صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الزهرة
المؤلف : ابن داود الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

جرى حبها والدهر في طلقيهما ... فضعضع ركن الدهر وهو جليد
وقال أبو تمام:
هوى كان خلسا إن من أبرد الهوى ... هوى جلت في أفنائه وهو خامل
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما انتظم الشمل الشتيت الشمائل
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل
وقال مجنون بني عامر:
فلو كان حبي آل ليلى كحادث ... إلى وقت يوم قد تقضت همومها
ولكن حبي آل ليلى فدائم ... وأقتل أدواء الرجال قديمها
وقال كثير:
تعلق ناشئا من حب سلمى ... هوى سكن الفؤاد فما يزول
فلم تذهل مودتها غلاما ... وقد ينسى ويطرف الملول
وأدركك المشيب على هواها ... فلا شيب نهاك ولا ذهول
وقال جميل:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري نوالها ... وأبليت فيها الدهر وهو جديد
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذن لسعيد
لكل حديث عندهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
وقال آخر:
لي حبيب ينعى إلي رجائي ... كلما خلت قلبه لي يلين
للمنى عند ذكره في ضميري ... حركات كأنهن سكون
انتظاري له على حادث الده ... ر قديم إن انظرتني المنون
يا هوان الدنيا علي إذا ما ... كنت فيها ممن عليك يهون
وقال آخر:
وقفت لليلى بعد عشرين حجة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع
وأمرض قلبي حبها وطلابها ... فيا لعدي دعوة كيف أصنع
وأتبع ليلى حيث سارت وخيمت ... وما الناس إلا آلف ومودع
كأن زماما في الفؤاد معلق ... تقود به حيث استمرت وأتبع
وقال مجنون بني عامر:
تمر الليالي والشهور ولا أرى ... ولوعي بها يزداد إلا تماديا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال مسلم بن الوليد:
أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت بالناس فيها المطامع
وما زينتها العين لي عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع
وقال البحتري:
تجنبت ليلى أن يلج بك الهوى ... وهيهات كان الحب قبل التجنب
فلو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض منكب
لظل صدى رمسي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب الريح يذهب
لقد عشت من ليلى زمانا أحبها ... أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب
وقال آخر:
فلو كنت أدري أنما كان كائن ... وأن جديد الوصل قد جد غابره
تعزيت قبل اليوم حتى يكون لي ... صريمة أمر تستمر مرائره
وقال عروة بن حزام:
ألفنا الهوى واستحكم الحب بيننا ... وليدين ما مرت لنا سنتان
فذقنا رخاء العيش عشرين حجة ... أليفين ما نرتاع للحدثان
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانها ... ولا رقية إلا بها رقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
وقال أيضا
وآخر عهد لي بعفراء أنها ... تريك بنانا كفهن خضيب
عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلى ولا عفراء منك قريب
وقال آخر:
عشية لا خلفي مقر ولا الهوى ... أمامي ولا وجدي كوجد غريب
وكل محب قد سلا غير أنني ... غريب الهوى يا ويح كل غريب
وقال ابن هرمة:
أرى الدهر ينسيني أحاديث جمة ... أتت من صديق أو عدو يشيعها

(1/129)


ولم ينسنيها الدهر إلا وذكرها ... بحيث تحنت دون نفسي ضلوعها
وإن لم يكن منها لنا غير ذكرة ... وقول لعل الدهر يوما يريعها
فقد أحرزت مني فؤادا متيما ... وعينا عليها لا تجف دموعها
أتنسين أيامي وأيامك التي ... إذا ذكرتها النفس كادت تذيعها
وقال آخر:
أحبك أصنافا من الحب لم أجد ... لها مثلا في سائر الناس يعرف
فمنهن حب للمحب ورحمة ... لمعرفتي منه بما يتكلف
ومنهن أن لا يخطر الدهر ذكركم ... على القلب إلا كادت النفس تتلف
وحب بدا بالجسم واللون ظاهر ... وحب الذي نفسي من الروح ألطف
وحب هو الداء العياء بعينه ... له ذكر تعدو علي فأدنف
فلا أنا منه مستريح فميت ... ولا هو على ما قد حييت مخفف
وقال هدبة بن خشرم:
تذكر حبا كان في ميعة الصبى ... ووجدا بها بعد المشيب معقبا
إذا كاد ينساها الفؤاد ذكرتها ... فيا لك قد عنى الفؤاد وعذبا
ضنى من هواها مستكنا كأنه ... خليع قداح لم يجد متنشبا
بعينيك زال الحي منها لنية ... قذوف تشوق الآلف المتطربا
وقد طالما علقت ليلى معمدا ... وليدا إلى أن صار رأسك أشيبا
رأيتك من ليلى كذي الداء لم يجد ... طبيبا يداوي ما به فتطببا
فلما اشتفى مما به عل طبه ... على نفسه من طول ما كان جربا
وأنشدنا أحمد بن يحيى لذي الرمة:
أيا مي إن الحب حبان منهما ... قديم وحب حين شبت شبائبه
إذا اجتمعا قال القديم غلبته ... وقال الذي من بعده أنا غالبه
وأخبرنا أبو العباس علي ابن الأعرابي أن مية قالت اللهم لا تقض بينهما.
وقال بشار:
بكيت من الداء داء الهوى ... إليها وأن ليس لي مسعد
وقد وعدت صفدا في غد ... وقد وعدت ثم لا تصفد
وإني على طول إخلافها ... لأرجو الوفاء ولا أحقد
إذا أخلف اليوم ظني بها ... يكون لنا في غد موعد
صبرت على طول أيامها ... حفاظا وصبر الفتى أعود
وما ضر يوم بداء الهوى ... محبا إذا ما شفاه الغد
سوى شوق عيني إلى وجهها ... وإني إذا فارقت أكمد
فهؤلاء البائسون قد صيروا على أحبتهم إما طائعين وإما كارهين فإن كانوا طائعين فهو أحمد ممن يتلاعب وينتقل في كل ساعة عن إلفه إلى سواه وإن كانوا كارهين فإن السبب الذي اضطرهم إلى المقام على ما يؤلمهم ويمنعهم عن الانتقال إلى ما يختارونه لو لم يكن سببا أملك بهم منهم ما عليهم فهم على كل الجهات أتم في الحال ممن جعل هواه ضربا من الإشغال ينفرد له إذا نشط ويتركه إذا كسل كالذين قدمنا وصفهم في صدر هذا الكتاب من أنهم لم يرتقوا في المحبة على من انتهى بل صعدوا بأول نظرة إلى ذروتها فكما كان ارتقاؤهم سريعا كان انحطاطهم قريبا.
فمنهم الوليد بن عبيد الطائي حيث يقول:
نظرة ردت الهوى الشرق غربا ... وأمالت نهج الدموع الجواري
ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... من صدور العشاق محو الديار
كان يحلو هذا الهوى فأراه ... عاد مرا والسكر قبل الخمار
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو خليل فإنني بالخيار
وله أيضا:
أتى دونها نأي البلاد ونصنا ... سواهم خيل كالأعنة ضمر
ولما خطونا دجلة انصرم الهوى ... فلم تبق إلا لفتة المتذكر
وخاطر شوق ما يزال يهيجنا ... لبادين من أهل الشآم وحضر
ولأبي نواس في نحو ذلك:
ألا قل لأخلائي ... ومن همت بهم وجدا
ومن كانوا موالي ... ومن كنت لهم عبدا
شربنا ماء بغداد ... فأنساكم جدا

(1/130)


فلا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لإبراهيم بن العباس في نحو ذلك:
بقلبي عن هوى البيض انصراف ... ويعجبني من السمر انعطاف
فإن أنصفن في ودي وإلا ... فليس علي من قلبي خلاف
وقال جرير:
هوى بتهامة وهوى بنجد ... فقتلني التهائم والنجود
أخالد قد هويتك بعد هند ... فشيبني الخوالد والهنود
والأصل البين في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
لقد جلبتك العين أول نظرة ... وأعطيت مني يا ابن عم قبولا
فأصبحت هما للفؤاد وحسرة ... وظلا من الدنيا علي ظليلا
ولغيره في مثله:
يا راميا ليس يدري ما الذي فعلا ... إحبس عليك فإن السم قد قتلا
أصبت أسود قلبي إذ رميت فلا ... شلت يمينك لم صيرتني مثلا
فأخلق بمن يسقمه أول داء أن يشفيه أول دواء
الباب السابع والأربعون
من شابت ذوائبه جفاه حبائبه
بلغني عن بعض الأكاسرة أنه قال كنت أظن أني إذا شبت زهدت في النساء فلم أزل مغموما بذلك ولم أدر أني إذا شبت كنت أنا فيهن اشد زهدا ولعمري إن من قرب من آخر عمره لجدير أن يصرف همته إلى ما يعيد عليه نفعا في آخرته ويتشاغل بأحكام الدار التي يصير إليها عن أسباب الدار التي ينتقل عنها فإن لم يقع ذلك له اختيارا وقع أكثره به اضطرارا.
أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
قعد الشيب بي عن اللذات ... ورماني بجفوة الفتيات
فإذا رمت ستره بخضاب ... فضحته طلائع الناصلات
ما رأيت الخضاب إلا سرابا ... غرني لمعه بأرض فلاة
فإذا ما دعا إلى الكأس داع ... قلت ما للكبير والنشوات
لست بعد المشيب ألتذ بالعي ... ش فدعني وغصة العبرات
إن فقد الشباب أنزلني بع ... دك دار الهموم والحسرات
ورماني بحادث الشيب دهر ... قارعتني أيامه عن حياتي
وقال آخر:
في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنها أنبتت في ناظر البصر
لئن حجبتك بالمقراض عن بصري ... لما حجبتك عن همي وعن فكري
وأنشدني البحتري لنفسه:
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكل الغواني عنه مثنية الطرف
وجن الهوى فيها عشية أعرضت ... بناظرتي ريم وسالفتي خشف
وأفلج براق يروح رضابه ... حراما على التقبيل بسلا على الرشف
وقال علي بن العباس الرومي:
هي الأعين النجل التي أنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتها ... وقد جعلت مرمى سواك تعمد
كذلك تلك النبل من قصدت له ... ومن نكبت عنه من القوم مقصد
وعزاك عن ليل الشباب معاشر ... فقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد
وكل نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكن ظل الليل أندى وأبرد
وفقد الشباب الموت يوجد طعمه ... صراحا وطعم الموت بالموت يفقد
أرى الدهر أجرى ليله ونهاره ... بعدل فلا هذا ولا ذاك سرمد
وجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد
وقال ابن حازم:
لا حين صبر فخل الدمع ينهمل ... فقد الشباب بيوم المرء متصل
كفاك بالشيب ذنبا عند غانية ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
رب عيش لنا برامة رطب ... وليال فيها طوال قصار
قبل أن يقبل المشيب وتبدو ... هفوات الشباب في إدبار
كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار
وقال جميل بن معمر:
تقول بثينة لما رأت ... فنونا من الشعر الأحمر

(1/131)


كبرت جميل وأودى الشباب ... فقلت بثين ألا فاقصري
أتنسين أيامنا باللوى ... وأيامنا بذوي الأجفر
وإذ لمتي كجناح الغرا ... ب تطلى بالمسك والعنبر
قريبان مربعنا واحد ... فكيف كبرت ولم تكبري
وهذا تعريض مليح بل هو تعبير لها صريح لأنه قد ذكر أنهما كانا قرينين ومحال أن يكبر واحد ويصغر واحد فهو قد عيرها كما عيرته وقد يحتمل أن يكون لم يرد تعييرها وإنما أراد أن السبب الذي ظهر له ليس من كبره وإنما هو لأهوال ما يمر به وأحسن من قوله لفظا وأوضح معنى.
قول البحتري:
عيرتني بالشيب وهي بدته ... في عذاري بالصد والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بال ... شيب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أصدق حسنا ... إن تأملت من سواد الغراب
وقال محمد بن أبي حازم:
نظرت إلي بعين من لم يعذل ... لما تمكن طرفها من مقلتي
لما أضاءت بالمشيب مفارقي ... صدت صدود مفارق متجمل
فجعلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بألا تفعلي
وقال أشجع:
فإن تضع الأيام لي من متونها ... فقد حملتني فوق كاهلها الصعب
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي
وقال أبو الشيص:
خلع الصبى عن منكبيه مشيب ... وطوى الذوائب رأسه المخضوب
ما كان أنضر عيشه وأغضه ... أيام فضل ردائه مسحوب
وقال الحسين بن الضحاك:
تذكر من غراته ما تذكرا ... وأعول أيام الشباب فأكثرا
وما برحت عاداته مستقرة ... ولكن أجل الشيب عنها ووقرا
يهم ويستحيي تقارب خطوه ... فيترك هم النفس في الصدر مضمرا
ولم يبق فيه إذ تأمل شخصه ... شفيع إلى الحسناء إلا تنكرا
ألا لا أرى في العيش للمرء متعة ... إذا ما شباب المرء ولى فأدبرا
وقال أبو تمام:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... أس إلا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئا أنكرت لون السواد
زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد
وقال أيضا
كل داء يرجى الدواء له ... إلا الفظيعين ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا
ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا
لو رأى الله أن للشيب ظرفا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال إبراهيم بن هرمة:
ألا إن سلمى اليوم جدت قوى الحبل ... وأرضت بك الأعداء من غير ما ذحل
فإن تبكها يوما تبك بعولة ... على لطف في جنب سلمى ولا بذل
سوى أن رأين الشيب أبيض واضحا ... كأن الذي بي لم ينل أحدا قبلي
وقال أيضا
في الشيب زجر له لو كان ينزجر ... وبالغ منه لولا أنه حجر
إبيض وأحمر من فوديه وارتجعت ... جلية الصبح ما قد أغفل السحر
وللفتى مهلة في الحب واسعة ... ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر
قالت مشيب وعشق رحت بينهما ... وذاك في ذاك ذنب ليس يغتفر
وقال أيضا
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل قدر الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وهذا لعمري من حسن الكلام وفصيحه ومن أحسن ما أعرف في التجلد على الشيب قول محمد بن عبد الملك:
وعائب عابني بشيب ... لم يأل لما ألم وقته
فقل لمن عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته

(1/132)


ولبعض أهل هذا العصر:
وقائلة قد كان عذرك واسعا ... ليالي كان الشعر في الرأس أسودا
فقلت لها والدمع جار كأنه ... نظام تعدى سلكه متبددا
لئن كان هذا الشيب غرك فاعلمي ... بأني صحبت الشيب مذ كنت أمردا
أبالشيب ينهى عن مساعدة الهوى ... ولولا الهوى ما كنت للشيب مسعدا
وقال علي بن العباس الرومي:
يا بياض المشيب سودت وجهي ... عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمري لأخفينك جهدي ... عن عياني وعن عيان العيون
ولعمري لأتركنك لا تض ... حك في رأس آسف محزون
بسواد فيه بياض لوجهي ... وسواد لوجهك الملعون
وقال البحتري
يفاوت من تأليف شعبي وشعبها ... تناهي شبابي وابتداء شبابها
عسى بك أن تدنو من الوصل بعدما ... تباعدت من أسبابه وعسى بها
ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها
وقال أيضا
وأضللت حلمي فالتفت إلى الصبى ... سفاها وقد جزت الشباب مراحلا
فلله أيام الشباب وحسن ما ... فعلن بنا لو لم يكن قلائلا
وقال أبو الشيص:
أبقى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض
نفرت به كأس النديم فأعرضت ... عنه الكواعب أيما إعراض
ولربما جعلت محاسن وجهه ... لجفونها غرضا من الأغراض
أيام أفراس الشباب جوامح ... تأبى أعنتها على الرواض
وقال الطائي:
غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما
دقة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمي اللديغ سليما
وقال البحتري
عذلتنا في عشقها أم عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشيب ... فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يحسن ... ببياض ما كان بالموموق
أي ليل يبهى بغير نجوم ... أو سحاب تندى بغير بروق
وقال عمر بن أبي ربيعة:
رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري ... وقد عهدتني أسود الرأس مسدلا
فقالت لأخرى عندها تعرفينه ... أليس به قالت بلى ما تبدلا
سوى أنه قد لاحت الشمس لونه ... وفارق أشياع الصبى وتنقلا
ولاح قتير في مفارق رأسه ... إذا غفلت عنه الخواضب أنصلا
وكان الشباب الغض كالغيم خيلت ... سماوته إذ هبت الريح فانجلى
وقال منصور النمري:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتني بشرته ... صروف دهر على الأيام لي تبع
تعجبت أن رأت أسراب دمعته ... في حلية الخد أجراها حشى وجع
أصبحت لم تطعمي كل الشباب ولم ... تشجي بغصته فالعذر لا يقع
الباب الثامن والأربعون
من يئس ممن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه

(1/133)


العلة في ذلك أن اليأس هو مفارقة النفس للرجاء التي كانت تعتاض به من حال الصفات وتتماسك بمسامرته من سطوة الفراق الذي منيت بمشاهدته فأول روعات اليأس تلقى القلب وهو غير مستعد لمقاومتها ولا مصاب بمشاهدتها فتجرحه دفعة واحدة عادة إلى غير عادة والروعة الثانية ترد على القلب وقد ذللته لها الروعة الأولة فللثانية ألم المعاودة وليس لها ألم وفقد العادة والروعة الأولة فيها مشاهدة المكروه ومفارقة ما تعودت من المحبوب فإن هي لم تتلف وفيها مكروهان لم تتلف الثانية وليس فيها إلا أحدهما وكذلك كل روعة يجلبها الفكر والتذكر هي أهون من التي قبلها لأن المتقدمة قد انذرت بها ووطأت المواضع لها حتى ينحل ذلك أجمع من النفس حالا بعد حال لأن دوام الروعات إنما يكون بتنازع المخاوف والآمال فإذا وقع اليأس زال الخوف بوقوع المخوف وانقطع الأمل بذهاب المأمول.
ولعمري لقد أحسن البحتري حيث يقول:
حنيني إلى ذاك القليب ولوعتي ... عليه وقلت لوعتي وحنيني
خلا أملي من يوسف بن محمد ... وأوحش فكري بعده وظنوني
وكانت يدي شلت ونفسي تخونت ... ودنياي بانت يوم بان وديني
فوا أسفي ألا أكون شهدته ... فجاشت شمالي عنده ويميني
فإذا بقيت الخواطر بغير محرك يزعجها تحللت مضاضة ذلك الألم الذي نزل بها ألا ترى أن الحريق إذا صب عليه الماء أفسد الماء موضعا وأفسدت النار آخر ..... قائمين فإذا ذهبا جميعا بقي من تأثير النار يبس وحرارات ومن تأثير الماء برد ورطوبات ثم تحللا جميعا على مر الأوقات والعلة في قتل روعة اليأس الأولة أن القلب يحمى بورود المكاره عليه وسبيل سائر البدن أن يمد القلب بمثل ما فيه من حر أو برد فإذا كثر ذلك انهتك حجاب القلب فكان التلف حينئذ لأن القلب لا يصل إليه ألم نية غير الألم الفكرة إلا أتلف صاحبه والعامة تقول شهق فلان فلا تصدعت مرارته ولعمري إن المرارة لتحمى ولو زادت حرارتها لانصدعت ولو انصدعت لأتلفت ولكن إلى أن تحمل المرارة حمى تصدعها يكون قد حمي القلب وتصدع بل تقطع ومثل ذلك لو أن قدرا من شمع وقار ثم صب فيها ماء ثم أوقد تحتها النار فلعمري إن النار تذيب القار وإن القار إذا ذاب انصب الماء غير أن قبل ذوب القار يكون انحلال الشمع وتليفة النار فكذلك القلب ينهتك حجابه بالحرارة المنحازة إليه قبل انهتاك الحرارة بحين طويل وتظن العامة بل كثير من الخاصة أن الزفير سبب التلف وليس الأمر كذلك بل هو إذا أراد الله عز وجل سبب لدفع التلف وذلك أن القلب إذا أفرط الحمي عليه اجتلبت له القوى الغريزية روحا تدفع مضرة ذلك عنه فتجلبه له من نسيم الهوى الخارج عنه فربما جاء من النسيم ما يدفع مضرة تلك الحرارة فيكون زفير ولا يكون تلف وربما ضعف النسيم المجتلب وحمي في المجاري لشدة ما يلقاه من الحرارات فيعجز برده عن دفع مضرة الحرارة المحيطة بالقلب فتهتك الحرارة الحجاب ويكون التلف فلأنهم يرون التلف على أثر الزفرة يرون أنه قد وقع من أجلها وهو في الحقيقة إنما وقع من أجل ضدها وقد تقتل أيضا أول مفاجأة الفرح الغالب بإفراط بردها كما تقتل أول مفاجأة الحزن بإفراط حرها لأنه ينحاز إلى القلب من سائر الأعضاء برد لا تفي به حرارة الغريزية فيجمد دم القلب ويحدث التلف ولا يكون معه زفير ولا شهيق لأن النفس لا تجتلب الحرارة من خارج البدن كما تجتلب البرودة وقولهم أقر الله عينك وأسخن الله عين فلان إنما هو لأن دمعة الحزن حارة ودمعة الفرح باردة وكل واحدة من الفرح والحزن إذا استوطن النفس أنست بمجاورته قليلا حتى يصير كالخلق المعتاد لها وكالطبع القائم بها ومن جيد ما قيل في باب التسلي عمن يئس منه:
هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
وقال امرؤ القيس:
عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال

(1/134)


من ذكر ليلى وأين ليلى ... وخير ما نلت ما ينال
أنشدني أحمد بن يحيى لأم الضحاك المحاربية:
سألت المحبين الذين تحملوا ... تباريح هذا الحب في سالف الدهر
فقلت لهم ما يذهب الحب بعدما ... تبوأ ما بين الجوانح والصدر
فقالوا شفاء الحب يزيله ... من آخر أو نأي طويل على هجر
أو اليأس حتى تذهل النفس بعدما ... رجت طمعا واليأس عونا على الصبر
وقال آخر:
فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي ... بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري
وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتخلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر
وقال كثير:
وإني لآتيكم وإني لراجع ... بغير الجوى من عندكم لم أزود
إذا دبران منك يوما لقيته ... أؤمل أن ألقاك بعد بأسعد
فإن يسل عنك القلب أو يدع الصبى ... فباليأس يسلو عنك لا بالتجلد
وقال علي بن محمد العلوي:
كان يبكيني الغناء سرورا ... فأراني أبكي له اليوم حزنا
آه من خطرة الكبير إذا ما ... خطر اليأس دون ما يتمنى
وقال البحتري
أرجو عواطف من ليلى ويؤيسني ... دوام ليلى على الهجر الذي تلدا
ولم يعدني لها طيف فيفجأني ... إلا على أبرح الوجد الذي عهدا
وقال أيضا
يرجو مقارنة الحبيب ودونه ... وجد يبرح بالمهاري القود
ومتى يساعدنا الوصال ودهرنا ... يومان يوم نوى ويوم صدود
واليأس إحدى الراحتين ولن ترى ... تعبا كظن الخائب المكدود
ولبعض أهل هذا العصر:
سأكفيك نفسي لا كفاية غادر ... ولا سامعا عذلا ولا متعتبا
ولكن يأسا لم ير الناس مثله ... وصبرا على مر المقادير منصبا
وفي دون ما بلغته بل رأيته ... بلاغ ولكن لا أرى عنك مذهبا
وله أيضا:
حاولت أمرا فلم يجر القضاء به ... ولا أرى أحدا يعدى على القدر
فقد صبرت لأمر الله محتسبا ... واليأس من أشبه الأشياء بالظفر
فالحمد لله شكرا لا شريك له ... ما أولع الدهر والأيام بالغير
وقال البحتري
عزيت نفسي ببرد اليأس بعدهم ... وما تعزيت من صبر ولا جلد
إن النوى والهوى شيئان ما اجتمعا ... فخليا أحدا يصبو إلى أحد
وقال أيضا
محلتنا والعيش غض نباته ... وأفنية الأيام خضر ظلالها
وليلى على العهد الذي كان لم تغل ... نواها ولا حالت إلى الصد حالها
وكنت أرجي وصلها عند هجرها ... فقد بان مني هجرها ووصالها
ولا قرب إلا أن يعاود ذكرها ... ولا وصل إلا أن يطيف خيالها
وقال الأحوص:
تذكرت أياما مضين من الصبى ... وهيهات هيهات إليك رجوعها
تؤمل نعمى أن تريع بها النوى ... ألا حبذا نعمى وسوف تريعها
لعمري لراعتني نوائح غدوة ... فصدع قلبي بالفراق جميعها
فظلت كأني خشية البين إذ أنا ... أخو جنة لا يستبل صريعها
وقال آخر:
أما والله غير قلى لليلى ... ولكن يا له يأسا مبينا
لقد جعلت دواوين الغواني ... سوى ديوان حبك يمحينا
وقال بشار بن برد:
أحب بأن أكون على بيان ... وأخشى أن أموت من البيان
فقد أصبحت لا فرحا بدنيا ... ولا مستنكرا دار الهوان
يقلبني الهوى ظهرا لبطن ... فما يخفى على أحد يراني
وقال ذو الرمة:
أفي كل أطلال بها منك جنة ... كما جن مقرون الوظيفين نازع

(1/135)


ولا بد من مي وقد حيل دونها ... فما أنت فيما بين هاتين صانع
أمستوجب أجر الصبور فكاظم ... على الوجد أم مبدي الضمير فجازع
وقال مجنون بني عامر:
فيا قلب مت حزنا ولا تك جازعا ... فإن جزوع القوم ليس بخالد
هويت فتاة نيلها الخلد فالتمس ... سبيلا إلى ما لست يوما بواجد
أحن إلى نجد وإني ليائس ... طوال الليالي من قفول إلى نجد
وإنك لا ليلى ولا نجد فاعترف ... بهجر إلى يوم القيامة والوعد
وقال آخر:
خلت عن ثرى نجد فما طاب بعدها ... ولو راجعت نجدا لطاب إذن نجد
هو اليأس من ليلى على أن حبها ... مقيم المراسي لم يزل عندنا بعد
وقال آخر:
ألا لا أحب السير إلا مصعدا ... ولا البرق إلا أن يلوح يمانيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كنت عن ليلى على الناي طاويا
ولبعض أهل هذا العصر:
يقول أبعد اليأس تبكي صبابة ... فقلت وهل قبل الإياس بكاء
أبكي على من لست أرجو ارتجاعه ... وأبكي على أن لا يكون رجاء
وقال آخر:
يقولون عن ليلى عييت وإنما ... بي اليأس عن ليلى وليس بي الصبر
فيا حبذا ليلى إذ الدهر صالح ... وسقيا لليلى بعدما خبث الدهر
وإني لأهواها وإني لآيس ... هوى وإياس كيف ضمهما الصدر
وهذا من أحسن ما مر ويمر لأنه قد جمع لفظا لطيفا ومعنى مليحا هذا البائس قد علم أن اليأس لا يكون معه هوى لأحد من الناس فأظهر التعجب منه لأنه خارج عن عادته ووجد في قلبه بقايا من الحزن لألم الفراق وليس هو هوى قائم ولكنه تأثير الاحتراق يزول حالا بعد حال إذ لم يدركه غليل الإشفاق ولم تحركه غلبات الاشتياق فظن لشدة مضاضته أن الهوى بعد مقيم في قلبه.
وقال آخر:
نظرت وأصحابي بنجد غدية ... لأبصرهم أم هل أرى في مطمعا
بنظرة مشتاق رأى اليأس والهوى ... جميعا فعزى نفسه ثم رجعا
شربت حرارات الفراق فلم أجد ... كمثلك مشروبا أمر وأوجعا
وقاسيت تفريق الجميع فلم يدع ... تفرق ألافي لعيني مطعما
وأنشدني أحمد بن يحيى عن زيد بن بكار لرجل من بني أسد:
وكنت إذا اشتفيت بريح نجد ... وماء البير من غلل شفاها
فلما أن رأيت بها أمورا ... تقادم وهلها وبدا ثآها
عرجت على المنازل غير بغض ... وأسمح علو نفسك عن هواها
وساقتك المقادر والليالي ... إلى أن لا تراك ولا تراها
ولبعض أهل هذا العصر:
أمنت عليك الدهر والدهر غادر ... وسكنت قلبي عنك والقلب نافر
وما ذاك عن إلف تخيرت وصله ... عليك ولا أني بعهدك غادر
ولكن صرف الدهر قد عجل الردى ... وأيأسني من أن تدور الدوائر
فلست أرجيه ولست أخافه ... وهل يرتجي ذو اللب ما لا يحاذر
إذا بلغ المكروه بي غاية المدى ... فأهون ما تجري إليه المقادر
تناسيت أيام الصفاء التي مضت ... لديك على أني لها الدهر ذاكر
أثبت قلبي عنك والود ثابت ... وهل تصبر الأحشاء والحزن صابر
إلى الله أشكو لا إليك فإنه ... على رد أيام الصفاء لقادر
وقال العتبي:
فيا ويح قلب عذب العين بالبكا ... على كل شفر من مدامعها غرب
ويا ويح مشتاق محا اليأس ما رجا ... لحرقته شرق وليس لها غرب
وقال ذو الرمة:
تحن إلى مي كما حن نازع ... دعاه الهوى فارتد من قيده قصرا
ولا مي إلا أن تزور بمشرق ... أو الزرق من أطلالها دمنا قفرا
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي لبعض الأعراب:

(1/136)


أظن اليوم آخر عهد نجد ... ألا فاقرأ على نجد سلاما
فربتما سكنت بحر نجد ... وربتما ركبت بها السواما
وربتما رأيت لأهل نجد ... على العلات أخلاقا كراما
وإني للمكلف حب نجد ... وإني للمسر بها السقاما
فهؤلاء الذين ذكروا أشعارهم قد سلوا على أول روعات اليأس فمنهم من تشاغل بإظهار الحنين تجملا للناس ومنهم من صرح بالسلو عن نفسه ومنهم من اشتغل بمعالجة ما بقي من الهوى في قلبه ونحن الآن نذكر طرفا من أخبار من تمكنت الروعة الأولى من نفسه وتظاهر سلطانه على قلبه فبلغ إلى ما لا يمكن منه تلاف ولا ينفع فيه استعطاف حدثني أبو طاهر الدمشقي قال حدثنا حامد بن يحيى النجلي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال إن رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا وإنا قد لقينا قوما فأسرناهم ورأى نسوة وهو في ذمته فدنا إلى هؤلاء أفض إليهن فدنا إلى امرأة منهن فقال أسلمي حبيش قبل نفاذ العيش.
أرأيت إذ طالبتكم فوجدتم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
قال فقالت وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترا قال ثم قدمناه فضربنا عنقه فنزلت إليه امرأة تخصه فأكبت عليه فما زالت تحن عليه حتى ماتت وقال الجاحظ ذكرت لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني استشبع منظري فأمر لي بعشرة آلاف وصرفني فخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام فعرض علي الخروج معه وقرب حراقته ونصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعت عوادة له فغنت:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
ثم سكتت وأمر طنبورية فغنت:
وا رحمتا للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويضربون ... ويقطعون فيصبرونا
فقالت لها العوادة فيصنعون ماذا؟ قالت ويصنعون هكذا وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر فزجت نفسها إلى الماء قال وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة فلما رأى ما صنعت ألقى المذبة من يده وأتى الموضع فنظر إليها وهي تمر بين الماء فأنشأ يقول:
أنت التي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا
وزج بنفسه في أثرها فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما معتنقان ثم غاصا فلم يريا فهال ذلك محمدا واستفظعه وقال لي أبا عمرو ولتحدثني بحديث يسليني عن فعل هذين وإلا ألحقتك بهما قال فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص فمرت به قصة فيها إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ سليمان وأمر من يخرج إليه فيأتيه برأسه واسترجع وأتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه فلما وقف بين يديه قال له ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال الثقة بحملك والاتكال على عفوك فأمره بالقعود حتى إذا لم يبق من بني أمية أحد إلا خرج فأمر فأخرجت الجارية ومعها عودها ثم قال قل لها غني فقال لها الفتى غني:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فاجملي
فغنته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فشربه ثم قال له قل قال غني:
تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
فغنته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فأتي برطل فشربه ثم قال له قل قال غني:
حبذا رجعها إليها يديها ... في يدي درعها تحل الإزارا

(1/137)


فغنته فقال له قل قال تأمر لي برطل فأتي برطل فما استتم شربه حتى وثب فصعد على قبة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فقال سليمان إنا لله وإنا إليه راجعون أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج الجارية إليه وأردها إلى ملكي يا غلمان خذوا بيدها فانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا عنه فلما انطلقوا بها نظرت إلى حفرة في دار سليمان قد أعدت للمطر فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في الحب بلا موت
وزجت بنفسها على دماغها فماتت فسري عن محمد وأحسن صلتي وذكر لنا أن محمدا بن حميد الطوسي كان جالسا مع ندمانه يوما فغنت جارية له وراء الستارة:
يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك مستمتع
إن كان ربي قد قضى كل ذا ... منك على رأسي فما أصنع
قال وعلى رأس محمد غلام بيده قدح يسقيه فرمى بالقدح من يده وقال تصنعين هكذا ورمى بنفسه من الدار إلى الدجلة فهتكت الجارية الستارة ثم رمت بنفسها على أثره فنزل الغاصة خلفها فلم يجدوا واحدا منهما فقطع محمد الشرب وقام من مجلسه وأخبار هذا الباب أكثر من أن يتضمنها مثل هذا الكتاب غير أنا اقتصرنا منها على ما يكون معه مضربين عنها ولا مكترثين بها ولقد كادت شهرتها له لتمنعنا عن ذكرها غير أنها كانت شاهدا لما قدمناه وأحببنا أن يؤيد بذكرها على ما شرطناه.
الباب التاسع والأربعون
لا يعرف المقيم على العهد إلا عند فراق أو صد
من شأن من كان مجاورا لأحبائه وسامحته الأيام ببلوغ محابه أن يصرف خواطره إليهم وان لا يؤثر صحبة أحد غيرهم عليهم بل الجاري من عادة أهل الأدب إذا أقبل عليهم يستثقلون أن يظهروا له المودة بل يعتقدونها في الحقيقة فإذا كانت هذه حال أهل الأدب مع من يعاشرهم من غير الأحباب كان أحبابهم أحرى أن يغلبوا على قلوبهم وإنما يبين الصادق في هواه إذا فارقه أو صد عنه من يهواه فأقام حينئذ عليه ولم ينتقل إلى ما سواه.
أنشدني أحمد بن يحيى النحوي لعمر بن أبي ربيعة:
يقولون إني لست أصدق في الهوى ... وإني لا أرعاك حين أغيب
فما بال طرفي عف عما تساقطت ... له أنفس من معشر وقلوب
عشية لا يستنكر القوم إن رأوا ... سفاه الحجى ممن يقال لبيب
ولا نظرة من عاشق إن مضت له ... بعين الصبى كسلى القيام لعوب
يروح يرجو أن تحط ذنوبه ... فراح وقد عادت عليه ذنوب
وما الشك أسلاني ولكن لذي الهوى ... على العين مني في الفؤاد رقيب
ولقد أحسن ذو الرمة حيث يقول:
إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
تصرف أهواء القلوب ولا أرى ... نصيبك من قلبي لغيرك يمنح
أرى الحب بالهجران يمحى فيمتحي ... وحبك مما يستجد ويذبح
أبين وشكوى بالنهار شديدة ... علي وما يأتي به الليل أبرح
هي البرء والأسقام والهم ذكرها ... وموت الهوى لولا التنائي المبرح
إذا قلت تدنو مية اغبر دونها ... فياف لطرف العين فيهن مطرح
فلا القرب يبدي من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح
وقال أيضا
هواك الذي ينهاض بعد اندماله ... كما هاض حاد متعب صاحب الكسر
إذا قلت قد ودعته رجعت به ... شجون وأذكار تردد في الصدر
وإن قلت يسلو حب مية قلبه ... أبى حبها إلا بقاء على الهجر
وقال أيضا
يزيد التنائي وصل خرقاء جدة ... إذا خان أرماث الحبال وصولها
لقد أشربت نفسي لمي مودة ... تقضى الليالي وهي باق وسيلها
وقال أيضا
فلم يبق مما كان بيني وبينها ... من الوصل إلا ما تجن الجوانح

(1/138)


أصيداء هل قيظ الرمادة راجع ... لياليه أو أيامهن الصوالح
سواء عليك اليوم انصاعت النوى ... بصيداء أم أنحى لك السيف ذابح
إذا لم تزرها من قريب تناولت ... بنا دار صيداء القلاص الطلائح
وقال أيضا
ولم تنسني ميا نوى ذات غربة ... شطون ولا المستطرفات الأوانس
إذا قلت أسلو عنك يا مي لم يزل ... محل لدار من ديارك ناكس
فكيف بمي لا تؤاتيك دارها ... ولا أنت طاوي الكشح منها فيائس
وقال هدبة بن خشرم:
يجد النأي ذكرك في فؤادي ... إذا وهلت على النأي القلوب
وقد علمت سليمى أن عودي ... على الأحداث ذو وتد صليب
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
وقال آخر:
وإني وإسماعيل يوم افتراقنا ... لكالجفن يوم الروع زايله النصل
فإن أغشى قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وقال العرجي:
ألا أيها الربع الذي بان أهله ... فأمسى قفارا موحشا غير آهل
هل انت مجيب أين أهلك ذا هوى ... وأنت خبير إن نطقت لسائل
وأي بلاد الله حلوا فإنني ... على العهد راع للحبيب المزايل
وقال الحسين بن الضحاك:
لشتان إشفاقي عليك وقسوة ... أطلت بها شجو الفؤاد على العمد
وما حلت للهجران عن حال صبوة ... إليك ولكن حال جسمي عن العهد
وقال الحسحاس الأسدي:
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ويكشف عنها وهي بيضاء ظله ... وقد راجعت قرنا من الشمس ضاحيا
بأحسن منها يوم قالت أرائح ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا
فإن تبق لا تملك وإن تضح عاديا ... تزود وترجع عن عميرة واقيا
وقال تأبط شرا:
ألم تشل اليوم الحمول البواكر ... بلى فاعترف صبرا فهل أنت صابر
وشاقتك هند يوم فارق أهلها ... بها أسفا إن الخطوب تغادر
فإن تصرميني أو تسيئي لعشرتي ... فإني لصرام القرين معاشر
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فإن وصلت حبل الصفاء ندم لها ... وإن صرمته فانصرف عن تجامل
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفنائه بالأصائل
وفيك التي لا يبرح القلب حبها ... وأذكرها ما أرزمت أم حائل
وحتى يؤوب الفارطان كلاهما ... وينشر في الهلكى كليب لوائل
وقال زهير:
تأوبني ذكر الأحبة بعدما ... هجعت ودوني قلة الحزن والرمل
وكل محب يحدث النأي بعده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو
وقال جميل بن معمر:
وما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن ما إخال تلاقيا
وقال عروة بن حزام:
فوالله لا أنساك ما هبت الصبا ... وما أعقبتها في البحار جنوب
ولست أرى نفسي على طول نأيكم ... وبعدك مني ما حييت تطيب
فأول ذكري أنت في كل مصبح ... وآخر ذكري عند كل غروب
فوا كبدا أضحت قريحا كأنما ... تلذعها بالكي كف طبيب
وقال آخر:
لا والذي عمد الحجاج كعبته ... فهم سراع إلى مرضاته وفق
لا تذهل النفس عن ليلى وإن ذهلت ... ما دام للهضب هضب الغاية البرق
وقال البحتري
تقضى الصبى إلا خيالا يعودني ... به ذو دلال أحور الطرف فاتره
فيذكرني الوصل القديم وليلة ... لدى سمرات الجزع إذ نام سامره
وعهدا أبينا فيه إلا تباينا ... فلا أنا ناسيه ولا هو ذاكره

(1/139)


إذا التهبت في لحظ عينيه غضبة ... رأيت المنايا في النفوس تؤامره
وقال الضحاك بن عقيل:
أسمراء إن اليأس مسل ذوي الهوى ... ونأيك عندي زاد قلبي بكم وجدا
أرى حرجا ما نلت من ود غيركم ... ونافلة ما نلت من ودكم رشدا
وقال الهذلي:
وإني على أن قد تجشمت هجرها ... لما ضمنتني أم عمرو لضامن
يوافيك منها طارق كل ليلة ... حبيب كما وافى الغريم المداين
وقال ابن الدمينة:
وإني لأستحييك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب
حذار القلى والصرم منك وإنني ... على العهد ما داومتني لصليب
فيا حسرات النفس من غربة النوى ... إذا اقتسمتها نية وشعوب
ومن خطرات تعتريني وزفرة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
أما هذا فقد أحسن في البيت الأول وبرد في البيت الثاني إذ جعل علته في الوفاء لها حذار قلاها وصرمها وعلى أنه لم يرض أيضا بذلك حتى جعل مداومته عليها متصلة بمداومتها عليه لا غير وهذه حال مفرطة الخساسة متناهية القباحة.
ولبعض أهل هذا العصر:
يا غارس الحب بين القلب والكبد ... هتكت بالهجر بين الصبر والجلد
إذا دعا اليأس قلبي عنك قال له ... حسن الرجاء فلم يصدر ولم يرد
يا من نقوم مقام الموت فرقته ... ومن يحل محل الروح من جسدي
فقد جاوز الشوق بي أقصى مراتبه ... فإن طلبت مزيدا منه لم أجد
والله لا ألفت نفسي سواك ولو ... فرقت بالهجر بين الروح والجسد
إن توف لي لا أرد ما دمت لي بدلا ... وإن تعزيت لم أركن إلى أحد
وقال آخر:
أهجرا وقيدا واشتياقا وغربة ... وهجر حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرءا دامت مواثيق عهده ... على مثل ما قاسيته لكريم
وقال معاذ ليلى:
وللنفس ساعات تهش لذكرها ... فتحيى وساعات لها تستكينها
فإن تك ليلى استودعتني أمانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها
وقال المؤمل:
لسنا بسالين إن سلوا أبدا ... عنهم ولا صابرين إن صبروا
نحن إذا في الجفاء مثلهم ... إذا هجرناهم كما هجروا
إن يقطعونا فطالما وصلوا ... وإن يغيبوا فربما حضروا
وقال البحتري
ألام على هواك وليس عدلا ... إذا أحببت مثلك أن ألاما
أعيدي في نظرة مستثيب ... توخى الهجر أو كره الأثاما
تري كبدا محرقة وعينا ... مؤرقة وقلبا مستهاما
لئن أضحت محلتنا عراقا ... مشرقة وحلتها شآما
فلم أحدث لها إلا ودادا ... ولم أزدد بها إلا غراما
وقال أيضا
هجرتنا عن غير جرم نوار ... ولديها الحاجات والأوطار
وأقامت بجو بطياس حتى ... كثر الليل دونها والنهار
إن جرى بيننا وبينك هجر ... وتناءت منا ومنك الديار
فالغليل الذي علمت مقيم ... والدموع التي عهدت غزار
وقال مجنون بني عامر:
وتعذب لي من غيرها فأعافها ... مشارب فيها مقنع لو أريدها
وأمنحها أقصى هواي وإنني ... على ثقة من أن حظي صدودها
وقال نصيب:
أصدت غداة الجزع ذي الطلح زينب ... تقطع منها حبلها أم تقضب
وقد عبثت فيما مضى وهي خلة ... صديق لنا أو ذاك ما كنت أحسب
ترى عجبا في غبطة أن نزورها ... ونحن بها منها أسر وأعجب
وفي الركب جثماني ونفسي رهينة ... لزينب لم أذهب بها حين أذهب
فبانت ولا ينسيكها النأي إنها ... على نأيها نصب لقلبك منصب
وقال آخر:
حلفت لها بما نحت قريش ... يمينا والسوانح يوم جمع

(1/140)


لأنت على التنائي فاعلميه ... أحب إلي من بصري وسمعي
الباب الخمسون
قليل الوفاء بعد الوفاة أجل من كثيره وقت الحياة
الوفاء اسم للثبات على الشرائط فكل من عقد على نفسه أو عقد عليه غيره ممن يلزمه عقده شيئا فثبت عليه ولم يزل عنه سمي موفيا وكل من شرط على نفسه شرطا وزال عنه للزوال سمي غادرا وليس يسمى موفيا من فعل فعلا جميلا لم يشرط على نفسه فعله ولا شرطه عليه من يلزمه شرطه ولا يسمى غادرا من فعل فعلا قبيحا لم يجب عليه تركه ولا شرط عليه من يحب شرطه فالمحبوب يكون موفيا لمحبه ويكون غادرا بعهده والمحب لا يكون موفيا ولا غادرا لأن محبته قائدة له إلى محاب إلفه فيما يصلح الانقياد إلى مثله فهو يأتي طاعته بطبعه لا وفاء بشرط لزمه وكل من لم يصلح أن يسمى موفيا لم يصلح أن يسمى غادرا وإنما يصلح أن يكون المحبوب موفيا وغادرا لأنه يأتي ما يأتيه مختارا ويشرط لإلفه الشرائط على نفسه فيفعل ما ضمن أو يتركه فيكون موفيا أو غادرا بفعله أو تركه وهذا الذي ذكرناه من أن المحب لا يكون موفيا ولا غادرا إنما هو ما دامت محبته قائمة فأما إذا زالت المحبة بسلو عارض أو بوفاة المحبوب فالمحب حينئذ يكون موفيا غادرا.
قالت امرأة من عامر بن صبعة:
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى ... لوجهك يوما إن يسؤك مكاني
ويروى عن هذه المرأة أنها زارت قبر زوجها وعليها حلي وثياب مصبغة فالتزمت القبر ثم أنشأت تقول:
يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي ... عيشا ويكثر في الدنيا مؤاتاتي
نسيت ما كنت من قربي تحب وما ... قد كان يلهيك من ترجيع أصواتي
أزور قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
فمن رآني من حزني مفجعة ... طويلة الحزن في زوار أموات
فبينما هي ملتزمة القبر إذ شهقت شهقة فماتت وليس موت هذه المرأة بعد وفاة زوجها بمدة نقضا لما قدمنا ذكره في الباب الذي ذكرنا فيه أن من يئس ممن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه لما قدمنا في ذلك من البرهان وأرينا فيه من الأمثال ونحن نقول الآن من فجأه الحزن دفعة واحدة من غير مقدمة حتى يمضي عليه مدة خوف جوى ولا حذار طبيعي لم يستنكر منه أن يزول تمييزه فلا يفهم ما نزل به حتى تمضي عليه مدة متطاولة فربما انحلت سكرته إلى إفاقة سلو مريح وربما انحلت بوقوع تلف صحيح وعلى أن الضنين المشفق العالم بنوب الزمان والمستعد لخطوب الأيام قد يلحقه بمفاجأة المكروه ما يزيل تمييزه ويبطل تدبيره وينسيه ما كان ذاكرا له ولمعترفاته وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناله من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ما لا خفاء به على الخاصة ولا على كثير من العامة من انتضائه سيفه وقوله إن رسول الله لا يموت وليقومن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم حتى قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه إن الله جل وعز يقول )إنك ميت وإنهم ميتون( قال عمر رضي الله عنه فكأني لم أسمعه إلا يومئذ ويروى عن إبان تغلب أنه قال بينا أنا في بعض الفلوات في طلب ذود ضالة إذ بصرت بجارية أعشى إشراق وجهها بصري فقالت لي مالي أراك مدلها قلت في طلب ذود لي ضالة قالت هل أدلك على من يعلم علمهن فإن شاء ردهن عليك فقلت نعم بأبي أنت مسرعا قالت إن الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الاختيار فلما رأيت حسن منظرها وحلاوة منطقها قلت هل لك من زوج؟ قالت كان فدعي فعاد إلى ما منه خلق فأجاب فقلت فهل لك من زوج لا تخشى بوائقه ولا تذم خلائقه؟ فأطرقت مليا وعيناها تهملان بالدموع ثم أنشأت تقول:
كنا كغصنين في أرض غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات
وكان عاهدني إن خانني زمن ... ألا يضاجع أنثى بعد مثواتي

(1/141)


وكنت عاهدته أيضا فعاجله ... ريب المنون قريبا مذ سنيات
فاردع عنانك عمن ليس يخلبها ... عن الوفاء خلاب بالتحيات
ويروى عن الأصمعي أنه قال دخلت فإذا أنا بامرأة تنوح على قبر وهي مسفرة فلما رأتني غطت وجهها ثم كشفته فقالت:
لا صنت وجها كنت صائنه ... يوما ووجهك في الثرى يبلى
يا عصمتي في النائبات ويا ... ركني القوي ويا يدي اليمنى
وقال آخر:
وقائلة لما رأتني مدلها ... أناديك تارات وأبكيك تارات
لقد كنت جلدا للرزيات قبلها ... فقلت لها ليست كإحدى الرزيات
أصاب بك الدهر الرزية واشتفى ... بيومك من أيام لهوي ولذاتي
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
وأقسمت أبكي بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير
ولا الحي مما يحدث الدهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وما أحد حيا وإن كان ناجيا ... بأخلد ممن غيبته المقابر
وكل شباب أو جديد إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر
وذكروا أنها دخلت على الحجاج بن يوسف يوما فقال لها بلغني أنك مررت على قبر توبة فعدلت عنه فوالله ما وفيت له ولو كان مكانك ما عدل عن قبرك فقلت أصلح الله الأمير إن لي عذرا قال وما هو قالت إني سمعته يقول:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أمر بهن على قبره فلا يكون ما قال فأكون قد كذبته فاستحسن الحجاج ذلك منها وأمر بقضاء حوائجها.
وقال آخر:
دعوتك يا علي فلم تجبني ... فردت دعوتي يأسا عليا
بموتك بانت اللذات عني ... وكانت حية إذ كنت حيا
فيا أسفي عليك وطول شوقي ... إليك لو ان ذاك يرد شيا
وقال البحتري
سقى الله الجزيرة لا لشيء ... سوى أن يرتوي ذاك القليب
نصيبي كان من دنياي ولى ... فلا الدنيا تحس ولا النصيب
تولى العيش إذ ولى التصابي ... ومات الحب إذ مات الحبيب
وقال أيضا
بنا أنت من مجفوة لم تعتب ... ومعذورة في هجرها لم تؤنب
ونازحة والدار منها قريبة ... وما قرب ثاو في التراب مغيب
وقال جرير:
لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... صين الحديث وعفت الأسرار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
وقال أبو نواس:
طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر
لئن عمرت دور بمن لا أحبه ... لقد عمرت ممن حب المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
وقال آخر:
كتب السواد لناظري ... تبكي عليك وناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
وقال أشجع:
لئن أنا لم أدرك من الموت ثاريا ... ولم أشف قرحا داميا من فؤاديا
لتختر مني الحادثات وحسرتي ... بأحمد في سوداء قلبي كما هيا
لقد أفسد الدنيا علي فراقه ... وكدر منها كل ما كان صافيا
وأذكر ألا نلتقي فكأنما ... أعالج أنفاس المنايا القواضيا
ويمنعني من لذة العيش أنني ... أراك إذا فارقت لهوا ترانيا
وأنشدني أحمد بن طاهر قال: أنشدنا أبو تمام لنفسه:
هو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... وأكثر آمال النفوس كواذب

(1/142)


وقلت أخي قالوا أخ من قرابة ... فقلت نعم إن الشكول أقارب
نسيبي في رأي وعزم ومذهب ... وإن باعدتنا في الأصول المناسب
كأن لم يقل يوما كأن فتنثني ... إلى قوله الأسماع وهي رواغب
ولم أتجهم ريب دهري برأيه ... فلم يجتمع لي رأيه والنوائب
عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي للحسين بن وهب:
سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن لنا نحيبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان لي يدعى حبيبا
فقدنا منك علقا كان يدني ... إلينا البر والنسب القريبا
فلما بنت نكرت الليالي ... قريب الناس والأقصى الغريبا
وأبدى الدهر قبح صحيفتيه ... ووجها كالحا جهما قطوبا
فأحر بأن يطيب الموت فيه ... وأحر بعيشه ألا يطيبا
وقال علي بن محمد العلوي:
من لي بمثلك يا روح الحياة ويا ... يمنى يدي وقد شلت من العضد
من لي بمثلك أرعاه لحادثة ... تشكى إليه ولا تشكى إلى أحد
قد ذقت أنواع ثكل أنت أبلغها ... من القلوب وأخناها على الجلد
فاليوم لم يبق شيء أستريح له ... إلا تفتت أحشائي من الكمد
قل للردى لا يغادر بعده أحدا ... وللمنية من أحببت فاعتمدي
إن السرور تقضى يوم فارقني ... وآذن العيش بالتكدير والنكد
وقال محمد بن مناذر يرثي صاحبه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي:
كل حي لاقي الحمام فمودي ... ما لحي مؤمل من خلود
لا تهاب المنون خلقا ولا تب ... قي على والد ولا مولود
فلو ان الأيام يخلدن شيئا ... لعلاه أخلدن عبد المجيد
ويح أيد حثت عليه وأيد ... غيبته ما غيبت في الصعيد
إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركنا ما كان بالمهدود
هد ركني عبد المجيد وقد كن ... ت بركن أنوء منه شديد
حين تمت آدابه وتردى ... برداء من الشباب جديد
وسمت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد
فإذا ما ذكرته عرضت لي ... غصة في اللهى وحبل الوريد
وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد
فلئن صار لا يجيب لقد كا ... ن سميعا هشا إذا هو نودي
كان لي عصمة فأودى به الده ... ر فيا حسرة الفريد الوحيد
يا فتى كان للمقامات زينا ... لا أراه في المشهد المشهود
لهف نفسي ألا أراك وهل عن ... دك لي إن دعوت من مردود
خنتك الود لم أمت كمدا بع ... دك إني عليك حق جليد
لو فدى الحي ميتا لفدت نف ... سك نفسي بطارفي وتليدي
ولئن كنت لم أمت من جوى الحز ... ن عليه لأبلغن مجهودي
لأقيمن مأتما كنجوم اللي ... ل غرا يلطمن حر الخدود
موجعات يبكين للكبد الح ... رى عليه وللفؤاد العميد
ولبعض أهل هذا العصر:
أمثل الذي ألقى يقاومه صبر ... فأصبر أم مثلي ينهنهه الزجر
لئن كنت غرا بالذي قد لقيته ... لفي فقد تمييزي يحق لي الأجر
تقضت صباباتي إليه وقصرت ... ظنوني به بل ليس ظن ولا ذكر
وكف رجائي فاطمأنت مخافتي ... فلم يبق لي إلا التأسف والفكر
فما لي رجاء غير قرب منيتي ... ولا خوف إلا أن يطول بي العمر
ولو لم يحل أسر المنية بينه ... وبيني لم أحفل بما صنع الدهر

(1/143)


فليت المنايا وحدها سمحت به ... ونازعنيه البين والهجر والغدر
وبلغني أن جميلا لما حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، فأنشده:
ذكر النعي وما كنا بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
غدر الزمان بفارس ذي بهمة ... ثبت إذا جعل اللواء يزول
فلما قضى حياته أتى الرجل الماء الذي وصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت بثينة ناشرة شعرها شاقة جيبها لاطمة وجهها وهي تقول: يا أيها الناعي بفيك الحجر أما والله لئن كذبتني لقد فضحتني ولئن كنت صدقتني لقد قتلتني ثم أنشأت تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما جاءت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
ويقال أنها لم تقل شعرا غيره وذكروا أن عروة بن حزام لما انصرف من عند عفراء ابنة عقال فتوفي وجدا بها وصبابة إليها مر به ركب فعرفوه فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:
ألا أيها القصر المغفل أهله ... نعينا إليكم عروة بن حزام
ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت:
ألا أيها الركب المخبون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام
فأجابها رجل من القوم:
نعم قد تركناه بأرض بعيدة ... مقيما بها في سبسب وأكام
فقالت لهم:
فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعدك لذة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت أنثى تماما بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لا بلغتم حيث وجهتم له ... ونغصتم لذات طل طعام
ثم سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلما قاربته قالت: أنزلوني فإني أريد قضاء حاجة فأنزلوها فانسلت إلى القبر فانكبت عليه فما راعهم إلا صوتها فلما سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة على القبر قد خرجت نفسها فدفنوها إلى جنبه.
تم القول ولله الحمد والمنة والصلاة على رسول الله.

(1/144)


قد وفينا بحمد الله من التشبيب بكل ما ضمناه على حسن الترتيب الذي قدمناه فأفردنا له خمسين بابا ووفينا كل باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلا ما يواطئ ترجمته مفردا من كل ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبترا ولبقي عامة الكلام مستوحشا لأن البيت يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسنا أن يذكر البيت لمعنى فيه يشاكل الباب وتفرد سائر معانيه المتعلقة بالبيت الذي يليه مما ينتظم معها وينبه على صحتها وحسنها على أنه لو لزمنا أن لا نضمن الباب إلا ما يطابق لفظه مفردا مما يقتضيه ويتصل به ألزمنا تفصيل المصراع من المصراع الذي لا يشاكله حتى لا يكون في البيت كلمة تقتضي معنى ليس الباب موجبا له لأن في أشعار بلغاء العرب الذي يتضمن أوله معنى ويتضمن آخره غيره إذ البلاغة الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربما تضمن المصراع المتأخر ضد ما يتضمنه المصراع المتقدم ولو فعلنا ذلك لخرج كتابنا عن حد العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حد الجهالات المطربة والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطع نظامها وبتر كلامها عن باب الأشعار فإذا كان الاختيار والاضطرار معا يمنعان من أن لا ندخل في باب إلا ما توجبه ترجمته المتقدمة له إذا فلا بد من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع الاحتجاج يطابقه وإن كان مما لو أفرد في نفسه لكان البيت غنيا عن ذكره والذي منعني أن أجعل أبيات كل باب مائة كاملة في خاصية معناه سوى ما يتصل به مما يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أني لو فعلت ذلك لم أضبطه إلا بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كل واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدمنا ذكره من تهجين الكتاب وتقبيح الأبواب والآخر أن الأبواب حينئذ كانت تكون بغير عدد محصور ولا حد مقصور وإنما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشرط فيه أعدت فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد مرت في أبواب الغزل تكون قصاصا من الخمسة الأبيات التي في الرسالة المقدمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج العدد عن حد ما قصدناه أعدنا أبياتا قصاصا عن الأبيات ليست محسوبة في باب وإنما هي متمثل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن تكون الاحتجاجات والأبيات المتعلقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد لاستحالت التسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب.

(1/145)


ونحن الآن إن شاء الله وقد أتينا على الخمسين الماضية من الأبواب مبتدئون في الخمسين الباقية من الكتاب فأول ما نشرع فيه من ذلك ما قيل في تعظيم أمر الله عز وجل والتنبيه على قدرته والدلالة على آلائه والتحذير من سطوته ثم تعقب ذلك ما قيل في رسوله صلى الله عليه وسلم ثم نتبع ذلك ما قيل في المختارين من أهل بيته رحمة الله عليهم وصلواته ثم ننسق إلى آخرها على أحق الترتيب بها حسب ما تبلغه أفهامنا ويومي إليه اختيارنا وإنما قدمت أبواب الغزل منها دينا ودنيا ومما هو أدعى إلى مصالح النفس وأدخل في باب التقوى لأن مذهب الشعراء أن تجعل التشبيب في صدر كلامها مقدمة لما تحاوله في خطابها حتى أن الشعر الذي لا تشبيب له ليلقب بالحصا وتسمى القصيدة منه البتراء وإن قائلها ليخرج عند أهل العلم بالأشعار عند عمل يدخل فيه الموصوفون بالاقتدار والمنسوبون إلى حسن الاختيار فأحببت أن لا أخرج في تأليف الشعر عن مذهب الشعراء دليلا عما ضمنت من رعاية حقوق المشاكلة ولم يصلح إذا انقضى ذكر التشبيب بالغزل أن أقدم على أمر الله عز وجل أمرا ولا أرسم بين يدي الأشعار الدالة على عظمته شعرا ولم أجد أحدا من الشعراء اتسع في هذا النحو اتساع أمية بن أبي الصلت على أنه لم يسلم فيعظم الإسلام في قلبه ما لا تعظمه إقامته على كفره وأشعار أهل الجاهلية في هذا المعنى وما كان شكله أولى أن يقدم من أشعار الإسلاميين لا لسبقهم في الزمان ولا لتقدمهم في الأسنان ولكن لأن إقرار الخصم بدعوى خصمه أقطع للجدل من ادعاء المرء حقا لنفسه وإن أقام البينة بصحة قوله ونحن نقدم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ما نختاره من شعر أمية وأصحابه والداخلين معه في بابه وإن لم يبلغوه فقد رموا غرضه فقاربوه.
يتلوه الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم أمر الله جل ثناؤه والحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين.
بلغ هذا الكتاب المبارك تصحيحا ومقابلة مع نسخة أصله على حسب الجهد والطاقة فصح ووافق في ذي قعدة سنة ثمان عشرة وسبع مائة من الهجرة النبوية.
كتب مقابلة مع المملوك محمد بن أبي المقاتل أحمد بن فهد بن أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم الحمى أيده الله تعالى.
الباب الحادي والخمسون
ذكر
ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم الله جل شأنه
وقال أمية بن أبي الصلت:
ألا كل شيء هالك غير ربنا ... ولله ميراث الذي كان فانيا
وإن يك شيئا خالدا ومعمرا ... تأمل تجد من فوقه الله باقيا
له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق ست ثمانيا
إلى أن يفوت المرء رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
وقال أيضا:
ويوم موعدهم أن يخرجوا زمرا ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر
وحوسبوا بالذي لم يحصه أحد ... منهم وفي مثل ذاك اليوم معتبر
فمنهم فرح راض بمبعثه ... وآخرون عصوا مأواهم سقر
يقول خزانها ما كان غيكم ... ألم يكن جاءكم من ربكم نذر
قالوا بلى فأطعنا سادة بطروا ... وغرنا طول هذا العيش والعمر
فذاك محبسهم لا يبرحون به ... طول المقام وإن ضجوا وإن صبروا
قال امكثوا في عذاب النار ما لكم ... إلا السلاسل والأغلال والسقر
وآخرون على الأعراف قد طمعوا ... بجنة حفها الرمان والخضر
يسقون فيها بكأس لذة أنف ... صفراء لا ...... فيها ولا سكر
مزاجها سلسبيل ماؤها غدق ... عذب المذاقة لا ملح ولا كدر
كائن خلت فيهم من أمة ظلمت ... قد كان جاءهم من قبلهم نذر
فأهلكوا بعذاب خص دابرهم ... فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
فصدقوا بلقاء الله ربكم ... ولا يصدنكم عن ذكره البطر
وقال أيضا:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... فلا شيء أعلى منك جدا ولا مجد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد

(1/146)


ولا بشر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلق مؤيد
ملائكة أقدامهم تحت أرضه ... وأعناقهم فوق السموات صعد
فمن حامل إحدى قوائم عرشه ... بأيد ولولا ذاك كلوا وبلدوا
قيام على الأقدام عانين تحته ... فرائصهم من شدة الخوف ترعد
فهم عند رب ينظرون لأمره ... يصيخون بالأسماع للوحي ركد
أميناه روح القدس جبريل منهما ... وميكال ذي الروح القوي المسدد
ملائكة لا يفترون عبادة ... كروبية منهم ركوع وسجد
فساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد
وراكعهم يحنو له الظهر خاشعا ... يردد آلاء الإله ويحمد
ومنهم ملف في جناحيه رأسه ... يكاد لذكرى ربه يتفصد
وحراس أبواب السموات دونه ... قيام لديه بالمقاليد رصد
ودون كثيف الملك في غامض الهوى ... ملائكة تنحط فيه وتصعد
وبين طباق الأرض تحت بطونها ... ملائكة بالأمر فيها تردد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد
وأنى يكون الخلق كالخالق الذي ... يدوم ويبقى والخليقة تنفذ
وليس لمخلوق على الخلق جذه ... ومن ذا على مر الحوادث يخلد
فيفنى ولا يبقى سوى القاهر الذي ... يميت ويحيي دائما ليس يهمد
تسبحه الطير الكوامن في الخفى ... وإذ هي في جو السماء تصعد
ألا أيها القلب المقيم على الهوى ... إلى أي هذا الدهر منك التصدد
ألا إنما الدنيا بلاغ وبلغة ... وبينا الفتى فيها مهيب مسود
إذا انقلبت عنه وزال نعيمها ... وأصبح من ترب القبور يوسد
وفارق روحا كان بين حياته ... وجاور موتى ماله متبدد
فأي فتى قبلي رأيتم مخلدا ... له في قديم الدهر ما يتزود
ولن تسلم الدنيا وإن ضن أهلها ... بصحبتها والدهر قد يتجدد
ألست ترى فيما مضى لك عبرة ... فمه لا تكن يا قلب أعمى تلدد
فقد جاء ما لا ريب فيه من الهدى ... وليس يرد الحق إلا مفند
فكن خائفا للموت والبعث بعده ... ولا تك فيمن غره اليوم أو غد
فإنك في دنيا غرور لأهلها ... وفيها عدو كاشح الصدر يوقد
من الحقد نيران العداوة بيننا ... لأن قال ربي للملائكة اسجدوا
لآدم لما كمل الله حقه ... فخروا له طوعا سجودا وكددوا
وقال عدو الله للكبر والشقا ... لطين على نار السموم فسودوا
فأخرجه العصيان من خير منزل ... فذاك الذي في سالف الدهر يحقد
علينا ولا نالوا خبالا وحيلة ... لنوردها نارا عليها سيورد
جحيما تلظى لا يقتر ساعة ... ولا الحر منها آخر الدهر يبرد
فما لك في الشيطان والنار أسوة ... إذا ما صليت النار بل أنت أبعد
هو القائد الداعي إلى النار لابثا ... ليوردنا منها ويتورد
فما لك في عذر وطاعة فاسق ... وما لك في نار صليت بها يد
وقال أيضا:
الحمد لله الذي لم يتخذ ... ولدا وقدر خلقه تقديرا
وأعوذ بالله العلي مكانه ... ذي العرش لم أعلم سواه مجيرا
من حر نار لا يفتر عنهم ... وهنا أعدت للظلوم مصيرا
فيها السلاسل والعذاب لمن طغى ... يدعون منها حسرة وثبورا
لا يسمعن حسيسها يا ربنا ... يوما نغيط شهقة وزفيرا
قد تأمرون القسط في أعمالهم ... لا يظلمون لذي الحساب نقيرا
فاغفر لي اللهم ذنبي كله ... أما أبيتك يوم ذاك فقيرا
وقال أيضا:
لك الحمد والمن رب العبا ... د وأنت المليك وأنت الحكم
أمرت بالإنسان من نطفة ... تخلق في البطن بعد الرحم
وإني أدين لكم إنكم ... سيصدقكم ربكم ما زعم
ولستم بأحسن صنعا ولا ... أشد قوى صلب من أدم

(1/147)


مصانع لقمان قد نالها ... لها ثلب طامحات المجم
إذا ما دخلت محاريبهم ... رأيت نصاراهم كالنعم
خلا وقد كان أربابها ... عتاق الوجوه حسان اللحم
ملوكا على أنهم سوقة ... ولا يدهم كظباء السلم
فغير ذلك ريب المنون ... والمرء ليس له مال يحتكم
وقال زهير بن أبي سلمى:
واعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وقال عدي بن زيد:
أين كسرى خير الملوك وأبو سا ... سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور
وأخو الخضر إذ بناه وإذ ... دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور
وقال لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف يدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
إذا المرء أسرى ليلة خال أنه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل
فقولا له إن كان يعقل أمره ... ألما يعظك الدهر أمك هابل
حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة بن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: إن أصدق بيت قاله الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وقال ابن أبي عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام إن سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال آخر:
أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل حال له آية ... تدل على أنه واحد
وقال أبو العتاهية:
سبحان ذي الملكوت أية ليلة ... مخضت صبيحته بيوم الموقف
لو أن عينا وهمتها نفسها ... يوم الحساب ممثلا لم يطرف
وإن هذا لمن أحسن كلام قيل في باب التخويف بلاغة في الوعظ وسلامة في اللفظ. وقد قال أبو نواس في باب الأطماع فقارب في هذا المعنى في الجودة وإن كان في الحقيقة ضده وهو قوله:
ساءك الدهر بشيء ... وبما سرك أكثر
يا كثير الذنب عفو ... الله من ذنبك أكبر
ولقد أحسن الذي يقول:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس أعذر
ومن أحسن ما أعرف في هذا المعنى قول محمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
وكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
فأما ما ذكرناه في هذا الباب من الأشعار الإسلامية فلا حاجة بنا إلى الاحتجاج به، ولا إلى الاعتذار منه. وأما ما حكيناه من الأشعار الجاهلية ففيها لعمري عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن تذكر وتدبر.

(1/148)


ولأمية بن أبي الصلت خاصة ليس لغيره من الشعراء عامة، وإن في تبينه الله عز وجل ما نبهه عليه وتعريفه إياه ما عرفه من عظمته، ودله عليه من قدرته، ثم في خذلانه له عن الانقياد إلى طاعته، والرجوع إلى شريعته، لدليلا بينا على أنه ليس لمخلوق مع الخالق أمر ولا اختيار، جل الله عما يقول الملحدون إن في شعر أمية طعنا على الدين من قبل أنه مواطن لبعض ما في القرآن، وموافق لكثير مما في شريعة الإسلام. قالوا: فهذا يدل على أن القرآن منه أجدر. ومن معانيه استخرج الله عز وجل تعالى عن قولهم علوا كبيرا. ولو ساعدهم التوفيق على فهم ما اعتقدوه، بل لو صدفهم الحياء عن قبح ما انتحلوه، ولاستحيوا عن ذكر ما ذكر أمية بن أبي الصلت، وإن كان جاهليا فقد أدرك الإسلام، ومدح النبي - صلى الله عليه - وذلك موجود في شعره، ومفهوم عند أهل الخبرة به. وكيف يتوهم لبيب أو يستخبر لبيب أن يهجر عليه عقله أو يحمل نفسه بدعوى ما يتهيأ تكذيبه فيه بأهون السعي من مخالفته، أم كيف يظن بالنبي - صلى الله عليه - أنه يأخذ المعاني من أمية وأمية يشهد بتصديقه، ويقر بكتابه، ويعزل نفسه عن التأخر بالدخول في ملته، وذلك موجود فيما ذكرناه من شعره وما لم نذكره.
وسنذكر بعض ما مدح به أمية النبي - صلى الله عليه - في بابه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
الباب الثاني والخمسون
ما مدح به أمية النبي
صلى الله عليه وسلم وما استشهد وأنشد بين يديه
حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: حدثنا علي بن محمد المدائني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أخي الزهري بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم وفد ربيعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي وكان نازلا فيهم: ما فعل؟ فقالوا: هلك يا رسول الله، فقال: والله لقد رأيته يوما بعكاظ وهو على جمل له أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا واسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تفور، ونجوم تمور، ثم بحور، أقسم قس قسما بالله وما أتم، إن لله دينا هو أرضى من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر ما أدري ما هي؟ فقال أبو بكر: أنا شاهد ذلك يا نبي الله فقال: أنشدها، فأنشأ أبو بكر - رضي الله عنه - يقول:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إليك ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لعائشة: " يا حميراء ما فعلت أبياتك " ؟ قالت: فكنت أقول: يا رسول الله قال الشاعر:
ارفع ضعيفك لا يحل بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزا
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم يا عائشة إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عبيده: " عبدي صنع إليك معروفا فهل شكرته؟ فيقول: يا رب علمت أنه منك فشكرت لك، فيقول: لم تشكرني إذا لم تشكر من أجريت ذلك علي يديه " .
ومع هذه الأبيات:
إن الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبلي واهيا رث القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنشدته عائشة الأربعة الأبيات فقال: قال لي جبريل - عليه السلام - : من آويته خيرا فذلك فقد كافى.
وروي في بعض الأخبار أن ضرار بن الأزور الأسدي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال:
تركت الخمور وضرب القداح ... واللهو تضربه وابتهالا
وكزي المخبر في عمره ... وشدي عن المشركين القتالا
فيا رب لا أعتبر صفقتي ... فقد بعت أهلي ومالي بدالا

(1/149)


فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غبنت صفقتك يا ضرار.
وروي أن النابغة الجعدي أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم - :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول الله. قال: لا يفضض الله فاك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد:
إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال: ذاك أبعد من الله ورسوله والوجه في هذا والله أعلم أن افتخاره بأنه لا من ربيعة ولا من مضر هو الذي أوجب له الذم والتباعد من الله عز وجل ورسوله عليه السلام لا أن كونه من حمير موجب لذلك.
والذي يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده واستنشده أكثر من ذاك. وقد روي عن ابن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته مائة قافية لامية فقال: إن كان ليسلم ماذا كان قد أنشد النبي صلى الله عليه وسلم من شعر رجل واحد مقدار ما حددناه نحن للباب فكيف يتهيء لنا استيعاب ما استنشده وما مدح به في باب غير أن الاستقصاء أصلح من طلب الغاية بالتطويل والإكثار ونحن الآن نذكر طرفا مما مدح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رثي به بعد وفاته. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه يرثي رسول الله صلى الله عليه:
أمست تأوبني هموم جمة ... مثل الصخور قد أمست هدت الجسدا
ليت القيامة قامت عند مهلكه ... كي لا نرى بعده مالا ولا ولدا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرثيه:
ما زلت مذ وضع الفراش لجسمه ... وثوى مريضا خائفا أتوقع
شفقا عليه أن يزول مكانه ... عنا فنبقى بعده نتفجع
نفسي فداؤك من لنا في أمرنا ... أمن نشاوره إذا نتوجع
وإذا تحل بنا الحوادث من لنا ... بالوحي من رب سميع نسمع
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرثيه:
أمن بعد تكفيني النبي ودفنه ... بأثوابه آسى على هالك نوى
رزينا رسول الله فينا فلن نرى ... بذلك عدلا ما حيينا من الردى
وكان لنا كالحصن من دون أهله ... لهم معقل فينا حريز من العدى
وكنا برؤياه نرى النور والهدى ... صباح مساء راح فينا أو اغتدى
فقد غشيتنا ظلمة بعد موته ... نهارا فقد زادت على ظلمة الدجى
فيا خير من صم الجوانح والحشا ... ويا خير ميت ضمه الترب والثرى
كأن أمور الناس بعدك ضمنت ... سفينة نوح البحر والبحر قد سما
فضاق فضاء الأرض عنهم برحبه ... لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى
فقد نزلت بالمسلمين مصيبة ... كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا
فإن يستقل الناس تلك مصيبة ... ولن يجبر العظم الكسير إذا وهى
وفي كل وقت للصلاة يهيجه ... بلال ويدعو باسمه كلما دعا
ويطلب أقوام مواريث هالك ... ولله ميراث النبوة والهدى
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام:
ألا طرق الناعي بليل فراعني ... وأرقني لما استقل مناديا
فقلت له لما رأيت الذي أتى ... أغير رسول الله إن كنت ناعيا
فحقق ما أشفقت منه ولم تبل ... وكان خليلي غريا وجماليا
فوالله ما أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزت واديا
وكنت متى أهبط من الأرض تلعة ... أرى أثرا منه جديدا وباليا
شديد جرى في الصدر نهد مصدر ... هو الموت مغدوا عليه وغاديا
وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثيه عليه السلام:
طال ليلي أسعدنني أخواتي ... ليس ميتي كسائر الأموات
ليس ميتي من مات في النا ... س ولا كان مثله في الحياة
طال ليلي لنكبة قطعتني ... لا أرى مثلها من النكبات
وقالت صفية:
ما لعيني لا تجودان ريا ... قد رزينا خير البرية حيا
يوم نادى إلى الصلاة بلال ... فبكينا بعد النداء مليا
كل يوم أصبحت فيه ثقيلا ... لا ترد الجواب منك إليا
لم أجد قبلها ولست بلاق ... بعدها غصة أمر عليا

(1/150)


وحمان الشيخ منحدر في عار ... ضيه كالمسك فاح ذكيا
وهي في الصدر قد تساق حثيثا ... ومن الوقت عند ذاك هويا
ليت يومي يكون قبلك يوما ... أنضج القلب للحرارة كيا
خلقا عاليا ودينا كريما ... وصراطا تهدي به مستويا
وسراجا يهدي الظلام منيرا ... ونبيا مسودا عربيا
حازما عازما حليما كريما ... عايدا بالنوال برا تقيا
إن يوما أتى عليك ليوم ... كدرت شمسه وكان جليا
فعليك السلام منا ومن ربك ... بالروح بكرة وعشيا
وقال أبو سفيان بن الحارث:
أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول
فقد عظمت مصيبته وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول
فكل الناس منقطعين فيها ... كأن الناس ليس لهم حويل
كأن الناس إذ فقدوه عميا ... أضر بلب حارمهم عليل
نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل
يخبرنا بظهر الغيب عما ... يكون فلا يجور ولا يحول
ولم تر مثله في الناس حيا ... وليس له من الموتى عديل
أفاطم إن جزعت فذاك عذرا ... وإن لم تجزعي فهو السبيل
فعودي بالعزاء فإن فيه ... ثواب الله والفصل الجزيل
وقولي في أبيك ولا تملي ... وهل يخزي بفعل أبيك قيل
فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول
وقال كعب بن مالك:
ونائحة حرى تحرق بالبكا ... وتلطم منها خدها والمقلدا
على هالك بعد النبي محمد ... ولو عقلت لم تبك إلا محمدا
فجعنا بخير الناس حيا وميتا ... وأدناه من أهل السموات مقعدا
وأعظمه فقدا على كل مسلم ... وأعظمهم في الناس كلهم يدا
إذا كان منه القول كان موفقا ... وإن كان حيا كان نورا مجددا
وقد وازنت أخلاقه المجد والتقى ... فلن تلقه إلا رشيدا ومرشدا
وقال عمرو بن سالم الخزاعي:
لعمري لئن جادت دموعي بالبكا ... لمحقوقة أن تستهل وتدمعا
أبا حفص إن الأمر جل عن البكا ... غداة نعى الناعي النبي فأسمعا
فلم أر يوما كان أعظم حادثا ... ولم أر يوما كان أكثر موجعا
فوالله لا أنساك ما دمت ذاكرا ... لشيء وما قلبت كفا وإصبعا
إذا ذكرت نفسي فراق محمد ... تهيج حزني عند ذلك أجمعا
وقال الزبرقان بن بدر:
آليت لا آسي على هالك ... بعد نبي الله خير الأنام
بعد النبي كان لنا هاديا ... من حيرة كانت وبدر الظلام
يا مبلغ الأخيار عن ربه ... فينا ويا محيي ليل التمام
فاستأثر الله به إذ وفى ... أيامه عند حضور الحمام
وأي قوم أدركوا غبطة ... دامت لهم من آل حام وسام
وقال حسان بن ثابت:
إن الرزية لا رزية مثلها ... ميت بطيبة مثله لم يفقد
فلقد أصيب جميع أمته به ... من كان مولودا ومن لم يولد
والناس كلهم لما قد عالهم ... ترجو شفاعته بذاك المشهد
حتى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيه موسى النبي المهتدي
متواضعين لربهم بفعالهم ... تلك الفضيلة واجتماع السؤدد
يا خير من شد المطية نحوه ... وفد لحاجته تروح وتغتدي
أنت الذي استنقذتنا من حفرة ... من يهو فيها من قواه يبعد
وهديتنا بعد الضلالة والردى ... فهدى الإله إلى السبيل الرشد
فجزاك عنا الله خير جزئه ... بمقام محمود المقام مسود
وقال أمية يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أبيات اخترناها، وقد ذكرنا بعض القصيدة في الباب الماضي وإنما أردنا هذه الأبيات من هذا الباب لندل على جهل من حكينا قوله في الباب الذي قبله:
محمدا أرسله بالهدى ... فعاش غنيا ولم يهتضم
عطاء من الله أعطيته ... وخص به الله أهل الحرم
وقد علموا أنه خيرهم ... وفي بيتهم ذي الندى والكرم

(1/151)


نبي الهدى طيب صادق ... رحيم رؤوف بوصل الرحم
به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبي ختم
يموت كما مات من قد مضى ... يرد إلى الله باري النسم
مع الأنبياء في جنان الخلود ... هم أهلها غير حل القسم
وقال حسان بن ثابت:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ارتفع البلاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظا وأصحه معنى ولا أعرف بعده في الأنصاف غاية، ولا أقل منه في الاختصار نهاية. ومن أشبه شيء به قصة عبد الله ابن رواحه حين تظلمت اليهود من خرصه عليهم بخيبر فقال: إن شئتم أخذتموه بخرصي، وأعطيتموني ما يجب، وإن شئتم أخذتموه بما خرصته وقاسمتكم فأعطيتكم حقكم منه على ذلك. فقالت اليهود: هذا والله الحق، بهذا قامت السموات. وهذا المعنى الذي اختاره حسان رحمه الله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهو الاختيار في مثله، لأن من استعار وصفه بغاية ما يستحقه، والاقتصار من مدحه على ما لا يتهيأ للخصم دفعه أولى من غيره، وبما عسى أن يمدح النبي صلى الله عليه فيكون مستوعبا لفضله، ومقارنا لوضعه. وكل ما مدح فإنما يجري إلى منتهى عمله. وفضله صلى الله عليه، يحل عن أن تدركه الخواطر والأفكار ويكبر عن أن تحيط بجمعه الروايات والأخبار صلى الله عليه وعلى أصحابه وآله المنتجبين صلاة تبلغه رضاه، وتتجاوز به إلى أن يقصر عنه مناه. وعليه وعليهم السلام ورحمة الله.
الباب الثالث والخمسون
ذكر
ما قاله شعراء الإسلام في أهل بيت النبي
عليه السلام.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يرثي عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما:
أتاني أن هندا خل ضخم ... دعت دركا وبشرت الهنودا
فإن تفخر بحمزة يوم ولى ... مع الشهداء محتسبا شهيدا
فإنا قد قتلنا يوم بدر ... أبا جهل وعتبة والوليدا
وشيبة قد تركنا يوم أحد ... على أثوابه علقا حشيدا
وثوى من جهنم شر دار ... عليه ولم يحد عنها محيدا
فما سيان من هو في جحيم ... يكون شرابه فيها صديدا
ومن هو في الجنان يدر فيها ... عليه الرزق مغتبطا حميدا
وقال أمير المؤمنين علي أيضا يرثيه رضي الله عنهما:
رأيت المشركين بغوا علينا ... ولجوا في الرديدة والضلال
وقالوا نحن أكثر إذ تقونا ... غداة الروع بالأسل النهال
فإن يبغوا ويفتخروا علينا ... بحمزة فهو في الغرف العوالي
فقد أودى بعتبة يوم بدر ... وقد أبلى وجاهد غير آل
وقد غادرت كبشهم جهارا ... بحمد الله طلحة في المجال
فخر لوجهه ورفعت عنه ... رقي الحد جود بالصقال
وقال حسان بن ثابت يرثيه رضي الله عنهما:
هل تعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب المسبل الهاطل
سألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل
دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النائل
واللابس الخيل إذا أحجمت ... كالليث في غاباته الباسل
أبيض في الذروة من هاشم ... لم يمردون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشي من قاتل
أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود لون القمر الناصل
صلى عليك الله في جنة ... عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة ذخرا لنا ... من كل أمر نالنا نازل
وكان في الإسلام ذا تدراء ... لم يك بالواني ولا الخاذل
لا تفرحي يا هند واستحملي ... دمعا وأذري عبرة الثاكل
وابكي على شيبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الكاهل
إذ مال في مشيخة منكم ... في كل عات قلبه جاهل
نقلتم حمزة في عصبة ... تمشون تحت الحلق الفاصل

(1/152)


غداة جبريل وزيرا له ... نعم وزير الفارس الحامل
وقال حسان يرثي جعفرا ومن قتل معه - رضي الله عنهم - :
تأوبني هم بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لك عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
غداة مضى بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
فطاعن حتى مال في غير موسد ... لمعترك فيه القنا يتكسر
وكنا نرى في جعفر ومحمد ... وقارا وأمرا حازما حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يرام ومفخر
وهم جبل الإسلام والناس حولهم ... ركام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمة ... علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تقدح اللأواء في كل معرك ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
وقال آخر:
أحب عليا وأبناءه ... ولا أصرف الحب عن جعفر
وحمزة مني له شعبة ... من الحب صادقة المكسر
وفاز أبو الفضل عم الر ... سول بالحب مني وبالأوفر
عرانين زندهم ثاقب ... وعودهم طيب المكسر
إذا انتسبوا نسبوا في القد ... يم إلى العز والعدد الأكثر
كفاك بهم وبأبنائهم ... لدينك في الناس من معشر
أحبهم للذي خصهم ... إله السموات بالكوثر
وقال آخر:
هل لقريش كلها صادقا ... والحق من جاوزه أبطلا
إن تعرفوا فضل بني هاشم ... نعرف لكم فضلا وإلا فلا
إن قلتم بالمصطفى فضلنا ... فقدرهم قبلكم أولا
فأيهم أولى به منكم ... بذلك الحكم أتى منزلا
وقال دعبل بن علي:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالبيت والتجمير والعرفات
ديار علي والحسين وجعفر ... وحمزة والسجاد ذي الثفنات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها ... متى عهدها بالصوم والصلوات
وابن الأولى شطت بهم غربة النوى ... أفانين في الآفاق مفترقات
بنفسي أنتم من كهول وفتية ... لفك عناة أو لحمل ديات
أحب قصي الرحم من أجل حبكم ... وأهجر فيكم زوجتي وبناتي
وما الناس إلا غاضب ومكذب ... ومضطغن ذو حنة وترات
ويروى أن زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء فقالت:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي عند مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وقال سليمان بن قتة مولى بني مدكور يوم الحسين رضي الله عنه:
مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها كعهدها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت
وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وحلت
وإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت
وقال منصور بن سلمة:
بنو بني الله يغدون في ... خوف ويغدو الناس في أمن
أمنهم ذا وهم جهرة ... من بين هذا الأنس والجن
لو أنهم أولاد فرعون أو ... هامان ما زادوا وهم ظبي
نالت علي بن أبي طالب ... منهم يد لم تدر ما تجني
من يك ذا ضغن على والد ... بطالب الأولاد بالطعن
أحقاد بدر طالبتها العدى ... من أهل بيت الرجس واللعن
لا يبعد الله ثوى عصبة ... من هاشم أفناهم المفتي
ما قتلوا إلا وقد اغدرت ... أيديهم بالضرب والطعن
وقال أيضا:

(1/153)


ولد النبي ومن أحبهم ... يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود وهم ... من أمة التوحيد في الأزل
وقال أيضا:
أريق دم الحسين ولم يراعوا ... وفي الأحياء أموات العقول
ألا يأبى جبينك من جبين ... جرى دمه على خد أسيل
فؤادك والسلو فإن قلبي ... سبايا إن تعود إلى ذهول
وقد شرقت رماح بني زياد ... تروى من دماء بني الرسول
أنشدني محمد بن الخطاب لنفسه في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
هو الذي أودى وليدا ... في الوغى وشيبه جرعه
أنشدني محمد قال: أنشدني بعض النصارى لنفسه:
عدي وتيم لا أحاول ذكرها ... بسوء ولكنني محب لهاشم
وهل يعتريني في علي ورهطه ... إذا لم أخف في الله لومة لائم
يقولون ما بال النصارى تحبه ... وأهل النهى من مغرب وأعاجم
فقلت لهم إني لأحسب حبه ... طواه إلهي في صدور البهائم
ولم نذكر شعر النصارى في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه افتقارا إليه ولا اتكالا في فضائلهم عليه، ولكن أردنا أن ننبه على من قصدهم من أهل ملتهم الذي أوجبه عليه لهم في قوله تبارك وتعالى في محكم كتابه: )قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى( ولو أن الله جل ثناؤه أجاز سفك دمائهم رضوان الله عليهم، واعتقاد عداوتهم نصا في محكم التنزيل مكان ما أنزله في الحض على مودتهم لما زاد المعاندون على ما فعلوا بهم بل قد أنزل الله في قتل المشركين، فما أتتك من حريمهم، ولا سبي نسائهم، ولا ذبح أطفالهم ولا قتل ساداتهم، ولا شردوا عن أوطانهم، ولا أخيفوا في مأمنهم ولا استفرع المجهود في مكارههم. وقد فعل ذلك كله بآل رسول الله صلى الله عليه، ولعمري ما رجع ضرر ذلك إلا على من فعله، ولا احتقب الوزر فيه إلا الذي ارتكبه. وعند الله المجازاة للمظلومين، والانتصاف لهم من المعتدين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وذكروا أنه لما وجه معاوية زيد بن أرطأة في طلب شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام. هرب منه عبيد الله بن العباس فوجد ابنين له صغارا فقتلهما، ففي ذلك تقول أمهما:
يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بنيي اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الأمر الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الظلم والسرف
من ذا رأى أنني حرى مفجعة ... على صبيين ضاعا إذ مضى السلف
ثم اجتمع بسر وعبد الله عند معاوية بعد ذلك فقال له عبيد الله: أهو الشيخ قاتل الصبيين، والله لوددت أن الأرض أخرجتني عندك. قال: فقد أخرجتك الساعة فمه. فقال: والله لو أن معي سيفي، فقال: هاك سيفك وأهوى بيده ليناوله سيفه فقال له معاوية: أف لك من شيخ. ما أجهلك تجيء إلى رجل قد قتلت ابنه فتعطيه سيفك كأنك لم تعرف أكباد بني هاشم، أما والله لو بدأ بك ثم لثنى بي. فقال عبيد الله لمعاوية: لا والله لبدأت بك ثم لثنيت به، وقال إبراهيم ابن عبد الله بن الحسين يرثي أخاه محمد بن عبد الله عندما قتله عيسى بن موسى بن محمد في المعركة:
أبا المنازل يا خير الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم ... وأوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم تسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعا أو نموت معا
ولبعض المحدثين يخاطب بعض قتلة الطالبيين:
قتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلام
وعز علي أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام
ولكن الجناح إذا أصيبت ... قوادمه ترف على الأكام
الباب الرابع والخمسون
مراثي الملوك والسادات
وأهل الفضل والرئاسات

(1/154)


حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني محمد بن الفضل بن العباس قال: خرج الغريض ومعبد حتى إذا كانا على الثنية الذي تشرف بهم على مكة فقال الغريض لمعبد: لك كل من كان بها من أهل المدينة فاندفع يغني راكبا نحو المدينة:
يا راكبا نحو المدينة جرة ... أجدا تنازع حلقة وزماما
أقرأ على أهل البقيع من أمري ... عمد على أهل البقيع سلاما
كم غيبوا فيه كريما ماجدا ... كهلا ومقتبل الشباب غلاما
ونفيسة في أهلها مزكوة ... جمعت صباحة جثة وثماما
فسمعت البكاء من سطوح مكة من ها هنا ومن ها هنا من كان بها أم كان من أهل المدينة. فاندفع يتغنى:
أسعداني بعبرة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب
إن أهل الخضاب قد تركوني ... موزعا مولعا بأهل الخضاب
سكنوا الجزع جزع بنت أبي مو ... سى إلى النخل من صفي السياب
سكنوا بعد غبطة ورجاء ... وسرور بالعيش تحت التراب
كم بذاك الحجون من حي صدق ... وكهول أعفة وشباب
فارقوني وقد علمت يقينا ... ما لمن مات ميتة من إياب
أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الموت بعدهم من عتاب
فلي اليوم بعدهم وعليهم ... صرت فردا وملني أصحابي
قال: فما بقيت دار إلا سمعنا فيها الصراخ يصرخون حتى اصطبحوا.
وقال زهير بن أبي سلمى يرثي النعمان بن المنذر بن ماء السماء، وكان سبب زوال ملكه فيما بلغنا أنه قتل عدي بن زيد العبادي، وكان النعمان قد ضم زيد بن عدي إلى بعض أصحاب كسرى، فنشأ زيد ولم يزل يتوصل إلى كسرى حتى استكتبه فقال زيد لكسرى: لم يبق على الملك إلا أن يتزوج إلى العرب فقال لكسرى وهل يأتي على ذلك أحد؟ فقال: أيها الملك إن العرب يشق عليها أن يتزوج إليها غير عربي، ولكن النعمان عاملك، فلو كتبت إليه في ذلك. فكتب إليه، فكتب النعمان يدعو الملك للزواج من بنات عمه اللاتي كأنهن المها ويخطب ....... فقال كسرى لزيد: ما يقول النعمان؟ فقال: يقول على الملك ببنات عمه اللاتي يتشبهن بالبقر، وأوهمه أن هذا على جهة العيب والبغيضة. فغضب كسرى، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. فجزع النعمان من ذلك، وخاف أن يكون إشخاصه إياه لمكروه يريده به، فجمع أقاربه وعشائره وشاورهم في أمره فقال له ذوو الرأي منهم: لا طاقة له بمغالبته وعصيانه ونحن بين يديك، فأجمع على الشخوص إليه. فلما كان بساباط تلقاه زيد بن عدي. فقال له: انج نعيم. يصغره بذلك ويحقره. فقال له: أنت تقول هذا يا زيد، والله لئن رجعت لألحقنك بأبيك، فقال: انج نعيم فوالله لقد ضربت لك أخية لا يقطعها إلا المهر الأرن، فسار حتى أتى كسرى، فوجه به إلى خانقين فيقال انه لم يزل محبوسا حتى هلك. ويقال أنه كان في محبسه يسأل زيدا الصفح عن جرمه والسعي في تخليصه فيقول صار فلم يرجع، فإما أن يرده وإما أن يلحق به، ففي أمر النعم يقول زهير:
أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا
ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن أمرا كان ناجيا
فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوما واحدا كان عاديا
فلم أر مسلوبا له مثل ملكه ... أقل صديقا كافيا ومواسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا
سوى أن حيا من رواحة حافظوا ... وكانوا زمانا يكرهون المجازيا
فقال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودعهم توديع أن لا تلاقيا
وقال الذبياني:
لا يهنئ الناس ما يرعون من كلأ ... وما يسوقون من أهل ومن مال
بعد ابن عاتكة الثاوي ببلقعة ... أمسى ببلدة لا عم ولا خال
حسب الخليلين نأي الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بال
وقال رجل من طي:
لعمري لقد أردوك غير مؤمل ... ولا معلق باب السماحة بالعذر
سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
وقال آخر:

(1/155)


فتى كان مكراما لنفس كريمة ... مهيبا لدنيا غير مأمونة العذر
وكان لأحداث المنايا ذخيرة ... فليس لها من بعده اليوم من ذخر
وقال الخريمي:
وما شاب حتى شاد للمجد بيته ... وحتى اكتسى ثوبي جمال وسؤدد
لذكراك أحلى في الفؤاد وفي الحشا ... من الشهد بالعذب الزلال المبرد
على أن بين السحر والنحر جمرة ... متى ما أهيجها بذكراك توقد
فقدتك فقد الطفل أما حفية ... على صرع منه وحدثان مولد
دعاها فلما استجمعت من دعائه ... أجال على ثدي لأخرى مجدد
فأنكره فارتاع يلمس أمه ... وبات له ليل السليم المسهد
وقال مطيع بن أياس:
أقول للموت حين نازله ... والموت مقدامه على البهم
لو قد تدبرت ما صنعت به ... عضضت كفا عليه من ندم
فاذهب بما شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى للرزء من ألم
وقال آخر:
أودى محمد المؤمل والذي ... شلت بمصرعه يد المعروف
من بعد ما أفنى المنى بكماله ... وحوى فضيلة فعل كل شريف
قتلته عين العجب نيط بها العمى ... والدهر يأتي كرة بصروف
أمسى يكبد نفسه فكأنه ... قمر تغشاه الدجى بكسوف
ومشى البلى في جسمه فكأنه ... ورد قطيف مؤذن بحفوف
لو شئت لا شئت العزاء لنبهت ... بالوجد عني لوعتي ونحوفي
بأبي أهنت علي كل رزية ... وأطلت في كدر الحياة وقوفي
وقال آخر:
لهفي عليك للهفة من خائف ... كنت المجير لها وليس مجير
أما القبور فلا تزال أنيسة ... بجوار قبرك والديار قبور
جلت مصيبته فعم مصابه ... والناس كلهم به مأجور
والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير
تجري عليك دموع من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير
ردت مكارمه عليه حياته ... وكأنه من نشرها منشور
وقد أخذ الطائي في هذا المعنى بلطف في قوله أنشدنا أحمد بن أبي طاهر عنه:
محمد بن حميد أخلقت رممه ... هريق ماء المعالي مذ هريق دمه
رأيته بنجاد السيف محتبيا ... في اليوم كالبدر حلت وجهه ظلمه
في روضة قد علا ساحاتها زهرا ... أيقنت بعد انتباهي أنها نعمه
فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في النوم قد أخذ الخدين منسجمه
ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمن ... فقال لي لم تمت من لم يمت كرمه
وقال آخر:
مضى فمضت عيني به كل لذة ... تقر بها عيناي وانقطعا معا
دفعنا بك الأقدار حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا
وقال آخر:
غدا ناعيك يوم غدا بخطب ... يبث الشيب في رأس الوليد
وتقعد قائما يشجى حشاه ... ويطلق للقيام حبى القعود
وأضحت خشعا منه نزار ... مركبة الرواجب في الخدود
وقال معن بن زائدة في يزيد بن عمرو بن هبيرة:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بما في دمعها لجمود
لفقد أخ كان الإخاء إخاءه ... إذا عد أو خان الودود ودود
على ذكر قيس الخافقين وخندف ... أغر له الغر الكرام وفود
فلم أنسه إذ خندق الموت حوله ... عليه من الحتف المطل حدود
فقيل له اقذف بالحياة وانجها ... وثابا له طوع الفراق حدود
فقاتل حتى أعذر الحي منهم ... وقام له بالعذر ثم شهود
وفل الحسام العضب الأسمر الذي ... بناه وظل الطرف وهو تليد
كأنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب فقيد
وقال آخر:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد ميت ... يموت لموته بشر كثير
وقال:

(1/156)


عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وقال آخر:
أحقا عباد الله أن لست رائيا ... عمارة طول الدهر إلا توهما
فأقسم ما حشمته من ملمة ... تؤود كرام القوم إلا تجشما
ولا قلت مهلا وهو غضبان قد علا ... من الغيظ وسط القوم إلا تبسما
وقال النمر بن تولب:
أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن شر الأعادي فأظهروا ... شماتا لقد مروا بربعك خاليا
فإن تك أفنته الليالي وأوشكت ... فإن له مجدا سيفنى اللياليا
وقال آخر وأحسبه لبيدا:
لعمري لئن كان المخبر صادقا ... لقد رزئت في سالف الدهر جعفر
أخا كان أما كل شيء سألته ... فيعطي وأما كل ذنب فيعفر
وقال حارثة بن بدر يرثي زيادا:
صلى الإله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفى فوقه المور
زفت إليه قريش نعش سيدها ... فالجود والحزم فيه اليوم مقبور
أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإن من غر بالدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير
وكنت تسعى وتعطي المال من سعة ... إن كان بابك أضحى وهو مهجور
والناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير
وقال آخر يرثي معن بن زائدة:
ألما على معن فقولا لقبره ... سقيت العوادي مربعا ثم مربعا
أحين ثوى معن ثوى الجود والندى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
أيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما السيل أضحى بعد مجراه مرتعا
وقال آخر:
تولى سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح
كأن لم يمت حي سواك ولم يقم ... على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
وقال إبراهيم بن هشام يرثي عمرو بن جري:
ولو كان البكاء يرد حقا ... على قدر الرزايا بالعباد
لكان بكاك بعد أبي حوي ... يقل ولو جرى بدم الفؤاد
مضى وأقام ما دجت الليالي ... له مجد يجل عن المقاد
وقال آخر:
فلله جاري اللذان هما ... قريبين مني والمزار بعيد
مقيمان بالبيداء لا يبرحانها ... ولا يسألان الركب أين تريد
هما تركا عيني لا ماء فيهما ... وشكا فؤاد القلب وهو عميد
وبلغنا أنه كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان فقال يا ابن من تلحن أمه ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك عليه فيه، ورد كلمته وقال: يا أبا عبد الملك أخوك وابن أبيك وله السن عليك، فقال أبا حفص قتلتني، قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر، ومال لجنبه فمات وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه يزيد بن عبد الملك:
أبا خالد فارقت مروان عن رضى ... وكان يزين الأرض أن تنزلا معا
نسير فلا مروان للحي إن شتوا ... ولا الركب إن أمسوا مخفين جوعا
الباب الخامس والخمسون
نوح الأهل والإخوان على من فقدوه من الشجعان
أنشد أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤه عذر
إلا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
فتى كل ما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر

(1/157)


فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إن فاته النصر
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
وقد كان قرب الموت سهلا فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنه ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
وأنى لهم صبر عليه وقد مضى ... إلى الموت حتى استشهدا هو والصبر
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يكون به كبر
فتى سلبته الخيل وهو حمى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر
وقد كانت البيض المآثر في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به ممن يحب به الدهر
لئن غدرت في الروع أيامه به ... لما زالت الأيام شيمتها الغدر
لئن ألبست فيه المنية طيئا ... لما عريت منه تميم ولا بكر
كذلك ما ننفك تفقد هالكا ... يشاركنا في فقده البدو والحضر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
مضى طاهر الأثواب لم يبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفا فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر
وقالت امرأة من كندة في أخوتها:
أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ... فماتوا وأطراف القنا تقطر الدما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... بجيشان من أسباب مجد تصرما
أنشدنا أحمد لأبي تمام:
بأبي وغير أبي وذاك قليل ... ثاو عليه ثرى النياح مهيل
خذلته أسرته كأن سراتهم ... جهلوا بأن الخاذل المخذول
أكلال أشلال الفوارس بالقنا ... أضحى بهن وشلوه مكلول
كفي فقتل محمد لي شاهد ... إن العزيز مع القضاء ذليل
أنسى أبا نصر نسيت إذن يدي ... في حيث ينتصر الفتى وينيل
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
للسيف بعدك حرقة وعويل ... وعليك من وجد التليد غليل
إن طال يومك في الوغى فلقد ترى ... فيه ويوم الهام منك طويل
يا يوم قحطبة لقد أبقيت لي ... حرقا أرى أيامها ستطول
ليث لو أن الليث قام مقامه ... لانصاع وهو يراعة إجفيل
لما رأى جمعا قليلا في الوغى ... وأولو الحفاظ من القليل قليل
لاقى الكريهة وهو مغمد روعه ... فيها ولكن سيفه مسلول
ومشى إلى الموت الزؤام كأنما ... هو من سهولته عليه دخيل
ما زال ذاك الصبر وهو عليكم ... بالموت في ظل السيوف كفيل
مستبسلون كأنما مهجاتكم ... ليست لكم إلا غداة تسيل
ألفوا المنايا والقتيل لديهم ... من أن يخلي العيش وهو قتيل
إن كان ريب الدهر أثكلنيكم ... فالدهر أيضا ميت مثكول
وأنشدني بعض الأدباء:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وأنشدني ابن أبي طاهر لأبي تمام:
لو فر سيف من العيوق منطلقا ... ما كان إلا على هاماتهم يقع
يود أعداؤهم لو أنهم قتلوا ... وأنهم صنعوا مثل الذي صنعوا
ويضحك الدهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من حسنها جمع
من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضيغما في شدقها سبع
فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع

(1/158)


لا غرو إن قتلوا صبرا وإن جزعوا ... والقتل للصبر في حكم الفتى جزع
وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
ألا ما لعينك أم ما لها ... لقد أخضل الدمع سربالها
فأقسمت أأسى على هالك ... وأسأل باكية ما لها
وخيل تكدس مشى الوعو ... ل نازلت بالسيف أبطالها
بمعترك بينهم ضيق ... تجر المنية أذيالها
تقابلها فإذا أدبرت ... بللت من الطعن أكفالها
ومحصنة من بنات الملو ... ك قعقعت بالرمح خلخالها
فإن تك مرة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها
أنشدنا أحمد بن أبي طاهر لأبي تمام قالت الخنساء:
اذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... تراك ضيم وطلاب بأوتار
قد كنت تحمل قلبا ليس مؤتسيا ... مركبا من نصاب غير خوار
مثل السنان كضوء البدر صورته ... جلد المريرة حر وابن أحرار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة ... وما أضاء نجوم الليل للساري
أبلغ خفافا وعوفا غير مقصرة ... عميمة من نداء غير أسرار
شدوا المآزر حتى تستقاد لكم ... وشمروا إنها أيام تشمار
وأبكى فتى البأس لاقته منيته ... وكل نفس إلى وقت ومقدار
كأنهم يوم راموه بجمعهم ... راموا الشكيمة من ذي لبدة ضار
متى تفرجت الآلاف عن رجل ... ماض على الهول هاد غير مختار
تجيش منه فويق الثدي من يده ... معايد من نجيع الجوف فوار
لو منكم كان فينا لم ينل أبدا ... حتى تلاقوا أمورا ذات آثار
أعني الذين إليهم كان منزلة ... هل تعلمون ذمام الضيف والجار
خفاف بن ندبة وعوف هذان اللذان عاتبتهما من الفرسان المعدودين وكانا مع صخر فهربا عنه، وقد أدرك خفافا الإسلام فأسلم، وشعر الخنساء هذا من أجود الشعر لفظا وأحسنه معنى، ألا ترى إلى اعتذارها من قتله أنه لم يقتله رجل مثله، وإنما تفرجت الألف عنه وحده، ثم أبى معاينتها من فزعته واستنهاضها الشجعان لاستغاثة النسوان، وقد كانت الخنساء من أحسن أهل زمانها، ثم رزئت أخاها معاوية ثم عمرو، فلم تزل تبكيه وتحسن القول في مراثيه حتى رزئت أخاها صخرا بعده، قد رزئتها المصايب، وهذبت شعرها النوائب، وقل من ناله من الجزع مثل ما نالها، لقد بلغني أن أخوتها أن استعدوا عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تبكي عليه فإنه من أهل النار. قالت ذلك أعظم لحزني عليه، وبلغني عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: دعوها فكل ذي شجو تبكي شجوه وهذا الذي اعتذرت به لأخيها من قبله هو من أحسن ما تهيأ الاعتذار به اعتذرت بالمقدار الذي لا شيء يجاوز مثله، ولا أحد يخرج عن قبضته ثم لم تقتصر عليه وحده حتى وضعت كثرة المؤازرين على قبله.
وما قصر أبو تمام فيما ذكرناه، وما نذكره إن شاء الله من اعتذاره لمن يرثيه ...... للقتل ...... للصبر على الفرار من اللقاء، والجزع عند معاينة الأكفاء، وأحسب أن أبا تمام كان معجبا بهذا المعنى الذي قد وقع له فلذلك كان كثيرا ما يردده. وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
إن ينتخل حدثان الموت أنفسكم ... ويسلم الناس بين السر والعطن
فالماء ليس عجيبا أن أعذبه ... يفنى ويمتد عمر الآجن الآسن
رزء على طيء ألقى كلاكله ... لا بل على أزد لا بل على اليمن
لم يثكلوا ليث حرب مثل محطبة ... من بعد قحطبة في سالف الزمن
إلا تكن صهرت عن منظر حسن ... منه فقد صدرت عن مسمع حسن
رأى المنايا خيالات النفوس ولم ... تسكن سوى المنية العليا إلى سكن
لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا ... لمات لو لم يمت من شدة الحزن

(1/159)


أما صدر الكلام فحسن، وأما البيت الأخير ففيه إفراط شديد، ومعنى ليس بالعذب، ولا بالشديد، وذلك أن الشجاع إنما يؤثر الموت على الفرار خوفا لما يلحقه من العار، فإنما إيثاره قتل الأعداء له على قتله لهم، وظفرهم به وبقومه على ظفره بهم وبقومهم. فهذا يخرج عن حد الشجاعة، ويدخل في حد الرقاعة، وليس ينبغي لكل من تمكن من معنى، وتسهل له نظمه أن ينظمه في شعره، ويحتمل ما يدخل فيه من المجال، رغبة في التوفيق في الحال، وطلب التوسط والاعتدال، خير على كل حال، لأنه لا يخرج عن حد التقصير والإخلال، ولا يبلغ بصاحبه إلى درجة المحال.
قالت بنت بدر ترثي الزبير بن العوام:
غد ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
وكان قتل الزبير فيما بلغنا أنه لما انصرف عن البصرة تبعه ابن جرموز فعطف عليه الزبير فقال له: نشدتك بالله فكف عنه، فلما جاوزه تبعه فلما عطف عليه الزبير رحمه الله ناشده فكف عنه، فلما صار على قريب من فرسخين من البصرة نام فضربه بن جرموز مغتالا، فقال: ما له قاتله الله يذكرني بالله ثم ينساه فأخذ رأسه وصار به إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال للآذن ائذن له، وبشره بالنار، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار فقال ابن جرموز:
أتيت عليا برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفة
فبشر بالنار قبل العيا ... ن فبئس بشارة ذي التحفة
فسيان عندي رأس الزبير ... وضرطة عنز بذي الجحفة
أنشدنا ابن أبي طاهر:
دموع أجابت داعي الحزن هجع ... توصل منا عن قلوب تقطع
عفاء على الدنيا طويل فإنها ... تفرق من حيث ابتدت تتجمع
ولما قضى ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الموت ما يتوقع
غدا ليس يدري كيف يصنع معدم ... درى دمعه من وجده كيف يصنع
وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثوى ... به ما يقال للسحابة تقلع
ألم تك ترعانا من الدهر إن سطا ... وتحفظ من آمالنا ما نضيع
وتربط جأشا والكماة قلوبهم ... تزعزع خوفا من فتى يتزعزع
فأنطق فيه حامد وهو مفحم ... وأفحم فيه حاسد وهو مصقع
وقال البحتري:
قبور بأطراف الثغور كأنها ... مواقعها منها مواقع أنجم
حتوف أصابتها الحتوف وأسهم ... من الموت كر الموت فيها بأسهم
ترى البيض لم تعرفهم حيث واجهت ... وجوههم في المأزق المتجهم
بلى أن حد السيف أعذر صاحب ... وأكفر من نالته نعمة منعم
الباب السادس والخمسون
ذكر
النوح على من مات من الأبناء والقرابات
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قتل النضر بن الحارث بن كلدة جاءت أخته فعلقت بزمام راحلته صلى الله عليه وأنشأت تقول:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
بلغ به ميتا بأن تحية ... ما إن تزال به النجائب تخفق
مني إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق
هل يسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
النضر أقرب ما أخذت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
فيقال أن النبي صلى الله عليه قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته، وليس هذا مستنكر من أخلاقه. وذكروا أن أبا بكر الصديق رحمه الله صلى الصبح يوما فلما انفتل قام متمم بن نويرة في مؤخر الناس، وكان رجلا أعور ذميما فاتكى على سية قوسه ثم قال:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور

(1/160)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية