صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الجوهر النفيس في سياسة الرئيس
المؤلف : ابن الحداد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يقول ابن الحداد مؤلف " الجوهر النفيس في سياسة الرئيس " في مطلع مؤلفه: " ... لما كان العدل هو ميزان الله في أرضه؛ وبه يتوصل إلى أداء فرضه؛ بادرت إلى جمع لمعة فيما ورد من محاسن العدل والسياسة لذوي النفاسة وأرباب الرياسة، وجعلتها كتابا؛ وسمته بالجوهر النفيس في سياسة الرئيس. وكان الذي حداني إلى ذلك ما انتشر في البلاد واشتهر بين العباد من حسن سيرة المولى الأمير الكبير، الأسعد، الأمجد، العالم، العادل، الكامل، الزاهد، العابد، المجاهد، أخص الخواص، العامل بالإخلاص، كهف الفقراء والمساكين، ملك الأمراء والمقدمين، خالصة أمير المؤمنين، سعد الدنيا والدين، ولي الدولة البدرية، وصفي المملكة الرحيمية - خلد الله سلطانها: وأعلى في الدارين مكانها وإمكانها... " .
وولي الدولة البدرية، وصفي المملكة الرحيمية هو لؤلؤ الملقب ببدر الدين والملك الرحيم؛ الذي ملك الموصل ما يزيد على أربعة عقود من الزمان؛ ضم إليه خلالها سنجار (637ه) وجزيرة ابن عمر (649ه)؛ وبقي مدة طويلة أقوى شخصيات الجزيرة الفراتية خصوصا بعد وفاة مظفر الدين كوكبوري (630ه) صاحب إربل.
وعندما توفي عام 657ه عن نيف وثمانين عاما؛ كانت المنطقة كلها قد وقعت في قبضة التتار، ولم يتمكن ولداه ركن الدين إسماعيل وسيف الدين إسحاق من متابعة سياسته من محاسنة الغزاة والتخاضع لهم؛ فالتجآ إلى مصر المملوكية إلى حين، وسقطت الموصل بعد سقوط الجزيرة كلها في يد الغزاة الجدد عام 659ه.
ولقد غصت الحقبة الواقعة بين وفاة نور الدين محمود زنكي ( - 569ه) وصلاح الدين يوسف ( - 589ه) الأيوبي من جهة، وبروز الدولتين الكبيرتين المغولية والمملوكية (660ه) من جهة ثانية بإمارات صغيرة بالعراق والجزيرة والشام وفلسطين لأبناء نور الدين وأحفاده وإخوته وأبنائهم؛ والأبناء صلاح الدين وأحفادهم وإخوته وأبنائهم. وطبيعي أن يضعف ذلك من قدرة دار الإسلام على التصدي للغزاة الصليبيين الذين أخرجهم نور الدين من الجزيرة الفراتية وبعض أطرافها، وأخرجهم صلاح الدين من بيت المقدس وأكثر حصون الداخل والساحل. والحق أن نظام الإقطاع العسكري الذي عرفته دار الإسلام أيام السلاجقة كان وراء الكثير من أسباب الضعف والتشرذم. وعندما قام نور الدين زنكي بمحاولته الوحدوية توصلا لمجاهدة الصليبيين بعد أن ضعفت الإدارة المركزية السلجوقية - بقي في نطاق النظام الإقطاعي الآنف الذكر. فقد كان يعمد إلى إبقاء المتسلط المحلي في المدينة أو الناحية التي يجده فيها بعد أن يرغمه على الاعتراف به حاكما أعلى (سلطانا). وكان هذا المتسلط المحلي يرسل إليه بعض فصائل الجند إبان الحرب الداخلية للسلطان أو صراعه مع الصليبيين. كما كان هذا المتسلط (الأمير، الأتابك، الملك) يورث إمارته ابنه أو أبناءه من بعده؛ وكان السلطان يعترف عادة بهذا الميراث، ويطلب من الوارث أو أتابكه أن يتعامل معه كما تعامل معه والده. فإذا ضعف السلطان أو توفي كان الأمير أو الأتابك يسعى لتجاوز السلطنة (نائبة الخلافة) والاتصال بالخليفة ببغداد مباشرة لضمان اعترافه به أو ضمان سكوته على توسيع إقطاعه على حساب أتابكة آخرين مقابل مبالغ معينة، وهدايا عينية. وعندما تابع صلاح الدين سياسة نور الدين الوحدوية توسع في منح الإقطاعات والاعتراف بالقائم منها؛ وكان هدفه من وراء ذلك الإسراع في توحيد المنطقة للتمكن من مواجهة الصليبيين من جهة؛ ولأن نظام الإقطاع العسكري كان هو السائد مذ سادت العصبية التركية العالم الإسلامي في أجزائه الشرقية والوسطى منذ القرن الخامس الهجري؛ هذا مع ملاحظة أن صلاح الدين لم يكن تركيا بل كرديا في الغالب؛ تربت أسرته في ظل آل تركي الأتراك. وكان طبيعيا ان يسلك صلاح الدين في مماته المسلك الذي سلكه في حياته. فقد ترك المملكة المترامية الأطراف ذات القاعدتين الكبيرتين: القاهرة ودمشق بيد أبنائه واخوته وبعض الأمراء الأكراد وقد تمكن أخوه الملك العادل في السنوات التي تلت وفاته أن يرغم أبناء الأسرة الأيوبية على الاحتفاظ للدولة بتماسك نسبي ما لبث أن اختفى تقريبا بعد وفاته عام 615ه.

(1/1)


ومظفر الدين كوكبوري (589 - 630ه)، وبدر الدين لؤلؤ الأرمني (615 - 657ه) هما نتاج فترة الاضطراب الكبرى التي سادت بعد وفاة السلطان صلاح الدين، ثم تفاقمت بعد وفاة الملك العادل. وكلاهما لا ينتمي للبيت الزنكي أو الأيوبي،؛ ويبدو أنه لهذا السبب لم يستطيعا - رغم طول مدتهما وحنكتهما ودهائهما وتفوقهما في ذلك على معاصريهما من أمراء البيتين وملوكهم - أن يصبحا سلطانين؛ وظلا حاكمين محليين بمنطقة الجزيرة الأول بإربل وما جاورها. والثاني بالموصل وما جاورها. وقد عمل كلاهما لبيت نور الدين زنكي. وقد عاصر مظفر الدين نور الدين نفسه، وورث إقطاع إربل عن أبيه أحد أمراء عماد الدين زنكي وابنه نور الدين. أما لؤلؤ فقد كانت مهمته أصعب إذ إنه صنع نفسه بنفسه؛ فقد كان مملوكا أرمنيا اشتراه الملك العادل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل المتوفى عام 607ه؛ وبرز لؤلؤ عند مولاه حتى كان عند وفاته " أستاذ داره والحاكم في دولته " - كما يقول ابن واصل. وقد وضع لؤلؤ عز الدين مسعود بن أرسلان شاه في الإمارة ولقبه بالملك القاهر، وحكم باسمه تقريبا. حتى إذا توفي عام 615ه صار هو الحاكم الفعلي مع بقاء الاسم أحيانا لولدي القاهر. وجاء عام 622ه بموت غامض لثانيهما بعد اختفاء أولهما فصرح بدر الدين لؤلؤ بالسيطرة بغير ستار زنكي وبقي كذلك حتى وفاته عام 657ه بمرافقة العباسيين ببغداد.
ومنذ العام 615ه صرح الشر بين رجلي آل زنكي بالموصل وإربل: مظفر الدين كوكبوري، وبدر الدين لؤلؤ. وقد استعان كل منهما في ذلك بأمراء البيت الأيوبي. واستمر الصراع بينهما حتى وفاة مظفر الدين عام 630ه دون أن يستطيع أحدهما النيل من الآخر عمليا. وهذا التنافس من أجل توسيع نطاق السيطرة لم يكن وجه التشابه الوحيد بينهما. فقد تشابها في أسلوب الحكم، وطريقة التعامل مع أمراء البيتين الأيوبي والزنكي. كما تشابها في تعاملهما مع الرعية والخلافة العباسية. وقد مكنتهما ثروات الجزيرة الزراعية، وموقعها التجاري الممتاز من بناء بلاط صغير لكنه ثري بأسباب الترف والثقافة وآيين السلطان. فكان من بين مثقفي بلاط كوكبوري وأدبائه والد ابن خلكان ( - 610ه)، وابن دحية ( - 633ه) وغيرهما. وكان من مثقفي بلاط بدر الدين لؤلؤ أبناء الأثير (وعلى الخصوص ضياء الدين وعز الدين)، وصاحبنا محمد بن منصور بن حبيش المعروف بابن الحداد - كما يقول هو نفسه في فاتحة جوهره النفيس الذي ألفه له. ولندع الحافظ شمس الدين الذهبي ( - 748ه) يتحدث عن شخصية بدر الدين وبلاطه وسياسته.
" ...لؤلؤ السلطان. الملك الرحيم. بدر الدين. صاحب الموصل. أبو الفضائل الأرمني. الأتابكي. النوري. مولى الملك نور الدين أرسلان شاه بن السلطان عز الدين مسعود. كان القائم بتدبير دولة أستاذه وأعطاه الأمرية. فلما توفي نور الدين قام بتدبير ولده السلطان الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين.فلما توفي سنة خمس عشرة أقام بدر الدين أخوين صبيين ولدي القاهر - وهما ابنا بنت مظفر الدين صاحب إربل واحدا بعد واحد. ثم استبد بملك الموصل أربعين سنة (والأصح أنه تسلطن في أواخر رمضان سنة ثلاثين وستماية). وكان حازما شجاعا مدبرا ذا حزم ورأي وفيه كرم وسؤدد وتجمل. وله هيبة وسطوة وسياسة. كان يغرم على القصاد أموالا وافرة، ويحترز ويداري الخليفة من وجه، والتتار من وجه، وملوك الأطراف من مجه؛ فلم ينخرم نظام ملكه ولم تطرقه آفة. وكان - مع ظلمه وجوره - محببا إلى رعيته لأنه كان يعاملهم بالرغبة والرهبة. ذكره الشيخ قطب الدين فقال: كان ملكا جليل القدر عالي الهمة، عظيم السطوة والسياسة، قاهرا لأمرائه. قتل وشنق وقطع ما لا نهاية له حتى هذب البلاد. ومع هذا فكان محبوبا إلى رعيته؛ يحلفون بحياته ويتغالون فيه، ويلقبونه " قضيب الذهب " . وكان كثير البحث عن أخبار رعيته. توفي في عشر التسعين وفي وجهه النضارة، وقامته حسنة؛ يخيل إلى من رآه أنه كهل.

(1/2)


قلت: ولما رأى أن جاره مظفر الدين صاحب إربل يتغالى في أمر المولد النبوي، ويغرم عليه في العام أموالا عظيمة، ويظهر الفرح والزينة عمد هو إلى يوم في السنة - وهو عيد الشعانين الذي للنصارى - فعمل فيه من اللهو والخمور والمغاني ما يضاهي به المولد. فكان يمد سماطا طويلا إلى الغاية بمظاهر البلد، ويجمع مغاني البلاد، ويكون السماط خونجا وباطية خمر على هذا الترتيب، ويحضره خلائق، وينثر على الناس الذهب من القلعة؛ يسفي الذهب بالصينية الذهب ويرميه عليهم وهم يقتتلون ويتخاطفون الدنانير الخفيفة. ثم يعمد إلى الصينية في الآخر فتقص له بالكالزن من أقطارها إلى المركز وتخلى معلقة بحيث إنه إذا تجاذبوها طلع في يد كل واحد منها قطعة - فحدثوها أنه كان الموصل رجل يقال له عثمان القصاب؛ طوالا ضخما شديد الأيد والبطش بحيث إنه جاء إلى مخاضة ومعه خمس شياه ليدخل البلد ويقصبها فأخذ تحت ذا الإبط رأسين، وتحت الإبط الآخر رأسين، وفي فمه رأسا، وخاض الماء بهم إلى الناحية الأخرى - فإذا رمى مظفر الدين الصينية إلى الناس تضاربوا عليها ساعة ثم لا تكاد تطلع إلا مع عثمان القصاب.
ومقته أهل العلم والدين على تعظيمه أعياد الكفر، وعلى أمور أخر؛ فقال فيه الشاعر:
يعظم أعياد النصارى تلهيا ... ويزعم أن الله عيسى بن مريم
إذا نبهته نخوة أريحية ... إلى المجد قالت أرمنيته نم
وذكروا لنا سار إلى خدمة هولاوو، وقدم له تحفا سنية منها درة يتيمة، والتمس هو في أذن الملك هولاوو؛ فانكفأ على ركبته فمعك أذنه وأدخلها في الخزم. فلما خرج فاق على نفسه وقال: هذا معك أذني! أو قيل ذلك لهولاوو! فغضب وطلبه فإذا هو قد ساق في الحال - والله أعلم بصحة هذا فإني أستبعده. ولكنه ذهب إلى هولاوو، ودخل في طاعته وأعانه على مراده فأقره على بلده، وقرر عليه ذهبا كثيرا في السنة. فلما مات انخرم النظام، ونازلت التتار الموصل. وعصى أهلها فحوصرت عشرة أشهر ثم أخذت ولا حول ولا قوة إلا بالله. توفي صاحب الموصل يوم الجمعة ثالث شعبان وقد كمل الثمانين. سامحه الله " .

(1/3)


منذ ظهور السلاجقة بالمشرق؛ عرفت دار الإسلام المشرقي الترك عصبية غالبة تعددت فروعها في المنطقة لكن الأصل واحد، يعود إلى تلك السهوب الشاسعة في أواسط آسية. ولم يكن قد مضى على اعتناق هؤلاء للإسلام وقت طويل؛ فكانت معرمتهم به وبلغته العربية ليست جيدة. ثم إنهم لم يكونوا قد ألفوا بعد حياة التحضر والاستقرار فتصاعدت شكوى الفلاحين وأبناء المدن من تصرفاتهم أثناء زحفهم في اتلمشرق مما دفع الخليفة العباسي آنذاك للكتابة إلى طغرل بك سلطانهم محتجا على ما نزل بالرعية من عسف من جانبهم؛ رغم أنه كان مغتبطا بالتخلص على يدهم من البويهيين. لهذا رافقت ظهورهم واستتباب سيطرتهم بالمشرق نهضة علمية قام بها رجال الإدارة لديهم وفقهاء أهل السنة والجماعة؛ واتخذت ثلاثة اتجاهات، الأول: تعليمي جدلي - يريد تعليمهم أحكام الإسلام، وحماية عقيدتهم السفلية الحديثة العهد من اعتزال المشرق وتشيعه. ويمكن في هذا الصدد توجيه النظر إلى سيل الكتب الفقهية والحديثية والكلامية التي ظهرت قبل النظاميات وفيها وخارجها وصبت كلها في الاتجاه المذكور. والثني: تاريخي - رمى إلى عدة أغراض؛ منها؛ وضع السادة الجدد في سياق الصورة التاريخية المأثورة للجماعة والأمة بحيث تسود صورة أهل السنة والجماعة للتاريخ وهي صورة متجددة وذات آفاق مفتوحة على المستقبل باتجاه الاكتمال عن طريق مجاهدين جدد، ومرابطين صامدين في سبيل الإسلام وإعلاء كلمة الله على طريقة السلف؛ وهم الترك، وأوضح مثالين على هذا النوع من التأليف التاريخي: تاريخ دمشق الكبير للحافظ أبي القاسم ابن عساكر (571ه)، والكامل في التاريخ لعز الدين بن الأثير (630ه). وثالث هذه الاتجاهات سياسي فقهي كان يريد إرشاد الأمراء الجدد، إلى معنى السياسة وكيفية ممارستها باتجاه إنشاء تقاليد للملك والسلطان، وسبل معاملة الرعية والجند. كما كان يبغي ربط السياسة بالشريعة في محاولة لتجاوز التقاليد والأعراف التي جلبها الترك معهم من مواطنهم الأصلية. وكان يريد أخيرا تأمل التغير الحاصل في البنية الاجتماعية والسياسية من أجل إعادة النظر في الأطر الفقهية والكلامية التي ما عادت آفاق الماوردي (450ه) قادرة على تفسيرها واستيعابها تماما. هذا النوع - أو هذه الأنواع - من المؤلفات ذات المرمى السياسي الفقهي بدأت مع سياسة نامه سياسة الملوك للوزير العظيم نظام الملك(485ه)، وغياث الأمم لإمام الحرمين الجويني (478ه). وعرفت استيعابا أكبر للتجربة التاريخية للأمة في التبر المسبوك للغزالي (505ه)، والفصول السياسية في كتبه الأخرى. ومع ابن عقيل الحنبلي (513ه) في تأملاته حول علاقة السياسة بالشريعة، وأبي بكر الطرطوشي (520ه) في فهمه الواقعي لبنية السلطة في عصره في كتابه " سراج الملوك " عرفت الكتابة السياسية قفزة واسعة إلى الأمام. وجاءت حكاية " الأسد والغواص " إبان هذه الفترة لتقدم مقترحات معينة في مجال استيعاب المتغيرات من جانب الفقهاء. وشارك ابن حمدون (562ه) في هذا الاهتمام السياسي بتخصيصه قسما من تذكرته للسياسة؛ لكنه جمع مأثورات في صعيد واحد دونما تنظيم واضح. ورجع ابن عساكر (570ه) للسلف في جزئه عن " الجهاد " بينما حاول عبد الرحمن بن عبد الله (589ه) في " المنهج المسلوك في سياسة الملوك " المزج بين أساليب الماوردي ونظام الملك والطرطوشي. وقام ابن الجوزي (598ه) بمحاولة ناضجة لربط قيم السياسة بالتاريخ في " المصباح المضيء في خلافة المستضيء " . بينما درس الهروي (612ه) في " التذكرة الهروية في الحيل الحربية " علاقة السياسة والدولة بالحرب. وكانت الحقبة التركية السلجوقية تؤذن بانتهاء عندما كتب ابن الحداد جوهره النفيس في سياسة الرئيس (649ه)، وكتب ابن طلحة (652ه): العقد الفريد للملك السعيد. وكتب سبط ابن الجوزي (654ه)، كنز الملوك في كيفية السلوك، ومبارك ابن خليل الخازندار البديري الموصلي (682ه): آداب السياسة بالعدل وتبيين الصادق الكريم المهذب بالفضل من الأحمق اللئيم النذل.

(1/4)


والملحوظ أنه في حين يتوازى خطأ الفقه والسياسة في مؤلفات القرن السادس السياسية؛ فإن مؤلفات الثلث الثاني من القرن السابع يختفي فيها الفقه تماما ليبرز من جديد نموذج " مرايا الأمراء " وإن من حيث الإطار فقط غالبا. ولن نستطيع في هذه العجالة تعليل ذلك بإشباع بيد أنه يمكننا القول بشكل عام إن ذلك يعود لمستجدات الوضع على مستوى السلطة.
فقد شهد النصف الثاني من القرن الخامس ثم القرن السادس صعود سلطة مركزسة قوية هي السلطة السلجوقية في عهود سلاطينها العظام، ثم بعد اضطراب ظهور أتابكتهم الزنكيين. وقد احتاجت تلك السلطة للفقه (الاجتهاد في نطاق الشريعة) من أجل إعادة تأسيس الدولة على الشريعة في سياق حركة الإحياء السلفي السني في الداخل. ومن أجل التصدي للزحف البيزنطي فالصليبي عن طريق الجهاد الشرعي في إطاره الفقهي المعروف. لهذا لم تكن مصادفة أن نرى كتابا ككتاب " غياث الأمم " للجويني في بدايات الحقبة المذكورة يعود لمناقشة قضية الخلافة والإمامة وموضعهما من الدين، وموقعهما من الأمة والإجماع. كما لم تكن مصادفة أن نرى مؤلفا ينتمي إلى نهايات تلك الحقبة هو " المنهج المسلوك في سياسة الملوك " لعبد الرحمن بن عبد الله يهتم بالجهاد ويعقد له فصلا طويلا؛ وكيف لا وقد عاين جهاد صلاح الدين للصليبيين، وفنوحه العظيمة للإسلام.
وكانت الحقبة الواقعة بين وفاة صلاح الدين (589ه)، وظهور الدولتين الكبيرتين على أرض الإسلام: المملوكية والإيلخانية (660ه) مليئة بأساليب القلق والاضطراب. فقد تقسم الأمراء النورية والصلاحية البلاد فيما بينهم، بل فشى بينهم التعاون مع الصليبيين المحتلين رغم أنهم أبناء وأحفاد المجاهدين العظيمين: نور الدين وصلاح الدين. وكانت الرعية تعاني من جراء نزاعات الأمراء فتجني خرابا ودمارا لمدنها وقراها وحقولها وطرق تجاراتها. كما كانت تضطر لدفع تكاليف الحروب لمحترفة اإمرة والجندية والمرتزقة. وبسبب من غياب الجهة القوية القادرة القاطعة لأطماع الطامعين؛ كان كل أمير على ناحية يطمح للسلطان الأكبر وإن خذلته قواه الذاتية. ولهذا كان أكثر هؤلاء يعمد لإقامة بلاط باذخ محلى بالفقهاء والشعراء ورجالات الإدارة والدواوين إظهارا لتقدمه، وإبرزا لمقدرته المادية والمعنوية. وفي هذا السياق ينبغي فهم طابع كتب السياسة ورسائلها في تلك الحقبة. فهي إما أن تكون للطرفة والتسلية والإرشاد والتعليم والتقرب للملك على طريقة مرايا الأمراء نصائح الملوك؛ ككتاب " القلائد " للرخجي (حوالي 475ه)، وكتاب الآداب لابن شمس الخلافة (622ه)، وكتاب كنز الملوك في كيفية السلوك لسبط ابن الجوزي (654ه)؛ وإما أن تتوسل بقالب " مرايا الأمراء " لتدعو لإصلاح الحال، والعدل، ورفع بعض العبء عن كاهل الرعية؛ وكتابا ابن الحداد (649ه) وابن الخازندار (682ه) من الونع الثاني. هذا مع إدراكنا لصعوبة الفصل التام بين الهدفين، الأول والثاني. على أنه أيا كان الهدف فقد كان متواضعا؛ فلا أمة ولا جماعة ولا جهاد، ولا صدور للأمة عن إجماع الامة؛ بل دعوة حارة للإحسان إلى الرعية بذريعة هدف عملي هو بقاء الراعي أو الأمير. إنها دعوة عاطفية متحمسة تتوسل لبلوغ غرضها الإلحاح على أن هدفها الإبقاء على السلطان عن طريق إرشاده إلى الطريقة المثلى لذلك المتمثلة في التخفيف بقدر الإمكان عن رعيته.

(1/5)


لا تذكر المصادر شيئا تقريبا عن " الجوهر النفيس في سياسة الرئيس " غير ما ذكره هو نفسه في خاتمة رسالته هذه عندما قال: " ...وافق الفراغ منه على يد جامعه الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن منصور بن حبيش الواعظ المعروف بابن الحداد - عفا الله عنه ... " ويذكر حاجي خليفة في " كشف الظنون " رجلا موصليا يسميه محمد بن منصور الموصلي هو مؤلفنا في الغالب يقول عنه: " محمد بن منصور الحداد.. الواعظ، الموصلي، صاحب - البدور التامات في بديع المقامات - ؛ أوله: إنا نحمدك على ما أوليت من الآلاء... وهو ثلاثون مقامة فرغ منها في رجب سنة 673ه...). فيغلب على الظن أن المؤلف كان ممن يلوذون ببلاط نور الدين لؤلؤ من متأدبة المتفقة؛ وقد ذكرت المصادر جماعة منهم من كتاب وشعراء ورجال سمر. أشهر هؤلاء عز الدين ابن الأثير (555 - 630ه) الذي ذكر في مقدمة كتابه " الكامل في التاريخ " أنه سوده وبقي عليه منه شيء لم ينشط إتمامه حتى " برز أمر من طاعته فرض واجب، واتباع أمره حكم لازم؛ من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافقة، وأرواح الجهل بإعراضه عنها نافقة؛ من أحيا المكارم وكانت أمواتا... مولانا الملك الرحيم العالم المؤيد المنصور، المظفر بدر الدين، ركن الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين... " ثم كان من رجال بلاط نور الدين لؤلؤ ضياء الدين ابن الأثير ( - 637ه) شقيق عز الدين. وقد عمل كاتبا في بلاط الموصل مذ فارق الملك الأفضل الأيوبي عام 607ه، وحتى وفاته ببغداد رسولا عن لؤلؤ إلى الخليفة. وقد حفظت لنا مجموعة رسائله عشرات الرسائل التي كتبها عن سيد الموصل في حقبة كتابته الطويلة له. وعرف بلاط بدر الدين لؤلؤ بعض شعراء العصر المعروفين من مثل الشاعر ابن الحلاوي أحمد بن محمد بن أبي الوفا الربعي الموصلي ( - 656ه). والشاعر جمال الدين يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح ( - 649ه). والشاعر المحدث أبي محمد عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني ( - 661ه). ثم الشاعر الشريف كمال الدين حيدرة بن عبيد الله الحسيني الموصلي ( - 659ه).
بدأ ابن الحداد كتابه بطريقة مختلطة بعض الشيء؛ فذكر أنه جمع ما جمعه ليثبت " أن من وصف الرياسة العدل في السياسة " إذ بالعدل " تعمر البلاد، ويأمن العباد... وتنتعش الرعية، وتقوى على أداء الفرائض الشرعية... " - ويشعر هذا بأن العدل كان مفقودا في السياسة المعاصرة له فأراد التذكير به وبعائدته على الملك والرعية. لكنه سارع لنفي ذلك عندما ذكر بعد هذا مباشرة أن دافعه الرئيس من وراء ما وضعه وألفه " ما انتشر في البلاد واشتهر في العباد من حسن سيرة... ولي الدولة البدرية، وصفي المملكة الرحيمية... " . وحسن السيرة هذا يبدو في عمله " بالعدل والإفضال والفضل، وحب الصدقات، وفعل الخيرات، والتنفيس عن المكروبين، والإحسان إلى جميع المسلمين... وإغاثة الملهوف، وتحبيس الوقوف... " . ويتوقع المرء بعد هذا أن تكون فصول الكتاب منصبة على اقتصاص لهذه السيرة الحميدة لبدر الدين لؤلؤ في الرعية، ما دامت قد انتشرت في البلاد، واشتهرت في العباد، وصارت مثلا يحتذى، وغاية حقيقية بالسعي وبذل الجهد لإدراكها. ويبدو أن سيرتي مظفر الدين كوكبوري وبدر الدين لؤلؤ كانتا من البروز في ذلك العصر بحيث كان يمكن توقع شيء من هذا من جانب اللائذين بهما، والمترددين على بلاطهما؛ يبين ذلك أن متأدبا كابن الطقطقي (709ه) عد بدر الدين لؤلؤ من كبار الساسة التاريخيين الذين يصح أن تتخذ سيرتهم وقصصهم مثلا يحتذى. فقد عمد في مقدمته النظرية السياسية لكتابه الفخري للاستشهاد بتلك السيرة مثلا للسياسة الحقة؛ من مثل: " ...وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رحمه الله أكثر ما يجري في مجلس أنسه إيراد الأشعار المطربة، والحكايات الملهية؛ فإذا دخل شهر رمضان أحضرت له كتب التواريخ والسير، وجلس الزين الكاتب، وعز الدين المحدث يقرآن عليه أحوال العالم " ؛ ومن مثل: " كان بدر الدين صاحب الموصل لكثرة مجالسته الأفاضل وخوضه في الأشعار والحكايات يستنبط المعاني الحسنة، ويتنبه على النكت اللطيفة مع أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ " .

(1/6)


غبر أن ابن الحداد لم يفعل ذلك أيضا؛ وكأنما شعر باختلاط الأمر عليه فعاد تأليف رسالته هذه في نهاية مقدمتها قائلا إن التسليم بحسن سيرة المولى بدر الدين، لا يعني أن " الزيادة " فيها غير ممكنة! لهذا فإنه حمل الكتاب " خدمة.. لمحروس خزانته العامرة، ونعمته الغامرة ليزداد من حسن سيرته، وجميل معدلته، وتلك نعمة أنعمها الله عليه ليؤذي شكرها إليه... " .
وعاد في نهاية التقديم لإيضاح خطته في الكتاب فذكر أنه بناه على عشرة أبواب هي: فضل العدل، وفضل السياسة، وفضل الحلم، وفضل العفو، واصطناع المعروف، ومكارم الأخلاق، والسؤدد والمروءة، وحسن الخلق من الخلق، وفضل المشورة، وفضل السخاء.
وطريقته في كل باب البدء بذكر آيات قرآنية أو أحاديث نبوية في الموضوع، يتلو ذلك أقاويل وقصص عن الحكماء على قلة، وعن الخلفاء والأمراء والفقهاء على كثرة. ففي الباب الأول ذكر عدة أحاديث نبوية مشهورة وإن تكن في غالبيتها غير صحيحة. ثم أورد أقوالا للحكماء، وأورد القول المشهور المنسوب لأرسطو في الدائرة المشهورة: العالم بستان سياجه الدولة، الدولة ولاية تحرسها الشريعة... الخ. وأتى بعد ذلك القول المشهور المنسوب لكسرى أنوشروان في أن عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. ثم تلا ذلك قولان للفضيل بن عياض وجعفر الصادق انتهى بهما الباب. وفي الباب الثاني الخاص بالسياسة بدأ ابن الحداد بأحاديث نبوية عن مسؤولية الراعي عن الرعية أمام الله، ثم أورد قولا لهارون الرشيد في حراسة الراعي للرعية. وحاول بعد ذلك أن يضع حدودا للسياسة العملية الحكيمة عن طريق التركيز على سيرة زياد بن أبيه والي معاوية المشهور في العراق؛ ويمكن إيجاز سياسة زياد ومعاوية كما يتصورها ابن الحداد بأنها شدة في غير إفراط، ولين في غير إهمال. بيد أن هذا المنظور للسياسة الحكيمة أو العادلة يضطرب بين يديه عندما يورد أمثلة كلاسيكية للموضوع نفسه؛ إذ أنه استنادا إلى أرسطو المنحول فإن الحسن السياسة في خاصة أمره هو الكفء لأن يكون حسن السياسة في السلطة؛ وقد نقد ابن الطقطقى هذه النظرة بالذات عندما قال: " وأنا لا أرى هذا لازما. فكم من عامي حسن السياسة لمنزله ليس له قوة سياسة الأمور الكبار. وكم من ملك حسن السياسة لمملكته ليس يحسن سياسة منزله " . بعد أرسطو المنحول تأتي الرؤية الطبقية للسياسة الحسنة والمنسوبة لكسرى أنوشروان؛ إذ الناس حسب هذه النظرة ثلاث طبقات أو أربع؛ والسياسة الحسنة (التي تعني هنا الهدوء والاستقرار المضبوط) تتجلى في الضبط الطبقي بحيث لا تخرج طبقة عن آيينها. ويكون ذلك بالحرص من جانب السلطان على أن تسلك كل طبقة السلوك اللئق بها وبالملك. ومن المعروف أن الفيلسوف الإسلامي أبا الحسن العامري (381ه) كان قد وجه نقدا لهذه الرؤية الطبقية من موقع فقهي شرعي إسلامي. والذي يهمنا هنا أنه في حين احتفظ باب ابن الحداد الخاص بالعدل ببعض التناسق انطلاقا من الموضوعة القائلة إن العدل هو ميزان الله في الأرض؛ فإن الباب الذي عقده للسياسة اختلطت فيع عليه الرؤية فلم يكن هناك وضوح فيما يتصل بالمعنى النظري للسياسة، وعلاقته بالسياسة العملية. كما لم يكن هناك وضوح في الفهم لطبيعة التشكل الاجتماعي الإسلامي المعاصر له؛ فأين الطبقية في مجتمع كان الترك ومواليهم يتسنمون فيه ذرى السلطان؛ وهم ليسوا عربا؛ بل إن كثيرا منهم كانوا رقيقا بداية.ومع ذلك فإن هدف ابن الحداد في هذا الباب يبقى واضحا وإن لم يحسن الوصول إليه: إنه انتهاج سياسة تؤدي إلى راحة الرعية.

(1/7)


ومع بداية الباب الثالث من أبواب الكتاب العشرة تستوي نظرة ابن الحداد فلا يغرض لها غموض كما لا يطرأ عليها تناقض؛ إذ أن هذه الأبواب السبعة تدخل كلها في مفهوم المروءة العربي الأصيل. ومما له دلالته أن تتضاءل الاستشهادات الكلاسيكية على طريقة " مرايا الأمراء " فيها حتى لتكاد تختفي تماما. أمل الحلم - وهو فضيلة عربية معروفة وهو موضوع الباب الثالث فيجد خير تعريف له في التفسير المنسوب إلى للنبي صلى الله عليه وسلم للآية الكريمة: " خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين " ؛ إذ أنه - حسبما قال صلوات الله عليه: أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. ويبرز في الباب رجال الحكم المعروفون عند العرب: قيس بن عاصم، والأحنف بن قيس، ومعاوية. بل إن ابن الحداد يحاول تصوير هذه الفضيلة باعتبارها فضيلة عربية عامة عن طريق إيراد أمثلة من حلم جماعة الأمراء والسادة ليسوا معروفين بذلك من مثل الحجاج، ومصعب بن الزبير، وأسماء بن خارجة، والرشيد، وعمرو بن عبيد. ويتفرع على باب الحلم مباشرة باب العفو الذي هو أبرز ثمراته؛ وإن لم يكن هو هو - كما يقول الغزالي. وفي هذا المجال يذكر المؤلف بعد الأحاديث النبوية في العفو قصصا وأقوالا عن عبد الملك بن مروان والمأمون ومعاوية وسليمان بن عبد الملك والحجاج وعمر بن عبد العزيز وأبي مسلم الخراساني من الخلفاء والأمراء والمتسلطين. وعن جعفر الصادق وقيس بن عاصم والأحنف بن قيس وعكرمة وعلي بن الحسين من السادة والفقهاء. وينهي ابن الحداد الباب بقصة عن النعمان بن المنذر ملك العرب مؤداها أنه أتي برجلين أحدهما ارتكب ذنبا عظيما فعفا عنه، والآخر اقترف ذنبا صغيرا فعاقبه! وعلل ذلك بأنه من أسرار السياسة! وكان الأول - إن كان لابد من إيراد القصة وهي غير مناسبة على أي حال أن تذكر في باب السياسة وليس هنا حيث كل التوجه للدفاع عن فكرتي الحلم والعفو والحض عليهما.
وكما يتلازم باب الكتاب: الثالث والرابع - يتلازم باباه الخامس والسادس الخاصان باصطناع المعروف، ومكارم الأخلاق؛ هذا مع ملاحظة اتصال أبواب الكتاب الأخيرة السبعة كما قدمنا. يبدأ الباب الخامس بحديث نبوي عن صنائع المعروف التي تقي مصارع السوء. وهناك حديث آخر يعتبر نفع العباد الركن الثاني من أركان الخير بعد الإينان بالله. ثم يأتي ذلك الأثر المنسوب للنبي (ص) والذي يجعل " النعمة " مسؤولية على صاحبها أن يؤدي شكرها بالإحسان إلى الناس وإلا زالت عنه. ثم ترد قصص وأقوال عن خلفاء وأمراء وسادة وفقهاء؛ وهم في الغالب ممن ذكروا في الأبواب السابقة. ويأتي حديث نبوي في مطلع الباب السادس بتعريف لمكارم الأخلاق يجعلها: السخاء وحسن الخلق؛ أي اللين مع الناس. ثم ترد أقوال عن سادة العرب وحكمائهم وفقهائهم تجعل من مكارم الأخلاق: ضرورة البروز في الخير، وتناول الطعام قبل الخروج من المنزل حتى لا تتشوف النفس إلى طعام الغير، والحث على قلة الغيرة، ومقاومة الحسد، والحرص على التعلم، والجلوس بعيدا عن صدر المجلس، ومصادقة الرجال، والأدب والفقه الأملنة، وبسط الوجه والبشر. ويرد في تضاعيف الباب تعريف للفتوة (وهي المروءة في المجتمع الإسلامي المديني منذ القرن الرابع الهجري) يجعلها: الطعام المأكول، والنائل المبذول، والبشر المقبول، والعفاف المعروف والأذى المكفوف.

(1/8)


ثم يتلازم البابان السابع والثامن وهما: السؤدد والمروءة من ذوي الفضل والفتوة، وحسن الخلق من الخلق. والواقع أنه يمكن اعتبارهما بابا واحدا لولا أن المؤلف حرص كما يبدو على أن يقع كتابه في عشرة أبواب! فالفصل الثامن ينتهي بتعريف منسوب لعمر بن الخطاب للسيد وهو عنده: الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، الكريم الجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره. أما الباب السابع فيبدأ بتحديد " ذي المروءة " - كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم أو السيد (كما تقول العرب)؛ فإذا هو الذي تتوافر فيه ست خصال: السخاء والنجدة والصبر والحلم والبيان والموضع؛ ثم صارت في الإسلام سبعا في العفاف. ومن الواضح أن هذا التحديد يتجاهل النسب الذي كانت له مكانته بين شروط السيادة والسؤدد العربية. وربما كان تجاهله في هذه الأقوال قد وقع بتأثير الإسلام، ثم لأن ابن الحداد يكتب كتابه لمملوك أرمني الأصل لا تتوافر فيه شروط السيادة النسبية. ومع هذا فيبدو أن الفخر بالعربية والأعرابية كان ذا حساسية في مواجهة الفرس لا الترك؛ بدليل أن ضياء الدين ابن الأثير كاتب بدر الدين لؤلؤ يفخر بالعروبة والأعرابية في رسائل كتبها عن بدر الدين إلى خلفاء بني العباس وبعض أمراء بني أيوب. لهذا كان الأولى الذهاب إلى تأثير الإسلام في ذلك خصوصا إذا لاحظنا نظرة المسلمين الأوائل إلى السيادة باعتبارها المروءة.
وقصص ابن الحداد عن السادة والفتيان والأمراء والأجواد تجعل المروءة " بذل الندى، وكف الأذى، ونصرة المولى " ، وأن لا تقول " شيئا في السر تستجبي منه في العلانية " ، والمبادرة بالمعروف ( أي الإعطاء قبل السؤال)، وتلاوة كتاب الله، واتخاذ الإخوان في الله، وبسط الوجه (سعة الخلق)، والورع عن المحارم.
وينصب باب الكتاب التاسع على بيان " فضل المشورة والرأي من ذوي الآراء " . وهو أمر لا يمكن إلا بصعوبة إدخاله ضمن المفهوم العربي للمروءة؛ فضلا على أنه ينفصل عما قبله وبعده من أبواب. ولا نستطيع تعليل ذلك إلا بأن " الجوهر النفيس " ليس كتاب سمر أو أخبار عاديا؛ بل هو موضوع أساس لخزانة صاحب الموصل الذي كان يقبل في رمضان كما أخبرنا ابن الطقطقى على قراءة هذا النوع من الكتب. ويبدو أن الغرض من هذا الباب كان محاولة إقناع الحاكم الفرد بدر الدين لؤلؤ بفائدة جماعية القرار بالعودة للتاريخ والآثار النبوية. وبالوسع تصور أن أمارة " صغيرة " كالموصل كانت دائما مهددة بالابتلاع من جانب جيرانها بالشرق أو الغرب؛ ولاشك أنها تدين ببقائها لحكمة صاحبها في اختيار حلفائه، وفي الحفاظ على التوازنات التي قامت في منطقة الجزيرة. ووضع كهذا كان يثير ولا شك قلق رجالات بلاط بدر الدين، كما كان يثير قلق رعيته طبعا. ومن هنا فإنهم كانوا يحرصون على التزام جانب الحذر الشديد في علاقاتهم مع المحيط؛ وكان المطلوب من بدر الدين أن يأخذ مخاوف الناس هذه في الاعتبار في الإقدام والإحجام. وقد رأوا كيف انتهت إربل بعد وفاة كوكبوري بخمسة أعوام. ثم عاش كثير منهم حتى رأوا الموصل نفسها تنتهي بعد وفاة بدر الدين بعامين. وقد يكون من دوافع عقد هذا الباب للمشورة أن ابن الحداد كان ينحو منحى " مرايا الأمراء " من حيث الإطار على الأقل؛ ومعلوم ان هذا الجنس الأدبي الكلاسيكي لم يكن يخلو من باب في المشورة أو الوزارة. والباب قصير على أي حال إذ يقتصر على حديث نبوي، وقول لعلي، وآخر للأحنف بن قيس، وقصة عن زياد، وأخرى عن المنصور وعبد الملك بن مروان ثم بعض الأبيات الشعرية.

(1/9)


ونصل إلى آخر أبواب الكتاب وأطولها؛ وهو " في فضل السخاء والجود " . ومما له دلالته أن يكون أكثر أبواب الكتاب استنادا للتاريخ أو التجربة التاريخية العربية في هذا المجال. ويأتي بعده في الطول الباب الخاص بتحديد السياسة. وليس أدخل في باب المروءة العربية بعد الحلم من السخاء. إنه الفضيلة العربية الأولى التي تبناها الإسلاو ووضعها إلى جانب الصدق باعتبارهما الإسلام كله على المستوى الاجتماعي. إن المسلم يمكن أن يرتكب أي ذنب ويبقى مسلما؛ لكنه لا يمكن أن يكون مسلما حقا إذا كان بخيلا كذابا. والحق أننا لا نستطيع أن نعتبر عقد هذا الباب أثرا من آثار " مرايا الأمراء " من حيث المضمون. إذ أن " مرايا الأمراء " تعالج المسألة بدوافع عملية بحتة تتصل بأثر الجود أو الإمساك في بقاء الملك أو زواله؛ ولهذا فهي بعد أن تناقش الأمر من سائر وجوهه تنصح بالتقدير والحساب والتظاهر بالكرم دون الإسراف استبقاء للمال لوقت الحاجة الملحة إليه. وبين أن هذا يختلف اختلافا بعيدا عما يقصده العرب بالجود أو السخاء. إنه خلق في الإنفاق والإيثار أعم من المال والماديات؛ وإن يكن الإنفاق المادي أبرز وجوهه. إن رجل " مرايا الأمراء " هو حاكم أو رئيس يلتمس السبل التي تبقي على رئاسته المصنوعة هذه. أما السخي بالمعنى العربي فهو سيد سوده سخاؤه، وسوده حلمه، وهو لا يخشى أن تزول سيادته لأنها خلق فيه؛ وقد يكون حاكما أو لا يكون لكنه يظل سيدا حتى لو أبى. أما الرئيس فلا يستطيع غالبا أن يصبح سيدا أو زعيما، بل إنه لا يستطيع غالبا أن يبقى رئيسا لأن الأمر صناعي أو مركب من الأساس؛ ففي حين تحتاج السلطة إلى حسابات كثيرة تختل في النهاية ولا تنضبط، لا تحتاج السيادة التي قد تتضمن السلطة إلى شيء من هذا. ولنراقب ذلك في أمثلة من الفهم العربي لمسألتي السؤدد والشرف من جهة، والرئاسة أو الولاية من جهة ثانية: I - قال عمرو بن هداب: كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين.
II - قال عبد الملك بن مروان لابن مطاع العنزي؛ أخبرني عن مالك بن مسمع؛ فقال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسألون في أي شيء غضب! فقال عبد الملك: هذا وأبيك السؤدد! ولم يل شيئا قط. وكذلك أسماء بن خارجة لم يل شيئا قط.
ج - كتب معاوية إلى زياد؛ أنظر رجلا يصلح لثغر الهند قوله! فكتب إليه: إن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسينان بن سلمة الهذلي. فكتب إليه معاوية: بأي يدي الأحنف نكافيه؟! أبخذلانه أم المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفين؟! فوجه سنانا. فكتب إليه زياد: إن الأحنف قد بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية، ولا يضره العزل.
د قالت بنو تميم للأحنف: ما أعظم منتنا عليك! فضلناك وسودناك! فقال: هذا شبل بن معبد، من سوده وليس بالبصرة بجلي غيره؟! ويبدأ ابن الحداد الباب العاشر على عادته في كل باب بإيراد آثار نبوية في الحث على السخاء. ويحتج بنفسير معين لبعض الآيات القرآنية مؤداه أن الله سبحانه أمهل السامري (الذي أضل بني إسرائيل في فترة غياب موسى)، وفرعون لأنهما كانا سخيين رغم كفرهما. ثم يبدأ بذكر قصص في الجود عن أجواد العرب المعروفين تاريخيا تتخللها هنا وهناك أقوال في تعظيم فضيلة السخاء عن بعض السادة والفقهاء من مثل الحسن والحسين ابني الإمام علي، والحسن البصري، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن جعفر. أما الأجواد الذين ذكر وقائعهم المشهورة في الجود فهم: يزيد بن المهلب، وقد ذكر عن جوده غير قصة، وعبد الله بن عامر بن كزبر، وعمر بن عبيد الله بن معمر، وخالد القسري، وأبان بن الوليد البجلي، ويزيد بن عمر بن هبيرة، ولبيد بن ربيعة، والوليد بن عقبة، والحكم بن المطلب، والمأمون، ومحمود بن نصر بن مرداس الكلابي.

(1/10)


صلة الجوهر النفيس بالجنس الأدبي المعروف " بمرايا الأمراء " ضعيفة. فهناك وجه شبه وحيد بارز هو تقسيم الرسالة إلى أبواب أو فصول يشبه بعضها من حيث الشكل ما هو معروف عن فن مرايا الأمراء أو نصائح الملوك. فباب السياسة وباب المشورة مثلا معروفان في الكتب التي تستمد دوافعها ومادتها من الجنس الأدبي المذكور. لكن وجه الشبه هذا أيضا لا ينبغي أخذه على إطلاقه؛ وذلك أننا إذا تجاوزنا الشكل إلى المضمون يتبين لنا أن العنصر الكلاسيكي المتمثل في أقوال الفرس واليونان والروم والهند ضعيف. ثم إن هدف ابن الحداد مختلف عن أهداف كتاب نصائح الملوك. أولئك يريدون تعليم المستلط آيين السلطان، والسياسات التي تنشئ تقاليد للسلطة والحكم، وتسهل على الرئيس تصريف مقاليد الأمور، والاحتفاظ بالسلطة في يده أطول مدة ممكنة فلا يرمي إلى شيء من ذلك. إنه بعد تأمل من جانبه لما آلت إليه أمور السلطان في عصره؛ يحاول التذكير بقيم ومبادئ للتصرف يمكن تسميتها " قيم المروءة " . ومع أنه لا ينفي أن يكون اتباع هذه القيم مساعدا على بقاء السلطة؛ ولا يعتبر ذلك همه الأول. إنما يهمه أن تقوم مقارنة معينة بين سياسات المروءة وسياسات البغي؛ وهو يفعل كل ما بوسعه لتأتي المقارنة لصالح سياسات المروءة. وهذا هدف متواضع لكنه واقعي بالنظر لما شاهده من أحوال السلطة في عصره. وهناك أخيرا فرق ثالث بين صنيع ابن الحداد، والصنيع المتعارف عليه من جانب كتاب مرايا الأمراء (نصائح الملوك). إن كتاب نصائح الملوك منحازون منذ البداية للسلطة والسلطان. إنهم مقتنعون بضرورة السلطة، وخيريتها، وضرورة السلطة التي يكتبون في ظلها واستمراريتها وشرعيتها. كل ما يهدفون إليه انطلاقا من هذا الأساس المسلم به إمداد المتسلط بحجج نظرية لأساس سلطته، ولسياساته العملية. أما ابن الحداد فيتجاهل موضوع شرعية الأساس السلطوي تماما، وتنم لهجته عن عدم تسليم بوجود سلطة شرعية معاصرة دون أن يعني هذا دعوة من جانبه للثورة بل لتمكين الرعية من العيش توسلا بمروءة الحاكم ما دام استنهاض دينه غير مجد. وسنعود إلى هذا فيما بعد.
أما مصادر ابن الحداد فهي كتب السمر المعروفة؛ وخاصة عيون الأخبار لابن قتيبة (276ه) وكتابا الفاضل والكامل للمبرد (286ه)، والعقد الفريد لابن عبد ربه ((322ه)، ونثر الدر للآبي (421ه)، وللقلائد للرخجي (حوالى 475ه)، والتذكرة لابن حمدون (562ه).وتبدو استفادته من الثعالبي (429ه) ضئيلة رغم أن مؤلفاته في السمر والسياسة تتضمن مادة " ثرة " في هذا المجال. وربما عاد ذلك إلى اعتماد الثعالبي الأقوال الموجزة؛ بينما كان ابن الحداد يؤثر الحوار والقصص فيما هو بسبيله. بيد أن أهم مصادر ابن الحداد كما يبدو مؤلفات الأمير أسامة بن منقذ (584ه) وعلى الخصوص كتابه: لباب الآداب . والأمير أسامة جزري من أسرة كانت بأطراف حلب " بالقرب من قلعة شيزر، عند جسر بني منقذ المنسوب إليهم. وكانوا يترددن إلى حماة وحلب وتلك النواحي، ولهم بها الآدر النفيسة، والأملاك الثمينة، وذلك كله قبل أن ملكوا قلعة شيزر... " . وحصن شيزر الذي ملكوه قلعة قريبة من حماة.
وقد اتضحت لي استفادة ابن الحداد من " كتاب الآداب " بخاصة من عدد الأقوال والقصص المشتركة بينهما.ثم راجعت خطة كتاب الأمير فوجدت شبها واضحا بينها وبين خطة ابن الحداد لكتابه؛ بيد أن كتاب الأمير أبسط وأوسع لأنه يتناول " السياسة، الجود، ومكارم الأخلاق، وحسن الخلق. وأسامة لم يعقد فصولا للحلم والعفو؛ لكنه جمع الكلام حول السؤدد والحلم والعفو؛ تحت باب الآداب التي ذكر منها: كتمان السر، وأداء الأمانة، والتواضع، وحسن الجوار، والصمت وحفظ اللسان، والقناعة، والحياء، والصبر، والنهي عن الرياء، والإصلاح بين الناس، والتعفف، والصبر على الأذى ومداراة الناس. وترد تحت هذه العناوين آثار وأقوال وأقاصيص ورد كثير منها عند ابن الحداد. ثم إن مسلك الرجلين واحد ضمن الفصول: إذ يبدآن بالآيات والأحاديث ثم أقوال الحكماء، فأحوال السادة والخلفاء والفقهاء وقصصهم. على أن الأمير أسامة أكثر دقة في التنظيم وأكثر استيفاء للموضوعات التي يعقد لها فصولا وأبوابا.

(1/11)


ويقتصد ابن الحداد في إيراد مأثورات عن قدامى الحكماء، وعن الفلاسفة. ويبدو لي أن ذلك لا يعود لورعه أو لإباء العصر لذلك بل لطبيعة الموضوع. فنحن نعلم أن أديبا جزريا وضع رسالة في " نوادر الحكماء " حوالي عام 650ه. وأهداها للملك الناصر يوسف بن الملك العزيز محمد حفيد السلطان صلاح الدين؛ سلطان حلب ودمشق وغيرها الذي قتله التتار عام 658ه، دون أن ينكر أحد ذلك عليه. والذي أراه أن خطة ابن الحداد التي شددت على الدعوة لنهج في السياسة قائم على قيم المروءة العربية جعلت من غير المستساغ اللجوء إلى أقوال لأنوشروان والإسكندر وأرسطو حيث ينبغي أن يأتي ذكر العمرين وأجواد العرب وسادتهم. يدل على هذا أن ابن الحداد عاد إلى الكلاسيكيات المنحولة في مطلع كتابه والبابين الأولين منه الخاصين بالعدل والسياسة لأنه رأى ذلك ملائما.
ويؤثر ابن الحداد القصة على المأثور الموجز؛ لكن لا يبدو أنه يتعمد اختيار شخصيات معينة بل يستعمل العناصر الأكثر إيحاء على ما يظهر. ويبرز آل البيت على الخصوص في مجال القول والقصة، من مثل الإمام علي، والإمامين الحسن والحسين، وزين العابدين، وجعفر الصادق وعلي الرضا. فقد يكون المؤلف شيعيا، لكن هذا غير مرجح لأنه يشيد بالصحابة الآخرين، ولا يبدو ساخطا على زياد أو الحجاج أو رجالات بني أمية أو بني العباس. والمعروف أن بدر الدين لؤلؤ كان متشيعا فربما جامله وراعاه بذلك. على أن الأمر قد لا يتعدى الاعتماد على مصدر ذي صبغة شيعية من مثل " نثر الدر " على سبيل المثال. وأحدث استشهاداته؛ ذلك الاستشهاد بكرم محمود بن نصر المرداسي (468ه). ولا نعلم على التحقيق لماذا أخر باب السخاء إلى آخر الكتاب، إذ المألوف أن يأتي قبل باب كباب المشورة. لكن ربما عاد ذلك إلى أنه أراد أن يبدأ كتابه بباب العدل، وينهيه بباب السخاء ليشير بذلك إلى مقصده من الكتاب كله؛ وهو الدعوة إلى سياسة مروءة في معاملة الرعية؛ وسياسة كهذه ركناها المألوفان: العدل والتفضيل أو السخاء.

(1/12)


يرى ابن الحداد أن " السياسة سياستان: سياسة الدين وسياسة الدنيا " ؛ فسياسة الدين ما أدى إلى قضاء الفرض؛ وسياسة الدنيا ما أدى إلى عمارة الأرض؛ وكلاهما يرجعان إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان - لأن من ترك الفرض ظلم نفسه، ومن خرب الأرض ظلم غيره " . وهذه العبارة بتمامها نجدها عند الماوردي في " أدب الدنيا والدين " والرخجي في " كتاب القلائد " (من القرن الخامس الهجري)، وأسامة بن منقذ في " كتاب الآداب " (من القرن السادس)؛ لكنها تبدأ عندهم هكذا: " الأدب أدبان؛ أدب سياسة، وأدب شريعة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض. وأدب السياسة ما عم الأرض...إلخ " . وبسبب من خطر هذا التصور حاولنا تتبع أصوله قبل القرن الخامس الهجري. لقد رأى فقهاء السياسة في الإسلام في قرونه الأولى أن الدين (الشريعة) هو نهج لسياسة الدنيا أو السلوك فيها والتعامل مع صروفها وتقلباتها. إن الشريعة هي المقياس والمرجع في أمور العبادة، وأمور السلوك الدنيوي. أما حسب هذا التصور عند ابن الحداد وابن منقذ والرخجي فإن هناك سياستين مختلفتين؛ إحداهما شرعية للدين، والأخرى حياتية أو دنيوية للدنيا أو للسلوك الحياتي. صحيح أن ماهية السياستين أو جوهرهما هو العدل " ميزان الله في الأرض " ، لكن العدل هنا هو الوسط الأرسطي للفضيلة بين رذيلتين، وليس العدل الذي هو الاستواء والاستقامة حسبما يرى الفقيه المسلم. العدل هنا هو الاعتدال أو عدم التطرف. وقد أوضح ذلك تمام في تلك العبارة التي نسبها إلى أرسطو في معنى العدل استدركها في الحاشية نقلا عن الرخجي أيضا فيما يبدو. إنه وسط حسابي وليس خلقا أو سلوكا تلقائيا مستندا للشريعة. إن ابن الحداد لا يناقش ماهية السلطة في عصره أو بنيتها صراحة لكنه بهذا التحديد للسياسة في مطلع كتيبه يتخذ موقفا واضحا تماما من السلطة المعاصرة له. إن الدولة في الحقبة التي عاشها هي دولة سياسية دنيوية، وليست دولة شرعية؛ ولذلك فإنه لن يحاكمها على أساس من العودة للشريعة باعتبارها الأساس والمرجع؛ بل سيحاول أن يبقى في نطاق العدل الدنيوي أو الاعتدال والمروءة. ويذكرنا هذا التصور للسياسة الدنيوية من جانب الدولة الدنيوية بتصور ابن المقفع (137ه) في " الأدب الكبير " لأنواع السلطان أو السياسات - حسب تعبير أرسطو: " الملوك ثلاثة؛ ملك دين، وملك حزم، وملك هوى.... " . ويبدو أنه كان يقصد بملك الدين دولة الخلافة الشرعية. وبملك الحزم دولة السياسة العقلية من مثل دول اليونان والفرس. أما ملك الهوى فهو حكم الطغيان أو القوة المجردة. ونشهد تطويرا لهذا التصور عند الفقيه المغربي المرادي (479ه) في كتابه: " الإشارة إلى أدب الإمارة " إذ يقول: " السلاطين ثلاثة: سلطان عدل وأمانة، وسلطان جور وسياسة، وسلطان تخليط وإضاعة... " . أما التنظير الكامل لأنواع السلطة أو السلطان وأنواع الحكومات فنجده للمرة الأولى في الفكر السياسي الإسلامي عند الماوردي في " تسهيل النظر وتعجيل الظفر " حيث يعقد فصلا لتأسيس الملك يقول فيه إن هناك تأسيس دين، وتأسيس قوة، وتأسيس مال وثروة. وواضح أن هناك فرقا بين الحديث عن الملك أو السلطان والحديث عن الدولة أو الحكومة. وابن المقفع والماوردي والمرادي يتحدثون عن مسألة الملك أو السلطة أو السلطان لا عن الدولة والحكومة. لكن إذا قبلنا ذلك من رجل كابن المقفع كان ممتلئا بالنموذج الفارسي؛ فإن ذلك يعتبر جديدا وجريئا من جانب فقيه كالماوردي أو المرادي. وقد لا يكون النموذج الكلاسيكي هو السبب في رؤية الماوردي الجديدة بل ما تطور إليه الواقع السياسي في العالم الإسلامي المعاصر له. وعلينا هنا أن نلاحظ أن الدولة الدينية بقيت عند الثلاثة هي الدولة الفضلى أو النموذج الأفضل. وجاءت دولة الحزم أو السياسة ثانية؛ وهي عند الماوردي الدولة العصبية. وجرت إدانة دولة الطغمة أو الطغيان من جانبهم جميعا. وهذه النظرة التي بدت واقعية ومساوقة لتطورات أشكال السلطة في العالم الإسلامي ظلت تبسيطية حتى أوضح ابن خلدون (808ه) علاقة النموذج العصبي بالنموذج الديني أو الشرعي.

(1/13)


وليس من شك في أن ابن الحداد كان يعرف بحوث السابقين عليه وتأملاتهم في موضوع السلطان أو السلطة. وقد شكلت هذه المعرفة الأفق الذي أضاء له الأمر. لكنه هنا لا يتعرض لموضوع السلطة بل للدولة أو الحكومة في الحقبة التي عاشها؛ وهو لا يرى في المعاصر له حكومة شرعية بل حكومة قوة - ولذلك فإنه يقول بسياسة دنيوية لدولة القوة هذه؛ ويحاول أن يحاكم المعاصر له على أساس من مبادئ السياسة الدنيوية هذه. لكن كما احتاج الأمر إلى أخذ ورد طويلين حتى جرى الاعتراف بسلطة دينية وأخرى سلطة دنيا وحزم؛ فإن القول بسياسة دنيوية أو سياسة مصلحة أثار هو الآخر نقاشات واسعة قبل ابن الحداد وبعده. والحق أن الاعتراف بأنواع متعددة من الدول هو أكثر منطقية من الاعتراف بأنواع مختلفة من السياسات. فقد عرف المسلمون دولا غير دينية في التاريخ القديم والمعاصر لهم. كما قامت الإسلام منذ القرن الثالث الهجري دول على غير أساس ديني واضح من مثل سلطة الطاهريين بخراسان، وبني زياد باليمن، فالبويهيين؛ وغيرهم كثير. ولم يكن بوسع الفقيه السياسي الذي راقب نشوء هذه الدول في قلب نظام الخلافة الإسلامية هي الشكل الذي أجمع عليه المسلمون لدولتهم الشرعية. وهي كانت دينية إسلامية وشرعية لثلاثة أسباب: لقيامها باسم الإسلام، (خلافة عن النبوة)، ولحكمها بالشرع، ولإجماع المسلمين عليها. لكن الخلافة ليست الشكل الممكن الوحيد للسلطة الشرعية الإسلامية. إذ يمكن أن يجمع المسلمون أو يتفقوا على أن الشكل الخليفي لم يعد صالحا فيؤثرون الشكل السلطاني مثلا وتبقى الدولة شرعية لقيامها باسم الإسلام، وحكمها بالشرع، واتفاق المسلمين عليها. إن الشكل الخليفي لم يكن مهما ولا وحيدا عند جمعة من الفقهاء منهم إمام الحرمين الجويني (478ه) إذ المهم هو الحكم بالشريعة أو نفاذ أحكامها في المجتمع الإسلامي، وإطباق المسلمين على الرضا بالشكل الجديد أو الإطار الجديد للسلطة. إن الفقهاء الذين كانوا يضعون الشريعة في المركز كانوا يعتبرون أي شكل من أشكال السلطة على أرض الإسلام شرعيا إذا نفذ أحكام الله. أما الكثرة الكاثرة من الفقهاء فقد كانت بسبب حرصها على النموذج التاريخي للسلطة الإسلامية، والتجربة التاريخية للأمة الإسلامية، والإجماع التاريخي للمسلمين. تتشبث بالخلافة باعتبارها الشكل الشرعي الوحيد الممكن للسلطة على أرض الإسلام خشية أن تتفرق بالأمة السبل إذا بدأ النقاش حول شكل السلطة؛ فيطمع كل متنفذ، ويتثبت كل متربص.
هكذا لم يكن الجويني المجدد (478ه) وابن تيمية المجتهد (728ه) على ما بينهما من اختلافات في كثير من دقائق الأصول يريان غير سياسة واحدة هي الشرع أو السياسة الشرعية. إذ أنه رغم قيام سلاطين وسلطات بغي كثيرة على أرض الإسلام إلا أنها جميعا كانت تسوس الناس بأحكام الشريعة رغم الشوائب الكثيرة. وعلى الفقيه أن يناضل لتطبيق الشريعة تطبيقا تماما، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في المواطن التي يرى فيها أن الشريعة غير مراعاة تماما.
أما أولئك الذين كانوا يتمسكون بالشكل التاريخي للسلطة الإسلامية؛ فإنهم كانوا يعتبرون كا سياسة في غير ظل الخلافة الواحدة والقوية سياسة غير شرعية؛ حتى لو كانت الأحكام الفقهية التفصيلية مراعاة فيها. ذلك أن العبرة بالمسألة كلها التي تبدأ من إجماع المسلمين على تولية خليفة. وتنتهي بقضية الوحدات الثلاث: وحدة الدار (دار الإسلام)، ووحدة الأمة، ووحدة الإمام. هكذا أدى بهم الأمر للحديث عن سياستين: دينية شرعية، ودنيوية مصلحية - تبعا للقائم على التنفيذ؛ هل هو خليفة المسلمين الشرعي أو أحد المتسلطين. والذين يبدو لي أن ابن الحداد كان من رجال هذه النظرة. فلم تكن هناك سلطة للخلافة الشرعية بالموصل ولا في أي مكان في عصره، ثم إن أحكام الشريعة التفصيلية نفسها لم تكن مراعاة. ومن هنا فإن الدعوة لسياسة الدنيا؛ سياسة والمصلحة كانت دعوة متقدمة إذا ما ووجهت بالواقع المتردي. أما سياسة الشرع فقد كانت مطلبا بعيد المنال، لارتباطه بالخلافة الشرعية من ناحية، ولعداء المتسلطين له من ناحية أخرى.

(1/14)


وسياسة الدنيا أو سياسة المصلحة ترمي إلى عمارة الأرض. وقد جرت نقاشات حول إمكان هذه العمارة بسياسة المصلحة، وحول علاقة هذه السياسة بالشرع؛ يقول ابن عقيل الحنبلي (513ه): " السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي... " ، ذلك " أن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط - وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه... " . هذه هي سياسة المصلحة إذن؛ وهي في نظر ابن عقيل سياسة شرعية ما دامت تحقق الهدف الرئيسي من الرسالات والكتب: العدل. ونظرة ابن الحداد تكاد تلتقي مع هذه النظرة حتى من حيث الألفاظ وإن اختلفتا من حيث المبدأ. وخطر هذه الرؤية أو هذا الاجتهاد أنه يخرج بالعدل عن معناه المتعارف عليه في الشريعة إلى وصف غير منضبط هو: المصلحة. وقد كانت هذه المسألة مزلة أقدام لدى فقهاء الحنابلة والإمامية. وابن قيم الجوزية (751ه) الذي يدافع من هذا التصور في " الطرق الحكمية " يعود لإنكاره في " إعلام الموقعين " فيقول:: " وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة. وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل. وكل ذلك تقسيم باطل. بل السياسة والحقيقة والطريقة كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة. والباطل ضدها ومنافيها... " . ولكن هذا النقد يضيف إلى المشكلة الأساسية مشكلة أخرى تتصل بمفهوم الشريعة التي جعلها هذا الرجوع المبهم إليها غائمة الحدود والمضامين. وبسبب من هذا الغموض المحيط بمفهومي السياسة والشريعة دعا السخاوي (902ه) للالتزام بأحكام الشريعة بحذافيرها دونما اعتبار لفذلكة القائلين بشرعية السلطان ولتشبث القائلين بنموذج الخلافة؛ فقال: " ومن أعظم خطأ السلاطين والأمراء نظرهم في سياسات متقدميهم وعملهم بمقتضاها من غير نظر فيما ورد به الشرع، لا عمل السلطان بهواه ورأيه. ووجه خطئهم في هذا أن مضمون قولهم يقتضي أن الشرع لم يرد بما يكفي في السياسة فاحتجنا إلى تتمة فيما رأيناه. فهم يقتلون من لا يجوز قتله، ويفعلون ما لا يحل فعله، ويسمون ذلك سياسة. وهذا تعاط على الشريعة يشبه المراغمة... " .

(1/15)


ومن الواضح أن ابن الحداد عندما يتحدث عن سياسة دنيوية متوازنة (عادلة)، قائمة على المصلحة؛ لا يقصد أن يحل للسلاطين أن يقتلوا من لا يجوز قتله، ولا أن يفعلوا ما لا يحل فعله. كل ما في الأمر أنه كان يعرف ويرى أن السلطة المعاصرة له بالموصل وغيرها ليست سلطة شرعية بل سلطة قوة وتغلب. وسلطة كهذه لا يمكن أن ننتظر منها تطبيق الشريعة؛ إذ أن ذلك يتنافى وطبيعتها بل إنه يلغيها. لذلك فقد وجد في سياسة المصلحة (السياسة الدنيوية) مندوحة مع دعوة حارة لتجاوز ذلك أو بلوغ آفاقه القصوى بجعل المروءة العربية غاية ومثالا. ومفهوم المصلحة أو سياسة الدنيا أوصحه ابن الحداد عندما سواه بالعدل (الاعتدال) من ناحية، وباستمرار السلطان من ناحية ثانية؛ " فمن عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه " ، والظلم " مسلبة النعم، ومجلبة النقم ومن سل سيف العدوان سلب عن السلطان " ، ولأنه " ما من ملك يعدل في رعيته إلا شد الله ملكه... " . إن مراعاة مصلحة الرعية وأمر ذلك سهل كما يرى ابن الحداد كفيل بإبقاء السلطة بل تأييدها، كما دعا هو في مطلع رسالته لبدر الدين لؤلؤ. هكذا يتحقق الأمران: رضا الرعية، وبقاء الملك. على أنه إذا كانت حدود رضا الرعية لم تتضح تماما من الباب الخاص بالعدل؛ فإن ابن الحداد يعود ليحدد بدقة معنى " سياسة المصلحة " بالنسبة له في باب السياسة. إن صلاح الملك في: " الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم وأداؤه إليهم عند أدائه، وسد الفروج، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، وأن لا يحرض القوي على الضعيف " .. ورغم أن لهجة ابن الحداد ليست في صراحة لهجة كتاب مرايا الأمراء نصائح الملوك من حيث ربط بقاء الملك ومصلحته بالرضا النسبي للرعية؛ بيد أن هذا هو ما يهدف إليه. ولكن يبدو أن ثقافته الفقهية كانت هي التي تحول دون اعتماد مبدأ " مصلحة الملك " مسوغا لكل شيء. فقد أصر في كل باب على إيراد آثار نبوية أو آيات قرآنية (على قلة)؛ تذكر ما للسلطان العادل من أجر عظيم وثواب جزيل عند الله. إن الفقيه المسلم لا يستطيع تجاوز المسألة الشرعية الأخروية تماما على العكس من كتاب " مرايا الأمراء " الذين يتظاهرون بأن لا هدف لهم غير بقاء السلطان. وبذلك تصبح كل المسائل (حتى المبدئي والخير منها) تابعة لهذا الهدف أو متعلقة به. أما، ابن الحداد فإن " السلطان " ليس همه الأول. إنما همه إقامة نمط حياة محتمل بالنسبة للرعية التي كانت المتضرر الأكبر من اضطرابات العصر، وتصارع السلطات الإقليمية المتنازعة. وهو مستعد إذا أمكن تحقيق شيء من ذلك لتأييد صاحب الموصل، وامتداحه، والدعوة لسلطانه بالتأييد. ولقد كانت خطواته في بابي الكتاب الأولين (العدل والسياسة) حذرة ومضبوطة رغم الحماسة الظاهرة لبدر الدين لؤلؤ. لقد وضع العدل نصب عينيه هدفا للتخفيف عن الرعية، ثم خشي أن يكون في مطلبه هذا تطرف فجعل العدل اعتدالا ومصلحة. ثم درس مسألة تحقيق المصلحة والتوازن في باب السياسة فعاد لتخفيف مطالبه، وجعلها مقبولة تماما إذ قال إنه يكفي لجعل الأمور محتملة بالنسبة للرعية الحفاظ على التقليدي والمألوف. وهذا ما فعله معاوية وزياد والحجاج بعد حقب الاضطراب في الدولة الإسلامية الأولى. لقد أعادوا المور لنصابها عن طريق جعل العادة والمألوف والعرف الاجتماعي المقياس لصحة السياسة والتصرف أو خطئهما. ومن الطبيعي بعد هذا كله أن يؤدي استقرار الرعية إلى استقرار الراعي، واستمرار دولته. فضلا على الأجر العظيم الذي ينتظر سلطانا عادلا مثله من الله عز وجل.

(1/16)


بيد أن هذا الحذر، وهذا التوازن ما يلبث أن يتضاءل حتى يختفي تماما عبر الأبواب الثمانية الباقية من العمل، منذ الباب الثالث وحتى الباب العاشر. إن سياسة المصلحة والتوازن الكفيلة بتحقيق مصلحة كل من الرعية والراعي تتسارع خطواتها بحيث تفتقد الضبط والتوازن في الأبواب الباقية باستثناء الباب الخاص بالاستشارة. ويحاول ابن الحداد أن يخفي هذه الحركية الشديدة التي تنبض بالتوتر والاحتجاج عن طريق التذكير هنا وهناك بمسألتي السياسة الدنيوية، وإمكان تحقيق مصلحة الرعية والراعي في الوقت نفسه. لكن الذي يحل محل ذلك كله في الحقيقة هو ما يمكن تسميته بسياسة المروءة ومعروف أن المروءة قيمة عربية كبرى قديمة، بل إن بعضهم حاول عن طريقها تلخيص العرف العربي قبل الإسلام. ويبدو أنها متفرعة كمفرد على جذر مرأ والمرء؛ والمرء هو السيد والملك. أي أن المروءة كمفهوم تعني أخلاق السادة والأشراف؛ تماما مثلما عنت الفتوة فيما بعد أخلاق الفتيان. وهذان المفهومان لأنهما يضمان عرفا اجتماعيا عاما فيه الثوابت والمتغيرات يظل صعب الالتقاط والتحديد؛ وقد قدم له كتاب السمر والأخبار عبر العصور تحديدات مختلفة مأثورة؛ كما أن ابن الحداد أدلى بدلوه في هذا المجال في الأبواب السبعة الأخيرة من كتابه؛ وبخاصة في الباب الذي عقده لسياسة المروءة بالذات.
1. - ففي الكامل للمبرد (286ه)؛ يروى عن ابن عمر أنه كان يقول: إنا معشر قريش كنا نعد الجود والحلم: السؤدد؛ وتعد العفاف وإصلاح المال: المروءة... وقيل لعبد الملك بن مروان: ما المروءة؟ فقال: موالاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء. وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجريرة، وإصلاح العشيرة؛ فقيل له: وما النبل؟ فقال: الحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة. " وفي الموشى للوشاء روى الهلالي قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لرجل من ثقيف: ما المروءة فيكم؟ قال: الصلاح في الدين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النفس، وصلة الرحم. فقال النبي (ص): كذلك هي فينا. وقال عمر بن الخطاب: المروة الظاهرة الثياب الطاهرة - يعني النقية من الذنوب. وقيل للأحنف: ما المروة؟ قال: إصلاح المعيشة، واحتمال الجريرة. وقال معاوية لرجل من عبد القيس: ما تعدون المروة فيكم؟ قال: العفة والحرفة (الحرمة؟) وقال علي: " مروة الرجل حيث يضع نفسه. وقال مسلمة بن عبد الملك؛ مروتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة " .
3. - وفي تسهيل النظر وتعجيل الظفر للماوردي (450ه): " فأما الكرم والمروة فهما قرينان في الفضل، ومتشاكلان في العقل. والفرق بينهما مع التشاكل من وجهين؛ أحدهما أن الكرم مراعاة الأحوال أن تكون على أنفعها وأفضلها. والمروة مراعاة الأحوال أن تكون على أحسنها وأجملها. والوجه الثاني أن الكرم ما تعدى نفعه إلى غير فاعله. والمروءة قد تقف على فاعلها ولا تتعدى إلى غيره. فإن استعملها غيره مازجت الكرم ولم تنفرد المروة وصارا بالاجتماع أفضل... وليس واحد من الكرم والمروءة خلقا مفردا، ولكنه يشتمل على أخلاق يصير مجموعها كرما ومروءة... " .

(1/17)


هكذا تكون المروءة مجموعة من الأخلاق والتصرفات الشخصية والاجتماعية المتصلة بالناحية الجمالية للفرد. وقد صرح ابن الحداد منذ البداية بأنه لا يطمح لأكثر من سياسة محتملة للدنيا تقوم على مصلحة الحاكم والمحكوم. لكنه - كما أسلفنا غير خطته أو قادها إلى نهاياتها بعد بابي الكتاب الأولين فإذا هو يدعو بحرارة وصدق لسياسة المروءة. إنه إذا كان الحاكم غير قادر على أن يكون شرعيا عن طريق انبثاقه عن الجماعة. وغير قادر على أن يصبح كذلك بإقامة الصلاة والجهاد. وغير قادر على أن يصبح عادلا بتطبيق الحكام الشرعية التفصيلية؛ فلا أقل من أن يحكم الناس بالمصلحة والمروءة. ألا يستطيع أن يقابل رعيته ببسط الوجه؟ ألا يستطيع - وهو الفاحش الثراء أن لا يأخذ أموال الرعية غصبا؟ ألا يستطيع - وهو الفاحش الثراء أن يتفضل بعض التفضل على المعدومين والمأزومين والغارمين وذوي الحاجة؟ وهم من رعيته التي يسأله الله عنها؟ ثم ألا يستطيع التوقف عن قتل الناس لسبب ولغير سبب، ولجريرة ولغير جريرة؟! إن هذا كله ليس خيالا من الخيال. لقد فعله جماعة من الحكام في التاريخ الإسلامي لم يكونوا من الخلفاء الراشدين، ولا من الأمراء الورعين. لكن كانت ما تزال فيهم مسكة من حياء، وعربية قعساء، وبعض الأريحية والمروءة. فالحجاج السفاح عفا عن كثيرين من ذوي الجرائر. وأبو مسلم القاسي غض الطرف عن جرائم وأخطاء. ومعاوية تحمل الكثير من الأعداء والأصدقاء. والمأمون عشق فضيلة العفو حتى صار مضرب الأمثال.
يذكر ابن الحداد قولا للحكماء هو: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الإعطاء. وكأني به يرى ذلك كله في ملوك وسلاطين وأمراء ذلك الزمان ذوي الألقاب الطنانة والكنى الرنانة الذين وصلوا إلى السلطة عن طريق عسكر مرتزق غريب، وبقوا فيها بالدسائس وسلب أموال الناس وأرواحهم. إن هؤلاء المستأسدين على رعاياهم كانوا جبناء متخاذلين أما الصليبيين والتتار. وكم من أمير وسلطان منهم خامر الأعداء، وخان الأصدقاء؛ وخان قبل ذلك كله رعيته التي كان يعيش ويبذخ ويدفع لمأجوريه وحماته بالداخل والخارج من أموالهم. وصاحبنا بدر الدين لؤلؤ نفسه سار لخدمة هولاكو قبل أن يصل هولاكو إليه بزمان. وبلغ من تخاذله أمامه (حكمته وسياسته وعقلانيته!) أن أرسل كتائب من جنده للقتال معه ببغداد ضد " أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين " الذين ظل هو بدر الدين نفسه يستجديه رسائل وخلع الرضا والولاية والمخامرة على خصومه طوال السنوات الأربعين التي ولي فيها الموصل. مع ذلك أو رغم ذلك يصفه ابن الحداد في مطلع الكتاب بالملك المجاهد!! نعم! لقد جاهد! لكن ضد المسلمين من أبناء أمته. والعجيب أنه فعل ذلك وهو في عشر التسعين. وقد قاتل ضد المسلمين، ودفع مبالغ طائلة: وزوج أحد أبنائه من مغولية، كل ذلك ليضمن عرش الموصل لأبنائه من بعده؛ فلم ينفعه ذلك في شيء؛ إذ أدرك أبناؤه بمجرد وفاته أن المغول لا يقبلون بغير التخريب وسفك الدم؛ فغادروا البلد لمصر حامية المسلمين آنذاك؛ وبقيت الرعية التي تركها آل لؤلؤ، بعد أن عملوا هم ووالدهم كل شيء لتخريب نفوسها وجيوبها وتجاراتها وزراعاتها - بقيت الرعية تقاوم المغول لعشرة شهور قبل أن يستطيع الغزاة دخول البلد وذبح الناس.

(1/18)


كان بدر الدين لؤلؤ إذن كأكثر حكام المسلمين آنذاك جبانا على الأعداء. بيد أن ابن الحداد رجا أن يخفف من قسوته على الضعفاء، لكن سيرة لؤلؤ هذا شاهدة على قسوته الزائدة على كل فئات الرعية. صحيح أن رجال إدارته كانوا أكثر من قاسى من هذه القسوة. لكنه في الواقع لم يوفر أحدا من المصادرة أو الإهانة أو السجن. ومع ذلك فإن ضعفاء الناس كانوا يحتملون الضرائب المتصاعدة، وأساليب الاستيفاء القاسية بسبب الاستقرار النسبي الطويل الذي حققته إمرة بدر الدين. على أن هذا لا ينفي أن بدر الدين كان قاسيا على الضعفاء وغير الضعفاء. وفيما يتصل بمسألة السخاء فإن المصادر تصف بدر الدين بالجود والبذل. لكن الذي كان ينال الرعية من جوده نزر. ذلك أن جوده كان على الحاشية التي جمعها من هنا وهناك من أجل التباهي والتظاهر واإعداد لتوسيع سلطته وتكبيرها على حساب جيرانه. هنا كانت الأبهة مطلوبة، وكان بذل المال هينا. ثم إن بدر الدين الذي كان يعطي باليمنى لكاتب أو شاعر أو وزير؛ كان يأخذ باليسرى عن طريقة المصادرة أو السجن بحجة أن رجل البلاط هذا أو ذاك خان الأمانة. وهكذا لا يمكن القول أن الركن الثالث من أركان " سياسة " ابن الحداد في المروءة قد تحقق.
ولا يعني هذا أن بدر الدين لؤلؤ كان بدعا في حكام ذلك العصر. فقد كان معتبرا من أفاضلهم؛ إذ كانت قيم الانحطاط والتشرذم والتهالك عامة.
وتبقى ملاحظتان موجزتان؛ أولاهما أن ابن الحداد؛ مهما كانت معرفتنا بشخصيته ضئيلة لم يكن فقيها من " فقهاء السلطان " المنحطين في هواه. وتبقى رسالته هذه رغم لهجتها غير المباشرة، والثناء الظاهر على بدر الدين لؤلؤ؛ صرخة احتجاج في وجه قيم العصر وحكامه.
والملاحظة الثانية: التأكيد الظاهر على رؤية السلف للحياة ووجوه السلوك فيها، وارتباط ذلك بالعودة للقيم العربية القديمة السابقة على مرحلة التوسع الإسلامي الكبير. وقد كان المعتاد في كتب السمر ومرايا الأمراء أن تعرض الأقوال والسياسات اليونانية والفارسية والعربية جنبا إلى جنب. ومع تراجع " الآيين الفارسي " في الإدارة بظهور السلاجقة بالعراق والشام، وصعود الحركة السلفية - انكمشت الدعوة للتقاليد الفلسفية والسياسية اليونانية والفارسية لصالح تقاليد السلف، والتقاليد العربية التي ارتبطت بها في أذهان الناس. وقد بدأ ذلك قبل ابن الحداد بيد أنه ظهر جليا في رسالته هذه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مانح الملوك رياسة البلاد وموليهم سياسة العباد، ومؤيدهم بالنصر على الأضداد؛ من أهل الشقاق والعناد، وواعدهم على المعدلة حسن العاقبة في الميعاد؛ إن الله لا يخلف الميعاد.
أحمده على ما أنعم وأفاد وأشكره شكرا ليس له نفاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أخلص فيها اللسان والفؤاد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الناسخ الضلالة بالرشاد صلى الله عليه وعلى آله الأمجاد وأصحابه الزهاد صلاة لا ينحصر لها تعداد.

(1/19)


أما بعد؛ فإن من وصف السياسة لتعمر البلاد ويأمن العباد، ويصلح الفساد، وتجري الأمور على وفق السداد، وتنتعش الرعية وتقوى على أداء الفرائض الشرعية؛ وتلك نعمة من الله أودعها قلوب الولاة والملوك لينصفوا بين المالك والمملوك والغني والصعلوك. والسياسة سياستان سياسة الدين وسياسة الدنيا. فسياسة الدين ما أدى إلى قضاء الفرض وسياسة الدنيا ما أدى إلى عمارة الأرض. وكلاهما يرجعان إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان، لأن من ترك الفرض قد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض ظلم غيره. قال أفلاطون الحكيم: بالعدل ثبات الأشياء وبالجور زوالها. ولما كان العدل هو ميزان الله في أرضه؛ وبه يتوصل إلى أداء فرضه؛ بادرت إلى جمع لمعة فيما ورد من محاسن العدل والسياسة لذوي النفاسة وأرباب الرياسة وجعلتها كتابا ووسمته " بالجوهر النفيس في سياسة الرئيس " . وكان الذي حداني إلى ذلك ما انتشر في البلاد، واشتهر بين العباد من حسن سيرة المولى الأمير الكبير الأسعد الأمجد العالم العادل الكامل الزاهد العابد المجاهد أخص الخواص العامل بالإخلاص كهف الفقراء والمساكين ملك الأمراء والمقدمين خالصة أمير المؤمنين سعد الدنيا والدين ولي الدولة البدرية وصفي المملكة الرحيمية خلد الله سلطانها وأعلى في الدارين مكانها وإمكانها. أحسن الله عاقبته وأيد ولايته في البلاد، وجميل سيرته ومعدلته بين العباد، والعمل بالعدل والإفضال، وحب الصدقات وفعل الخيرات، والتنفيس عن المكروبين، والإحسان إلى جميع المسلمين المقيمين بمقره والنازحين، وإغاثة الملهوفين، وتحبيس الوقوف وإعطاء الجزيل وإسداء الجميل وتتبع فعل الخيرات؛ لا يحصى من جميع الجهات على دوام الأوقات راجيا من عند الله يوم الفضل والميقات ثوابا موفرا " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا " بلغه الله الآمال في الدنيا والمآل، وأدام دولته وحفظ مهجته، وأغز أنصاره، وضاعف اقتداره، وأحسن إليه بإحسانه إلينا، وأنعم عليه بإنعامه علينا بمحمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
ولما تم هذا الكتاب كالدر والعقيان في نحور الحسان حملته خدمة مني لمحروس خزانته العامرة ونعمته الغامرة ليزداد من حسن سيرته وجميل معدلته ويلك نعمة أنعمها الله عليه ليؤدي شكرها إليه. ثبت الله قواعد سلطانه، وأيده بتأييد أعوانه، وتولاه فيما ولاه بمحمد ومن اصطفاه. وبنيت أصول هذا الكتاب على عشرة أبواب: الباب الأول : في فضل العدل من ذوي الفضل.
الباب الثاني: في فضل السياسة من أرباب الرياسة.
الباب الثالث: في فضل الحلم والأناة من الملوك والولاة.
الباب الرابع: في فضل العفو المشوب بالصفو.
الباب الخامس: في اصطناع المعروف إلى المجهول والمعروف.
الباب السادس: في مكارم الأخلاق في متوفري الخلاق.
الباب السابع: في السؤدد والمروة من ذوي الفضل والفتوة.
الباب الثامن: في حسن الخلق من الخلق .
الباب التاسع: في فضل المشورة والرأي من ذوي الآراء.
الباب العاشر: في فضل السخاء والجود المفضل في الوجود.
والله تعالى المسؤول في بلوغ المأمول. إنه ولي الإجابة وموضع الطلابة بمنه وطوله وقوته وحوله.
الباب الأول
في فضل العدل من ذوي الفضل
روي في الخبر الجلي عن الجانب المقدس النبوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: العدل ميزان الله في الأرض فمن أخذ به قاده إلى الجنة ومن تركه قاده إلى النار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة. قلت: وناهيك منها حالة على كل الحوال فاخرة تزين دنيا وتثيب آخرة؛ أوفت عبادة العابدين مقاما إذا نالت محاولها أفخر مآلا وأشرف مقاما. وذلك أن العدل صفة من صفات الخالق، ورحمة موجودة في الخلائق يقمع سيفه كل باغ وعاد، ويكنف ظله كل ملهوف صاد؛ وهو غرس جناه أعذب خير؛ لأن خير الأعمال ما تعدى نفعه إلى الغير؛ وأقول:
والله ما حلي الإمام بحلية ... أبهى من الإحسان والإنصاف
فلسوف يلقى في القيامة فعله ... ما كان من كدر أتاه وصافي

(1/20)


وقال النبي صلى الله عليه وسلم:زين الله السماء بالشمس والقمر والكواكب، وزين الأرض بالعلماء والمطر والسلطان العادل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أفضل ما يمن الله على عباده الملك الخير الفاضل. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا.
وقال بعض الحكماء: بالراعي تصلح الرعية وبالعدل تمتلك البرية؛ ومن عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه؛ والظلم مسلبة النعم ومجلبة النقم، وأقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. ومن سل سيف العدوان سلب عن السلطان. وقال أرسطوطاليس الحكيم: العالم بستان سياجه الدولة. الدولة ولاية تحرسها الشريعة. الشريعة سنة يستنها الملك. الملك راع يعضده الجيش، الجيش أعوان يكفلهم الرزق، الرزق مال تجمعه الرعية، الرعية عبيد يستعبدهم العدل؛ العدل مألوف وهو قوام العالم. وكان مكتوبا على خاتم كسرى أنوشروان: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: إن الله تعالى يهلك الرعية وإن كانت هادية مهدية إذا كانت الأئمة ظالمة لأن أعمال الأئمة تعلو أعمال الرعية. وروى جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من ملك يصل رحمه وذا قرابته ويعدل في رعيته إلا شد الله ملكه وأجزل ثوابه وأكرم مآبه وخفف حسابه.
الباب الثاني
في فضل السياسة من أرباب الرياسة
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمس ماية عام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. قال رجل للرشيد رحمه الله في بعض غزواته. وقد ألح عليهم الثلج: أما ترى يا أمير المؤمنين ما نحن فيه والرعية وادعة؟! فقال: اسكت! على الرعية المنام وعلينا القيام ولا بد للراعي من حراسة رعيته؛ فقال بعض الشعراء في ذلك:
غضبت لغضبك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصرة الإسلام
ناموا إلى كنف بعدلك واسع ... وسهرت تحرس غفلة النوام
وقال بعضهم: طلب الرياسة صبر على مضض السياسة. وقال زياد: جمال الولاية شدة من غير إفراط ولين في غير إهمال. وقال زياد لحاجبه عجلان: قد وليتك بابي وعزلتك عن أربع: طارق ليل شر ما جاء به أم خير، ورسول صاحب الثغر فإنه إن تأخر ساعة بطل عمل سنة؛ وهذا المنادي بالصلاة، وصاحب الطعام إذا أدرك فإن الطعام إذا أعيد عليه التسخين فسد.
قال أبو الحسين؛ لما ولي زياد الكوفة صعد المنبر بعد صلاة الظهر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد رأيت إعظام ذوي الشرف وإجلال أهل العلم وتوقير ذوي الأسنان، وإني أعاهد الله لا يأتيني عالم بجاهل لاحاه في علمه ليهجنه عليه إلا عاقبته؛ فإنما الناس بأشرافهم وعلمائهم وذوي أسنانهم ثم تمثل بقول الأفوه الأودي:
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... وإن تولت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
قال أعرابي: إذا كان الرأي عند من لا يقبله، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه ضاعت الأمور.
وبلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك فكتب إليه: أفدني بما بلغت هذا! فكتب إليه: لم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد، واستكفيت على الكفاية؛ وأثبت على الغناء لا على الهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت، وودا لم يشبه كدر، وعممت بالقوت ومنعت الفضول. ولما أراد الاسكندر الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطوطاليس: أخرج معي! قال: قد كل بدني وضعفت عن الحركة فلا تزعجني! قال: فأوصيني في عمالي خاصة! قال: انظر من كان له منهم عبيد فأحسن سياستهم قوله الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج!.

(1/21)


وقال زياد: ما غلبني معاوية في شيء من أمر السياسة إلا في شيء واحد؛ وذلك أني استعملت رجلا على دستميسان فكسر الخراج ولحق بمعاوية فكتبت إليه أن يبعث به إلي فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم! أما بعد؛ فإنه ليس ينبغي لمثلي أن تسوس الناس جميعا بسياسة واحدة وأن نشتد جميعا فنخرجهم أو نلين جميعا فنمرجهم. ولكن تكون أنت تلي الفظاظة والغلظة، وأكون أنا ألي الرأفة والرحمة؛ فإذا هرب هارب من باب واحد وجد بابا يدخل فيه والسلام.
س - أل ملك من ملوك الفرس موبذان موبذ: ما شيء واحد يعز به السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما سبب الطاعة؟ قال: تقريب الخاصة والعدل على العامة. قال: فما صلاح الملك؟ قال: الرفق بالرعية وأخذ الحق منهم وأداؤه إليهم عند أوانه وسد الفروج وأمن السبل وإنصاف المظلوم من الظالم، وأن لا يحرض القوي على الضعيف. قال: فما صلاح الملك؟ قال: وزراؤه وأعوانه فإنهم إن صلحوا صلح وإن فسدوا فسد. قال: فأية خصلة تكون في الملك أنفع؟ قال: صدق النية. وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؛ ينبغي للملك أن يعمل بخصال ثلاث: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل المكافأة للمحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في الطاعة من الرعية، وفي الأناة انفساح الرأي واتضاح الصواب.
وقال أنوشروان: الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات؛ طبقة من خاصة الأبرار تسوسهم بالعطف واللين والإحسان، وطبقة من خاصة الأشرار بالغلطة والشدة، وطبقة بي هؤلاء وهؤلاء نسوسهم بالغلظة مرة وباللين مرة لئلا تخرجهم الغلظة ولا يبطرهم اللين. رفع إلى المعتضد رحمه الله أن قوما يجتمعون ويرجفون ويخوضون في الفضول وقد تفاقم فسادهم فرمى بالرقعة إلى وزيره عبيد الله بن سليمان فقال: الرأي قتل بعضهم وإحراق بعضهم! فقال المعتضد: والله لقد بردت لهيب غضبي بقسوتك هذه ونقلتني إلى اللين من حيث أشرت بالقتل والحرق! وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك! أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأن الله تعالى سائله عنها؟! أما تدري أن أحدا من الرعية لا يقول إلا لظلم لحقه أو داهية نالته أو نالت صاحبا له؟؟ ثم قال: سل عن القوم فمن كان سيئ الحال فصله، ومن كان يخرجه إلى هذا البطر خوفه. ففعل فصلحت الحال.
قال بعض الحكماء: من تغدى بسوء السيرة تعشى بزوال القدرة. وقال آخر: من ساءت سيرته لم يأمن أبدا، ومن حسنت سيرته لم يخف أحدا. وقال آخر: من أحسن فبنفسه بدا ومن أساء فعلى نفسه جنى، ومن طال تعديه كثر أعاديه.. وقال آخر: أفضل الملوك من أحسن في فعله ونيته وعدل في جنده ورعيته. قيل للإسكندر: لو استكثرت من النساء ليكثر ولدك فيدوم بهم ذكرك! فقال: دوام الذكر تحسين السيرة والسنن ولا يحسن بمن غلب الرجال أن يغلبه النساء. وقال بعض العلماء: ما أعلم شيئا بعد الإخلاص بالله أفضل من نصيحه الوالي لرعيته
الباب الثالث
في فضل الحلم والأناة من الملوك والولاة
قال الهلالي؛ بلغني أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إني أتيتك بمكارم الأخلاق كلها في الدنيا والآخرة؛ " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " ؛ وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. قال الشعبي؛ قلت لابن هبيرة: عليك بالتؤدة فإنك على فعل ما لم تفعل أقدر منك على رد ما قد فعلت. قال يزيد بن معاوية لأبيه: يا أبه! هل ذممت عاقبة حلم قط أم حمدت عاقبة إقدام قط؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليا إلا أعقبني ندما، ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا إلا أعقبني أسفا.

(1/22)


قال أبو بكر بن عياش؛ اجتمع أربعة ملوك؛ ملك الهند وملك الصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل! وقال الآخر: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت الكلمة عليه ضرته وإن لم ترجع ضرته. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. سأل علي عليه السلام كبيرا من كبراء فارس: أي ملوكهم كان أحمد سيرة؛ قال: أنوشروان! قال: فأي أخلاقه كانت أغلب عليه؛ قال: الحلم والأناة! فقال علي عليه السلام: هما توأمان ينتجهما علو الهمة. أتي الحجاج برجل من الخوارج فأمر بضرب عنقه فاستنظره يوما؛ قال: وما تريد بذلك؟ قال: أؤمل عفو الأمير مهما تجري به المقادير! فاستحسن قوله وخلاه. أتي بعض الملوك برجل قد أجرم فأمر بضرب عنقه فقال له الرجل: يا مولاي! تأن علي فإن التأني نصف العفو! فعفا عنه. أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار بن أبي عبيد فأمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير ما أقبح أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول: يا رب! سل مصعبا فيم قتلني؟ فقال مصعب: أطلقوه! قال: اجعل ما وهبت في حياتي من خفض! قال: أعطوه عشرة آلاف درهم! قال: بأبي أنت وأمي أشهد الله أن لابن قيس الرقيات خمسة آلاف! قال: ولم؟ قال: لقوله:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
يتقي الله في الأمور وقد ... أفلح من كان همه الاتقاء
فضحك مصعب؛ وقال: فيك موضع للصنيعة. وأمره بملازمته وأحسن إليه معه حتى قتل مصعب.
قال المدائني: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة؛ حليم من أحمق، وبر من فاجر، وشريف من دني. وكان يقال: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر عفا. قال خالد بن صفوان التميمي؛ شهدت عمرو بن عبيد ورجل يشتمه فما ترك شيئا إلا وأسمعه إياه فلما فرغ قال له عمر: آجرك الله على ما ذكرت من صواب وغفر لك ما ذكرت من خطأ! فما حسدت أحدا حسدي على هاتين الكلمتين. وكان يقال: إن أفضل رداء ارتدي به الحلم فإن لم يكن حليما فيتحلم فإنه قل لمن تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم.
وكان يقال: احضر الناس جوابا من لم يغضب. دخل جعفر بن محمد بن الأشعث على الرشيد وقد استخفه الغضب على رجل فقال له: يا أمير المؤمنين! إنك إنما تغضب لله فلا تغضب له أكثر مما غضب لنفسه عز وجل. كان أسماء بن خارجة الفزاري يقول: الناس إما لئيم فوالله لا أجعل عرضي لعرضه خطرا ولا أجعله لي ندا؛ وإما كريم كانت منه هفوة فوالله لا أؤنبه لأني أحق من غفرها؛ قال:
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
قال بعض العلماء: مكتوب في الإنجيل لا ينبغي أن يكون العالم سفيها ومن عنده يقتبس الحلم، ولا ينبغي أن يكون الإمام جائرا ومن عنده يلتمس العدل.
الباب الرابع
في افضل العفو المشوب بالصفو

(1/23)


قال النبي صلى الله عليه وسلم: عفو الملوك بقاء للملك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله؛ وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله. لما أتي عبد الملك بن مروان بأسرى بني الأشعث؛ قال لرجاء بن حيوة: ما ترى؟ قال: إن الله أعطاك ما تحب من الظفر فأعطه ما يحب من العفو! فعفا عنهم. ولما ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي قال لأحمد بن أبي خالد الكاتب: يا أحمد! ما تقول في هذا الرجل؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن تقتله فقد وجدت مثلك قتل مثله! وإن تعف عنه لم تجد مثلك عفا عن مثله! فقال المأمون: لا رأي لنا في الشركة! وأمر بإطلاقه؛ وعفا عنه. كان معاوية يقول: إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة؛ وإن أنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. قال عكرمة: إن الله تعالى قال ليوسف عليه السلام: بعفوك عن إخوتك رفعت ذكرك في الذاكرين. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو أحب إلي من أن أندم على العقوبة. كتب الحجاج إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين! إنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله عز وجل، وإذا عززت بالله فاعف لله فإنك به تعز وإليه ترجع.
غضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله القسري فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين! إن القدرة تذهب الحفيظة، وإنك تجل عن العقوبة فإن تعف فأهل ذلك أنت، وإن تعاقب فأهل ذلك أنا؛ فعفا عنه. كان المأمون يقول: ليس علي في الحلم مؤونة ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في العفو فيذهب عنهم الخوف فتخلص لي قلوبهم. وأنشد الحسن بن رجاء في المأمون يقول:
صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
ليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
قال المدائني؛ لما ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث فغدا يضرب أعناقهم عامة النهار فأتي برجل في آخرهم من بني تميم فقال: يا حجاج! لئن كنا في الذنب ما أحسنت أنت في العقوبة! فقال الحجاج: أف لهذه الجيف ما كان فيهم رجل يحسن مثل هذا! وعفا عنه. قال الشاعر:
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت العفو وحسن الخلق؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري! فقيل له: وكيف ذلك وما بلغ من حلمه؟ قال؛ بينما هو جالس في داره إذ جاءت خادم له بسفود عليه شواء فسقط من يديها فوقع على ابن له فمات! فدهشت الجارية! فقال: لا روع عليك! أنت حرة لوجه الله تعالى!. أتي المنصور برجل ليعاقبه فقال: يا أمير المؤمنين! الانتقام عدل والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين! فعفا عنه. كانت جارية لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام تسكب الماء على يده فنعست فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه فقال؛ إن الله يقول: " والكاظمين الغيظ " قال؛ كظمت غيظي! قال: " والعارفين عن الناس " ؛ قال: عفا الله عنك! قالت: " والله يحب المحسنين " ؛ قال: فاذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى! قال بعض الشعراء في هذا المعنى:
تموت أضغانه أيام قدرته ... ومكنة الحر تنسي فاحش الخطل
إذا الجرائم هاجته تغمدها ... بالصفح منه حليما غير ذي فشل
جنى عبد أسود على عمر بن عبد العزيز رحمه الله في عنفوان حداثته جناية ليضربه فقال له: يا مولاي! لم تضربني؟ قال: لأنك جنيت كذا وكذا. فقال العبد: هل جنيت أنت جناية قط فغضب عليك مولاك؟ قال: نعم! قال: فهل عجل عليك؟ فقال له: قم فأنت حر لوجه الله تعالى! فكان ذلك سبب توبته. لأبي محمد القاسم الحريري يقول:
أخمد بحلمك ما أذكاه ذو سفه ... من غيظك واصفح إن جنا جاني
الحلم أفضل ما ازدان اللبيب به ... والأخذ بالعفو أحلى ما جنا جاني

(1/24)


قال بعض المشايخ؛ جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم الخراساني كلام شديد فما زال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال له شهرام بالغيظ: كذبت! فلما قال له ذلك صمت أبو مسلم وندم شهرام وأقبل عليه معتذرا وخاضعا متذللا؛ فلما رأى ذلك أبو مسلم قال: لسان سبق ووهم أخطأ، وإنما الغضب شيطان وأنا جرأتك بطول احتمالي إياك؛ فإن كنت متعمدا فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعذر يسعك؛ وقد عفونا عنك على كل حال. فقال شهرام: أيها الأمير! إن عفوك لا يكون غدرا! قال: أجل! قال: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن! ولج في الاعتذار فقال أبو مسلم: يا عجبي! كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنت أسيء؟!.
قال هشام بن محمد؛ أتي النعمان بن المنذر برجلين أحدهما قد أذنب ذنبا عظيما فعفا عنه والآخر قد أذنب ذنبا صغيرا فعاقبه؛ وقال:
تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب بفضلها
ولقد تعاقب في اليس ... ير وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف حلمها ... ويخاف شدة نكلها
لأبي فراس بن حمدان يقول:
وأروع جيشه جيش بهيم ... وغرته عمود من صباح
صفوح عند قدرته حليم ... قليل الصفح ما بين الصفاح
وكان ثباته للقلب قلبا ... وهيبته جناحا للجناح
الباب الخامس
في اصطناع المعروف إلى المجهول والمعروف
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر؛ الشرك بالله والضر لعباد الله؛ وخصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: الإيمان بالله والنفع لعباد الله. وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: إن لله تعالى وجوها من خلقه خلقهم لقضاء حوائج عباده يرون الجود مجدا والإفضال مغنما والله يحب مكارم الأخلاق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤونة الناس عليه فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال.
سئل محمد بن المنكدر: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: إدخال السرور على المؤمنين. قيل له: فما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان. قال الأصمعي عن خليفة الغنوي أنه قدم البصرة فأتاه ناس من أهل الأدب يسمعون كلامه فقال لهم: يا بني أخي! اتقوا الله بطاعته، واتقوا السلطان، واتقوا الناس بالمعروف إليهم. فقال رجل منهم لما خرجوا: والله ما سمعنا كبيرا! فقال شيخ منهم: والله ما بقي من مصلحة الدين والدنيا إلا وقد أمر به. قال الشاعر:
إصنع العرف ما استطع ... ت يد العرف عالية
ويد العرف كيف كانت ... على الدهر باقية
صن سؤلا رجاك ... أن يتقاضاك ثانيه
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:، رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر. قال المهدي رحمه الله: ما توسل إلى أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلى ما أحب من أن يذكرني يدا سلفت مني إليه أتبعها أختها وأحسن ربها لأن منع الأواخرة يقطع شكر الأوائل؛ قال الشاعر:
وإنا إذا تركنا السؤا ... ل ولم نبغه فبه يبتدينا
وإذا لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبدا يبتغينا

(1/25)


قال محمد بن علي بن موسى عليهم السلام: خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح من العلم حامله، وشر من الشر جالبه، وأهول من الهول راكبه. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ما رأيت رجلا لي عنده معروف إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا لي إليه إساءة إلا أأألأببيتيهيغباأظلم ما بيني وبينه. وقال عيسى عليه السلام: استكثروا من شيء لا تأكله النار! قيل: ما هو يا نبي الله؟ قال: المعروف. وقال جعفر بن محمد عليهما السلام لسفيان الثوري: إحفظ عني ثلاثا؛ إذا صنعت معروفا فعجله فإن تعجيله تهنيته، وإن رأيت أنه كبير فصغره فإن تصغيرك إياه أعظم له، وإذا فعلته فاستره فإنه إذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره وأحسن في الناس. وقيل لجعفر بن محمد عليهما السلام: لم حرم الله الربا؟ قال: لئلا يتبايع الناس بالمعروف. وقال أبو جعفر المنصور: ليس بإنسان من أسدي إليه معروف فنسيه دون الموت. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن علي عليه السلام أنه قال: لا يزهدنك في المعروف قلة شكر من تسديه إليه فقد شكرك عليه من لم يستمتع منه بشيء وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع الكافر.
كتب أرسطاطاليس إلى الاسكندر: إملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها فإن ملكك عليها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك؛ وأعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطها إلى القلوب بالمعروف؛ واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. قيل للأحنف بن قيس: من أحسن الناس عيشا؟ فقال: من حسن عيش غيره في عيشه؛ قيل: فمن أسوأ الناس عيشا؟ قال: من لا يعيش معه أحد. قال عبد الأعلى النرسي، قدمت على المتوكل رحمه الله سامراء فدخلت عليه يوما فقال: يا أبا يحيى! قد كنا هممنا لك بأمر فتدافعت الأيام به! فقلت: يا أمير المؤمنين! سمعت مسلم بن خالد الزنجي؛ يقول: سمعت محمد بن جعفر يقول: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة؛ ثم أنشد:
لا شكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
فجذب الدواة وكتبها ثم قال: ينجز لأبي يحيى ما كنا هممنا به وهو كذا وكذا؛ ويضعف لخبره. قال رجل ليزيد بن المهلب. إن فلانا لم يعرف ما أتيت إليه! قال؛ فليكن الله يعرفه ثم أنشد:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال بعض الشعراء:
لا تمددن يدا في غير ما كرم ... تسديه أو بذل معروف وإنصاف
فسوف تلقى غدا ما أنت صانعه ... في الناس إن كدرا تولي وإن صافي
وقال ابن أبي النجم الشاعر:
إصنع الخير ما استطعت على ... الفور وإن كنت لا تحيط بكله
فمتى تصنع الكثير من الخير ... إذا كنت تاركا لأقله
وقال محمد بن طاهر الرقي:
ليس في كل حالة وأوان ... تلهيا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذر الإمكان
الباب السادس
في مكارم الأخلاق من متوفري الخلاق
قالت عائشة رضي الله عنها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جبل ولي لله إلا على السخاء وحسن الخلق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفخرن أحد على أحد فإنكم عبيد والرب واحد.
وقال معاوية لابنه يزيد: إن كنت بعدي فكن قائدا بالخير فإنه يعفي على الشر؛ وما صنعت من سيئ فليكن بينك وبين الله سر ترجوه له وتأمله به وإياك والقتل فإن الله قاتل القاتلين. وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني! إذا أتيتم قوما فأتوهم وعقولكم معكم! قالوا: فكيف ذلك؟ قال: أصيبوا من الطعام شيئا فإن البطل منكم إذا لم يفعل ذلك ثم أتى أخاه فرآه يسأل غلامه ظن أنه من أجل الطعام فيظل متعلق القلب حتى يطعم. ودخل على الحجاج صاحب شرطته وهو يتغذى؛ فقال له: هلم! قال: قد فعلت! قال: إنك لتباكر الغداء! قال: لخلال فيه أصلح الله الأمير! قال: وما هن؟ قال؛ أولهن إن أنا ناجيت أحدا لم يجد مني خوفا. الثانية؛ إن شربت ماء شربته على ثفل. والثالثة؛ إن حضرت قوما على غدائهم حضرتهم ومعي بقية فلا تشرئب نفسي إليه! قال: لله درك!

(1/26)


وقال سليمان لابنه: لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبة فترمي بالشر منك وهي برية. وكان يقال: إن أنكأ لعدوك أن لا تريه أنك تتخذه عدوا. وكان يقال: لا ينبغي للوالي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير. وقال علي عليه السلام: الفرص تمر مر السحاب؛ فإذا مرت بكم فانتهزوها. وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة؛ عالم فيتعلم منه؛ وجاهل فعلمه تؤجر فيه؛ ورجل كان عالمأ فتلف علمه فذاكره تنفعه وتنتفع به؛ وجاهل يريك أنه عالم فلا تناظره. وكان يقال: إذا دخلت على قوم فاجلس حيث أجلسوك فكل قوم أعرف بعوراتهم. وقال عبد الله بن الحسن بن الحسن لابنه: يا بني! إحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر مكر العاقل وإن كان عدوا؛ فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته في إغراره فيسبق إليك مكر العاقل؛ ومعاداة الرجال فإنها لن تعدمك مكر حليم ومفاجأة جاهل. قال بعض الحكماء: ليست الفتوة الفسق والفجور! إنما الفتوة طعام مأكول، ونائل مبذول وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف. كانت هند بنت المهلب تقول: إذا رأيت النعم مستدرة فبادرها بتعجيل الشكر قبل حلول الزوال.
وكان يقال: خمسة تقبح في خمسة؛ ضيق ذرع الملوك وسرعة غضب العلماء، وفحش النساء، ومرض الأطباء، وكذب القضاة. وكان يقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الإعطاء. وكان يقال: من ستر على مؤمن فكأنما أحياه. ويقال: الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت. قال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين! لا تكونن لشيء من أمور رعيتك أشد تفقدا منك لخلة الكريم أن تعمل في سدها، ولطغيان اللئيم أن تعمل في قلعه؛ واستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع، واللئيم إذا شيع.
قال المدائني! قارف الزهري ذنبا فساح فاستوحش من أهله فلقيه علي بن الحسين فقال له: يا زهري! لقنوطك من رحمة ربك التي وسعت كل شيء أعظم إليك من إكبارك ذنبك! فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال بعض الأكابر لبنيه: لا يمنعكم من الدواب خوف مؤونتها فإن الله لم يخلق دابة إلا خلق لها رزقها فإن جعلها لكم رزقها عندكم.
وكان يقال: أربع يسود بها العبد: العلم والأدب والفقه والأمانة.
وكان يقال: جالس الكبراء وناطق الحكماء وسائل العلماء؛ فإن مؤاخذتهم كريمة ومجالستهم غنيمة، ومحبتهم سليمة. وكان يقال: أربع لا ينبغي لشريف إن يأنف منهن وإن كان أميرا؛ قيامه عن مجلسه لأبيه، وخدمته للضيف، وقيامه على فرسه وإن كان له مائة عبد، وخدمته للعالم ليأخذ من علمه. أقبل كعب الأحبار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأدناه إلى جانبه فتنحى قليلا؛ فقال له عمر: ما منعك من الجلوس إلى جانبي؟ قال: يا أمير المؤمنين! لأني وجدت في حكمةلقمان فيما وصى ابنه أن قال: يا بني! إذا قعدت إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك فتحتاج أن تتنحى له عن مجلسك فيكون ذلك نقصا عليك وشينا. وقال كعب الأحبار؛ مكتوب في التوراة: ليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة، واشكر لمن لأنعم عليك وأنعم على من شكر لك فإنه لا زوال للنعم. إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت؛ والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير. قال بعض حكماء الفرس لابنه: يا بني! خير ما تكون أن تكون مع من هو خير منك وإن غنما حسنا أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم فتقتبس من علمه وأفضل منك في المال فيفيدك من ماله، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحا بصلاحه.
قال مكحول: التقى يحيى بن زكريا عليهما السلام عيسى بن مريم عليه السلام فضحك عيسى في وجه يحيى وصافحه وعبس يحيى. فقال يحيى: ابن خالتي! مالي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت؟ فقال له عيسى: يا بن خالتي! مالي أراك عابسا كأنك قد يئست؟! فأوحى الله إليهما: أحبكما إلي أبشكما لصاحبه. قال أعرابي: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به من المكروه ما نزل بغيره: العجلة واللجاجة والعجب والتواني، فثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة العجلة الندامة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التواني الذلة.
الباب السابع
في السؤدد والمروة من ذوي الفضل والفنوة

(1/27)


قال النبي صلى الله عليه وسلم: تجافوا من عقوبة ذي المروءة ما لم يقع حد، فإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وكانت العرب تسود على أشياء؛ أما مضر فكانت تسود ذا رأيها، وأما ربيعة فكانت تسود من أطعم الطعام، وأما اليمن فكانت تسود ذا النسب؛ وكانت الجاهلية لا تسود إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء، والنجدة والصبر والحلم والبيان والموضع؛ وصارت في الإسلام سبعا بالعفاف. قيل لقيس بن عاصم المنقري: بم سدت قومك؟ قال: ببذل الندى، وكف الأذى، ونصر المولى. قال محمد بن عمران التيمي: ما من شيء أشد من حمل المرؤة! قيل: أي شيء المرؤة؟ قال: لا تقل شيئا في السر تستحيي منه في العلانية. قال هشام بن محمد الكلبي؛ كان سلم بن نوفل الديلي سيد بني كنانة فجرح رجل ابنه فأتي به فقال له: ما أمنك من انتقامي؟ قال: فلم سودناك إلا لتكظم الغيظ، وتعفو عن الجاني، وتحلم عن الجاهل، وتحتمل المكروه؟! فخلى سبيله؛ وفيه يقول الشاعر:
يسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السي المعروف سلم بن نوفل
قال الأصمعي؛ جلس قوم فتذكروا السؤدد بينهم؛ فقال عبد العزيز بن مروان: أما أنا فمخبركم عن نفسي من غير تزكية لها؛ إذا الرجل أمكنني من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده عندي مثل يدي عنده، وإذا الرجل جاءني من خوف فلم أبذل دمي دون دمه فقد قصرت بحسبي، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان عظيما. قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: إنا نعد الجود والحلم:السؤدد، ونعد العفاف وإصلاح المال: المروءة. سأل معاوية الحسن بن علي عليهما السلام عن الكرم والمروءة والنجدة؛ قال: أما الكرم فالتبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل؛ وأما النجدة فالذب عن الجار في المواطن، والإقدام في الكريهة؛ وأما المروءة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس، وقيامه لضيفه، وأداء الحقوق، وإفشاء السلام. وكان يقال؛ يسود الرجل بأربعة أشياء: العقل والعفة والأدب والعلم. وكان عمر بن هبيرة يقول: عليكم بمباكرة الغداء، فإن فيها ثلاث خصال؛ تطيب النكهة، وتطفئ المرة، وتعين على المروءة. فقيل له: تعين على المروءة؟ قال: لا تتوق نفسه إلى طعام غيره. وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: ست من المروءة؛ ثلاثة الحضر وثلاثة في السفر. فأما التي في الحضر فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الإخوان في الله. وأما التي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله عز وجل.
الباب الثامن
في حسن الخلق من الخلق
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خيركم أحسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون. وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما أفضل الأعمال؟ فقال: حسن الخلق. ويقال: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق؛ وحسن الخلق اكتساب محمدة ودفع ضغينة.
قال خلف الأحمر، وصف لي رجل أخا له؛ فقال: كنت لا تراهالدهر إلا وكأنه لا غنى به عنك وأنت إليه أحوج، وإذا أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء. قال المدائني؛ كان سليمان بن عبد الملك يقول، أكلنا الطيب ولبسنا اللين، وركبنا الفاره؛ فلم يبق لي لذة إلا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة التحفظ.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق يمن، وسوء الخلق شؤم، وطاعة المرأة ندامة، والصدقة تدفع ميتة السوء. شكى بعض الأنبياء إلى ربه عز وجل سوء خلق امرأته فأوحى إليه إني قد جعلت ذلك حظك من الأذى. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث من لم تكن فيه لم ينفعه الإيمان؛ حلم يرد به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس. وسئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! من السيد؟ قال: الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره.
الباب التاسع
في فضل المشورة والرأي من ذوي الآراء

(1/28)


قال النبي صلى الله عليه وسلم: المستشار بالخيار إن شاء قال، وإن شاء سكت فلينصح. وقال علي عليه السلام: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها. وكان الأحنف بن قيس يقول: لا يشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المضل حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح.
قال زياد لحاجبه عجلان: أدخل علي رجلا عاقلا حتى أشاوره في بعض أمري! فقال: لا أعرف من تعني! فقال: إن العاقل لا يخفى في شكله وكلامه وهيئته! قال: فخرج فلقي رجلا بهيا حسن الوجه، مديد القامة؛ فقال له: ادخل! فدخل! فقال له زياد: إني أريد مشاورتك في أمر! فقال: إني جائع ولا رأي لجائع! فقال: أحضروه الطعام! فلما قضى حاجته منه، قال له: هات! فقال: إني حاقن ولا رأي لحاقن! فقال يا عجلان! أدخله المتوضأ. فلما خرج سأله عن أمره فما فال له شيئا إلا وأحسن الجواب عنه. وكان يقال: لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بفعلك،ولا جبانا فيخوفك ما لا تخاف، ولا حريصا فيعدد ما لا يرجى، فإن البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن. وكان يقال ما استنبط الصواب بمثل الكبر. استشار أبو جعفر المنصور سلم بن قتيبة؛ فقال له: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال: " لو كان فيهما آلهة ير الله لفسدتا " قال: حسبك!. وقال الشاعر مادحا لبعضهم:
يصيب بالرأي ما يعيا العيان به ... في القرب والمنتوى والريث والعجل
تموت أضغانه أيام قدرته ... ومكنة الحر تنسي فاحش الخطل
وقال الأوزاعي: نعم وزير العلم الرأي الحسن.وقال عبد الملك بن مروان: لأن أخطئ وقد استشرت أحب إلي من ان أصيب وقد استبددت برأي فإمصيه عن غير مشورة، لأن المقدم على رأيه يزري به أمران: تصديقه رأيه الراجب عليه تكذيبه، وتركه من المشورة ما يزداد في أمره بصيرة. وقد قال الشاعر:
إن الأمر أشكل إنفاذه ... ولم تر منه سبيلا فسيحا
فشاور بأمرك في سره ... أخاك أخاك اللبيب النصيحا
فيا ربما فرح الناصحون ... وأبدوا من الرأي رأيا صحيحا
ولا يلبث المستشير الرجال ... إذا هو شاور أن يستريحا
الباب العاشر
في فضل السخاء والجود المفضل في الوجود
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، أشد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ من مالك، وذكر الله تبارك وتعالى على كل حال. أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فهو سخي. وقال علي عليه السلام: إنما أمهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقيل للحسن البصري رحمه الله: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعد ذلك عليه حقوقا. قال الشاعر:
يرى حقا وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لأهلها وهو الرسول
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من صباح إلا وملكان يناديان واحد بالمشرق وآخر بالمغرب: اللهم أعط منفق مال خلفا، وممسك ماله تلفا. قال المدائني، تحمل الهذيل بن زفر بن الحارث ديات فأتى يزيد بن المهلب؛ فقال: أصلحك الله إنه قد عظم شأنك عن أن يستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف إلا وأنت أعظم منه، وليس العجب أن تفعل، وإنما العجب أن لا تفعل! قال: حاجتك! فسأله أن يعينه في الديات التي تحملها فتخملها عنه كلها وأمر له بماية ألف درهم. فقبل الديات ولم يقبل الماية ألف؛ وقال: ليس هذا موضعها!. وكان يقال: اعتذار من منع أحسن من وعد ممطول. وقال حذيفة بن اليمان: رب رجل فاجر في دينه أخرق في معيشته دخل الجنة بسماحته. دعا الحسن البصري رحمه الله حجاما بالدار يسوي شاربه فأعطاه درهمين فقيل له في ذلك فقال: لا تدنقوا فيدنق عليكم. قال الأصمعي: كتب الحسن إلى الحسين عليهما السلام يعيب عليه إعطاء الشعراء فكتب إليه: خير المال ما وقي به العرض.

(1/29)


استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري على غزاة البحر وأمره بالنفقة. فلما ولي أخوه سليمان بن عبد الملك عزله وأغرمه من ذلك المال ألف ألف درهم. قال: فاجتمعت رجال من قيس لذلك الغرم؛ فقالوا: إلى أين تذهبون وبمن تستعينون؟! قال، فقال لهم قائل: هل لكم في يزيد بن المهلب؟ قال: ويزيد يومئذ على شرط سليمان بن عبد الملك وما وراء بابه. قال: فخرجوا حتى دخلوا عليه فتقدم عثمان بن حيان المري صاحب الغرم فقال: زاد الله في توفيقك وسرورك! إن الوليد رضي الله عنه استعملني على غزاة البحر وأمرني بالنفقة فأنفقت؛ وإن سليمان أمير المؤمنين - مد الله في بقائه أغرمني من ذلك المال ألف ألف درهم؛ والله ما يسعها مالي ولا يبلغها أملي، وقلت يزيد بن المهلب، سيد أهل العراق، وصاحب المشرق ووزير الخليفة، وأتيتك لتحمل عني من ذلك ما سهل عليك، وما يبقى والله علي ثقيل! قال: ثم سكت. وتقدم فلان القيسي خال الوليد بن عبد الملك؛ فقال: أصلحك الله! إنه ما خص هذا عمنا وقد أتيناك في أمر لم نجد أحدا ينفرد به ولا يساعد من يعين عليه فإن تكف فليس بأكثر ما فيك،وإن تدفعه فما له سواك! قال: ثم سكت. وتقدم عمر بن هبيرة الفزاري، فقال: أصلحك الله! إنا والله لو وجدنا أحدا دونك لاخترناه، أو خلفك لتخطينا إليه! والله ما الدخان بأدل على أنه من النار ولا العجاج أنه من الرياح من ظاهر أمرك على باطنه وقد أتيناك شفعاء لابن حيان في هذا المال؛ فإن تستكثره فقد يظلع ما هو دونه، وإن تستقله فقد ترجى لما هو أكثر منه! قال، ثم سكت، وتقدم زفر الكلابي، فقال: أصلحك الله! إنا والله لم نزنك بأحد الملوك إلا رجحت به ولم نقسك بأحد منهم إلا ارتفعت عليه، ولا غاية يبلغها أحد إلا وقد بلغتها وأنت فيها مقدم وحقك فيها معظم، وقد لأتيناك شفعاء لابن حيان في هذا المال والله ما العجب من أن تفعل ولكن العجب من أن لا تفعل وأنت أنت! قال: فقال أبو خالد: مرحبا بكم وأهلا! إن خير المال ما وقي به العرض، وإنما لي من مالي ما فضل عن النوائب، ولو علمت أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إليه! فاحتكموا! قالوا: نصف المال! فلما كانوا على باب السرادق قال لهم قائل: إلى أين تذهبون وبمن تسعينون! والله ما يبالي يزيد أنصفا حمل أم المال؟! فارجعوا! فرجعوا فقال: مه! قالوا: أقلنا أصلحك الله! قال: قد أقلتكم! قالوا: المال كله! قال: المال كله! قال، فبعث إليه ابن الرقاع العاملي بأبيات فيها:
فلم تر عيناي كمثل حمالة ... تحملها كبش العراق يزيد
وقالوا:
أقل يا بن المهلب زلة ... فقال أقلتم إن ذا لعتيد
تحمل عنهم بألف ألف برسله ... ولو أنهم سالوا المزيد لزيدوا
رأى عمر أن ليس يحمل ثقلها ... سواه وما عن قول تلك محيد
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي (أنه فال: ما من رجل إلا وله صيت في السماء فإذا كان صيته في السماء حسنا وضع في الأرض، وإذا كان صيته سيئا وضع في الأرض. كان عبد الله بن جعفر يقول: ليس الجواد الذي يعطي بعد المسألة ولكن الجواد الذي يبتدئ لأن في بذل الوجه أكثر مما يصل إليه.
وخرج رجل من بني جعفر بن كلاب متوجها إلى عبد الله بن عامر بن كرير فلما قدم عليه قال له الحاجب: إن الأمير نائم فأقم بموضعك حتى ينتبه! قال: فأنشأ الجعفري يقول:
إن الجواد إذا ما جاء سائله ... لم ينظر البذل أفواه الموازين
لم ينفض المال نفض الظل ينقضه ... طير السماء بأعواد البساتين
فقال عبد الله بن عامر لخازنه: كم ورد عليك اليوم من المال؟ قال: مائة ألف من جندي سابور. قال: ادفعها إلى الجعفري بلا ميزان كما قال! فقبضها وأنشد يقول:
لله عبد الله من رجل ... ضخم السيعة طاهر الأثواب
يهب المئين من الألوف ولا يرى ... لي العدات ودسعة الحجاب
بل بابه أعلى البقاع مبرزا ... للمرملين وسائر الخطاب
عوتب عبد الله بن جعفر على كثرة إفضاله، فقال: إن الله عودني أن يفضل علي وعودته أن أفضل على عباده فأكره أن أقطع العادة عنهم فتنقطع العادة عني.

(1/30)


قدم رجل من أهل المدينة على عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي بفارس أقام ببابه لا يؤذن له فارتحل، وهو يقول:
رأيت أبا حفص تجهم مقدمي ... ولط بقول عذره ومواربا
فلا تحسبني أن تجهمت مقدمي ... أرى ذاك عارا أو أرى ذاك ذاهبا
ومثلي إذا ما بلدة لم تواته ... تيمم أخرى واستدام العواقبا
فبلغت أبياته ابن معمر فأرسل في طلبه حتى رد فأدخل عليه فقال: حدثني عنك! أتضربني برحم بيني وبينك؟ قال: لا! قال: فهل من يد تعتد بها عندي؟ قال: لا! إلا أني كنت إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تركت الناس يمنة وشأمة وجئتك حتى أجلس إليك! قال: وأبيك إنها ليد! كم أقمت ببابي؟ قال: أربعين يوما! قال: أعطه أربعين ألفا لكل يوم ألف درهم.
كتب محمد بن عمر الواقدي إلى المأمون رحمه الله يشكو غلبة الذين وضيق اليد فوقع على كتابه: فيك خلتان الحياء والسخاء؛ فأما الحياء فهو الذي منعك أن ترفع إلينا خبرك؛ وأما السخاء فهو الذي أنفذ ما بيدك؛ وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير: " يا زبير! إن باب الرزق بإزاء العرش ينزل الله على عباده على قدر نفقاتهم فمن كبر كبر له، ومن قلل قلل عليه " ، وقد أمرنا لك بماية ألف درهم فاتسع في ذات يدك! فقال الواقدي: والله لمذاكرته إياي الحديث - وقد أنسيته أحب إلي من جائزته.
مدح ابن حيوس الشاعر نصر بن محمود بن نصر صاحب حلب بقصيدة، فكان مما قال فيها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... ولا افترقت ما فر عن ناظر شفر
ضميرك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
وكان لمحمود بن نصر سجية ... وغالب ظني أن سيخلفها نصر
فقال: والله لو قال " سيضعفها نصر " لأضعفتها له! وأمر بما أمر له أبوه وهو ألف دينار في طبق فضة. وكان على بابه جماعة من الشعراء فقال أحدهم:
على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فقال: والله لو قال " بمثل الذي أعطيته لابن حيوس " لأعطيتهم ذلك! وأمر لهم بنصفه.
قال محمد بن أيوب العجلي؛ اجتمع الناس بباب أبان بن الوليد البجلي وفيهم ابن بيض فتذاكروا الجود وأجواد العرب فقال بعضهم: حاتم! وقال بعضهم: كعب بن مامة! وقال بعضهم: طلحة الطلحات أجود أهل الإسلام! وأبان مشرف عليهم يسمع كلامهم فهيأ ابن بيض أبياتا ثم أذن لهم أبان فدخلوا، فقال: فيم كنتم؟ فقام ابن بيض فقال:
زعم النضر والمغيرة منهم ... وكذا البختري وابن عياض
أن جود العراق بان فولى ... يوم بانوا بطلحة الفياض
فقال له أبان: فماذا قلت؟ قال؛ قلت:
كذبوا والذي يحج له ... الركب سراعا منفضات عراض
لا يموت الندى ولا الجود ... ما دام أبان مناخ ذي الإنفاض
فإذا ما المليك نادى أبانا ... أذن الجود والندى بانقباض
فقال له أبان: احتكم! فحسده رجل، فقال: أصلحك الله! لا تفسد على الأمير عطيته - يعني خالد بن عبد الله القسري؛ فإنه أعطى رجلا على بيتين عشرين ألف درهم! فقال: لولا ما قلت لأعطيته عشرين وعشرين وعشرين! فأعطاه عشرين ألف درهم.
كان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري سخيا، وكان بخلاف أبيه، وكان أبوه بخيلا - فحضر المهرجان فجلس يزيد في قصر الحجاج وأمر بطعام يتخذ له يطعمه أصحابه ثم جلس على سرير في وسط الدار في صحن دار الحجاج وأذن لأصحابه؛ فدخل فيمن دخل خلف بن خليفة الأقطع فجلس حيال وجهه يذكر بنفسه وجاء الدهاقين بوظائف من المال وآنية الذهب والفضة واللباس والفرش فملأوا بها الدار! فأقبل ابن هبيرة يقول لأصحابه: يا فلان! خذ! ويومئ إلى الأشياء ويعطيهم المال! ويفعل ذلك بمن إلى جنب خلف ويتعدى خلفا، فأقبل خلف يرفع رأسه إليه يريه أنه يسبح فلما كثر ذلك عليه ونظر إلى ما في الدار ينفذ ويولي، قام، فقال:

(1/31)


ظللنا نسبح في المهرجان ... في الدار من حسن جاماتها
فسبحت ألفا فلما انقضت ... عجبت لنفسي وإخباتها
وأشرعت رأسي فوق الرؤو ... س لأرفعه فوق هاماتها
لأكسب صاحبتي صحفة ... تغيظ بها بعض جاراتها
وأبدلها بصحاف الأمير ... قوارير كانت لجداتها
قال: فضحك ابن هبيرة؛ وقال: خذ ذاك الجام؛ فأعطاه جام ذهب كثير الوزن فأخذه في يده ثم قام، وقال:
أضحت صحفة بيتي من ذهب ... وصحاف الناس حولي من خشب
شفني الجام فلما نلته ... زين الشيطان لي ما في الجرب
إن ما أنفقت باق كله ... يذهب الباقي ويبقى ما ذهب
قال: فضحك ابن هبيرة، وقال: خذ! خذ! فأعطاه حتى أرضاه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوا الرزق إلى الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوا إلى القاسية فلوبهم فإن عليهم تنزل اللعنة.
نزل بأعرابي ضيف فتذمرت امرأته وضجرت فقال له: اسكتي! وبذلك! ثم قال:
من شر أيامك اللاتي خلقت لها ... إذا فقدت ندا صوتي وزواري
فأنشد الأعرابي يقول:
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير ترجى للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
كان لبيد بن ربيعة لا يمر يوم إلا هرق فيه دما، فكان يفعل ذلك إذا هبت الرياح. قال: وربما ذبح العناق إذا ضاق. فبعث إليه الوليد بن عقبة بماية نلقة، فلما جاءته قال لابنته: أجيبيه عني! وكان لبيد قد نظم الشهر. وكان الوليد كتب إليه بأبيات من الشعر يمدحه بها ويحثه على فعل الخير:
أرى الجزار يشحذ شفريته ... إذا هبت رياح أبي عقيل
أغر الوجه أبيض عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل
وفي ابن الجعفري بحلفيته ... على العلات والمال القليل
فقالت الصبية مجيبة له:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليد
طويل الباع أبيض عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... وظني بابن أروى أن يعودا
فقال: أحسنت لولا أنك سألت! فقالت: إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم! قال: وأنت في هذا أشعر.
قال بعض العلماء: أقوى الناس أعودهم بقوته على الضعفاء، وأبلغهم أنطقهم عن أهل العي، وأحقهم بالنعمة أشكرهم لها، وأجودهم أصوبهم بعطيته موضعها. وقال علي عليه السلام: حسب البخيل من بخله سوء ظنه بربه، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية. وكان المأمون يقول: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء، وإن الرزق الواسع لمن لا يستمع به بمنزلة طعام موضوع على قبر! أف للبخل! لو كان طريقا ما سلكته، ولو كان قميصا ما لبسته! قال أبو معيوف الحمصي، حدثني أبي أنه حضر الحكم بن المطلب حين مات فقال: اللهم هون عليه؛ فإنه كان وكان! قال، فذكرت محاسنه فأفاق فقال: من المتكلم فقلت له: أنا! فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكل سخي رفيق! ثم كأنه كان فتيلة انطفت آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ووافق الفراغ منه على يد جامعه الفقير إلى رحمة الله العلي محمد بن منصور بن حبيش الواعظ المعروف بابن الحداد عفى اله عنه. وكان في يوم الاثنين ثالث وعشرين جمادى الآخرة من سنة تسع وأربعين وستمائة حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه محمد وآله وسلم تسليما.

(1/32)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية