صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التذكرة الحمدونية
المؤلف : ابن حمدون
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

و من كلام علي كرم الله وجهه: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة التوقع أعظم مما يخاف منه.أغض على القذى والألم ترض أبدا. من أطاع التواني ضيع الحقوق، ومن أطاع الواشي ضيع الصديق. من ظن بك خيرا فصدق ظنه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءا وأنت تجد لها في الخير محتملا.الغيبة جهد العاجز.
سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصيه ويوجز فقال: لا تغضب.
؟وقد قيل: إياك وجرأة الغضب فإنها تصيرك إلى ذل الإعتذار.
وقال ابن المقفع: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم.
وقال أيضا فيما ترجمه من حكم الفرس: إن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك أو غيبك، فلا يرين الوالي ولا غيره منك اختلاطا لذلك ولا غيظا، ولا تكترث له فيدخل عليك من ذلك شبيه بالريبة مؤكدة لما قال فيك العائب، وإن اضطررت إلى الجواب فإياك وجواب الإنتقام والغضب، وعليك بجواب الوقار والحلم والحجة، ولا تشكن في أن القوة والغلبة للحليم.
قال الشاعر: (من الطويل).
ولم أر عقلا تم إلا بشيمة ... ولم أر علما تم إلا على أدب
ولم أر في الأشياء حين بلوتها ... عدوا للب المرء أقوى من الغضب
قيل: من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بثه، فقد خان نفسه.
وقال صاحب كليلة ودمنة: خير الأعوان والأخدام أشدهم مبالغة في النصيحة وخير الأعمال أجلها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وخير الأصدقاء من لا ينافق، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وأفضل السلطان ما لم يخالطه بطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأعجز الملوك آخذهم بالهوينا وأقلهم نظرا في العواقب.
؟وقال: من بلغ جسيما فلم يبطر ؟ ومن اتبع الهوى فلم يعطب ؟ ومن جاور النساء فلم يفتن ؟ ومن صحب السلطان فلم يعنت ؟ ومن طلب إلى اللئام فلم يهن ؟ ومن واصل الأشرار فسلم ؟.
وقال: أحسن القياس عند تشابه الأمور، واعتبر ما أنت فيه بما بقي وما يكون بما قد كان، فكفى بذلك علما، واقنع فحسب المرء أن يكون بما أوتي قانعا، وأبصر حيث تضع رجلك لا تطأ بها دحضا فتزلق. وأحسن الروغان عند جولة الطالب، وافرق بين العدو والصديق وأنزلهما منازلهما، أما الصديق فتصله وتقضي حقه، وأما العدو فتحذره وتنأى عنه، واحذر محل السوء وإن موه لك ببعض الكذب فقد ينثر الحب في الشباك، لا من كرامة الطير، والكلمة اللينة من العدو في حال ضرورة فاحذرها، وقس بما في نفسه لك بما في نفسك فكفى بذلك دليلا.
وقيل: ليس صلح العدو بموثوق به على حال، فإن الماء وإن أطيل إسخانه فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار.
ومثل الكلام الأول قول محمد بن علي بن موسى بن جعفر للمتوكل في كلام دار بينهما: لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، وإنما قلب غيرك لك كقلبك له.و هذا الكلام مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو منبع كل حكمة: الذنب لا ينسى والبر لا يبلى، وكن كيف شئت فكما تدين تدان.
؟قال عبد الله بن الحسن لأبيه: يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنه لا يعدمك مكر حليم أو مفأجأة لئيم.
وقيل: من وجد عدوا مغترا معورا فلم يسترح منه، أصابته الندامة حين يقوى عدوه فيعجزه، والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إلى ذلك ويصانعه ويظهر له وده ويريه الإستئمان إليه إذا لم يجد من ذلك بدا، ثم يعجل الإنصراف عنه حين يجد إلى ذلك سبيلا ويعلم أن صريع الاسترسال لا تقال عثرته.
وقال علي عليه السلام: من الخرق المعاجلة قبل الإمكان، والأناة قبل الفرصة.
قال حكيم: من ظفر بالأمر الجسيم فأضاعه فاته، ومن التمس فرصة فأمكنته فأخر العمل بها لم تعد إليه.
؟وقال علي: كفى أدبا لنفسك اجتناب ما كرهته لغيرك.
وقال: للمؤمن ثلاث ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم فيها معاشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل، وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم.

(1/98)


؟وقال: خذ من الدنيا ما أتاك وتول عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب. الدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر.
؟وقال: مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم. لا تجعلن درن لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سددك.
؟وقال: لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين العافية والغنى، بينا تراه معافى إذ سقم، وبينا تراه غنيا إذ فقر.
؟وقال: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته. من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها.زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس.
وقال: ما مزح امرؤ مزحة إلا مج من عقله مجة.
وقال الحسن بن علي: المزاح يأكل الهيبة.
وقال ابن المقفع في رسالته المعروفة بالدرة اليتمية: لا تخلطن بالجد هزلا فتسحته، ولا بالهزل جدا فتكدره، وقد عرفت لذلك موضعا إن فعلته أصبت الرأي وظهرت على الأقران، وذلك أن يتوردك متورد بالسفه والغضب وسوء اللفظ فتجيبه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، وثبات في المنطق.
وقال آخر: لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا السفيه فيجترئ عليك.
وقال أفلاطن: لا تستعمل البطش حتى ينفذ القول. لا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري تصرف الأيام بك.
يقال: لا تخلط يقينك بالشك فيفسد عليك العزم، ولا توقف عملك على الشك فيدخل عليك الوهن.
قيل: أول كلام بارع سمع من سليمان بن عبد الملك قوله: الكلام فيما يعنيك خير من الكلام فيما يضرك.
وقال سهل بن هرون: الهول إن كان عنه مندوحة فركوبه خطأ وإلا فركوبه صواب، فإن كنت راكبا هولا لاجترار نفع دونه مقنع، أو لدفع ضرر له مدفع فموضعه خطأ، وإن كنت دافعا به أعظم منه ومضررا إليه غير مزحزح عنه فموضعه صواب.
ولأبي مسلم كلام يشبه هذا قد ذكرناه في فصل الأخبار.
وقع مروان بن محمد إلى عامله بالكوفة: حاب علية الناس في كلامك، وسو بينهم وبين السفلة في أحكامك.
قالت القدماء: لا ينبغي لأحد أن يمنع ناسكا شيئا يتقرب به إلى الله، ولا يمنع السلطان شيئا يستعين به على صلاح أمور العامة، ولا يمنع صديقه شيئا يفرج به كربته ويجبر مصيبته.
وقالوا: أحسن القول لا يتم إلا بحسن الفعل كالمريض إذا عرف دواء مرضه فلم يتداو به لم ينتفع بعلمه ولا يجد منه راحة ولا خفة.
قال كسرى: لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار.
؟قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا. وأتم من هذا الخبر المروي: أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما. وشبيه به قول الشاعر وهو النمر بن تولب: ( من المتقارب).
وأحبب حبيبك حبا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تصرما
؟قيل في حكمة الهند مكتوب: اليقين بالقدر لا يمنع العاقل توقي الهلكة، وليس لأحد أن ينظر في القدر المغيب، وإنما عليه أن يأخذ بالحزم، ونحن نجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم.
؟وقال المأمون: ليس من توكل المرء إضاعة الحزم، ولا من الحزم إضاعة التوكل.
نظر إلى هذا المعنى محمد بن عبد الملك الزيات في كتاب كتبه: لا تخدعنك نفسك عن الحزم فتمثل لك التواني في صورة التوكل، فتسلبك الحذر وتورثك الهوينا بإحالتك على الأقدار، فإن الله تعالى إنما أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم بعد الإعذار والاجتهاد، بذلك أنزل الله كتابه وبه أمضى سنته، قال الله سبحانه وتعالى: (خذوا حذركم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقل وتوكل.
وكتب كاتب: ولعاجل الحزم مؤونة تؤدي إلى خفض ودعة، وللعجز من يسير الراحة ما يفضي بأهله إلى جهد ومنصبة.
قال الحسين بن علي عليهما السلام: إذا وردت على العاقل ملمة قمع الحزن بالحزم، وقرع العقل للإحتيال.
وقال جعفر بن محمد: من كان الحزم حارسه والصدق حليفه، عظمت بهجته وتمت مروءته.

(1/99)


قال الشيرازي سألت المفيد الجرجرائي عن قول جعفر بن محمد: الحزم سوء الظن، وعن قول أبيه: ومن حسن ظنه روح عن قلبه، فما هذه المضادة ؟ قال: يريد بسوء الظن ألا تستنيم إلى كل أحد فتودعه سرك وأمانتك، ويريد بحسن الظن ألا تسيء ظنك بأحد أظهر لك نصحا، وقال لك جميلا، وصح عندك باطنه، وهو مثل قولهم: احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يبدو لك ما يغلبك عليه.
وسئل محمد بن علي بن موسى عن الحزم فقال: هو أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك.
قال جعفر بن محمد: لا تحدث من تخاف أن يكذبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تأمن من تخاف أن يغدر بك.
وقال علي بن موسى: اصطحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر.
وقال محمد ابنه: من هجر المداراة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر.
قال: اتئد تصب أو تكد.
؟وقال الحسن بن محمد بن علي: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكل يوم خيرا جديدا.والإلحاح في المطالب يسلب البهاء إلا أن يفتح لك باب يحسن الدخول فيه، فما أقرب الصنع من الملهوف، وربما كانت الغير نوعا من آداب الله تعالى. والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فإنك تنالها في أوانها. والمدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح فيه فثق بخيرته في أمرك، ولا تعجل في حوائجك فيضيق قلبك ويغشاك القنوط.
وقال: أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته.
قال صاحب كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة، كالريح التي إذا مرت على الطيب حملت طيبا، وإذا مرت على النتن حملت نتنا، والعاقل لا تبطره منزلة أصابها كالجبل الذي لا تزلزله شدة الرياح.
؟قال عثمان بن أبي العاص: الناكح مغترس فلبنظر امرؤ أين يضع نفسه.
؟وقالت هند بنت عتبة: المرأة غل لا بد منه للعنق فانظر من تضعه في عنقك.
؟ومن كلام الحكماء: من ترك ما لا طاقة له به كان أستر لمكتوم أمره وأبقى للآمال فيه. لا تشعر قلبك الغم مما فات فيشغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتي به الأيام، وكن بحسن الظن بما عند الله تعالى أوثق منك بما في يديك فإنك تضن بما تملك وذلك على الله يسير، وفي كل حركة وساعة أمر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وتنقل الدول. تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خولتم، وتستصغرون مواهب الله عندكم وتعقبكم الحسرات على ما أوهمتموه منها أنفسكم، وهي مكيدة من مكايد إبليس للعبد، وختل له عن الشكر، واستدراج إلى استصغار عظيم المواهب.
؟وقيل لأفلاطن: كيف يغم الإنسان عدوه ؟ قال يغمه إذا أصلح نفسه.
؟وقال عبد الله بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة ويحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة.
و من كلام علي عليه السلام: أيها الناس ليركم الله من النعمة وجلين كما يراكم من النقمة فرقين، إنه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيع مأمولا.
وقد جمع ابن المقفع في رسالته المسماة بالدرة اليتيمة ما فرقه غيره مما يليق بهذا الباب، وبسط الكلام، إيضاحا للمعاني، وأنا ذاكره الآن وإذا تأمله المتصفح وجد معانيه منبوذة في النثر الذي نقلناه عن المتقدمين في هذا الفصل، إلا أن كلامه حاو كعادة المصنفات في الإحتواء على معاني ما وضعت له.
؟قال عبد الله بن المقفع:

(1/100)


1 - يجب لطالب الأدب أن يعرف الأصول والفصول، ولا يكون كمن طلب الفصل مع إضاعة الأصل، فلا يكون (دركه) دركا، فإن إحراز الأصل كاف، فإن أصاب بعدها الفصل كان أفضل. فأصل (الأمر في) الدين أن تعتقده على الصواب، وأن تؤدي الفرائض وتجتنب الكبائر، فالزم ذلك لزوم من إن فرط فيه هلك، ثم إن قدرت على أن تجاوزه إلى العبادة والفقه فهو أفضل. وأصل إصلاح الجسد ألا تحمل عليه من المأكل والمشرب والباه إلا خفا، ثم إن قدرت على علم منافع الجسد ومضاره مع الإنتفاع لتنتفع به وتنفع فهو أفضل.وأصل الأمر في البأس ألا تحدث نفسك بالإدبار وأصحابك مقبولون على عدوهم، ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف من غير تضييع للحذر فهو أفضل. وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع الصواب فهو أفضل.وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق على أهلها، ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحق على حقه، وتطول بالفضل على من لا حق له فهو أفضل. وأصل الأمر في المعيشة ألا تني في: طلب الحلال، وأن تحسن التقدير لما تفيد وتنفق، وأن لا تعدل عن ذلك لسعة فيها، فإن أعظم الناس في الدنيا خطرا أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من السوقة، لأن السوقة تعيش بغير مال، وإن الملك لا قوام له بغير مال وسعة، وإن قدرت على الرفق واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل.
2 - ابذل لصديقك نفسك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحننك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد إلا أن تضطر إلى بذل العرض للوالي أو للوالد، ومن سواهما فلا.
3 - اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب.
4 - إن رأيت صاحبك مع عدوك فلا يغضبك ذلك عليه فإنما هو أحد رجلين، إن كان رجلا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفه عنك، وعورة يسترها منك، وغائبة يطلع عليها لك، وإن كان رجلا من غير خاصة إخوانك فبأي حق تقطعه من الناس وتكلفه ألا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى؟ 5 - وإن استطلت على الإخوان والأكفاء فلا تثق منهم بالصفاء.
6 - إن أردت أن تلبس ثوب الجمال وتتحلى حلية المروءة فكن عالما كجاهل وناطقا كعيي، فأما العلم فيرشدك، وأما قلة ادعاء العلم فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه فما بلغ حاجتك لم يفتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار.
7 - إذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته او يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تفتحه عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته، فإن في ذلك خفة وسوء أدب وشحا.
8 - لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضى، وذلك أن العدو خصم تصرفه بالحجة وتغلبه بالأحكام، والصديق ليس بينك وبينه قاض، إنما هو رضاه وحكمه.
9 - ارتد لإخائك، فإن كان من إخوان الآخرة فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير(ولا) متسرع، فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا صادقا لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق، وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف به إذا ظهر الكذب على اللسان. وإن الشرير يكسبك العداوة فلا حاجة لك في صداقة تجر إليك العداوة، وإن. التسرع تابع صاحبه.
10 - فإن آخيت أخا فلا تقطعه وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمرأة الردية تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك ولو كنت معذورا لنزل ذلك عند أكثر الناس بمنزلة الخيانة للإخاء. لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرا. لا تستعين إلا بمن تحب أن يظفر لك بحاجتك ولا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنما ما لم يغلبك اضطرار.
11 - إذا أصاب أخوك فضل منزلة أو سلطان فأره أن سلطانه زاده عندك توقيرا وإجلالا من غير أن تزيده ودا ولا نصحا، ولا تقرر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه فإن الأخلاق مستحيلة مع السلطان، وربما رأينا الرجل المدل على السلطان بقدمه قد أضر به قدمه.

(1/101)


12 - احترس من سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل، واعدد لكل شيء من ذلك عدة تجاهده بها: من الحلم والتفكر والروية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة، فليس أحد من الناس إلا فيه من كل طبيعة ونحيتة سوء غريزة، وإنما التفاضل في مغالبة طباع السوء، فأما أن يسلم أحد من تلك الطبائع فمما ليس فيه مطمع.
13 - ذلل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء، وخليط السوء، فإن ذلك مما لا يكاد يخطئك.
14 - اعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض السلاطة عي، وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون إعطاؤك جورا ولا بيانك هذرا ولا علمك وبالا فافعل.
15 - إن استطعت أن لا تخبر بخير إلا وأنت مصدق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل، ولا تقل كما يقول السفهاء: أخبر بكل ما سمعت، فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن السفهاء أكثر من هو قائل.
16 - لا تصاحبن أحدا وإن استأنست به ذا قرابة ومودة ولا ولدا ولا والدا إلا بمروءة، فإن كثيرا من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال والتبذل على أن يصبحوا كثيرا من الخلطاء بالإدلال والتهاون، وإنه من فقد من صاحبه المروءة وإجلالها ووقارها أحدث ذلك في قلبه رقة شان وسخف منزلة.
17 - لا يعجبك إكرام من أكرمك لمنزلة أو سلطان، فإن السلطان أوشك أمور الدنيا زوالا، ولا من يكرمك للمال، فإن المال يتلو السلطان في سرعة الزوال.
18 - لا تخبر عدوك أنك له عدو فتنذره بنفسك وتؤذنه بحربك قبل الاعذار والفرصة، فتحمله على التسلح وتوقده ناره عليك، واعلم أنه أعظم لخطرك أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوا فإن ذلك عزة له وسبيل إلى المقدرة عليه، فإن قدرت ولم تكاف بالعداوة احتقارا، فهنالك استكملت عظم الخطر والمروءة، وإن كافيت بها فإياك أن تكافىء عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم والاعتداء. وليس كل عداوة تكافأ بمثلها، فالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة. ومن الحيلة في أمر عدوك أن تصادق أصدقاءه وتؤاخي إخوانه وتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي.
19 - لا تتخذن الشتم واللعن على عدوك سلاحا، فإنه لا يجرح في نفس ولا مال ولا دين ولا منزلة، بل احص معايبه ومعايره وتتبع عوراته، حتى لا يشذ عنك صغيرها ولا كبيرها، من غير أن تشيع ذلك فيتقيك به ويستعد له، أو تذكره في غير موضعه فيكون كمستعرض الهواء(بنبله قبل إمكان الرمي) ومن أحزم الرأي في عدوك أن لا تذكره إلا حيث تضره وألا تعد يسير الضر يسيرا.
20 - إن أردت أن تكون داهيا فلا تعلمن الناس ذلك، فإنه من عرف بالدهاء صار خاتل علانية، وحذره الناس، وإن من إرب الأريب دفن رأيه ما استطاع حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة والطريقة.
21 - عليك بالحذر في علمك والجراءة في قلبك. إن من عدوك من تعمل في هلاكه، ومنه من تعمل في البعد عنه، ومنهم من تعمل في مصالحته، فاعرفهم على منازلهم، ومن أقوى القوة لك على عدوك أن تحصي على نفسك العيوب والعورات كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تسمعه هل فارقت ما شاكله أم سلمت منه، فكاثر عدوك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك واحراز مقاتلك. وإن حصل من عيوبك وعوراتك ما لا تقدر على إصلاح ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من نسبك ومثالب آباك وعيب إخوانك وأخدانك، ثم اجعل ذلك كله نصب عينيك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا تغفل عن التهيؤ له والإعداد لعدتك وحجتك وحيلتك فيه سرا وعلانية، فأما الباطل فلا تروعن به قلبك ولا تستعدن له، ولا تشغلن بشيء أمره فإنه(لا) يهولك ما لم يقع، فإذا وقع اضمحل.
22 - واحذر المراء واعرفه ولا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة، واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم من صاحبه، (ولا يرجو أن يتعلم منه صاحبه)فإن زعم أنه إنما يجادل الباطل عن الحق فإن المجادل وإن كان ثابت الحجة حاضر البينة فإنه يخاصم إلى غير قاض، وإنما قاضيه عدل صاحبه وعقله، وإذا آنس عند صاحبه عقلا يقضي به على نفسه فقد أصاب وجه أمره، فإذا تكلم على غير ذلك كان مماريا.

(1/102)


23 - إذا تراكمت عليك الأعمال فلا تلتمس الروح في مدافعتها والرواغ فيها، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو الذي يحققها والضجر منها هو الذي يراكمها عليك إذا ورد عليك شغل وأنت في آخر قبله فلا تكدر عليك الأول تكديرا يفسده، وليكن معك رأيك، فاختر أولى الأمرين فاشتغل به حتى يفرغ، ولا يعظمن عليك تأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله وجعلت شغلك في حقه.
24 - اجعل لنفسك في كل شيء غاية ترجو القوة والتمام عليها، واعلم انك إذا جاوزت الغاية في العبادة صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في حمل العلم لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلف رضى الناس والخفة معهم في حاجاتهم كنت المسحور المضيع.
25 - لا تجالسن امرءا بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعيي بالبيان، لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك لحملك عليه ثقل ما لا يعرف، واعلم أنه ليس من علم يذكر عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له ونقضوه وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللعب واللهو الذي هو أخف الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به.
26 - اتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على الطلق ويشكر المكتئب. إذا سمعت من جليسك حديثا يحدث به عن نفسه أو عن غيره، مما تنكره وتستخفه، فلا يكونن منك التكذيب والتسخيف، ولا يجرئنك عليه أن تقول إنما حدث عن غيره، فإن كل مردود عليه سيمتعض من الرد، فإن كان في القوم من تكره له أن يستقر في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يعتقده أو مضرة تخشاها إلى أحد فإنك قادر على أن تنقض ذلك في ستر فيكون أيسر للنقض، وأبعد من البغضة، واعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودة إذا لم يخالط ذلك بأو ولا عجب.
27 - تعلم حسن الاستماع وإمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التلفت إلى الجواب والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول.
28 - و من الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه والإعتراض فيه والقطع للحديث.
29 - واعلم أن شدة الحذر عين عليك لما تحذر، وإن شدة الإتقاء تدعو إلى ما تتقي.
30 - إن رأيت نفسك قد تصاغرت الدنيا إليها، ودعتك نفسك إلى الزهادة فيها، على كل حال تعذر من الدنيا عليك، فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال، فإنها ليست بزهادة ولكنها ضجر واستخذاء عند ما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها بما التوى عليك منها، ولو تممت على رفضها أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول، ولكن إذا دعتك نفسك إلى بغض الدنيا وهي مقبلة عليك فاسرع إجابتها.
31 - إذا كنت في جماعة قوم فلا تعمن جيلا من الناس ولا أمة من الأمم بشتم ولا ذم، فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك، ولا تذمن مع ذلك اسما من أسماء الرجال والنساء تقول: إن هذا لقبيح من الأسماء، إذا كنت لا تدري لعل ذلك يوافق لبعض جلسائك بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرن من هذا كله شيئا، فكله يجرح في القلب، وجرح اللسان أشد من جرح اليد.
وصى محمد بن علي بن الحسين بعض أصحابه وهو يريد سفرا، فقال: لا تسيرن سيرا وأنت حاقن، ولا تنزلن عن دابة ليلا لقضاء حاجة إلا ورجلك في خف، ولا تبولن في نفق، ولا تذوقن بقلة ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا تشرب من سقاء حتى تعلم ما فيه، واحذر من تعرف، ولا تصحب من لا تعرف. تعلموا العلم فإن تعلمه جنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعظيمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار الجنة، وأنس من الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السراء، وعون على الضراء، وزين عند الإخلاء، وسلاح الإعداء، ويرفع الله به قوما ليجعلهم في الخير أئمة يقتدى بفعالهم وتقتص آثارهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه.
ومن كلامه: صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، ولا تجاوز صدقاتك إلى كافر.

(1/103)


وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: بلغني أنك قد لهجت بقول الشعر، قال: قد فعلت، قال: فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة وترمي العفيفة وتقر على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء فإنك تحنق عليك كريما وتستثير سفيها، وإياك والمديح فإنه طعمة الوقاح وتفحش السؤال، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الشعر ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك.
قال علي عليه السلام: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه.
وللعرب وصايا فيها أدب حسن لمن تأملها، إلا أن أكثرها أمر بالسؤدد والجود والشجاعة وما يلائم طباعهم ويشاكل عوائدهم، وسأذكر ها هنا ما يليق بهذا الباب خاصة.
قيل إن عمرو بن حممة الدوسي قضى بين العرب ثلاثمائة سنة، فلما كبر قرنوا به السابع أو التاسع من ولده، فإذا غفل الشيخ قرع له العصا، فكانت هذه الإمارة بينهما ليرجع إلى الصواب، وذلك قول الشاعر: (من الطويل).
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
فلما خشي عليه قومه الموت اجتمعوا، فقالوا: إنك سيدنا وشريفنا فاجعل لنا سيدا وشريفا بعدك. فقال: يا معشر دوس، كلفتموني تعبا، إن القلب يخلق كما يخلق الجسم، ومن لك بأخيك كله (وهو أول من قالها ) إن كنتم شرفتموني.فإني) أفرشتكم نفسي، وتحملت مؤنكم وخففت عنكم مؤونتي، وألنت لكم جانبي، افهموا ما أقول لكم: إنه من جمع بين الحق والباطل لم يجتمعا له، وكان الباطل أولى به، فإن الحق لم يزل ينفر من الباطل، والباطل ينفر من الحق. يا معشر دوس لا تشتموا بالزلة ولا تفرحوا بالعلو، فإن الفقير يعيش بفقره كما يعيش الغني بغناه، ومن ير يوما ير به (وهو أول من قالها) وأعدوا لكل امرئ قدره، وقبل الرماء تملأ الكنائن، ومع السفاهة الندامة، ولليد العليا العاقبة. إذا شئت وجدت مثلك. إن عليك كما أن لك.وللكثرة الرعب وللصبر الغلبة. من طلب شيئا وجده وإلا يجده فيوشك أن يقع قريبا منه.
ولما قتل قيس بن زهير أهل الهباءة خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط، فقال: يا معشر النمر أنا قيس بن زهير، غريب حريب، طريد شريد موتور، فانظروا لي امرأة قد أدبها الغنى وأذلها الفقر. فزوجوه امرأة منهم لها ظبية بنت الكبش النمري. ثم قال: إني لا اقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي: إني فخور غيور أنف، ولست افخر حتى أبتلى، ولا أغادر حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم. فرضوا بأخلاقه، فأقام فيهم حتى ولد له، ثم إنه أراد التحول، فقال: يا معشر النمر، إني أرى لكم علي حقا بمصاهرتي لكم وإقامتي بين أظهركم، وإني آمركم بخصال وأنهاكم عن خصال: عليكم بالأناة فبها تدرك الحاجة وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء فإن به يعيش الناس، وإعطاء من تريدون اعطاءه قبل المسألة، ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل اليامى، وخلط الضيف بالعيال، وأنهاكم عن الرهان فيه ثكلت مالكا أخي، وعن البغي فإنه صرع زهيرا أبي، وعن السرف في الدماء فإن قتلي أهل الهباءة أورثني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء، فإن لم تصيبوا الأكفاء فخير بيوتهن القبور، واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما - ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي، وظلمتهم بقتل من لا ذنب له.
ثم رحل عنهم فلحق بعمان فأقام بها حتى مات.

(1/104)


وصف علي كرم الله وجهه صاحبا له فقال: كان لي فيما مضى اخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يتشهى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو ليث عاد وصل وداد، لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يلوم أحد على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، وإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير.وقد ادعى ابن المقفع أكثر هذا الكلام في رسالة له وألحق به: كان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤونة ولا يستخف له رأيا ولا بدنا، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدا إلا على ثقة بمنفعة. كان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء. كان لا يشكو إلا إلى من يرجو النصيحة لهما جميعا. كان لا يتبرم ولا يسخط ولا يتشهى ولا يتشكى ولا ينتقم من الولي، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته.
ومن كلام الحسن بن علي عليهما السلام: إذا سمعت أحدا يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك، فإن أشقى الأعراض به معارفه، ولا تتكلف ما لا تطيق ولا تتعرض لما لا تدرك، ولا تعد ما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما نستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما عندك من الغناء، ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله تعالى، ولا تتناول إلا ما ترى نفسك أهلا له، فإن تكلف ما لا تطيق سفه، والسعي فيما لا تدرك عناء، وعدة ما لا تنجز تفضح، والانفاق من غير فائدة حرب، وطلب الخير بغير غناء سخافة، وبلوغ منزلة بغير استحقاق يشفي على الهلكة.
لما احتضر قيس بن عاصم قال لبنيه: يا بني احفظوا عني فإنه لا أحد أنصح لكم مني: إذا أنا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم، فيحقر الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بحفظ المال فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل.
قال الزبير بن عبد المطلب: (من التقارب).
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور حكيما ولا تعصه
ولا تنطق الدهر في مجلس ... حديثا إذا أنت لم تحصه
ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه
وإن ناصح عنك يوما نأى ... فلا تنأ عنه ولا تعصه
وكم من فتى عازب عقله ... وقد تعجب العين من شخصه
وآخر تحسبه جاهلا ... ويأتيك بالأمر من فصه
وقال الكميت بن زيد: (من الطويل).
وإن لم يكن إلا الأسنة مركب ... فلا رأي للمحمول إلا ركوبها
وقال أعربي: من الوافر:
إذا ضيعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلا التواء
وإن سومت أمرك كل وغد ... ضعيف كان أمركما سواء
وإن داويت أمرا بالتناسي ... وبالليان أخطأت الدواء
قال الرضي: (من الرجز).
كم قابس عاد بغير نار ... لا بد للمسرع من عثار
وقال أيضا: (من السريع).
من أشرع الرمح إلى ظهره ... لا بد أن يقلب ظهر المجن
وقال: (من الكامل).
ما كنت أجرع نطفة معسولة ... طوع المنى وإناؤها من حنظل
وقال آخر: (من الطويل).
إياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
وقال محمد بن أبي شحاذ الضبي: (من الطويل).
إذا أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت ما لك حامد
إذا أنت تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد

(1/105)


إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنية قائد
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثا وواراك لأحد
قيل: العزلة توفر العرض ، وتستر الفاقة، وترفع ثقل المكأفاة.
وقد قيل: ما احتنك أحد قط إلا أحب الخلوة.
قال الأحنف: أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار.
؟قال حكيم: لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك، ولا تتهاون بالأمر الصغير إذا كان يقبل النمو، ولا تلاح رجلا غضبان فإنك تقلقه باللجاج، ولا تجمع في منزلك بين نفسين تتنازعان في الغلبة، ولا تفرح بسقطة غيرك فما تدري كيف يدور الزمان، ولا في وقت الظفر فإنك لا تدري حدثان الدهر، ولا تهزأ بخطأ غيرك لأن المنطق لا تملكه، ولا تؤاخذ بالخطأ بنوع الصواب الذي في جوهرك، ولا تغرس النخل في منزلك.وينبغي للأديب أن يأخذ من جميع الآداب أجودها كما أن النخل يأخذ من كل زهر أطيبه.
الفصل الخامس
أخبار في السياسة والآداب
لما وضع كسرى أنوشران الخراج على الأرض وأحكم أمره وقرر الإتاوات على مجاوري أطراف مملكته، وأتت عليه ثماني وعشرون سنة لملكه جدد النظر في ولايته، والعدل على رعيته وإنصافهم وإحصاء مظالمهم. وكان أنوشران ملك على ضعف ممن كان قبله، ولين انتشر به حبل الفرس وغلب عليهم مجاوروهم، قال أنوشران: فأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد وجند بإنهاء حالهم إلي، وأمرت بعرض الجند: من كان منهم بالباب بمشهد مني، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد القائد وباذوسبان والقاضي وأمين من قبلنا، وأمرت بجمع أهل كور الخراج في كل ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين، وسرحت من قبلي من عرفت صحته وأمانته ونسكه إلى كل مصر ومدينة ليجمعوا بين العمال وبين أهل أرضهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كله على حقه وصدقه، فما نفذ لهم فيه أمر، أو صح فيه القضاء ورضي به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه إلي، وبلغ من اهتمامي بتفقد ذلك ما لولا الذي أداري من الأعداء والثغور لباشرت ذلك بنفسي وتصفحت الخراج والرعية قرية قرية وكلمت رجلا رجلا، غير أني خفت أن يضيع بذلك ما هو أكثر منه، والأمر الذي لا يغني فيه غنائي أحد مع ما في الشخوص إلى قرية قرية من المؤونة على الرعية وجندنا، وكرهنا إشخاصهم إلينا تخوفا أن نشغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو أن يكون فيهم من يدخل عليه في ذلك مؤونة، وبلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في الرعية، فأمرت بالكتب إلى قاضي كل كورة أن يجمع أهل كورته بغير علم عاملهم وأولي أمرهم، ويسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه ويكتب حال (رجل) رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضى من أهل تلك الكورة، ويبعث به إلي.ونظرت في الكتب والمظالم فأية مظلمة كانت من العمال أو من وكلائنا أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة، لضعف أهل الخراج وظلم أهل القوة من السلطان لهم، ولم يجعل الله لذوي قرابتنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحق والعدل، وأية مظلمة كانت لبعض الرعية من بعض ووضحت لنا، أمرت بانصافهم قبل البراح، وما أشكل أوجب الفحص عنه بشهود البلد وقاضيه، فسرحت أمينا من الكتاب، وأمينا من فقهاء ديننا، وأمينا ممن وثقت به من حاشيتنا، حتى أحكمت ذلك إحكاما وثيقا.
وقيل إن أنوشران لما تقلد المملكة عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره يقول: إن في إدمان الملك الشرب ضررا على الرعية، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة.فوقع على ظهر الرقعة بما ترجمته: إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتها عامرة، وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة ؟

(1/106)


اعترض عليه في ذلك فقيل: أخطأ في وجوه أحدها أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم، والآخر أنه جهل أن أمن السبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق متى لم يوكل به الطرف الساهر ولم يحظ بالعناية التامة، ولم يحفظ بالإهتمام الجالب لدوام النظر، دب إليها النقص، والنقص مزيل للأصل، مزعزع للدعامة، والآخر أن الزمان أعز من أن يبذل كله للهو والتمتع، فإن في تكميل النفس باكتساب الرشد لها، وإبعاد الغي عنها ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا أو كان ما يدعو إليه الهوى كثيرا، والآخر أنه ذهب عليه أن العامة والخاصة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات وانهماكه في طلب الشهوات ازدرته واستهانت به وحدثت عنه بالأخلاق المذمومة، واستهانتهم للناظر في أمورهم والقيم بشأنهم، متى تكررت على اللسان انتشرت في المحافل والتفت بها بعضهم إلى بعض، وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط، وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ولا منازع، فقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب، وما أكثر خجل الواثق.و على الضد متى كان السائس ذا تحفظ وبحث وتتبع وحزم وإكباب على لم الشعث وتقويم الأود وسد الخلل وتعرف المجهول وتحقق المعلوم ودفع المنكر وبث المعروف، احترست منه العامة والخاصة، واستشعرت الهيبة والتزمت بينها النصفة، وكفت كثيرا من معاناتها ومراعاتها، فإن كان للدولة راصد للعثرة، يئس من نفوذ الحيلة فيها، لأن اللص إذا رأى مكانا حصينا، وعهد حراسا لم يحدث نفسه بالتعرض له، وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة، أو بابا إليه طريق. والأعراض بالأسباب، فإذا ضعف السبب ضعف العرض، وإذا انقطع العرض انقطع السبب.
؟لما حارب الإسكندار دارا بن دارا تقرب إليه قائدان من قواد دارا بقتله على شرط شرطه لهما وبذل، فلما قتلاه وفى لهما بالشرط والبذل ثم قتلهما وقال: لم تكونا شرطتما أنفسكما، وليس لقتلة الملوك أن يستبقوا إلا بذمة لا تحفز.
ولما ملك الإسكندر بلاد الفرس هاب رجالهم لما رأى من كلامهم وعقولهم فهم بقتل أكابرهم، وكاتب أرسطاطاليس يستشيره فيهم، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض بابل أمثالهم، وأشار عليه بأن يفرق المملكة بين أولاد الملوك لتتفرق كلمتهم ولا يدين بعضهم لبعض، ففعل ذلك.حتى أمكنه تجاوز بلاد فارس إلى أرض الهند والصين، وكانت نتيجة هذا الرأي أن ملك الفرس تقسم بعد موت الاسكندر، فصار في ملوك الطوائف مدة خمسمائة وإحدى عشرة سنة، إلى قام بالملك أردشير بن بابك فجمع المملكة بعد معاناة شديدة ومشقة عظيمة، وقال أردشير: نحن نضرب بسيف أرسطاطاليس مذ هذه المدة البعيدة.

(1/107)


وقيل جلس الإسكندر يوما مجلسا عاما، فلم يسأل حاجة، فقال لجلسائه: والله ما أعد هذا اليوم من أيام عمري في ملكي.قيل: ولم أيها الملك، دامت لك السعادة ؟قال: لأن الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود للسائل، وإلا بإغاثة الملهوف، وإلا بمكافأة المحسن، وإلا بإنالة الطالب وإسعاف الراغب.قيل له: إنا نظن أنك أتعب الخلق وأنك لا تنام الليل ولا تنعم النهار ولا تجد لذة طعام ولا شراب، فقال: ليس كما ظننتم، إن الأمور التي أليها قد انقسمت لي بين مسموع بالأذن، وبين ملحوظ بالعين وبين مصروف بالروية، وبين مدبر باللسان، وعناية النفس السائسة قد دبرت هذه الأشياء كلها، فما ينساق منها بقوتها على المراد والإيثار أكثر مما ينساق منها بالإجتهاد والإجبار، وإني لأهم بالشيء فأكون كأني قد باشرته، وأومئ إليه فأكون كأني قد تقدمت فيه، وآمر به فكأني قد كفيته، وألبسه فأكون كأني قد فرغت منه، وربما وجدت في أموري ما يسبق أمنيتي ويزيد على اقتراحي، ولقد بلغت ما ترون فما أعيتني إيالة ولا أعوزتني آلة، وما نفعني كلام ككلام كتبه إلي أرسطو معلمي، فإنه قال في رسالة: أيها الملك لا تنخدع للهوى وإن خيل إليك أن في انخداعك له خداعه، فقد يسترسل الإنسان في بعض الأشياء، وهو يظن أنه متحفظ ليظفر بمطلوبه، فيعود إليه ذلك الإسترسال بأعظم الوبال، ويضمحل ذلك التحفظ كأنه لم يخطر ببال.واجمع في سياستك بين بدار لا حدة فيه وريث لا غفلة معه، وامزج كل شيء بشكله حتى تزداد قوة وعزة من ضده حتى تتميز لك صورته، وصن وعدك من الخلف فإنه شين، وشب وعيدك بالعفو فإنه زين، وكن عبدا للحق فعبد الحق حر، وليكن وكدك الإحسان إلى جميع الخلق، ومن الإحسان وضع الإساءة في موضعها، فإن للإحسان أهلا وإن لضده أهلا، وكن نصيح نفسك فليس لك أرأف بك منك، وإذا أشكل عليك أمر، واعتاص على حولك وجه، فاضرع إلى الله الذي قادك إلى هذه الغاية، فإنه يفتح عليك المرتج، ويتم لك المخدج، ويجعل لك في كل أمر أسهل المدخل والمخرج.و إذا أفاتك الله شيئا فاستيقن أن ذلك لسهو عرض لك في الشكر على ما أفادك، والشكر على النعمة هو أن تعترف بالنعم لله أولا، ثم تشرك عباده فيها ثانيا، ومهما أخطأك شيء فلا يخطئنك الفكر في الرحيل عن هذا الحرى، فإنك إذا فكرت فيه سلوت عن الفائت، وقل اعتدادك بالحاصل، وكما يعجبك من غيرك أن يصدقك فليعجبك أن تصدق نفسك حتى يقبل منها صدقها لك. وإذا تظاهر الصدق بينكما ظهرت على جميع أوليائك ورعيتك.واجتنب الشراب فإنه وقود الشر، واللهو فإنه فوات العمر، ولا تجعل إحسانك ضربة فإن ذلك مغراة بالمنهي عنه، ولكن بتدريج يحفظ عليك اعتدالك، ومداراة تظهر عنك جمالك، والزم الخمص فأنه أذكر بالخصاصة، وأجلب للإعتدال، وأبعد من شبه البهيمة، وأدخل في مشاكلة الأشخاص السماوية.
كتب ملك إلى ملك: بم انتظمت مملكتك، واستقامت رعيتك ؟ فقال في الجواب: بثماني خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولا أخلفت موعدا ولا وعيدا قط، وعاقبت للجرم لا للحقد، ووليت للغناء لا للهوى، واستملت قلوب الرعية من غير كره، وسهلت الإذن من غير ضعف، وعممت بالقوت، وحسمت الفضول.
طلب أهل يونان رجلا يصلح للملك بعد ملك لهم فذكروا رجلا، فقال فيلسوف لهم: هذا الرجل لا يصلح للملك، قالوا: ولم ؟ قال: لأنه كثير الخصومة، وليس يخلو في خصومته أن يكون ظالما أو مظلوما، فإن كان ظالما لم يصلح للملك بظلمه، وإن كان مظلوما لم يصلح لضعفه، قالوا: صدقت، فأنت أولى بالملك منه، فملكوه.
و كان المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، على ما نال عثمان، وما نيل منه أعظم، ولنعم الرجل عمر بن عبد العزيز.والملوك أربعة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه حجاجه، وهشام وكفاه مواليه، وأنا ولا كافي لي ؟ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة، من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة.و كان معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لوضع الأمور مواضعها.ولقد شاركت عبد الملك في قول كثير: (من الطويل)
يصد ويغضي وهو ليث عرينة ... وإن أمكنته فرصة لا يقيلها
قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: مالك لا تنام بالليل ؟ فقال: لئن نمت بالليل لأضيعن نفسي، ولئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية.

(1/108)


و كان عمر رضوان الله عليه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف، والقوة في غير عنف.
وكلم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم، فإنه قد أخافهم حتى أخاف الأبكار في خدورهن، فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك، إنهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي.
وقال عمر رضي الله عنه: دلوني على أحد استعمله، قالوا: كيف تريده ؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، قالوا: ما نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي قال: صدقتم هو لها.
استشار عمر رضي الله عنه علي بن أبي طالب عليه السلام في الشخوص بنفسه إلى قتال الفرس، فقال له علي كرم الله وجهه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعزه وأيده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا، والعرب اليوم، وإن كانوا قليلا، كثيرون بالإسلام وعزيزون بالإجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أد لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فأنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.
ومثل هذا الرأي ما ذكر أنه كرم الله وجهه حض أصحابه على الجهاد، فسكتوا مليا، فقال: مالكم أمخرسون أنتم ؟ قال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك. فقال عليه السلام: مالكم لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد، أفي مثل هذا ينبغي أن أخرج.؟ إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين، ثم اخرج في كتيبة اتبع أخرى أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحى تدور علي وأنا مكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفالها، هذا لعمر الله الرأي السوء.
لما حصر عثمان الحصار الأول اجتمع ناس إلى طلحة وطمع في الخلافة، وكان علي كرم الله وجهه بخيبر، فلما قدم أرسل إليه عثمان فكلمه وأذكره بحقه من الإسلام والقرابة والصهر، فقال له: صدقت، وسيأتيك الخبر، ثم دخل المسجد فرأى أسامة جالسا فدعاه، فاعتمد عليه وخرج يمشي إلى طلحة، فلما دخل عليه وجد داره ممتلئة بالرجال، فقام علي وقال: يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا حسن أبعد ما مس الحزام الطبيين ؟ فسكت علي وانصرف حتى أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب فلم يقدر على المفاتيح وتأخر عنه صاحبها، فقال: اكسروه، فكسر باب بيت المال، وقال: أخرجوا المال، وجعل يعطي الناس، فبلغ الذين في دار طلحة ما يصنع علي فجعلوا يتسللون إليه حتى ترك طلحة وحده، ثم أقبل طلحة يمشي إلى دار عثمان، فلما دخل عليه قال: أستغفر الله يا أمير المؤمنين وأتوب إليه، أردت أمرا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحة.

(1/109)


وروي أن عليا وجد درعا له عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق.فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فاتيا شريحا، فلما رأى شريح عليا قد أقبل تحرف عن موضعه وجلس علي عليه السلام فيه، ثم قال: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطريق، فإن سبوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم. ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين ؟ قال: درعي سقطت مني وعرفتها، قال شريح: يا يهودي ما تقول ؟ قال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا بد من شاهدين، فدعا قنبرا مولاه والحسن ابنه فشهدا إنها لدرعه، فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها.فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ؟ قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة ؟ والله لأوجهنك إلى بانقيا تقضي بين أهلها أربعين ليلة، ثم قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهودي: أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل أورق التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فوهبها له وأجازه بتسعمائة، وقتل معه يوم صفين. وهذا الخبر يجمع معناه سياسة الدين والدنيا.
؟قال أبو حاتم: حضرت بعض ولاة البصرة وكان جبارا (ولم يسمه) فسمعت رجلا في مجلسه يقول: الأتباع يؤنسهم البشر، ويوحشهم الأزورار، ويلمهم لين الجانب، ويفرقهم عنف المعشرة، وازدحام الآمال لديك نعمة من الله عليك، فقابل النعمة بحسن المعاشرة تستدم واردها، وتستدع نافرها.
قال: فما زلت أعرف موقع هذا الكلام من ذلك الوالي حتى افترقنا.
نظر رجل من قريش إلى صاحب له قد نام في غداة من غدوات الصيف طيبة النسيم، فركضه برجله وقال: مالك تنام عن الدنيا في أطيب أوقاتها ؟ نم عنها في أخبث حالاتها، نم نصف النهار لبعدك من الليلة الماضية والجائية، ولأنها راحة لما قبلها من التعب، وجمام لما بعدها من العمل، نمت في وقت الحوائج وتنتبه في وقت رجوع الناس، وقد جاء: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل.
و كان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول فلان لا يموت سويا فيرون ذلك، حتى مات رجل ممن قال فيه ذلك سويا، فقيل له مات فلان سويا، فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار، فقال: إن كنتم صادقين إن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
قال زياد: ما غلبني معاوية بشيء من أمر السياسة إلا في شيء واحد، قيل ما هو ؟ قال: وليت رجلا دستميسان فكسر علي الخراج، وهرب فلحق بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعث به، فكتب إلي: أما بعد، فإنه ليس لمثلي ومثلك أن نسوس الناس بسياسة واحدة، أن نشتد عليهم جميعا فنخرجهم، أو نلين لهم فنمرجهم، ولكن تلي أنت الفظاظة والغلظة، وألي أنا الرأفة والرحمة، فإذا هرب هارب من باب وجد بابا يدخل فيه، ولقد نظر معاوية لنفسه واختار أخف السياستين وأحبهما إلى الناس.
ويشبه هذا ما وري عنه أنه قال: إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تياها لم يشبه قومه. فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: ما أجود ما نظر لقومه، أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، وإن يتيه بنو مخزوم فيبغضوا، وأن يحلم بنو أمية فيحبوا.
قدم قادم على معاوية فقال له: هل من مغربة خبر ؟ قال: نعم، نزلت بماء من مياه العرب، فبينا أنا عليه أورد أعرابي إبله وقال: فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا، فقلت له: ما أردت بهذا ؟ فقال: هي سدى ما قام لها راع منذ ولي زياد. فسر معاوية بذلك وكتب به إلى زياد.
قال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كنت إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها.

(1/110)


؟كان معاوية يأذن للأحنف في أول من يأذن له، فأذن له يوما، ثم أذن لمحمد بن الأشعث، فجاء محمد فجلس بين معاوية وبين الأحنف، فقال له معاوية: لقد أحسست من نفسك ذلا، إني لم آذن له قبلك ليكون في المجلس دونك، وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا ما يراد بكم، فإنه أبقى لنعمكم وأحسن لأدبكم.
لما مات زياد وفد ابنه عبيد الله على معاوية فقال له: من استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قال: عبد الله بن خالد بن أسيد. قال: فعلى البصرة ؟ قال: سمرة بن جندب. فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها أحد لي بعدك: لو ولاك أبوك وعمك وليتك، فولاه خراسان وأوصاه فقال: اتق الله ولا تؤثر على تقواه شيئا، وق عرضك من أن تدنسه، و إذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعن كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، ولا يخرجن منك أمرا حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت عدوك فغلبك على ظهر الأرض فلا يغلبنك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تواسيهم بنفسك فواسهم، ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن أحدا من حق هو له.
ونظر إلى يزيد وهو يضرب غلاما فقال: لا تفسد أدبك بتأديبه.
و كان زياد يجلس في كل يوم إلا يوما واحدا في الجمعة، فيبدأ برسل عماله فينظر فيما قدموا له، ويسألهم عن بلادهم ويجيبهم عن كتبهم، ثم ينظر في نفقاتهم وفي أعطيات رجاله، ثم فيما دخل فيه من البياعات وفي الأسعار ويسأل عن الأخبار وينظر فيما يحتاج إليه: من حفر نهر، وإصلاح قنطرة، أو تسهيل عقبة، أو نقل طريق إلى غيره، ثم يأخذ في كتب العمال فيمليها بنفسه. وكان معاوية يفعل مثل ذلك سواء ولا يخالفه حتى كبر، فكان الضحاك بن قيس يملي وهو يستمع.
بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيد الله أخي الأشتر النخعي، وفي الهدايا سفط فيه جوهرة لم ير مثلها، فقدم عبيد الله بالهدايا ثم قال: يا أمير المؤمنين أن زيادا بعث معي بسفط ما أدري ما فيه، وأمرني أن أدفعه إليك في خلاء، فقال: أحضره، فلما فتحه قال: ما أظن رجلا آثر هذا على نفسه إلا سيؤئره الله تعالى بالجنة، ارجع به إليه فإن من قبله من المسلمين أحق بهذا من معاوية. ثم كتب إلى زياد: إنك رفعت علي راية الأشتر حين وضعها الله، بعثت مع أخيه بسفط يشهد به علي عند أهل العراق، فاردده إلي مع رجل لا يفقه عني ولا أفقه عنه، فرده إليه زياد مع غلام من غلمانه.
دخل عبد الملك بن مروان على معاوية فتحدث ونهض، فقال معاوية: إن لهذا الغلام همة، وخليق أن تبلغ به همته، وإنه مع ما ذكرت تارك لثلاث آخذ بثلاث، تارك مساءة الجليس جدا وهزلا، تارك لما يعتذر منه، تارك لما يعيبه، آخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وأحسن الاستماع إذا حدث، وبأهون الأمرين إذا خولف.
ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد فقال ابن الزبير: أنا أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم والتفكر قبل التندم، فضحك معاوية وقال: تعلمت أبا بكر الشجاعة عند الكبر.
قدم رجل خصما إلى زياد في حق له فقال: أصلح الله الأمير إن هذا يدل بخاصة منك. قال صدق، وسأخبرك ما ينفعه عندي من مودته، إن يكن الحق له عليك آخذك به آخذا عنيفا، وإن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقضي عنه.
و هذا في ظن زياد غاية العدل، والمستحسن الخالص ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على أيهما كان الحق فلا تمهلني طرفة عين.

(1/111)


؟كان المنصور داهيا أريبا سديد الرأي، وكان مقدما في علم الكلام مكثرا من كتب الآثار، فلما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشاورة فيه، فأرق ليلته في ذلك، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي وقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحران، قال: أخبرني أبي عن الحضين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس يقال سابور ذو الأكتاف كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من أدب الملوك وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظمون الدنيا جهالة بالدين، وكان يقال: لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة. فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها فانتقل العز إلى أذلهم والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم و(ما) أحال عليه (من ) طاعتهم، ثم لم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال: (من الوافر).
وما قطع الرجاء بمثل يأس ... تبادهه القلوب على اغترار
فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور مليا ثم رفه رأسه يقول: (من الطويل)
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
وأمر إسحاق بالخروج ثم دعا بأبي مسلم، فلما دخل إليه نظر وقال: (من الوافر).
قد اكتنفتك خلات ثلاث ... جلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك يزدهيني ... وقودك للجماهير العظام
ثم وثب إليه وثبة حشمه بالسيوف، فلما رآهم أبو مسلم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طرحه ثم قال: (من السريع).
اشرب بكاس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فحز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا جولة ساعة ثم ردعهم عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلوا وسلموا له، وكان إسحاق إذا رأى المنصور قال: (من الوافر).
وما أحذر لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال
وكان المنصور إذا رآه قال: (من الطويل)
وخلفها سابور للناس يقتدى ... بأمثالها في المعضلات العظائم
؟وكان المنصور أنفذ يقطين بن موسى لإحصاء ما في خزائن عبد الله بن علي لما حاربه أبو مسلم وهزمه، فقال أبو مسلم ليقطين: أيأمننا ابن سلامة على الدماء ولا يأمننا على الأموال ؟ فكتب يقطين إليه: من الطويل)
أرى جذعا إن يثن لا يقو ريض ... إليه، فبادر قبل أن يثني الجذع
وكتب عيسى بن علي إلى المنصور لما هم بقتل أبي مسلم: (من الطويل)
إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا
فأجابه المنصور: (من الطويل)
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وخلا المنصور بيزيد بن أسيد، فقال: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم ؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله وتتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بدمه، فو الله ما يصفو ملكك ولا تهنأ بعيش ما بقي. قال يزيد: فنفر مني نفرة ظننت أنه سيأتي علي ثم قال: قطع الله لسانك، وأشمت بك عدوك، أتشير بقتل أنصح الناس لنا وأثقله على عدونا ؟ أما والله لولا من سلف منك وأني أعدها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك.فقال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ بي الأرض. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد أذكر يوم شاورتك في أمر العبد ؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قط أدنى إلى الموت مني يؤمئذ، قال: فو الله لكان ذلك رأيي وما لا أشك فيه، ولكني خشيت أن يظهر منك فيفسد علي مكيدتي.

(1/112)


وإنما اقتدى المنصور في قتل أبي مسلم، وعسكره مطيفون به، بعبد الملك بن مروان في قتل عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، فإنه لما قوي أمر عمرو والتمس أن يبايع له عبد الملك بالعهد بعده خافه عبد الملك على نفسه فاستدعاه، فحضر مخفا في نحو مائة رجل من مواليه لا يخاف غيلة من عبد الملك، فلما دخل عمرو على عبد الملك أغلق الباب دونه وحجب مواليه، ووثب عبد الملك إليه في أصحابه وأولاده فذبحه، وهو يقول: (من البسيط).
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وثار الجيش فأحدقوا بالدار وحاربوا، وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، فألقى إليهم عبد الملك بدر الدراهم فاشتغلوا بلقاطها عن الحرب، ثم تفرقوا.ولما هدأت الفتنة تتبع عبد الملك البدر ممن التقطها فاستعادها. ولما قتل عمرا أذن للناس إذنا عاما فدخلوا عليه، وجثة عمرو في ناحية البيت، فلما أخذوا مجالسهم تكلم عبد الملك، فقال: ارمقوا بأبصاركم نحو مصارع أهل المعصية، واجعلوا سلفهم لمن غير منكم عظة، ولا تكونوا أغفالا من حسن الإعتبار، فتنزل بكم جائحة السطوة، وتجوس خلالكم بوادر النقمة، وتطأ رقابكم بنقلها المعصية فتجعلكم همدا رفاتا، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتا.إياي من قول قائل وسفه جاهل، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النعرة، فأصمم تصميم الحسام المطرور، وأصول صيال الحنق الموتور، إنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف وأسنة الرماح والمعاودة لكم بسوء الصباح فتاب تائب أو هلك خائب، والتوب مقبول، والإحسان مبذول لمن أبصر حظه وعرف رشده، فانظروا لأنفسكم وأقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة منكم يدا على ذوي الجهل من سفهائكم، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغد عيشها ونفيس زينتها، فإن إنكم من ذاك بين فضلين: عاجل الخفض والدعة وآجل الجزاء والمثوبة عصمكم الله من الشيطان وفتنته وفزعه، وأيدكم بحسن معونته وحفظه، انهضوا رحمكم الله لقبض أعطياتكم غير مقطوعة عنكم، ولا ممنوعة منكم، ولا مكدرة عليكم، إن شاء الله.
؟ولما قتل المنصور أبا مسلم خطأه في الرأي الفرج بن فضالة، المنصور كان يتقلد له بيت المال، وقد كان عمل لعبد الملك بن مروان، فقال له: لم لم تخطئ صاحبك لما قتل عمرا، يعني عبد الملك، قال: لأنه قتله ودونه أبوابه ومغالقه، وحوله اثنا عشر ألفا من جنوده ومواليه، وقتلت أبا مسلم وأنت في خرق، وكل من حواليك إليه ومنه وله، فتمثل أبو جعفر: (من الطويل) وما إن شفى نفسا كأمر صريمة إذا حاجه في النفس طال اعتراضها واقتدى المهتدي بالمنصور فكان ذلك سبب هلاكه، فإنه لما زاد تبسط بايكباك وتسلطه، قبص عليه ليوافقه على أفعاله المنصور وهو لا يريد قتله، فجاشت الأتراك وحضروا الباب يطلبونه، فاستشار المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المهدي بن المنصور، وكان ذا قعددهم، فقال: يا أمير المؤمنين، هو حديث أبي مسلم والمنصور، فلو فعلت كما فعلوا لسكنوا، فأمر بضرب عنقه ورمى رأسه إليهم، فتناخروا وشدوا على الذي ألقى الرأس فقتلوه، وأضرموا حربا أجلت عن هزيمة المهتدي، ثم ظفروا به وقد هرب إلى دار وغير زيه، فأردفوه سائسا على بغل وخلعوا أصابعه حتى خلع نفسه ثم قتلوه.
؟وكان المهتدي أمير صدق وصاحب نسك، لبس الصوف، وهم بإفاضة العدل فحالت دونه الأتراك، وقصرت أيامه فلم يتمكن من مرامه، وكان يسمى راهب بني العباس، تظلم إليه رجل من بعض أسبابه فاحضره وحكم عليه بما صح عنده، فقام الرجل وشكره وقال: أنت يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى: (من السريع).
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما شعر الأعشى فما رويته، ولكني قرأت اليوم قبل خروجي إلى هذا المجلس قول الله سبحانه وتعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) (الأنبياء: 47) فما بقي أحد في المجلس إلا بكى.

(1/113)


وجلس المهتدي يوما للمظالم فرفع إليه في الكسور، فسأل الكتاب عنها فأخبر بها، فقال: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدم العمل به أو تأخر، أسقطوا هذا الظلم وهذه الكسور عن الناس، فقام الحسن بن مخلد فقال: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من مال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم، ومد بها صوته، فقال المهتدي: قد عرفت مذهبك في هذا وتحريضك الموالي بما ينقص من أموالهم، وما امتنع من أن أقيم حقا لله تعالى وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، ولو كان في ذلك كل حيف على بيوت الأموال، ولو نظر الموالي في أمرك وأمر نظرائك لأخذوا منك ما خوفتهم أن يذهب مقداره من مالهم. فارتعد الحسن وأبلس، ثم كلمهم المهتدي بعد ذلك فيه فيرجع له.
قال المنصور لابنه المهتدي: يا بني أشبع العباس بن محمد فإنك إن لم تشبعه أكلك، وكان العباس بن محمد من رجال بني هاشم وذوي آرائهم، قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، إنما هو درهمك وسيفك فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك.
وكتب إليه صاحب أرمينية: إن الجند شغبوا علي وكسروا أبواب بيت المال ونهبوه، فأمر بعزله ووقع في كتابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا.
وشغب الجند على عهد المأمون فوقع: لا يعطون على الشغب، ولا يحوجون إلى الطلب.
وقال للمهدي حين عقد له: يا بني استدم النعم بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع، والرحمة من الله سبحانه وتعالى بالرحمة للناس.
وقال له الربيع: إن لفلان حقا، فإن رايت أن تقضيه وتوليه ناحية، فقال: يا ربيع إن لاتصاله بنا حقا في أموالنا لا في أعراض المسلمين وأموالهم، إنا لا نولي للحرمة والرعاية بل للإستحقاق والكفاية، ولا نؤثر ذا النسب والقرابة على ذوي الدراية والكفاية، فمن كان منكم كما وصفنا شاركنا في أعمالنا، ومن كان عطلا لم يكن لنا عذر عند الناس في توليتنا إياه، وكان العذر في تركنا له، وفي خاص أموالنا ما يسعه.
وقد قال المأمون في مثل ذلك: واقتصر الأعمال للكفاة من العمال، وقضاء الحقوق على بيت المال.
وقال المنصور: لا تنفروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحل بكم النقمة.ولا تسروا غش الأئمة فإن أحدا لا يسر منكرا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا عروة هذا القيمص أوطأنا أم رأسه خبيء هذا الغمد.
أهوى هشام بن عروة إلى يد المنصور ليقبلها فقال له: يا أبا المنذر إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك.
و كان المأمون أفضل خلفاء بني العباس علما وحلما وبيانا وسياسة وجودا، قال سهل بن هارون: ما رأيت أنطق من المأمون، وقال سهل يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال، فقال المأمون: قد يسمي الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه، ولو قلت: إن العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فإذا كان الأمر كذلك فابدأوا بالأهم فالأهم، وابدأوا بالفرض قبل النفل، كان ذلك عدلا وقولا قصدا.وقد قال بعض العلماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على قدر شهوتك له وسهولته عليك.وقال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير.فأما أن تسمي الشيء علما ثم تنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهى نهيا جزما وتأمر أمرا حتما، والعلم بصر وخلافه عمى، والاستبانة للشر ناهية عنه والاستبانة للخير آمرة به، فلا.

(1/114)


ولما دخل عليه المرتد الخراساني، وقد كان حمله معه من خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق، ولأن أقتلك بالبراءة أحب إلي من أن أقتلك بالتهمة، وقد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أنتج وأيامك فيها أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا، ثم لم تلبث أن رجعت عنا نافرا، فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من إلفك القديم وإنسك الأول، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة، وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك باللائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم تفرط في الدخول في باب الحزم. قال الرمتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الإختلاف فيكم. قال المأمون: لنا اختلافان، أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وليس هذا باختلاف وإنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم من أذن مثنى وأقام فرادى، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بيانا، والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا وتأويل الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، مع إجماعنا على اصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوارة والإنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع لنا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله تعالى الدنيا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله واحد لا ند له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا. فالتفت المأمون إلى أصحابه وقال: فروا عليه عرضه ولا تبروه في يومه هذا، ريثما يعتق إسلامه كي لا يقول عدوه إنه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من بره وتأنيسه ونصرته والعائدة عليه.
وناظر المأمون يوما محمد بن القاسم النوشجاني، فجعل يصدقه ويغضي له، فقال له المأمون: تنقاد إلى ما تظن أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك، ولو شئت أن أقيس الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبهة الخلافة وسطوة الرئاسة لصدقت وإن كنت كاذبا، وصوبت وإن كنت مخطئا، وعدلت وإن كنت جائرا، ولكني لا أرضى إلا بإزالة الشبهة وغلبة الحجة، وإن شر الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.
و كان المأمون يقول: إذا وضحت الحجة ثقل علي استماع المنازعة فيها.
وقال أحمد بن ابي داود، قال المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين ملوكهم وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله أو رغبة في بعض ما لا تجود النفس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الاستبدال اشتركت في ذلك منه، وهناك جنايات في صلب الملك أو في بعض الحرم فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ويحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك الذنب ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة.

(1/115)


ولعل المأمون أراد العذر بهذا الكلام عما كان يتهم به من قتل الفضل بن سهل وينسب إليه من الوضع عليه. وإن صح ذلك فمأخوذ من رأي رآه الرشيد في يحيى بن خالد فلم يتم له، قال يزيد بن مزيد، قال لي الرشيد: ما بقي في العرب من يفتك ؟قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟قال: رجل يقتل لي يحيى بن خالد، قال قلت له: أنا أقتله وآتيك برأسه.قال: ليس كذا أريد، إنما أريد أن يقتله رجل فأقتله به، قال: فحدثت به الفضل بن سهل بمرو فوجم واغتم.
نزل رجل من أهل العسكر فعدا بين يدي المأمون وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: حسبك، فقال له بعض من كان يقرب من المأمون: يقول لك أمير المؤمنين اركب، قال له المأمون: لا يقال لمثل هذا اركب، إنما يقال له: انصرف.
بينا الحسن اللؤلؤي يحدث المأمون ليلا بالرقة، وأطال الحسن الحديث فنعس المأمون، فقال الحسن: نعست يا أمير المؤمنين، ففتح المأمون عينه وقال: سوقي ورب الكعبة، يا غلام خذ بيده.
ولولا أن يخرج الكتاب عن فنه لذكرت من محاسن المأمون في أخباره وأفعاله ما يغني عن أخبار غيره، ولكني أورد من أخبار كل ذي أدب وسياسة طرفا.
لما ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا، فلا تتكلن على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك، وإياك مني قبل أن أقول إياي منك، فإن الظن إذا أخلف فيك أخلف منك، وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحن نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك حديث غدك.
بلغ عبد الملك بن مروان أن عاملا له قبل هدية، فسأله عن ذلك فقال: بلادك عامرة، وخراجك وافر، ورعيتك راضية، قال: أخبرني عما سألتك، قال: قد قبلت، قال: لئن كنت قبلتها ولا تنوي لصاحبها مكافأة إنك للئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفي رجلا عاجزا إنك لخائن، ولئن كنت قبلتها وأنت مضمر تعويض صاحبها لقد بسطت ألسن أهل عملك بالقدح فيك، وذلك جهل، وما في من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم وخيانة وجهل مصطنع، وعزله.
؟شبب النمري بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، وله فيها أشعار وأخبار ليس هذا موضعها، فكتب إليه عبد الملك: قد بلغني ما قال هذا الخبيث، فإياك أن تقربه فتطمعه، أو تعاقبه فتصدقه، ولكن آله عنه وتناس أمره.وما أحسن ما لقنه السياسة في هذا المضيق.
وقد فعل معاوية بأبي دهبل الجمحي لما شبب بابنته مأثورا من السياسة أيضا.و كان أبو دهبل ألح على عاتكة بنت معاوية بالشعر حتى سارت الرواة بما قال فيها، فأشار عليه يزيد بقتله، فقال معاوية: أف لك، أنا أرشحك للخلافة وأنت تشير بهذا الرأي، وإن عملت به حققت عليها قوله.ثم حج معاوية فلما دخل عليه الناس أمر بالعطاء لهم، وفرق فيهم الصلات وفيهم أبو دهبل، فلما أراد الخروج استعاده بعد خروج الناس، وقال له: مالي رأيت أبا خالد - يعني يزيد ابنه - متغيظا عليك لأبيات لا تزال تأتي منك إلى حصاننا؟ فأسقط في يده وأنكر، فقال له معاوية: أما أنا فلا بأس عليك مني، ولكني أحذرك يزيد فله سورة الشباب، ثم قال له: هل لك زوجة ؟ قال: لا، قال: فأي بنات عمك أحب إليك أزوجكها ؟ قال: فلانة، فما برح حتى زوجه إياها وساق مهرها من ماله، فحلف أبو دهبل ألا يذكر عاتكة في شعره أبدا.وله مع عاتكة هذه أخبار ليس هذا موضعها.
لما ندب الفضل بن سهل طاهر بن الحسين للشخوص إلى الري عند حرب علي بن عيسى بن ماهان رآه متثاقلا فقال له: أمنيتك ؟ قال: أمنيتي أن أخطب على منبر بوشنج، ويكون في صندوقي مائة ألف درهم، فولاه بوشنج وأمر له بمائة ألف درهم، وتركه أياما ثم دعاه إلى الشخوص فأجابه، قال الفضل: إذا نال الرجل المنى خاض الدماء.

(1/116)


لما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة خطب يستميل الناس فقال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الوليد ومعايبه: أيها الناس، أن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمركم على بعوثكم فأفتنكم وأفتن عليكم أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما عليهم عن بلادهم، وإن لكم أعطياتكم عندي في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أوف فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، وإنما الطاعة طاعة الله ورسوله، فمن أطاع فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى معصيته فهو أهل أن يعصى ويقتل.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
هذا قول حسن وإنصاف فيما له وعليه إلا أن فيه لمن يريد الملك ويقتل عليه ابن عمه ويطلب الخلافة بغير حقها ضعفا وعجزا.
قال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافهم.
(وما أحسن هذا الكلام لو كان من أهله).
وقد فعل الوليد بن يزيد، وهو الذي شهد عليه أهل عصره بالمروق عن الدين، حين ولي أصناف الخير من بث الصلات والزيادة في الأعطيات، وأجرى على الزمنى والعميان وأخدمهم وأجرى على خدمهم الأرزاق. وكذاك كانت سياسة الملوك والولاة وإفضالهم رأيا وحزما إذا لم يكن دينا ورعا.
أول ظهور أبي مسلم صاحب الدولة باسفيذنج من أرض خراسان ندب إليه نصر بن سيار عامل خراسان مولى له يقال له يزيد في عسكر كثيف أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي ومصعب بن قيس في مائتي رجل، وأمدهم من بعد بمدد آخر، فلما وقعت الحرب كسر جيش نصر بن سيار، وأخذ يزيد أسيرا، فأتى به أبو مسلم فداواه أبو مسلم من جراحه، وأحسن إليه ورده إلى مولاه، وأحلفه أن لا يحاربه أبدا، وأن لا يحاربه أبدا، وأن لا يكذب عليهم وقال: هذا يرد عنا أهل الورع والصلاح فانا عندهم على غير الاسلام، فكان كما قال وظن، وكان هذا الفعل يعد من تدبير أبي مسلم الصائب، وكتب نصر ابن سيار إلى بني أمية حينئذ: (من الوافر)
أرى خلل الرماد وميض جمر ... وأحسب أن سيتبعه ضرام
فإن النار بالعودين يذكى ... وإن الحرب أولها كلام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
قال مروان بن الحكم لابنه يوصيه: آثر الحق وحصن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع الذي لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق.
وروي أن عامل عمر بن عبد العزيز على حمص كتب إليه: إن سورها قد استهدم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في عمارته، فكتب إليه عمر: أما بعد، فحصنها بالعدل، والسلام.
وذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند عبد الملك فقال: قللوا من ذكره فهو على الأئمة، حسرة على الأمة.
وقالت له حبى المدينة: أقتلت عمرا؟فقال: قتلته وهو أعز علي من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول.
ومثله ما قال معاوية لعبيد الله بن زياد: يا ابن أخي، احفظ عني، لا يكونن معك في عسكرك أمير غيرك، ولا تقولن على منبرك قولا يخالفه فعلك.
وأقبل رجل من خاصة عبد الملك يغيب مصعبا، فنظر إليه عبد الملك نظر كراهة لما قال، ثم قال: أمسك، أما علمت أن من صغر مقتولا فقد أزرى بقاتله؟ تغذى سليمان بن عبد الملك عند يزيد بن الملب فقيل له: صف لنا أحسن ما كان في منزله، فقال: رأيت غلمانه يخدمون بالاشارة دون القول.
لما ولي مروان بن محمد الخلافة أرسل إلى ابن رغبان الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان ليوليه فرأى له سجادة مثل ركبة البعير، فقال له: يا هذا إن كان ما بك من عبادة فما يحل لنا أن نشغلك، وإن كان من رياء فما يحل لنا أن نستعملك.

(1/117)


وقال عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية: دلني على قوم من القراء أولهم؟فقال له إياس: القراء ضربان: فضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدنيا، فما ظنك بهم إذا أنت أمكنتهم منها؟قال: فما أصنع؟قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولهم.
أحضر الرشيد رجلا ليوليه القضاء، فقال: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه، فقال الرشيد: فيك ثلاث خلال، لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يستعجل قل خطؤه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسنضم إليك من تفقه به. فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
كلم المنصور أبا العباس السفاح في محمد بن عبد الله بن الحسن وأهله فقال: يا أمير المؤمنين أنسهم بالإحسان، فإن استوحشوا فالشر يصلح ما عجز عنه الخير، ولا تدع محمدا يمرح في أعنة العقوق. فقال: يا أبا جعفر أنا كذلك، ومن شدد نفر ومن لان تألف، والتغافل من سجايا الكرام. وما أحسن ما قال الأعشى (من الكامل المجزوء).
مغض على العوراء لو ... لا الحلم غيرها انتصاره
كان المهدي يحب الحمام، فأدخل عليه عتاب بن إبراهيم، فقيل له حدث أمير المؤمنين، وكان قد بلغه استهتار المهدي بالحمام فقال: حدثني فلان عن فلان عن أبي هريرة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا سبق إلا في حافر أو جناح، فأنمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام(قال ) المهدي وهو ينظر في قفا عتاب: أشهد أن قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما استحليت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت.
اعتلت الخيزران فأراد الهادي ابنها الركوب إليها، فقال له عمر ابن بزيع: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على ما هو أنفع من عيادتها وأجلب لعافيتها؟قال: بلى، قال: تجلس للمظالم، فقد احتاج الناس إلى ذلك.
فرجع وجلس ووجه إليها: إني أردتك اليوم فعرض من حق الله ما هو أوجب فملت إليه، وأنا أجيئك في غد، إن شاء الله.
وكانت الخيزران تتشبه بالرجال وتحب الأمر والنهي، وأن يكون لها باب يقصد بالرغبات والمدائح، فقال لها الهادي لما ولى الخلافة: إن الأمر والنهي لا يبلغه قدر النساء، فلا تخرجي من خفز الكفاية الي بذلة التدبير، واختري بخمرتك وعليك بسجيتك، وأعلمك تعديت ذلك إلى تكليف يضرك وتعنيف يلزمك، ولك بعد هذا علي الطاعة التي أوجبها الله تعالى لك، في غير كفر ولا مأثم ولا عار.
شغب الجند على الرشيد ثم سكنوا بعد إيقاع بهم، فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله: أما بعد، فقد كان لكم ذنب وكان منا عتب، وكان منكم اصطلام ومنا انتقام، وعندي بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين، والتغمد لإساءة المسيئين، وأن لا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عليكم عطاء، وعلي بذلك الوفاء، ثم نزل.
كان سبب خروج المعتصم إلى سر من رأى أن غلمانه الأتراك كثروا ببغداد، فتولعوا بحرم الناس وأولادهم، فاجتمع إليه جماعة منهم وقالوا: يا أمير المؤمنين ما أحد أحب إلينا مجاورة منك، لأنك الامام والمحامي عن الدين، وقد أفرط علينا أمر غلمانك، فاما منعتهم منا أو نقلتهم عنا، قال: نقلهم لا يكون إلا بنقلي، ولكني افتقدهم وأزيل ما شكوتم منه، فنظر فإن الأمر قد زاد وعظم وخاف أن يقع بينهم حرب، وعاودوه بالشكوى وقالوا: إن قدرت على نصفتنا وإلا فتحول عنا، فقال، أتحول وكرامة، فرحل إلى سر من رأى واتخذها دارا.
لما أقطع المعتصم أشناس ضياع الحسن بن سهل، وجه الحسن بقبالاتهاى أشناس، وكتب إليه: قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إخلاصك بهذه الضياع وأحببت أن لا يعترض على عقبك عقبي، فأنقذت إليك قبالاتهم معتدا في قبولكها بإسباغ النعمة علي، وادخار الشكر لدي، ومتقربا إلى سيدي أمير المؤمنين، فرأيك في الأمتنان علي بقبولها، موفقا إن شاء الله. فلما قرأ الكتاب أنقذه إلى المعتصم فوقع فيه: ضيم فصبر، وسلب فعذر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالإحسان على عذره، وترد عليه ضياعه، ويرفع عنه خراجه، ولا أؤامر فيه إن شاء الله.
و كان المعتصم يقول: الفضل بن مروان عصى الله وأطاعني، فسلطني الله عليه.

(1/118)


وقال لأحمد بن أبي دواد لما كان من التياث العباس ابن المأمون ما كان: يا أبا عبد الله أكره أن أحبسه فأهتكه، وأكره أن أدعه فأهمله، فقال احمد: الحبس، أصلح الله أمير المؤمنين فإن الاعتبار خير من الاغترار.
وقيل ما رؤي أشد تيقظا في حرب من المعتصم، كانت الأخبار ترد عليه من أرض بابل إلى سر من رأى في ثلاثة أيام على خيل عتاق مضمرة، قد أقام على كل فرسخين فرسين. واحتاج الناس في حصار عمورية إلى ماء فمد لهم حياضا من أدم عشرة أميال. ولما دخل عليه المازيار، وكان شديد الغيظ عليه، قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أموالا جمة، فأنشد بيتا لأبي تمام:
إن الأسود أسو الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
قال إبراهيم بن المدبر: قال لي المتوكل: إذا خرج توقيعي إليك بما فيه مصلحة الناس ورفق بالرعية فأنقذه ولا تراجعني فيه، وإذا خرج إليك فيه حيف على الرغبة فراجعني فإن قلبي بيد الله عز وجل.
كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يذكر أن في عسكره جماعة من خاصته وذوي حشمه وأهل الحرمة، وأنه لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد هممهم وقوة شجاعتهم وأنه لا يجد لهم عقولا تفي بالفضائل التي فيهم، ويكره الإقدام بالقتل عليهم بالظنة مع واجب الحرمة، وسأله عن الرأي في أمرهم، فكتب إليه أرساطاليس: أما بعد فإن الوفاء من بعد الهمة، وأما شجاعتهم ونقصان عقولهم عن الوفاء بها، فمن كانت هذا حاله فرفهه في معيشته وقوله، وخوله حسان النساء، فإن رفاهة العيش توهي العزم وتكسر حمية الشجاعة، ومحبة النساء تحبب السلامة وتباعد من ركوب المخاطر، وليكن خلقك خلقا حسنا تستدع به صفو النية وخلوص المقة، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوسط أصحابك تناول مثله، فليس مع الاستئثار محبة ولا مع المواساة بغضة.
غضب الاسكندر على شاعر فأقصاه وفرق ماله في الشعراء، فقيل له ذلك فقال: أما إقصائي إياه فلجرمه، وأما تفريقي ماله في الشعراء فلئلا يشفعوا فيه.
كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يعلمه بما افتتح من البلاد ويعجبه من قبة الذهب، وجدها في بلاد الهند، فأجاب: إني رأيتك تعجب من قبة عملها الآدميون، وتدع التعجب من هذا القبة المرفوعة فوقك، وما زينت به من الكواكب وأنوار الليل والنهار. واما البلدان فليكن ملكك فيها بالتودد إلى أهلها، لا كقهر الراعي غنمه بالعصا، فإنك في طاعة المودة أحمد بدنا وعافية من طاعة القهر والاستطالة، فحدث به المأمون فقال: لقد حث على التودد فأحسن، فلقد أدبنا الله قبل معرفتنا بحكمة أرسطاطاليس: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159).
لما قتل شيرويه بن كسرى أباه أبرويز، وقف له رجل من الرعية يوما وقد رجع من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك، وملكك ما كنت أحق به منه، وأراح آل ساسان من جبروته وعنوه وبخله ونكده، فإنه كان ممن يأخذ بالحبة ويقتل بالظن، ويخيف البريء ويعمل بالهوى، فقال للحاجب: احمله إلي، فقال: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟قال: في كفاية من العيش. قال: فكم رزقك اليوم؟قال: ما زيد في رزقي شيء، فقال: هل وترك أبرويز فأبصرت منه مما سمعت من كلامك؟قال: لا، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك رزقا، ولا وترك في نفسك؟وما للعامة وهم رعية والوقوع بالملوك؟وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحق ما يقال: أن. الخرس خير من البيان بما لا يجب.
ولما أتي المنصور برأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فوضع بين يديه جاء بعض الراوندية فضرب الرأس بعمود في يده، فقال المنصور للمسيب: سو وجهه، فدق المسيب أنفه حتى سطحه مع وجهه، ثم قال: يا ابن اللخناء تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع عن نفسه ولا ينفع فتضربه بعمود، كأنك رأيته يريد نفسك أو نفسي فدفعته عني؟اخرج إلى لعنة (الله )وأليم عقابه.
قال حسن بن رجاء: لما ورد الخبر على المأمون بقتل أبي السرايا لم يكن في بيت ماله إلا ألف ألف ومائتا ألف درهم، قال ذو الرياستين للمأمون: هذا لا يسع الناس، ولكن صل بهذا المال حتى أخرج إلى الناس فآمر لهم به على قدر مراتبهم، فيكون القليل مني أحمد منه منك، ويكون الناس يتوقعون فضلك إلى أن تأتي الأموال فترى رأيك. ففعل فوقع أحسن موقع.

(1/119)


أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمها عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره إذن صاحبه.
ركب زياد يوما بالسوس فرأى عمارة حسنة، فخاف أهلها أن يزيد في خراجها، فقال لهم: بارك الله عليكم قد وضعت عنكم مائة ألف لما رأيت عمارة بلدكم.
دعا الواثق إسحاق بن إبراهيم المصعبي إلى منادمته فامتنع، فتلاحيا في ذلك إلى أن تغير الواثق لإسحاق وأمر بحجابه، فكتب إليه إسحاق: يا أمير المؤمنين لئن أطلقتني الحشمة التي عقد لساني عن الأنبساط لتغيره علي، لقد كان فيما عقد لي عليه قلب أمير المؤمنين ذب أن كان يؤمنني من امتهان العامة إياي. فرمى الواثق بكتابه إلى أحمد بن أبي داود وقال: انظر ذا، فنظر ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما على من كانت هذه همته بذبه عن أمير المؤمنين عتب، وهو يجد من أشخاص عوضا في منادمته، فأبقاه على رسمه وأعفاه من المنادمة.
قال معاوية لسعيد بن مرة الكندي: أنت سعيد؟قال: أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة.
وقال المأمون للسيد بن أنس: أنت السيد: فقال: أمير المؤمنين السيد وأنا ابن أنس.
وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: أنا أطول أم أنت؟قال: الأمير أطول وأنا أبسط قامة.
قال رجل لأبي خليفة الجمحي: ما أحسبك تثبتني؟ فقال: وجهك يدل على سنك، والإكرام يمنع من مسألتك، فأوجد السبيل إلى معرفتك.
قال العتيبي لأحمد بن أبي خالد الأحوال: هل أنكرت علي يوم دخولي على المأمون شيئا؟قال: نعم، قال: ماهو؟قال: ضحك من شيء فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
قال محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: بعثني أبي إلى المعتضد في شيء فقال لي: اجلس، فاستعظمت ذلك فقلت: إنه لا يجوز، فقال: يا محمد، أدبك في القبول مني خير لك من أدبك في قيامك.
قال المأمون لثمامة بن أشرس: ارتفع؟قال: يا أمير المؤمنين لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك إعظاما لك، وأقرب منك شحا عليك.
ومن أدب العلماء: قال بعض أصحاب أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماش، ولا تسألني وأنا أحدث الناس، ولا تسألني وأنا قائم، ولا تسألني وأنا متكىء، فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل. قال: فخرج يوما فتبعته من حرصي أسائله ومعي دفتر، وأنا أمشي في الطريق، فلما خلوت عقلت ما يقول، فلما كان من الغد واجتمع إليه أصحابه سألته عن تلك المسائل فغير الجواب، فأعلمته ذلك فقال: ألم أنهك عن السؤال وعن الشهادات في دين الله إلا في وقت جمام العقول.
وقيل: أراد أحمد بن طولون أن يكتب وثائق بأحباسه التي حبسها على البيمارستان والمسجد والسقاية بمصر، فتولى له كتب ذلك أبو حازم قاضي دمشق، فلما جاءت الوثائق أحضر لها علماء الشروط لينظروا هل فيها شيء يفسدها، فنظروا فقالوا: ما فيها شيء، ونظر فيها أبو جعفر أحمد بن أحمد بن محمد ابن سلامة الطحاوي الفقيه، وهو يومئذ شاب، فقال: فيها غلط، فأحضره ابن طولون وسأله عن الغلط فقال: حتى أعرف من عملها، فقيل له: أبو حازم القاضي، فقال: ما يمكنني أن أذكر الغلط الذي فيها، فقال له أحمد ابن طولون: إن أنت لم تذكره لرسلي فاذكره لي، فقال: ما أفعل، قال: ولم؟قال: لأن أبا حازم رجل عالم وعسى أن يكون الصواب معه وقد خفي علي، فأعجب ذلك أحمد ابن طولون وقربه وأجازه وقال له: فتخرج إلى أبي حازم لتوافقه، فخرج ووافقه عليه واعترف أبو حازم بالغلط، ثم رجع الطحاوي إلى مصر وأدخل إلى ابن طولون، فقال: كان الصواب مع أبي حازم وقد رجعت إلى قوله، وستر ما كان، فذكر ذلك لابن طولون فزاد في نفسه.

(1/120)


كان أحمد ابن طولون شديد الاهتمام بأمر رعيته، وكان يجلس في الليل في قبة عالية ممن داره يتسمع ويراعي أحوال مصر، فبينا هو ذات ليلة إذ سمع صياح كلب يصيح صياحا شديدا، فدعا بغلمانه وقال: اسمعوا، فقالوا: نسمع صياح كلب. فقال: انظروا أين، فلم يزالوا ينظرون حتى قالوا: في ناحية كذا وكذا، فقال: علي بالكلب الساعة وسببه، فمضى الغلمان فلم يزالوا ينظرون حتى عرفوا الموضع فأخذوا الكلبي، وإذا برجل نائم في الظلام معه سكين، وإذا قوم يصيحون، فقالوا لهم: ما خبركم؟فخرج إليهم شيخ فقال: هذا رجل يتعرض ببعض حرمي، فأخذوا الكلب والرجل والشيخ وجاءوا يهم إلى أحمد بن طولون، فقال: اضربوا الكلب فضربوه فصاح فقال: هو هو، وأمر بالرجل فغرق وانصرف الشيخ إلى منزله.
وقال أحمد بن طولون لبعض كتابه: اخنر لي كاتبا ترضاه وأتني به، قال: فأتيته به وتركته عنده ولم أعرف له خبرا، فلما كان بعد شهر جاءني، فقالت: من أين؟قال: من أمر عظيم، لما انصرفت أرسلني إلى المطبق وقال لي: احفظ ما يقولون وإلى من يكتبون ومن يكتب إليهم. فأقمت شهرا بالمطبق حتى عرفت جميع ما كانوا فيه، ثم أحضرني اليوم وحدثته بكل شيء فأمر لي بجائزة وقال لي انصرف.
رفع إلى المعتضد أن أن طائفة من الناس يجتمعون في دكان رجل شيخ تبان، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث، وفيهم سرارة وكتاب وأهل بيوتات سوى من يسترق السمع منهم من داصة الناس، فلما عرف المعتضد ذلك حرج صدره وامتلأ غيظا، ودعا بعبيد الله بن سليمان ورمى بالرقعة إليه وقال له: انظر فيها وتفهمها، ففعل، ورأى من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين، قال: فما الدواء؟قال: تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإن العقوبة إذا اختلفت كان الهول أشد والهيبة أفشى، والزجر أنجع، والعامة أخوف، فقال المعتضد: لقد بردت لهب غضبي بقسوتك هذا، ونقلتني إلى اللين بعد الغلطة، وحضضت على الرفق من حيث أشرت بالخرق، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك، ولو أمرأتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف وتبعثني على الحلم وتحبب إلي الصفح، وترعبني في فضل الأغضاء على هذه الأشياء، وقد ساءني جهلك بحدود العقاب، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلة الرحمة ويبس الطينة وقلة الديانة. أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأن الله سائله عنها كيف سستها ولعله لا يسألها عنه، فإن سألها فلتوكيد الحجة عليه منها؟ألا تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم لحقه، أو داهية نالته أو نالت صاحبا له؟وكيف نقول لهم كونوا أتقياء صالحين مقبلين على معاشكم غير خائضين في حديثنا ولا سائلين عن أمرنا، والعرب تقول في كلامها: غلبنا السلطان فلبس فروتنا واكل خضرتنا، وحنق الملوك على المالك معروف، وإنما يحتمل السيد على ضروب تكاليفه ومكاره تصاريفه إذا كان العيش في كنفه رافغا، والأمل فيه قويا، والصدر عليه باردا، والقلب معه ساكنا، أتظن أن العلم بالجهل يدفع والعذر به يسع؟لا والله، ما الرأي ما رأيت ولا الصواب ما ذكرت، وجه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، معروفا بتحر وصدق، حتى يعرف حال هذا الطائفة ويقف على شان كل واحد منها في معاشه وقدر ما هومتقلب فيه ومنقلب إليه، فمن كان منهم يصلح لعمل فعلقه به، ومن كان سيء الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله، ويفيد طمأنينة باله، ومن لم يكن من هذا. الرهط بل هو غني مكفي، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو فادع به وانصحه ولاطفه، وقل له: إن لفظك مسموع وكلامك مرفوع، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلا في عرصة المقابر، فاستانف لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك وتحمد بها عند إخوانك، وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعد ما كان غيرك عظة لك، ولولا أن الأخذ بالجريرة الأولى مخالف لليسرة المثلى لكان هذا الرأي الذي تسمعه ما تراه، تود لو انك سمعته قبل أن تراه، فإنك يا عبيد الله إذا فعلت فقد بالغت في العقوبة، وملكت طرفي المصلحة، وقمت على سواء السياسة، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة، ففعل عبيد الله ما أمره به.

(1/121)


قال عبد الملك بن عمر الليثي: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، أتانا آت، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على أهل العراق، فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامته قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا، متنكبا قوسا، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق، حتى قال عمير بن ضابىء البرجمي: ألا أحصبه لكم؟فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
وقال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
قد لفها الليل بعصلبي ... أبيض خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز البنان. ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وإني والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذ عطائه ثلاثة أيام إلا ضربت عنقه، يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج: قف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا؟هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن الطريق، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلا؟فقال له الحجاج: نفعل يا شيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان وهو مقتول فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردوه. فلما رد قال الحجاج له: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين، يا حرسي اضربا عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تجهز فأما أن تزور ابن ضابئ ... عميرا، وإما أن تزور المهلبا

(1/122)


تفسير كلمات غريبة من هذا الخبر: أراد بابن جلا الفعل، فحكى، فلذلك لم يصرفه، والبيت لسحيم بن وثيل، طلاع الثنايا: جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها. حطم لا يبقي من السير شيئا وكذلك الذي يأتي على الزاد فيأكله حطم، والنار التي لا تبقي حطمة والوضم ما يوضع عليه اللحم من صخر أو خشب. والعصلبي: الشديد، الدوي: كل غماء شديدة، ويقال للصحراء دوية، وهي التي لا تكاد تنقضي، وهي منسوبة إلى الدو، وهو الصحراء الملساء التي لا أمارة بها، والداوية: المتسعة التي تسمع لها دويا بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها وتقول جهلة الإعراب ذاك عزيف الجن، والعرد: الشديد ويقال في معناه عرند، والذكاء ها هنا تمام السن وهو في غير هذا حدة القلب.
و من سياسة زياد المستحسنة أنه ألزم كل قبيلة بمن يخرج من الخوارج منهم وأخذهم بهم، فكانت كل قبيلة إذا أحست بخارجية منها شدتهم وأتت بهم زيادا. وله أخرى في الخوارج، أخرجوا معهم امرأة فظفر بها فقتلها ثم عراها، فلم تخرج النساء بعد ذلك على زياد، وكن إذا دعين إلى الخروج يقلن: لولا التعرية لسارعنا. وكن بعد زياد يخرجن مع الخوارج فيحاربن ويبارزن الرجال.
نصب معاوية قميص عثمان على المنبر فبكى أهل الشام فقال: هممت أن أدعه على المنبر، فقال له عمرو بن العاص: إنه ليس بقميص يوسف، وأنهم إن طال نظرهم إليه وبحثوا عن السبب، وقفوا على ما لا تحب ولكن لذعهم بالنظر إليه في الأوقات.
ووصى عمرو معاوية بالسياسة فقال: لا يكون شيء آثر عندك من أمر رعيتك، وتكون له أشد تفقدا منك لخصاصة الكريم أن تعمل في سدها، ولطغيان اللئيم أن تقمعه، واستوحش من الكريم الجائع ومن اللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع واللئيم يصول إذا شبع.
؟كان الرشيد أخذ ضيعة من صالح صاحب المصلى ودفعها إلى أم جعفر، فلما ولي الأمين سأله الفضل بن الربيع ردها على صالح، فقال: أنا أعوضه ولا أظلم أمي ولا أعق أبي.
وقع المأمون في قصة متظلم من أبي عيسى بن الرشيد (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) (المؤمنون: 101).
؟قال المعتز لأحمد بن وزير البصري لما ولاه القضاء: يا أحمد قد وليتك القضاء وإنما هي الدماء والفروج والأموال تنفذ فيها حكمك ولا يرد أمرك، فاتق الله عز وجل وانظر ما أنت صانع.
؟ولما جيء إليه بأمان وصيف وبغا من بغداد على دمائهم وأموالهم وأجاز ذلك، وقع في الكتاب بخطه بين الأسطر: خلا ما فيها من حق لمسلم أو معاهد.
؟دخل أبو مجلز على قتيبة وهو بخراسان، وهو يضرب رجلا بالعصا فقال: أيها الأمير إن الله جعل لكل شيء قدرا، ووقت له ووقتا، فالعصا للأنعام والهوام والبهائم، والسوط للحدود والتغرير، والدرة للأدب، والسيف لقتال العدو والقود.
؟قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: وافاني كتاب المعتز وكتاب أحمد بن إسرائيل مع رسول ومعه رأس بغا، وفي الكتب أن أنصبه على الجانبين، فلم أفعل وكتبت: قد أوجب الله تعالى علي نصح أمير المؤمنين من جهات منها ما تقتضيه الديانة وتوجبه الأمانة، ومنها اصطناع آبائه لخدمهم من أسلافي، ومنها اختصاصه إياي بجميل رأي، ومع هذا فلم أكن لأذخر عنه رأيا مع ما أنا عليه من المناصحة والشكر، وإن الكتب وردت علي بنصب رأس بغا في الجانبين، وقد أخرت ذلك إلى أن يعود إلي الأمر بما أعمل عليه، وبغا فقد علمت أنه عدو أمير المؤمنين وعدوك، وقد أراح الله تعالى منه بحيث لم تتهموا فيه، وأخاف أن يتبعكم الأتراك عند أول شغبة به، ويطالبوكم بدمه، ويجعلوا ذلك ذريعة إلى إيقاع سوء. وكان الصواب عندي أن يغسله أمير المؤمنين ويصلي عليه ويدفنه ويظهر حزنا ويقول: ما أحب أن يصاب صغير منكم ولا كبير، وقد غمني أمر بغا، ولو وصل إلي لزدت في مرتبته، وما يشيه هذا.فورد علي كتاب أحمد بن إسرائيل يشكر ما كان مني، ولم يقبل قوله وفي هذا الرأي واجتهد فيه، فما أمكنه إلا أن يفعل ما فعل، ويحلف أنه سبقني إلى آخر كتابه: واعلم أنه قد حدث بعدك، وهو مما لا نعرفه نحن ولا أنت، رأي للحرم والخدم يقبل ويعمل عليه، وهذا فتح للخطأ وإغلاق للصواب، فانصب الرأس قليلا ثم أنفذه إلى خراسان.
كتب الفضل بن الربيع إلى عبد الله بن سولر يسأله أن يشتري له ضيعة فكتب إليه: إن القضاء لا يدنس بالوكالة.

(1/123)


قال بعض صحابة أبي العباس السفاح: غضب أبو العباس السفاح على بعض أصحابه فأبعده، فذكره ليلة من الليالي، فقلت: لو رآه أعدى خلق الله له لرحمه، قال: مم ذلك؟قلت: لغضب أمير المؤمنين عليه، فقال: ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ، قلت: فمن عليه يا أمير المؤمنين برضاك، قال: ما هذا وقت ذاك. قلت: إنك يا أمير المؤمنين لما صغرت ذنبه طمعت في رضاك. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه مدة طويلة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى.
قال عبيد الله بن سليمان: كنت أكتب بين يدي أبي سليمان داود بن الجراح، فقال لي يوما: اكتب: أطال الله بقاءك وأعزك وأكرمك وأتم نعمته عليك وإحسا نه إليك، كتب الوكيل - أعزك الله - متصلة بشكرك، والضيعة ضيعتك، وكل ما تأتيه في أمرها فموقعه يحسن مني، وشكري يتضاعف عليه، وخطابا في هذا المعنى، وكانت هذا المخاطبة لا يخاطب بها إلا صاحب مصر أو فارس، فقلت: قد ابتاع ضيعة بأحد الموضعين، ثم أصلح الكتاب فقال: عنونه إلى الرخجي، وكان يتقلد النهروان الأوسط. ثم رمى إلي كتابا لصاحب بريد فقال: وقع عليه: أنت أعزك الله تقف على ما تضمنه هذا الكتاب، ولئن كان ما تضمنه حقا لأفعلن ولأصنعن، وخطابا أغلظ فيه، ثم قال عنونه إلى الرخجي، فعجبت من الكتابين، وفطن لما في نفسي فقال: أظنك قد أنكرت الخطابين، هذا ثناءتي خدمتها، وهذا حق سلطاني استوفيته.
قال علي بن مخلد: كنت واقفا على رأس المنصور وأنا غلام، فما رأيت ملكا ولا سوقة كان أفسح منه أخلاقا، ولا أقل ضربا وشتما لملك يمين، وكان ربما دعا الغلام من غلمانه لبعض ما يحتاج إليه فيسمع نداءه فلا يجيبه، قال: فسمعته يوما يقول للربيع: ما أدري كيف أصلح غلماني وخدمي؟أصوت للواحد منهم أصواتا فلا يجيبني وأنا أعلم أنه قد سمع. قال: يا أمير المؤمنين، لنت لهم غاية اللين فلو غلظت عليهم بعض الغلظة استقاموا. فقال: ابغني سوطا ومسمارا، فأتاه بهما فعلق السوط تجاه مجلسه فكان إذا صاح بالخادم وافاه عشرون في لحظة، فقال: قاتل الله القائل:
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه
قال الفضل بن يحيى لرجل استبطأ عدة الرشيد، وكان من أهل بيته: إنما شغل عنك أمير المؤمنين حقوق أهل الطاعة دونك، ولو فرغ منهم إليك لم يؤثر من دونك عليك، فقام أبوه يحيى فقبل رأسه.
كان المعتضد بالله من ساسة الخلفاء وذوي التدبير، وسمي السفاح الثاني لأنه جدد الدولة العباسية بعد دروسها، ولي بعد المعتمد عمه وكان مستضعفا حتى أنه طلب ما يراعي به مغنية عنده فلم يعط وقصرت يده عنه فقال:
أليس من العجائب أه مثلي ... يرى ما قل ممتتعا
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه
وكان تؤخذ جواريه غضبا فلا يقدر على الامتناع وليس هذا موضع أخباره فلما ولي المعتضد لم يجد في بيت المال غير سبعة وعشرين درهما زائفة، ووجد الدنيا خرابا فعمرها بالعدل، حتى صار دخل المملكة يزيد على الخرج في كل سنة ألف ألف دينار، بعد الخرج والنفقات على التمام والكمال، واستيفاء الجيوش وسائر المرتزقة جاريهم على الإدرار من غير مطالبة أو إذكار بسببه، وكان هذا الفاضل في بيت مال الخاصة لا ينفق منه شيء البتة، ولا يحتاج إليه في وجه من الوجوه، وأخر النوروز إلى أحد عشر يوما من حزيران حيث تتكامل جميع الغلات الشتوية والثمار، فيأخذ الخراج في أوانه من غير إضرار بتقديمه، وأمر بالزيادة في المسجد الجامع بمدينة أبي جعفر، وامر بتسهيل عقبة حلوان وقال: هذا طريق الملك. فسهلت إلى الموضع المعروف بدهليزان، وأنفق عليها عشرون ألف دينار، وأمر برد المواريث على ذوي الأرحام، ولما أراد بناء قصره بالشماسية بأعلى بغداد، استزاد في الذرع بعد أن فرغ من تقدير جميع ما أراده للقصر، فسئل عما يريد ذلك له، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع منها رؤساء كل صناعة ومذهب، من كل مذاهب العلوم النظرية والعملية ويجري عليه الأرزاق السنية ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه. ولو مد له في العمر حتى يفعل هذا، لظهر فضل هذا الأمة على سائر الأمم، ولكن حالت المنية دون الأمنية، ولله أمر هو بالغه وهو أعرف بمصالح عباده.

(1/124)


؟وكان عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد من العقلاء ورجال التدبير. قال علي بن عيسى بن داود بن الجراح: دخلنا إليه لما فتح هو وبدر المشرق، وفتح المعتضد والقاسم بن عبيد الله معه ديار بكر، وذلك في آخر سنة ست وثمانين ومائتين، وكنت أنا وعمي محمد بن داود والقاسم، فجعل القاسم ونحن بعده نهنئ عبيد الله باستمرار الصلاح في جميع البلاد، وسكون النفوس، وسقوط جميع الأعداء في أقطار المملكة، قال: وعبيد الله يسمع وهو مطرق، ثم رفع طرفه وجعل ينظر إلى ابنه القاسم نظر متعجب، ثم قال: الساعة والله يا بني وتضاعف في الشغل والخوف، لأن عادة هؤلاء القوم، يعني الخلفاء، إذا خلص لهم الملك وانتظم، الفكر في أقرب الناس منهم والإقدام على الإيقاع بهم وهم الوزراء، وحق الوزير أبدا أن يشغل قلب سلطانه بالشيء بعد الشيء يلقيه إليه مما يحذره ويخشى سوء عاقبته، فتدعوه الضرورة عند ذلك إلى اتصال الفكر فبه والاعتماد على وزيره في تلافيه فإذا خلا من ذلك صرف همه وفكره إلى الأقرب فالأقرب منه، فلم تؤمن بادرته ولم يسلم من معرته وتغيير أمره وملالته، إما ضجرا باتصال خدمته وطول معاملته، وإما طمعا في ماله وحاله وشرها إلى نعمته. قال: فورد على القاسم من قول أبيه وعلينا ما عملنا أنه قال الحق، مع ممارسته للأمور، وما شوهد ونقل من الأخبار في ذلك.
؟وقال المحسن بن علي بن محمد بن الفرات، قال لي أبي: يا بني إن خدمت هؤلاء الخلفاء، فلا تترك حالا تقدر عليها في إزعاجهم وإرهابهم إلا اجتلبتها وأوردت خبرها عليهم، حتى يكون قلب من تخدمه أبدا مشغولا منخوبا غير مفكر فيك، فإنه إذا فرغ قلبه مما يتخوفه عاد بالمكروه عليك وانصرف به إليك ولم يفكر إلا فيك.
لما أسرف الحجاج في القتل بالعراق وإعطاء أصحابه الأموال، كتب إليه عبد الملك بن مروان: أما بعد فقد بلغني سرفك في الدماء وتبذير الأموال، ولا أحتمل هاتين لأحد من الناس، وقد حكمت عليك في الدم بالقود في العمد، والدية في الخطأ، وأن ترد الأموال إلى مواضعها، فإنما المال مال الله ونحن أمناؤه، وسيان منع حق وإعطاء باطل، فلا يؤمننك إلا الطاعة ولا يخفينك إلا المعصية، وكتب في أسفل كتابه:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضائي بالذي أنت طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا ... إلى الله منه ضيع الدر حالبه
و إن تر مني غفلة قرشية ... فيا ربما قد غص بالماء شاربه
و إن تر مني وثبة أموية ... فهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تعد ما يأتيك مني، فإن تعد ... تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
و من الآراء السديدة ما فعله أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات بعد فتنة ابن المعتز فإن ابن المعتز لما تفرق أصحابه وهلك، واستقام الأمر للمقتدر في ملكه استوزر أبا الحسن ابن الفرات فظفر بصندوقين عظيمين فيهما جرائد بأسماء من بايع ابن المعتز فلم يفتحهما ولا قرأ الجرائد، ودعا بنار عظيمة، وألقى الصندوقين فيها وقال: لا حاجة بنا إلى الوقوف على ما فيها فتفسد نية أمير المؤمنين في كل أوليائه، ويستشعرون هم الخوف منه، وقد عفا أمير المؤمنين عن كان له في أمر ابن المعتز فعل أو قول. واقتدى في هذا الفعل بأخيه أبي العباس ابن الفرات.
و كان عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد لما عاد من الجبل حضر عنده أبو العباس فسلم إليه أضابير وقال له: يا أبا العباس سعايات وصلت إلينا بالجبل من أسبابك ووكلائك وأصحابك، فقف عليها لتعرف وليك منهم وناصحك من عدوك والغاش لك، فابتدا أخوه أبو الحسن يقرأها فجذبها أبو العباس من يده ومنعه من قراءتها وقال: لا حاجة بي إلى الوقوف عليها، ولست أقابل نعمة الله في التفات الوزير إلي ورأيه في وحراسته إياي بفساد نيتي في أسبابي وأصحابي ومقابلتهم على فعلهم. وفعل أبي الحسن هذا مجرد سياسة ونظر للملك، وفعل أبي العباس مع أنه ما خلا من سياسة وأدب فهو بكرم الأخلاق أليق وأولى.

(1/125)


و من صائب الرأي ما كان يفعله أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي فإن صاحبه معز الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه، كان حديدا سريع الغضب بذيء اللسان يشتم وزراءه ويسبهم، وكان المهلبي مع فضله وعلمه وكمال مروءته وأدبه، يصبر من ذلك على ما لا يصبر عليه أحد، ولا ينكسر لما يبدو منه في حقه. فقيل له: لو أظهرت الإنخزال والإنكسار لكان أصلح لئلا يظن بك تهاونا بأمره، فقال: ليس يخفى علي ذلك، ولكن هذا الأمير خرق عجول لا يملك لسانه، فإن ذهبت أظهر الاستيحاش من هذيانه، وقع له أني قد تنكرت له وأني لا أناصحه، ولعله يتهمني بما لا يدور في فكري فيكون سببا لجائحة ونكبة، وليس له غير التغافل والتبسم في وجهه إذا أمكن، فإن لم يمكن ذلك خوفا من غضبه فليس إلا قلة الفكر فيه.
ذكر أن فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام أعطت ولدها من الحسن بن الحسن ما ورثته منه، وأعطت ولدها من عبد الله بن عمرو بن عثمان موروثها منه، فوجد ولد الحسن بن الحسن في أنفسهم، لأن ما ورثت من عبد الله بن عمرو كان أكثر، فقالت: يا بني، إني كرهت أن يرى أحدكم شيئا من مال أبيه بيد أخيه فيجد من ذلك في نفسه فلذلك فعلت ما فعلت.
و كان عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن الحسن بن بويه من ساسة الملوك، وله في ذلك أخبار مشهورة وأفعال مستحسنة، ولما ملك بغداد والعراق وجدها خرابا، والأسواق بعضها تلول بالحريق، والجوامع خراب، فبدأ بعمارتها وعمارة الأسواق، وألزم أرباب العقار بالعمارة، فمن قصرت قدرته عن النفقة اقترض من بيت المال ما ينفقه عليها وذلك في الأسواق والدور، وكان ببغداد أنهار كثيرة فيها مرفق للمحال البعيدة عن دجلة قد انقطعت ودرست فابتدأ بحفرها مثل نهر العبارة ونهر مسجد الأنباريين ونهر البزازين ونهر الدجاج ونهر طابق ونهر القلائين ومسراها إلى دجلة والصراة ونهر اشتق من دجيل إلى الحربية وعمر القناطر ورتب أمر الجسر وجعل له الدرابزينات تحفظ من يجتاز به ووكل به الحفظة واستقصى في عمارة السواد، وعمر طريق مكة ورفع الجباية عنها، وأطلق الصدقات والصلات لسائر طبقات الناس من المسلمين، ثم تجاوز ذلك إلى أهل الذمة.
الفصل السادس
نوادر هذا الباب
هذا باب جد لا مدخل للنوادر فيه، لكني تكلفت منه ما شرطته في أول الكتاب من اتباع كل باب بنوادره، ووجدت ذلك يتهيأ فيما كان أصله جدا فعدل به إلى الهزل، وأصله هزلا فاستعمل فيه الأدب والسياسة، أو ما حصل الإشتراك بينهما فيه، فحسن إضافته إليه من جهة الإشتراك، واقتصرت منه على ما لا تليق الحال بالزيادة عليه.
؟بلغ معاوية أن ابنته امتنعت على ابن عامر في الإفتضاض فخرج إليها يتوذف في مشيته، وفي يده مخصره، فجلس وجعل ينكت في الأرض ويقول:
من الخفرات البيض أما حرامها ... فصعب وأما حلها فذلول
وخرج ودخل ابن عامر فلم تمتنع عليه.
؟وقال معاوية: العيال أرضة المال.
؟قال أبو الزناد: كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز، وكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه فيها، فكتب إليه: يخيل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي لرجل شاة لكتبت إلي: أضأن أم ماعز، ولو كتبت إليك بإحداهما: لكتبت: أذكر أم أنثى، ولو كتبت إليك بإحداهما لكتبت: أصغير أم كبير، فإذا أتاك كتابي هذا فلا تراجعني فيها.
؟وكتب أبو جعفر إلى سلم يأمره بهدم دور من خرج مع ابراهيم بن عبد الله بن الحسن وعقر نخلهم، فكتب إليه: باي ذلك نبدأ بالدور أم بالنخل ؟ فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد فإني لو أمرتك بإفساد تمرهم لكتبت تستأذن بأيه تبدأ بالبرني أو الشهريز، وعزله وولى محمد بن سليمان مكانه.
؟قال (أبو ) عيسى بن المنجم: سمعت الصاحب يقول: ما أستأذن على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس إلا انتقل إلى مجلس الحشمة فيأذن لي فيه، وما أذكر أنه تبذل بين يدي وما زحني قد إلا مرة واحدة، فإنه قال لي في شجون الحديث: بلغني أنك تقول: المذهب الإعتزال والنيك نيك الرجال، فأظهرت الكراهية لانبساطه وقلت: بنا من الجد ما لا نفرغ معه إلى الهزل، وذهبت كالمغاضب، فمازال يعتذر إلي مراسلة حتى عاودت مجلسه، ولم يعد بعدها لما يجري هذا المجرى.

(1/126)


؟قال الوليد بن يزيد لابن ميادة: من تركت عند نسائك ؟ قال: رقيبين لا يخالفاني طرفة عين: الجوع والعري، فهذا البدوي قد ساس النساء بما يليق بهن إما اضطرارا أو تدبيرا أو رأيا.
عاتب المنصور أصحابه على أن أبق غلام له ولم يطلبوه ولم يخبروه قبل هربه بما عزم عليه، ووبخهم ونسبهم إلى ترك النصيحة له. فقال لهم ابن عياش المنتوف: ولوني جوابه، قالوا: أنت وذاك، فقال للرسول: تبلغه كما أبلغتنا ؟ قال: نعم، قال: أقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إنك اخترتنا من بين عشائرنا وبلداننا فظننا أردتنا لأن نكون جلساءك والمجيبين للوفود إذا قدموا عليك، والخارجين لرتق الفتوق إذا انفتقت عليك، فأما إذ أردتنا لمن يأبق من غلمانك، فبزيع غلامك يريد أن يأبق فاستوثق منه.
؟وقف عبد الله بن الزبير على باب منة - مولاة معاوية كانت ترفع حوائج الناس إليه - فقيل له: يا أبا بكر تقف على باب منة ؟ قال: نعم، إذا أعيتك الأمور من رؤوسها فأتها من أذنابها.
؟قال العلاء بن أيوب: ما تكلم الفضل بن سهل قط بكلام فيه جفاء إلا مرة، فإنه ذكر الفضل بن الربيع فقال: ما يريد منا ؟ ألم نوجه إليه عبد الله بن أبي سمير؟ يريد أنه كان فحله.؟قال عنبسة بن سعيد: خرجت ليلة مع الحجاج فرأى رجلا واقفا على باب، فقال له: أما سمعت نداء الأمير ؟ قال: بلى. قال: فما حملك على الخروج ؟ قال: كنت ألازم غريما لي فلما كان في هذا الوقت جاءني إلى هاهنا ودخل إلى هذه الدار، وأنا لا أظن إلا أنها داره، وبقيت واقفا هاهنا. قال: ما أراك إلا صادقا، يا حرسي اضربا عنقه، ثم مضى وأنا معه فرأى رجلا واقفا فقال له مثل ذلك، فقال له: كنت عند أمي وهي مثقلة بالعلة فأفاقت في هذه الساعة، وجاءتني امرأة فقالت: قد ولدت امرأتك، فعزمت علي أمي أن أمضي فخرجت، وهذا باب أمي وهذا بابي، فقال: ما أراك إلا صادقا، يا حرسي اضربا عنقه. ثم مضى وأنا معه، فرأى رجلا شاربا فقال: ألم تسمع نداء الأمير ؟ قال: بلى. قال: فما حملك على الخروج ؟ قال: خذلان الله وإنه ماص كذا أوكذا فقال: ما أحسبك إلا صادقا خليا عنه.
؟لقي أبو العيناء الفتح بن خاقان في حاجة فوعده ثم لقيه فوعده، فلما كان في الثالثة ألفاه على حال ضجر، فقال له الفتح: أما علمت أنه من طالب السلطان احتاج إلى ثلاث خلال ؟ قال: وما هن، أعز الله الأمير ؟ قال: عقل وصبر ومال، فقال أبو العيناء: لو كان لي عقل لعقلت عن الله تعالى أمره ونهيه، ول كان لي صبر لصبرت منتظرا رزقي أن يأتيني، ولو كان لي مال لاستغنيت به عن تأميل الأمير والوقوف ببابه.
؟حدث مخلد بن زردي الكاتب المدائني وكان يلقب بلبد لطول عمره، أن المأمون أول ما قدم العراق حظر أن يقلد الأعمال إلا الشيعة الذين قدموا معه من خراسان فطالت عطلة كتاب السواد وعماله، وكانوا يحضرون في كل يوم حتى ساءت حالة أكثرهم فخرج يوما بعض مشايخ الشيعة، وكان مغفلا، فتأمل وجوههم فلم ير فيهم أسن من مخلد فجلس إليه وقال: إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أتخير ناحية من نواحي الخراج صالحة المرفق ليوقع بتقليدي إياها، فاختر لي أنت ناحية، فقال: إني لا أعرف لك عملا أولى من زبدات البحر وصدقات الوحش وخراج وبار، فقال: اكتبه لي بخطك فكتبه، فذهب الشيعي حتى عرض الرقعة على المأمون وسأله تقليده ذلك العمل، فقال له: من كتب لك هذه الرقعة ؟ قال: شيخ من الكتاب يحضر الدار كل يوم، قال: هلمه، فلما أدخل قال له المأمون: ما هذا يا جاهل قد بلغ بك الفراغ إلى مثل هذا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما تحصل استخراجه وصار في أيديهم، فأما شروط الخراج وحكمه وما يجب تعجيل استخراجه، وما يجب تأخيره، وما يجب إطلاقه، وما يجب منعه، وما يجب إيقافه، وما يجب الاحتساب به فلا يعرفونه، وتقليدهم يعود بذهاب المال، فإن كنت يا أمير المؤمنين لا تثق بنا فمر بأن نضم إلى كل رجل منهم رجلا منا ليكون الشيعي لحفظ المال ونحن لجمعه، فرضي المأمون كلامه، وأمر بتقليد عمال السواد وكتابه، وأن يضم إلى كل واحد منهم واحد من الشيعة، وضم مخلد إلى ذلك الشيخ وقلده ناحية جليلة.

(1/127)


؟قيل كان محمد الأمين يلاعب الفضل بن الربيع بالنرد ورهنا خواتيمهما على القمر، فقمر محمد الفضل فصار خاتمه في يده، وكان نقشه، " الفضل بن الربيع " ونهض ليبول وهو معه، فدعا بنقاش فكتب تحت النقش في الفص " ينكح " ، ثم عاد إلى مجلسه وأحضر الفضل فكاك الخاتم فدفعه إليه، فلما كان بعد عشرة أيام دعا بالفضل وعاود ملاعبته، وأخذ الخاتم منه فتأمله وسأله عن نقشه فقال: اسمي واسم ابي، فقال له: أرى عليه شيئا سوى ذلك، ودفع الخاتم إلى الفضل فتأمله فلما رأى ما أحدث في نقشه لم يتمالك أن قال: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11) هذا خاتم وزيرك يختم به إلى جميع الآفاق منذ عشرة أيام، ومن كاتبه أخوك الذي يظهر أنك لست موضعا للخلافة ويجمع خلعك، والله ما بقيت من هتك نفسك عند أوليائك والمنافقين لك والمصرحين ببغضك شيئا وقد أتيته، وما يضر ذلك الفضل ولا الربيع والله المستعان، فما زاد محمد على الضحك.
؟كان ركن الدولة أبو الحسن على بن بويه ضعيف السياسة على خير فيه وكرم طبع، فخرجت له بغال للعلف فقطع عليها اللصوص وأخذوها، فلما أخبر بالحال قال: كم كانت البغال ؟ فقيل: ستة. قال: واللصوص ؟ قيل: سبعة. قال: الآن يختلفون، كان ينبغي أن تكون البغال سبعة حتى تصح قسمتها بينهم.
؟وذكر له أكراد قطعوا الطريق فقال: وهؤلاء الأكراد أيضا يحتاجون إلى خبز ومعيشة.
؟ولى زياد شيبان باب عثمان وما يليه، فجد في طلب الخوارج وأخافهم، فلم يزل كذلك حتى أتاه ليلة وهو متكئ على بابه رجلان من الخوارج فضرباه بسيفهما فقتلاه، وخرج بنون له للإغاثة فقتلوا ثم قتلهما الناس، فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج فقال: اقتلوه متكئا كما قتل شيبان، فصاح الخارجي يا عدلاه، يهزأ به.
؟قال بعض الملوك لوزيره وأراد محنته: ما خير ما يرزقه العبد ؟ قال: عقل يعيش به، قال: فإن عدمه ؟ قال: أدب يتحلى به، قال: فإن عدمه ؟ قال: حال تستره، قال: فإن عدمه ؟ قال: صاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد.
؟قيل: لما صرفت اليمانية من أهل مزة الماء عن أهل دمشق ووجهوه إلى الصحارى كتب إليهم أبو الهيذام: إلى ابني استها أهل مزة، ليمسيني الماء أو لتصحبنكم الخيل، قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. قال أبو الهيذام: الصدق ينبي عنك لاالوعيد.
؟وكان أعرابي باليمامة واليا على الماء، فإذا اختصم اثنان وأشكل عليه القضاء حبسهما جميعا حتى يصطلحا، وقال: دواء اللبس الحبس.
؟ولي أعرابي تبالة، فصعد المنبر، فما حمد الله تعالى ولا أثنى عليه حتى قال: اللهم أصلح عبدك وخليفتك، إن الأمير أصلحه الله ولاني عليكم، وأيم الله ما أعرف من الحق موضع سوطي هذا، وإني والله لا أوتى بظالم ولا مظلوم إلا ضربته حتى يموت، قال: فتعاطى القوم الحق بينهم فرقا أن يتقدموا إليه.
؟أقبل عيينة بن حصن الفزاري قبل إسلامه إلى المدينة، فلقيه ركب خارجون منها، فقال لهم: أخبروني عن هذا الرجل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: الناس فيه ثلاثة: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا والعرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله وبينهم التذابح، ورجل يظهر له الإسلام إذا لقيه ويظهر لقريش أنه معهم، قال: وما يسمى هؤلاء ؟ قالوا: المنافقون، قال: ليس في من وصفتم أحزم من هؤلاء، أشهدكم أني من المنافقين.
؟الخولاني:
إن السياط تركن لاستك منطقا ... كمقالة التمتام ليس بمعرب
؟شكت أعرابية زوجها إلى صواحب لها، فقلن: طلقيه، فقالت: أشهدن أنه طالق ثلاثا، فاختصموا إلى والي الماء، فتكلمت فقال لها: إيها أم فلان، لا تجوري فنحاربك، الزمي الطريق المهيع، ودعي بنيات الطريق، كيف قلت ؟ قالت قلت: هو طالق ثلاثا، ففكر الوالي ساعة ثم قال: أراك تحلين له ولا أراه يحل لك.
؟تظلم قوم إلى المأمون من قاضي جبل، وذكروا أنه يعض رؤوس الخصوم، فوقع في قصتهم: يشنق إن شاء الله.
؟مدح بعض الشعراء محمد بن عبدوس صاحب الشرقية، فقال له: أما أن أعطيك شيئا من مالي فلا، ولكن اذهب فاجن جناية حتى لا آخذك بها.
وما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... و إن قدت بالحق الرواسي تنقد

(1/128)


إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تدخل من الباب تهتد
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا كان الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة.
قال سقراط: السبب الذي به أدرك العاجز حاجته هو الذي أقعد الحازم عن طلبته.
وقال فرفوريوس: لو تميزت الأشياء بأشكالها لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة، والراحة مع اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والعز مع القناعة، والأمن مع العفاف، والسلامة مع الوحدة.
وقال أيضا: لا يرفع أحد فوق درجته إلا فسد، ألا ترى إلى دودة النحل إذا جعلت في العسل كيف تموت؟ وقال آخر: السهر ألذ للمنام كما أن الجوع أزيد في طيب الطعام، وهذا مطرد في كل نعمة طيبا وموقعا إذا جاءت بعد ضدها.
وقال آخر: من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد.
وقال حكيم من اليونانين: السعادات كلها في سبعة أشياء: حسن الصورة، وصحة الجسم، وطول العمر، وكثرة العلم، وسعة ذات اليد، وطيب الذكر، والتمكن من الصديق والعدو.
وقال معاوية: الدنيا بحذافيرها الخفض والدعة.
وقال بعض الأدباء، وقد سئل عن العيش: العيش في الغنى فإني رأيت الفقير لا يلتذ بعيش أبدا، وقال السائل زدني، قال: الصحة، فإني رأيت المريض لا يلتذ بعيش أبدا، قال: زدني، قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا يلتذ بعيش أبدا قال: زدني، قال: لا أجد مزيدا.
فهذا الكلام على كمال تقسيمه واستغراقه المعنى إنما أخذه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي هوه أصل كل حكمة ومآلها: من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، له قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.قيل لسقراط: ما الشيء الذي لا يستغنى عنه؟قال: التوفيق، قيل: ولم لم تقل العقل؟قال: العقل بما هو عقل لا يجدي عاجلا وآجلا دون التوفيق الذي به يهتدى إلى ثمرة العقل وينال درجة الانتفاع به.
قال صالح بن جناح العبسي:
ألا إنما الإنسان غمد قلبه ... و لا خير في غمد إذا لم يكن نصل
قال فيلسوف: كثير من الأمور لا تصلح إلا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع؟، ولا الحفظ بغير عقل، و لا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.
قال علي عليه السلام: من كشف ضره هانت عليه نفسه.
ومن كلامه، الفقر يخرس الفطن عن حجته. المقل غريب في وطنه. العجز آفة. الورع جنة. نعم القرين الرضى. العلم وراثة كريمة. البشاشة حبالة المودة. إذا أقبلت الدنيا إلى أحد أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبت محاسن نفسه. ما أضمر أحدكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه، (وروي لنا هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم ) ومثله قوله زهير:
ومهما تكن عند امرىء من خليفة ... و إن خالها تخفى عن الناس تعلم
ومن كلامه: امش بدائك ما مشى بك. قلوب الرجال وحشية فمن تألفها بالإحسان أقبلت إليه.من حذرك كمن بشرك.أوضع العلم ما وقف على اللسان وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا: (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي) (آل عمران: 68) الآية. ثم قال: إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته.
وقال في صفة الغوغاء: هم الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا، فقيل: قد علمنا مضرة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم؟قال: يرجع أصحاب المهن إلى مهنهم فينتفع الناس بهم، كرجوع البناء إلى بنائه، والنساج إلى نسجه، والخباز إلى مخبزه.
ومن كلامه كرمك الله وجهه: (1)من لان عوده كثفت أغصانه.(2)في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال.(3)من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة (معناه أن ما ينفعه في سبل الخير والبر وإن كان يسيرا فإن الله يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا).(4)الحجر الغضب في الدار رهن على خرابها.(وقد روي ذلك عن رسول صلى الله عليه وسلم ) (5) إذا ازدحم الجواب خفي الصواب. (6) الحظ يأتي من لا يأتيه.(7) قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول.(8) كل معاجل يسأل الإنظار وكل مؤجل يتعلل بالتسويف. (9) كفى بالأجل حارسا.

(1/129)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية