صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الشعر والشعراء
المؤلف : ابن قتيبة الدينوري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال وكان عبد الله بن الصمة أخو دريد أغار على إبل لعبس وفزارة، ومعه دريد، بعد أن أشار عليه دريد ألا يفعل، فخالفه، فخرجت عليهم الخيل،فاستحر القتال في بني جشم، وقتل عبد الله بن الصمة، وصرع دريد، فقال ابن خرشاء العبسي أما أنا فأشهد أن دريدا حي، فقال له الربيع بن زياد وما علمك بذلك؟ قال أرى عرقا ينبض في باطن عجانه، فدعني أبقره بالرمح، فنهاه، فقال أما والله ليملأنها عليك عاملا قابلا شرا. ثم إن الربيع أمر بحمله حتى بلغه مأمنه، وكانت لدريد عنده يد متقدمة، فجازاه بذلك. ثم إن هوازن عقدت له رئاسة عبد الله أخيه، فخرج بهم، فلقى جماعة عبس وذبيان، فقتل منهم زهاء مائة قتيل، وأسر ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب، قاتل عبد الله بن الصمة، وبعث به إلى أمه ريحانة، لتقتله بعبد الله، فلم يصل إليها حتى قتل. وفي ذلك يقول دريد:
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وكانت أم دريد خضضته بشعر لها على الطلب بثأر عبد الله أخيه، فقال:
ثكلت دريدا إن أتت لك شتوة ... سوى هذه حتى تدور الدوائر
وشييب رأسى قبل حين مشيبه ... بكاؤك عبد الله والقلب طائر
إذا أنا حاذرت المنية بعده ... فلا وألت نفس عليها أحاذر
إبراهيم بن هرمة
هو من الخلج، والخلج من قيس عيلان. ويقال إنهم من قريش، فسموا الخلج لأنهم اختلجوا منهم.
وكان إبراهيم من ساقة الشعراء.
حدثني عبد الرحمن عن الأصمعي أنه قال ساقة الشعراء ابن ميادة، وابن هرمة، ورؤبة، وحكم الحضري، حي من محارب، ومكين العذري، وقد رأيتهم أجمعين.
وكان ابراهيم مولعا بالشراب، وأخذه خيثم بن عراك صاحب شرط المدينة لزياد بن عبيد الله الحارثي في ولاية أبي العباس، فجلده الحد، فقال ابن هرمة:
عققت أباك ذا نشب ويسر ... فلما أفنت الدنيا أباكا
علقت عداوتى، هذى لعمرى ... ثياب السر تلبسها عراكا
ولما ولى أبو جعفر شخص إليه وامتدحه، فاستحسن شعره، وقال سل حاجتك، قال تكتب إلى عامل المدينة أن لا يحدني إذا أتي بي إليه وأنا سكران!! قال أبو جعفر هذا حد من حدود الله (تعالى)، وما كنت لأعطله، قال فاحتل لي فيه يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامل المدينة من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاجلده مائة جلدة، واجلد ابن هرمة ثمانين! فكان العون يمر به وهو سكران فيقول من يشتري ثمانين بمائة!! ويجوزه.
وإبراهيم القائل:
إنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا
ومما يستجاد له من شعره قوله:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
إما ترينى شاحبا متبذلا ... كالسيف يخلق جفنه فيضيع
فلرب ليلة لذة قد بتها ... وحرامها بحلالها مدفوع
ويستجاد له قوله في الكلب:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم
العماني
هو بن ذؤيب الفقيمي، ولم يكن من أهل عمان، وإنما قيل له " عماني " لأن دكينا الراجز نظر إليه وهو يسقي الإبل ويرتجز، فرآه غليما مصفر الوجه ضريرا مطحولا، فقال من هذا العماني؟ فلزمه الإسم. وإنما نسبه إلى عمان لأن عمان وبية، وأهلها مصفرة وجوههم مطحولون، وكذلك البحران. قال الشاعر:
من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع

(1/161)


ودخل على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة، طويلة وخف ساذج، فقال له إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دلقمان، فبكر عليه من الغد وقد تزيا بزي الأعراب، ثم أنشده وقبل يده، وقال يا أمير المؤمنين، قد - الله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، ثم يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ثم السفاح، ثم المنصور، ثم المهدي، كل هؤلاء رأيت وجوههم وقبلت أيديهم وأخذت جوائزهم، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة الرؤساء، لا والله ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام.
وكان العماني يحيد وصف الفرس، فمما أخذه أو أخذ منه قوله:
كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهشن المنقبا
وقال آخر:
كأن أجراء كلاب بيض ... دون صفاقيه إلى التعريض
وقال آخر:
كأن قطا أو كلابا أربعا ... دون صفاقيه إذا ما ضبعا
بشار بن برد
هو مولى لبنى عقيل، ويقال مولى لبنى سدوس ويكنى أبا معاذ، ويلقب المرعث، والمرعث الذي جعل في أذنيه الرعاث، وهي القرطة.
ويرمي بالزندقة، وهو مع ذلك يقول:
كيف يبكى لمحبس في طلول ... من سيقصى ليوم حبس طويل
إن في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
وبشار أحد المطبوعين. الذين كانوا لا يتكلفون الشعر، ولا يتعبون فيه، وهو من أشعر المحدثين.
وحضر يوما عند عقبة بن سلم، وعقبة بن رؤبة بن العجاج ينشده رجزا يمتدحه فيه، فاستحسن بشار الأرجوزة، فقال عقبة بن رؤبة هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ! فقال بشار ألمثلي يقال هذا؟! أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك، ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:
يا طلل الحى بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدى
وفيها يقول:
ضنت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد
ما ضر أهل النوك ضعف الكد ... أدرك حظا من سعى بجد
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد
وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدى
وهذا مثل قول الآخر:
لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهمولا تدفع الموت النفوس الشحائح
وكان حماد عجرد يهجو بشارا، فلم يكن فيما هجاه به شيء أشد على بشار من قومه:
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد
وقوله:
لو طليت جلدته عنبرا ... لنتنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكا ذكيا إذن ... تحول المسك عليه خرا
ومن جيد شعر بشار قوله في عمر بن العلاء:
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنضبه لها عمرا ثم نم
دعانى إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأحمد ريحانة قبل شم
ومن عجيب تشبيهه، وهوأعمى، قوله في الذكر:
وتراه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذن شك يوم سحاب
ومن خبيث هجائه قوله:
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته للعرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين

(1/162)


فقل لأبى يحيى متى تبلغ العلى ... وفي كل معروف عليك يمين
وفيه يقول:
أجدك يا ابن قزعة نلت مالا ... ألا إن اللئام لهم جدود
ومن حذر الزيارة في الهدايا ... أقمت دجاجة فيمن يزيد
ومما سبق إليه بشار قوله:
كأن مثار النقع فوق روؤسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
أخذه العتابي فقال:
تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير
ومن حسن شعره قوله:
كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين لو نفع الحذار
كأن جفونه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار
أقول وليلتى تزداد طولا ... أما لليل بعدهم نهار
جفت عينى عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار
يروعه السرار بكل أمر ... مخافة أن يكون به السرار
ومما أفرط فيه قوله:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
وبعده:
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما
وكان بشار هجا المهدي، وذكر شغله بالشراب واللهو،فأمر به فقتل تغريقا في الماء.
سديف بن ميمون
هو مولى بنى العباس وشاعرهم. ويقال إنه كان مولى لإمرأة من خزاعة، وكان زوجها من اللهبيين، فنسب إلى ولاء اللهبيين.
وكان يقول في أيام بنى أمية اللهم قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشهورة، وعهدنا ميراثا بعد الاختيارللأمة، واشتريت الملاهى والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة،اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهيته، واستجمع طريده،اللهم فأتح له من الحق يدا حاصدة تبدد شمله، وتفرق أمره ليظهر الحق في أحسن صورته، وأتم نوره.
وهو القائل في سليمان بن هشام لأبى العباس:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
وهو القائل:
وأمير من بني جمح ... طيب الأعراق ممتدح
إن أبحناه مدائحنا ... عاضنا منهن بالوضح
ولما ظهر إبراهيم بن عبد الله صار إليه سديف، فكتب بعض عيون أبي جعفر إليه أنه قام إلى إبراهيم لما صعد المنبر فقال:
إيه أبا إسحق مليتها ... في صحة منك وعمر طويل
اذكر هداك الله ذحل الأولى ... سيربهم في مصمتات الكبول
أيها المنصور يا خير العرب ... خير من ينميه عبد المطلب
أنا مولاك وراج عفوكم ... فاعف عنى اليوم من قبل العطب
ما نمانى محمد بن على ... إن تشبهت بعدها بولى
وكتب إلى عبد الصمد بن علي يأمره بقتله، فيقال إنه دفن حيا.
مروان بن أبي حفصة
ويكنى أبا السمط، هو مولى مروان بن الحكم، وكان أعتق أباه أبا حفصة يوم الدار، وقال مروان:
بنو مروان قومى أعتقوني ... وكل الناس بعد لهم عبيد
ويقال أن يحيى بن أبي حفصة كان يهوديا أسلم على يد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأثرى وكثر ماله، وكان جوادا، فتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم، سيد أهل الوبر، فقال القلاخ:
نبئت خولة قالت حين أنكحها ... لطال ما كنت منك العار أنتظر

(1/163)


أنكحت عبدين ترجو فضل مالهمافي فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت سائسها ... برذنتها وبها التحجيل والغرر
وكان أيضا تزوج بنت إبراهيم بن النعمان بن بشير، على عشرين ألفا، فعيره الناس، فقال إبراهيم:
ما تركت عشرون ألفا لقائل ... مقالا، فلا تحفل مقالة لائم
فإن أك قد زوجت مولى فقد مضت ... به سنة قبلى وحب الدراهم
وكان يحيى بن أبي حفصة شاعرا. وهو القائل في وصف حية:
أصم ما شم من خضراء أيبسها ... أو مس من حجر أوهاه فانصدعا
يلوح مثل مخط النار مسلكه ... في المستوى، وإذا ما انحط أوطلعا
لو أن ريقته على حجر ... أصم من جندل الصمان لا نقطعا
وكان عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال أنا مولاك، وكان عبيد الله قبل يكتب لعلي بن أبي طالب، فقال مولى لتمام بن العباس بن عبد المطلب:
جحدت بنى العباس حق أبيهم ... فما كنت في الدعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارث ... يحوز ويدعى والدا في المناسب
فأخذه مروان فقال:
أنى يكون، وليس ذاك بكائن، ... لبنى البنات وراثة الأعمام
ويستجاد له قوله في بني مطر:
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعواأجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
أبو عطاء السندي
اسمه مرزوق، مولى أسد بن خزيمة، وكان جيد الشعر، وكانت فيه عجمة.
قال حماد عجرد كنت أنا وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي وبكر بن مصعب المزني مجتمعين، فنظر بعضنا إلى بعض، فقلنا ما بقى شيء إلا وقد تهيأ لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي، فأرسلنا إليه، فقال حماد بن الزبرقان أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول " جرادة " و " زج " و " شيطان " ؟! قال حماد الراوية أنا، فلم يلبث أن جاء أبو عطاء، فقال مرهبا مرهبا، هياكم الله!! قلنا ألا تتعشى؟قال قد تأسيت، فهل عندكم نبيذ؟ قلنا نعم، فأتى بنبيذ، فشرب حتى استرخت علابيه وخذيت أذناه، فقال حماد الراوية كيف بصرك باللغز يا أبا عطاء؟ قال هسن، قال:
فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجيلتيها منجلان؟
قال زرادة، قال أصبت، ثم قال:
فما اسم حديدة في الرمح ترسى ... دوين الصدر ليست بالسنان؟
قال زز، قال أصبت، ثم قال:
فتعرف منزلا لبنى تميم ... فويق الميل دون بنى أبان؟
قال في بني سيطان، قال أصبت.
وهو القائل لعمر بن هبيرة:
ثلاث حكتهن لقرم قيس ... طلبت بها الأخوة والثناء
رجعن على جآجئهن صوف ... فعند الله أحتسب الجزاء
وقال يرثيه:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد
ولما ولى أبو العباس مدح أبو عطاء السندسي بني العباس، فقال:
إن الخيار من البرية هاشم ... وبنو أمية أرذل الأشرار
وبنو أمية عودهم من خروع ... ولهاشم في المجدعود نضار

(1/164)


أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار
فلم يصله بشيء، فقال:
يا ليت جور بنى مروان عاد لنا ... وأن عدل بنى العباس في النار
وقال يهجو بني هاشم:
بنى هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد قام سعر التمر صاعا بدرهم
فإن قلتم رهط النبى وقومهفإن النصارى رهط عيسى ابن مريم
ابن ميادة
هو الرماح بن يزيد، وميادة أمه، وكانت أم ولد، ويكنى أبا شراحيل، وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان.
وكان يضرب جنبي أمه ويقول لها:
اعرنزمى مياد للقوافى
يريد أن يهجوالناس، فهم يهجونه ويذكرون أمه.
وأبوه من ولد ظالم أبي الحرث بن ظالم المري.
وهو القائل:
سقتنى سقاة المجد من آل ظالم ... بأرشية أطرافها في الكواكب
وهو القائل للوليد بن يزيد:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربتنى أهلى
بلاد بها نيطت على تمائمى ... وقطعن عنى حين أدركنى عقلى
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة ... تطالع من هجل خصيب إلى هجل
فإن كنت عن تلك المواطن حابسىفأفش على الرزق واجمع إذن شملى
أخذ البيت من المجنون، فكتب الوليد إلى مصدق كلب أن يعطيه مائة ناقة دهما جعادا، فطلب المصدق أن يعفيه من الجعودة ويأخذها دهما، فكتب الرماح إلى الوليد:
ألم يبلغك أن الحى كلبا ... أرادوا في عطيتك ارتدادا
أرادوا لى بها لونين شتى ... وقد أعطيتها دهما جعادا
فكتب إليه أن يعطيه مائة دهما جعادا، ومائة صهبا برعاتها.
أبو حية النميري
هو الهيثم بن الربيع، وكان يروي عن الفرزدق، وكان كذابا!! قال ذات يوم عن لى ظبي فرميته، فراغ عن سهمى، فعارضه " والله " ذلك السهم، ثم راغ، فراوغه السهم حتى صرعه ببعض الخبارات!! وقال أيضا رميت " والله " ظبية، فلما نفذ السهم عن القوس ذكرت بالظبية حبيبة لي، فعدوت وراء السهم، حتى قبضت على قذذه!! وقال جار له كان له سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنية!! قال فأشرفت عليه ليلة، وقد انتضاه، وهو واقف على باب بيت في داره، وهو يقول إيها أيها المغتر بنا، والمجترئ علينا، بئس " والله " ما اخترت لنفسك، خير قليل، وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك، لا أدخل بالعقوبة عليك، إني " ولله " إن أدع قيسا تملإ الفضاء خيلا ورجلا، يا سبحان الله، ما أكثرها وأطيبها! ثم فتح الباب، فإذا كلب قد خرج عليه، فقال الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني منك حربا!! ولقيه ابن مناذر، فسأله أن ينشده، فأنشده:
ألا حى من بعد الحبيب المغانيالبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يمل التقاضيا
فقال له ابن مناذر أوهذا شعر؟! فقال أبو حية ما في شعري شر من أنك تسمعه!! ثم أنشده ابن مناذر، فقال له أبو حية أما قلت لك؟!
أبو دلامة
هو زند بن الجون، مولى بني أسد.
وكان منقطعا إلى أبي العباس السفاح.
وقال له يوما سل حاجتك،فقال أبو دلامة كلب صيد، قال لك كلب، قال ودابة أتصيد عليها، قال ودابة، قال وغلام يركب الدابة ويصيد، قال وغلام، قال وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال وجارية، قال يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال، ولا بد من دار، قال ودار، قال ولا بد من ضيعة تقوت لهؤلاء، قال قد أقطعناك مائة جريب عامرة، ومائة جريب غامرة، قال وأي شيء الغامرة؟ قال ليس فيها نبات، قال فأنا أقطعك ألفا وخمسمائة جريب من فيافي بني أسد!! قال قد جعلناها عامرة، قال فأذن لي أقبل يدك، قال أما هذه فدعها، قال ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا من هذه!!

(1/165)


وكان يستحسن شعره. وأنشده يوما شعرا والناس يستحسنونه فقال له والله، يا أمير المؤمنين، إنهم لايفهمون بالقول شيئا، ولا يستحسنون إلا باستحسانك، ثم أنشده:
أنعت مهرا كاملا في قدره ... مركبا عجانه في ظهره
فعجبوا من ذلك واستحسنوا! فقال يا أمير المؤمنين، أما قلت لك؟ وقال لهم كيف يكون عجانه في ظهره!! وقال أبو دلالة كنت في عسكر مروان أيام زحف إلى شيبان الخارجي، فلما التقى الزحفان، خرج منهم فارس، فنادى من يبارز؟ فلم يخرج إليه أحد إلا أعجله ولم ينهنهه، وأحجم الناس عنه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة درهم، فقتل أصحاب الخمسمائة، وزاد مروان في ندبته، فبلغ بها ألفا، ولم يزل يزيد حتى بلغ خمسة آلاف درهم، فلم يخرج إليه أحد، وكان تحت فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بالخمسة الآلاف ترقبته، واقتحمت الصف، فلما نظر إلى الخارجي علم أني إنما خرجت للطمع، فأقبل يتهيأ إلي، وإذا عليه فرو له قد أصابه المطر فارمعل، ثم أصابته الشمس فاقفعل، وعيناه تزران كأنهما في وقبين، فلما دنا مني قال:
وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوى أهله فلا رجع
فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هاربا، وجعل مروان يقول من هذا الفاضح لنا؟ ايتوني به، ودخلت في غمار الناس فنجوت.
وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنحت لهم ظباء، فرمى المهدي ظبيا فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلبا، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة قل في هذا، فقال:
قد رمى المهدى ظبيا ... شك بالسهم فؤاده
وعلى بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما، كل ... امرىء يأكل زاده
وهو القائل في أبي مسلم صاحب الدولة:
أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مجرم خوفتى القتل فانتحى ... عليك بما خوفتنى الأسد الورد
أفى دولة المهدي حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
حماد عجرد
هو حماد بن عمر، من أهل الكوفة، مولى لبني سواءة بن عامر بن صعصعة وكان معلما وشاعرا محسا.
وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون حماد عجرد وحماد الرواية، وحماد بن الزبرقان النحوي. وكانوا يتنادمون ويتعاشرون، وكأنهم نفس واحدة، ويرمون جميعا بالزندقة.
وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شىء، فهجاه وقال:
نعم الفتى لو كان يعرف قدره ... ويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
وحماد عجرد هو القائل:
إن الكريم ليخفى عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت أن تعطى القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أبرق بخير ترجى للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود
وهو القائل:
حريث أبو الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعد الفاسده
تخوف تخمة أضيافه ... فعودهم أكلة واحده
وهو القائل:
كم من أخ لك تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر

(1/166)


يطرى الوفاء وذا الوفاء ويل ... حى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا، والدهر ذو غير، ... دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودة من ... يقلى المقل ويعشق المثرى
وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقيان بالصفر
زرت امرءا في بيته مرة ... له حياء وله خير
وهو القائل في محمد بن طلحة:
يكره أن يتخم إخوانه ... إن أذى التخمة محذور
ويشتهى أن يؤجروا عنده ... بالصوم، والصائم مأجور
يابن أبى شهدة أنت امرؤ ... بصحة الأبدان مسرور
وهو القائل في محمد بن أبي العباس السفاح:
أرجوك بعد أبى العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وأغصانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
مالك بن أسماء
هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. وآباؤه سادة غطفان.
وكان مالك شاعرا غزلا ظريفا.
وهو القائل في جارية له:
أمغطى منى على بصرى بال ... حب أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذه هو مما ... يشتهى الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا، وأحلى الحديث ما كان لحنا
وفيها يقول:
حبذا ليلتى بتل بونا ... إذ نسقى شرابنا ونغنى
من شراب كأنه دم جوف ... يترك السيخ والفتى مرجحنا
حيث دارت بنا الزجاجة درنا ... يحسب الجاهلون أنا جننا
ومررنا بنسوة عطرات ... وسماع وقرقف فنزلنا
وكان أخوه عيينة بن أسماء هوى جارية لأخته هندا بنت أسماء فاستعان بأخيه مالك بن أسماء على أخته، وشكا إليه ما به، فقال مالك:
أعيين هلا إذ شغفت بها ... كنت استعنت بفارغ العقل
أقبلت ترجو الغوث من قبلى ... والمستغاث إليه في شغل
كان مالك يهوى جارية من بني أسد، وكانت تنزل دارا من قصب، وكانت دار مالك في بني أسد مبنية بالآجر، فقال:
يا ليت لى خصا مجاورها ... بدلا بدارى في بنى أسد
الخص فيه تقر أعيننا ... خير من الآجر والكمد
عبيد بن أيوب
هو من بني العنبر. وكان جنى جناية، فطلبه السلطان وأباح دمه، فهرب في مجاهل الأرض، وأبعد لشدة الخوف، وكان يخبر في شعره أنه يرافق الغول والسعلاة، ويبايت الذئاب والأفاعي، ويأكل مع الظباء والوحش.
فمن شعره:
فلله در الغول أى رفيقة ... لصاحب قفر خائف يتستر
أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالى نيرانا تبوخ وتزهر
وهو القائل:
أذقنى طعم الأمن أو سل حقيقة ... على، فإن قامت ففصل بنانيا
خلعت فؤادى فاستطير فأصبحت ... ترامى بؤى البيد القفار تراميا
كأنى وآجال الظباء بقفرة ... لنا نسب ترعاه أصبح دانيا
رأين ضرير الشخص يظهر تارة ... ويخفى مرارا ناحل الجسم عاريا

(1/167)


فأجفلن نفرا ثم قلن ابن بلدةقليل الأذى أمسى لكن مصافيا
ألا يا ظباء الوحش لا تشمتن بى ... وأخفيننى إذ كنت فيكن خافيا
أكلت عروق الشرى معكن فالتوىبحلقى نور الفقد حتى ورانيا
وقد لقيت منى السباع بلية ... وقد لاقت الغيلان منى الدواهيا
ومنهن قد لاقيت ذاك فلم أكن ... جبانأ إذا هول الجبان اعترانيا
أذقت المنايا بعضهن بأسهمى ... وقددن لحمى وامتشقن ردائيا
وهو القائل:
تقول وقد ألممت بالإنس لمة ... مخضبة الأطراف خرس الخلاخل
أهذا خليل الغول والذئب والذي ... يهيم بربات الحجال الهراكل؟
رأت خلق الأدراس أشعث شاحبا ... على الجدب بساما كريم الشمائل
تعود من آبائه فتكاتهم ... وإطعامهم في كل غبراء شامل
إذا صاد صيدا لفه بضرامة ... وشيكا ولم ينظر لنصب المراجل
ونهسا كنهس الصقر ثم مراسه ... بكفيه رأس الشيخة المتمايل
ولم يسحب المنديل بين جماعة ... ولا فاردا مذ صاح بين القوابل
وهو القائل في نحول جسمه:
حملت عليها ما لو أن حمامة ... تحمله طارت به في الجفاجف
رحيلا وأقطاعا وأعظم وامق ... أضر به طول السرى والمخاوف
الأحيمر السعدي
وكان الأحيمر لصا كثير الجنايات، فخلعه قومه، وخاف السلطان، فخرج في الفلوات وقفار الأرض. قال فظننت أني قد جزت نخل وبار، أو قد قربت منها، وذلك لأني كنت أرى في رجع الظباء النوى، وصرت إلى مواضع لم يصل أحد إليها قط قبلي. وكنت أغشي الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر مني، لأنها لم ترى غيري قط وكنت آخذ منها لطعامي ما شئت، إلا النعام، فإني لم أره قط إلا شاردا فزعا.
وهو القائل:
وى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
رأى الله أنى للأنيس لشانىء ... وتبغضهم لي مقلة وضمير
فلليل إذ وارانى الليل حكمه ... وللشمس إن غابت على نذور
وإنى لأستحيى لنفسى أن أرى ... أمر بحبل ليس فيه بعير
وأن أسئل العبد الئيم بعيره ... وبعران ربى في البلاد كثير
وهو متأخر، قد رآه شيوخنا. وكان هربه من جعفر بن سليمان.
وهو القائل:
أرانى وذئب القفر إلفين بعدما ... بدأنا كلانا يشمئز ويذعر
تألفنى لما دنا وألفته ... وأمكننى للرمى لو كنت أغدر
ولكننى لم يأتمنى صاحب ... فيرتاب بى ما دام لا يتغير
وهو القائل:
نهق الحمار فقلت أيمن طائر ... إن الحمار من التجار قريب
خلف الأحمر
هو خلف بن حيان، أبو محرز. وكان عالما بالغريب والنحو والنسب والأخبار، شاعرا كثير الشعر جيده. ولم يكن في نظرائه من أهل العلم أكثر شعرا منه.
قال الأصمعي كان خلف مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، أعتقه وأعتق أبويه، وكان فرغانيين.
وفيه يقول أبو نواس يرثيه:
أودى جميع العلم مذ أودى خلفمن لا يعد العلم إلا ما عرف
قليذم من العيالم الخسف ... كنا متى نشاء منه نغترف

(1/168)


رواية لا تجتنى من الصحف
وهو القائل:
سقى حجاجنا لنوء الثريا ... على ما كان من بخل ومطل
هم جمعوا النعال وأحرزوها ... وشدوا دونها بابا بقفل
فإن أهديت فاكهة وجديا ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين قدرهما ذراع ... وعشر من ردى المقل خشل
أناس تائهون لهم رواء ... تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكن الفعال فعال عكل
وهو القائل:
إن بالشعب إلى جنب سلع ... لقتيلا دمه ما يطل
ونحله ابن أخت تأبط شرا.
وكان يقول الشعر وينحله المتقدمين. ويكثر قول الشعر في وصف الحيات، وأراجيزه في ذلك كثيرة.
أبو العتاهية
هو إسماعيل بن القاسم، مولى لعنزة ويكنى أبا إسحق.
وأبو العتاهية لقب. وكان جرارا، ويرمى بالزندقة.
وحدثني شيخ من قدماء الكتاب أنه كان له ابنتان،يقال لإحداهما لله، وللأخرى بالله! ورأيته يستعظم ذلك.وكان له ابن شاعر ناسك.
وكان أحد المطبوعين، وممن يكاد يكون كلامه كله شعرا.
وغزله ضعيف مشاكل لطبائع النساء، ومما يستخففن من الشعر. وكذلك كان عمر بن أبي ربيعة في الغزل.
من ذلك قول أبي العتاهية:
بسطت كفى نحوكم سائلا ... ماذا تردون على السائل
إن لم تنيلوه فقولوا له ... قولا جميلا بدل النائل
أو كنتم العام على عسرة ... ويلى فمنوه إلى قابل
وكان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربما قال شعرا موزونا يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب.
وقعد يوما عند قصار، فسمع صوت المدقة، فحكى ذلك في ألفاظ شعره، وهو عدة أبيات فيها:
للمنون دائرا ... ت يدرن صرفها
هن ينتقننا ... واحدا فواحدا
وقال أيضا:
عتب ما للخيال ... خبرينى ومالى
لا أراه أتانى ... زائرا مذ ليالى
لو رآني صديقى ... رق لى أو رثى لى
أو يرانى عدوى ... لان من سوء حالى
وكانت عتبة هذه التى يشبب بها جارية لريطة بنت أبي العباس السفاح، وكانت تحت المهدى، فلما بلغ المهدى إكثاره في وصفها غضب فأمر بحبسه، ثم شفع له يزيد بن منصور الحميري خال المهدى، فأطلقه. ثم حبسه الرشيد، فكتب إليه من الحبس بأبيات فيها:
تفديك نفسى من كل ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبى مصور لك ما ... فيه لتستيقن الذى أضمر
فوقع الرشيد في رقعته لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة بأبيات، فيها:
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن الحبس بأس ... وقد وقعت ليس عليك باس
فأمر بإطلاقه.
وكتب إليه من الحبس:
إنما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه
قيل لى قد رضيت عنى فمن لى ... أن أرى لى على رضاك علامه
وحقيق ألا يراع بسوء ... من رآك ابتسمت منه ابتسامه
لو توجعت لى فروحت عنى ... روح الله عنك يوم القيامه
وكان جعل أمره إلى خادم له يقال له ثابت، فكتب إليه:
كفتنى العناية من ثابت ... بتثمير ما كان من غرسه
وكان الشفيع إلى غيره ... فصار الشفيع إلى نفسه
وكان أبو العتاهية أتى أحمد بن يوسف الكاتب، فحجب عنه، فقال:
متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم

(1/169)


وبعث إلى بعض الملوك بنعل، وكتب إليه:
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يحسن أن أشركها ... خدى جعلت شراكها خدى
وسمع بقول جميل:
خليلى فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلى
فأخذه كله فقال:
يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدة الوجد على القاتل
وسمعه رجل ينشد:
فانظر بطرفك حيث شئت ... فلن ترى إلا بخيلا
فقال له بخلت الناس جميعا؟! قال فأكذبني بسخي واحد!! ومما يستحسن من شعره قوله:
ما أنا إلا لمن بغانى ... أرى خليلى كما يرانى
لست أرى ما ملكت طرفى ... مكان من لا يرى مكانى
من ذا الذى يرتجى الأقاصى ... إن لم ينل خيره الأدانى
فلى إلى أن أموت رزق ... لو جهد الخلق ما عدانى
لا ترتج الخير عند من لا ... يصلح إلا على الهوان
فاستغن بالله عن فلان ... وعن فلان وعن فلان
ولا تدع مكسبا حلالا ... تكون منه على بيان
فالمال من حله قوام ... للعرض والوجه واللسان
والفقر ذل عليه باب ... مفتاحه العجز والتوانى
ورزق ربى له وجوه ... هن من الله في ضمان
سبحان من لم يزل عليا ... ليس له في العلو ثانى
قضى على خلقه المنايا ... فكل شىء سواه فانى
يا رب لم نبك من زمان ... إلا بكينا على الزمان
ويستحسن له قوله:
وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حى لم تمت
وشعره في الزهد كثير حسن رقيق سهل.
ومما يستحسن له من شعره قصيدته التي أولها:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ومما نسب فيه إلى الزندقة قوله،وأشار إلى السماء:
إذا ما استجزت الشك في بعض ما ترىفما لا تراه الدهر أمضى وأجوز
وقوله:
يارب لو أنسيتنيها وهى ... في جنة الفردوس لم أنسها
وقوله:
إن المليك رآك أح ... سن خلقه ورأى جمالك
فحذا بقدرة نفسه ... حور الجنان على مثالك
أبو نواس
هو الحسن بن هانيء، مولى الحكم بن سعد العشيرة، من اليمن وهم الذين يقال فيهم " حا وحكم " .
وفيه يقول والبة بن الحباب:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم
فاسقنى البكر التى اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم
ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم
فهى لليوم الذى بزلت ... وهى تلو الدهر في القدم
عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم
لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصت قصة الأمم
قرعتها للمزاج يد ... خلقت للكأس والقلم

(1/170)


في ندامى سادة نجب ... أخذوا الذات من أمم
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشى البرء في السقم
صنعت في البيت إذ مزجت ... كصنيع الصبح في الظلم
فاهتدى سارى الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
هكذا قال له الدعلجي، رجل صحب أبا نواس وأخذ منه. على أن أكثر الناس ينسبون الشعر إلى أبي نواس. وإنما هو لوالبة، قاله فيه.
وكان أبو نواس بصريا، قال:
ألا كل بصرى يرى أنما العلى ... مكممة سحق لهن جرين
وإن أك بصريا فإن مهاجرى ... دمشق،و لكن الحديث شجون
وقال:
أيا من كنت بالبصر ... ة أصفى لهم الودا
شربنا ماء بغداد ... فأنساناكم جدا
فلا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا
جدوا منا كما أنا ... وجدنا منكم بدا
وهو أحد المطبوعين.
قال لي شيخ لنا لقيته يوما ومعي تفاحة حسنة، فأريته إياها، وسألته أن يصفها، وما أريد بذلك إلا أن أعرف طبعه وسهولة الشعر عليه، فقال لي نحن على الطريق، فمل بنا إلى المسجد، فملنا إليه، فأخذها وقلبها بيده شيئا، ثم قال:
يا رب تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي
قد بت في ليلتى أقلبها ... أشكو إليها تطاول الكمد
لو أن تفاحة بكت ليكت ... من رحمتى هذى التى بيدي
وبسط يده فناولنيها.
وكان أبو نواس متفننا في العلم، قد ضرب في كل نوع منه بنصيب، ونظر مع ذلك في علم النجوم، يدلك على ذلك قوله:
ألم تر الشمس حلت الحملا ... وقام وزن الزمان فاعتدلا
وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا
وكان بعضهم يذهب إلى أنه أراد أن للخمر حولا منذ جرى الماء في العود، وجعل ذلك الماء هو الخمر، لأنه يصير عنبا فيعصر.
وهذا قول، لولا أن الماء يجري في العود قبل حلول الشمس برأس الحمل بمدة طويلة.
والذي عندي فيه أن الهاء في قوله " حولها " كناية عن الشمس كملا. وقد تقدم ذكر الشمس في البيت الأول، فحسنت الكناية عنها.
ومعنى استيفائها حول الشمس أن الله تبارك وتعالى خلق الفلك والنجوم والشمس براس الحمل، والنهار والليل سواء، والزمان معتدل في الحر والبرد، فكلما حلت الشمس برأس الحمل فقد أمضت سنة للعالم، فقد استوفت الخمر حول الشمس كملا، وإن هي لم يأت لها حول في نفسها. وإنما أراد أن الشرب يطيب في هذا الوقت لاعتدال الزمان، وتفتح الأنوار، وتفجر المياه، وغناء الطير في أفناء الشجر.
ويدل على علمه بالنجوم أيضا قوله في قصيدة أولها:
أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار
ثم وصف الخمر فقال:
تخيرت والنجوم وقف ... لم يتمكن بها المدار
يريد أن الخمر تخيرت حين خلق الله الفلك.
وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة في برج، ثم سيرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها فيه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم.
والهند تقول إنها في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرا منها، فهلك الخلق في الطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجا عن الحوت.
ولم أذكر هذا لأنه عندي صحيح، بل أردت به التنبيه على معنى البيت ونظر هذا الشاعر في هذا الفن.
ومما يغلط الناس فيه من شعره، إلا من أخذه عمن سمعه منه، قوله:
وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهم يدا من رامها بزليل
وضعنا بها الأثقال قل هجيرة ... عبورية تذكى بغير فتيل

(1/171)


كأنا لديها بين عطفى نعامة ... جفا زورها عن مبرك ومقيل
تأيت قليلا ثم فاءت بمذقة ... من الظل في رث الأباء ضئيل
يروونه " رث الإناء " وليس للإناء ها هنا وجه، إنما هو " رث الأباء " و " الأباء " القصب. يريد أن الخيمة التي للناطور التي شبهها بنعامة متجافية كانت من قصب قد رث وأخلق، وأن الشمس عند الزوال تأيت قليلا، أي احتبست قليلا، وكذلك تكون في ذلك الوقت كأنها تتلبث شيئا ثم تنحط للزوال. ألا ترى ذا الرمة يقول:
والشمس حيرى لها بالجو تدويم
يريد بحيري تلك الوقفة فإذا انحطت فقد زالت وفاءت بمذقة من الظل، أي بشيء يسير منه، في أباء رث، أي في قصب وقوله " مذقة " يريد ليس بظل خالص، وهو ظل خرج من خلل قصب رث، فهو ممتزج بالشمس، فكأنه ممذوق.
ومثله قول أبي كبير:
وضع النعامات الرحال بريدها ... يرفعن بين مشعشع ومظلل
ومما أخذ عليه في شعره قوله في الأسد:
كأنما عينه إذا نظرت ... بارزة الجفن عين مخنوق
وصفه بجحوظ العين، وإنما يوصف الأسد بغؤورها. قال أبو زبيد:
كأنما عينه وقبان من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير
وأخذ عليه من الإفراط قوله:
حتى الذى في الرحم لم يك صورة ... بفؤاده من خوفه خفقان
جعل لما لم يخلق بعد ولم يصور فؤادا يخفق.
وكذلك قوله في الرشيد:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التى لم تخلق
وأخذ عليه قوله في الناقة:
كأنما رجلها قفا يدها ... رجل وليد يلهو بدبوق
وإذا كانت كذلك كان بها عقال، وهو من أسوء العيوب.
وأخذ عليه قوله في وصف الدار:
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق
شبه ما لا ينطق أبدا في السكوت بما قد ينطق في حال، وإنما كان يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وأطرق وانقطعت حجته بالدار، وإنما هذا مثل قائل قال مات القوم حتى كأنهم نيام!! والصواب أن يقول نام القوى حتى كأنهم موتى.
ونحوه قول الأحمر:
كأن نيرانهم من فوق حصنهم ... معصفرات على أرسان قصار
وإنما كان ينبغي أن يقول كأن المعصفرات نيران.
ومما يستخف من شعره قوله:
قل لزهير إذا حدا وشدا ... أقلل وأكثر فأنت مهذار
سخنت من شدة البرودة ح ... تى صرت عندى كأنك النار
لا تعجب السامعون من صفتى ... كذلك الثلج بارد حار
وهذا الشعر يدل على نظره في علم الطبائع، لأن الهند تزعم أن الشيء إذا أفرط في البرد عاد حارا مؤذيا.
ووجدت في بعض كتبهم لا ينبغي للعاقل أن يغتر باحتمال السلطان وإمساكه، فإنه إما شرس الطبع بمنزلة الحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، أو سميح الطبع،بمنزلة الصندل الأبيض البارد إن أفرط في حكه عاد حارا مؤذيا.
وبلغني أن بعض الخلفاء سأل ابن ماسوية عن أصلح ما انتقل به على النبيذ؟ فقال نقل أبي نواس، وانشده:
مالى في الناس كلهم مثل ... مائى خمر ونقلى القبل
يومى حتى إذا العيون هدت ... وحان نومى فمفرشى كفل
وكان محمد الأمين حبسه، فكتب إليه من الحبس:
قل للخليفة إننى ... حتى أراك بكل باس
من ذا يكون أبا نوا ... سك إذ حبست أبا نواس!
وكان حبسه لشيء عتب عليه فيه، فكتب إليه بهذين البيتين وهو على الشراب، فلما أن قرأهما تبسم وقال لا أبا نواس بعده، وناولهما الفضل ابن الربيع، فشفع له، فأمر بإطلاقه والإقبال به إليه، فلما أن دخل عليه أمر له بعشرة آلاف درهم، وحمله وكساه.
ومما قال في الحبس للفضل ابن الربيع، وهو مما يستخف من شعره:

(1/172)


أنت يا ابن الربيع علمتنى الخي ... ر وعودتنيه، والخير عاده
فارعوى باطلى وراجعنى الحل ... م وأحدثت عفة وزهاده
لو تراني ذكرت بى الحسن البص ... رى في حال نسكه أو قتاده
من خشوع أزينه بنحول ... واصفرار مثل اصفرار الجراده
التسابيح في ذراعى والمص ... حف في لبتى مكان القلاده
فإذا شئت أن ترى طرفة تع ... جب منها مليحة مستفاده
فادع بى، لا عدمت تقويم مثلى، ... فتأمل بعينك السجاده
تر سيما من الصلاة بوجهى ... توقن النفس أنها من عباده
لو رآها بعض المرائين بوجهى ... لا شتراها يعدها للشهاده
ولقد طال ما شقيت ولكن ... أدركتنى على يديك السعاده
فتلطف الفضل بن الربيع لإطلاقه، فقال:
ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسى فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمننى ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنى عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها
وكان كتب إلى محمد من الحبس:
تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامى وإنشاديك والناس حضر
ونثرى عليك الدر يادر هاشم ... فيامن رأى درا على الدر ينثر
مضت لى شهور مذ حبست ثلاثة ... كأنى قد أذنبت ما ليس يغفر
فإن كنت لم أذنب ففيم تعنتىوإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر
ومن شعره الذي لا يعرف معناه قوله:
وجنة لقبت المنتهى ... ثم اسمها في العجم خلار
قال أبو محمد لست أعرفه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وهو يتلو بيتا عمى فيه اسما فقال
قولك عل من لعل ومن ... قولك يا حارث يا حار
فهو بحذفى ذا وترخيم ذا ... أخ الذى تلذعه النار
يريد راحة، ألا تراه إذا حذف أوله كما يحذف أول " لعل " فيقول " عل " وإذا رخم آخره فحذف الهاء بقي منه أخ، ثم قال:
وجنة لقبت المنتهى
وأما قوله في الخمر:
لا كرمها مما يذال ولا ... فتلت مرائرها على عجم
فإنه يشكل معناه. والذي عندي فيه أنه وصف الخمر بالصلابة والشدة، فشبهها بحبل فتلت قواه، وهي مرائره،بعد أن نقيت من كسارة العيدان ورضاضها، وإذا نقيت من ذلك جاد الحبل وصلب، واشتد فتله، وأمن انتشاره، وإذا فتل على تلك الكسارة وذلك الرضاض لم يشتد الفتل، وأسرع إليه الانتشار. وأصل العجم النوى، شبه ما يبقى من عيدان الكتان في مرائر الحبل به، وهذا مثل يضرب لكل شي اشتد وقوى، فيقال إنه لذو مرة، أي ذو فتل. وقال النبي " صلى الله عليه وسلم " " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " ، أي لذي قوة، كأن القوي من الرجال فتل. ثم يقال ولا فتلت مرائره على عجم، أي لم يفتل إلا بعد تنقية من العيدان المتكسرة وبعد تنظيف. وكان أبو نواس ومسلم اجتمعا وتلاحيا، فقال له أبو مسلم بن الوليد ما أعلم لك بيتا يسلم من سقط! فقال له أبو نواس هات من ذلك بيتا واحدا، فقال له مسلم أنشد أنت أي بيت شعر شئت من شعرك، فأنشد أبو نواس:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا
فقال له مسلم قف عند هذا البيت، لم أمله ديك الصباح وهو يبشره بالصبوح الذي ارتاح له؟ قال له أبو نواس فأنشدني أنت، فأنشده مسلم:

(1/173)


عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمة وتجلد
فقال له أبو نواس ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام بين عزيمة وتجلد، فجعلته متنقلا مقيما!! وتشاغبا في ذلك ثم افترقا.
قال أبو محمد والبيتان جميعا صحيحان لا عيب فيهما، غير أن من طلب عيبا وجده، أو أراد إعناتا فدر عليه، إذا كان متحاملا متحينا، غير قاصد للحق والإنصاف.
ومما كفر فيه أو قارب قوله:
تعلل بالمنى إذ أنت حى ... وبعد الموت من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو
وقوله في محمد الأمين:
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد الشراكان
مثلان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدة اثنان
وقوله في غلام:
نتيج أنوار سمائية ... حليف تقديس وتطهير
يكل عن إدراك تحد يده ... عيون أوهام الضمائير
فت مدى وصفى، ولكن ذا ... ، تفديك نفسي، جهد مقدوري
وكيف أحكي وصف من جل أن ... يحكيه عند الوصف تدبيرى
إلا بما تخبر أمشاجه ... من كامن فيهن مستور
وقوله لغلام:
يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدى نعص جبار السموات!!
وقال له الرشيد يا ابن اللخناء، أنت المستخف بعصى موسى، نبي الله! إذ تقول:
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصى موسى بكف خصيب!
وقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك لا يأوى إلى عسكري من ليلته، فقال له يا سيدي، فأجل ثمود؟ فضحك، وقال أجله ثلاثا، فقال محمد لإبراهيم والله لئن حصصت منه شعرة لأقتلنك، فأقام عند إبراهيم حتى مات هارون، فأخرجه محمد.
ومات وهو ابن اثنتين وخمسين سنة.
وقد سبق إلى معان في الخمر لم يأت بها غيره، كقوله في وصفها:
وخدين لذات معلل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا
قال ابغنى المصباح، قلت له اتئد ... حسبى وحسبك ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا
وقوله في ذلك:
لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار
حتى لو استودعت سرارا ... لم يخف في ضوئها السرار
السرار استسرار القمر ليلة الثلاثين. يقول هي من ضوئها لو استودعت ما ليس شيئا لم يخف ذلك في ضوئها. وهذا من الإفراط.
وقال بعض المتقدمين:
طوت لقحا مثل السرار فبشرت ... بأسحم رنان العشية مسبد
أي خفيا مثل السرار.
وقوله في ذلك:
وخمار حططت إليه ليلا ... قلائص قد ونين من السفار
فجمجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار
أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... ونجم الليل مكتحل بقار؟
فقلت له ترفق بى فإنى ... رأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال صبح ... ولا صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى العقار فسد فاها ... فعاد الليل مصبغ الإزار
وقوله في نحو ذلك:
كأن يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها
وقوله في مثل ذلك:
شككت بزالها والليل داج ... فسال إلى عيوق الظلام
وفي ذلك يقول:

(1/174)


فتعزيت بصرف عقار ... نشأت في حجر أم الز مان
فتناساها الجديدان حتى ... هى أنصاف شطور الدنان
فافترعنا مزة الطعم فيها ... نزق البكر ولين العوان
واحتسينا من عتيق رقيق ... وشديد كامن في ليان
لم يجفها مبزل القوم حتى ... نجمت كثل نجوم السنان
أو كعرق السام تنشق عنه ... شعب مثل انفراج البنان
والسام عروق الذهب، شبهها، حين بزلت وانشق ما خرج عنها من المبزل قصار شعبا، بعروق السام إذا انفرجت انفراج الأصابع.
وفي نحو ذلك يقول:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
وله في تصاوير الكؤوس معنى سبق إليه، وهو قوله:
تدور علينا الراح في عسجدية ... حبتها بألوان التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسى الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما حازت عليه القلانس
وكذلك قوله:
فحل بزالها في قعر كأس ... محفرة الجوانب والقرار
رجال الفرس حول ركاب كسرى ... بأعمدة وأقبية قصار
وكذلك قوله:
بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم
ومما سبق إليه في الخمر قوله:
من شراب ألذ من نظر المع ... شوق في وجه عاشق بابتسام
ونحو ذلك قوله:
وكأنها إنعام خلة عاشق ... بالبذل بعد تعسر ومكاس
والراح طيبة وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلاس
فإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس
وفي هذا حرف يؤخذ عليه، وهو قوله " ذاك النزع " ، وكان ينبغي أن يقول " النزوع " ، يقال نزعت عن الأمر نزوعا، ونزعت الشيء من مكانه نزعا، ونازعت إلى أهلي نزاعا.
ومما يستحسن له في الخمر قوله:
لا تشنها بالتى كرهت ... هى تأبى دعوة النسب
يريد لا تطبخها فتخرج عن اسم الخمر، فيقال مطبوخ، أو نبيذ، أحسبه قال " لا تسمها بالتي كرهت " ، فهو أحسن وأشبه بالمعنى من " تشنها " فإن كانت الرواية " لا تشنها " فلعله أراد لا تمزجها بالماء، فإنها تأبى أن يفال خمر وفيها ماء، فكأنها ادعت غير نسبها، وهو معنى حسن.
ومن قوله في الحجاب وعتابه الفضل:
أيها الراكب المغذ إلى الفض ... ل ترفق فدون فضل حجاب
ونعم هبك قد وصلت إلى الفض ... ل فهل في يديك إلا السراب؟
ومن خبيث هجائه قوله للفضل الرقاشي:
وجدنا الفضل أكرم من رقاش ... لأن الفضل مولاه الرسول
فلو نضح القفا منه بماء ... بدا الينبوت منه والفسيل
أراد قول النبي " صلى الله عليه وسلم " " أنا مولى من لا مولى له " .
وقال في يؤيؤ:
كيف خطا النتن إلى منخرى ... ودونه راح وريحان
أظن كرياسا طما فوقنا ... أو ذكر اليؤيؤ إنسان
وقال في إسماعيل بن صبيح:
ألا قل لإسمعيل إنك شارب ... بكأس بنى ماهان ضربة لازم
أتسمن أولاد الطريد ورهطه ... بإهزال آل الله من نسل هاشم
وتخبر من لاقيت أنك صائم ... وتغدو بفرج مفطر غير صائم

(1/175)


فإن يسر إسمعيل في فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم
وقال فيه:
بنيت بما خنت الإمام سقاية ... فلا شربوا إلا أمر من الصبر
فما كنت إلا مثل بائعة استها ... تعود على المرضى به طلب الأجر
وقال فيه:
ألست أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما في خلافك مائق
فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق
أعيذك بالرحمن من شر كاتب ... له قلم زان وآخر سارق
وقال في جعفر بن يحيى:
عجبت لهرون الإمام وما الذي ... يرجى ويبغى منك يا خلقة السلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا مالك يقضى الهموم على بثق
وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق
ترى جعفرا يزداد لؤما ودقة ... إذا زاده الرحمن في سعة الرزق
وهو القائل:
يحب الشمال إذا أقبلت ... لأن قيل مرت بدار الحبيب
وأحسب أيضا كذا فعله ... إذا ما تلقته ريح الجنوب
غناء قليل وحزن طويل ... تلقى الرياح بما في القلوب
ومما سبق إليه قوله في إبليس:
دب له إبليس فاقتاده ... والشيخ نفاع على لعنته
عجيت من إبليس في تيهه ... وعظم ما أظهر من نخوته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته
وفي هذا الشعر من مجونه أشياء تستغرب وتستخف.
وقال الرشيد لو قيل للدنيا صفي نفسك، وكانت مما تصف. لما عدت قول أبي نواس فيها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
ومن خير شعره قوله في محمد الأمين يرثيه:
طوى الموت ما بينى وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لى شىء عليه أحاذر
لئن عمرت درو بمن لا تحبه ... لقد عمرت ممن تحب المقابر
وقوله فيه يرثيه:
أيا أمين الله من للندى ... وعصمة الضعفى وفك الأسير
خلفتنا بعدك نبكى على ... دنياك والدين بدمع غزير
يا وحشتا بعدك ماذا بنا ... أحل من بعدك صرف الدهور
لا خير للأحياء في عيشهم ... بعدك والزلفى لأهل القبور
وقال فيه:
أسلى يا محمد عنك نفسى ... معاذ الله والمنن الجسام
فهلا مات قوم لم يموتوا ... ودوفع عنك لى كأس الحمام
كأن الدهر صادف منك ثأرا ... أو اسشفى بموتك من سقام
ومما يستحسن له قوله في امرأة:
ومظهرة لخلق الله ودا ... وتلقى بالتحية ة السلام
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام
فيا من ليس يكفيها خليل ... ولا ألفا خليل كل عام
أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
أخذه منه ابن العباس بن الأحنف:
يا فوز لم أهجركم لملالة ... منى ولا لمقال واش حاسد
لكننى جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
ونحوه قول الأعرابي:

(1/176)


ألما على دار واسعة الحبل ... سواء عليها صالح القوم والرذل
ولو شهدت حجاج مكة كلهم ... لراحوا وكل القوم منها على وصل
ويستحسن له قوله:
اسمى لوجهك يا منى صفة ... فكفى بوجهك مخبرا باسمى
ثم قال:
لا تفجعى أمى بواحدها ... لن تخلفى مثلى على أمى
قال أبو محمد ولا أرى هذا حسنا.
ومثله قوله:
إن اسم حسن لوجهها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا
فهى إذا سميت فقد وصفت ... فيجمع اللفظ معنيين معا
ومما عمى من الأسماء قوله:
إذا ابتهلت سألت الله رحمته ... كنيت عنك وما يعدوك إضمارى
يريد أنه سأل الله رحمته، والناس يظنون أنها رحمة الله. وإنما يسأله إنسانا يسمى " رحمته " .
وله أو لغيره:
يمنعنى أن أكلم الريما ... ميمين ألغيت منهما ميما
ومن حسن معانيه قوله:
يا قمرا للنصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين
يريد أنه أعرض عنه بوجهه فرأى نصفه. وقد ذكرت هذا في خبر النمر ابن تولب في بيت يشبهه.
وقد كان يلحن في أشياء من شعره، لا أراه فيها إلا على حجة من الشعر المتقدم، وعلى علة بينة من علل النحو.
منها قوله:
فليت ما أنت واط ... من الثرى لى رمسا
أما تركه الهمز في " واطيء " فحجته فيه أن أكثر العرب تترك الهمز، وأن قريشا تتركه وتبدل منه. وأما نصبه " رمسا " فعلى التمييز، والبغداديون يسمونه " التفسير " ألا تراه قال " فليت ما أنت واط من الثرى لي " ! فتم الكلام، وصار جواب " ليث " في " لي " ثم بين من أي وجه يكون ذلك، فقال " رمسا " أي قبرا، كما تقول في الكلام ليت ثوبك هذا لي، ثم تقول إزرارا لأن جواب " ليت " صار في قولك " لي " وصار الإزار تمييزا.
ومنها قوله:
وصيف كاس محدثه ملك ... تيه مغن وظرف زنديق
فجزم " محدثة " لما تتابعت الحركات وكثرت، كما قال الآخر:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم
وكما قال امرؤ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
ومنها قوله في الخمر:
شمول تخطتها المنون فقد أتت ... سنون لها في دنها وسنون
تراث أناس عن أناس تخرموا ... توارثها بعد البنين بنون
فرفع نون الجماعة، وهذا يجوز في المعتل، وقد أتى مثله، كأنه لما ذهب منه حرف صار كأنه كلمة واحدة، وصارت " سنون " كأنها " منون " والمنون الدهر، و " بنون " كذلك.
ويتمثل من شعره بقوله:
ترى المعافى يعذل المبتلى ... ولا يلوم المبتلى المبتلى
يستحسن له من التشبيه قوله في البط:
كأنما يصفرن من ملاعق ... صرصرة الأقلام في المهارق
وقوله في المنسر:
ومنسر أكلف فيه شغا ... كأنه عقد ثمانينا
وقوله في هذا الشعر أيضا:
ألبسه التكريز من حوكه ... وشيا على الجؤجؤ موضونا
له حراب فوق قفازه ... يجمعن تأنيفا وتسنينا
كل سنان عيج عن متنه ... تخال محنى عطفه نونا
وقوله:
في هامة علياء تهدى منسرا ... كعطفك الجيم بكف أعسرا
يقول من فيها بعقل فكرا ... لو زادها عينا إلى فاء ورا
فاتصلت بالجيم كانت جعفرا
وقوله في النرجس:
لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
وقوله في الشباب:

(1/177)


كان الشباب مظنة الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل
يرويه الناس " مطية " ولا أراه إلا " مظنة " لأن هذا الشطر للنابغة، فأخذه منه، وهو قوله:
فإن مظنة الجهل الشباب
كان الجميل إذا ارتديت به ... ومشيت أخطر صيت النعل
كان الفصيح إذا نطقت به ... وأصاخت الآذان للمملى
كان المشفع في مآربه ... عند الفتاة ومدرك النيل
والباعثى والناس قد هجعوا ... حتى أكون خليفة البعل
والآمرى حتى إذا عزمت ... نفسى أعان يدى بالفعل
فالآن صرت إنى مقاربة ... وحططت عن ظهر الصبا رحلى
والكأس أهواها وإن رزأت ... بلغ المعاش وقللت فضلى
صفراء مجدها مراز بها ... جلت عن النظراء والمثل
والكأس أهواها وإن مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بحظوة القبل
فإذا علاها الماء ألبسها ... نمشا كشبه جلاجل الحجل
فأتاك شىء لا تلامسه ... إلا بحسن غريزة العقل
فترود منها العين في بشر ... حر الصحيفة ناصع سهل
حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل
خطين من شتى ومجتمع ... غفل من الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل
وقوله:
يا منة يمتنها السكر ... ما ينقضى منى لها الشكر
أعطتك قيد مناك من قبل ... من قبل كان مرامها وعر
في مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلت الخمر
وهذا بيت يسأل عن معناه، وإنما أخذه من قول امرىء القيس حين قتلت بنو أسد أباه، فحلف لا يشرب خمرا حتى يدرك بثأره، فلما أدرك ثأره قال:
حلت لى الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل
وكان أبو نواس حلف لا يشرب خمرا حتى يجمعه ومن يحب مجلس، فلما اجتمعا حلت له الخمر، فقال:
يثنى إليك بها سوالفه ... رشأ صناعة طرفه السحر
ظلت حميا الكأس تبسطنا ... حتى تهتك بيننا الستر
ولقد تجوب بى الفلاة إذا ... صام النهار وقالت العفر
شدنية رعت الحمى فأتت ... ملء الحبال كأنها قصر
تثنى على الحاذين ذا خصل ... تعماله الخطران والشذر
أما إذا رفعته شامذة ... فتقول رنق فوقها نسر
أما إذا أرخته مسدلة ... فتقل أسدل خلفها ستر
وتسف أحيانا فتحسبها ... مترسما يقتاده أثر
فإذا قصرت لها الزمام سما ... فوق المقادم ملطم حر
فكأنها مصغ لتسمعه ... بعض الحديث بأذنه وقر
تبرى لأنقاض ألم بها ... جذب البرى فخدودها صعر
أسرى إليك بها بنو أمل ... عتبوا فأعتبهم بك الدهر
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
لا تقعدا بى عن مدى أملى ... شيئا فما لكما به عذر

(1/178)


ويحق لى إذ صرت بينكما ... ألا يحل بساحتى فقر
وقوله في الرشيد:
ملك تصور في القلوب مثاله ... فكأنه لم يخل منه مكان
ما تنطوى عنه القلوب بفجرة ... إلا يكلمه بها اللحظان
وقوله فيه:
يحميك مما يستسر بنفسه ... ضحكات وجه لا يريبك مشرق
حتى إذا أمضى عزيمة رأيه ... أخذت بسمع عدوه والمنطق
وقوله في محمد بن الفضل بن الربيع:
أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من نائب الحدثان
تغطيت من دهرى بظل جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانى
وقوله:
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقوله:
أنت امرؤ أوليتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح منكشفا
لا تحدثن إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وقوله في غالب:
ما كان لو لم أهجه غالب ... قام له شعرى مقام الشرف
يقول قد أسرفت في شتمنا ... وإنما طار بذاك السرف
غالب لا تسع لبنى العلى ... بلغت مجدا بهجائى فقف
وكان مجهولا ولكننى ... نوهت بالمجهول حتى عرف
ومن إفراط الهجاء قوله في الرقاشيين:
رأيت قدور الناس سودا من الصلىوقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر
يبينها للمعتفى بفنائهم ... ثلاث كخط الثاء من نقط الحبر
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزلا ... لأخرجت ما فيها على طرف الظفر
إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها ... أمامهم الحولى من ولد الذر
العباس بن الأحنف
هو من بنى حنيفة. ويكنى أبا الفضل، وكان منشأه بغداد.
ويدلك على أنه من بنى حنيفة قوله للمرأة:
فإن تقتلونى لا تفوتوا بمهجتى ... مصاليت قومى من حنيفة أو عجل
وقد خطىء في توعده المرأة بطلب قومه بثأره إذا هو قتل عشقا،والعادة في مثل هذا من الشعراء أن يجعلور القتيل مطلولا.
وقال فيه مسلم:
بنو حنيفة لا يرضى الدعى بهمفاترك حنيفة واطلب غيرهم نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم ... إنى أرى لك وجها يشبه العربا
وكان العباس صاحب غزل.ويشبه من المتقدمين بعمر بن أبي ربيعة. ولم يكن يمدح ولا يهجو.
ومن حسن شعره قوله:
أشكو الذين أذاقونى مودتهم ... حتى إذا أيقظونى بالهوى رقدوا
وقوله:
لو كنت عاتبة لسكن روعتى ... أملى رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لى حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء ببخله ... لو كان عللنى بوعد كاذب
وشبيه به قول الآخر:
أمتينى فهل لك أن تردى ... حياتى من مقالك بالغرور
أرى حبيك ينمى كل يوم ... وجورك في الهوى عدلا فجورى
ومن جيد شعر العباس قوله:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس وهى تحترق
وقوله:

(1/179)


بكت غير آنسة بالبكاء ... ترى الدمع في مقلتيها غريبا
وأسعدها نسوة بالبكاء ... جعلن مغيض الدموع الجيوبا
وفيها يقول:
أيا من تعلقته ناشئا ... فشبت ولم يأن لى أن أشيبا
ويا من دعانى إلى حبه ... فلبيت لما دعانى مجيبا
وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفهم لم ينالوا نصيبا
لعمرى لقد كذب الزاعمو ... ن أن القلوب تجازى القلوبا
ولو كان ذاك كما يذكرو ... ن ما كان يشكو محب حبيبا
وفيها يقول:
وأنت إذا ما وطئت الترا ... ب صار ترابك للناس طيبا
وقوله:
أيا من سرورى به شقوة ... ومن صفو عيشى به أكدر
تجنيت تطلب لما مللت ... على الذنوب ولا تقدر
فلو لم يكن بى بقيا عليك ... نظرت لنفسى كما تنظر
وماذا يضرك من شهرتى ... إذا كان أمرك لا يظهر
أمنى تخاف انتشار الحديث ... وحظى في صونه أوفر
وقال فيها:
هبونى أغض إذا ما بدت ... وأملك طرفى فلا أنظر
فكيف استتارى إذا ما الدموع ... نطقن فبحن بما أضمر
ومن بديع تشبيهه قوله في المرأة إذا مشت:
كأنها حين تمشى في وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القوارير
وقوله:
قلبى إلى ما ضرنى داعى ... يكثر أسقامى وأوجاعى
كيف احتراسى من عدوى إذا ... كان عدوى بين أضلاعى
يعني قلبه.
ومن إفراطه قوله:
ومحجوبة بالستر عن كل ناظر ... ولو برزت بالليل ما ضل من يسرى
أخذه من قول الأول:
وجوه لو ان المعتفين اعتشوا بهاصدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى
وقول الآخر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ثم قال العباس:
لخال بذاك الوجه أحسن عندنامن النكتة السوداء في وضح البدر
وهو القائل:
رد الجبال الرواسى من مواضعها ... أخف من رد نفس حين تنصرف
هموا بهجرى وكانت في نفوسهم ... بقية من هوى باق فقد وقفوا
وكان الرشيد هجر جارية له، ونفسه بها متعلقة،وكان يتوقع أن تبدأه بالترضى، فلم تفعل الجارية ذلك، حتى أقلقته وأرقته، وبلغ ذلك العباس فقال:
صدت مغاضبة وصد مغاضبا ... وكلاهما مما يعالج متعب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب
وبعث إليه بالبيتين، وبعث إليه ببيتين آخرين،وهما
لا بد للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
فاستحسن الرشيد إصابته حاليها، وقال أراجعها - والله - مبتدئا على رغم، وفعل ذلك، وأمر للعباس بصلة سنية، وأمرت له الجارية بمثلها.
صريع الغواني
هو مسلم بن الوليد، من أبناء الأنصار. وكان مداحا محسنا، وجل مدائحه في يزيد بن مزيد، وداود بن يزيد المهلبي، والبرامكة، ومحمد بن منصور بن زياد كاتبهم.
وولى في خلافة المأمون بريد جرجان، فلم يزل بها حتى مات. وله عقب.
وكان يلقب " صريع الغواني " لقوله في قصيدة له:

(1/180)


هل العيش إلا أن تروح مع الصباوتغدو صريع الكأس والأعين النجل
وهو أول من ألطف في المعاني ورقق في القول، وعليه يعول الطائي في ذلك وعلى أبي نواس.
وقد بين مسلم في شعره بيته في الأنصار بقوله:
تقسمنى في مالك آل مالك ... وفي أسلم الأثرين آل رزين
ومما يستحسن له من شعره قوله في الوداع:
وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع زايله النصل
فإن أغش قوما بعده أو أزرهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وقوله يهجو موسى بن حازم:
يا ضيف موسى أخى خزيمة صم ... أو فتزود إن كنت لم تصم
أطرق لما أتيت ممتدحا ... فلم يقل لا فضلا على نعم
فخفت إن مات أن أقاد به ... فقمت أبغى النجاء من أمم
لو أن كنز البلاد في يده ... لم يدع الاعتذار بالعدم
وقوله:
لن يبطىء الأمر ما أملت أوبته ... إذا أعانك فيه رفق متئد
والدهر آخذ ما أعطى، مكدر ما ... صفى، ومفسد ما أهوى له بيد
فلا تغرنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطى على أحد
ومن بديعه الذي امتثله الطائي وغيره:
إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا عند ذاك طلاقها
ويستحسن له قوله في الخمر:
شججتها بلعاب المزن فاغتزلت ... نسجين من بين محلول ومعقود
أهلا بوافداة للشيب واحدة ... وإن تراءت بشخص غير مودود
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنتنفسى إلى الماء عن ماء العناقيد
ومن جيد شعره قوله في المدح ليزيد بن مزيد:
موف على مهج في يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل
لا يرحل الناس إلا نحو حجرتهكالبيت يضحى إليه ملتقى السبل
يقرى المنية أرواح الكماة كمايقرى الضيوف شحوم الكوم والبزل
يكسو السيوف رؤس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يؤتى على عجل
لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدقت ظنى وصدقت الظنون به ... وحط جودك عقد الرحل من جملى
وقوله في صفة النساء:
خفين على غيب الظنون وغصت ال ... برين فلم ينطق بأسرارها حجل
ولما تلاقينا قضى الليل نحبهبوجه لوجه الشمس من مائه مثل
وخال كخال البدر في وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجرنا البذل
وماء كعين الشمس لا يقبل القذىإذا درجت فيه الصبا خلته يعلو
من الضحك الغر اللواتى إذا التقتيحدث عن أسرارها السبل الهطل
صدعنا به حد الشمول وقد طغت ... فالبسها حلما وفي حلمها جهل
وفيها يقول يمدح الفضل بن يحيى:
تساقط يمناه الندى وشماله ال ... ردى، وعيون القول منطقه الفصل

(1/181)


عجول إلى أن يودع الحمد مالهيعد الندى غنما إذا اغتنم البخل
له هضبة تأوى إلى ظل برمك ... منوط بها الآمال، أطنابها السبل
حبى لا يطير الجهل في عذباتها ... إذا هى حلت لم يفت حلها ذحل
بكف أبى العباس يستمطر الغنىوتستنزل النعمى ويسترعف النصل
متى شئت رفعت الستور عن الغنىإذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
وقال في الخمر:
ومانحة شرابها الملك قهوة ... يهودية الأصهار مسلمة البعل
يعني بالأصهار باعتها وأولياءها، وهم يهود. والبعل هو الشارب لها، وذلك أنه اشتراها وخطبها. يعني نفسه.
معتقة لا تشتكى يد عاصر ... حرورية في جوفها دمها يغلى
وقال:
وبنت مجوسى أبوها حليلها ... إذا نسبت لم تعد نسبتها النهرا
وقال:
وأحببت من حبها الباخلي ... ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللؤم صفرا وسودا
وقال في السفينة:
كشفت أهاويل الدجى عن مهوله ... بجارية محمولة حامل بكر
إذا أقبلت راعت بقلة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتى نسر
أطلت بمجدافين يعتورانها ... وقومها كبح اللجام من الدبر
كأن الصبا تحكى بها، حين واجهتنسيم الصبا، مشى العروس إلى الخدر
ركبنا إليك البحر في أخرياتها ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
وقال في الخمر:
سلت فسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
لطف المزاج لها فزين كأسها ... بقلادة جعلت لها إكليلا
قتلت وعاجلها المدير ولم تفظ ... فإذا به قد صيرته قتيلا
وقال:
إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا
يسقيك بالحظات كأس صبابة ... ويعيدها من كفه جريالا
وقال:
إذا شئتما أن تسقيانى مدامة ... فلا تقتلاها كل ميت محرم
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم
وقال:
إن كنت تسقين غير الراح فاسقينىكأسا ألذ بها من فيك تشفينى
عيناك راحى، وريحانى حديثك لىولون خديك لون الورد يكفينى
وقال:
إذا التقينا منعنا النوم أعينناولا نلائم نوما حين نفترق
أقر بالذنب منى لست أعرفه ... كيما أقول كما قالت فنتفق
حبست دمعى على ذنب تجدده ... فكل يوم دموع العين تستبق
وقال:
فما سلوت الهوى جهلا بلذته ... ولا عصيت إليه الحلم من خرق
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنسانى من الغرق
وقال:
أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت باليأس منها المطامع
رأتنى غبى الطرف عنها فأعرضتوهل خفت إلا ما تنث الأصابع
وما زينتها النفس لى عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع

(1/182)


مللت من العذال فيها فأطرقت ... لهم أذن قد صم منها المسامع
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصباوقد فاجأتها العين والستر واقع
فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى أثقلتها الجوامع
وقوله في مرثية:
أبكيك للأيام حين تجهمت ... طلبى ولم يك لى وراءك منجع
قد كنت لى سببا وغيثا صائبا ... ويدا أضر بها العدو وأنفع
فاصعد إلى الغرفات، يومك واقع ... بالشامتين، لكل جنب مصرع
هل أنسينك وكيف ينساك امرؤ ... بنوال جودك في الحياة يمتع
فلئن سلوتك ما جزيتك نعمة ... ولئن جزعت لواجد من يجزع
وقال في مرثية أيضا:
نفضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
أجل تنافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
وقال في هجاء:
وكم من معد في الضمير لى الاذى ... رآنى فألقى الرعب ما كان أضمرا
هداه لقصد الحلم جهل جهلته ... عليه ولو حالمته لتجبرا
وقال في غزل:
يا نظرا نلته على حذر ... أوله كان آخر النظر
إن حجبوها عن العيون فقد ... حجبت طرفى لها عن البشر
وقال:
ويخطىء عذرى وجه جرمى عندهافأجنى إليها الذنب من حيث لا أدرى
إذا أذنبت أعددت عذرا لذنبهافإن سخطت كان اعتذارى من العذر
مثله قول الأعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبى، أراح الله قلبك من حبى
فلما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
فأدنو فتقصينى فأبعد طالبا ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبى
فشكواى تؤذيها وصبرى يسؤها ... وتجزع من بعدى وتنفر من قربى
فيا قوم هل من حيلة تعرفونهاأشيروابها واستوجبوا الشكر من ربى
وقال في الزهد:
كم رأينا من أناس هلكوا ... فبكى أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهم ... ودهم لو قدموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
قلب الدهر عليهم فلكا ... فاستداروا حيث دار الفلك
وقال في الهدية:
جزى الله من أهدى الترنج تحية ... ومن بما يهوى عليه وعجلا
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه ... وأشبه في الحسن الغزال المكحلا
ولو أنه أهدى إلى وصاله ... لكان إلى قلبى ألذ وأفضلا
أبو الشيص
اسمه محمد بن عبد الله بن زرين، وهو ابن عم دعبل بن علي بن زرين الشاعر. وكان في زمن الرشيد.
ولما مات الرشيد رثاه ومدح محمدا فقال:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكى والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
يضحكنا القائم الأمين وتب ... كينا وفاة الإمام بالأمس

(1/183)


بدران بدر أضحى ببغداد في ال ... خلد وبدر بطوس في الرمس
ومن جيد شعره:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتنى فأهنت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائى فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم
أجد الملامة في هواك لذاذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم
وقوله:
قل للطويلة موضع العقد ... ولطيفة الأحشاء والكبد
ألا وقفت على مدامعه ... فنظرت ما يعملن في الخد
لولا التنطق والسوار معا ... والحجل والدملوج في العضد
لتزايلت من كل ناحية ... لكن جعلن لها على عمد
جاءت إلى عينك وجنتها ... قي خلعة الخيرى والورد
وقوله:
هذا كتاب فتى له همم ... عطفت عليك رجاءه رحمه
غل الزمان يدى عزيمته ... وهوت به من حالق قدمه
وتواكلته ذوو قرابته ... وطواه عن أكفائه عدمه
أفضى إليك بسره قلم ... لو كان يعرفه بكى قلمه
وقال أيضا:
ما فرق الأحباب بع ... د الله إى الإبل
والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تمطى الرحل
ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا
وما غراب البين إ ... لا ناقة أو جمل
ومن جيد شعره قصيدته التي يقول فيها:
أبدى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض
لا تنكرى صدى ولا إعراضى ... ليس المقل عن الزمان براضى
وقوله:
خلع الصبا عن منكبيه مشيب ... وطوى الذوائب رأسه المخضوب
نشر البلى في عارضيه عقاربا ... بيضا لهن على القرون دبيب
ومن جيد شعره قصيدته التي يقول فيها:
نهى عن خلة الخمر ... بياض لاح في الشعر
لقد أغدو وعين الشم ... س في أثوابها الصفر
على جرداء قباء ال ... حشى ملهبة الحضر
بسيف صارم الحد ... وزق أحدب الظهر
وظبى تعطف الأردا ... ف متنيه على الخصر
على ألطف ما شدت ... عليه عقد الأزر
مهاة ترمى الألبا ... ب عن قوس من السحر
لها طرف يشوب الخم ... ر للندمان بالخمر
عفيف الحظ والإغضا ... ء في الصحو وفي السكر
على عذراء لم تفتق ... بنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماء ... لها طوقا من الشذر
كأن الذهب الأح ... مر في حافاتها يجرى
وليل يركب الركبا ... ن في أثوابه الخضر
بأرض تقطع الحير ... ة فيها بالقطا الكدرى
توكلت على أهوا ... لها بالله والصبر
وإعمال بنات الري ... ح في المهمهة القفر

(1/184)


شماليل يصافحن ... متون الصخر بالصخر
بإيجاف يقد اللي ... ل عن ناصية الفجر
وقصيدته التي يقول فيها:
أشاقك والليل ملقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان
أحص الجناح شديد الصياح ... يبكى بعينين ما تدمعان
وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التدانى
أهل لك يا عيش من رجعة ... بأيامك المشرقات الحسان
لعل الشباب وريعانه ... يسود ما بيض العارضان
وهيهات يا عيش من عهدنا ... وأغصانك المائلات الدوانى
لقد صدع الشعب ما بيننا ... وبينك صدع الرداء اليمانى
وقال فيها يذكر الخمر:
وعذراء لم تفترعها السقاة ... ولا استامها الشرب في بيت حانى
ولا احتلبت درها أرجل ... ولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانها ... ضروة تحفى بها جدولان
فلم تزل الشمس مشغولة ... بصنعتها في بطون الدنان
ترشحها لأثام الرجال ... إلى أن تصدى لها الساقيان
ففضا الخواتم عن جونة ... صدود عن الفحل بكر هجان
عجوز غذا المسك أصداغها ... مضمخة الجلد بالزعفران
يطوف علينا بها أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان
ليالى يحسب لى من سنى ... ثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرة ... يطير مع اللهو بى طائران
جرور الإزار خليع العذار ... على لعهد الصبا بردتان
أصيب الذنوب ولا أتقى ... عقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس في عيون الرجال ... ويعتز بى في الحجال الغوانى
فراجعت لما أطار الشباب ... غرابان عن مفرقى طائران
وأقصرت لما نهانى المشيب ... وأقصر عن عذلى العاذلان
وعافت لعوب وأترابها ... دنوى إليها وملت مكانى
رأت رجلا وسمته السنون ... بريب المشيب وريب الزمان
فصدت وقالت أخو شيبة ... عديم ألا بئست الخلتان
فقلت كذلك من عضه ... من الدهر ناباه والناجذان
وقال يرثي:
ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال
وقال في الرشيد يرثيه:
غربت بالمشرق الشم ... س فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع
وكان لأبي الشيص ابن يقال له عبد الله، شاعر.
دعبل
هو دعبل بن علي بن زرين، من خزاعة، ويكنى أبا علي وكان قال للمأمون:
ويسومنى المأمون خطة عارف ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد
نوفى على روس الخلائق مثلما ... توفى الجبال على روؤس القردد
ونحل في أكناف كل ممنع ... حتى يذلل شاهقا لم يصعد

(1/185)


إنى من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفوك بمقعد
إن التراب مسهد طلابها ... فاكفف مذاقك عن لعاب الأسود
وإنما فخر برأس محمد لأن طاهر بن الحسين قتله،وطاهر مولى خزاعة. وكان جده رزيق مولى عبد الله بن خلف الخزاعي. وعبد الله ابن خلف هو أبو طلحة الطلحات. وكان عبد الله بن خلف كاتبا لعمر بن الخطاب على ديوان الكوفة والبصرة، وولى سجستان فمات بها.
وهجا أبا إسحاق المعتصم فقال:
ملوك بنى العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا وثامنهم كلب
ونمى الشعر إلى المعتصم فأمر بطلبه فاستتر ثم هرب. ورأيته وهو يحلف ما قال الشعر. وإنما قيل على لسانه وكيد به.
وسئل وأنا حاضر عن أجود شعره فقال القديمة. وحدثنا بحديث اجتماعه مع أبي نواس ومسلم وأبي الشيص - وقد ذكرته في كتاب الأشربة - وهى التي يقول فيها:
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السبيل إليه مشتركا
وكان المأمون يقول لإبراهيم بن المهدي لقد أوجعك دعبل إذ قال فيك:
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق
أنى يكون ولا يكون ولم يكن ... لينال ذلك فاسق عن فاسق
وهو القائل في الطائي:
انظر إليه وإلى ظرفه ... كيف تطايا وهو منشور
ويلك من دلاك في نسبة ... قلبك منها الدهر مذعور
لو ذكرت طى على فرسخ ... أظلم في ناظرك النور
وقال في هذا المعنى لقوم:
هم قعدوا فانتقوا لهم حسبا ... يجوز بعد العشاء في العرب
حتى إذا ما الصباح لاح له ... بين ستوقه من الذهب
والناس قد أصبحوا صيارفة ... أبصر شىء بزيبق النسب
وهو القائل:
يموت ردى الشعر من قبل أهله ... وجيده يحيا وإن مات قائله
وهو القائل:
إن من ضن بالكنيف عن الضي ... ف بغير الكنيف كيف يجود
ما رأينا ولا سمعنا بحش ... قيل هذا لبابه إقليد
إن يكن في الكنيف شىء تخبا ... ه فعندى إن شئت فيه مزيد
وكان ضيفا لرجل فقام لحاجته فوجد باب الكنيف مغلقا، فلم يتهيأ فتحه حتى أعجله الأمر.
وهو القائل:
وإن أولى الموالى أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروامن كان يألفهم في المنزل الخشن
الخريمي
هو إسحاق بن حسان، ويكنى أبا يعقوب، من العجم. وهو القائل:
إنى امرؤ من سراة الصغد ألبسنىعرق الأعاجم جلدا طيب الخبر
وكان مولى ابن خريم، الذي يقال لأبيه خريم الناعم. وهو خريم بن عمرو، من بنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان لخريم ابن يقال له عمارة، ولعمارة ابنان يقال لهما عثمان وأبو الهيذام ابنا عمارة.
ولعثمان يقول أبو يعقوب:
جزى الله عثمان الخزيمي خير ماجزى صاحبا جزل المواهب مفضلا
كفى جفوة الإخوان طول حياته ... وأورث مما كان أعطى وخولا
وكان عثمان عظيم القدر وأحد القواد.
وعمى أبو يعقوب الخريمي بعد ما أسن. وكان يقول في ذلك.
فمنه قوله:

(1/186)


فإن تك عينى خبا نورها ... فكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبى ولكنما ... أرى نور عينى إليه سرى
فأسرج فيه إلى نوره ... سراجا من العلم يشفى العمى
وأخذ هذا من عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وكان قد عمى فقال:
إن يأخذ الله من عينى نورهما ... ففي لسانى وقلبى منهما نور
قلبى ذكى وعقلى غير ذى دخل ... وفي فمى صارم كالسيف مأثور
وكان أبو يعقوب متصلا بمحمد بن منصور بن زياد. كاتب البرامكة، وله فيه مدائح جياد، ثم رثاه بعد موته فقيل له يا أبا يعقوب مدائحك لآل منصور بن زياد أحسن من مراثيك وأجود! فقال كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد! وهو القائل في عينيه:
أصغى إلى قائدى ليخبرنى ... إذا التقينا عمن يحيينى
أريد أن أعدل السلام وأن ... أفصل بين الشريف والدون
أسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطىء والسمع غير مأمون
لله عينى التى فجعت بها ... لو أن دهرا بها يواتينى
لو كنت خيرت ما أخذت بها ... تعمير نوح في ملك قارون
حق أخلائى أن يعودونى ... وأن يعزوا عنى ويبكونى
وهو القائل:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب
يمنني الطبيب شفاء عينى ... وهل غير الإله لها طبيب
وهو القائل في بغداد في الفتنة:
يا بؤس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها ... لما أحاطت بها كبائرها
رق بها الدين واستخف بذى ال ... فضل وعز الرجال فاجرها
وصار رب الجيران فاسقهم ... وابتز أمر الدروب شاطرها
يحرق هذا وذاك يهدمها ... ويشتفى بالنهاب داعرها
والكرخ أسواقها معطلة ... يستن شذانها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهم ... آساد غيل غلبا قساورها
من البوارى تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرزق تبغى ولا العطاء ولا ... يحشرها بالعناء حاشرها
ومن جيد شعره قوله:
الناس أخلاقهم وإن جبلوا ... على تشابه أرواح وأجساد
للخير والشر أهل وكلوا بهما ... كل له من دواعى نفسه هاد
منهم خليل صفاء ذو محافظة ... أرسى الوفاء أواخيه بأوتاد
ومشعر الغدر محنى أضالعه ... على سريرة غمر غلها باد
مشاكس خدع جم غوائله ... يبدى الصفاء ويخفى ضربة الهادى
يأتيك بالبغى في أهل الصفاء ولا ... ينفك يسعى بإصلاح لإفساد
ومن جيد شعر الخريمي قوله:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحله ... ويخصب عندى والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
ومن جيد شعره قوله:
زاد معروفك عندى عظما ... أنه عندك محقور صغير

(1/187)


تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
وهو القائل:
إن أشد الناس في الحشر حسرة ... لمورث مال غيره وهو كاسبه
كفى سفها بالكهل أن يتبع الصباوأن يأتى الأمر الذى هو عائبه
ويستجاد له قوله:
ودون الندى في كل قلب ثنية ... لها مصعد وعر ومنحدر سهل
وود الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو ان نائله جزل
وأعلم علما ليس بالظن أنه ... لكل أناس من ضرائبهم شكل
وأن أخلاء الزمان غناؤهم ... قليل إذا الإنسان زلت به النعل
تزود من الدنيا متاعا لغيرها ... فقد شمرت حذاء وانصرم الحبل
وهل أنت إلا هامة اليوم أو غد ... لكل أناس من طوارقها الثكل
وفي هذا الشعر يقول:
أبالصغد بأس إذ تعيرنى جمل ... سفاها ومن أخلاق جارتى الجهل
فإن تفخرى يا جمل أو تتجملى ... فلا فخر فوقه الدين والعقل
أرى الناس شرعا في الحياة ولا يرى ... لقبر على قبر علاء ولا فضل
وما ضرنى أن لم تلدنى يحابر ... ولم تشتمل جرم على ولا عكل
وهو القائل:
ما أحسن الغيرة في حينها ... واقبح الغيرة في كل حين
من لم يزل متهما عرسه ... مناصبا فيها لريب الظنون
أوشك أن يغريها بالذى ... يخاف أن يبرزها للعيون
حسبك من تحصينها وضعها ... منك إلى عرض صحيح ودين
لا تطلع منك على ريبة ... فيتبع المقرون حبل القرين
؟النمري
هو منصور بن سلمة بن الزبرقان، من النمر بن قاسط.
وكان مع الرشيد مقدما، وكان يمت إليه بأم العباس بن عبد المطلب وهي نمرية، واسمها نتيلة وكان الرشيد يعطيه ويجزل. وكان يظهر له أنه عباسي الرأي منافر لآل على ولغيرهم.
ومما قال في ذلك للرشيد:
؟يا ابن الأئمة من بعد النبى ويا ابن الأوصياء أقر الناس أو دفعوا
إن الخلافة كانت إرث والدكم ... من دون تيم وعفو الله متسع
لولا عدى وتيم لم تكن وصلت ... إلى أمية تمريها وترتضع
وما لآل على في إمارتكم ... وما لهم أبدا في إرثكم طمع
يا أيها الناس لا تعزب حلومكم ... ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعواقول النصيحة إن الحق مستمع
وقال أيضا:
ألا لله در بنى علي ... ودر من مقالتهم كثير
يسمون النبى أبا ويأبى ... من الأحزاب سطر بل سطور
يريد قول الله عز وجل: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم)، وكان مع هذا شيعيا، وهو القائل:
شاء من الناس راتع هامل ... يعللون النفوس بالباطل
تقتل ذرية النبى وير ... جون جنان الخلود للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقد ... نؤت بحمل ينوء بالحامل
أي حباء حبوت أحمد في ... حفرته من حرارة الثاكل
بأى وجه تلقى النبى وقد ... دخلت في قتله مع الداخل

(1/188)


هلم فاطلب غدا شفاعته ... أو لا فرد حوضه مع الناهل
ما الشك عندى في حال قاتله ... لكننى قد أشك في الخاذل
نفسى فداء أنحى بشفرته ... على سنام الإسلام والكاهل
نفسي فداء الحسين حين غدا ... إلى المنايا غدو ولا قافل
ذلك يوم أنحى بشفرته ... على سنام الإسلام والكاهل
حتى متى أنت تعجبين ألا ... تنزل بالقوم نقمة العاجل
لا تعجل الله إن عجلت وما ... ربك عما يريد بالغافل
وعاذلى أننى أحب بنى ... أحمد فالترب في فم العاذل
قد ذقت ما دينكم عليه فما ... وصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النبى وما ال ... جافى لآل النبى كالواصل
مظلومة والنبى والدها ... قرير أرجاء مقلة حافل
ألا مصاليت يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل
وقال أيضا:
آل النبى ومن يحبهم ... يتطامنون مخافة القتل
أمنوا النصارى واليهود وهم ... من أمة التوحيد في أزل
وأنشد الرشيد هذا بعد موته فقال لقد هممت أن أنبشه ثم أحرقه.
ومن جيد شعره قوله في الرشيد:
يا زائرينا من الخيام ... حيا كما الله بالسلام
يحزننى أن أطفتما بى ... ولم تنالا سوى الكلام
لم تطرقانى وبى حراك ... إلى حلال ولا حرام
هيهات للهو والتصابى ... وللغوانى وللمدام
أقصر جهلى وثاب حلمى ... ونهنه الشيب من عرامى
عمر أبيها لقد تولت ... سالمة الخد من غرامى
لله حبى وترب حبى ... ليلة أعياهما مرامى
آذنتانى بطول هجر ... وعزبانى مع السوام
وانطوتا لى على ملام ... والشيب شر من الملام
بورك هارون من إمام ... بطاعة الله ذى اعتصام
له إلى ذى الجلال قربى ... ليست لعدل ولا إمام
يسعى على أمة تمنى ... أن لو تقيه من الحمام
لو استطاعت لقاسمته ... أعمارها قسمة السهام
يا خير ماض وخير باق ... بعد النبيين في الأنام
ما استودع الدين من إمام ... حامى عليه كما تحامى
يأنس من رأيه برأى ... أصدق من سلة الحسام
وقوله:
أعمير كيف بحاجة ... طلبت إلى صم الصخور
لله در عداتكم ... كيف انتسبن إلى الغرور
إن الليال ضمننى ... ووسمننى سمة الكبير
أطفأن نور شبيبتى ... وفرشننى كنف الغيور
ولقد تبيت أناملى ... يجنين رمان النحور
العتابي
هو كلثوم بن عمرو من بنى تغلب من بنى عتاب، من ولد عمرو بن كلثوم التغلبي، ويكنى أبا عمرو. وكان شاعرا محسنا، وكاتبا في الرسائل مجيدا، ولم يجتمع هذان لغيره.

(1/189)


ولما أشخصه المأمون إليه فدخل عليه قال له المأمون بلغتني وفاتك فساءتني، ثم بلغتني وفادتك فسرتني. فقال العتابي يا أمير المؤمنين، لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لو سعتهم، وذلك لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. قال سلني. قال يدك بالعطاء أطلق من لساني.
ومما يستحسن له من شعره قوله في اعتذاره:
ردت إليك ندامتى أملى ... وثنى إليك عنانه شكرى
وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذرى
ويستجاد قوله في الرشيد:
ماذا عسى قائل يثنى عليك وقد ... ناداك في الوحى تقديس وتطهير
فت المدائح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفى الضمائير
علي بن جبلة
كان علي بن جبلة ضريرا، وكان يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى. وهو القائل فيه:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وكان يمدح حميد بن عبد الحميد، فلما سمع حميد هذا في أبي دلف قال أي شيء بقيت لنا بعد هذا من مدحك؟ فقال:
إنما الدنيا حميد ... وأياديه الجسام
فإذا ولى حميد ... فعلى الدنيا السلام
وهو القائل في حميد:
دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من الناس
والناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الراس
وقال للحسن بن سهل:
أعطيتنى يا ولى الحق مبتدئا ... عطية كافأت مدحى ولم ترنى
ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرنى
وهو القائل في حميد:
إلى أكرم قحطان ... وصلنا السهب بالسهب
إلى مجتمع النيل ... وملقى أرحل الركب
حميد مفزع الأم ... ة في الشرق وفي الغرب
كأن الناس جسم وه ... و منه موضع القلب
إذا سالم أرضا غ ... نيت آمنة السرب
وإن حاربها حلت ... بها راغية السقب
إذا لاقى رعيل المو ... ت بالشطب
وبالماذية الخضر ... وبالهندية القضب
غدا مجتمع القلب ... له جند من الرعب
فيا فوز الذى والى ... ويابؤسى أخى الذنب
أيا ذا الجود فاسلم ما ... جرت الموت في الحرب
فأنت الغيث في السلم ... وأنت الموت في الحرب
وأنت الجامع الفار ... ق بين البعد والقرب
بك الله تلافى النا ... س بعد العثر والنكب
ورد البيض والبيض ... إلى الأغماد والحجب
بإقدامك في الحرب ... وإطعامك في اللزب
فكم أمنت من خوف ... وكم أشغبت من شغب
وكم أصلحت من خطب ... وكم أيمت من خطب
وما تمهرها إلا ... دراك الطعن والضرب
تناهت بك قحطان ... إلى الغاية والحسب
ففاتت شرف الأحيا ... ء فوت الرأس للعجب
ومما أسرف فيه فكفر أو قارب الكفر، قوله في أبي دلف:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال

(1/190)


وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
تزور سخطا فتمسى البيض راضية ... وتستهل فتبكى أوجه المال
وقال فيها:
كأن خيلك في أثناء غمرتها ... أرسال قطر تهامى فوق أرسال
يخرجن من غمرات الموت سامية ... نشر الأنامل من ذى القرة الصالى
أخذه من الأسعر الجعفي إذ ذكر الخيل فقال:
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلى
أراد أنها تخرج متساوية كأصابع المصطلي، لأنها تستوي إذا اصطلى فقبضها.
وقال في حميد:
والجود في كف غيره خشن ... وهو بكفيه لين سرب
أخذه من قول مسلم:
الجود أخشن مسا يا بنى مطر ... من أن يبزكموه كف مستلب
وقال أيضا:
جلاء مشيب نزل ... وأنس شباب رحل
طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدول
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
كأن حسور الصبا ... عن الشيب حين اشتعل
زها أمل مونق ... أطل عليه أجل
أخذه منه محمود الوراق فقال:
بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقا ... وحل نذير الأجل
وقال عبد الحميد الكاتب في نحو هذا:
ترحل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالآفل
فلهفى من الخلف النازل ... ولهفى من السلف الراحل
أبكى على ذا وأبكى لذا ... بكاء المولهة الثاكل
تبكى على ابن لها قاطع ... وتبكى على ابن لها واصل
تقضت غوايات سكر الصبا ... ورد التقى عنق الباطل
ولا أحسب على بن جبلة أخذ هذا إلا من كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه كتب إلي بعض عماله " أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل " .
ابن مناذر
هو محمد بن مناذر مولى لبني يربوع، ويكنى أبا ذريح، ويقال إنه يكنى أبا جعفر.
وكأن في أول مستورا حتى علق عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، فانهتك ستره. ولما مات عبد المجيد خرج من البصرة إلى مكة، فلم يزل مجاورا إلى أن مات.
وكان يجالس سفيان بن عيينة فيسأله سفيان عن غريب الحديث ومعانيه.
وفي صبوته على كبر السن يقول:
هل عندكم رخصة عن الحسن ال ... بصرى في اللهو وابن سيرينا
إن سفاها بذى الجلالة وال ... شيبة ألا يزال مفتونا
لبست طوق الصبا ويارقه ... وقد مضت من سنى ستونا
وفيها يقول للرشيد:
لما رأينا هارون صار لنا ال ... ليل نهارا بضوء هارونا
فلو سألنا لحسن وجهك يا ... هارون صوب الغمام أسقينا
وهو القائل في خالد بن طليق وكان ولي قضاء البصرة:
قل لأمير المؤمنين الذى ... من هاشم في سرها واللباب
إن كنت للسخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشد العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، وهذا عذاب
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطىء فينا مرة بالصواب
وله أيضا:
جعل الحاكم يا لل ... ناس من آل طليق

(1/191)


ضحكة يحكم في النا ... س برأى الجاثليق
أى قاض أنت للنق ... ض وتعطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما ح ... ملت منه بمطيق
وهو القائل:
ألا يا قمر المسج ... د هل عندك تنويل
شفائى منك إن نول ... تنى شم وتقبيل
سلا كل فؤاد و ... فؤادى بك مشغول
لقد حملت من حبي ... ك ما لا يحمل الفيل
وقال في آخر الشعر:
وهذا الشعر في الوزن ... لمن كان له جول
مفاعيلن مفاعيلن ... مفاعيلن، مفاعيل
وهو القائل:
رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا حسب وللثقفى مال
وما الثقفى إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلا خيال
عبد الله بن محمد بن أبى عيينة
يكنى أبا جعفر، وأبو عيينة هو ابن المهلب بن أبي صفرة.
وكان بينه وبين طاهردخلل وله به خاصة، فأتاه زائرا فلم يجد عنده الذي أمل فكتب إليه:
من آنسته البلاد لم يرم ... عنها ومن أوحشته لم يقم
ومن يبت والهموم قادحة ... في صدره بالزناد لم ينم
ومن ير النقص في مواطئه ... يزل عن النقص موطىء القدم
يا ذا اليمينين لم أزرك ولم ... آتك من خلة ولا عدم
إنى من الله في مراح غنى ... ومغتدى واسع وفي نعم
زارتك بى همة منازعة ... إلى جسيم من غاية الهمم
فإن أنل همتى فأنت لها ... في الحق حق الإخاء والرحم
وإن يعق عائق فلست على ... جميل رأى عندى بمتهم
في قدر الله ما أحمله ... تعويق أمرى واللوح والقلم
لم تضق السبل والفجاج على ... حر كريم بالصبر معتصم
ماض كحد السنان في طرف ال ... عامل أو حد مرهف خذم
إذا ابتلاه الزمان كشفه ... عن ثوب حرية وعن كرم
وهو القائل:
ياذا اليمينين ما شىء إقامته ... على الإطالة إقصاء وتقصير
وما شهاب منير قد أضر به ... هم ببابك حتى ما له نور
وهو القائل:
ياذا اليمينين إن العتا ... ب يشفى صدورا ويغرى صدورا
وكنت أرى أن ترك العتا ... ب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظنن ... ت أنى لنفسى أرضى الحقيرا
فأضمرت النفس في وهمها ... من الهم هما يكد الضميرا
ولا بد للماء في مرجل ... على النار موقدة أن يفورا
ومن أشرب اليأس كان الغنى ... ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتى ... لديك ونصرى لك الدهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيد ... إليك وأدعو القريب العسيرا
ألم أك أول آت أتاك ... بطاعة من كان خلفى بشيرا
ففيم تقدم جفالة ... إليك أمامى وأدعى أخيرا
كأنك لم تدر أن الفتى ال ... حمى إذا زار يوما أميرا

(1/192)


يقدم من دونه قبله ... أليس يكون بسخط جديرا
ألست ترى أن سف التراب ... به كان أكرم من أن يزورا
فهل لك في الإذن لى راضيا ... فإنى أرى الإذن غنما كبيرا
ثم هجاه فقال:
وما طاهر إلا شفاه تحركت ... برائحة الفضل بن سهل فمرت
فأغنت بريح الفضل كل غنائها ... وبالفضل ساءت حين ساءت وسرت
ثم فارقه فقال:
هو الصبر والتسليم لله والرضا ... إذا نزلت بى خطة لا أشاؤها
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خبر الغنيمة إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
هى الأنفس الكبرى التى إن تقدمتأو استأخرت فالقتل بالسيف داؤها
سيعلم ذو العينين أن عداوتى ... له ريق أفعى ما يصاب دواؤها
وهو القائل:
تستقدم النعجتان والبرق ... في زمن سوق أهله الملق
عور وحول وبيذق لهم ... كأنه بين أسطر لحق
هذا زمان بالناس منقلب ... ظهرا لبطن جديده خلق
وأخوه أبو عيينة هو الذي كان يهجو خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وكان في جنده وصحابته.
ويقال أن اسم أبي عيينة كنيته، وكان يكنى مع ذلك أبا المنهال.
وهو القائل:
لقد خزيت قحطان طرا بخالد ... فهل لك فيه يخزك الله يا مضر
وأنشد الرشيد هذا البيت فقال بل هو موفر على قحطان.
وفيها يقول:
له منظر يعمى العيون سماجة ... وإن يختبر يوما فيا سوء مختبر
أبوك لنا غيث نعيش بسيبه ... وأنت جراد لست تبقى ولا تذر
له أثر في المكرمات يسرنا ... وأنت تعفى دائما ذلك الأثر
تسىء وتمضى في الإساءة دائبا ... فلا أنت تستحيى ولا أنت تعتذر
وفيه يقول:
إن أضياف خالد وبنيه ... ليجوعون فوق ما يشبعونا
وتراهم من غير نسك يصومو ... ن ومن غير علة يحتمونا
وقال:
لقد جعلت تعرض لى مصاد ... تعرض من يريد ولا يراد
فقلت لها كسدت فلا تغتى ... كذاك لكل نافقة كساد
فإن ترضى فقد قبلتك عينى ... ولكن ليس يقبلك الفؤاد
فما لك إن أقمت على رزق ... ولا لك إن ظعنت على زاد
وقال:
أنا من وجد بدنياى منها ... ومن العذال فيها ملقى
زعموا أنى صديق لدنيا ... ليت ذا الباطل قد صار حقا
وقال في آخر:
كم أكلة لو قد دعي ... ت بها إلى كفر كفرتا
ودعاك عامل عسقلا ... ن إلى وليمته فطرتا
فأقمت سبتا عنده ... وأقمت بعد السبت سبتا
ثم انصرفت ببطنة ... وسرقت إبريقا وطستا
أنت امرؤ لو مت ث ... م وجدت ريح الخبز عشتا
ويستجاد له قوله:
خالد لولا أبوه ... كان والكلب سواء
لو كما ينقض يزدا ... د إذا نال السماء
وقوله:
؟على سلمه أسد باسل ... وعن حربه ثعلب مقرد
ويستجاد له قوله:

(1/193)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية