صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البصائر والذخائر
المؤلف : أبو حيان التوحيدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
ولعل صنع الله في طيها عنك أكثر من انتشارها عليك.
وما أحسن ما قال عبد الله بن طاهر بن صفة الدنيا حين كتب إلى المعتصم: أما بعد، فإن الدنيا قد عاينت نفسها بما أبدت من تصرفها، وأنبأت عن مساوئها بما أظهرت من مصارع أهلها، ودلت على عوراتها بعين حالاتها، وقطعت ألسنة العز فيها عين زوالها. وشهد إخلاق شؤونها على فنائها. فلم يبق لمرتاب في أمرها ريب، ولا لناظر في عواقبها شك، بل عرفها جل من عرفها معرفة يقين، وكشفوها أبرز تكشف، ثم أضلتهم الأهواء عن منافع العلم، ودلتهم الآمال بغرور، فلججوا في غمرات العجز، فسبحوا في بحورها موقنين بالهلكة، ورتعوا في عراضها عارفين بالخدعة، وكان يقينها شكا، وعلمهم جهلا، لا بالعلم انتفعوا، ولا بما عاينوا اعتبروا، قلوبهم عالمة جاهلة، وأبدانهم شاهدة غائبة، حتى طرقتهم المنية، فأعجلتهم عن الأمنية، فبعثتهم القيامة. وأقدمتهم الندامة، وكذلك الأمل: ينسئ طويلا ويأخذ وشيكا، فانتفع امرؤ بعلمه وجاهد هواه أن يضله، وخاف أمله أن يغره، وقوي يقينه على العمل، ونفي عنه الشك بقطع الأمل، فإن الهوى والأمل إذا استضعفا اليقين صرعاه، وإذا تعاونا على ذي غفلة خدعاه، فصريعهما لا ينهض سالما وخديعهما لا يزال نادما، والقوي من قوي عليهما، والحارس من احترس منهما؛ ألبسنا الله وإياكم جنة الحذر، ووقانا وإياكم سوء القضاء والقدر.
ولو كان هذا الكلام لابن المبارك أو منصور بن عمار أو ابن السماك لكان كبيرا. فكيف وهو لعبد الله بن طاهر، ونصيبه من عشق العاجلة ومحبته للدنيا ما نعرفه؟ إلا أن يكون غيب حاله خلاف مشهده، والتفاوت في الكلام أمر راتب في الخلق، وكذلك في العمل، وكذلك في الإخلاص، وكذلك فيما ينتصب للإخلاص من الدرجات والمنازل، فسبحان من هذا خلقه في خلقه وهذا أمره في أمره.
1 - كتب طاووس إلى مكحول: أما بعد فإنك قد اصبت بما ظهر من علمك عند الناس منزلة وشرفا، فالتمس بما بطن من عملك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تقربك للأخرى والسلام.
2 - قال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
3 - قال بعض السلف: إنكم لا تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون.
4 - وقال بعض الزهاد: بمرارة دواء العبادة تنال حلاوة شفاء العاقبة.
5 - قال بزرجمهر: إياك وقرناء السوء، فإنك إن عملت قالوا: راءيت، وإن قصرت قالوا: أثمت، وإن بكيت قالوا: بهت، وإن ضحكت قالوا: جهلت، وإن نطقت قالوا: تكلفت، وإن سكت قالوا: عييت، وإن اقتصدت قالوا: بخلت.
6 - وقال بعض السلف: قارب إخوانك في خلائقهم تسلم من بوائقهم.
7 - وقال أعرابي: دع مصارمة أخيك، وإن حثا التراب في فيك.
8 - وقال بعض السلف: من أفحش الظلم أن يلزمك حقك في مال أخيك فيبذله لك، وتلزمه حقه في تعظيمك إياه، فإذا أنت قد جشمته إفضال المنعمين، وابتذلته ابتذال الأكفاء.
9 - كتب أحمد بن المعذل إلى أخيه عبد الصمد: أما بعد، فقد شمل عرك، وعم أذاك، وصرت فيك كأب الابن العاق، إن عاش نغصه، وإن مات نقصه؛ فأجابه عبد الصمد: المتقارب
أطاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنه
كأن لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنه
وينظر نحوي إذا جئته ... بعيني حماة إلى كنه
10 - قال ابن الغريض الكاتب: عشق رجل غلاما ظريفا فكتب إليه يسأله زيارته، فأجابه الغلام: شدة شكواك تدعو إلى إسعافك. وصانتنا أنفسنا وإياك تدعو إلى منعك، ولمكروه المنع مع السلامة من شناعة القول خير من محبوب الإسعاف مع شماتة الحاسد. وإطلاق لسانه بما يشيننا ويشينك، وإن أجد فرصة أثق معها بالستر، وآمن من سوء الذكر، أصر إليك، فأديل الهوى من الرأي، وأملكه أزمتنا.
ثم إنهما اجتعما في مجلس فلم يمكنهما المفاوضة، فكتب الرجل في رقعة: انظر إلي، فوقع الغلام نظري إليك فتنة. وإعراضي عنك محنة، فارض باللحظة، واستمتع باللفظة بعد اللفظة، واحذر عادية الحفيظة.

(1/221)


11 - قال الحجاج على المنبر: أيها الناس، من أعيا داؤه فعندي دواؤه، ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقية؛ إن للشيطان طيفا، وللسلطان سيفا، فمن سقمت سريرته، صحت عقوبته، ومن وضعه ذنبه، رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية، لم تضق عنه الهلكة، ومن سبقت بادرته فقد سبق بدنه سفك دمه؛ وإني أنذركم ثم لا أنظركم، وأحذركم ثم لا أعذركم، وأتوعدكم ثم لا أغفر، إنما أفسدكم وهن ولاتكم، ومن استرخى لببه ساء أدبه؛ إن الحزن والعزم سلباني سوطي، وأبدلاني سيفي، فقائمه في يدي، ونجاده في عنقي، وذبابه قلادة من عصاني، والله لا آمر أحدكم أن يدخل من أحد أبواب المسجد فيدخل من الباب الآخر إلا ضربت عنقه.
12 - نظر مروان بن أبي حفصة إلى عنان جارية الناطفي تبكي من ضرب مولاها فقال: السريع
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت:
فليت من يضربها ظالما ... تجف يمناه على سوطه
واستجازها بيتا آخر وهو: الطويل
وما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس من أحشائه وتكلما
فقالت:
ويبكي فأبكى رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما
13 - أهدى المعلى بن أيوب إلى المتوكل في يوم نيروز سكرة عليها خيارة صغيرة، فسئل عن ذلك فقال: الحلاوة للسكر، والخيارة فلأنه في إقبال أيامه وابتداء ظهوره، ولأن اسمه بالفارسية والعربية والنبطية خيار، وهم خيار وخيرة وأخيار وخير.
14 - لما ذهب بهدبة ليقتل انقطع قبال نعله فجلس يصلحه فقيل له: أتصلحه وأنت على ما أنت؟ فقال: الوافر
أشد قبال نعلي أن يراني ... عدوي للحوادث مستكينا
15 - اعتذر كاتب إلى صديق له من تأخر اللقاء فأجابه: أنت في أوسع عذر عند ثقتي، وفي أضيق العذر عند شوقي.
16 - وكتب حمد بن مهران إلى أبي دلف بن عبد العزيز في يوم نيروز: قدر الأمير أدام الله تمكينه يجل عما تحيط به المقدرة، وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة.
17 - وكتب رجل إلى ابن سيابة يسأله عن رجل فكتب في الجواب: هو والله غث في دينه، قذر في دنياه، رث في مروءته، منقطع إلى نفسه، راض عن عقله، بخيل بما وسع عليه من رزقه، كتوم لما آتاه الله من فضله، حلاف لجوج، لا ينصف إلا صاغرا، ولا يؤمر إلا كابرا، ولا يعدك إلا راغما، يرفع نفسه عن منزلة الأذل بعد تعززه فيها.
18 - عتبت متيم على علي بن هشام فهجرته، وترضاها بكل شيء فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال داعية الملال، والتغضب مقدمة التجنب، ورب هجر يدعو إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه، وما أحسن ما قال العباس: الخفيف
ما أراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران
ملني واثقا بحسن وفائي ... ما أضر الوفاء بالإنسان
19 - لسعيد بن حميد: الطويل
قربت فلم نرج اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها
فأصبحت كالشمس المضيئة نورها ... قريب ولكن أين منا منالها
كظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلم خيالها
تقربها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها واعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وانفتالها
20 - قال علي بن الجهم: لحظت فضل الشاعرة لحظة استرابت بها فقالت: الرجز
يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك لا يمرضه ... وأي عقد محكم لا ينقضه
21 - وجد أبو العباس ابن ثوابة على سعيد بن حميد فكتب إليه سعيد: الكامل
أقلل عتابك فالزمان قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث الليالي أولعت ... بنوى تفرق بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول

(1/222)


ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لدي عديل
وليذهبن جمال كل مروءة ... وليقفرن فناؤها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
22 - جحد رجل مال رجل فاحتكما إلى إياس بن معاوية، فقال للطالب: أين دفعت إليه هذا المال؟ قال: عند شجرة في مكان كذا وكذا، قال: فانطلق إلى ذلك المكان فلعلك تتذكر كيف كان أمر هذا المال، ولعل الله يوضح لك سببا. فمضى الرجل، وجلس خصمه، فقال إياس بعد ساعة: أترى خصمك بلغ موضع الشجرة؟ قال: لا، بعد، قال: يا عدو الله، أنت خائن، قال: أقلني أقالك الله، فاحتفظ به حتى أقر ورد المال.
23 - شهد سوار عند بلال بن أبي بردة وآخر معه، فقال بلال: يا سوار، ما تقول في هذا الرجل؟ قال: إنما جئت شاهدا ولم آت مزكيا، قال: أفحضر معك هذه الشهادة؟ قال: نعم.
24 - قال أعرابي: الكلام فنون، وخيره ما وفق به القائل، وانتفع به السائل والمستمع.
25 - قال بعض العلماء: أصح الأخبار ما نقله خيار الخلف عن أبرار السلف.
26 - قال أعرابي: دع النمائم فإن أولها سمائم، وآخرها مآثم.
27 - قال أعرابي: رب مخوف ينال، ومرجو لا ينال.
28 - قال بكر بن عبد الله المزني: إذا رأيت قبيحا من ناسك فالفظه، وإذا رأيت حسنا من فاتك فاحفظه.
29 - قال أعرابي: أطيب الزمان ما قرت به العينان.
30 - من كلام الجاهلية الأولى: كل مقيم شاخص، وكل زائد ناقص.
31 - وقال آخر: أكثر الناس بالقول مدل، وبالفعل مقل.
32 - وقال آخر: أعد لصديقك بذلك، ولعدوك عذلك.
33 - وقال أعرابي: ليس العمل للوفاء، كالسعي للرجاء.
34 - وقال آخر: رب بعيد لا يفقد بره، وقريب لا يؤمن شره.
35 - وقال آخر: من أحم قرم، ومن تهور ندم 36 - وقال آخر: أبين العجز قلة الحيلة، وملازمة الحليلة.
37 - وقيل لصوفي: كيف أنت؟ قال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
38 - وقال بعض الهند في كتابه: لا ظفر مع بغي، ولا صحة مع حرص، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خب، ولا شرف مع سوء الأدب، ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا ولاية حكم مع عدم فقه، ولا عذر مع إصرار، ولا سلامة مع غيبة، ولا راحة قلب مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عجب، ولا صواب مع استبداد، ولا ثبات مع جهل الوزراء.
39 - قال عبد الملك الكاتب: تزوج بعض أصحابنا سرا من أهله، فأولدها بنتا ولم يكن هناك بينة، ثم عشق أخرى وفارقها وجحد ابنتها، وكان يأتي الجديد على السفاح، فاحتالت القديمة حتى علمت حضوره عند الزانية، ثم مضت إلى صاحب الرفع وسلمتها إليه، ثم وجهت إلى زوجها: إني إن خلصتك أقررت بنكاحي وبنتي؟ قال: نعم، فجاءت فدخلت السجن كأنها تزور وقالت للزانية: أخرجي بلباسي كأنك أنا، ففعلت، وقالت: قولي للرجل إني امرأتك، وقوي قلبك ولسانك فإن الجيران يشهدون لي بذلك، ففعلت وتعرف الوالي من الجيران فاعترفوا فخلاهما.
40 - قال المدائني: تذاكر قوم من ظراف البصرة الحسد، فقال رجل: إن الناس ربما حسدوا على الصلب، فانكروا ذلك، ثم جاءهم بعد أيام فقال: إن الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف، ومالك بن مسمع، وقيس بن الهيثم، وحجام يعرف بحمدان، فقالوا: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء؟! فقال: ألم أقل إن الناس يحسدون على الصلب؟! 41 - خطب عتبة بن غزوان فقال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بتصرم. وولت حذاء، فلم يبق فيها إلا صبابة كصبابة الإناء، فتزودوا خير ما يحضركم. وهو تقوى الله جل جلاله وطاعته، والانتهاء عن معصيته، ولقد رأيتني في سبعة نفر مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، نأكل العضاة حتى قرحت أشداقنا. ثم أصبحنا وما منا أحد إلا على كورة من هذه الكور.

(1/223)


42 - وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: لو حدرت صخرة على شفير النار لهوت قبل أن تقع في قعرها سبعين خريفا، وإن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين يوم كظيظ الزحام، ألا وإنها لم تكن نبوة إلا كان بعدها ملك وجبرية، وأعوذ بالله أن أكون في عين الله صغيرا وفي عيني عظيما، وستجربون الأمراء بعدي. وكان عمر عزله بالمغيرة عن البصرة.
43 - قال الأعرابي: السعيد من أغضى بصرة لهول المرجع، وأراق دمعه لخوف المصرع.
44 - لمكنف من ولد زهير بن أبي سلمى: الكامل
بكت العيون فأقرحت عبراتها ... أجفانها حزنا على إسحاق
ولئن بكت جزعا عليه لقد بكت ... جزعا مكارم الأخلاق
يا خير من بكت المكارم فقده ... لم يبق بعدك للمكارم باق
لو طاف في شرق البلاد وغربها ... لم يلق إلا حامدا لك لاق
ما بت من كرم الطبائع ليلة ... إلا لعرضك من نوالك واق
بخلت بما حوت الأكف وإنما ... خلق الإله يديك للإنفاق
45 - قال يونس: العرب تقول: وجدان الرقين يغطي أفن الأفين، يعني أن الذهب والفضة يغطيان حمق الأحمق.
46 - قال الزبير بن بكار: كان غلام يسوق بأصحابي ويرطن بالزنجية شيئا، يوقع عليه شبه الشعر، فمر بنا رجل يعرف لسانه فاستمع له ثم قال: إنه يقول: الطويل
فقلت لها أني اهتديت لفتيه ... أناخوا بجعجاع قلائص سهما
فقالت كذاك العاشقون ومن يخف ... عيون الأعادي يجعل الليل سلما
47 - قال مسلم بن عبد الله بن مسلم الهذلي: خرجت أريد العقيق ومعي زبان، فلقينا نسوة فيهن جارية قد بهرتهن حسنا، فأنشد زبان بيتي أبي وهما: الطويل
ألا يا عباد الله هذا أخوكم ... قتيلا فهل منكم به اليوم ثائر
خذوا بدمي إن مت كل خريدة ... مريضة جفن العين والطرف ساحر
ثم قال لي: شأنك بها يا ابن الكرام فوالله إن لم يكن دم أبيك في ثيابها، فأقبلت علي فقالت: أنت ابن أبي جندب؟ قلت: نعم، قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم نفسك، واحتسب أباك.
48 - قال الأصمعي: تقول العرب في العدد: آخر حرف من الثالث إلى العاشر أحاد وثنا وثلاث ورباع وخماس وسداس وسباع وثمان وتساع وعشار؛ قال الأخفش: الأكثر أثنا، وأنشد: الرمل المجزوء
قل لعمرو يا ابن هند ... لو شهدت اليوم شنا
لرأت عيناك منهم ... كل ما كنت تمنى
إذا أتتنا فيلق شهيا ... ء من هنا وهنا
وأتت دوسر والملحا ... ء سيرا مطمئنا
ومشى القوم إلى القو ... م أحادا وأثنا
وثلاثا ورباعا ... وخماسا فطعنا
وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا
لا ترى إلا كميا ... قاتلا منهم ومنا
قال المبرد: لخلف الأحمر نحلة بعض الأعراب وأنشد: الرجز
يفديك يا ويح أبي وخالي ... قد مر شهران وهذا الثالي
وأنت بالهجران لا تبالي
آخر: الطويل
ثلاثة أملاك كرام ورابع ... وما الخام منهم باللئيم المذمم
آخر: الوافر
إذا ما عد أربعة لجود ... فزوجك خامس وأبوك سادي
آخر: الوافر
مررت بربعها فوقفت فيه ... على سفع جوائم فوق آس
وقد مرت به من بعد عهدي ... ثمانية وهذا العام تاس
آخر: المتقارب
تراهن في الجو تلو النسيم ... فطورا أحادا وطورا ثنا
49 - قال عبد الكريم بن وهب، سمعنا الشافعي ينشد: الوافر
وأنطقت الدراهم بعد صمت ... أناسا طال ما كانوا سكوتا
فما عطفوا عل أحد بفضل ... ولا عرفوا لمكرمة بيوتا
50 - قال الهيثم بن عدي: خرج سوار بن عبيد وهو أحد الخوارج على عبد الملك بن مروان بعد أبي فديك باليمامة، وكان عامله عليها يزيد بن هبيرة، فقتل يزيد سوارا، ثم إنه تزوج ابنة امرأة من الطلبيات؛ من ولد طلبه بن قيس ابن عاصم المنقري، فلما دخل عليها قالت: الوافر

(1/224)


للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
وبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
وخرق من بني عمي نحيف ... أحب إلي من علج عنيف
51 - قال محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة: هذه الملح تعجب عقلاء الرجال.
52 - قال المبرد: الوجذ: جمعه وجاذ، وهي النقرة التي يستنقع فيها الماء، كالوهد والوهاد؛ قال أبو عمر الجرمي: الوجذ: كل مستنقع ماء.
53 - قيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك؟ قال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا، وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا، فواحسرتي على ما فرطت، وواسوأتي مما قدمت، بلى، ثلجت القلوب لما ترجو من عفوه عن المذنب، وقبوله من المعتب.
54 - وصف أعرابي رجلا فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، إن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه المسيء.
55 - وقال أعرابي: ألم أكن نهيتك أن تريق ماء وجهك بمسألتك من لا ماء في وجهه؟! 56 - وقال: والله لو وقع فلان في ضحضاح معروفة لغرق.
57 - وقال أعرابي لأخيه ورآه حريصا على الدنيا: يا أخي أنت طالب ومطلوب، ويطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، وكأن ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه؛ يا أخي كأنك لم تر حريصا محروما. ولا زاهدا مرزوقا.
58 - سئل أعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: أحسنهم لفظا، وأمثلهم بديهة، قيل: فمن أصبر الناس؟ قال: أردهم لجهله بحلمه، إن قاتل أبلى. وإن أعطى أغنى.
59 - قيل لأعرابي: كيف فلان؟ قال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى.
60 - وقال أعرابي: أما فلان فلسانه أحلى من الشهد، وصدره سجن الحقد.
61 - وقال آخر في وصف آخر: إذا نزلت به النوائب قام إليها، ثم قام بها ولم تقعد به علات الأنفس.
62 - وقال أعرابي في وصف قوم: والله ما نالوا بأطراف أناملهم شيئا إلا قد وطئنا بأقدامنا، وإن أقصى مداهم لأدنى فعالنا.
63 - ذم أعرابي آخر فقال: لا يخشى عاجل عار، ولا آجل نار، كالبهيمة تأكل ما وجدت، وتنكح ما لحقت.
64 - قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ليس خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولا من ترك الدنيا للآخرة، ولكن من أخذ من هذه لهذه.
65 - وقال أعرابي: خطب رجل منا مغمور امرأة مغمورة، فقيل لولي المرأة: تعمم لكم فزوجتموه، فقال: إنا تبرقعنا له قبل أن يتعمم لنا.
66 - وقال غيره: لئن هملجت في الباطل إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عن الحق ليسر عن إليك.
67 - وقال أعرابي: إن لم يعدلك الحق عدلك الباطل.
68 - وقال آخر لصاحب له: قد نهيتك عن مسألة أقوام أرزاقهم من ألسن الموازين، ورؤوس المكاييل.
69 - وذم أعرابي آخر فقال: لا يكون في موضع إلا حرمت الصلاة فيه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه، ولو نزلت لعنة لم تقع إلا عليه.
70 - وذم آخر رجلا فقال: سمين المال، مهزول المعروف، معدم مما يحب، مثر مما يكره، وهو أكثر ذنوبا من الدهر.
71 - وذم آخر رجلا فقال: هو من قوم سلخت أقفاؤهم بالشؤم، ودبغت جلودهم باللؤم، لباسهم في الدنيا الملامة، وزادهم في الآخرة الندامة.
72 - قال أعرابي لرجل شريف: ما أحوج عرضك إلى أن يكون لمن يصونه، وتكون أنت فوق من أنت اليوم دونه.
73 - وقال آخر لصاحب له: إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، ولست بواحد منهما.
74 - قال المسيح عليه السلام: لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا إلى ذنوبكم كأنكم عبيد.
75 - قال المنصور لشريك: أني لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده.
76 - وقال أعرابي: سيد القوم أشقاهم.
77 - وقال آخر: أعطاك الله ولا سلبك، وكلاك ولا وكلك، ومنحك ولا امتحنك.
78 - قال بعض الصالحين: من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، ومن أذنب وهو يبكي دخل الجنة وهو يضحك.
79 - نظر فيلسوف إلى امرأة قد خنقت على شجرة فقال: ليت كل شجرة تحمل مثل هذه الثمرة.
80 - وقال الثوري لما شاء الله المنجم: أنت تغدو بطالع، وأنا أغدو بالاستخارة، وأنت تخاف زحل، أنا أخاف ذنبي، وأنت ترجو المشتري، وأنا أرجو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
81 - وقال أبو حازم وقد نظر إلى فواكه منضدة في السوق: يا مقطوعة ممنوعة.

(1/225)


82 - ذكر المزاح عند خالد بن صفوان: يصك أحدكم قفا أخيه بأصلب من الجندل، وينشقه أحر من الخردل، ويفرع عليه أحر من المرجل، ثم يقول: أنا أمازحك.
83 - قال محمد بن أحمد الكاتب: سمعت بشر بن الحارث ينشد لبعض المحدثين: السريع
أقسم بالله لمص النوى ... وشرب ماء القلب المالحه
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن بالله تكن ذا غنى ... مغتبطا بالصفقة الرابحه
اليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوما له ذابحه
84 - قال أبو سعيد، واسمه عبد الوهاب بن الحريش: حضر علي بن حمزة الكسائي وأبو حنيفة عند هارون الرشيد، فقال أبو حنيفة للكسائي: ما لك لا تنظر في الفقه؟ فقال له الكسائي: أنا أفقه منك، ثم قال له: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار؟ فقال أبو حنيفة: ما لم تدخل لم يحنث، فقال له الكسائي: أخطأت، أما سمعت قول الله تعالى " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا " مريم: 90 - 91: أن دعوا أو لم يدعوا فقد دخلت، وقد حنث يا أيا حنيفة، فقال هارون: أحسنت يا أبا الحسن.
85 - كتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى صديق له: أنصف الله شوقي إليك من جفائك، وأخذ لبري من تقصيرك، لا سلط الدهر على حسن الظن بك، كما سلطه على لطيف محلي منك.
86 - لشاعر في تهنئة بمولود: الرجز
مد لك الله البقاء مدا ... حتى ترى نجلك هذا جدا
مؤزرا بمجده مردى ... ثم يفدى مثل ما تفدى
كأنه أنت إذا تبدى ... شمائلا محمودة وقدا
87 - قال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كالماء الملح متى يزدد شار به منه ريا يزدد ظمأ وعطشا.
88 - وقال أحمد بن المعذل لأخيه عبد الصمد: أنت كالإصبع الزائدة، إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت.
89 - وقال صاحب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السكر، ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصرا، ويزيد الخفاش سوء بصر.
90 - قيل لفيلسوف: لا تتكلم، فسكت، قيل له: لا تنظر، فغمض عينه، قيل له: لا تسمع، فسد أذنه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر على ذلك.
91 - قال الجماز: دخل مخنث الحمام فرأى رجلا كبير الأير، كثير الشعر، فقال: انظروا إلى الخليفة في القطيفة! 92 - قيل لمخنث عليل، وكان يشرب لبن الأتان: كيف أصبحت؟ قال: لا تسل عمن أصبح أخا الحمار.
93 - وقال في كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا.
94 - قيل لأعرابي: صف الزلزلة، فقال: كأنها فرس انتفض ثم راجع.
95 - قيل لرجل: صف لنا وليمة فلان، قال: كأنها زمن البرامكة في حسنها.
96 - قال صاحب كليلة: من نصح لمن لا يشكر له كان كمن ينثر بذره في السباخ، أو كمن أشار على معجب، أو كمن سار الأصم.
97 - وقال أيضا: لا يخفى فضل ذي فضل وإن أخفاه بجهده، كالمسك الذي يخبأ ويستر ثم لا يمنع ذلك ريحه من التذكي.
98 - وذكر الجماز رجلا فقال: كأن قيامه من عندنا سقوط جمرة من الشتاء.
99 - وقال صاحب كليلة أيضا: من لا يقبل من نصحائه ما يثقل عليه مما ينصحون له فيه، لم يحمد غب أمره، وكان كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب ويعمد لما يشتهي.
100 - قالت عجوز وقد رأت طلحة يوم الجمل: من هذا الذي كأن وجهه الدينار الهرقلي؟ قالوا: طلحة، قالت: فمن ذا الذي يتلمظ كأنه أرقم؟ قالوا: الزبير، قالت: فمن ذا الذي كسر ثم جبر؟ قالوا: علي بن أبي طالب.
101 - وقال صاحب كليلة: المودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بعيد اتصالها.
102 - تكلم وفد بين يدي سليمان بن عبد الملك فأخطأوا، وتكلم بعدهم رجل فأبلغ، فقال سليمان: كان كلامه بعد كلامهم سحابة لبدت عجاجة.
103 - وصف المعلى بن أيوب ابن الزيات فقال: كأنه لسان حية من ذكائه.
104 - وقال ابن الرومي الشاعر: شهر رمضان بين شعبان وشوال كمخشلبة بين درتين.
105 - قال أبو سلمان الطنبوري: شعبان درب لا ينفذ.
106 - وقال آخر: الصاحب كالرقعة في الثوب فالتمسه مشاكلا.

(1/226)


107 - وقال صاحب كليلة: لا يرد بأس العدو القوي بمثل التذلل والخضوع، كما أن الحشيش يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها.
108 - وقال أيضا: ليس العدو بموثوق به وإن أظهر جميلا، فإن الماء ولو أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها.
109 - وصف ملاح لصا دخل عليه فقال: كان طويلا مثل الدقل، أسود مثل قير السفينة، فخذه مثل السكان.
110 - سمع المازني قرقرة في بطن رجل فقال: هذه ضرطة مضمرة.
111 - قال سعيد بن حميد: عمل السلطان كالحمام، من دخل فيه يريد الخروج، ومن هو خارج يريد الدخول.
112 - وقال صاحب كليلة: الدنيا كدودة القز التي لا يزداد الإبريسم عليها عقدا إلا ازدادت من الخروج بعدا.
113 - وصف رجل ابن حجية المغني فقال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كل إنسان ما يشتهي.
114 - وقال بعض الفلاسفة: العقل كالسيف والنظر كالمسن.
115 - وقال علي رضي الله عنه: الدنيا لين مسها، وفي حشاها السم الناقع.
116 - رأى من بدر رجل كبير الأنف وفيه شعر كثير فقال: كأنما مليء أنفه شسوعا.
117 - وقال: المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت.
118 - وقال ابن مسعود: ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل خلف الفارين.
119 - وقال ابن الرومي وقد نظر إلى غيم أبيض متقطع في السماء: كأنه قطن يندف على بطانة زرقاء.
120 - نظر مزبد إلى رجل مديني أسود ينيك غلاما روميا فقال: كأن أيره في أسته كراع عنز في صحفة أرز.
121 - وقال ابن الرومي في كلية الجدي: كأنها لوبياء.
122 - وقال أبو العيناء وكان عند رئيس يخفض كلامه: كأنك قد طفل بك في منزلك.
123 - قدم ابن مكرم إلى أبي علي البصير جنبا غير نضيج فقال أبو علي: هذه شريحة قصب لا جنب.
124 - نظر عبادة إلى جارية سوداء على رأسها وقاية حمراء فقال: كأنها فحمة في رأسها نار.
125 - ذكر أبو العيناء ولد موسى بن عيسى فقال: كأن أنوفهم قبور نصبت على غير القبلة.
126 - قال رجل لابن الزيات: إني أتوسل إليك بالجواز وأسألك العطف، فقال: أما الجواز فنسب بين الحيطان، وأما العطف والرقة فهما للنساء والصبيان.
127 - قيل لراهب: إن فلانا رجع عن القراءة، فقال: دعوه فإنه لا يرجع إلى شيء أحلى من عبادة الله عز وجل.
128 - وقيل لراهب: أين الطريق؟ يسألونه الهداية، فأشار إلى السماء وقال: ها هنا.
129 - وقدم بعض الصوفية إلى المحراب ليصلي بالناس، فوقف ثم التفت يمينا وشمالا وقال: استووا رحمكم الله، ثم خرج، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إني استحييت من ربي أن آمركم بالاستواء، وأكون مقيما على عوج.
130 - وقيل لأعرابية معها شاة تبيعها: بكم تبيعين هذه الشاة؟ قالت: بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة؟ وانصرفت، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي وإنما قلتم أحسني، فالإحسان ترك الكل.
131 - قال الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنهما: التقية ديني ودين آبائي.
132 - قال أعرابي: من الكلام ما هو كسلك النظام، ومنه ما هو كرجيع الطعام.
133 - قصد رجل من الشعراء باب زبيدة بنت جعفر بن المنصور ببيتين مدحها بهما وهما: الكامل المجزوء
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب
فتبادر الشعراء والغلمان ليوقعوا به فقالت: كفوا عنه فإنه أراد خيرا فأخطأه، ومن أراد خيرا فأخطأه فهو خير ممن أراد شرا فأصاب.
143 - قال أبو عمرو بن العلاء: لا يزال الناس بخير ما اشتد ضرسهم وأيرهم.
135 - وقال حماد عجرد: إن كان الناس عصوا الله من حيث أراد فقد أطاعوه، وإن كانوا عصوه من حيث لم يرد فقد غلبوه.
136 - وأنشد حماد: البسيط
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
137 - قال بعض الصوفية: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله جل اسمه عاقبها بالوقيعة في أولياء الله تعالى.
138 - قال منصور بن عمار: لا أبيع الحكمة إلا بحسن الاستماع، ولا آخذ عليها ثمنا إلا فهم القلوب.
139 - كاتب: قادهم الله بخزائم أنوفهم إلى مصارع حتوفهم.

(1/227)


140 - قال أبو العباس الصولي: ما تعملت لشيء من الكلام قط إلا في شيئين: فكان ما يحرزه يبرزه، وما يعقله يعتقله.
141 - قيل لابن سيابة: ما تقول في فلان؟ قال: فيه كياد مخنث، وحسد نائحة. وشره قوادة، وملق داية، وذل قابلة، وبخل كلب، وحرص نباش.
142 - نظر مديني إلى قوم يستسقون ومعهم صبيان فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: نرجو بهم الإجابة، فقال: لو كان دعاؤهم مجابا لما بقي في الأرض معلم.
143 - تقاضى ثابت بن عبيد الله بن أبي بكرة غريما له بأربعين ألف درهم، فقال له الغريم: أدخلني دارك حتى أتوضأ، فأذن له، فخرج أبوه فقال له: ما لك؟ قال: حبسني ابنك، فخرج إليه فقال: أما وجدت لغرمائك محبسا إلا داري؟ هي علي، خل عنه.
144 - كان بهرام بن بهرام بن بهرام من ملوك فارس، والحارث بن الحارث بن الحارث من ملوك غسان، وحسن بن حسن بن حسن من الطالبيين، وأبو البختري وهب بن وهب بن وهب. وثلاثة سادوا فس نسق: المهلب بن أبي صفرة، وابنه يزيد، وابن يزيد مخلد وهو صبي.
145 - ويقال: كان أبو طالب عطارا، وكان أبو بكر بزازا، وكان عمر دلالا يسعى بين البائع والمشتري، وكان عثمان بزازا، وكذلك طلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان العوام أبو الزبير خياطا، وكان عمرو بن العاص جزارا، وكان الوليد بن المغيرة حدادا، وكذلك العاص بن هشام أخو أبي جهل وكان عقبة بن أبي معيط خمارا. وكان الخطاب بن نفيل مراقا، وكان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله مفتاح البيت خياطا، وقيس بن مخرمة كذلك، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت؛ والأدم، وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجارا، وكان أمية بن خلف يبيع البرام، وكان عبد الله بن جدعان نحاسا يبيع الجواري، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص بيطارا يعلاج الخيل، وكان النضر بن الحارث بن كلدة يضرب العود، وكان الحكم بن العاص خصاء يخصي الغنم، وكذلك حريث بن عمرو بن حريث، وكذلك قيس الفهري أبو الضحاك بن قيس، وكذلك سيرين أبو محمد بن سيرين، وكان مالك بن دينار وراقا، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي والقياس خزازا، وكان المهلب بن أبي صفرة بستانيا، وكان مسلم أبو قتيبة جمالا، وكان سفيان بن عيينة معلما، وكذلك الضحاك بن مزاحم وعطاء بن أبي رباح، وكذلك الكميت بن زيد الشاعر، وكذلك عبد الحميد بن يحيى كاتب الرسائل، وكذلك الحجاج بن يوسف وأبوه وكذلك أبو عبيد الله كاتب الرسائل وأبو عبيد القاسم بن سلام والكسائي؛ هذه صناعات الأشراف سقتها على ما وجدتها.
146 - وأما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ واليهودية كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ والمجوسية كانت في تميم، منهم زرارة ابن عدس وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس؛ وكانت الزندقة في قريش، وكانت بنو حنيفة اتخذوا إلها من حيس فعبدوه دهرا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من بني تميم: الخفيف
أكلت ربها حنيفة من جو ... ع قديم بها ومن إعواز
147 - ويقال: سميت النصارى لقرية يقال لها ناصرة، ويقال على معنى قول الله تعالى: " من أنصاري إلى الله " آل عمران: 52.
148 - وقال بعض الصوفية: وجدت على خاتم: من ألف مسامرة الأماني، بقي في مدرجة التواني.
149 - قال الصولي: كاتبت أبا خليفة فأغفلت التاريخ فكتب إلي: وصل كتابك مبهم الأوان، مظلم البيان، فأدى خبرا ما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت - أعزك الله - فلتكن كتبك موسومة بالتاريخ لأعرف به أدنى آثارك، وأقرب أخبارك.
150 - وقال محمد بن عبد الملك: بالقلم تزف بنات العقول إلى خدور الكتب.
151 - وأنشد: الكامل المجزوء
دعني وإيا خالد ... فلأقطعن عرى نياطه
رجلي يعد لك الوعي ... د إذا جلست على بساطه
فإن انتظرت غداءه ... خفت البوادر من سماطه
انظر إلى غلوائه ... في نطقه وإلى احتلاطه
سألت أعرابيا؛ عن الاحتلاط - بالحاء غير معجمة فقال: هو الغضب، وأنشد هذا الشعر، وليس هذا بحجة، ولكن أفادنا لأن الكلام أشهر من ذلك.
152 - أنشدنا أبو سعيد في القار للعماني: مجزوء الرجز
أما ترون الأوجه السباطا ... والقار والألسنة السلاطا

(1/228)


إن الندى حيث ترى الضغاطا ... وحيث وافى الموكب السخاطا
ينبذن لي أن أطأ البساطا
153 - خطب الحجاج فقال: أيها الناس إنكم أغراض حمام، وفرضة هلكة، قد أنذركم القرآن، وصفر برحيلكم الجديدان، وإن لكم أجلا لا تؤخر ساعته، ولا تدفع مقدمته، وكأن قد دلفت إليكم نازلته فنعق بكم، وحثكم حث مستقصى، فماذا عبأتم للرحيل؟ وماذا أعددتم للنزول؟ ومن لم يأخذ أهبة الحذر، نزل به سوء القدر. هذا قد تقدم.
154 - خطب الزبير فقال: عباد الله، دعوة واعظ وهدية ناصح، إن السبيل إلى الفوز والطريق إلى الخلد قد أوضحت معالمها، ولاحت آثارها، فلا أنتم بصروفها تتعظون، ولا من سيء أعمالكم تتنصلون، انظروا إلى من كان قبلكم متعوا فما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، انهمكوا فهلكوا، وشردوا فأخذوا، فالعقر خراب والعمار يباب، فإلا تسلكوا سبيل الحذر، تطلبكم فجائع القدر، جعلنا الله وإياكم من الواعين لما يسمع، والمتعظين بما ينفع.
154ب - قال الجاحظ: فلو كان العمل شريك المقال، لكان القوم من الأبدال، ولكنهم بحلاوة ألفاظهم، وتنسيق كلامهم وحيلهم، وحسن تأتيهم في الأمور، ملكوا قلوب الرعية، هذا قاله في الملح.
155 - قال المغيرة بن شعبة: ما خدعني غير غلام من بني الحارث بن كعب، فإني ذكرت امراة منهم فقال: أيها الأمير، لا خير لك فيها، قلت: ولم؟ قال: رأيت رجلا يقبلها.
156 - كان نصراني يختلف إلى الضحاك بن مزاحم فقال يوما: ما زلت معجبا بالإسلام مذ عرفتك، قال: فما يمنعك منه. قال: حبي الخمر، قال: فأسلم واشربها، قال: فلما أسلم قال له الضحاك: إنك قد أسلمت، فإن شربت الخمر حددناك، وإن رجعت عن الإسلام قتلناك، فترك الخمر وحسن إسلامه.
157 - قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما ملك رفيقا من لم يتجرع بغيظ ريقا.
158 - كان لعبد الله بن مطيع غلام مولد، قد أدبه وخرجه وصيره قهرمانه، وكان قد أتاهم قوم من العدو في ناحية البحر. فرآه يوما يبكي فقال: ما لك؟ قال: تمنيت أن أكون حرا فأخرج مع المسليمن، قال: أو تحب ذاك؟ قال: نعم، قال: فأنت حر لوجه الله فاخرج، قال: فإنه قد بدا لي أن لا أخرج، قال: خدعتني.
159 - اعتذر رجل إلى أعرابي فقال الأعرابي: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الآخر على شك، ليتم المعروف مني إليك، وتقوم الحجة لي عليك.
160 - قالت الهند: السكران تعتريه أربعة أحوال: طاووسية، ثم سبعية، قردية، ثم خنزيرية.
161 - قال المفضل بن محمد الضبي: حضرت الرشيد يوما، ومحمد عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه وهو يطارحهما في معاني القرآن، فالتفت إلي الرشيد وقال: كم اسم في قوله " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة: 137 فقلت: ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين، أولها: اسم الله عز وجل، والثاني: اسم رسول صلى الله عليه وسلم، والكفار فالياء الأولى هي اسم الله تعالى، والكاف الثانية لرسول الله عليه السلام، والهاء والميم للكفار، فقال الرشيد: هكذا أجاب هذا الرجل، وأومأ إلى الكسائي، ثم التفت إلى محمد فقال: أفهمت؟ قال: نعم.
162 - كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى إبراهيم بن المهدي: من كان كله لك، وقع كله عليك.

(1/229)


163 - دخل الحارث بن كلدة على كسرى أنوشروان، وهو طبيب العرب، فقال له كسرى: ما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين والرفق باليدين، قال: أصبت، فما الداء الدوي؟ قال: إدخال الطعام على الطعام هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية، قال: أصبت، فما الجمرة التي تلتهب منها الأدواء؟ قال: التخمة التي إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت، قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه والنفس طيبة والسرور حاضر، قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام وأنت شبعان، ولا تغش أهلك وأنت سكران، ولا تقم بالليل وأنت عريان، وارتفق بيمينك يكن أرخى لمقيلك؛ قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست من الداء بحركة فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت، قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهنوه، وأرقه أمرؤه، وأعذبه أشهاه، ولا تشربه صرفا فيورثك صداعا. ويثير عليك من الأدواء أنواعا، قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن الفتي، واجتنبت أكل القديد والمالح والجزور والبقر، قال: فما تقول في الفاكهة؟ قال: كلها في إقبال دولتها، وخير أوانها، واتركها إذا أدبرت وانقضى زمانها، وأفضل الفاكهة الرمان والأترج، وأفضل البقول الهندبا والخس، قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن وبه قوامه، وشربه بعد النوم ضرر، وأقوى المياه مياه الأنهار، وأبرده أصفاه، قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف، مشتق من الحياة، قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، لأنه على لون كل شيء، قال: فأخبرني عن اصل الإنسان، قال: أصله من حيث يشرب الماء، يعني رأسه، قال: فما هذا النور الذي تبصر به الأشياء؟ قال: العيون مركبة، فالبياض شحمه، والسواد ماؤه، والناظر ريح، قال: فعلى كم طبائع هذا البدن؟ قال: على أربع: على المرة السوداء وهي باردة شديدة يابسة، والمرة الصفراء وهي حارة يابسة، والدم وهو حار رطب، والبلغم وهو بارد رطب، قال: فلم لم يكن من طبيعة واحدة؟ قال: لو كان من طبيعة واحدة لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يمت، قال: فمن طبيعتين؟ قال: كانتا تقتتلان، وكذلك لو كان من ثلاث، قال: فاذكر لي أفعال الطبائع في كلمة جامعة، قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مر معتدل، وفي المر حار وبارد، قال: فما أفضل ما عولجت به المرة الصفراء؟ قال: البارد اللين، قال: فالسوداء؟ قال: الحار اللين، قال: فالرياح؟ قال: الحقن اللينة والأدهان الحارة، قال: أتأمر بالحقنة؟ قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء، وعجبت لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد، والجهل كل الجهل أكل ما عرفت مضرته، قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإن تجاوز المقدار يضيق على الروح ساحتها، قال: فما تقول في إتيان النساء؟ قال: الإكثار مضر، وإياك والمولية منهن فإنها كالشن البالي، تسقم بدنك وتجدب قواك، ريقها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك، عليك بالشابة، ريقها عذب زلال، وعناقها غنج ودلال، تزيدك قوة ونشاطا، قال: فأي النساء القلب إليها أنشط، والنفس بمباشرتها أغبط؟ قال: إذا أصبتها فلتكن مديدة القامة، عظيمة الهامة، واسعة الجبين، قنواء العرنين، كحلاء برجاء، صافية الخدين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة بضة، تخالها في الظلماء بدرا، قد جمعت لك طيبا وعطرا، تبسم عن أقحوان زاهر، وإن تكشف عنها تكشف عن بيضة مكنونة، وإن تعانق تعانق ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الفرودس والخلد، وأذكى من الياسمين والورد، قال: فأي الأوقات الجماع أفضل؟ قال: عند إدبار الليل وقد غور، وعند إقبال الصبح وقد نور، فالبطن أخلى، والمتن أقوى، والنفس أشهى، والرحم أحلى، قال كسرى: لله درك من أعرابي أعطيت علما، ووصله وقام إلى نسائه.
164 - قال ابن الأعرابي: إذا أردت أن يخرج ولدك ذكيا فأغضب أمه ثم واقعها، وانشد: الطويل
يجامعها غضبى فجاء مسهدا ... وأنفع أولاد الرجال المسهد

(1/230)


165 - قال أبو المعتمر: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط؛ فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعز القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله بتوقع الغير، وأكثر الخير مع الأوساط، وأكثر الشر مع الأغنياء، والفقر يسخف الفقير، والغنى يبطر الغني.
166 - كان يقال: من أراد العلم والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس.
176 - ضرب شرطي رجلا فصاح الرجل: واعمراه! فرفع إلى المأمون فدعا به فقال: من أين أنت؟ فقال: من مآب، قال: أما إن عمر بن الخطاب كان يقول: من كان له جار نبطي واحتاج إلى ثمنه فليبعه، فإن كنت تطلب سيرة عمر رحمه الله فهذا حكمه؛ وأمر له بألف درهم.
168 - قال فيلسوف: إفراط العقل مضر بالجسد، وأنشد: السريع
إن المقادير إذا ساعدت ... ألقحت العاجز بالحازم
169 - وقال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة.
170 - وقع علي بن عيسى إلى ابن مرانة العطار في قصة يسأله أن يكلم أمير المؤمنين المقتدر بالله حتى يصفح عنه: من تحقق بالوزراء، وجالس الأمراء، وداس بسط الخلفاء، وماثل الكبراء، وأمر ونهى في مجالس الرؤساء، بعقل يسير، وفهم قصير، ورأي حقير، وأدب صغير، كان خليقا بالنكبة، وحريا بالمصيبة، وجديرا بالمحنة، وأنا أتكلم إذا حضرني الكلام فيك بما يقربني إلى الله تعالى.
171 - ووقع أيضا إلى عامل بالثغر: قد كثرت منك الشكية، وعظمت فيك البلية، بفساد طويتك، ورداءة نيتك، وليس مثلك من يرتب لمعالي الأمور، ولا من يعتمد في صلاح الثغور، وقد وقفت من خبرك على الجلي منه، وعرفت حقيقة ما تناهى إلي عنه، فانصرف خسيس القدر، بت الله منك العمر.
172 - ووقع أيضا: مثلك من باع العلو بالانحطاط، وجليل المرتبة بالإسقاط، وساريك عند الاحتياط، أنك بالخمول ذو اغتباط.
173 - ووقع أيضا: وليتك من عملي جليلا، وكنت حقيرا قليلا، مهنيا ذليلا، حصرا كليلا، فانصرف عليك اللعن طويلا.
174 - كان لعمران بن حطان زوجة جليلة جميلة، حسنة الخلق والخلق، وكان هو قصيرا دميما سي الخلق، فقالت له ذات يوم: اعلم أني وإياك في الجنة، قال: كيف ذاك؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وابتليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة.
175 - قال بعض الأطباء: إذا أخذ الترمس والحنظل فطبخا بماء ثم نضح ذلك الماء على زرع لم يقربه الجراد.
176 - وقيل: النمل يهرب من دخان أصول الحنظل.
177 - ويقال: إذا زرع الخردل في نواحي زرع لم يقربه الدبا.
178 - ويقال: إذا أخذ الأفيون والشونيز والباذروج وقرن الأيل وباذهنج وظلف المعز، وخلط ذلك ودق وعجن بخل حاذق ثم قطع قطعا ودخن بقطعة خرب الهوام والحيات والعقارب والنمل.
179 - قال بعض الأطباء: الغلام ينهر لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، ويتم طوله لإحدى وعشرين، ويكمل عقله لثمان وعشرين، وما بعد تجارب.
180 - قيل لبعض السلف: ما شيء أوسع من الأرض؟ قال: الحق، قيل: فما شيء أثقل من السماء؟ قال: الأمانة والبهتان على البريء، قيل: فما شيء أغنى من البحر؟ قال: القانع، قيل: فما شيء أقسى من الحجر؟ قال: قلب الكافر، قيل: فما شيء أحر من النار؟ قال: شره الحريص، قيل: فما أبرد من الزمهرير؟ قال: اليأس، قيل: فما أضعف من اليتيم؟ قال: النمام.
181 - لما اعتقت عائشة جاريتها بريرة، وكان زوجها حبشيا واسمه مغيث، مشى خلفها ودموعه تسيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: يا عم أما ترى حب مغيث بريرة فلو كلمناها أن تتزوجه؟ فدعاها فكلمها فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت، فقال: أما أمر فلا، ولكن أشفع، فأبت أن تتزوجه؛ حدثنا بهذا أبو حامد المروروذي.
182 - لدعبل الخزاعي: الكامل
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
ضيف أحل بك النهى فقريته ... رفض الغواية واقتصار المنهج
183 - قال أعرابي: الخير محضور الباب، والشر مهجور الجناب.
184 - وقال أبان بن تغلب: رأيت أعرابيا يعاتب ابنا له صغيرا ويذكره حقه عليه، فقال الصبي: يا أبة إن عظيم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك، والذي تمت به إلي أمت بمثله إليك، ولست أقول أنا سواء.

(1/231)


185 - دخل رجل فجاءة عل بعض الشاميين وبين يدي الشامي فراريج مشوية، فلما بصر بالداخل غطى الفراريج بذيله وأدخل رأسه في جربانه وقال للداخل: انتظرني على الباب حتى أفرغ من بخوري.
186 - قال بعض الأطباء: مما يذهب رائحة الشراب من الفم مضغ قرطاس، واستفاف دقيق الأرز، وأكل الجبن المشوي والكمون والقرنفل والدارصيني.
187 - قال بزرجمهر: أنعم تشكر، وأرهب تحذر، ولا تهزل فتحقر؛ فكتبها الملك على خاتمه.
188 - قال عيسى بن مريم عليه السلام لرجل: ما تصنع؟ قال: أتعبد، قال: فمن يعود عليك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
189 - مر عمر رضي الله عنه بعامل من عماله وهو يبني بالآجر والجص فقال: تأبى الدراهم إلى أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله.
190 - وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك.
191 - ولما بنى عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك أسرج تلك الليلة في مسارجه الغالية.
192 - قال عمر بن عبد العزيز لولده: العبوا فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب.
193 - وأنشد: الطويل
فسري كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري
194 - قال ابن عباس: غضب العربي في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يجرح بلسان أو يد، وغضب النبطي في استه، فإذا خرئ ذهب غضبه.
195 - قال فيلسوف: لو صور العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الحمق لأضاء معه الليل.
196 - قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدب غلمانك، فقال: هم أمناؤنا على أنفسنا، فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟ 197 - قال عمر رضي الله عنه لغلام له يبيع الحلل: إذا كان الثوب عاجزا فانشره وأنت جالس، وإذا كان واسعا فانشره وأنت قائم، فقال أبو موسى: الله يا عمر، فقال: إنما هو سوق.
198 - وكان عبد الله بن عمر يقول: إلى الله أشكو حمدي ما لا آتي، وذمي ما لا أترك.
199 - كان بعض السلف يقول: ذو المروءة يكرم وإن كان معدما كالأسد يهاب إن كان رابضا، والسخيف يهان وإن كان موسرا، كالكلب يخسأ وإن حلي طوقا.
200 - وأنشد: الطويل
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال مني أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحر بالإقلال وسم هوان
متى يتكلم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان
201 - قال رجل لروح بن حاتم: لقد طال وقوفك في الشمس، فقال: نعم، ليطول مقامي في الظل.
202 - شاعر: الطويل
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف
203 - قيل لمديني: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية.
204 - قيل لمديني: يمكنك أن تحج، قال: ليت أمكنني القيام أو المقام.
205 - وأنشد الوافر
أظن الدهر قد آلى فبرا ... بأن لا يكسب الأموال حرا
لقد قعد الزمان بكل حر ... ونقض من عراه المستمرا
ومن جعل الظلام له قعودا ... أصاب به الدجى خيرا وشرا
206 - قيل لمديني: ما عندك من آلة العصيدة؟ قال: الماء.
207 - يقال: الفاضل يحب أن لا يرى إلا مع الملوك مكرما، ومع النساك متبتلا.
208 - يقال: ذو الهمة وإن حط نفسه تأبى إلا علوا كالشعلة تصان وهي تعلو.
209 - يقال: ما العز إلا ما تحت ثوب الكد، وأنشد الكامل
العز في دعة النفوس ولا أرى ... عز المعيشة دون أن تسعى لها
210 - قيل: من أراد الراحة فيلقنع، ومن أراد الذكر فليجهد.
211 - قال بعض السلف: الأيدي ثلاث، يد بيضاء وهي الابتداء بالمعروف، يد خضراء وهي المكافأة، ويد سوداء وهي المن.
212 - يقال: إن البكاء يحدث من الخوف، والحزن، والفرح والجزع، والفزع، والوجع، والعشق.
123 - قال بعض السلف: ما طابت رائحة الإنسان إلا قل همه، ولا نقيت ثيابه إلا قل غمه.
214 - وقع علي بن عيسى إلى هشام العامل: قلتك في نفسك، وزري منظرك، ودقة حسبك، وخمول نسبك، وسقوط أدبك، وموهن قوتك، واختلال مروءتك، وضعف نيتك، يمنع من تقويمك والانتصاف منك ويحجب من تناولك بالعقوبة فقد نجاك لؤمك وأطلقتك. مقاذيرك، فأنت كما قال الشاعر: المتقارب
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا

(1/232)


ولست أرضاك لي عبدا، ولو كنته لرايتك عتقك؛ احتقارا لقدرتك، واستصغارا لأمرك.
215 - وأنشد: الطويل
ظننت بكم ظنا فقصر دونه ... فيا رب مظنون به الخير يخلف
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها ... فدعه ولا يكثر عليه التلهف
فما كل من تهوى يحبك قلبه ... ولا كل من عاشرته لك منصف
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تألف
216 - قول الحنف: السؤدد مع السواد، يكون له وجهان: أحدهما السؤدد يكون مع سواد الشعر والحداثة، والثاني يكون السؤدد مع العامة أي يقعدون ذلك الرجل.
217 - قال أبو اليقظان: ولى الحجاج القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي فارس، فقاتل الأكراد بها وهم يومئذ عدد كثير فأبادهم واستأصل شأفتهم، وولاه السند ففتحها، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، وفيه يقول الشاعر: الكامل
إن السماحة والمروءة والحجى ... لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سؤدد مشهد من مولد
وهو الذي جعل الشيراز معسكرا.
وولي معاذ اليمن وهو ابن نيف وعشرين سنة، وولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله عتاب بن أسيد لثمان عشرة سنة، وحمل أبو مسلم أمر الدعوة هو ابن إحدى وعشرين سنة، وسودت قريش أبا جهل ولم يطر شاربه، وأدخلته مع الكهول دار الندوة.
218 - قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: من استغنى بالله أحوج الله الناس إليه.
219 - قال: وكان على فص ذي اليمينين: وضع الخد للحق عز؛ وكان على خاتم حاتم: جد تسد؛ وكان على خاتم سابور: الصبر درك.
220 - راودت أعرابية شيخا عن نفسه، فلما دنا منها أبطأ فأعجلته، فقال: يا هذه، أنت تفتحين بيتا وأنا أنشر ميتا.
221 - قال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك، ولا يحقرك معها من فوقك.
222 - قال أبو بكر بن عياش: رأيت زيد بن علي رضي الله عنهما مصلوبا زمان هشام بن عبد الملك، وكان خميص البطن، وصلب عريان فنزلت سرته فغطت عورته.
223 - قال ثعلب كان العرب تسمي الأحد أول، والأثنين أهون، والثلاثاء جبارا والأربعاء دبارا، والخميس مؤنسا، الجمعة عروبة، والسبت شيارا، وأنشد: الوافر
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبارا
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيارا
224 - قال ابن الأنباري: قال لي أبي، قال أحمد بن عبيد المدائني: معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا، وإن من القول لعيا، إن من العلم لجهلا، قال: قوله إن من الشعر لحكما يريد المواعظ، وإن من البيان لسحرا هو أن يكون ألحن بحجته من الآخر فيسحر من يسمعه حتى يرى أن الحق له، وإن من القول لعيا أن تعرض علمك على من لايريده، إن من العلم لجهلا هو أن يضم العالم إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله ذلك.
225 - قال منصور بن عمار لأهل مجلسه: ما أرى إساءة تكثر على عفو الله، فلا تيأس، وربما آخذ الله على الصغيرة فلا تأمن، وبعد فقد علمت أنك بطول عفو الله عنك عمرت مجالس الاغترار به، ورضيت لنفسك المقام على سخطه، ولو كنت تعاقب نفسك بقدر تجاوزه عن سيئاتك ما استمر بك لجاج فيما نهبت عنه، ولا قصرت دون المبالغة، ولكنك رهين غفلة، وأسير حيرة.
226 - وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله لرجل: بادر بخمس قبل خمس: شاببك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، غناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.
227 - مر شيخ على غلام من الأعراب فقال: يا عماه، قد قصر قيدك، فقال: يا ابن أخي، أما إن الذي قصر قيدي تركته يفتل لك القيد.
228 - سمع سعيد بن المسيب رجلا يقول: أين الراغبون في الآخرة؟ فقال له سعيد: اقلب مسألتك، وضع يدك حيث شئت.
229 - قال الزهري: كان يقال: بنو أمية دن خل أخرج الله منه زق عسل، يعني عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
230 - استوصف كوفي بصريا الحسن فقال: فيه بهاء الملوك، وخشوع العابدين.
231 - قال ابن سلام عندما توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مسجى: رحمك الله يا عمر إن كنت لعفيف الطرف، نقي الظرف، طيب العرف.

(1/233)


232 - قيل للشعبي: كيف بت البارحة؟ فطوى كساءة في الأرض ثم نام عليه وتوسد يده وقال: هكذا بت.
233 - جاء هانئ بن قبيصة بنت النعمان وهي تبكي فقال لها: مالك، لعل بعضنا آذاك؟ قالت: لا، ولكني رأيت دارك ملئت غضارة، وقل دار ملئت حبورا إلا ملئت ثبورا.
234 - قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بجناتها، وجئنا بالحجاج بن يوسف لغلبناها.
235 - قيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله.
236 - وقيل للأحنف: إنك لتغشى سدد السلطان فتقعد ناحية، قال: أبعد فأقرب، أحب إلي من أن أقرب فأبعد.
237 - كان عمر بن عبد العزيز إذا جلس للقضاء قرأ " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " الشعراء: 205 - 206، وينشد الطويل
يغر بما يبلى ويشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
238 - قال الربيع بن خثيم: قولوا خيرا واعملوا خيرا.
239 - قال الأصمعي: حدثنا ابن عمير النمري قال: دخلت أعرابية على عبيد الله بن أبي بكرة بالبصرة فوقفت بين السماطين فقالت: أصلح الله الأمير وأمتع به، حدرتنا إليك سنة اشتد بلاؤها، وانكشف غطاؤها، فجئتك أقود صبية صغارا وأخرى كبارا، تخفضنا خافضة وترفعنا رافعة، وغشيتني ملمات برين عظمي، وأذهبن لحمي، وتركنني بالحضيض، قد ضاق بي البلد العريض، وسألت في أحياء العرب، من المرتجى المعطي سائله؟ فدللت عليك أصلحك الله؛ وأنا امرأة من هوازن، قد مات الوالد، وغاب الرافد، وأنت بعد الله رجائي ومتهى أملي، افعل بي إحدى ثلاث: إما أن تردني إلى بلدي، أو تحسن صفدي، أو تقيم أودي، فقال: بل اجمعهن لك وحيا؛ فلم يزل يجزي عليها كما يجري على عياله حتى مات.
240 - قال الأصمعي: حدثني بعض العتابيين قال: كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى رجل في حاجة: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاءك، وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة، أما بعد فإنك كنا عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنا نيعفها من النجعة إجلالا لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارا لثمرتها، حتى مرت بنا في سفرتنا هذه سنة كانت من سني يوسف، اشتد علينا كلبها، وأخلفت غيومها، وكذبتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، وانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك نعم وضع الزاد، وأنك تغطي أعين الساد، والله يعلم أني لا أعتد بك إلا في حومة الأهل، واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يحضره الكثير، لم يعرف جوده، ولم تعل همته، وأنا أقول في ذلك: البسيط
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبدا بالنيل معقود
إن الكريم يخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود
فشاطره ماله حتى بعث إليه قيمة نصف خاتمه، وأعطاه فرد نعله.
240ب - قال أهل اللغة: معنى شاطره ناصفه، أي بعث إليه بشطر ماله، يقال: لك شطر هذا المال أي نصفه؛ فأما قول الله تالى " فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة 149 أي نحوه؛ يقال: الشاطر البعيد، فأما الشطارة في كلام العامة فمردودة عند العلماء، وقيل: إن ذلك إنما قيل لأن الشطارة كالبعيد مما عليه الجمهور؛ وأما قول العامة: شطور الثوب فغير مرضي.
241 - قال أبو عمرو: الزنيم: الدعي، والمقلات من النساء: التي لا يعيش لها ولد؛ ولا أعرف أبا عمرو هذا، ولله الشيباني صاحب كتاب الجيم.
242 - وانشد الشاعر: الخفيف
عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى
لو رأوا ما لقيت من حرفة العق ... ل لطاروا إلى الحماقة رسلا
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا

(1/234)


243 - يقال ما النشر، وما الحشر، وما الجشر، وما العشر، وما القشر، وما الكشر، وما المشر، وما الوشر.
244 - ويقال في فن آخر: ما الأوب، وما الثوب، وما الجوب، وما الحوب، وما الذوب، وما الروب أيضا، وما الشوب، وما الصوب، وما اللوب، وما النوب.
245 - ويقال في فن آخر: ما الدس، وما البس، وما الحس، وما الرس، وما العس، وما القس، وما اللس، وما النس.
246 - ويقال في فن آخر: ما الشائف، وما الخائف، وما الزائف، وما السائف، وما الصائف، وما الضائف، وما العائف، وما القائف، وما الرائف، وما النائف، وما الطائف، وما الآيف، وما الحائف.
وجواب كل واحد من هذه الكلمات يمر بك بعد أوراق على انتظام واتساق إن شاء الله.
247 - قال الأصمعي، قيل لأعرابي من بني كلاب: كيف تأكل الرأس؟ قال: أفك لحييه، وألخص عينيه - هذا قوله باللام وقال غيره بالباء، وله وجه - وأعرك أذنيه، وأسحي خديه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه؛ فقيل له: إنك لأحمق من ربع، قال: وما حمق الربع؟ فوالله إنه ليجتنب العدوى، ويتبع المرعى، ويراوح بين الأطباء، فما حمق ربع يا هؤلاء؟ 247ب - وقد رأيت ابن هلال الخوزي يقرأ: ويرواج بين الأطباء، يريد جمع طبيب، فضحك به، وكان ضحكة، يقال: هو ضحكة إذا ضحك به، وضحكة إذا كان كثير الضحك، وبابه مطرد في نظائره.
247ج - وهذا الخوزي يدعي كل شيء وهو لا يقوم بشيء؛ وكان ابن هلال الخوزي وفد على قابوس صاحب جرجان، فقال في كلام دار بينهما: فهزم أعداء الله، وكسر، فزوى قابوس وجهه، وكان أمر له بأربعة آلاف درهم ولآخر بألفي درهم، فقال لحاجبه: اجعل ما لهذا لصاحب الألفين واجعل الألفين لهذا، ووالله ما يستحق هذا المقدار أيضا، وأظن أن موفده أراد أمرا.
وهذا الانتباه ولمعرفة محمودان من كل رئيس جليل، وأمير خطير، وإنما استنكر ذلك في هذا الزمان لخلوه من أهل الأدب، وتنكره لمن تتبع الصواب وأنف من الخطأ.
248 - وأنشد: المتقارب
دع الدهر يجري بمقداره ... ويقضي عجائب أوطاره
ونم نومة عن ولاة الأمور ... وثق بالزمان وأدواره
لعلك ترحم من قد غبطت ... وتعجب من سوء آثاره
249 - اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن البصري في دار الرشيد فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: شربه خير أم تركه؟ قال: بل شربه، قال: فقليله خير أم كثيره؟ قال: بل قليله، قال: ما رأيت خيرا قط إلا والازدياد منه خير إلا خيرك هذا، فإن قليله خير من كثيره. رواه لنا أبو حامد القاضي، وكان يقول: جمعت هذه الحكاية الملاحة والحجة.
250 - قال رجل لامرأة رآها على طريق: إلى أين الغزالة:؟ قالت: إلى مغزلها يا قليل المعرفة بأصحابك، فخجل الرجل.
251 - قال بنان الطفيلي: الجوذاب صاروج المعدة، اشرب عليه ما شئت.
252 - وقيل لطفيلي: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين، مخافة أن يكون قد فني الطعام.
253 - قال سحيم بن حفص: رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فجاءة الأمور؛ يا بني سعد، قدو وهبت لكم شبابي فهبوا إلي شيبي، ولزم بيته، فقال له أهله: تموت هزلا، قال: لأن أموت هزلا مؤمنا أحب إلي من أن أموت فاسقا سمينا. قال الحسن لما بلغه كلامه: علم والله أن القبر يأكل اللحم والشحم والجسم، ولا يأكل الإيمان.
254 - قال ابن أبي المدور، سمعت سعيد بن حميد يقول لما تشعث بينه وبين فضل: أصبحت والله من أمور فضل في غرور، أخادع نفسي بتكذيب العيان، وأمنيها ما قد حيل دونها ودونه، والله إن استرسالي إليها بعد ما بان لي مها لذل، وإن عدو لي عنها وفي الأمر شبهة لعجز، وإن صبري عنها لمن دواعي التلف.
255 - لمتيم جارية ابن هشام: السريع
يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى
256 - لمحمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي: الكامل
وكتيبة كالليل بل هي أظلم ... فيها شعار بني النزال تقدموا
تذر الإكام صفاصفا مسلوكة ... والبحر رنقا ماؤه يتقسم

(1/235)


ولها يمين لا تشل بنانها ... ولها شمال صوب درتها الدم
نهنهت أولاها بضرب صادق ... هبر كما عط الرداء المعلم
وعلي سابغة الذيول كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
257 - سمعت القاضي أبا حامد يقول: اجتمعت الحرورية في مكان يقال له حروراء، وإليه نسبوا وبه سموا، وكانوا زهاء ستة آلاف، فوقف عليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ما نقمتم علي؟ قالوا: نقمنا عليك ثلاثا، قال: ما هن؟ قالوا: أنك قاتلت ولم تغنم ولم تسب، فإن كانوا مسلمين فما حل قتالهم ولا سبيهم، وإن كانوا كفارا فقد حل قتالهم وسبيهم، فقال: هذه واحدة، قالوا: وحكمت الرجال في دين الله، قال الله " إن الحكم إلا لله " الأنعام: 57، قال: ثنتان، قالوا: ومحوت نفسك من إمرة المؤمنين، فإن لم تكن أمير المؤمنين فأنت أمير الكافرين؛ قال: هذه ثلاث. فأقبل عليهم وقال: أرأيتم إن أتاكم من كتاب الله وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم، قال: أترون أن تسبوا أمكم عائشة عليها السلام وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: نعم، كفرتم، وإن قلتم: ليست أمنا، كفرتم، قال الله عز وجل " وأزواجه أمهاتهم " الأحزاب: 6. وأما قولكم حكمتم الرجال في دين الله فإن الله عز وجل حكم الرجال في أرنب يقتله محرم فقال " يحكم به ذوا عدل منكم " المائدة: 95، ولو شاء لحكم ولكن جعل حكمه إلى الرجال، وقال في بضع امرأة: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثا حكما من أهله وحكما من أهلها " النساء: 35. وأما قولكم محوت نفسك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم صالح أهل الحديبية قال لي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال له سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله فما قاتلناك، قال: فا تريدون؟ قال: اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وامح رسول الله، ولم يكن محو رسول الله من الكتاب محوا لنبوة، وكذلك ليس اقتصاري على اسمي دون أمير المؤمنين مضيعا حقا ولا موجبا لي باطلا. قال: فرجع ناس كثير منهم معه وعرفوا الحق وأذعنوا له.
وقال لنا غير أبي حامد: إن عليا لم يمح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمره، حمية للدين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرني موضعه في الكتاب، فأراه، فمحاه.
258 - قال ثعلب: أضاق أبو العالية الشامي فجعل بنو سعد بن مسلم مالا بينهم ودفعوه إليه فقال: أنتم كما قيل في أهليكم: الطويل
وفي آل منظور بن زبان فتية ... يرون بناء المجد سهلا صعابها
إذا ما ارتقوا في سلم المجد أصعدوا ... بأقدام عز لا تزل كعابها
259 - قال الأصمعي: لما ولي مروان بن محمد الخلافة أرسل إلى ابن رغبان الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان ليوليه القضاء، فرأى له سجادة مثل ركبة البعير فقال: يا هذا إن كان ما بك من عادة فما يحل لنا أن نشغلك، وإن كان رياء فما يحل لنا أن نوليك.
260 - وأنشد: الوافر
أرى الأيام في صور الأعادي ... تعاندني فتسرف في عنادي
كأن الدهر يطلبني بذحل ... وثأري عنده ثأر الأعادي
يرى هممي فيبعث لي شجونا ... يفل بها يدي عن الأيادي
ولو عدل الزمان على كريم ... لما أدت يداي ولا زنادي
261 - أشرف قوم في سفينة في بحر على الهلاك فاخذوا يدعون الله بالنجاة، فقالوا لرجل: لم لا تدعو أنت؟ فقال: هو مني إلى هنا هنا - وأشار بيده إلى أنفه - وإن تكلمت غرقتم.
262 - قيل لأبي الحارث جمين: ما تقول في الفلوذج؛ قال: لوددت أنه وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بفالوذجة لآمن، ولكنه لقيه بالعصا.
263 - قال أبو نواس: لما أنشدت الفضل بن يحيى فصيدتي فبلغت قولي: الطويل
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا
فقال: ما زدت على أن جعلتني قوادا، فقلت له: إنه جمع تفضل لا جمع توصل.
264 - تخطى فتى هاشمي رقاب الناس عند ابن أبي دواد فقال له: إن الأدب ميراث الأشراف، ولست أرى عندك لسلفك أثرا.

(1/236)


265 - حبس المأمون رجلا ثم أطلقه، فتصدى له فقال له: من أنت؟ فقال: غذي نعمتك وحبيس نقمتك يا أمير المؤمنين، فقال: أحسنت.
266 - ودخل رجل على ابن طاهر فهذر، فقال له عبد الله: إما أقللت فضولك وإما أقللت دخولك.
267 - قالت ابنة عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة: ما رأيت أحدا ألأم من أصحابك: إذا أيسرت أبرموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: يا هذه، هذا من كرمهم، يأتونا في حال القوة منا عليهم، ويفارقونا في حال الضعف منا عنهم.
268 - أهدى رجل إلى ملك هدية فأظهر الغم بها، فقال له له جلساؤه في ذلك فقال: وكيف لا أغتم وهي لا تخلو أن تكون من مبتدئ أتقلد له يدا، أو من رجل قلدته نعمة فأكون قد أخذت منه على نعمتي جزاء؟! 269 - وأنشد الخفيف
وبدا النجم في السماء سحيرا ... مستقلا كأنه عنقود
وتدلت بنات نعش فعادت ... مثل نعش عليه ثوب جديد
وكأن الجوزاء لما استقلت ... وتولت سرادق ممدود
وكأن النجوم في فحمة اللي ... ل قناديل بينهن الوقود
270 - وقال الخليل: الدنيا أمد والآخرة أبد، فقال له رجل: زدني، فقال: والباطل عند والحق جدد، فقال: زدني، فقال: والعقل عدد والجهل بدد، فسكت الرجل، فقال الخليل: لو استزادني لزدته.
271 - قيل لرجل انصرف من عند أمير: ما ولاك؟ قال: ولاني سمعه، وأعطاني منعه، وحماني نفعه.
272 - قصد رجل طلحة الطلحات بسجستان واستأذن حاجبه عليه، فقال له: بم تمت؟ فقال: لي عند الأمير يد، فقال: خبرني أرفع إليه، فقال: لا أقول إلا له، فدخل وعرف مكانه فأذن له، فمثل بين يدي طلحة فقال: ما هذه اليد التي لك عندنا؟ قال: كنت مع الأمير يوما جالسا فأماط عن لحيتي أذى، فقال: هذه يدي لا يدك، قال: صدقت أيها الأمير، ولكن جئت لتربها، قال: حبا وكرامة.
نعود إلى الكلام في تلك الألفاظ المتقدمة فقد تباعدنا عنها، وإن استننا على العادة نسينا الرجوع إليها: 273 - أما النشر فمصدر نشر الثوب ينشره نشرا، والنشر أيضا من نشر الخشبة على من قال منشار، والنشر أيضا ريح الرجل، وفم الجارية، يقال: هي طية النشر. والنشر علة تعتري الإبل من أكل الأعشاب التي لا تنجع فيها. الأعشاب - بفتح الهمزة - جمع عشب، فأما الإعشاب - بالكسر - فمصدر أعشب البلد، ويقال أيضا: بل عاشب كما يقال معشب، واعشوشب الجبل. وأما النشر - بفتح الشين - فاسم جماعة منتشرة، ويقال: أنشر الله الموتى فنشروا - بفتح النون - ؛ قال الله عز وجل " ثم إذا شاء أنشره " عبس: 22. ويقال انتشر الحبل، وكذلك الرأي، وكذلك الرجل إذا أمنى، ويقال أيضا: منى، وقد قرئ " أفرأيتم ما تمنون " الواقعة: 58 بفتح التاء، هكذا قال يونس، وهو سيد العلماء ومقدم في الثقة. وأما النشارة فهي التي تتساقط من الشجرة إذا نشرت بالمنشار؛ والمنشور في كلام الكتاب استعارة، إذا كتبوا أمرا في كتاب وجعلوه حجة أو تذكرة أو طلاقا.
وأما الحشر فمصدر حشرت القوم، وفي القرآن " والطير محشورة " ص: 19، والحشر في القيامة اجتماع الخلائق في الصعيد للحساب والعرض، وقانا الله شر ذلك اليوم.
وأما الجشر، جشر الصبح إذا تبدت تباشيره، والجاشرية شرب السحر، وهو غير الصبوح والغبوق، يقال أنا صبحان وأنا غبقان، ولم يسمع من الحرف الأخير. والجشر أيضا إرسال الدواب في المروج والثواء معها.
وأما العشر، إن شئت كان مصدر عشرت القوم إذا صرت عاشرهم، وإن شئت كان مصدر عشرت ماله إذا أخذت عشر ماله، وإن شئت كان عقدا في العدد المؤنث، ومنه قوله عز وجل " وأتممناها بعشر " الأعراف: 142.

(1/237)


وأما القشر فقشطك الشيء وهو أخذك عاليته وصفحته وجلدته، والقشار شيء تسجر به الحمامات، وهو مصدر قشرت العود والشجرة إذا لحوتها، وذاك إذا أخذت لحاءها، ونحتها قشرتها، وكأن النحيت هو المنحوت أي ما استخلص لبه وشد نجبه، وكذلك المنتجب، ويقال: هو نجيب العود، ولا تقس عليه إلا مسموعا؛ ويقال: حنوت العود وحنيته، ويقال: فلان محني الضلوع على العصا، ولو قيل محنو كان كلاما سمجا، ولم يقولوا: دعيت الله وشكيت الرجل، وإنما هذا من لفف العامة، ولكنه كلام من لم يلبس لباس الأدب، ولم يذهب لسانه بالصواب ورضي أن يكون شريك غيره بالجسم وإن باينه في المعنى، وهذا من الإهمال والفسولة وضيق العطن وسوء العادة، نعوذ بالله من الحرمان.
وأما الكشر فهو من قولك: كشر فلان إذا أبدى أسنانه تريد أج يضحك، وفلان يكاشر فلانا إذا دمجه أي داهنه، ومعنى المداهنة أن يداهن هذا بهذا وهذا هذا، وهو استعارة ولكنه داثر خلق؛ ويقال في مجاز كلام الكتاب وعن العرب: شمرت الحرب عن ساقها وكشرت عن نواجذها، وهي جمع ناجذ وهو سن الحلم، والحلم ها هنا العقل كما في قوله عز وجل " أم تأمرهم أحلامهم بهذا " الطور: 32.
وأما المشر: يقال مشرت الشجرة. وأما الوشر فمصدر وشرت الخشبة، ويقال أيضا: وشرت الجارية أسنانها إذا حددتها وبيضتها ونقت فروجها التي هي عمورها.
274 - وأما الأوب فمصدر آب يؤوب إذا رجع، أبني الهم إذا أتاني ليلا، والأوب هو الإياب وهو الرجوع، ويقال جماعة أيب أيضا؛ وأما الثوب فمعروف وهو من باب يثوب إذا رجع، ويقال في المفيق من غشية أو سكرة: قد ثابت نفسه إليه وقد ثاب عقله، قال كاتب: قد يذنب المرء ثم يتوب، ويعزب عقله ثم يثوب، ويثوب المؤذن أيضا، وهو رجوعه إلى ما قاله، وذلك هو إعادته، الثواب ما يرجع على الإنسان من أجل عمله الصالح، وهو الجزاء على العمل، لكنه مخصوص الطائعين، فأما العصاة فلا ثواب لهم إنما لهم العقاب، وهو ما تعقب أعمالهم السيئة، جعلنا الله من أهل ثوابه بمنه ورحمته.
وأما الجوب فالترس، وهو أيضا مصدر قولك جاب يجوب، ومنه قول الله عز وجل " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " الفجر: 9 وجبت القميص: قطعت موضع جيبه، وللجيب معنى غير الجوب ليقع الفرق بين المعنيين، ويقال الجواب إنما هو من ذلك لأنه قطع المسألة للسائل؛ وأما أجيبت القميص فمناه جعلت له جيبا، والجوبة أيضا مكان مقطوع عن واجبه لا مراد له؛ وجب أيضا قطع وكأنه منه بتصرف، وجب الرجل ذكره، وفلان مجبوب، وقد قيل غارب أجب بمعنى مجبوب، والجبوب الأرض، هكذا قال الثقات، وإنما أعول على ما قال العلماء وأخلص نفسي من ألسنة العائبين.
وأما الحوب فهو الإثم، وقد سمعت فيه حاب الرجل إذا أثم، الحوب - بالضم - أشهر وينفرد الكتاب به؛ وحوب أيضا زجر للإبل، فأما الحوبة فهي الأم كأنها تؤثم بعقوقها، والحيبة الحاجة، ويقال بات فلان بحيبة سوء؛ وأما الحوباء فهي النفس - ممدود - .
وأما الذوب فمصدر ذاب الشيء يذوب، معروف، والذوب: العسل، ولعله ما لا شمع فيه، وما أحق ذلك، يقال: حققت الشيء وأحققته أيضا؛ ويقال: ذاب لي على فلان حق أي وجب، ولعله استعارة، فقد قيل أيضا: برد على فلان حق بمعنى وجب. فحصل - أيدك الله - هذه النكت، ولا تجعل جزاءنا عليها العيب، فالكريم ستور للعيوب مغض على الإساءة.
وأما الروب فمصدر راب اللبن يروب، إذا خثر، ويقال خثر أيضا، ومعنى خثر: غلظ وتجمع، ويقال: اصبح فلان خاثر النفس إذا فقد النشاط، والنشاط الهشاشة، والهشاشة الخفة والطلاقة، وفلان نشيط كأنه منشوط أي محلول الفؤاد من فكر السوء، يقال: نشطت بمعنى حللت، وأنشطت بمعنى عقدت، وود فلان بأنشوطة أي فيه استرخاء، أي لا ثبات له؛ والروبة أيضا خميرة اللبن، وهي أيضا قطعنة من الليل، وقوم روبى أي نيام، وأما رؤبة فاسم الراجز، وإنما قلت بلا ألف ولام لشهرته كأنه عروف غير منكر، وهو مأخوذ من قولهم: رأبت الشيء إذا شعبته وأصلحته، ويقال: أشعبته بمعنى فرقته، وشعوب اسم المنية، معروفة، ولا يصرف، هكذا قال الناس.

(1/238)


ولقد رأيت رئيسا قد كتب ربأت مكان رأبت فلما نبهته أنف من كلامي، وعدل إلى الحيلة فقال: يقال رابت كما قلت أنت، وربأت كما كتبت أنا، وهو مثل حديث جندب. فلما وقفت على سوء صحبته للأدب، وجنوحه إلى القحة، وظنه أن هذا يشككني في صوابي، ويدفع عنه ما لحقه من هجنة الرد، أمسكت إمساك متعجب ممن يتجاهل على علم ويتغاضى عن بصيرة، ويوطئ نفسه العشوة ويكذب عقله. وهذا داء فقد طبيبه، وعلة أعوص علاجها بالناس، ومن كان كذلك لم يؤمن على مال، ولم يوثق به في حال.
وأما الشوب فالخلط، ومنه شاب الرجل إذا ابيضت لحيته كأنه خلط سوادا ببياض، وكأنه الأشمط، هذا لازم؛ فأما إذا أردت شبت شيئا بشيء فذاك على التعدي، والفرق بين وشبت - بضم الشين - وشبت بكسر الشين، فقد وضح فيما مضى؛ والشوائب جمع شائبة، وتقول: هذا صاف وهذا مشوب، وسمعت قوما يقولون: العالم مشوب، فاستزدتهم فقالوا: نعم، بالخير والشر، والحق والباطل، والصلاح والفساد، والحسن والقبيح، والحجة والشهبة، والراحة والتعب، والنجوة والعطب، والسرور والحزن، والنجاح والخيبة؛ قالوا: وهذا على الترتيب يدل على أمر عجيب، وقال الله عز وجل " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " الذاريات: 49.
وأما الصوب فهو صوب الغمام، وكنت أسمع البادية تقول لي إذا سألتها على الطريق والمسلك: خذ في ذلك الصوب، خذ في هذا الصوب، كأنهم يريدون الناحية؛ وقلت: سمعت البادية، هذا كثير من كلامهم وأنا جار على السماع. وأما السهم فيقال فيه صاب يصيب، ولعل المصدر صوب، وما أحقه أي ما أتيقنه، ويقال أيضا: أصاب السهم، هكذا قال يعقوب، وهو ضابط، في كتابه في: أفعل وفعل؛ ويقال: هذه سهام صياب، وسمع في الأمثال: مع الخواطئ سهم صائب، والخواطئ - مهموز - يكون من خطأ وأخطأ وكأنها جمع خاطئة، وأما الخواطي - بحذف الهمزة - فجمع الخاطية، وهي التي تخطو الخطوة، ويقال الخطوة بالفتح أيضا، وقد يجوز أن تحذف الهمزة وأنت تريدها، ولكن الفرق ما سلف، فلا تعمل ما تحب لما يجوز، فإن الواجب لا يسد مسد الجائز، وإن كان بعض الجائز ينوب عن الواجب. وكأن الصواب من الكلام من الصوب، لأن الصوب من المكان ومن الغمام استبان فاستوى، كذا القطر وكذا المسافة؛ وأما الصواب - بالهمز - فجمعه صئبان، ويقال: صئب رأسه إذا وقعت فيه صغار القمل وآذته، وهذا باب ضيق ومركب صعب وأنا من شرحي له على خطر. وتعال في الفن الآخر: 275 - أما الدس فمصدر دس يدس دسا، قال الله عز وجل " أيمسكه على هون أم يدسه في التراب " النحل: 59، والدساس: دابة، كأن تدس نفسها؛ ويذكر في الكلام: اندس، وما عرفته ممن يستنام إليه ويعقد الخنصر عليه، ومعنى يستنام: يسكن، وهو من النوم لأن السكون يصحبه، ويقال: نامت حقيقة فلان إذا أخبروا من جبنه وتكذيبه وإحجامه ونكوله، يقال: كذب فلان إذا رجع عن قوله فكأنه كذب نفسه حين أقدم وتكلف، وكذب ناصره حين زعم انه شجاع؛ ويقال أيضا: خامت حقيقته، وخام فلان عن قرنه، والقرن - بكسر القاف - القرين، والقرن بفتح القاف، تقول: هو على قرني أي على سني، وهو قرني من غير على.
وأما البس فاللت، واللت هو البل، يقال: هذا سويق مبسوس أي مبلول، وكأنه لا بد في البس من المرس لأنه يقال دهن مبسوس على أنه مبلول، فأما قول العامة " بس " في معنى حسب فالبس كالفت، يقال بسست الخبزة إذا فتتها، وقال جل وعز " وبست الجبال بسا " الواقعة: 5 كأنه من فتتت تفتيتا وفتت فتا، الشيء مفتوت ومفتت وفتيت، ويقال: فتوت؛ والبسيسة: طعام العرب، والبسوس: اسم ناقة هاجت بسببها حرب.
وأما الحسى فمرة من حس بمعنى قتل، من حسهم بالسيف ومنه قوله عز وجل " إذ تحسونهم بإذنه " آل عمران: 152 ومرة من حسست الدابة، وقد مرت هذه الكلمة شافية، ولهذا أقللت ها هنا.
وأما الرس فيقال إنه بئر، قال الله جل وعز " وأصحاب الرس " الفرقان: 38، وقيل في الرس مصدر رسست بين القوم إذا سفرت، ورسيس الهوى من هذا.
وأما العس فمصدر عس الرجل بالليل إذا نفضه، ومعنى نفضه طلب في الظلمة من يرتاب به، ومنه العسس، ويقال " والليل إذا عسعس " التكوير: 17 أي إذا أظلم.
وأما القس فواحد القسس وتقسسه تسمع صوته، وقسست أثر القوم، إذا تتبعته قسا.
فأما اللس فمصدر لست العير النبات إذا مكنت فاها منه وتناولته، ويقال في المثل: قلما تبقى على اللس.

(1/239)


وأما النس فالشوق، والمشوق منسوس، ويقال: كانت مكة ناسة لأنها كانت تخرج الجاني.
وقد بقيت ألفاظ يسيرة سنأتي عليها ها هنا مخافة أن أنساها، وقد وعدت في الكتاب أشياء كثيرة، قصرت في إنجاز كثير منها للطول وقلة المعين، وأظن أني قد قرنت الملل بفؤادك، وجلبت الثقل إلى نفسك بهذا الفن الذي أنا فيه، فما أصنع والكلام كله متدافع، وليس منه شيء إلا وفيه غرض وله معنى وعليه معول.
276 - نعم، فأما الشائف فهو الجالي، أعني الذي يجلو الشيء، وليس هذا الجالي من الجالي الذي ينصرف عن بلد بشيء في المعنى، وإنما يلتقيان في اللفظ، والشيء مجلو ولا يقال مجلي؛ وتقول شفت الشيء أشوفه شوفا، وإذا قيل: ما الشوف فهذا هذا. وأما السوف فهو شم التراب والطريق وغيرها، ومنه المسافة، هكذا قال البصير بالاشتقاق، وأما " سوف " فحرف يدل على الأفعال فيقررها عما مضى وعما حضر إلى ما يكون بعد ويستقبل، تقول: سوف يقوم هذا، وهي شقيقة السين في قولك: سيقوم هذا، ليس بينهما فضل.
وأما الخائف فمشهور، والخوف بين القوم، قال يعقوب: تقول: أخفتك، ولا تقول: فزعتك، ولكن فزعت، وتقول: خفت منك، هذا قد جاء كذا؛ وفرس خيفاء: إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء، كأنها قد نقصت عن شبه الآخرين؛ والخيف ما انحدر من الجبل وتصعد عن المسير، هذا أيضا للنقص العارض في المكان؛ والناس أخياف: مختلفون من ذلك لأنهم يتفاوتون، أي هذا يفوت هذا وهذا يفوت هذا، فالنقص بينهم سجال؛ والخيف جمع خيفة، وتقول: هذا طريق مخوف إذا كان يخاف فيه ولا تقل: منه. ويقال: وجع مخيف إذا كان الناظر يخافه على صاحبه أو يخاف مه على نفسه، هكذا قال العلماء منهم يعقوب والفراء.
وأما الزائف فإنه يقال: درهم زائف إذا كان بهرجا أي ستوقا أي فاسد الضرب غير متعامل به، ويقال أيضا: زيف، وصرف الفعل منه فيقال: زيفت الدرهم، والزائف أيضا من قولك: زافت الحمامة والمرأة إذا تبخترت وتطاولت وأقبلت.
وأما السائف فصاحب السيف، وسفت الرجل إذا ضربته بالسيف، وسفت الشيء - بالضم - إذا أدنيته من أنفك للشم والإشمام والتشمم، كل ذلك واحد، وأما السواف - بالضم والخفة - فداء ينال الإبل.
وأما الصائف فالذي ينزل في الصيف مكانا معروفا، يقال: صاف فلان بكذا وكذا إذا كانت صيفيه هناك، والصائف أيضا السهم الذي يحيد عن الهدف؛ وكبش صاف أي كثير الصوف، وشيء صاف لا كدر فيه، والمصيف كالمربع، والمشتى كالمخرف، وهي أماكن النازلين بها في هذه الفصول من الزمان المعروف.
وأما الضائف فهو من ضفت فلانا إذا كنت ضيفه، وأضفت فلانا إذا كان ضيفك، وكأن ضفته ملت إليه، وأضفته أملته، كما يقال: أضاف كذا إلى كذا إضافة، هذا ذاك بعينه، ولكن الضيافة تفردت بمعنى، والإضافة تميزت بمعنى، وكلاهما معروفان في الأصل، وقول الكتاب انضاف هذا إلى هذا، وسينضاف كلمة خطأ، كذا قال أبو سعيد السيرافي سمعت ذلك منه لفظا، وتتبعت ذلك في كلام الأولين وهم الحجة فما عثرت عليه؛ يقال: ضيف وضيفان وأضياف وضيوف كل ذلك معروف، قال الله تعالى " إن هؤلاء ضيفي " الحجر: 68 وقال " فأبوا أن يضيفوهما " الكهف 77.
وأما العائف فيكون من وجهين، أحدهما من العيافة وهي الزجر، ويقال له العياف، وسمعت من يحكي فيه المعتاف، والوجه الثاني يكون من عفت الشيء إذا كرهته، وفي الأثر: ما عاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه؛ وهذا يقال فيه العائف، والشيء معيف أي مكروه، ومضارع هذا أعاف، ومضارع ذلك أعيف، وليس المعوف من هذا، والعوف يقال هو المال، هكذا قال بعض الثقات، وقال أبو زيد الأنصاري: العوف الذكر، يقال لمن أصبح بانيا معرسا بأهله: نعم عوفك.

(1/240)


وأما القائف فهو م يقفو شيئا أي يتبعه، كأنه أخذ من القفا، لأنك إذا اتبعت غيرك كنت خلفه ومقابلا قفاه، وقال الله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " الإسراء 36 أي لا تتبع ولا تعمل. فأما القفية فطعام طيب يرفع لمن يكرم حتى إذا حضر قدم إليه، وقافية الشعر ما انساق الكلام الموزون إليه، وانقطع تمام البيت عليه، والتفقية صناعة الشاعر والساجع، كأنما يقفوان كلاما على وزن واحد، قال الله تعالى " ثم قفينا على آثارهم " الحديد: 27 أي أرسلنا وراءهم. والقائف عند العرب الذي يقفو أقدام السالكين فيقول: هذه قدم فلان، والشافعي رحمه الله يلحق الولد بحكم القائف إذا قال هذه القدم خلقت من هذه القدم، وكان المدلجي منهم في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وشهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ويقال لصناعة هذا القيافة، قال أبو حامد: وبنو مدلح مخصوصون بهذا الشان، ولهم إصابة ظاهرة وحذق معروف مشهور، والعرب تعترف لها بذلك وتسلم. قال أبو زيد: يقال: وأخذ فلان بقاف رقبته وقوف رقبته، يقال: قاف يقوف فهو قائف، مثل: طاف يطوف فهو طائف.
وأما الرائف فهو الموصوف بالرأفة وهو الرؤوف معوض، إلا أن الفعول أجمع للصفة، هكذا المعنى في بنية الكلام في الأفعال، كما أن مفعالا أكثر من مفعول، وأما فعال فقال بعضهم: هو أعرف من فعلو، وقال آخر: بل فعال أعرف، وزعم أن قول الله تعالى " فعال لما يرد " هود 107 شاهد بذلك، وقال آخر: بل هما يتقاسمان المعنى سواء، وليس أحدهما كالآخر، هكذا قال. والرأفة رقة تعتري طبائع الصالحين، هذا حقيقتهما في الخلق، فأما الله تعالى فرائف ورؤوف، أي يجزي جزاء كأنه من الرقة وليس بها، والصفات الجائزة بين الخلق، الدائرة بين الناس على طرف الحقيقة هي منفية المعاني عن الله تعالى، مطلقة الأسماء على الله، فإذا رأيت الله تعالى يقول " قد سمع الله قول التي تجادلك " المجادلة: فلا تقس ذلك على قد " سمع زيد " ، فإن السابق إلى النفس من معنى سمع زيد مفهوم، ومثل هذا ومعناه صحيح، وهذا ليس بمطرج على خالق هذا السمع والسامع والمسموع، لأنه لا يتلبس بما خلق ولا يتم بما نقص، والكلام في هذا أعرف مما طال الخوض، وهذا التخريج والتعريف إنما هو كله ليقوي منتك، وتقف على عين العلم همتك، وتطلق من غل الجهل رقبتك، فانظر كيف تكون لنفسك، فإني قد أعذرت وانذرت، وقلت ونقلت، وقومت وعدلت، وبلغت غاية مثلي في الاجتهاد، فالحق نهاية مثلك في حسن الارتياد، ولا تشغل بالك ببعض ما قصرت ودللت على نقصي به، فإن ذلك يستردفك عن حظك، ويسوي بينك وبين من هو أنقص منك، ولكن خذ نفسك بحسن هذا الكتاب ودع قبيحه، ليس عليك تبعته، والسلام.
فأما النائف فهي في ناف على الشيء وأناف إذا أشرف عليه، ومنه مناف في بني عبد مناف.
وأما الطائف فهو الخيال، وهو الذي يطوف بالبيت، بيت الله الحرام، وطاف الخيال يطيف، هكذا السماع، وأطاف يطاف إذا برز للغائط، ويقال: قد يبس طوفه في جوفه، ويقال للطائف الذي هو الخيال الطيف أيضا، والطيف مه دليل على يطيف. فأما أطاف فلان به فمعناه صار طائفا به كأنه أطاف أمره، وطاف هو فاعل الأمر، بتعدية الألف؛ والطف مكان بالعراق معروف، والطائف بلد وراء مكة، وكان الحجاج منه.

(1/241)


وأما الآيف فكأنه من الآفة، يقال: إيفت الشجرة الأرض فهما مؤوفتان، وإياك أن تقول ما يقول المتكلمون مأووف فإنه مردود، وليس للمتكلمين حجة في اللسان فضلا عن أن يكونوا حجة في المعاني، لأن حقيقة المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، وإذا تحرفت المعاني فذلك لتزيف الألفاظ فالألفاظ متلاحمة متواشجة متناسجة، فما ثلم هذه فقد أجحف بهذه، وما نقص من هذه فسد من هذه، وليس الشأن على أن يفهم من أعجمي طمطمته فإن ذلك المفهوم لم يكن عن تمام اللفظ وصحة التأليف، وإنما حدث بدلالة ما سمع على ما كان قارا في الصدر، ومنسوخا عند العقل، فلا يغرنك ذلك فتظن أنك متى سمعت كلاما آخر فقهته كذلك، أو قسته إلى هناك، وما أخص العربية بهذا بل كل لغة فقيرة إلى مقادير الخطاب ورسوم الصواب، فإن الأغراض إلى ذلك العلم تتوافى على تلك الطريقة، ومتى ظهر بها الزيغ مال بها إلى التناقص والفساد والمحال والخلل على قدر ذلك، وأظن العربية أحوج إلى ما خطبنا من كل لغة لاتساع طرقها، وتزاحم فرقها، وتنافر أوانسها، وتواصل وحشيها، واختلاف أسبابها استعارتها، وتباعد أقطار الصواب منها، يدلك على هذا القول وعلى ما يتلوه مما يطول به الكلام تصرف وجوه التأويل في حكم أنواع الاحتمال.
وأما الحائف فهو اسم لمن حاف أي ظلم، والحيف والإخفاء والحفاء والحف والتحيف والتحوف والحفوف متقاربة المعنى فافطن لذلك، فقد أبرمت هذا الفصل إبراما، وأظن أني قد استوجبت من الناظر فيه ملاما، وقد مر في عرض الكتاب ما هو مفصح عن هذه الخبايا، فاسمح لنفسك بالنظر فيه يسمح لك بالظفر به، جعل الله الخير إذاءك، والسلامة لباسك، والإحسان عادتك، بمنة ولطفه.
يجب أن تأخذ فيما سقنا كتابنا عليه من النتف والأخبار والنوادر والأسرار، والله أسال صدرا فسيحا بالصبر، وإيمانا قويا على الطاعة، ويقينا مقوما للدنيا، وعاقبة ميسرة بالنجاة، ومصيرا إلى الله تعالى بأداء ما وجب له، وحسن الظن به فيما خولف فيه، إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول.
277 - قيل لبعض المغفلين: ما تقول في معاوية؟ قال أقول: رحمه الله ورضي عنه، قيل: فما تقول في ابنه يزيد؟ قال : أقول: لعنه اله ولعن أبويه.
278 - مدح أعرابي رجلا فقال: هو والله فصيح النسب فسيح الأدب، من أي أقطاره أتيته انثني إليك بكرم المقال وحسن الفعال.
فصيح النسب حلو جدا، وهو استعارة، إلا انه ها هنا لاصق بالمعنى وذلك أنه أشار إلى صحة النسب سلامة العرق وكرم المنبت؛ وأما قوله فسيح الأدب، فقد والله جمع بين غزارة الموصوف في أدب النفس والعلم، وهذا نمط لا يتسع الكلام فيه على جميع ما يمر في الكتاب، ولو أمكن ذلك لبلغ الكتاب عشرة آلاف ورقة أو أكثر.
279 - وصف أعرابي قوما فقال: صدورهم قبور الأسرار، وسيوفهم آفات الأعمار.
280 - وصف ابن المقفع رجلا فقال: رفعه التقتير عن التقدير، وحطه التبذير عن التدبير.
281 - وصف رجل آخر فقال: هو أحلى من رخص السعر، وأمن السبل، ودرك الماني، وبلوغ الآمال.
282 - ووصف أعرابي رجلا فقال: نعم حشو الدرع، ومقبض السيق، وصدر الرمح؛ كان إذا لوين أحلى من العسل، وإذا خولف أمر من الحنظل.
283 - وذم أعرابي رجلا فقال: عبد البدن، حر الثياب، عظيم الرواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه.
284 - وصف أعرابي آخر فقال: إن أتيته احتجب، وإن غبت عنه عتب، وإن عاتبته غضب.
285 - وقال الرياشي: ذم أعرابي رجلا فقال: ليس له أول يحمل عليه، ولا آخر يرجع إليه، ولا عقل يزكو به عاقل إليه.
286 - شاعر الكامل
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار
187 - أنشد ثعلب الطويل
حسبتك إنسانا على غير خبرة ... فكشفت عن كلب أكب على عظم
لحى الله رأيا قاد نحوك همتي ... فأعقبني طول المقام على الذم
288 - كاتب: قد عرضت لي قبلك حاجة فإن نجحت فالفاني منها حظي والباقي حظك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر ممهد لك.
289 - كاتب: من توسل إليك بغير فضلك كان خارجا من حكم الأدب، داخلا في حد النقص، إذ كان محالا أن يستعان بالمفضول على الفاضل، وبالناقص على الكامل.

(1/242)


290 - كاتب: من كاتب الرغبة إليه غضاضة وذلا، فقد جعل الله الرغبة إليك عزا ونبلا، وذلك لخلال فيك خار الله تعالى لك فضلها، منها أنك توطئ ذوي الأمل منك كنفا سهلا، فتسهل سبيل الرغبة، وتقدم متأخر الصلة، ومنها أنك ترى للآمل عليك حقوقا تلزمك رعايتها، وحرمة توجب عليك القيام بواجبها، وهمتي أدام الله عزك، التي اعتمدت بها على فضلك، أن تجعلني في عداد من يرجو يومك وغدك، وأن تضمني في دهماء عبيد شكرك، خدم طاعتك.
291 - قال يزيد الراوية: كنت عند المهدي، فجاء رجل فسأله فأعطاه، وسأله آخر فأعطاه، وعلى هذا، فقلت: يا أمير المؤمنين قد أصاب فيك القائل حيث يقول: الخفيف
صم عن منطق الخنا وتراه ... حين يدعى للمكرمات سميعا
قوله أعط ذا وذاك وهذا ... لم يقل لا مذ كان طفلا رضيعا. فأمر لي بألفي دينار.
292 - قدم بعض المغفلين للصلاة على جنازة امرأة فقال: رب، إنها كانت تسيء خلقها، وتعصي بعلها، وتبذل فرجها، وتخون جارها، فحاسبها حسابا أدق من شعر آستها.
293 - قال ابن عائشة: كان للحسن بن قيس بن حصن ابن أخي عيينة بن حصن ابن رافضي وابنة حرورية وامرأة معتزلة وأخت مرجئة، فقال: أراني وإياكم طرائق قددا.
294 - وقف مديني على قاص وهو يذكر ضغطة القبر فقال: يا قوم كم في الصلب ن الفرج العظيم ونحن لا ندري، فقال صاحبه: إنا نستصلب إن شاء الله تعالى.
295 - أخذ الطائف شارعة وهو سكران فقال: احبسوا الخبيث، فقال: أصلحك الله علي يمين الطلاق أن لا أبيت بعيدا عن منزلي، فضحك وخلاه.
296 - سافر أبو الغريب إلى الجبل ثم عاد سريعا، فقيل له: لم عدت؟ فقال: آخذ امرأتي فإني تركتها ببغداد، وكانت تزني، وكنت بالجبل أزني، فقلت: تزني جميعا في مكان واحد أملح من أن نتفرق فتقل المؤونة.
297 - وكان الواجب أن نذكر شيئا من تفسير ما تضمنت الأبيات التي رواها ابن الأعرابي، ولكن عرض الخلل على حسب ما قد عم الوقت، والفرج مأمول من الله سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء؛ والآن نقول في حروف منها ما يكون بيانا لها، وإنما أفعل ذلك بها خصوصية لشغفي برصفها، وصدق المرمى بها، وجودة متنها، وكثرة مائها، وكل حسن مخدوم، وكل طيب شهي، وكل كريه مجتنب، وكل قبيح مقصي.
289 - أول الأبيات: الكامل المجزوء
المرء يكدح للحيا ... ة وحسبه خبلا حياته
المرء هو الإنسان، وخلوه من أمارة التأنيث دليل على التذكير، والمرء مذكر على هذا الذكر، والمروءة هي الإنسانية، والإنسانية لم تسمع من العرب لكنها مقيسة بالتوليد على كلامهم؛ وأما قول أبي تمام: الكامل سميت إنسانا لأنك ناس خطأ، كذا قال أبو سعيد السيرافي. وفلان يتمرأ بنا أي يبدي مروءنه بسوء القول فينا، يقل امرأة وامرأتان ونساء ونسوة، والمراء والمماراة متقاربان عند القائل بالاشتقاق على تعسف في التأويل، وإنما أقول بالواجب ولا أتعدى الحد في ذلك.
والكدح: المشقة، وفي القرآن " إنك كادح " الإنشقاق: 6، والمكادح منه، والخبل: الفساد، والارفتات: التكسر. والماضغ يدير أضراسه.
ويهدا بعد ما انصاتت قناته يريد ينحني بعد الشطاط، وكلول البصر: سوء البصر، ويكمه سمعه أي تثقل أذنه، والكمة في العين معروف، ولكن هذا قيل هكذا، ونهي حصاته يعني يضعف عقله، يقال: وهي الشيء يهي وهيا، وأوهاه فلان يوهيه إيهاء، وفي الأمثال: الرجز
خل سبيل من وهي سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه
والحصاة: الفهم، وقيل العقل، ومنه قول طرفة: الطويل
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
رأيت كتابا للأزهري عند الهروي صاحب اللغة يقول فيه: حصيت مأخوذ من الحصى؛ وأنكر ذلك أصحابنا ببغداد.
وتقف جلدته: يريد تقحل وتجف، ويقال انقحل إذا كان شيخا، قال الأصمعي: زعموا أنه من القحولة والنون زائدة، يقال: قحلت الأرض وأقحلت.
وتعرى من ملابسها شواته يعني فروة رأسه تصلع، والصلع الاسم، وقيل إن شواته أطرافه وأنها تعرى من البضاضة والحسن؛ ويغيب شاهده: أي يغيب شبابه.
ويشهد غيبه وتموت ذاته

(1/243)


أي تخمد شرته وتذهب ميعته، والميعة: الجري، وهو من ماع الشيء إذا سال، وماعه غيره وإنماع قليل مرذول، وهو في كلام الفقهاء كثير.
ويمل من برم: فالبرم ها هنا الضجر، وهو الإبرام، وكأنه التضايق، من أبرم حبلا إذا فتله، فقد منع القضاء من إثباته، ورجل برم: أي ضجر، والمبرم كالملح، والإبرام والنقض في الأمور مستعار من الحبل، وقال بعض وزراء خرسان: ريما قضينا حاج الناس برما لا حرما، أي من الضجر لا من طباع؛ وما كان أغناه عن إظهار هذه السوأة. والحاج جمع حاجة، وأبى المبرد أن الحوائج صحيحة في جمع حاجة.
وقوله: وقد فرطت لداته، أي تقدم أقرانه وأترابه، والترب في المؤنث أيضا.
299 - سألني بعض الفقهاء فقال: أين مولودك؟ وهو يريد: أين ولدت، فقلت: ما لي مولود، فقال: سبحان الله، وزاد تعجبه، فقلت: لعلك تسألني عن مكاني الذي ولدت فيه؟ قال: نعم، قلت: فهلا قلت: أين مولدك؟! قال: فخجل هو من الحاضرين، وذاك أردت ليكون خجلة باعثا له على الأدب، أو على إكرام الأديب، وهذا الفقيه هو الداركي، وكان ركيك اللسان، فدم الطباع، سيء الخلق، شهودا بالزور، خبيث الدين، ومات ببغداد سنة خمس وسبعين وثلاثمائة في شوال، ومات الأبهري بعده بجمعة.
وقال لي رجل من العجم يدعي العلم ويزعم انه منطقي: اقعد حتى تتغدى بنا، قلت: لا أبلانا الله بذلك، قال: فلم قلت هذا؟ قلت: لأنك أتيت بكلام لو فقهته عن نفسك لما أنكرته على جليسك، قال: فما هو؟ فعرفته الفرق بين الخطأ الذي قد أتى به والصواب الذي لم يوفق له، فنبا طرفه بعد ذلك عني، وثقل حجابه علي، فأف له ولأضرابه، فما شين الدنيا والدين إلا بقوم هذا منهم؛ رزقنا الله الأدب الذي به نعلم ما نقول، وإليه نفزع فيما نعمل، وكفانا شر كل ذي شر بمنه. فاعذر - أيدك الله - في هذا التصرف كله، وكن من إخوان الصدق يزدك الله به شرفا إن شاء الله.
كان أبو داود السجستاني ثقة محدثا راوية، زعموا أنه في أيام حداثته وزمان طلبته للحديث وكتابته، جلس في مجلس بعض الرواة يكتب، فدنا رجل إلى محبرته وقال له: أستمد من هذه المحبرة؟ فالتفت إليه أبو داود فقال: لا، فانخزل الرجل حياء، وأقبل عليه أبو داود وقال: أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان، فقد استوجب بالحشمة الحرمان، فسمي أبو داود منذ ذلك اليوم حكيما.
وأنشد المنسرح
أختان إحداهما إذا انتحبت ... تبكي كباك بعبرة حرى
وما بها علة ولا سقم ... تضحك مها الأخية الأخرى
يقال إن الشاعر أراد بهما السماء والأرض، ويقال إن ثعلبا أنشدهما.
قال الحسن بن عثمان القنطري: دفنت كتبي وأقبلت على العبادة والتشمير والاجتهاد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه صعد المنبر، وأشار بيده وفيها أقلام محشوة طيبا ومسكا، فجعل يناول أقواما قلما قلما، فلما تقدمت ووقفت بين يديه وقلت: يا رسول الله ناولني قلما، فقال: كيف أناولك وقد دفنت علمي؟ فأصبحت فحدثت بهذا الحديث؛ حدثني به أحمد بن منصور الحافظ.
قال بشر بن الحارث: قال الله تعالى في بعض كتبه: إن مما عاقبت عبادي به أني ابتليتهم بفراق الأحبة.
للراضي: المنسرح
يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا
حتى كأن الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا
قال إياس بن معاوية: ما كلمت أحدا بعقلي إلا أصحاب القدر، فإني قلت لهم: ما الظلم في كلام العرب؟ قالوا: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قلت: فإن الله تعالى له كل شيء.
قال عمرو بن العاص: إمام عادل خير من غيث وابل، وأسد حطوم من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، ولأن تمازح وأنت مجنون خير من أن يمازحك مجنون، وزلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقى ولا تذر.
وقال: يا بني استراح من لا عقل له.
وأنشد: الكامل
ما زلت منتظرا لوعدك مفردا ... بالبيت مرتقبا لقرع الباب
حتى يئست فقلت قول مدله ... مزج الدماء بعبرة تسكاب
يا كاذبا في وعده بلسانه ... من لي بعض لسانك الكذاب
قيل ليوسف بن أسباط: ما لا زهد؟ قال: أن لا تفرح بما أقبل، ولا تأسف على ما أدبر.

(1/244)


وقف ابن عيينة على ابن معروف وهو على رمل بطحاء مكة واضعا خده عليه، فقال له: يا أبا محمد إنه من ترك شيئا من الدنيا عوضه الله تعالى، قال: بأي شيء عوضك الله مما تركت؟ قال: الرضا بما أنا فيه.
لما حضرت حذيفة بن اليمان رحمه الله الوفاة قيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، قيل: فما تشتكي؟ قال: الذنوب، قيل: أفلا نداويك بدواء؟ قال: دواني رحمة ربي، ثم قال: انظروا هل أصبحنا؟ قالوا: نعم، قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، اللهم إنك تعلم أني لم أعن غادرا على غدر، ولقد عشت على خلال ثلاث: الضعة أحب إلي من الرفعة، والفقر أحب إلي من الغنى، ومن حمدني أو لامني في الحق سيان.
وقال بعض الصالحين: مررت براهب في صومعته وهو يبكي ويقول: أمر قد عرفته فقصرت في طلبه، وحدت عن سبيله فأبكاني يوم مضى وبقيت حسرته، ونقص له أجلي، ولم ينته إليه أملي.
قال الأحنف: من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة.
قال الأصمعي، سمعت أعرابيا يقول: العاقل حقيق أن يسخي نفسه عن الدنيا علمه بأنه لا ينال أحد مها شيئا إلا قل انتفاعه به، وكثر عناؤه فيه، واشتدت ندبته عند فراقه، وعظمت تبعته بعد وفاته.
قال هرم بن حيان: صاحب الكلام إلى إحدى منزلتين، إن قصر فيه حصر، وإن أغرق فيه أثم.
وقال أيضا: ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم قط، ولا عصى الله كريم.
قال الأصمعي، قيل لأعرابية: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ فقالت: إن فقدي ابني أمنني من المصائب بعده.
قال ابن السماك يوما: إن الله تعالى ملأ الدنيا لذات، وحشاها بالآفات، ومزح حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات.
قال ابن عائشة: قيل لبعض السلف: ما الكرم؟ قال: التأني للمعروف، قيل له: فما اللؤم؟ قال: التقصي على الملهوف.
قال الأصمعي، قال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غر من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيتيه أسرعا به، ثم أنشد: البسيط
المرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
قال الأصمعي، قال أعرابي: إن أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إذا نبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني ذاكر، هيهات لن يظهر الود المسقيم إلا من القلب السليم.
قال الأصمعي، قلت لأعرابي: ما أنحل جسمك؟ قال: سوء الإذاء، وجدوب المرعى، واعتلاج الهموم، ثم أنشأ يقول: الكامل
الهم ما لم تمضه لسبيله ... داء تضمنه الضلوع مقيم
ولربما استأيست ثم أقول لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
قال سعد مولى عتبة بن أبي سفيان: قال لي عتبة: يا سعد تعهد صغير ضيعتي يكبر، ولا تمهل كبيرها فيصغر، فإنه ليس يمنعني كثير من ما في يدي عن إصلاح قليل مالي.
قال الأصمعي: قيل لبعض حكماء فارس عند الموت: كيف حالك؟ فقال: كيف حال من يريد سفرا بعيدا من غير زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجة، ويسكن قبرا بغير أنيس؟ قال أعرابي: الشكوى على قدر البلوى طالت أم قصرت، إلا أن يكون بالشاكي انقباض، وبالمشكو إليه إعراض.
قال أعرابي لصاحبه: وما تولعك بقوم قد هدأت ريحهم عنك، وانحسمت مادتهم منك، حتى تستثير رابضهم، وتستقدح خامدهم؟ كاتب: لا أعدك فأطعمك، ولا أويسك فأقطعك، فإن أمكنتني فرصة فعلت.
قال أعرابي: لو عددتني أخاك ا استبطأتك إلا بالصبر، ولا استزدتك إلا بالشكر قال أعرابي: إن يسير ما أتاني عفوا لم أبذل فيه وجها، ولم أبسط له كفا، ولم أعضض له طرفا، أحب إلي من كثير ما أتاني بالكد، واستفراغ الجهد.
كاتب: أعليت من يد كانت مقبوضة، وأسميت من مقلة كانت مغضوضة.
كاتب: حل محل النور في نواظر الأولياء، والغصة في حلوق الأعداء.
قال أعرابي: لا أخلاك الله من بلاء جميل توليه، وجناب خصيب ترعيه، ومعروف عظيم تسديه.
كاتب: اعتدلت قناة الملك في يده، وسطح سراج الحق في دعوته، وأفل نجم الباطل في دولته.
كاتب: من انصرف من الاحتجاج إلى الاعتراف، فقد لطف للاستعطاف، واستوجب المسامحنة بعد الإنصاف.

(1/245)


قيل لمخنث: كيف ترى الدنيا؟ قال: مثلنا، يوما عند الأسخياء، ويوما عند البخلاء.
قيل لطفيلي قدم من مكة: كيف سعر النعال بمكة؟ قال: النعل بحمل وطبق فاكهة.
وقيل لطفيلي آخر مثل ذلك فقال: النعل بالحجاز بثمن جدي بالعراق.
نظر ملاح إلى رجل قد وثب على ظهر فرسه فقال: ما أحسن ما استوى على كوثله.
قال إبراهيم بن الفرات: سمعت صبيا وهو في جنب أبيه في يوم عيد وقد نظر إلى الناس فقال: يا أبه ما هذا؟ قال: هذا والي البصرة يريد المصلى، قال: وما يصنع يا أبه؟ قال: يصلي، قال: ولمن يصلي؟ قال: لربه تبارك وتعالى، قال: فقال: يا آبة ما هذا؟ قال: هذا والي البصرة يريد المصلى، قال: وما يصنع يا أبة؟ قال يصلي، قال: ولمن يصلي؟ قال: لربه تبارك وتعالى، قال يا آبة وهكذا يقصد الأرباب؟ قال أبو علي الرازي: مررت على صبية في طريق الشام وهم يلعبون بالتراب وقد ارتفع الغبار فقلت: مهلا غبرتم، وبادرت لأجوزهم، فقال صبي منهم: يا شيخ إلى أين تفر إذا هيل عليك التراب في القبر، فغشي علي فقلت: أعندك حيلة في الفرار من تراب القبر؟ قال: لا أعلم، ولكن سل غيري، قال: فقلت: من هو؟ قال: عقلك.
قال أعرابي: قد تعوق العوائق مما عليه النية، وتمنع المقادير مما عليه الطوية.
قيل لفيلسوف: لم صار الحمق أحظى من العقل؟ قال: لأن العقل تدخله الآفة، والحمق لا تدخله الآفة. وقد قال الحق، لأن الحمق آفة فليس تدخل عليه آفة.
حمل جحا جرة خضراء إلى السوق ليبيعها فقيل: هي مثقوبة، فقال: يكذبون، ليس يسيل منها شيء، فإن قطن أمي كان فيها فما سال منه شيء.
وذكروا عنده الضراط وقيل: هو شؤم فقال: وما شؤمه؟ قالوا: يبدد الجماعات، ويفرق الشمل، قال: فهذا باطل، أهل السجن يضرطون الليل والنهار ولا يفترقون.
يقال: ما الحفيف، وما الخفيف، ومال الجفيف، وما العفيف، وما الأنيف، وما الشنيف، وما الرفيف، وما الطريف، وما النظيف، وما العريف، وما الخريف، وما الشريف، وما السريف، ومال الغريف، وما القريف، وما الصريف، وما الظريف، وما النقيف، وما الطفيف، وما النتيف، وما الأسيف، وما العسيف، وما اللفيف، وما الضفيف، وما الصفيف، وما السفيف، وما السقيف، وما الذفيف، وما الزفيف، وما الشفيف، وما الكنيف، وما اللطيف، وما الكثيف، وما القطيف، وما العنيف، وما العليف، وما السخيف، وما الكتيف.
ويقال في باب آخر: ما الحز، ما البز، وما الجز، ومال الخز أيضا، وما الرز، وما الشز، وما العز، وما القز، وما القز، وما الكز، وما اللز، وما النز، وما الهز، والهز أيضا، وما الأز، والوز.
ويقال في باب آخر: ما الجهر، وما البهر، وما الدهر، وما الزهر، وما الصهر، وما الطهر، وما الظهر، وما العهر، وما الفهر، وما الكهر، وما النهر، وما المهر، وما الشهر، وما القهر.
وسيمر في جواب هذه الحروف ما يشفى قرم المتأدب، وينفي عن الملول عادة السوء، ويكون سمرا لمن أحب السمر، وفائدة لمن رغب في الفائدة، وجمالا لمن عشق الجمال، وحلية لمن هو عار، ووسيلة لمن هو منقبض، ومتعة لمن هو مهموم، إن شاء الله.
مات أبو جحا فلم يشيع جنازته، فقيل له: لم فعلت كذا؟ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله: لا يتبع مول، قالوا: ويحك، ذاك في الحرب، قال: أنا آخذ بالثقة.
واجتاز بامرأة تندب على زوجها، فقال لها: ما كان صنعة زوجك؟ قالت: كان حفار القبور، قال: أفلم يعلم القواد أنه من حفر لأخيه حفرة فسوف يقع فيها.
ضرط أبوه يوما في كنيف، فقال جحا: على أيري، فقال أبوه: إيش قلت ويلك؟ قال: حسبتك أمي.
وتبخر يوما فاحترقت ثيابه فقال: والله لا أتبخرن بعدها إلا عريانا.

(1/246)


قال ابن طباطبا في " عيار الشعر " : الشعر تدفع به العظائم، وتسل به السخائم، وتخلب به العقول، وتسحر به الألباب، لما يشتمل عليه من رقيق اللفظ، ولطيف المعنى، وإذ قالت الحكماء: إن للكلام جسدا وروحا، فجسده النطق وروحه معناه، فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة مستحسنة، مجتلبة لمحبة السامع له، والناظر إليه بعقله، مستدعية لعشق المتأمل لمحاسنه، فيحسنه جسما ويبدعه معنى، وجيتنب إخراجه على ضد هذه الصفة، فيكسوه قبحا ويبرزه مسخا، بل يسوي أعضاءه وزنا، ويعدل أجزاءه تأليفا، ويحسن صورته إصابة، ويكثر رونقه رقة، ويحصنه جزالة، ويدنيه سلاسة، ويتأتى به إعجازا، ويعلم أنه نتيجة عقله، وثمرة لبه، وصورة علمه، الحاكم له أو عليه.
هذا حكاية لفظه في كتابه.
وما أصبت أحدا تكلم في نقد الشعر وترصيفه أحسن مما آتى به الناشئ المتكلم، وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره، وله مذهب حلو، وشعر بديع، واحتفال عجيب، فمن شعره إلى أبي الصقر الوزير: الطويل
تبلج بروح اليأس أو روحة الغنى ... أو الصدق لي في الوعد أو طلب العذر
فما لي ثقي يحيى ولا حلم يوسف ... ولا صبر أيوب ولا مدة الخضر
وله أيضا: الطويل
لها جيد ظبي واهتزاز يراعة ... وعينا مهاة واعتدال قضيب
ولفظة مناع ولحظة باذل ... وعتب بريء واغتياب مريب
وإيماض ذي جد وإعراض هازل ... وسورة ذي طيش وعطف لبيب
وهذا فن لطيف المرام حلو جدا.
وله: الكامل المجزوء
كالبدر في إشراقه ... والبحر في إغداقه
والأثم في إطراقه ... والريم في إرهاقه
وله: الكامل
راح إذا علت الأكف كؤوسها ... فكأنها من دونها في الراح
وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح
لو بث في غسق الظلام شعاعها ... طلع المساء بغرة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذتها إلى الأرواح
وله أيضا: الكامل
ومدامة لا يبتغي من ربه ... أحد حباه بها لديه مزيدا
في كأسها صور تظن لحسنها ... عربا برزن من الجنان وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا
وكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا
هذه الأبيات رواها صاحب " عيار الشعر " لفلان الهمذاني، والصحيح ما تقدم ذكره؛ وإذا رأيت تلك الرواية محرفة، والعبارة فاسدة، علمت بأن سارقا سرق، ومنتحلا انتحل، والغارة من الكتاب والمصنفين سديدة على ما سلف للمقدمين.
انتهى طفيلي إلى عرس، ورام الدخول فمنع، فأخذ قرطاسا وطواه ثم ختمه، ولم يكتب فيه شيئا وعنون: من أخي العروس إليها، ثم جاء به كالمدل فقيل له: كأنه كتب الساعة، قال: نعم ومن العجب للعجلة أنه لم يكتب فيه شيء، فاستملحوه وأخذوه فأدخلوه.
لما غلب يزيد بن المهلب على البصرة حلف محمد بن المغيرة ألا يخرج من البصرة إلا بإذنه، فأتى البواب فقال: أتأذن لي أن أخرج؟ قال: لا، فأتى يزيد بن المهلب فقال: إن البواب قد منعني فأذن لي أيها الأمير، فأذن له، وأرسل معه رجلا إلى البواب، فخرح وجعل ذلك إذنا وخرج من البصرة؛ وكانت بأهلة تقول: محمد أجهل الناس غلب عاقل الأزد.
لما أراد عمر بن الخطاب قتل الهرمزان استسقى ماء، فأتي به، فأمسك القدح في يده اضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه، فألقى القدح من يده؛ وأمر عمر بقتله، قال: أو لم تؤمني؟ قال: كيف أمنتك؟ قال: قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، فقولك: لا بأس أمان، ولم أشربه، فقال الزبير وأنس وأبو سعيد الخدري: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: قاتلك الله أخذت أمانا ولم أشعر.
ماتت أم جحا، فقعد يبكي عند رأسها ويقول: رحمك الله، فلقد كان بابك مفتوحا ومتاعك مبذولا.
قال ابن كناسة: كان جحا كوفيا، وكان مولى لبني أسد، وقد روى الحديث وحمل عنه؛ ومات صديق له، فظل يبكي خلف جنازته ويقول: من لي يحلف إذا كذبت، ومن لي يحثني على شرب الخمر إذا تبت، ومن لي يعطي عني في الفسوق إذا أفلست، لا ضيعني الله بعدك، ولا حرمني أجرك.

(1/247)


وماتت امرأة حجا، فقعد عند رجليها يبكي، فقيل له: لو قعدت عند رأسها، فقال: إنما قعدت مكانا ينفعني.
نظر إنسان إلى جحا في المقابر فقال: يا أبا الغصن ما تصنع ها هنا؟ فقال: اطرح لقبر أمي قبا فقد تمزق قبه.
كاتب: وصل الله سرور يومك بسرور شهرك، وسرور شهرك بعلو قدرك، وعلو قدرك بنفاذ أمرك ونهيك؛ النفس أعزك الله لا حظ فيها، والمال لم يكن إلا منك، فإن أهديت وجدته خالصا لك، وإن أهديت الميسور من الوجد كنت المهدي إليك مالك، وإن كان ذلك كذلك لم يبق إلا النشر والثناء والحمد، والاعتراف بالتقصير ولعجز، ولقد أحسن سعيد بن حميد حيث يقول: الكامل
إن أهد نفسي فهو مالكها ... ولها أصون كرائم الذخر
أو أهد مالي فهو واهبه ... وأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد حمدي فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بسنة البدر
اختصم رجلان إلى إياس بن معاوية في مطرف خز، وادعى كل واحد منهما المطرف، فدعا إياس بمشط وماء فبل رأس كل واحد منهما وسرح شعره، فخرج المشط وعليه غفر المطرف، فدفع المطرف إلى صاحبه.
كان عمر بن هبيرة أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكان إذا أتاه كتاب فتحه ونظر فيه كأنه يقرأه، فإذا نهض من مجلسه حملت الكتب معه، فيدعو جارية كاتبة ويدفع إليها الكتب فتقرأها عليه، فيأمرها فتوقع بما يريد ويخرج الكتاب، فاستراب به بعض أصحابه، فكتب كتابا على لسان بعض العمال وطواه منكسا. فلما أخذه قرأه ولم ينكر تنكيسه، فعلم أنه أمي.
قال صالح المري: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
قال الأصمعي: سألت امرأة من الأعراب عن حال لحقتهم فقالت: سنة جردت، ونار خمدت، وحال جهدت، فهل فاعل للخير، أو دال عليه، أو لا، فمن يجير، رحم الله من رحم، وأقرض من لا يظلم.
قال الأصمعي، قيل لأعرابي: صلب الخليفة زنديقا فقال: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالجذع راحلته.
قال الأصمعي، قيل لأعرابي: أتؤمن بالموت؟ قال: إي والله، قيل: كيف تؤمن به؟ قال: إني رايت آبائي وإخواني وأهلي وأكثر عشيرتي قد ماتوا، فعلمت أني لاحق بهم، قيل: أفتؤمن بالبعث؟ قال: هيهات إنها لحفيرة سوء ما دخلها أحد فخرج.
قال الأصمعي، سمعت أشياخنا يقولون: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن عبد قيس، وهرم بن حيان، والحسن، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن خثيم، ومسروق، والأسود بن يزيد.
قال حماد بن زيد، سمعت يونس يقول: توشك عينك أن ترى ما لم تر، وتوشك أذنك أن تسمع ما لم تسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فما هو أشد منها، حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط.
قال حماد بن زيد: شكا رجل إلى يونس وجعا يجده فقال يونس: يا عبد الله، هذه دار لا توافقك، فاطلب دارا توافقك.
قال الأصمعي، تقول العرب: بينهم ملحمة أي مقتلة.
قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله في الجنين غرة، عبد أو أمة: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أراد بالغرة معنى لقال: في الجنين عبد أو أمة، ولكنه عنى البياض لأنه لا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء.
خطب عبد الله بن الحسن بالبصرة على منبرها فأنشد في خطبته بيتا: البسيط
أين الملوك التي عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
تزوج عثمان رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سنة اثنتين من الهجرة ودخل بها، وماتت يوم جاء البشير بفتح بدر؛ ثم تزوج عثمان بأم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل بها في شهر ربيع الأول سنة ثلاث؛ ومات عبد الله بن عثمان من رقية سنة أربع.
قال الأصمعي، حدثنا حزم القطعي قال: سمعت الحسن يقول: حقيق على من كان الموت موعده، والقبر مورده، والوقوف عند الله مشهده، أن يطول بكاؤه وحزنه.
يقال إن أول من ارتشى من القضاة بالبصرة الحجاج بن أرطاة.
غنت جارية بدف: الطويل
لئن فتنتني فهي بالأمس أفتنت ... سعيدا فأمسى قد قلى كل مسلم
وألقى مفاتيح القراءة واشترى ... وصال الغواني بالكتاب المنمنم

(1/248)


قال ثمامة: قلت لجعفر البرمكي: ما البيان؟ فقال: أن يكون الاسم محيطا بالمعنى، ويجلى عن المغزى، ويخرج من الشركة، ولا يستعان عليه بالفكرة، والذي لا بد له منه أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من التعسف، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.
عاد رجل من الأعراب إلى حيه بعد غيبة طويلة، فلم ير فيهم خيارا، فأنشأ يقول: الرجز
ومجلس ليس بشاف للقرم ... ولا بمنسوب إلى الفرع الأشم
نزلته من عوز ومن عدم ... رجاء أن ينفع من سقم ألم
فازددت منه سقما إلى سقم
نمر بأطراف تلك الحروف التي في شرحها فائدة، فقد أضربنا عنها بما اعترض من رواية الملح ومكنة ملل الناظر بذلك.
أما الحفيف نحفيف الناب، وحفيف الطير، وهو صوت أجنحتها؛ وحفاف الشيء طرفه، و " حافين من حول العرش " الزمر: 75 كأنهم محيطون بحواشيه، وحف الشعر إذا استأصله أي أخذ أصوله، كأنه بلغ أطرافه في مغارزه ومقاصه، " وحففناهما بنخل " الكهف: 32 منه، والحفيف المحفوف، فإن الفعيل شقيق المفعول في مواضع كثيرة، والحفف: اليبس، والحفوف: الفقر، والمحفة معروفة، والحفان: طائر.
وأما الخفيف فضد الثقيل، نقول منه: خف الرجل إذا عجل، وخف القطين إذا رحل، القطين والقطان والقاطنون واحد، ويقال للرجل: من أين خفوفك؟ وقد أزف خفوفه أي رحيله، وزعم بعض المولعين بالاشتقاق أن الخف سمي خفا لأن صاحبه خف به للحركة، لأنه لا يلبس للقعود والرفاهية والتثاقل؛ ويقال في الكلام المتابع: هو خفيف دفيف، وجمع الخف خفاف، وزعم القائل بالاشتقاق أن قولك: خف وخاف يتعاقبان معنى واحدا، وإنما اختلف الوزن لأن من خاف خف واضطراب، كما أن من أمن ركن واستقر؛ وتقول هو خفيف وهما خفيفان وهم خفيفون، وفي التأنيث: هن خفائف لأنه جمع خفيفة، كما تقول في جمع فتيلة فتائل.
وأما الجفيف فالشي اليابس، تقول: جف يجف، الجيم مفتوحة، وقد جاء يجف، والأول اختيار أبي حاتم، ومصدره الجفوف، وجفت يده أي يبست، وحشت يده أي جفت كأنها صارت في يبس الحشيش، لأن الحشيش هو اليابس الذي يحش أي يقطع.
فأما العفيف فالممسك نفسه عن القاذورات، يقال منه: عف فلان يعف عفة وعفافة، وكل هذا مسموع، واستعفف أيضا، قال الله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف " النساء: 6 وعفافة اللبن - بضم العين - كالبقية، والعفيف فعيل ينقسم بين فاعل ومفعول، وإذا تماسك وتوقى وأخذ نفسه مأخذ الواجب فهو في طريق الفاعل، ثم قد يكون في معنى المفعول به لأن العفة طباع، فكأنها توجد في فطرته.
وأما الأنيف فالذي أصيب أنفه، كأنه مأنوف، والكلام في الأنوف قد مر في الجزء الخامس وإعادته تشق.
وأما الشنيف فالمبغض، ولا تقل المبغوض، لأنه لا يقال بغضه، هذا لفظ العامة وهو مرود عند البصراء بالأصول، ولكنه يقال: بغض الشيء في نفسه فهو بغيض، فكأنه أخذ من شنفته إذا أبغضته، وكذلك: شنفت له. وقال بعض الأدباء: وهو أيضا الذي علق في أذنه الشنف - بفتح الشين وسكون النون - وهو أيضا بمعنى مفعول؛ وأما فلان شنف أنف صلف فهو الشنف - بحركة النون - وهو البغض والأنفة والصلف؛ ويقال: شانفني مشانفة أي عاداني معاداة، وهذا كله محصل عن السماع والكتب والصحاح وأهل الأدب الموثوق بهم بالعراق.
وأما الرفيف فهو بريق الشيء وبصيصه ونوره وبهاؤه وماؤه، ويقال منه: رف الشيء إذا أنار ونار واستنار، كل ذلك بمعنى واحد، ومضارع هذا يرف بكسر الراء، فأما رف يرف بالضم فمعناه أكل، وأما رف خفيفه يرف فمعناه كثر، والرف سألت عنه السيرافي فقال: هو من كلام العرب، وهو الذي يضاف إلى الحائط ليوضع عليه شيء.

(1/249)


وأما الطريف - بالطاء غير معجمة - فهو ضد التالد، وفي الكلام يقال: بذلت له طريفي وتالدي، والتالد: الموروث، والطريف: المكتسب، وأما الطرف فهو الفرس الكريم، وأما الطراف فالخباء من الأدم وجمعه الطرف، والطرف: العين نفسها، بل قيل: هو جفنها، وقال بعض الكتاب: كبدي بيد العراق مخطوفة، وعيني بقذى الفراق مطروفة؛ وهذا أمر طريف أي لم يعتد؛ ورجل طريف أي معجب؛ وقال صاحب الاشتقاق: الطرف دائر في هذه الأبنية، لأن الطارف في طرف من التالد، لن هذا ولد عندك، وذاك كسبت، فهما طرفان، والطرف الذي هو الفرس الكريم في طرف من الدواب على ذلك. والطرائف جمع طريفة، والطرفة من جملة الكلام، وفلان طريف بين الطرافة، وقد سمع، وهو نظير قولهم: غريب بين الغرابة، وقد رأيت من يأبى الغرابة والطرافة.
وأما النظيف فاسم الشيء الذي لا تنبو عنه العين، ولا تكف عنه اليد، تقول: هذا إناء نظيف فاشرب فيه، تقول منه: نظف نظافة وهو نظيف، ونظفة تنظيفا فهو منظف، وقول الكتاب: فلان العامل قد استنظف المال في ناحية، فذا مردود قال الثقة.
فأما العريف فهو مأخوذ من المعرفة، والميم في المعرفة زائدة لأنه يقال: عرفته؛ والعرافة للعريف كالنقابة للنقيب، وكأنه ينقسم بين أن يكون عارفا من أن يكون عريفا عليهم، وبين أن يكون معروفا فيمن هو عريف لهم، تقول: عرف الرجل أي صار عريفا، كما يقول: أمر بالفتح، والقياس أمر وعرف كما تقول: فقه وظرف، تقول منه: عرفه يعرفه معرفة، والعارف الصبور، كذا قال أبو عبيد في " الغريب " ، كأن الصبر من المعرفة، كما أن الجزع من الجهل؛ والعوارف: الصلات والجوائز والخيرات، كأنها معروفة أو عارفة، لأنها جمع عارفة وهي بمعنى معرفة، لأن المعروف هو الجزء الذي تعرفه النفس، وتطرب له الروح، وأما خرجت في يده عرفة: فقرحة، وعرفات مكة، قالوا: سميت بذلك لأن آدم بها عرف حواء، وتصرف فنقول: عرفته كذا فعرف، واعترف بما عرف، والنفس عروف، والمعارف: أماكن تعرف، وأشياء تعرف، وقول الفقهاء في العرف والعادة، وهذا مقبول، فأما المعرفة وما حدها وحقيقتها وكيف طريقها ففن طويل الذيل، تكلم الكعبي فيه في " كتاب المقالات " مالئا لأوراق يقل محصولها عند التناقد والتناصف، وقد مر في آخر الجزء الثاني فصل في هذا الباب، وسيمر أيضا نوع من الكلام فيه، إذا صرنا إلى الجزء الذي نفرده للعارفين وأصحاب الصوف إن شاء الله.
وأما الخريف ففصل من الزمان معروف، وإنما سمي خريفا لاختراف الثمار، والعرب تقول: فلان يخترف الكلام إذا اقتضبه على حسن، ويقال إن قولهم: فلان خرف على التفاؤل، والمخرفة: ما يخترف بها الثمر، والخروف: ولد الضائنة إذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه، والأنثى خروفة، والخرافة: الحديث الحسن يكاد يتهم محدثه.
وأما الشريف فمعروف، وهو مشتق من الشرف وهو العلو، ويقال: شرف لحكمك إذا كثر، والشارف: الناقة المسنة، كأنها العالية في السن، ومشارف الشام: أعاليها، يقال: شارفته فشرفته، كما تقول: فاضلته ففضلته، وناضلته فنضلته، وهم أشراف في الجمع، وسألت العالم عن شراف فوقف، فقلت له: ألم تقل هم شرار في أشرار، فلم لا تقول شراف في أشراف، قال: القياس يتضاءل مع السماع.
وأما السريف فما سرفته أي أغفلته وغفلت عنه كأنه مفعول، يقال: مررت بكم فسرقتكم أي سهوت عنكم؛ والسرفة: دابة صناع، يقال: أصنع من سرفة؛ والسرف في مقابلة التبذير وهو الإسراف، واستسرفت من فلان كذا، إذا نسبته فيه إلى السرف.
وأما الغريف فالمغروف، وهو الذي تغرفه وتغترفه من ماء أو مرقة، والمغرفة: الآلة، بكسر الميم، ويقال لها أيضا: المقدحة، لأنه يقال: قدحت بمعنى غرفت ويقال أيضا: عرفت ناصية الفرس، وعرفت الشعر: إذا أخذته.
فأما القريف فالمقروف، وهو العود تأخذ ما عليه من قشرة، وتقول: لا تقرف جرحك حتى يندمل ويبرأ.
وأما الصريف فصريف الناب، وقد يسمع من النائم ذلك، فإذا غرق في النوم كأنه يحك أسنانه العليا بأسنانه السفلى؛ وصرفت الكلبة إذا أرادت الذكر، كأنها خاجت، والصرف من الشراب ما لا يمزج، يقال منه: أصرفت الخمر إذا تركتها صرفا، كذا قال الثقة.

(1/250)


وأما الظريف فروى لنا شيخ عن الأصمعي وابن الأعرابي انهما قالا: الظرف ما يكون في اللسان، يقال: فلان ظريف أي بليغ جيد المنطق، ومنه: إذا كان اللص ظريفا لم يقطع، وهذا قول عمر رضي الله عنه، يعني إذا كان حسن التخلص إلى الحجة بالشبهة درأ بها حدة وقرب أمل فرجه برأيه؛ قال بعض السلف: الظريف من فيه أربع خصال وهي: الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة.
قلت لبعض العلماء: ذكر اربعا وهي اثنتان: لأن البلاغة والفصاحة خصلة واحدة، والعفة والنزاهة خصلة واحدة، فقال لي: ظلمت، الفصاحة خلوص اللسان من التعقيد والنغنغة، والبلاغة تناهي المتكلم إلى الإرادة، فقد يخلص ولا ينتهي، وقد ينتهي ولا يخلص، فإذا جمع بينهما كان فصيحا بليغا. والعفة الإمساك عن المحظور، والنزاهة الوقوف عن المباح، وفي العفة ذب عن الدين، وفي النزاهة حفظ للمروءة.
وقال بعض الأدباء: الظريف المتمرس بكل أمر، المتخلص من كل ذم.
سمعت أبا النفيس الرياضي يقول: الظريف من صار ظرفا للمناقب، وحسن المناقب. والكلام يفتن إلى هذا الفن، وأنا إلى اختصار ينفي سآمة القارئ أحوج مني إلى تطويل يسد باب النشاط؛ وللصوفية ألفاظ مهذبة في جواب نظائر هذه المسألة كقولهم: من الظريف، ومن الفاضل، ومن العارف، ومن العاشق، فإذا دخلنا في ميدانهم أتينا على بيانهم إن شاء الله.
وأما النقيف فالمنقوف من الحنظل، كأنك نقفته إذا أخذته بأطراف يدك.
وأما الطفيف فالشيء القليل القليل التافه، قال الله تعالى: " ويل للمطففين " المطففين: 1 يعني المقللين، وطفاف المكوك: جوانبه، كأن المطفف في الكيل يحب أن ينقص المشتري، وقد بين الله ذلك.
وأما النتيف فالمنتوف، يقال: هذا طائر نتيف، والنتف: جمع نتفة، كالطرف جمع طرفة، والغرف جمع غرفة، ويقال: تناتف الديكان عند القتال، والنتيف لقب كثير من الناس الذين ينتفون شعور وجوههم، وهي علة من احتراق المرة السوداء.
وأما الأسيف فالتابع.
وأما العسيف فالعبد، هكذا حفظت عن الثقة.
وأما اللفيف فجماعة لا تعرف، واللفيف أيضا الملفوف، واللف: التواء في اللسان كالردة. وسمعت بدويا يصف قوما لقوا قوما في الحرب، قال: ما تصافوا حتى تلافوا، واللفافة: ما يلف فيها الشيء، وجمعها لفائف كأنه جمع لفيفة، ورجل ألف إذا كان عييا، وامرأة لفاء، وكذلك إذا كانا ضاويين، وإذا كانا نحيلين، وكل هذا من خفة اللحم والشحم والجسم.
وأما الضفيف فهو من المضفوف، ويقال: هذا ماء مضفوف إذا تزاحمت عليه وأردته، فكأنه مأخوذ من ضفة النهر أي طرفه، لأنهم يتزاحمون على جوانبه، وقولهم: هذا مضفوف كقولهم: هذا ماء مشفوف إذا شفوه أي نزفوه؛ فأما قولهم: ماء مشفوه - بالهاء - فأخذ من الشفة كأنه كثرت عليه الاربة حتى وضعوا على جوانبه شفاههم، وعلى هذا تكون جوانب الحوض وأطراف الموارد شفاها فأصابوها بالشرب، لأنه يقال: شفهته: إذا ضربت شفته، وقولهم: كلمته مشافهة أي شفتي مقابلة لشفته، لأن الكلام يسمع من الإنسان بآلات كثيرة كاللسان والأسنان والشفة، ومتى نقص شيء من ذلك نقص الكلام على مقداره.
وأما الصفيف فاللحم المصفوف، يقال: صففته أصفه صفا فأنت صاف وهو مصفوف، وقول الله تعالى: " صواف فإذا وجبت جنوبها " الحج: 36 إذا شددت الفاء كان من هذا، كأن الهدي يصف، وقد قرئ صوافي أي قائمة، وقيل أيضا: صوافي جمع صافية كأنها صفت لله تعالى لأنه متقرب بها إليه.
وأما السفيف فهو ما تسفه أي تتناوله، ويقال لأدوية معروفة: فهو يسف - بضم السين فهو الخوض لأن الخواص يعمل من الخوص قفة وسفوف كذا وسفوف كذا، والسين مفتوحة، والعامة تقول لبائع هذه الأدوية: سفوفي - بضم السين - وإنما هو سفوفي - بالفتح - ؛ وأما سف فهو وزنبيلا وغير ذلك، فعمله السف وهو ساف وسفاف. وإذا قلت: أسف انقلب المعنى، أسف الطائر إذا دنا من الأرض، وأسف الرجل للأمر إذا قاربه، والإسفاف إلى القبيح كالدنو منه والتلطخ به.
وأما السقيف فكأنه قد سقف إذا كان سقفا، وسقيفة بني ساعدة منه.
وأما الذفيف فالسريع.
وأما الزفيف فزفيف الناقة، وهو ضرب من ضروب سيرها.
وأما الشفيف فالبرد.
وأما الكنيف فالحظيرة.
وأما اللطيف فمعروف.
وأما الكثيف فخلافة لأن اللطافة في اللطيف ضد الكثافة في الكثيف.
وأما القطيف فما قمطف.

(1/251)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية