
أضاع كيسه واستعاده بعد سنة
أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي، المعروف بالحاتمي، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أخبرنا عمر بن شبه، قال: حدثني سعيد بن عامر، قال: حدثنا هشام بن خالد الربعي، قال: دخلت المسجد، ومعي كيس فيه ألف درهم، لا أملك غيره، فوضعته على ركن سارية، وصليت، ثم ذهبت ونسيته.
فكربني أمره، وفدحت حالي لفقده، فما حدثت بذلك أحدا سنة، وجهدني الضر.
قال: فصليت من بعد ذلك، إلى تلك السارية، ودعوت الله، وسألته رده علي، وعجوز إلى جانبي تسمع قولي.
فقالت: يا عبد الله ما الذي أسمعك تذكر ؟.
قلت: كيسا أنسيته على هذه السارية عام أول.
قالت: هوذا عندي، وأنا منذ سنة أراقبك، فجاءت به بخاتمه.
عبد الله بن الزبير يطالب بني هاشم بالبيعة أو يضرب أعناقهم
أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، المعروف بالحاتمي، قال: أخبرني عيسى بن عبد العزيز الطاهري، قال: أخبرني الدمشقي، عن الزبير بن بكار، قال:

(1/184)


جمع عبد الله بن الزبير بني هاشم بمكة، وقال: لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا، أو آمر بضرب أعناقكم.
فنهض إليهم قبل الجمعة يريد قتلهم، فناشده المسور بن مخرمة الزهري أن يدعهم إلى الوقت الذي وقت لهم، وهو يوم الجمعة، ففعل.
فلما كان يوم الجمعة، دعا محمد بن الحنفية رضي الله عنه خادما له بغسل وثياب، وهو لا يشك في القتل.
وقد كان المختار بن أبي عبيد بعث أبا عبد الله وأصحابه إليهم، فجاءهم الخبر بحال محمد بن الحنفية، وما دفع إليه من ابن الزبير، وقد نزلوا ذات عرق، فتخلل منهم سبعون رجلا حتى وافوا مكة صبيحة يوم الجمعة، فشهروا السلاح، ونادوا يا محمد.
فبلغ الخبر ابن الزبير، فراعه، وتخلص محمد رضي الله عنه، ومن كان معه، وأرسل محمد، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فنادى في القوم الذين أنفذهم المختار: من كان يرى لله تعالى عليه حقا، فليستأمر نفسه، فإنه لا حاجة لي بأمر الناس له كارهون، وأنا إن أعطيتها عفوا قبلتها، وإن كرهوا ذلك لم أختره.
فبعث ابن الزبير إلى محمد: إني أصالحك على أن تتنحى عني، فتلحق بأيلة، فأجابه إلى ذلك، ولحق بأيلة.
وكف الله تعالى ابن الزبير، وقبض يده عما حاوله من قتله، وقتل أهل بيته.
عاقبة الظلم
وجدت في بعض الكتب: حدث علي بن المعلى، عن الزهري البصري، قال: كنا جلوسا عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، وذكر حديثا فيه: أن أبا عبد الله قال: إن قوم سدوم، هلكوا بمجوسي.
قيل: ما سبب ذلك ؟.
قال: أما تعرفون بالبصرة عندكم جسرا، يقال له: جسر الخشب ؟.
قلنا: بلى.
قال: ذاك جسر سدوم، جاءه رجل مجوسي، ومعه زوجته حاملا، راكبة حمارا، تريد العبور، فمنعوها إلا أن يأخذوا خمسة دراهم، فأبيا أن يعطيا ذلك، فطلبوا منهما عشرة دراهم، فأبيا أن يعطيا ذلك، فشمصوا الحمار، وقطعوا ذنبه، فاضطربت المرأة، فأسقطت جنينها، فاشتدت بالمجوسي محنته.
وقال: إلى من نتظلم فيما فعل بنا ؟.
فقيل: إلى صاحب هذا القصر.
فدخل إليه، وقال: فعل بي كيت وكيت.
قال: لا بأس، ادفع إليهم حمارك، يعملوا عليه إلى أن ينبت ذنبه، وادفع إليهم زوجتك، حتى يطؤوها إلى أن تحمل.
فرفع المجوسي رأسه إلى السماء، وقال: اللهم، إن كان هذا حكم من عندك، وأنت به راض، فأنا به أرضى، وأرضى.
فبعث الله إليه ملكا من الملائكة، فأخذ بعضده، وعضد زوجته، فعبر بهما الجسر.
فقال له: يا عبد الله من أنت ؟ فلقد مننت علي.
قال: أنا ملك من الملائكة، لما أن قلت: أللهم إن كان هذا حكم من عندك، وأنت به راض، فأنا أرضى وأرضى، بعثني الله لأخلصك، فالتفت إلى القوم، وانظر ما أصابهم.
فالتفت المجوسي، فإذا القوم قد خسف بهم.
دواء عجيب وضعه الطبيب للكاتب زنجي
أخبرني علي بن نصر بن فنن، الكاتب النصراني: أن أبا عبد الله زنجي الكاتب، سرق منه مال جليل، وكان شديد البخل، فناله غم شديد، حتى أنحل جسمه، واجتهد في صرف الهم والغم عنه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا.
فشاور الأطباء في ذلك، وعملوا له أشياء وصفوها له، فما نجعت، إلى أن استشار علي بن نصر، الطبيب النصراني، جده، وكان يطب زنجي ويلزمه، فأشار عليه أن يصوغ إهليلجة من ذهب، ويمسكها في فيه.
ففعل ذلك، فلم تمض إلا أيام، حتى زال غمه، وعاد إلى صحة جسمه.
يا غياث المستغيثين أغثني
وجدت في بعض الكتب: حكي أن رجلا خرج في وجه شتاء، فابتاع بأربعمائة درهم، كان لا يملك غيرها، فراخ الزرياب للتجارة.
فلما ورد دكانه ببغداد، هبت ريح باردة، فأماتتها كلها إلا فرخا واحدا، كان أضعفها وأصغرها، فأيقن بالفقر.
فلم يزل يبتهل إلى الله تعالى ليلته أجمع بالدعاء والاستغاثة، ويسأله الفرج مما لحقه، وكان قوله: يا غياث المستغيثين، أغثني.
فلما انجلى الصبح، زال البرد، وجعل ذلك الفرخ الباقي ينفش ريشه، ويقول: يا غياث المستغيثين، أغثني.
فاجتمع الناس على دكان الرجل، يرون الفرخ، ويسمعون الصوت.
فاجتازت جارية راكبة، من جواري أم المقتدر، فسمعت صوت الطائر، ورأته، واستامته، وتقاعد الرجل، فاشترته بألفي درهم، وأعطته الدراهم، وأخذت الطائر.
قصة سلمة الأنباري النصراني
وجدت في بعض الكتب:

(1/185)


كان بسر من رأى، ثلاثة إخوة نصارى أنباريون، أحدهم موسر، ولم يسم، والثاني متجمل، يقال له عون، والثالث، يقال له سلمة، فقير، فآل أمر سلمة فيما يكابده من شدة الفقر، إلى أن تعذر عليه قوت يومه.
فمضى إلى أخيه عون، وسأله أن يتلطف إلى أخيه الموسر، في أن يشغله فيما يعود عليه نفعه، ويخدمه فيه، بدلا من الغريب.
فامتنع الأخ الموسر من ذلك، وعاوده دفعات، واستعطفه، وضره يتزايد.
فقال الموسر، على سبيل الولع: إن شاء أن أصيره مكان الشاكري، وصبر على العدو، فعلت.
فعرض عون على سلمة ذلك، فقال سلمة: ما عرض أخونا علي هذا إلا لأمتنع، ويجعله حجة، وأنا أستجيب إليه وأصبر، وأرجع إلى الله تعالى، في كشف الحال التي أكون فيها معه، وأرجو الفرج ببغيه علي، ولا أضع نفسي بمسألة الناس، ففعل ذلك.
فكان أخوه يركب، وهو يمشي في أثره بطليسان ونعل، حتى لا يظهر أنه غلامه، وإذا نزل في موضع، لحقه، وأخذ ركابه، وتسلم المركوب، وحفظه إلى أن يخرج.
فلم يزل على هذا، إلى أن طلب وصيف الكبير، رفيق بغا، من يجلسه بباب داره، فيكتب ما يدخل إلى المطبخ، من الحيوان، والحوائج، ليقايس به ما يحتسب عليه.
فوصف عون، أخاه سلمة، لذلك، ووجه إليه فأحضره، فامتنع، وذكر أنه لا دربة له به، ولا فيه آلة له.
فضمن له عون معاونته، وإجمال الحساب في كل عشية، وأجري عليه رزق يسير.
وجلس بالباب، وصار يدعو بالحمالين، فيثبت ما يحضرونه، ويرفع في كل يوم مدرجا بتفصيل ذلك.
فلما انقضى الشهر جمع وصيف المدارج، وأحضر كاتبا غريبا، وتقدم إليه أن يؤرجها على أصنافها.
وعمل كاتب ديوانه عملا بما رفعه الوكلاء في ذلك الشهر، فظهرت فيه زيادة عظيمة، فحطت وتوفر مالها.
وحسن موقع ذلك من وصيف، وأحضر سلمة، وما كان رآه قبل ذلك، وصرف المتصرفين في المطبخ به، وأسنى جائزته.
فتوفر على يده في الشهر الثاني، مما كان حط من الأسعار، ما حسن موقعه.
فرد إليه قهرمة داره، فتتابعت التوفيرات، واتصلت جوائزه إياه، وزيادته في جاريه.
وطالت مدة خدمته لوصيف، وغلب على حاله، واتفق له خلوة المتوكل، وحضور وصيف.
فقال لوصيف: قد كثر ولدي، وأريد لهم شيخا، عفيفا، ثقة، ليس فيه بأو، ولا مخرقة، لأفرد لهم على يده إقطاعات أجعلها لهم، فلست أحب أن أوسط كتابي أمره.
فوقع في نفس وصيف، أن يصف سلمة، وبخل به، فلم يزل يتردد ذلك في قلبه.
ثم قال: إعلم يا مولاي، إن الله قد رزقني هذه الصفة التي تريدها مني، والرجل عندي، فإذا فكرت في حقوقك، وأن نعمتي منك، لم أستحسن أن أكتمك، وإذا فكرت فيما أفقده منه، توقفت، والآن، فقد أنطقني إقبالك بذكره، وهو سلمة بن سعيد النصراني.
فقال: أحضرنيه الساعة.
فأحضره في الوقت، فحين عاينه المتوكل وقع في نفسه صحة ما وصفه، فوقع لكل ابن بإقطاع ثلثمائة ألف درهم، ولكل ابنة بمائة وخمسين ألف درهم، وقيل أن المتوكل مات عن خمسين إبنا، وخمس وخمسين إبنة، ودفع إليه التوقيع.
وقال له: نجز هذا، واختر من الضياع ما ترى، وانصب لها ديوانا، ووصله، وجعل له منزلة كبيرة، بكتابة الولد.
فلما فرغ من ذلك، وقام به، جرى أمر آخر، أوجب أن رد إليه أيضا أمر سائر الحرم، وجعل له قبض جراياتهن، وأرزاقهن، وإنفاق ذلك عليهن، وصرف وكلاءهن، وأسبابهن عنهن، وزادت منزلته بذلك لكثرة الحرم.
فبينما سلمة يتردد في دار المتوكل، إلى مقاصير الولد والحرم، وقعت عين المتوكل عليه، فاستدعاه.
وقال له: يا سلمة، ما أكثر ما يذهب على الملوك، حفظت بك ولدي، وحرمي، وأضعت نفسي، وليس لي منك عوض، قد رددت إليك بيت المال، وخزائن الفرش، والكسوة، والطيب، وسائر أمر الدار، فتسلم ذلك، واستخلف عليه من تثق به.
وكان قد أنكر عليه، في بعض خدمته، شيئا فأمر باعتقاله، ففرشت له حجرة، وترك خلفاؤه يعملون.
ثم ذكره في الليل، وهو يشرب، فقال لخادم: امض إلى الحجرة التي فيها سلمة، فاطلع عليه، وعرفني الصورة التي تجده عليها.
فعاد وذكر أنه وجده يسود، ثم أعاده بعد وقت آخر، فوجده على ذلك، وأعاده الثالثة، فكانت الصورة واحدة.
فاستحضره، وقال: أنت شيخ كبير، تسود ليجود خطك في الآخرة، أو لتصل به في الدنيا إلى أكثر مما وصلت إليه ؟.

(1/186)


قال: لا هذا ولا هذا، ولكنك لما اعتقلتني، وأقررت أصحابي، وثقت بحسن رأيك، فلم أقطع التأهب لخدمتك، لأني أكاتبك كثيرا، فيما أستأمرك به، فأنا أحب أن لا تقع عينك على ما تستقبحه من الخط.
فحسن موقع هذا القول من المتوكل، وأمر بإحضار حقة، فيها خاتم الخاصة، فدفعه إليه.
وقال: هذا خاتمي، وقد رددت إليك ختم ما كنت أختمه بيدي، من غير أن تستأمرني فيه، ليعلم الخاص والعام، أني رفعت منك، وزدت في محلك، ولا يخلقك عندهم الاعتقال، ثم رآه المتوكل بعد ذلك، في وقت من الأوقات، ماشيا في الدار، فقال: سلمة شيخ كبير، هوذا يهرم ويتلف بهذا المشي، لأنه يريد أن يطوف في كل يوم، على الحرم والولد، وقد رأيت أن أجريه مجرى نفسي، في إطلاق الركوب له في داري.
وكان المتوكل يركب حمارا يتخطى به في الممرات، ويركب سلمة حمارا أيضا، ولم يكن في الدار من يركب غيرهما.
الحرم
الحرم: النساء لرجل واحد، وحريم الرجل: ما يدافع عنه ويحميه، ولذلك سميت نساء الرجل: الحريم.
وكان حريم المتوكل يشتمل على أربعة آلاف سرية تاريخ الخلفاء 350 منهن خمسمائة لفراشه شذرات الذهب 2 - 114 وقد أهدى إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، أربعمائة جارية، مرة واحدة، المستطرف من أخبار الجواري للسيوطي 63.
أما المعتصم، والد المتوكل، فإنه لما توفي سنة 227 كان من جملة ما ترك ثمانية آلاف جارية شذرات الذهب 2 - 63.
وأما المأمون، حكيم بني العباس، فقد كان حريمه يشتمل على مائتي جارية فقط المستطرف من أخبار الجواري 69.
أما الرشيد، فقد كان حريمه يشتمل على أكثر من ألفي جارية، سوى ما كان لزوجه زبيدة من الجواري ويزيد عددهن عن ألفي جارية أيضا الأغاني 10 - 172 ونهاية الأرب 4 - 214 و 215 ونشوار المحاضرة رقم القصة 5 - 64.
وكان في دار المقتدر، أربعة آلاف امرأة، بين حرة ومملوكة رسوم دار الخلافة 8.
ولم يكن الإكثار من الجواري مقصورا على الخلفاء وحدهم، وإنما تعدى ذلك إلى أتباعهم، والمترفين من الأمراء، والرعية.
وعلى سبيل المثال، لا الحصر، نورد أن عتابة، أم جعفر البرمكي، كانت تخدمها أربعمائة وصيفة وفيات الأعيان 1 - 341.
وأن عمر بن فرج الرخجي، أحد العمال الأشرار، كانت لديه مائة جارية الطبري 9 - 161.
وأن زوجة يعقوب بن الليث الصفار، كانت لديها ألف وسبعمائة جارية وفيات الأعيان 6 - 429.
وأن بلكين الصنهاجي، خليفة المعز الفاطمي على أفريقية ت 373 كانت لديه أربعمائة حظية وفيات 1 - 287.
وأن العزيز الفاطمي توفي سنة 386 عن عشرة آلاف جارية إتعاظ الحنفا 295.
وأن ست النصر، أخت الحاكم الفاطمي ت 415، تركت أربعة آلاف جارية بين بيضاء وسوداء ومولدة بدائع الزهور 1 - 58.
وأن نصر الدولة الحميدي، صاحب ميافارقين ت 453، كانت لديه ثلثمائة وستون جارية، بعدد أيام السنة وفيات الأعيان 1 - 177 والوافي بالوفيات 8 - 176.
وكان للمعتمد بن عباد اللخمي، صاحب أشبيلية ت 488 ثمانمائة سرية شذرات الذهب 3 - 386 ومرآة الجنان 3 - 147.
وكان لأبي زنبور، الوزير بمصر ت 314 سبعمائة جارية شذرات الذهب 6 - 173.
وكان عند الوزير يعقوب بن كلس، وزير العزيز الفاطمي ت 380 ثمانمائة حظية، سوى جواري الخدمة خطط المقريزي 2 - 8.
وكان في دار ابن نجية الواعظ ت 599 عشرون جارية للفراش، تساوي كل جارية ألف دينار الذيل على الروضتين 35 فأعجب لواعظ يرتبط لفراشه عشرين جارية.
ومات السلطان الناصر محمد بن قلاوون ت 741، عن ألف ومائتي وصيفة مولدة، سوى من عداهن من بقية الأجناس خطط المقريزي 2 - 212 وماتت زوجته الخونده طغاي سنة 749 عن ألف جارية خطط المقريزي 2 - 426، أما الخونده أردوتكين، زوجة الملك الأشرف خليل، وزوجة الملك الناصر محمد بن قلاوون من بعده، ت 724، فقد كان لها من المماليك أكثر من ألف، ما بين جارية وخادم خطط المقريزي 2 - 63.
وكان مقبول خان وزير فيروز شاه ملك الهند 752 - 790 يملك ألفي جارية، من بينهن الرومية، والصينية، والفارسية الاسلام والدول الاسلامية في الهند ص22.
وفي مقابل من ذكرنا، نورد أن الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز لما استخلف، خير جواريه، وأعتق من رغبت في العتق، واقتصر على زوجته ابنة عمه، فاطمة بنت عبد الملك تاريخ الخلفاء 235.

(1/187)


أما أبو العباس السفاح، أول الخلفاء العباسيين، فإنه تزوج أم سلمة المخزومية، قبل الخلافة، فلم يتزوج عليها، ولم يتسر، ولما استخلف ظل على وفائه لها، فلم يدن إلى امرأة غيرها، حرة ولا أمة، إلى أن مات راجع التفصيل في مروج الذهب للمسعودي 2 - 206 - 208.
وكذلك كان المتقي، إبراهيم بن المقتدر ت 357، فإنه لما استخلف لم يتسر على جاريته التي كانت له تاريخ الخلفاء 394.
وتابعهم في ذلك ملك العرب سيف الدولة، صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي ت 501، فإنه اكتفى بزوجة واحدة، لم يتزوج عليها، ولم يتسر المنتظم 9 - 159.
وكذلك كان المستعصم، آخر الخلفاء العباسيين ببغداد ت 656 فقد كانت له - وهو أمير - جاريتان، فلما استخلف لم يتغير عليهما خلاصة الذهب المسبوك 291.
الحمار
قسم صاحب معجم الحيوان، الحمير، إلى أربعة أنواع، حمار البيت، وحمار قبان، وحمار الزرد، والحمار العتابي معجم الحيوان 21، 98، 175، 265، 270 وفي دائرة المعارف الاسلامية 8 - 65 قسم الحمار إلى أهلي ووحشي، والأهلي إلى دابة ركوب، ودابة حمل، ووصف حمار الركوب، بأنه سريع العدو، يهتدي إلى الطريق، ولو سلكه مرة واحدة، وأنه حاد السمع، قليل المرض، وذكر أن العرب لا يركبون الحمير استنكافا.
أقول: إن العرب في صدر الاسلام، لم يكونوا يستنكفون من ركوب الحمار، فإن النبي صلوات الله عليه كان يركب الحمار المخلاة للبهائي 292 والخليفة عمر بن الخطاب، وهو قدوة، ركب حمارا أرسنه بحبل أسود العقد الفريد 4 - 271 ولما قدم الشام، قدمها على حمار العقد الفريد 4 - 365 و 1 - 14 والبصائر والذخائر 4 - 30.
ثم تغير الحال، فأصبحت الخيل مركب الخلفاء، والأمراء، والأميرات، والوزراء، والقواد، وقد روى ياقوت في معجم الأدباء 5 - 485 و486 قصة عن جمال الدين بن القفطي ذكر فيها أن والده قدم مصر، لم تكن دوابه معه، فأبى أن يركب حمارا.
واستمر على ركوب الحمار، التجار البغداديون القصة 2 - 54 و3 - 56 من نشوار المحاضرة والشعراء ومتوسطو الحال نهاية الأرب 4 - 71 و10 - 99 و100 وفوات الوفيات 3 - 140 والفقهاء والقضاة القصة 3 - 40 من نشوار المحاضرة، وشذرات الذهب 2 - 220 وكذلك عقيلات النساء القصة 317 من هذا الكتاب.
وممن عرف بركوب الحمار خالد بن صفوان البصائر والذخائر م2 ق2 ص588 و589، وأبو عبيدة معمر بن المثنى مرآة الجنان 2 - 45، وابن جامع القرشي المغني الأغاني 6 - 291 ونهاية الأرب 4 - 306، وعيسى بن مسكين فقيه المغرب وقاضي القيروان مرآة الجنان 2 - 224، وأبو يزيد النكاري، الخارج بالمغرب على الفاطميين اتعاظ الحنفا ص70. وأبو العيناء محمد بن القاسم بن خلاد الملح والنوادر للحصري ص230.
ومن الطريف أن نذكر أن أبا القاسم الضحاك بن مزاحم البلخي المفسر ت 105 كان مؤدبا، وكان في مكتبه ثلاثة آلاف صبي، وكان يطوف عليهم على حمار ميزان الاعتدال 2 - 325.
وكان الخلفاء، يركبون الحمير، في أوقات التخفف، وفي بيوتهم، وفي بساتينهم، وخرج الوليد بن يزيد مرة على المغنين، وهو راكب على حمار الأغاني 13 - 278، وكان الهادي يركب حمارا فارها تاريخ الخلفاء 279، وخرج مرة ليعزي أحد أفراد حاشيته وهو على حمار أشهب الطبري 8 - 291، وزار عبد الله بن مالك، وهو على حمار الطبري 8 - 216، وكان الرشيد يركب حمارا مصريا أسود اللون، قريبا من الأرض، يطوف به على جواريه المحاسن والأضداد 174 ومطالع البدور 1 - 238 ويخرج به لعيادة من يريد عيادته الأغاني 5 - 253 ونهاية الأرب 4 - 341 وزيارة من يزوره الأغاني 10 - 175، وانتبه مرة في نصف الليل، فقال: هاتوا حماري، وركبه، وخرج الأغاني 10 - 176، وعاد المعتصم ولده الواثق، ثم رجع راكبا حمارا الأغاني 8 - 251 و252 ونهاية الأرب 4 - 232 وكان يركب الحمار عند خروجه من داره متخففا القصة 7 - 125 من نشوار المحاضرة، وكان العزيز الفاطمي يركب الحمار إتعاظ الحنفا 294، وكان الحاكم الفاطمي، يركب الحمار، ويدور في الأسواق شذرات الذهب 3 - 193 وخطط المقريزي 2 - 288 ومات الحطيئة الشاعر، وهو على حمار فوات الوفيات 1 - 279.
ومما يجدر ذكره أن الرشيد، لما أمر بقتل جعفر البرمكي، دخل عليه مسرور، وأخرجه إخراجا عنيفا، وقيده بقيد حمار، ثم ضرب عنقه الطبري 8 - 295.

(1/188)


وكان الحمار مركب المتحابين إذا خرجوا لموعد الأغاني 1 - 395 ومركب القهرمانات إذا بارحن القصور من أجل أشغال السادة القصة 478 من هذا الكتاب، ومركب المغنين والمغنيات والجواري القصة 479 من هذا الكتاب، ونهاية الأرب 5 - 31 و 110 ومركب رجال الدولة إذا خرجوا متنكرين القصة 471 من هذا الكتاب، والقصة 2 - 2 من نشوار المحاضرة.
وكان المتوكل يركب الحمار في داره كما في هذه القصة، وكان يصعد إلى أعلى منارة سامراء، وهو على حمار مريسي لطائف المعارف 161، أقول: هذه المنارة، ما زالت شامخة في لجو، يسميها الناس: الملوية، والطريق إلى أعلاها، يتلوى حولها، من خارجها.
ولما بنى المكتفي قصر التاج، بنى قبة على أساطين رخام، عرفت بقبة الحمار، لأنه كان يصعد إليها، في مدرج حولها، كمنارة جامع سامراء، على حمار صغير الجرم، وكانت عالية مثل نصف دائرة كتاب دليل خارطة بغداد ص126.
أقول: لما زرت بلاد الأندلس في السنة 1960، أبصرت في أشبيلية، من آثار المسلمين الباقية، مأذنة، يسمونها: الجيرالدا، ذات علو شاهق، يصعد إليها من باطنها، في طريق يتسع لستة أشخاص، يسيرون جنبا إلى جنب، وذكروا لنا أن المؤذن كان يصعد إلى أعلى هذه المأذنة، راكبا حمارا، ووجدت أهالي أشبيلية، يفتخرون بهذه المأذنة، ويقولون: إن من صعد إلى أعلى برج إيفل بباريس، أبصر باريس كلها، أما من صعد إلى أعلى الجيرالدا، فإنه يرى الدنيا كلها.
وكان الناس يغالون في حمير مصر، وهي موصوفة بحسن المنظر، وكرم المخبر لطائف المعارف 161 ونهاية الأرب 10 - 93، وأهل مصر يعنون بتربية الحمير، والقيام عليها، لما يجدونه فيها من الفراهة، وسرعة الحضر، والنجابة، ويبالغون في أثمانها، حتى بيع في بعض السنين، حمار، بمائة دينار وعشرة دنانير، وكان صاحبه يسمع أذان المغرب بالقاهرة، فيركب، ويسوقه، فيلحقها بمصر، وبينهما ثلاثة أميال مطالع البدور 2 - 182.
وذكر ابن سعيد: أن المغاربة كانوا يأنفون من ركوب الحمار، خلافا لأهالي مصر، فإن أعيان مصر، والفقهاء، والسادة، يركبون الحمير خطط المقريزي 1 - 341 ونفح الطيب 2 - 339 حتى إن ابنة الإخشيد محمد بن طغج، كانت تقطع الأزقة في القاهرة وهي على ظهر حمار خطط المقريزي 1 - 353.
أقول: لم تقتصر الأنفة من ركوب الحمار على المغاربة المسلمين، وإنما تعدتهم إلى إفرنج أسبانيا، فإن الملك الفونس، لما انكسر في السنة 591 في المعركة بينه وبين السلطان أبي يوسف الموحدي، حلق ألفونس رأسه، وركب حمارا، وأقسم لا يركب فرسا حتى ينتصر ابن الأثير 12 - 115، وكذلك صنع علاء الدين الغوري، في السنة 602، فإن أهالي غزنة نهبوا جميع ما كان لديه، فلما وصل إلى باميان، لبس ثياب سوادي، وركب حمارا، وقال: أريد أن يراني الناس وما صنع بي أهل غزنة، حتى إذا عدت إليها وأخربتها لا يلومني أحد ابن الأثير 12 - 220.
وذكر القزويني، في آثار البلاد 262: أن الحمر المريسية، نسبة إلى المريسة في ناحية الصعيد بمصر، من أجود حمر مصر، وأمشاها، وأحسنها صورة، وأكبرها، تحمل إلى سائر البلاد للتحف، وليس في شيء من البلاد مثلها، والبلاد الباردة لا توافقها، فتموت فيها سريعا.
وخرج توقيع عبد الله بن طاهر: إذا وجدتم البرذون الطخاري، والبغل البرذعي، والحمار المصري، والرقيق السمرقندي، فاشتروها، ولا تستطلعوا رأينا فيها، لطائف المعارف 219.

(1/189)


وروى صاحب مطالع البدور 2 - 183 طريفتين عن الحمار، الأولى: ذكر إنه ركب حمارا، من مصر إلى القاهرة، فلما كان في أثناء الطريق، حاد به عن السكة، وجهد أن يرده، فلم يطق، حتى انتهى إلى جدار بستان، فوقف، وبال، وعاد إلى الطريق، وكذلك جرى له مع حمارين آخرين، والطريفة الثانية: إن حمارا كان بمصر، يجتمع عليه الناس، ويجمعون له مناديل، تلقى على ظهره، ثم يأمره صاحبه بإعادة كل منديل إلى صاحبه، فيدور في الحلقة، ولا يقف إلا على من له في ظهره منديل، فإن أخذه، ذهب عنه، وإن أخذ غيره، لا يذهب، ولو ضرب مائة ضربة، ويأخذ الخاتم من إصبع الرجل، ويسأله عن وزنه، فيقول: كم وزن الخاتم ؟ فإن كان وزنه درهما، مشى خطوة واحدة، وإن كان درهما ونصفا، مشى خطوة ونصفا، وهكذا، وبينما هو واقف، يقول له شخص: الوالي يسخر الحمير، فما يتم كلامه، إلا ويلقي الحمار نفسه على الأرض، وينفخ بطنه، ويقطع نفسه، كأنه ميت من زمان، فإذا قيل له، بعد ذلك، ما بقيت سخرة، ينهض قائما.
وكان القاضي، أو الوالي، إذا أمر بإشهار شخص، داروا به على حمار المنتظم 8 - 294 و 10 - 237 ومهذب رحلة ابن بطوطة 2 - 147، ومن طريف ما يذكر أن شخصا حجره القاضي للسفه، وأمر بإشهاره في البلد، ليمتنع الناس من التعامل معه، فحمل على على حمار، وداروا به في الأسواق، فلما انتهى النهار، طالبه المكاري بالأجر، فالتفت إليه، وقال له: في أي شيء كنا منذ الصباح ؟.
وكان الشماخ الشاعر، أوصف الناس للحمير، أنشد الوليد بن عبد الملك، شيئا من شعره في وصف الحمير، فقال: ما أوصفه لها، إني لأحسب أن أحد أبويه كان حمارا الأغاني 9 - 161.
راجع في الملح للحصري ص283 قصة العاشق الذي حل محل الحمار في الطاحون.
وقيل لمزبد، وقد اشترى حمارا: ما في حمارك عيب، إلا أنه ناقص الجسم، يحتاج إلى عصا، فقال: إني كنت أغتم، لو كان يحتاج إلى بزماورد، فأما العصا، فأمرها هين البصائر والذخائر م2 ق2 ص689.
وقيل لمخنث عليل، كان يشرب لبن الأتان: كيف أصبحت ؟ قال: لا تسل عمن أصبح أخا الحمار البصائر والذخائر م2 ق1 ص29.
ومن مشهوري الحمير: يعفور، حمار النبي صلوات الله عليه، أهداه له المقوقس، صاحب مصر، ونفق منصرف النبي صلوات الله عليه من حجة الوداع الطبري 3 - 174.
ومن مشهوري الحمير: حمار بشار بن برد، وقد زعم بشار أن حماره هنا كان شاعرا غزلا، وروى أبياتا من شعره، راجع القصة في الأغاني 3 - 231 و232.
ومن مشهوري الحمير، الحمار الذي كان يركبه الحاكم الفاطمي، وكان يسميه: القمر النجوم الزاهرة 549.
ومن مشهوري الحمير: حمار الحكيم توما، الذي قال فيه الشاعر:
قال حمار الحكيم توما ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاله مركب
ومن مشهوري الحمير، حمار أبي الحسين الجزار، جمال الدين يحيى بن عبد العظيم، وهو من عائلة جزارين، تكسب بالشعر مدة، ثم عاد إلى الجزارة، واحتج لعدوله عن الشعر إلى الجزارة، بقوله:
لا تلمني يا سيدي شرف الدي ... ن إذا ما رأيتني قصابا
كيف لا أشكر الجزارة ما عش ... ت حفاظا وأترك الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجي ... ني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وكان الجزار، كثير الشكوى من حماره، قال فيه:
هذا حماري في الحمير حمار ... في كل خطو كبوة وعثار
قنطار تبن في حشاه شعيرة ... وشعيرة في ظهره قنطار
ولما مات حمار هذا الشاعر، داعبه شعراء عصره، بمراث وهزليات، فقال بعضهم:
قولوا ليحيى لا تكن جازعا ... لا يرجع الذاهب بالليت
طامن أحشاءك فقدانه ... وكنت فيه عالي الصوت
وكنت لا تنزل عن ظهره ... ولو من الحش إلى البيت
ما مات من داء ولكنه ... مات من الشوق إلى الموت
وقال آخر:
مات حمار الأديب، قلت قضى ... وفات من أمره الذي فاتا
مات وقد خلف الأديب ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا
فأجابه أبو الحسين قائلا:
كم من جهول رآني ... أمشي لأطلب رزقا
وقال لي: صرت تمشي ... وكل ماش ملقى

(1/190)


فقلت: مات حماري ... تعيش أنت وتبقى
ومات لابن عنين الدمشقي 549 - 630 حمار، بالموصل، فرثاه بقصيدة مثبتة في ديوانه 140 - 142، منها؛
لا تبعدن تربة ضمت شمائله ... ولا عدا جانبيها العارض الهطل
قد كان إن سابقته الريح غادرها ... كأن أخمصها بالشوك ينتعل
لا عاجزا عند حمل المثقلات ولا ... يمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجل
وإن لي بنظام الدين تعزية ... عنه وفي النجب من أبنائه بدل
وقرأت في كتاب من تأليف أديب مغربي، أن مغربيا باع حماره من آخر، وشرط عليه المشتري، أن يسلمه الحمار في حلته، وخرجا إليها معا، ولما دخلا بين البيوت، أبصر البائع حمارا أدبر، قد أهمله أصحابه، فالتفت إلى صاحبه، وقال: أهكذا يعامل الحيوان الأعجم ؟ أنتم قوم سوء، وأعاد إلى المشتري ماله، وكر عائدا بالحمار.
وعرض محمد بن واسع الأزدي، بسوق مرو، حمارا، فقال له رجل: يا عبد الله، أترضاه لي ؟ فقال: لو رضيته لما بعته نشوار المحاضرة، القصة 4 - 61.
ولزيادة التفصيل في هذا الموضوع راجع نهاية الأرب 10 - 93 - 102 والغيث المسجم في شرح لامية العجم 2 - 137 و138، وكتاب الحيوان للجاحظ.
أقول: أدركت الناس ببغداد، قبل انتشار استعمال السيارات، يركب الوجهاء منهم، الحمير، ويختارونها بيضاء، عالية، ويسمونها: الحساوية، لأنها تجلب من الأحساء، وكانوا يتأنقون في اختيار الجل، ويسمونه: المعرقة تلفظ القاف كافا فارسية.
وقد وصف حمير بغداد البيض، سائح أمريكي اسمه بيري فوك، مر ببغداد في السنة 1872، في عهد الوالي محمد رديف باشا، الذي خلف مدحت باشا، فقال: إن الحمير البيض في بغداد مشهورة في أنحاء الشرق، وأثمانها عالية، وقسم منها كبير الحجم، وتزين بصبغها بالحناء، فتبدو آذانها وأذنابها حمراء اللون، وأبدانها منقطة بالحناء، وهي ما زالت - كما كانت في قديم الزمان - مركب رجال الدين وكبار الحكام، كما أن السيدات يفضلنها على بقية الدواب، وهم يشرحون منخر الحمار، ويشقونه شقا مستطيلا، ويقولون إن هذا الشق يجعل الحمار أطول نفسا، ولكني كلما سمعت حمارا ينهق، أيقنت أنه لا ضرورة لهذا التصرف، ولا محل له كتاب عربستان أو بلاد ألف ليلة وليلة.
والبغداديون يسمون الحمار: زمال، من الزمل بكسر الزاي وميم ساكنة أي الحمل، ويقال: زمل بفتح، أي حمل، والزاملة، مؤنث الزامل: الدابة من الإبل وغيرها يحمل عليها المنجد، قالت السيدة أسماء بنت أبي بكر: كانت زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزمالة أبي بكر، واحدة، أي مركوبهما لسان العرب، راجع ما كتبه الدكتور سليم النعيمي في مجلة المجمع العلمي العراقي م25 ص25 و26.
وكانت زمالة الزهاوي الشاعر جميل صدقي الزهاوي ت 1936 مضرب المثل في جمال الهيئة والنظافة، وكانت بيضاء، عالية الظهر، حساوية، وكان الزهاوي يعنى عناية فائقة، بعلفها، ونظافتها، وكان - رحمه الله - مصابا بارتخاء في عضلات ساقيه لا يمكنه من المشي إلا بمعونة، فكان يركبها في روحاته وغدواته.
وللبغداديين أمثال تتعلق بالحمار، أذكر منها ثلاثة: أولها: مثل يضرب لمن يكد ليله ونهاره، من دون راحة، فيقولون: مثل زمال الطمة، يروح محملا، ويعود محملا، والطمة: فصيحة، ما طم من الجمر في الرماد، ويطلق البغداديون هذه الكلمة على موقد الحمام، وكان يوقد فيه النفايات والقمامة، وكل ما يحترق، فكان زمال الطمة يروح إليها حاملا الوقود، ويعود منها حاملا الرماد المتخلف.
وثانيها: مثل يضرب لمن ورط نفسه في ورطة يصعب التخلص منها، فيقولون: تعال طلع هذا الزمال من هذي الوحلة.
وثالثها: مثل يضرب لمن يتحايل بحيلة مكشوفة، فيقولون: إحنا دافنيه سوا، وأصل المثل: إن بغداديين تعطلا، وحاولا أن يجدا عملا، فلم يوفقا، ثم وجدا حمارا نافقا، فأخذاه، ودفناه، ووضعا على قبره شاهدا، وأدعيا إنه قبر ولي من أولياء الله، وأصبح أحدهما سادنا للقبر، والثاني واعظا وإماما للجماعة فيه، وظلا على ذلك حينا، ثم أحس أحدهما أن صاحبه يغتال قسما من الواردات، ويستأثر بها، فخاصمه، فبادر صاحبه وضرب بيده على القبر، يحلف على براءته من التهمة، فصاح به صاحبه: ويحك، إحنا دافنيه سوا.

(1/191)


وللبغداديين نوادر، فيها ذكر للحمار، يتندرون بها، أذكر منها نادرتين: الأولى: نادرة يتندر بها البغداديون على أهل الموصل، والمعروف عن أهل الموصل تعصبهم لبعضهم، بحيث لا يتسنى للغريب أن يجد فيها رزقا، وخلاصتها: أن سقاء بغداديا هاجر إلى الموصل، واستقر فيها، وأراد أن يمارس فيها مهنته، فاشترى حمارا وقربة، وباشر بحمل الماء من النهر إلى المدينة، وفي اليوم الأول لم يتعامل معه أحد، وكذلك في اليوم الثاني، وجاع السقاء، وجاع حماره، فأخذه في اليوم الثالث، وذهب إلى سوق المدينة، وقال: يا جماعة، إن حرمانكم إياي من الرزق أمر مفهوم، لأني بغدادي، ولكن هذا الحمار موصلي، وهو يكاد يموت جوعا، فإن لم ترفقوا بي، فارفقوا به.
والثانية: نادرة يتندر بها البغداديون على أحد القضاة، وخلاصتها: أن اثنين اختصما على حمار، كل واحد منهما يدعي ملكيته، وتداعيا عند القاضي، وقدم المدعي للقاضي عشرة مجيديات رشوة، وبلغ المدعى عليه ما صنعه خصمه، فذهب إلى القاضي وأعطاه عشرة مجيديات أيضا، ونظر القاضي في الدعوى، وأراد أن يرضي الطرفين، فحكم بأن يباع الحمار ويقسم ثمنه بين المتداعيين، وبيع الحمار بعشرين مجيديا، وتسلم كل واحد من المتداعيين عشرة مجيديات، فتوجها إلى القاضي، وقالا له: يا أفندينا، تبين أن الحمار لا يعود لواحد منا، وإنما يعود لك، لأنك استوفيت ثمنه كاملا.
ودخل أحمد بن محمد القزويني إلى سوق النخاسين في الكوفة، وطلب حمارا، لا بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرت علفه شكر، لا يدخل تحت البواري، ولا يزاحم براكبه السواري، إذا خلا الطريق تدفق، وإذا كثر الزحام ترفق، فقال النخاس: أصبر حتى يمسخ القاضي حمارا، وأشتريه لك، أخبار الحمقى والمغفلين ص126.
ونهيق الحمير، يسمى: الزر البصائر والذخائر 4 - 297، راجع أخلاق الوزيرين 149 وفي بغداد، يلفظونها: زعر، وإذا صيح بها أمام الحمار، نهق.
وذكر الجبرتي في تاريخه 2 - 539 و3 - 155 أن العسكر العثماني، بالقاهرة، باشروا في السنة 1217 بخطف حمير الناس من أولاد البلد، فأخفى الناس حميرهم، فكان الجماعة من العسكر ينصتون بآذانهم على أبواب الدور، ويقف بعضهم على الدار، ويقول زر، ويكررها، فينهق الحمار، فيؤخذ.
وكان إبراهيم بن الخصيب المديني، أحمق، وكان له حمار أعجف، وكان إذا علق الناس المخالي بالعشي، أخذ مخلاة حماره، وقرأ عليها " قل هو الله أحد " ، وعلقها عليه فارغة، وقال: لعن الله من يرى كيلجة شعيرة، أنفع من " قل هو الله أحد " ، فما زال هكذا حتى نفق الحمار، فقال: إن " قل هو الله أحد " ، تقتل الحمير، فهي للناس أقتل، لا قرأتها ما عشت البصائر والذخائر أمير المؤمنين 4 - 118 و119، وراجع كتاب أدب الغرباء للأصبهاني 46.
ومما يروى عن السيد عبد الحسين الغريفي، من علماء البحرين، وكان فقيها من العلماء الأتقياء، أنه هجم عليه يوما، وهو في حلقة درسه، معيدي، أوسعه إزعاجا، وألح عليه أن يستخير له، فإنه بصدد عمل يريد أن يقوم به، فعمد السيد إلى كتاب الله، وفتحه، ثم التفت إليه وقال: أنت تريد أن تشتري حمارا، فقال له: إي والله يا سيدنا، فقال له: امض فاشتره، ولما بارح المعيدي المكان، سأله تلامذته: كيف عرف مراد المعيدي ؟ فقال له: استفتحت له، فظهرت الآية: سنشد عضدك بأخيك.
أقول: أنا في شك من صحة هذه الحكاية، لأن السيد عبد الحسين، وهو من الفقهاء الزهاد، أتقى لله من أن يتخذ من آيات القرآن موردا للتملح.
وقال عبد القاهر الجرجاني ت 471 شذرات الذهب 3 - 341:
تكبر على العقل لا ترضه ... ومل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم
وصديقنا المصور أرشاك ببغداد، يخالف الناس في وصف الحمار بالبلادة، وهو يقول: إن الحمار عاقل حكيم، وإن النظرة التي نراها في عينه ونحسب أنها نظرة بلادة، إنما هي نظرة استهانة بنا ولا مبالاة، وكأنه يقول لنا: أنتم تقولون عني أني حمار، وفي الحقيقة، إنكم أنتم الحمير.
للتوسع في البحث، راجع الطبري 5 - 522 و6 - 40 - 42 و7 - 52 و240 و555 و8 - 122 و194 و8 - 300 - 302 و10 - 8، والولاة للكندي 469 و471، والأغاني 12 - 157 و18 - 303 و347 و20 - 69 و22 - 182، والعقد الفريد 6 - 442، والأغاني ط بولاق 20 - 31.

(1/192)


ابن الطبري الكاتب النصراني تجلب له التوفيق رفسة حصان
وجدت في بعض الكتب: أن عبد الله المعروف بابن الطبري النصراني الكاتب، قدم سر من رأى يلتمس التصرف، فلزم الدواوين مدة، إلى أن نفدت نفقته، وانقطعت حيلته، ولم يبق إلا ما عليه من كسوته، فعدم القوت ثلاثة أيام بلياليها، وهو صابر خوفا من أن يبيع ما عليه، فيتعطل عن الحركة، فلما كان في اليوم الرابع عمل على بيع ما عليه ليأكل ببعضه، وليشتري بالبعض الآخر تاسومة، ومرقعة، وركوة، ويخرج في زي فيج إلى بلد آخر، لأنه بقي ثلاثة أيام لم يأكل شيئا.
ثم شرهت نفسه إلى الرجوع إلى الديوان، مؤملا فرجا يستغني به عن هذا، من تصرف أو غيره.
فمشى يريد الديوان، وهو مغموم مفكر، إذ سمع صوت حافر من ورائه، وقوم يصيحون: الطريق، الطريق.
فلشدة ما به، غفل عن التنحي عن الطريق، فكبسه شهري كان راكبه المؤيد بالله بن المتوكل على الله، وهو إذ ذاك أحد أولياء العهود، فداسه، وسقط على وجهه.
فصعب ذلك على المؤيد، ولم يكن يعرفه، فاغتم أن يجرى منه على إنسان مثل ذلك، فأمر أن يحمل إلى داره، ففعل ذلك، وأفردت له حجرة، ومن يخدمه، وعولج بالدواء، والطعام، والشراب، والطيب، والفرش، حتى برئ بعد أيام، فأنفذ إليه ألفي درهم، وسأله إحلاله مما جرى عليه.
فقال: لا أقبلها، أو تقع عيني على المؤيد، فأشافهه بالدعاء.
فأوصل إليه، فشكره، ودعا له، وقص عليه قصته، وسأله استخدامه.
فخف على قلب المؤيد، واستكتبه، وأمر أن يصرف في داره، وفي دار والدته إسحاق، جارية المتوكل، فتصرف فيها مدة، وصلحت حاله.
وكان الموفق، أخو المؤيد من أمه، قد رأى ابن الطبري، فاجتذبه إلى خدمته، ونفق عليه، وانتهى أمره معه إلى أن جعل إليه تربية المعتضد، وأكسبه الأموال الجليلة.
أبو بكر محمد بن طغج ينتقل من ضعف الحال إلى ملك مصر
وجدت في بعض الكتب: حدث أبو الطيب بن الجنيد، الذي كان صاحبا لأبي جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد، وكان قبل ذلك جارا لأبيه أبي القاسم قال: كان أبو بكر محمد بن طغج بن جف ينزل قديما بالقرب من منازلنا ببغداد، بقصر فرج، وكان رقيق الحال، ضعيفا جدا.
وكان له على باب دويرته دكان يجلس عليها دائما، ودابته مشدودة إلى جانبها، وهو يراعيها بالعلف والماء بنفسه.
وكان له رزق سلطاني يسير، يتأخر عنه أبدا، فلا يقبضه إلا في الأحايين.
وكان شديد الاختلال، ظاهر الفقر، وكان له عدة بنات لا ذكر فيهن.
وكان يجتاز به أبو القاسم يحيى بن زكريا بن شيرزاد، أو أحد أبنيه، أبو الحسن، وأبو جعفر، فيقوم قائما، ويظهر التعبد لهما، ولا يزال واقفا إلى أن يبعدا عنه.
وكنت ربما جلست إليه، فيأنس بي ويحدثني، ويشكو بثه، وما يقاسيه من كثرة العائلة، وضيق الحال.
ويقول: ليت كان لي فيما رزقته من الولد، ذكر واحد، فكنت أتعزى به قليلا، ويخف بالرجاء له، والسرور به، بعض كربي وهمي بهؤلاء البنات.
قال أبو الطيب: وضرب الدهر من ضربه، وتقلب من تقلبه، وطال العهد بابن طغج، وخرج في جملة تجريد جرد إلى الشام، وأنسيناه، وترجمت به الظنون، وترامت به الأحوال، حتى بلغ أن يقلد مصر وأعمالها، وكان من علو شأنه، وارتفاع ملكه، وحصول الأمر له، ولولده من بعده، ما كان، مما هو مشهور.
وكان قد طرأ إلى تلك الناحية أحد التجار الواسعي الأحوال، من جوارنا، ممن كان يعرف ابن طغج على تلك الأحوال الأول، فلما كان بعد سنين، عاد الرجل إلى الحضرة، فحدثنا بعظم أمر ابن طغج، واتساع ملكه.
وقال: رأيته غير الرجل الذي كنا نعرفه، مكانة، ورجاحة، وحين رآني، قربني، وأكرمني، وما زال مستبشرا بي، يحادثني، وأحادثه، ويسألني عن واحد واحد، من بني شيرزاد، وغيرهم من الجيران، وأنا أخبره.
حتى قال في بعض قوله: الحمد لله الذي بيده الأمور، ما شاء فعل، يا فلان، ألست ذاكرا ما كنت فيه ببغداد، من تلك الأحوال الخسيسة وما كنت ألاقي من الشدة، والفقر، والفاقة، والغرض بالعيش، والهم بأولئك البنات ؟.
قلت: نعم يا سيدي.
قال: والله لقد كنت أتمنى وأسأل الله أن يرزقني ابنا، فكلما اجتهدت في ذلك جاءتني ابنة، حتى تكاملن في بيتي عشرا.

(1/193)


وكنت أتمنى منذ سن الحداثة أن أرزق دابة أبلق، واستشعر أني إذا ركبت ذلك، فقد حصلت لي كل فائدة ونعمة، لشدة شهوتي لها، فما سهل الله لي ما طلبته من هذا الباب أيضا شيئا.
وتكهلت، وعلت سني، وأنا على تلك الأحوال.
وضرب الدهر ضربه، وخرجت من بغداد، فابتدأ الإقبال يأتي، والإدبار ينصرف.
وكان الله تعالى يرزقني في كل سنة ابنا، ويقبض عني ابنة، حتى مات البنات كلهن، ونشأ لي هؤلاء البنون، وأومأ إلى أحداث بين يديه كأنهم الطواويس حسنا وجمالا.
ثم قال: وملكت من الخيل العتاق، والبراذين، والبغال، والحمير البلق، ما لم يملك أحد مثله، ولا اجتمع لأحد ما يقاربه، وأكثر من أن يحصى، وصار لغلمان غلماني، الكراع الكثير، فقم بنا حتى ندخل الاصطبلات، فتشاهدها، وتعجب.
فأخذ بيدي، ومشينا حتى دخلنا إلى إصطبل البلق، فما أشك، أنا عددنا من صنوف الدواب البلق أكثر من خمسمائة رأس، ثم ضجرنا، وما زلنا نجتاز في الاصطبل، سنة، سنة.
فيقول: هذا اصطبل الفلانيات، وهو يسأل صاحب كراعه، كم في هذا ؟.
فيقول: في هذا خمسمائة، وفي هذا أربعمائة، ونحو ذلك.
ثم عدنا إلى المجلس، وقد أبهجني ما رأيت، وهو يحمد الله على تفضله وإحسانه، ولازمته، وما فارقت داره حتى قضيت حوائجي، ونفعني، وأحسن إلي، وما قصر، وعدت إلى الشام مكرما.
غريب الدار ليس له صديق
ذكر عن رجل كان بالبصرة، أنه كان ذا يسار، وتغيرت حاله، فخرج عن البصرة، ثم عاد إليها وقد أثرى، فجعل يحدث بألوان لقيها إلى أن قال: تغيرت حالي، إلى أن دخلت بغداد، غريبا، سليبا، لا أهتدي إلى مذهب ولا حيلة.
قال: فجعلت أسأل: أين السوق، أين الطريق، إلى أن ضجرت، فقلت وأنا مكروب:
غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله أين الطريق
تعلق بالسؤال بكل صقع ... كما يتعلق الرجل الغريق
وجعلت أردد ذلك وأمشي، وإذا برجل مشرف من منظر، فقال لي:
ترفق يا غريب فكل عبد ... تطيف بحاله سعة وضيق
وكل مصيبة تأتي ستمضي ... وإن الصبر مسلكه وثيق
فخف ما بي، ورفعت رأسي إليه، وسألته عن خبره.
فقال: اصعد إلي أحدثك، فصعدت إليه.
فقال: وردت هذا البلد، وأنا غريب، فتحيرت - والله - كتحيرك، إلى أن مررت بهذه الغرفة، فأشرف علي رجل كان فيها، لا أعرفه، فقال لي: اصعد.
فصعدت، فأسكننيها، ثم تقلبت بي الأحوال، فابتعت الدار، وأثريت، وأنا أتبرك بها، وأجلس فيها كثيرا، فلعلها أن تكون مباركة عليك أيضا، فإن لي فيما سواها من الدور، مساكن تجذبني.
ففعلت، وأقبلت أحوالي، واحتجت إلى الاتساع، فانتقلت عنها،
عبد الله بن مالك الخزاعي يتسلم كتابا من الرشيد يخبره بمقتل جعفر البرمكي
وجدت في بعض الكتب: أن البرامكة، قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي، بالعداوة، وكان الرشيد حسن الرأي فيه، فكانوا يغرونه به، حتى قالوا له: لا بد من نكبته.
فقال: ما كنت لأفعل هذا، ولكن أبعده عنكم.
فقالوا: ينفى.
فقال: لا، ولكن أوليه ولاية دون قدره، وأخرجه إليها.
فرضوا بذلك، فكتبوا له على حران والرها فقط، وأمروه بالخروج، عن الخليفة.
قال عبد الله: فودعتهم واحدا، واحدا، حتى صرت إلى جعفر لأودعه.
فقال لي: ما على الأرض عربي أنبل منك يا أبا العباس، يغضب عليك الخليفة، فيوليك حران والرها ؟.
فقلت: فما ذنبي حتى غضب علي، وأي شيء جرى مني حتى أوجب الذي أن يفعل بي هذا ؟.
قال جزاؤك أن: يضرب وسطك، وتصلب نصفا في جانب، ونصفا في جانب.
فقلت: العجب مني حيث صرت إليك، ونهضت، وخرجت.
وقطعت طريقي بالهم، والغم، مما دفعت إليه، وأني لا آمنهم، مع غيبتي، على السعاية علي.
فبينما أنا في عشية يوم، على باب الدار التي نزلتها، جالسا على كرسي، إذ أقبل إلي مولى لي، فقال لي سرا: قد قتل جعفر بن يحيى البرمكي.
فتوهمت أنه هو أمره بذلك ليجد علي حجة ينكبني بها، فبطحته، وضربته ثلثمائة مقرعة، وحبسته، وبت بليلة طويلة على السطح في داري.
فلما كان في السحر، إذا صوت حلق البريد، فارتعت، ونزلت عن السطح.
وقلت في نفسي: إن هجم علي صاحب البريد فهي بلية، وإن ترجل لي ففرج.

(1/194)


فلما بصر بي صاحب البريد ترجل لي، فطابت نفسي، ودفع إلي كتابا من الرشيد، يخبرني فيه بقتله جعفر، وقبضه على البرامكة، ويأمرني بالشخوص إلى حضرته.
فشخصت، فلما وصلت إليه، عاملني من الإكرام والإنعام بما زاد على أمنيتي.
وخرجت، فأتيت الجسر، فوجدت جعفرا، قد ضرب وسطه، وصلب نصفه في جانب، ونصفه في الجانب الآخر.
نجاح بن سلمة ينصح سليمان بن وهب برغم ما بينهما من عداوة
حكي أن الواثق سخط على سليمان بن وهب، فرده إلى محمد بن أبي إسحاق، وأمره أن يأخذ خطه بثلاثة آلاف ألف درهم، يؤديها بعد خمسة عشر يوما، فإن أذعن لذلك، وإلا ضربه خمسمائة سوط.
فطالبه محمد بكتب الخط، فامتنع، فدعا له بالسياط، وجرد لضربه.
ودخل نجاح بن سلمة، فلما رآه سليمان أيقن بالموت، واستغاث به سليمان.
فقال نجاح لمحمد: خله، وأخلني وإياه، ففعل.
فقال نجاح لسليمان: أتعلم أن في الدنيا أحدا أعدى لك مني ؟.
قال: لا.
قال: فهوذا أحامي عنك اليوم لأجل الصناعة، أيما أحب إليك وآثر في نفسك، أن تموت الساعة بلا شك، أو يكون ذلك إلى خمسة عشر يوما، قد يفرج الله فيها عنك ؟ قال: بل أكون إلى خمسة عشر يوما بين الأمرين.
قال: فاكتب خطك بما طولبت به، فكتب خطه.
قال سليمان: فما مضت ستة أيام، حتى مات الخليفة، وبطل ذلك المال. وصار نجاح بن سلمة بمشورته تلك على سليمان، أحب إليه من أخيه وولده، وزالت العداوة من بينهما.
قال مؤلف الكتاب: هذا الخبر عندي أنه مضطرب، لأشياء كثيرة، ولكني كتبته، كما وجدته، وقد مضى فيما تقدم من هذا الكتاب خبر نكبة الواثق لسليمان بن وهب، بما هو أصح من هذه الحكاية.
المعتمد يأمر بقطع يد غلام من غلمانه
ثم يعفو عنه
بلغني أن أبا محمد بن حمدون، قال: إشتهى المعتمد أن يتخذ له فرش ديباج، بستوره، وجميع آلاته، على صورة صورها، وألوان اقترحها.
فعمل ذلك بتنيس، وحمل إليه، فسر به غاية السرور، وتقدم، فنجد، ونضد، ونصب، وأحضرني والندماء، وهو يأكل فيه، فما منا إلا من وصفه واستحسنه، ثم قام لينام وينتبه، فيشرب فيه، وصرفنا.
فما شعرنا إلا وقد امتلأت الدار ضجة وصياحا، ودعا بنا، فوجدناه يزأر كالأسد.
وإذا نصف ستر من تلك الستور قد قطع، وهو يقول: ليس بي قطعه، ولا قيمته، لأنه يمكنني أن أستعمل مكانه، وإنما بي أنه نغص علي السرور به أول يوم، واجترأ علي بمثل هذا الفعل، وأصعب من هذا أنه قطعه وأنا أراه، وغاص الذي قطعه عن عيني فلم أثبته.
ثم دعا بنحرير الخادم وحلف له بأيمان مغلظة، أنه إن لم يبحث إلى أن يحضر الجاني، ليضربن عنقه، وجلس على حاله مغضبا.
ومضى نحرير، فما أبعد حتى أحضر صبيا من الفراشين، كأنه البدر حسنا، والقطعة الديباج معه، وقد أقر بقطعها، واعتذر، وبذل التوبة، وهو يبكي، ويسأل الإقالة.
فلم يسمع المعتمد منه ذلك، وأمر نحرير أن يخرجه، فيقطع يده، فأخرج، وما منا إلا من آلمه قلبه عليه، لملاحة وجهه، وصغر سنه، وليس منا من يجسر على مسألة المعتمد فيه ونحن قيام سكوت.
حتى صرخ المعتمد على الله من يده صراخا عظيما، وتأوه، وقال: قد دخل شيء في أصبعي الساعة، وزاد الألم عليه، وجيء بمن رآها، فأحضر منقاشا، فأخرجت من إصبعه شظية من قصب كالشعرة، فما ندري مم يتعجب، من صغرها ؟ أو من دخولها في لحمه مع ضعفها ؟، أو من شدة إيلاما إياه ؟ ومن كونها فوق الديباج ساعة طرح ونفض.
فلما استراح، قال: يا قوم، إن كان هذا القدر اليسير قد آلمني هذا الألم الكثير، فما حال هذا الصبي الذي أمرنا بقطع يده ؟.
قلنا: أسوأ حال وأشدها، فيجب أن تجعل العفو عنه شكرا لما كفيته.
فقال: ابعثوا إلى نحرير من يلحقه، فإن كان لم يقطعه، منع من قطعه.
فتسابق الغلمان، فلحقوه، والزيت يغلي، وقد مدت يده لتقطع، فخلوه، وسلم.
مروءة عدي بن الرقاع العاملي
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثنا أحمد بن جرير، عن محمد بن سلام، قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الله بن عبد الرحمان عن الأردن، وضربه، وحلقه، وأقامه للناس.
وقال للموكلين به: من أتاه متوجعا، وأثنى عليه، فأتوني به.
فأتاه عدي بن الرقاع العاملي، وكان عبيدة محسنا إليه، فوقف عليه، وأنشأ يقول:

(1/195)


وما عزلوك مسبوقا ولكن ... إلى الغايات سباقا جوادا
وكنت أخي وما ولدتك أمي ... وصولا باذلا لا مستزادا
فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا
فوثب الموكلون به، فأدخلوه إلى الوليد، وأخبروه بما جرى.
فتغيظ عليه الوليد، وقال له: أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت ؟.
قال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسنا، ولي مؤثرا، ففي أي وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم؟.
قال: صدقت، وكرمت، وقد عفوت عنك، وعنه لك، فخذه وانصرف.
فانصرف به إلى منزله.
غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية
أخبرني محمد بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي غسان البصري، قال: حدثنا أبو خليفة، قال: أخبرنا محمد بن سلام.
قال محمد بن الحسن، وأخبرني علي بن الحسين الأصبهاني، قال: أخبرني عبد العزيز بن أحمد، عم أبي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثتني كلما بنت عبد العزيز بن موله، قالت: كان عامر بن الطفيل، فارس قيس، وكان عقيما، وكان أعور.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد رمي منه، ومن أربد، أخي لبيد بن ربيعة، بما أهمه عليه السلام.
وذلك إنهما أتياه، فلقيهما، فوسد عامرا وسادة، وقال: اسلم يا عامر.
قال: على أن تجعل لي الوبر، ولك المدر، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فعلى أن تجعلني الخليفة بعدك، إن أنا أسلمت.
قال: لا.
قال: فما الذي تجعل لي ؟ قال: أعنة الخيل، تقاتل عليها في سبيل الله.
قال: أو ليست أعنة الخيل بيدي اليوم ؟، وولى عامر مغضبا وهو يقول: لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطن على كل نخلة فرسا.
وقال عامر لأربد: إما أن تقتله، وأكفيكه، وإما أن أقتله، وأكفنيه.
قال أربد: اكفنيه، وأنا أقتله.
فانصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: إن لي إليك حاجة.
قال: اقترب.
فاقترب، حتى حنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسل أربد سيفه، وأبصر رسول الله بريقه، فتعوذ منه بآية من كتاب الله تعالى، فأعاذه الله منه، ويبست يده على السيف، فلم يقدر على شيء.
فلما رأى عامر أربد لا يصنع شيئا، انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال لأربد: ما منعك منه ؟.
قال: إني لما سللت بعض سيفي، يبست يدي، فوالله ما قدرت على سله.
قال ابن سلام: وذكر بعضهم أنه قال: لما أردت سل سيفي، نظرت فإذا فحل من الإبل، قطم، فاغرفاه، بين يديه، يهوي إلي، فوالله، لو سللته، لخفت أن يبتلع رأسي.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم أرحني منهما، واكفنيهما.
فأما أربد، فأرسل الله تعالى عليه صاعقة، فأحرقته.
وأما عامر فطعن في عنقه، فأخذته غدة كغدة الجمل، فلجأ إلى بيت امرأة من سلول.
فلما غشيه الموت، جعل يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية ؟ ثم مات.
وفي أربد، نزل قوله تعالى: " ويرسل الصواعق، فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال " .
وفي أربد يقول لبيد أخوه:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماء والأسل
أفجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجل
خرج ليغير فوقع على زيد الخيل
أخبرني محمد بن الحسن، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا ابن دريد، بإسناد ذكره عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: أخبرني شيخ من بني شيبان، قال: أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال فخرج رجل منهم بعياله حتى أنزلهم الحيرة.
وقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصيبكم من خيره، إلى أن أرجع إليكم.
وخرج على وجهه لما قد حل به، يؤمل أن يكسب ما يعود به على عياله، وقد جهده الفقر، وبلغ به الطوى.
فحدث، قال: مشيت يوما وليلة، بحيث لا أدري إلى أين أتوجه، غير أني أجوب في البلاد.
فلما كان من الغد عشاء، إذا بمهر مقيد حول خباء، فقلت: هذا أول الغنيمة.
فحللته، فلم أذهب إلا قليلا، حتى نوديت: خل عن المهر، وإلا اختلجت مهجتك.
قال: فنزلت عنه، وتركته، ومضيت وقد تحيرت في أمري، واغتممت غما شديدا.
فسرت سبعة أيام، حتى انتهيت إلى موضع عطن أباعر، مع تطفيل الشمس، فإذا خباء عظيم، وقبة من أدم.

(1/196)


فقلت: ما لهذا الخباء بد من أهل، وما لهذه القبة بد من رب، وما لهذا العطن بد من إبل.
فنظرت في الخباء فإذا شيخ قد اختلفت ترقوتاه، وكأنه نسر.
قال: فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس، إذا أنا بفارس قد أقبل، لم أر قط فارسا أجمل منه، ولا أجسم، على فرس عظيم، ومعه أسودان يمشيان إلى جنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، وبركن حوله.
ونزل الفارس، وقال لأحد عبديه: احلب فلانة، ثم اسق الشيخ.
قال: فحلب في عس حتى ملأه، ثم جاء به فوضعه بين يدي الشيخ، وتنحى.
فكرع منه مرة، أو مرتين، ثم نزع، فثرت، فشربته.
فرجع العبد، فأخذ العس، فقال: يا مولاي، قد أتى على آخره.
قال: ففرح بذلك، وقال: احلب فلانة، فحلبها، ثم جاء بالعس، فوضعه بين يدي الشيخ.
فكرع منه كرعة واحدة، ثم نزع فثرت إليه، فشربت نصفه، وكرهت أن أتهم، إن أتيت على آخره.
ثم جاء العبد، وأخذ العس، وقال: يا مولاي، قد شرب.
قال: دعه، ثم أمر بشاة، فذبحت، وشوى للشيخ منها، وأكل هو وعبداه.
فأمهلت حتى ناموا، وسمعت الغطيط، فثرت إلى الفحل، فحللت عقاله، ثم ركبته، فاندفع بي، واتبعته الابل، فسللتها ليلتي كلها حتى أصبحت.
فلما أسفر الصبح، نظرت فلم أر أحدا، فسللتها سلا عنيفا، حتى تعالى النهار، فالتفت التفاتة، فإذا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبينته، فإذا هو فارس على فرس، وإذا هو صاحبي البارحة.
فعقلت الفحل، ونثلت كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل.
فدنا مني، وقال: حل عقاله.
فقلت: كلا - والله - لقد أضر بي الجهد، وخلفت نسيات، وصبية بالحيرة، وآليت أن لا أرجع إليهن إلا بعد أن أفيدهن خيرا، أو أموت.
قال: فإنك ميت، حل عقاله.
قلت: هوذاك.
قال: إنك لمغرور، أنصب لي خطامه، وفي خطامه خمس عجر، فنصبته.
قال: أين تريد أن أضع سهمي ؟.
قلت: في هذا الموضع.
قال: فكأنما وضعه بيده، حتى والى بين خمسة أسهم.
قال: فرددت نبلي، ودنا هو، فأخذ القوس والسيف.
وقال: ارتدف خلفي، ففعلت.
فقال لي، وقد عرف أني أنا الذي شربت اللبن عند الشيخ: ما ظنك بي ؟ قلت: أحسن الظن، مع ما لقيت مني من تعب ليلتك، وقد أظفرك الله بي.
فقال: أترى كنا يلحقك منا سوء، وقد بت تنادم مهلهلا ليلتك.
قلت: زيد الخيل أنت ؟.
قال: نعم، أنا زيد الخيل.
قلت: كن خير آخذ.
قال: ليس عليك بأس.
فمضى إلى موضعه الذي كان به، ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك، ولكنها لابنة مهلهل، فأقم عندي، فإني على شرف غارة.
فأقمت أياما، ثم أغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير.
فقال: هذه أحب إليك، أم تلك ؟ فقلت: هذه، فأعطانيها.
قال: فقلت: ابعث معي خفراء، ففعل.
وعدت إلى وطني، وفرج الله بكرمه عني، وأصلح حالي.
منع الله سوارا من الطعام والشراب وجاء به حتى أقعده بين يديك
ذكر محمد بن إسحاق بن أبي العشير، عن إسحاق بن يحيى بن معاذ، وقال: حدثني سوار، صاحب رحبة سوار، قال: انصرفت من دار المهدي، فلما دخلت منزلي، دعوت بالغداء، فحاشت نفسي، فأمرت به فرد.
ثم دعوت بالنرد، ودعوت جارية لي ألاعبها، فلم تطب نفسي بذلك، ودخلت القائلة، فلم يأخذني النوم.
فنهضت، وأمرت ببغلة لي شهباء، فأسرجت، فركبتها، فلما خرجت استقبلني وكيل لي ومعه ألفا درهم.
فقلت له: ما هذا ؟.
فقال: ألفا درهم، جبيتها من مستغلك الجديد.
قال: قلت: أمسكها معك، واتبعني.
قال: ومضيت، وخليت رأس البغلة، حتى عبرت الجسر، ثم مضت بي في شارع دار الرقيق، حتى انتهيت إلى الصحراء، ثم رجعت إلى باب الأنبار، فطوفت، فلما صرت في شارع باب الأنبار، انتهيت إلى باب دار لطيف، عنده شجرة، وعلى الباب خادم، فوقفت، وقد عطشت.
فقلت للخادم: أعندك ما تسقينيه ؟.
قال: نعم فأخرج قلة نظيفة طيبة الريح، عليها منديل، فناولنيها، فشربت.
وحضر وقت العصر، فدخلت مسجدا، فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي، إذا أنا بأعمى يتلمس.
قلت: ما تريد يا هذا ؟.
قال: إياك أريد.
قلت: وما حاجتك ؟.
فجاء، حتى قعد إلي، فقال: شممت منك رائحة الطيب فتخيلت أنك من أهل النعمة، فأردت أن ألقي إليك شيئا.
فقلت: قل.
قال: أترى هذا القصر ؟.
قلت: نعم.

(1/197)


قال: هذا قصر كان لأبي، فباعه، وخرج إلى خراسان، وخرجت معه، فزالت عنا النعمة التي كنا فيها، فأتيت صاحب الدار، لأسأله شيئا يصلني به فإني في ضنك شديد، وضغطة عظيمة، ورزوح حال قبيح، وأصير إلى سوار، فإنه كان صديقا لأبي.
قلت: ومن أبوك ؟.
قال: فلان بن فلان، فإذا أصدق الناس - كان - لي.
فقلت: يا هذا، إن الله قد أتاك بسوار، منعه الطعام والشراب والنوم، حتى جاء به فأقعده بين يديك.
ثم دعوت الوكيل، وأخذت منه الألفي درهم، فدفعتها إليه، وقلت له: إذا كان غدا، فصر إلي، إلى المنزل.
ثم مضيت، فقلت: ما أحدث المهدي، بشيء أطرف من هذا، فأتيته، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فحدثته بالحديث، فأعجب به، وأمر لي بألفي دينار، فأحضرت.
فقال لي: ادفعها إليه.
قال: فنهضت، فقال لي: اجلس، أعليك دين ؟.
قلت: نعم.
قال: كم مبلغه ؟.
قلت: خمسون ألف دينار.
فقال: تحمل إليك، فاقض بها دينك، فقبضتها.
فلما كان من الغد، أبطأ علي المكفوف، وأتاني رسول المهدي، يدعوني، فجئته.
فقال: فكرت في أمرك، فقلت: يقضي دينه، ثم يحتاج إلى الحيلة والقرض، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى.
قال: فقبضتها، وانصرفت، فجاءني المكفوف، فدفعت إليه الألفي دينار، وقلت له: قد رزق الله خيرا كثيرا، وأعطيته من مالي ألفي دينار أخرى، فقبض أربعة آلاف دينار، ودعا لي، وقال: والله، ما ظننت أني أصل منك، ولا من أحد من أهل هذه البلاد، إلى عشر هذا المال، فجزاك الله خيرا.
عروة بن أذينة يفد على هشام بن عبد الملك
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري، عن يحيى بن عروة بن أذينة، قال: أضاق أبي، إضاقة شديدة، وتعذرت عليه الأمور، فعمل شعرا امتدح به هشام بن عبد الملك.
ودخل عليه في جملة الشعراء، فلما دخلوا عليه، نسبهم، فعرفهم جميعا وقال لأبي: أنشدني قولك: لقد علمت ....، فأنشده:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنيني
وأي حظ امرئ لا بد يبلغه ... يوما ولا بد أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وعلقة من قليل العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا ديني
أقوم بالأمر إما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكين
وكم عدو رماني لو قصدت له ... لم يأخذ البعض مني حين يرميني
وكم أخ لي طوى كشحا فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطويني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
فقال هشام: ألا جلست في بيتك، حتى يأتيك رزقك ؟.
قال: وغفل عنه هشام، فخرج من وقته، وركب راحلته، ومضى منصرفا.
فافتقده هشام، فسأل عنه، فعرف خبره، فأتبعه بجائزة.
فمضى الرسول، فلحقه على ثلاثة فراسخ، وقد نزل على ماء يتغدى عليه.
فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: أردت أن تكذبنا، وتصدق نفسك ؟ هذه جائزتك.
فقال: قل له: قد صدقني الله، وأتاني برزقي بحمده.
قال يحيى: وفرض له فريضتين، كنت في إحداهما.
أبو أيوب المورياني يجيز ابن شبرمة بخمسين ألف درهم
قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا أسمع، في المسجد الجامع بالبصة، حدثكم الغلابي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن ميثم، وقد كان جاز المائة سنة، قال: سمعت ابن شبرمة، يقول: زوجت ابني على ألفي درهم، وما هي عندي، فطولبت بها، فصرت إلى أبي أيوب المورياني، فقلت له: إني اخترتك لحاجتي، وعرفته خبري، فأمر لي بألفي درهم، فشكرته وقمت.
فقال: اجلس، ألا تريد خادما ؟.
قال: فقلت: إن رزق الله.
قال: وهذه ألفان لخادمك، ألا تريد نفقة ؟ ألا تريد كذا ؟، وجعل يعدد ويعطيني.
حتى قمت على خمسين ألف درهم، وصلني بها.
ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، هذا الخبر، بلا إسناد، على قريب من هذا.
الواثق يطرد أحمد بن الخصيب من حضرته ثم يعفو عنه

(1/198)


حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك الكاتب، وكان يعرف بالديناري، لما بين أبيه الحسن بن رجاء، وبين دينار بن عبد الله، من القرابة، فإنهما كانا ابني خالة، على ما أخبرني، قال: حدثني أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري الكاتب، جد أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن مقلة لأمه، قال: لما تخلص أبو أيوب سليمان بن وهب، من نكبة المعتمد، وكنت أكتب له، وجلس في منزله، أمرني أن أكتب إلى العمال الذين ضياعه في أعمالهم، كتبا أعرفهم فيها رجوع الخليفة له، وتبينه باطل ما أنهي إليه، وحمل به عليه، وأخاطبهم عنه في أمر ضياعه وأسبابه.
فكتبت نسخة، قلت فيها: إن أمير المؤمنين - أعزه الله - لما وقف على تمويه من موه عليه في أمرنا، فعل وصنع.
فلما وقف على هذا الفصل، خط على هذا الحرف، وأبدله بغيره، ولم يغير في النسخة سواه.
وقال لي: إذا فرغت من تحرير الكتب، فأذكرني بالتمويه، أحدثك بما كرهته له.
قال: فحررت الكتب، فلما خلا، سألته: لم ضرب على التمويه ؟، فقال: نعم لما غضب علي الواثق، وعلى أحمد بن الخصيب، بسبب إيتاخ، وأشناس، كانت موجدته علينا بسبب واحد، وحبسه لنا في معنى واحد، فمكثنا في الحبس والقيد، إلى أن كلم فينا، فأمر بإحضارنا.
فقلت لأحمد بن الخصيب: قد دعانا، وأظن أنه سيوبخنا، ويعدد علينا ما قرفنا به عنده، ليخرج ما في نفسه، فيعظم منته علينا، بما يأتيه من إطلاقنا، وأعرف عجلتك، وتسرعك إلى ما يضرك، وكأني بك حين يبتدئ بتقريعنا، قد قطعت كلامه، وأنحيت عليه بلسانك ويديك، فأنشأت لنا استئناف غضب وموجدة، وأكسبتنا شرا مما قد أملنا الخلاص منه.
فقال لي: فما أعمل ؟.
قلت: لست أحسبك تتهمني على نفسي ولا عليك، ولا تشك أننا حبسنا لقضية واحدة، فولني جوابه، وأعرني سكوتك، ودعني أرفق به، وأخدعه بما تخدع به الملوك، فلعلنا نتخلص من المكروه الذي نحن فيه.
قال: أفعل.
فاستحلفته على ذلك، فحلف لي.
فلما دخلنا الصحن، وجدنا الخليفة يستاك، وبين يديه طست ذهب، وإبريق ذهب، بيد فراش قائم، وبيد الخليفة مسواك طوله ذراعان.
فلما رآنا، قال: أحسنت إليكما، واصطنعتكما، فخنتماني، وكفرتما نعمتي، وفعلتما، وصنعتما.
فكأني - والله - إنما أوصيت أحمد بن الخصيب، ألا يدعه ينطق.
فقال له، وقد رفع يديه في وجهه: لا والله يا أمير المؤمنين، ما بلغك عنا الحق، ولا فعلنا شيئا مما سعي بنا، ولقد موه عليك في أمرنا.
فقال: إنما يموه على غبي مثلك، فأومأت إليه بعيني، فأمسك بعض الإمساك.
وعاد الواثق يتمم كلامه، ويعدد علينا نعمه ومننه، فما ملك أحمد نفسه، أن رفع يده، وقال: والله يا أمير المؤمنين، ما كفرنا نعمتك، ولا فعلنا، ولا صنعنا، إنما موه على أمير المؤمنين في أمرنا.
فقال: يا جاهل، قد عدت لها، إنما يجوز التمويه على أحمق مثلك، وأومأت إليه بعيني، فأمسك.
وعاد الواثق في كلامه، فما انضبط أحمد أن رد قوله، وجاء بالتمويه.
فحين سمعها الواثق، انقلبت عيناه في أم رأسه، واستشاط غضبا، وأغلظ له في الشتم، وحذفه بالمسواك، فلولا أنه زاغ عنه، لهشم وجهه، وأعمى عينه.
ثم قال: يا غلمان، أخرجوه إلى لعنة الله، فأخرج أخزى خلق الله.
ونالني من الجزع، والغم، والحيرة في أمره، أمر عظيم، ولم أدر، أقف، أم أمضي، وخفت إن وقفت، أن يقول: ما وقوفك بين يدي، وقضيتكما واحدة، وإن مضيت أن نرد جميعا إلى الحبس، فرجعت أتقهقر عن موضعي قليلا، كأني أريد الخروج.
فقال لي: مكانك أنت يا سليمان، هب هذا على ما هو عليه، أنت أيضا، تنكر أنك فعلت كذا، وصنعت كذا ؟.
فوجدت السبيل إلى ما أردت، فلم أزل أعترف، وألزم نفسي الجناية، وأديم الخضوع والاستعطاف، وأسأل الصفح والإقالة، إلى أن قال: قد عفوت عنك، فقبلت الأرض، وبكيت.
فقال: إخلعوا عليه، وأصرفوه إلى منزله، وليلزم الدار على عادته ورسمه.
فلما وليت، قال: وذلك الكلب، قد كنت أردت العفو عنه، فأخرجني عن حلمي سوء أدبه، فاخلعوا عليه أيضا.
فخرجت، وإذا بأحمد في بعض الممرات، فعرفته الخبر، ثم قلت له: يا هذا كدت أن تأتي علينا، أرأيت أحدا يكرر على الخليفة لفظة قد كرهها، وأنكرها، ثلاث مرات ؟ أو ما علمت أن التمويه في الحقيقة ضرب من السخرية ؟ قال: فلم يخرج من قلبي فزع التمويه، من ذلك الوقت، إلى الآن.

(1/199)


غضب الرشيد على مروان بن أبي حفصة لمدحه معن بن زائدة وضربه مائة سوط
حدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسطي السراج، المكفوف المعروف بأبي أحمد الحارثي، قال: حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه، قال: بعث إلي الرشيد في وقت لم تكن عادته أن يستدعيني في مثله، وجاءني الرسول بوجه منكر، فأحضرني إحضارا عنيفا منكرا مستعجلا، فوجلت وجلا شديدا، وخفت، وجزعت.
فدخلت، فإذا الرشيد على بساط عظيم، وإلى جانبه كرسي خيزران، عليه جويرية خماسية، فسلمت، فلم يرد علي، ولا رفع رأسه إلي، وجعل ينكت الأرض بإصبعه.
فقلت: سعي بي عنده بباطل، يهلكني قبل كشفه، وأيست من الحياة.
فرفع رأسه، وقال: يا أصمعي، ألا ترى الدعي بن الدعي، اليهودي، عبد بني حنيفة، مروان بن أبي حفصة، يقول لمعن بن زائدة، وإنما هو عبد من عبيدنا:
أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما لا نريد به زيالا
وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا
فقال: إن النوال قد ذهب، مع بقائنا، فما يصنع بنا إذن ؟، ولم يرض حتى جعلني وخاصتي، عيالا لمعن، والله، لأفعلن به ولأصنعن.
فقلت: يا أمير المؤمنين، عبد من عبيدك، أنت أولى بأدبه، أو العفو عنه.
فقال: علي بمروان، فدخل عليه.
فقال: السياط، فأخذ الخدم يضربونه بها، وهو يصيح: يا أمير المؤمنين، ما ذنبي ؟ يا أمير المؤمنين، استبقني، إلى أن ضرب أكثر من مائة سوط.
فقال: يا أمير المؤمنين، اعف عني، واذكر قولي فيك، وفي آبائك.
فقال: يا غلام، كف عنه، ثم قال: ما قلت، يا كلب ؟.
فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أم تسترون هلالها
أم تدفعون مقالة عن ربه ... جبريل بلغها النبي فقالها
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها
فدعوا الأسود خوادرا في غيلها ... لا تولغن دماءكم أشبالها
قال: فأمر بإطلاقه، وأن يدفع إليه ثلاثون ألف درهم.
فلما خرج، قال: يا أصمعي تدري من هذه الصبية ؟.
قلت: لا أدري.
قال: هذه مؤنسة بنت أمير المؤمنين، فدعوت له ولها، وتأملته، فإذا هو شارب ثمل.
قال: قم فقبل رأسها.
فقلت: أفلت من واحدة، ودفعت إلى أخرى أشد منها، إن أطعته أدركته الغيرة فقتلني، وإن عصيته قتلني بمعصيتي له، فلما أحب الله عز وجل من تأخير أجلي، ألهمني أن وضعت كمي على رأسها، وقبلت كمي.
فقال: والله يا أصمعي، لو أخطأتها لقتلتك، أعطوه عشرة آلاف درهم، والحق بدارك.
فخرجت وأنا ما أصدق بالسلامة، فكيف بالحباء والكرامة.
أمدح بيت قالته العرب
قال المفضل بن محمد الضبي: أصبحت يوما ببغداد، في خلافة المهدي، وأنا من أشد الناس إضاقة وضرا، لا أدري ما أعمل، حيرة وفكرا.
فخرجت، فجلست على باب منزلي بالصراة، أفكر فيما أصنع، فإذا أنا برسول المهدي، قد وقف علي.
فقال: أجب أمير المؤمنين، فراعني، وساء ظني.
فقلت: أدخل، فألبس ثيابي.
فقال: ما إلى ذلك سبيل.
فاشتد جزعي، وخشيت أن يأخذني بما كان بيني وبين إبراهيم بن عبد الله ابن حسن بن حسن رضي الله عنهم.
فاستدعيت ثيابي، وجددت وضوءا على الباب، ولم أخبر أهلي بقصتي، ولا بما هجم من الغم علي.
وقلت: إن كان خيرا أو شرا، فسيبلغهم، فما معنى تعجيل الهم لهم.
ومضيت مع الرسول، حتى دخلت على المهدي، وأنا في نهاية الجزع، فسلمت، فرد علي السلام.
فقلت في نفسي: ليس إلا خيرا.
فقال: اجلس يا مفضل، فجلست.
فقال: أخبرني عن أمدح بيت قالته العرب.
فتبلدت ساعة، لا أذكر شيئا، ثم أجرى الله على لساني، أن قلت: قول الخنساء.
فأشرق وجهه، وقال: حيث تقول ماذا ؟.
فقلت: حيث تقول:
وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فاستبشر به، وقال: قد أخبرت هؤلاء بهذا، وأومأ إلى جماعة بين يديه، فلم يقبلوا مني.
قلت: كان أمير المؤمنين، أحق بالصواب منهم.
قال: يا مفضل، حدثني الآن.

(1/200)


قلت: أي الأحاديث ؟.
قال: أحاديث الأعراب فلم أزل أحدثه، بأحسن ما أحفظ منها، إلى أن كاد المنادي بالظهر أن ينادي.
ثم قال لي: كيف حالك يا مفضل ؟.
قلت: ما يكون حال رجل عليه عشرون ألف درهم دينا حالا، وليس في رزقه فضل لقضائها، وقصصت عيه قصة حالي ويومي في الإضافة.
فقال: يا عمر بن بزيع، ادفع إليه الساعة، عشرين ألف درهم يقضي بها دينه، وعشرين ألف درهم يصلح بها حاله، وعشرين ألف درهم يجهز بها بناته، ويوسع بها على عياله.
ثم قال: يا مفضل، ما أحسن ما قال ابن مطير، في مثل حالك:
وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها ... فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها
وكم قد رأينا من تكدر عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها
فأخذت المال، وانصرفت إلى بيتي بستين ألف درهم، بعد الإياس، وتوطين النفس على ضرب الرقبة.
بين الأصمعي والبقال الذي على باب الزقاق
وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي، قال: كنت بالبصرة، أطلب العلم، وأنا مقل، وكان على باب زقاقنا بقال، إذا خرجت باكرا يقول لي: إلى أين ؟ فأقول: إلى فلان المحدث، وإذا عدت مساء، يقول لي: من أين ؟ فأقول: من عند فلان الأخباري، أو اللغوي.
فيقول: يا هذا، اقبل وصيتي، أنت شاب، فلا تضيع نفسك، واطلب معاشا يعود عليك نفعه، وأعطني جميع ما عندك من الكتب، حتى أطرحها في الدن، وأصب عليها من الماء للعشرة أربعة، وأنبذه، وأنظر ما يكون منه، والله، لو طلبت مني، بجميع كتبك، جرزة بقل، ما أعطيتك.
فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام، حتى كنت أخرج من بيتي ليلا، وأدخله ليلا، وحالي - في خلال ذلك - تزداد ضيقا، حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي، وطال شعري، وأخلق وبي، واتسخ بدني.
فأنا كذلك، متحيرا في أمري، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي، فقال: أجب الأمير.
فقلت: ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟.
فلما رأى سوء حالي، وقبح منظري، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري، وعاد إلي، ومعه تخوت ثياب، ودرج فيه بخور، وكيس فيه ألف دينار.
وقال: قد أمرني الأمير، أن أدخلك الحمام، وألبسك من هذه الثياب، وأدع باقيها عندك، وأطعمك من هذا الطعام، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الطعمة، وأبخرك، لترجع إليك نفسك، ثم أحملك إليه.
فسررت سرورا شديدا، ودعوت له، وعملت ما قال، ومضيت معه، حتى دخلت على محمد بن سليمان، فسلمت عليه، فقربني، ورفعني.
ثم قال: يا عبد الملك، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين، فاعمل على الخروج إلى بابه، وانظر كيف تكون ؟.
فشكرته، ودعوت له، وقلت: سمعا وطاعة، سأخرج شيئا من كتبي وأتوجه.
فقال: ودعني، وكن على الطريق غدا.
فقبلت يده، وقمت، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي، وجعلت باقيها في بيت، وسددت بابه، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا، تحفظها.
وباكرني رسول الأمير محمد بن سليمان، وأخذني، وجاء بي إلى زلال قد اتخذ لي، وفيه جميع ما أحتاج إليه، وجلس معي، ينفق علي، حتى وصلت إلى بغداد.
ودخلت على أمير المؤمنين الرشيد، فسلمت عليه، فرد علي السلام.
وقال: أنت عبد الملك بن قريب الأصمعي.
قلت: نعم، أنا عبد أمير المؤمنين بن قريب الأصمعي.
قال: إعلم، أن ولد الرجل مهجة قلبه، وثمرة فؤاده، وهوذا أسلم إليك ابني محمدا بأمانة الله، فلا تعلمه ما يفسد عليه دينه، فلعله أن يكون للمسلمين إماما.
قلت: السمع والطاعة.
فأخرجه إلي، وحولت معه إلى دار، قد أخليت لتأديبه، وأخدم فيها من أصناف الخدم، والفرش، وأجرى علي في كل شهر عشرة آلاف درهم، وأمر أن تخرج إلي في كل يوم مائدة، فلزمته.
وكنت مع ذلك، أقضي حوائج الناس، وآخذ عليها الرغائب، وأنفذ جميع ما يجتمع لي، أولا، فأولا، إلى البصرة، فأبني داري، وأشتري عقارا، وضياعا.
فأقمت معه، حتى قرأ القرآن، وتفقه في الدين، وروى الشعر واللغة، وعلم أيام الناس وأخبارهم.
واستعرضه الرشيد، فأعجب به، وقال: يا عبد الملك، أريد أن يصلي بالناس، في يوم الجمعة، فاختر له خطبة، فحفظه إياها.
فحفظته عشرا، وخرج، فصلى بالناس، وأنا معه، فأعجب الرشيد به، وأخذه نثار الدنانير والدراهم من الخاصة والعامة، وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية، فجمعت مالا عظيما.

(1/201)


ثم استدعاني الرشيد، فقال: يا عبد الملك، قد أحسنت الخدمة، فتمن.
قلت: ما عسى أن أتمنى، وقد حزت أماني.
فأمر لي بمال عظيم، وكسوة كثيرة، وطيب فاخر، وعبيد، وإماء، وظهر، وفرش، وآلة.
فقلت: إن رأى أمير المؤمنين، أن يأذن لي في الإلمام بالبصرة، والكتاب إلى عامله بها، أن يطالب الخاصة والعامة، بالسلام علي ثلاثة أيام، وإكرامي بعد ذلك.
فكتب إليه بما أردت، وانحدرت إلى البصرة، وداري قد عمرت، وضياعي قد كثرت، ونعمتي قد فشت، فما تأخر عني أحد.
فلما كان في اليوم الثالث، تأملت أصاغر من جاءني، فإذا البقال، وعليه عمامة وسخة، ورداء لطيف، وجبة قصيرة، وقميص طويل، وفي رجله جرموقان، وهو بلا سراويل.
فقال: كيف أنت يا عبد الملك ؟.
فاستضحكت من حماقته، وخطابه لي بما كان يخاطبني به الرشيد.
وقلت: بخير، وقد قبلت وصيتك، وجمعت ما عندي من الكتب، وطرحتها في الدن، كما أمرت، وصببت عليها من الماء للعشرة أربعة، فخرج ما ترى.
ثم أحسنت إليه بعد ذلك، وجعلته وكيلي.
المنذر بن المغيرة الدمشقي أحد صنائع البرامكة قال مسرور الكبير: استدعاني المأمون، فقال لي: قد أكثر علي أصحاب أخبار السر، أن شيخا يأتي خرائب البرامكة، فيبكي وينتحب طويلا، ثم ينشد شعرا يرثيهم به، وينصرف، فاركب أنت وأيوب الخادم، والأصمعي، ودينار بن عبد الله، واستترا بالجدران، فإذا جاء الشيخ، فأمهلاه، حتى تشاهدان ما يفعل، وتسمعان ما يقول، فإذا أراد الانصراف، فاقبضا عليه، وأتياني به.
قال مسرور: فركبت أنا ودينار وأيوب الخادم مغلسين، فأتينا الموضع، فاختفينا فيه، وأبعدنا الدواب.
فلما كان آخر الليل، إذا بخادم أسود قد أقبل، ومعه كرسي حديد، فطرحه، وجاء على أثره كهل، فجلس على الكرسي، وتلفت يمينا وشمالا، فلم ير أحدا، فبكى وانتحب، حتى قلت: قد فارق الدنيا، وأنشأ يقول:
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
ثم بكى طويلا، وأنشأ يقول:
ولما رأيت جلل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليها وقلت الآن لا تنفع الدنيا
وذكر أبياتا طويلة، لا تدخل في كتابي هذا، فأرويها.
قال: فلما فرغ من إنشاده وقام، قبضنا عليه، فقال: ما تريدون ؟.
قلت: هذا دينار بن عبد الله، وهذا أيوب الخادم بالحرم، وهذا عبد الملك بن قريب الأصمعي، وأنا مسرور خادم أمير المؤمنين، وهو يستدعيك.
فأبلس، ثم قال: إني لا آمنه على نفسي فامهلاني حتى أوصي.
فقلت: شأنك وما تريد، فقام، وسار، ونحن معه، حتى أتى بعض دكاكين العلافين، بفرضة الفيل.
فاستدعى دواة وبياضا، وكتب فيها وصيته، ودفعها إلى الخادم الذي كان معه، وأنفذه إلى منزله، وسرنا به، حتى أدخلناه على المأمون، فلما مثل بين يديه، زبره، وانتهره.
ثم قال له: من أنت ؟ وبم استحق منك البرامكة ما تصنع في دورهم وخراباتهم ؟.
فقال: غير هائب، ولا محتشم: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة عندي أياد، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته بإحداها.
فقال: هات.
قال: أنا المنذر بن المغيرة الدمشقي، من ذوي الحسب، نشأت في ظل نعم قديمة، فزالت عني، كما تزول النعم عن الناس، حتى أفضيت إلى بيع مسقط رأسي وروس آبائي، وأملقت حتى لا غاية، فأشير علي بقصد البرامكة.
فخرجت من الشام إلى بغداد، ومعي نيف وعشرون امرأة وصبيا وصبية، فدخلت بهم مدينة السلام، فأنزلتهم في مسجد.
ثم عمدت إلى ثويبات كنت قد أعددتها للقاء الناس، والتذرع بها للبرامكة، فلبستها، وسلكت الطريق، لا أدري أين أقصد، وكنت كما قيل:
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراءه
فلما قال ذلك، بكى المأمون، فقال له مسرور: أقصر يا رجل، فقد أتعبت أمير المؤمنين بوصفك.
فقال له المأمون: دعه يتحدث بما يريد.

(1/202)


قال: نعم، وتركت عيالي جياعا لا نفقة لهم، ولا معهم ما يباع، فأفضيت إلى مسجد مزخرف، فيه جمع شيوخ، بأحسن زي، وأجمل هيأة، فطمعت في مخاطبتهم، فصعدت إلى المسجد، فجلست معهم، لم أزد على السلام، وجعلت أردد في صدري كلاما أخاطبهم به، فيحصرني التشور، ويخجلني ذل المسألة، ويحبسني عن الكلام، وأتصبب عرقا، حياء وخوفا من أن يقال لي: من أنت، وما تريد ؟ وما يمكنني الجواب، ولا أدري ما أخاطبهم به، إذ لم تكن لي عادة بالخوض في مثله.
فأنا كذلك، إذ جاء خادم فاستدعى القوم، فقاموا، وقمت معهم، ومضينا، فأدخلوا دارا ذات دهليز طويل، فدخلت معهم، وأفضينا إلى صحن واسع، وإذا شيخ بهي، فإذا هو يحيى بن خالد، على دكة أبنوس في صحن الدار، في وسط البستان، وله ميدان عنده بركة، وقد نصب عليها كراسي أبنوس.
وأقبل القوم، فجلسوا، وجلست معهم، وتأمل الخدم القوم وعددهم، فإذا نحن مائة رجل ورجل، فدخل الخدم وغابوا، ثم خرج مائة خادم وخادم، في يد كل واحد منهم مجمرة من ذهب، فيها قطعة كالفهر من عنبر، والخدم بأفخر الثياب، عليهم مناطق الذهب المرصعة بالجوهر، وهم يطيفون بغلام، حين اخضر شاربه، حسن الوجه، فسجروا العنبر.
وأقبل يحيى على الزريقي القاضي، وقال: زوج ابن أخي هذا، بابنتي عائشة على صداق قدره مائة ألف درهم.
فخطب، وعقد النكاح، وأخذنا النثار من فتات المسك، وبنادق العنبر، وتماثيل الند الصغار، والتقط الناس، والتقطت.
ثم جاء مائة خادم وخادم، في يد كل واحد منهم صينية فضة فيها ألف دينار، مخلوطة بالمسك، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية.
فأقبلت الجماعة تكور الدنانير في أكمامها، وتأخذ الصواني تحت آباطها، وتنصرف، الأول، فالأول، حتى بقيت وحدي، لا أجسر على أخذ الصينية وما فيها، والأسف، والحاجة، يمنعاني أن أقوم وأدعها، وأنا مطرق، مفكر.
حتى ضاق صدري، فرفعت رأسي، فغمزني بعض الخدم على أخذها والقيام، فأخذتها وقمت، وأنا لا أصدق، وجعلت أمشي وأتلفت، خوفا من أن يتبعني من يأخذها، ويحيى يلاحظني من حيث لا أعلم.
فلما قاربت الستر، رددت، فأيست من الصينية، فجئت - وهي معي - حتى قربت منه، فأمرني بالجلوس، فجلست.
فسألني عن حالي، وقصتي، ومن أنا، فصدقته، حتى إذا بلغت إلى تركي عيالي في المسجد، بكى.
ثم قال: علي بموسى، فجاء.
فقال: يا بني، هذا رجل من أبناء النعم، قد رمته الأيام بصروفها، والنوائب بحتوفها، فخذه، واخلطه بنفسك، واصطنعه.
فأخذني موسى إلى داره، فخلع علي من أفخر ثيابه، وأمر بحفظ الصينية لي، وقضيت على ذلك يومي وليلتي.
ثم استدعى أخاه العباس من الغد، وقال له: إن الوزير سلم إلي هذا الفتى، وأمرني فيه بكذا وكذا، وأريد أن أركب اليوم إلى دار أمير المؤمنين، فليكن عندك اليوم حتى أرتجعه غدا، فكان يومي عنده مثل أمسي.
وأقبلوا يتداولوني كل يوم، واحدا بعد واحد، وأنا قلق بأمر عيالي، إلا أنني لا أذكرهم إجلالا لهم.
فلما كان في اليوم العاشر، أدخلت إلى الفضل بن يحيى، فأقمت في داره يومي وليلتي.
فلما أصبحت، جاءني خادم من خدمه، فقال: يا هذا قم إلى عيالك وصبيانك.
فقلت: إنا لله، لم أحصل لهؤلاء الصبيان على الأكل والشرب، والصينية وما فيها، وما حصلته من النثار، ذهب، فليت هذا كان من أول يوم، وكيف أتوصل الآن إلى يحيى، وأي طريق له إليه.
وتلاعبت بي الأفكار مخافة اليأس، وأظلمت الدنيا في عيني، وقمت أجر رجلي، والخادم يمشي بين يدي، حتى أخرجني من الدار، فازداد إياسي، وما زال يمشي بين يدي حتى أدخلني إلى دار كأن الشمس تطلع من جوانبها، وفيها من صنوف الفرش والأثاث والآلات، ما يكون في مثلها.
فلما توسطتها، رأيت عيالي أجمعين فيها، يرتعون في الديباج والشفوف، وقد حمل إليهم مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، والصينية والنثار، وسلم إلي الخادم، صك ضيعتين جليلتين.
وقال: هذه الدار، وما فيها، والضياع بغلاتها، لك.
فأقمت مع البرامكة في أخفض عيش، وأجل حال، حتى نزلت بهم النازلة.
ثم قصدني عمرو بن مسعدة في الضيعتين، فألزمني في خراجهما، ما لا يفي به دخلهما.
فلحقتني شدة عظيمة، فكلما لحقتني نائبة واشتدت بي بلية، قصدت دورهم ومنازلهم، فبكيتهم، ورثيتهم، وشكرتهم، ودعوت لهم، على ما كان منهم إلي، وشكوت ما حل بي بعدهم، فأجد لذلك راحة.

(1/203)


قال: فاستدعى المأمون عمرو بن مسعدة، فلما أتي به، قال له: أتعرف هذا الرجل ؟.
قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة.
فأمره ان يرد على الرجل، كلما استخرج منه، وأن يقرر خراجه على ما كان عليه أيام البرامكة وأن يجعل له ضيعة أخرى من جملة الإيغارات يكون دخلها له ويتخذ به سجلا وأن يقضي حقه ويكرمه، فبكى الشيخ بكاء شديدا.
فقال له المأمون: ألم أستأنف إليك جميلا فما بكاؤك ؟.
فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين، وزدت على كل فضل وإحسان، ولكن هذا من بركة الله، وبركة البرامكة علي، وبقية إحسانهم إلي، فلو لم آت خراباتهم، فأبكيهم، وأندبهم، حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين، ففعل بي ما فعل، من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين.
فقال له المأمون: إمض مصاحبا، فإن الوفاء مبارك، وحسن العهد من الايمان.
البرامكة
جاء في الفخري 197: إن دولة آل برمك، كانت غرة في جبهة الدهر، وتاجا على مفرق العصر، فان يحيى وبنوه، كالنجوم زاهرة، والبحار زاخرة، والسيول دافقة، والغيوث ماطرة، أسواق الأدب عندهم نافقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية، والدنيا في أيامهم عامرة، وأبهة المملكة ظاهرة، وهم ملجأ الضعيف، ومعتصم الطريد، وفيهم يقول أبو نؤاس:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد
وقال الجاحظ: البرامكة محض الأنام، ولباب الكرام، وملح الأيام، عتق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة نفس، واكتمال خصال، العقد الفريد 5 - 28، وقال عنهم أيضا: إن أيامهم كانت رياض الأزمنة وفيات الأعيان 3 - 474.
وقال محمد بن جميل الكاتب: كان البرامكة شفاء سقام دهرهم، وغياث جدب عصرهم، وما زالوا كهفا للاجئين، ومفزعا للملهوفين قطب السرور 63.
وقال القاضي التنوخي، في امتداح مجلس من مجالس الوزير المهلبي: كأنه من مجالس البرامكة نشوار المحاضرة القصة رقم 1 - 28.
وقال سليمان بن وهب، لشخص أحسن إليه: إنك قد فعلت ما لم تفعله البرامكة القصة 165 من هذا الكتاب.
وقال صالح، صاحب المصلى: إن الدهر لا يخلف مثل يحيى أبدا القصة 371 من هذا الكتاب.
وقال إسحاق الموصلي، في الفضل بن يحيى البرمكي، سبحان الذي خلق هذا الرجل، وجبله على كرم بذ به من مضى ومن غبر المحاسن والمساوئ 2 - 22.
وحلف إسحاق الموصلي، بالله الذي لا إله إلا هو: ما رأيت أذكى من جعفر بن يحيى قط، ولا أفطن، ولا أعلم بكل شيء، ولا أفصح لسانا، ولا أبلغ في المكاتبة الأغاني 4 - 325.
وقال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكي والمأمون تاريخ الخلفاء 326.
وقال إبراهيم بن المهدي: ما رأيت أكمل من جعفر قط الأوراق للصولي، أشعار أولاد الخلفاء 34.
وأبو حيان التوحيدي، الذي كان كثير الغرام، بثلب الكرام معجم الأدباء 2 - 282 إذ لم يترك أحدا من رؤساء زمانه، إلا وشتمه، أثنى على البرامكة في كتابه أخلاق الوزيرين، فذكر أن معروفهم كان يسع الصغير والكبير، ويعم الغني والفقير أخلاق الوزيرين 489، ونقل في كتابه كذلك ما أورده محمد بن داود الجراح، في كتابه أخبار الوزراء، في الثناء عليهم، فقال: كان آل برمك أندى من السحاب أخلاق الوزيرين 380.
وفي محاضرات الأدباء 3 - 198: إن امرأة بجعفر بن يحيى، وقد صلب، فقالت: لئن صرت اليوم راية، لقد كنت بالأمس غاية.
وفي تحفة المجالس 179: إن البرامكة كانوا يقصدون من آفاق الأرض، وقال أعرابي قصدهم من اليمن: قصدت هؤلاء الأمجاد، الذين انتشر صيتهم في البلاد.
وكان للبرامكة من السخاء والكرم، ما لم يكن لأحد من الناس، وكانوا يخرجون بالليل سرا، ومعهم الأموال يتصدقون بها، وربما دقوا على الناس أبوابهم، فيدفعون إليهم الصرة، بين الثلاثة آلاف إلى الخمسة آلاف، أو الأكثر من ذلك، والأقل، وربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس - لاعتيادهم ذلك - يعدون إلى العتب، إذا أصبحوا، يطلبون ما القي فيها المحاسن والمساوئ 1 - 150.
وقال فيهم الشاعر: وفيات الأعيان 4 - 35.
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع
إن كان شر كان غيرهم له ... والخير منسوب إليهم أجمع
وقال أبو نؤاس: وفيات الأعيان 5 - 59

(1/204)


إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الجميل فعلموه الناسا
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا مما بنوه أساسا
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طول البقاء لباسا
وقال أشجع السلمي، يذكر أيامهم: وفيات الأعيان 1 - 336
كأن أيامهم من حسن بهجتها ... مواسم الحج والأعياد والجمع
وأصبح جود البرامكة، على تمادي الأيام، مضرب المثل، قال الجماز: جاءنا فلان، بمائدة، كأنها زمن البرامكة على العفاة زهر الأداب 2 - 3 والملح والنوادر 236.
والبغداديون، إلى وقتنا هذا، يذكرون البرامكة، ويصفون الرجل الكريم النفس، السخي اليد، بأنه: برمكي.
وعمت شهرة البرامكة بالجود، جميع أنحاء الدنيا، بحيث أن المقري في نفح الطيب 3 - 109 أمتدح أحد أمراء الموحدين بالأندلس، فوصفه بأن له حكايات في الجود برمكية.
وقد أنكر صاعد، وزير الموفق، ما يذكر عن البرامكة، وقال: هذه أقاصيص من صنع الوراقين، فقال له أبو العيناء: لم لا يكذب على الوزير - أعزه الله - مثل هذا الكذب، وهو حي، يرجى ويخاف، وأولئك موتى، مأيوس من خيرهم وشرهم، القصة 1 - 1 من نشوار المحاضرة.
وبالنظر لعدم وجود سبب واضح عن نكبتهم، فقد خبط المؤرخون خبطا في الاستنتاج، وذكر كل واحد منهم سببا، أو أكثر من سبب، فادعى بعضهم أن السبب سياسي، وأنهم أرادوا قلب الدولة، وقال بعضهم: أن ثمة سببا يتعلق بزواج جعفر، زواجا لم يرضه الخليفة، وهذا كله لا أصل له، فإن البرامكة، لو أرادوا قلب الدولة، لحاولوا ذلك عندما كانت خراسان في قبضتهم، وأما قضية الزواج، فهي أقصوصة لا تعلق بقبول، ولا تدخل في معقول، والذي يظهر للمتأمل، أن استئثار البرامكة بالحكم، وانقياد الناس لهم، ولهجتهم بالثناء عليهم، والتعلق بهم، أثار غيرة الرشيد، وأشعل نار هواجسه، وصادف وجود دساسين، من رجال الحاشية، ممن يرغب في انتقال السلطة من البرامكة إليهم، مثل الفضل بن الربيع، وعلي بن عيسى بن ماهان، وأحمد بن صبيح، فتظافروا، وأغروا الرشيد بهم، فوجدوا منه أذنا سامعة، وكانت الخيزران، أم الرشيد، حامية البرامكة، قد توفيت في السنة 173، فلم يكد الرشيد يودعها قبرها، حتى دعى الفضل ابن الربيع، وأمره بأخذ الخاتم من جعفر، وحلف له إنه كان يهم بأن يوليه، فتمنعه أمه، فيطيع أمرها الطبري 8 - 238.
ولعل أصح ما ورد في هذا الباب، ما ذكره ابن خلكان في كتاب وفيات الأعيان 1 - 335، قال: سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد، فقال: والله، ما كان منهم ما يوجب بعض ما عمل الرشيد بهم، ولكن طالت أيامهم، وكل طويل مملول، ووالله، لقد استطال الناس، الذين هم خير الناس، أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما رأوا مثلها عدلا، وأمنا، وسعة أموال، وفتوح، وأيام عثمان رضي الله عنه، حتى قتلوهما، ورأى الرشيد - مع ذلك - أنس النعمة بهم، وكثرة حمد الناس لهم، ورميهم بآمالهم دونه، والملوك تتنافس بأقل من هذا، فتعنت عليهم، وتجنى، وطلب مساويهم، ووقع منهم بعض الإدلال، خاصة جعفر والفضل، دون يحيى، فإنه كان أحكم خبرة، وأكثر ممارسة للأمور، ولاذ من إعدائهم قوم بالرشيد، كالفضل بن الربيع، وغيره، فستروا المحاسن، وأظهروا القبائح، حتى كان ما كان.
ويؤيد هذا الرأي، ما روي عن هرون الرشيد أنه قال: إن الدالة تفسد الحرمة، وتنقص الذمة، ومنها أتي البرامكة كتاب الآداب لمجد الملك جعفر بن شمس الخلافة ص20.

(1/205)


وقد ذهب المؤرخ ابن خلدون، إلى هذا الرأي، قال: إنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة، واحتجانهم أموال الجباية، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، فغلبوه على أمره، وشاركوه في سلطانه، ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه، فعظمت آثارهم، وبعد صيتهم، وعمروا مراتب الدولة وخططها، بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم، واحتازوها عمن سواهم، من وزارة، وكتابة، وقيادة، وحجابة، وسيف، وقلم، ويقال إنه كان بدار الرشيد، من ولد يحيى بن خالد، خمسة وعشرون رئيسا، من بين صاحب سيف وصاحب قلم، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب، ودفعوهم عنها بالراح، لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون، ولي عهد، وخليفة، حتى شب في حجره، ودرج من عشه، وغلب على أمره، وكان يدعوه: يا أبت، فتوجه الإيثار من السلطان إليهم، وعظمت الدالة منهم، وانبسط الجاه عندهم، وانصرفت نحوهم الوجوه، وخضعت لهم الرقاب، وتخطت إليهم من أقصى التخوم، هدايا الملوك، وتحف الأمراء، وسيرت إلى خزائنهم، في سبيل التزلف والإستمالة، أموال الجباية، وأفاضوا في رجال الشيعة يريد شيعة بني العباس وعظماء القرابة، العطاء، وطوقوهم المنن، وكسبوا من بيوتات الأشراف، المعدم، وفكوا العاني، ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم، وأسنوا لعفاتهم الجوائز والصلات، واستولوا على القرى والضياع، حتى آسفوا البطانة، وأحقدوا الخاصة، وأغصوا أهل الولاية تاريخ ابن خلدون 1 - 13 و14.
وذكر صاحب الأغاني 18 - 303: أن الرشيد ندم على قتله البرامكة، وربما بكى عليهم في بعض المجالس.
وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان 6 - 228 و229 نقلا عن الجهشياري: أن الرشيد ندم على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسر على ما فرط منه في أمرهم، وخاطب جماعة من إخوانه، بأنه لو وثق منهم بصفاء النية، لأعادهم إلى حالهم، وكان الرشيد كثيرا ما يقول: حملونا على نصحائنا وكفاتنا، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صرنا إلى ما أرادوا، لم يغنوا عنا، وأنشد:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
راجع بعض أخبار البرامكة في المحاسن والمساوئ 1 - 140 و141 و151 - 162 وراجع في العقد الفريد 5 - 62 - 65 الحوار الذي جرى بين هارون الرشيد وبين فاطمة بنت محمد بن الحسن بن قحطبة، أم جعفر البرمكي. وهي أم الرشيد بالرضاعة، وراجع بشأن الثناء على البرامكة، القصة 1 - 2 و1 - 3 من كتاب نشوار المحاضرة للتنوخي، وراجع كذلك في كتاب الأوراق للصولي أشعار أولاد الخلفاء ص47 الحوار الذي جرى بين الرشيد وبين أخته علية حول مقتل جعفر البرمكي، وراجع في كتاب جواهر الأدب من خزائن العرب ص418 قصة عن الفضل وجعفر، رواها محمد بن عبد الرحمن الهاشمي، صاحب صلاة الكوفة، وراجع الطبري 8 - 300 - 302 والأغاني ط بولاق 20 - 31.
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
بلغني أنه كان بالكوفة رجل من أهل الأدب والظرف، يعاشر الناس، وتأتيه ألطافهم، فيعيش بها.
ثم انقلب الدهر عليه، فأمسك الناس عنه، وجفوه حتى قعد في بيته، والتجأ إلى عياله، فشاركهن في فضل مغازلهن، واستمر ذلك عليه، حتى نسيه الناس، ولزمه الفقر.
قال: فبينما أنا ذات ليلة في منزلي، على أسوء حال، إذا وقع حافر دابة، ورجل يدق بابي، فكلمته من وراء الباب.
فقلت: ما حاجتك ؟.
فقال: إن أخا لك لا أسميه، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إني رجل مستتر، ولست آنس بكل أحد، فإن رأيت أن تصير إلي، لنتحدث ليلتنا.
فقلت في نفسي: لعل جدي أن يكون قد تحرك ؟ ثم لم أجد لي ما ألبسه، فاشتملت بأزار امرأتي، وخرجت، فقدم إلي فرسا مجنوبا كان معه، فركبته.
إلى أن أدخلني إلى فتى من أجل الناس وأجملهم وجها، فقام إلي، وعانقني، ودعا بطعام فأكلنا، وبشراب فشربنا، وأخذنا في الحديث، فما خضت في شيء إلا سبقني إليه.
حتى إذا صار وقت السحر، قال: إن رأيت أن لا تسألني عن شيء من أمري، وتجعل هذه الزيارة بيني وبينك، إذا أرسلت إليك فعلت، وها هنا دراهم تقبلها، ولا تردها، ولا يضيق بعدها عنك شيء، فنهضت، فأخرج إلي جرابا مملوءا دراهم.
فدخلتني أريحية الشراب، فقلت: اخترتني على الناس للمنادمة، ولسرك، وآخذ على ذلك أجرا ؟ لا حاجة لي في المال.

(1/206)


فجهد بي، فلم آخذه، وقدم إلي الفرس، فركبته، وعدت إلى منزلي، وعيالي متطلعون لما أجيء به، فأخبرتهم بخبري.
وأصبحت نادما على فعلي، وقد ورد علي وعلى عيالي، ما لم يكن في حسابنا.
فمكثت حينا، لا يأتي إلي رسول الرجل، إلى أن جاءني بعد مدة، فصرت إليه، فعاودني بمثل ذلك الفعل، فعاودته بالامتناع، وانصرفت مخفقا، فأقبلت امرأتي علي باللوم والتوبيخ.
فقلت لها: أنت طالق ثلاثا إن عاودني ولم آخذ ما يعطيني.
فمكثت مدة أطول من الاولة، ثم جاءني رسوله، فلما أردت الركوب، قالت لي امرأتي: يا ميشوم اذكر يمينك، وبكاء بناتك، وسوء حالك.
فصرت إلى الرجل، فلما أفضينا إلى الشراب، قلت له: إني أجد علة تمنعني منه، وإنما أردت أن يكون رأيي معي.
فأقبل الرجل يشرب، وأنا أحادثه، إلى أن انبلج الفجر، فأخرج الجراب، وعاودني، فأخذته، فقبل رأسي، وشكرني على قبول بره، وقدم إلي الفرس، فانصرفت عليه، حتى انتهيت إلى منزلي، فألقيت الجراب.
فلما رآه عيالي، سجدن لله شكرا، وفتحناه، فإذا هو مملوء دنانير.
فأصلحت منه حالي، واشتريت مركوبا، وثيابا حسنة، وأثاثا، وضيعة قدرت أن غلتها تفي بي، وبعيالي بعدي، واستظهرت على زماني ببقية الدنانير.
وانثال الناس علي، يظهرون السرور بما تجدد لي، وظنوا أني كنت غائبا في انتجاع ملك، فقدمت مثريا، وانقطع رسل الرجل عني.
فبينما أنا أسير يوما بالقرب من منزلي، فإذا ضوضاء عظيمة، وجماعة مجتمعة.
فقلت: ما هذا ؟.
قالوا: رجل من بني فلان، كان يقطع الطريق، فطلبه السلطان، إلى أن عرف خبره ها هنا، فهجم عليه، وقد خرج على الناس بالسيف، يمنع نفسه.
فقربت من الجمع، وتأملت الرجل، فإذا هو صاحبي بعينه، وهو يقاتل العامة، والشرط، ويكشف الناس، فيبعدون عنه، ثم يتكاثرون عليه ويضايقونه.
فنزلت عن فرسي، وأقبلت أقوده، حتى دنوت منه، وقد انكشف الناس عنه.
فقلت: بأبي أنت وأمي، شأنك والفرس، والنجاة، فاستوى على ظهره، فلم يلحق.
فقبض علي الشرط، وأقبلوا علي، يلهزوني، ويشتموني، حتى جاءوا بي إلى عيسى بن موسى، وهو والي الكوفة، وكان بي عارفا.
فقالوا: أيها الأمير، كدنا أن نأخذ الرجل، فجاء هذا، فأعطاه فرسا نجا عليه.
فاشتد غضب عيسى بن موسى، وكاد أن يوقع بي، وأنا منكر لذلك.
فلما رأيت المصدوقة، قلت: أيها الأمير، أدنني إليك، أصدقك.
فاستدناني، فشرحت له ما كان أفضت بي الحال إليه، وما عاملني به الرجل، وأني كافأته بجميل فعله.
فقال لي سرا: أحسنت، لا بأس عليك.
ثم التفت إلى الناس فقال: يا حمقى، هذا يتهم ؟ إنما لفظ حافر فرسه حصاة، فقاده ليريحه، فغشيه رجل مستقتل، بسيف ماض، قد نكلتم عنه بأجمعكم، فكيف كان هو يدفعه عن فرسه ؟ انصرفوا، ثم خلى سبيلي.
فانصرفت إلى منزلي، وقد قضيت ذمام الفتى، وحصلت النعمة بعد الشدة، وأمنت عواقب الحال، وكان آخر عهدي به.
جعفر بن سليمان أمير البصرة يصفح عمن سرق منه جوهرا
سرق لجعفر بن سليمان الهاشمي جوهر فاخر بالبصرة، وهو أميرها، فجهد أن يعرف له خبرا، فخفي عليه، فأقلقه ذلك، وغاظه، وجد بالشرط وضربهم، وألزمهم إظهاره، فجدوا في الطلب.
فلما كان بعد شهور، أتاه بعضهم برجل وجده في ساباط اللؤلؤ، يبيع درة فاخرة من ذلك الجوهر، قد قبض عليه، وضربه ضربا عظيما إلى أن أقر، فأخبر جعفر بخبره، فأذن بدخوله.
فلما رأى الرجل جعفرا، استغاث به، وبكى، ورققه، فرحمه جعفر، وقال: ألم تكن طلبت مني هذه الدرة في وقت كذا، فوهبتها لك ؟.
فقال: بلى.
فقال للشرط: خلوا عنه، واطلبوا اللص.
أخذ الصينية من لا يردها ورآه من لا ينم عليه
وروت الفرس قريبا من هذا، فذكروا أن بعض ملوكهم، سخط على حاجب له سخطا شديدا، وألزمه بيته، وكان فيه كالمحبوس، وقطع عنه أرزاقه وجراياته، فأقام على ذلك سنين، حتى تهتك، ولم تبق له حال.
ثم بلغه أن الملك قد أتخذ سماطا عظيما، يحضره الناس في غد يومه ذلك، فراسل أصدقاءه، وأعلمهم أن له حقا يحضره لبعض ولده، واستعار منهم دابة بسرجه ولجامه، وغلاما يسعى بين يديه، وخلعة يلبسها، وسيفا، ومنطقة، فأعير ذلك، فلبسه، وركب الدابة، وخرج من منزله، إلى أن جاء إلى دار الملك.

(1/207)


فلما رآه البوابون لم يشكوا في أنه ما أقدم على ذلك إلا بأمر الملك، وتذمموا لقديم رئاسته عليهم، فأشفقوا من عودها أن يحجبوه إلى أن يستثبتوا.
ودخل هو مظهرا القوة بأمر نفسه، ولم تزل تلك حاله، مع طائفة، حتى وصل إلى الملك، وقد أكل، وهو جالس يشرف.
فلما رآه الملك قطب، وأنكر حضوره، وهم بأن يأمر به، وبالحجاب، والبوابين، فكره أن ينغص يوما قد أفرده بالسرور على نفسه.
وأقبل الرجل يخدم، فيما كان يخدم فيه قديما، فازدادت الحال تمويها على الحجاب والحاشية، إلى أن كاد المجلس ينصرم، وغفل أكثر من كان حاضرا عنه.
فتقدم إلى صينية ذهب زنتها ألف مثقال، مملؤة مسكا، فأخذها بخفة، وجعل المسك في كمه، والصينية في خفه، والملك يراه.
وخرج، وعاد إلى منزله، ورد العواري إلى أهلها، وباع المسك، وكسر الصينية، وجعلها دنانير، واتسع بها حاله.
وأفاق الملك - من غد - من سكره، وسمع من يخدم في الشراب يطلب الصينية، وقهرمان الدار يضرب قوما في طلبها، فذكر حديث الحاجب، وعلم أنه ما حمل نفسه على الغرر الشديد في ذلك، إلا من وراء شدة وضر.
فقال لقهرمانه: لا تطلب الصينية، فما لأحد في ضياعها ذنب، فقد أخذها من لا يردها، ورآه من لا ينم عليه.
فلما كان بعد سنة، عاد ذلك الحاجب، إلى شدة الإضاقة، بنفاد الدنانير، وبلغه خبر سماط يكون عند الملك، في غد يومه، فاحتال بحيلة أخرى، حتى دخل إلى حضرة الملك، وهو يشرب.
فلما رآه الملك، قال: يا فلان، نفذت تلك الدنانير ؟.
فقبل الأرض بين يديه، وبكى، ومرغ خديه، وقال: أيها الملك، قد احتلت مرتين، على أن تقتلني فأستريح مما أنا فيه، من عظم الضر الذي أعانيه، أو تعفو عني كما يليق بك، وتذكر خدمتي، فأعيش في ظلك، وليست لي بعد هذا اليوم حيلة.
فرق له الملك، وعفا عنه، وأمر برد أرزاقه عليه ونعمته، ورده إلى حالته الأولى في خدمته.
سفتجة بثلاث صفعات يفتديها المحال عليه بخمسمائة وخمسين دينارا
بلغني عن رجل من أهل ديار ربيعة، كانت له حال صالحة، فزالت، قال: فلزمتني المحنة والإضاقة، مدة طويلة، فتحيرت، ولم أدر ما أعمل.
وكان أمير الناحية إذ ذاك، العباس بن عمرو الغنوي، وكانت بيني وبين كاتبه معرفة قديمة، فأشير علي بأن ألقاه، وآخذ كتابا عن العباس إلى بعض أصدقائه من أمراء النواحي وأخرج إليه، فلعلى أتصرف معه، وأعود من جهته بفائدة أجعلها أصل معيشة.
فلقيت الكاتب، فقال لي: صر في غد إلى دار الأمير، حتى أكتب لك.
فمضيت إليه، فكتب لي عنه كتابا مؤكدا إلى بعض أمراء الأطراف من أصدقاء العباس، فخرجت أريد منزلي.
فلما صرت في بعض الممرات وأنا رجل طويل مبدن، وكنت قد حلقت رأسي، وعليه منديل خفيف، قد أطارته الريح، فانكشف، ولعلة انشغال قلبي بأمري لم أرد المنديل.
وإذا بصفعة قد جاءت، كادت تكبني على وجهي، وتوالت بعدها اثنتان. فالتفت، فإذا العباس بن عمرو، وقد خرج إلى موضع من مواضع الدار، وكان مشتهرا بالمصافعة، مكاشفا بها، هو، وجماعة من قواد المعتضد، أصدقاء، أخلاء، يستعملون ذلك، ويكاشفون به.
فقبضت على يده، وقلت: ما هذا أيها الأمير ؟ ما أفارقك، أو تعطيني شيئا أنتفع به عوضا عن هذا الفعل.
فدافعني، وأنا متشبث به، وسقط الكتاب من كمي، فقال: ما هذا الكتاب.
قلت: كتاب، كتب لي عنك إلى فلان، لأخرج إليه، فلعلي أتصرف معه، أو يبرني بشيء.
فقال: هوذا، أكتب لك عليه سفتجة بالصفع، فإنه يفتديها منك بما تنتفع به.
واستدعى دواة، وكتب لي إلى الرجل سفتجة، كما يكتب التجار، بثلاث مكتوبات، كناية عن ثلاث صفعات.
فأخذت الكتاب، وانصرفت متعجبا مما جرى علي، ومن حرفتي في أن العباس لم يسمح لي بشيء، مع جوده، وتحملت، وخرجت إلى ذلك البلد، فأوصلت الكتاب الذي كتبه لي الكاتب عنه.
فردني ذلك الأمير أقبح رد، وآيسني، وقال: قد بلينا بهؤلاء الشحاذين، يجيئونا في كل يوم بكتب لا تساوي مدادها، ويقطعونا عن أشغالنا، انصرف، فمالك عندي تصرف، ولا بر.
فورد علي ما لم أر مثله، وما هالني وقطع بي، وكنت قد سافرت إليه، وقطعت شقة بعيدة، فانصرفت أسوء الناس حالا.
وفكرت ليلتي، فقلت: ليس إلا العود إليه، ومداراته، فلعل أن يعطيني قدر نفقة الطريق، فأتحمل بها.

(1/208)


فعدت إليه، وخاطبته بكل رفق وخضوع وسؤال وهو يخشن علي، ويؤيسني، إلى أن قال لحاجبه: أخرجه عني، ولا تدعه بعدها يدخل إلي.
فورد علي أعظم من الأول، وخرجت أخزى خروج، وأقمت أياما لا أعود إليه، ولا أدري ما أصنع، إلا أن بقالا في المحلة التي نزلتها يعطيني خبزا وإداما بنسيئة.
فجلست إليه يوما وأنا متحير، والغم بين علي، فسمعت قائلا يقول: إن الأمير قد جلس للمظالم، جلوسا ارتفع عنه الحجاب فيه، ففكرت كيف أعمل ؟.
وذكرت الكتاب بالسفتجة، فقلت: أمشي وأجعلها نادرة كالظلامة، فإن أعطاني شيئا، وإلا فضحته بين رعيته، وانصرفت.
فأخذت السفتجة، وجئت، فلم أصادف بالباب من يمنعني، فدخلت إليه.
فحين رآني اغتاظ علي، وقال لحاجبه: ألم آمرك أن لا تدخل هذا إلي.
فقال: كان الإذن عاما، ولم يميز.
فأقبل الأمير علي، فقال: ألم أقل لك، وأؤيسك مني ؟ فما هذه الملازمة، كأن لك علي دينا أو سفتجة ؟.
فقلت: نعم، لي على الأمير - أعزه الله - سفتجة.
فازداد غيظه، وقال كالمتعجب: سفتجة، سفتجة ؟.
فأخرجتها، فدفعتها إليه، فلما قرأها عرف الخط والخطاب، فنكس رأسه ساعة، خجلا، ثم قال لكاتب كان بين يديه، شيئا لا أعلمه.
فجذبني الكاتب، وقال: إن الأمير قد تذمم مما عاملك به، وأمرني بدفع مائة دينار إليك، فقم معي لتأخذها.
فقلت: ما قصدت الأمير ليبرني، أنا رجل أوصلت إليه سفتجة بمال، فإما قبلها فأعطانيه، فما أريد غيره، ولا أستزيد عليه، ولا أنقص منه شيئا، وإما كتب لي على السفتجة: راجعة، فأخذتها، وانصرفت.
فساره الكاتب بما قلت، وقوي طمعي في الصنع، فالتفت إلي الكاتب، وقال: قد جعلها لك الأمير مائتي دينار، فانهض لتأخذها.
فقلت، لمن يقول هذا: ما عندي غير ما سمعت، ولان الأمير، وتشددت، ولم يزل الكاتب يتوسط بيننا، إلى أن بذل خمسمائة دينار.
فقلت: على شرط أني لا أبرح من هذا المجلس حتى أقبضها وأسلمها إلى يد تاجر، وآخذ منه سفتجة بها، ويدفع إلي نفقة تكفيني إلى أن أعرف صحة السفتجة، ثم أتحمل بباقي ذلك.
فأجبت إلى ذلك، وأحضر التاجر، والمال، وأخذت منه سفتجة، ودفعوا لي خمسين دينارا للنفقة، وأقمت مدة، إلى أن عرفت خبر صحة السفتجة، وتحملت ببقية النفقة إلى بلدي.
وحصل لي المال، فجعلته بضاعة في متجر، صلحت به حالي، إلى الآن.
المصافعة
الصفع: ضرب القفا بالكف مبسوطة، والمصافعة: تبادل الصفعات، والصفعان: الذي يصفع كثيرا.
والأصل في الصفع أن يكون للعقوبة والتأديب. كأن يأمر القاضي بصفع من أخل بالحرمة الواجبة نحو مجلس الحكم القصص 2 - 10 و6 - 178 من نشوار المحاضرة للتنخي.
وقد يصفع المتشدق المتقعر في كلامه الامتاع والمؤانسة 2 - 52.
وقد أمر الوزير علي بن عيسى بصفع رجل ادعى النبوة صلة الطبري 26.
وصفع بعض العامة في البصرة، القاضي أبا خليفة وصحبه، لما حسبوهم يقرأون القرآن بلغة الدجاج مروج الذهب 2 - 501.
وصفع أبو محمد المافروخي الفأفاء، عامل البصرة، ابن أحد خلفائه، لما فأفأ له، حاسبا أنه يحاكيه نشوار المحاضرة، رقم القصة 4 - 14.
وقد يجري الصفع لإجبار المكلف على أداء الضريبة المتحققة عليه القصة 184 من هذا الكتاب أو لإجبار العامل المصروف على سداد ما بذمته من الأموال الأميرية القصة 8 - 21 من كتاب نشوار المحاضرة أو لإجبار من صودر على أداء ما صودر عليه القصة 1 - 35 و3 - 122 من كتاب نشوار المحاضرة، والكامل لابن الأثير 8 - 142، وتجارب الأمم 1 - 110 وصلة الطبري 39، أو لاستخراج الودائع تجارب الأمم 1 - 65 أو لتقرير مبلغ المصادرة تجارب الأمم 1 - 65 أو لإجبار المصفوع على ترك عناده القصة 261 من هذا الكتاب، والقصة 3 - 54 من نشوار المحاضرة.
وقد يرد الصفع عقابا للمدعي الذي عجز عن القيام بما ادعى، كما حصل لابن المغازلي الذي شرط على نفسه إن لم يضحك المعتضد، أن يصفع عشر صفعات، وعجز عن إضحاكه مروج الذهب 2 - 510 و511.
ولما أراد المكتفي الخروج لقتال القرامطة، منعه المنجم أبو الحسن العاصمي، بحجة أن طالعه يدل على أن خروجه هذا، يؤدي إلى زوال دولته، وخرج المكتفي، واستأصل القرامطة، وعاد مظفرا سالما، فأمر بالعاصمي فأحضر، وصفع صفعا عظيما الفلاكة والمفلوكون 37.

(1/209)


وقد يحصل الصفع للإهانة والايذاء، فقد ذكر أن المتوكل غضب على عمر بن فرج الرخجي، أحد كبار العمال في الدولة، فأمر بأن يصفع في كل يوم، فأحصي ما صفع، فكان ستة آلاف صفعة مروج الذهب 2 - 403، وغضب المتوكل على ولده المنتصر، ولي عهده، فأمر بأن يصفع في مجلسه تجارب الأمم 6 - 555 والكامل لابن الأثير 7 - 97، ولزيادة التفصيل راجع تاريخ الطبري 9 - 175، وصلة تاريخ الطبري ص52 و58 و86 والتكملة 37 و41، وتجارب الأمم 1 - 103 والقصة 1 - 119 و4 - 7 من كتاب نشوار المحاضرة للتنوخي، والقصة 250 و304 من هذا الكتاب، والمستطرف من أخبار الجواري للسيوطي 29 والوزراء للصابي 46 و264 ووفيات الأعيان 4 - 159 و6 - 58 وحكاية أبي القاسم البغدادي 138 ومرآة الجنان لليافعي 4 - 18.
وقد يقع الصفع على المقامر إذا قمر، كما وقع لأمير البصرة إسحاق بن العباس بن محمد العباسي، لما قمر، فتحقق عليه حسب الشرط أن يصفع عشر صفعات، فأحالها هذا على صاحب شرطته، وطلب هذا أن يكون الصفع، صفع المداعبة والإخوان، لا صفع العقوبة والسلطان الهفوات النادرة 231.
وأغرب ما أثر عن الصفع، وروده لإيقاع الحجة على الخصم في المناظرة معجم الأدباء 5 - 237.
والذي يتضح من هذه القصة، ومن غيرها من القصص، أن المصافعة، كان لها من يستحسنها، ويستطيبها، ويتملح بذكر فوائدها البصائر والذخائر 4 - 180، وكان لها سوق رائجة.
وكان العباس بن عمرو الغنوي، وهو أحد كبار القواد والولاة العباسيين، من المستهترين بالمصافعة، المكاشفين بها، هو وجماعة من قواد المعتضد، أصدقاء، أخلاء، يستعملون ذلك، ويكاشفون به، وأن المصافعة تجري بينهم للمطايبة، القصة 116 من هذا الكتاب، والقصة 8 - 119 من نشوار المحاضرة وأنها تقع على سبيل المباسطة القصة 1 - 51 و166 من نشوار المحاضرة، ومعجم دوزي لأسماء الألبسة 271.
وكان زيادة الله بن الأغلب، أمير أفريقية 172 - 223 قد اتخذ ندامى يتصافعون في حضوره فوات الوفيات 2 - 34 و35.
وكان القاضي محمد بن الخصيب، قاضي مصر ت 348، وهو ممدوح المتنبي، ممن يمازح في المصافعة أخبار القضاة للكندي 579 و580.
وكان للصفاعنة أرزاق في الدولة، ولما وزر أبو الحسن علي بن عيسى في السنة 314 كان من جملة ما صنعه أن أسقط أرزاق الصفاعنة الكامل لابن الأثير 8 - 165.
وسئل القاضي ابن قريعة، عن حد القفا، فقال للسائل: هو ما اشتمل عليه جربانك، وشرطك فيه حجامك، وداعبك فيه إخوانك، وباسطك فيه غلمانك، وأدبك فيه سلطانك اليتيمة 2 - 238 وتاريخ بغداد للخطيب 2 - 320.
وداعب ابن المرزبان، أبا العيناء، فقال له: لم لبست جباعة ؟ فقال: وما الجباعة ؟ قال: التي بين الجبة والدراعة، فقال: ولم أنت صفديم ؟ قال: وما صفديم ؟ قال: الذي هو بين الصفعان والنديم الملح للحصري 183.
وكان حذاء ماجن بباب الطاق اسمها الآن الصرافية يسمي النعال، بأسماء من جنس الصفعة، فنعل راسكية، ونعل صعلكية، ونعل قفوية القصة 2 - 98 من نشوار المحاضرة.
وأفرد ابن النديم في الفهرست ص157 بحثا في أخبار الصفادمة والصفاعنة، كما ذكر أن الكتنجي ألف كتابا سماه: كتاب الصفاعنة الفهرست 170.
والأصل في الصفع أن يحصل، بالكف على القفا، وربما حصل بجراب فارغ أو محشو مروج الذهب 2 - 509 - 511، وقد يحصل بالنعال وفيات الأعيان 4 - 455، أو بقشور القرع اليتيمة 2 - 340، أو بقشور البطيخ الأحمر المسمى في بغداد بالرقي، نسبة إلى الرقة راجع سبب هذه التسمية في حاشية القصة 268 من هذا الكتاب، ولا يوجد الآن ببغداد من يمارس هذا اللون من المباسطة السمجة، وقد أدركت بعض باعة الرقي الأحداث كانوا يتصافعون بقشور الرقي المق فصيحة، والبغداديون يلفظون قافها كافا فارسية.
وممن أحسن في الإشارة إلى المصافعة، ابن الحلاوي الموصلي ت 656 قال: الوافي بالوفيات 8 - 108
فطب طرطب فوق راسي ... وطاق طرطاق في قذالي
وقال الشاعر الأندلسي، أبو عبد الله بن الأزرق: نفح الطيب 3 - 229
أفدي صديقا كان لي ... بنفسه يسعدني
فربما أصفعه ... وربما يصفعني
طقطق طق طقطق طق ... أصخ بسمع الأذن
ولأبن الحجاج شعر كثير في المصافعة، أورد بعضه صاحب اليتيمة 3 - 86 - 88، وللأحنف العكبري في المصافعة اليتيمة 3 - 704؛

(1/210)


لقد بت بماخور ... على دف وطنبور
وصوت الطبل كردم طع ... وصوت الناي طلير
فصرنا من حمى البيت ... كأنا وسط تنور
وصرنا من أذى الصفع ... كمثل العمي والعور
وممن أحسن في وصف الصفع، جمال الدين بن شيث، المتوفي سنة 625 وقد أورد له صاحب فوات الوفيات 2 - 313 أبياتا، اخترت منها هذين البيتين:
وتخالفت بيض الأكف كأنها ال ... تصفيق عند مجامع الأعراس
وتطابقت سود الخفاف كأنها ... وقد المطارق في يد النحاس
ولأبي الرقعمق، أبي حامد أحمد بن محمد الانطاكي، مقطوعات في المصافعة، راجعها في يتيمة الدهر للثعالبي 1 - 334 - 340.
ولزيادة التفصيل، راجع كتاب الغيث المسجم للصفدي 1 - 203 - 205 وكتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني 2 - 699 و700.
السبب في خلع المقتدر الخلع الثاني
وعودته إلى الحكم
ذكر أصحاب التواريخ، ومصنفو الكتب، وأبو الحسن علي بن الفتح الكاتب المعروف بالمطوق، على ما أخبرني به أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخي عنه في كتابه مناقب الوزراء ومحاسن أخبارهم، وما شاهده أحمد بن يوسف من ذلك، وجماعة حدثوني به، ممن شاهد الحال، منهم أيوب بن العباس بن الحسن، وعلي، والقاسم، ابنا هشام بن عبد الله الكاتب، وأبو الحسين بن عياش الخرزي، خليفة أبي رحمه الله على الحكم بسوق الأهواز، ومن لا أحصي من شيوخنا كثرة، بالسبب في خلع المقتدر عن الخلافة، الخلع الثاني، بعبارات مختلفة، معنى جميعها أن الجيش كله، الفرسان، والرجالة، شغبوا يطلبون الزيادات، ويتبسطون في التماس المحالات، وملوا أيام المقتدر وبغوا عليه بأشياء.
واتفق أن سائسا لهارون بن غريب الخال، علق بغلام في الطريق، للفساد، فرفع إلى أبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، على مجلس الجسر بالجانب الغربي، فجاء غلمان هارون يخلصونه ومانعوهم، إلى أن لحقه بعض أصحاب نازوك فصارت بينهم حرب، وانتهت الحال إلى قصص يطول شرحها.
إلى أن أطبق الجيش بأسرهم على خلع المقتدر، فزحفوا إلى داره، بمواطأة من مؤنس المظفر، فقبضوا عليه، وحملوه إلى دار مؤنس، في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فحبس فيها، وخلع نفسه، وأشهد عليه بالخلع.
وكان رأس الفتنة، والقائم بها، عبد الله بن حمدان، أبو الهيجاء، ونازوك المعتضدي، على مساعدة لهما من مؤنس، وإطباق من الجيش كلهم، وجاءوا بأبي منصور محمد بن المعتضد بالله، فأجلسوه في دار الخلافة، وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله، فقلد نازوك الحجبة، مضافا إلى ما كان إليه من الشرطة، وجعله صاحب داره.
فلما كان في يوم الإثنين لسبع عشرة ليلة خلت منه، بكر الناس إلى دار الخليفة للبيعة، وجاءت إلى فناء الدار، مما يلي دجلة، جماعة من الرجالة، يطالبون بمال البيعة والزيادة.
فجاء نازوك وأشرف عليهم من الرواق، ومعه خادم من رؤوس غلمانه يقال له عجيب، فقال لهم: ما تريدون ؟ نعطيكم ثلاث نوائب. فقالوا: لا، إلا أرزاق سنة، وزيادة دينار، وزادوا في القول.
فقال لهم: يصعد إلي منكم جماعة، أفهم عنهم، وأكلمهم، فصعد إليه جماعة منهم، من باب الخاصة، وتسلق إلى الرواق جماعة منهم كبيرة، وثاروا على غير مواطأة، ولا رأي متقرر.
فقال لهم نازوك: اخرجوا إلى مجلس الإعطاء، حتى نخرج المال إلى الكتاب، فيقبضونكم.
فقالوا: لا نقبض إلا ها هنا، وهجموا على التسعيني، يبوقون، ويشتمون نازوك.
فمضى نازوك من بين أيديهم، يريد الممر في الطريق الذي ينفذ إلى دجلة، وكان قد سد آخره بالأمس، إحتياطا لحفظ من في الدار، وتحرزا من هربهم، فلما رآه مسدودا رجع، فاستقبله جماعة من الرجالة يطلبونه.
فوثب عليه رجل أصفر منهم، فضربه بكلاب، وثناه آخر يكون في مطبخ أم المقتدر، وله رزق في الرجالة، يقال له: سعيد، ويلقب: ضفدعا، فقتلوه، وقتلوا عجيبا، وقالوا: لا نريد إلا خليفتنا جعفر المقتدر، وقتل الخدم في الدار أبا الهيجاء، واختبأ القاهر في بعض الحجر، عند بعض الخدم.
وأقبلوا برأس نازوك على رمح قد خرج طرفه من وسط الرأس، إلى دار مؤنس، وهم يقولون: مقتدر، يا منصور.

(1/211)


فطالبوا مؤنسا بالمقتدر، فخافهم على نفسه، فأخرجه إليهم، والمقتدر يستعفي من الخروج، ويظهر الزهد في الخلافة، ويظن أن ما سمعه حيلة على قتله.
إلى أن سمع صياح الناس: مقتدر، يا منصور، وأعلم بقتل نازوك وأبي الهيجاء، فسكن.
وقعد في طياره، وانحدر إلى داره، والرجالة يعدون على الشط بأزائه، إلى أن خرج من الطيار، فالتحقوا به يقبلون يديه ورجليه، حتى دخل داره.
وأحضر جماعة من الهاشميين وغيرهم، فبايعوه بيعة ثانية، وظهر ابن مقلة وزيره، وكان مستترا تلك الأيام، فأقره على الوزارة، ودبر أمره، وزال عنه ما كان فيه من المحنة والنكبة، ولم ير خليفة أزيل عن سريره، وأخرج من دار ملكه، وأجلس آخر في موضعه، ولقب لقبا من ألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير المؤمنين، وأجمع على بيعته أهل المملكة والجيش كله، وعلى خلع الأول وحبسه، ثم رجع إلى أمره، ونهيه، وملكه، وداره، في مدة خمسة أيام، بلا سبب ممهد، ولا مواطأة لأحد، ولا مشاورة، ولا مراسلة، إلا ما اتفق في أمر المقتدر، وأخيه القاهر.
خلع الأمين وعودته إلى الحكم
قال مؤلف هذا الكتاب: وعلى أنه قد كان جرى على محمد الأمين قريب من هذا، لما قبض عليه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وخلعه، وحبسه، وعزم على أن ينفذه إلى المأمون، ثم أن الجيش طالبوه بأرزاقهم، فلم يكن معه، ما يعجله لهم، فوعدهم، فشغبوا، ولم يرضوا بالوعد، واستخرجوا الأمين من حبسه، فبايعوه ثانيا، وردوه، وهرب الحسين بن علي، وزالت عن الأمين تلك الشدة، والقصة في ذلك مشهورة، رواها أصحاب التواريخ، بما يطول اقتصاصه هنا، إلا أنه لم يجلس على سريره خليفة آخر.
كيف خلع المقتدر الخلع الأول
قال القاضي أبو علي المحسن بن القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي رحمه الله تعالى: وقد جرت على المقتدر بالله شدة أخرى، وفرج الله عنه، في قصة تشبه قصة الأمين، سواء بسواء، لما أجمع جميع القواد والحاشية، على أن قتلوا العباس بن الحسن، الوزير، وخلعوا المقتدر من الخلافة، الخلع الأول، وبايعوا ابن المعتز، وأحضروه من داره إلى دار سليمان بن وهب، المرسومة - إذ ذاك - بالوزراء، وجلس يأخذ البيعة على القضاة، والأشراف، والكافة، ويدبر الأمور، ووزيره محمد بن داود، ابن الجراح، يكاتب أهل الأطراف، والعمال، والأكناف، بخبر تقلدهما، وقد تلقب بالمنتصر بالله، وخوطب بالخلافة، وأمره في نهاية القوة، وهو على أن يسير إلى دار الخلافة، فيجلس بها، ويقبض على المقتدر، إلا أنه أخر ذلك، لتتكامل البيعة، وتنفذ الكتب، ويسير من غد.
وكان سوسن حاجب المقتدر، والمتولي لأمور داره، والغلمان المرسومين بحمايتها، ممن وافق ابن المعتز، ودخل مع القواد فيما دخلوا فيه، وشرط عليه، أن يقر على ما إليه، ويزاد شرطة بغداد.
فلما جلس ابن المعتز في اليوم الأول، كان المتولي لإيصال الناس إليه، والخادم بحضرته فيما يخدم فيه الحاجب، أحد الخدم غيره.
فبلغ ذلك سوسنا، فشق عليه، وتوهم أن ذلك غدر به، ورجوع عما شرط، وووقف عليه، فدعا الخدم، وغلمان الدار، إلى نصرة المقتدر، فأجابوه، فأغلق الأبواب، وأخذ أهبة الحرب.
وأصبح ابن المعتز، في اليوم الثاني من بيعته، وهو يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، عامدا على المسير إلى الدار، فثبطه محمد بن داود، وعرفه رجوع رأي سوسن، عما كان وافق عليه.
وصغر القواد ذلك في نفسه، فلم يتشاغل بتلافيه، وأشاروا عليه بالركوب إلى دار الخلافة، وهم لا يشكون في تمام الأمر، فركب وهم معه.
وانقلبت العامة مع المقتدر، ورموا ابن المعتز بالستر، وحاربوه مع شرذمة أنفذهم سوسن لحربه ممن أطاعه على نصرة المقتدر.
ولما شاهد ابن المعتز الصورة، انهزم، وهرب، وانحل ذلك الأمر العظيم كله، وتفرق القواد، وسار بعضهم خارجا عن بغداد، وروسل باقيهم عن المقتدر، بالتلافي، فسكنوا، وعادوا إلى طاعته.
وطلب ابن المعتز، فوجد، وجيء به إلى دار الخلافة، فحبس فيها، ثم قتل، وكانت مدته منذ ظهر يوم السبت، إلى قريب من الظهر من يوم الأحد.
وعاد الأمر مستقيما للمقتدر بالله، وانفرجت له تلك الشدة، عن ثبات الملك له.
وقد شرح هذا أصحاب التواريخ، بما لا وجه لإعادته ها هنا.
بعث الفضل بن سهل خدابود لقتال خارجي فجاء برأسه

(1/212)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية