صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البديع في نقد الشعر
المؤلف : أسامة بن منقذ
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

تقسم لحمي وهي تبدي تأسفا ... وترتكب الهجر الشنيع وتستعدي
كما فعلت بالبهم بنت حنية ... إذا أصمت المري حنت من الوجد
وأقسم بالهجر الذي ذقت طعمه ... لقد خلت وصلا منك أحلى من السهد
ومنه:
يا ضرة الشمس في جمالك ... ألا تخرجت من فعالك
زعمت أني خلي بال ... ألا ليت العدي كحالك
لا سلمت من يديك روحي ... ولا تمتعت من وصالك
إن كنت أبكي فيك رقادي ... إلا لشوقي إلى خيالك
باب
الغلط
اعلم أن الغلط هو أن يغلط في اللفظ ويغلط في المعنى، مثل قول زهير:
فينتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
أراد أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، وقد احتج بعض العلماء. فقال: أراد عاد الأخرى، لأنهما عادان، كما قال الله تعالى: " وأنه أهلك عاد الأولى " ، فدل على أن ثمود عاد الأخرى، وكقول بعض العرب في الحماسة:
وبيضاء من نسج ابن داود نثرة ... تخيرتها يوم اللقاء الملابسا
وإنما الدروع من نسج داود بنفسه لا من نسج سليمان.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
سرية لم تأكل المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا
والفستق ليس من البقول، إنما هوثمر.
ومنه له: مثل النصارى قتلوا المسيحا. والنصارى لم تقتل المسيح، إنما قتلته بزعمهم اليهود. وقد احتج له ابن جني، فقال: إن النصارى لما قالوا: إن المسيح قتل وصلب نسب إليهم قتله، كما قال الله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين " ، أي فئة تقول: إنهم مسلمون، وفئة تقول: إنهم مشركون. وقال تعالى: " أتريدون أن تهدوا من أضل الله " ، فنسب إليهم الهداية لأنهم سموهم مهتدين.
ومن ذلك قول الراجز: وأبيض أخلص من ماء اليلب.
والسيوف لاتعمل في ماء اليلب، لأن اليلب جلود يتخذ منها دروع منسوجة، فتوهم الشاعر أنها حديد.
ومن ذلك قول جرير:
لما تنزلت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
غلط ثلاث مرات لأنه دير واحد، وهو دير عبد الملك، والدجاج لا يصيح وإنما تصيح الديوك، وكذلك الأرق أول الليل والديوك تصيح آخره.
ولامرئ القيس:
فللسوط ألهوب، وللساق درة ... وللسوط منه وقع أهوج ملهب
فهذا غلط في صفته لأنه لو كان حمارا لكان ذلك رديا في صفته، فكيف يصفه بذلك وهو هجنة فيه؟
باب
الحشو
الحشو أن تأتي في الكلام بألفاظ زائدة، ليس فيها فائدة، كقول النابغة:
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
وكان الأجود أن يقول: لسبعة أعوام، فيستغني عن قوله: ستة أعوام، وعام سابع.
ومنه:
نأت سلمى، فعاودني ... صداع الرأس والوصب
فالرأس حشو، لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يون إلا في الرأس.
ومن ذلك في الحماسة:
أبغي فتى، لم تذر الشمس طالعة ... يوما من الدهر إلا ضر أو نفعا
فقوله: طالعة. حشو لا فائدة فيه، لأن ذرت وطلعت بمعنى واحد.
ومنه قول الآخر:
فما برحت تومي إليه بطرفها ... تحذره خوف الوشاة وتومض
فقوله: وتومض. مكرر، لأن الإيماض هو الإيماض بعينه، كما قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هلا أومضت إلي، فقال: النبي لا يغمز.
ومن التطريق قول بعض العرب:
ولست بخابئ لغد طعاما ... حذار غد، لكل غد طعام
كرر لفظ غد، وهو الذي يسمى التطريق.
ومنه للمتنبي:
أسد فرائسها الأسود، يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
قال الصاحب بن عباد: العجب كيف خلص من هذه الأجمة.
وكذلك قوله:
يد للزمان الجمع بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبين النوائب
ومثله:
أحرق البين فؤادي ... عمي البين وصما
لو رأيت البين يوما ... لسقيت البين سما
وقال المتنبي:
وللضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
قال الصاحب بن عباد: هذا البيت يصلح أن يكون مسلة في كتاب ديوفيطس.
وقوله أيضا:
عظمت، فلما لم تعظم مهابة ... عظمت فكان العظم عظما على عظم

(1/32)


قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا البيت يصلح أن يكون ناووسا في كبار المقابر لكثرة ما فيه من العظام.
وكما قال الأعشى في قصيدته التي أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهي في غاية الفصاحة:
وقد غدوت إلى الحانات يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول
سئل الأصمعي عن هذا البيت فقال: لا أعرف معناه.
ومنه قول مسلم في الخمر:
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فغدا سليل سليلها مسلولا
وتبعه أبو تمام في مثل هذا فقال يصف مطرا:
وقرى كل قرية كان يق ... ريها قرى لا يجف منه قري
جمع الغثانة والرثاثة والثقل والركاكة.
وقال أبو الطيب المتنبي:
وقلقل بالوجد الذي قلقل الحشا ... قلاقل هم كلهن قلاقل
فقال بعض البلغاء: إن الأعشى شلشل، وإن مسلما سلسل، وإن المتنبي قلقل.
ولقد أحسن من قال:
إن حشو الكلام من لكنة ال ... مرء، وإيجازه من الإحسان
باب
التفريط
اعلم أن التفريط هو: أن يقدم الشاعر على شيء، فيأتي بدونه فيكون تفريطا منه، إذ لم يكمل اللفظ أو يبالغ في المعنى، وهو باب واسع يعتمد النقاد من الشعراء وهو مثل قول حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فرط في قوله: الجفنات، لأنها دون العشرة، وهو يقدر أن يقول: لدينا الجفان، لأن العدد القليل لا يفتخر به. وكذلك قوله: وأسيافنا. لأنها دون العشرة وهو يقدر أن يقول: سيوفنا وبيض لنا. وفرط في قوله: الغر؛ لأن السواد أمدح من البياض لكثرة الدهن والقرى فيها. وفرط في قوله: يلمعن بالضحى؛ وهو قادر على يقول: بالدجى؛ لأن كل شيء يلمع بالضحى. وفرط في قوله: يقطرن. وهو قادر على أن يقول: يجرين؛ لأن القطر قطرة بعد أخرى. وقال أبو قدامة: إنه أراد بقوله: الغر، المشهورات، وقال: بالضحى؛ لأنه لا يلمع فيه إلا العظيم اللامع الساطع النور، والدجى يلمع فيه يسير النور كاليراع والحباحب وغيره. وأما أسياف وجفنات فإنه يضع القليل موضع الكثير، كما قال سبحانه: " لهم جنات ودرجات " . قوله: يقطرن دما هو المعروف والمألوف، ولو قال: يجرين لخرج عن العادة، وينوب قطر عن جرى، كما مسح سوق الإبل عن أعناقها.
ومن ذلك قول الأعشى:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق وقد كاد يسنق
قال الأصمعي: أقل حمار لطحان ينال هذا.
ومن ذلك قول آخر:
ومن يأمن الحجاج والطير تتقي ... عقوبته إلا ضعيف العزائم
إن الطير تتقي الصبيان وإنما الجيد قول جرير:
ومن يأمن الحجاج، أما عقابه ... فمر، وأما عهده فوثيق
وكذلك قول النابغة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
يصونون أجسادا طويلا نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب
هذا كله فاسد، لأن العامة والصعاليك يحيي بعضهم بعضا في ذلك اليوم بالريحان. والبيت الثاني فاسد، لأنه لا فضيلة في كونها ملونة، كل جانب منها لون. والبيت الثالث فاسد لأنه لا يكون البيات إلا فوق المشجب، ولا يكون على غيره.
باب
الفساد
اعلم أن الفساد هو فساد المجادلة والمحاورة والتشبيه أو غير ذلك يقصده الشاعر، مثل قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادا لغارة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
قال النقد: هذا فاسد، لأنه جعل الغزل مجاورا للشجاعة في البيتين، والأجود مجاورة الشجاعة للشجاعة والغزل للغزل، فيقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي: كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ومنه قول المتنبي:
وقفت، وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
فقيل إن سيف الدولة قال للمتنبي: هذا فاسد المجاورة، لأنك أتيت بالتشبيه قبل ذكر المشبه، والأجود أن تقول:

(1/33)


وقفت، وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الرددى وهو نائم
فقال المتنبي: أيد الله مولانا الأمير أن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنإ ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت: ووجهك وضاح، وثغرك باسم، لأجمع بين الأضداد بالمعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها، فأعجب سيف بقوله، ووصله بخمسين دينار من دنانير الصلات قيمتها خمسمائة دينار.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
فإنك إن تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء في الفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم
وقال آخر:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء، ... وملبسة بيض أخرى جناحا
يجب أن يكون كل بيت من الأولين مع بيت من الآخرين.
ومن فساد الاستعارة قول أبي الشيص:
وللهوى جرس ينفي الرقاد به ... فكلما رمت نوما حرك الجرسا
وفساد التفسير مثل قوله:
فيأيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى
تعال إليه تلق من نور وجهه ... دليلا ومن كفيه بحرا من الندى
هذا فساد التفسير، لأنه فسر البغي بالسماحة، وكان الواجب أن يفسره بالنصر، وفيقول: نصر أسود الشرى.
ومن فساد التجنيس قول عبيد الله بن زياد: افتحوا سيفي يريك سلوه.
وقال آخر في يوم مطير: قد انقطع شريان الغمام.
وقال آخر:
إكسير هذا الخلق يطرح واحدا ... منه على ألف فيكرم خيمه
وقول آخر:
أكابد منك أليم الألم ... فقد نحل الجسم بعد الجسم
وقال أبو تمام:
من كان يعلم كيف رقة طبعه ... هو مقسم أن الهواء ثخين
ومنه أيضا قوله:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب
هذا فاسد لأنه يهدم المدح بنسبته إلى الوسواس.
وكذلك قول الشاعر:
لو رام يشبهه في جوده هرم ... لقيل في هرم قد جن أو هرما
هذا فاسد لأنه لا يستقيم المدح بنسبته إلى الهرم والجنون.
ومن فساد القسمة قول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها
ومن فساد المقابلة قول الأخطل:
إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئا وألوان الكماة خضوع
وقول قيس بن الخطيم:
فسلوا ضريح الكاهنين ومالك ... كم فيهم من دارع ونجيب
ومن فساد التشبيه قول امرئ القيس:
عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب
فعجبا لهذا مع قوله:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسخر بالطعام وبالشراب
ومنه قول جميل:
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي
وقول آخر:
يابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت غيث الدنيا وزين الجنود
فليس قوله: زين الجنود موافقا لغيث الدنيا ولا مخالفا له.
وكذلك قوله أيضا:
رحماء بذي الصلاح وضرا ... بون قدما لهامة الصنديد
لأن الصنديد لا يوافق ذوي الصلاح، وإنما الصواب هامة الشرير.
باب
المعارضة والمناقضة
وهو أن يناقض الشاعر كلامه أو يعارض بعضه بعضا كما قال خفاف ابن ندبة:
إذا انتكث الخيل ألفيته ... صبور الجنان رزينا خفيفا
وقيل: إنه أراد رزينا من جهة العقل وخفيفا من جهة السرعة.
وقال آخر:
فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
وكذلك الأبيات وهي:

(1/34)


إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء، باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة؛ فأدقها وأجلها
منعت تحيتها؛ فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وكذلك قول أبي نواس:
كأن بقايا ما بقي من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار
فشبه الحباب بالشيب والحمرة بالعذار، ثم قال:
تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفري ليل عن بياض نهار
فناقض الذي جعله أبيض كالنهار، ثم رجع فصيره أسود كالليل، وناقض الذي جعله أسود كالليل وجعله أبيض كالنهار.
ومن ذلك قول عبد الرحمن بن القيس:
وددت إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
وهذا تناقض لأن القبل لبعد والبعد لقبل، فكان من قولهم: إذا مات زيد مات عمرو قبله. وهذا لا يصح.
ومنه قول المرار:
وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البرق في دعجاء باد دجونها
ومعلوم أن الخال أسود، وأما الخد فلا يكون أسود.
ومن فاسد الاستعارة ما رواه أبو العنبس:
إذا ما الحب عشعش في فؤادي ... وحضن بيضه طير البعاد
وقد نبذ الهوى في دن قلبي ... فعربدت الهموم على فؤادي
ومن فاسد النظم لابن سهل:
رخو العجان شديد في تتايهه ... ما كان يدري أأعطى الله أم حرما
لكنها خطرات من وساوسه ... يعطي وويمنع، لا بخلا ولا كرما
لأنه مقلوب. وروي للجاحظ:
مر غراب البين من حالق ... له نعيب فرشقناه
عن قوس وصل بسهام الهوى ... فلم نزل حتى صرعناه
وباشق الحب نصبنا له ... بلبل الشوق فصدناه
واضطرب الباشق مستوحشا ... فخيطت بالوصل عيناه
فقر واستأنس حتى إذا ... أجابنا حين دعوناه
وثقت بالصيد، فأرسلته ... فصاد لي من كنت أهواه
ولأبي نواس:
لما بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصل في طلبه
فجاء يسعى به معلقه ... وقد لوى رأسه إلى ذنبه
باب
التضييق والتوسيع والمساواة
اعلم أن النقاد قالوا: ينبغي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، ولا يكون أطول منه ولا أقصر، ولذلك قالوا: خير الكلام ما كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، فمتى كان اللفظ أكثر من المعنى كان الكلام واسعا وضاع المعنى فيه، مثل قول بعض العرب:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وفاضوا ليوم النحر من كل وجهة ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
ولا خلاف في أن المعنى ضائع في اللفظ، لأنه بمعنى لما حججنا رجعنا وتحدثنا في الطريق. لكن عليه حلاوة وطلاوة.
ومنه:
يجري الحياء الغض في قسماتهم ... في حيث يجري من أكفهم الدم
وإذا غضبت وأنت أنت شجاعة ... توفي على غضب الورى وهم هم
والتضييق هو أن يضيق اللفظ عن المعنى، لكون المعنى أكثر من اللفظ، مثل قول امرئ القيس:
على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا واني
فإن قوله: أفانين جري اختصار معان كثيرة، وكذلك غير كز يحتمل معاني كثيرة، وكذلك: ولا واني.
ومنه قول عنترة بن شداد:
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
فإن في كل كلمة معنى، وقد تكون الكلمة تحتها معان كثيرة " ، وكل هذا دون ما في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهوحسبه " . وقوله تعالى: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " وهو كثير في القرآن. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أوتيت جوامع الكلم " . وقوله تعالى: " إذ يغشى السدرة ما يغشى " . " وغشيهم من اليم ما غشيهم " . ولولا فضل الله عليكم ورحمته " ، وقول الناس: لو رأيت عليا بين الصفين، إشارة إلى معان كثيرة. وكذلك قولهم: أتفر مني وأنا أنا. وقد قصدتك وأنت أنت، وقد وعدك وهو هو. كل هذا إشارة إلى معان كثيرة.
وأنشد أبو دلامة لامرئ القيس:
بعزهم عززت، وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا
فقوله: أنالك ما أنالا إشارة إلى أشياء كثيرة.
ومنه للمسيب:

(1/35)


فلأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل
أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق، وفعلك الفعل
باب
التهجين
وهو أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به، ولا يقوم حسن أحدهما بقباحة الآخر، فيكون كمدح بعضهم لعبد الله البجلي، حيث قال:
يقال: عبد الله من بجيلة ... نعم الفتى، وبئست القبيلة
فقال عبد الله: ما مدح من هجي قومه.
ومن ذلك قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر العليل إلى وجوه العود
هجن البيت بذكر العلة.
ومنه قول الآخر:
ما كان يعطي مثله من مثلها ... إلا كريم الخيم أو مجنون
فما يقوم قوله: كريم الخيم بقوله: مجنون.
ومنه قول أبي تمام:
ما زال يهذي بالمكارم متعبا ... حتى ظننا أنه محموم
فأزال بعض الهجنة، ثم تبعهم أبو نواس فأزال الهجنة عنه، وأحسن بقوله:
صور المعروف شخصا ... وله العباس روح
جاد بالأموال حتى ... قيل: ما هذا صحيح
ومنه قول المتنبي:
حتى يقول الناس ماذا عاقلا ... ويقول بيت المال ماذا مسلم
ومنه قول بعض العرب:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين
ذكر ابن قتيبة أنه لما أنشده بشارا قال له: هجنت البيت بقولك: عصا ولو قلت: عصا مخ أو زبد، لم تزل الهجنة. وأحسن من هذا قولي:
وحوراء المدامع من معد ... كأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لطيتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران
ومثله قول ابن المعتز:
ما ذقت طعم النوم لو تدري ... كأن أحشائي على جمر
من قمر مسترق نصفه ... كأنه مجرفة العطر
قالوا: لو قال مجرفة النور أو الدر لما برحت الهجنة.
ومن ذلك قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
قالوا: إن معناه هجين للخيانة التي فيه.
ومنه قول أبي تمام:
سبعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب
قيل: إنه هجين لأنه لا فائدة في اختصاصه بالتين والعنب دون التمر. وأيضا إنه ليس من ألفاظ العرب. وقد احتج الصولي له في رسالته، فقال: إن الروم نظروا في علم النجوم أن عمورية لا تفتح في زمان التين والعنب، ففتحها المعتصم قبل ذلك، فذكر أبو تمام ذلك. وإنما الهجنة في قوله:
إذا المرء لم يزهد، وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد
ومن ذلك قول المتنبي يصف مطرا:
لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي
باب
الالتجاء والمعاظلة
وهو أن تستعمل اللفظة في غير موضعها من المعنى: كقول بعض العرب، وهو أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا
سمى الطفل تولبا. والتولب: الجحش، وهذه القصيدة من بدائع الشعر وقلائد المراي وأولها:
أيتها النفس، أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والنج ... دة والحلم والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
ومن ذلك قول الأعشى: إلى ملك أظلافه لم تشقق. استعار الأظلاف للقدم، وهو قبيح؛ لأنها للبقر، لا للبشر.
ومنه قول الفرزدق:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجيا عظيم المشافر
لأنه استعار الشافر للإنسان، وإنما هي للجمال لا للرجال والحجة عن الفرزدق أنه لم يجهل ذلك، لكنه أراد هذا اللفظ، ليكون أبلغ في الهجاء، لأنه قال: ولكن زنجيا والزنجي عادته أن تكون شفتاه غليظتين، كمشافر الجمل في الغلظ، فأزال ذكر المشبه وذكر المشبه به، وهذا من المبالغة.
ومنه قول ابن الرومي:
وضاحك بي ليس يضحكه ش ... يء سوى أن ظلفي الدامي
باب
النادر والبارد
اعلم أن الشعر النادر هو الذي يستفز القلب، ويحمي المزاج في استحسانه، والبارد بضد ذلك. مثل قول أبي العتاهية:
مات يا قوم، سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عيني ... يا أبا عثمان أوجعت قلبي
وقال بعض العرب:

(1/36)


قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
شككت بالرمح سرابيله ... والخيل تعدو زيما بيننا
وذكر في كتاب الصناعتين أن من البارد قول بعض العرب:
ألا حبذا هند، وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
ولعبدة بن الطبيب:
يحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
لأن الشم لا يكون بالعين وإنما هو بالأنف، والتطياب مصدر بارد غث.
باب
الرشاقة والجهامة
أما الجهامة فهي الكلمات القبيحة في السمع، مثل قول الشنفرى:
أما يحرم المنعوت حثحث دبره ... مخابيط أرساهن سأم مغسل
فلا خلاف في جهامة هذه الألفاظ إن عرضت على صاحب ذوق سليم، وإن كانت صحيحة المعاني.
وأما الرشاقة فهي حلاوة الألفاظ وعذوبتها كما قال تأبط شرا:
لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت مني بعض أخلاقي
وذكر الشيخ أبو عثمان في كتاب البيان عيبا سماه الاستكراه، وهو تقارب مخارج الحروف والألفاظ، وأنشد بيتا ذكر أن العلماء المتقدمين ينسبونه إلى الجن، وهو:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
وأنشد أيضا في هذا المعنى:
لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عسف نفس ذهول
وفي كتاب حلية المحاضرة:
واسق العدو بكأسه، واعلم له ... بالغيب أن قد كان قبل سقاكها
واجز الكرامة من ترى لو أنه ... يوما بذلت كرامة لجزاكها
وقال: أحسن الكلام ما كان مسبوك الألفاظ، سهل مخارج الحروف، وليس شيء في هذا الباب مثل القرآن الكريم، ولذلك لا يسأم ولا يمل على كثرة الدرس والترداد.
ومنه ما ذكره ابن قتيبة في أدب الكتاب عيبا سماه التقعير والتعقيد " ، وهو استعمال اللفظ الغريب جدإن وهو العقمي والوحشي، مثل قولهم: هذا من ضئضئ القوم، ولا خلاف أن قولنا: أرومة أحسن منه، وإن كان عربيا.
وذكر في كتاب الصناعتين أن بعضهم كتب إلى صاحبه كتابا وعنونه: من مكركسه ومحبوسكه، فلان. ولا خلاف في بشاعة هذه الألفاظ، ولذلك قال العلماء: أجود الكلام ما كان، لا قرويا ولا بدويا.
وقالوا: الكلام ثلاثة أصناف: عامي، وخاصي، ووحشي. فالعامي لا يستعمل لركاكته، والوحشي لا يستعمل لجهامته، الخاصي يستعمل لفصاحته وملاحته. فالعامي مثل قولك: عدلا جمل، والوحشي مثل قولك: صنوا جرثومة، والخاصي مثل قولك: فرسا رهان.
وذكر أيضا التعقيد، وهو تعسير المعاني، ولذلك قال الأصمعي: أجود الشعر ما وصل معناه إلى القلب مع وصول لفظه إلى السمع مثل ما روى ابن قتيبة عن بعض الكتاب أنه كتب: كتابي هذا عارض ألم ألم.
باب
الفك والسبك
أما الفك فهو أن ينفصل المصراع الأول من المصراع الثاني، ولا يتعلق بشي من معناه، مثل قول زهير:
حي الديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
وكما قال المتنبي:
جللا كما بي، فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح
فجمع بين العسف واللكنة والانفكاك، كما جمع زهير بين الفك والإكذاب.
وأما السبك فهو أن تتعلق كلمات البيت بعضها ببعض من أوله إلى آخره كقول زهير أيضا:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
ولهذا قال: خير الكلام المحبوك الذي يأخذ بعضه برقاب بعض.
باب
التكليف والتعسيف
وهو الاكثار من البديع كالتطبيق والتجنيس في القصد، لأنه يدل على التكلف من الشاعر لذلك وقصده إليه. وإذا كان قليلا نسب إلى إنه طبع في الشاعر، ولهذا عابوا على أبي تمام لأنه كثر في شعره، واستحسنوه من غيره لأنه قل في أشعارهم، وقالوا: إنه بمنزلة اللثغة تستحسن، فإذا كثرت صارت خرسا؛ والشية تستحسن في الفرس، فإذا كثرت صارت بلقا، والجعودة تستحسن في الشعر، فإذا كثرت صارت قططا. وقالوا: خير الأمور أوسطهإن والحسنة بين الشيئين، والفضيلة بين الرذيلتين.
باب
الرذالة والجزالة
اعلم أن الرذالة هو أن يكون المعنى لا يراد ولا يستفاد مثل قول بعض العرب:
زياد بن عون عينه تحت حاجبه ... وأسنانه بيض وقد طر شاربه
ومثله أنشد سيبويه في كتابه:

(1/37)


إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد
ومثل قول أبي العتاهية:
مات الخليفة أيها الثقلان ... فكأنني أفطرت في رمضان
ومثل ذلك قول آخر:
إن جسمي شف من غير مرض ... وفؤادي لجوى الحب غرض
كجراب كان فيه جبن ... دخل الفأر عليه فانقرض
باب
القوة والركاكة
اعلم أن الركاكة هي أن يكون اللفظ متناولا والمعنى متداولا كالكلمات المستعملة، والألفاظ المهملة، فيكون الشعر ركيكا والنسج ضعيفا كقول امرئ القيس:
ألا إنني بال، على جمل بال ... يقود بنا بال، ويتبعنا بال
ومن العجب أن صاحب الصناعتين جعله من محاسن الشعر، ولقبه بالتعطف، ولا خلاف بين العالم والجاهل في ركاكته.
ومن الشعر الخلق:
ولو أرسلت من حبك ... مبهوتا من الصين
لوافيتك قبل الصبح ... أو قبل تصلين
ومن ذلك قول الرماني:
أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل
ذريني وذري عذلي ... فإن العذل كالقتل
باب
المخالفة
اعلم أن المخالفة هي الخروج عن مذهب الشعراء، وترك الاقتفاء لآثارهم، مثل قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام
وليس المعهود رد المحبوب على عقبه إراد زيارة محبه.
ومثل قول عبد الرحمن بن حسان:
تجعل الند والألوة والمس ... ك صلاها على الكانون
ومعلوم أن النج على نتن رائحتهم لو تطيبوا ببعض هذا الطيب لطابت رائحتهم، وإنما الحسن قول امرئ القيس:
ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقوله أيضا:
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مها تأمري القلب يفعل
وهذا اللفظ جاف لأنه توعد للمحبوب، والمحب لا يتوعد حبيبه.
وكذلك قوله أيضا بعد قوله: أغرك مني أن حبك قاتلي:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
لأن المحب لا يخير حبيبه بين فراقه ووصاله.
ومن ذلك قول كثير:
وما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابت حية تحت الحجاب
والمعهود من عرف العادة أن الملك يتودد إليه، ولا يتودد إلى غيره، وإنما الجيد قوله:
له همم لا منقضى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار عشرها ... على البر كان البر أندى من البحر
ومن ذلك أيضا قول سحيم:
أراهن ربي مثلما قد أرينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا
والمحب لا يدعو على حبيبه، ولا سيما هذا العبد الأسود.
ومنه قول كثير:
ألا ليتنا يا عز من غير ريبة ... بعيران نرعى في الخلاء ونعزب
يطردنا الرعيان من كل تلعة ... فلا عيشنا يصفو، ولا الموت يقرب
يقال إن عزة لما سعت هذا قالت: لقد تمنيت لنا الشقاء الطويل.
وأحسن منه قول الآخر:
علقت بليلى وهي ذات موصد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم، ياليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم استطارت تشتد في أثري
وهذا خلاف العادة، وإنما المعروف أن يتبع المحب لمحبوبته، والبيت ضد ذلك.
ومنه قول الآخر:
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بمرهوب قفر
وهذا غير ما طبع عليه طباع المحبين من السكون وانقطع الكلام عند رؤيتهم، كما قال:
لي حجج في مغيبه ... فإذا رأته عيني تمزقت حججي
وقول الآخر:
أقر بالذنب مني لست أعرفه ... كيما أقول كما قالت فنتفق
ولأبي صخر الهذلي:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر
وأنسى الذي فيه أكون أتيتها ... كما قد تنسي لب شاربها الخمر
وقال آخر:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وقال الأمير سديد الملك:
يجني، ويعرف ما يجني، فأنكره ... ويدعي أنه الحسنى فأعترف

(1/38)


وكم مقام لما يرضيك قمت على ... جمر الغضا وهو عندي روضة أنف
ومنه قول جميل:
أريد لأنسى ذكرهإن فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وهذا خلاف مذاهب الشعراء لأنهم يحرصون على دوام ذكرهم، وطول محبتهم، كما قال أبو صخر:
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
والمحب منهم يحرص على التفكر في حبيبه والذكر له حتى قال بعضهم:
وأخرج من بين البيوت، لعلني ... أحدث عنك النفس في الليل خاليا
وقال آخر:
وإني لأغشى النوم من غير نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا
وتبعه المحدث فقال:
سأشكر للذكرى صنيعتها عندي ... وتمثيلها لي من أحب على البعد
وقال آخر:
الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي
وأكاد من أنس التذك ... ر لا أذم يد الفراق
وأحسن أبو الشيص وزاد على الإحسان، لما مدح اللوام حرصا على سماع ذكر المحبوب، فقال:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك، فليلمني اللوم
وزاد وشرح حتى خرج عن مذهب الشعراء، ورجع إلى مذهب العتب، تى ذكر أنه يحب الأعداء لما أشبهوا محبوبه في نقص حظه منهم، فقال:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
وتبعه أبو نواس فقال:
أحب اللوم فيها ليس إلا ... لترداد اسمها فيما يلام
وتبعه النامي، فقال:
أهوى مقاربة العذول لأنه ... لهج بذكرك في خلال كلامه
وقال آخر:
ولو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
وهذا خروج عن المذهب لأنه جعل لطلبها سببا والجيد قول الآخر:
وما سرني أني خلي من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق ومغرب
والحسن بذل مهجته فيها واستصغار الأخطار، واستقراب البعد من المزار، مثل قول الآخر:
قالوا: توق رجال الحي؛ إن لهم ... عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
فقلت: إن دمي أقصى مرادهم ... وما غلت نظرة منهم بسفك دمي
ومنه قول الآخر:
قالت: لقد بعد المسرى؛ فقلت لها ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
وللشيخ أبي محمد بن سنان:
أشتاقكم ويحول العجز دونكم ... فأشتكي بعدكم عني وأعتذر
وأدعي خطرا بيني وبينكم ... وآية الشوق أن يستصغر الخطر
وقول ابن الدمينة:
ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها ... وكنت وراء الشمس حيث تغيب
لمنيت نفسي أن تريع بها النوى ... وقلت لقلبي: إنها لقريب
ومن ذلك قول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الشوق أو يشفي نجي البلابل
هذا ضد ما يستحسن من قوله:
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وكما قال عبد الصمد بن المعذل:
لا أتاح الله لي فرجا ... يوم أدعو منك بالفرج
وقال أبو نواس:
لا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبك الفرجا
وأحسن وألطف منه قول المتنبي:
لو قلت للدنف الكئيب فديته ... مما به لأغرته بفدائه
ومن المخالفة قول ابن قيس الرقيات:
يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
لأن العرب تمدح بجهامة الصورة وترك التنعم، وهذا ضد ذلك. وقد ذكروا عن الممدوح أنه عاب على هذا الشعر، وقال: ألا قلت في كما قلت في مصعب ابن الزبير:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
يتقي الله في الأمور وقد أف ... لح من كان همه الاتقاء
لأن التفاضل بالخلائق لا بالخلق والإنسان مخير في الخلق غير مخير في الخلق.
وممنا يشبه هذا وهو من الباب بعينه قول كثير:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها فأذالها
فقال له: لم قلت في كما قال الأعشى في صاحبه:
فإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهباء يخشى الذائدون نكالها
كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها
قال: إني وصفته بالحزق؛ ووصفتك بالحزم، قال: كلا، ولكنك وصفته بالشجاعة، ووصفتني بالجبن.

(1/39)


وعابوا على النظمي قوله:
أيا من جهه أسد ... وسائر خلقه بشر
وقالوا: هذا عجيبة من عجائب البحر.
ومنه أيضا:
فلما بدا لي ما رابني ... نزعت نزوع الأبي الكريم
وقال ابن شامة:
بخلنا لبخلك قد تعلمين ... وكيف يلوم البخيل البخيلا
ومن ذلك قوله:
بانت سعاد ففي العينين ملمول ... وكان في قصر من عهدها طول
وهذا رديء لأنه استطال وقت وصالها.
والجيد قول الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير
ومن المخالفة قوله:
من حبها أتمنى أن يواجهني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكي يكون فراق لا لقاء له ... فيضمر القلب يأسا ثم يسلاها
والمعهود تفدية المحب حبيبه بنفسه، وهذا ضد المقصود ومنه قول نصيب:
أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فوا أسفي من ذا يهيم بها بعدي
لأن المعهود بخل الحبيب بحبيبه عمن سواه.
ومنه قول الآخر:
أشكو إلى الله قلبا لو كحلت به ... عينيك لاكتحلت من حره بدم
لأن المعروف أن يتفاءل المحب لحبيبه. والتفاؤل يكون للخير لا للشر.
وأحسن من هذا قوله:
سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها ... كحلت بها من شدة الشوق أجفاني
ومن ذلك قول عدي بن الرقاع:
لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس، فرنقت ... في عينه سنة، وليس بنائم
ها قد شغف به جماعة من النقاد حتى قال الأصمعي عن بعض المتقدمين: كيف إذا وقع بقضبان الدفلى على بطون المعري إعجابا به. وهو فاسد عندي، ومن باب المخالفة، لأن المحب يحتمل في محبوبه ركوب الأخطار والأمور الصعاب. فكيف لا يحتمل الحياء وفقد الشباب.
وقال قيس بن ذريح:
أقول إذا نفسي من الحب أصعدت ... بها زفرة تعتادني وهي ما هيا
ألا ليت ليلى لم تكن قط جارتي ... ولم ترني ليلى ولم أدر ما هيا
ثم قال:
لقد خفت ألا تقنع النفس دونها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذل فيها النفس إذحيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا
ومنه:
من الخلي المفيق ... إلى صديق الطريق
كتبت من غير شوق ... إليك يالا صديقي
وما سفحت دموعي ... ولا شرقت بريقي
وجملة الأمر أني ... إليك غير مشوق
ومنه:
يا لا شبيه الهلال ... ولا بديع الجمال
ومن يدل بطرف ... خلاف طرف الغزال
جدلي بإخلاف وعدي ... فإنني لا أبالي
ومن ذلك أيضا:
كتبت من غير شوق ... يضني ولا بلبال
وما سفكت دموعي ... عليك مثل اللآلي
ولا تذكرت عيشا ... في سالفات الليالي
بلى فؤادي مضنى ... من اللقا في اعتلال
أود بعدك عني ... ولو سمحت بما لي
باب
الطاعة والعصيان
اعلم أن الطاعة والعصيان باب يمتحن به العالم والناقد، وتعرف به فضيلة الكاتب والشاعر، وهو أن يزيد البيت على ما تقتضيه صناعة الشعر، فلا يوافقه الوزن، فيأتي بما لا يخرج عن الصناعة.
ذكر أبو العلاء في تفسير المتنبي في قوله:
يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
قال: أوجبت عليه الصناعة أن يقول: يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، فلم يطاوعه الوزن، فلم يخرج عن الصنعة، قوة منه وقدرة، فقال: قادر، وهو عكس راقد في الصورة والمعنى، أما في الصوة فهو من جناس العكس، وأما في المعنى فان الراقد عاجز، وهو ضد القادر، فتم له الطباق صورة ومعنى وهذا من الأفراد الأفذاذ.
باب
التناقض
التناقض، هو إن يتناقض بين المعاني، مثل قول مسلم:
ذكر الصبوح، فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمة وتجلد
وقول أبي نواس:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا

(1/40)


قال ابن قتيبة: إن كل واحد منهما عاب على صاحبه التناقض، لأن بيت أبي نواس متناقض، لجمعه بين ارتياح وملل، ولأن بيت مسلم متناقض، لجمعه بين الرواح والإقامة، وعندي أنهما غير متناقضين ولا متبايني الإرتياح إلى شيء والملل من غيره، وكذلك البيت الآخر فالرواح فيه والإقامة مجازان.
ومن ذلك قول ذي الرمة:
أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وضم الثريا في ملاءته الفجر
ناقض لأن العود لا يذوي في الثرى. والثرى: التراب الندي، والذوى: اليبس. وقيل إن الفرزدق أصلحه، فقال: حتى ذوى العود والتوى ووافقه على ذلك أبو عمرو بن العلاء.
باب
القلب
اعلم أن القلب هو أن يقصد شيئا ويكون المقتضي بضد ذلك الشيء. كما قال امرؤ القيس:
إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
عابوا عليه تشبيه المسك بالقرنفل، وقالوا: إنما يشبه القرنفل بالمسك؛ لأنه أجل منه. وقد خرج النقاد له وجها غير ذلك فقالوا: إنه أراد بقوله تضوع، أي مثل المسك، كما قال أيضا:
وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
أي مثل الطيب، ثم كان قائلا قال: مم ذلك؟ قال: نسيم الصبا، أو يكون نسيم فاعلا والمسك مفعولا محذوف الباء تقديره تضوع بالمسك منهما نسيم الصبا، وقال قوم: الرواية بالفتح من ميم المسك وهو الجلد، فيكن معناه أن جلودهما تتضوع بريح المسك.
باب
العبث
اعلم أن العبث هو أن يقصد الشاعر شيئا من دون أشياء من غير فائدة في ذلك، مثل قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
عاب النقاد عليه اختصاصه اليل دون النهار، وقالوا: إن الليل والنهار في هذا سواء.
وقال أبو الشماخ إذا احتمل الأمر شيئين اختص بأشبههما في الحال، ومعلوم أن هذا الشعر في حال الخوف، واليل بحال الخوف أولى، لأنه يشبه الاستتار والاختفاء، فزال الاعتراض عن هذا البيت وصار مثل قول الغزي:
وبتنا نذود الوحش عنإن كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
تجافي عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علي السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الروع أروعا
لما احتمل المأثور أن يكون الحديث والسيف، كان حمله على السيف أولى، لأن الحال حال خوف، بدليل قوله: هزة الروع، ولأنه أراد العفة عنها بوضعه السيف بينهما.
باب
التثليم
اعلم أن التثليم قد جاء في أشعار العرب الفصحاء جاء نقص في الألفاظ والكلمات وتغيير في الأسماء والأفعال، فقيل: إنه لغة، وقيل: إنه ضرورة، مثل قول لبيد بن ربيعة، وهو أول بيت في ديوانه:
درس المنا بمتالع وأبان
وقول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم
يريد بسبائب الكتان.
وجاء في أشعارهم: من نسج داود بن سلام. يريد أبا سليمان وقال آخر:
تخيرت يوم الروع من كل نثرة ... ونسج سليم كل فضاء ذابل
وقال آخر:
بني رب الحجال فلا تقيلوا ... فما أنتم عهدتكم بقيل
يريد بني ربيعة الفرس.
وقال آخر:
لو أن قوما مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
يريد ملاعب الأسنة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنه قول الأعشى:
إيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال
باب
العسف والتخليط
اعلم أن العسف والتخليط قد جاء في أشعار العرب المتقدمين، وقل في أشعار المتأخرين، فمن ذلك:
أحب بلاد الله أكناف منعج ... إلي وسلمى أن يصوب هضابها
تقديره أحب بلاد بلاد الله إلي ما بين منعج وسلمى.
ومن ذلك قول بعض العرب:
وأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني، معشر عنهم أذود
تقديره: وأبغض من وضعت لساني فيه إلي، وشتان بينه وبين القائل وإن كان متأخرا:
ومن الحزامة أن تكون حزامة ... ألا يؤخر من به يتقدم
ومن ذلك أيضا:
لها مقلة حوراء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها
تقديره: لها مقلة حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها.
وقول مهيار أولى:

(1/41)


سلا ظبية الوادي، وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غصن البان أن يتميلا
وقال الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
أنشده سيبويه في كتابه، وقدره بتقدير جم حتى كأنه ما قال قط:
قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
وقال المتنبي:
فتبيت تسئد مسئدا في نيئها ... إسآدها في المهمه الإنضاء
قال الصاحب بن عباد رحمه الله؛ هذا البيت يصلح أن يكون في المجسطي.
ومن ذلك قوله:
عش ابق اسم سد قد ... جد مر إنه رو سر نل
غظ ارم صب اغز اسب ... رع زع د ل اثن نل
قال الصاحب: بيته الأول، يصلح أن يكون في المجسطي، وهذان البيتان يصلحان أن يكونا رقية للعقرب. ومن ذلك التقليب مثل قوله: إذا تجاوبت الأصداء في البحر. وقوله: كما طيبت بالفدن السباعا.
باب
الإسهاب والإطناب والاختصار والاقتصار
اعلم أن الإسهاب والإطناب والإختصار، كل واحد منها له موضع يأتي فيه، فيحمد، فإن أتى به في غيره لم يحمد، وذلك أن الترغيب والترهيب والإصلاح بين العشائر والإعذار والإنذار إلى الأعداء والعساكر وما أشبه ذلك يستحب فيه التطويل والشرح. وأما غير ذلك فيستحب فيه الاختصار والاقتصار، وقد أتى القرآن بالتطويل والتقصير لأنه يصلح للمكانين، وقيل: أنه أعطى بعض العرب كتابين فاختصر أحدهما وشرح الآخر، فأعطى الكتابين مختلفين فقال الواحد: ما أرى قليلا فأشرحه، وقال الآخر: ما أرى كثيرا فأختصره، وقد مدحت العرب التطويل والتقصير، فقالوا:
يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... يومون مثل تلاحظ الرقباء
ومدح بعضهم خطيبا فقال:
إذا هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المقصر
وإن هو أوجز، في خطبة ... قضى للمقل على المكثر
باب
الانتكاث والتراجع
اعلم أن الانتكاث والتراجع هو أن ينقض الشاعر قوله بقول آخر أو ينقض مما زاد فيه، كما عابوا على امرئ القيس قوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلا من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقوله في موضع آخر:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري
لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة إلى الأمور العظيمة، وفي موضع آخر بالقناعة والشبع والري.
وقال قدامة: هما متفقان، وإنما أراد بأحدهما زيادة ما ينقص في الآخر، لأن الشبع والري هو الذي أخبر أنه يكفيه، ثم قال في البيت الثاني: إنه يطلب المجد، يريد في الأول أن القليل يكفيه وفي الثاني إنه لا يكفيه: وأيضا إن هذا في قصيد، وهذا في قصيد. وايضا إن الشعر أحسنه أكذبه وكما قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقي الزهر
فقال خلائقي، ولم يقل خلائقك، لأنه قال قبل هذا:
فجئتك دون الشمس والبدر قاصدا ... ودونك في أخلاقك الشمس والبدر
فلو شبهه بالثريا بعد تفضيله على الشمس والبدر نقصه حقه وكان انتكاثا وعيبا.
باب
السرقات المحمودة والمذمة
قال ابن وكيع: اعلم أن السرقات المحمودة عشرة أشياء، منها: اللفظ الطويل في المعنى القليل، كقول طرفة:
أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
اختصره ابن الزبعري فقال:
والعطيات سواء بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
ومنه قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالشهوات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر فقال:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
ومنه:
من راقب الناس في أحبته ... خاب، وحاز السرور من ظفرا
ومنه لأبي تمام في صفة قصيدة:
يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها مسامع
اختصره الأخيطل ونقله إلى أبيات في صفة قينة فقال:
جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن
حتى إذا ما استقر مجلسنا ... وصار في حجرها لها وثن

(1/42)


غنت، فلم تبق في جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن
واختصره آخر، فأجاد وأحسن، فال:
لي حبيب خياله نصب عيني ... سره في ضمائري مكنون
إن تذكرته فكلي قلوب ... أو تأملته فكلي عيون
ومنه:
تقوم عليه كل يوم قيامة ... من الحب إلا أنه ليس يقبر
أخذه مسلم فقال:
أليس هذا عجيب ... أموت طورا فأنشر
قيامة كل يوم ... على فتى ليس يقبر
ومنه أيضا:
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فما تضر سوى العالي من الشجر
وفي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف غير الشمس والقمر
أخذه القاضي أبو سعيد، رحمه الله، فقال:
لا غرو أن حبي أصا ... خ لسطوة البين الجسيم
إن الغصون العاليا ... ت يهزها مر النسيم
باب
نقل القصير إلى الطويل
اعلم أن نقل القصير إلى الطويل هو كقول مسلم بن الوليد:
أقبلن في رأد الضحى زمرا ... يسترن وجه الشمس بالشمس
أخذه الثاني فطوله، وقال:
وإذا الغزالة في السماء تعرضت ... وبدا النهار لوقته يترجل
أبدت لوجه الشمس شمسا مثله ... تلقى السماء بمثل ما يستقبل
وقال أبو نواس:
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
أخذه دعبل الخزاعي فقال:
تركتك لم أتركك كفرا لنعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما رأيتك راغبا ... وأطنبت في بري عجزت عن الشكر
ومنه:
أرى عهدها كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وحبي لها كالآس حسنا وبهجة ... له نظرة تبقى إذا ذهب الورد
أخذه الأمير فقال:
إن كان حبكم كالورد منصرما ... فان حبي لكم أبقى من الآس
باب
نقل الرذل إلى الجزل
اعلم أن الرذل والجزل مثل قول أبي العتاهية:
موت بعض الناس في ال ... أرض على بعض فتوح
أخذه أبو تمام في لفظ أجزل منه فقال:
وحسن منقب تبقى بشاشته ... جاءت عوارفه من سوء منقلب
ومنه قول بشار:
يا طفلة السن با صغيرتها ... أصبحت إحدى المصائب الكبر
أخذه غيره فقال:
وصغيرة علقتها ... كانت من المحن الكبار
كالشمس إلا أنها ... تبقى على ضوء النهار
ومنه قول ابن طاهر لما قال:
وقد قتلتاك بالهجاء، ولك ... نك كلب معقف الذنب
أخذه غيره فقال:
ولقد قتلتك بالهجاء، فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار
باب
نقل الجزل إلى الجزل
اعلم أن نقل الجزل إلى الجزل مثل قول أبي نواس:
بح صوت المال مما ... منك يدعو ويصيح
ما لهذا آخذ ... فوق يديه أم نصيح
أخذه مسلم بن الوليد، فنقله إلى ما هو أحسن منه فقال:
تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
وقول أبي العتاهية:
كأنها من حسنها درة ... أخرجها الموج إلى الساحل
أخذه بشار، فزاد وأحسن فقال:
كأنما أفرغت في جوف لؤلؤة ... فكل ناحية من وجهها قمر
ومنه قول الراعي:
إذا لم يكن رسل يعود عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المثقوب
وقال ابن سنان:
إن أخلقت للضيف إخلاقها ... ردت عليها بالعراقيب
ومن ذلك قوله:
دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا وتعلو فوقه جيفه
أخذه غيره فقال:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر
وقال آخر:
عجبا للزمان، يمنع حرا ... ما لديه، ويمنح المال نذلا
فهو مثل الميزان يرفع ما خ ... ف وتهوي به الرزانة سفلا
ومنه:
يا دهر، صافيت اللئام ولم تزل ... أبدا لأبناء الكرام معاندا
فغدوت كالميزان، ترفع ناقصا ... أبدا وتخفض لا محالة زائدا
ومنه:

(1/43)


ما فاض دمعي عند نازلة ... إلا جعلتك للبكا سببا
وإذا ذكرتك سامحتك به ... مني الجفون ففاض وانسكبا
ومنه:
وإذا الدموع عصت جفو ... ني في ملمات الخطوب
أجريتها بتذكري ... ما كان من فقد الحبيب
باب
نقل الجزل إلى الرذل
اعلم أن نقل الجزل إلى الرذل هو كما قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
أخذه كثر فقال:
وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
لها أرج بين البلاد كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها
بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
فطول في اللفظ وقصر في المعنى.
وقال بشار:
وإذا أدنيت مني بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
أخذه غيره، فقال:
وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر
باب
الهدم
اعلم أن الهدم، هو كما قال البلاذري:
قد يرفع المرء اللئيم حجابه ... ضعة، ودون العرف منه حجاب
عكسه الآخر، فقال:
ملك أغر محجب ... معروفه لا يحجب
وقال أبو تمام:
وإن يحل بيننا الحجاب فلن ... يحجب عنا معروفه الحجب
وقال الآخر، فأحسن:
إن يحتجب شخصك عن أعين ... منا فما فضلك محجوب
ومنه قول ابن الرومي:
ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح
عكسه بو نواس، فقال:
هو بالمال جواد ... وهو بالعرض شحيح
عكسه آخر، فقال:
هو المرء أما ماله فمحلل ... لعاف، وأما عرضه فمحرم
وقال حسان بن ثابت:
بيض الوجوه، كريمة أنسابهم ... شم الأنوف، من الطراز الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
هدمه الآخر، فقال:
ذهب الزمان برهط حسان الأولى ... كانوا ملاذا في الزمان الجائر
وبقيت في خلف يحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر
ومنه قول أبي نواس:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب
يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
عكسه بعضهم، فقال:
يا قردة أبصرت في مأتم ... تندب أشجانا بتخليط
تبكي، فتذري البعر من كوة ... وتلطم الفحم ببلوط
باب
التكرير
اعلم أن التكرير هو كما قال امرؤ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر
وكقول الآخر:
كأن القرنفل والزنجبيل، ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط السماء اعتدل
ومنه قول أبي نواس:
واسقينها من كميت ... تذر الليل نهارا
قال ابن قتيبة: كل هذه معان متقاربات في ألفاظ متناسبات.
ومنه قول ابن حيوس:
وخيل كلما حاولت أمرا ... سبقن إلى مآربك الظنونا
تغير على العدا من كل أوب ... مخافتها وإن كانت صفونا
وقول الرفاء:
تغير على العدى من كل أوب ... جيادك وهي في حلب صفونا
ومنه:
فلأشهرن عليك قب قصائد ... يحسبن أسيافا وهن قصائد
فيها لأعناق اللئام دوامغ ... تبقى وأعناق الكرام قلائد
ومنه:
فلايك رسمي من نوالك دائرا ... ورسمك غصن من ثناي جديد
فهن إذا ناضلن عنك صوارم ... وهن إذا لاحت عليك عقود
ومن ذلك قول أبي نواس:
يقول لي صاحبي، وقد مزجت ... أيهما للتشابه الذهب
هما سواء وفرق بينهما ... أن ذا جامد ومنسكب
أخذه ابن المعتز فقال:
وخمارة من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها شائلا
وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا
أخذه الرفاء، فقال:
وأقداح تفوق المسك طيبا ... وينقص عندها الذهب المذاب

(1/44)


إذا ما الراح والنارنج لاحا ... لعينك، قلت: أيهما الشراب
ومنه قول البحتري:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام
ثم قال:
ألام على هواك وليس عدلا ... إذا أحببت مثلك أن ألاما
ومن قول أبي نواس:
يخشى ويرجو حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار
تناوله المتنبي فقال:
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
أخذه الصوري فقال:
خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار
باب
المساواة
اعلم أن المساواة هي مساواة الآخذ منه للمأخوذ عنه، والأول أحق به، لأنه ابتدع والثاني اتبع، فالأول سابق، والثاني لاحق، كما قال العكوك يصف فرسا:
متطرد يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
لحقه ابن المعتز فقال:
فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته، فإذا مسكت جمد
وقال ديك الجن:
مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدراها
فلحقه ابن المعتز، فقال:
كأن سديف الخمر من ماء خده ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف
ومثل ذلك:
كأن سقيط الدمع في وجناتها ... سقيط الندى أوفى على ورق الورد
أخذه ابن الرومي، فقال:
لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهن يبكين لوعة الوجد
كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
وقال الناشئ:
بكت للوداع وقد رابني ... بكاء الحبيب وفقد الديار
كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار
وكما قال البحتري في وصف بركة:
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها
أخذه الصولي، فقال:
إذا ما الريح هبت، قلت: درع ... وإن سكنت فمرآة صقيل
ومنه:
إذا أمرتني العاذلات بهجرها ... أبت كبد عما يقلن صدوع
وكيف أطيع العاذلات، وحبها ... يؤرقني والعاذلات هجوع
أخذه كثير، فقال:
يلومك في ليلى، وعقلك عندها ... رجال، ولم تذهب لهم بعقول
فما انتفعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيل
ومنه:
كريم يميت السر، حتى كأنه ... إذا استخبروه عن حديثك جاهله
رعى سركم في مضمر القلب والحشا ... شفيق عليكم، لا تخاف غوائله
أخذه الآخر، فقال:
ومستخبر عن سر ليلى رددته ... بعمياء من ليلى بغير يقين
يقولون: خبرنا، فأنت أمينها ... وما أنا إن خبرتهم بأمين
وقال أبو تمام:
وإذا طلبت لديهم ما لم أنل ... أدركت من جدواك ما لم أطلب
أخذه ابن حيوس، فقال:
ولقد دعوت ندى الكرام فلم يجب ... فلأشكرن ندى أجاب وما دعي
وقال أبو تمام:
بكل فتى للضرب يعرض للقنا ... محيا محلى، حليه الطعن والضرب
أخذه المتنبي فقال:
وكل فتى للحرب فوق جبينه ... من الضرب سطر بالأسنة معجم
ومنه قول الأعشى:
وسبيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
أخذه أبو نواس، فقال:
أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار
وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخ ... الق ألا يكنها السدف
أخذه أبو نواس فقال:
لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار
ومنه قول الآخر:
كميت جسمها معنا ... ورؤياها على سفر
ومنه قول مسلم بن الوليد:
فرعاء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب، على دعص النقا الدهس
أذكى من المسك أنفاسإن وبهجتها ... أرق ديباجة من رقة النفس
كأن قلبي وشاحها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس
تجري محبتها في قلب عاشقها ... جري السلامة في أعضاء منتكس
أخذ البيت الآخر أبو نواس فقال:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
ومنه قول أبي تمام:

(1/45)


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
أخذه من قول كثير:
إذا ما أرادت خلة أن نزورها ... أبينإن وقلنا: الحاجبية أول
وكذلك قوله:
وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
أخذه من قول الأول:
على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر
ومنه لبشار:
يسقط الطير حيث يلتقط الحب، ... وتغشى منازل الكرماء
أخذه الآخر فقال:
يزدحم الناس على بابه ... والمشرب العذب كثير الزحام
ومنه:
ظلت تبشرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك، فلا زالت على خطر
فقلت للعين: أما كنت صادقة ... إني لبشراك لي من أسعد البشر
فما جزاؤك عندي؟ لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن تحظين بالنظر
وأستر المقلة الأخرى وأحجبها ... عن الحبيب كما لم تأت بالخبر
ومنه:
بكت عيني غداة البين حزنا ... وأخرى بالبكا بخلت علينا
فجازيت التي بخلت بدمع ... بأن غمضتها يوم التقينا
فهل أحد سواي أثاب عينا ... على فعل، وعاقب فيه عينا
وكقول النابغة:
سقط النصيف، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
ومنه لأبي حية:
وألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصلين: كف ومعصم
ومن ذلك قول الخريمي:
همام، عطاياه بدور طوالع ... على آمليه في ليالي المطالب
وقال النابغة الحارثي:
وإذا السيوف قصرن بلغها لنا ... حتى تناول ما نريد خطانا
أخذه قيس ابن الخطيم فقال:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقال أبو تمام وهو من قول الخريمي المتقدم:
وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب
وللأسود:
إذا المرء أعيا خيره في شبابه ... فلا ترج منه الخير عند مشيبه
أخذه الآخر فقال:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
ومنه لمهيار:
ظهورك آية لله صحت ... بها الأديان واشتفت الصدور
رأوك وميت الآمال حي ... بجودك، وانثنى الأعمى بصير
فآمن بالمسيح وآيتيه ... بأن نشأت من الطين الطيور
وأيقن أن موسى شق بحرا ... بأن شقت بكفيه البحور
وأبصر قلبك الماضين مروا ... ولما تنتظم بهم الأمور
صبا لمحمد؛ فأساغ فيه ... وقال الرسل خيرهم الأخير
فأخذه ابن سنان فوفى عليه، وجاء بكل بيتين في بيت واحد، فجاء أحلى منه كلاما وأحسن نظاما إلا أنه غالى فيه تجاوز الله عنه فقال:
أعيا جزيل نداك يابن مقلد ... شكري وقصر عنه جهد ثنائي
وصفو بياض يد الكريم بمعجز ... فيه، وكم لك من يد بيضاء
وتعاظموا إحياء عيسى ميتا ... فردا وجودك باعث الفقراء
ورأوا وقد صعد السماء محمد ... عجبا وقدرك فوق كل سماء
باب
الانصراف
اعلم أن باب الانصراف هو أن يرجع من الخبر إلى الخطاب، أو من الخطاب إلى الخبر، مثل قوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " .
وكقول جرير:
أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام
وكقوله:
طرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في ظل وأيك ناضر
وقوله:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
ومن الرجوع أيضا:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك، وكلا ليس منك قليل
وقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأمطار والديم
باب
الالتقاط
اعلم أن الالتقاط هو ما يتطارحه العلماء والشعراء والكتاب بينهم، وهو أن يطرح بيت ويولد من كل كلمة منه بيت، أو من كلمتين، أو ثلاثة أو غير ذلك، مثل ما ذكر في كتاب الصناعتين التلفيق والالتقاط، وهو أن يكون البيت ملفقا من أبيات قبله، مثل قوله:
إذا ما رآني مقبلا غض طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني مقابله

(1/46)


هذا ملتقط من ثلاثة أبيات قبله، ومن قوله:
إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل
ومن قول الآخر:
يريد يغض الطرف دوني كأنما ... روى بين عينيه علي المحاجم
ومن قول الآخر:
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
ومن قول الآخر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ومن ذلك قول ابن هرمة:
كأنك لم تسر بجنوب خلص ... ولم تلملم إلى الربع المحيل
ملفق من قول جرير:
كأنك لم تسر ببلاد نجد ... ولم تنظر بناظرة الخياما
ومن قول الآخر:
ألم تلملم على الربع المحيل ... بفيد وما بكاؤك في الظلول
وقول أبي نواس:
أشم طوال الساعدين كأنما ... يناط نجادا سيفه بلواء
ملفق من قول بعض العرب:
أشم طوال الساعدين، كأنما ... يناط به جذع طويل مشذب
ومن قول الآخر:
فجاءت به سبط البنان كأنما ... يناط به نجادا سيفه بلواء
باب
فضل السابق على المسبوق
اعلم أنفضل السابق على المسبوق هو كما قال حسان:
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
أخذه أبو تمام فقال:
ترك الأحبة ناسيا لا ساليا ... عذر النسي خلاف عذر السالي
وقال حسان أيضا:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وقال أبو نواس:
إلى بيت حان لا تهر كلابه ... علي، ولا ينكرن طول ثوائي
باب
رجحان المسبوق على السابق
اعلم أن رجحان المسبوق على السابق هو كما قال مسلم بن الوليد:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك، كما علمت، جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك؛ إنه ... عرض عززت به، وأنت ذليل
أخذه أبو نواس فقال:
بما أهجوك؟ لا أدري ... لساني فيك لا يجري
إذا فكرت في عرض ... ك أشفقت على شعري
وقال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
أخذه أبو نواس فقصر عنه بقوله:
غصصت منك بما لا يدفع الماء ... وصح هجرك حتى ما به داء
باب
التثقيل والتخفيف
اعلم أن التثقيل والتخفيف هو كقول أبي نواس:
دع عنك لومي فان اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
أخذه أبو تمام فأتى في ألفاظ ثقيلة، فقال:
قدك اتئب، أربيت في الغلواء ... كم تعذلون، وأنتم سجرائي
وكما قال مسلم بن الوليد:
قد أولعته بطول الهجر غرته ... لو كان يعرف طول الهجر ما هجرا
أخذه أبو تمام فقال:
كشف الغطاء، فأخمدي أو أوقدي ... لم تكمدي فظننت أن لم تكمد
باب
التقصير
اعلم أن التتقصير هو إن ينقص الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، كما قال عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
أخذهما حسان فنقص منهما ذكر الصحو فقال:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وكقول أبي نواس:
إذا حصلت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل
أخذه ابن المعتز، فنقص منه فقال:
إذا سكنت صدر الفتى زال همه ... وطابت له دنياه واتسع الضنك
باب
النقل
اعلم أن النقل هو أن ينقل الشاعر معنى إلى معنى غيره، وهو، كما قال أبو العلاء في تفسير قول المتنبي:
في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء
قال: هذا يسميه أهل النقد النقل، لأنه نقله من قول البحتري في الخمر:
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
ومنه قول البحتري أيضا:
ولو أن مخلوقا تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
منقول من قول الآخر:
ولهن بالبيت العتيق لبانة ... والبيت يعرفهن لو يتكلم
لو كان حيا قبلكن ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههن وزمرم

(1/47)


لكنه نقله من النسيب إلى المدح.
ومما يقارب هذا المعنى قول الآخر:
سألت به طيئا كلها ... فكل أباه، وكل أنف
وقالوا: لحيق ظلمنا به ... كما ظلمت مائة بالألف
أخذه من قول أبي نواس حيث قال:
أيها المدعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليم كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
ومنه قول ابي نواس:
تدور علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
نقله الرفاء، فقال:
وموسومة كاساتها بفوارس ... من الفرس، تطفو في المدام وتغرق
تقابل منهم كل شاك سلاحه ... وفي يده سهم إلي مفوق
كأن الحباب المستدير قلادة ... عليه وتوريد المدامة يلمق
ومن ذلك أيضا:
من رأى مثل حبتي ... تشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثم تد ... خل أردافها غدا
نقله غيره فقال:
كنت في دعوة قوم وجهوا ... برسول نحو موسى الحطمه
فأتانا أنفه قبل الضحى ... وأتى موسى بعيد العتمه
ومنه قول أبي مسلم:
أفسدت أمري بإصلاحي خلافتهم ... وكان إصلاحها للدين إفسادا
ما قربوا أحدا إلا ورأيهم ... أن يعقبوا غب ذاك القرب إبعادا
أخذه ابن مقلة بعد قطع يده، فقال:
ما مللت الحياة لكن توثق ... ت بأيمانهم فأردت يميني
بعت ديني لهم بدنياي، حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني
كم تحملت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس لي في الحياة لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني
ومنه قول سيف الدولة بن حمدان، وكتب بها إلى أخيه ناصر الدولة:
تركت لك العلياء، وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
وما كان بي عنها نكول، وإنما ... تغافلت عن حقي فتم لك الحق
أما كنت ترضى أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
ومنه:
تالله، لولا قيود في قوائمنا ... من الجميل وفي الأعناق أغلال
لكان لي في بلاد الله متسع ... وفي الملوك لبانات وأشغال
لي حرمة الضيف والجار القديم ومن ... أتاكم، وكهول الحي أطفال
أتيتكم وجلابيب الصبا قشب ... فكيف أرحل عنكم وهي أسمال
ومنه:
وكم ملك قد رضته قبل هذه ... مريت له الدنيا بسيفي فدرت
إذا زبنته عن فواق يريده ... دعاني، ولم يدع إذا ما استقرت
إذا ما هي احلولت محاحق مقسم ... ويقسم لي منها إذا ما أمرت
ومنه:
أهان، وأقصى، ثم ينتصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا
رأيت أكف المصلتين عليكم ... ملاء، وكفي من عطاياكم صفرا
عطاؤكم للضاربين رقابكم ... كثير، وللبانين عزكم نذرا
ومن ذلك قول أبي نواس:
لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار
استخرج منه البحتري معنى آخر فقال:
غاب دجاها وأي ليل ... يدجو علينا وأنت بدر
وقال أبو نواس:
من شراب كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا
أخذه أبو تمام فعمل منه معنى آخر فقال:
فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع
وكما قال حبيب بن أوس الطائي:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى مالمته لمته وحدي
أخذه غيره فولد منه معنى لمحبوب، فقال:
وإذا ذممتك لم أجد لي ناصرا ... ورميت فيما قلت بالبهتان
ومنه:
يا من لبست بهجره ثوب الضنا ... حتى خفيت به عن العواد
وأنست بالسهر الطويل فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي
إن كان يوسف بالجمال مقطع ال ... أيدي، فأنت مفتت الأكباد
أخذه بعض شعراء المغرب، فقال:
يا يوسفي الجمال عبدك لم ... تبق له حيلة من الحيل

(1/48)


بمن كساك الجمال من سعة ... أرفق بقلب المتيم الوجل
إن قد فيه القميص من دبر ... ففيك قد القميص من قبل
أو قطع النسوة الأكف فقد ... قطعت قلبي عليك من وجل
وقال أبو تمام:
لأمر عليهم إن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
ومنه لغيره أيضا:
فإن على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
وقال أبو نواس:
يا قمرا للتم من شهره ... أبدا ضياء لثمان بقين
ولقيس بن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
وقال الرفاء:
قمر إذا ما الوشي صين، أزاله ... كيما يصون جماله ببهائه
ضعفت معاقد خصره وعهوده ... فكأن عقد الخصر عقد وفائه
أخذه من قول الآخر:
وأظن عقد وصالها لمحبها ... أوهى وأضعف قوة من خصرها
ومن ذلك:
ملك إذا ما مد خمس أنامل ... في الجود فاض بهن خمسة أبحر
أخذه الشريف الرضي فقال:
أيسمح لي هذا الزمان بصاحب ... طويل نجاد السيف من آل هاشم
أنامله في الحرب عشر أسنة ... ولكنها في السلم عشر غمائم
وقال الرفاء:
ولو أنهم سبكوا لم تكن ... لتحصل منهم على درهم
أخذه عز الدولة فقال:
وكم ترى ذهبا يرضيك منظره ... فلو أردت له سكبا لما خلصا
ومنه قول الرفاء:
يضن بجلنار الخد ضونا ... ويبذل نرجس الطرف الكحيل
أخذه من قول الأول:
بجوارحي من مقلتيك جراح ... أفتور هاتيك الجفون صحاح
لا تنظرن إلى العيون فإنما ... نظر العيون إلى العيون قداح
كالبدر إلا أنه في قرطق ... وعلي في نظري إليه جناح
بالله سله لم أقاحي ثغره ... تحمى، ونرجس مقلتيه يباح
وللسري الرفاء أيضا:
ويلم من شعث العلا بشمائل ... أحلى من اللعس الممنع واللمى
لا يخطبن إلي حلي مدائحي ... أحد فقد وجد السوار المعصما
وطريده قول المتنبي:
فأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
ومن التطارد قول الخليع:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
أخذه طريده أبو نواس فقال:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
باب
الحذو
اعلم أن الحذو هو أن يكون البيت على صياغة البيت الآخر، كما قال سحيم:
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
بأحسن منها يوم قالت: أرائح ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا
قال: تبعه على هذا الحذو جماعة، منهم من قال:
وما قطرة من ماء مزن تحلبت ... به جنبتا الجودي والليل دامس
بأعذب من فيها وما ذقت طعمه ... ولكنني فما ترى العين فارس
ومن ذلك لكثير:
وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
ومنه للأعشى:
وما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذا دنا الأصل
ومن ذلك قول بعضهم:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل
أخذه الآخر فقال:
ومالي مال غير درع حصينة ... وأخضر من ماء الحديد صقيل
وأحمر كالديباج، أما سماؤه ... فريإن وأما أرضه فمحول
أخذه يزيد بن الطثرية فقال:
عقيلية، أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فنحيل
ومنه قول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تولى شبابي، وارجحن شبابها
لكالمرتجي ماء بقفراء سبسب ... يغر به من حيث عن سرابها
وقوله يحذو نفسه أيضا:
وإني وتهيامي بعزة ما ... تخليت مما بيننا وتخلت

(1/49)


لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
وأخذه جميل بن معمر فقال:
وإني وتطلابي بثينة بعدما
ولأبي تمام الطائي:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
حذاه الشريف فقال:
وركبت أعجاز المطي بفتية ... أمثالهن طوالع وغوارب
غلب كأنهم الصقور حوائما ... وكأن أكتاد المطي مراقب
وله في موضع آخر:
فتى أعلقته عيان الفخار ... مكارم جاءت به المجد قبلا
أشم كعالية السمهري، ... وهمته منه أعلى وأعلى
حذاه ابن الخياط فقال:
ومعترض بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا وخوفا أن يكون لحبه
ينظر إلى قول المتنبي:
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
باب
الكشف
اعلم أن الكشف هو أن يكشف المتبع معنى المبتدع إذا كان فيه شيء من الخفاء، كما قال امرؤ القيس بن حجر:
كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل
فكشفه ذو الرمة بقوله:
كحلاء في برج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
ومن ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال يوما لجلسائه: ما أفضل المناديل؟ فقال كل منهم ما عنده من أفضل الثياب، فقال سليمان: أفضل المناديل التي يقول فيها القائل:
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم بالغلي المراجيل
ورد وأحمر، ما يؤنيه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول
ثم انثينا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
كشفه امرؤ القيس بقوله:
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
ومن ذلك:
انظرا قبل تلوماني إلى ... طلل بين منى فالمنحنى
ومنه قول الآخر:
خليلي قوما في عطالة فانظرا ... أنارا نرى من نحو يبرين أم برقا
كشفه الشريف رحمه الله فقال:
يا خليلي انظرا عني الحمى ... إن طرف العين بالدمع أغاما
كلما أومض من نحو الحمى ... قعد القلب من الشوق وقاما
ومن ذلك قول العتابي:
مضت على عهده الليالي ... وأحدثت بعده أمور
واعتضت باليأس عنه صبرا ... واعتدل الحزن والسرور
كشفه بعضهم بقوله:
فلست أرجو ولست أخشى ... ما أحدثت بعده الدهور
فليجهد الدهر في مساتي ... فما عسى جهده يصير
ومنه قول المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
ومنه قول بعضهم:
ما ساءني إعراضه ... عني، ولكن سرني
كشفه بقوله:
سالفتاه عوض ... عن كل شيء حسن
وقال في حلية المحاضرة: إن قول جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
كشفه ذو الرمة بقوله:
ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنا النحل ممزوجا بماء النقائع
باب
التوارد
اعلم أن التوارد هو أن يقول الشاعر بيتا فيقوله شاعر آخر من غير أن يسمعه، وهو كثير في أشعار العرب، ولا بد من ذكر أحسنه.
قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
وقال طرفة بن العبد:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد
وقال سحيم:
تثير وتبدي عن عروق كأنها ... أعنة خراز جديدا وباليا
وقال بشر:
تحط وتبدي عن عروق كأنها ... أعنة خراز جديدا وباليا
قال الجعدي:
ومولى جفت عنه الموالي كأنه ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وقال النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وقال جرير:
أني وجدك لو أردت زيادة ... في الحب عندي ما وجدت مزيدا

(1/50)


قال كثير:
الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا
وقال بشار:
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشاره
قال الصلتان العبدي:
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه
وقال مسيب بن علس:
نظرت إليك بعين جارية ... حوراء فاردة من السدر
فقال امرؤ القيس:
حوراء حانية على طفل
وقال المنخل:
قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأنه من مدام شارب ثمل
وقال الآخر:
كأن أثوابه مجت بفرصاد
وقال أبو البراء:
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... سقيت فوارسها من الجريال
وقال عنتر العبسي:
سقيت فوارسها نقيع الحنظل
وقال كثير عزة:
يذكرنيها كل ريح مريضة ... لها بالتلاع القاويات نسيم
فقال جرير:
يذكرنيها كل ريح مريضة ... لها بالتلاع القاويات نسيم
وقال أبو هفان لعلي بن الجهم:
إذا أنشدت قال الناس ... أحسنت ويعنوني
ولآخر في سلم الخاسر:
إذا أنشدكم سلم ... فقد أحسن بشار
وقال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالشراب وبالطعام
كما سحرت به إرم وعاد ... فأضحوا مثل أحلام النيام
وله:
أنا من قوم كرام ... يطعمون الطيبات
بجفان كالجوابي ... وقدور راسيات
ومنه قول حصين الربعي:
وطيب نفسي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
أخذه سالم بن مضرس، فقال:
وطيب نفسي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ يتلهف
ومن ذلك:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
عكسه الآخر، فقال:
وربما فات بعض القوم حاجتهم ... مع التأني، وكان الحزم لو عجلوا
ومنه:
أثقلت ظهري فانحنى لك راكعا ... وسترت وجهي فانضوى له ساجدا
في كل يوم أستجد فوائدا ... فكم الفوائد، لا أريد فوائدا
قولي إذا أفنى علي محامدي ... من أين أجعل لي إليك محامدا
أخذه ابن حيوس، فأتى بأحسن منه فقال:
قد جدت لي باللهى، حتى ضجرت بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل
إن كنت ترغب في بذل النوال لنا ... فاخلق لنا رغبة، أو لا فلا تنل
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
وقال أبو نواس:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وأخذه المتنبي فقال:
هدية ما رأيت مهديها ... إلا رأيت الأنام في رجل
وقال ابن المغربي:
حتى إذا ما أراد الله يسعدني ... رأيته فرأيت الناس في رجل
ولست من سخطه المردي على خطر ... ما دمت من عفوه المحيي على أمل
إذا سطا بادرت هام مصارعها ... كأنما تتلقى الأرض بالقبل
ومنه:
وما كنت أدري قبل يحيى وجعفر ... بأن ملوك الأرض تجمع في عصر
عجبت لهذا الدهر جاد بجعفر ... ويحيى، وليس الجود من شيم الدهر
ولابن الرومي:
تخذتكم درعا حصينا لتدفعوا ... نبال العدى عني فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن كنتم لم تحفظوا لي لمودتي ... ذمامإن فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها
أخذه ابن سنان فقال:
أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عونا فكنتم عون كل ملمة
وتخذتكم لي جنة، فكأنما ... نظر العدو مقاتلي من جبتي
فلأنفضن يدي يأسا منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت
ومنه للمأمون:
يا فتح يا فاتحا لبلواي، صل ... ني، ولا تشمتن أعداي
تبارك الله إن ذا عجب ... مولاي عبدي، وأنت مولاي
أخذه أبو نواس فقال:
ويقول الغلام: ارفق بمو ... لاي، فقال لي مولاي، من مولاكا
لك عبد عبيده فوق مو ... لاك، ومولاك ليس ينكر ذاكا

(1/51)


وقال كشاجم:
تملكني في الهوى وأملكها ... فها أنا عبدها ومولاها
باب
السابق واللاحق
اعلم أن السابق واللاحق: هو أن يأخذ البيت فينقص من لفظه، أو يزيد في معناه، أو يحرره، فيكون أولى به من قائله، لكن الأول سابق والآخر لاحق، مثل قول علي بن الجهم:
وكم وقفة للريح دون بلادها ... وكم عقبة للطير دون بلادي
أخذه أبو العلاء فقال:
وسألت كم بين العقيق إلى الحمى ... فجزعت من بعد النوى المتطاول
وعذرت طيفك في الجفاء، لأنه ... يسري، فيصبح دوننا بمراحل
وكقول الأحول:
له خلائق بيض لا يغيرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
أخذه الآخر فقال:
صديق لي له نسب ... صداقة مثله تجب
إذا نقدت خلائقه ... تبهرج عنده الذهب
فزاد عيه في قصر الوزن، وفي تفضيله على الذهب بقوله: تبهرج.
ومنه قول طرفة بن العبد:
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
أخذه عنترة، فقال:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
فاحترز مما طعن به على الأول وهو أنهم لا يشربون فيعطون من غير عقل.
ومنه قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق االإتب منها لأثرا
أخذه حسان بن ثابت، فقال:
يا لقومي هل يقتل المرء مثلي ... واهن الجسم والعظام سؤوم
لو يدب الحولي من ولد الذر ... ر عليها لأندبتها الكلوم
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
أخذه حميد بن ثور فقال:
منعمة، لو يدرج الذر ساريا ... على جلدها بضت مدارجه دما
ومنه قول الأفوه الأودي:
وترى الطير على راياتنا ... رأي عين ثقة أن ستمارا
أخذه النابغة فقال:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح، قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
أخذه الحطيئة، فقال:
ترى عافيات الطير قد وثقت لها ... بشيع من الخيل العتاق منازله
أخذه حميد بن ثور فقال:
إذا ما غزا يوما رأيت غمامة ... من الطير ينظرن الذي هو صانع
أخذه مسلم فقال:
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أمل يمشي إلى أجل
فوفى على الأول، ثم تبعه أبو نواس، فقال:
إذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره
راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره
يتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
ثم أخذه أبو تمام فقال:
وقد ظللت أعقاب راياته ضحى ... بأقدام طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنهن ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل
ثم أخذه المتنبي فقال:
له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه
وقال في مكان آخر:
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
فأومأ إلى المعنى إيماء.
ومنه قول قيس بن ذريح:
تداويت من ليلى بليلى على الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
أخذه من الأعشى إذ قال:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
ثم تبعه أبو نواس فقال:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ومنه قول الناشي في رقة الخمر:
لا عيش إلا بكف جارية ... ذات دلال في طرفها مرض
كأن في الكأس حين تمزجه ... نجوم رجم تعلو وتنخفض
تحمل في كفها مشعشعة ... ليس لها قيمة ولا عوض
فلو رآها النظام في قدح ... ما شك في أن جسمها عرض
أخذه أبو نواس فقال:

(1/52)


شربنا شربة من أرض عما ... عقارا جسمها لطفا هواء
وزنا الكأس فارغة وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء
أخذه النظام فقال:
وكؤوس فيهن أخفى من الوه ... م وأخفى من خاطرات الظنون
رق معنى عيانها فوق كون ... نسجته لطافة التكوين
ما استكنت صدر امرئ قط إلا ... كلفته إذاعة المكنون
وقال ابن هانئ:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت على أيدي السقاة جسومها ... إن الجسوم تخف بالأرواح
ومنه:
ومشمولة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل در ما لمنظومها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وقد خفيت من رقة فكأنها ... بقايا يقين كاد يمحقه الشك
ومنه أيضا:
وندمان سقيت الكأس صرفا ... وأفق الصبح مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دق في وهم لطيف
ومنه:
أليس الليل يجمع أم عمرو ... ويجمعنا فذاك لنا تداني
ترى وضح النهار كما أراه ... ويعلوها الظلام كما علاني
أخذه بعضهم فقال:
وتقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقر بعين ذي الحلم
إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
ومنه:
كلانا يرى الجوزاء ياعلو إن بدت ... ونجم الثريا والمزار بعيد
ومنه:
ألست ترى النجم الذي هو طالع ... عليك، وهذا للمحبين نافع
عسى يلتقي في الجو لحظي ولحظها ... فيجمعنإن إذ ليس في الأرض جامع
ومنه:
حجبوها عن الرياح، لأني ... قلت للريح: بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان، ولكن ... منعوها يوم الرياح الكلاما
ومنه:
أقول لدجلة لما جرت ... كجري دموعي غداة الفراق
بمجريك دجلة إلا قرأ ... ت سلامي على ساكنات العراق
ومنه:
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحا وخزامى
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
ومنه للأمير السديد:
يا برق، خذ بصري واصنع بذاك يدا ... عندي فلاق به حيا بذي قار
برق يشق سناه كل خافية ... حتى تكشف عن سري وإضماري
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسلامة داء " .
أخذه حميد فقال:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
ثم أخذه بعده النمر بن تولب فقال:
يود الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
ثم أخذه آخر فقال:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
وسألت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
ومن ذلك قول العطوي:
أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
أخذه الشرواني فقال:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فبسطتها للندى ... وسطوتها للأجل
وباطنها للعطا ... وظاهرها للقبل
ومع ذلك ما أنشد في الحماسة:
له نار تشب بكل واد ... إذا النيران ألبست القناعا
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
أخذه أشجع، فهذبه وقال:
يروم الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وكيف يرومون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع
فما خلفه لامرئ مطلب ... ولا لامرئ دونه مطمع
بديهته قبل تدبيره ... متى جئته فهو مستجمع
ويروى أن جعفرا قال: ما مدحت بأحب إلي من عينية أشجع، يعني هذه القصيدة.
ومن ذلك قول بعض العرب:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... أبدا ونلحقها إذا لم تلحق
أخذه قيس بن الخطيم فقال:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
ومن ذلك قول الآخر:

(1/53)


كم عذلناك في السيوف وقلنا ... لك: ما للمها وحمل السيوف
أخذه الخبزارزي فقال:
ظلموك إذ عقدوا بخصرك مرهفا ... ما للظباء وما لحمل المرهف
أخذه الأستاذ فقال:
يا من تنكب قوسه وحسامه ... وجفونه تولي الأنام حتوفا
أنى تنكبت القسي جآذر ... ومتى تقلدت الظباء سيوفا
ومن ذلك قول كشاجم:
أكفنا حملك المناطق، إنا ... قد رثينا لخصرك المضعوف
وعذلناك في السيوف وقلنا ... لك: ما للمها وحمل السيوف
ومنه:
لأية حال تحمل السيف كلفة ... وطرفك أمضى من مضاربه حدا
ومنه قول أبي الطيب:
فلو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
أخذه الشريف الرضي رحمه الله تعالى فقال:
وأي قوم كقومي لو سألتهم ... سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا
ومنه قول لبيد:
ما إن سمعت ولا رأي ... ت بمثلهم في العالمينا
وبقيت بعدهم وكن ... ت بطول صحبتهم ضنينا
أخذه مهيار فقال:
من اشتكى الشوق إذ هزت وسادته ... مدامع تنتحي أو أضلع تجب
فما أسفت لشيء فائت أسفي ... من أن أعيش وجيران الغضا غيب
وقال غيره:
فارقتكم وحييت بعدكم ... ما هكذا كان الذي يجب
إني لألقى الناس محتشما ... من أن أعيش وأنتم غيب
ومن ذلك قول الببغاء:
لمن أسائل: لا رسم ولا أثر ... رحلتم، وأقام الهم والسهر
كنتم لعيني صباحا لا مساء له ... فعاضها البين ليلا ما له سحر
وما أعاب بشيء بعد فرقتكم ... إلا البقاء فإني منه أعتذر
وقال أبو نواس:
ما حطك الواشون من رتبة ... عندي ولا ضرك مغتاب
كأنهم أثنوا، ولم يعلموا ... عليك عندي بالذي عابوا
أخذه مهيار فقال:
لاموا عليك فما حلوا ولاعقدوا ... عندي وعابوا فما سقوا ولا شبعوا
أخذه بعضهم فقال:
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إليها حيث النحول اشتياق
تناوله الصوري فقال:
تبكي كما أبكي إذا لاقيتها ... عمدا لئلا تعرف المعشوقا
وإذا نظرت إلى الصبابة والهوى ... والشوق والشكوى رأيت فروقا
أخذه مهيار فقال:
تبكي وأبكي غير أن الأسى ... دموعه غير دموع الدلال
فأخذه بعضهم فقال:
تبكي وأبكي، غير أن دموعها ... در، ودمعي من عقيق بجيع
وقال العطوي:
وفي دون ما ألقاه من ألم الهوى ... تشق قلوب لا تشق جيوب
أخذه المتنبي فقال:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا ... بشق قلوب لا بشق جيوب
أخذه غيره فقال:
قد شققنا جيوبنا وقليل ... إذ فقدناك أن تشق القلوب
أخذه آخر، فقال:
حرام عليك نشق الجيوب ... وعجز علينا نشق القلوبا
أخذه الشريف رحمه الله فقال:
كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان
أخذه غيره فقال:
ولا عجيب بأن تبلى غلائله ... كذا إذا اجتمع الكتان والقمر
ومثل ذلك:
وكيف تنكر أن تبلى غلائله ... والبدر في كل وقت طالع فيها
وقال آخر:
في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل
إن قلت: في بصري ففيه مدامعي ... أو قلت: في قلبي ففيه غليلي
أخذه وجيه الدولة فقال:
في أي جارحة مني أصونكم ... لم تلق جارحة مما ألاقيه
إن قلت: في بصري فالدمع يشغله ... أو في فؤادي فنيران الهوى فيه
ومن ذلك قول القائل:
ملأت جوانحي بالبين نارا ... فخفت عليك في قلبي احتراقا
أخذه الآخر، فقال:
وزعمت أنك تحرقين فؤاده ... بالصد هل أنسيت أنك فيه
ومنه:
شققت صفوف العالمين أريده ... وألبست قلبي دونه زرد الصبر
وقلت له: لا ترم قلبي، فإنه ... مكانك، والمرمي أنت ولا تدري
أخذه الآخر فقال:
رمى فأصاب القلب وهو محله ... وأحرق قلبي بالأسى وهو في صدري

(1/54)


أيا من رمى، أنت المصاب بسهمه ... ويا محرقي، أنت احترقت وما تدري
ومنه:
أقول وقد أرسلت بالليل نظرة ... فلم أر من أهواه ليلا إلى جنبي:
لئن كنت أخليت المكان الذي أرى ... فهيهات أن يخلو مكانك من قلبي
ومنه:
إن كان للشخص بعد ... فللعلائق قرب
وإن خلا منك طرف ... فقد ملي منك قلب
ومنه:
وإن تبعد فإنك في ضميري ... وإن تقرب فإنك نصب عيني
ومنه أيضا:
أحبابنا ما في الورى بعدكم ... مستحسن يصبو، ولا يصبي
وكيف أنساكم وما زلتم ... عن ناظري إلا إلى قلبي
ومنه:
أيا من فؤادي به مدنف ... حجبت، فلي مقلة تذرف
لئن منعوا مقلتي أن ترا ... ك فقلبي يراك ولا يطرف
ومنه:
يقولون لي والبعد بيني وبينها ... نأت عنك ليلى، وانقضى سبب القرب
فقلت لهم والعين من شأنها البكا ... لئن فارقت عيني لقد سكنت قلبي
ومنه:
إذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل: ما لي رأيتك راجلا ... فقلت له: من أجل أنك فارس
ومنه:
قالوا: نراك ترجل ... ت قلت: لما ركبتم
ليس المروءة إلا ... خلافكم كيف كنتم
ومنه ما أنشد ابن قتيبة:
عتبت على سلم، فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على سلم
أخذه غيره فقال:
رب يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
ومنه:
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يعرض عنكم ويطول
ومنه:
لم أبك من صرف أمر ... إلا بكيت عليه
ولا تركت صديقا ... إلا رجعت إليه
ومنه:
والله، لولا أنه لا يشتكى ... فعل الجميل شكوت مما أجملا
ومنه:
أفسدتني بالجود إذ أصلحتني ... فتركتني أتسخط الإحسانا
من جاد بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض غيرك كائنا من كانا
ومنه:
إن كنت ترغب في بذل النوال لنا ... فاخلق لنا رغبة أولا فلا تنل
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
ومنه:
شم حد سيفك قد قطعت بسهمه ... وأرح سهامك قد أصبت المقتلا
ومنه أيضا:
سألت الندى: هل أنت حر؟؛ فقال: لا ... ولكنني عبد ليحيى بني خالد
فقلت شراء؟؛ قال: لا، بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد
أخذه الآخر، فقال:
سألت الندى والجود: حران أنتما ... فقالا جميعا: إننا لعبيد
فقلت: ومن مولاكما فتطاولا ... وقالا جميعا: خالد ويزيد
وأخذه أبو الطيب الواعظ فقال يمدح مجد الدين:
ولقد سألت الفضل يوم لقيته ... هل جمعتك يدا فتى ذي سؤدد
فأجابني بتضرع: لم أجتمع ... يوما لغير أبي سلامة مزيد
ومنه:
فتى كغرار السيف، لاقى منية ... وأيدي المنايا جمة الحدثان
فمات وأبقى من تراب عطائه ... كما أبقت الأنواء للحيوان
ومنه:
فيا قبر معن، كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما عاد بعد السيل مجراه مرتعا
وقالوا في الخمر:
لم يترك الدهر منها غير رائحة ... تضوعت، وسنا ينصاع كالشهب
إذا النديم تلقاها ليشربها ... صاغت له الراح أطواقا من الذهب
وقال ابن المعتز:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار
فذا في النهاية في الابيضاض ... وذا في النهاية في الاحمرار
كأن المدير لها باليمين ... إذا قام يسقيك أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكم من الجلنار
وقال مسلم:
يحملها شادن غرير ... كأنه غصن خيزران
كأنه حامل إلينا ... صقر عقيق بدستبان
وقال آخر:

(1/55)


أغار على كف المدير بلونها ... فصاغت له منها أنامل من ذهب
ومنه:
إذا مسها الساقي أعارت بنانه ... جلابيب كالجادي من لونها صفرا
ومنه:
معتقة يعلو الحباب جيوبها ... فتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لمديرها ... فجادت له من عسجد ببنان
وقال ابن المعتز:
رشأ يتيه بحسن صورته ... حيث الدلال بلحظ مقلته
وكأن عقرب صدغه فرقت ... لما دنت من نار وجنته
آخر:
ومهفهف لولا فتور جفونه ... ما كان جفني بالدموع غريقا
فضل المها جيدا وزاد على ذكا ... نورا ولم تخط المدامة ريقا
وكأن عقرب صدغه لما دنت ... من نار وجنته تخاف حريقا
فتشبث خوف الهلاك بصدغه ... فأفاد معنى في الجمال دقيقا
وقال آخر:
عقرب الصدغ لماذا ... سالمته وهو وحده
تلدغ الناس جميعا ... وهي لا تلدغ خده
وقال آخر:
قبل كفي رشأ ... بقبلة ما شفت
فقلت إذ قبلها ... يا ليت كفي شفتي
وقال آخر:
وشادن مهفهف ... تعجز عنه صفتي
أراد تقبيل يدي ... فقلت: لإن بل شفتي
آخر:
أقبلت ثم قبلت ظهر كفي ... قبلة تنفع الغليل وتشفي
فتلظى فمي عليها وودت ... شفتي أن هنالك كفي
وعضضت اليد التي قبلتها ... بفم حاسد يريد التشفي
وقال آخر:
يا بدر، بادر إلي بالكاس ... فرب خير أتى على يأس
ولا تقبل يدي، فإن فمي ... أولى بها من يدي ومن رأسي
آخر:
جئناك نحمل ألفاظا مدبجة ... كأنما وشيها من صنعة اليمن
نهدي القريض إلى رب القريض معا ... كحامل العصب يهديه إلى عدن
ومن ذلك قول التهامي:
وعجيب أني قصدت بنثري ... أحسن العالمين نظما ونثرا
فكأني أهديت داود درعا ... وهو قد لين الحديد وأجرى
وقال آخر:
فكأني حملت تمرا إلى البصرة ... أو بعت لؤلؤا في أوال
وقال ابن أبي حصينة:
فكأنني أهديت للنار الجدا ... وخبأت ما بين المصاحف دفترا
ومن ذلك قول خالد الكاتب:
من كان يهوى أن يعيش فإنني ... أصبحت آمل أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلة لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا
ولمنصور الفقيه:
قد قلت إن وصفوا الحياة فأكثروا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان لقاءه بلقاءه ... وفراق كل معاشر لا ينصف
نقله العباس بن الأحنف إلى الغزل، فقال:
بكى أناس على الحياة، وقد ... أفنى دموعي شوقي إلى أجلي
أموت من قبل أن يغيرني الد ... هر فإني منه على وجل
ومنه:
ألا إنما أبقيت يا أم سالم ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
أخذه الآخر، فقال:
ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها
أخذه المتنبي فقال:
أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب
ثم زاد في قوله:
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
وله أيضا:
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
أخذه مهيار، فقال:
فلو أنه في جفن ظمياء جالس ... مكان القذى ما كان يلفظه هدب
وزاد المتنبي فقال:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وزاد فقال:
برتني السرى بري المدى، فرددتني ... أخف على المركوب من نفسي جرمي
أخذه الآخر فقال:
فقلت: قد ذبت حتى لا أبين لهم ... فمسلكي بينهم أخفى من النفس
ومنه:
ذاب إلا بقية ... بقيت من خياله
ما لواش وشى به ... كان في مثل حاله
ومنه:
ذبت حتى خفيت عن ملك المو ... ت فما يستطيع يقبض روحي
ومنه:
بي من الشوق فلو زج ... في مقلة الوسنان لم ينتبه
وكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به
ومنه:

(1/56)


يا هاجرا صبا براه الهوى ... حمل من حبك ما ينهكه
لم ينسه الموت، ولكنه ... غاب عن الموت فما يدركه
ومنه:
فلم يدع في وجدي ما يحس به ... من المظنة غير الدمع والنفس
ومنه:
تقول وعانقتني يوم بين ... وما هي عانقت غير السقام
أجسمك ذا، خيال زار جسمي ... فقلت نعم ووصلك في المنام
وقال آخر:
وما زال يبري أعظم الجسم حبها ... فينقصنها حتى لطفن عن النقص
فقد ذبت حتى صرت إن أنا زرتها ... أمنت عليها أن يرى أهلها شخصي
ومنه:
يا غافل القلب مهلا ... هلا تذكرت خلا
تركت مني قليلا ... من القليل أقلا
يكاد لا يتجزا ... أقل في اللفظ من لا
ومنه:
حزت الأعضاء مني ... كلها بالسقم حزا
فأنا الجزء الذي ... من لطفه لا يتجزا
ومنه:
غابوإن فأضحى الجسم من بعدهم ... لا تبصر العين له فيا
ومنه أيضا:
ثلاثة منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليل؛ خوف الحاسد الحنق:
ضوء الجبين، وسواس الحلي، وما ... يكن في ثوبها: من عنبر عبق
هب الجبين بفضل الردن تستره ... والحلي تنزعه. ما الشأن في العرق؟
أخذه ابن وكيع فقال:
أتت في ظلام الليل تستر قصدنا ... وهل لضياء البدر في ليلة ستر
ولو لم يبح صدر الظلام بسرها ... لباح بما أخفته في سرها العطر
ونم بمسراها نسيم رياحها ... عليهإن كما نمت على الشارب الخمر
ومنه:
أشكو إلى الله هوى شادن ... أصبح في هجري معذورا
إن جاء في الليل تجلى، وإن ... جاء صباحا زاده نورا
فكيف أحتال إذا زارني ... بأن يكون الأمر مستورا
وقال أبو الطيب:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء
قلق المليحة، وهي مسك، هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء
غيره:
وقالوا للطبيب: أشر فإنا ... نعدك للمهم من الأمور
فقال: شفاؤه الرمان لما ... تضمنه حشاه من السعير
فقلت له: أصبت بغير عمد ... ولكن ذاك رمان الصدور
أخذه القاضي أبو المجد:
قال الطبيب: أرى سقامك من دم ... فأجبته: ما بي سوى الصفراء
فأشار بالعناب، وهو بليتي ... والورد وهو من الأحبة دائي
قم يا طبيب؛ فليس طبك نافعا ... سقمي، ولا هذا الدواء دوائي
أخذه الآخر فقال:
قل للطبيب: سكنجبينك ضائر ... إذا كان داء القلب ضوء جبين
ما ينفع العناب إلا أن يرى ... ببنان كف مندم المسكين
لا بالسفوف أرى السفوف يزيدني ... إلا اضطراب حشى ولا المعجون
ومنه:
حسنه حسن الصدود لعيني ... كل ما يفعل المليح مليح
أخذه مهيار فقال:
أرضاه أسخط أم أرضى تلونه ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب
آخر:
اقطعوا حبلي، وإن شئتم صلوا ... كل شيء منكم عندي حسن
ومنه:
أحسنوا في فعالكم، أو أسيئوا ... لا عدمناكم على كل حال
ومنه للأمير مجد الدين:
فكن كيفما أحببت وصلا وهجرة ... فإني على ما كنت في الود تعهد
ومنه:
عذبيني بكل شيء سوى الصد ... د؛ فما ذقت كالصدود عذابا
ومنه:
عاقبيني بغير صدك عني ... لا تصدي وإن صددت دلالا
ومنه:
ليكن عقابك لي بحسب تجلدي ... لا بالنوى؛ فضعيفة عنها يدي
ومنه:
فعاقبني عليه بأي شيء ... أردت سوى الصدود، فلا أبالي
ومنه:
إلزم جفاءك لي، ولو فيه الضنا ... وارفع حديث البين فيما بيننا
ومن ذلك في صفة الخمر:
قم، فاسقنيها قهوة ... فيها لشاربها اختيال
لطفت فقد ساوى لنا ... منها حقيقتها المحال
في روضة تبدو لنا ... نشر الشمول بها الشمال
في كل نرجسة بها ... شمس يخيط بها هلال
ومنه:

(1/57)


فدع اللوم واسقنيها كميتا ... سبكت تبرها يد الأيام
شك في حسن شخصها الطرف حتى ... ظن ما قد رآه في الأحلام
ومنه:
مر بنا خاطرا وشعرته ... يقطر منها كواكب العرق
ولون خديه في تورده ... يشبه نورا أو حمرة الشفق
فظلت في حيرة وفي فكر ... بالورد بعد الربيع كيف بقي
هذا منقول من قوله: هذي الخدود وهذه الحدق.
ومن ذلك:
وفاتن لو قرنت طلعته ... بالبدر: بدر السماء لاشتبها
يسفر عن وجنة مموهة ... فضضها الله ثم ذهبها
تثعبنت خلفه ذوائبه ... ورد أصداغها فعقر بها
وقال البكتمري:
ما سر يوم منه إلا ساءني ... غده، فأيامي جروح قصاص
كم ترشق النكبات بعض عزائمي ... وعلي من جلدي أعز دلاص
والطير جنس واحد لكنها ... للغاتهن حبسن في الأقفاص
أخذه الضرير، فقال:
الصقر يصفر والهزار، وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما أقول لسرني ... جهلي، كما قد ساءني ما أعلم
ومنه:
فإن لا يكن يأسي كثيرا فإنني ... كثير إذا ما صاح في الروع صائحه
ولا ذنب للعود القماري إنما ... يحرقه إذا دلت عليه روائحه
وهذا مأخوذ من قول الحكيم: قد تكون الفضيلة سببا للهلاك كالطرف السابق يطرد حتى يموت، والسيف القاطع يضرب حتى ينكسر.
ومنه:
عذب الفراق لنا قبيل فراقنا ... ثم اجتويناه كسم ناقع
وكأنما أثر الدموع بخدها ... طل سقيط فوق ورد يانع
أخذه الناشي فقال:
بكت للفراق؛ فقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار
كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار
أخذه الوأواء فقال:
لو كنت يوم الرحيل حاضرنا ... وهن يذرين لوعة الوجد
لم تر إلا دموع باكية ... تقطر من نرجس على ورد
ومنه:
ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت ساعدني مثملي
ومنه:
وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
ومنه:
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع
ومنه:
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومنه:
كنت السواد لناظري ... فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
ومنه:
وما أرتجي للموت بعدك طالبا ... ولا أتقي للدهر بعدك من خطب
ومنه:
لقد هان مما فاتني عند فقده ... علي من الدنيا الذي أنا طالب
فعزيت نفسي بالمصائب بعده ... فهانت وإن جلت علي المصائب
ومنه:
لقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومنه:
وخفض جأشي أن كل ابن حرة ... إلى حيث صار لا محالة صائر
ومنه:
فلست أرجو، ولست أخشى ... وما أحدثت بعدك الدهور
فليجهد الدهر في ضراري ... فما ترى بعده يضير
ومنه:
ألا فليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأيام كان حذاريا
ومنه:
لقد أمنت نفسي المصائب بعده ... فأصبحت منها آمنا أن أروعا
فما أتقي للدهر بعدك نكبة ... ولا أرتجي للعيش بعدك مرتعا
ومنه:
لي خمسون صديقا ... بين قاض وأمير
غيبوا عني ولم ... أخلع لهم ثوب فقير
أخذه غيره فقال:
لي خمسون صديقا ... بين قاض وشريف
ووزير وأمير ... وفقيه وظريف
ولو احتجت إليهم ... ما وفوا لي برغيف
ومنه:
الهروي وزغه ... وعقله عقل تغه
ويدعي من جهله ... كتاب أوزان اللغه
وهو كتاب العين إلا ... أنه قد صبغه
أخذه غيره، فقال:
ابن دريد بقره ... وعقله عقل مره
ويدعى من جهله ... حفظ كتاب الجمهره
وهو كتاب العين إلا ... أنه قد غيره
ومنه:

(1/58)


ولم أر في يوم الرحيل مساعدا ... على الوجد حتى أقبل الدمع مسعدا
وكان دما فابيض منه احمراره ... بنار التصافي حين فاض مصعدا
باب
التضمين
اعلم أن التضمين هو أن يتضمن البيت كلمات من بيت آخر، مثل قول عنترة العبسي:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
ضمنه مسلم بن الوليد، فقال:
ولقد سما للخرمي، فلم يقل ... يوم الوغى: إني تضايق مقدمي
ومثله لبعض المتأخرين:
لو أن عين زهير أبصرت حسنا ... وكيف يفعل في أمواله الكرم
إذا لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات لا هرم
ولبعض المتظرفين:
لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
ومنه:
أقول لنعمان، وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض:
أبا منذر، أفنيت مالك، فاستبق ... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
ومنه:
عبد العزيز طبيب رب معرفة ... أحيإن وأيسر ما قاسيت ما قتلا
لولا تطببه فينا لما وجدت ... يد المنايا إلى أرواحنا سبلا
ومنه للصولي:
وقفت على باب الوزير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
إذا ما سألناهم لضر وفاقة ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي
وقد طال تردادي إلى باب داركم ... فهل عند ربع دارس من معول
ومنه:
عوذ لما بت ضيفا له ... أقراصه بخلا بياسين
فبت والأرض فراشي وقد ... غنت: قفا نبك مصاريني
ومنه:
اسم التفرق بين ... لكن معناه موت
وجداننا كل شيء ... إذا تباعدت فوت
ومنه:
وما لاقى امرإن أو قام قوم ... فقالوا: ما وراءك يا عصام
فعش للمكرمات فليس يخشى ... عليها ما حييت لها انصرام
ومنه:
يذكرني قول ابن هانئ قوله ... لغلمانه، واللوم لو علموا يعني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
ومنه:
لي حبيب يسبني ... فاتر الظرف ساحر
فحلال له دمي ... غير داء مخامر
ومنه:
أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقبلوا الإخلاف عن أسلافهم
هات اسقنيها بالكبير، وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم
ومنه:
لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له ... لما قال: مرا بي على أم جندب
ومنه:
يقول من يقرع أسماعه: ... كم ترك الأول للآخر
وقال ابن الرومي:
مجلسه مأتم اللذاذة والقص ... ف وعرس الهموم والسقم
يوحشنا الدهر عند طلعته ... من أوحشته الديار لم يقم
وقال أبو السفاح:
يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف، رحب الذراع
قوال معروف، وفعاله ... عقار مثنى أمهات الرباع
يطرق حلما وأناة معا ... ثمت ينصاع انصياع الشجاع
عاش زمانإ وقضى نحبه ... وما حياة المرء إلا متاع
ومنه:
عجبا لواحد دهرنا من كاتب ... مستعمل جد البيان مقدم
قد رد سحر بنانه وبيانه ... هل غادر الشعراء من متردم
ومنه:
لو صافحت سمع الوليد جفالها ... أرسوم دار أم رسوم كتاب
بل لو تأملها ابن أوس لم يقل: ... لو أن دهرا رد رجع جواب
ومنه:
سقى الغيث باب الكرخ من متنزه ... إلى قصر وضاح فبركة زلزل
منازل لو أن امرأ القيس حلها ... لأقصر عن ذكر الدخول فحومل
ومنه:
إن تبعد الدار عنكم فالهوى دان ... وحبكم إن سقاني الدمع ندماني
قد قلت أرضا بأرض بعد فرقتكم ... فلا تقل لي خلانا بخلان
ومنه:
العمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب
أفأن تكدر ما صفا ... منه بهجر واجتناب

(1/59)


فتغنمن ساعاته ... فمرورها مر السحاب
ومنه:
ومتى هجرت معاتبا لك منصفا ... فلديه عزم في هجائك ماض
قد جربت مني الوقائع باسلا ... أبقى الزمان به ندوب عضاض
ومنه:
بيتي ستور العنكبوت ستوره ... ومطارح الجوزاء فيك مطارحي
أجلى الطوى عنه قواطن فأره ... وخلا الذباب به فليس ببارح
ومنه:
لكل أخي مدح ثواب يعده ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت ابن سلم والمديح يهزه ... فكان كصفوان عليه تراب
ومنه:
قل لمن حلل قتلي ... وهو ممنوع حرام
ولمن في فيه در ... ورضاب ومدام
كل نار غير نار ... الشوق برد وسلام
ومنه:
كأني عند حمزة في مقامي ... ألا حييت عنا يا ردينا
بكينا عنده حتى كأنا ... ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ومنه:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في شاذ مهر، ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن
وقال ابن وكيع التنيسي:
لا تكلفني اعتذارا ... واصفح الصفح الجميلا
فلسان العذر مقصو ... ر وإن كان طويلا
وقال الحمدوني:
طيلسان خلعته ... إذ تجافوه في الشرا
كم تغنى عليه حي ... ن تهذا به الورى
حل بي ما علم ... ت فجسمي كما ترى
ومنه:
يابن حرب أطلت فقري برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيا
فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار، بكرة وعشيا
ومنه له:
كم تغنى إذ رأى رفوي له ... يصدع الباقي صدعا مسرعا
لم يزدني العذل إلا ولعا ... ضرني أكثر مما نفعا
ومنه:
أنشدت حين طغى فأعجزني ... ومن العناء رياضة الهرم
فكأنه الخمر التي ذكرت ... في يا شقيق النفس من حكم
ومنه:
قد كنت دهرا جهولا ثم حملني ... خوفي عليه من الأقوام إن جهلوا
وكم رآه أخ لي ثم أنشدني: ... ودع هريرة إن الركب مرتحل
ومنه:
لو وهبوه لسائل لأبي ... وقال أخذي له من الغبن
غنيت إذ طارت الرياح به ... يا ريح ما تصنعين بالدمن
ومنه:
مرت على علف فقامت لم ترح ... عنه، وغنت والمدامع تسجم:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
ومنه:
فلا تنكروا فضل العتاب؛ فإنه ... فضالات داء الصدر والداء يكظم
وما فاض حتى ضاق عنه إناؤه ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
ومنه لابن النحاس:
يا راكبا يقتضيه عزمه زحلا ... لا تستقل به الوخادة الرسم
عرج على حلب، واقرا السلام لمن ... وجداننا كل شيء بعدهم عدم
وقل لهم، نمت على ليل يؤرقني: ... واحر قلباه ممن قلبه شبم
إن كان يرضيك تطويح النوائب بي ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
لا تنس معرفة جم علائقها ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
ولا تضع ود عهد أنت حافظه ... فيكره الله ما تأتون والكرم
فكيف كانوإن ولا هانوا، ولا برحت ... موشية بأريض النبت أرضهم
ولابن المعتز:
خليلي، بالله اصبحاني وخليا ... قفا نبك من ذكى حبيب ومنزل
ويا رب، لا تنبت ولا تسقط الحيا ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ومنه:
أردت زيارة الملك المفدى ... لأمدحه وآخذ منه رفدا
فعبس حاجبا فقرأت: أما ... من استغنى فأنت له تصدى
ومنه:
يا ملك الأرض وبحر الندى ... وشمس ملك ما لها من مغيب
دعوت مولاك بنيل المنى ... وقد أجاب الله، وهو المجيب
فقال: خذ ما شئت مستوليا ... ودبر الملك برأي مصيب
يا من كتبنا فوق أعلامه ... نصر من الله وفتح قريب
ومنه:
أصرح بالشكوى، ولا أتأول ... إذا أنت لم تجمل فلم أتجمل

(1/60)


أفي كل يوم من هواك تحامل ... علي ومني كل يوم تجمل
وإني على ما كان منك لصابر ... وإن كان من أدناه يذبل يذبل
وما أدعي أني جليد وإنما ... هي النفس ما حملتها تتحمل
ومنه:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فارسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم
ومنه:
يستوجب العفو إذا هو اعترف ... عما جناه وانتهى عما اقترف
لقوله: قل للذين كفروا: ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
ومنه:
قل للوزير مقالة من واجد: ... يا من نداه كالفرات الزائد
ما لي حرمت من الأمير نواله ... وسواي يكرع في الزلال البارد
ما ضاقت الدنيا علي بأسرها ... حتى رآني راغبا في زاهد
ومنه:
ملك محبته سلافة مزنة ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
ملك يقال له: حماد إذا التوت ... قحم السنين ولا يقال جماد
ومنه:
أصبحت صبا دنفا ... بين عناء وكمد
أعوذ من شر الورى ... بقل: هو الله أحد
ومنه:
ألا إن إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصر عن لسعي
ظننت بهم خيرا فلما بلوتهم ... حللت بواد منهم غير ذي زرع
ومنه:
كأن يميني حين حاولت مدها ... لتوديع إلفي والهوى يذرف الدمعا
يمين ابن عمران، وقد حاول العصا ... وقد جعلت في كفه حية تسعى
ومنه:
أترى الجيرة الذين تداعوا ... بكرة للزوال قبل الزوال
ومنه:
إذا كنت معتقدا ضيعة ... فإياك والشركاء الوجوها
ففي سورة النمل أن الملو ... ك إذا دخلوا قرية أفسدوها
ومنه:
غدا لما التمى ليلا بهيما ... وكان كأنه القمر المنير
وقد كتب السواد بعارضيه ... لمن يقرا: وجاءكم النذير
ومنه:
انظر إلى وجه حبيب لنا ... كيف محا الشوك به النقشا
قد كتب الدهر على خده ... بالشعر: والليل إذا يغشى
ومنه:
هذي عروس أتتك بكرا ... لغيرك الدهر لا تحل
خذها وسق مهرها إلينا ... إن لم يكن وابل فطل
ومنه:
لبست ثياب الصبر حتى تمزقت ... جوانبها مر الجوى والتندم
أظل إذا عاتب نفسي منشدا ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وأنشد في ذكرى لدارك باكيا ... ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم
ومنه:
أكتاب ديوان الرسائل، ما لكم ... تجملتم بل متم بالتجمل
وقفتم على باب الوزير كأنكم ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأرزاقكم لا تستبين رسومها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
ومنه:
أقول وقد رأيت له خوانا ... له من لحظ عينيه خفير
أرى خبزا وبي جوع شديد ... ولكن بينه أسد مزير
ومنه:
أقمنا في بخارى كارهينا ... ونخرج إن خرجنا طائعينا
فأخرجنا إله الناس منها ... فإن عدنا فإنا ظالمونا
ومنه:
علموا أنني مقيم، وقلبي ... فيهم راحل أمام الجمال
مثل صاع العزيز في أرحل ال ... قوم وما يعلمون ما في الرحال
ومنه:
طفيلي يؤم الخبز أنى ... رآه ولو رآه على يفاع
ولا يروي من الأخبار إلا ... أجيب ولو دعيت إلى كراع
ومنه:
يا أبا أيوب، هذه كنية ... من كنى الأنعام قدما لم تزل
قد قضى بيت لبيد بيننا ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
كم حدوناك لترقى في العلا ... وأبا الرحمن لا يعلو هبل
ومنه:
أحسن الأشعار عندي: ... وانف بالخمر الخمارا
وألذ الآي عني: ... وترى الناس سكارى
ومنه:
قال ابن هارون لغلمانه ... وقد تعاطوه بصفع شديد
لئن شكرتم لأزيدنكم ... وإن كفكرتم فعذابي شديد
ومنه:
لقد نصر التوحيد والعدل فعله ... وأيقظ لوام المعالي شمائله
ومن ترك الأخبار تنشد أهله: ... أجل، أيها الربع الذي خف آهله
ومنه:

(1/61)


سعينا لغير العلياء والسند ... وغير أطلال مي بالجرد
ويا صبيب السحاب إن كنت ... قد جدت بربع اللوى فلا تعد
ومنه:
عتبت عليه حين ساء صنيعه ... وآليت لا طوع يديه
فلما خبرت الناس خير مجرب ... وجربت أقواما رضيت عليه
باب
الحل والعقد
اعلم أن الحل والعقد: هو ما يتفاضل فيه الشعراء والكتاب، وهو أن يأخذ لفظا منثورا فينظمه أو شعرا فينثره، ويطارحه العلماء فيما بينهم، مثل قول الرشيد: ولو جمد الخمر لكان ذهبإن أو ذاب الذهب لكان خمرإن فنظمه شاعر فقال:
وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا
ومنه قول أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في للاشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى القضاء عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القضاء عليك وأنت مأزور، وإنك إن لم تسل احتسابا سلوت غفلة كما تسلو البهائم.
عقده أبو تمام فقلا:
أتصبر للبلوى حياء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم
وقال عبد الله بن الزبير لما قتل أخوه مصعب: إن التسليم والسلوة لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربات الحجال.
عقده أبو تمام فقال:
ونحن خلقنا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم
ومن ذلك قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فنثره بعض الكتاب فقال: لو أمسك لساني عن شكرك لنطق علي أثر برك.
وقال آخر: لو جحدتك إحسانك لأكذبتني آثاره وتمت علي شواهده، فشهادت الأموال أعدل من شهادات الرجال.
ومن ذلك قول أحمد بن صبيح: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عما تقدم من امتنانك.
وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلا بشكر ما مضى من بلائك فاستبطئ ما أؤمل من نعمائك.
فعقده أبو نواس فقال:
قد قلت للعباس معتذرا ... من طول تقصيري ومعترفا
أنت امرؤ قلدتني مننا ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم معذرة ... وافتك بالتصريح منكشفا
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
ومن ذلك قول أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد لما غضب عليه: أنت الناس كلهم فلا طاقة لي بغضب جميع الخلق. فقال له: ما أحسن هذا! من أين أخذته!، فقال: من قول أبي نواس:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقيل لأعرابي أنى تصوم في مكة: أما تخشى من الحر؟ فقال: الطل أريد.
وقيل لروح بن زنباع وهو قائم بباب المهلب: لم تقف في الشمس؟ فقال: الظل أريد.
عقده أبو تمام فقال:
أآلفة النحيب كم افتراق ... ألم فكان داعية اجتماع
ومنه قول المتنبي:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
وقال:
حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل
حله الصاحب بن عباد فقال: ولما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بانيها وأخا عذرتها جعل معقلهم نهزة الحوادث وفرصة البوائق، ومجر العوالي، ومجرى السوابق.
وقال المتنبي:
ولله سر في علاك، وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان
نثره الصاحب فقال: إن لله أسرارا في علاه لا يزال يبديها ويصل قوالبها بتواليها.
ومنه قول المتنبي:
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
نثره الصاحب رحمه الله فقال: ولو كان ما أجنه شظية من قلم كاتب ما غيرت في خطه، أو قذى في عين نائم ما نبه جفنه.
وللمتنبي أيضا:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأ ... حباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى؛ فإذا عزا ... ك قال الذي له قلت قبلا
نثره الصاحب رحمه الله تعالى فقال: فكيف لي بتعزيته عند مرزيته إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه بعض ما استفدناه منه.
ومنه قوله:
وذكي رائحة الرياض كلامها ... يبغي الثناء على الحيا فتفوح
نثره الصاحب فقال: وإنا أثني عليه ثناء لسان الزهر على راحل المطر.
ومنه قول المتنبي:
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا

(1/62)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية