صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : العقد الفريد
المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قد مضى قولنا في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في أعاريضه وعلله، وما يحسن ويقبح من زحافه، وما ينفك من الدوائر الخمس من الشطور التي قالت عليها العرب والتي لم تقل، وتلخيص جميع ذلك بمنثور من الكلام يقرب معناه من الفهم، ومنظوم من الشعر يسهل حفظه على الرواة. فأكملت جميع هذه العروض في هذا الكتاب الذي هو جزآن، فجزء للفرش، وجزء للمثال، مختصرا مبينا مفسرا. فاختصرت للفرش أرجوزة، وجمعت فيها كل ما يدخل العروض ويجوز في حشو الشعر من الزحاف. وبينت الأسباب والأوتاد، والتعاقب والتراقب، والخروم، والزيادة على الأجزاء، وفك الدوائر في هذا الجزء. واختصرت المثال في الجزء الثاني في ثلاث وستين قطعة، على ثلاثة وستين ضربا من ضروب العروض. وجعلت المقطعات رقيقة غزلة، ليسهل حفظها على ألسنة الرواة. وضمنت في آخر كل مقطعة منها بيتا قديما متصلا بها وداخلا في معناها، من الأبيات التي استشهد بها الخليل في عروضه، لتقوم به الحجة لمن روى هذه المقطعات واحتج بها.
مختصر الفرش
اعلم أن أول ما ينبغي لصاحب العروض أن يبتدئ به، معرفة الساكن والمتحرك، فإن الكلام كله لا يعدو أن يكون ساكنا أو متحركا. واعلم أن كل ألف خفيفة، أو ألف ولام خفيفتين، لا يظهران على اللسان ويثبتان في الكتابة فإنهما يسقطان في العروض وفي تقطيع الشعر، نحو ألف: قال ابنك أو ألف ولام نحو: قال الرجل. وإنما يعد في العروض ما ظهر على اللسان.
واعلم أن كل حرف مشدد فإنه يعد في العروض حرفين، أولهما ساكن والثاني متحرك، نحو ميم محمد ولام سلام.
واعلم أن التنوين كله يعد في العروض نونا ساكنة، ليست من أصل الكلمة.
باب الأسباب والأوتاد
اعلم أن مدار الشعر وفواصل العروض على ثمانية أجزاء، وهي: فاعلن فعولن، مفاعيلن، فاعلاتن، مستفعلن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولات.
وإنما ألفت هذه الأجزاء من الأسباب والأوتاد.
فالسبب سببان: خفيف وثقيل. فالسبب الخفيف حرفان: متحرك وساكن، مثل: من وعن، وما أشبههما. والسبب الثقيل، حرفان متحركان، مثل: بك ولك، وما أشبههما. والوتد وتدان: مفروق ومجموع. فالوتد المجموع ثلاثة أحرف: متحركان وساكن؟ مثل: على وإلى وما أشبههما. والوتد المفروق ثلاثة أحرف: ساكن بين متحركين، مثل أين وكيف، وما أشبههما.
وإنما قيل للسبب سبب؟ لأنه يضطرب فيثبت مرة ويسقط أخرى، وإنما قيل للوتد وتد، لأنه يثبت فلا يزول.
باب الزحاف
اعلم أن الزحاف زحافان، فزحاف يسقط ثاني السبب الخفيف، وزحاف يسكن ثاني السبب الثقيل، وربما أسقطه. ولا يدخل الزحاف في شيء من الأوتاد وإنما يدخل في الأسباب خاصة. وإنما يدخل من الجزء في ثاني الجزء ورابعه وخامسه وسابعه. فإذا أردت أن تعرف موضع الزحاف من الجزء فانظر إلى جزء من الأجزاء الثمانية التي سميت لك. فإن رأيت الوتد في أول الجزء، فإنما يزحف خامسه وسابعه. وإن كان الوتد في آخر الجزء، فإنما يزحف ثانيه ورابعه. وإن كان الوتد في وسط الجزء، فإنما يزحف ثانيه وسابعه.
وللزحاف الذي يدخل في ثاني الجزء ثلاثة أسماء: الخبن، والإضمار، والوقص. فالمخبون: ما ذهب ثانيه الساكن. والمضمر: ما سكن ثانيه المتحرك. والموقوص: ما ذهب ثانيه المتحرك. وللزحاف الذي يدخل في رابع الجزء اسم واحد: المطوي، وهو ما ذهب رابعه الساكن.
وللخامس منها ثلاثة أسماء: القبض، والعصب، والعقل: فالمقبوض: ما ذهب خامسه الساكن. والمعصوب: ما سكن خامسه المتحرك. والمعقول: ما ذهب خامسه المتحرك.
وللسابع اسم واحد: المكفوف، وهو ما ذهب سابعه الساكن.
باب الزحاف المزدوج
المخبول: هو ما ذهب ثانيه ورابعه الساكنان. والمخزول: هو ما سكن ثانيه وذهب رابعه الساكن. والمنقوص: هو ما سكن خامسه وذهب سابعه الساكن. والمشكول: هو ما ذهب ثانيه وسابعه الساكنان.
علل الأعاريض والضروب

(2/360)


المحذوف: هو ما ذهب من آخر الجزء بسبب خفيف. والمقطوف: هو ما ذهب من آخر الجزء سبب خفيف وسكن آخر ما بقي. والمقصور: ما ذهب آخر سواكنه وسكن آخر متحركاته من الجزء الذي في آخره سبب. والمقطوع: ما ذهب آخر سواكنه وسكن آخر متحركاته من الجزء الذي في آخره وتد. والأبتر: ما حذف ثم قطع، فكان فاعل من فاعلاتن وفع من فعولن. والأخذ: ما ذهب من آخر الجزء وتد مجموع. والأصلم ما ذهب من آخر الجزء وتد مفروق. والموقوف: ما سكن سابعه المتحرك. والمكسوف: ما ذهب سابعه المتحرك. والمجزوء: ما ذهب من آخر الصدر جزء ومن آخر العجز جزء. والمشطور: ما ذهب منه أربعة أجزاء وبقي جزآن.
والزيادة على الأجزاء ثلاثة أشياء: المذال: وهو ما زاد على اعتدال جزئه حرف ساكن، مما يكون في آخره، وتد؟ والمسبغ: ما زاد على اعتداله حرف ساكن، مما يكون في آخره سبب؟ والمرفل: ما زاد على اعتداله حرفان: متحرك وساكن، مما يكون في آخره وتد: واعلم أن كل جزء من أجزاء العروض يكون مخالفا لأجزاء حشوه بزحاف أو سلامة، فهو المعتل. وما كان معتلا فإنما هو أربعة أشياء: ابتداء، وفصل، وغاية، واعتماد. هذا قول الخليل. وأنا أقول: إن المعتل كله ثلاثة أشياء: ابتداء، وفصل، وغاية: وإن الاعتماد ليس علة، لأنه غير مخالف لأجزاء الحشو، إذ جاز فيه القبض والسلامة، ولذلك يجوز في أجزاء الحشو كلها، وإنما خالفها في الحسن والقبح، وليس اختلاف الحسن والقبح عله. ونحن نجد الاعتماد الشعر كثيرا، من ذلك البيت الذي جاء به الخليل:
أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا
ومنه قول امرئ القيس:
أعني على برق أراه وميض ... يضئ حبيا في شماريخ بيض
وتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض
وإنما زعم الخليل أن المعتل ما كان مخالفا لأجزاء حشوه بزحاف أو سلامة، ولم يقل بحسن أو قبح. ألا ترى أن القبض في مفاعيلن في الطويل حسن، والكف فيه قبيح. والقبض في مفاعيلن في الهزج قبيح، والكف فيه حسن. والاعتماد في المتقارب على ضد ما هو في الطويل السالم فيه حسن، والقبض فيه قبيح.
فإذا اعتل أول البيت سمي ابتداء، وإذا اعتل وسطه، وهو العروض، سمي فصلا، وإذا اعتل الطرف، وهو في القافية، سمي غاية. وإذا لم يعتل أوله ولا وسطه ولا آخره سمي حشوا كله: وما كان من الأنصاف مستوفيا لدائرته، وآخر جزء منه بمنزلة الحشو من الآخر، فهو التام. وما كان من الأنصاف لم يذهب به الانتقاص بجزء من الأجزاء أجمع، فهو واف، وإذا ذهب به الانتقاص، فهو مجزوء. وما كان من الأنصاف مقفى، فهو مصرع: فإن كانت الكلمة كلها كذلك، فهو مشطور. فإذا لم يبق منه إلا جزآن فهو المنهوك. وإذا اختلفت القوافي واختلطت وكانت حيزا حيزا من كلمة واحدة هو المخمس. وإذ كانت أنصاف على قواف تجمعها قافية واحدة، ثم تعاد لمثل ذلك حتى تنقضي القصيدة، فهو المسمط.
باب الخرم
اعلم أن الخرم لا يدخل إلا في كل جزء أوله وتد. وذلك ثلاثة أجزاء: فعولن، مفاعلتن، مفاعيلن. وهو سقوط حركة من أول الجزء. وإنما منعه أن يدخل في السبب، لأنك لو أسقطت من السبب حركة بقي ساكن. ولا يبدأ بساكن، أبدا. ولا يدخل الخرم إلا في أول البيت.
فإذا أدخل الخرم فعولن قيل له أثلم. فإذا دخل القبض مع الخرم قيل له أثرم.
فإذا دخل الخرم مفاعلتن قيل له أعصب. فإذا دخله العصب مع الخرم قيل له أقصم. فإذا دخله القبض مع الخرم، قيل له أعقص. فإذا دخله العقل مع الحزم قيل له أجم.
فإذا دخل الخرم مفاعيلن قيل له أخرم. فإذا دخله الكف مع الخرم قيل له أخرب. فإذا دخله القبض مع الخرم قيل له أشتر. وكل ما لم يدخله الخرم فهو الموفور.
باب التعاقب والتراقب
اعلم أن التعاقب يدخل بين السببين المتقابلين في حشو الشعر حيثما كانا، ولا يكونان من جميع العروض إلا في أربعة أشطار: في المديد، والرمل، والخفيف، والمجتث. وقد بينا جميع ذلك في موضعه.
فما عاقبه ما قبله فهو صدر. وما عاقبه ما بعده فهو عجز. وما عاقبه ما قبله وما بعده فهو طرفان. وما لم يعاقبه ما قبله ولا ما بعده فهو بريء.

(2/361)


والتراقب بين السببين المتقابلين مع فاصلة واحدة. ولا يدخل التراقب من جميع العروض إلا في المضارع والمقتضب. وقد فسرناه هنالك. وقد نظمنا جميع ما ذكرناه من هذه الأبواب في أرجوزة ليسهل حفظها على المتعلم، إذ كان حفظ المنظوم أسهل من حفظ المنثور، وذكرنا فيها كل الدوائر الخمس، وما ينفك في كل دائرة من عدد الشطور التي قالت عليها العرب، والتي لم تقل عليها، وموضع الزحاف منها.
واعلم أن الدائرة الأولى مؤلفة من أربعة أجزاء، سباعيين مع خماسيين، وهي: فعولن مفاعيلن، فعولن مفاعيلن. والدائرة الثانية من ثلاثة أجزاء سباعية، وهي: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. والدائرة الثالثة مؤلفة من ثلاثة أجزاء سباعية، وهي: مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن. والدائرة الرابعة مؤلفة من ثلاثة أجزاء سباعية، وهي: مستفعلن مفعولات مستفعلن. والدائرة الخامسة مؤلفة من أربعة أجزاء خماسية، وهي: فعولن فعولن فعولن فعولن.
واعلم أن كل دائرة من هذه الدوائر ينفك من رأس كل سبب وكل وتد فيها شطر. وقد بينا جميع ذلك في الدوائر وأسماء الشطور التي تنفك عنها.
أرجوزة العروض
بالله نبدا وبه التمام ... وباسمه يفتتح الكلام
يا طالب العلم هو المنهاج ... قد كثرت من دونه الفجاج
وكل علم فله فنون ... وكل فن فله عيون
أولها جوامع البيان ... وأصلها معرفة اللسان
فإن في المجاز والتأويل ... ضلت أساطير ذوي العقول
حتى إذا عرفت تلك الأبنية ... واحدها وجمعها والتثنية
طلبت ما شئت من العلوم ... ما بين منثور إلى منظوم
فداو بالأعراب والعروض ... داءك في الأملال والقريض
كلاهما طب لداء الشعر ... واللفظ من لحن به وكسر
ما فلسف النيطس جالينوس ... وصاحب القانون بطليموس
ولا الذي يدعونه بهرمس ... وصاحب الأركند والإقليدس
فلسفة الخليل في العروض ... وفي صحيح الشعر والمريض
وقد نظرت فيه فاختصرت ... إلى نظام منه قد أحكمت
ملخص مختصر بديع ... والبعض قد يكفي عن الجميع
اختصار الفرش
هذا اختصار الفرش من مقالي ... وبعده أقول في المثال
أوله والله أستعين ... أن يعرف التحريك والسكون
من كل ما يبدو على اللسان ... لا كل ما تخطه اليدان
ويظهر التضعيف في الثقيل ... تعده حرفين في التفصيل
مسكنا وبعده محركا ... كنون كنا وكراء سركا
باب الأسباب والأوتاد
وبعد ذا الأسباب والأوتاد ... فإنها لقولنا عماد
فالسبب الخفيف إذ يعد ... محرك وساكن لا يعدو
والسبب الثقيل في التبيين ... حركتان غير ذي تنوين
والوتد المفروق والمجموع ... كلاهما في حشوه ممنوع
وإنما اعتل من الأجزاء ... في الفصل والغائي والابتداء
فالوتد المجموع منها فافهمن ... حركتان قبل حرف قد سكن
والوتد المفروق من هذين ... مسكن بين محركين
فهذه الأوتاد والأسباب ... لها ثبات ولها ذهاب
وإنما عروض كل قافيه ... جار على أجزائه الثمانية
وهاكها بينة مصوره ... لكل من عاينها مفسره
الفواصل
فاعلن، فعولن، مستفعلن، فاعلاتن، مفاعيلن، مفاعلتن، متفاعلن مفعولات.
هذي التي بها يقول المنشد ... في كل ما يرجز أو يقصد
كل عروض يعتزي إليها ... وإنما مداره عليها

(2/362)


منها خماسيان في الهجاء ... وغيرها مسبع البناء
يدخلها النقصان بالزحاف ... في الحشو والعروض والقوافي
وإنما تدخل في الأسباب ... لأنها تعرف باضطراب
باب الزحاف في موضعين
فكل جزء زال منه الثاني ... من كل ما يبدو على اللسان
وكان حرفا شانه السكون ... فإنه عندي اسمه مخبون
وإن وجدت الثاني المنقوصا ... محركا سميته الموقوصا
وإن يكن محركا فسكنا ... فذلك المضمر حقا بينا
والرابع الساكن إذ يزول ... فذلك المطوي لا يحول
وإن يزل خامسه المسكن ... فذلك المقبوض فهو يحسن
وإن يكن هذا الذي يزول ... محركا فإنه المعقول
وإن يكن محركا سكنته ... فسمه المعصوب إن سميته
وإن أزلت سابع الحروف ... سميته إذ ذاك بالمكفوف
باب الزحاف الذي يكون في موضعين من الجزء
كل زحاف كان في حرفين ... حل من الجزء بموضعين
فإنه يجحف بالا جزاء ... وهو يسمى أقبح الأسماء
فكل ما سكن منه الثاني ... وأسقط الرابع في اللسان
فذلك المخزول وهو يقبح ... فحيثما كان فليس يصلح
وإن يزل رابعه والثاني ... ذاك وذا في الجزء ساكنان
فإنه عندي اسمه المخبول ... يقصر الجزء الذي يطول
وكل جزء في الكتاب يدرك ... يسكن منه الخامس المحرك
وأسقط السابع وهو يسكن ... فذلك المنقوص ليس يحسن
وسابع الجزء وثانيه إذا ... كان يعد ساكنا ذاك وذا
فأسقطا بأقبح الزحاف ... سمي مشكولا بلا اختلاف
هذا الزحاف لا سواه فاسمع ... يطلق في الأجزاء ما لم يمنع
باب العلل
والعلل التي تجوز أجمع ... وليس في الحشو لهن موضع
ثلاثة تدعى بالابتداء ... والفصل والغاية في الأجزاء
والاعتماد خارج عن شكلها ... وفعله مخالف لفعلها
لأنهم قد تركوا التزامه ... وجاز فيه القبض والسلامه
ومثل ذاك جائز في الحشو ... فنحو هذا غير ذاك النحو
وكل معتل فغير جائز ... في الحشو والقصيد والأراجز
وإنما أجازه الخليل ... مجازفا إذ خانه الدليل
وكل حي من بني حواء ... فغير معصوم من الخطاء
فأول البيت إذا ما اعتلا ... سميته بالابتداء كلا
وغاية الضرب تسمى غايه ... وليس في الحشو لها حكايه
وكل ما يدخل في العروض ... من علة تجوز في القريض
فهي تسمى الفصل عند ذاكا ... وقل من يعرفه هناكا
باب الخرم
والخرم في أوائل الأبيات ... يعرف بالأسماء والصفات
نقصان حرف من أوائل العدد ... في كل ما شطر يفك من وتد
خمسة أشطار من الشطور ... يحزم منها أول الصدور
منها الطويل أول الدوائر ... وأطول البناء عند الشاعر
يدخله الخرم فيدعى أثلما ... فإن تلاه القبض سمي أثرما
والوافر الذي مدار الثانيه ... عليه قد تعيه أذن واعيه
يدخله الخرم في الابتداء ... في أول الجزء من الأجزاء
وهو يسمى أعضبا فكلما ... ضم إليه العصب سمى أقصما
وإن يكن أعصب ثم يعقل ... فذلك الأجم ليس يجهل

(2/363)


والهزج الذي هو السوار ... عليه للثالثة المدار
يدخله الخرم فيدعى أخرما ... وهو قبيح فاعلمن وافهما
حتى إذا ما كف بعد الخرم ... سميته أخرب إذ تسمي
والأشتر المهجن العروضا ... ما كان منه آخر مقبوضا
هذا وفي الرابعة المضارع ... يدخل فيه الخرم لا يدافع
كمثل ما يدخل في شطر الهزج ... وهو يسمى باسمه بلا حرج
ولا يجوز الخرم فيه وحده ... إلا بقبض أو بكف بعده
لعلة التراقب المذكور ... خص به من أجمع الشطور
والمتقارب الذي في الآخر ... تحلو به خامسة الدوائر
يدخله ما يدخل الطويلا ... من خرمه وليس مستحيلا
هذا جميع الخرم لا سواه ... وهو قبيح عند من سماه
يدخل في أوائل الأشعار ... ما قيل في ذي الخمسة الأشطار
لأن في أول كل شطر ... حركتين في ابتداء الصدر
وإنما ينفك في الأوتاد ... فلم يضرها الخرم في التمادي
لقوة الأوتاد في أجزائها ... وأنها تبرأ من أدوائها
سالمة من أجمع الزحاف ... في كل مجزوء وكل وافي
والجزء ما لم تر فيه خرما ... فإنه الموفور قد يسمى
باب علل الأعاريض والضروب
والعلل المسميات اللاتي ... تعرف بالفصول والغايات
تدخل في الضرب وفي العروض ... وليس في الحشو من القريض
منها الذي يعرف بالمحذوف ... وهو سقوط السبب الخفيف
في آخر الجزء الذي في الضرب ... أو في العروض غير قول الكذب
ومثله المعروف بالمقطوف ... لولا سكون آخر الحروف
وكل جزء في الضروب كائن ... اسقط منه آخر السواكن
وسكن الآخر من باقيه ... ما يجيزون الزحاف فيه
فذلك المقصور حين يوصف ... وإن يكن آخره لا يزحف
من وتد يكون حين لا سبب ... فذلك المقطوع حين ينتسب
وكل ما يحذف ثم يقطع ... فذلك الأبتر وهو أشنع
وإن يزل من آخر الجزء وتد ... إن كان مجموعا فذلك الأحد
أو كان مفروقا فذاك الأصلم ... كلاهما للجزء حقا صيلم
وأن يسكن سابع الحروف ... فإنه يعرف بالموقوف
وأن يكن محركا فاذهبا ... فذلك المكسوف حقا موجبا
وبعده التشعيث في الخفيف ... في ضربه السالم لا المحذوف
يقطع منه الوتد الموسط ... وكل شيء بعده لا يسقط
باب التعاقب والتراقب
وبعد ذا تعاقب الجزأين ... في السببين المتقابلين
لا يسقطان جملة في الشعر ... فإن ذاك من أشد الكسر
ويثبتان أيما ثبات ... وذاك من سلامة الأبيات
وأن ينل بعضهما إزاله ... عاقبه الآخر لا محاله
فكل ما عاقبه ما قبله ... سمي صدرا فافهمن أصله
وكل ما عاقبه ما بعده ... فهو يسمى عجزا فعده
وإن يكن هذا وذا معاقبا ... فهو يسمى طرفين واجبا
يدخل في المديد والخفيف ... والرمل المجزوء والمحذوف
ويدخل المجتث أيضا أجمعه ... ولا يكون في سوى ذي الأربعة
والجزء إذ يخلو من التعاقب ... فهو بريء غير قول الكاذب
وهكذا إن قسته التعاقب ... وليس مثل ذلك التراقب

(2/364)


لأنه لم يأت من جزأين ... في السببين المتجاورين
لكنه جاء بجزء واحد ... في أول الصدر من القصائد
والسببان غير مزحوفين ... في جزئه وغير سالمين
إن زال هذا كان ذا مكانه ... فاسمع مقالي وافهمن بيانه
فهكذا التراقب الموصوف ... وكله في شطره معروف
يدخل أول المضارع السبب ... وبعده يدخل صدر المقتضب
الزيادات على الأجزاء
ثم الزيادات على الأجزاء ... موجودة تعرف بالأسماء
وإنما تكون في الغايات ... تزاد في أواخر الأبيات
وكلها في شطره موجود ... منها المرفل الذي يزيد
حرفين في الجزء على اعتداله ... محركا وساكنا في حاله
وذاك فيما لا يجوز الزحف ... فيه ولا يعزى إليه الضعف
وفيه أيضا يدخل المذال ... مقيدا في كل ما يقال
وهو الذي يزيد حرفا ساكنا ... على اعتدال جزئه مباينا
ومثله المسبغ من هذي العلل ... حرف تزيده على شطر الرمل
باب نقصان الأجزاء
فإن رأيت الجزء لم يذهب معا ... بالانتقاص فهو واف فاسمعا
وإن يكن أذهبه النقصان ... فافهم ففي قولي لك البيان
فذلك المجزوء في النصفين ... إذا انتقصت منهما جزأين
والبيت إن نقصت منه شطره ... فذلك المشطور فافهم أمره
وإن نقصت منه بعد الشطر ... جزءا صحيحا من أخير الصدر
وكان ما يبقى على جزأين ... فذلك المنهوك غير مين
صفة الدوائر وصورهما
فاسمع فهذي صفة الدوائر ... وصف عليم بالعروض خابر
دوائر تعيا على ذهن الحذق ... خمس عليهن الخطوط والحلق
فما لها من الخطوط البائنه ... دلائل على الحروف الساكنه
والحلقات المتجوفات ... علامة للمتحركات
والنقط التي على الخطوط ... علامة تعد للسقوط
والحلق التي عليها ينقط ... تسكن أحيانا وحينا تسقط
والنقط التي بأجواف الحلق ... لمبتدأ السطور منها يخترق
فانظر تجد من تحتها أسماءها ... مكتوبة قد وضعت إزاءها
والنقطتان موضع التعاقب ... ومثل ذاك موضع التراقب
وهذه صورة كل واحدة ... منها ومعنى فسرها على حده
أولها دائرة الطويل ... وهي ثمان لذوي التفضيل
مقسم الشطر على أرباع ... بين خماسي إلى سباعي
حروفه عشرون بعد أربعه ... قد بينوا لكل حرف موضعه
تنفك منها خمسة شطور ... يفصلها التفعيل والتقدير
منها الطويل والمديد بعده ... ثم البسيط يحكمون سرده
ثلاثة قالت عليها العرب ... واثنان صدوا عنهما ونكبوا
وهذه صورتها كما ترى ... وذكرها مبينا مفسرا
الأولى دائرة المختلف
الطويل: مبني على فعولن مفاعيلن. ثماني مرات.
المديد: مبني على فاعلات فاعلن. ست مرات، بعد الحذف.
البسيط: مبني على مستفعلن فاعلن. ثماني مرات.
وهذه الثانية المخصوصة ... بالسبب الثقيل والمنقوصة
أحزاؤها ثلاثة مسبعة ... قد كرهوا أن يجعلوها أربعة
لأنها تخرج عن مقدارهم ... في جملة الموزون من أشعارهم
فهي على عشرين بعد واحد ... من الحروف ما بها من زائد
تنفك منها وافر وكامل ... وثالث قد حار فيه الجاهل

(2/365)


الثانية دائرة المؤلف
الوافر: مبني على مفاعلتن. ست مرات. فقطفوا ضربه وعروضه. الكامل: مبني على متفاعلن. ست مرات.
والدارة الثالثة التي حكت ... في قدرها الثانية التي مضت
في عدة الأجزاء والحروف ... وليس في الثقيل والخفيف
ينفك منها مثل ما ينفك ... من تلك حقا ليس فيه شك
ترفل من ديباجها في حلل ... من هزج أو رجز أو رمل
وهذه صورتها مبينة ... بحليها ووشيها مزينه
الثالثة دائرة المجتلب
الهزج: مبني على مفاعيلن. بعد الحذف. أربع مرات.
الرجز: مبني على مستفعلن. ست مرات.
الرمل: مبني على فاعلاتن. ست مرات.
ورابع الدوائر المسرودة ... أجزاؤها ثلاثة معدودة
عجيبة قد حار فيها الوصف ... عشرون حرفا عدها وحرف
مثل التي تقدمت من قبلها ... وشكلها مخالف لشكلها
بديعة أحكم في تدبيرها ... بالوتد المفروق في شطورها
ينفك منها ستة مقولة ... من بينها ثلاثة مجهولة
وكل هذه الستة المشطورة ... معروفة لأهلها مخبورة
أولها السريع ثم المنسرح ... ثم الخفيف بعده ثم وضح
وبعده مضارع ومقتضب ... شطران مجزوآن في قول العرب
وبعدها المجتث أحلى شطر ... يوجد مجزوءا لأهل الشعر
الرابعة دائرة المشتبه
السريع: مبني على مستفعلن مستفعلن مفعولات. ست مرات.
المنسرح: مبني على مستفعلن مفعولات مستفعلن. ست مرات.
الخفيف: مبني على فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن. ست مرات.
المضارع: مبني على مفاعيلن فاعلاتن. ست مرات. فحذفوا منه جزأين فصار مربعا. المقتضب: مبني على مفعولات مستفعلن مستفعلن. ست مرات. فربعوه كما تقدم. المجتث: مبني على فاعلاتن فاعلاتن. ست مرات. فربعوه كما تقدم.
بعدها خامسة الدوائر ... للمتقارب الذي في الآخر
ينفك منها شطره ... لم يأت في الأشعار منه الذكر
من أقصر الأجزاء والشطور ... حروفه عشرون في التقدير
مؤلف الشطر على فواصل ... مخمسات أربع موائل
هذا الذي جربه المجرب ... من كل ما قالت عليه العرب
فكل شيء لم تقل عليه ... فإننا لم نلتفت إليه
ولا نقول غير ما قد قالوا ... لأنه من قولنا محال
وإنه لو جاز في الأبيات ... خلافها لجاز في اللغات
وقد أجاز ذلك الخليل ... ولا أقول فيه ما يقول
لأنه ناقض في معناه ... والسيف قد ينبو وفيه ماه
إذ جعل القول القديم أصله ... ثم أجاز ذا وليس مثله
وقد يزل العالم النحرير ... والحبر قد يخونه التحبير
وليس للخليل من نظير ... في كل ما يأتي من الأمور
لكنه فيه نسيج وحده ... ما مثله من قبله وبعده
فالحمد لله على نعمائه ... حمدا كثيرا وعلى آلائه
يا ملكا ذلت له الملوك ... ليس له في ملكه شريك
ثبت لعبد الله حسن نيته ... واعطفه بالفضل على رعيته
الخامسة دائرة المتفق
المتقارب: مبني على فعولن. ثماني مرات
إبتداء الأمثال
شطر الطويل
الطويل مثمن، له عروض واحد مقبوض وثلاثة ضروب: ضرب سالم، وضرب مقبوض، وضرب محذوف معتمد.
العروض المقبوض والضرب السالم
وروضة ورد حف بالسوسن الغض ... تحلت بلون السام والذهب المحض
رأيت بها بدرا على الأرض ماشيا ... ولم أر بدرا قط يمشي على الأرض

(2/366)


إلى مثله فلتصب إن كنت صابيا ... فقد كان منه البعض يصبو إلى البعض
وكل ورد خديه ورمان صدره ... بمص على مص وعض على عض
وقل للذي أفنى الفؤاد بحبه ... على أنه يجزي المحبة بالبغض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
تقطيعه
فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعلن فعولن، مفاعيلن، فعول، مفاعيلن الضرب المقبوض
وحاملة راحا على راحة اليد ... موردة تسعى بلون مورد
متى ما ترى الإبريق للكأس راكعا ... تصل له من غير طهر وتسجد
على ياسمين كاللجين ونرجس ... كأقراط در في قضيب زبرجد
بتلك وهذي فاله ليلك كله ... وعنها فسل لا تسأل الناس عن غد
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
تقطيعه
فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعلن فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعلن الضرب المحذوف المعتمد
أيقتلني دائي وأنت طبيبي ... قريب وهل من لا يرى بقريب
لئن خنت عهدي إنني غير خائن ... وأي محب خان عهد حبيب
وساحبة فضل الذيول كأنها ... قضيب من الريحان فوق كثيب
إذا ما بدت من خدرها قال صاحبي ... أطعني وخذ من وصلها بنصيب
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
تقطيعه
فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعلن فعولن، مفاعيلن، فعول، فعولن يجوز في حشو الطويل القبض والكف. فالقبض فيه حسن: والكف فيه قبيح. ويدخله الخرم في الابتداء، فيقال له: أثلم. فإذا دخله القبض مع الخرم قيل له: أثرم.
والخرم: سقوط حركة من أول البيت، ولا يكون إلا في وتد. والقبض: ما ذهب خامسه الساكن. والكف: ما ذهب سابعه الساكن. والاعتماد: سقوط الخامس من فعولن التي قبل القافية، اعتمد به فقبض. ولم تجر فيه السلامة إلا على قبح. ولم يأت في الشعر إلا شاذا قليلا. والاعتماد في المتقارب: سلامة الجزء الذي قبل القافية. والمحذوف: ما ذهب من آخره سبب خفيف.
شطر المديد
هو مجزوء كله
له ثلاثة أعاريض وستة ضروب: فالعروض الأول منها مجزوء، وله ضرب مثله.
والعرض الثاني محذوف لازم الثاني، له ثلاثة ضروب لازمة الثاني: ضرب مقصور لازم الثاني، وضرب محذوف لازم الثاني، وضرب أبتر لازم الثاني. والعروض الثالث محذوف مخبون. له ضربان: ضرب مثله، وضرب أبتر لازم الثاني.
العروض المجزوء والضروب المجزوء
يا طويل الهجر لا تنس وصلي ... واشتغالي بك عن كل شغل
يا هلالا فوق جيد غزال ... وقضيبا تحته دعص رمل
لا سلت عاذلتي عنه نفسي ... أكثري في حبه أو أقلي
شادن يزهى بخد وجيد ... مائس فاتن بحسن ودل
ومتى مايع منك كلاما ... فتكلم فيحجبك بعقل
تقطيعه
فعلاتن، فعلن، فعلاتن فعلاتن، فعلن، فعلاتن العروض المحذوف اللازم الثاني والضرب المقصور اللازم الثاني
يا وميض البرق بين الغمام ... لا عليها بلى عليك السلام
إن في الأحداج مقصورة ... وجهها يهتك ستر الظلام
تحسب الهجر حلالا لها ... وترى الوصل عليها حرام
ما تأسيك لدار خلت ... ولشعب شت بعد التئام
إنما ذكرك ما قد مضى ... ضلة مثل حديث المنام
تقطيعه
فاعلاتن، فعلن، فاعلن فاعلاتن، فعلن، فاعلان الضرب المحذوف اللازم الثاني
عاتب ظلت له عاتبا ... رب مطلوب غدا طالبا

(2/367)


من يتب عن حب معشوقه ... لست عن حبي له تائبا
فالهوى لي قدر غالب ... كيف أعصي القدر الغالبا
ساكن القصر ومن حله ... أصبح القلب بكم ذاهبا
اعلموا أني لكم حافظ ... شاهدا ما عشت أو غائبا
تقطيعه
فاعلالن، فاعلن، فاعلن فاعلاتن، فاعلن، فاعلن الضرب الأبتر
أي تفاح ورمان ... يجتنى من خوط ريحان
أي ورد فوق خد بدا ... مستنيرا بين سوسان
وثن يعبد في روضة ... صيغ من در ومرجان
من رأى الذلفاء في خلوة ... لم ير الحد على الزاني
إنما الذلفاء يا قوتة ... أخرجت من كيس دهقان
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلن، فاعلن فاعلاتن، فاعلن، فعلن العروض المجزوء المحذوف والمخبون ضربه
من محب شفه سقمه ... وتلاشى لحمه ودمه
كاتب حنث صحيفته ... وبكى من رحمة قلمه
يرفع الشكوى إلى قمر ... ينجلي عن وجهه ظلمه
من لقرن الشمس جبهته ... وللمع البرق مبتسمه
خل عقلي يا مسفهه ... إن عقلي لست أتهمه
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي لساقه قدمه
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلن، فعلن فاعلاتن، فاعلن، فعلن الضرب الأبتر اللازم الثاني
زادني لومك إضرارا ... إن لي في الحب أنصارا
طار قلبي من هوى رشإ ... لو دنا للقلب ما طارا
خذ بكفي لا أمت غرقا ... إن بحر الحب قد فارا
أنضجت نار الهوى كبدي ... ودموعي تطفئ النارا
رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلن، فعلن فاعلاتن، فاعلن، فعلن يجوز في حشو المديد: الخبن والكف والشكل. فالمخبون: ما ذهب ثانيه الساكن. والمكفوف: ما ذهب سابعه الساكن. والمشكول: ما ذهب ثانيه وسابعه الساكنان، وهو اجتماع الخبن والكف في فاعلاتن.
ويدخله التعاقب في السببين المتقابلين، بين النون من فاعلاتن والألف من فاعلن لا يسقطان جميعا، وقد يثبتان. فما عاقبه ما قبله فهو صدر، وما عاقبه ما بعده فهو عجز، وما عاقبه ما قبله وما بعده فهو طرفان، وما لم يعاقبه شيء فهو بريء. والمقصور: كما ذهب آخر سواكنه وسكن آخر متحركاته من السبب. والأبتر: ما حذف ثم قطع.
شطر البسيط
البسيط له ثلاثة أعاريض وستة أضرب: فالعروض الأول مخبون تام، له ضربان: ضرب مثله، وضرب مقطوع لازم الثاني.
والعروض الثاني مجزوء، له ثلاثة أضرب: ضرب مذال، وضرب مجزوء، وضرب مقطوع ممنوع من الطي.
والعروض الثالث مقطوع ممنوع من الطي، له ضرب مثله.
العروض المخبون والضرب المخبون
بين الأهلة بدر ماله فلك ... قلبي له سلم والوجه مشترك
إذا بدا انتهبت عيني محاسنه ... وذل قلبي لعينيه فينتهك
ابتعت بالدين والدنيا مودته ... فخانني فعلى من يرجع الدرك
كفوا بني حارث ألحاظ ريمكم ... فكلها لفؤادي كله شرك
يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
تقطيعه
مستفعلن، فاعلن، مستفعلن، فعلن مستفعلن، فاعلن، مستفعلن، فعلن الضرب المقطوع اللازم الثاني
يا ليلة ليس في ظلمائها نور ... إلا وجوها تضاهيها الدنانير
حور سقتني بكأس الموت أعينها ... ماذا سقتنيه تلك الأعين الحور
إذا ابتسمن فدر الثغر منتظم ... وإن نطقن فدر اللفظ منثور
خل الصبا عنك واحتم بالنهى عملا ... فإن خاتمة الأعمال تكفير

(2/368)


والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخبر متبع والشر محذور
تقطيعه
مستفعلن، فاعلن، مستفعلن، فعلن مستفعلن، فعلن، مستفعلن فعلن العروض المجزوء والضرب المذال
يا طالبا في الهوى ما لا ينال ... وسائلا لم يعف ذل السؤال
ولت ليالي الصبا محمودة ... لو أنها رجعت تلك الليال
وأعقبتها التي واصلتها ... بالهجر لما رأت شيب القذال
لا تلتمس وصلة من مخلف ... ولا تكن طالبا ما لا ينال
يا صاح قد أخلفت أسماء ما ... كانت تمنيك من حسن الوصال
تقطيعه
مستفعلن، فاعلن، مستفعلن مستفعلن، فاعلن، مستفعلان الضرب المجزوء
ظالمتي في الهوى لا تظلمي ... وتصرمي حبل من لم يصرم
أهكذا باطلا عاقبتني ... لا يرحم الله من لم يرحم
قتلت نفسا بلا نفس وما ... ذنب بأعظم من سفك الدم
لمثل هذا بكت عيني ولا ... للمنزل القفر وللأرسم
ماذا وقوفي على رسم عفا ... مخلولق دارس مستعجم
قطيعه
مستفعلن، فاعلن، مستفعلن مستفعلن، فاعلن، مستفعلن الضرب المقطوع الممنوع من الطي
ما أقرب اليأس من رجائي ... وأبعد الصبر من بكائي
يا مذكي النار في فؤادي ... أنت دوائي وأنت دائي
من لي بمخلفة في وعدها ... تخلط لي اليأس بالرجاء
سألتها حاجة فلم تفه ... فيها بنعم ولا بلاء
قلت استجيبي فلما لم تجب ... سالت دموعي على ردائي
تقطيعه
مستفعلن، فاعلن، مستفعلن مستفعلن، فاعلن، فعولن العروض المقطوع الممنوع من الطي ضربه مثله
كآبة الذل في كتابي ... ونخوة العز في جوابي
قتلت نفسا بغير نفس ... فكيف تنجو من العذاب
خلقت من بهجة وطيب ... إذ خلق الناس من تراب
ولت حميا الشباب عني ... فلهف نفسي على الشباب
أصبحت والشيب قد علاني ... يدعو حثيثا إلى الخضاب
تقطيعه
مستفعلن، فاعلن، فعولن مستفعلن، فاعلن، فعولن يجوز في حشو البسيط: الخبن والطي والخبل. فالخبن: ما ذكرناه في المديد. والطي: ما ذهب رابعه الساكن. والمخبول: ما ذهب ثانيه ورابعه الساكنان، وهو اجتماع الخبن والطي في مستفعلن.
والخبن فيه حسن، والطي فيه صالح. والخبل فيه قبيح.
والمقطوع: ما ذهب آخر سواكنه وسكن آخر متحركاته من الوتد. والمذال: ما زاد على اعتداله حرف ساكن.
تمت الدائرة الأولى.
شطر الوافر
له عروضان وثلاثة ضروب فالعرض الأول مقطوف، له ضرب مثله. والعروض الثاني مجزوء ممنوع من العقل، له ضربان: ضرب سالم، وضرب معصوب.
العروض المقطوف الضرب المقطوف
تجافى النوم بعدك عن جفوني ... ولكن ليس يجفوها الدموع
يطيب لي السهاد إذا افترقنا ... وأنت به يطيب لك الهجوع
يذكرني تبسمك الأقاحي ... ويحكي لي توردك الربيع
يطير إليك من شوق فؤادي ... ولكن ليس تتركه الضلوع
كأن الشمس لما غبت غابت ... فليس لها على الدنيا طلوع
فما لي عند لذكرك امتناع ... ودون لقائك الحصن المنيع
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
تقطيعه
مفاعلتن، مفاعلتن، فعولن مفاعلتن، مفاعلتن، فعولن العروض المجزوء الممنوع من العقل
الضرب السالم
غزال زانه الحور ... وساعد طرفه القدر
يريك إذا بدا وجها ... حكاه الشمس والقمر
براه الله من نور ... فلا جن ولا بشر
فذاك الهم لا طلل ... وقفت عليه تعتبر

(2/369)


أهاج منزل أقوى ... وغير آيه الغير
تقطيعه
مفاعلتن، مفاعلتن مفاعلتن، مفاعلتن الضرب المعصوب
وبدر غير ممحوق ... من العقيان مخلوق
إذا أسقيت فضلته ... مزجت بريقه ريقي
فيالك عاشقا يسقي ... بقية كأس معشوق
بكيت لنأيه عني ... ولا أبكي بتشهيق
لمنزلة بها الأفلا ... ك أمثال المهاريق
تقطيعه
مفاعلتن، مفاعلتن مفاعلتن، مفاعيلن يجوز في حشو الوافر: العصب والعقل والنقص. فالعصب فيه حسن، والنقص فيه صالح، والعقل فيه قبيح.
ويدخله الخرم في الابتداء، فتستقط حركة من أول البيت، ويسمى أعصب.
فإذا دخله العصب مع الخرم، قيل له: أقصم. فإذا دخله النقص مع الخرم، قيل له: أعقص. فإذا دخله العقل مع الخرم، قيل له: أجم.
والمعصوب: ما سكن خامسه المتحرك. والمنقوص: ما سكن خامسه المتحرك وذهب سابعه الساكن. والمقطوف: ما ذهب من آخره سبب خفيف وسكن آخر ما بقي. ولا يدخل القطف إلا في العروض والضرب من تام الوافر.
شطر الكامل
الكامل له ثلاثة أعاريض وتسعة ضروب. فالعروض الأول تام، له ثلاثة ضروب: ضرب تام مثله، وضرب مقطوع ممنوع إلا من سلامة الثاني وإضماره، وضرب أحذ مضمر.
والعروض الثاني أحذ، له ضربان: ضرب مثله، وضرب مضمر.
والعروض الثالث مجزوء، له أربعة ضروب: ضرب مرفل، وضرب مذال، وضرب مجزوء، وضرب مقطوع ممنوع، إلا من سلامة الثاني وإضماره.
العروض التام الضرب التام
يا وجه معتذر ومقلة ظالم ... كم من دم ظلما سفكت بلا دم
أوجدت وصلي في الكتاب محرما ... ووجدت قتلي فيه غير محرم
كم جنة لك قد سكنت ظلالها ... متفكها في لذة وتنعم
وشربت من خمر العيون تعللا ... فإذا انتشيت أجود جود المرزم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن الضرب المقطوع الممنوع إلا من الإضمار والسلامة
حال الزمان فبدل إلا مالا ... وكسا المشيب مفارقا وقذالا
غنيت غواني الحي عنك وربما ... طلعت عليك أكلة وحجالا
أضحى عليك حلالهن محرما ... ولقد يكون حرامهن حلالا
إن الكواعب إن رأينك طاويا ... وصل الشباب طوين عنك وصالا
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلن، فعلاتن الضرب الأحذ المضمر
يوم المحب لطوله شهر ... والشهر يحسب أنه دهر
بأبي وأمي غادة في خدها ... سحر وبين جفونها سحر
الشمس تحسب أنها شمس الضحى ... والبدر يحسب أنها البدر
فسل الهوى عنها يجيب إن نأت ... فسل القفار يجيبك القفر
لمن الديار برامتين فعاقل ... درست وغير أيها القطر
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلن، فعلن العروض الأحذ الثالث ضربه مثله
أما الخليط فشد ما ذهبوا ... بانوا ولم يقضوا الذي يجب
فالدار بعدهم كوشم يد ... يا دار فيك وفيهم العجب
أين التي صيغت محاسنها ... من فضة شيبت بها ذهب
ولى الشباب فقلت أندبه ... لا مثل ما قالوا ولا ندبوا
دمن عفت ومحا معالمها ... هطل أجش وبارح ترب
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن، فعلن متفاعلن، متفاعلن، فعلن الضرب الأحذ المضمر
عيني كيف غررتما قلبي ... وأبحتماه لوعة الحب

(2/370)


يا نظرة أذكت على كبدي ... نارا قضيت بحرها نحبي
خلوا جوى قلبي أكابده ... حسبي مكابدة الجوى حسبي
عيني جنت من شؤم نظرتها ... ما لا دواء له على قلبي
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصحاح مبارك الجرب
قطيعه
متفاعلن، متفاعلن، فعلن متفاعلن، متفاعلن، فعلن العروض المجزوء والضرب المجزوء المرفل
هتك الحباب عن الضمائر ... طرف به تبلى السرائر
يرنو فيمتحن القلو ... ب كأنه في القلب ناظر
يا ساحرا ما كنت أع ... رف قبله في الناس ساحر
أقصيتني من بعد ما ... أدنيتني فالقلب طائر
وغررتني وزعمت أن ... ك لابن بالصيف تامر
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلاتن الضرب المذال
يا مقلة الرشأ الغري ... ر وشقة القمر المنير
ما رنقت عيناك لي ... بين الأكلة والستور
إلا وضعت يدي على ... قلبي مخافة أن يطير
هبني كبعض حمام مك ... ة واستمع قول النذير
أبني لا تظلم بمك ... ة لا الصغير ولا الكبير
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلان الضرب المجزوء
قل ما بدا لك وافعل ... واقطع حبالك أوصل
هذا الربيع فحيه ... وانزل بأكرم منزل
وصل الذي هو واصل ... فإذا كرهت فبدل
وإذا نبا بك منزل ... أو مسكن فتحول
وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشعا وتجمل
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن متفاعلن، متفاعلن الضرب المقطوع الممنوع إلا من سلامة الثاني وإضماره
يا دهر مالي أصفي ... وأنت غير موات
جرعتني غصصا بها ... كدرت صفو حياتي
أين الذين تسابقوا ... في المجد للغايات
قوم بهم روح الحيا ... ة ترد في الأموات
وإذا هم ذكروا الإسا ... ءة أكثروا الحسنات
تقطيعه
متفاعلن، متفاعلن متفاعلن فعلاتن يجوز في الكامل من الزحاف: الإضمار والوفص والخزل. فالإضمار فيه حسن، والوقص فيه صالح. والخزل فيه قبيح.
فالمضمر: ما سكن ثانيه المتحرك.
والموقوص: ما ذهب ثانيه المتحرك.
والمخزول: ما سكن ثانية المتحرك وذهب رابعه الساكن.
ويدخله من العلل القطع والحذ. فالمقطوع، ما تقدم ذكره. والأخذ: ما ذهب من آخر الجزء وتد مجموع.
شطر الهزج
الهزج له عروض: واحد مجزوء ممنوع من القبض. وضربان: ضرب سالم، وضرب محذوف.
العروض المجزوء الممنوع من القبض ضربه مثله
أيا من لام في الحب ... ولم يعلم جوى قلبي
ملام الصب يغويه ... ولا أغوى من القلب
فأني لمت في هند ... محبا صادق الحب
وهند ما لها شبه ... بشرق لا ولا غرب
إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبي
تقطيعه
مفاعيلن، مفاعيلن مفاعيلن، مفاعيلن الضرب المجزوء المحذوف
متى أشفي غليلي ... بنيل من بخيل
غزال ليس لي منه ... سوى الحزن الطويل
جميل الوجه أخلاني ... من الصبر الجميل
قد حملت الضيم فيه ... من حسود وعذول
وما ظهري لباغي الضي ... م بالظهر الذلول
تقطيعه
مفاعيلن، مفاعيلن مفاعيلن، فعولن يجوز في الهزج من الزحاف القبض والكف. فالكف فيه حسن. والقبض فيه قبيح. وقد فسرنا المقبوض والمكفوف في الطويل أيضا.
ويدخله الخرم في الابتداء، فيكون أخرم. فإذا دخله الكف مع الخرم، قيل له: أخرب فإذا دخله القبض مع الخرم، قيل له: أشتر. والخرم كله قبيح.

(2/371)


شطر الرجز
الرجز له أربعة أعاريض وخمسة ضروب. فالعروض الأول تام، له ضربان: ضرب تام مثل عروضه، وضرب مقطوع ممنوع من الطي.
والعروض الثاني مجزوء، له ضرب مثله مجزوء.
والعروض الثالث مشطور، له ضرب مثله.
والعروض الرابع منهوك، له ضرب مثله.
العروض التام الضرب التام
لم أدر جني سباني أم بشر ... أم شمس ظهر أشرقت لي أم قمر
أم ناظر يهدي المنايا طرفه ... حتى كأن الموت منه في النظر
يحي قتيلا ما له من قاتل ... إلا سهام الطرف ريشت بالحور
ما بال رسم الوصل أضحى داثرا ... حتى لقد أذكرتني مما دثر
دار لسلمى إذ سليمى جارة ... قفرا ترى آياتها مثل الزبر
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن الضرب المقطوع الممنوع من الطي
قلب بلوعات الهوى معمود ... حي كميت حاضر مفقود
ما ذقت طعم الموت في كأس الأسى ... حتى سقتنيه الظباء الغيد
من ذا يداوي القلب من داء الهوى ... إذ لا دواء للهوى موجود
أم كيف أسلو غادة ما حبها ... إلا قضاء ما له مردود
القلب منها مستريح سالم ... والقلب مني جاهد مجهود
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن مستفعل العروض المجزوء الضرب المجزوء
أعطيته ما سألا ... حكمته لو عدلا
وهبته روحي فما ... أدري به ما فعلا
أسلمته في يده ... عيشه أم قتلا
قلبي به في شغل ... لا مل ذاك الشغلا
قيده الحب كما ... قيد راع جملا
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن العروض المشطور الضرب المشطور
يأيها المشغوف بالحب التعب ... كم أنت في تقرب ما لا يقترب
دع ود من لا يرعوي إذا غضب ... ومن إذا عاتبته يوما عتب
إنك لا تجني من الشوك العنب
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن العروض المنهوك الضرب المنهوك
بياض شيب قد نصع ... رفعته فما ارتفع
إذا رأى البيض انقمع ... من بين يأس وطمع
لله أيام النخع ... يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن ويجوز في حشو الرجز: الخبن، والطي، والخبل. فالخبن فيه حسن. والطي فيه صالح. والخبل فيه قبيح. وقد مضى تفسير الطي والخبن والخبل في البسيط. ويدخله من العلل: القطع، وقد ذكرناه. ويكون مجزوءا. والمجزوء: ما ذهب من آخر الصدر جزء، ومن آخر العجز جزء. ويأتي مشطورا. والمشطور: ما ذهب شطوه. ويأتي منهوكا. والمنهوك: ما ذهب من شطره جزآن وبقي على جزء.
شطر الرمل
الرمل له عروضان وستة ضروب. فالعروض الأول محذوف جائز فيه الخبن. له ثلاثة ضروب: ضرب متمم وضرب مقصور جائز فيه الخبن، وضرب محذوف مثل عروضه.
والعروض الثاني مجزوء، له ثلاثة ضروب: ضرب مسبغ، وضرب مجزوء مثل عروضه الجائز فيه الخبن، وضرب محذوف جائز فيه الخبن.
العروض المحذوف الجائز فيه الخبن الضرب المتمم
وأنا في اللذات مخلوع العذار ... هائم في حب ظبي ذي احورار
صفرة في حمرة في خده ... جمعت روضة ورد وبهار
بأبي طاقة آس أقبلت ... تتثنى بين حجل وسوار
قادني طرفي وقلبي للهوى ... كيف من طرفي ومن قلبي حذاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلاتن الضرب المقصور

(2/372)


يا مدير الصدغ في الخد الأسيل ... ومجيل السحر بالطرف الكحيل
هل لمحزون كئيب قبلة ... منك يشفي بردها حر الغليل
وقليل ذاك إلا أنه ... ليس من مثلك عندي بالقليل
بأبي أحور غنى موهنا ... بغناء قصر الليل الطويل
يا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليل
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلان الضرب المحذوف
شادن يسحب أذيال الطرب ... يتثنى بين لهو ولعب
بجبين مفرغ من فضة ... فوق خد مشرب لون الذهب
كتب الدمع بخدي عهده ... للهوى والشوق يملي ما كتب
ما لجهلي ما أراه ذاهبا ... وسواد الرأس مني قد ذهب
قالت الخنساء لما جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن العروض المجزوء الضرب المسبغ
يا هلالا في تجنيه ... وقضيبا في تثنيه
والذي لست أسميه ... ولكني أكنيه
شادن ما تقدر العين ... تراه من تلاليه
كلما قابله شخص ... رأى صورته فيه
لان حتى لو مشى الذ ... ر عيله كاد يدميه
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن فاعلاتن، فاعلاتان الضرب المجزوء
يا هلالا قد تجلى ... في ثياب من حرير
وأميرا بهواه ... قاهرا كل أمير
ما لخديك استعارا ... حمرة الورد النضير
ورسوم الوصل قد أل ... بستها ثوب دثور
مقفرات دارسات ... مثل آيات الزبور
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن فاعلاتن، فاعلاتن الضرب المجزوء المحذوف الجائز فيه الخبن
يا قتيلا من يده ... ميتا من كمده
قدحت للشوق نارا ... عينه في كبده
هائم يبكي عليه ... رحمة ذو حسده
كل يوم هو فيه ... مستعيذ من غده
قلبه عند الثريا ... بائن عن جسده
تقطيعه
فاعلاتن، فاعلاتن فاعلاتن، فعلن يجوز في الرمل من الزحاف: الخبن والكف والشكل. فالخبن فيه حسن. والكف فيه صالح. والشكل فيه قبيح. وقد فسرنا المكفوف والمخبون.
فأما المشكول: فهو ما ذهب ثانيه وسابعه الساكنان.
ويدخله التعاقب في السيبين المتقابلين، على حسب ما يدخل في المديد.
ويدخله من العلل الحذف والقصر والإسباغ. وقد فسرنا المحذوف والمقصور.
وأما المسبغ: فهو ما زاد على اعتدال جزئه حرف ساكن، مما يكون في آخره سبب خفيف، وذلك فاعلاتن يزاد عليها حرف ساكن فيكون فاعلاتان.
شطر السريع
السريع له أربعة أعاريض وسبعة أضرب: فالعروض الأول مكسوف مطوي لازم الثاني، له ثلاثة ضروب: ضرب موقوف مطوي لازم الثاني، وضرب مكسوف مطوي لازم الثاني مثل عروضه، وضرب أصلم سالم.
والعروض الثاني مخبول مكسوف، له ضربان: ضرب مثل عروضه، وضرب أصلم سالم.
والعروض الثالث مشطور موقوف ممنوع من الطي، ضربه مثله.
والعروض الرابع مشطور مكسوف ممنوع من الطي، ضربه مثله.
العروض المكسوف المطوي اللازم الثاني الضرب الموقوف المطوي اللازم الثاني
بكيت حتى لم أدع عبرة ... إذ حملوا الهودج فوق القلوص
بكاء يعقوب على يوسف ... حتى شفى غلته بالقميص
لا تأسف الدهر على ما مضى ... والق الذي ما دونه من محيص
قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، فاعلن مستفعلن، مستفعلن، فاعلان الضرب المكسوف المطوي اللازم الثاني
لله در البين ما يفعل ... يقتل من شاء ولا يقتل

(2/373)


بانوا بمن أهواه في ليلة ... رد على آخرها الأول
يا طول ليل المبتلي بالهوى ... وصبحه من ليله أطول
الدار قد ذكرني رسمها ... ما كدت عن تذكاره أذهل
هاج الهوى رسم بذات الغضى ... مخلولق مستعجم محول
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، فاعلن مستفعلن، مستفعلن، فاعلن الضرب الأصلم السالم
قلبي رهين بين أضلاعي ... من بين إيناس وإطماع
من حيث ما يدعوه داعي الهوى ... أجابه لبيك من داعي
من لسقيم ماله عائد ... وميت ليس له ناعي
لما رأت عاذلتي ما رأت ... وكان لي من سمعها واعي
قالت ولم تقصد لقيل الخلني ... مهلا لقد أبلغت أسماعي
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، فاعلن مستفعلن، مستفعلن، فعلن العروض المخبول المكسوف ضربه مثله
شمس تجلت تحت ثوب ظلم ... سقيمة الطرف بغير سقم
ضاقت علي الأرض مذ صرمت ... حبلي فما فيها مكان قدم
شمس وأقمار يطوف بها ... طوف النصارى حول بيت صنم
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، فعلن مستفعلن، مستفعلن، فعلن الضرب الأصلم السالم
أنت بما في نفسه أعلم ... فاحكم بما أحببت أن تحكم
ألحاظه في الحب قد هتكت ... مكتومه والحب لا يكتم
يا مقلة وحشية قتلت ... نفسا بلا نفس ولم تظلم
قالت تسليت فقلت لها ... ما بال قلبي هائم مغرم
يأيهاي الزاري على عمر ... قد قلت فيه غير ما تعلم
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، فعلن مستفعلن، مستفعلن، فعلن العروض المشطور الموقوت الممنوع من الطي ضربه مثله
خليت قلبي في يدي ذات الخال ... مصفدا مقيدا في الأغلال
قد قلت للباكي رسوم الأطلال ... يا صاح ما هاجك من ربع خال
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مفعولان العروض المشطور المكسوف الممنوع من الطي ضربه مثله
ويحى قتيلا ماله من عقل ... بشادن يهتز مثل النصل
مكحل ما مسه من كحل ... لا تعذلاني إنني في شغل
يا صاحبي رحلي أقلا عذلي
تقطيعه
مستفعلن، مستفعلن، مفعولن ويجوز في السريع من الزحاف: الخبن والطي والخبل. فالخبن فيه حسن. والطي صالح، والخبل فيه قبيح.
ويدخله من العلل: الكسف والوقف والصلم. فالمكسوف: ما ذهب سابعه المتحرك. والموقوف: ما سكن سابعه. والأصلم: ما ذهب من آخره وتد مفروق. والمشطور: ما ذهب شطره.
شطر المنسرح
المنسرح له ثلاثة أعاريض وثلاثة ضروب: فالعروض الأول ممنوع من الخبل، له ضرب مطوي.
والعروض الثاني منهوك موقوف ممنوع من الطي، له ضرب مثله.
والعروض الثالث منهوك مكسوف ممنوع من الطي، له ضرب مثله.
العروض الممنوع من الخبل الضرب المطوي
بيضاء مضمومة مقرطقة ... ينقد عن نهدها قراطقها
كأنما بات نعما جذلا ... في جنة الخلد من يعانقها
وأي شيء ألذ من أمل ... نالته معشوقة وعاشقها
دعني أمت من هوى مخدرة ... تعلق نفسي بها علائقها
من لم يمت غبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها
تقطيعه
مستفعلن، مفعولات، مستفعلن مستفعلن، مفعولات، مفتعلن العروض المنهوك الموقوف الممنوع من الطي ضربه مثله
أقصرت بعض الإقصار ... عن شادن نائي الدار
صبرني لما سار ... ولم أكن بالصبار
وقال لي باستعبار ... صبرا بني عبد الدار
تقطيعه

(2/374)


مستفعلن، فعولات العروض المنهوك المكسوف الممنوع من الطي ضربه مثله
عاضت بوصل صدا ... تريد قتلي عمدا
لما رأتني فردا ... أبكي وألقى جهدا
قالت وأبدت درا ... ويلم سعد سعدا
تقطيعه
مستفعلن، مفعولن يجوز في المنسرح من الزحاف. الخبن والطي والخبل. فالخبن فيه حسن. والطي فيه صالح. والخبل فيه قبيح.
ويدخله من العلل: الوقف والكسف. وقد فسرناهما في السريع.
والمنهوك: ما ذهب شطره، ثم ذهب منه شطر بعد الشطر.
شطر الخفيف
الخفيف له ثلاثة أعاريض وخمسة ضروب.
فالعروض الأول منه تام، له ضربان: ضرب يجوز فيه التشعيث، وضرب محذوف يجوز فيه الخبن.
والعروض الثاني جائز فيه الخبن، له ضرب مثله.
والعروض الثالث مجزوء، له ضربان: ضرب مثله مجزوء، وضرب مجزوء مقصور مخبون.
العروض التام الضرب التام الجائز فيه التشعيب
أنت دائي وفي يديك دوائي ... يا شفائي من الجوى وبلائي
إن قلبي يحب من لا أسمي ... في عناء أعظم به من عناء
كيف لا كيف أن ألذ بعيش ... مات صبري به ومات عزائي
أيها اللائمون ماذا عليكم ... أن تعيشوا وأن أموت بدائي
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
تقطيعه
فاعلاتن، مستفعلن، فاعلاتن فاعلاتن، متفعلن، مفعولن الضرب المحذوف يجوز فيه الخبن
ذات دل وشاحها قلق ... من ضمور وحجلها شرق
بزت الشمس نورها وحباها ... لحظ عينيه شادن خرق
ذهب خدها يذوب حياء ... وسوى ذاك كله ورق
إن أمت ميتة المحبين وجدا ... وفؤادي من الهوى حرق
فالمنايا من بين غاد وسار ... كل حي برهنها غلق
تقطيعه
فاعلاتن، مستفعلن، فاعلاتن فاعلاتن، متفعلن، فعلن العروض المحذوف الجائز فيه الخبن ضربه مثله
يا غليلا كالنار في كبدي ... واغتراب الفؤاد عن جسدي
وجفونا تذري الدموع أسى ... وتبيع الرقاد بالسهد
ليت من شفني هواه رأى ... زفرات الهوى على كبدي
غادة نازح محلتها ... وكلتني بلوعة الكمد
رب خرق من دونها قذف ... ما به غير الجن من أحد
تقطيعه
فاعلاتن، مستفعلن، فعلن فاعلاتن، مستفعلن، فعلن العروض المجزوء والضرب المجزوء
ما لليلى تبدلت ... بعدنا ود غيرنا
أرهقتنا ملامة ... بعد إيضاح عذرنا
فسلونا عن ذكرها ... وتسلت عن ذكرنا
لم نقل إذ تحرمت ... واستهلت بهجرنا
ليت شعري ماذا ترى ... أم عمرو في أمرنا
تقطيعه
فاعلاتن، مستفعلن، فاعلاتن، مستفعلن
الضرب المجزوء المقصور المخبون
أشرقت لي بدور ... في ظلام تنير
طار قلبي بحبها ... من لقلب يطير
يا بدورا أنا بها الد ... هر عان أسير
إن رضيتم بأن أمو ... ت فموتي حقير
كل خطب إن لم تكو ... نوا غضبتم يسير
تقطيعه
فاعلاتن، مستفعلن فاعلاتن، فعولن يجوز في الخفيف من الزحاف: الخبن والكف والشكل. فالخبن فيه حسن، والكف فيه صالح، والشكل فيه قبيح.
ويدخله التعاقب بين السببين المتقابلين من مستفعلن و فاعلاتن لا يسقطان معا، وقد يثبتان. وذلك أن وتد مستفع لن في الخفيف والمجتث كله مفروق في وسط الجزء. وقد بينا التعاقب في المديد.
ويدخله من العلل: التشعيث والحذف والقصر. وقد بينا المحذوف والمقصور.
وأما التشعيث، فهو دخول القطع في الوتد من فاعلاتن التي من الضرب الأول من الخفيف فيعود مفعولن.

(2/375)


شطر المضارع
المضارع له عروض واحد مجزوء ممنوع من القبض، وضرب مجزوء ممنوع من القبض مثل عروضه، وهو:
أرى للصبا وداعا ... وما يذكر اجتماعا
كأن لم يكن جديرا ... بحفظ الذي أضاعا
ولم يصبنا سرورا ... ولم يلهنا سماعا
فجدد وصال صب ... متى تعصه أطاعا
إن تدن منه شبرا ... يقربك منه باعا
تقطيعه مفاعلين، فاعلاتن مفاعلين، فاعلاتن يجوز في حشو المضارع من الزحاف: القبض والكف في مفاعيلن، ولا يجتمعان فيه لعلة التراقب: ولا يخلو من واحد منهما. وقد فسرنا التراقب مع التعاقب. وبدخله في فاعلاتن الكف. فأما القبض فهو ممنوع منه وتد فاع لاتن في المضارع، لأنه مفروق وهو فاع. والنراقب في المضارع بين السببين من مفاعيلن في الياء والنون لا يثبتان معا ولا يسقطان معا، وهو في المقتضب بين الفاء والواو من مفعولات.
شطر المقتضب
المقتضب له عروض واحد مجزوء مطوي وضرب مثل عروضه، وهو:
يا مليحة الدعج ... هل لديك من فرج
أم تراك قاتلتي ... بالدلال والغنج
من لحسن وجهك من ... سوء فعلك السمج
عاذلي حسبكما ... قد غرقت في لجج
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
تقطيعه فاعلاتن، مفتعلن فاعلاتن، مفتعلن يدخل التراقب في أول البيت في السببين المتقابلين. على حسب ما ذكرناه في المضارع.
شطر المجتث
له عروض واحد مجزوء ضربه مثله
وشادن ذي دلال ... معصب بالجمال
يضن أن يحتويه ... معي ظلام الليالي
أو يلتقي في منامي ... خياله مع خيالي
غصن نما فوق دعص ... يختال كل اختيال
البطن منها خميص ... والوجه مثل الهلال
تقطيعه مستفع لن، فاعلاتن مستفع لن، فاعلاتن يجوز في المجتث: الزحاف والخبن والكف والشكل. فالخبن فيه حسن، والكف فيه صالح، والشكل فيه قبيح.
ويدخله التعاقب بين السببين المتقابلين من مستفع لن وفاعلاتن على حسب ما يدخل الخفيف، وذلك لأن وتد مستفع لن في المجتث مفروق، كما هو في الخفيف مفروق، وذلك يقع.
شطر المتقارب
المتقارب له عروضان وخمسة أضرب. فالعروض الأول منها تام يجوز فيه الحذف والقصر. له أربعة ضروب: ضرب تام مثل عروضه، وضرب مقصور، وضرب محذوف معتمد، وضرب أبتر. والعروض الثاني مجزوء محذوف معتمد، له ضرب مثله معتمد.
العروض التام الجائز فيه الحذف والقصر الضرب التام
حال عن العهد لما أحالا ... وزال الأحبة عنه فزالا
محل تحل عراها السحاب ... وتحكي الجنوب عليه الشمالا
فيا صاح هذا مقام المحب ... وربع الحبيب فحط الرحالا
سل الربع عن ساكنيه فإني ... خرست فما أستطيع السؤالا
ولا تعجلني هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
تقطيعه
فعولن، فعولن، فعولن فعولن، فعولن فعولن، فعولن الضرب المقصور
فؤادي رميت وعقلي سبيت ... ودمعي مريت ونومي نفيت
يصد اصطباري إذا ما صددت ... وينأى عزائي إذا ما نأيت
عزمت عليك بمجرى الوشاح ... وما تحت ذلك مما كنيت
وتفاح خد ورمان صدر ... ومجناهما خير شيء جنيت
تجدد وصلا عفا رسمه ... فمثلك لما بدا لي بنيت
على رسم دار قفار وقفت ... ومن ذكر عهد الحبيب بكيت
تقطيعه
فعولن، فعولن، فعولن، فعولن فعولن، فعولن، فعولن، فعولن الضرب المحذوف المعتمد
أيا ويح نفسي وويل أمها ... لما لقيت من جوى همها
فديت التي قتلت مهجتي ... ولم تتق الله في دمها

(2/376)


أغض الجفون إذا ما بدت ... وأكني إذا قيل لي سمها
أداري العيون وأخشى الرقيب ... وأرصد غفلة قيمها
سبتني بجيد وخد ونحر ... غداة رمتني بأسهمها
تقطيعه
فعولن، فعولن، فعولن، فعل فعولن، فعولن، فعولن، فعل الضرب الأبتر
لا تبك ليلى ولا ميه ... ولا تندبن راكبا نيه
وبك الصبا إذ طوى ثوبه ... فلا أحد ناشر طيه
ولا القلب ناس لما قد مضى ... ولا تارك أبدا غيه
ودع قول باك على أرسم ... فليس الرسوم بمبكيه
خليلي عوجا على رسم دار ... خلت من سليمى ومن ميه
تقطيعه
فعولن، فعولن، فعولن، فعولن فعولن، فعولن، فعولن، فع العروض المجزوء المحذوف المعتمد ضربه مثله
أأحرم منك الرضا ... وتذكر ما قد مضى
وتعرض عن هائم ... أبى عنك أن يعرضا
قضى الله بالحب لي ... فصبرا على ما قضى
رميت فؤادي فما ... تركت به منهضا
فقوسك شريانة ... ونبلك جمر الغضا
تقطيعه
فعولن، فعولن، فعل فعولن، فعولن، فعل يجوز في المتقارب من الزحاف: القبض. وهو فيه حسن. ويدخله الحزم في الابتداء، على حاسب ما يدخل الطويل.
وقد أكملنا في هذا الجزء مختصر المثال في ثلاث وستين مقطعة، وهي عدد ضروب العروض، والتزمنا فيها ذكر الزحاف والعلل التي يقوم ذكرها في الجزء الأول الذي اختصرنا فيه فرش العروض، ليكون هذا الكتاب مكتفيا بنفسه، لمن قد تأدى إليه معرفة الأسباب والأوتاد ومواضعها من الأجزاء الثمانية التي ذكرناها في مختصر الفرش.
واحتجنا بعد هذا إلى اختلاف الأبيات التي استشهد بها الخليل في كتابه، لتكون حجة لمن نظر في كتابنا هذا. فاجتلبنا جملة الأبيات السالمة والمعتلة، وما لكل شطر منها.
أبيات الطويل
العروض المقبوض
الضرب السالم
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
ضرب مقبوض
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
أثلم مكفوف
شاقتك أحداج سليمى بعاقل ... فعيناك للبين يجودان بالدمع
أثرم
هاجك ربع دارس باللوى ... لأسماء عفى المزن والقطر
محذوف معتمد
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا
أبيات المديد
عروض مجزوء
ضرب مجزوء
يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار
ضرب مجزوء
مخبون صدر
ومتى مايع منك كلاما ... يتكلم فيجبك بعقل
مكفوف عجز
لن يزال قومنا مخصبين ... صالحين ما اتقوا واستقاموا
مشكول عجز
لمن الديار غيرهن ... كل جون المزن داني الرباب
مشكول طرفاه
ليت شعري هل لنا ذات يوم ... بجنون فارع من تلاق
العروض المحذوف اللازم الثاني
الضرب المقصور، اللازم الثاني
لا يضرن امرأ عيشه ... كل عيش صائر للزوال
الضرب المحذوف، وواللازم الثاني
واعلموا أني لكم حافظ ... شاهدا ما كنت أو غائبا
الضرب الأبتر، اللازم الثاني
إنما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان
العروض المحذوف المخبون
الضرب المحذوف المخبون
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
الضرب الأبتر
رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا
أبيات البسيط
العروض المخبون
الضرب المخبون

(2/377)


يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
مخبون
لقد حلت صروفها عجب ... فأحدثت عبرا وأعقبت دولا
مطوي
ارتحلوا غدوة وانطلقوا بكرا ... في زمر منهم تتبعها زمر
الضرب المقطوع
اللازم الثاني
قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
العروض المجزوء
الضرب المذال
إنا ذممنا على ما خيلت ... سعد بن زيد وعمرا من تميم
مخبون
قد جاءكم أنكم يوما إذا ... فارقتم الموت سوف تبعثون
مطوي
يا صاح قد أخلفت أسماء ما ... كانت تمنيك من حسن الوصال
الضرب المحذوف
ماذا وقوفي على ربع خلا ... مخلولق دارس معجم
مخبون
إني لمثن، عليها استمعوا ... فيها خصال تعد أربع
مطوي
تلقى الهوى عن بني صادق ... نفسي فداه وأمي وأبي
الضرب المقطوع الممنوع من الطي
سيروا معا إنما ميعادكم ... يوم الثلاثاء ببطن الوادي
قلت استجيبي فلما لم تجب ... سالت دموعي على ردائي
العروض المقطوع الممنوع من الطي
ما هيج الشوق من أطلال ... أضحت قفارا كوحي الواحي
أبيات الوافر
العروض المقطوف
الضرب المقطوف
لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها العصي
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
معقول
منازل لفرتنى قفار ... كأنما رسومها شطور
أعصب
إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنب جار بيتهم الشتاء
أقصم
ما قالوا لنا سيدا ولكن ... تفاحش قولهم فأتوا بهجر
وإنك خير من ركب المطايا ... وأكرمهم أبا وأخا ونفسا
العروض المجزوء الممنوع من العقل
ضربه مثله
لقد علمت ربيعة أن ... حبلك واهن خلق
أهاجك منزل أقوى ... وغير آيه الغير
الضرب المعصوب
عجبت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمرو
أبيات الكامل
العروض التام الضرب التام
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
المضمر
إني امرؤ من خير عبس منصبي ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
موقوص
يذب عن حريمه بنبله ... وسيفه ورمحه ويحتمي
مخزول
منزلة صم صداها وعفا ... رسمها إن سئلت لم تجب
الضرب المقطوع
ممنوع إلا من الإضمار
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
الضرب الأحذ المضمر
لمن الديار برامتين فعاقل ... درست وغير آيها القطر
العروض الأحذ السالم
الضرب الأحذ المضمر
لمن الديار عفا معالمها ... هطل أجش وبارح ترب
الضرب الأحذ المضمر
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر
العروض المجزوء
الضرب المرفل
لقد سبقتم إل ... ى فلم نزعت وأنت آخر
المضمر
وغرتني وزعمت إن ... ك لابن في الصيف تامر
موقوص
ذهبوا إلى أجل وك ... ل مؤجل حي كذاهب
الضرب المذال
جدث يكون مقامه ... أبدا بمختلف الرياح
مضمر
إذا اغتبطت أو ابتأس ... ت حمدت رب العالمين
موقوص
كتب الشقاء عليهما ... فهما له متيسر إن
مخزول
جاوبت إذ دعاك ... معالنا غير مخاف
الضرب المجزوء

(2/378)


وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشعا وتجمل
مضمر
إذا الهوى كره الهدى ... وأبى التقى فاعص الهوى
موقوص
ولو أنها وزنت شمام ... بحلمه شالت له
مخزول
خطت مرارتها ... بحلاوة كالعسل
الضرب المقطوع الممنوع إلا من إضمار
وإذا هم ذكروا الإسا ... ءة أكثروا الحسنات
مضمر
وأبو الحليس ورب مك ... ة فارغ مشغول
أبيات الهزج
العروض المجزوء الممنوع من القبض
ضربه مثله
إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبي
مكفوف
فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمي
مقبوض
فقالت لا تخف شيا ... فما عندك من باس
أثرم
أعادوا ما استعاروه ... كذاك العيش عاريه
أخرب
ولو كان أبو بشر ... أميرا ما رضيناه
أبتر
وفي الذين ماتوا ... وفيما جمعوا عبره
الضرب المحذوف
وما ظهري لباغي الض ... يم بالظهر الذلول
مثله
قتلنا سيد الخزر ... ج سعد بن عباده
أبيات الرجز العروض التام
الضرب التام
دار لسلمى إذ سليمى جارة ... قفر ترى آياتها مثل الزبر
مخبون
وطالما وطالما سقى ... بكف خالد وأطعما
مطوى
فأرسل المهر على آثارهم ... وهيأ الرمح لطعن فطعن
مخبول
ما ولدت والدة من ولد ... أكرم من عبد مناف حسبا
الضرب المقطوع الممنوع من الطي
القلب منها مستريح سالم ... والقلب مني جاهد مجهود
لا خير فيمن كف عنا شره ... إذ كان لا يرجى ليوم خيره
العروض المجزوء الضرب المجزوء
قد هاج قلبي منزل ... من أم عمروا مقفر
مخبول
مات الفعال كله ... إذ مات عبد ربه
مطوى
هل يستوي عندك من ... تهوى ومن لا تمقه
مخبول
لا متك بنت مطر ... ما أنت وابنة مطر
العروض المشطور الضرب المشطور
ما هاج أحزانا ... وشجوا قد شجا
إنك لا تجني من الشوك العنب مخبون
قد تعلمون أنن ... ي ابن أختكم
مطوى
ما كان من ش ... يخك إلا عمله
مخبول
هلا سألت ... طللا وخيما
مطوى العروض المنهوك
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
مخبون
فارقت غي ... ر وامق
مخبول
يا صاح ... فيما غضبوا
أبيات الرمل
العروض المحذوف والجائز فيه الخبن
الضرب المتمم
مثل سحق البرد عفى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال
مخبون صدر
وإذا راية مجد رفعت ... نهض الصلت إليها فحواها
مكفوف عجز
ليس كل من أراد حاجة ... ثم جد في طلابها قضاها
مشكول عجز
فدعوا أبا سعيد عامرا ... وعليكم أخاه فاضربوه
مشكول طرفان
إن سعدا بطل ممارس ... صابر محتسب لما أصابه
الضرب المقصور
يا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليل
أحمدت كسرى وأمسى قيصر ... مغلقا من دونه باب الحديد
الضرب المحذوف الجائز فيه الخبن
قالت الخنساء لما جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب
مخبون
كيف ترجون سقوطي بعدما ... لفع الرأس مشيب وصلع
الضرب المشبع
يا خليلي أربعا فاست ... خبرا رسما بعسفان
مخبون
واضحات فارسيا ... ت وأدم عربيات
الضرب المجزوء
مقفرات دارسات ... مثل آيت الزبور
الضرب المشبع
لان حتى لو مشى الذ ... ر عليه كاد يدميه
الضرب المحذوف الجائز فيه الخبن

(2/379)


ما لما قرت به العي ... نان من هذا ثمين
مخبون
قلبه عند الثريا ... بائن من جسده
أبيات السريع
قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص
العروض المكفوف
المطوي اللازم الثاني الضرب الموقوف اللازم الثاني
أزمان سلمى لا يرى مثلها ال ... راءون في شام ولا في عراق
مخبول
قالها وهو بها عارف ... ويحك أمثال طريف قليل
مخبون
أرد من الأمور ما ينبغي ... وما تطيقه وما يستقيم
الضرب المكسوف اللازم الثاني
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
هاج الهوى رسم بذات الغضى ... مخلولق مستعجم محول
الضرب الأصلم السالم
قالت ولم تقصد لقيل الخنى ... مهلا فقد أبلغت أسماعي
الضرب المخبون المكسوف
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
يأيها الزاري على عمرو ... قد قلت فيه غير ما تعلم
العروض المشطور الموقوف الممنوع من الطي
يا صاح ما هاجك من ربع خال ... ينضحن في حافاته بالأبوال
مخبون
لا بد منه فاح ... ذرن وإن فتن
مشطور
يا صاحبي رحلي ... أقلا عذلي
مخبون الضرب المشطور المكسوف الممنوع من الطي
يا رب إن أخطأت أو نسيت
وبلدة بعي ... دة النياط
أبيات المنسرح العروض الممنوع من الخبل الضرب المطوى
إن ابن زيد ما زال مستعملا ... للخير يهدي في مصر العرفا
من لم يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها
ومثله
إن سميرا أرى عشيرته ... قد حدبوا دونه وقد أنفوا
المطوى
منازل عفاهن بذي الأراك ... كل وابل مسبل هطل
مخبون
في بلد معروفة سمته ... قطعه عابر على جمل
مخبول
صبرا بني عبد الدار
العروض المنهوك المكسوف الممنوع من الطي
ضربه مثله
ويل أم سعد سعدا
أبيات الخفيف
العروض التام
الضرب التام الجائز فيه التشعيث
حل أهلي بطن الغميس فبادوا ... لي وحلت علوية بالسخال
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
مخبون صدر
وفؤادي كعهده بسليمى ... بهوى لم يزل ولم يتغير
مكفوف عجز
وأقل ما يظهر من هواكا ... ونحن نستكثر حين يبدو
مشكول عجز
إن قومي جحاجحة كرم ... متقادم مجدهم أخيار
مشكول طرفان
الضرب المحذوف الجائز فيه الخبن
إن قدرنا يوما على عامر ... نمتثل منه أو ندعه لكم
مخبون
رب خرق من دونها قذف ... ما به غير الجن من أحد
العروض المجزوء
الضرب المجزوء
ليت شعري ماذا ترى ... أم عمرو في أمرنا
مثله
اسلمي أم خالد ... رب ساع لقاعد
الضرب المقصور المخبون كل خطب إن لم تكونوا غضبتم يسير أبيات المضارع
العروض المجزوء الممنوع من القبض
وإن تدن منه شبرا ... يقربك منه باعا
مقبوض
دعاني إلى سعاد ... دواعي هوى سعاد
أخرب
وقد رأيت مثل الرجال ... فما أرى مثل زيد
أشتر
قلنا لهم وقالوا ... كل له مقال
أبيات المقتضب
العروض المجزوء المنطوي
الضرب المجزوء المنطوي
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
مخبون
أعرضت فلاح لها ... عارضان كالبرد
أبيات المجثث
العروض المجزوء
البطن منها خميص ... والوجه مثل الهلال
الضرب المجزوء
ولو علقت بسلمى ... علمت أن ستموت

(2/380)


أولئك خير قومي ... إذ ذكر الخيار
أنت الذي ولدتك أس ... ماء بنت الحباب
أبيات المتقارب العروض التام الجائز فيه الحذف والقصر الضرب التام
فأما تميم تميم بن مر ... فألقاهم القوم روبى نياما
ومثله
فلا تعجلني هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
مقبوص
أفاد فجاد وساد وزاد ... وذاد وعاد وقاد وأفضل
أثلم
رمينا قصاصا وكان التقاص ... حقا وعدلا على المسلمينا
أثرم
قلت سدادا لمن جاءني ... فأحسنت قولا وأحسنت رأيا
مثل الأول
ولولا خداش أخذت دوا ... ب سعد ولم أعطه ما عليها
الضرب المقصور
ويأوى إلى نسوة بائسات ... وشعت مراضيع مثل السعالي
مثله
على رسم دار قفار وقفت ... ومن ذكر عهد الحبيب بكيت
مثله مقصور الضرب المحذوف المعتمد
وأبني من الشعر شعرا عويصا ... ينسي الرواة الذي قد رووا
سبتني بخد وجيد ونحر ... غداة رمتني بأسهمها
الضرب الأبتر
غير معتمد الاعتماد في المتقارب بإثبات النون في فعولن التي قبل القافية
خليلي عوجا على رسم دار ... خلت من سليمى ومن ميه
مثله
صفية قومي ولا تعجزي ... وبكي النساء على حمزة
الضرب المحذوف
أمن دمنة أقفرت ... لسليمى بذات الغضا
المجزوء المعتمد
وروحك النادي وتعلم ما في غدا
علل القوافي
القافية حرف الروي الذي يبني عليه الشعر، ولا بد من تكريره فيكون في كل بيت والحروف التي تلزم حرف الروي أربعة: التأسيس، والردف، والوصل، والخروج: فأما التأسيس، فألف يكون بينها وبين حرف الروي حرف متحرك بأي الحركات كان، وبعض العرب يسميه الدخيل، وذلك نحو قول الشاعر:
كليني لهم يا أميمة ناصب
فالألف من ناصب تأسيس. والصاد، دخيل. والباء، روي. والياء المتولدة من كسرة الباء، وصل. أما الردف، فإنه أحد حروف المد واللين، وهي الياء والواو والألف. يدخل قبل حرف الروي. وحركة ما قبل الردف بالفتح إذا كان الردف ألفا، وبالضم إذا كان واوا، وبالكسر إذا كان ياء. والأرداف ثلاثة: فردف يكون ألفا مفتوحا ما قبلها. وردف يكون واوا مضموما ما قبلها، وردف يكون ياء مكسورا ما قبلها.
وقد تجتمع الياء والواو في شعر واحد، لأن الضمة والكسرة أختان، كما قال الشاعر:
أجارة بيتنا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير
فجاء بغيور مع عسير ولا يجوز مع الألف غيرها، كما قال الشاعر:
بان الخليط ولو طووعت ما بانا
وجنس ثالث من الردف، وهو أن يكون الحرف مفتوحا، ويكون الردف ياء أو واو، نحو قول الشاعر:
كنت إذا ما جئته من غيب ... يشم رأسي ويشمم جيبي
وأما الوصل. فهو إعراب القافية وإطلاقها. ولا تكون القافية مطلقة، إلا بأربعة أحرف: ألف ساكنة مفتوح ما قبلها من الروي، وياء ساكنة مكسور ما قبلها من الروي، وهاء متحركة أو ساكنة مكنية.
ولا يكون شيء من حروف المعجم وصلا غير هذه الأحرف الأربعة: الألف والواو والياء والهاء المكنية. وإنما جاز لهذه أن تكون وصلا ولم يجز لغيرها من حروف المعجم، لأن الألف والياء والواو حروف إعراب ليست أصليات، وإنما تتولد مع الإعراب، وتشبهت الهاء بهن لأنها زائدة مثلهن. ووجدوها تكون خلفا منهن في قولهم: أرقت الماء، وهرقت الماء، وأيا زيد، وهيازيد. ونحو قول الشاعر:
قد جمعت من مكن وأمكنه ... من هاهنا وهاهنا ومن هنه
وهو يريد هنا، فجعل الهاء خلفا من الألف.
وأما الخروج فإن هاء الوصل إذا كانت متحركة بالفتح تبتها ألف ساكنة وإذا كانت متحركة بالكسر تبعتها ياء ساكنة، وإذا كانت متحركة بالضم تبعتها واو ساكنة. فهذه الألف والياء والواو يقال لها الخروج. وإذا كانت هاء الوصل ساكنة لم يكن لها خروج، نحو قول الشاعر:
ثار عجاج مستطيل قسطله

(2/381)


وأما الحركات اللوازم للقوافي فخمس، وهي: الرس والحذو والتوجيه والمجرى والنفاذ. فأما الرس، ففتحة الحرف الثاني قبل التأسيس.
وأما الحذو، ففتحة الحرف الذي قبل الردف أو ضمته أو كسرته. وأما التوجيه، فهو ما وجه الشاعر عليه قافيته، من الفتح والضم والكسر، يكون مع الروي المطلق أو المقيد، إذا لم يكن في القافية ردف ولا تأسيس.
وأما المجرى: ففتح حرف الروي المطلق أو ضمته أو كسرته.
وأما النفاذ، فإنه فتحة هاء الوصل أو كسرتها أو ضمتها. ولا تجوز الفتحة مع الكسرة، ولا الكسرة مع الضمة، ولكن تنفرد كل حركة منها على حالها وقد يجتمع في القافية الواحدة الرس، والتأسيس، والدخيل، والروي، والمجرى، والوصل، والنفاذ، والخروج، كما قال الشاعر:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
فحركة الواو الرس، والألف تأسيس، والفاء دخيل، والقاف روي، وحركته المجرى، والهاء هاء الوصل، وحركتها النفاذ، والألف الخروج. ونحو قول الشاعر:
عفت الديار محلها فمقامها
فحركة القاف الحذو، والألف الردف، والميم الروي، وحركتها المجرى، والهاء وصل، وحركتها النفاذ، والألف الخروج. وكل هذه الحروف والحركات لازمة للقافية.
ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز أن يكون
إذا كانت ألف التأسيس في كلمة وكان حرف الروي في كلمة أخرى منفصلة عنها فليس بحرف تأسيس، لانفصاله من حرف الروي وتباعده منه، لأن بين حرف الروي والتأسيس حرفا متحركا. وليس كذلك الردف، لأن الردف قريب من الروي ليس بينهما شيء، فهو يجوز أن يكون في كلمة ويكون الروي في كلمة أخرى منفصلة عنها، نحو قول الشاعر:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
فألف: إلا ردف. واللام، حرف الروي، وهي في كلمة منفصلة من الردف، فجاز ذلك لقرب ما بين الردف والروي، ولم يجز في التأسيس، لتباعده من الروي، نحو قول الشاعر:
فهن يعكفن به إذا حجا ... عكف النبيط يلعبون الفنزجا
فلم يجعلها تأسيسا لتباعدها عن الروي، وانفصالها منه. ومثله قول الراجز:
وطالما وطالما وطالما ... غلبت عادا وغلبت الأعجما
فلم يجعل الألف تأسيسا. وقد يجوز أن تكون تأسيسا إذا كان حرف الروي مضمرا، كما قال زهير:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
فجعل ألف بداليا تأسيسا، وهي كملة منفصلة من القافية لما كانت القافية في مضمر. وكذلك قول الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
وأما غلامك وسلامك في قافية فلا تكون الألف إلا تأسيسا، لأن الكاف التي هي حرف الروي لا تنفصل من الغلام.
ما يجوز أن يكون حرف روي وما لا يجوز أن يكون
اعلم أن حروف الوصل كلها لا يجوز أن تكون رويا، لأنها دخلت على القوافي بعد تمامها، فهي زوائد عليها، ولأنها تسقط في بعض الكلام. فإذا كان ما قبل حرف الوصل ساكنا فهو حرف الروي، لأنه لا يكون ما قبل حرف الروي ساكنا، نحو قول الشاعر:
أصبحت الدنيا لأربابها ... ملهى وأصبحت لها ملهى
كأنني أحرم منها على ... قدر الذي نال أبي منها
وإذا حركت ياء الوصل أو واو الوصل جاز لها أن تكون رويا، كما قال زهير:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
إن الحوادث بالمدينة قد ... شيبتني وقرعن مروتيه
وكذلك الهاء من طلحة وحمزة وما أشبههما لا تكون رويا أو وصلا لما قبلها. وجعلها أبو النجم رويا فقال:
أقول إذ جئن مدبجات ... ما أقرب الموت من الحياة

(2/382)


وكذلك التاء نحو اقشعرت واستهلت، والكاف نحو: مالكا وفعالكا فقد يجوز أن تكون رويا وقد يجوز أن تكون وصلا. وإنما جاز أن دون رويا لأنها أقوى من حرف الوصل، وجاز أن تكون وصلا لأنها دخلت على القوافي بعد تمامها. وقد جعلت الخنساء التاء وصلا ولزمت ما قبلها، فقالت:
أعيني هلا تبكيان أخاكما ... إذا الخيل من طول الوجيف اقشعرت
فلزمت الراء في الشعر كله وجعلت التاء صلة. وقال آخر فجعل، التاء رويا
الحمد لله الذي استقلت ... بإذنه السماء واطمأنت
وقال حسان فجعل الكاف رويا:
دعوا فلجات الشام قد حيل بينها ... بطعن كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... بأسيافهم حقا وأيدي الملائك
ثم قال:
إذا سلكت بالرمل من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك
وهنالك كافها زائدة، تقول للرجل: هنالك، وللمرأة: هنالك. ، وقال غيره:
أبا خالد يا خير أهل زمانكا ... لقد شغل الأفواه حسن فعالكا
فجعل الكاف رويا. وقد يجوز أن تكون وصلا ويلزم ما قبلها.
وكذلك فعالكم وسلامكم الميم الآخرة حرف الروي، كما قال الشاعر:
بنو أمية قوم من عجيبهم ... أن المنون عليهم والمنون هم
الميم، حرف الروي. وقد جعلها بعض الشعراء وصلا مع الهاء والكاف التي قبلها، لأنهما حرفا إضمار كالهاء والكاف، ولحقت الاسم بعد تمامه كما لحقت الهاء والكاف، في نحو قوله:
زر والديك وقف على قبريهما ... فكأنني بك قد نقلت إليهما
ومثله لأمية بن أبي الصلت:
لبيكما لبيكماها ... ها أنذا لديكما
وأما النسبة مثل ياء قرشي وثقفي وما أشبه ذلك، إذا كانت خفيفة فأنت فيها بالخيار، إن شئت جعلتها رويا وإن شئت وصلا، نحو قول الشاعر:
إني لمن أنكرني ابن اليثربي ... قتلت علباء وهند الجملي
فجعل الياء الخفيفة رويا، وإذا كانت النسبة مثقلة مثل قرشي وثقفي لم تكن إلا رويا. وإذا قال شعرا على حصاها ورماها لم تكن الهاء إلا حرف الروي.
ومن بني شعرا على اهتدى فجعل الدال رويا جاز له أن يجعل مع ذلك أحمدا. وإن جعل الألف من اهتدى حرف الروي لم يجز معها أحمدا وجاز له معها بشرى وحبلى وعصا وأفعى، ومن ذلك قول الشاعر:
داينت أروي والديون تقضى ... فمطلت بعضا وأدت بعضا
فلزم الضاد من تقضى وجعل الياء وصلا، فشبهها بحرف المد الذي في القافية.
ومثله:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
ومثله:
هجرتك بعد تواصل دعد ... وبدا لدعد بعض ما يبدو
ويرمي، مع يقضي جائز إذا كانت الياء حرف الروي، لأنها من أصل الكلمة.
ومما لا يجوز أن يكون رويا الحروف المضمرة كلها، لدخولها على القوافي بعد تمامها، مثل اضربا، واضربوا، واضربي، لأن ألف اضربا لحقت اضرب وواو اضربوا لحقت اضرب، وياء اضربي لحقت اضرب بعد تمامها: فلذلك كانت وصلا، لأنها زائدة مع هذا الفعل، في نحو قول الشاعر:
لا يبعد الله جيرانا تركتهم ... لم أدر بعد غداة البين ما صنعوا
ومثله:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
فجعل الياء وصلا، وبعضهم جعلها رويا على قبح.
وأما ياء غلامي فهي أضعف من ياء اسلمي لأنها قد تحذف في بعض المواضع تقول: هذا غلام، تريد غلامي. وقالوا. يا غلام أقبل: في النداء وواغلاماه، فحذفوا الياء، وبعضهم يجعلها رويا على ضعفها، كما قال:
إني امرؤ أحمي ذمار إخوتي ... إذا رأوا كريهة يرمون بي
ومثله:
إذا تغديت وطابت نفسي ... فليس في الحي غلام مثلي
قال الأخفش: وقد كان الخليل يجيز إخواني مع أصحابي. ويأبي عليه العلماء، ويحتج بقول الشاعر:
بازل عامين حديث سنى ... لمثل هذا ولدتني أمي

(2/383)


وحرف الإضمار إذا كان ساكنا كان ضعيفا. فإذا تحرك قوي وجاز أن يكون رويا، كقول زهير:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
وإنما جاز الكاف أن تكون رويا ولم يجز ذلك للهاء، وكلاهما حرف إضمار، لأن الكاف أقوى عندهم من الهاء وأثبت في الكلام. وإذا خاطبت المذكر والمؤنث لا تبدل صورتها كما تبدل الهاء، في: غلامه وغلامها. وإذا قلت: مررت بغلامك، ورأيت غلامك، فالكاف في حال واحدة، والهاء مضطربة في قولك. رأيت غلامه، ومررت بغلامه. وإنما جاز فيها أن تكون وصلا أيضا كما تكون الهاء، لأنها تشبهت بالهاء إن كانت حرف إضمار كالهاء، ودخلت على الاسم كدخول الهاء، وكانت اسما للحرف كما تكون الهاء، وإنما خالفتها بالشيء اليسير. وأما قولك: ارمه، واغزه، فلا تكون الهاء ها هنا رويا، لأنها لحقت الاسم بعد تمامه، ولأنها زوائد فيه، وإنما دخلت لتبين الحركة من اغزه والميم من ارمه. وقد تدخل للوقف أيضا. وإذا كانت الهاء أصلية لم تكن إلا رويا: مثل قول الشاعر:
قالت أبيلى لي ولم أسبه ... ما السن إلا غفلة المدله
ومن بنى شعرا على حي جاز له فيه طي ومي ، لأن الياء الأولى من حي ليست بردف، لأنها من حرف مثقل قد ذهب مجده ولينه.
قال سيبويه: إذا قال الشاعر: تعالى أو تعالوا، لم تكن الياء والواو إلا رويا، لأن ما قبلها انفتح. فلما صارت الحركة التي قبلها غير حركتهما ذهبت قوتهما في المد وأكثر لينهما.
وكذلك: اخشي واخشوا. وكل ياء أو واو انفتح ما قبلها. وكذلك قوله: رأيت قاضيا وراميا، وأريد أن يغزو وتدعو، في قافيتين من قصيدة.
وأما الميم من غلامهم وسلامهم فقد تكون رويا وقد تكون وصلا، ويلزم ما قبلها، كما قال الشاعر:
يا قاتل الله عصبة شهدوا ... خيف منى لي ما كان أسرعهم
إن نزلوا لم يكن لهم لبث ... أو رحلوا أعجلوا مودعهم
لا غفر الله للحجيج إذا ... كان حبيبي إذا نأوا معهم
فالعين، هنا حرف الروي، والهاء والميم صلة لحروف الإضمار كلها التي تقدم ذكرها. ولا يحسن أن يكون رويا إلا ما كان منها محركا، لأن المتحرك أقوى من الساكن، وذلك مثل ياء الإضافة التي ذكرنا، أو ما كان منها حرفا قويا مثل الكاف والميم والنون، فإنها تكون رويا، ساكنة كانت أو متحركة، وذلك مثل قول الشاعر:
قفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين ولا ذا حظنا من نوالك
ثم قال:
أبر وأوفى ذمة بعهدوه ... إذا ووزنت شم الذرى بالحوارك
وقال آخر:
قل لمن يملك الملو ... ك وإن كان قد ملك
قد شريناك مرة ... وبعثنا إليك بك
وقال آخر في الميم:
رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
ولآخر:
نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم
فهم لي فخر إذا عددوا ... كما أنا في الناس فخر لهم
وقال آخر في النون:
طرحتم من الترحال أمرا فعمنا ... فلو قد رحلتم صبح الموت بعضنا
وقال آخر:
فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
أليس أخو الموت مستوثقا ... علي وإن قلت قد أنسأن
وأما الهاء. فقد أجمعوا ألا تكون رويا لضعفها، إلا أن يكون ما قبلها ساكنا، كما قد ذكرنا. ومن بنى شعرا على اخشوا جاز له معها: طغوا، وبغوا، وعصوا، فتكون الواو رويا لانفتاح ما قبلها وظهورها مع القبح، لأنها مع الضمة صلة، ولا تكون هذه إلا رويا.
عيوب القوافي
السناد، والإيطاء، والإقواء، والإكفاء، والإجازة، والتضمين، والإصراف.
السناد على ثلاثة أوجه: فالوجه الأول منها اختلاف الحرف الذي قبل الردف بالفتح والكسر، نحو قول الشاعر:
ألم تر أن تغلب أهل عز ... جبال معاقل ما يرتقينا
شربنا من دماء بني تميم ... بأطراف القنا حتى روينا

(2/384)


والوجه الثاني اختلاف التوجيه في الروي المقيد، وهو اجتماع الفتحة التي قبل الروي مع الكسرة والضمة، كهيئتها في الحذو، وذلك كقوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ثم قال:
ألف شتى ليس بالراعي الحمق
ومثله:
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرفت الأرض واليوم قر
والوجه الثالث من السناد أن يدخل حرف الردف ثم يدعه، نحو قول الشاعر:
وبالطوف نالا خير ما أصبحا به ... وما المرء إلا بالتقلب والطوف
فراق حبيب وانتهاء عن الهوى ... فلا تعذليني قد بدا لك ما أخفي
وأما القافية المطلقة فليس اختلاف التوجيه فيه سنادا.
وأما الإقواء والإكفاء فهما عند بعض العلماء شيء واحد، وبعضهم يجعل الإقواء في العروض خاصة دون الضرب، ويجعلون الإكفاء والإيطاء في الضرب دون العروض.
فالإقواء عندهم أن تنقص قوة العروض، فيكون: مفعولن في الكامل، ويكون في الضرب متفاعلن فيزيد العجز على الصدر زيادة قبيحة. فيقال: أقوى في العروض، أي أذهب قوته، نحو قول الشاعر:
لما رأت ماء السلى مشروبا ... والفرث يعصر في الإناء أرنت
ومثله:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
والخليل يسمى هذا المقعر. وزعم يونس أن الإكفاء عند العرب هو الإقواء. وبعضهم يجعله تبديل القوافي، مثل أن يأتي بالعين مع الغين لشبههما في الهجاء، وبالدال مع الطاء، لتقارب مخرجيهما، ويحتج بقول الشاعر:
جارية من ضبة بن أد ... كأنها في درعها المنعط
والخليل يسمى هذا الإجازة. وأبو عمرو يقول: الإقواء: اختلاف إعراب القوافي بالكسر، والضم، والفتح. وكذلك هو عند يونس وسيبويه.
والإجازة عند بعضهم اجتماع الفتح مع الضم أو الكسر في القافية. ولا تجوز الإجازة إلا فيما كان فيه لوصل هاء ساكنة، نحو قول الشاعر:
الحمد لله الذي ... يعفو ويشتد انتقامه
في كرههم ورضاهم ... لا يستطيعون اهتضامه
ومثله:
فديت من أنصفني في الهوى ... حتى إذا أحكمه مله
أينما كنت ومن ذا الذي ... قبلي صفا العيش له كله
والإكفاء: اختلاف القوافي بالكسر والضم، عند جميع العلماء بالشعر، إلا ما ذكر يونس. وأما المضمن، فهو أن لا تكون القافية مستغنية عن البيت الذي يليها، نحو قول الشاعر:
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواطن صالحات ... تنبئهم بود الصدر مني
وهذا قبيح، لأن البيت الأول متعلق بالبيت الثاني لا يستغني عنه، وهو كثير في الشعر. وأما الإيطاء، وهو أحسن ما يعاب به الشعر، فهو تكرير القوافي. وكلما تباعد الإيطاء كان أحسن، وليس في المعرفة مع النكرة إيطاء.
وكان الخليل يزعم أن كل ما اتفق لفظه من الأسماء والأفعال، وإن اختلف معناه فهو إيطاء، لأن الإيطاء عنده إنما هو ترديد اللفظتين المتفقتين من الجنس الواحد، إذا قلت للرجل تخاطبه: أنت تضرب، وفي الحكاية عن المرأة: هي تضرب، فهو إيطاء. وكذلك في قافية: أمر جلل، وأنت تريد تعظيمه، وهو في قافية أخرى جلل وأنت تريد تهوينه، فهو إيطاء. حتى إذا كان اسم مع فعل، اسم، وإن اتفقا في الظاهر فليس بإيطاء، مثل يزيد، وهو ويزيد، وهو فعل،
ما يجوز في القافية من حروف اللين
اعلم أن القوافي التي تدخلها حروف المد، وهي حروف اللين، فهي كل قافية حذف منها حرف ساكن وحركة، فتقوم المدة مقام ما حذف.
وهو من الطويل فعولن المحذوف، ومن المديد فاعلان المقصور، وفعلن الأبتر. ومن البسيط فعلن المقطوع، ومفعولن المقطوع.
فأما مستفعلان المذال، فاختلف فيه، فأجازه قوم بغير حرف مد، لأنه قد تم وزيد عليه حرف بعد تمامه. وألزمه قوم المد لالتقاء الساكنين، وقالوا: المدة بين الساكنين تقوم مقام الحركة. وإجازته بغير حرف مد أحسن لتمامه.
وأما الوافر فلا يلزم شيء منه حرف مد.

(2/385)


وأما الكامل فيدخل فيه حرف اللين في فعلاتن المقطوع، وفي متفاعلان المذال.
وأما الهزج فلا يلزمه حرف مد.
وأما الرجز فيلزم مفعولن منه المقطوع حرف المد.
وأما الرمل فيلزم فاعلان وحدها لالتقاء الساكنين.
وأما السريع فيلزم فاعلان الموقوف لالتقاء الساكنين. وكذلك مفعولان. وأما المنسرح فيلزم مفعولات، كما يلزم السريع.
وأما الخفيف فإنه يلزم فعولن المقصور، وإن كان قد نقص منه حرفان، ليس في المدة خلف من حرفين. ولكن لما نقص من الجزء حرف، وهو سين مستفعلن قام ما تخلف بالمدة مقام ما نقص من آخر الجزء، لأنه بعد المدة.
وأما المضارع والمقتضب والمجتث فليس فيها حرف مد لتمام أواخرها.
وأما المتقارب فألزموا فعول المقصور حرف المد لالتقاء الساكنين.
قال سيبويه: وكل هذه القوافي قد يجوز أن تكون بغير حرف المد، لأن رويها تام صحيح على مثل حاله بحرف المد، وقد جاء مثل ذلك لا أشعارهم، ولكنه شاذ قليل، وأن يكون بحرف المد أحسن لكثرته ولزوم الشعراء إياه. ومما قيل بغير حرف مد.
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ... قدما وقلت عليك خير معد
وقال آخر:
إن تمنع النوم النساء يمنعن
مقطعات على تأليف حروف الهجاء
وضروب العروض
الضرب الأول من
الطويل
السالم
وأزهر كالعيوق يسعى بزهراء ... لنا منهما داء وبرء من الداء
ألا بأبي صدع حكى العين عطفه ... وشارب مسك قد حكى عطفة الراء
فما السحر ما يعزي إلى أرض بابل ... ولكن قثور اللحظ من طرف حوراء
وكف أدارت فذهب اللون أصفرا ... بمذهبة في راحة الكف صفراء
الضرب الثاني من الطويل
مقبوض
معذبتي رفقا بقلب معذب ... وان كان يرضيك العذاب فعذبي
لعمري لقد باعدت غير مباعد ... كما أنني قربت غير مقرب
بنفسي بدر أخمل البدر نوره ... وشمس متى تطلع إلى الشمس تغرب
لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له ... لما قال: مرا بي على أم جندب
الضرب الثالث من الطويل
المحذوف المعتمد
محب طوى كشحا على الزفرات ... وإنسان عين خاض في غمرات
فيا من بعينيه سقامي وصحتي ... وفي في عيديه ميتتي وحياتي
بحبك عاشرت الهموم صبابة ... كأني لها ترب وهن لداتي
فخدي أرض. للدموع ومقلتي ... سماء لها تنهل بالعبرات
الضرب الأول من
المديد
السالم
طلق اللهو فؤادي ثلاثا ... لا ارتجاع لي بعد الثلاث
وبياض في سواد عذاري ... بدل التشبيب لي بالمراثي
غير أني لا أطيق اصطبارا ... وأراني صابرا لا نتكائي
بإناث في صفات ذكور ... وذكور في صفات إناث
الضرب الثاني من المديد
المقصور اللازم الثاني
صدعت قلبي صدع الزجاج ... ماله من حيلة أو علاج
مزجت روحي ألحاظها ... بالهوى فهو لروحي مزاج
يا قضيبا فوق دعص نقا ... وكثيبا تحت تمثال عاج
أنت نوري في ظلام الدجى ... وسراجي عند فقد السراج
الضرب الثالث من المديد
المحذوف اللازم الثاني
مستهام دمعه سابح ... بين جنبيه هوى فادح
كلما أم سبيل الهدى ... عافه السانح والبارح
حل فيما بين أعدائه ... وهو عن أحبابه نازح
أيها القادح نار الهوى ... أصلها يأيها القادح
الضرب الرابع من المديد
المقطوع المحذوف
عاد منها كل مطبوخ ... غير داذي ومفضوخ
واعتقد من ود أهل الحمى ... كل ود غير مشدوخ

(2/386)


وانتشق رياك من ملتقى ... ضارب بالمسك ملطوخ
إن في العلم وآثاره ... ناسخا من بعد منسوخ
الضرب الخامس من المديد
المحذوف المخبون
يا مجيل الروح في جسدي ... والذي يفتر عن برد
وفريد الحسن واحده ... منتهاه منتهى العدد
خذ بكفي إنني غرق ... في بحار جمة المدد
ورياح الهجر قد هدمت ... ما أقام الوصل من أودي
الضرب السادس من المديد
الأبتر
ذكرت من طيزناباذ ... فقرى الكرخ ببغداد
قهوة ليست بباذقة ... لا ولا بتع ولا داذي
مرة يهذي الحليم بها ... بأبي ذلك من هاذي
فهي أستاذ الشراب بنا ... والمعاني دأب أستاذي
الضرب الأول من
البسيط
المخبون
نور تولد من شمس ومن قمر ... في طرفه قدر أمضى من القدر
أصلى فؤادي بلا ذنب جوى حرق ... لم يبق من مهجتي شيئا ولم يذر
لا والرحيق المصفى من مراشفه ... وما بخديه من ورد ومن طرر
ما أنصف الحب قلبي في حكومته ... ولا عفا الشوق عنى عفو مقتدر
الضرب الثاني من البسيط
المقطوع
خرجت أجتاز قفرا غير مجتاز ... فصادني أشهل العينين كالبازي
صقر على كفه صقر يؤلفه ... ذا فوق بغل وهذا فوق قفاز
كم موعد لي من ألحاظ مقلته ... لو انه موعد يقضى بإنجاز
أبكي ويضحك مني طرفه هزوا ... نفسي الفداء لذاك الضاحك الهازي
الضرب الثالث من البسيط
المجزوء المذال
يا غصنا مائسا بين الرياط ... مالي بعدك بالعيش اغتباط
يا من إذا ما بدا لي ماشيا ... وددت أن له خدي بساط
تترك عيناه من أبصره ... مختلطا عقله كل اختلاط
قلت متى نلتقي يا سيدي ... قال غدا نلتقي عند الصراط
الضرب الرابع من البسيط
المجزوء السالم
يا ساحرا طرفه إذ يلحظ ... وفاتنا لفظه إذ يلفظ
يا غصنا ينثني من لينه ... وجهك من كل عين يحفظ
أيقظ طرفي إذ بدا من نعسة ... من طرفه ناعس مستيقظ
ظبي له وجنة من رقة ... تجرحها مقلتي إذ تلحظ
الضرب الخامس من البسيط
المقطوع
يا من دمي دونه مسفوك ... وكل حر له مملوك
كأنه فضة مسبوكة ... أو ذهب خالص مسبوك
ما أطيب العيش إلا أنه ... عن عاجل كله متروك
والخير مسدودة أبوابه ... ولا طريق له مسلوك
العروض المجزوء المقطوع
ضربه مثله
إليك يا غرة الهلال ... وبدعة الحسن والجمال
مددت كفا بها انقباض ... فأين كفي من الهلال
شكوت ما بي إليك وجدا ... فلم ترق ولم تبال
أعاضك الله عن قريب ... حالا من السقم مثل حالي
العروض الأول من
الوافر
ضربه مثله
بنفسي من مراشفه مدام ... ومن لحظات مقلته سهام
ومن هو إن بدا والبدر تم ... خفي من حسنه البدر التمام
أقول له وقد أبدى صدودا ... فلا لفظ إلي ولا ابتسام
تكلم ليس يوجعك الكلام ... ولا يمحو محاسنك السلام
العروض الثاني من الوافر
مجزوء سالم ضربه مثله
سلبت الروح من بدني ... ورعت القلب بالحزن
فلي بدن بلا روح ... ولي روح بلا بدن

(2/387)


قرنت مع الردى نفسي ... فنفسي وهو في قرن
فليت السحر من عيني ... ك لم أره ولم يرني
العروض الثالث من الوافر
المجزوء المعصوب
غزال من بني العاص ... أحس بصوت قناص
فأتلع جيبه ذعرا ... وأشخص أي إشخاص
أيا من أخلصت نفسي ... هواه كل إخلاص
أطاعك من صميم القل ... ب عفوا كل معتاص
العروض الأول من
الكامل التام
ضربه مثله
في الكلة الصفراء ريم أبيض ... يسبي القلوب بمقلتيه ويمرض
لما غدا بين الحمول مقوضا ... كاد الفؤاد عن الحياة يقوض
صد الكرى عن جفن عينك معرضا ... لما رآه يصد عنك ويعرض
أديت من حبي إليك فريضة ... إن كان حب الخلق مما يفرض
الضرب الثاني
المقطوع
أومت إليك جفونها بوداع ... خود بدت لك من وراء قناع
بيضاء أنماها النعيم بصفرة ... فكأنها شمس بغير شعاع
أما الشباب فودعت أيامه ... ووداعهن موكل بوداعي
لله أيام الصبا لو أنها ... كرت علي بلذة وسماع
الضرب الثالث
الأحذ المضمر
أصغى إليك بكأسه مصغي ... صلت الجبين معقرب الصدغ
كأس تؤلف بالمحبة بيننا ... طورا وتنزغ أيما نزغ
في روضة درجت بزهرتها الصبا ... والشمس في درج من الفرغ
فاشرب بكف أغن عقرب صدغه ... للقلب منك مميتة اللدغ
الضرب الرابع
الأحذ الممنوع من الإضمار العروض الثاني
يا دمية نصبت لمعتكف ... بل ظبية أوفت على شرف
بل درة زهراء ما سكنت ... بحرا ولا اكتنفت ذرا صدف
أسرفت في قتلي بلا ترة ... وسمعت قول الله في السرف
إني أتوب إليك معترفا ... إن كنت تقبل توب معترف
الضرب الخامس
الأحذ المضمر
يا فتنة بعثت على الخلق ... ما بينها والموت من فرق
شمس بدت لك من مغاربها ... يفتره مبسمها عن البرق
ما كنت أحسب قبل رؤيتها ... للشمس مطلعا سوى الشرق
يا من يضن بفضل نائله ... لوفي يديه مفاتح الرزق
الضرب السادس
المجزوء المرفل العروض الثالث - له أربعة ضروب
طلعت له والليل دامس ... شمس تجلت في حنادس
تختال في لين المجا ... سد بين حارسة وحارس
يا من ببهجة وجهه ... يستأسر البطل الممارس
لم يبق من قبلي سوى ... رسم تغير فهو دارس
الضرب السابع
المجزوء المذيل
دع قول واشية وواشي ... واجعلهما كلبي هراش
واشرب معتقة تسل ... سل في العظام وفي المشاش
الضرب الثامن
المجزوء الصحيح
ألحاظ عيني تلتهي ... في روض ورد يزدهي
رتعت بها وتنزهت ... فيها ألذ تنزه
يا أيها الخنث الجفو ... ن بنخوة وتكره
والمكتسي غنجا أما ... ترثي لأشعث أمره
الضرب التاسع
المجزوء المقطوع إلا من سلامة الثاني
أطفت شرارة لهوي ... ولوت بشدة عدوي
شعل علون مفارقي ... ومضت ببهجة سروي
لما سلكت عروضها ... ذهب الزحاف بحذوي
يا أيها الشادي صه ... ليست بساعة شدو
الهزج
له عروض واحد وضربان
ألا ياويح قلبي للش ... باب الغض إذ ولى
جعلت الغي سربالي ... وكان الرشد بي أولى

(2/388)


بنفسي جائر في الحك ... م يلفى جوره عدلا
وليس الشهد في فيه ... بأحلى عنده من لا
الضرب الثاني
المحذوف
هنا تفنى قوافي الشع ... ر في هذا الروي
قواف ألبست حليا ... من الحسن البدي
تعالت عن جرير بل ... زهير بل عدي
/كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان
واختلاف الناس فيه
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في أعاريض الشعر، وعلل القوافي، وفسرنا جميع ذلك بالمنظوم والمنثور، ونحن قائلون بعون الله وإذنه في علم الغناء واختلاف الناس فيه، ومن كرهه ولأي وجه كرهه، ومن استحسنه ولأي وجه استحسن.
وكرهنا أن يكون كتابنا هذا بعد اشتماله على فنون الآداب والحكم والنوادر والأمثال، عطلا من هذه الصناعة التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس.
قال أبو سعيد بن مسلم: قلت لابن دأب: قد أخذت من كل شيء بطرف غير شيء واحد، فلا أدري ما صنعت فيه؟ فقال: لعلك تريد الغناء؟ قلت: أجل. قال: أما إنك لو شهدتني وأنا أترنم بشعر كثير عزة حيث يقول:
وما مر من يوم علي كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
لاسترخت تكتك. قال: قلت: أتقول لي هذا؟ قال: إي والله، وللمهدي أمير المؤمنين كنت أقوله.
فضل الصوت الحسن
قال بعض أهل التفسير في قول الله تبارك وتعالى: " يزيد في الخلق ما يشاء " : هو الصوت الحسن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري، لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يسري في الجسم ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتهش له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات. ومن ذلك كرهوا للطفل أن ينوم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.
وقالت ليلى الأخيلية للحجاج حين سألها عن ولدها، وأعجبه ما رأى من شبابه: إني والله ما حملته سهوا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا ولا أنمته مئقا. يعني لم أنومه مستوحشا باكيا. ما حملته سهوا. تعني في بقايا الحيض. ويقال: حملت المرأة وضعا وتضعا، إذا حملت في استقبال الحيض. وقولها ولا وضعته يتنا تعني منكسا. وقولها: ولا أرضعته غيلا تعني لبنا فاسدا.
وزعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه الروح. ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا. ألا ترى أن أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان فاستراحت لها أنفسهم. وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه. ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد، إلا وفيها معاناة على البدن وتعب على الجوارح، ما خلا السماع؛ فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة. فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق صلى الله عليه وسلم اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض، والتجاوز عن الذنوب. وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويرقق القلب من قسوته، ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره.
وكان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء؛ كأنه يتذكر به نعيم الآخرة.
وقال أحمد بن أبي داود: إن كنت لأسمع الغناء من مخارق عند المعتصم فيقع علي البكاء. حتى إن البهائم لتحن إلى الصوت الحسن وتعرف فضله.
وقال العتابي وذكر رجلا فقال: والله إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، والنحل على الغناء.
وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء، وأن أفراخها لا تستنزل بمثل الزجل والصوت الحسن. قال الراجز:
والطير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصوت

(2/389)


وبعد: فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب، وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن، لا سيما إذا كان من وجه حسن، كما قال الشاعر:
رب سماع حسن ... سمعته من حسن
مقرب من فرح ... مبعد من حزن
لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدني
وهل على الأرض رعديد مستطار الفؤاد يغني بقول جرير بن الخطفي:
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا ثاب إليه روحه، وقوي قلبه. أم هل على الأرض بخيل قد تقفعت أطرافه لؤما؟ ثم غني بقول حاتم الطائي:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله، ورشحت أطرافه؟ أم هل على الأرض غريب نازح الدار بعيد المحل يغني بشعر علي بن الجهم:
يا وحشتا للغريب في البلد الن ... ازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأيه وغربته ... عدل من الله كل ما صنعا
إلا انقطعت كبده حنينا إلى وطنه، وتشوقا إلى سكنه.
اختلاف الناس في الغناء
اختلاف الناس في الغناء، فأجازه عامة أهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق. فمن حجة من أجازه أن أصله الشعر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحض عليه، وندب أصحابه إليه، وتجند به على المشركين. فقال لحسان: شن الغارة على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام.
وهو ديوان العرب، ومقيد أحكامهم، والشاهد على مكارمها. وأكثر شعر حسان بن ثابت يغنى به.
قال فرج بن سلام: حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: شهد حسان بن ثابت مأدبة لرجل من الأنصار، وقد كف بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فكلما قدم شيء من الطعام قال حسان لابنه: أطعام يد أم طعام يدين؟ فيقول له: طعام يد. حتى قدم الشواء. فقال له: هذا طعام يدين. فقبض الشيخ يده. فلما رفع الطعام اندفعت قينة لهم تغني بشعر حسان:
انظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد
جمال شعثاء قد هبطن من ال ... محبس بين الكثبان فالسند
قال: فجعل حسان يبكي، وجعل عبد الرحمن يومئ إلى القينة أن تردده. قال الأصمعي: فلا أدري ما الذي أعجب عبد الرحمن من بكاء أبيه.
وقالت عائشة، رضي الله عنها: علموا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
وأردف النبي صلى الله عليه وسلم الشريد، فايتنشده من شعر أمية، فأنشده مائة قافية وهو يقول: هيه، استحسانا لها.
فلما أعياهم القدح في الشعر والقول فيه، قالوا: الشعر حسن ولا نرى أن يؤخذ بلحن حسن. وأجازوا ذلك في القرآن وفي الأذان. فإن كانت الألحان مكروهة، فالقرآن والأذان أحق بالتنزيه عنه. وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وإخراجه عن حد الخبر. وما الفرق بين أن ينشد الرجل:
أتعرف رسما كاطراد المذانب
مترسلا، أم يرفع بها صوته مرتجلا. وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمد الصوت فيه والدنانة. ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور.
واحتجوا في إباحة الغناء واستحسانه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: أهديتم الفتاة إلى بعلها؟ قالت: نعم. قال: ويعثتم معها من يغني؟ قالت: لا، قال: أو ما علمتم أن الأنصار قوم يعجبهم الغزل؟ ألا بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم ... نحييكم نحييكم
ولولا الحبة السمرا ... ء لم نحلل بواديكم
واحتجوا بحديث عبد الله بن أويس، ابن عم مالك، وكان من أفضل رجال الزهري قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بجارية في ظل فارع وهي تغني:
هل علي ويحكم ... إن لهوت من حرج
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله. والذي لا ينكره أكثر الناس غناء النصب، وهو غناء الركبان.
حدث عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: مر بنا عمر بن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا علي. فأعدنا عليه. فقال: أنتما كحماري العبادي، وقيل له: أي حماريك شر؟ قال: هذا ثم هذا.

(2/390)


وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبا.
ومن حديث الحماني عن حماد بن زيد بن يسار قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقى له مصلي، فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى. فقلت: سبحان الله أبا إسحاق، أتفعل مثل هذا وأنت محرم؟ فقال: يا بن أخي، وهل تسمعني أقول هجرا؟ ومن حديث المفضل عن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى، قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك. فأسمعه كلمة له. قال: وإنك لقائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.
عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على ألحان الغناء والحداء. قال: وما بأس ذلك يا ابن أخي؟ قال: وحدث عبيد بن عمير الليثي أن داود النبي عليه السلام كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور، لتجتمع عليه الجن والإنس والطير، فيبكي ويبكي من حوله. وأهل الكتاب يجدون هذا في كتبهم.
ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويستخف الحليم، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله عز وجل: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا " . وأخطأوا في التأويل. إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السمر والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون إنها أفضل منه. وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا. وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.
وقد حدث إبراهيم بن المنذر الحزامي أن ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير، ففرقه في ضعفاء أهلها، فقال سفيان بن عيينة: بلغني أن هذا السهمي قدم بمال كثير. قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى؟ قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء يغنيهم؟ قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟ فقال له فتى من تلاميذه: يقول:
أطوف بالبيت مع من يطوف ... وأرفع من مئزري المسبل
قال: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا؟ قال:
وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلو من المحكم المنزل
قال: وأحسن أيضا، أحسن الله إليه؛ ثم ماذا؟ قال:
عسى فارج الهم عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل
قال: أمسك أمسك. أفسد آخرا ما أصلح أولا.
ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه الله حسن الحسن من قوله وقبح القبيح.
وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها، كما كره بعضهم الملاذ ولبس العباء، وكره الحوارى وأكل الكشكار، وترك البر وأكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإن ذلك وجه حسن ومذهب جميل. فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. يقول الله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " .
وقد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء أو متجاهلا به، فلا يأمر به ولا ينكره. قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ قال: نعم العون على طاعة الله! يصل الرجل به رحمه، ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه. قال الحسن: والله يا بن أخي، ما ظننت أن عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا.
وإنما أنكر عليه الحسن تشويه وتعويج فمه، وإن كان أنكر الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه.
قال إسحاق بن عمارة: حدثني أبو المغلس عن أبي الحارث، قال: اختلف في الغناء عند محمد بن إبراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جريج وإلى عمرو ابن عبيد فأتياه فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده، وعنده ابن سريج المغني، فكان إذا غنى لم يقل له: اسكت، وإذا سكت لم يقل له: غن، وإذا لحن رد عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول: " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " . فأيهما يكتب الغناء؟ الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما، لأنه لغو كحديث الناس فيما بينهم، من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم.

(2/391)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية