صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الصبح المنبي عن حيثية المتنبي
المؤلف : يوسف البديعي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

صار الخصي إمام الآبقين بها ... فالحر مستعبد والعبد معبود
وآخرها:
أولى اللثام كويفير بمعذرة ... في كل لؤم وبعض العذر تفنيد
وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود
وفي يوم العيد سار من مصر هاربا، وأخفى طريقه، فلم يؤخذ له أثر، حتى قال بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقا تحت الأرض، وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب، وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب، وكتب إلى عماله في سائر أعماله، ودخل أبو الطيب إلى موضع يعرف بنخل بعد أيام، وسار حتى قرب من النقاب فرأى رائدين لبني سليم على قلوصين، فركب الخيل، وطردهما، حتى أخذهما، فذكروا له أن أهلها أرسلوهما رائدين، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسارا معه حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل، فضرب له ملاعب خيمة بيضاء، وذبح له، وسار إلى النقيع، فنزل ببادية معن، فذبح له، وسار إلى أن دخل حسمي، وهي أرض كثيرة النخل، وطابت له حسمي، فأقام بها شهرا، وكان نازلا بها عند وردان بن ربيعة الطائي، فاستغوى عبيده، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من رحله. وكاتب الأسود سائر قبائل العرب في طلبه، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، وكان وردان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفا مستورا، فسأله أن ينظره، فأبى، لأنه كان على قائمته مائة مثقال من الذهب، وكان السيف ثمينا، فجعل الطائي يحتال على العبيد بامرأته، طمعا في السيف، لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر أبو الطيب أمر العبيد، ووقف على مكاتبة الأسود، ترك عبيده نياما، وتقدم إلى الجمال فشد عليها أسبابه، وسار والقوم لا يعلمون برحيله، وطرح عبيده على الإبل وهم لا يعلمون، وأخذ في المسير، وأخذ بعض العبيد السيف في الليل، فدفعه إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو الطيب القطعة التي أولها:
أعددت للغادرين أسيافا ... أجدع منهم بهن آنافا
وقال أيضا يهجو وردان:
إن تك طيئ كانت لئاما ... فألأمها ربيعة أو بنوة
وإن تك طيئ كانت كراما ... فوردان لغيرهم أبوه
مررنا منه في حسمي بعبد ... يمج اللؤم منخره وفوه
أشذ بعرسه عني عبيدي ... فأتلفهم ومالي أتلفوه
فإن شقيت بأيديهم جيادي ... لقد شقيت بمنصلي الوجوه
ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثورا يلوح فقال هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وضحكت البادية التي كانت معه وقال:
بسيطة مهلا سقيت القطارا ... تركت عيون عبيدي حياري
فظنوا النعام عليك النخيل ... وظنوا الصوار عليك المنارا
وأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قصد النوم فيهم وحارا
وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها:
الأكل ماشية الخيزلي ... فدى كل ماشية الهيذبي
وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام.
أبو الطيب في مدينة السلام

(1/33)


قال أبو علي الحاتمي: كان أبو الطيب عند وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا يرى أحدا إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق بشيء من مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئا من شعره فحين استؤذن لي نهض من مجلسه ودخل بيتا إلى جانبه، ونزلت عن بغلتي وهو يراني، ودخلت إلى مكانه، فلما خرج إلي نهضت إليه فوفيته حق السلام غير مشاح له في ذلك، وكان سبب قيامه من مجلسه لئلا يقوم لي عند الدخول إليه ولبس سبعة أقبية ملونة وكان الوقت أحر ما يكون من الصيف وأحق بتخفيف اللبس فجلس وأعرض عني ساعة لا يعيرني طرفا، ولا يكلمني حرفا، فكدت أتميز غيظا، وأقبلت أستخف رأيي في قصده، وأعاتب نفسي في التوجه إلى مثله، وهو مقبل على تكبره ملتفت إلى الجماعة الذين بين يديه وكل واحد منهم يومي إليه، ويوحي بطرفه، ويشير إلى مكاني، ويوقظه من ستة جهله ويأبى إلا ازورارا ونفارا جريا على شاكلة خلقه، ثم توجه إلي فوالله ما زادني على قوله: أي شيء خبرك؟ فقلت ما جنيته على نفسي من قصدك وكلفت قدمي من السعي إلى مثلك، ثم انحدرت عليه انحدار السيل وقلت أبن لي عافاك الله ما الذي يوجب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء؟ هل هنا نسب يورثك الفخر، أو شرف توجت به دون أبناء الدهر، أو علم، أصبت فيه علما يقع الإيماء إليه، أو مورد تقف الهمم عليه؟ وهل أنت إلا وتد بقاع في أشر البقاع؟ وإني لأسمع جعجعة ولا طحن فامتقع لونه، وجعل يعتذر عن جنايته، وأقول له يا هذا إذا أتاك شريف في نسبه تجاهلت عليه، أو عظيم في أدبه صغرت قدره، أو مقدم عند سلطانه لم تعرف موضعه، هل العز تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، ولكنك مددت الكبر سترا، رواقا دون جهلك، فعاد إلى الاعتذار وأخذت الجماعة في تليين جانبي، والرغبة في قبول عذره وإعمال مياسرته ومسامحته، ويحلف بالله أنه لم يعرفني فأقول: يا هذا ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما كان في هؤلاء الجماعة من يعرفك بي إن كنت جهلتني؟ وهب كان ذلك ألم ترتحتي بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يدي عدة غلمان؟ أما شاهدت لباسي أما شممت نشري أما راعك شيء من أمري أتميز به عن غيري؟ وهو خافض جناح الذل، وقد زال عنه ما كان فيه وأقبل على، وأقبلت عليه.
ثم قلت له يا هذا يختلج في نفسي أشياء من شعرك أريد أن أسألك عنها، وأراجعك فيها. قال وما هي؟ قلت أخبرني عن قولك:
إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
أهكذا يتشبب بالمحبوب؟ وعن قولك:
ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعها نفض النعال
أهكذا رثاء أحت الملك؟ والله لو قلت هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا، وعن قولك:
سلام الله خالقنا حنوطا ... على الوجه المكفن بالجمال
أما استحييت من سيف الدولة؟ عن قولك في هجاء ابن كيغلغ:
وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
أما كان في أفانين الهجاء التي تصرفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الذي تنفر عنه الأسماع، ويمجه كل طبع. وأخبرني أيضا عن قولك في صفة الكلب:
فصار ما في جلده في المرجل ... ولم يضرنا معه فقد الأجدل

(1/34)


أي شيء أعجبك من هذا الوصف؟ أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز الحسن بن هانئ وطردية ابن المعتز أما كان في المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران ما تتشاغل به عن بنيات فكرك من اللفظ اللئيم؟ وعن قولك:
أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق
أهكذا تكون الافتتاحات؟ وعن قولك:
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن ريعا
أهكذا تكون المخالص؟ وعن قولك:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيسى كلهن قلاقل
قال أبو علي الحاتمي فأقبل على وقال أين أنت من قولي؟
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
وأين أنت من قولي في وصف جيش:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره
وأين أنت من قولي؟:
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
ومن قولي أيضا:
أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهره يشمل
وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وقولي فيها أيضا:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل
وأين أنت من قولي؟
الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه
وأين أنت من قولي؟
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيل
أما يكفيك إحساني في هذه وتغفر إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحسانا في جميع ما ذكرت، وإنما أنت سارق متبع، وآخذ مقصر وفيما تقدم عن المعاني مندوحة عن التشاغل بها.
فأما قولك:
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
فمنقول من منصور النمري:
فكأنما وقع الحسام بهامه ... خدر الأسنة أو نعاس الهاجع
وأما قولك:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره
فإنما نقلته نقلا لم تحسن فيه، وهو قول الناجم:
ولي في أحمد أمل بعيد ... ومدح قد مدحت به طريف
مديح لو مدحت به الليالي ... لما دارت على لها صروف
والناجم نقله من قول أرسطو وهو: قد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت على صروفه.
وأما قولك:
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
فهذا معنى مبذول قد تجاذبته الشعراء، وأول من نطق به الفرزدق بقوله:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
ثم تكرر على ألسنة الشعراء، إلى أن قال أبو تمام:
لو سعت بقعة لإعظام أخرى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وأخذ هذا المعنى البحتري، فقال:
ولو إن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنير
وأما قولك:
وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل.
فهذا مأخوذ من قول رحل مدح بعض أمراء الموصل، وقد عزم على المسير، فاندق لواؤه فقال:
ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مرتلا
إلا لأن العود صغر متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا
وأما قولك:
الناس ما لم يرك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه
فمنقول من قول منصور بن بسام
قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال
وأما قولك:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل.
فمنقول من قول أبي نواس:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد
وقال بعض الحاضرين ما أحسن قوله: قوموا انظروا كيف تسير الجبال! فقال أبو الطيب اسكت ما فيه من حسن إنما سرقة من قول النابغة وهو:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح

(1/35)


قال الحاتمي وأما قولك: " والدهر لفظ وأنت معناه " فمنقول من الأخطل وهو:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لك الدهر لا عار بما فعل الدهر
ثم قلت له: أتراه أخذه من أحد؟ فأطرق هنية ثم قال: ما تصنع بهذا؟ قلت ليستدل به على موضعك وموضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال الله أكبر، سأفهمك، ثم قال: ألا قلت بل أخذه من قول النابغة الذبياني: وهو أول من ابتكره، فقال:
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاه من عار
أخذه أبو تمام فقال وأجاد:
خشعوا لصولتك التي هي فيهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار
وأما قولك:
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصول
فهو من قول عبد الله بن دارة.
ألم تعلمي يا أحسن الناس أنني ... وإن طال هجري في لقائك جاهد
فلا تعذلينا في التنائي فإننا ... وإياك كالظمآن والماء بارد
يراه قريبا دانيا غير أنه ... تحول المنايا دونه والمراصد
فقال أبو الطيب: ألست القائل:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
شرف ينطح النجوم بروقي - ه وعز يقلقل الأجبالا قلت بل أخذت البيت الأول من بكر بن النطاح:
يتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنا بوجه وقاح
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجد غير طرق المزاح
وأخذت الثاني من بيت أبي تمام وأفسدته.
همة تنطح النجوم وحظ ... آلف للحضيض فهو حضيض
قال: فأي شيء أفسدته؟ قلت: جعلت لشرف الرجل قرنا. قال هي استعارة. قلت: استعارة خبيثة. قال: أقسمت بالله إني لم أقرأ شعرا قط لأبي تمامكم. فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى. قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو القائل؟:
خشنت عليه أخت بني الخشين ... وأنجح فيك قول العاذلين
وهو الذي يقول:
تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودها قبل نضج التين والعنب
وهو الذي يقول:
أقول لقرحان من البين لم يصب ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب
ما قرحان البين؟ أخرس الله لسانه! فقلت له: يا هذا، قد كذبت نفسك، هذا من أدل الدليل على أنك قد قرأت شعر الرجل، بتتبعك مساويه، ثم قلت: يتسم أبو تمام بميسم النقيصة وهو الذي يقول:
نوالك رد حسادي فلولا ... وأصلح بين حسادي وبيني
هلا اعتبرت البيت بهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؟ وأما قوله تسعون ألفا . . . البيت، فله خبر لو عرفته وتقصيته، لما قلت ما قلتثم قصصت عليه سبب إيراده. ثم قلت له وفي هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء، وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال وما هو؟ قلت لو قال قائل لم يبدأ أحد بأوجه ولا أحسن ولا أخصر من قوله:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
لما عنف في ذلك، وفيها يقول:
رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب
وفيها:
لما رأى الحرب رأى العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
ومنها:
فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب
حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها وكأن الشمس لم تغب
أجبته معلنا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب
وأما قوله. أقول لقرحان من البين . . . البيت فإنه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم ينأوا عنه وفي هذه القصيدة من المعاني الرائعة، والتشبيهات العجيبة، والاستعارات البارعة، ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، فمن ذلك قوله.
إذا العيس لا قت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب

(1/36)


وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك من كل جاذب
بأرشق إذ سالت عليهم غمامة ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب
بأنك لما استحنك الأمر واكتسى ... أهابي تسفي في وجوه التجارب
وفيها يقول:
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
فبهره ما أوردته عليه، وأمسك عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد أن يشغب، لولا ما خاف من عاقبة شغبه ومعرفته بمكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: أكثرت من أبي تمام فلا قدس الله روح أبي تمام! فقلت: لا قدس الله روح السارق منه، الواقع فيه! ثم قلت: ما الفرق في لغة العرب بين التقديس والقداس والقادس؟ قال: وأي شيء غرضك في هذه المذاكرة؟ بل المهاترة؟ ثم قال: التقديس: التطهير، ولذلك سمي القدس قدسا، لأنه يشتمل على الذي يكون به الطهور. وكل هذه الأحرف تئول إليه، فقلت له: ما أحسبك أمعنت النظر في كتب اللغة، وعلوم العرب، ولو تقدم منك مطالعة لها، ما جمعت بين معاني هذه الكلمات، مع تباينها؛ لأن القداس بتشديد الدال: حجر يلقى في البئر لعلم غزارة ما فيه من قلته. حكى ذلك ابن الأعرابي. والقداس يشبه الجمان يعمل من الفضة حكى ذلك الخليل، واستشهد بقوله " كنظم قداس سلكه متقطع " .
والقادس: السفينة فلما علوته بالكلام قال: يا هذا، اللغة مسلمة لك، فقلت: كيف تسلمها وأنت أبو عذرتها وأولى الناس بها، وأعرفهم باشتقاقاتها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن غربيها منك، وشرع الجماعة يسألونني العفو عنه، وقبول عذره، وكنت بلغت شيئا كان في صدري، وعلمت أن الزيادة على الحد الذي انتهيت إليه ضرب من الأشر والبغي، ولا أراه في مذهبي، ورأيت له حق التقدم في صناعته فطأطأت له كنفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت، فنهض لي مشيعا إلى باب الدار، حتى ركبت وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عن لي عن حضرة الوزير المهلبي، وانتهى إليه الخبر.
وأتت رسله ليلا، فسرت إليه، وقصصت عليه القصة بتمامها، فحصل له من السرور والابتهاج بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، وإخباره بكل ما أخبرته. وأخبرني الرئيس أبو القاسم محمد بن العباس أنه بمجرد دخوله على معز الدولة قال: أعلمت ما كان من أبي علي الخاتمي والمتنبي؟ فإنه شفي منه صدرا. قال أبو علي الحاتمي: وشاهدت من فضيلته، وصفاء ذهنه، وجودة حذقه، ما حداني على عمل الحاتمية، وتأكدت بيني وبينه الصحبة، وصرت أتردد إليه أحيانا.
قال الخالديان: كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد. ولقد حكي بعض من كان يحسده أنه كان يضع من الشعراء المحدثين؛ ويغض من البلغاء الملفقين، وربما قال أنشدوني لأبي تمامكم شيئا حتى أعرف منزلته من الشعر، فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، فأنشد أحدنا لمولانا أيده الله شعرا له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام استحسنه مولانا أدام الله تأييده فاستجاده واستعاده.
فقال أبو الطيب هذا يشبه قول أبي تمام، وأتى بالبيت المأخوذ منه المعنى، فقلنا قد سررنا لأبي تمام إذ عرفت شعره، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبي تمام، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده فقلنا قد قيل إنك تقول كيت وكيت، فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام، وكان يروي جميع شعره.
وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين علي غريبها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي قال له يوما: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له في الحال حجلي وظربي.
قال الشيخ أبو علي الفارسي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لها ثالثا فلم أجد. وحسبك من يقول مثل أبي على في حقه ذلك. ولما استقر بدار السلام، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذاهبا بنفسه عن مدح غير الملوك شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء العراق، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم:

(1/37)


أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
وقوله:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول
لساني بنطق صامت عنه عادل ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبعي فيهم غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتغافل
وقولي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أي فضل لشاعر يطلب الفض - ل من الناس بكرة وعشيا عاش حينا يبيع بالكوفة الما - ء وحينا يبيع ماء المحيا وكان ابن لنكك حاسدا له، طاعنا عليه، هاجيا إياه، زاعما أن أباه كان يسقي الماء بالكوفة، فشمت به، وقال:
قواد لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتمو المتنبي فوق منيته ... فزوجوه برغم أمهاتكم
لكن بغداد جاد الغيث ساكنها ... نعالهم في قفا السقاء تزدحم
ومن قوله فيه: متنبيكم ابن سقاء كوفا - ني ويوحي من الكنيف إليه
كان من فيه يسلح الشعر حتى ... سلحت فقحة الزمان عليه
ومن قوله فيه:
ما أوقح المتنبي ... فيما حكى وادعاه
أبيح مالا عظيما ... لما أباح قفاه
يا سائلي عن غناه ... من ذاك كان عناه
إن كان ذاك نبيا ... فالجاثليق إله
ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، والبحر دجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزنا، ولم يجبه عن كتابه، وقيل إن المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه عن مدح الوزراء.
وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجها إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض عن سماع شعره. قال الربعي : قال لي بعض أصحاب ابن العميد: قال دخلت عليه يوما قبل دخول المتنبي فوجدته واجما، وكانت قد ماتت أخته عن قريب، فظننته واجدا لأجلها، فقلت لا يحزن الله الوزير. فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتابا في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
فكيف السبيل إلى إخماد ذكره؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر، وهذان البيتان من قصيدة لأبي الطيب يرثى بها أخت سيف الدولة، وأنفذها إليه من بغداد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأول القصيدة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب
وفي الشطر الثاني من هذا البيت نقد للمتأمل.
وفي صفر سنة أربع وخمسين ورد على أبي الفضل بن العميد وهو بأرجان فحسن موقعه منه، وأنشده:
باد هواك صبرت أو لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
قيل: سئل أبو الطيب عن نصب تصبرا، فقال: سلوا الشارح، يعني ابن جني.
كم غر صبرك وابتسامك صاحبا ... لما رآه وفي الحشا ما لا يرى

(1/38)


قال أبو عبد الله: كان ابن العميد كثير الانتقاد علي أبي الطيب، فإنه لما أنشده هذا البيت قال: يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غر صبرك؟ ما أسرع ما نقضت ما ابتدأت به! فقال تلك حال وهذه حال:
أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
تعس المهاري غير مهري غدا ... بمصور لبس الحرير مصورا
نافست فيه صورة في خدره ... لو كنتها لخفيت حتى يظهر
لا تترب الأيدي المقيمة فوقه ... كسرى مقام الحاجبين وقيصرا
يقيان في أحد الهوادج مقلة ... رحلت وكان لها فؤادي محجرا
وقد استعمل أبو الطيب هذه الطريقة حيث قال في وصف الخيمة وهو:
وأحسن من ماء الشيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه
وفوق حواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
ترى حيوان البر مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه
إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتد أي ضراغمه
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبلج لا تيجان إلا عمائمه
وكذلك أوردها أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن ندى كل جبس
إلى أن قال في وصف إيوان كسرى:
وهوينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
فإذا ما رأيت صورة إنطا - كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر ... وأن يزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على ... أصفر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا - ء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
والسابق إليها أبو نواس في قوله:
قرراتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس
ومن قصيدة المتنبي:
أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيح مكسر
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا
أمي أبا الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا
أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أن أكون مقصرا أو مقصرا
صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا
ومنها:
يتكسب القصب الضعيف بخطه ... شرفا على صم الرماح ومفخرا
ويبين فما مس منه بنانه ... تيه المدل فلو مشى لتبخترا
يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيرا
أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا
قطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا
فهو المتبع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كررا
وإذا سكت فإن أبلغ خاطب ... قلم لك اتخذ الأنامل منبرا
ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنا وأسنة وسنورا
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
أرأيت همة اناقتي في ناقة ... نقلت يد اسرحا وخفا مجمرا
تركت دخان الرمث في أوطانه ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا
وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذفرا
لا يخفي ما في هذا البيت.
ومنها:
من مبلغ الأعراب أنى بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا

(1/39)


ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
ورأيت في نسخة قديمة )وأتت فذلك(.
ومن تأمل هذه الأبيات علم أن أبا الطيب قد ملك رقاب الكلام، واستعبد كرائمها، واستولد عقائمها، وفي ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس.
ومنها:
يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا
فترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا
وتنازع ندماء ابن العميد في البيت الأخير، فقال: أثبتوه حتى أتأمله، فأثبت البيت، ووضع بين يديه، فأطرق مليا يفكر فيه، ثم قال هذا يعطلنا عن المهم، وما كان الرجل يدري ما يقول.
وقد أشار المتنبي إلى أن ابن العميد ينتقد شعره بقوله: هل لعذري إلى الهمام أبي الفض - ل قبول سواد عيني مداده
أنا من شدة الحياء عليل ... مكرمات المعلة عواده
ما كفاني تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتى ثناه انتقاده
إنني أصيد البزاة ولكن - ن أجل النجوم لا أصطاده
رب مالا يعبر عنه ... والذي يضمر الفؤاد اعتقاده
ما تعودت أن أرى كأبي الفض - ل وهذا الذي أتاه اعتياده
إن في الموج للغريق لعذرا ... واضحا أن يفوته تعداده
وهذه الأبيات من قصيدته التي يمدح بها ابن العميد، ويهنئه بالنوروز وأولها:
جاء نيروزنا وأنت مراده ... وررت بالذي أراد زناده
هذه النظرة التي نالها من - ك إلى مثلها من الحول زاده
ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظر أنت طرفه ورقاده
نحن في أرض فارس في سرور ... ذا الصباح الذي نرى ميلاده
عظمته ممالك الفرس حتى ... كل أيام عامه حساده
ما لبسنا فيه الأكاليل حتى ... لبستها تلاعه ووهاده
وكان من عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخرها: كثر الفكر كيف نهدي كما أه - دت إلى ربها الرئيس عباده والذي عندنا من المال والخي - ل فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهار ... كل مهر ميدانه إنشاده
عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده
فارتبطها فإن قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده
وهذا من إحسان أبي الطيب.واحتج عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، ونسخت القصيدتان، وأنفذتا من أرجان إلى أبي الفتح بن أبي الفضل بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب، وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها طعن فيها على المتعرضين لقول الشعر، فقال أبو الطيب والكتاب بيده ارتجالا:
بكتب الأنام كتاب ورد ... فدت يد كاتبه كل يد
يعبر عمالنا عنده ... ويذكر من شوقه ما نجد
فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقد
إذا سمع الناس ألفاظه ... خلقن له في القلوب الحسد
فقلت وقد فرس الناطقين ... كذا يفعل الأسد ابن الأسد
وأبو الفضل بن العميد هذا هو الذي ورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نبانة السعدي وامتدحه بالقصيدة التي أولها:
برح اشتياقي وادكاري ... ولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار
لله قلبي ما يجن - ن من الهموم وما يواري لقد انقضى سكر الشبا - ب وما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغا ... روما سلوت عن الكبار
سقيا لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري
أيام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار

(1/40)


حجي إلى حجر الصرا - ة وفي حدائقها اعتماري ومواطن اللذات أو - طاني ودار اللهو داري
لم يبق لي عيش يلذم ... سوى معاقرة العقار
حثي بألحان ترا - ءت بين ألحان القماري وإذا استهل ابن العمي - د تضاحكت ديم القطار
خرق صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار
فكأنما ردفت موا - هبه بأمواج البحار
وكأن نشر حديثه ... نشر الخزامي والعرار
وكأننا مما تفرم ... ق راحتاه في نثار
كلف بحفظ السر يح - سب صدره ليل السرار إن الكبار من الأمو - ر تنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل انبعث - ن هواجس الشعر السواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال، مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، وأشار بيد إليه، وقال: أيها الرئيس إني قد لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق، انتظارا لصلتك فوالله ما بي شيء من الحرمان إلا شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم، فإن كان للنجح علامة فأين هي؟ وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناما، وأنورهم شعاعا، وأشرفهم يفاعا، فحار ابن العميد، ولم بدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدر قد دوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغنى إذا مطل يستلأم، فاستشاط ابن العميد وقال: قد والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون هذا حتى دفعنا إلى شغب عاتم، ولجاج قاتم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أوقرته في مسامعي، ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر، هذا، ولا استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مديحي، ولا كلفتك تقريضي، فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكنك جلست في صدر إيوانك بأبهتك، وقلت لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فأني وزير ركن الدولة، وزعيم أولياء الحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، وإن لم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضبا، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباته وهو مار في صحن الدار يقول: والله إن سف التراب، والمشي على الجمر، أهون لنا من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينا له، ومشتريه مماكسا فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه، التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل أثر ما كان منه، فكأنما غاض في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
وسار أبو الطيب من بعد ما ودع ابن العميد ومدحه بالقصيدة التي أولها:
نسيت وما أنسى عتابا على الصد ... ولا خفرا زادت به حمرة الخد
قاصدا أبا شجاع عضد الدولة وهو بشيراز، وأنشده القصيدة التي أولها:
أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والبديل ذكراها
وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها
قيل لما سمع سيف الدولة هذا البيت قال أتراه أدخلنا في هذه الجملة؟ ومنها:
ومن مناياهم براحته ... بأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد الد ... ولة فنا خسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها

(1/41)


تذكرت بهذا البيت ما نقله بعض أئمة الأدب: أن رجلا من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب المتنبي، فآلى على نفسه ألا يسكن مدينة يذكر بها أبو الطيب، وينشد كلامه، فهاجر من مدينة السلام، وكان كلما وصل بلدا يسمع بها ذكره يرحل عنها، حتى وصل إلى أقصى بلاد الترك، فسألا أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه، فتوطنها، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع، فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر أسماء الله الحسنى.
أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها
فعاد إلى دار السلام. ومن القصيدة:
لو فطنت خيلة لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها
هذا البيت له معنيان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لما رضيت له أن تكون من جملتها لأنها أنفس منها. والثاني لم ترض لأنه إذا ملكها وهبها.
ومنها:
تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها
دان له شرقها ومغربها ... ونفسه تستقل دنياها
تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها
وحكى عبد العزيز بن يوسف الجرجاني وكان كاتب الإنشاء عند عضد الدولة عظيم المنزلة منه قال: لما دخل أبو الطيب المتنبي مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، أتبعه بعض جلسائه، وقال له: سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم منا؟ فامتثلت أمره، وجاريت المتنبي في هذا الميدان، وأطلت معه عنان القول، فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، ولقد اختصر اللفظ وأطال المعنى وأجاد فيه، وكان ذلك منه أوكد الأسباب التي حظي بها عند الدولة، وكان أبو علي الفارسي إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحيط منه. وكان يسوء إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يوما اذكروا لنا بيتا من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد:
حلت دون المزار لوزر ... ت لحال النحول دون العناق
فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغرى بي
فقال والله هذا حسن بديع جدا، فلمن هما؟ قال للذي يقول:
أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا
فكثر إعداب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.
قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتا من الشعر.
قال الربعي: كنت يوما عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي بالباب، وكانت تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءا من كتاب التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان وأولها:
مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان
فلما وصل إلى قوله:
فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانير تفر من البنان
فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل:

(1/42)


لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربه وقفن بلا أوان
وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
ومنها:
تحل به على قلب شجاع ... وترحل منه عن قلب جبان
ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدان
يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان؟
أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
إلى أن قال:
فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسان
ولم أر قبله شبلي هزبر ... كشبلية ولا مهري رهان
أشد تنازعا لكريم أصل ... وأشبه منظرا بأب هجان
وأكثر في مجالسه استماعا ... فلان دق رمحا في فلان
وأول رأية رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان
وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فك عانى
وكنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان
أي زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنه زيادة نقص، وقد ابتدع هذا المعنى
دعاء كالثناء بلا رياء ... يؤديه الجنان إلى الجنان
ومن قصائده في عضد الدولة القصيدة التي أولها:
أثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
ومنها:
قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلمتني أن الهوى ثمل
ومنها:
قد روا عفوا وعدوا وفوا اسئلوا ... أغنوا علوا ولوا عدلوا
فوق السماك وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
أخذه من قوله ابن الرومي وهو قوله:
نزلتم علي هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم
وذاك بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي، لأنه قال: إنكم نزلتم علي هام المعالي، وأن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله فوق السماك فإنه يغني عنه قول ابن الرومي نزلتم علي هام المعالي إذ المعالي فوق كل شيء لأنها مختصة بالعلو مطلقا، وقال يعزي عضد الدولة بعمته، وقد توفيت ببغداد، وورد عليه الكتاب بشيراز بالقصيدة التي أولها:
آخر ما الملك معزي به ... هذا الذي أثر في قلبه
لا جزعا بل أنفا شابه ... أن يقدر الدهر على غضبه
لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبه
لعلها تحسب أن الذي ... ليس لديه ليس من حزبه
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه
استغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه
يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه
ما كان عندي أن بدر الدجى ... يوحشه المفقود من شهبه
وقال يودعه وهي آخر شعره، وفي أثنائها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه وهي من محاسن ما يؤتي به في المعنى الوداع وأولها:
فدى لك من يقصر عن مداكا ... فلا ملك إذن إلا فداكا
إلى أن قال:
أروح وقد ختمت علي فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
وقد حملتني شكرا طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حراكا
أحاذر أن يشق على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سواكا
لعل الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير عنها، ليقضي حوائج في نفسه، ثم يعود إليها، فأذن له، وأمر بأن يخلع عليه الخلع الخاصة، وتعاد صلته بالمال الكثير، فامتثل ذلك، وأنشده هذه القصيدة، وفي أثنائها كلام ينعى فيه نفيه وإن لم يقصده كما قدمنا، فمنه قوله:

(1/43)


فلو أنى استطعت خفت خفضت طرفي ... فلن ابصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها:
أرى أسفي وما سرنا شديدا ... فكيف إذا غدا السير ابتراكا
وهذا الشوق قبل البين سيف ... وهأنا ما ضربت وقد أحاكا
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا
وهذا أيضا من ذاك، ومنه:
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا منكاكا
أي لولا أن أكثر ما تمنى قلبي أن يعاودك لقلت له ولا بلغت مناك، ومنه:
قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
أي قد أضمرت يا قلب شوقا إلى أهلك، فكان ذلك داء لك، فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء لك أيضا أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدة الشوق إلى أهلك، وهذا شبيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسلامة داء " . ومنها:
فأستر منك نجوانا وأخفى ... هموما قد أطلت لها العراكا
إذا عاصيتها كانت شدادا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا
ومنه:
زكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية من الكوفة. يقول له قدومي ذا بذاكا: أي هذا القدوم بتلك الغيبة ولك هذا السرور بذلك الحزن. ومنه:
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه.
يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد علق العبير به وصاكا
وهذا أيضا منه:
ويمنع ثغره من كل طيب ... ويمنحه البشامة والأراكا
يحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا
وما أرضي لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
ولا إلا بأن يصغى وأحكي ... فليتك لا يتيمة هواكا
ومنه:
وفي الأحباب مختص يوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
فزل يا بعد عن أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل له حسا.
وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك؛ وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة فقتل، كما سنشرحه. ومنها:
أذمت مكرمات أبي شجاع ... لعيني من نواي على ألاكا
ومن أعتاض عنك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا
وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا
قال الخالديان كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما صدر لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف قتل؟ وأبو نصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية، وله فضل، وأدب جزل، وحرمة، وجاه، فأجابنا عن كتابنا جوابا طويلا يقول في أثنائه: وأما ما سألتما عنه من خبر مقتل أبي الطيب المتنبي فأنا أسوقه لكما، وأشرحه شرحا بينا: اعلما أن مسيره كان من أواسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل بضيعة تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجل من بني أسد يقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس ابن بداد. وكان من قوله لما قتله وهو متعفر: قبحا لهذه اللحية يا سباب. وسبب ذلك أن فاتكا هذا خال ضبة أخو والدته. وضبة ابن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله:
ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه
وإنما قلت ما قل ... ت رحمة لا محبه
وما عليك من الق ... تل إنما هي ضربه
وما عليك من العا ... ر أن أمك قحبه
وما يشق على الكل ... ب أن يكون ابن كلبه
ما ضرها من أتاها ... وإنما ضر صلبه
ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زبه
يا أطيب الناس نفسا ... وألين الناس ركبه
وأرخص الناس أما ... تبيع ألفا بحبه

(1/44)


كل الأيور سهام ... بأمه وهي جعبة
وما على من به الدا ... ء من لقاء الأطبة
فيقال إن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكرها بالقبح في هذا الشعر، وما للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أو هي كلاما، فكان مع سخافته وركاكته سبب قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله.
وأما شرح الخبر فإن فاتكا صديق لي، وهو كما سمى فاتك، لسفكه الدماء، وإقدامه على الأهوال في مواقف القتال، فلما سمع الشعر الذي هجى به ضبة اشتد غضبه، ورجع على ضبة باللوم، وقال له: كان يجب ألا تجعل لشاعر عليك سبيلا،وأضمر غير ما أظهر، واتصل به انصراف المتنبي من بلاد فارس، وتوجهه إلى العراق، وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل عن فرسه، ومعه جماعة من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه؛ من طلبه واستعلام خبره من كل صادر ووارد، وكان فاتك خائفا أن يفوته، وكان كثيرا ما ينزل عندي، فقلت له يوما وقد جاءني وهو يسائل قوما مجتازين عن المتنبي: قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل. فأي شيء تريد منه إذا لقيته؟ فقال ما أريد إلا الجميل، وعذله على هجاء ضبة، فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه، ولأمحقن حياته إلا أن يحال بيني وبينه قلت له كف - عافاك الله - عن هذا القول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإن الرجل شهير الأسم، بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشاعر:
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجي وتمدح

(1/45)


ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف، ولم يمض لهذا القول غير ثلاثة أيام حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب، والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهما، ولا شيئا يساويه، وكان أكثر إشفاقه على دفاتره، لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحا، قال أبو نصر: فتلقيته، وأنزلته داري، وسألته عن أخباره، وعمن لقى، فعرفني من ذلك ما سررت به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله، وأدبه، وعلمه، وكرم عضد الدولة ورغبته في الأدب، وميله إلى أهله، فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيب: على أي شيء أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل مركبا، فإن السير فيه يخف على. قلت: هذا هو الصواب رجاء أن يخيفه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلدا بعيدا، وقلت له: والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخفية جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد،فقطب وجهه وقال: لم قلت هذا القول؟ فقلت: لتستأنس بهم. فقال أما والجراز في عنقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره، قلت الأمر كما تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبي عن تعريض، وتعريضك ينبي عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب، قلت: إن هذا الجاهل فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضا نحو العشرين من بني عمه، قولهم مثل قوله، فقال غلام أبي الطيب وكان عاقلا: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو الطيب من غلامه غيظا شديدا، وشتمه شتما قبيحا، وقال والله لا أرضي أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه قوما من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك فقال: والله لا فعلت شيئا من هذا، ثم قال: يا أبا نصر: أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخاف على؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون بخمس وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده. معاذ الله أن اشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له قل إن شاء الله فقال: هي كلمة مقولة لا تدفع مقضيا ولا تستجلب آتيا، ثم ركب، فكان آخر العهد به. ولما صح عندي خبر قتله وجهت من دفنه، ودفن ابنه، وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدرا. هذا هو الصحيح من خبره. وقيل سبب قتله أنه لما ورد على عضد الدولة ومدحه وصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة ثم دس له من يسأله: أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال: إن سيف الدولة كان يعطي طبعا،وعضد الدولة طبعا، فغضب عضد الدولة، فلما انصرف جهز إليه قوما من بني ضبة فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديدا، ثم انهزم، فقال له غلامه أين قولك:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم
فقال قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قتل. وقيل إن الخفراء جاءوه وطلبوا منه خمسين درهما ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فتقدموه، ووقع به ما وقع، ولما قتل رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي.
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا بمثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان
كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي الكبرياء ذا سلطان
هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
ورثاه أيضا ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستشير فيها عضد الدولة على فاتك الأسدي وهي:
الدهر أخبث والليالي أنكد ... من أن تعيش لأهلها يا أحمد
قصدتك لما أن رأتك نفيسها ... بخلا بمثلك والنفائس تقصد
ذقت الكريهة بغتة وفقدتها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقد
قل لي إن اسطعت الخطاب فإنني ... صب الفؤاد إلى خطابك مكمد
أتركت بعدك شاعرا والله لا ... لم يبق بعدك في الزمان مقصد
أما العلوم فأنها يا ربها ... تبكي عليك بأدمع لا تجمد
يأيها الملك المؤيد دعوة ... ممن حشاه بالأسى يتوقد

(1/46)


هذي بنو أسد بضيفك أوقعت ... وحوت عطاءك إذ حواه الفرقد
وله عليك بقصده ياذا العلا ... حق التحرم والذمام الأوكد
فارع الذمام وكن لضيفك طالبا ... إن الذمام على الكريم مؤيد
ورثاه أبو الفتح ابن جنيبقصيدة أولها:
غاص القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوحت بعد ري دوحة الكتب
منها:
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... كما تخطف بالخطية السلب
مازلت تصحب في الجلي إذا نزلت ... قلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ... تمطو بهمة لاوان ولا نصيب
من للهواجل يحي ميت أرسمها ... بكل جائله التصدير والحقب
قباء خوصاء محمود علالتها ... تنبو عريكتها بالحلس والقتب
أم من لسرحانها تقريه فضلته ... وقد تضور بين الباس والسغب
أم من لبيض الظباتوكا فهن دم ... أم من لسمر القنا والزغف واليلب
أم للمعارك يذكي جمر جماحهما ... حتى يعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للمناهل والظلماء عاكفة ... يواصل الكرتين الورد والقرب
أم للملوك تحليها وتلبسها ... حتى تمايس في أبرادها القشب
باتت وسادي أطراب تؤرقني ... لما غدوت لقى في قبضة النوب
عمرت خدن المساعي غير مضطهد ... ومت كالنصل لم يدنس ولم يعب
فأذهب عليك سلام المجد ما قلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشعب
وعلماء الأدب في شعره مختلفون: فمنهم من يرجحه على أبي تمام والبحتري، ومنهم من يرجحهما عليه، ومنهم من يرجح أبا تمام عليهما، ومنهم من يرجح البحتري. والكلام في هذا المكان يحتاج إلى إرخاء العنان في حلبة البيان، فنقول: قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ذللوا جموح الآداب وشموسها. وأطلعوا أقمارها وشموسها. وهم أصول الأدب وفروعه، ومعدته وينبوعه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف الخواطر والأسماع. وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم تقتني.
قال ابن الأثير في المثل السائر: هؤلاء الثلاثة لات الشعر وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء.
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.

(1/47)


وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة، ولا أبهج سبكا.
وقال الشريف الرضي في هذا المقام، وكلام الشريف شريف الكلام، أما تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر. قال ابن الأثير: الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال، قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان، عليهن غلائل مصبغات، وقد تحلين بأصناف الحلي.
وقال ابن شرف القيرواني في مقامته التي ذكر فيها الشعراء: وأما أبو تمام الظائي فمتكلف، إلا أنه يصيب؛ ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو بئيس جزل المعاني، مرصوص المباني، مدحه ورثاؤه، لا غزلة وهجاؤه، فهما طرفا نقيض، وسماء وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت لها الأمثال،وحفظت له الأقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو.
قال ابن بسام : أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية،ولا تعلقت بذيلها عصيبة، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة.
قال ابن شرف: وأما البحتري فالفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدي منهاج، يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، بيسر مراد، ولين قياد، إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعنيه ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكره غزيره.
وأما المتنبي فقد شغلت به الأسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ لشعره، والغائص في بحره، والمفتش عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعب في جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيات، وحسناته أكثر عددا، وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله سائرة، وعلمه فسيح، وميزة صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر.
والذي يشعر به كلام ابن شرف تقديم البحتري، كما أنه يشعر كلام الشريف بتقديم أبي تمام.
وكان الشيخ أبو سعد محمد بن أحمد العميدي عن أبي الطيب في غاية الانحراف، حائدا في التمييز عن سنن الإنصاف، ونحن نورد كلامه، ونرد في نحره سهامه، فإنه تجاوز الحد، وأكثر الرد.
سعى جهده لكن تجاوز حده ... وأكثر فارتابت ولو شاء قللا
وبراعة كلامه:

(1/48)


إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين، فلا نقيصة عندي اقبح سمة من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغ وصمة من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله، ولا منقبة أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم أبين من التوقف عند الشبهات، حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النصفة حتى تهديك أعلامها، وما أحسن أثر الحاكم إذ عدل وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف، والظلم قبيح، وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخيف، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميز عن العوام بمزية تقديم وتخصيص. سلق المحسنين بلسان ذم وتنقيص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل، نظر إلى المميزين بعين التقصير والتجهيل، وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائهم أنهم، لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلهم عن منهج الحق وطريقه، فإذا سمعوا فصلا من كتاب، أو بيت شعر ممن لا يكاد يجيل في الأدب قدحا، ولا يعرف هجاء ولا مدحا، فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم والإجلال والتعظيم، وليس يدري ما رواه: سليم اللفظ أو مختلة، صحيح المعنى أو منحلة وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن؟ وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله أو هو مبتدع؟ وأورد نظيره سواه أو هو مخترع؟ استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه، واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار،ثم إن بينت لهم عوار ما رووه والله، وخطأ ما حكوه وخطله التزموا نصرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار، ومائلين عن طريقة الإنصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاما، ودربتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاة وحكاما، وإنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صفر وطاب الأدب، ضيق مجال الفضل، قصير باع الفهم، جديب رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز بين غث الكلام وسمينه؛ ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيحاب، ولا يحل أحدا من رتب الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا يعظم الجاهلية لتقدمهم إذا أخرتهم معايب، أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحا، ويضرب عن استشعار الباطل صفحا، ويحل من يشهد بفضائله شهود عدول، ويذل من كلامه عند التأمل منحول معلول. ولقد جرى يوما حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه، وجمع له من المحاسن ما فضل به كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحققته، وإلا فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس:
رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
أليس هذا أبلغ من قول القائل:
درير كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيط موصل
لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب،وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه، وهو قوله:
يجري كما أختاره فكأنه ... بجميع ما أبغيه منه عالم
رجلاه رجل واليدان يد إذا ... أحضرته والمتين منه سالم
فصاح، وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مسكة من عقل؟ أو بلغه من فضل؟ والله إن للمتنبي غلمانا وأتباعا أجل من هذا البليد المجهول، من أي قبيلة هذا العاجز الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله، حديثنا في الإبداع لا في الاتباع، وفي الآداب لا في الأنساب ليس يغني المتنبي جلالة نسبه، مع ضعف أدبه، ولا يضره خلاف دهره، مع اشتهار ذكره.

(1/49)


ولقد تأملت أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه،وتعتبر فيها آدابه من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم مساوخة. وإني لأعجب من جماعة يغلون في حديث المتنبي وأمره، ويدعون الإعجاز شعره، ويزعمون أن الأبيات المعروفة له هو مبتدعها، ومخترعها، ومحدثها ومفترعها، لم يسبق إلى معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر.
وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللمع التي يزعمون أنه استنبطها وأثارها، والمعتدون بالفقر التي يدعون أنه افتض أبكارها، والمترنمون له بأبيات سائرة يذكرون أنه انفرد بألفاظها وعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم والمستعملون لها في خلواتهم وأغانيهم، كيف لا يستحون أن يقولوا بعصمته؟ ويتهالكوا في الدلالات على حكمته؟ وكيف يستجيزون لنفوسهم ويستحسنون في عقولهم، أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكما جزما بأنها له غير مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ توطئتهاغير مسلوكة لغيره، ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علما بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلا عن جميعها؟ أم هل فيهم من يميزيين مستعملها وبديعها حتى يطلقوا القول غير محتشمين أن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معاني لم يفطن لها سواه ولم يعثر بها أحد ممن يجري مجراه؟ ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: أنه لما صنف كتابه على حروف المعجم بأسماء الشعراء، جمع داوين ألف شاعر حتى اختار من عيونها ما أراد، وامتار من متونها ما ارتاد.
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمس مئة ديوان للشعراء في أيامه حسدا لهم لئلا تشتهر أشعارهم، وتنشر محاسنهم وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتهم في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره، وهل للذين يتدينون بنصرته بصائر بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصنعة والترتيب، وإبدال البعيد بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب حتى يدعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفي صورها على ناقد، وتبرئته عن المعايب التي يشهد عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودة شعره، وصفاء طبعه، وحلاوة كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقة نظمه، ولا أنكر اهتداءه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البعيد لحظا، واستيفاءه حدود الحذق إذا سلخ المعنى وكساه من عنده لفظا، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه، وغوصه على ما يستصفي ماؤه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والخلل، والزلل والدخل، والنظام الفاحش الفاسد، والكلام الجامد البارد، والزحاف القبيح المستبشع، واللحن الظاهر المستشنع؛ وأشهد أنه عن درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع، غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة؛ لا أبرئه من نهب وسرقة ولا أرى أن أجعله وأبا تمام رب المعاني، ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة واحدة ولا ألحقه في عذوبة الألفاظ وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصب له تقليدا، ويغلو فيجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمدا بعيدا، إلى أن قال: ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أساميهم في محافل الرؤساء، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على أشعارهما يغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من أشعاره يمير، ويسبهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم متى أنشد لهم مصراع، لكان الناس يغضون عن معايبه ويغطون على مساويه ومثالبه، ويعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجري بذمهم لسان.

(1/50)


ولقد حدثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبي وجد معه ديوانا أبي تمام والبحتري بخطه وعلى حواشي الأوراق علامة كل بيت أخذ معناه وسلخه، فهل يحل له أن ينكر أسماء الشعراء وكناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهم إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السابقين، ويسمه بما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين.
قلت: ليعلم أنه لا بد من تقديم متقدمتين قبل إيراد ما سرق به أبو الطيب المتنبي، ليصير العاذل عاذرا والمحجوج مفارخرا: المقدمة الأولى: من المقرر عند أرباب هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، أن من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ويشترك فيه المحدثون والقدماء، لأنه كضياء القمر لا يخفي على من أوتي فضيلة النظر، كما إن قلنا في مولانا نجل الحسام: له عزمة أمضى من الحسام، وهو كالليث يوم جداله، وكالغيث وقت نواله، أو إذا قلنا: وجهه كالبدر الزاهر، وكفه كالبحر الزاخر، أو إذا قلنا: كلماته كبرد الشباب وألفاظه كبرد الشراب، أو إذا قلنا: لا أشبه وجه مولانا إلا بالعيد المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه، وتدوم محاسنه، أو إذا قلنا: مولانا كالبدر في ارتفاع قدره، وكالبحر في اتساع صدره، لو أن البحر لا يتغير ماؤه، والبدر لا ينقص ضياؤه، أو إذا قلنا: لمولانا خلق هو المسك لولا سواده، وكف هو البحر لولا نفاده، ووجه هو الشمس لولا كسوفه، والقمر لولا خسوفه، أو إذا قلنا: مولانا كالدهر لولا صروفه، والجبل لولا وقوفه، وقد شاهدت من مساطر كلامه، ومقاطر أقلامه، روضات حزن، بل جنات عدن وكقولهم: عفت الديار وما عفت آثارها من القلوب، وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار الطيف لساءه، وأشباه ذلك، وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، ويجري هذا الأمر في سائر أنواع الشعر، فإن أمثال هذه المعاني الظواهر تتوارد عليها جميع الخواطر، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على المتأخر اسم السرقة، وإنما يطلق اسمها في معنى مخصوص كقول أبي الطيب:
بناها على والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم
فإن هذا معنى، مخصوص ابتداعه أبو الطيب، وكذلك في عضد الدولة وولديه
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان
وهذا المعنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له، وزعم بعض أهل الأدب أن ابن الرومي ابتدع قوله:
تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وليس الأمر كما زعم فإنه من المثل المضروب وهو تلدغ وتضيء ويضرب لمن يبدأ بالأذى ثم يشكو. وزعم كثير أن ابن الخياط ابتدع قوله:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه
وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
لو قلت للدنف الحزين فديته ... مما به لأغرته بفدائه
وهو أدق معنى من قول ابن الخياط.
المقدمة الثانية: في السرقات الشعرية، والمحمود منها والمذموم، وهي على خمسة عشر ضربا: الضرب الأول: أن يأخذ الثاني من الأول المعنى واللفظ جميعا، كقول الفرزدق:
أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا؟ إني إلى الله راجع
وكقول جرير:
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم؟ إني إلى الله راجع
فتخالفهما في لفظة واحدة، وهذا الضرب مذموم والمتأخر ملوم. ومن هذا الضرب قول أبي نواس الحكمي:
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
أخذه من معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
الضرب الثاني: أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، وهذا الضرب ينقسم قسمين: مذموم ومحمود، فالأول كقول أبي تمام:
محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
أخذه من قول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب المغنى:

(1/51)


أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
والثاني كقول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أخذه أبو الطيب فقال:
أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه
وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا.
الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، وهذا من أدقها مذهبا، وأحسنها صورة فمن ذلك قول الحماسي:
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيها به، فقال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
ومن هذا الضرب قول أبي تمام:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها، وماء الروض ينهل ساكبه
أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال:
شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأى السميع المبصر
ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر
ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا:
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
أخذه البحتري فقال:
أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحي الشيب إذ هو مبعدي
الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجردا من اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا قليلا، ومنه قول جرير:
ولا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار
أخذه المتنبي فقال:
ومن في كفه منهم قناه ... كمن في كفه منهم خضاب
الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيرا من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري:
فوق ضعف الصغار إن وكل الأم ... ر إليه ودون كيد الكبار
أخذه من قول أبي نواس:
لم يجف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصغر
وكذلك قول البحتري أيضا:
كل عيد له انقضاء وكفى ... كل يوم من جوده في عيد
أخذه من قول علي بن جبلة:
للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد
وكذلك قول البحتري أيضا:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء
أخذه من علي بن جبلة:
أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
وكذلك قول أبي تمام:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما
أخذه من ديك الجن:
وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رئيال
فالقه غير إنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر عالي
تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكا لعبس الصيال
ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم
لكنه أبرزه في صورة حسنة، فصار أولى به.
وكذلك قال أبو تمام:
ولم أمدحك تفخيما بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا
أخذه من قول حسان في النبي صلى الله عليه وسلم:
ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد
وكذلك قول ابن الرمي:
وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا
أخذه من قول أبي تمام:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي
وكذلك قول ابن الرومي:
ومالي عزاءعن شباب علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد
أخذه من قول منصور النمري:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزى أن العيش منقطع
الضرب السادس: أن يأخذ المعنى فيقلبه، وذلك محمود، ويخرجه حسنه عن حد السرقة، فمما جاء منه قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي
أخذه من تأخر عنه فقال:
مدحتهم وحدي فلما هجوتهم ... هجوتهم والناس كلهم معي
الضرب السابع: أن يأخذ بعض المعنى، وهذا الضرب محمود، فمن ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:

(1/52)


عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين
ونيس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
أخذه أبو تمام فقال:
تدعى عطاياه وفرا وهي شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:
وأثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع
أخذه المتنبي فقال:
ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا
والمتنبي وأبو تمام أبرزا ما أخذاه هاهنا في صورة حسنة، وكذلك قال أبو تمام:
كلف برب المجد يعلم أنه ... لا يبتدى عرف إذا لم يتمم
أخذه البحتري فقال:
ومثلك إن أبدي الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما
الضرب الثامن: أن يأخذ المعنى فيزيد عليه معنى آخر، وهذا الضرب لا يكون إلا حسنا، فمن ذلك قول جرير:
غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما
أخذه أبو تمام فقال:
غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب
فهذا أحسن من قول جرير للزيادة التي فيه. وهذا البيت من قصيدة يمدح بها أبا دلف العجلي، وهي من أمهات قصائده، وأولها:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب
أقول لقرحان من البين لم يصب ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب
أي أقول لرجل لم يقطعه أحبابه، ولم تبعد عنه أصحابه، وأصل القرحان. الذي لم يخرج عليه الجدري. ويروي: لفرحان بالفاء.
أعني أفرق شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب
يقول: قد اجتمع دمعي، لأني لم أبك رجاء أن يقرب الشمل، والآن فقد رأيته ليس بالمتقارب، فأعنى بوقفة على منازلهم، حتى أبكيهم فأستريح.
فما كان في ذا اليوم عذلك كله ... عدوي حتى صار جهلك صاحبي
وما بك إركابي من الرشد مركبا ... ألا إنما حاولت رشد الركائب
يخاطب الرجل القرحان الذي لم يصب بالمصائب، وعذله على الرحيل؛ يقول: ليس بك رشدي. ولكنك تريد أن تريح الركائب، وأريد أن أتعبها بالمسير.
فكلني إلى شوقي وسر يسير الهوى ... إلى حرقاني بالدموع السوارب
يقول: أنا لا أطاوعك على ما تريده، فسر وسلمني إلى شوقي، فإن هواي سيبعث دمعي، ثم خاطب ديار أحبابه، فقال:
أميدان لهوى من أتاح لك الردى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب
أصابتك أبكار الخطوب فشتت ... هواي بأبكار الظباء الكواعب
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب
هذا مثل، يقول: يسكرون ويسكرون المطي من التعب فكأنهم سقوها زجاجة ولم تقصد لها كف قاطب أي ليس هي على الحقيقة زجاجة فيها شراب يناولها الساقي.
فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصارت لها أشباحهم كالغوارب
يقود نواصيها جديل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب
ويروي: يصرف مسراها، يقول: يسير بهذه الإبل رجل عالم بالشرق والغرب يريد نفسه وهذا من المثل الذي قاله الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ويضرب لمن يستشفي برأيه، والجذل خشبة تحتك بها الإبل الجربي، والعذق النخلة والتصغير فيهما للتفخيم.
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آئب
يقول: يصرف هذه الركاب رجل محبب إليه السفر في طلب العلا، فإذا رأى الكاعب من النساء، رأى بها طلعة ثائر دنا لينال منه، لبغضه الكاعب، وحبه السفر، ليبلغ مراده، وإذا رأى الناقة السريعة السير فكأنه رأى غرة إنسان مقبل عليه.
كأن به ضغنا على كل جانب ... من الأرض، أو شوقا إلى كل جانب
يقول: من حبه للسير في البلاد، كأن به ضغنا على كل مكان، حتى يفارقه، أو شوقا إلى كل مكان، حتى يبلغه؛ وكل ما ذكره من حبه للسير، حتى يقول:
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب
وهذه الجملة معترضة، جمح بها القلم في ميدانه؛ ونعود إلى ما نحن بصدد بيانه.

(1/53)


ومن هذا الضرب قول مسلمة بن عبد الملك:
أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرا جميلا
أخذه أبو تمام، فقال:
مثل الموت بين عينيه والذل ... وكلا رآه خطبا عظيما
ثم سارت به المنية قدما ... فأمات العدا ومات كريما
وقول أبي تمام أحسن. وكذلك ورد قول الطغرائي:
يا من إذا اجتمع الكتاب كان له ... فضل الإمارة مقتادا كتيبتها
شكت إليك دواتي شيب لمتها ... وأنت أخلق من طرى شبيبتها
وقال مولانا السيد الأمجد أحمد أفندي الشهير بابن النقيب، دامت معاليه:
لدواة داعيكم مداد شاب من ... جور اليراع، وقد رثت لمصابه
وأتت تؤمل فضلكم وتروم من ... إحسانكم تجديد شرخ شبابه
ففي قوله - أيده الله - زيادة حسنة، وهي جور اليراع، وقد رثت لمصابه. وكذلك ورد قول أبي نواس:
قل لمن يدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
أخذه البحتري فقال:
خل عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد
فالبحتري زاد على أبي نواس: الحديث المعاد.
وأحس من قولهماقول ماجد الديار الشامية، مولانا أحمد أفندي الشاهيني، طال بقاه، وهو:
إنما البهنسي أحمد خطب ... لا خطيب ولا جليل بقدر
زيدت الياء فيه ظلما وعدوا ... نا كواو غدت بآخر عمرو
ووجه حسنه المناسبة فيه بين الحرفين، وكذلك ورد قول الشريف الرضي:
ولو أن لي يوما على الدهر إمرة ... وكانت لي العدوى على الحدثان
خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوادا بعمري واقتبال زماني
فقال الشاهيني حرس الله ببقائه الفضل والكرم؛ ولا برحت أياديه التمائم من العدم: يخاطب شيخه أبا العباس أحمد بن محمد المقريالمغربي في آخر قصيدة، وأرسل إليه هدية وخمسين غرشا ولا يخفي ما في هذا البيت الثاني من الحسن:
لو كان لي أمر الشباب خلعته ... بردا على علياك ذا أردان
لكن تعذر بعث أول غايتي ... فبعثت نحوك غاية الإمكان
وكذلك ورد قول أبي تمام:
يصد عن الدنيا إذا عن سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد
أخذه من قول ابن المعذل
ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وكذلك ورد قول البحتري:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب
أخذه من قول مسلم بن الوليد
ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
إلا أنه زاد عليه: جذلان يبدع في السماح ويغرب. وكذلك ورد قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
أخذه من قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
يحكى عن أبي تمام: أنه دخل على ابن أبي داود فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا. قال من أين هذه يا أبا تمام؟ فقال: من قول الحاذق أبي نواس وأنشده البيت السابق، وفي بيت أبي نواس زيادة حسنة قد ملكته رق هذا المغني؛ وذلك أن جريرا جعل الناس كلهم في بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد وذلك أبلغ .
الضرب التاسع: أن يأخذ المعنى فيكسيه عبارة أحسن من الأولى، وهذا هو المحمود الذي يخرجه حسنه عن باب السرقة، وعليه قول أبي نواس:
يدل على ما في الضمير من الهوى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى
أخذه المتنبي فأجاد حيث قال:
وإذا خامر الهوى قلب صب ... فغليه لكل عين دليل
الضرب العاشر: أن يأخذ المعنى؛ ويسبكه سبكا موجزا، وذلك من أحسن السرقات، فمن ذلك قول بعض المتقدمين:
أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغنى ... وما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه المتنبي فقال:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وكذلك ورد قول أبي تمام:

(1/54)


كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني مما قد رأى بصري
فأخذه أبو الطيب فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
وقال أبو تمام:
كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال
أخذه المتنبي فقال وأحسن:
يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم
الضرب الحادي عشر: أن يكون المعنى عاما، فيجعله خاصا، أو بالعكس، وهذا من السرقات التي يسامحفيها صاحبها، ومنه قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
أخذه أبو تمام فقال:
ألوم من بخلت يداه وأغتدى ... للبخل تربا؟ ساء ذاك صنيعا
وكذلكقول أبي تمام:
ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل
أخذه المتنبي فقال:
وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق
الضرب الثاني عشر: أن يزيد المعنى بيانا مع المساواة في أصله؛ ومنه قول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فنفه وان يرث ... فلريث في بعض المواطن أنفع
أخذه المتنبي فأوضحه بمثال فقال:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام
الضرب الثالث عشر: وهو اتحاد الطريق، واختلاف المقصد، فمن ذلك قول بعضهم:
كأنه غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم
أخذه مولانا الشاهيني أدام الله سودده، فقال وأحسن غاية الإحسان:
وقائلة والشمس أعني وقد رأت ... قروحا على خد يفوق على الورد
أما تغتدي تهدي لحبك عوذة ... فقلت وهل تغني الرقي من أخي الوجد
فجاءته ولهى بالنجوم تمائما ... فأدهشتها حتى نثرن على الخد
وعلماء الأدب يسمون هذا الضرب سلخا.
الضرب الرابع عشر: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، وهذا الضرب يسمى مسخا. فمما ورد منه قول ديك الجن:
نحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الد ... هر فذاك المحسن المجمل
أخذه المتنبي فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا
أنت يا فوق أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا
الضرب الخامس عشر: قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، ولا يسمى هذا الضرب مسخا وإن سموه، لأنه محمود، والمسخ مذموم، فمن ذلك قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
أخذه الشريف الرضي فقال:
أحن ما تضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر
وهاهنا ضرب آخر: وهو أن ينقل المعنى من غير اللغة العربية إليها، وهذا يجري مجرى الابتداع كقول المرحوم البوريني:
يقولون في الصبح الدعاء مؤثر ... فقلت نعم لو كان ليلى له صبح
وكذلك قوله:
وأنظر إلى ورق الغصون فإنها ... مشحونة بأدلة التوحيد
فإنه نقلها من اللغة الفارسية وإذا كانت المقدمة الأولى على ذكر منك، ولم تذهب ضروب الثانية عنك، فيجب أن نورد عليك ما قاله العميدي وأبانه، وما شنع على المتنبي في الإبانة ومن أنصف بعد الوقوف عليهما، ورد ما أورده إليهما، علم أن العميدي دعاه الحسد إلى أن جعل محاسن أبي الطيب عيوبا، وحسناته ذنوبا قال العميدي: قال ديك الجن:
دعص يقل قضيب بان فوقه ... شمس النهار تقل ليلا مظلما
قال المتنبي:
غصن على نقوي فلاة نابت ... شمس النهار تقل ليلا مظلما

(1/55)


قال العميدي مثل هذا البيت تسميه أصحابه التوارد، وأخصامه النسخ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب، قلت كل من البيتين ليس فيه معنى مخصوص حتى يحكم بالسرقة، وتشبيه القد بالقضيب وما تحويه المآزر بالكثيب، والوجه بالشمس، والشعر بالظلام، مما تتوارد عليه الأفهام، وبيت المتنبي وإن كان هو الأخير فإنه سالم من التكرير، وقد قال أهل الفضل إنه من الوجوه المنقصة لقول العرب القتل أنفى للقتل، فتنبه لأمثاله، ولا تحفل بمقالة. قال العميدي.
قال العلوي الكوفي المعروف بالحماني في برية.
تيهاء لا يتخطاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا
قلت: بيت المتنبي أحسن لما فيه من التجنيس والزيادة في المعنى.
قال العميدي: ذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار لبعض الأعراب:
لي همة فوق السما ... ء وباب رزقي الدهر مغلق
هل ينفع الحرص الكثي ... ر لصاحب الرزق المضيق
إن امرأ أمن الزما ... ن لمستغر العقل أحمق
قال المتنبي:
فالموت آت والنفوس نفائس ... والمستقر بما لديه الأحمق
قلت: الفرق بينهما كما بين السراب والشراب لمن يهتدي مناهج الصواب. قال العميدي: قال ابن الرومي:
شكواي لو أنا أشكوها إلى جبل ... أصم ممتنع الأركان لا نفلقا
قال المتنبي:
ولو حملت صم الجبال الذي بنا ... غداة افترقنا أو شكت تتصدع
قلت: لو لم يكن في بيت المتنبي إلا ما تراه من الرقة والانسجام لكفاه العدول عن الانفلاق إلى التصدع في هذا المقام.
قال العميدي: قال أبو تمام.
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
وقال العطوي:
أبعدك الله من بياض ... بيضت من عيني السوادا
قال المتنبي:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
قال العميدي: قوله أسود في النحو ركيك لم يسمع إلا في أبيات شواذ نوادر. قلت لنا مندوحه عن الوجه الذي يرد عليه الاعتراض بأن يكون من للتبعيض قال العميدي: قال نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونه ... وأثقلني حتى كأني روادفه
وقال محمد بن أبي زرعة الدمشقي:
أسقمني طرفه وحملني ... هواه ثقلا كأنني كفله
قال المتنبي:
أعارني سقم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره
قلت: لو سمع هذا أبو الطيب لأنشد قول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أتيت بها ... كانت ذنوبي فقل لي كف أعتذر
قال العميدي: قال البحتري:
جل عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديح فيه هجاء
وقال نصر الخبز أرزي:
ومن قلة ما أثني ... عليه صرت كالهاجي
قال المتنبي
وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
قلت حسن بيت المتنبي لا يخفي على ذي مسكة. قال العميدي: قال ابن الرومي:
أقسمت بالله ما استيقظتم لخنا ... ولا وجدتم عن العليا بنوام
وقال بشار بن برد:
سهرتم في المكرمات وكسبها ... سهرا بغير هوى وغير سقام
قال المتنبي:
كثير سهاد العين من غير علة ... يؤرقه فيما يشرفه الذكر
قلت: بيت المتنبي أشرف لشرف الذكر.
قال العميدي: قال ابن الرومي:
وقد سار شعري الأرض شرقا ومغربا ... وغنى به الحضر المقيمون والسفر
قال المتنبي:
هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يغني بهم حضر ويحدو بهم سفر
قلت: أصاب شاكلة الصواب بقوله: ويحدو.
قال العميدي: أنشد ابن قتيبة لبعض الأعراب:
بصير بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عينا على غد
قال المتنبي:
ماضي الجنان يريه الحزم قبل غد ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غد
قال المقبول الجزري:
يجود مالا على العافي سحابهم ... وتمطر الدم أسياف لهم قضب
وقال أبو الحسن النحاس:
إذا أروت الأرض أسيافهم ... من الدم خلت سحابا همع

(1/56)


وقال ابن الرومي:
سماء أظلت كل شيء وأعملت ... سحائب شتى صوبها المال والدم
قال المتنبي:
قوم إذا أمطرت موتا سيوفهم ... حسبتها يحبا جادت على بلد
قال ابن الرومي:
يغدو فتكثر باللحاظ جراحنا ... في وجنتيه وفي القلوب جراحه
قال المتنبي:
ما باله لاحظته فتضرجت ... وجناته وفؤادي المجروح
قال أبو القوافي:
ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وقال مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يخلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور
قال بشار بن برد:
وإذا أقل لي البخيل عذرته ... إن القليل من البخيل كثير
وقال بعض المتقدمين:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير
قال ابن الرومي:
وأعوام كأن العام يوم ... وأيام كأن اليوم عام
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... بجوى أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامنا دهور إذا غب ... ت وساعاتنا القصار دهور
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذ ... ولا تأخذ الأيام من أنت تارك
وقال معوج الرقي :
ما يفسد الدهر شيئا أنت تصلحه ... وليس شيئا أنت تفسده
قال المتنبي:
ولا تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
قال أبو العتاهية:
قد كنت صنت دموعي قبل فرقته ... فاليوم كل مصون فيه مبتذل
وقال معوج الرقي:
هان من بعد بعدك الدمع والصب ... ر وكانا أعز خلق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعد كم هانا
قال معقل العجلي:
ما في الملابس مفخر لذوي النهى ... إن لم يزنها الجود والإحسان
ليس اللئيم تزينه أثوابه ... كالميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يعجين مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن
قال جابر السنبسي:
خيل شوازب أمثال الصقور لها ... فوارس لا يخافون الردى بسل
كأنهم خلقوا والخيل تحته ... م أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم خلقوا على صهواتها
وقال السيد الحميري:
قوم نبالهم ليست بطائشة ... وفيهم لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنة ... كأنما هي أسياف وأرماح
وقال البحتري:
وإذا تألق في الندى كلامه المص ... قول خلت لسانه من عضبه
قال المتنبي:
كأن ألسنهم في النطق جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا
قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقال الخليع الأول:
وزائرة ما ضمخت قط ثوبها ... بمسك ومن أثوابها المسك يسطع
ينم عليها ريقها وحليتها ... وغرتها في الليل والليل أدرع
وقال بشار بن برد:
وزائرة ما مسها الطيب برهة ... من الدهر لكن طيبها الدهر فائح
قال المتنبي:
أتت زائرا ما خامر الطيب ثوبها ... وكالمسك من أردانها يتضوع
قال ابن الرومي:
لو أبي الراغبون يوما نداه ... لدعاهم إليه بالترغيب
قال المتنبي:
وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن تلاقي طالبا
قال التنوخي الكاتب:
أنت في الدهر كالطري من الور ... د وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بشر يدني النجاح من الرا ... جي ويقضي بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
قال العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه ... جيش من الحر يرمي الأرض بالشرر
كأن بالجو ما بي من جوى وهوى ... ومن شحوب فلا يخلو من الكدر

(1/57)


قال المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
قال بعض المتقدين وهو جميل بن معمر:
ونغص دهر الشيب عيشي ولم يكن ... ينغصه إذ كنت والرأس أسود
نخص زمان الشيب بالذم وحده ... وأي زمان يا بثينة يحمد
قال المتنبي:
من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمد
قال محمد بن كناسة الأسدي:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهم ... وفي كل قلب من سنابكها وقع
قال المتنبي:
قيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدو
قال ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركب الهوى ... فإن الهوى يريدك من حيث لا تدري
ولا تثقن بالغانيات وإن وفت ... وفاء الغواني بالعهود من الغدر
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
قال علي بن يحيى المنجم من أبيات يغني بها:
وجه كأن البدر ليلة تمه ... منه استعار النور والإشراقا
وأرى عليه حديقة أضحى لها ... حدقي وأحداق الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصر ثبت الأبصار فيه ... كان عليه من حدق نطاقا
قال بشار بن برد:
إذا ابتسمت جادت دموعي بوابل ... من الغيث أجرته بروق المباسم
وقال الخبز أرزي:
فواعجبا حتام يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
قال المتنبي:
تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
قال عبد الصمد بن المعذل
يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلا وهو يعتذر قال المتنبي:
يعطيك مبتدئا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما
قال صالح بن حيان الطائي:
صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جني النحل في الفم
قال المتنبي:
فثب واثقا بالله وثبة ماجد ... ترى الموت في الهيجا جني النحل في الفم
قال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
قال أبو مسلم محمد بن صبيح:
فعيش ذي الهم في هم وفي نكد ... وذو الجهالة في خصب وفي فرح
وقال أبو الفتح الإسكندري:
اختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون
زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون
لا تكذبن بعقل ... ما العقل إلا جنون
ولمحمد البجلي الكوفي:
هذا زمان مثوم ... كما تراه غشوم
الجهل فيه جميل ... والعقل عيب ولوم
والمال طيف ولكن ... على اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقال محمد البيدق الشيباني:
إني لأنصف في إخائك دائما ... حاشاك من ظلم فلم لا تنصف
الظلم طبعك والعفاف تكلف ... والطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
قال أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي:
لم أنس يوم تعانقنا وعللني ... من ريقي صافيا ما شابهكدر
أبصرته فرأيت الشمس طالعة ... تغشى العيون فيعشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شعر ... ليل يقال له الأصداغ والطرز
أنا القتيل وطرفي قاتلي ودمي ... ما بين قلبي ومن علقته هدر
وقال دعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحدا ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
قال العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراها ... مصلبة بأفواه الشعاب
قال المتنبي:
إذا سلك السماوة غير عاد ... فقتلاهم لعينيه منار
قال أبو تمام:
ولطالما أمسى فؤادك منزلا ... ومحلة لضباء ذاك المنزل
وقال أيضا:
وقفت وأحشائي منازل للأسى ... بها وهي قفر قد تعفت منازلة
وقال معوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجدنا ... بسحاب من الدموع يهل

(1/58)


يا محل الآرام والعين أهلا ... لك في القلب منزل ومحل
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
قال أبو تمام:
ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم يضق فيها عساكره
قال الناشي:
لما عطفن رءوسهن ... إلى الظعائن في الكلل
قدرتهن لعشقهن ... طلبن منهن القبل
قال المتنبي:
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمهما إليك كطالب تقبيلا
قال البحتري:
تلقاه يقطر سيفه وسنانه ... وبنان راحته ندى ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا
قال أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شرعا ... عاف الثبات فإن تفرد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
قال مسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزال ... قوائمها عالكات اللجم
تحن إلى الحرب من غير أن ... تقاد وما أقلقتها الحزم
وقد ستر النقع أعرفنها ... فآذانها كرءوس القلم
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلا إلى العادات والأوطان
إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
قال محمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
ما زلت تقرعهم في كل معترك ... ضربا يحل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنة ... وسائر الجسم منها صار في حرم
قال المتنبي:
خص الجماجم والوجوه كأنما ... جاءت إليك جسومهم بأمان
قال علي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتها ... ووافته أقساط المعالي بلا بخس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرة ... تحن إلى العليا فلا خبر في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
قال أبو تمام:
فإن لم يفد يوما إليهن طالب ... وفدن إلى كل امرئ غير وافد
وقال أيضا:
وفدت إلى الآفاق من نفحاته ... نعم تسائل عن ذوي الإقتار
قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد
قال أبو عمران الضرير الكوفي:
لست أدري كيف ابتليت بقوم ... لا يخافون ربهم حسادي
حسدوني على الحياة ومن لي ... بحياة أنال فيها مرادي
قال المتنبي:
ولكني حسدت على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور
قال أبو أحمد الخراساني:
وكم مهمة قد جبته بعد مهمة ... وكم مسلك وعر وكم منهل قفر
يلين بعزمي كل صعب أرومه ... وهل خطب دهر لا يهونه صبري
قال المتنبي:
قد هون الصبر عندي كل نازلة ... ولين العزم حد المركب الخشن
قال بشر بن هدية الفزاري:
أرى الحرب في عيني مثل عقيلة ... فيؤنسني غشيانها وعناقها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابهم ... ورود المنايا وهي أرى مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناء حب الموت جهلا ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
قال معوج الرقي:
يفنى المواهب كي تبقى محامده ... ويخلص الجود من من ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بجملتها ... لسائل خجلا في زي معنذر
قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
قال الناشي:
ومن علت في اكتساب المجد همته ... ولم يساعده جد بات في تعب
قال المتنبي:
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
قال البحتري:
وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
قال المتنبي:
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
قال عبد الله بن طاهر:
إذا كرمت الفتى عف قلبه ... وساعده عيناه واليد والفم

(1/59)


وغير جميل أن يرى المرء مطرقا ... وفي قلبه نار من الشوق تضرم
قال المتنبي:
وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
قال أبو العتاهية:
بدني ناحل وصبري بدين ... واعتزامي ماض وجسمي حسير
ومن الموت قد سلمت ولكن ... بعد هذا إلى الممات أصير
يا خليلي كيف يخدعني الده ... ر وإني به بصير خبير
أسقياني من قبل أن يتقضى ... أمل أرتجى وعمر قصير
قال المتنبي:
فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
وقال زريق البصري:
فلا تحسبوا الإقتار عارا عليكم ... وأعداؤكم مشرون بين المحافل
كذا عادة الدهر الخئون ولم يزل ... يخلط في الأحكام حقا بباطل
رأيت الغنى عند الأراذل محنة ... على الناس مثل الفقر عند الأفاضل
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح ... مثل قبح الكريم في الإملاق
قال الناشي:
يا أكرم الناس أخلاقا وأوفرهم ... عقلا وأسبقهم فيه إلى الأمد
أصبحت أفضل من يمشي على قدم ... بالرأي والعقل لا بالبطش والجلد
لئن ضعفت وأظناك السقام فلم ... يضعف قوى عقلك الصافي ولم يمد
لو كان أفضل ما في الخلق بطشهم ... دون العقول لكان الفضل للأسد
وإنما العقل شيء لا يجود به ... للناس غير الجواد الواحد الصمد
قال المتنبي:
لو لا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
قال إدريس الأعور يرثى عبد الله بن طاهر:
أجيل طرفي فما ألقى سوى جدث ... وارى محاسن ذاك المنظر البهج
وتربة ما رأتها عين غانية ... إلا سخت بدم بالدمع ممتزج
وسودتها بنقس بعد غالية ... وبدلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزت الخدور مخبآت ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
قال أبو تمام:
تعود بسط الكف حتى لو انه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله
وقال ابن الرومي:
تعودت المواهب والعطايا ... أنامل فيض راحتها انسجام
فليس لها عن الحمد انفراج ... وليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
قال العكوك:
عجبت لحراقة ابن الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسها كيف لا تورق
وقال أبو البيداء:
هو المشترى الحمد الكثير بماله ... وفي يده للسائلين سحاب
ولو مطرت كفاه أرضا لأخصبت ... وأورق صفوان عليه تراب
قال المتنبي:
وعجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق
قال أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإني لم أخدمك إلا لأخدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده
قال ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت في ثياب حداد
وقال معوج الرقي:
كأن بنات نعش حين لاحت ... نوائح واقفات في حداد
قال المتنبي:
كأن بنات نعش في دجاها ... خرائد سافرات في حداد
قال بشار:
وظن وهو مجد في هزيمته ... ما لاح قدامه شخصا يسابقه
قال أبو نواس:
فكل كف رآها ظنها قدحا ... وكل شيء رآه ظنه الساقي
قال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
قال أبو المتورد:
حل المسيب بمفرقي ... فكأنه سيف صقيل
أقبح بضيف قال لي ... لما أتى قرب الرحيل
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقيني ... مكان بياض الشبب حل بمفرقي
قال المتنبي:

(1/60)


ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم
قال الخليع الأكبر:
وخير بلاد الله عندي بلدة ... أنال بها عزا وأحوى بها حمدا
وقال البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
قال النابغة:
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب لجون أشقرا
وقال أبو المهاجر البجلي:
وخاضت عتاق الخيل في حومة الوغى ... دماء فصارت شهب ألوانها دهما
قال المتنبي:
جفتني كأني لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشهب في صورة الدهم
قال قدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحجام كفرا فيتقي ... وسمح يرى الإفضال فرضا فيفضل
وما يتناهى القول في وصف مدحه ... ولكنني أبغي اختصارا فأجمل
قال المتنبي:
هو الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد بعد الجبن من بخل
قال إبراهيم البند نيجي الكاتب:
أحاول أمرا والقضاء يعوقه ... فبيني وبين الدهر فيه طراد
ولولا الذي حاولت صعبا مرامه ... لساعدني فيه عليه شداد
قال المتنبي:
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
قال الناشي:
إليكم بنى العباس عني فإنني ... إلى الله من ميل إليكم لتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه ... وأقصتكم عنه ظنون كواذب
سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا ... وتبعد كم سمر القنا والقواضب
أترضون أن تطوى صحائف عصبة ... كرام لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراث تراثهم ... وهم أظهروا الإسلام والكفر غالب
فلا تذكروا منهم مثالب إنما ... مثالب قوم عند قوم مناقب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
قال أبو راسب البجلي:
ولولا انتقاد الدهر لم يكس قاسما ... جلالا ولم يسلب سواه المعاليا
قال المتنبي:
ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
وقال أبو راسب أيضا:
ولو كنت تحوي عمر من قد نهبته ... بسيفك في الدنيا لكنت مخلدا
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
قال أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقا على المداح
قال المتنبي:
وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا
قال أبو العالية:
أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها
قال المتنبي:
انعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهن أوائل
قال السيد الحميري:
تخفى على أغبياء الناس منزلتي ... إني النهار وهم فيه الخفافيش
قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء
قال العوني:
يا صاحبي بعدتما فتركتما ... قلبي رهين صبابة وتصابي
أبكي وفاء كما وعهد كما كما ... أبكي المحب معاهد الأحباب
قال المتنبي:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال العوني:
أحب ابن بنت المصطفى وأزوره ... زيارة مهجور يحن إلى الوصل
وما قدمي في سعيه نحو قبره ... بأفضل منه رتبة مركز العقل
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
قال البحتري:
اغتنم فرصة من الدهر واطرب ... ليس شيء من الجديدين باقي
وزمان السرور يمضي سريعا ... مثل طيب العناق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنها ... قبل يزودها حبيب راحل
قال منصور النمري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميدا والكريم ألوف
قال المتنبي:

(1/61)


خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قال البحتري:
تعنو له وزراء الملك خاضعة ... وعادة السيف أن يستخدم القلما
وقال ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ خلقت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
قال المتنبي:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
قال البحتري:
أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا
وقال نصر الخبرأرزي:
وما حاجة الركب السراة إذا بدا ... لهم وجهه ليلا إلى طلعة البدر
قال المتنبي:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
قال علي بن جبلة:
قمر نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدرا طلعا
وقال الشعباني:
فإذا جزعت من الرقيب فلا تزر ... فالبدر يفضح كل ليل مظلم
قال المتنبي:
أمن ازديارك في الدجا الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء
قال أبو تمام:
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غاد
قال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
قال المتنبي:
محبك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
قال البحتري:
ولم أر في رنق الصري لي موردا ... فحاولت ورد النيل عند احتفاله
وقال الكسروي:
وما أنا تارك بحرا نميرا ... وأطمع في الجداول والسواقي
إذا لجحدت ما أوليتنه ... من النعمى ومت من النفاق
وقال العطوي:
أأمتاج من بئر قليل معينها ... وأقعد عن بحر زلال مشاربه
قال المتنبي:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
قال إبراهيم بن عيسى في معرض العتاب:
يا وارث المجد التلي ... د وباني الكرم الأصيل
مالي أراك قبلت أق ... وال الوشاة بلا دليل
قد كنت أحسب أنني ... أحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيت وسائلي ... خلقت وضاعت في السبيل
فعلمت أني قد غلط ... ت وتهت في خطب طويل
ولقد أتيتك آنفا ... أرجوك في أمر قليل
أنصف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل
إما إزاحة علة ... فيها الشفاء من الغليل
إما فقوت ما أعي ... ش يصون وجهي عن بخيل
إما فإذن استق ... ل به على وجه جميل
من لم يعنك على المقا ... م فقد أعان على الرحيل
قال العميدي لمح المتنبي جميع هذه الأبيات وسلخ البيت الأخير في قوله:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
قال أبو هفان المهزمي:
جلست فقام الدهر فيما تريده ... ونمت عن الأشغال والجد ساهر
وأنت لأرباب المكارم كلهم ... إمام وإن غابوا فإنك حاضر
قال المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام
وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
قال العميدي: أترى يخفي على النساء دون الرجال هذا وما يجري مجراه أنه سرقة؟ قال عبد الله بن محمد الرقي المكنى بابن عمران:
صينت ظهور مطايانا لغيبته ... فليس يركبها من أحد
من يصحب الدهر لم يأمن تقلبه ... يعيش حيران ينفذ الأبد
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنا أن نلم به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
قال إسماعيل بن محمد الراداني يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوق من ظلم ... وأنت وحدك مخلوق من النور
تهتز كالغصن عند الجود من طرب ... وتستعين بقلب غير مذعور
قال المتنبي:
فلو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا
أشدهم في الندى هزة ... وأبعدهم في عدو مغارا
قال الهرمزي:

(1/62)


سقيم المجد مذ سقمت، ويبرا ... حسين تبرا، وبالأعادي السقام
وإذا ما سلمت فالناس طرا ... سلموا مثلما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
المجد عوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
قال سعيد الخطيب:
وما كنت أدري أن في كفك الغنى ... وأنت قد أصبحت للمجد عنصرا
وقد كنت في ليل من لشك مظلم ... إلى أن بدا صبح اليقين فاسفرا
تبرعت بالأموال من غير كلفة ... وحزت بها عني الثناء المحبرا
قال المتنبي:
وعادي محبيه بقوله عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
قال المستهل بن الكميت:
وإني وإن ألبست ثوب خصاصة ... فلست لعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدح الباخلين فإنه ... ضعيف أساس العقل بادي القبائح
نصحتك: لا تكرم عدوا ولا تهن ... صديقا لك الخيرات فاقبل نصائحي
وما أربي في العيش لولا محبتي ... لنفع محب أو مضرة كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم
قال البحتري:
إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
قال أبو العتاهية:
يا جامع المال والآمال تخدعه ... خوفا من الفقر والعدم
أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابت قلبك الظلم
قال ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخل فإنه ... فقير أتاه البخل من كل جانب
قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
قال أحمد بن مهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغة ... يعظمها عجبا به كل كاتب
معان كأخلاق الكرام حميدة ... صحاح بألفاظ كزهر الكواكب
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقك الزهر
قال أبو أحمد الخراساني:
وليس يضرني ضعف وفقر ... إذا أنفقت مالي في المعالي
رأيت العار في بخل وكبر ... ولست أراه في فقر الرجال
قال المتنبي:
غثاثة عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل
قال العميدي لقد صار هذا غثا لاجتماع الغثاثات فيه.
قال ابن وهب الفزاري وهو جاهلي:
أرى الموت في الحرب مثل الحياة ... لتبليغي النفس فيها الأمل
وأعلم أني امرؤ لا أذو ... ق طعم الممات بغير الأجل
قال المتنبي:
فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في إرب النفوس
قال تميم بن خزيمة:
وليس يضرني قومي إذا ما ... غزاهم في ديارهم كلاب
زنادي غير مصلدة وسيفي ... عليه من دمائهم قراب
فلا تستحقروني لانفرادي ... فإن التبر معدنه التراب
قال المتنبي:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
قال بشار بن برد:
إذا اعتذر الجاني إلى عذرته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا
فمن عاتب الجهال أتعب نفسه ... ومن لام من لا يعرف اللوم أفسدا
قال المتنبي:
وما كل بمعذور ببخل ... ولا كل على بخل يلام
قال العميدي متهكما: هذه الألفاظ إذا سمعها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم قال أبو سعيد المخزومي:
لم يترك الجود فيه غير عادت ... ولم يشن وعده كذب ولا حلف
فلا يلام على إتلافه كرما ... أمواله والذي لم يعطه تلف
حفظ المروءة يؤذي قلب صاحبها ... والحب مغزي به المستهتر الكلف
قال المتنبي:
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
قلت بيت المتنبي أشرف من بيت أبي سعيد المخزومي لمن تأملهما إلا أن لفظه تؤذي آذت بيت المتنبي لضعف تركيبها فيه.

(1/63)


وبيان ذاك: أن هذه اللفظة إذا أوردت في كلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ليحسن موقعها، كما وردت في قوله تعالى: )إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم(، وجاءت في بيت المتنبي منقطعة، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف لها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء جبريل عليه السلام فقال: )باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك(، فإنه لما زيد فيها أصلحها وحسنها؛ ولهذا تزاد الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى: )ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه(، وهذا الموضع غامض يحتاج إلى إمعان نظر، وربما ينكر هذا من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها فكم من لفظة واحدة وردت في موضعين زانت أحدهما، وشانت الآخر، وذلك من خاصة التركيب، كما ورد القرآن الكريم : )إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة( فلفظه لي مثل تؤذي، وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب المتنبي:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فهذه اللفظة وقعت في الآية في غاية الحسن، بخلاف وقوعها في البيت، ونظير ذلك أنك ترى لفظتين يدلان على معنى واحد إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من دق فهمه، فمن ذلك قول تعالى: )ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه(، وقوله تعالى: )رب إني نذرت لك ما في بطني محررا( ، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل إحداهما مكان الأخرى، وكذلك قوله تعالى: )ما كذب الفؤاد ما رأى(، وقوله: )إن في ذلك لذكرى لمن كاف له قلب(،والقلب والفؤاد سواء، ولم يستعمل أحدهما في مكان الآخر، وعلى هذا ورد قول الحماسي:
نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حم الأجل
والموت أحلى عندنا من العسل وقال أبو الطيب:
إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد
فلفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحلى من العسل، وقد وردت لفظة العسل في القرآن الكريم دون لفظة الشهد فوقعت أحسن من الشهد، وكثيرا ما تجد ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، وبلغاء الكتاب، ومصاقع الخطباء، وتحته دقائق ورموز.
رجع إلى ما قاله العميدي، قال: قال ضمضم الكلابي:
ومعترك ضنك المجال شهدته ... ولم أخش أسباب المنايا هنالكا
شفيت جوى صدري وصنت عشيرتي ... وغادرت وجه المجد أبيض ضاحكا
فمن شاء أن يبقى له العز خالدا ... نفى الضيم واستسقى السيوف البواتكا
إذا لم يكن عن قبضة الموت مخلص ... فعجز وجبن أن تخاف المهالكا
قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا
قال أبو العتاهية:
إني أكاشر أعدائي مغالطة ... وفي الحشا لهب من غيظهم ضرم
ولج في العذل أقوام مقتهم ... وكان في أذني عن عذلهم صمم
قال المتنبي:
كأن رقبيا منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها عذل
قال بشار بن برد:
كأن جفوني كانت العيس فوقها ... فسارت وسالت بعدهن المدامع
قال المتنبي:
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا
قال هرون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم
أرى الصبح فيها منذ فارقت مظلما ... فإن أبت صار الليل أبيض ناصعا
قال المتنبي:
فالليل حين قدمت فيها أبيض ... والصبح منذ رحلت عنه أسود
قال العوني:
إن دهرا سخا بمثلك سمح ... ولقد كان قبل هذا بخيلا
قال المتنبي:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
قال الخطيب في تلخيص المفتاح، وإن كان الثاني دون الأول فالثاني مذموم كقول أبي تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
وقول أبي الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا.
وميز الشارح بيت أبي تمام بعدة وجوه:

(1/64)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية