صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ البيان والتبيين - الجاحظ ]
الكتاب : البيان والتبيين
المؤلف : أبي عثمان عمرو بن بحر
الناشر : دار صعب - بيروت
الطبعة الأولى ، 1968
تحقيق : المحامي فوزي عطوي
عدد الأجزاء : 1

( وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وحذرا ازداده الى حذر )
( وتركي الحسناء في قبل الطهر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر )
وقالوا مروا الاحداث بالمراء والكهول بالفكر وقال عبد الله بن الحسين المراء رائد الغضب فأخزى الله عقلا يأتيك به الغضب
وقالوا اربعة تشتد معاشرتهم الرجل المتواني والرجل العالم والفرس المرح والملك الشديد المملكة وقال غاز ابومجاهد يعارضه اربعة تشتد مؤونتهم النديم المعربد والجليس الاحمق والمغني التائه والسفلة اذ نفروا
وقال ابو شمر الغساني أقبل علي فلان باللحظ واللفظ وما الكلام إلا زجر او وعيد
قال عمير بن الحباب وروى ذلك عنه مسعر ما اغرت على حي في الجاهلية احزم امرأة ولا اعجز رجلا من كلب وأحزم رجلا وأعجز امرأة من تغلب وقامت امرأة من تغلب الى الجحاف بن حكيم حين أوقع بالبشر فقتل الرجال وبقر بطون النساء فقالت له فض الله فاك وأصمك وأعماك وأطال سهادك وأقل رقادك فوالله إن قتلت الا نساء أسافلهن دمى
وأعاليهن ثدى فقال الجحاف لمن حوله لولا ان تلد مثلها لخليت سبيلها نبلغ ذلك الحسن فقال إنما الجحاف جذوة من نار جهنم
وكان عامر بن الظرب العدواني حكيما وكان خطيبا رئيسا وهو القائل يا معشر عدوان ان الخير ألوف عزوف ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه واني لم اكن حكيما حتى اتبعت الحكماء ولم أك سيدكم حتى تعبدت لكم
وقال أعشى بني شيبان
( ولا انا في أمري ولا في خليقتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني )
( ولا مسلم مولاي من شر ما جنى ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني )
( وإن فؤادا بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني )
( وفضلني في القول والشعر أنني ... أقول بما أهوى وأعرف ما أعني )
وقال رجل من ولد العباس ليس ينبغي للقرشي ان يستغرق في شيء من العلم الا علم الاخبار فأما غير ذلك فالنتف والشذر من القول
وقال آخر

(1/208)


( وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام )
( أدرنا بها الكأس الروية بيننا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام )
( فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام )
ومر رجل من قريش بفتي من ولد عتاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه فقال أف لكم علم المؤدبين وهمة المحتاجين وقال ابن عتاب يكون الرجل نحويا عروضيا وقساما فرضيا وحسن الكتابة جيد الحساب حافظا للقرآن راوية للشعر وهو يرضى ان يعلم أولادنا بستين درهما ولو ان رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم
وقال عبد الله بن يزيد السفياني عود نفسك الصبر على جليس السوء فإنه لا يكاد يخطئك وقال سهل بن عبد العزيز من ثقل عليك بنفسه وغمك في سؤاله فألزمه أذنا صماء وعينا عمياء وقال سهيل بن ابي صالح عن أبيه كان ابو هريرة اذا استثقل رجلا قال اللهم اغفر له وأرحنا منه وقال ابن أبي أمية شهدت الرقاشي في مجلس وكان ألي بغيضا مقيتا
( فقال اقترح كل ما تشتهى ... فقلت اقترحت عليك السكوتا )
وقال ابن عباس العلم اكثر من ان يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه
وقال المدائني عن العباس بن عامر خطب محمد بن الوليد بن عتبة الى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أخته فقال الحمد لله رب العزة والكبرياء وصلى الله على محمد خاتم الانبياء اما بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على ما في كتاب الله إمساك بمعروف او تسريح باحسان
وخطب أعرابي وأعجله القول وكره ان تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد فقال الحمد لله غير ملال لذكر الله ولا إيثار غيره عليه ثم ابتدأ القول في حاجته
وسأل أعرابي ناسا فقال جعل الله حظكم في الخير ولا جعل حظ السائل منكم عذره صادقة
وكتب ابراهيم بن سيابة الى صديق له كثير المال كثير الدخل كثير

(1/209)


النض إما مستسلفا وإما سائلا فكتب اليه الرجل العيال كثير والدين ثقيل والدخل قليل والمال مكذوب عليه فكتب اليه ابراهيم ان كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وان كنت محجوجا فجعلك الله محذورا
وقال الشاعر
( لعل مفيدات الزمان يفدنني ... بني صامت في غير شيء يضيرها )
وقال أعرابي اللهم لا تنزلني ماء سوء فأكون إمرأ سوء وقال أعرابي اللهم قني عثرات الكرام وسمع مجاشع الربعي رجلا يقول الشحيح أعذر من الظالم فقال أخزى الله شيئين خيرهما الشح
وأنشدنا ابو فروة
( اني مدحتك كاذبا فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب )
وأنشد علي بن معاذ
( ثالبني عمرو وثالبته ... فأثم المثلوب والثالب )
( قلت له خيرا وقال الخنا ... كل على صاحبه كاذب )
وقال ابو معشر لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو ابن سعيد قام خطيبا فقال ان أبا ذبان قتل لطيم الشيطان كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
ولما جلس عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه علىالمنبر قال ياب أيها الناس ان الله قد فتح عليكم أفريقية وقد بعث إليكم ابن أبي سرح عبد الله بن الزبير بالفتح قم يا ابن الزبير قال فقمت وخطبت فلما نزلت قال يا أيها الناس انكحوا النساء على آبائهن وأخواتهن فاني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا
وقال الجرمي
( أعددته ذخرا لكل ملمة ... سهم المنايا بالذخائر مولع )
وذكر ابو العيزار جماعة من الخوارج بالادب والخطب
( ومسوم للموت يركب درعه ... بين القواضب والقنا الخطار )
( يدنو وترفعه الرماح كأنه ... شلو تنشب في مخالب ضار )
( فثوى صريعا والرماح تنوشه ... ان الشراة قصيرة الأعمار )

(1/210)


( ادباء إما جئتهم خطباء ... ضمناء كل كتيبة جرار )
ولما خطب سفيان بن الابرد الاصم الكلبي فبلغ في الترغيب والترهيب المبالغ ورأى عبد الله بن هلال اليشكري ان ذلك قد فت أعضاد أصحابه أنشأ يقول
( لعمري لقد قام الأصم بخطبة ... لها في صدور المسلمين غليل )
( لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول )
وقال أحد الخطباء الذين تكلموا عند الاسكندر ميتا كان أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس فأخذ ا بو العتاهية هذا المعنى بعينه فقال
( بكيتك يا علي بدر عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيا )
( طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشرا وطيا )
( كفى حزنا بدفنك ثم اني ... نفضت تراب قبرك من يديا )
( وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا )
ومن الاسجاع الحسنة قول الاعرابية لابنها حين خاصمته الى عامل الماء أما كان بطني لك وعاء أما كان حجري لك فناء أما كان ثديي لك سقاء فقال ابنها أصبحت خطيبة رضي الله تعالى عنك
وقال النمر بن تولب
( وقالت ألا فاسمع للفظي وخطبتي ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي )
( فلم تنطقي حقا ولست بأهله ... فقبحت لي من قائل وخطيب )
وقال أبو عياد كاتب ابي خالد ما جلس احد قط بين يدي إلا تمثل لي اني سأجلس بين يديه
قال الله عز و جل ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) ليس يريد بلاغة اللسان وان كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد الا بالبلاغة
وكانت خطبة قريش في الجاهلية - يعني خطبة النساء - باسمك اللهم ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف باسمك اللهم لك ما سألت ولنا ما أعطيت
ولما مات عبد الملك بن مروان صعد المنبر الوليد ابنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لم أر مثلها مصيبة ولم أر مثلها ثوابا موت امير المؤمنين والخلافة بعده إنا لله وإنا إليه راجعون فالحمد لله على المصيبة والحمد لله على النعمة انهضوا

(1/211)


فبايعوا على بركة الله رحمكم الله فقام اليه عبد الله بن همام فقال
( الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها )
( عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها )
فبايع الناس
وقيل لعمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه كيف تجدك قال أجدني أذوب ولا أثوب وأجد نجوى اكثر من رزئي فما بقاء الشيخ على ذلك
وقيل لاعرابي كانت به أمراض عدة كيف تجدك قال أما الذي يعمدني فحصر وأسر
وقال مقاتل سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط فقال يا أهل العراق يا أهل السبق والسياق ومكارم الاخلاق ان اهل الشام في أفواههم لقمة دسمة قد رتبت لها الاشداق وقاموا لها على ساق وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال فالبسوا لهم جلود النمور

(1/212)


الجزء الثاني

(1/213)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على محمد خاصة وعلى انبيائه عامة
أردنا أبقاك الله ان نبتدىء صدر هذا الجزء الثاني من البيان والتبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب اذ وصلوا ايمانهم بالمخاصر واعتمدوا على وجه الارض بأطراف القسي والعصي أشاروا عند ذلك بالقضبان والقنا وفي كل ذلك قد روينا الشاهد الصادق والمثل السائر
ولكنا أحببنا ان نصدر هذا الجزء بكلام من كلام رسول رب العالمين والسلف المتقدمين والجلة من التابعين الذين كانوا مصابيح الظلام وقادة هذا الأنام وملح الارض وحلى الدنيا والنجوم التي لا يضل معها الساري والمنار الذي اليه يرجع الباغي والحزب الذي كثر الله به القليل وأعز به الذليل وزاد الكثير في عدده والعزيز في ارتفاع قدره وهم الذين جلوا بكلامهم الابصار العليلة وشحذوا بمنطقهم الاذهان الكليلة فنبهوا القلوب من رقدتها ونقلوها من سوء عادتها وشفوها من داء القسوة وغباوة الغفلة وداووا من العي الفاضح ونهجوا الطريق الواضح ولولا الذي أملت في تقديم ذلك وتعجيله من العمل بالصواب وجزيل الثواب لقد كنت بدأت بالرد عليهم وبكشف قناع دعاويهم على أنا سنقول في ذلك بعد الفراغ مما هو أولى بنا وأوجب علينا والله الموفق والمستعان
وعلى ان خطباء السلف الطيب واهل البيان من التابعين باحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم يبتدىء صاحبها بالتحميد ويستفتح كلامه بالتمجيد البتراء ويسمون التي لم توشح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي الشوهاء
وقال عمران بن حطان خطبت عند زياد خطبة ظننت اني لم أقصر فيها

(1/215)


عن غاية ولم أدع لطاعن علة فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول هذا الفتى اخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن وخطب اعرابي فلما اعجله بعض الامر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد فقال اما بعد بغير ملال لذكر الله ولا إيثار غيره عليه فإنا نقول كذا ونسأل كذا فرارا من ان تكون خطبته بتراء او شوهاء وقال شبيب بن شيبة الحمد لله وصلى الله على رسوله أما بعد فإنا نسأل كذا ونبذل كذا
وبنا حفظك الله اشد الحاجة الى ان يسلم كتابنا هذا من البتر القبيح واللقب السميج المعيب بل قد نحب ان نزيد في بهائه ونستميل القلوب الى اجتبائه اذ كان الامل فيه بعيدا وكان معناه شريفا ثمينا
ثم اعلم بعد ذلك ان جميع خطب العرب من اهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين منها الطوال ومنها القصار ولكل ذلك مكان يليق به وموضع يحسن فيه ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة ومشاكلا في استواء الصنعة ومنها ذات الفقر الحسان والنتف الجياد وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ وانما حظها التخليد في بطون الصحف ووجدنا عدد القصار اكثر ورواة العلم الى حفظها اسرع وقد اعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار ووفينا حقه من التمييز ونرجو ان لا نكون قصرنا في ذلك والله الموفق
هذا سوى مما رسمناه في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء وجمل كلام الاعراب الخلص وأهل اللسن من رجالات قريش والعرب اهل الخطابة من اهل الحجاز ونتف من كلام النساك ومواعظ من كلام الزهاد مع قلة كلامهم وشدة توقيهم ورب قليل يغني عن الكثير كما ان رب كثير لا يتعلق به صاحب القليل بل رب كلمة تغني عن خطبة وتنوب عن رسالة بل رب كناية تربى على إفصاح ولحظ يدل على ضمير وان كان ذلك الضمير بعيد الغاية على النهاية
ومتى شاكل ابقاك الله ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه وكان لتلك الحال وفقا ولذلك القدر لفقا وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف كان قمينا بحسن الموقع وبانتفاع المستمع وأجدر ان

(1/216)


يمنع جانبه من تناول الطاعنين ويحمي عرضه من اعتراض العيابين ولا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهوله
ومتى كان اللفظ ايضا كريما في نفسه متخيرا في جنسه وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب الى النفوس واتصل بالاذهان والتحم بالعقول وهشت اليه الاسماع وارتاحت له القلوب وخف على ألسن الرواة وشاع في الآفاق ذكره وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالمم الرئيس ورياضة للمتعلم الريض
فان أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة وكان ممن يعم ولا يخص وينصح ولا يغش وكان مشغوفا بأهل الجماعة شنقا لاهل الاختلاف والفرقة جمعت له الحظوظ من اقطارها وسيقت اليه القلوب بأزمتها وجمعت النفوس المختلفة الاهواء على محبته وجبلت على تصويب ارادته ومن أعاره الله من معرفته نصيبا وأفرغ عليه من محبته ذنوبا حنت اليه المعاني وسلس له نظام اللفظ وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهم
ولم اجد في خطب السلف الطيب والاعراب الاقحاح ألفاظا مسخوطة ولا معاني مدخولة ولا طبعا رديا ولا قولا مستكرها وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن اهل الصنعة المتأدبين وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب او كان من نتاج التخير والتفكر
ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا وزمنا طويلا يردد فيها نظره ويقلب فيها رأيه إتهاما لعقله وتتبعا على نفسه فيجعل عقله ذماما على رأيه ورأيه عيارا على شعره إشفاقا على أدبه وإحرازا لما خوله الله من نعمته
وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمنقحات والمحكمات ليصير قائلها فحلا خنذيذا وشاعرا مفلقا
وفي بيوت الشعر الامثال والأوابد ومنها الشواهد ومنها الشوارد
والشعراء عندهم اربع طبقات فأولهم الفحل الخنذيذ والخنذيذ هو التام قال الاصمعي قال رؤبة هم الفحول الرواة ودون الفحل الخنذيذ الشاعر

(1/217)


المفلق ودون ذلك الشاعر فقط والرابع الشعرور ولذلك قال الاول في هجاء بعض الشعراء
( يا رابع الشعراء فيم هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق )
فجعله سكيتا مخلفا ومسبوقا مؤخرا
وسمعت بعض العلماء يقول طبقات الشعراء ثلاثة شاعر وشويعر وشعرور قال
والشويعر مثل محمد بن حمران بن ابي حمران سماه بذلك امرؤ القيس ابن حجر
ومنهم ثم من بني ضبة المفوف شاعر بني حميس وهو الشويعر ولذلك قال العبدي
( ألا تنهى سراة بني حميس ... شويعرها فويلية الأفاعي )
( قبيلة تردد حيث شاءت ... كزائدة النعامة في الكراع )
والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل من بني سعد بن ليث ويقال ان اسمه ربيعة بن عثمان وهو الذي يقول
( فسائل جعفرا وبني أبيها ... بني البرزا بطخفة والملاح )
( وأفلتنا أبا ليلى طفيلا ... صحيح الجلد من أثر السلاح )
وقد زعم ناس ان الخنذيذ من الخيل هو الخصي وكيف يكون ذلك
كذلك مع قول الشاعر
( يا ليتني يا ليت لم أر مثلها ... أمر قرى منها واكثر باكيا )
( واكثر خنذيذا بجر عنانه ... الى الماء لم يترك له الموت ساقيا )
وقال بشر بن ابي خازم
( وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي الزق علقه التجار )
وأبين من ذلك قول البرجمي
( وخناذيذ خصية وفخولا ... )
ويدل على ما قلنا قول العبسي
( دعوت بني سعد الي فشمرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد )
وكان زهير بن ابي سلمى يسمى كبار قصائده الحوليات

(1/218)


وقد فسر سويد بن كراع العكلي ما قلنا في قوله
( أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزعا )
( أكالئها حتى أعرس بعد ما ... يكون سحير او بعيد فأهجعا )
( عواصي إلا ما جعلت امامها ... عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا )
( أهبت بغر الآبدات وراجعت ... طريقا أملته القصائد مهيعا )
( بعيدة شأو لا يكاد يردها ... لها طالب حتى يكل ويظلعا )
( اذا خفت ان تردى علي رددتها ... وراء التراقي خشية ان تطلعا )
( وجشمها خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولا جريدا ومربعا )
( وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر الا ان أطيع وأسمعا )
وقال الحطيئة خير الشعر الحولي المحكك
وكان الاصمعي يقول زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر وكذلك كل من يجود في جميع شعره ويقف عند كل بيت قاله وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة
وكان يقال لولا ان الشعر كان قد استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف واصحاب الصنعة ومن يلتمس قعر الكلام واغتصاب الالفاظ لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهم المعاني سهلا ورهوا وتنثال عليهم الالفاظ انثيالا وانما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي ورؤبة ولذلك قالوا في شعره مطرف بالآف وخمار بواف وكان يخالف في جميع ذلك الرواة والشعراء
وكان ابو عبيدة يقول ويحكي ذلك عن يونس ومن تكسب بشعره والتمس به صلات الاشراف والقادة وجوائز الملوك والسادة في قصائد السماطين وبالطوال التي تنشد يوم الحفل لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما واذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود ولم ترهم مع ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد وفي صنعة طوال الخطب بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب اقتدارا عليه وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه
وكانوا مع ذلك اذا احتاجوا الى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الامور بيتوه في صدورهم وقيدوه على أنفسهم فاذا قومه الثقاف وادخل الكير

(1/219)


وقام على الخلاص أبرزوه محككا منقحا ومصفى من الادناس مهذبا
وقال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري
( فلا تكثر النجوى وأنت محارب ... تؤامر فيها كل نكس مقصر )
وكان عبد الله بن وهب الراسبي يقول إياي والرأي الفطير وكان يستعيذ بالله من الرأي الدبري
وقال سحبان وائل شر خليطيك السؤوم المحزم لان السؤوم لا يصبر وانما التفاضل في الصبر والمحزم صعب لا يعرف ما يراد به وليس الحزم الا بالتجارب ولان عقل الغريرة مسلم الى عقل التجربة ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه رأي الشيخ أحب إلي من جلد الشباب ولذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل والمهر الارن الا بعد طول الرياضة ولم تحول المعانيق هماليج الا بعد طول التخليع ولم يحلبوا الزبون الا بعد الابساس
وسنذكر من كلام رسول الله مما لم يسبقه اليه عربي ولم يشاركه فيه عجمي ولم يدع لاحد ولا ادعاه احد مما صار مستعملا ومثلا سائرا
فمن ذلك قوله يا خيل الله اركبي ومن ذلك قوله مات حتف أنفه ومن ذلك قوله لا ينتطح فيه عنزان ومن ذلك قوله الان حمي الوطيس
ولما قال عدي بن حاتم في قتل عثمان رضي الله تعالى عنه لا تحبق فيه عناق قال له معاوية بن أبي سفيان رحمهما الله - بعد ان فقئت عينه وقتل ابنه - يا أبا طريف هل حبقت في قتل عثمان عناق قال إي والله والتيس الاضجم فلم يصر كلامه مثلا وصار كلام رسول الله مثلا
ومن ذلك قوله لأبي سفيان بن حرب كل الصيد في جوف الفرا ومن ذلك قوله هدنة على دخن وجماعة على أقذاء ومن ذلك قوله لا يلسع المؤمن من جحر مرتين
ألا ترى ان الحارث بن خدان حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب قال يا أيها الناس اتقوا الفتنة فانها تقبل بشبهة وتدبر ببيان وان المؤمن لا يلسع من جحر مرتين فضرب بكلام رسول الله المثل ثم قال اتقوا عصبا تأتيكم من الشام كأنها دلاء قد انقطع وذمها

(1/220)


وقال ابن الاشعث لاصحابه وهو على المنبر قد علمنا ان كنا نعلم وفهمنا ان نفهم ان المؤمن لا يلسع من جحر مرتين وقد والله لسعت بكم من جحر ثلاث مرات وانا استغفر الله من كل ما خالف الايمان وأعتصم به من كل ما قرب من الكفر
وأنا اذكر بعد هذا فنا آخر من كلامه وهو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف وكان كما قال الله تبارك وتعالى قل يا محمد ( وما أنا من المتكلفين ) فكيف وقد عاب التشديق وجانب اصحاب التقعير واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي فلم ينطق الا عن ميراث حكمة ولم يتكلم الا بكلام قد حف بالعصمة وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق
وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة بين حسن الافهام وقلة عدد الكلام ومع استغنائه عن اعادته وقلة حاجة السامع الى معاودته لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ولا يلتمس اسكات الخصم الا بما يعرفه الخصم ولا يحتج الا بالصدق ولا يطلب الفلج الا بالحق ولا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المواربة ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطىء ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا اصدق لفظا ولا أعدل وزنا ولا اجمل مذهبا ولا اكرم مطلبا ولا احسن موقعا ولا اسهل مخرجا ولا افصح عن معناه ولا أبين في فحواه من كلامه كثيرا ولم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط بل كذلك يرون المتظرف والمتكلف للغناء ولا يكادون يضعون اسم المتكلف الا في المواضع التي يذمونها قال قيس بن خطيم
( فما المال والأخلاق الا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزود )
( واني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتد )
وقال ابن قميئة

(1/221)


( وحمال أثقال اذا هي أعرضت ... عن الاصل لا يسطيعها المتكلف )
وقال محمد بن سلام قال يونس بن حبيب ما جاءنا عن احد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله
وقد جمعنا في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الاخبار ولعل بعض من لم يتسع في العلم ولم يعرف مقادير الكلام يظن ان تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده ولا يبلغه قدره كلا والذي حرم التزيد على العلماء وقبح التكلف عند الحكماء وبهرج الكذابين عند الفقهاء لا يظن هذا الا من ضل سعيه
فمن كلام رسول الله حين ذكر الانصار فقال ( أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) وقال ( الناس كلهم سواء كأسنان المشط ) ( والمرء كثير بأخيه ) ( ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه )
وقال الشاعر
( سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشيء فضلا )
وقال آخر
( شبابهم وشيبهم سواء ... فهم في اللون أسنان الحمار )
واذا حصلت تشبيه الشاعر وحقيقته وتشبيه النبي وحقيقته علمت فضل ما بين الكلامين
وقال رسول الله ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ) ح
فتفهم رحمك الله قلة حروفه وكثرة معانيه
وقال ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ح ( وابدأ بمن تعول ) ح وقال ل ( ا تجن يمينك على شمالك ) ح وذكر الخيل فقال ( بطونها كنز وظهورها حرز ) ح وقال ( خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة ) ح وقال ( خير المال عين ساهرة لعين نائمة ) ح وقال نعمت العمة لكم النخلة تغرس في أرض خوارة وتشرب من عين خرارة ح وقال المطعمات في المحل الراسخات في الوحل ح وقال الحمى في أصول النخل وذكر الخيل فقال أعوافها أدفاؤها

(1/222)


وأذنابها مذابها والخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة ح وقال ليس منا من حلق او صلق او شق ح وقال نهيتكم عن عقوق الامهات ووأد البنات ومنع وهات وقال الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة وقال ما أملق تاجر صدوق وجاء في الحديث ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وقال يحمل هذا العلم من كل خلف عدد له ينفون عنه تحريق الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال رسول الله الخير في السيف والخير مع السيف والخير بالسيف وقال لا يوردن مجرب على مصح وقال لا تزال أمتي صالحا أمرها ما لم تر الامانة مغنما والصدقة مغرما ورأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس ولن يهلك امرؤ بعد مشورة وقال المستشار مؤتمن وقال المستشار بالخيار ان شاء قال وان شاء أمسك وقال رحم الله عبدا قال خيرا فغنم او سكت فسلم وقال افصلوا بين حديثكم بالاستغفار وقال استعينوا على طول المشي بالسعي وقال للختانة يا أم عطية أشميه ولا تنهكيه فانه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج وقال لا تجلسوا على ظهور الطريق فان أبيتم فغضوا الابصار وردوا السلام واهدوا الضال وأعينوا الضعيف وقال ان الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبله جميعا ولا تتفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله أمركم ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وقال يقول ابن آدم مالي وانما لك من مالك ما أكلت فأفنيت او لبست فأبليت او وهبت فأمضيت وقال لو ان لابن ادم واديين من ذهب لسأل اليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن ادم الا التراب ويتوب الله على من تاب وقال ان الدنيا حلوة خضرة وان الله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون وقال ان أحبكم الي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم اخلاقا الموطؤن اكنافا الذين يألفون ويؤلفون وان أبغضكم الي وابعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون وقال إياي والتشادق وقال إياي والفرج في الصلاة وقال لا يؤمن ذو

(1/223)


سلطان في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه وقال إياكم والمشارة فانها تميت الغرة وتحيي العرة وقال لا ينبغي لصديق ان يكون لعانا وقال أعوذ بالله من الاعميين وبوار الأيم وكان يقول أعوذ بالله من دعاء لا يسمع وقلب لا يخشع وعلم لا ينفع ح
وقال رجل يا رسول الله اوصني بشيء ينفعني الله به قال اكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا وعليك بالشكر فان الشكر يزيد في النعمة واكثر الدعاء فانك لا تدري متى يستجاب لك وقال أيها الناس انما بغيكم على انفسكم وإياك والبغي فان الله قد قضى انه من بغي عليه لينصرنه الله وإياك والمكر فان الله قد قضى ان لا يحيق المكر السيء الا بأهله وقيل يا رسول الله اي العمل افضل فقال اجتناب المحارم ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله وقيل له اي الاصحاب افضل فقال الذي اذا ذكرت أعانك واذا نسيت ذكرك وقيل اي الناس شر قال العلماء اذا فسدوا وقال دب اليكم داء الامم من قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنون حتى تحاربوا اولا انبئكم بأمر اذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وقال تهادوا تحابوا وعن الحسن قال قال رسول الله أوصاني ربي بتسع أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية وبالعدل في الرضا والغضب وبالقصد في الغنى والفقر وان أعفو عمن ظلمني وأعطي من حرمني وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا ونطقي ذكرا ونظري عبرا
وثلاث كلمات رويت مرسلة وقد رويت لأقوام شتى وقد يجوز ان يكون انما حكوها ولم يبتدئوها منها قوله لو تكاشفتم لما تدافنتم ومنها قوله الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ومنها قوله ما هلك امرؤ عرف قدره
وقال اسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار قال قال النبي ان الله كره لكم العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك عند المقابر وقال اذا أذنت فترسل واذا أقمت فأجزم

(1/224)


وحدثنا اسماعيل بن عياش الحمصي عن الحسن بن دينار عن الحصيب بن جحدر وهو من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ليس من اخلاق المؤمن الملق الا في طلب العلم ومن حديث أنس بن مالك ان النبي قال قيدوا العلم بالكتاب قال ويقول الله لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع لصببت عليكم العذاب صبا
ومن حديث عبد الله بن المبارك رفعه قال اذا ساد القبيل فاسقهم وكان زعيم القوم ارذلهم وأكرم الرجل اتقاء شره فلينتظروا البلاء
ومن حديث ابن أبي ذئب عن المغيرة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ستحرصون على الامارة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة
ومن حديث عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن ابي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان
ومن حديث عبد الله بن المبارك قال كان رسول الله يقول ان قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا له ما تصنع فقال هو مكاني أصنع فيه ما شئت فان احذوا على يديه نجا ونجوا وان تركوه هلك وهلكوا وقال علق سوطك حيث يراه أهلك
ودخل السائب بن أبي صيفي على النبي فقال يا رسول الله اتعرفني قال وكيف لا اعرف شريكي الذي كان يشاريني ولا يماريني
وقال رسول الله يؤتى بالوالي يجلد فوق ما أمر الله به فيقول له الرب عبدي لم جلدت فوق ما امرتك به فيقول ربي غضبت لغضبك فيقول اكان ينبغي لغضبك ان يكون أشد من غضبي ثم يؤتى بالمقصر فيقول عبدي لم قصرت عما امرتك به فيقول ربي رحمته فيقول اكان ينبغي لرحمتك ان تكون اوسع من رحمتي قال فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لا أعرفه الا انه صيرهما الى النار
قال وكيع حدثنا عبد العزيز بن عمر عن قزعة قال قال لي ابن عمر أودعك كما ودعني رسول الله أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وقال كل ارض بسمائها

(1/225)


وروى سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عن اشياخه ان النبي كتب لوائل بن حجر الحضرمي ولقومه
من محمد رسول الله الى الاقيال العباهلة من اهل حضرموت باقام الصلاة وإيتاء الزكاة على التيعة شاة والتيمة لصاحبها وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار فمن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام
ومن حديث راشد بن سعد ان رسول الله قال لا تغالوا في النساء فانما هن سقيا الله وقال رسول الله خير نساء ركبن الابل صوالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل في ذوات يده
وقال مجالد عن الشعبي قال رسول الله اللهم اذهب ملك غسان وضع مهور كندة
والذي يدلك على ان الله قد خصه من الايجاز وقلة عدد اللفظ مع كثرة المعاني قوله نصرت بالصبا واعطيت جوامع الكلم ومما روي عنه من استعمال الاخلاق الكريمة والافعال الشريفة وكثرة الامر بها والنهي عما خالف عنها قوله من لم يقبل عذرا من متنصل صادقا كان او كاذبا لم يرد علي الحوض ح وقال في اخر وصيته اتقوا الله في الضعيفين وكلمته جارية في السي فقال لها من أنت قالت أنا بنت الرجل الجواد حاتم فقال النبي ارحموا عزيزا ذل إرحموا غنيا افتقر ارحموا عالما ضاع بين جهال وقال النبي سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن
وعن ابي هريرة قال قال رسول الله إن الاحاديث ستكثر عني بعدي كما كثرت عن الانبياء من قبلي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عني قلته او لم أقله
وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق النبيي فقالت خلق القرآن وتلت قول الله ( وانك لعلى خلق عظيم )
وقال محمد بن علي أدب الله محمدا بأحسن الاداب فقال ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) فلما وعى قال ( ما أتاكم الرسول

(1/226)


فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله )
قال حدثنا علي بن مجاهد قال حدثنا هشام بن عروة قال سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا ينشد
( متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد )
فقال عمر ذاك رسول الله وقد كان الناس يستحسنون قول الاعشى
( تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق )
فلما قال الحطيئة البيت الذي كتبناه قبل هذا سقط بيت الاعشى
وقال رسول الله لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بريء حتى يكون اعظم جرما من السارق
وقال ابو الحسن أجرى الخيل وسابق بينها فجاء فرس له أدهم سابقا فجثا رسول الله على ركبتيه وقال ماهو إلا البحر ح
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كذب الحطيئة حيث يقول
( وان جياد الخيل لا تستفزنا ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم )
وقد زعم ناس من العلماء انه لم يستفزه سبق فرسه ولكنه اراد إظهار حب الخيل وتعظيم شأنها
وكان رسول الله يأكل على الارض ويجلس على الارض ويلبس العباء ويجالس المساكين ويمشي في الاسواق ويتوسد يده الشريفة ويقص من نفسه ويلطع أصابعه ولا يأكل متكئا ولم يرقط ضاحكا ملء فيه وكان يقول انما انا عبد اكل كما يأكل العبد واشرب كما يشرب العبد ولو دعيت الى ذراع لأجبت ولو أهدى الي كراع لقبلت لم يأكل قط وحده ولا ضرب عبده ولا ضرب احدا بيده الا في سبيل ربه ولو لم يكن من كرم عفوه ورجاحة حلمه الا ما كان منه يوم فتح مكة لقد كان ذلك من أكمل الكمال وذلك انه حين دخل مكة عنوة وقد قتلوا أعمامه وبني أعمامه وأولياءه وقادة انصاره بعد ان حصروه في الشعاب وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب وجرحوه في بدنه واذوه في نفسه وسفهوا عليه وأجمعوا على كيده فلما دخلها بغير حمدهم وظهر عليهم على ضغن منهم قام فيهم

(1/227)


خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
وانما نقول في كل باب بالجملة من ذلك المذهب واذا عرفتم أول كل باب كنتم خلقاء ان تعرفوا الاواخر بالاوائل والمصادر بالموارد
خطبة الوداع
ومن خطبه خطبة حجة الوداع وهي
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير
اما بعد ايها الناس اسمعوا مني أبين لكم فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا
أيها الناس ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم الى ان تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها وان ربا الجاهلية موضوع وان أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب وان دماء الجاهلية موضوعة وان أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وان ماثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من اهل الجاهلية
ايها الناس ان الشيطان قد يئس ان يعبد في ارضكم هذه ولكنه قد رضي ان يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من اعمالكم
ايها الناس ( انما النسي زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ) وان الزمان قد استدار كهيئته

(1/228)


يوم خلق الله السموات والارض و ( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ) ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
ايها الناس ان لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق لكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن احدا تكرهونه بيوتكم إلا باذنكم ولا يأتين بفاحشة فان فعلن فان الله قد أذن لكم ان تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فان انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وانما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
ايها الناس انما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرىء مال اخيه الا عن طيب نفس منه
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فاني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله
ألا هل بلغت اللهم فاشهد
ايها الناس ربكم واحد وان أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى
ألا هل بلغت اللهم فاشهد قالوا نعم قال فليبلغ الشاهد الغائب
ايها الناس ان الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية ولا يجوز وصية في اكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادعى الى غير ابيه او تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل والسلام عليكم ورحمة الله
وعن الحسن قال جاء قيس بن عاصم المنقري الى رسول الله فلما

(1/229)


نظر اليه قال هذا سيد اهل الوبر فقال يا رسول الله خبرني عن المال الذي لا تكون علي فيه تبعة من ضيف ضافني او عيال ان كثروا علي قال نعم المال الاربعون والاكثر الستون وويل لأصحاب المئين الا من اعطى في رسلها ونجدتها واطرق فحلها وافقر ظهرها ونحر سمينها واطعم القانع والمعتر قال يا رسول الله ما اكرم هذه الاخلاق واحسنها وما يحل بالوادي الذي اكون فيه اكثر من إبلي قال فكيف تصنع بالطروقة قال تغدو الابل ويغدو الناس فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به قال فكيف تصنع بالافقار قال اني لأفقر البكر الضرع والناب المسنة قال فكيف تصنع بالمنيحة قال اني لأمنح في كل ستة مائة قال فأي المال أحب أليك أمالك ام مال مواليك قال بل مالي قال فمالك من مالك الا ما أكلت فأفنيت او لبست فأبليت او اعطيت فأمضيت وما سوى ذلك للمواريث
وذكر ابو المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال دخلت على عمر بن عبد العزيز رحمه الله في مرضه الذي مات فيه فجعلت احد النظر اليه فقال لي يا ابن كعب مالك تحد النظر الي قلت لما نحل من جسمك وتغير من لونك قال فكيف لو رأيتني بعد ثلاثة في قبري وقد سالت حدقتاي على وجنتي وابتدر فمي وأنفي صديدا ودودا كنت لي أشد نكرة أعد علي حديثا كنت حدثتنيه عن ابن عباس قلت سمعت ابن عباس يقول كان رسول الله يقول ان لكل شيء شرفا وان أشرف المجالس ما استقبل به القبلة ومن أحب ان يكون أعز الناس فليتق الله ومن أحب ان يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن أحب ان يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ثم قال ألا أنبئكم بشرار الناس قالوا بلى يا رسول الله قال من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ثم قال ألا أنبئكم بشر من ذلك قالوا بلى يا رسول الله قال من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ثم قال ألا أنبئكم بشر من ذلك قالوا بلى يا رسول الله قال من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ثم قال ألا أنبئكم بشر من ذلك قالوا بلى يا رسول الله قال من يبغض الناس ويبغضونه ان عيسى بن مريم قام خطيبا في بني اسرائيل فقال يا بني اسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها

(1/230)


ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم يا بني اسرائيل الامور ثلاثة امر تبين رشده فاتبعوه وامر تبين غيه فاجتنبوه وامر اختلف فيه فالى الله ردوه
وقال النبي كل قوم على زينة من أمرهم ومفلحة من أنفسهم يزرون على من سواهم ويتبين الحق من ذلك بالمقايسة بالعدل عند ذوي الالباب من الناس وقال من رضي رقيقه فليمسكه ومن لم يرض فليبعه ولا تعذبوا عباد الله وقال في آخر ما أوصى به اتقوا الله في الضعيفين
ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يحامر عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح قسطنطينية وفتح قسطنطينية خروج الدجال ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه او منكبه ثم قال ان هذا لحق كما انك هاهنا او كما انك قاعد يعني معاذا
صالح المري عن الحسن قال قال رسول الله حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا البلاء بالدعاء
كثير بن هشام عن عيسى بن ابراهيم عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله الجمعه حج المساكن ح
عوف عن الحسن قال ان النبي قال اتقوا الله في النساء فانهن عندكم عوان وانما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ح
الواقدي عن موسى بن محمد بن ابراهيم التيمي عن ابيه قال قال رسول الله ان الله يحب الجواد من خلقه ح
أبو عبد الرحمن الاشجعي عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن ابي هريرة قال قال رسول الله ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله ويقال حدث نفسه بقتله
أبوعاصم النبيل قال حدثنا عبيد الله بن ابي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت قال النبي من ذب عن لحم اخيه بظهر الغيب كان حقا على الله ان يحرم لحمه على النار
اسماعيل بن عياش عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن

(1/231)


رجل عن معاذ بن جبل عن النبي قال ليس من أخلاق المؤمن الملق ألا في طلب العلم
عبد ربه بن أعين عن عبد الله بن ثمامة بن أنس عن ابيه قال قال رسول الله قيدوا العلم بالكتاب وقال فضل جاهك تعود به على أخيك الذي لا جاه له صدقة منك عليه وفضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة منك عليه وفضل قوتك تعود بها على اخيك الذي لا قوة له صدقة منك عليه وفضل علمك تعود به على اخيك الذي لا علم له صدقة منك عليه وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله
وإنما مدار الامر والغاية التي يجري اليها الفهم ثم الافهام والطلب ثم التثبت
وقال عمرو بن العاص ثلاثة لا أملهم جليسي ما فهم عني ودابتي ما حملت رحلي وثوبي ما ستر عورتي
وذكر الشعبي ناسا فقال ما رأيت مثلهم أشد تنابذا في مجلس ولا أحسن تفهما عن محدث
ووصف سهل بن هرون رجلا فقال لم أر أحسن منه فهما لجليل ولا أحسن تفهما لدقيق
وقال سعيد بن سلم لأمير المؤمنين المأمون لو لم أشكر الله الا على حسن ما بلاني في أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه واشارته إلي بطرفه لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة وتوجيه الحرية قال المأمون لان أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام اذا حدثت وحسن الفهم اذا حدثت ما لم يجده عند احد فيمن مضى ولا يظن انه يجده فيمن بقى وقال له مرة والله انك لتستقفي حديثي وتقف عند مقاطع كلامي وتخبر عنه بما كنت قد أغفلته
قال ابو الحسن قالت امرأة لزوجها مالك اذا خرجت الى أصحابك تطلقت وتحدثت واذا كنت عندي تعقدت وأطرقت قال لأني اجل عن دقيقك وتدقين عن جليلي
وقال ابو مسهر بن المبارك ما حدثت رجلا قط الا أعجبني حسن إصغائه

(1/232)


حفظ عني أم ضيع
وقال ابو عقيل بن درست نشاط القائل على قدر فهم المستمع
وقال ابو عباد كاتب ابن ابي خالد للقائل على المستمع ثلاث جمع البال والكتمان وبسط العذر وقال ابو عباد اذا أنكر القائل عيني المستمع فليستفهمه عن منتهى حديثه وعن السبب الذي أجرى ذلك القول له فان وجده قد اخلص له الاستماع أتم له الحديث وان كان لاهيا عنه حرمه حسن الحديث ونفع المؤانسة وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث
وأبو عباد هذا هو الذي قال ما جلس بين يدي رجل قط إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه
وذكر رجل من القرشيين عبد الملك بن مروان - وعبد الملك يومئذ غلام - فقال انه لاخذ بأربع وتارك لأربع اخذ بأحسن الحديث اذا حدث وبأحسن الاستماع اذا حدث وبأيسر المؤنة اذا خولف وبأحسن البشر اذا لقى وتارك لمحادثة اللئيم ومنازعة اللجوج وممارات السفيه ومصاحبة المأفون
وذم بعض الحكماء رجلا فقال يجزم قبل ان يعلم ويغضب قبل ان يفهم وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في بعض رسائله الى قضاته الفهم الفهم ما يختلج في صدرك
ولا يمكن تمام الفهم إلا مع تمام فراغ البال
وقال مجنون بني عامر
( أتاني هواها قبل ان أعرف الهوى ... فصادف قلبي فارغا فتمكنا )
وكتب مالك بن اسماء بن خارجة الى اخيه عيينة بن اسماء
( أعيين هلا إذ شغفت بها ... كنت استعنت بفارغ العقل )
( أقبلت ترجو الغوث من قبلي ... والمستغاث اليه في شغل )
وقال صالح المري سوء الاستماع نفاق وقد لا يفهم المستمع إلا بالتفهم وقد يتفهم أيضا من لا يفهم
وقال الحارث بن حلزة
( لست فيها ا لركب أحدس في ... كل الامور وكنت ذا حدس )

(1/233)


وقال النابغة الجعدي
( أبالي البلاء وأني امرؤ ... اذا ما تبينت لم أرتب )
وقال آخر
( تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما )
والمثل السائر على وجه الدهر قولهم العلم بالتعلم واذا كانت البهيمة اذا أحست بشيء من اسباب القاص أحدث نظرها واستفرغت قواها في الاسترواح وجمعت بالها للتسمع كان الانسان العاقل أولى بالتثبت وأحق بالتعرف
ولما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز لاحق بن حميد ببعض الامر قال له ابو مجلز أيها الامير تثبت فإن التثبت نصف العفو
وقال الاحنف تعلمت الحلم من قيس بن عاصم وقال فيروز بن حصين كنت اختلف الى دار الاستخراج أتعلم الصبر
وقال سهل بن هرون بلاغة الانسان رفق والعي خرق وكان كثيرا ما ينشد قول شتيم بن خويلد
( ولا يشعبون الصدع بعد تفاقم ... وفي رفق أيديكم لذي الصدع شاعب )
خطبة لابي بكر الصديق
وقال إبراهيم الانصاري وهو إبراهيم بن محمد المفلوج من ولد أبي زيد القاري الخلفاء والأئمة وامراء المؤمنين ملوك وليس كل ملك يكون خليفة وإماما قال ولذلك فصل بينهم ابو بكر رضي الله تعالى عنه في خطبته فانه لما فرغ من الحمد والصلاة على النبي قال
ان اشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك فرفع الناس رؤوسهم فقال ما لكم ايها الناس انكم لطاعنون عجلون ان من الملوك من اذا ملك زهده الله فيما عنده ورغبه فيما في يدي غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة الباء لا يستعمل العبرة ولا يسكن الى الثقة فهو كالدرهم القسي والسراب الخادع جذل الظاهر حزين الباطن فاذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحى ظله حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه ألا ان الفقراء هم المرحومون وخير الملوك من آمن بالله وحكم بكتابه وسنة نبيه وانكم

(1/234)


اليوم على خلافة النبوة ومفرق المحجة وسترون بعدي ملكا عضوضا وملكا عنودا وأمة شعاعا ودما مفاحا فان كانت للباطل نزوة ولاهل الحق جولة يعفو بها الأثر ويموت لها البشر فالزموا المساجد واستشيروا القرآن والزموا الطاعة ولا تفارقوا الجماعة وليكن الابرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر اي بلادكم خرسة ان الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها
وصية أبي بكر الصديق لعمر الفاروق
إني مستخلفك من بعدي وموصيك بتقوىالله ان لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار وعملا بالنهار لا يقبله بالليل وانه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فانما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق ان يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل ان يكون خفيفا ان الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فاذا ذكرتهم قلت اني اخاف ان لا أكون من هؤلاء وذكر اهل النار فذكرهم بأسوإ اعمالهم ولم يذكر حسناتهم فاذا ذكرتهم قلت اني لأرجو ان لا أكون من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا ولا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بيده الى التهلكة فاذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب احب اليك من الموت وهو آتيك وان ضيعت وصيتي فلا يكن غائب ابغض اليك من الموت ولست بمعجز الله
وصية عمر للخليفة من بعده
وأوصى عمر رضي الله تعالى عنه الخليفة من بعده فقال
أوصيك بتقوى الله لا شريك له وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا ان تعرف لهم سابقتهم وأوصيك بالأنصار خيرا فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم وأوصيك بأهل الامصار خيرا فانهم ردء العدو وجباة الفيء لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم وأوصيك بأهل البادية خيرا فانهم اصل العرب ومادة الاسلام ان تأخذ من حواشي اموال اغنيائهم فترد على فقرائهم وأوصيك بأهل

(1/235)


الذمة خيرا ان تقاتل من ورائهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم اذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا او عن يد وهم صاغرون وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه ومخافة مقته ان يطلع منك على ريبة وأوصيك ان تخشى الله في الناس وتخشى الناس في الله وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم فان ذلك باذن الله سلامة لقلبك وحط لوزرك وخير في عاقبة أمرك حتى تفضي من ذلك الى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين قلبك وامرك ان تشتد في أمر الله وفي حدوده ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم ثم لا تأخذك في احد رأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرم الله واجعل الناس عندك سواء لا تبالي على من وجب الحق ثم لا تأخذك في الله لومة لائم واياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله مما أفاء الله على المؤمنين فتجور وتظلم وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك وقد اصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة فان اقترفت لدنياك عدلا وعفة عما بسط الله لك اقترفت به إيمانا ورضوانا وان غليك لهوى اقترفت به سخط الله وأوصيك ان لا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم اهل الذمة
وقد أوصيتك وحضضتك ونصحتك فابتغ بذلك وجه الله والدار الاخرة واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي فان عملت بالذي وعظتك وانتهيت الى الذي أمرتك أخذت به نصيبا وافرا وحظا وافيا وان لم تقبل ذلك ولم يهمك ولم تنزل معاظم الامور عند الذي يرضي الله به عنك يكن ذلك بك انتقاصا ورأيك فيه مدخولا لان الاهواء مشتركة ورأس كل خطيئة ابليس وهو داع الىكل هلكة وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار ولبئس الثمن ان يكون حظ امرىء موالاة عدو الله الداعي الى معاصيه ثم اركب الحق وخض اليه الغمرات وكن واعظا لنفسك انشدك الله لما ترحمت علىجماعة المسلمين فأجللت كبيرهم ورحمت صغيرهم ووقرت عالمهم ولا تضربهم فيذلوا ولا تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم ولا تجمرهم في البعوث فتقطع نسلهم ولا تجعل المال دولة بين الاغنياء منهم ولا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم هذه وصيتي اياك وأشهد الله عليك وأقرأ عليك السلام

(1/236)


رسالة عمر الى ابي موسى الاشعري في القضاء
رواها ابن عيينة وابو بكر الهذلي ومسلمة بن محارب رووها عن قتادة ورواها ابو يوسف يعقوب بن إبراهيم عن عبيد الله بن حميد الهذلي عن أبي المليح بن اسامة ان ابن الخطاب رضي الله عالى عنه كتب الى ابي موسى الاشعري
بسم الله الرحمن الرحيم
اما بعد فان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم اذا أدلي اليك فانه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف من جورك والبينة على من ادعى واليمين على من انكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا او أحل حراما ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك ان ترجع عنه فان الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم عندما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا سنة النبي إعرف الامثال والاشباه وقس الامور عند ذلك ثم إعمد الى أحبها الى الله وأشبهها بالحق فيما ترى واجعل للمدعي حقا غائبا او بينة أمدا ينتهي اليه فان احضر بينته أخذت له بحقه وإلا وجهت عليه القضاء فان ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وأبلغ في العذر المسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد او مجربا عليه شهادة زور او ظنينا في ولاء او قرابة فان الله قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالشبهات ثم إياك والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الاجر ويحسن بها الذخر فانه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين للناس بمايعلم الله خلافة منه هتك الله سترة وأبدى فعله والسلام عليك
خطبة لعلي بن أبي طالب
وقال ابو عبيدة معمر بن المثنى اول خطبة خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال

(1/237)


أما بعد فلا يرعين مرع الا على نفسه فان من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة واثنان ملك طار بجناحيه ونبي أخذه الله بيده ولاسادس هلك من ادعى وردى من اقتحم فان اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة ان الله داوى هذه الامة بدوائين السوط والسيف فلا هوادة عند الامام فيهما استتروا ببيوتكم واصطلحوا فيما بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين أما إني لوأشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان ونام الثالث كالغراب همته بطنه يا ويحه لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له انظروا ان انكرتم فانكروا وان عرفتمم بارزوا حق وباطل ولكل أهل ولئن كثر أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل ما أدبر شيء فأقبل ولئن رجعت عليكم اموركم انكم لسعداء وإني لأخشى ان تكونوا في فترة وما علينا الا الاجتهاد
قال ابو عبيدة وروى فيها جعفر بن محمد
ان أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلمهم كبارا ألا وإنا من اهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا وان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وان لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا معنا راية الحق من تبعنا لحق ومن تأخر عنا غرق ألا وإن بنا ترد دبرة كل مؤمن وبنا تخلع ربقة الذل من اعناقكم وبنا فتح وبنا ختم لا بكم
خطبة أخرى له
ومن خطب علي أيضا رضي الله تعالى عنه قالوا أغار سفيان بن عوف الازدي ثم الغامدي على الانبار زمان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعليها ابن حسان او حسان البكري فقتله وأزال تلك الخيل عن مسالحها فخرج علي حتى جلس على باب السدة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال
اما بعد فان الجهاد باب من ابواب الجنة فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلة وشمله البلاء وألزمه الصغار وسيم الخسف ومنع النصف ألا

(1/238)


وإني قد دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا سرا وإعلانا وقلت لكم أغزوهم قبل ان يغزوكم فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم الا ذلوا فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات هذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار وقتل حسان - او ابن حسان - البكري وأزال خيلكم عن مسالحها وقتل منكم رجالا صالحين وقد بلغني ان الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة فينتزع أحجالها وقلبها ورعثها ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم كلما فلو ان أمرا مسلما مات من بعدها أسفا ما كان عندي ملوما بل كان عندي به جديرا فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم وفشلكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى وفبئا ينهب يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون ويعصى الله وترضون فاذا أمرتكم بالسير اليهم في الحر قلتم حمارة القيظ أمهلنا حتى ينسلخ عنا ا لحر واذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم أمهلنا حتى ينسلخ عنا القر كل هذا فرارا من الحر والقر فاذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر يا أشباه الرجال ولا رجال ويا أحلام الاطفال وعقول ربات الحجال وددت ان الله قد أخرجني من بين ظهر انيكم وقبضني الى رحمته من بينكم والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما وورثت صدري غيظا وجرعتموني الموت أنفاسا وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش ان ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب لله أبوهم وهل منهم احد اشد لها مراسا وأطول لها تجربة مني لقد مارستها وما بلغت العشرين وقد نيفت فيها على الستين ولكنه لا رأي لمن لا يطاع
قال فقام رجل من الازد يقال له فلان بن عفيف ثم أخذ بيد أخ له فقال يا أمير المؤمنين أنا وأخي كما قال الله ( رب إني لا املك الا نفسي وأخي ) فمرنا بأمرك فوالله لنضربن دونك وان حال دونك جمر الغضا وشوك القتاد قال فاثنى عليهما وقال لهما خيرا قال اين تقعان مما أريد ثم نزل
خطبة اخرى له
وخطبة اخرى بهذا الاسناد في شبيه بهذا المعنى قام فيهم خطيبا فقال

(1/239)


ايها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم كلامكم يوهي الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوكم تقولون في المجالس كيت وكيت فاذا جاء القتال قلتم حيدي حياد ما عزت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم أعاليل بأضاليل وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول هيهات لا يمنع الضيم الذليل ولا يدرك الحق الا بالجد اي دار بعد داركم تمنعون أم مع أي امام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه ومن فاز بكم فاز بالسهم الاخيب أصبحت والله لا أصدق قولكم ولا اطمع في نصرتكم فرق الله بيني وبينكم واعقبني بكم من هو خير لي منكم لوددت ان لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم صرف الدينار بالدرهم
خطبة أخرى له
وخطب أيضا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال
اما بعد فان الدنيا قد ادبرت و آذنت بوداع وان الآخرة قد اقبلت وأشرفت باطلاع وان المضمار اليوم والسباق غدا الا وانكم في أيام امل من ورائه اجل فمن اخلص في ايام امله قبل حضور اجله فقد نفعه عمله ولم يضره أمله ومن قصر في ايام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها ألا وانه من لم ينفعه الحق يضره الباطل ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال الى الردى ألا وانكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد وان اخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل
خطبة عبد الله بن مسعود
أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم عليه السلام واحسن السنن سنة محمد وشر الامور محدثاتها وخير الأمور عزائمها ما قل وكفى خير مما كثر وألهى نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها خير الغني غني النفس خير ما ألقي في القلب اليقين الخمر جماع الآثام النساء حبالة الشيطان الشباب شعبة من الجنون حب الكفاية مفتاح المعجزة من الناس من لا يأتي الجماعة الا دبرا ولا يذكر الله الا هجرا

(1/240)


اعظم الخطايا اللسان الكذوب سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر واكل لحمه معصية من يتألى على الله يكذبه ومن يستغفر يغفر له مكتوب في ديوان المحسنين من عفا عفي عنه الشقي من شقي في بطن أمه السعيد من وعظ بغيره الأمور بعواقبها ملاك العمل خواتيمه احسن الهدى هدى الانبياء أقبح الضلالة الضلالة بعد الهدى أشرف الموت الشهادة من يعرف البلاء يصبر عليه من لا يعرف البلاء ينكره
خطبة عتبة بن غزوان السلمي بعد فتح الأبلة
حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال
أما بعد فان الدنيا قد تولت حذاء مدبرة وقد آذنت اهلها بصرم وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها ألا وانكم مفارقوها لا محالة ففارقوها بأحسن ما يحضركم الا وان من العجب اني سمعت رسول الله يقول ان الحجر الضخم يلقى في النار من شفيرها فيهوي فيها سبعين خريفا ولجهنم سبعة أبواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة ولتأتين عليه ساعة وهو كظيظ بالزحام ولقد كنت مع رسول الله سابع سبعة ما لنا طعام الا ورق البشام حتى قرحت اشداقنا فوجدت انا وسعد بن مالك تمرة فشققتها بيني ونبينه بنصفين والتقطت بردة فشققتها بيني وبينه فأتزرت بنصفها وما منا احد اليوم الا وهو أمير على مصر من الامصار وانه لم يكن نبوة قط الا تناسختها جبرية وانا اعوذ بالله ان اكون في نفسي عظيما وفي اعين الناس صغيرا وستجربون الأمراء من بعدي فتعرفون وتنكرون
خطبة لمعاوية بن أبي سفيان
رواها شعيب بن صفوان وزاد فيها اليقطري وغيره قالوا لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له من بالباب قال نفر من قريش يتباشرون بموتك فقال ويحك ولم قال لا أدري قال فوالله ما لهم بعدي الا الذي يسوؤهم وأذن للناس فدخلوا فحمد الله وأثنى عليه وأوجز ثم قال
ايها الناس انا قد اصبحنا في دهر عنقود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئا ويزداد فيه الظالم عتوا لا ننتفع بما علمناه ولا نسأل عما جهلناه

(1/241)


ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا فالناس على أربعة اصناف منهم من لا يمنعه من الفساد الا مهانة نفسه وكلال حده ونضيض وفره ومنهم المصلت لسيفه المجلب بخيله ورجله والمعلن بشره قد أشرط نفسه واوبق دينه لحطام ينتهزه او منقب يقوده او منبر يقرعه ولبئس المتجران تراهما لنفسك ثمنا ولما لك عند الله عوضا ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا فقد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف نفسه للأمانة واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه فقصرت الحال عن أمله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس الزهاد وليس من ذلك في مراح ولا مغدى وبقي رجال غض ابصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد نافر وخائف منقمع وساكت مكعوم وداع مخلص وموجع ثكلان قد اخملتهم التقية وشملتهم الذلة فهم بحر أجاج أفواههم ضامرة وقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ذلوا وقتلوا حتى قلوا فلتكن الدنيا في إعينكم اصغر من حثالة القرظة وقراضة الجلمين واتعظوا بمن كان قبلكم قبل ان يتعظ بكم من كان بعدكم فارفضوها ذميمة فانها قد رفضت من كان أشغف بها منكم
وفي هذه الخطبة أبقاك الله ضروب من العجب منها ان هذا الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية ومنها ان هذا المذهب في تصنيف الناس وفي الاخبار عنهم وعماهم عليه من القهر والاذلال ومن التقية والخوف أشبه بكلام علي وبمعانية وبحالة منه بحال معاوية ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد ولا يذهب مذاهب العباد وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه والله أعلم بأصحاب الاخبار وبكثير منهم
خطبة زياد بن أبي سفيان بالبصرة البتراء
قال ابو الحسن المدائني ذكر ذلك عن مسلمة بن محارب وعن أبي بكر الهذلي قالا قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن ابي سفيان وضم اليه خراسان وسجستان والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر قالا فخطب خطبة بتراء لم

(1/242)


يحمد الله فيها وقال غيرهما بل قال
الحمد الله على إفضاله وإحسانه ونسأله المزيد من نعمة واكرامه اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا
اما بعد فان الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرأوا كتاب الله ولم تسمعوا ما اعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول اتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون انكم احدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا اليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ما هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغضون عن المختلس كل امرىء منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا
ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرام علي الطعام و الشراب حتى أسويها بالارض هدما وإحراقا
أني رأيت آخر هذا الامر لا يصلح الا بما صلح به أوله لين في غير ضعف وشدة في غير عنف وإني اقسم بالله لآخذن الولي بالمولى والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول أنج سعد فقد هلك سعيد او تستقيم قناتكم
ان كذبة المنبر بلقاء مشهورة فاذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي فاذا سمعتموها مني فاغتمزوها في واعلموا ان عندي امثالها من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه فإياي ودلج الليل فاني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع اليكم

(1/243)


وإياي ودعوى الجاهلية فاني لا اجد احدا دعا بها إلا قطعت لسانه وقد احدثتم احداثا لم تكن وقد احدثنا لكل ذنب عقوبة فمن عرق قوما غرقناه ومن أحرق قوما أحرقناه ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولساني ولا تظهر من احد منكم ريبة بخلاف ماعليه عامتكم إلا ضربت عنقه
وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد احسانا ومن كان منكم مسيئا فلينزع من إسائته
إني لو علمت ان احدكم قد قتله السل من بغضي لم اكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته فاذا فعل ذلك لم اناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على انفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس
ايها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي اعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما احببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن اقصر عن ثلاث لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو اتاني طارقا بليل ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه ولا مجمرا لكم بعثا فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فافهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي اليه تأوون ومتى يصلحوا تصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل واذا رأيتموني انفذ فيكم الأمر فانفذوه على أذلاله وأيم الله ان لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرىء منكم ان يكون من صرعاي
قال فقام اليه عبد الله بن الأهتم فقال أشهد ايها الامير لقد اوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقال كذبت ذاك نبي الله داود صلوات الله عليه

(1/244)


قال فقام الاحنف بن قيس فقال انما الثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء وانا لن نثني حتى نبتلى فقال له زياد صدقت
فقام ابو بلال مرداس بن أدية وهو يهمس ويقول أنبأنا الله بغير ما قلت قال الله ( وابراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر اخرى وان اليس للانسان إلا ما سعى ) وأنت تزعم أنك تأخذ البرىء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر فسمعها زياد فقال إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي صحابك حتى نخوض اليكم الباطل خوضا
وقال خلاد بن يزيد الأرقط سمعت من يخبر ان الشعبي قال ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا احببت ان يسكت خوفا من ان يسىء الا زيادا فانه كان كلما اكثر كان أجود كلاما
وقال ابو الحسن المدائني قال الحسن اوعد عمر فعفا وأوعد زياد فابتلى قال وقال الحسن تشبه زياد بعمر فأفرط وتشبه الحجاج بزياد فاهلك الناس
قال ابو عثمان قد ذكرنا من كلام رسول الله وخطبه صدرا وذكرنا من خطب السلف جملا وسنذكر من مقطعات الكلام وتجاوب البلغاء ومواعظ النساك ونقصد من ذلك الى القصار دون الطوال ليكون ذلك أخف على القارىء وأبعد من السآمة والملال ثم نعود بعد ذلك الى الخطب المنسوبة الى أهلها ان شاء الله تعالى ولا قوة الا بالله
مقطعات من كلام البلغاء ومواعظ النساك
قال ابوالحسن المدائني قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلب بن أبي صفرة في بعض ايامه مع الأزارقة فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال آنس الله الاسلام بتلاحقكم فوالله لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لاسباط ملحمة
قال ابو الحسن دخل الهذيل بن زفر الكلابي على يزيد بن المهلب في حمالات لزمته ونوائب نابته فقال أصلحك الله انه قد عظم شأنك عن ان يستعان عليك ولست تصنع شيئا من المعروف الا وانت اكبر منه وليس العجب بأن تفعل ولكن العجب بأن لا تفعل فقال يزيد حاجتك فذكرها

(1/245)


فأمر بها وأمر له بمائة ألف درهم فقال أما الحمالات فقد قبلتها وأما المال فليس هذا موضعه
وقال عيسى بن يزيد بن دأب عمن حدثه عن رجل كان يجالس ابن عباس قال عثمان بن أبي العاص الثقفي لبنيه يا بني اني قد أمجدتكم في أمهاتكم وأحسنت في مهنة أموالكم واني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه والناكح مغترس فلينظر امرؤ حيث يضع غرسه والعرق السوء قلما ينجب ولو بعد حين قال فقال ابن عباس يا غلام اكتب لنا هذا الحديث
قال ولما همت ثقيف بالاتدادا قال لهم عثمان معاشر ثقيف لا تكونوا اخر العرب اسلاما وأولهم ارتدادا
قال وسمعت اعرابيا ذكر يوما قريشا فقال كفى بقريش شرفا أنهم أقرب الناس نسبا برسول الله وأقربهم بيتا من رسول الله
وقال الاصمعي قيل لعقيل بن علفة لم تهيج قومك قال الغنم اذا لم يصفر لها لم تشرب قال وقيل لعقيل بن علفة لم لا تطيل الهجاء قال يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق
قال وسأل عمر رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب عن سعد فقال كيف أميركم قال خير امير نبطي في حبوته عربي في نمرته أسد في نامورته يعدل في القضية ويقسم بالسنوية وينفر بالسرية وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة فقال عمر لشد ما تقارضتما الثناء
ولما تورد الحارث بن قيس الجهضمي بعبيد الله بن زياد منزل مسعود بن عمرو العتكي عن غير إذن فأراد مسعود إخراجه من منزله قال عبد الله قد أجارتني بنت عمك عليك وعقدها العقد الذي يلزمك وهذا ثوبها علي وطعامها في مذاخري وقد التف علي منزلك وشهد له الحارث بذلك
مر الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النحو فقال لئن أصلحتموه انكم لأول من أفسده
وتكلم عبد الملك بن عمير واعرابي حاضر فقيل له كيف ترى هذا الكلام قال لو كان الكلام يؤتدم به لكان هذا وقال العذر طرف من البخل وقال أيضا الخرس خير من الخلابة وقال ابو عمير الضرير البكم

(1/246)


خير من البذاء وقدم الهيثم بن الاسود بن العريان على عبد الملك بن مروان فقال كيف تجدك قال أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب ان يسود واسود مني ما كنت أحب ان يبيض واشتد مني ما كنت احب ان يلين ولان مني ما كنت أحب ان يشتد ثم أنشد
( أسمع أنبئك بايات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر )
( وقلة النوم ذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم اذا الزاد حضر )
( وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركي الحسناء من قبل الطهر )
( وحذرا أزداده الى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر )
وقال أكثم بن صيفي الكرم حسن الفطنة واللؤم سوء الفطنة وقال أكثم تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة وقال لبنيه تباذلوا تحابوا
ودخل عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عروة بن الزبير وقد قطعت رجله فقال له عيسى والله ما كنا نعدك للصراع ولقد أبقى الله لنا اكثرك أبقى لنا سمعك وبصرك ولسانك وعقلك ويديك وإحدى رجليك فقال له عروة والله يا عيسى ما عزاني احد بمثل ما عزيتني به
وكتب الحسن الى عمر بن عبد العزيز أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وبالاخرة لم تزل
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اقرأوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله ولن يبلغ حق ذي حق ان يطاع في معصية الله ولن يقرب من أجل ولن يباعد من رزق ان يقوم رجل بحق او يذكر بعظيم
وقال أعرابي لهشام بن عبد الملك أتت علينا ثلاثة أعوام فعام أكل الشحم وعام أكل اللحم وعام انتقى العظم وعندكم أموال فان كانت لله فادفعوها الى عباد الله وان كانت لعباد الله فادفعوها اليهم وان كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فان الله يجزي المتصدقين قال فهل من حاجة غير ذلك قال ما ضربت اليك أكباد الابل أدرع الهجير وأخوض الدجى لخاص دون عام
قال شداد الحارثي ويكنى أبا عبيد الله قلت لأمة سوداء بالبادية لمن أنت يا سوداء قالت لسيد الحضر يا أصلع قال قلت ما غصبك من

(1/247)


الحق قالت الحق أغضبك لا تسبب ترهب ولان تتركه أمثل
وقال الاصمعي قال عيسى بن عمر قال ذو الرمة قاتل الله أمة ال فلان ما كان أفصحها سألتها كيف كان المطر عندكم قالت غثنا ما شئنا
وأنا أريد عبدا اسود لبني أسيد قدم عليهم من شق اليمامة فبعثوه ناطورا وكان وحشيا محرما لطول تغربه كان في الابل وكان لا يلقى إلا الأكرة فكان لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم فلما راني سكن الي وسمعته يقول لعن الله بلادا ليس فيها عرب قاتل الله الشاعر حيث يقول حر الثرى مستغرب التراب أبا عثمان ان هذه العرب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس فلولا ان الله رق عليهم فجعلهم في حاشية لطمست هذه العجمان اثارهم أترى الاعيار اذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا والله ما أمر الله نبيه بقتلهم الا لضنه بهم ولا ترك قبول الجزية منهم الا تنزيها لهم
قال الاحنف أسرع الناس الى الفتنة أقلهم حياء من الفرار
ولما مات اسماء بن خارجة الفزاري فبلغ الحجاج موته قال هل سمعتم بالذي عاش ثم مات حين شاء
وقال سلم بن قتيبة رب المعروف اشد من ابتدائه
ابو هلال عن قتادة قال قال ابو الاسود اذا اردت ان تكذب صاحبك فلقنه وقال ابو الاسود اذا اردت ان تعظم فمت وقال ابو الاسود اذا اردت ان تفحم عالما فاحضره جاهلا
قيل لاعرابي ما يدعوك على نومه الضحى قال مبردة في الصيف مسخنة في الشتاء
وقال اعرابي اخر نومه الضحى معجزة مبخرة وجاء في الحديث الولد مجبنة مبخلة
ونظر اعرابي الى قوم يلتمسون هلال رمضان فقال أما والله لئن ثرتموه لتمسكن منه بذنابي عيش أغبر
وقال اسماء بن خارجة اذا قدمت المصيبة تركت التعزية وقال اذا قدم الاخاء قبح الثناء
وقال اسحق بن حسان لا تشمت الامراء ولا الاصحاب القدماء

(1/248)


وسئل اعرابي عن راع له فقال هو السارح الآخر الرائح الباكر الحالب العاصر الحاذق الكاسر
وقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده ليكن اول ماتبدأ به من اصلاح بني اصلاح نفسك فان أعينهم مقعودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت وعلمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تتركهم منه فيهجروه ثمم روهم من الشعر أعفه ومن الحديث اشرفه ولا تخرجهم من علم الى غيره حتى يحكموه فان ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم وتهددهم بي وأدبهم دوني وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء وجنبهم محادثة النساء وروهم سير الحكماء واستزدني بزيادتك إياهم ازدك وإياك ان تتكل على عذر مني لك فقد اتكلت على كفاية منك وزد في تأديبهم أزدك في بري ان شاء الله تعالى
وقال محمد بن حرب الهلالي كتب ابراهيم بن ابي يحيى الاسلمي الى المهدي يعزيه على ابنته اما بعد فان احق من عرف حق الله عليه فيما اخذ منه من عظم حق الله عليه فيما ابقى له واعلم ان الماضي قبلك هوالباقي لك وان الباقي بعدك هو المأجور فيك وان اجر الصابرين فيما يصابون به اعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه
وقال سهل بن هرون التهنئة على آجل الثواب اولى من التعزية على عاجل المصيبة
وقال صالح بن عبد القدوس
( ان يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجل )
( كل آت لا شك آت وذو الجهل ... معنى والهم والحزن فضل )
وقال لقمان لابنه يا بني اياك والكسل والضجر فانك اذا كسلت لم تؤد حقا واذا ضجرت لم تصبر على حق
وكان يقال أربع لا ينبغي لاحد ان يأنف منهن وان كان شريفا او أميرا قيامه من مجلسه لابيه وخدمته لضيفه وقيامه على فرسه وخدمته للعالم وقال بعض الحكماء اذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم وكان يقال لا

(1/249)


تغتر بمودة الامير اذا غشك الوزير وكتب آخر أما بعد فقد كنت لنا كلك فاجعل لنا بعضك ولا ترض الا بالكل منا لك
ووصف بعض البلغاء اللسان فقال اللسان أداة يظهر بها حسن البيان وظاهر يخبر عن الضمير وشاهد ينبئك عن غائب وحاكم يفصل به الخطاب وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الحقائق ومعز ينفي به الحزن ومؤنس تذهب به الوحشة وواعظ ينهى عن القبح ومزين يدعو الى الحسن وزارع يحرث المودة وحاصد يستأصل الضغينة وملة يونق الاسماع
وقال بعض الاوائل إنما الناس احاديث فان استطعت ان تكون أحسنهم حديثا فافعل
ولما وصل عبد العزيز بن زرارة الى معاوية قال يا أمير المؤمنين لم ازل أستدل بالمعروف عليك وأمتطي النهار اليك فاذا ألوى بي الليل فقيض البصر وعفي الاثر اقام بدني وسافر أملي والنفس تلوم والاجتهاد يعذر واذ بلغتك فقطني
وقال لقمان ثلاثة لا يعرفون الا في ثلاثة مواطن لا يعرف الحليم الا عند الغضب ولا الشجاع الا في الحرب ولا تعرف أخاك الا عند حاجتك اليه
وقال ابو العتاهية
( انت ما استغنيت عن صا حبك ... الدهر أخوه )
( فاذا احتجت اليه ... ساعة مجك فوه )
وقال علي بن الحسين لابنه يا بني اصبر على النائبة ولا تتعرض للحقوق ولا تجب اخاك الى شيء ضرره عليك أعظم من منفعته له
وقال الاحنف من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وقال رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه وقال من كثر كلامه كثر سقطه ومن طال صمته كثرت سلامته
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر النقل
وقال محمد بن حرب الهلالي عن أبي الوليد الليثي قال خطب صعصعة بن

(1/250)


معاوية الى عامر بن الظرب العدواني ابنته عمرة وهي ام عامر بن صعصعة فقال يا صعصعة انك اتيتني تشتري مني كبدي وأرحم ولدي عندي أبغيتك او زودتك والحسيب كفء الحسيب والزوج الصالح اب بعد اب وقد انكحتك خشية ان لا اجد مثلك افر من السر الى العلانية انصح ابنا واودع ضعيفا قويا يا معشر عدوان خرجت من بين أظهركم كريمتكم من غير رهبة ولا رغبة أقسم لو قسم الحظوظ على قدر الجدود ما ترك الاول للآخر ما يعيش به
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أوصيكم بخمس لو ضربتم اليها آباط الابل لكن لها أهلا لا يرجون أحدكم الا ربه ولا يخافن الا ذنبه ولا يستحي احد اذا سئل عما لا يعلم ان يقول لا اعلم واذا لم يعلم الشيء ان يتعلمه واعلموا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا قطع الرأس ذهب الجسد وكذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان وقال الاصمعي أثنى رجل على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فأفرط فقال علي - وكان يتهمه - أن دون ما تقول وفوق ما في نفسك وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قيمة كل انسان ما يحسن وقال له مالك الاشتر كيف وجد أمير المؤمنين امراته قال كالخير من النساء الا انها قباء قال وهل يريد الرجل من النساء غير ذلك يا أمير المؤمنين قال لا حتى تدفيء الضجيع وتروي الرضيع
ووقف رجل على عامر الشعبي فلم يدع قبيحا الا رماه به فقال له عامر ان كنت كاذبا فغفر الله لك وان كنت صادقا فغفر الله لي
وقال ابراهيم النخعي لسليمان الاعمش - وأراد ان يماشيه - فقال ان الناس اذا رأونا معا قالوا أعور وأعمش قال وما عليك ان يأثموا ونؤجر قال إبراهيم وما عليك ان يسلموا ونسلم
قال أبو الحسن كان هشام بن حسان اذا ذكر يزيد بن المهلب قال انه كانت السفن لتجري في جوده قال مكتوب في الحكمة التوفيق خير قائد وحسن الخلق خير قرين والوحدة خيرمن قرين السوء
وكان مالك بن دينار يقول ما اشد فطام الكبير وينشد قول الشاعر

(1/251)


( وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم )
وقال صالح المري كن الى الاستماع أسرع منك الى القول ومن خطأ الكلام اشد حذرا من خطأ السكوت
وقال الحسن بن هانىء
( خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام )
( مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام )
( انما السالم من ... ألجم فاه بلجام )
( ربما استفتحت بالمزح ... مغاليق الحمام )
قال أبو عبيدة وأبو الحسن تلكم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك فأسهبوا في القول ثم اقترع المنطق رجل من أخريات الناس لا يخرج من حسن الا الى احسن منه فقال مسلمة ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء الا بسحابة لبدت عجاجة
قال ابو الحسن علم اعرابي بنيه الخراءة فقال اتبعوا الخلاء وابعدوا من الملاء واعلوا الضراء واستقلوا الريح وافجوا فجاج النعامة وامتسحوا بأشملكم
ويروى عن الحسن انه قال لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال يا بني احفظوا عني فلا احد انصح لكم مني اذا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم وعليكم باستصلاح المال فانه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم وإياكم ومسألة الناس فانها آخر كسب الرجل
سئل دغفل النسابة عن بني عامر بن صعصعة قال أعناق ظباء وأعجاز نساء قيل فتميم قال حجر اخشن ان دنوت منه آذاك وان تركته اعفاك قيل فاليمن قال سيد وأنوك
وكانوا يقولون لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء
وقال عفان بن شيبة كنت رديف ابي فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه فقلت له ابعد ما قال لنا ما قال يا بني افأوسع جرحي قال ودعا

(1/252)


جرير رجلا من شعراء بني كلاب الى مهاجاته فقال الكلابي ان نسائي بأمتعهن ولم تدع الشعراء في نسائك مترقعا وقال جرير انا لا ابتدي ولكني اعتدي
وكان الحسن في جنازة فيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال الحسن ان كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا اسرع ذلك في دينك
قال ابو عبيدة لقي المخبل القريعي الزبرقان فقال كيف كنت بعدي ابا شذرة قال كما يسرك محيلا مجربا
قال وكان عبد الملك بن مروان يقول جمع ابو زرعة - يعني روح بن زنباع - طاعة اهل الشام ودهاء اهل العراق وفقه اهل الحجاز
وذكر لعمر بن الخطاب اتلاف شباب من قريش أموالهم فقال عمر خرقه احدهم اشد علي من عيلته وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حرفة يعاش بها خير من مسألة الناس
وقال زياد لو ان لي ألف ألف درهم ولي بعير أجرب لقمت عليه قيام من لا يملك غيره ولو ان عندي عشرة دراهم لا أملك غيرها ولزمني حق لوضعتها فيه
وقال عمرو بن العاص البطنة تذهب الفطنة
وقال معاوية بن ابي سفيان ما رأيت رجلا مستهترا بالباءة الا تبينت ذلك في منته
قال الاصمعي قال ابو سفيان الفقعسي لاعرابي من طيء أبامرأتك حمل قال لا وذو بيته في السماء ما ادري والله ما لها ذنب تشال به ومما اتيتها الا وهي ضبعة
قال ابو الحسن المدائني اتخذ يزيد بن المهلب بستانا بخراسان في داره فلما ولي قتيبة خراسان جعل ذلك لابله فقال له مرزبان مروان هذاكان بستانا ليزيد وقد اتخذته لا بلك فقال قتيبة ان أبي كان اشتربان - يعني رئيس الجمالين - وأبو يزيد كان بستان بان
وقال الحجاج بن يوسف لعبد الملك بن مروان يوما لو كان رجل من ذهب لكنته قال وكيف ذلك قال لم تلدني أمة بيني وبين آدم ما خلا

(1/253)


هاجر فقال لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب
ومات ابن لعبيد الله بن الحسن فعزاه صالح المري فقال ان كانت مصيبتك في ابنك احدثت لك عظة في نفسك فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ميتك
وعزى عمرو بن عبيد أخاه على ابن مات له فقال ذهب أبوك وهو أصلك وذهب ابنك وهو فرعك فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه
وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول احذفوا الحديث كما يحذفه مسلم بن قتيبة
وقال رجل من بني تميم لصاحب له أصحب من يتناسى معروفه عندك ويتذكر حقوقك عليه
وعذل عاذل شعيب بن زياد على شرب النبيذ فقال لا أتركه حتى يكون شر عملي
وقال المأمون أشربه ما استبشعته حتى اذا سهل عليك فاتركه
وقال النبي اذا كتب احدكم فليترب كتابه فان التراب مبارك وهو أنجح للحاجة ونظر الى رجل في الشمس فقال تحول الىالظل فانه مبارك
وقال المغيرة بن شعبة لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب وكان يقال ترك الضحك من العجب أعجب من الضحك من غير العجب
وقدم سعيد بن العاص على معاوية فقال كيف تركت أبا عبد الملك قال منفذا لأمرك ضابطا لعملك فقال معاوية انما هو كصاحب الخبزة كفي إنضاجها فأكلها فقال سعيد كلا انه بين قوم يتهادون فيما بينهم كلاما كوقع النيل سهما لك وسهما عليك قال فما باعد بينك وبينه قال خفته على شرفي وخافني على مثله قال فأي شيء كان له عنك في ذلك قال أسوؤه حاضرا وأسره غائبا قال يا أبا عثمان تركتنا في هذه الحروب قال نعم تحملت الثقل وكفيت الحزم وكنت قريبا لو دعيت لأجبت ولو أمرت لأطعت قال معاوية يا أهل الشام هؤلاء قومي وهذا كلامهم
قال وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكي فلما أثنى الوفد على

(1/254)


الحجاج عند عبد الملك - والحجاج حاضر - قال زياد يا امير المؤمنين ان الحجاج سيفك الذي لا ينبو وسهمك الذي لا يطيش وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم فلم يكن بعد ذلك احد أخف على قلبه منه
وقال شبيب بن شيبة لمسلم بن قتيبة والله ما أدري اي يوميك أشرف أيوم ظفرك ام يوم عفوك وقال غلام لأبيه - وقد قال - لست لي ابنا - والله لأنا أشبه بك منك بأبيك ولأنت اشد تحصينا لأمي من أبيك لأمك
وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين الى رجل من اخوانه
أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم اعقبتني جفاء من غير ذنب فأطمعني أولك في إخائك وايسني اخرك في وفائك فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحا ولا انا في غدو انتظاره منك على ثقة فسبحان من لو شاء كشف بايضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك فأقمنا على ائتلاف او افترقنا على اختلاف والسلام
كتاب عبد الله بن معاوية بن جعفر الى ابي مسلم يستعطفه
وكتب الى ابي مسلم صاحب الدعوة من الحبس
من الاسير في يديه بلا ذنب اليه ولا خلاف عليه اما بعد فآتاك الله حفظ الوصية ومنحك نصيحة الرعية والهمك عدل القضية فانك مستودع ودائع ومولى صنائع فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك فالوادائع عارية والصنائع مرعية وما النعم عليك وعلينا فيك بمنزور نداها ولا بمبلوغ مداها فنبه للتفكير قلبك واتق الله ربك وأعط من نفسك من هو تحتك ما تحب ان يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة فقد انعم الله عليك بأن فوض امرنا اليك فاعرف لنا لين شكر المودة واغتفار مس الشدة والرضا بما رضيت والقناعة بما هويت فان علينا من سمك الحديد وثقله اذى شديد مع معالجة الاغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة وإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم الينا الهموم زيارتهم الحراسة وبشارتهم الاياسة فاليك بعد الله نرفع كربة الشكوى ونشكو شدة البلوى فمتى تمل الينا طرفا وتولنا منك عطفا تجد عندنا نصحا صريحا وودا

(1/255)


صحيحا لا يضيع مثلك مثله ولا ينفي مثلك اهله فارع حرمة من ادركت بحرمته واعرف حجة من فلجت بحجته فان الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء يمشون في الابراد ونحن نحجل في الاقياد بعد الخير والسعة والخفض والدعة والله المستعان وعليه التكلان صريح الاخبار منجى الأبرار الناس من دولتنا في رخاء ونحن منها في بلاء حين أمن الخائفون ورجع الهاربون رزقنا الله منك التحنن وظاهر علينا من التمنن فانك أمين مستودع ورائد مستصطفى والسلام ورحمة الله
قال هشام بن الكلبي حدثنا خالد بن سعيد عن أبيه قال شكت بنو تغلب السنة الى معاوية فقال كيف تشكون الحاجة مع ارتجاج البكارة واختلاف المهارة
كتاب معاوية الى قيس بن سعد
وقال ابن الكلبي كتب معاوية الى قيس بن سعد أما بعد فانك يهودي ابن يهودي ان ظفر أحب الفريقين اليك عزلك واستبدل بك وان ظفر ابغضهما اليك قتلك ونكل بك وكان ابوك وترقوسه ورمى غير غرضه فأكثر الحز واخطأ المفصل فخذله قومه وأدركه يومه ثم مات طريدا بحوران والسلام
جواب قيس بن سعد معاوية
فكتب اليه قيس بن سعد
أما بعد فانما انت وثن ابن وثن دخلت في الاسلام كرها وخرجت منه طوعا لم يقدم ايمانك ولم يحدث نفاقك وقد كان ابي وتر قوسه ورمى غرضه وشغب عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشق غباره ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه وأعداء الدين الذي دخلت فيه والسلام
وقال أبو عبيدة وأبواليقظان وأبو الحسن قدم وفد أهل العراق على معاوية وفيهم الاحنف فخرج الاذن فقال ان امير المؤمنين يعزم عليكم ان لا يتكلم احد الا لنفسه فلما وصلوا اليه قال الاحنف لولا عزيمة امير المؤمنين لاخبرته ان دافة دفت ونازلة نزلت ونائبة نابت ونابتة نبتت كلهم بهم حاجة الى

(1/256)


معروف امير المؤمنين وبره قال حسبك يا ابا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد
وقال غيلان بن خرشة للاحنف ما فيه بقاء العرب قال اذا تقلدوا السيوف وشدوا العمائم وركبوا الخيل ولم تأخذهم حمية الاوغاد قال وما حمية الاوغاد قال ان يعدوا التواهب فيما بينهم ضيما وقال عمر العمائم تيجان العرب وقيل لاعرابي ما لك لا تضع العمامة عن رأسك قال ان شيئا فيه السمع والبصر لحقيق بالصون
وقال علي رضي الله تعالى عنه جمال الرجل في كمته وجمال المرأة في خفها
وقال الاحنف استجيدوا النعال فانها خلاخيل الرجال قال وجرى ذكر رجل عند الاحنف فاغتابوه فقال الاحنف مالكم وماله يأكل رزقه وتحمل الارض ثقله ويكفي قرنه
مسلمة بن محارب قال قال زياد لحرقة بنت النعمان ما كانت لذة أبيك قالت ادمان الشراب ومحادثة الرجال
وقال سليمان بن عبد الملك قد ركبنا الفاره وتبطنا الحسناء ولبسنا اللين حتى استخشناه وأكلنا الطيب حتى أجمناه فما انا اليوم الى شيء أحوج مني الى جليس يضع عني مؤونة التحفظ
وأشاروا على عبيد الله بالحقنة فتفحشها فقالوا انما يتولاها منك الطبيب فقال انا بالصاحب انس
وقال معاوية بن ابي سفيان للنخار بن أوس العذري ابغني محدثا قال او معي يا امير المؤمنين قال نعم استريح منه اليك ومنك اليه
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لابي مريم الحنفي والله لا احبك حتى تحب الارض الدم المسفوح قال فتمنعني لذلك حقا قال لا قال لاضير انما يأسف على الحب النساء وقال عمر لرجل هم بطلاق امراته لم تطلقها قال لا احبها قال او كل البيوت بنيت على الحب فأين الرعاية والتذمم
وأتى عبد الملك بن مروان برجل فقال زبيري عميري والله لا يحبك

(1/257)


قلبي ابدا قال يا امير المؤمنين انما تبكي على الحب المرأة ولكن عدل وانصاف
قال عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة نازع مروان ابن الزبير عند معاوية فرأى ابن الزبير ان ضلع معاوية مع مروان فقال ابن الزبير يا امير المؤمنين ان لك حقا وطاعة علينا وان لك بسطة وحرمة فينا فاطع الله نطعك فانه لا طاعة لك علينا الا في حق الله ولا تطرق اطراق الأفعوان في أصول الخبر
قال ابو عبيدة قيل لشيخ مرة ما بقي منك قال يسبقني من بين يدي ويلحقني من خلفي وأنسى الحديث واذكر القديم وانعس في الملاء وأسهر في الخلاء واذا قمت قربت الارض مني واذا اقعدت تباعدت عني
وقال الاصمعي قلت لأعرابي معه ضاجعة من شاء لمن هذه قال هي الله عندي ولما قتل عبد الملك بن مروان مصعبا ودخل الكوفة قال لهيثم بن ابن الاسود النخعي كيف رأيت الله صنع قال قد صنع الله خيرا فخفف الوطأة وأقل التثريب
وقال ابن عباس اذا ترك العالم قول لا ادري أصيبت مقاتله وكانوا يستحبون ان لا يجيبوا في كل ما سئلوا عنه وقال ابن عمر من قال عندما لا يدري لا أدري فقد أحرز نصف العلم
وقال ابن عباس ان لكل داخل دهشة فانسوه بالتحية
واعتذر رجل الى مسلم بن قتيبة فقال مسلم لا يدعونك أمر قد تخلصت منه الى الدخول في أمر لعلك لا تخلص منه
وكان يقال دعوا المعاذر فان اكثرها مفاجر
وقال ابراهيم النخعي لعبد الله بن عوف تجنب الاعتذار فان الاعتذار يخالطه الكذب
واعتذر رجل الى احمد بن أبي خالد فقال لأبي عياد ما تقول في هذا قال يوهب له جرمه ويضرب على عذره اربعمائة وقد قال الاول عذره اعظم من ذنبه

(1/258)


وقيل لابن عباس ولد عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسمي باسمه فقال ابن عباس أي حق رفع وأي باطل وضع
وقال عبد الله بن جعفر لابنته يا بنية إياك والغيرة فانها مفتاح الطلاق وإياك والمعاتبة فانها تورث الضغينة وعليك بالزينة والطيب واعلمي ان أزين الزينة الكحل وأطيب الطيب الماء
ولما نازع ابن الزبير مروان عند معاوية قال ابن الزبير يا معاوية لا تدع مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه ويضرب صفاتهم بمعاوله ولولا مكانك لكان أخف على رقابنا من فراشه وأقل في نفوسنا من خشاشة ولئن ملك أعنة خيل تنقاد له ليركبن منك طبقا تخافه قال معاوية إن يطلب هذا الامر فقد طمع فيه من هو دونه وان يتركه لمن هو فوقه وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله اليكم من لا يعطف عليكم بقرابة ولا يذكركم عند ملمة يسومكم خسفا ويوردكم تلفا فقال ابن الزبير اذا والله نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد حافاتها الاسل لها دوي كدوي الريح تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمه براعية ثلة قال معاوية أنا ابن هند أطلقت عقال الحرب فأكلت ذروة السنام وشربت عنفوان المكرع وليس للآكل إلا الفلذة ولا للشارب الا الرنق
قال بكر بن الاسود قال الحسن بن علي لحبيب بن مسلمة رب مسير لك في غير طاعة الله قال أما مسيري الى أبيك فلا قال بلى ولكنك اطعت معاوية على دنيا قليلة فلعمري لئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك ولو انك ان فعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله تعالى ( خلطوا عملا صالحا واخر سيئا ) ولكنك كما قال الله تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )
قال ابو الحسن سمعت اعرابيا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة وهو يقول أما بعد فإنا ابناء سبيل وأنضاء طريق وفل سنة تصدقوا علينا فانه لا قليل مع الأجر ولا غنى عن الله ولا عمل بعد الموت أما والله إنا لنقوم هذا المقام وفي الصدر حزازة وفي القلب غصة

(1/259)


وقال الاحنف بخراسان يا بني تميم تحابوا تجتمع كلمتكم وتباذلوا تعتدل أموركم وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم ومن كلام الاحنف السائر في ايدي الناس إلزم الصحة يلزمك العقل
وقال خالد بن صفوان وسئل عن الكوفة والبصرة نحن منابتنا قصب وأنهارنا عجب وسماؤنا رطب وأرضنا ذهب وقال الاحنف نحن أبعد منكم سرية واعظم منكم تجربة واكثر منكم ذرية وأغذى منكم برية
وقال ابو بكر الهذلي نحن اكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجاجا
وكتب صاحب لابي بكر الهذلي الى رجل يعزيه عن أخيه أوصيك بتقوى الله وحده فانه خلقك وحده ويبعثك يوم القيامة وحده والعجب كيف يعزى ميت ميتا عن ميت والسلام
وقال رجل لابن عباس أيهما أحب اليك رجل قليل الذنوب قليل العمل او رجل كثير الذنوب كثير العمل قال ما أعدل بالسلامة شيئا
وقال آخر حماقة صاحبي علي أشد ضررا منها عليه قال شعبة ابو بسطام قال عبد الرحمن بن ابي ليلى لا أماري أخي فأما ان اكذبه وإما ان أغضبه واحتد علي بن ابي ليلى رجل من جلسائه فقال ابن أبي ليلى له اهد الينا من هذا ما شئت فلما مات ابن ابي ليلى وعمرو بن عبيد رحمهما ا لله قال ابو جعفر المنصور ما بقي احد يستحي منه
ولما مات عبد الله بن عامر قال معاوية رحم الله أبا عبد الرحمن بمن يفاخر مسلمة بن محارب
وقال زياد ما قرأت كتاب رجل قط إلا عرفت عقله فيه
وقال ابو معشر لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو ابن سعيد الاشدق قام خطيبا فقال ان أبا ذبان قتل لطيم الشيطان ( كذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) ولما جاءه قتل أخيه مصعب بن الزبير قام خطيبا بعد خطبته الأولى فقال ان مصعبا قدم أيره وأخر خيره وتشاغل بنكاح فلانه وفلانه وترك حلبة اهل الشام حتى غشيته في داره

(1/260)


ولئن هلك مصعب إن في آل الزبير خلفا منه
ولما قدم ابن الزبير بفتح افريقية أمره عثمان فقام خطيبا فلما فرغ من كلامه قال عثمان أيها الناس انكحوا النساء على ابائهن واخوتهن فاني لم أر في ولد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أشبه به من هذا
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اعرابيا يقول اللهم اغفر لأم أوفى قال ومن أم أوفى قال امرأتي وانها لحمقاء مرغامة أكول ملقامة لا تبقي لها حامة غير انها حسناء فلا تفرك وأم غلمان فلا تترك
ودفعوا الى اعرابية علكا لتمضغه فلم تفعل لها في ذلك فقالت ما فيه الا تعب الاضراس وخيبة الحنجرة
وكان أبو مسلم استشار مالك بن الهيثم حين ورد عليه كتاب المنصور في القدوم عليه بذلك فلم يشر عليه فلما قتل ابو مسلم أذكره ذلك فقال ان أخاك إبراهيم الإمام حدث عن أبيه محمد بن علي انه قال لا يزال الرجل يزاد في رأيه اذا نصح لمن استشاره فكنت له يومئذ كذلك وأنا اليوم لك كذلك
وقال الحسن التقدير نصف الكسب والتودد نصف العقل وحسن طلب الحاجة نصف العلم
قال رجل لعمرو بن عبيد إني لأرحمك مما يقول الناس فيك قال أفتسمعني اقول فيهم شيئا قال لا قال إياهم فارحم
ومدح نصيب ابوالحجناء عبد الله بن جعفر فأجزل له من كل صنف فقيل له أتصنع هذا بمثل هذا العبد الاسود فقال أما والله لئن كان جلده اسود فان ثناءه لأبيص وان شعره لعربي وقد استحق بما قال اكثر مما نال وانما اخذ رواحل تنضى وثيابا تبلى ومالا يفنى واعطى مديحا يروى وثناء يبقى
وقف أعرابي في بعض المواسم فقال اللهم ان لك علي حقوقا فتصدق بها علي وللناس تبعات قبلي فتحملها عني وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك فاجعل قرأي في هذه الليلة الجنة ووقف أعرابي فسأل قوما فقالوا له عليك بالصيارفة قال هناك والله قراره اللؤم

(1/261)


وقال مسلمة ثلاثة لا أعذرهم رجل أحفى شعره ثم اعفاه ورجل قصر ثيابه ثم أطالها ورجل كان عنده سراري فتزوج حره
وقال ابو اسحق قال حذيفة كن في الفتنة كابن لبون لا ظهر فيركب ولا لبن فيحلب وقال الشاعر - ليس هذا الباب في الخبر الذي قبل هذا
( ألم تر أن الناب تحلب علبة ... ويترك ثلب لا ضراب ولا ظهر )
وقال عتبة بن هرون قلت لرؤبة كيف خلفت ما وراءك قال التراب بابس والمرعى عابس
وقال معاوية بن أبي سفيان لابن عباس اني لا اعلم انك واعظ نفسه ولكن المصدور اذا لم ينفث جوي
وقيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أتقول الشعر مع النسك والفضل والفقه قال لا بد للمصدور من ان ينفث
قال ابو الذيال شويس انا والله العربي لا ارفع الجربان وألبس التبان ولا احسن الرطانة ولأنا أرسى من حجر وما قرقمني الا الكرم
وقال ابو الحسن وغيره قال عمرو بن عتبة بن ابي سفيان للوليد بن يزيد ابن عبدالملك وهو بالنجراء من ارض حمص يا أمير المؤمنين انك تستنطقني بالأنس بك وأكف عن ذلك بالهيبة لك وأراك تأمن أشياء أخافها عليك افأسكت مطيعا ام اقول مشفقا قال كل ذلك مقبول منك والله فينا علم غيب نحن صائرون اليه ونعود فنقول قال فقتل بعد أيام
وكان أيوب السختياني يقول لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يسمع الاختلاف
قال بعضهم كنت أجالس ابن صغير في النسب فجلست اليه يوما فسألته عن شيء من الفقه فقال ألك بهذا حاجة عليك بذلك وأشار بذلك الى سعيد بن المسيب فجلست اليه لا اظن ان عالما غيره ثم تحولت الى عروة ففتقت به ثبج بحر قال وقلت لعثمان البري دلني على باب الفقه قال اسمع الاختلاف
وقيل لاعرابي عند من تحب ان يكون طعامك قال عند أم صبي راضع او ابن سبيل شاسع او كبير جائع او ذي رحم قاطع

(1/262)


وقال بعضهم اذا اتسعت المقدرة نقصت الشهوة قال قلت فمن اسوأ الناس حالا قال من اتسعت معرفته وبعدت همته وقويت شهوته وضاقت مقدرته وذكر عند عائشة الشرف فقالت كل شرف دونه لؤم فاللؤم اولى به وكل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به
ودخل رجل على أبي جعفر فقال له اتق الله فأنكر وجهه فقال يا أمير المؤمنين عليكم نزلت ولكم قيلت واليكم زدت
وقال رجل عند مسلمة ما استرحنا من حائك كندة حتى جاءنا هذا المزوني فقال مسلمة أتقول هذا لرجل سار اليه فريقا قريش يعني نفسه والعباس بن الوليد حاول عظيما ومات كريما
وقال عبدالله بن الحسن قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه خصصنا بخمس فصاحة وصباحة وسماحة ونجدة وحظوة يعني عند النساء
روى علي بن مجاهد بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت جبلت القلوب على حب من أحسن اليها وبغض من أساء اليها
وقال الاصمعي كتب كتاب حكمة فبقيت منه بقية فقالوا ما نكتب فيه فقال أكتبوا يسأل عن كل صناعة أهلها
وقال شبيب بن شيبة للمهدي ان الله لم يرض ان يجعلك دون احد من خلقه فلا ترض لنفسك ان يكون احد أخوف لله منك
قال يحيى بن اكثم سياسة القضاء اشد من القضاء وقال ان من اهانة العلم ان تجاري فيه كل من جاراك
وحمل رقبة بن مصقلة من خراسان رجلا الى أمه خمسمائة درهم فأبى الرجل ان يدفعها اليها حتى تكون معها البينة على أنها أمه فقالت لخادم لها اذهبي حتى تأتينا ببعض من يعرفنا فلما أتاها الرجل برزت وقالت الحمد الله أشكو الى الله الذي أبرزني وشهر بالفاقة أهلي فلما سمع كلامها قال أشهد انك أمه فردى الخادم ولا حاجة بنا الى ان تجيء البينة
وكان الحسن يقول في خطبة النكاح بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فان الله جمع بهذا النكاح الارحام المنقطعة والانساب المتفرقة وجعل ذلك

(1/263)


في سنة من دينه ومنهاج واضح من أمره وقد خطب اليكم فلان وعليه من الله نعمة
قال عامر بن سعيد سمعت الزبير يعزي عبدالرحمن على بعض نسائه فقال وهو قائم على قبرها لا يصفر ربعك ولا يوحش بيتك ولا يضيع أجرك رحم الله متوفاك وأحسن الخلافة عليك
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته يستميل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم
وليم ابن الزبير على طول خطبته عشية عرفة فقال أنا قائم وهم جلوس وأتكلم وهم سكوت ويضجرون
وقال موسى بن يحيى كان يحيى بن خالد يقول ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها الكتاب يدل على مقدار عقل كاتبه والرسول على مقدار عقل مرسله والهدية على مقدار مهديها وذكر اعرابي أميرا فقال يقضي بالعشوة ويطيل النشوة ويقبل الرشوة
وقال يزيد بن الوليد ان النشوة تحل العقدة وتطلق الحبوة وقال إياكم والغناء فانه مفتاح الزنا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اذا توجه احدكم في وجه ثلاث مرات فلم يصب خيرا فليدعه
قال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي وينهى ولا ينتهي ويأمر الناس بما لا يأتي يحب الصالحين ولا يعمل باعمالهم ويبغض المسيئين وهو منهم ويكره الموت لكثرة ذنوبه لا يدعها في طول حياته
قال اعرابي خرجت حيث انحدرت ايدي النجوم وشالت أرجلها فلم أزل أصدع الليل حت انصدع لي الفجر وسألت اعرابيا عن مسافة ما بين بلدين فقال عمر ليلة وأديم يوم وقال آخر سواده ليلة او بياض يوم وقال بعض الحكماء لا يضرك حب امرأة لا تعرفها
وقال رجل لأبي الدرداء فلان يقرئك السلام فقال هدية حسنة ومحمل خفيف

(1/264)


وسرق مزيد نافجة مسك فقيل له ان كل من غل يأتي يوم القيامة بحمله على عنقه قال اذا والله أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل
قال ومن أبخل ترك رد السلام قال ابن عمر لعمري إني لأرى حق رجع جواب الكتاب كرد السلام
وجاء رجل الى سليمان فقال يا أبا عبدالله فلان يقرأ عليك السلام فقال أما إنك لو لم تفعل لكانت أمانة في عنقك
قال مثنى بن زهير لرجل احتفظ بكتابي حتى توصله الى اهلي فمن العجب ان الكتاب ملقى والسكران مؤتى وكان عبدالملك بن حجاج يقول لأنا للعاقل المدبر ارجى من الاحمق المقبل قال وإياك ومصاحبة الاحمق فانه ربما أراد ان ينفعك فضرك
وكتب الحجاج الى عامل له بفارس إبعث إلي بعسل من عسل خلار من النحل الابكار من الدستفشار الذي لم تمسه النار وقال الشاعر
( وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الاخلاق نفسك فاجعل )
ونظر ابو الحارث جمين الى برذون يستقي عليه الماء فقال وما المرء الا حيث يجعل نفسه لو ان هذا البرذون هملج ما فعل به هذا
وقال عمران بن هداب قال مسلم بن قتيبة رب المعروف أشد من ابتدائه
وقال محمد بن واسع الاتقاء على العمل أشد من العمل
وقال يحيى بن اكثم سياسة القضاء اشد من القضاء
وقال محمد بن محمد الحمراني من التوقي ترك الافراط في التوقي
وقال ابو قرة الجوع للحمية أشد من العلة
وقال الجماز الحمية احدى العلتين
وقال القمي من احتمى فهو على يقين من تعجيل المكروه وفي شك مما يأمل من دوام الصحة وقال اعتبر عزمه بحميته وحزمه بمتاع بيته قال وذكر اعرابي رجلا فقال حناء المبتلى حنوط المعافى
وقالوا أمران لا ينفكان من الكذب كثرة المواعيد وشدة الاعتذار
وقيل لرجل من الحكماء ما جماع البلاغه قال معرفة السليم من المعتل وفصل ما بين المضمن والمطلق وفرق ما بين المشترك والمفرد وما يحتمل

(1/265)


التأويل من المنصوص المقيد
وقال سهل بن هرون في كتاب له واجب على كل ذي مقالة ان يبتدىء بالحمد قبل استفتاحها كما بديء بالنعمه قبل استحقاقها
وقال ابو ألبلاد
( إنا وجدنا الناس عودين طيبا ... وعودا خبيثا لا يبض على العصر )
( تزين الفتى اخلاقه وتشينه ... وتذكر اخلاق الفتى وهو لا يدري )
وقال آخر في هذا المعنى
( سابق الى الخيرات اهل العلى ... فانما الناس أحاديث )
( كل امرىء من شأنه كادح ... فوارث منه وموروث )
ولما قال حمل بن بدر لبني عبس والاسنة في ظهورهم والبوارق فوق رؤوسهم نؤدي السبق وندى الصبيان وتخلون سربنا وتسودون العرب انتهره حذيفة وقال اياك والكلام المأثور
وقال الشاعر
( اليوم خمر ويبدو في غد خبر ... والدهر من بين انعام واياس )
وقال اعرابي ان المسافر ومتاعه لعلى قلت الا ما وقى الله
وقالوا السفر قطعة من العذاب وصاحب السوء قطعة من النار
وجلس معاوية رضي الله تعالى عنه بالكوفة يبايع على البرءاة من علي بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه فجاءه رجل من بني تميم فأراده على ذلك فقال يا أمير المؤمنين نطيع أحياءكم ولا نبرأ من موتاكم فالتفت الى المغيرة فقال ان هذا رجل فاستوص به خيرا وقال الشاعر
( قالت امامة يوم برقة واصل ... يا ابن العذير لقد جعلت تغير )
( أصبحت بعد زمانك الماضي الذي ... ذهبت شبيبته وغصنك أخضر )
( شيخا دعامتك العصا ومشيعا ... لا تبتغي خبرا ولا تستخبر )
وكان الربيع بن خيثم لا يخبر ولا يستخبر وكان مطرف بن عبدالله يستخبر ويخبر قالوا فينبغي ان يكون اعقلهم وقال ابو عبيدة كان ابن سيرين لا يستخبر ولا يخبر وأنا أخبر واستخبر
وقال ابو عمرو بن العلاء لاهل الكوفة لكم حذلقة النبط وصلفهم ولنا

(1/266)


دها فارس وأحلامهم وأنشدوا للحارث بن حلزة اليشكري
( لا أعرفنك ان ارسلت قافيه ... تلقىالمعاذير ان لم تنفع العذر )
( إن السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر )
ومعنى المعاذير ههنا على غير معنى قول الله تبارك وتعالىفي القرآن ( بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقىمعاذيره )
اراد رجل الحج فسلم على شعبة بن الحجاج فقال له أما انك ان لم تعد الحلم ذلا والسفه أنفا سلم لك حجك
وكان علي رضي الله تعالىعنه بالكوفة قد منع الناس من القعود على الطريق فكلموه في ذلك فقال أدعكم على شريطة قالوا وماهي يا أمير المؤمنين قال غض الابصار ورد السلام وارشاد الضلال قالوا قد قبلنا فتركهم
وكان أبو نوفل بن ابي عقرب لايجلس الا على باب داره وكان عامرا بالمارة فقيل له ان في ذلك نشرة وصرف النفوس عن الاماني واعتبارا لمن اعتبر وعظة لمن فكر فقال ان في ذلك حقوقا يعجز عنها ابن خيثمة قالوا وما هي قال غض الطرف ورد التحية وارشاد الضال وضم اللقطة والتعرض لطلاب الحوائج والنهي عن المنكر والشغل بفضول النظر الداعية الى فضول القول والعمل وعادة قطعتها اشتدت وحشتك وان صلتها قطعتك عن أمور هي أولى بك
قال فضيل بن عياض لسفيان الثوري دلني على جليس أطمئن اليه قال هيهات تلك ضالة لا توجد
وقيل لبعض العلماء اي الامور أمتع قال مذاكرة العلماء وقيل لعبد الرحمن بن ابي بكرة أي الامور امتع قال الاماني
وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أساري بن الاشعث ان الله قد اعطاك ماتحب من الظفر فاعط الله ما يحب من العفو
وقال هزيم بن عدي بن أبي طحمة ليزيد بن عبد الملك بعد ظفره بيزيد ابن المهلب ما رأينا احدا ظلم ظلمك ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك قال وذم رجل رجلا فقال سيء الروية قليل التقية كثير السعاية قليل النكاية

(1/267)


قال معاوية لمعاوية بن حديج الكندي ما جرأك على قتل قريش قال ما أنصفتمونا تقتلون حلماءنا وتلوموننا على قتل سفهائكم وهو الذي قال لأم الحكم بنت ابي سفيان والله لقد نكحت فما استكرمت وولدت فما أنجبت
قال ابو بكر بن مسلمة عن ابي اسحق القيسي لما قدم قتيبة بن مسلم خراسان قال من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه وان كان في فيه فليلفظه وان كان في صدره فلينفثه فعجب الناس من حسن ما فصل وقسم قال ثم غبر بعد ذلك عيال عبد الله بن خازم وما بخراسان احسن مالا منهم
وقال عنبسة القطان شهدت الحسن وقال له رجل بلغنا انك تقول لو كان علي بالمدينة يأكل من حشفها لكان خيرا له مماصنع فقال الحسن يالكع أما والله لقد فقدتموه سهما من مرامي الله غير سؤوم لامر الله ولا سروقة لمال الله أعطى للقران عزائمه فيما عليه وله فأحل حلاله وحرم حرامه حتى أورده ذلك رياضا مونقة وحدائق مغدقة ذاك ابن ابي طالب يالكع
قال يزيد بن عقال قال عبد الملك بن صالح يوصي ابنه وهو امير سرية ونحن ببلاد الروم فقال له انت تاجر الله لعبادة فكن كالمضارب الكيس الذي ان وجد ربحا تجر وإلا احتفظ برأس المال ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة وكن من احتيالك علىعدوك اشد خوفا من احتيال عدوك عليك
وقال بعض الحكماء لا تصطنعوا الى ثلاثة معروفا اللئيم فانه بمنزلة الارض السبخة والفاحش فانه يرى الذي صنعت اليه انما هو لمخافة فحشه والاحمق فانه لا يعرف قدر ما أسديت اليه فاذا اصطنعت الى الكرام فازدرع المعروف واحصد الشكر قال وواضع المعروف في غير اهله كالمسرج في الشمس والزارع في السبخ ومثله البيت السائر في الناس
( ومن يصنع المعروف في غير اهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر )
وقالوا من لم يعرف سوء ما يولى لم يعرف حسن ما يولى
وقال الايادي صاحب الصرح الذي اتخذ سلما لمناجاة الرب - وهوالذي كان يقول مرضعة وفاطمة القطيعة والفجيعة وصلة الرحم وحسن الكلم - قال

(1/268)


زعم ربكم ليجزين بالخير ثوابا وبالشر عقابا ان من في الارض عبيد لمن في السماء هلكت جرهم وربلت إياد وكذلك الصلاح والفساد من رشد فاتبعوه ومن غوى فارفضوه كل شاة برجلها معلقة وإياه عنى الشاعر بقوله
( ونحن إياد عبيد الإله ... ورهط مناجيه في السلم )
( ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان الرعاف على جرهم )
تعزية امرأة للمنصور على أبي العباس مقدمه من مكة قالت اعظم الله اجرك فلا مصيبة اجل من مصيبتك ولا عوض أعظم من خلافتك
وقال عثمان بن حزيم للمنصور حين عفا عن اهل الشام في اجلائهم مع عبدالله ابن علي عمه يا أمير المؤمنين لقد أعطيت فشكرت وابتليت فصبرت وقدرت فعفوت وقال آخر يا امير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل والمتفضل قد جاوز حد المنصف فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله ان يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون ان يبلغ ارفع الدرجتين وقال اخر من انتقم فقد شفى غيظ نفسه وأخذ اقصى حقه واذا انتقمت فقد انتقصت واذا عفوت تطولت ومن اخذ حقه وشفى غيظه لم يجب شكره ولم يذكر في العالمين فضله وكظم الغيظ حلم والحلم صبر والتشفي طرف من العجز ومن رضي ان لا يكون بين حاله وبين حال الظالم الا ستر رقيق وحجاب ضعيف فلم يجزم في تفضيل الحلم وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم ولم تر أهل النهي والمنسوبين الى الحجى والتقى مدحوا الحكام بشدة العقاب وقد ذكروهم بحسن الصفح وبكثرة الاغتفار وشدة التغافل وبعد فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب والعافي مستدع لشكرهم امن من مكافأتهم ايام قدرتهم ولأن يثنى عليك باتساع الصدر خير من ان يثنى عليك بضيق الصدر على ان اقالتك عثرة عباد الله موجب لاقالتك عثرتك من رب عباد الله وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك
قال الموت الفادح خير من اليأس الفاضح وقال الاخر لا أقل من الرجاء فقال الآخر بل اليأس المريح وقال عبد الله بن وهب الراسبي ازدحام الجواب مضلة للصواب وليس الرأي بالارتجال وليس الحزم

(1/269)


بالاقتضاب فلا تدعونك السلامة من خطأ موبق او غنيمة من صواب نادر الى معاودته والتماس الارباح من قبله ان الرأي ليس بنهبي وخمير الرأي خير من فطيره ورب شيء غابة خير من طرية وتأخير خير من تقديمة
ولما قدم بعبد الجبار بن عبد الرحمن الى المنصور قال يا أمير المؤمنين قتلة كريمة قال تركتها وراءك يا ابن اللخناء
ولما احتال أبو الازهر المهلب بن عبيثر المهري لعبد الحميد بن ربعي بن خالد ابن مغداق وأسلمه الى حميد بن قحطبة وأسلمه حميد الى المنصور ولما صار الى المنصور قال لا عذر فأعتذر وقد احاط بي الذنب وانت أولى بما ترى قال لست أقتل احدا من آل قحطبة بل أهب مسيئهم لمحسنهم وغادرهم لوفيهم قال ان لم يكن في مصطنع فلا حاجة لي في الحياة ولست أرضى ان اكون طليق شفيع وعتيق ابن عم قال اخرج فانك جاهل وانت عتيقهم ماحييت
قال زياد بن ظبيان التيمي لابنه عبيد الله بن زياد - وزياد يومئذ يكيد بنفسه وعبيد الله غلام - ألا أوصى بك الامير زيادا قال لا قال ولم قال اذا لم يكن للحي الا وصية الميت فالحي هو الميت
ودخل عمرو بن سعيد على معاوية بعد موت أبيه - وعمرو يومئذ غلام - فقال له معاوية الى من أوصى بك أبوك يا غلام قال ان أبي أوصى الي ولم يوص بي قال وبأي شيء أوصاك قال اوصاني ان لا يفقد اخوانه منه الا وجهه قال معاوية لاصحابة ان ابن سعيد هذا لأشدق ولما داهن سفيان ابن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم بن عبد الله وصار سفيان الىا لمنصور أمر الربيع فخلع سواده ووقف به على رؤوس اليمانية في المقصورة في يوم الجمعة ثم قال يقول لكم أمير المؤمنين قد عرفتم ماكان من احساني اليه وحسن بلائي عنده والذي حاول من الفتنة والغدر و البغي وشق العصا ومعاونة الاعداء وقد رأى أمير المؤمنين ان يهب مسيئكم لمحسنكم وغادركم لوفيكم
قال يونس بن حبيب المفحم يأتيه دون ما يرضى ويطلب فوق مايقوى
وذكر بعض الحكماء أعاجيب البحر وتزيد البحرين فقال البحر كثير

(1/270)


العجائب وأهله اصحاب الزوائد فأفسدوا بقليل الكذب كثير الصدق وأدخلوا ما لا يكون في باب ما قد يكاد ان يكون فجعلوا تصديق الناس لهم في غرائب الاحاديث سلما الى ادعاء المحال وقال بعض العرب حدث عن البحر ولا حرج وحدث عن بني اسرائيل ولا حرج وحدث عن معن ولا حرج وجاء في الحديث كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر
وكتب عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يصف له البحر فقال يا امير المؤمنين البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير دود على عود وقال الحسن إملاء الخير خير من الصمت فالصمت خير من املاء الشر وقال بعضهم مروا الاحداث بالمرء والكهول بالفكر والشيوخ بالصمت
قال عبد الله بن شداد قال أرى داعي الموت لا يقلع وأرى من مضى لا يرجع لا تزهدن في معروف فان الدهر ذو صروف كم راغب قد كان مرغوبا اليه وطالب اصبح مطلوبا اليه والزمان ذو ألوان من يصحب الزمان ير الهون وان غلبت يوما علىالمال فلا تغلبن على الحيلة على حال وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مالا
وقيل لقيس بن عاصم بم سدت قومك قال ببذل الندى وكف الاذى ونصر المولى وقيل لشيخ أين شبابك قال من طال أمده وكثر ولده ودف عدده وذهب جلده ذهب شبابه وقال زياد لا يعدمنك من الجاهل كثرة الالتفات وسرعة الجواب
وقال عبد الرحمن بن ام الحكم لولا ثلاث ما باليت متى مت تزاحف الاحرار الى طعامي وبذل الاشراف وجوههم الي في أمر اجد اليك السبيل وقول المنادي الصلاة ايها الامير
وقال ابن الاشعث لولا أربع خصال ما أعطيت بشريا طاعة لو ماتت أم عمران يعني أمه ولو شاب رأسي ولو قرأت القران ولو لم يكن رأسي صغيرا
وقال معاوية اعنت علىعلي بثلاث خصال كان رجلا يظهر سره وكنت كتوما لسري وكان في اخبث جند وأشده خلافا وكنت في اطوع جند وأقله خلافا وخلا باصحاب الجمل فقلت ان ظفر بهم اعتددت بهم عليه وهنا في

(1/271)


دينه وان ظفروا به كانوا اهون علي شوكة منه وكنت أحب الى قريش منه فكم شتيت جامع الي ومفرق عنه
وقال جهم بن حسان السليطى قال رجل للاحنف دلني على حمد بلا مرزئة قال الخلق السجيح والكف عن القبيح ثم اعلموا ان أدوا الداء اللسان البذيء والخلق الرديء
وقال محمد بن حرب الهلالي قال بعض الحكماء لا يكونن منكم المحدث ولاينصت له والداخل في سر اثنين لم يدخلاه ولا اتي الدعوة لم يدع اليها ولا الجالس المجلس لا يستحقه ولا الطالب الفضل من ايدي اللئام ولا المتعرض للخير من عند عدوه ولا المتحمق في الدالة
باب مزدوج الكلام
قالوا قال رسول الله في معاوية رضي الله تعالى عنه اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب
وقال رجل من بني اسد مات لشيخ منا ابن فاشتد جزعه عليه فقام اليه شيخ منا فقال إصبر ابا أمامة فانه فرط افرطته وخبر قدمته وذخر ادخرته فقال مجيبا له ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته والله لئن لم اجزع من النقص لا افرح بالمزيد
قال الاصمعي قال ابن قصير خير الخيل الذي اذا استدبرت حبا واذا استقبلته أقعى واذا استعرضته استوى واذامشى ردى واذا ردى دحا
ونظر ابن قصير الى خيل عبد الرحمن بن أم الحكم فأشار الى فرس منها فقال تجيء هذه سابقة قالوا وكيف قال رأيتها مشت فكتفت وخبت فوجفت وعدت فنسفت وذكرت امرأة زوجها فقالت ذهب زفرة وأقبل بخرة وفتر ذكره وكان مالك بن الاخطل قد بعثه أبوه يسمع شعر جرير والفرزدق فسأله أبوه عنهما فقال جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر فقال الذي يغرف من بحر أشعرهما
قد ذكرنا من مقطعات الكلام وقصار الاحاديث بعد ما أسقطنا به مؤونة الخطب الطوال وسنذكر من الخطب المسندة الى اربابها مقدارا لا يستفرغ

(1/272)


مجهود من قرأها ثم نعود بعد ذلك الى ما قصر منها وخف والى أبواب قد تدخل في هذه الجملة وان لم تكن مثل هذه بأعيانها والله الموفق
خطبة عبد الله بن الاهتم
قال أبوالحسن عن يحيى بن سعيد عن ابن خربوز البكري عن خالد ابن صفوان دخل عبد الله بن الاهتم علىعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مع العامة فلم يفجأ عمر الا وهو ماثل بين يديه يتكلم فحمدالله وأثنى عليه ثم قال
أمابعد فان الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم آمنا لمعصيتهم والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون والعرب بشر تلك المنازل أهل الوبر وأهل المدر تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشتها ميتهم في النار وحيهم أعمى مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه فلما أراد الله ان ينشر فيهم رحمته بعث اليهم رسولا منهم ( عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) فلم يمنعهم ذلك ان جرحوه في جسمه ولقبوه في اسمه ومعه كتاب من الله لا يرحل الا بأمره ولا ينزل الا باذنه واضطروه الى بطن غار فلما امر بالغرامة اصفر لأمر الله لونه فافلج الله حجته وأعلى كلمته واظهر دعوته ففارق الدنيا تقيا نقيا
ثم قام بعده ابوبكر رضي الله تعالى عنه فسلك سنته وأخذ بسبيله وارتدت العرب فلم يقبل منهم بعد رسول الله الا الذي كان قابلا منهم فانتضى السيوف من أغمادها و اوقد النيران من شعلها ثم ركب بأهل الحق اهل الباطل فلم يبرح يفصل اوصالهم ويسقي الارض دماءهم حتى ادخلهم في الذي خرجوا عنه وقررهم بالذي نفروا منه وقد كان اصحاب من مال الله بكرا يرتوي عليه وحبشية ترضع ولدا له فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه فأدى ذلك الى الخليفة من بعده وبرىء اليهم منه وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه رضي الله تعالى عنه
ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فمصر الامصار وخلط الشدة باللين فحسر عن ذراعيه وشمر عن ساقيه وأعد للأمور أقرانها وللحرب آلتها فلما اصابه قن المغيرة بن شعبة امر ابن عباس يسأل

(1/273)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية