صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التمام في تفسير أشعار هذيل
المؤلف : إبن جني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

والتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها، ألا ترى أنها تردد الشيء طورا كذا وطورا كذا كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر، ويؤكد عندك كون عينها واوا أيضا قولهم في معناها: طورا وطورا وأطوارا، والطاء أخت التاء فكأنهما لذلك حرف واحد، وقد ترى تعاقبهما في نحو قولهم: الترياق والطرياق والترنجين والطرنجين، وفي قول علقمة " من الطويل " :
وفي كل حي قد خبط بنعمة ... فحق لشأن من نداك ذنوب
أي خبطت، وقالوا: فحصط برجلي، وله نظائر. وقالوا في المترس: المطرس، وكلاهما أعجمي والعرب تسمى المطرس لزازا. فهذا وجه الاشتقاق. وأما وجه القياس فلأنها عين، وقد سبقت وصية صاحب الكتاب في نحو هذا بما قد عرفته.
(26) وقال الفهري ابن أخت بني قريم من صاهلة " من الكامل " :
لما رأيت بني عدي مرحوا ... وغلت جوانبهم كغلي المرجل
قال: مرحوا من المرحى، والمرحى موسى الحرب، لم يعرف أبو عمرو مرحوا، انتهى كلامه. الظاهر في معنى الحرب على ما فسره انه مرساها أن يكون " مفعلا " من أفظ الرحى، ومعناها، ألا ترى إلى كثرة ما جاء عنهم من تشبيه موضع الحرب بالرحى، قال عمرو بن كلثوم. " من الوافر " :
قريناكم فجعلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا
يكون ثقالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة اجمعينا
وقال الآخر " من الخفيف " :
ثم الدبرات دارت رحانا ... ورحى الحرب بالكماة تدور
ومن كلام ابن عباس في صفة أمير المؤمنين عليهما السلام: " فحمل عليهم حملة أحالهم فيها جولان الرحى بثفالها " ، فإذا كان كذلك لم يجز أن يكون " مرحوا " من لفظ الرحى؛ لأنه لو جعلته منه لكان " مرحوا " : مفعوا، وهذا مثال غير موجود في كلامهم. فإذا كان كذلك حملت " مرحوا " على أنه مرحوا من المرح، وبناؤه على " فعلوا " لكثرة المرح منهم كقولهم: " موتت الإبل " و " قومت الخيل " ، ويدل على أنه من المرح أيضا قوله يليه: " وغلت جوانبهم كغلي المرجل " ، فالغليان: النشاط والحركة والاضطراب، وكذلك المرح، وهذا أمر ظاهر، فهذا أذهب عندي في الصواب مما قاله السكري.
(27) وقال أبو جندب بن مرة " من الرجز " :
أنى امرؤ أبكي على جاريه ... أبكي على الكعبي والكعبية
ولو هلكت بكيا عليه ... كانا مكان الثوب من حقويه
ليس هذا في الفحش كقوله " من الوافر " :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
يسلب حرف اللين لينه، إلا أن فيه مع ذلك ضربا من الضعف لأن الإدغام لم يستهلك منع جميع مدة ما دام ما قبل الحرف منه، ألا ترى أنه لا يجوز مع " الكعبية " الفدية والفتية ونحو ذلك، بل قد يجوز معها - إذا انفتح ما قبلها - غيرها نحو: ليا وطيا يجوز معه نجيا وظبيا وذلك لأنه انضاف إلى الإدغام انفتاح ما قبل الحرف فزال المد، فأما امتناع من امتنع من الجمع بين ليا وظبيا، فليس ذلك شيئا يرجع إلى حرف اللين إنما هو لأنه لا يجمع بين المشدد وغيره في الروي، وقد قدمنا القول على فساد امتناعه من هذا ونحوه في كتابنا الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن رحمه الله.
(28) قال سويد بن عمير الخزاعي " من الكامل " :
القوم أعلم لو ثقفنا مالكا ... لاصطفاف نسوته وهن أوالي
قال: أولى " فواعل " من " ألوت " أي وهن حزان أي لا يجتهدون، لغة هذيل: ألوت أي قدرت واستطعت، فحقيقة قوله " وهن أوالي " أي قوادر على البكاء وإنما وصفهن بالقدرة عليه لأنهن كن يكثرن منه فاكتفى بالسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو البكاء، وهذا كثير وقد مضى مثله.
وفيها:
يابا خصيلة لن يميتك بعدها ... يابا خصيلة غير شيب قذال
أراد: يا أبا خصيلة، فحذف الهمزة تخفيفا كقول أبي الأسود " من الكامل " :
يابا المغيرة رب أمر معضل ... فرجته بالمكر مني والدها
وحكى أبو زيد: " لا بلك " وقد تقدم القول في هذا.
وقال أيضا " من الطويل " :
ألا ابلغنا أفناء لحيان آية ... وكنت متى تجهل خصيمك يجهل

(1/29)


المخاطب بقوله: " ابلغنا " صاحباه، والمخاطب بقوله " متى تجهل خصيمك " هو نفسه كأنه فيما بعد نفسه كقراءة من قرأ: " أعلم أن الله على كل شيء قدير " أي: اعلم أيها الرجل. وواحد الإفتاء: فنى مقصور، لأمه مشكلة، وينبغي أن تكون من الواو من قولهم شجرة فنواء، ووجه التقائهما أن أفناء الناس جهاتهم ونواحيهم، وشجرة فنواء أي لها أفنان ونواح، فهذا وضوحا وانكشافا. وأما ألف " متى " فإنها أصل غير منقلبة، وذلك أن هذا اسم مبني، والأسماء المينية عندنا في كثير من الأمر لاحفة بالحروف، فكما أن ألف " إلا " و " أيا " و " هيا " ونحو ذلك أصول غير متقلبات فكذلك ألف " متى " . فأن قلت: فقد أمالوها وهذه طريق الانقلاب قيل لم يمل لانقلابها ولكن لتحقيق مذهب الاسمية لها كما أمليت ألف " أني " لذلك لا لأن شيئا من ذلك منقلب، فأن قلت: فهلا أميلت على هذا ألف " إذا " وهي اسم؟ فالجواب عن ذلك من موضعين، أحدهما: أنا لا نعرف في جميع الكلام علة توجب الإمالة، وإنما جميع أسبابها أسباب جوازها لا أسباب وجوبها، والآخر: أن " إذا " اقعد في شبه الحرف من " متي " ، وذلك لقيام " متي " في كلا وجهيها الشرط والاستفهام بنفسها، وأن " إذا " في الشرط لا تنفك من الإضافة، وذلك عندنا مضعف لها لا مقو كما يظن، وأما المكانية فأضعف من " متى " لمنابها عن الفاء في جواب الشرط وتضمنها معناها، ولا بد قبلها من جملة تبعها. وقد تقصيت القول على بابها في غير هذا الكتاب فاعتمدت عليه ولم أطل هنا بإعادته.
وفيها:
وتنسى الألى جشنا بهم فتركتهم ... لدى خلف يسعون في كل مرمل
وكذلك القول في ألف الألى ليست عندنا منقبلة، ولو قيل إنها منقلبة لقربها من المتمكن أشد من قرب " متى " لكان وجها، وكذلك ألف " لدى " هي كألف " إلى " وأن كانت " لدى " اسما، ألا تراها عوملت معاملة " إلى " مع المضمر فقيل: لديك ولديه، كإليك وإليه.
(29) وقال عمرو بن هميل اللحياني " من الوافر " :
ألا من مبلغ المعبي عني ... رسولا أصلها عندي ثبيت
وقد قال الفراء في قول الشاعر " من الكامل "
لو كان في قلبي كقدر قلامق ... حبا لغيرك قد أتاها أرسلي
إنه إنما كسر رسولا على أرسل، لأنه ذهب بالرسول هنا إلى المرأة، وذلك إن أكثر من يرسل في هذا المعنى النساء دون الرجال، فلما أراد المرأة غلب فيه معنى التأنيث فكسر " فعولا " على " أفعل " ، و " أفعل " مما يكسر عليه هذا النحو نحو: أتان أتن وعقاب وأعقب وعناق وأعنق ولسان والسن، وإذا كان الرسول بمعنى الرسالة فقد كفينا هذا التمحل والتطلب فلتقل إنه كسر رسولا على أرسل؛ لأن الرسول ههنا الرسالة وهو مؤنث البتة، وقد ذكرت في أول هذا الكتاب طرفا مما حمل من هذا النحو على معناه دون لفظه كقوله " من الطويل " :
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وقوله " من الطويل " :
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
وفيها:
تعلم أن شر فتى أناس ... وأوضعه خزاعي كتيت
قال: كتيت: بخيل، يقال إنه لكتيت اليد أي: بخيل. أصل ذلك أن الكتيت صوت غليان القدر إذا قل ماؤها، فهو أقل صوتا واخفض حالا من غليانها إذا كثر ماؤها فهو إلى الضيق والقلة.
وقال عمرو بن جنادة " من الوافر " :
لقد أسرفت حين كسوت ثوبي ... مرابد بالحجاز لها كتيت
" قال " أبو عمرو: كتيت: غليان، كت يكت. ينبغي أن يكون هذا اللفظ مشتقا من الصوت، وذلك لأن الكتيت غليان القدر إذا قل ماؤها فكأنها تقول: كت كت، فاشتق منه على حكاية الصوت، ومثله قولهم تغطمطت القدر إذا قالت: غط مط حكاية صوتها، ومنه قولهم في صوت البحر " من الرجز " :
كالبحر يدعو هيقما وهيقما ... كالبحر ما لقمته تلقما
وأنشدنا أبو علي:
يدعو الأشاخيب هشاما تهشمه
وقال: هشام حكاية شخب اللبن، ومنه بيت الراعي " من الطويل " :
إذا ما دعت شيبا بجني عنيزة ... مشافرها في ماء مزن وباقل
وإنما الشيب صوت مشافرها عند الماء، ومنه قولهم في اسم الفرج: الخاقباق، وإنما سمى بصوته. قال " من الرجز " :

(1/30)


قد أقبلت عرة من عراقها ... ممدودة الرجل بخاقباقها
ومثله الخازباز، وإنما هو صوت الذباب فسمي به وهذا كله شاهد للكتيت، وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا ابعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى إن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة، وكذلك قطع وقدع، فقدع الإنسان قطع له عن فعله إلا أن الطاء أصفى من الدال، والقطع بالسيف. ونحوه: أصفى ضربا، وانصع فعلا من القذع الذي إنما هو كلام، وبين الطاء والدال ما بين الفعل والقول، وهذا باب إنما يصحب وبنجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: بحثت التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا نترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز، ولقد هممت غير دفعة بتصنيف كتاب في هذا المعنى وترتيبه وكشف معانيه وطرقاته وإظهار وجه الحكمة المعجزة الدالة على قوة الصنعة فيه، ولكن الوقت لضيقه مانع منه ومن الله المعونة.
وقال عمرو بن هميل " من الوافر " :
خزيمة عمنا وأبي هذيل ... وكلهم إلى عز وليت
قال أي وليت ذلك منهم. هذا اللفظ منه ربما أوهم إن قوله " وليت " منقطعة الموضع عن إعراب ما قبلها، وليس كذلك بل وليت مجورة الموضع لأنها صفة لعز أي إلى عز وليته، أي كانت لي ولايته وقديمه فحذف عائد الصفة تشبيها للصفة بالصلة، ومنه بيت الكتاب " من الوافر " :
أبحت حمى نهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
وله نظائر.
(30) وقال عامر بن سدوس الخناعي " من الطويل " :
ألم تسل عن ليلى وقد نفد العمر ... وأوحش من ليلى والموازج والحضر
قال: الموازج والحضر موضعان. يجوز أن يكون الموازج فواعلا من مزجت كعوارض ودوارس، ويجوز أن يكون من الأزج فيكون مفاعلا، خففت همزته فخلصت، قال العجاج " من الرجز " :
عنس تخال خلقها المفرجا ... تشيد بنيانا يعالي أزجا
وفيها:
وإن أمس شيخا بالرجيع والدة ... وتصبح قومي دون دارهم مصر
قال مع والده، قال وتصبح جواب. لام أمسيت ياء لقولهم:
لكل هم من الهموم سعه ... والصبح والمسي لا فلاح معه
وقد أبدلت هذه الياء جيما. قال:
حتى إذا ما أمسجت وأمسجا
وفي هذا عندي أقوى دليل على صحة ما تدعيه من أن العرب إذا هجرت أصلا من الأصول وانصرفت عنه فإنها تنويه وتعقيده، ألا ترى أنه لولا أن اصل " أمست " عنده أمسيت لما قال: أمسجت، فإذا كان كذلك علمت به أن أصل دعت: دعوت، وأصل قضت: قضيت، فبهذا ونحوه ادعت علماء العربية إن كثيرا من هذه الألفاظ المستعملة المطردة لها أصول مرفوضة مطرحة، وإنها مع اطراحها وهجرها فإنها مراعاة معتدة وإن ظهور ما ظهر منها في بعض الأحوال دليل على تقدير نظائره وإرادة مثله مما عدا استعماله.
(31) وقال مرة بن عبد الله اللحياني " من الوافر " :
تركنا بالمراح وذي سحيم ... أبا حيان في نفر منافي
" مراح " : فعال من المرح، وميمه أصلية، ولا يكون من الروح لأنه كان يلزم فيه مروح، فيصح كما يصح نحو: مروحة ومخيط لانه منقوص من " مفعال " على ما بينه الخليل.
(32) وقال إياس بن جندب بن المعترض " من الوافر " :
ألا " يا " ليت شعري يا لقوم ... أجهل يا أبن بجدة أم غرام

(1/31)


في هذا البيت دلالة على فساد قول من قال إن قولهم: " يا لزيد " معناه: يا آل زيد، ألا ترى إنه لا تضاف " آل " هذه " إلا " إلى الأخص الأعرف فتقول: هؤلاء آل الله، " قال سبحانه " : (أدخلوا آل فرعون اشد العذاب). فلا تقول: رأيت آل رجل، ولا: كلمت آل امرأة وقد قال: " يا لقوم " وهو نكرة غير معرفة فقد ثبت إن معناه يا قوم، زقزم ليس من الأعلام ولا من الخواص.
(33) وقال خالد بن زهير بن المجرب " من الطويل "
لعمر بني هند لقد دق مضغكم ... ويؤتم إلى أمر إلي عجيب
قال: " دق مضغكم " : صغر شأنكم، هذا تفسير على المعنى لا على اللفظ، ألا ترى إن أحدا لا يسمه الشأن مضغا. وتفسير معناه إنه استصغر شأنهم فسماه مضغا لأن هذه كلمة بكنى بها عن الضعة والصغار كقولك: جاءني يمضغ كلامه، أي وكلامه فاتر ساقط.
ومنها:
ولم يجد فعلي نقرة بمسافع ... فيثنى أمنا كان غير مثيب
معناه: فعلي بمسافع، فإن حملته على هذا كان فيه الفصل بالأجنبي، ألا ترى إن الباء كانت تكون من صلة " فعلي " وقد فصلت بينهما بقولك " نقرة " أجنبية منهما لأنها منصوبة ب " يجد " فإذا كان كذلك حملته على مضمر محذوف يدل عليه " فعلي " كأنه قال فيما بعد: فعلت بمسافع، ونظيره قول الله سبحانه: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله اكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون)، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
(34) وقالت أم تأبط شرا ترثيه
يجدل القرن ويروى الندمان ... ذو مقط يرمي وراء الأخوان
المأقط: مجتمع الجيش للحرب وهو " مفعل " من الأقط لأنه لبن يجمع، وقالت أيضا فيه:
وآ ابناه وآ أبن الليل ... ليس بزميل شروب للقيل
يضرب بالذيل ... كمقرب الذيل
زميل: ضعيف وهو " فعيل " من الزمل والزميل، وهو الرديف كأنه ملصق مستضعف.
(35) وقال شاعر بني قريم " من الوافر " :
تأبط سوأة وحملت شرا ... لعلك أن تكون من المصاب
أي الذين يصابون، ذهب بالمصاب إلى الجنس كقوله أنشدناه أبو علي وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى " من الرجز " :
إن تنجلي يا مي أو تعتلي ... أو تصبحي في الظاعن المولى
يريد في الظاعنين المولين وانشد أبن الأعرابي " من الرجز " :
يا حبذا نضحك بالمشافر ... وبالعثانين وبالحناجر
على رؤوس كرؤوس الطائر
يريد: الطير.
وفيها:
فزلتم تهربون ولو كرهتم ... تسوقون الخزائم بالنقاب
قال: يريد ما زلتم، وهي لغة لهم. الشائع في هذا إنما هو حذف " لا " كقوله " من الطويل " :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا ابرح، إلا إنه شبه " ما " ب " لا " كما شبه " لم " ب " ما " ، قال الأعشى " من المتقارب " :
أجدك لم تغتمض ليلة ... فترقدها مع رقادها
أي: ما تغتمض، وأنشدنا أبو علي " من الوافر " :
أجدك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيدان ناجية ذمولا
أراد " ما ترى " ، وذلك إن الفعل بعد " أجدك " إنما هو للحاضر والحال ونفى فعل الحال إنما هو ب " ما " دون غيرها. وينبغي أن تكون " الخزومة " وهي البقرة سميت بذلك لأنها تخزم إلى غيرها أي تشد إليها ليحرث عليها، وكذا العرف في البقر في غالب الأمر. قال الله عز وجل: (لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث).
(36) وقال شاعر فهم واسمه كاثف " من الطويل " :
غداة تساهمنا الطريق فبزنا ... سوام كقلس البحر جون وأبقع

(1/32)


قال: قلس البحر: السحاب، ينبغي أن يكون سمى بذلك تشبيها بأحاليل اللبن أي مجاريه، وذلك لأن الوادي مجرى السيل، ولذلك قيل له واد لأنه فاعل من " ودى يدى " أي سال، قال أبو علي: ومنه الودي لما يخرج من جذع النخلة الأكبر كأنه شيء سال منها، ومنه عندي الدية، ألا ترى إنه شيء يتحلب دفعة بعد أخرى على ترتيب أدائها من المؤدي لها إلى مستحقها فكأنها استحلبت شيئا فشيئا. ولم يصرف " أحليل " لأنه ذهب به إلى البقعة، ومثله قراءة من قرأ: " إنك بالوادي المقدس طوى " فلم يصرفه للتعريف والتأنيث.
ومثله قول طفيل " من الطويل " :
جلبنا من الأعراف أعرف غمرة ... وأعراف لبن الخيل من خير محلب
و " لبن " اسم جبل، إلا أنه ذهب به إلى تأنيث البقعة فلم يصرفه. وقوله " لأنبئت " بعد قوله " ولو ساءلت " فيه ترك الغيبة إلى الحضور ومثله قوله الله سبحانه: (الحمد لله رب العالمين) ثم قال: (إياك نعبد)، وقال عنترة " من الكامل " :
شطت مزار العاشقين وأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم
(37) وقال الجموح السلمي " من الطويل " :
فلا وأبيك الخير تهلك بعدها ... سوى هرم وزلت تكسب مغنما
هو على حذف المضاف أي: سوى هلك هرم، وذلك لأنه كان ضربه ضربا ظن به إنه مات ولم يكن الأمر كذلك.
(38) وقال المذال بن المعترض " من الطويل " :
إذا ما قتلنا بالمحمد مالك ... سراة بني لاي فزاح غليلي
قال: المحمد الذي يحمد من الرجال، لم يمرر بي هذا اللفظ صفة إلا في هذا الموضع، وقياس من قال الحارث والعباس والمظفر أن يقول في العلم اسم رجل: " هذا المحمد " كقوله: " هذا العباس " إلا أنه لم يمرر بنا في الاستعمال أن يراد به الشيء بعينه ولو قاله قائل لم يكن عندي مخطئا قياسا على الحارث والحسن والحسين والمظفر والمؤمل ونحو ذلك، وعلى أنه لو فعل ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به من كل أحد لأنه لا أحد أحق بأن يضعف ويكرر حمده منه عليه السلام. وقال المذال أيضا:
يا عين فأبكي المالكين أول ... الفوارس الأضايف المحول
ويروي: فوارس، قال جمع مالك، وقال: الأمور التي تنزل بهم كأن الأمر حول من غيرهم إليهم، وقد يكون الأضايف جمع ضيف كأنه تحول من عند من لم يرض ضيافته إليهم. هذا جميع ما قاله السكري في التفسير، وأما قوله: " أول " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون نكرة مصروفا كقوله: " فعلنا هذا أولا وآخرا " ، إلا أنه لم يطلقه وجاء به على قوله:
وآخذ من كل حي عصم
ولم يقل عصما، وعلى قوله " من الرجز " :
أعددت للورد إذا الورد حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز
ونحو ذلك. والآخر: أن يكون معرفة بالمضاف المنقطع هو دونه فيكون في موضع ضم كقولك " ابدأ بهذا أول " ، وقيده كما قيده في القول الأول لأنه بناه على أنه من السريع لا من الرجز، وأما من روى " فوارس " بلا لام فهو اظهر أمرا في الوزن، لأن وزن قوله: فوارسل: " فواعلن " على من رواه " الفوارس " باللام، فإنه خزم لام التعريف، وفي هذا ضرب نمن الضعف، وذلك أنه قد ثبت عندنا بوجوه الأدلة القوية أن العرب قد أجرت لام التعريف فيما عرفته مجرى الجزء من الكلمة غير المنفصل منها، والخزم إنما يجوز في حرف المعنى إذا لم يبين مع ما دخل عليه بناء بعضه من بعض نحو واو العطف وفائه ولام الابتداء وغير ذلك إلا أنه يشبه لام التعريف بحرف العطف في نحو قولك: " وهو زيد " ونحوه، ألا ترى انه أسكن الهاء وهذا يوجب ألا ينوي فصل الواو نته لما يلزم في ذاك من نية الابتداء بالساكن. وأيضا فقد رووا بيت عبيد:
لله در الشباب والشعر الأسود ... والراتكات تحت الرجال
فهذا لا يتوجه إلا على خزم لام الجر ولام التعريف جميعا فيكون الابتداء كقوله: لا هدررش " فاعلاتن " ، وإذا جاز أن يحذف مع حرف التعريف لام الجر كان حذفه وحده أولى بالجواز. وأما قوله: وقد تكون الأضايف جمع ضيف، فإن " فعلا " لا يكسر على " أفاعل " ولكن يجوز أن يكون كسر ضيفا على أضياف ثم كسر أضيافا على أضايف ثم حذف الياء الزائدة على حد قوله " من الرجز " :
قد قربت سادانها الروائسا ... والبكرات الفسج العطامسا

(1/33)


إلا أنك مع هذا جعلته جمع ضيف فسد المعنى لأنك تجعل الفوارس هم الأضياف، وليس المعنى على هذا، إنما المعنى: انهم يقرون الأضياف فهذا ظاهره كما تراه منتقض ولكن فيه عندي وجهان سوى هذا الظاهر، أحدهما: أن يكون على حذف المضاف كأنه قال الفوارس ذوي الأضياف أو محلى الأضياف ثم حذف المضاف كقولها " من البسيط " :
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار
أي: ما في ترك ورده، فهذا إن حملته على ظاهره فسد معناه، وان حملته على حذف المضاف استقام أمره فهو وعروض البيت الذي نحن في تفسيره سواء، ومثله قوله " من المتقارب " :
وأهلك مهر أبيك الدواء ... ليس له من طعام نصيب
أي ترك الدواء، وقال الآخر " من الطويل " :
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاء باغي العرف أن أتعذرا
أي: في تركه، أنشدنا أبو علي هذين البيتين فهذا وجه. وأما الثاني: وهو أغمض من هذا، فإن يكون " الضايف " جمع إضافة على أنه وصف بالمصدر على قولك: هذا رجل عدل، أي: عادل، وماء غور أي غائر كأنه جعله هو الشيء بعينه على قوله:
وهن من الأخلاف بعدك والمطل
وعلى قوله " من الطويل " :
لخلابة العينين كذابة المنى ... وهن من الأخلاف والولعان
فكذلك هذا، كأنه جاء به على قوله: هذا رجل إضافة، إذا كثرت أضافته الأضياف كأنه جعل مخلوقا من إضافة كما أن الأول كأنه جعلن مخلوقات من الأخلاف والمطل والولعان ثم عكس المصدر على حد قوله " من الطويل " :
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن ... شهود على ليلى عدول مقانع
فكما كسر " عدلا " وإن كان في الأصل مصدرا فكذلك كسر الإضافة على أضايف، وأصلها أضاييف فحذف الياء الثانية التي هي بدل من ألف " إفعالة " ، ورد ما كان حذفه من إضيافة لالتقاء الساكنين، العين كان أو ألف " إفعالة " على خلاف الرجلين فيه، من قبل إنه قد زال في مثال " مفاعيل " التقاء الساكنين فوجب الرد كما تقول في تحقير مبيع " ومقيل وجمعهما " : مبييع ومقييل ومباييع ومقاييل فترد موضع العين أو واو " مفعول " لزوال التقاء الساكنين ونحوه قول الآخر " من الرجز " :
سلط على زرع الجنى الوالج ... من الدبا ذا طبق أفائج
بالهمز، قال الفراء همز ألف " إفعالة " وهي مصدر أفاج افاجة، وذهب إلى أن المحذوف عين الفعل كقول أبي الحسن، والوجه عندي إنا لا وجه له لأنه يريد " أفاعيل " فكان فياسه إن حذف الزائد أن يقول: أفاوج، إلا إنه عندي كهمز مصائب، ثم تنصب بالأضايف كما ترى المحول لأنها مصدر فعمل النصب. قال قلت: فكيف يجوز إعمال المصدر مع جمعه؟ فإن ذلك جائز قياسا وسماعا، أما السماع فلما ورد:
وواعدتني مالا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
فنصب بمواعيد وان كان مجموعا، وهذا مما نبه عليه أبو علي، وقد مر بي أنا غير هذا هو قول الأعشى " من البسيط " :
كما جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا
فالوجه إن يكون " أبا قدامة " منصوبا بتجاربهم لامرين، أحدهما: إنه اقرب إليه من " زادت " ، والآخر: إنه قد نصبه قبل ذلك ب " جربوه " فكان الأليق أن ينصبه بتجاربهم لأنه مصدره كقولك: ضربته فما زاد ضربي جعفرا إلا خبالا. فالمحول على هذا منصوب بنفس الأضايف، وعلى القول الأول منصوب بفعل محذوف يدل عليه قوله " الأضايف " أي ذوي الأضايف، فكأنه قال: يضيفون المحول، كما إن قوله:
تاج طواه الابن مما وجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
كذلك ألا ترى إن تقديره عنده صيره مثل سماوة الهلال، ودل طواه على صيره كذلك، فأما عند أبي عثمان فإنه منصوب ب " طي الليالي " والذي قال كل واحد من الجلين صحيح مستقيم بل إذا جاز بإضمار فعل لم يتقدمه شيء من لفظه كان إضماره بحيث يتقدمه لفظه أعني في الأضايف ويضيفون أولى.
(39) وقال حبيب أخو بني عمرو بن الحارث " من الكامل " :
ولقد نظرت ودون قومي منظر ... من قيسرون فبلقع فسلاب

(1/34)


ينبغي أن يكون النون في قيسرون أصلا لوقوعها موقع الجيم من خيسفوج والزاي من عيضموز ونظيرها النون من حيزبون، ولو كانت نونها زائدة لقال من قيسرين فجعل الإعراب في الواو، ألا ترى إلى قلة زيتون على أن بعضهم جعل زيتونا: " فيعولا " واشتقه من " الزين " وإن لم يكن مألوفا هربا من حمله على " فعلون " وكذلك قال أبو الحسن في الماطرون إنه من بنات الأربعة لما رأى النون معربة تباعد عن زيتون، وإذا جاز أن يحكم أبو الحسن بأصلية نون الماطرون مع إنه لا نظير لها من الأصول يقابلها لأنه ليس في الكلام مثل " فاعلول " ، كان الحكم بأصلية نون قيسرون لوجودك لها أصلا قابلها وهو جيم خيسفوج أولى، ومثل ذلك عندي نون أطربون وهو أحد بطارقة الروم، قال عبد الله بن " سبرة " الحرشي " من البسيط " :
وإن يكن أطربون الروم قطعها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا
فثبات النون مع الإضافة دليل على كونها أصلا، وإذا كانت أصلا فالهمزة في أولها إذن أصل ومثال الكلمة " فعللون " بمنزلة " عضرفوط " ، ألا ترى أن بنات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أوائلها إلا فيما كان جاريا على فعله نحو: مسرهف ومعذلج.
(40) وقال الجموح " من البسيط " :
لا در درك إني قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذري بمحدود
يريد: لولا أن حددت فحذف " أن " وقد تقدم القول على نظيره، وجواب لولا محذوف يدل عليه ما يليه فكأنه قال: لولا أن حددت لا غنيت أو لأثرت، فحذف الجواب ودل عليه بقية الكلام وما ضمنه خبره، وقد لامته امرأته واستعجزته
لاه أبن عمك أني قد رميتهم ... حتى رأيت سوما غير مردود
أراد: لله أبن عمك، فحذف حرف الجر ولام التعريف، فإما ما يدل على حذف حرف الجر فهو أن هذه اللام الباقية مفتوحة ولام الجر مع المظهر مكسورة. وأما ما حكى فيها من الفتح مع المظهر فشاذ، وكما إن فتحة لام " لاه " تدل على إنها ليست لام الجر فكذلك أيضا فتحتها تدل على إنها ليست لام التعريف من حيث كانت لام التعريف ساكنة كما إن لام الحر مكسورة، فالباقية إذن إنما هي لم " إلاه " أو لام " لاه " على افتراق قولي سيبويه فيه. ووزن " له " من قوله: لاه ابن عمك في قوله أن أصل الاسم " لاه " : " عال " ، لأن الألف التي هي همزة محذوفة، ووزنه في قوله الآخر أن أصله " لاه " : بوزن " عاب وناب " : " فعل " ولم يحذف منه في القول الثاني شيء. وخالف ابن يزيد صاحب الكتاب في هذا فقال إن اللام من قوله " لاه إبن عمك " هي لام الجر وقد حذفت لام التعريف ولام " لاه " الأصلية. قال: وإنما انفتحت في " لاه ابن عمك " وإن كانت للجر والاسم مظهر، من قبل أنها جاوزت الألف فلزم فتحها قبلها، وهذا تعسف والذي دعاه إلى ارتكابه هربه من حذف الجار. وقد حكى أبو العباس نفسه إن رؤبة كان يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: خير عافاك الله. يريد: بخير، ويحذف حرف الجر وحكى سيبويه: الله لأقومن مقصورة الألف يريد والله لأقومن، ويحذف حرف الجر وأنشدوا:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت اقضي الغداة من جلله
يريد: رب رسم دار. فإذا جاز هذا إلى غيره مما حذف حرف الجر منه جاز أيضا حذف حرف الجر في قوله: " لاه ابن عمك " ، وروينا عن قطرب أن فيها لغات: " لاه ابن عمك " و " لهى ابن عمك " و " له أبوك " بهاء مكسورة، و " له أبوك " بهاء " مضمومة " وقد حكى سيبويه أيضا قولهم " لهي أبوك " وقد شرح هذا في موضع غير هذا. وفيها:
حتى إذا انقطعت مني قرينته ... أخرجت من ناجز عندي وموجود
القرينة: النفس، سميت بذلك لمقارنتها الجسم وفيها لغات: القرينة والقرونة والقرون والقرنة، وقوله: " أخرجت من ناجز عندي " ينبغي أن يكون على حذف المفعول وإقامة صفته مقامه، كأنه قال: " أخرجت دمعا من ناجز " ، ويجيء على قول أبي الحسن أن تكون " من " زائدة كأنه قال: أخرجت ناجزا عندي وموجودا، كقوله في قول الله سبحانه: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد). أي جبالا فيها برد، وحكى عنهم: " قد كان من مطر " أي: قد كان مطر، " وقد كان من حديث فخل عني " أي: قد كان حديث، وأما سيبويه فلا يرى زيادة " من " في الواجب.
(41) وقال وليعة بن الحارث " من الوافر " :

(1/35)


قتلت بهم بني ليث بن بكسر ... بقتلي أهل ذي حزن وعقل
أبدل: قتلي من " هم " في " بهم " إلا أنه أعاد العامل وهو حرف الجر، ومنه قول الله سبحانه: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم) فأعاد اللام، وهذا مما يدلك على أن البدل ليس من جملة المبدل منه ولأجل ذلك جاز: يا أخانا زيد أقبل، فاعرفه.
(42) وقال غالب بن رزين شاعر من هذيل " من الطويل " :
فيا لوليع لو هداك محرب ... إلى يومه لم يمس ظمآن جائعا
وهذا أيضا مما يدلك على أن: يا لبكر ويا لزيد إنما معناه: يا بكر ويا زيد، وليس كما يظن به أن معناه: يا آل بكر، ألا تراه قال: لو هداك، ولم يقل: لو هداكم، فكأنه قال: " يا وليعة لو هداك " .
(43) وقال محرف بن زبير " من الرجز " :
نحن منعناها من العباهله ... من ضارخ من خلفنا ذي واسله
قال: ذي واسلة أي: ذي قرابة، هذا " فاعلة " بمعنى: " فعلية " أي: وسيلة، وقد تعلم إن السين أخت الصاد، فالوسيلة قريبة من لفظ الوصيلة ومن معناها وهذا مما قدمت لك ذكره من تقارب الالفاظ لتقارب المعاني نحو: النضح والنضخ، والنفث والنفذ، والحظ والحث والحذ، وعليه قولهم: مت ومد ومط، حتى إنهم قالوا في هذه الأحرف الثلاثة أن معناها واحد وانشدوا للعجاج " من الرجز "
شاط يمط الرسن المحملجا
ولو شئت لقلت إن اكثر اللغة كذلك.
(44) وقال أبو عمارة بن أبي طرفة
أنت تجيب دعوة المضوف
قال معناه: الملجأ المضاف. وجه ذلك عندي أنه بنى اسم المفعول هنا من الفعل على حذف زيادته وهي الهمزة من " أضفته فهو مضاف " كأقمته فهو مقام وأدرته فهو مدار، فعل هذا في اسم المفعول كما فعل في اسم الفاعل نحو: أبقل المكان فهو باقل وأورس فهو وارس وكقوله " من الرجز " :
يخرجن من أجواز ليل غاض
أي: مفض، وكقوله:
يكشف من جماته ولو الدال ... عباءة عبراء من أجن طال
أي: المدلى، ونظيره ما جاء من اسم المفعول على حذف الزيادة قوله " من الطويل " :
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
ولا يقال: ودعته وأودعته من الدعة، ومثله من حذف زيادة المصدر قوله " من الخفيف " :
عمرك الله ساعة حدثينا ... ودعينا من قول من يؤذينا
أي: تعميرك الله، وقولهم: جاء زيد وحده أي: أوحد نفسه بالمجيء إيحادا، وقول بعض بني أمية:
دع عنك غلق الباب
أي: إغلاقه. وإذا كان كذلك فقد كان قياسه أن يقول:
أنت تجيب دعوة المضيف
لأنه من الياء لقولهم الضيف، إلا أنه قد جاء نحو هذا، أنشدوا " من الطويل "
ويأوي إلى زغب مساكين دونهم ... فلا لا تخطاه الرفاق مهوب
وقياسه " مهيب " ، لأنه من الهيبة، وحكموا أيضا: " رجل مسور به " من السير و " طعام مكول " وهو من الكيل، وأصلها: مكيول وميسور، فحذفت عين " مفعول " وأقرت واوه، وهذا مما يؤكد قوله خلاف قول أبي الحسن، وكذلك قوله " مضوف " .
وفيها:
وكل سهم حشر مشوف
لك في " حشر " قولان. أن شئت قلت أنه أخرج حشرا على أصله، وأصله حشر، فأسكن تخفيفا، ويؤكد ذلك أن " فعلا " في الصفات أكثر وأقيس من " فعل " ، أما الكثرة فمن السماع، واما وجه القياس فلأن سكون العين هو الأصل، والاسم هو الأول فكثر " فعل " في الأسماء، وحركة العين زيادة وفرع، والصفات ثوان وفروع فكثر " فعل " في الصفات ليضم الفرع إلى الفرع كما ضم الأصل إلى الأصل، وأيضا فإن " فعلا " بوزن الفعل نحو: علم وسلم، والصفة أشبه بالفعل و " فعل " مثال لا يوجد في الأفعال أبدا فلذلك كان في الصفة قليلا منفردا، وإن شت قلت أنه في الأصل " فعل " ساكن العين إلا أنه اضطر إلى تحريكه وكسره فقال " حشر " كما انشده أو زيد:
علام قتل مسلم تعبدا ... مذ ستة وخمسون عددا
فكسر عين " خمسون " للحاجة إلى إقامة الوزن فكسر ولم يفتح على العرف نحو الخفف والحشك، له كأنه راجع أصلا، ألا ترى أن " فعلا " قد تجد اصله " فعلا " نحو قولهم في: علم، علم،وفي فخذ، فخذ، فجرى في مراجعة الأصل نحوا من صرف ما لا ينصرف وقصر الممدود.
وفيها:

(1/36)


ولم تشظ حين الغمز والتعطف
لام " الشظا " مشكلة، ولا دلالة في شظي يشظى، الا انهم قد قالوا فيما يساوقه الشواظ والوشيظة، ولم أر هنا الياء، وهذا مذهب كان أبو علي يأخذ به. ومغنى الوشيظ والشظا متقاربان لان الوشيظة قطيعة عظم لاصقة بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشظية، فهذا يقوي الواو.
(45) وقال حدير شاعر بني ذؤيبة " من الوافر " :
ألم تعلم بمحبسنا حياشا ... وحي خويلد حتى استقاما
قال: حياش اسم رجل وهو من " ح و ش " ، وكأنه مصدر سمي به من قولهم: حشت الصيد حوشا وحياشا، ولو صغت من " حشت " اسما غير مصدر لقلت " حواشا " في " فعال " منه، ومنه قول العجاج:
يخلطن بالتأنس النوارا
فصح، وان كان نارينور معتلا، لانه أراد الاسم لا المصدر، ومثله عندنا تسميتهم الرجل " إياسا " وهو كحياش من حاش يحوش، لانه مصدر أشبه إياسا، أي اعطيته. أنشدت ابا علي لرؤبة
يا قائد الجيش وزير المجلس ... أسنى فقد قلت رفاد الأوس
فاستفصحه وقال: لو كان أبو عثمان يصرف له ما زاد على هذا، وذهب السكري في غير هذا الكتاب إلى أن " إياسا " مصدر أيست من كذا، قال أبو علي رحمه الله: وليس كذلك، وإنما هو مصدر أست أي أعطيت كما سموه عطاء. وقد تقدم ذكر هذا ولا مصدر ل " أيست " لانه مقلوب من " يئست " ، ولو كان أصلا غير مقلوب لاعتل كهبت لكنه صح لانه في معنى ما صحت عينه وهو " يئست " فاعرفه: (46) وقال عقيل بن زياد الهذلي " من الوافر " :
ولو جاريتني لمدى بعيد ... تجرد لا ألف ولا عثور
أي: تجرد مني رجل لا آلف ولا عثور، وهو الرجل المذكور، وهذا هو الذي كان أبو علي رحمه الله يسميه التجريد، ولقد احسن العبارة عنه ونحوه قول طرفة " من الرمل " :
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر
وهي اليعفور، وقد تقدم القول على هذا المعنى مستقصى.
(47) وقال عبد الله بن أبي تغلب الهذلي " من المتقارب " :
أرقت ومالك ألا تناما ... وبت تكابد ليلا تماما
قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلا تماما فوصف به، قال " من الطويل " :
يسهد في ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدح نضار " ، و " قدح نضار " ، و " سهم غرب " ، و " سهم غرب " ، و " عنقاء مغرب " ، و " عنقاء مغرب " . وله نظائر وفيها:
إذا الموت أن من معشر ... فئاما يعود فيفنى فئاما
قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل " :
ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قينى قثييب ومفأم
ألا تراهم قالوا في تفسيره أن المفأم: المشبع الصبغ، والتقاؤهما انه كأنه جمعت فيه أجزاء من الصبغ كثيرة، وكلام العرب كله جار مجرى الأمثال.
وفيها:
ربيعا وصخرا ولا جابرا ... وعصمة أمسوا عظاما وهاما
ألف " هامة " بدل من واو قياسا واشتقاقا، أما القياس فالحمل على الأكثر، وأما الاشتقاق فلأن الهامة الميت، قال " من الطويل " :
تمتع بليلى إنما أنت هامة ... من الهام يدنو كل يوم حمامها
قرأته على أبي سهل عن السكري، وقرأت عليه عنه أيضا " من الطويل " :
كذلك ما كان المحبون قبلنا ... إذا مات موتاها تزاور هامها
والتقاؤهما أن الميت عندهم في حكم النائم، والنائم في حكم الميت، وردت بذلك الأشعار ومطرد الاستعمال، قال " من الطويل " :
ألما يئن للنائمين انتباهه ... فقد طال ذا نوما وطال بكائيا
وهو كثير جدا، وقد قلوا: هوم إذا نام، أنشدنا أبو على رحمه الله لذي الرمة " من الطويل " :
وألا ينال الركب تهويم وقعة ... من الليل إلا اعتادني منك زائر
وقرأت عليه للشنفري، وأنشدناه أيضا أبو بكر المراغي محمد بن علي عن أبي إسحاق " من الطويل " :
فلم تك إلا نبأة ثم هوموا ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدل
فهذا واضح كما تراه.
وفيها:
تنال بهم وبأمثالهم ... بحار العلاء ونأبى الظلاما

(1/37)


أراد الظلامة، فيجوز أن يكون حذف الهاء كما حذفها الآخر من قوله " من الطويل " :
أبلغ النعمان عن مألكا ... انه قد طال حبسي وانتظار
يريد: مألكة، ثم أنه أطلق الروي فألحقه الألف، ويجوز غير هذا وهو أن يكون إبدال هاء " الظلامة " ألفا كما أبدل الآخر آلاف من قوله " من الوافر " :
ولاعب بالعشي بني بنية ... كفعل الهر تلتمس العظايا
يريد: العظاية، وقال أبو عثمان في " العظايا " انه شبع ألف النصب بهاء التأنيث، فهذا قول، والأول اسلم منه
فبدل بعد أواري الجياد ... نفح جنوب تثير الرغاما
واحد الأواري: آرى، ومثالها " فاعول " كعاقول وجاروف، وهو من : " أرت القدر تأرى " ، اذا التصق بها اسفلها، فإذا كسر قيل أوارى كعواقيل قال " من البسيط " :
إلا الأواري لأيا ما أينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ثم حذفت الياء الأولى المبدلة من واو " فاعلول " فبقى " أوار " كقولهم في " أواقي " : أواق، قال:
أواقي سدى تغتالهن الحوائك
ولك تخفيف كل ما كان من هذا النحو مثقلا نحو قولك في: أماني: امان، وفي بخاتي: بخات، وفي اواخي: أواخ، وفي مصاري: مصار.
وفيها:
ولم يبق منها رثا الهالكين ... ألا تجملها والقواما
قال: أي مرثيتها اياهم، ينبغي أن يكون وأحدهما رثية كمشية ومشى، ويسرة وسير، يراد به الحال.
وفيها:
ترى الخيل حول مناديهم ... رواكد متشجرات صياما
ينبغي أن يكون واحد " المنادي " : مندى، وهو النادي أي المجلس، ويجوز أن يكون جمع: مندى كقوله:
جدب المندى شئز المعوق
وفيها:
على كل شوهاء فياضة ... ونهد المراكل يرى اللجاما
قال: يشرى: يحرك، هو من قولهم: " شرى البرق يشري " إذا اضطرب فلامه مشكلة وقد تقدم القول عليها، وإذا أشكل أمر اللام فحملها على الياء أولى، وانشد ابن الأعرابي " من البسيط " :
وانني حوث ما يشرى الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظر
كذا رواه " يشري " بالشين معجمة ورواه غيره: " يسري " بالسين غير معجمة من فوق، ورواية ابن الأعرابي أسد وأعلى.
وفيها:
فذلك خط لنا في الكتاب ... ما كان طوق يزين الحماما
" ما " ها هنا مصدر إلا إنها منصوبة على الظرف كقولك: " لا أكلمك ما طار طائر " أي مدة طيران الطائر، ولا يجوز أن ينصبها " خط " لانه ماض، و " ما كان طوق يزين الحماما " مستقبل ولا يحسن ان يتناوله " لنا " لأنها هنا فارغة غير مشغولة لتعلقها ب " خط " ، والظرف أو حرف الجر اذا تعلق بالظاهر لم يجز أن يتعلق به غيره، وإذا كان كذلك حملته على مضمر يدل عليه ما قبله وكأنه قال: " هو لنا ما طار طائر " ، ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يجعل لذلك خبرين أحدهما " خط " والآخر " لنا " على قولهم " حلو حامض " ، فإذا كان كذلك علقت " لنا " بمحذوف، وعلقت " ما كان طوق يزين الحماما " بقولك " لنا " كقولك: " هذا لنا أبدا " .
(48) وقال رجل من هذيل يذكر أباه " من المتقارب " :
نفاني وكنت ابنه حقبة ... غليه أؤول إذا أنسب
ينبغي أن يكون الناصب ل " حقبة " ما في ابنه من معنى الفعل، فكأنه قال: كنت منسوبا إليه معروفا ببنوته ومثل ذلك ما انشده لجرير " من الطويل " :
تركت بنا لوحا ولو شئت جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
فنصب " بعيد الكرى " بما في ثلج من الثلج لانه بمعنى بارد، وأنشدنا أيضا:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
فعلق الظرف بما في أبي المنهال من معنى الحدث كأنه قال: أنا المجدي أو الدافع والحامي في بعض الأحيان. وإذا جاز لهذا التقدير أن يرفع به الفاعل كان نصبه للظرف أسوغ وأسهل، قال لي أبو علي رحمه الله مرة: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، فمما رفع به فيه الفاعل قوله " من الطويل " :
كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساحا كسورها
وكأنه قال: سودا أعاليها وخضرا كسورها، وله نظائر وقد ذكرت. وقال هذا الرجل أيضا " من الطويل " :
شكوت أمير المؤمنين شكايتي ... فكان حباي أن جررت علي فمي

(1/38)


يجوز أن تنصب " أمير المؤمنين " له منادى، ويجوز أن تنصبه لأنك أردت حرف الجر فكأنه قال: شكوت إلى أمير المؤمنين، فلما حذف الجر وصل بنفسه الفعل كقوله:
بأسرع الشد مني يوم لانية ... لما عرفتهم واهتزت اللمم
(49) وقال أبو الحنان الهذلي زياد بن علبة " من الوافر " :
نت البيض اللباخيات خود ... يجول وشاحها جم العظام
كان ينبغي أن يقول: جماء العظام لأن الموصوف به واحد كقوله:
يطفن بجماء المرافق مكسال
إلا أنه لما كان الجمم للعظام نفسها جاز جمعه إياها واصله " جم عظامها " فحذف الضمير من العظام وأودعه الجم وأقر الجمع بحاله حملا على المعنى، ونظير هذا قوله " من الطويل " :
يا ليلة خرس الدجاج طويلة ... ببغداذ ما كادت عن الصبح تنجلي
وقول الآخر:
حم العظام خدلة المخدم
وقول الآخر:
ذرقت حليب الضان جم القوادم
" وفيها " :
سجيس الدهر ما سجعت هتوف ... على فرع من البلد التهامى
القول عندي في " سجيس الدهر " مم هو قد قال ابن الأعرابي فيما رويناه عنه: سجس الماء إذا تغير، ومعنى: سجيس الدهر، بقية الدهر، وبقية الشيء إذا طال انفرادها فسدت، قال " من الوافر " :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
وقال:
أرى الدهر كنزا كل ليلة
والفساد والنقصان كله ينقاد إلى موضع واحد، وشواهد هذا في النثر والنظم أكثر من أن أحصيها، فهذا يكشف معن " سجيس الدهر " فأعرفه.
وفيها:
تسدت بي جواز البيد وحدي ... إلى جمل دجى ليل التمام
بلا هاد هداها ما تسدى ... إليها بين أثلة والقدام
" ما " هنا استفهام، وأراد: تتسدى فحذف التاء الثانية كقولك: أنت تذكر أي: تتذكر، فحذفت التاء الثانية لدخول تاء المضارعة عليها.
(50) وقال رجل من هذيل
يا رب أشقاني بنو مؤمل ... فارم علي قفانهم بمنكل
قال " قفانهم " : جماعتهم، ينبغي أن يكون " قفان " : فعلانا من قولهم: قف يقف إذا يبس واجتمع، وحدثنا بعض أصحابنا قال: نزل معاوية بامرأة فقال لها: هل عندك من قري؟ فقالت: نعم، خبز خمير، وماء نمير، ولبن وغير، فلما أكل قال لها: سلي حاجتك، فسألته في الحي أجمعين فقال: ليس هكذا قلت لك، فقالت له: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تنزل واديا فتترك أسفله يرف وأعلاه يقف. فلو كان قفان " فعالا " لكان من لفظ قولهم: شادة " قفية " أي: قفية إذا ذبحت حتى ينفصل قفاها، ولا تكون النةن في " قفينة " بدلا من ياء " قفية " كما قالوا: أتانين في أتاني؛ لانهم قد صرفوا فعلها فقالوا: قفيت الشاة أقفيها قفيا.
(51) وقال عبد الله بن مسلم بن جندب " من الطويل " :
فقولوا لها قولا رفيقا أعلها ... سترحمني من زفرة وعويل
كان ينبغي لاختصاص " لعل " بالاستقبال ألا يجمع بيتها وبين السين كما لم يجمع بين " إن " والسين وسوف، وكذلك " إن " إذا لم تكن أيضا " من الطويل " :
لعلك إن دهر أصابك صرفه ... ستذكرني يوما إذا ذقت دائيا
وقال عبد الله أيضا " من البسيط " :
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حولي كله رجبا
يحكي الكوفيون: " ليت زيدا قائما " على أن " ليت " هي الناصبة للاسمين جميعا، عندنا نحن بخلاف ذلك، بل هي عندنا على بابها من نصب الاسم ورفع الخبر، فأما ما أنشده صاحب الكتاب من قوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
فنه حمله على فعل محذوف. قال كأنه قال: " أقبلت رواجع " ، فكذلك هذا أيضا كأنه قال: يا ليت عدة حولي كله بدلت أو سميت رجبا.
وقال عبد الله أيضا " من الطويل " :
وجن عليك الليل دان رواقه ... وراعيت للهم النجوم الدوانيا
يجوز أن يكون " دان " في موضع نصب وأراد " دانيا رواقه " إلا أنه أجرى المنصوب مجرى المرفوع والمجرور كقوله
يا دار هن عفت إلا أثافيها ... بين الطوى، فصارات فواديها
وقوله " من المتقارب " :
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا
وقوله " من الرجز " :

(1/39)


سوى مساحيهن تقطيط الحقق تقليل ما قارعن من سم الطرق وهو كثير جدا. ويجوز أن يكون تقديره: وجن عليك الليل رواقة دان، يجعل الجملة في موضع الحال، ثم قدمت الخبر على المبتدأ كما تقول في الصفة: مررت برجل قائم أبوه، يريد: أبوه قائم، ثم قدمت.
وفيها:
مع الشوق يوم الأربعاء لقيتها ... فما بال يوم الأربعاء وماليا
قال: فلما سمع أبو السائب المخزومي بهذا البيت قال: لا بل ما باله وبال يوم الأربعاء. ينبغي أن تكون ألف " بال " منقلبة عن واو لامرين، أحدهما: انها عين، وهذا واضح، والآخر: انه من معنى البول وان غمض الطريق إليه، وذلك انه معني ما حالك وما بالك سواء، ويقال: هو بحال سوء وبال سوء، والحال: الحمأة وكأنها سميت لاستحالتها ونتنها، وقد ساغ عنهم أن الاستحالة مصروفة إلى التغير والكراهة كقولهم: قد استحال فلان عن المودة أي فسد بعد صلاح، ولا يقال: قد استحال فلان عن القطيعة إلى الصلة، ولا عن الشر غلى الخير، وإذا ثبت بذلك أن الحال في أكثر أمرها إلى التغير المقترن بالفساد، وكان البال بمعنى الحال لم يمتنع أيضا أن يكون من معنى البول لفساده كما إن الحال هي من معنى الحمأة، وقد تقصيت هذا الفصل في موضع آخر من كلامي وتعليقي.
(52) شعر أبي صخر قال " من الطويل " :
تعزيت عن ذكر الصبا والحبائب
فيها:
ولو انهم قالوا لقد كنت مرة ... عرفت ولم أنكر جواب المجاوب
قال: أراد كنت تحبهن فكيف تنهانا. إذا استضعف من جهة السماع ومن طريق القياس جميعا حذف خبر " كان " وقلما مر بي منه، ووجه ضعفه من قبل القياس أن خبر " كان " إنما لزمها ليفاد منه الحدث المخترم منها، ألا ترى انك إذا قلت: " كان زيد قائما " ، فإنك إنما استفدت الحث الذي هو القياس من قائم لا من " كان " ، ف " كان " خبرها جميعا يفيدان ما يفيده الفعل مجردا بنفسه. فكما لا يجوز انفكاك الفعل من دلالة الحدث إلا في هذه الأفعال التي لزمها أخبارها أعواضا مما جردت منه من أحداثها، أعني كان وأخواتها من نحو: أصبح وأمسى وبقية الباب، فكذلك لا يحسن حذف خبر " كان " لما ذكرت لك، وليس كذلك خبر المبتدأ لانه لم يؤت به عوضا من حذف مخترم فيلزم ترك حذفه كما يترك خبر الحديث من المثال المصوغ لتحصيل الحدث في أحد الأزمنة وهي المثل التي يسميها النحويون الأفعال. فهذا وجه امتناع حذف خبر " كان " وأخواتها من طريق القياس، فإن جاء فيها شيء من ذلك فهو لامرين، أحدهما: انه في الأصل خبر المبتدأ وقد ساغ واطرد حذف خبره، والآخر: انه قد شابه المفعول بانتصابه بعد المرفوع، والمفعول سائغ شائع حذفه.
وفيها:
فإن يلبسوا برد الشباب وخاله ... وأغتد في أطمار أشعت شاحب
عين " الحال " ياء لانه من الخيلاء قال: والخال ثوب من ثياب الجهال.
وفيها:
قصار الخطى شم شموس عن الخنا ... خدال الشوى فتح الأكف خراععب
شموس: شامسة كقاعد وقعود، كسره على حذف الزيادة، ويجوز أن يكون جمع " شموس " ، فقد كسروا " فعيلة " على " فعول " ، أنشد الفراء " من الوافر " :
وذبيانية أوصت بنيها ... بأ كذب القراطف والقطوف
وقال: هو جمع قطيفة، ومثله: منيئة ومنوء، وسفينة وسفوف، و " فعول " أخت " فعيل " كسروا أيضا " فعول " على " فعول " .
كمور السقي في حائر غدق الثرى ... عذاب اللمى يحبين طل المناسب
قال: السقي، التي تسقي الماء، ينبغي أن يكون " السقي " جمع سقيا، وهو على حذف المضاف كأنه قال: كمور ذوات السقي، ثم أقام المضاف إليه مقام المضاف وفيها:
فلا تغتبط يوما بدنيا ولو صفت ... ولا تأمنن الدهر صرف العواقب
نكر " دنيا " وهي تأنيث الأدنى، وأنت لا تقول في الصغرى صغرى، ولا في الكبرى كبرى لكنه لما كثر استعمالها اسما شبهت بغيرها من الصفات نحو الرجعي والعذري والعمري، وقد قال العجاج:
في سعي دنيا طالما قد مدت
وحكي ابن الأعرابي فيها الصرف، وقال أيضا: شهبوها ب " فعلل " . الصرف يدل على تنقل حالها وبعدها عن حكم أخواتها.
وفيها:
فحر على سيف العراق ففرشه ... فأعلام ذي قوس بأدهم ساكب

(1/40)


عين " السيف " ياء كما ترى، ويدل عليه قولهم في جمعه: أسياف، فهذا كنيق وأنياق، وريق وأرياق، قالوا ومنه قولهم: درهم مسيف، لأنه لا كتابة حوله كما أن السيف أجرد لا ينبت شيئا، ومنه عندي قولهم: السيف، لانصلاته وانجراده.
فلما علا سود البصاق كفاته ... تهيب الذرى منه بدهم مقارب
فجلل ذا عير فالإسناد دونه ... وعن مخمص الحجاج ليس بناكب
ويروى: ذا عنز، وكلاهما جبل، والبقة الحرة. إن شئت جعلت جواب " لما " تهيب وكان لفظ المضارع في معنى الماضي كأنه قال: أهابت وجعلت على هذا قوله: فجلل عطفا على " أهابت " الذي تهيب في موضعه، وإن شئت جعلت " يهيب " حالا منه وجعلت الجواب قوله: " فجلل " ، واعتقدت زيادة الفاء. أي: فلما كان ذلك جلل، وزيادة الفاء مشهورة قد مضى صدر منها في صدر هذا الكتاب. وأما قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ففيه دليل على جواز تقديم خبر " ليس " عليها، ألا ترى أن " عن " هنا متعلقة بناكب الذي هو خبر " ليس " وقد قدمه عليها، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل، ومثله قول الله سبحانه: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)، ف " يوم " متعلق بمصروف، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون " يوم " متعلقا بما دل عليه: (ليس مصروفا عنهم). ألا ترى أن معناه: يوم يأتيهم يحيق ويقع بهم كما أن قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) في معنى: يوم يرون الملائكة يساؤون ويحزنون، والآخر: أن يكون (يوم يأتيهم) متعلقا بنفس " ليس " ؛ لانه إذا جاز أن ترفع وتنصب للفظها كذلك يجوز أن يتعلق الظرف بها أيضا للفظها. قال لي مرة أبو علي رحمه الله: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، وكذلك أيضا يكون قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ، في معنى عن مخمصهم لا ينكب فيتناوله ما دل عليه قولهم " ليس بناكب " ، وإن شئت أيضا علقته بنفس " ليس " لأن حرف الجر يجري مجرى الظرف في تناوله أضعف العوامل، ألا ترى إلى قولهم: " هذا مار بزيد أمس " فتعلق الباء باسم الفاعل وإن كان ماضيا، ولكن كما جاز أن تعلق به أمس كذلك جاز أن تعلق به الباء، وقد مر بي للجحاف " بن حكيم " السلمي " من الطويل " :
أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم
وفيها:
يميل قفازا لم يك السيل قبله ... أضر بها فيها جباب الثعالب
" القفاز " : الصخور واحدتها قفازة، ويروى " قفاز " ، وهو مكان، ويروى " جحاش الثعالب " أي أولادها. أراد لم يكن السيل فحذف النون لالتقاء الساكنين وكان قياسه إذ كان موضعا تتحرك فيه النون إن يقرها لقوتها بالحركة ولا يحذفها، ألا ترى أن من قال: " لم يك زيد قائما " إنما يقول: لم يكن الرجل قائما، فيحرك النون ولا يحذفها على أنه قد جاء نحو هذا محذوفا، روينا عن قطرب في كتابه الكبير " من الرمل " :
لم يك الحق سوى إن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسرر
أراد: ولم يكن الحق، فحذف، وأن كانت النون متحركة، ووجه ذلك عندي شيئان، أحدهما: أن يكون قدر حذف النون قبل مجيء الساكن بعدها، فلما جاء الساكن من بعد أمضاه على سبق الحذف إلى ما قبله كما قال أبو بكر في قول من قال: " هذا القاض " بلا ياء إنه حذف الياء قبل دخول اللام أقر الحذف بحاله لأنه ألحقها حرفا قد حذفت ياؤه، ومثله قوله أيضا في قوله " من الوافر " :
وطرت بمنصلى في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا
إنه الحق اللام " أيد " فأقر حذف الياء على ما كان عليه، وقوله أيضا في قوله " من الكامل " :
كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد
ألحق الإضافة بعد أن حذف الياء فبقيت بحالها محذوفة، فهذا وجه، والآخر: أن يكون لم يعتد حركة النون لالتقاء الساكنين فعلم إنه متى حركها لم يغن عنده شيئا وكانت حركة التقاء الساكنين في حكم السكون بدلالة قولهم: اردد الباب، واحلل الحبل، وغير ذلك. ومثل الحذف ها هنا مع الحركة أيضا قول بعض بني أسد " من الطويل " :
فالا تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

(1/41)


وفيه ضرورة أخرى وهي إنه حذف النون مع إدغام اللام فيما بعد، وذا أشد، ألا ترى إن من قال في بني العنبر: بلعنبر، وفي بني الحارث: بلحارث، لم يقل في بني النجار: بنجار، لئلا يجمع بين الإعلالين: الحذف والإدغام؛ ووجه جوازه عندي على قلته وضعفه إن إدغام حرف التعريف لا يكاد يعتد ألا ترى إنه قد يدغم في أماكن كثيرة لو كان غير لام التعريف فيها لم يدغم نحو التبن، فتدغم لامه في التاء ولو كانت غير لام التعريف لم يدغم نحو: التفت والتفات والتقاء، وكذلك الطلب، فتدغم، وتقول: " هل طلبت؟ " فلا تدغم وكذلك الثقال، فتدغم، وتقول: هل ثبت؟ فلا تدغم، فلما كثر إدغام لام التعريف في الأماكن التي يظهر فيها غيرها كانت المعاملة كأنها مع الأكثر الذي هو الإظهار، وسقط فيه لما ذكرنا حكم الإدغام، فصار لذلك قوله: لم يك السيل، كقوله: لم يك المطر، فلم يبق فيه حكم للإدغام وبقى الاعتذار من الحذف.
وفيها:
رفعت له صدري وأيقنت أنه ... أزامل نجم حاله غير كاذب
" الأزامل " : الأصوات. القول فيه عندي إنهم سموا الصوت أزملا من الزميل وهو الرديف، والتقاؤهما إن الرديف يأتي بعد الراكب كما إن الصوت تتبعه حنة إن كان ذا حنين أو صدى يعارضه تابعا له ولاحقا به، فمن هناك التقاؤهما.
وفيها:
ليروي صدى داود واللحد دونه ... وليس صدى تحت العداء بشارب
ينبغي أن يكون لام " الصدى " ياء لاستمرار الإمالة فيها، وأما " داود " فيجوز همز واوه للزوم الضمة لها فتقول: " داؤد " فإن كسرته بعدما همزته فقياسه عندي إن تقر همزته بحالها ولا تردها إلى الواو وإن كانت الضمة قد زايلتها فتقول: دوائيد بوزن دواعيد، وكذلك أيضا تجيز في طاووس إن تهمزه فتقول: طاؤوس، فإن كسرت قلت: طواويس. وليس الهمز لاكتناف ألف التكسير الواوان لو كان ذلك لصحت الواو لبعدها عن الطرف بالياء كما صحت في طواويس لبعدها عنه بالياء، لكن لما دخل العين من الهمز في الواحد، فإن قلت: فكيف أقررت الهمزة وقد زالت الضمة التي عنها كان وجوبها؟ قيل: إن العين إذا قلبت همزة جرت لقوة العين مجرى الهمزة الاصلية، ولذلك قال سيبويه في تحقير قائم: قويئم، قال: فأجريته مجرى همزة سائل، وعلى ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم في قلب أدؤر: آدر ولم يقل مع زوال الضمة: أودر، أفلا ترى كيف أجرتها العرب لأنها عين مجرى همزة أرؤس إذا قلت آرس، فعلى هذا تقول في داود إذا همزته دوائيد بون دواعيد فأعرف ذلك. وأما قوله " دونه " فإنه ظرف في موضع الحال من " اللحد " أي: ويروي اللحد معترضا دونه أو حائلا دونه كقولك: " مررت بزيد وعمرو عنده " ، ف " عنده " في موضع نصب لكونه حالا من عمرو وذلك أن الظرف يجري صفة على النكرة، وما جرى على النكرة صفة جرى على المعرفة حالا كقولك، مررت برجل قائم، ومررت بزيد قائما. قال أبو سعيد: والعداء الصخر الذي يوضع على القبر. لام " العداء " واو لأنه يعدو عنه ما يلم به أي يثنيه ويصرفه، ولأن بعضهم قد قال فيه: " عدو " بوزن: جرو.
ولكن يقر العين والنفس أن ترى ... بعقدته فضلات زرق دواعب
نصب " النفس " بفعل آخر مضمر كأنه قال: يقر العين ويطيب النفس كقوله " من الكامل " :
فعلا فروع الأيهقان وأطلقت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي: وأفرخت نعامها. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد أبن يحيى " من الطويل " :
تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه أمسى له وفر
أي: ويفقأ عينيه، وقرأت عليه أيضا عنه:
تسمع للأجواف منه صردا ... وفي اليدين جسأة وبددا
أي: وترى في اليدين جساوة، والمشهور في هذا: متقلدا سيفا ورمحا، وقرأت على أبي بكر أيضا عن أحمد بن يحيى:
علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همالة عيناها
أي: وسقيتها ماء باردا. وأما " فضلات " فإسكان عينها وهي اسم لا وصف ضرورة، أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الطويل " :
أبت ذكر عودن أحشاء قلبه ... خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل
وقال الآخر " من الطويل " :
ولكن نظرات بعين مريضة ... الآل اللواتي قد مضلن بنا مثلا
وقول الآخر " من الطويل " :

(1/42)


فراع ودعوات الحبيب تروع
وأنشدني بعض أصحابنا " من الرجز " :
عل صروف الدهر أو دولاتها ... تديلنا اللمة من لماتها
فتستريح النفس من زفراتها
الغرض: زفراتها.
وفيها:
فعجلت ريحان الجنان وعجلوا ... زمازيم فوار من النار شاهب
اراد: " فعجل لي ريحان الجنان، وعجل لهن زمازيم فوار " ، فقلب للعلم بالموضع، والقلب كثير منه قوله:
أسلموها في دمشق كما ... أسلمت وحشية وهقا
ومنه قوله:
ما أمسك الحبل حافره
ومنه:
أوبلغت سوآتهم هجر
ومنه: " إذا طلعت الشعري واستوى العود على الحرباء " ، وشاهب أراد أشهب، فبناه على " فاعل " وقالوا شيء ثاقل بمعنى ثقيل، قال وروينا عن الفراء:
ممكورة غرثي الوشاح السالس ... تضحك عن ذي أشر غضارس
يريد: السلس، وقرأت على أبي سهل أحمد بن زياد بن محمد عن السكري " من الطويل "
بمنزلة أما اللئيم فسامن ... بها، وكرام الناس باد شحوبها
ومثله قول كثير " من الطويل " :
وصفراء رعبوب كأن وشاحها ... على ناعم من غاب دجلة غاري
أراد: أغير، فهذا يجوز أن يكون فعلا كقولهم: كبش صاف ويوم راح، ويجوز أن يكون أراد غائرا فقلب، كشاك ولاث.
وقال أبو صخر أيضا " من الكامل " :
بكر الصبا منا بكور مزايل
فيها:
وعنائب غدوية تندى ضحى ... وغياطل للهو بعد غياطل
أراد: عنائب، يريد السراب، ويروي: جنائب يريد ريح الجنوب. يجوز أن يكون " عنائب " جمع عنبية يريد الخمر وكان يجب إذ كسر على مثل بختية وبخاتي أن يكون عنابي إلا إنه في التقدير خفف فصار: عناب كمهرية ومهار، وبختية وبخات، فلما صار إلى عناب قلبه فصار: عنائب، فقياسه على هذا إن لا يهمز لأنها ياء متحركة في الأصل إذا قلت عنابي أو خففت فقلت رأيت عنابي، وليست بهمزة عرضت في الجمع، ومثله من الجمع حمار مصري وحمير مصاري، روينا ذلك عن محمد بن حبيب، وزعم إنه أخبر به أبن الأعرابي فكتبه عن محمد حكاه له أبن حبيب عن أبي ثوبة، ومثله من المقلوب ما رويناه عن أبي علي يرفعه إلى يعقوب " من الطويل " :
لقد أورثتني يوم قو حزازة ... مكان الشجا تجول تحت الترائق
أراد: التراقي جمع ترقوة، إلا إنه هكذا روى الترائق بالهمز، وقياس هذا أن يكون هذا عنائب بالهمز. و " غذوية " منسوبة إلى الغداة أول النهار وفيها:
جاوزتنا بقلي اللذات الصبا ... وأذى وأقذار وشيب شامل
لام " أذى " ياء عندي لاطراد الإمالة فيه، ولأنها لام، والياء أغلب على اللام من الواو، وإن علقت اللام في " اللذات " بنفس " قلى " فلا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر، وإن جعلتها وصفا ل " قلى " ففيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ولام " قلى " ياء لقوله:
قالت سليمى إنني لا أبغيه ... أراه شيخا عاريا تراقيه
محمرة من كبر مآقيه ... مقوسا قد ذرئت مجاليه
يقلى الغواني والغواني تقليه
ولام " الصبا " واو لإنه من " صبوت " .
وفيها:
وبسحبة تغشى السواد وعشوة ... مالي عدمتك من رفيق خاذل
قال: سحبة غشاوة على بصره، ينبغي أن يكون " سحبة " : فعلة من سحبت الشيء كأنه ينسحب على ناظره وهو قريب من لفظ " السحمة " ومن معناها؛ لأنه شيء يسود له ما أنار وأضاء من بصره، ولام " تغشى " ياء وليس من لفظ الغشاوة لقوله سبحانه: " ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت " ، ولا أحد يقول مغشو في هذا المعنى، ومنه قولهم: الغشى لغشاء الشيء ولا تحمله على قنية لقلته.
وفيها:
يهذي وتشهره العيون ومخه ... رار، وليس بما يريد بنابل
عين " رار " ياء لقوله:
أقول بالسبت فويق الدير ... إذ أنا مغلوب قليل الغير
والعظم مني باديات الرير
هكذا رووه بفتح الراء، ويقال: رار المخ واراره الله أي أذابه. قال " من الوافر " :
أرار الله نقيك في السلامى ... على من بالحنين تعولينا
بل قد أتاني ناصح عن كاشح ... بعداوة ظهرت وزغر أقاول

(1/43)


قال: " زغر " كثرة، وهذا مما كنت قدمت ذكره من مقاربة اللفظ لمقاربة المعنى، ألا ترى إلى قرب الخاء من الغين وقد قالوا: زخر الوادي، إذا كثر ماؤه، فمعنى الكثرة شامل لهما إن الخاء أرطب صوتا من الغين فكأن الماء خص بها لذلك، وإذا تفطنت لذلك وجدت فيه معاني لطاقا غامضة فلا ترين إن في هذا المذهب جورا وتعسفا، فإن في هذه اللغة من اللطائف ما يجفو هذا في جنبه فقد مر بنا كثير منه وسيأتيك في هذا الكتاب طرف من نحوه.
وتنلك أظفاري ويبرك مسحلي ... بري الشيب من السراء الذابل
ينبغي أن تكون لام " السراء " واوا وذلك لأنه الشجر الذي تعمل منه القسى، فإن شئت قلت لا يتخذ إلا من أسرى الخشب وأجوده، كما تقول من إكرامه، وإن شئت كان من سراة الشيء لأنه ينبت في سراة الجبل وهو أعلاه، وسراة من الواو لقوله " من الطويل " :
وأصبح موضوع الصقيع كأنه ... على سوات النيب قطن مندف
وفيها:
تجلو عن أوجه جنة وكشوحها ... أو عن مها بلق بجو باقل
ألف " مها " واو لأنه في الأصل البلور، ويقال البلور، ثم شبه النجوم بها وبقر الوحش أيضا لبياضهما، ويدل على إن ألف " مها " بدل من واو إنه من معنى الماء لبياض البلورة وصفائها، وقد قالوا: موهت علي، إذا حسن حديثه وجعله كأن عليه ماء، وقالوا في تكسيره: أمواه، وتحقيره: مويه، وقالوا: ماهت الركية تموه، وقالوا: تماه، وحكي أبو زيد ماهت تميه ميها. وظاهر هذا إنه من الياء لا من الواو، وينبغي أن يكون بدلا للياء من الواو لضرب من التخفيف، وأصل هذا أن يكون ماه يميه من الواو " فعل يفعل " كحسب يحسب في الصحيح كما قال الخليل ذلك في تاه يتيه، وطاح يطيح إنهما " فعل يفعل " من الواو، فلما جرى في الكلام ماه يميه، أشبه لفظه لفظ باع يبيع، فقال في مصدره ميها اتباعا للفظ وجنوحا إلى خفة الياء، ف " المها " إذن مقلوب، ومثاله " فلع " من الماء. وحكى صاحب الكتاب: مهاة ومها لماء الفحل، وهذا أيضا عنده مقلوب لأنه من الماء ماء الفحل نفسه، وقوله عن أوجه بوجوب التخفيف يدل على إن الشعر قد يبنى على أحد الأمرين: التخفيف البتة، والتحقيق البتة، وفي هذا شاهد لإجازة ما حظره الخليل وأجازه أبو الحسن من إن يجوز: أيسيء مع يسوء قافيتين في قصيدة، ألا ترى إنه إذا بنى البيت على تحقيق الهمزة كما بناها هذا الآخر على تخفيفها البتة، صح الرويان فلم يختلفا، ونظير هذا مما بني فيه الشعر على التخفيف البتة ما أنشدناه أبو علي رحمه الله لذي الرمة " من الطويل " :
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فقوله: منال وزنه " فعول " فلو حققت فقلت: " من آل " لكان وزنه " مفعول " وهذا لا يجوز في الطويل، وهكذا رووه " من آل " بالتخفيف ومثله بيت الأعشى:
هؤلي ثم هؤلي كلا أعطي ... ت نعالا محذوة بمثال
فقوله: " كل لنع طي " وزنه " فاعلاتن " ، ولا بد فيه من تخفيف الهمزة، وقد تقصيت هذا الموضع في كتابي " المعرب " وهو كتاب تفسير القوافي عن أبي الحسن. و " جنة " ينبغي أن يكون جمع جان، كسر " فاعل " على " فعلة " كما كسر " فعيل " عليها في صبي وصبية وعلي وعليه، وقد يكون مصدرا لقوله سبحانه: " أم به جنة " أي: جنون. وقوله: " باقل " يريد " مبقل " يقال: أبقل فهو باقل، وأورس فهو وارس، وأغضى فهو غاض، وأدلى فهو دال، وذلك فيما جاء على " أفعل " فهو فاعل، وقد قالوا: مبقل، قال دؤاد بن دؤاد، وقد قال له أبوه: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال:
أعاشني بعدك واد مبقل ... أكل من حوذانه وأنسل
وقال أبو صخر أيضا:
أرقت لطيف من علية عامد ... ونحن إلى أذراء خوض هواجد
قال: أذراؤها ما أستذري به أي استتر به من الريح، لامه واو؛ لأن واحده الذرا مقصور، وهو من لفظ " الذروة " ومعناها، وقوله " علية " هي من تأنيث " علي " جعلت علما، فقد يجوز أن تكون من قول القطامي " من البسيط " :
أمست علية يرتاح الفؤاد لها ... وللرواسم فيما دونها عمل

(1/44)


تصغير علية هذه، وأصله عليية، فلما اجتمعت ثلاث ياءات وسطاهن مكسورة ثقلت فحذفت الآخرة كما قالوا في تحقير أحوى: أحي، وفي تحقير سماء: سمية، وحكى أبو الحسن أن قوما ذهبوا في نحو: عطاء وعطي، إلى إن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى، قال: وهو وجه، أو كلاما هذا نحوه، فهذا وجه في تكسير " علية " . ووجه ثان. وهو أن يكون تحقير " علوة " فيكون كشكوة وشكية؛ ف " علية " على هذا فعلية، وفي القول الأول " فعية " ، ومن رأى أن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى فوزنها أيضا " فعلية " ، فأما في كيل التحقير من غير تحرير التصريف فوزنه " فعيلة " في جميع الأقوال، فإن قلت فقد قال في اللامية " من البسيط " :
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت به الكلل
فلا يجوز أن يكون " علية " تحقير " عالية " ، إلا إن تحمله على تحقير الترخيم كقولك في فاطمة: فطيمة، وكأن هذا أوجه من القولين الأولين؛ لأنه قد جاء بالتكبير مع التحقير في قصيدة واحدة، فحكم أحدهما على صاحبه.
وفيها:
قطعن ملا قفرا سوى الرمد والمها ... وغير صدى من آخر الليل صاخد
قال: صاخد صائح، صخد يصخد، لام " ملا " واو لأنه ما أتسع من الأرض وقالوا: الملوان: الليل والنهار، والملاوة من الدهر ما اتسع من الدهر، وقوله " وغير صدى " محمول على المعنى لأن قوله " قفرا سوى الرمد " في معنى غير الرمد فحمل المعطوف على المعنى كما قال أبو الحسن في قول الله سبحانه: " أو كالذي مر على قرية " ، قال: قيل إنه محمول على المعنى لأن معنى قوله " تعالى " : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " ؛ أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية، والحمل على المعنى كثير جدا في الإيجاب وضده، وقد ذكرنا صدرا منه وستراه.
وفيها:
ينوش بصلت الخد أفنان غيلة ... تدنت دواني عيصها المتقاود
عين " عيص " ياء كما ترى؛ لأنهم قد قالوا في تكسيره: أعياص، فأما قولهم: " اعتاصت الحاجة " ، فمن العوصاء وهي الشدة، وذلك إنها إذا تعذرت اشتدت، وقد قيل فيها: العيصاء، فهذا من العيص كأنها نشبت فلمتنحل كما ينشب العيص بعضه في بعض، واجتمعوا كلهم على أمر عويص بالواو البتة، أنشدني بعض أصحابنا برواية لبعض جرم " من البسيط " :
وأبطر الخصم ذا العوصاء حجته ... حتى يلجلج بين العي والحصر
وضمت على رقو أغن من التقا ... دميث الربا حر فضول المجاسد
قاوا: الرقواء الكثيب، شبه عجيزتها به، لام " النقا " من الرمل فيها قولان: الياء والواو، لقولهم: نقيان ونقوان.
بأطيب نثرا من سليمى وغرة ... إذا ما سقى كأس الردى كل راود
ذكر فعل الكأس لأنه إنما يريد الردى نفسه، وهو مذكر ولا كأس في الحقيقة هناك، ونظيره كثير.
فما روضة بالحزم طيبة الثرى ... ولتها نجاء الدلو بعد الأبارد
قالوا: الحزم أغلظ من الحزن، فهذا مما عرفتك من تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، فكما أن الميم أقوى لفظا من النون فكذلك الحزم أغلظ من الحزن، ولهذا صرفوا " الحزن " فاستعملوه في الحزن لأنه عرض وهو دون الجوهر، ولم يستعملوه بالميم إلا في الغليظ من الأرض، ولام " النجاء " واو لأن واحده " نجو " وقد جمعوه " نجوا، أنشد الرواة " من الوافر " :
أليس من البلاء وجيب قلبي ... وإيضاعي الهموم مع النجوم
وليس في كلامهم " فعول " جمعا ولامه واو صحيحة إلا أحرف وهي هذا نجو ونجو وحكى سيبويه: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة جمع نحو، وحكى أبو زيد في الصدر: " بهو وبهو، وحكى ابن الأعرابي: أب وأبو، وابن وبنو، وأنشد للقاني يمدح الكسائي " من الطويل " :
أبي الذم أخلاق الكسائي وانتمي ... من المجد أخلاق البو السوابق
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل " :
هل القلب عن بعض الدجاجة نازع
فيها:
وإذ لم يصح بالبين وبينها ... أساحم منها مستقل وواقع
كسر الصفة تكسير الاسم، يريد غربانا سحما أي سودا، وكأنه استعمله أيضا كما قالوا: الأحامرة جمع أحمر، وكما قالوا: الأساود والأداهم والأجارع.
وفيها:

(1/45)


فأد لها ما استودعتك موفرا بأحسن ما كانت تؤدى الودائع " بأحسن " في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: فأد لها ذلك أحسن ما تؤدى الودائع، كقولك: قمت أحسن قيام، وجلست أحسن جلوس، فالباء على هذا زائدة.
وفيها:
إذا رمت يموما صرمها لم يزل لها ... نصيح يصاديتي من القلب شافع
لام " يصاديني " عندي بالياء، وذلك أن معناه: يداريني، وكأنه يعارضه مرة منهنا ومرة منهنا من " الصدي " الذي يعارض الصوت ولام " الصدي " ياء لاستمراره الإمالة فيها، وقالوا: هو يصاديه ويداريه ويداليه ويداجيه ويفانيه، فلام " يصاديه " ياء كما مضى، وكذلك يداريه كأنه يختله بالرفق به فهو من قوله " من الطويل " :
فإن كنت لا أدري الظباء فاتني ... أدس لها تحت التراب الدواهيا
ومن هنا لم يجز عندنا أن نطلق على القديم سبحانه: أنه دار، كما يقال فيه عالم وذلك أن معنى " دريت الشيء " من معنى " دريت الصيد " ، وذلك أن معنى " دريت به " أي: تأتيت لعلمه ومعرفته وتلفظت فيه كما تتأتى للصيد فتختله وهذا معنى منزه عنه عن القديم سبحانه، وأما " داليته " فمن الواو في قوله:
لا تقلواها وأدلواها دلوا ... أن مع اليوم أخاه غدوا
فمعنى " أدلواها " أي: أرفقها بها، ومعنى " داليه " رفقت به، وهذا واضح، كل شيء ظلمه قال " من الطويل " :
فما شبه كعب غير أغتم فاجر " أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف
وكذلك معنى " يداجيه " أي يساتره بالعداوة ولا يجاهره بها، وأما " يفانيه " فهو في معنى " فنيت " وذلك أنه يروم أن يفنى رأي صاحبه وعزمته وبصيرته ليدهاه ويختله فهو من معنى " الفنا " ، وليس في " فنيت " ولا في الفناء ولا في يفنى دليل على أحد الحرفين، إلا أنني قد كنت قدمت أن معنى " فناء الدار " راجع إلى معنى: تنيت السيئ، وذلك أنها تفنى عند حدها وتثنى به عن امتدادها واستطالتها، والثاء وفق الهاء بالهمس أيضا لام، والياء أغلب على اللام من الواو، ويونس بالحلال شيئا أنهم قالوا: ثناء الدار، بالثاء في معنى فناء.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل " :
ألم خيال طارق متأوب ... لأم حكيم بعدما نمت موصب
وفيها: وأهلي بواد من تهامة غائر بأسفل هضيمة أراك وتنضب " تنضب " عندي من: نضب ينضب، إذا بعد لأنه من شجر البر لا الريف كما قيل: شوحط فهذا " فوعل " من شحط يشحط كما أن ذاك " يفعل " من نضب ينضب، وأما الأراك ف " فعال " من أرك بالمكان يأرك أروكا أي أقام به، وذلك لانه شجر ثابت أصيل في مكانه، وليس بجميع الشجر تمكنه ثباته.
وفيها: ومندونها قاع البقيع فأسقف فبطن العقيق فالخبيت فضعنبب ويجب أن يكون عين " الفاع " واوا لقولهم في تكسيره: أقئوع وأقواع، وكسروة أيضا على قيعة وقيعان، واما " عنبب " ف، " فعءلل " تجعل النون اصلا لمقابلتها الاصول نحو باء " حبرج " ، وعين " بعثط " فهي إذن كنون " صنتع " وإن كان اشتقاقه من " عب الماء يعب " لكثرة ماء هذا الوادي فهو " فنعل " .
هجان فلا في اللون شام تثينه ... ولا مهق يغشى الغسيقات مغرب
قال: الغسيقات الشديدات الحمرة، عين " شام " وهي جمع شامة ياء لقولهم رجل أشيم، وامرأة شيماء، حكى ذلك أبو زيد.
سراج الدجى تغتل بالمسك طفلة ... فلا هي متفال ولا اللون أكهب
قال: تغتل من الغالية تغلغلت وتغليت، أما تغليت فلا يدفع أن يكون من الغالية لاعتلال لاميها، وأما تغللت فليس من الغالية لصحة لامه، ولكنه من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر وهو من قولهم: انغل في موضع كذا، أي: دخل فيه، ومنه الغلالة من تحت الدرع لأنها غلت تحته وعليه بقية الباب، وأما " الغالية " فلامها تحتمل الحرفين جميعا، أما الواو فلأنها تغلو قيمتها، وأما الياء فلأنها كأنها تغلي لحدة رائحتها.
دميثة ما تحت الثياب عميمة ... هضيم الحثا بكر المجسة ثيب
عين " ثيب " واو لأنها من ثاب يثوب أي رجع كأنها رجعت عن حال إلى أخرى.
فكأن لها أدى وريقة ميعتي ... وليدا إلى أن رأسي اليوم أشيب

(1/46)


قال: يريد " ودى " وهي لغته، قال والريق من الروق وهي أوله. ينبغي أن تكون " أن " هذه مخففة من الثقيلة لا التي تنصب الفعل، " فتلك " تختص بالفعل وهذه بعدها الاسم المبتدأ وخبره " أشيب " فإنما هي ك " أن " في قوله " من البسيط " :
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
فكذلك هذا البيت كأنه قال: إلى أنه رأسي أشيب، وأما الريق فمحذوف بمنزلة ميت من ميت.
وفيها:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض منكب
لام " الأصداء " ياء لاستمرار الإمالة في الصدى، وقد تقدم هذا.
وقال أبو صخر أيضا يمدح أبا خالد عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد " من البسيط " :
أرائح أنت يوم اثنين أم غادي ... ولم تسلم على ريحانة الوادي
حكى سيبويه: " هذا يوم اثنين مباركا فيه " ، واستدل بانتصاب الحال بعده على تعريفه، وينبغي أن يكون بيت أبي صخر هذا على تلك اللغة، وفيه على هذا تعريفان، أحدهما: باللام تعريف الحارث والعباس، والآخر: تعريف العلمية والوضع كزيد وبكر كما أن عروبة والعروبة للجمعة كذلك قال " من الطويل " :
فبات عذوبا للسماء كأنما ... يوائم رهطا للعروبة صيما
وقال " من الوافر " : أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي أخوه دبار أولا ... فمؤنس أو عروبة أو شتلر
ومنه قولهم للمنية: شعوب والشعوب، وحكى أبو زيد: " ما ألقاه إلا فينة والفينة " ، ونظائره كثيرة واسعة. وأما " الريحان " ففيه قولان، أحدهما: أن يكون أصله: ريحان " فيعلان " من الروح ثم قلب في التقدير فصار " ريحان " كهيبان وتيجان، فلما اعتل وطال الزموه حذف عينه تخفيفا كما ألزموا حذفها باب كينونة وقيدوه، فصار ريحانا كما ترى، والآخر: أن يكون " فعلان " إلا أنه قلبت واوه ياء استحسانا للتخفيف كما قلبت في الأريحية، وفي قوله " من الكامل " :
ولقد رأيتك بالقوادم نظرة ... وعلي من سدف العشي رياح
بفتح الراء، فريحان على هذا " فعلان " ورياحين " فعالين " ، وعلي القول الأول " ريحان " : " فعيلان " ، وعلى لفظه " فيلان " ورياحين " أفالين " ، كما أن قوله " قياديد " من قوله " من البسيط " :
بات يقحمها ذو أزمل وسقت ... له الفرائش والسلب القياديد
مثالها " فياليل " ، وكما أن " أيانق " في قوله من جعل الياء عينا مقدمة " أعافا " في قول من جعلها عوضا من العين " أيافل " والعين محذوفة.
وفيها "
لولا رجاء نوال منك آمله ... والدهر ذو مرر قد خف عوادي
أراد: لخف عوادي، كذا معناه ألا أنه حذف وصارت " قد " كالغموض منها، وليست عوضا البتة لجواز اجتماعها، وقال " من الطويل " :
فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد
ومما اجتمعا في قوله " من المتقارب " :
فإني وجدك لو لم تجيء ... لقد قلق الخرت إلا انتظارا
وحقيقة " قد " هنا إنها لتقريب الفعل مبالغة في المعنى، فكأنه قد كاد يهجم لولا ما علق به وجعل سببا لمنعه.
وفيها:
وحبذا بخلها عنا ولو عرضت ... دون النوال بعلات وألداد
قال: هو من قوله " هويلدة عن حاجته " ، ومن قوله سبحانه: " وهو ألد الخصام " ، هو عندي جمع " لدد " مصدر " ألد " وقد لضددت لددا، وإذا جمع المصدر فإنما ذلك لانه وضع على النوع، فأما حقيقة المصدر فلا يجوز تكسيره لاستحالة ذاك في المعنى إذا كان جنسا ولا غاية وراء الجنس في العموم والسعة فكيف يكسر ما لا نظير له وهما، وعدى البخل ب " عن " وأنت لا تقول: بخلت عن كذا، وذلك لانه حمله على المعنى إذ كان معناه: وحبذا انصرافها وازورارها عنا قوله:
قد قتل الله زيادا عني
وقد تقدم ذكره.
وفيها: يصبي تبسمها من لا يكلمها بمثلها يشتفى ذو النيقة الصادي عين النيقة واو أصلها: نوقة فقبلت للكسرة قبلها كقيمة وفيقة، يدلك على ذلك قولهم في " تفعل " منها: تنوق، وإن كان الأفصح تأنق ألا أن " تنوق " قد جاء، قال ذو الرمة " من الطويل " : " كأن عليها سحق لفق تنوقت بح حضرميات الاكف الحوائك ولام " الصادي " ياء لقولهم: صديان، يقال: صاد وصادية وصديان وصد وصدية.

(1/47)


يا أطيب الناس أردانا ومبتسما ... كيف العزاء وقد زودتني زادي
لام " العزاء " تحتمل أمرين: الواو والياء، والواو أغلب، حكى أبو زيد في " فعلة " منها العزوة، وحكى أيضا فيها التعزوة ألا أنه لا دليل في هذا، وذلك أنك لو بنيت من " رميت " مثل " تفعلة " على التأنيث لقلت: " ترموة " ومن " قضيت " : " تقضوة " ، تقلب لأمها للضمة قبلها، وأيضا فإن معنى قولهم: " عزيت فلانا " ، أنك سليته بذكر مصائب الناس غيره وأضفت حاله إلى حال من مصابه، كما قالت " من الوافر " :
وما يكون مثل أخي ولكن ... أسلى النفس عنه بالتأسي
وقال سعران السلاماني " من الطويل " : ذكرت أبا أروى فبت كأني برد الأمور الماضيات وكيل وقال لبيد " من الطويل " :
فأن أنت لم ينفعك علمك فأنتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
فمعنى " العزاء " اذن ما تراه " من " مقابلة الإنسان حاله بحال غيره ونسبته إياها، وهذا هو معنى قولهم: " عزوت فلانا إلى أبيه " إذا نسبته إليه، أنشدنا أبو علي " من الرجز " :
اطلب أبا نخلة من يأبوكافقد سألنا عنك من يعزوكماإلى أب فكلهم ينفيكا
وعلى أنهم قد قالوا: عزيته إلى أبيه، والواو أعلى.
وفيها:
تخشى عوائده طورا وتنظمه ... نشط النواسج في أنيار حساد
قوله " أنيار " دلالة على أن عين النير ياء، وإنما ليست كعين " زير " لان ذاك من زاريزور، ولكن ليس في قوله " نير " دلالة على كون العين باء، ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون " فيعل " كتحيز لانه " تفعيل " من حاز يحوز، كتفيهق وكذلك قوله
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل ... أن ديموا جاد وإن جادوا وبل
فظاهر الأمر في " ديموا " أنه " فيعلوا " لانه من دام يدوم وعلى أن ابن السكيت قد حكى: " دام المطر يديم ديما " ، وهذا من الياء البتة، إلا أن يحمله متعجرفا على القلب، فقد حكى أبو زيد: " ماهت الركية تميه ميها " ، وعلة ذينك عندي أنه بناه على " فعل - يفعل " كحسب يحسب في الصحيح، فلما رأى الياء ثابتة في المضارع والكسرة في الماضي، وهو " مهت " جرى في اللفظ مجرى " بعت أبيع " فأنس بالياء وصارت كأنها أصل لأنها جاءت مجيئا لا يستعمل في ذوات الواو إلا فيما شذ وعلى قول رجل واحد أعني الخليل، فلما شذ في الاستعمال وقل القائل به لم يكد يعتد به فمن هنا أشبهت " بعت - تبيع " فأجرى مصدره عليه فقيل " ميها " كما قيل " بيعا " ، هذا عندي أولى من أن يهجم عليه باعتقاد استمرار القلب فيه ساذجا من غير ضعة مسوغة وعلى أنه يجوز أن يكون لغتين قد تكثر إحداهما وتقل الأخرى كما قال أبو عثمان في قولهم: " كدت تكاد كيدا وكودا " قال: " ولا يستعملون من " كود " فعلا " .
والطرف في مقلة إنسانها غرق ... بالماء تذري رشاشا بعد أجواد
لام " تذري " واو؛ لأنه من " الذروة " ، إلا إنك ينبغي لك أن تعلم أنه مما كنت قدمت ذكره من باب السلب نحو: أعجمت الكتاب، وأشكيت الرجل وكذلك: أذريته عن الفرس أي سلبته ذروته كما سلبت المعجم استعجامه وكما اقلعت للمشتكي عما يشكوه فينبغي أن يضم " أذريت " على تلك الألفاظ المقدم ذكرها في هذا المعنى.
وفيها:
كما تثنى حميا الكأس شاربها ... لم يقض منها طلاه بعد إنفاد
قال: " طلاه " لذته، قال: طلاه مثل ظماه ينبغي أن تكون لام " طلاه " ياء تشبيها بالطلى ولد الظبية للينه ونعمته ولام الطلى - ولد الظبية - ياء لقولهم في جمعه: طليان.
وفيها:
والمرسمون إلى عبد العزيز بها ... معا وشتى ومن شفع وفراد
" اسم الرجل في سيره " قال أبو بكر محمد بن الحسن قلت لأبي حاتم: أتجيز " أرسم البعير " ، قال: لا، إنما أقول: " رسم البعير فهو راسم " من إيل رواسم. قلت فما تصنع بقوله " من الطويل " :
أجدت برجليها النجاء " وكلفت ... غلامي بعيري الرسيم فارسما

(1/48)


قال إنما أراد فارسم الغلامان بعيريهما، وقد ترى بيت أبي صخر هذا يدل على " أرسم الرجل بعيره " كما قال أبو حاتم، وأرادوا " المرسموها " ثم زاد الباء ففصل ما بين الفعل ومفعوله بها كقول الله سبحانه: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " وينبغي أن يكون انتصاب " معا " و " شتى " على التمييز لا على الحال، ألا ترى أنه عطف عليه ما وجهه التمييز وهو قوله " ومن شفع وفراد " ودخول " من " في الكلام تؤذن بصحة التمييز، ويدلك على جواز دخول " من " على " مع " ما حكاه صاحب الكتاب من قول القائل " من معه " ، وحكى غيره: " كنت معهم فانصرفت من معهم " ، كما جاز أن تدخل " من " عليها مضافة كذلك أيضا يجوز دخولها عليها وتقديرها فيها مفردة بل كونها مفردة أقرب بها إلى التمكن، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد " ولا: " أي أشد " لأنه بالإفراد إلى القياس وهو الإعراب، وأما الخليل وينس فكانا يقولان فيما حكاه عنهما: " أضرب أي أفضل " فيرفعان وذلك إنهما كانا يريانه مع الإضافة معريا فأقراه على ذلك مع إفراده، وغرضنا نحن مذهب سيبويه لا غير وكان أبو علي رحمه الله يستنكر قول من قال: إن الإضافة أحجى بإيجاب البناء من الإفراد، ألا ترى إن المضاف واقع موقع صدر الكلمة، وصدر الكلمة جزء منها، فهو بالحرف أشبه، وكان يستدل على أن الإضافة لا توجب الإعراب ببناء " أيهم " مع إضافتها وبناء " كم " في قولهم: " كم درهم لك " مع كونها مضافة. وقد يجوز أن تكون " من " في " شفع " زائدة على قول أبي الحسن بزيادتها في الواجب، فكأنه قال: " معا وشتى وشفعا وفرادا " فينتصب حينئذ أن شئت على الحال، وأن شئت تمييزا.
وفيها:
بجسرة كفنيق الشوك مدمجة ... أو دوسر مثل علج العان وخاد
" العان " جمع عانة، وعين الفعل منها واو لقولهم في الجمع: عون كقارة وقور، وقالوا: استعان الرجل إذا حلق عانته، ويجب أن تكون عين العانة هذه واوا لقولهم في تحقيرها: عوينة، وأما المعونة ف " مفعلة " من " العون " ، وقال بعضهم: هي " فعولة " من " الماعون " . ويفسد هذا القول تكسيرهم إياها على " معاون " ، ولو كانت " فعولة " لوجب الهمز: " معائن " كجلوبة وحلائب، وليس أحد يقول: حلاوب، ولا عجاوز، وهذا واضح.
وقال " من الطويل " :
قطعت بهن العيش والدهر كله ... فجر ولو طلت إليك المناسب
قال: " طلت " حسنت، وأعجبت، من هذا عندي قولهم لامرأة الرجل: طلته، لأنها تعجبه وتحسن في عينه.
وفيها:
فأقسم لا تنفك مني قصيدة ... تثبى لها ما صاح في الجو ناعب
لام " تثبى " واو عندنا لأن منه " الثبة " وهي الجماعة فمعنى تثبى له يكرر ذكرها شيئا بعد شيء، وأنشد:
كم لي من تدرا مذب ... أشوس أباء على المثبي
وقال لبيد " من الطويل " :
تثبي بناء من كريم وقوله ... ألا انعم على حسن التحية واشرب
ووجه الدلالة من " ثبة " على أن اللام واو أن الثبة محذوفة اللام وقد وصى أبو الحسن بحمل ما حذفت لامه وأشكلت على الواو، قال لكثرة ذلك وإنه أكثر من الياء.
وما نزل الركبان بالخيف من مني ... ثلاثا وما خاض الظلام الكواكب
حياتي وأن يصبح صداي يقفرة ... تجر عليه المعصرات الحواصب
يرثني له الراوون من بعد موتتي ... ثنائي يعيه مشرق ومغارب

(1/49)


لا تكون " حياتي " بدلا من " ما نزل الركبان " لاختلاف مقداريهما وفساد المعنى مع البدل، وذلك أن حياته إنما مدتها عمر إنسان وذلك معلوم القدر، وما نزل الركبان يطول جدا مدته، وكذلك مدة خوض الكواكب الظلام، فأن قلت: فإذا كان الثاني أقل من الأول جاز إبداله منه كنت " ضربت زيدا رأسه " ، وإنما يقبح إبدال الأكثر من الأقل ك " ضربت رأس زيدا زيدا " لسلب الإنسان والعود إلى الاستبهام قبل: لعمري أن إبدال الأقل من الأكثر سائغ، إلا أنه في هذا الموضع فاسد وذلك إنه يقول إنه لا يزال يروى قصائده فيه أبدا، فإذا عاد فقال بل مدة حياتي، فقدر حياته بالإضافة إلى امتدادا الدهر لا يعتد أصلا تراجع عما تمدح به وأوجب الحق بشرطه إياه على نفسه، فإذا كان كذلك كان " حياتي " منصوبا على الظرف بفعل محذوف دل الكلام عليه، فكأنه قال فيما بعد: أمدحه حياتي فأن مت روى الرواة مدحي فسار بعدنا أبدا في الشرق والغرب، وأما " ثنائي " فمنصوب لأنه مفعول ليس ثنى ثان، قال كثير " من البسيط " :
أمسى تراث أبن ليلى وهو مقتسم ... في أقربيه بلا من ولا ثمن
ورثتهم فتسلوا عنك إذ ورثوا ... وما ورثتك غير الهم والحزن
وقالت " من الطويل " :
مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض مصقولا طوالا محامله
وأما " مني " فكان أبو علي رحمه الله يقول: إن لامه ياء وكان يشتقه من " منيت الشيء " إذا قدرته من قوله:
حتى تلاقي ما تمني لك الماني
أي: يقدر لك المقدر، وكان يجمعهما بأن يقول انها إنما سميت " منى " لأن الناس يقيمون بها فيقدرون أمورهم وأحوالهم فيها، وهذا صحيح مستقيم.
وفيها:
إذا عشت لي حتى أموت فلا أسل ... خلافك في عيش وما حم واجب
لك في " أسل " وجهان، أحدهما: إنه أراد الرفع فلا أسل خلافك فاسكن لكثرة الحركات كقوله " من السريع " :
فاليوم اشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
والآخر: أن يكون أراد الدعاء، أي: فلا سألت، فجزم لذلك، ودخول " في " هنا حمل على المعنى؛ لأن معنى: " سألتك في كذا " رغبت إليك فيه، فلما دخله هذا المعنى جاز فيه " في " ، كقول الله سبحانه: " الرفث إلى نسائكم " ، وقد تقدم ذكره.
وفيها:
حدث مزنة من حضرموت مرتة ... ضجوع لها منه مرب وحالب
قال: " حضرموت " لغتهم، فيه عندي قولان، أحدهما: أنه لما كان علما ومركبا دخله تغيير الفتحة إلى الضمة كأشياء تجوز في الإعلام مختصة بها كت " موهب " و " تهلل " و " حيوة " و " معدى كرب " و " مكوزة " ، وغير ذلك، والآخر: أن يكون لما رأى أن الاسمين قد ركبا معا وجربا مجرى الشبه ثم الشبه بينهما فضم الميم ليصير " حضرموت " على وزن " عضرفوط " ، فإذا فعلت هذا ذهبت في ترك صرفه إلى التعريف والتأنيث للبلدة، وذلك إنه وإن كان في الأصل مركبا فقد صار فيما بعد إلى وزن الواحد، وباب ما لا ينصرف أغلب أسباب منعه الصرف إنما هو شبه اللفظ كت " أحمد " و " يعفر " و " تنضب " علما، وفي القول الأول منعت الصرف للتعريف والتركيب كت " بعلبك " وبابه.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل " :
عفا سرف من جمل فالمرتمى قفر ... فشعب فأدبار الثنيات فالغمر
فخيف مني أقوى خلاف قطينه ... فمكة وحشا من جميلة فالحجر
الشعراء تغير وتحرف الأعلام لإقامة الأوزان من ذلك قولها " من الطويل " :
اقلب طرفي في الفوارس لا أرى ... حزاقا، وعيني كالجارة من القطر
قالوا: أرادت حازوقا فقالت: حزاقا، وقال " من الطويل " :
أبوك عطاء ألأم الناس كلهم ... فقبح من فحل، وقبحت من نجل
يريد: عطية، وقال " من الوافر " :
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق
يريد: ابن سيار، وقال " من الكامل " :
ودعا بمحكمة أمين سكها ... من نسيج داود ابي سلام
يريد " أبي سليمان " ، وكذلك قوله عندي " من الطويل " :
وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سليم كل قضاء ذائل

(1/50)


على تحقير الترخيم كزهير من أزهر، وسويد من أسود، دون أن يكون عندك من تحريف الضرورة. قيل يمنع من تحقير سليمان إنما هو تحقير سلمان، وإذا كان تحقيرا لم يجز تحقيره كما لا يحقر نحوه: كليب وجعيفر، فإذا كان كذلك كان تحريفا لا ترخيما، فكذلك قوله في البيت الثاني " جميلة " وفي الأول " جمل " هو من التحريف الذي تقدم ذكره، ولو كان مكانه " جميلة، لكان أسهل لانه كان يكون تحقيرا بعد تكبير كقول القطامي " من البسيط " .
أمست علية يرتاح الفؤاد لها ... وللرواسم فيما دونها عمل
مع قوله " من البسيط " .
المحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت به الكلل
ف " 'ثلية " ينبغي أن يكون ترخيم " عالية " .
وفيها:
وبل الندى من آخر الليل جبها ... إذا استوسنت وأستثقل الهدف الهدر
قال: " الهدر " الثقيل، وكذلك الهدف، ينبغي أن يكون الهدف من قولهم: " هنا هدف الرمية " ، كأنه لثقله وقلة تصرفه منصوب للمصائب والنوائب، وليس معه من الحركة والتصرف ما يتقي به نوازل ما يكرهه، وكذلك الهدر من الشيء المهدر أي: المطرح أي ساقط، وأما " استوسنت " ف " استفعلت " في معنى الثلاثي أي: وسنت تونس، وكذلك " استثقل " وقد تقدم ذكر مجيء " استفعل " في معنى " فعل " .
وفيها:
بأسفنط كرم ناطف زرجونه ... يعقب سرى جادت به مزن قمر
قال: أراد بعقب سحاب سرى، قال: واسفنط رومي اسم الخمر، أما " سرى " فعلى إقامة الصفة مقام الموصوف، ومثله قوله:
مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفى كان من أرمى البشر
أي: بكفى " رجل " كان من أرمى البشر، وأغلظ من هذا قول الآخر:
والله ما زيد بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه
أي: " بإنسان نام صاحبه " ، فحذف الموصوف وباشر بحرف الجر نفس الفعل، وليس " نام صاحبه " بعلم ك " تأبط شرا " و " ذرى حبا " و " جلا الصبح " ولو ذلك يدل على ذاك قوله معه: " ولا مخالط الليان جانبه " فمعناه، إذن: " ما زيد بنائم صاحبه ولا مخالط الليان جانبه " ، وما فائدة ذلك؟ قيل: معناه ألا أنه لا يصاحب إلا النجباء الأذكياء مثله دون دون الثقال البلداء وهذه عادة للشعراء، قال " من البسيط " :
وقد أصاحب فتيانا شرابهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
وقال في نحوه " من البسيط " :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مثل شلول شلشل شول
وأنشد أبو زيد " من الرجز " : وصاحب نبهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا ... يمسح بالكفين وجها أبيضا
وهو كثير، وقد يجوز أن يكون صاحبه قلبه أي هو يقظان الفؤاد، والقول الأول أظهر، وأما " أسفنط " فأجتمع الناس على أنه رومي إلا ابن الأعرابي فإنه قال هو عربي وأخذه من " سفطت نفسي " أي: طابت، وهو أسفط نفسا من فلان، وذلك لطيب الخمر، فإن كان كذلك فقد ثبت به مثال لم يأت به صاحب الكتاب، ألا ترى أنه لم يذكر في الأمثلة " إفعنل " ، وينبغي أن يكون العمل على ما أطبقت الجماعة عليه.
وفيها:
فقل به ما عرسوا ثم أنهجت ... لمنزلة أخرى بهم طرق غبر
ليست " ما " هذه " ك " ما " في قوله: " قلما زرتني " و " قلما لقيت زيدا " ؛ لأن " ما " من " قلما زرتني " حذف لوقوع الفعل بعده كما أصلحت " ما " حرف الجر وهيأته لوقوع الفعل بعده في قول الله سبحانه: " ربما يود الذين كفروا لو كانوا " وقوله:
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
وكما أصلحت الظرف للجملة من غير إضافة في قوله " من الكامل " :
أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
وليس كذلك " ما " من قوله: " فقل به ما عرسوا " إنما هذه ما المصدرية في قولك: " عجبت مما صنعت " أي: من صنيعك، و " مما قمت " أي: قيامك وهي مرفوعة ب " قل " يدل على ذلك فصله بينها وبين " قل " بالظرف، وهذا الفصل إن وجد بين المضاف والمضاف إليه وبين حرف الجر وما جره في قوله " من الطويل "
ف لو كنت في خلقاء من رأس شاهق ... وليس إلى منها النزول سبيل

(1/51)


ونحو ذلك، فأنا لم نجده معترضا بين الجزأين المركبين في نحو معدي كرب وقاليقلا ومارسرجس، ولا فيما أصلح فيه الجزء الثاني الجزء الأول لمباشرة " ما " ، لولا الثاني لم يباشره نحو: ربما قام، وقلما زارنا، وبعدما أفنان رأسك كالثغام، وإذا كان هذا مفقودا غير موجود لم يجز أن يحمل بيت أبي صخر عليه، فأما الفعل المصلح للفعل بعدهما في قولك: " قلما زرناك " ، فإنه عندنا لا فاعل له وذلك أن " ما " المضمومة إليه كفته عن اقتضائه الفاعل وأصارته إلى حكم آخر، وقد تقصى هذا في عدة أماكن من كلام أبي علي وكلامي فتركت الإطالة بذكره.
وفيها:
سمون بنا يحتبن كل تنوفة ... تضل بها عن بيضهن القطا الكدر
لا يجوز أن تكون " تنوفة " من النوف ولا من " أناف على كذا " أي: علاه؛ لأنها لو كانت منه لوجب تصحيحها لموافقة الزيادة في أولها زيادة الفعل وللزم أن تقول: تنوفة ك " تدورة " ، وتصحيحها أيضا في التكسير فتقول تناوف كمعونة ومعاون، فهي إذن من لفظ " ت ن ف " ، ولا اعرف لهذا الأصل استعمالا في غير هذا الموضع.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل " :
عفت ذات عرق عصلها فرئامها ... فدهناؤها وحش وأجلى سوامها
فيها:
كأن على أنيابها من رضابها ... سبيئا نفي الصفراء عنها أيامها
قال: سبيئا عسلا، والصفراء: النحل، والأيام: الدخان، حدثنا أبو علي يرفعه إلى بعض أصحابنا قال: يقال " آم العسال الوقبة يؤمها أياما " ، وذلك إذا دخن عليها ليخرج النحل فيشتار العسل، والأيام على ما ترى مصدر وعينه في الأصل واو، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن في نوادر أبي عمرو الشيباني، قال: الأيام العود الذي فيه النار يدخن به على النار، وذكر السكري هنا إنه الدخان نفسه، والذي يجمع بين هذه الأقاويل إنه في الأصل مصدر فسمي به مرة الدخان ومرة العود الذي يدخن به، ولو كسرته على " أفعلة " كانت عينه آومة وعلى " فعلان " لقلت: أومان وعلى " فعل " : أوم.
بماذية جادت لها زرجونة ... معتقة صهباء صاف مدامها
قال: ماذية عسل أبيض، ينبغي أن تكون ماذية " فاعولة " من مذى يمذي، إذا سال، وذلك لرقة العسل، وكأنها شبهت بالمذي لرقتها وبياضها، وكذلك عندي ما جاء في شعر هديل من الماذية يراد به المرآة وذلك لبياضها وما عليها من ماء الصقال، فكأن ماء يسيل عليها، يدلك على ذلك قولهم لها: الماوية، فهي منسوبة إلى الماء لما ذكرنا.
بعقب سرى في مزنة رجبية ... بقاع حني يوم أجلى غمامها
أي: يعقب سحاب سرى، فحذف الموصوف وقد تقدم شرحه قبل، وحني: " فعيل " من حنوت، وليس يحسن أن تجعل " حني " جمع حنية تعني القوس، وذلك إنهم إنما يصفون القسي بأن منابتها الأشعاف وأعالي الجبال والقاع منخفض، فأما كان " حني " مكانا مخصوصا، وأما كان نبتا متحنيا لعلوه وكثافته.
وفيها: فطهر منهم بطن مكة ماجد أبي شراة الضيم حين يسامها قال: الشراة الحد، ينبغي أن يكون لامها ياء حملا على الأكثر ولا يمنع أيضا فيه الواو.
ومن رأيه ذي الفضل واليمن والتقى ... أغر سماوي إليه ذمامها
قال: سماوي سحاب نشأ من ناحية السماوة.
يشج بها عرض الفلاة تعسفا ... وأما إذا يخفى من أرض علامها

(1/52)


" من " في قوله: " ومن رأيه " متعلقة ب " يشج " أي إنما سار وأرتحل برأيه، ومن أجل فضله ويمنه، وأما " علامها " بفتح العين فينبغي أن يحمل على إنه أراد عملها فأشبع الفتحة فنشأت بعدها ألف كقولهم في " أمين " : آمين، وفي " بين " : بينا، وفي قولهم: جيء به من حيث وليسا أي: وليس، وفي قوله " بمنتزاح " وهو يريد " منتزج " : مفتعل، من النزح وقد قالوا في جمع " علم " : علام، كجبل وجبال، فيجوز أن يكون " علامها " وأما تفسيره قوله: " أغر سماوي " بأنه سحاب نشأ من قبل السماوة: فساقط، وذلك إنه قد فارق صفة السحاب وانتهى إلى المدح لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بم أمية بن أسيد ألا تراه قال: " أغر سماوي إليه زمامها " وهذا أمر يخص المدح، ولا معنى للسحاب هنا، ولكن يجوز أن يريد ب " سماوي " إنه ينسبه إلى السماء ومعالي الأمور كقول الله تعالى: (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وفيها: شمت بقتلي مالك وهجوتها عليك خزايا قوم لوط وذامها قد قالوا في جمع " أذية " : أذايا، فيجوز أن يكون " خزايا " جمع " خزية " فقد كسروا " فعلة " على " فعائل " ككنة وكنائن.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل "
لليلى بذات البين دار عرفتها ... وأخرى بذات الجيش آياتها سطر
هكذا رواه " البين " بالفتح، ورويناه عن أحمد بن يحيى وغيره " البين " بكسر الباء، قال : " سفر " كتاب غفل، أي: درست فصارت أعلامها إغفالا، ينبغي أن يكون السفر من قولهم: سفرت البيت، أي: كنسته، فكأنه كنست الكتابة من الشطرين فصار غفلا بعد أن كان بها معلما.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل " :
بأهلي من أمي على نأبه شكلا ... ومن لا أرى في العالمين له مثلا
فأقسم بالله الذي اهتز عرشه ... على فوق سبع لا اعلمه بطلا
بأن لليلى في الفؤاد علاقة ... على اليأس يوما ما سقى الشرب النخلا
أخلص " فوق " اسما، إلا تراه أدخل " على " عليها، فعلى هذا يجوز أن تقول " فوقك رأسك " كقولك: " أعلاك رأسك " ، و " أعلاك " مرفوع بالابتداء، وقوله: " على فوق سبع " يدفع إنشاد أبي علي بيت الكتاب " من الطويل " :
له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا
وكان يقول أن السابعة هي العرش وهي التي أراد بقوله: " سماء الإله " وقوله: " لا اعلمه بطلا " منقول من " علم " المتعدية إلى فعول واحد بمعنى " عرف " كقول الله سبحانه: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " أي: عرفتم، ألا تراه عداه إلى مفعولين أحدهما الهاء والآخر " بطلا " ولو كانت منقولة من المتعدية إلى مفعولين لوجب أن تخطى إلى الثالث لأن تلك منى تعدت إلى أثنين لم يكن بد من الثالث إجماعا، وإنما الخلاف هل يجوز الاقتصار على المفعول الأول دون الثاني والثالث أو لا؟ وقوله: " على اليأس يوما " ، فاليوم هنا لا يراد به ما يشفع الليلة من بياض النهار خاصة، وإنما الغرض فيه هنا الدهر عموما أيامه ولياليه كقول الآخر " من مجزوء الرمل " :
حبذا العرصات يوما ... في ليال مقمرات
وقد تقدم ذكر نظير.
وفيها:
ترى الشيب بالأصال يمشون نحوه ... يحيونه كهلا، ومن لم يكن كهلا
" من " هنا نكرة لأنها معطوفة على " كهلا " وما بعد " من " صفة لها وموضعه من الإعراب نصب، فأما " كهلا " فإن شئت جعلته حالا أي: كهولا وغير كهول، فوضعت الواحد في موضع الجميع كقوله سبحانه: " ثم يخرجكم طفلا " . وقد تقدم ذكره، وأن شئت جعلته تمييزا كأنه أراد. حييونه من كهول وغير كهول، ولا يجوز أن يكون " كهلا " حالا منه لفساد معناه.
وفيها:
أتى أمه قد واعد الغزو فتية ... كراما نثاهم لا لئاما ولا عزلا
لام " النثا " واو لقولهم: نثا الخير ينثوه نثوا.
وفيها:
بضرب يطاطي البيض من فوق رؤوسهم ... إذا أكرهت فيهم سمعت لها قصلا
قال: " قصلا " أي قطعا، هو عندي على حذف المضاف أي صوت قصل، لأن القصل نفسه لا يدركه السمع وكسر رأسا على " رؤس " كقوله " من الطويل " :
فيوما إلى أهلي ويوما إليكم ... ويوما أمر الخيل رؤس أجبال

(1/53)


وقد تقدم ذكر ما كسر من " فعل " على " فعل " نحو: سقف وسقف وحشر وحشر وكث وكث وورد وورد، ونظير قوله: " سمعت لها قصلا " قول جرير " من الوافر " :
سمعت حمامة طربت بنجد ... فما هجت العشية يا حماما
أي: سمعت صوت حمامة، وعليه قول الله تعالى: " هل يسمعونكم إذ تدعون " أي: هل يسمعون دعاءكم، وينبغي أن ينشد بضرب يطاطي، بترك الهمزبين الطاءين، ألا تراه قد أبدل الثانية البتة ضرورة فالأحسن أن يخفف الهمزة الأولى ليتشابه اللفظان، ولو حقق الأولى، وقد أبدل الثاني لكان في اللفظ من التنافر ما تراه، والشعر أحوج الكلام إلى تشابه أحواله وتناصر ألفاظه، ولذلك عندي ما قدموا الأرداف والتأسيس، أمام مدات الوصل ليتشاكلن.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الوافر " :
بياض الرأس ما لم تأت أمرا ... يكون سواه أتوحل حلال
قال: أراد " حل " فخفف هذا التخفيف أكثر ما يكون في القول في المقيدة نحو قوله:
ها إن ذا غضب مطر
وقوله " من الرمل " :
ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأملا المبر
وقوله " من الرمل " :
أصحوت اليوم أن شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر
وقلما يجيء في حشو البيت إلا أنه قد جاء، فمنه قوله أنشدناه أبو علي وقرأته أيضا عليه:
بكي بعينك واكف القطر ... أين الجواري العالي الذكر
يريد: الجواري، وأنشدنا أبو علي لعمران بن حطان " من البسيط " :
قد كنت عندك حولا لا تروعني ... فيه روائع من أنس ولا جان
هكذا انشدناه معتقدا فيه التخفيف مع ما تراه من الإطلاق، وقد يجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون أبدل النون الثانية لاجتماع المثلين كقولهم: " أمليت الكتاب " في معنى أمللت من قوله سبحانه: " وليملل الذي عليه الحق " ، وكما حكى أحمد بن يحيى من قولهم: " لا وربيك لا أفعل " ، يريد: وربك وعلى هذا تأول أبو علي قوله:
وآليت لا أملاه حتى يفارقا
قال: أراد: لا أمله، فأبدل الثاني، ومنه قول الشاعر " من الخفيف " :
أن سلمى هي المنى لو تواتي ... حبذا هي من خلة لو تخالي
أراد: تخال، فإذا أمكن ذلك كان حمل بيت عمران على هذا الضرب من البدل أخلق من حمله على الحذف؛ لأن البدل على كل حال أحسن من الحذف، ومما حذف في الوصل قوله " من الكامل " :
أزهير أن يشب القذال فإنني ... رب هيضل لجب لففت بهيضل
فاذا جاز الحذف في الحرف على قلته فيه فهو في الاسم لكثرته فيه أولى، ووجه ذلك عندي إنه أجرى الوصل في الشعر مجرى الوقف على القافية فخفف، ونظير هذا عندي قوله:
يا ليتها قد خرجت من فمه ... حتى يعود الملك في أسطمه
أجرى الوصل مجرى الوقف فثقل مع الإطلاق نحو: الأضخما والعيهل وكذلك قول الآخر، أنشده أبو زيد:
محض نجاري طيب عنصري
إلا أن هذا ومن فمه أغلظ من الأضخما والعيهل وبعدما اخصبا، وذلك انهما مضافان ولا سيما إلى مضمر، والوقف دونه لا يجوز، فإذا ساغت نية الوقف فيما هذه حاله كانت نيته فيما يمكن الوقف عليه أمثل.
وفيها:
وما مترجز الآذي جون ... له حبك يطم على الجبال
الأذى " فاعول " من الأذى، كما أن الآري " فاعول من أرى يأري، إذا انقبض واحتبس، وكما أن الماذي " فاعول " من مذى يمذي. وأما " ضاوي " فيحتمل أمرين فيما رواه أبو علي، أحدهما: أن يكون " فاعولا " من الضوى، والآخر: أن يكون " فاعليا " منه حذفت لامه على قولهم في ناجية: " ناجي " ، وأما العارية ف " فعلية " من قولهم: تعوروا العواري بينهم أي تداولوها ومن قوله:
مسح الأكف تعاوروا المنديلا
وأما الجادي ف " فاعول " من الجية وهي طريقة الدم، سمي بذلك لحمرته، كذا أرى أنا فيه، ولم أعلم أحدا من أصحابنا ذكره، وينبغي أن تكون لام " الجدية " واوا، فقد دللت على صحة هذا فيما مضى، وأما " الباري " فأعجمي.
وفيها:
كفاني كل أبيض خالدي ... طويل الباع مضطلع الحمال
ينبغي أن يكون أراد الحمالة فحذف الهاء كما حذفها مالك بن جبار من قوله " من البسيط " :

(1/54)


إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم ... ولا نصالحكم إلا على ناح
قالوا: أراد ناحية، وقد تقدم ذكر نحو هذا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من الطويل " :
وركبان أنضاء يبل رحالهم ... ضريب عثانين من الثلج بارد
القوافي مجرورة، قال: ويروي: " من الليل " . ظاهر الأمر في " بارد " أن يكون صفة ل " عثانين " ، وأن كان جمعا متناهيا، ألا ترى أنه قد شابه الواحد بأن جمع فقيل:
هن يعلكن حدائداتها
قرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى وأنشدنا أبو علي:
قد جرت الطير أيامنينا ... قالت وكنت رجلا فطينا:
هذا لعمر الله إسرائينا
وحكى أبو الحسن: " صواحبات يوسف " و " مواليات العرب " ، فلما جمع جمع الواحد جاز أن يوصف بلفظ الواحد، ووجه آخر: وهو أن يكون صفة " ضريب " إلا أنه ألحقه ياءي الإضافة توكيدا لمعنى الصفة كقول العجاج:
غضف طواها الأمس كلابي
وقد تقدم القول عليه، وكذلك أراد " باردي " فلما وقف خفف وذكر البرد مع الثلج توكيدا.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة " من البسيط " :
جهم المحيا عبوس باسل شرس ... ورد قصاقصة، رئبالة شكم
قال: الرئبال من الأسد كالقارح من الخيل التي تمت أسنانه، قال: هذا عن أبي حفص عمر بن بكير، قال: وشكم غضوب، ينبغي أن يكون من " الشكيمة " وهي شدة الخلق ومنه شكمته إذا كافأته فكأنه يقابل أعداءه مكافئا لهم، فإن قلت فإن الشكم هو المكافأة مرسلة لا يخص خيرا من شر فكيف أخلصتها هنا للشر؟ قيل: لا ينكر أن يكون الشيء في الأصل سائغا غير مقصور ثم يراد في بعض الأحوال المبالغة فيقتصر على أحد ما يقع عليه كقولنا للكعبة: بيت الله، ولعلم حلال الشريعة وحرامها: الفقه، وللثمين من تجارة: الجوهلا، ونحو ذلك، فكما اختص هذا للخير كذلك اختص " شكم " للشر، والمعنى الجامع هما إرادة المبالغة لا سيما وقد تقدم في أول البيت ما جذب إلى ذاك وحدا على قصره على ما يضاهيه.
وفيها:
شيبت بموهبة من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة في حالق شمم
قال: موهبة غدير، هذا عندي مما شذ في تصريفه لأن العرب لا تكاد تبني " مفعلا " بفتح العين مما فاؤه واو إنما هو " مفعل " بكسرها نحو: الموضع والموقع والموجدة والموردة، إلا أنه قد جاء من هذا ما قدمت ذكره منه قولهم: موضع بفتح الضاد، قد حكيت كذلك عن الفراء وقالوا: موجل وموحل وموقعة الطائر، وقالوا: أكل الرطب موردة والبطنة موسنة، وقالوا: موظب وموثب، ولم يذهب فيه إلى لفظ " م ر ق " ، قال: وأما موألة فمن اخذها من ذاك فهي من هذا الباب، ومن أخذها من " مألت " فهي " فوعلة " ، ومثل قوله مهيبة في تصحيح عينها قولهم: " هذا طعام مطيبة للنفس " و " كثرة الشرب مبولة " و " الفكاهة مقودة إلى الأذى " ، وقالوا في " المثوبة " : المثوبة، وفي " المشورة " : المشورة، وقالوا في العلم: مريم ومدين ومكوزة، وكأن الغدير سمى موهبة؛ لأنه كأنه عطية وهبة من الله، وذلك لإفراط سرورهم به وانسهم بوروده. قبله:
كأن معتقة في الدن مغلقة ... صهباء مصعقة من رانيء ردم
قال: يقال رانت به الخمر، وهذا كان يوجب فيه عندي " رائن " كباع فهو بائع، وإنما رواه رانيء بالهمز، ولو كان قبله لوجب فيه ران كشاك من شائك، ولاث من لائث، والذي أراه فيه إنه " فاعلن " من لفظ " اليرنأ " وهو الحناء، فاراد هنا اللون وصبغه، فإن قلت: فقد قال صهباء، والصهبة بعيدة من الحمرة؟ قيل: لا ينكر ذلك، وذلك إن الصهباء قد صارت اسما للخمر حتى تطلق عليها على اختلاف ألوانها وكالمدام هو اسم لها وأن لم يطل دوامها لما استمر فيها.
وقال أبو صخر أيضا من قصيدة:
فسمي فأعناء الوجيع فسابس ... إلى عنق المصياغ من ذلك
لا أعرف في الكلام تركيب " س م ي " إنما هو " س م و " فقد يمكن أن يكون بني من " سموت " اسما على " فعل " فكان تقديره " سمو " ، فلما تطرفت وأنضم ما قبلها قلبت ياء فصارت " سم " ثم أنه اسكن العين كقولك في ضرب: ضرب، فأقر الياء بحالها وإن زالت الكسرة لفظا لتقديره إياها معنى كقول الآخر قرأته على أبي صالح عن اليزيدي يرفعه إلى الأصمعي:

(1/55)


قالت أراه دالفا قد دنى له
أراد: دنى فهي " فعل " من دنوت، فعلى هذا يتوجه كون السمى من سموت، وأما " الاعناء " فواحدها " عنا " وهو الناحية ولامه واو، وقد تقدم القول عليه.
وفيها:
جلوا من تهامي أرضنا وتبدلوا ... بمكة باب اليون والريط بالعصب
قرأت على الحسين بن علي عن أبي عبد الله محمد بن العباس عن محمد بن حبيب لكثير " من الطويل " :
جرى دون باب اليون والعصب دونه ... رياح اسقت بالتقاو اشمت
وهو بمصر، والقول فيه إن كان عربيا كان غريبا، وذلك إنه ثالث يوم ويوح مما فاؤه ياء وعينه واو، وهذا هو الظاهر، وقد يجوز أن يكون بنى " فعلا " من " يين " وهو اسم موضع على قول أبي الحسن في " فعل " من البيع: يوع.
وقال:
والجن لم تنهض بما حملتني ... أبدا ولا المصباب في الشرم
" المصباب " : السفينة، و " الشرم " ما لم يدرك غوره من البحر. القول في " الشرم " إنه سمى بذلك لأنه من: شرمت الشيء أي: شققته، وذلك أنه الموضع المنشق الغائر من البحر، وقيل له شرم كما قيل له بحر والبحيرة: المشقوقة الأذن من النوق، ولذلك قيل له البضيع لأنه " فعيل " من بضعت أي: شققت.
وفيها:
أن أرى الذي قد ظن أن ستري ... وضح النهار وعالي النجم
أنتصب " وضح النهار " ، وليس يحسن أن تجعله بدلا من الهاء المحذوفة من ستراه من قبل أنه حذفها للإيجاز والبدل يشابه التوكيد بما فيه من التكثير والتوكيد للإسهاب والإسهاب ضد الإيجاز.
وفيها:
ومطوس سهل مدامعه ... لا شاحب عار ولا جهم
قال: " مطوس " حسن، قد تمكن معنى الحسن في هذا اللفظ حتى قال رؤية: " طاووسا " ، وهذا كقولهم: مررت بحية ذراع طولها، وبكتاب طين خاتمه، ومررت بقاع عرفج كله، هذا ومنه قول الآخر:
كأن لها منه بيوتا حصينة ... مسوما أعاليها وساجا كسورها
فرفع ب " وساج " و " مسوح " لما كان معنى مسوح: سود، ومعنى وساج: خضر.
وقال لسعيد بن عبد الملك " من الوافر " :
أصاب أبو سعيد حين سمى ... سعيدا حين سماه سعيدا
لم يفسره أبو سعيد السكري، والقول عليه أنه كأنه قد أصاب والد سعيد حين اجمع تسميته في أن سماه سعيدا فاستعمل " حين " الثانية في موضع " أن " وقد كثر استعمال ظروف الزمان عن " أن " وذلك لمقاربة المصدر لظرف الزمان من ذلك قولك: " أحسنت إليك إذ أطعتني " معناه: إن أطعتني أي: من أجل أن أطعتني، وأسأت إليك إذ عصيتني، أي: من أجل أن عصيتني، ألا ترى أن الثاني مسبب عن الأول ومن حكم السبب أن يتقدم ما كان مسببا عنه، ومنه قول الله سبحانه: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون " ، أي: لن ينفعكم من أجل أن ظلمتم اشتراككم في العذاب، وله نظائر، وفي هذه الآية ما هو اكثر من هذا ولأبي علي فيها قول وراجعته فيها فخرج ما قد اثبت.
ثم ما خرج من شعر أبي صخر

(1/56)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية