صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

صوت
( لقد أرسلت جاريتي ... وقلت لها خذي حذرك )
( وقولي في ملاطفة ... لزينب نولي عمرك )
( فهزت رأسها عجبا ... وقالت من بذا أمرك )
( أهذا سحرك النسوان ... قد خبرنني خبرك )
ولحن مالك هذا خفيف ثقيل بالوسطى من رواية ابن المكي وهذا يروي الشعر ويجعل قوافيه كلها على الكاف وفي هذه الأبيات بعينها على هذه القافية خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى الغريض وذكر حبش أن فيه لمعبد لحنا من الرمل أوله الثالث من الأبيات الأول المذكورة
رجع الخبر إلى سياقة أحاديث ابن سريج
ابن سريج أحسن الناس غناء
أخبرنا يحيى بن علي ووكيع وجحظة قالوا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال لي الفضل بن يحيى سألت أباك ليلة وقد أخذ منه الشراب عن أحسن الناس غناء فقال لي من النساء أم من الرجال قلت من الرجال قال ابن محرز فقلت فمن النساء قال ابن سريج قال إسحاق لي ويقال أحسن الرجال غناء من تشبه بالنساء وأحسن النساء غناء من تشبه بالرجال قال يحيى بن علي خاصة ثم كان ابن سريج كأنه خلق من قلب كل واحد فهو يغني له بما يشتهي
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي عن الهيثم بن عدي قال
قال ابن سريج مررت ببعض أندية مكة وفيه جماعة فحصرت فقلت

(1/298)


كيف أجوزهم مع تعبي وما أنا فيه فسمعتهم يقولون قد جاء ابن سريج فقال بعضهم ممن لم يعرفني ومن ابن سريج فقال الذي ينغني
( ألا هل هاجك الأظعان ... إذ جاوزن مطلحا )
قال ابن سريج فلما سمعت ذلك قويت نفسي واشتدت منتي ومررت بها أخطر في مصبغاتي فلما حاذيتهم قاموا بأجمعهم فسلموا علي ثم قالوا لأحداثهم امشوا مع أبي يحيى
ابن سريج يغني فتية من بني مروان
وقد حدثني عمي بهذا الخبر فقال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني محمد بن سلام عن جرير قال
قال لي ابن سريج دعاني فتية من بني مروان فدخلت إليهم وأنا في ثياب الحجاز الغلاظ الجافية وهم في القوهي والوشي يرفلون كأنهم الدنانير الهرقلية فغنيتهم وأنا محتقر لنفسي عندهم لحنا لي وهو
صوت
( أبالفرع لم تظعن مع الحي زينب ... بنفسي عن النأي الحبيب المغيب )
( بوجهك عن مس التراب مضنة ... فلا تبعدي إذ كل حي سيعطب )
ولحن ابن سريج هذا رمل بالخنصر في مجرى البنصر قال فتضاءلوا في عيني حتى ساويتهم في نفسي لما رأيتهم عليه من الإعظام لي ثم غنيتهم

(1/299)


( ودع لبابة قبل أن تترحلا ... واسأل فإن قلاله أن تسألا )
فطربوا وعظموني وتواضعوا لي حتى صرت في نفسي بمنزلتهم لما رأيتهم عليه وصاروا في عيني بمنزلتي ثم غنيتهم
( ألا هل هاجك الأظعان ... إذ جاوزن مطلحا )
فطربوا ومثلوا بين يدي ورموا بحللهم كلها علي حتى غطوني بها فمثلت لي نفسي أنها نفس الخليفة وأنهم لي خول فما رفعت طرفي إليهم بعد ذلك تيها وقد مضت نسبة ودع لبابة في أخبار عمر بن أبي ربيعة وغيره وأما
( ألا هل هاجك الأظعان ... )
فنذكر نسبته
نسبة هذا الصوت
صوت
( ألا هل هاجك الأظعان ... إذ جاوزن مطلحا )
( نعم ولوشك بينهم ... جرى لك طائر سنحا )
( أجزن الماء من ركك ... وضوء الفجر قد وضحا )

(1/300)


( فقلن مقيلنا قرن ... نباكر ماءه صبحا )
( تبعتهم بطرف العين ... حتى قيل لي افتضحا )
( يودع بعضنا بعضا ... وكل بالهوى جرحا )
( فمن يفرح ببينهم ... فغيري إذ غدوا فرحا )
عروضه من الوافر الشعر لأبي دهبل الجمحي والغناء لمالك وله فيه لحنان ثقيل أول بالبنصر عن إسحاق وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ولمعبد فيه ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى ولابن سريج في الخامس وما بعده ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش
جرير يمدح غناء ابن سريج
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قدم جرير المدينة أو مكة فجلس مع قوم فجعلوا يعرضون عليه غناء رجل رجل من المغنين حتى غنوه لابن سريج فطرب وقال هذا أحسن ما أسمعتموني من الغناء كله قالوا وكيف قلت ذاك يا أبا حزرة قال مخرج كل ما أسمعتموني من الغناء من الرأس ومخرج هذا من الصدر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن محمد الشافعي قال
جاء سندة الخياط المغني إلى الأفلح المخزومي وكان يوصف بعقل وفضل فقال له من أين أقبلت وإلى أين تمضي فقال إليك قصدت من

(1/301)


مجلس لبعض القرشيين أقبلت محاكما إليك قال فيماذا قال كنت عند هذا الرجل وحضرت مجلسه رقطاء الحبطيين وصفراء العلقميين فتناولتا بينهما رمل ابن سريج
( ليت شعري كيف أبقى ساعة ... مع ما ألقى إذا الليل حضر )
( من يذق نوما ويهدأ ليله ... فلقد بدلت بالنوم السهر )
( قلت مهلا إنها جنتة ... إن تخالطها تفز منها بشر )
فغنتاه جميعا واختلفنا في تفضيلهما ففضل كل فريق منا إحداهما فرضينا جميعا بحكمك فاحكم بيننا وبينهما فوجم ساعة وأهل الحجاز إذا أرادوا أن يحكموا تأملوا ساعة ثم حكموا فإذا حكم المحكم مضى حكمه كائنا ما كان ففضل من فضله وأسقط من أسقطه إذا تراضى الخصمان به فكره الأفلح أن يرضي قوما ويسخط آخرين فقال لسندة صفهما أنت لي كيف كانتا إذ غنتاه واشرح لي مذهبهما فيه كما سمعت وأنا أحكم بعد ذلك فقال سندة أما جارية الحبطيين فإنها كانت تلوك لحنه كما يلوك الفرس العتيق لجامه ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغن والله ما ابتدأته فتوسطته وأنا أعقل ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظن أني رأيته في نومي وأما صفراء العلقميين فإنها أحسنهما حلقا وأصحهما صوتا وألينهما تثنيا والله ما سمعها أحد قط فانتفع بنفسه ولا دينه هذا ما عندي فاحكم أنت يا أخا بني مخزوم فقال قد حكمت بأنهما بمنزلة العينين في الرأس فبأيهما نظرت أبصرت ولو كان في

(1/302)


الدنيا من عبيد بن سريج خلف لكانتا قال فانصرفوا جميعا راضين بحكمه
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال
سألت جريرا المديني عن ابن سريج فقال أتذكره ويحك باسمه ولا تقول سيد من غنى وواحد من ترنم
قال حماد وحدثني أبي عن هارون بن مسلم عن محمد بن زهير السعدي الكوفي عن أبي بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي قال
دخلت على الشعبي فبينا أنا عنده في غرفته إذ سمعت صوت غناء فقلت أهذا في جوارك فأشرف بي على منزله فإذا بغلام كأنه فلقة قمر يتغنى قال إسحاق وهذا الغناء لابن سريج
( وقمير بدا ابن خمس وعشرين ... له قالت الفتاتان قوما )
قال فقال لي الشعبي أتعرف هذا قلت لا فقال هذا الذي أتي الحكم صبيا هذا ابن سريج
وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني الهشامي الربعي عن إسحاق الموصلي قال
تغنى ابن سريج في شعر لعمر بن أبي ربيعة وهو
صوت
( خانك من تهوى فلا تخنه ... وكن وفيا إن سلوت عنه )
( واسلك سبيل وصله وصنه ... إن كان غدارا فلا تكنه )

(1/303)


( عسى تباريح تجيء منه ... فيرجع الوصل ولم تشنه )
قال المكيون قال ابن سريج ما تغنيت بهذا الشعر قط إلا ظننت أني أحل محل الخليفة
قال مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج الأصفهاني وجدت في هذا الشعر لحنين أحدهما ثقيل أول والآخر رمل مجهولين جميعا فلا أدري أيهما لحنه
ابن سريج يعدد صفات المغني المحسن والمصيب
ونسخت من كتاب العتابي أخبرني عون بن محمد قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن جده الفضل عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن مالك بن أبي السمح قال
سألت ابن سريج عن قول الناس فلان يصيب وفلان يخطئ وفلان يحسن وفلان يسيء فقال المصيب المحسن من المغنين هو الذي يشبع الألحان ويملأ الأنفاس ويعدل الأوزان ويفخم الألفاظ ويعرف الصواب ويقيم الإعراب ويستوفي النغم الطوال ويحسن مقاطيع النغم القصار ويصيب أجناس الإيقاع ويختلس مواقع النبرات ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النقرات فعرضت ما قال على معبد فقال لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثني الزبير بن بكار عن ظبية
أن يزيد بن عبد الملك قال لحبابة يوما أتعرفين أحدا هو أطرب مني قالت نعم مولاي الذي باعني فأمر بإشخاصه فأشخص إليه مقيدا وأعلم

(1/304)


بحاله فأذن في إدخاله فمثل بين يديه وحبابة وسلامة تغنيان فغنته سلامة لحن الغريض في
( تشط غدا دار جيراننا ... )
فطرب وتحرك في أقياده ثم غنته حبابة لحن ابن سريج المجرد في هذا الشعر فوثب وجعل يحجل في قيده ويقول هذا وأبيكما ما لا تعذلاني فيه حتى دنا من الشمعة فوضع لحيته عليها فاحترقت وجعل يصيح الحريق الحريق يا أولاد الزنا فضحك يزيد وقال هذا والله أطرب الناس حقا ووصله وسرحه إلى بلده
ابن سريج يطلب إلى عطاء وابن جريج أن يسمعاه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق
أن ابن سريج كان جالسا فمر به عطاء وابن جريج فحلف عليهما بالطلاق أن يغنيهما على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه فوقفا له وغناهما
( إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وابلى والله قد بعدوا )
فغشي على ابن جريج وقام عطاء فرقص ونسبة هذا الصوت وخبره يذكر في موضع آخر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق
أن ابن سريج كان عند بستان ابن عامر يغني
( لمن نار بأعلى الخيف ... دون البئر ما تخبو )
( أرقت لذكر موقعها ... فحن لذكرها القلب )

(1/305)


( إذا ما أخمدت ألقي ... عليها المندل الرطب )
فجعل الحاج يركب بعضهم بعضا حتى جاء إنسان من آخر القطرات فقال يا هذا قد قطعت على الحاج وحبستهم والوقت قد ضاق فاتق الله وقم عنهم فقام وسار الناس
استحق جائزة سليمان بن عبد الملك لسبقه في الغناء
أخبرني الحسن قال حدثني محمد بن زكريا قال حدثني يزيد بن محمد عن إسحاق الموصلي
أن سليمان بن عبد الملك لما حج سبق بين المغنين بدرة فجاء ابن سريج وقد أغلق الباب فلم يأذن له الحاجب فأمسك حتى سكتوا وغنى
( سرى همي وهم المرء يسري ... )
فأمر سليمان بدفع البدرة إليه
نسبة هذا الصوت
صوت
( سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيس فتر )
( أراقب في المجرة كل نجم ... تعرض للمجرة كيف يجري )

(1/306)


( لهم لا أزال له مديما ... كأن القلب أسعر حر جمر )
( على بكر أخي ولى حميدا ... وأي العيش يصفو بعد بكر )
الشعر لعروة بن أذينة والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى وفيه لأبي عباد رمل بالوسطى وذكر الهشامي أن هذا اللحن لصاحب الحرون
مرض ابن سريج وموته
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
قال ابن مقمة دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف أصبحت يا أبا يحيى فقال أصبحت والله كما قال الشاعر
( كأني من تذكر ما ألاقي ... إذا ما أظلم الليل البهيم )
( سقيم مل منه أقربوه ... وأسلمه المداوي والحميم )
ثم مات
قال إسحاق قال ابن مقمة لما احتضر ابن سريج نظر إلى ابنته تبكي فبكى وقال إن من أكبر همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي فقالت لا تخف فما غنيت شيئا إلا وأنا أغنيه فقال هاتي فاندفعت تغني أصواتا وهو مصغ إليها فقال قد أصبت ما في نفسي وهونت علي امرك ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله فهو الآن ينسب إليه قال إسحاق فقال كثر بن كثير السهمي يرثيه
( ما اللهو بعد عبيد حين يخبره ... من كان يلهو به منه بمطلب )

(1/307)


( لله قبر عبيد ما تضمن من ... لذاذة العيش والإحسان والطرب )
( لولا الغريض ففيه من شمائله ... مشابه لم أكن فيها بذي أرب )
قال إسحاق وحدثني هشام بن المرية أن قادما قدم المدينة فسار معبدا بشيء فقال معبد أصبحت أحسن الناس غناء فقلنا أو لم تكن كذلك فقال ألا تدرون ما أخبرني به هذا قالوا لا قال أعلمني أن عبيد بن سريج مات ولم أكن أحسن الناس غناء وهو حي وفي ابن سريج يقول عمر بن أبي ربيعة
صوت
( قالت وعيناها تجودانها ... صوحبت والله لك الراعي )
( يابن سريج لا تذع سرنا ... قد كنت عندي غير مذياع )
غنى فيه ابن سريج من رواية يونس
قال أبو أيوب المديني توفي ابن سريج بالعلة التي أصابته من الجذام بمكة في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد بمكة ودفن في موضع بها يقال له دسم
رجلان يسألان الوقوف على قبر ابن سريج
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني هارون ابن أبي بكر قال حدثني إسحاق بن يعقوب العثماني مولى آل عثمان عن أبيه قال
إنا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح في صبح خامسة من الثمان يعني أيام الحج قال كنت جالسا أيام الحج فما إن دريت إلا برجل على راحلة على رحل

(1/308)


جميل وأداة حسنة معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرسا وبغلا فوقفا علي وسألاني فانتسبت لهما عثمانيا فنزلا وقالا رجلان من أهلك لهما حاجة ونحب أن تقضيها قبل أن نشده بأمر الحج فقلت ما حاجتكما قالا نريد إنسانا يقفنا على قبر عبيد بن سريج قال فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلة بني أبي قارة من خزاعة بمكة وهم موالي عبيد بن سريج فالتمست لهما إنسانا يصحبهما حتى يقفهما على قبره بدسم فوجدت ابن أبي دباكل فأنهضته معهما فأخبرني بعد أنه لما وقفهما على قبره نزل أحدهما عن راحلته فحسر عمامته عن وجهه فإذا هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان فعقر ناقته واندفع يندبه بصوت شجي كليل حسن ويقول
( وقفنا على قبر بدسم فهاجنا ... وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب )
( فجالت بأرجاء الجفون سوافح ... من الدمع تستتلي الذي يتعقب )
( إذا أبطأت عن ساحة الحد ساقها ... دم بعد دمع إثره يتصبب )
( فإن تسعدا نندب عبيدا بعولة ... وقل له منا البكا والتحوب )
ثم نزل صاحبه فعقر ناقته وقال له القرشي خذ في صوت أبي يحيى فاندفع يتغنى
( أسعداني بعبرة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب )
( إن أهل الحصاب قد تركوني ... مولها مولعا بأهل الحصاب )

(1/309)


( أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الموت بعدهم من عتاب )
( فارقوني وقد علمت يقينا ... ما لمن ذاق ميتة من إياب )
( كم بذاك الحجون من أهل صدق ... وكهول أعفة وشباب )
( سكنوا الجزع جزع بيت أبي موسى ... إلى النخل من صفي السباب )
( فلي الويل بعدهم وعليهم ... صرت فردا وملني أصحابي )
قال ابن أبي دباكل فوالله ما تمم صاحبه منها ثلاثا حتى غشي على صاحبه وأقبل يصلح السرج على بغلته وهو غير معرج عليه فسألته من هو فقال رجل من جذام قلت بمن تعرف قال بعبد الله بن المنتشر قال ولم يزل القرشي على حاله ساعة ثم أفاق ثم جعل الجذامي ينضح الماء على وجهه ويقول كالمعاتب له أنت أبدا مصبوب على نفسك ومن كلفك ما ترى ثم قرب إليه الفرس فلما علاه استخرج الجذامي من خرج على بغل قدحا وإداوة ماء فجعل في القدح ترابا من تراب قبر ابن سريج وصب عليه ماء من الإداوة ثم قال هاك فاشرب هذه السلوة فشرب ثم فعل هو مثل ذلك وركب على البغل وأردفني فخرجا والله ما يعرضان بذكر شيء مما كنا فيه ولا أرى في وجوههما شيئا مما كنت أرى قبل ذلك فلما اشتمل علينا أبطح مكة قالا انزل يا خزاعي فنزلت وأومأ الفتى إلى الجذامي بكلام فمد يده إلي وفيها شيء فأخذته فإذا هو عشرون دينارا ومضيا فانصرفت إلى قبره ببعيرين فاحتملت عليهما أداة الراحلتين اللتين عقراهما فبعتها بثلاثين دينارا

(1/310)


صوت من المائة المختارة
وهو الثالث من الثلاثة المختارة
( أهاج هواك المنزل المتقادم ... نعم وبه ممن شجاك معالم )
( مضارب أوتاد وأشعث داثر ... مقيم وسفع في المحل جواثم )
عروضه من الطويل الشعر لنصيب والغناء في اللحن المختار لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر وله فيه أيضا هزج بالسبابة في مجرى البنصر وذكر جحظة عن أصحابه أنه هو المختار وحكى عن أصحابه أنه ليس في الغناء كله نغمة إلا وهي في الثلاثة الأصوات المختارة التي ذكرها
ومن قصيدة نصيب هذه مما يغني فيه قوله
( لقد راعني للبين نوح حمامة ... على غصن بان جاوبتها حمائم )
( هواتف أما من بكين فعهده ... قديم وأما شجوهن فدائم )
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن يونس ويحيى المكي وإسحاق وأظنه مع البيتين الأولين وأن الجميع لحن واحد ولكنه تفرق لصعوبة اللحن وكثرة ما فيه من العمل فجعلا صوتين

(1/311)


ذكر نصيب وأخباره
هو نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان وكان لبعض العرب من بني كنانة السكان بودان فاشتراه عبد العزيز منهم وقيل بل كانوا أعتقوه فاشترى عبد العزيز ولاءه منهم وقيل بل كاتب مواليه فأدى عنه مكاتبته
وقال ابن دأب كان نصيب من قضاعة ثم من بلي وكانت أمه سوداء فوقع عليها سيدها فحبلت بنصيب فوثب عليه عمه بعد وفاة أبيه فباعه من عبد العزيز
وقال أبو اليقظان كان أبوه من كنانة من بني ضمرة وكان شاعرا فحلا فصيحا مقدما في النسيب والمديح ولم يكن له حظ في الهجاء وكان عفيفا وكان يقال إنه لم ينسب قط إلا بامرأته
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال كتب إلي عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب بن رباح يذكر عن عمته غرضة بنت النصيب
أن النصيب كان ابن نوبيين سبيين كانا لخزاعة ثم اشترت سلامة أم نصيب امرأة من خزاعة ضمرية حاملا بالنصيب فأعتقت ما في بطنها
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال

(1/312)


كان نصيب من أهل ودان عبدا لرجل من كنانة هو وأهل بيته وكان أهل البادية يدعونه النصيب تفخيما له ويروون شعره وكان عفيفا كبير النفس مقدما عند الملوك يجيد مديحهم ومراثيهم
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي قال
كان نصيب من بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وكانت أمه أمة سوداء وقع فحملت ثم مات فباعه عمه أخو أبيه من عبد العزيز بن مروان
النصيب يقول شعرا ثم ينسبه إلى شعراء
قال حماد وأخبرني أبي عن أيوب بن عباية وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه وعن إسحاق بن إبراهيم جميعا عن أيوب بن عباية قال حدثني رجل من خزاعة من أهل كلية وهي قرية كان فيها النصيب وكثير قال
بلغني أن النصيب قال قلت الشعر وأنا شاب فأعجبني قولي فجعلت آتي مشيخة من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة وهم موالي النصيب ومشيخة من خزاعة فأنشدهم القصيدة من شعري ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين فيقولون أحسن والله هكذا يكون الكلام وهكذا يكون الشعر فلما سمعت ذلك منهم علمت أني محسن فأزمعوا وأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان وهو يومئذ بمصر فقلت لأختي أمامة وكانت عاقلة جلدة أي أخية إني قد قلت شعرا وأنا أريد عبد العزيز بن مروان وأرجو أن يعتقك الله عز و جل به وأمك ومن كان مرقوقا من أهل قرابتي قالت إنا لله وإنا إليه راجعون يابن أم أتجتمع عليك الخصلتان السواد وأن تكون ضحكة للناس قال قلت

(1/313)


فاسمعي فأنشدتها فسمعت فقالت بأبي أنت أحسنت والله في هذا والله رجاء عظيم فاخرج على بركة الله فخرجت على قعود لي حتى قدمت المدينة فوجدت بها الفرزدق في مسجد رسول الله فعرجت إليه فقلت أنشده وأستنشده وأعرض عليه شعري فأنشدته فقال لي ويلك أهذا شعرك الذي تطلب به الملوك قلت نعم قال فلست في شيء إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فافعل فانفضخت عرقا فحصبني رجل من قريش كان قريبا من الفرزدق وقد سمع إنشادي وسمع ما قال لي الفرزدق فأومأ إلي فقمت إليه فقال ويحك أهذا شعرك الذي أنشدته الفرزدق قلت نعم فقال قد والله أصبت والله لئن كان هذا الفرزدق شاعرا لقد حسدك فإنا لنعرف محاسن الشعر فامض لوجهك ولا يكسرنك قال فسرني قوله وعلمت أنه قد صدقني فيما قال فاعتزمت على المضي قال فمضيت فقدمت مصر وبها عبد العزيز ابن مروان فحضرت بابه مع الناس فنحيت عن مجلس الوجوه فكنت وراءهم ورأيت رجلا جاء على بغلة حسن الشارة سهل المدخل يؤذن له إذا جاء فلما انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي بغلته فلما رآني قال ألك حاجة قلت نعم أنا رجل من أهل الحجاز شاعر وقد مدحت الأمير وخرجت إليه راجيا معروفه وقد ازدريت فطردت من الباب ونحيت عن الوجوه قال فأنشدني فأنشدته فأعجبه شعري فقال ويحك أهذا شعرك فإياك أن تنتحل فإن الأمير راوية عالم بالشعر وعنده رواة فلا تفضحني ونفسك فقلت والله ما هو إلا شعري فقال ويحك فقل أبياتا تذكر فيها حوف مصر وفضلها على غيرها والقني بها غدا فغدوت عليه من غد فأنشدته قولي

(1/314)


( سرى الهم تثنيني إليك طلائعه ... بمصر وبالخوف اعترتني روائعه )
( وبات وسادي ساعد قل لحمه ... عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه )
قال وذكرت فيها الغيث فقلت
( وكم دون ذاك العارض البارق الذي ... له اشتقت من وجه أسيل مدامعه )
( تمشي به أفناء بكر ومذحج ... وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه )
( فكل مسيل من تهامة طيب ... دميث الربا تسقي البحار دوافعه )
( أعني على برق أريك وميضه ... تضيء دجنات الظلام لوامعه )
( إذا اكتحلت عينا محب بضوئه ... تجافت به حتى الصباح مضاجعه )
( هنيئا لأم البختري الروى به ... وإن أنهج الحبل الذي أنا قاطعه )
( وما زلت حتى قلت إني لخالع ... ولائي من مولى نمتني قوارعه )
( ومانح قوم أنت منهم مودتي ... ومتخذ مولاك مولى فتابعه )
عبد العزيز بن مروان يقول لأيمن بن خريم والله لنصيب أشعر منك
قال أنت والله شاعر احضر بالباب حتى أذكرك للأمير قال فجلست على الباب ودخل فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي فدخلت فسلمت على عبد العزيز فصعد في بصره وصوب ثم قال أنت شاعر ويلك قلت نعم أيها الأمير قال فأنشدني فأنشدته فأعجبه شعري وجاء الحاجب

(1/315)


فقال أيها الأمير هذا أيمن بن خريم الأسدي بالباب فقال ائذن له فدخل فاطمأن فقال له الأمير يا أيمن بن خريم كم ترى ثمن هذا العبد فنظر إلي فقال والله لنعم الغادي في أثر المخاض هذا أيها الأمير أرى ثمنه مائة دينار قال فإن له شعرا وفصحاحة فقال لي أيمن أتقول الشعر قلت نعم قال قيمته ثلاثون دينارا قال يا أيمن أرفعه وتخفضه أنت قال لكونه أحمق أيها الأمير ما لهذا وللشعر أمثل هذا يقول الشعر أو يحسن شعرا فقال أنشده يا نصيب فأنشدته فقال له عبد العزيز كيف تسمع يا أيمن قال شعر أسود هو أشعر أهل جلدته قال هو والله أشعر منك قال أمني أيها الأمير قال إي والله منك قال والله أيها الأمير إنك لملول طرف قال كذبت والله ما أنا كذلك ولو كنت كذلك ما صبرت عليك تنازعني التحية وتؤاكلني الطعام وتتكىء على وسائدي وفرشي وبك ما بك يعني وضحا كان بأيمن قال ائذن لي أن أخرج إلى بشر بالعراق واحملني على البريد قال قد أذنت لك وأمر به فحمل على البريد قال قد أذنت له وأمر به فحمل على البريد إلى بشر فقال أيمن بن خريم
( ركبت من المقطم في جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا )
( ولو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقا عليه أن يزيدا )
( أمير المؤمنين أقم ببشر ... عمود الحق إن له عمودا )

(1/316)


( ودع بشرا يقومهم ويحدث ... لأهل الزيغ إسلاما جديدا )
( كأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لأعظم الأيام عيدا )
( على ديباج خدي وجه بشر ... إذا الألوان خالفت الخدودا ... )
قال أيوب يعني بقوله
( إذا الألوان خالفت الخدودا )
أنه عرض بكلف كان في وجه عبد العزيز
( وأعقب مدحتي سرجا مليحا ... وأبيض جوزجانيا عقودا )
( وإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكارا ولودا )
قال فأعطاه بشر مائة ألف درهم
عبد الله بن أبي فروة أول من وصل النصيب بعبد العزيز بن مروان
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال
أول من نوه باسم نصيب وقدم به على عبد العزيز بن مروان عبد الله بن أبي فروة قدم به عليه وهو وصيف حين بلغ وأول ما قال الشعر قال أصلح الله الأمير جئتك بوصيف نوبي يقول الشعر وكان نصيب ابن نوبيين فأدخله عليه فأعجبه شعره وكان معه أيمن بن خريم الأسدي فقال عبد العزيز إذا دعوت بالغداء فأدخلوه علي في جبة صوف محتزما بعقال فإذا قلت قوموه فقوموه وأخرجوه وردوه علي في جبة وشي ورداء وشي فلما جلس للغداء ومعه أيمن بن خريم

(1/317)


أدخل نصيب في جبة صوف محتزما بعقال فقال قوموا هذا الغلام فقالوا عشرة عشرون ثلاثون دينارا فقال ردوه فأخرجوه ثم ردوه في جبة وشي ورداء وشي فقال أنشدنا فأنشدهم فقال قوموه قالوا ألف دينار فقال أيمن والله ما كان قط أقل في عيني منه الآن وإنه لنعم راعي المخاض فقال له فكيف شعره قال هو أشعر أهل جلدته فقال له عبد العزيز هو والله أشعر منك قال أمني أيها الأمير قال نعم فقال أيمن إنك لملول طرف فقال له والله ما أنا بملول وأنا أنازعك الطعام منذ كذا وكذا تضع يدك حيث أضعها وتلتقي يدك مع يدي على مائدة كل ذلك احتملك وكان بأيمن بياض فقال له أيمن ائذن لي أن أخرج إلى بشر فأذن له فخرج وقال أبياته التي أولها
( ركبت من المقطم في جمادى )
وقد مضت الأبيات قال فلما جاز بعبد الملك بن مروان قال أين تريد قال أريد أخاك بشرا قال أتجوزني قال إي والله أجوزك إلى من قدم إلي وطلبني قال فلم فارقت صاحبك قال رأيتكم يا بني مروان تتخذون للفتى من فتيانكم مؤدبا وشيخكم والله محتاج إلى خمسة مؤدبين فسر ذلك عبد الملك وكان عازما على أن يخلعه ويعقد لابنه الوليد
عبد العزيز بن مروان يبتاع نصيبا ويعتقه )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال
يقال إن نصيبا أضل إبلا له فخرج في بغائها فلم يصبها وخاف مواليه أن يرجع إليهم فأتى عبد العزيز بن مروان فمدحه وذكر له قصته فأخلف عليه ما ضل لمواليه وابتاعه وأعتقه
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الهلالي ثم الدوسي قال

(1/318)


أراد النصيب الخروج إلى عبد العزيز بن مروان وهو عبد لبني محرز الضمري فقالت أمه له إنك سترقد ويأخذك ابن محرز يذهب بك فذهب ولم يبال بقولها حتى إذا كان بمكان ماء يعرف بالدو فبينا هو راقد إذ هجم عليه ابن محرز فقال حين رآه
( إني لأخشى من قلاص ابن محرز ... إذا وخدت بالدو وخذ النعائم )
( يرعن بطين القوم أية روعة ... ضحيا إذا استقبلنه غير نائم )
فأطلقوه فرجع فأتى أمه فقالت أخبرتك يا بني أنه ليس عندك أن تعجز القوم فإن كنت يا بني قد غلبتني أنك ذاهب فخذ بنت الفلانة فإني رأيتها وطئت أفحوص بيضات قطاة فلم تفلقهن فركبها فهي التي بلغته ابن مروان
قال أبو عبد الله بن الزبير عندنا أن التي اعتقته امرأة من بني ضمرة ثم من بني حنبل
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم قال حدثنا كليب بن إسماعيل مولى بني أمية وكان حدثا أي حسن الحديث قال
بلغني أن نصيبا كان حبشيا يرعى إبلا لمواليه فأضل منها بعيرا فخرج في طلبه حتى أتى الفسطاط وبه إذ ذاك عبد العزيز بن مروان وهو ولي عهد عبد الملك بن مروان فقال نصيب ما بعد عبد العزيز واحد أعتمده لحاجتي فأتى الحاجب فقال استأذن لي على الأمير فإني قد هيأت له مديحا فدخل الحاجب فقال أصلح الله الأمير بالباب رجل أسود يستأذن عليك بمديح قد هيأه لك

(1/319)


فظن عبد العزيز أنه ممن يهزأ به ويضحكهم فقال مره بالحضور ليوم حاجتنا إليه فغدا نصيب وراح إلى باب عبد العزيز أربعة أشهر وأتاه آت من عبد الملك فسره فأمر بالسرير فأبرز للناس وقال علي بالأسود وهو يريد أن يضحك منه الناس فدخل فلما كان حيث يسمع كلامه قال
( لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم نعم غامره )
( فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره )
( وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بالإبنة الزائره )
( وكفك حين ترى السائلين ... أندى من الليلة الماطره )
( فمنك العطاء ومني الثناء ... بكل محبرة سائره )
فقال أعطوه أعطوه فقال إني مملوك فدعا الحاجب فقال اخرج فابلغ في قيمته فدعا المقومين فقال قوموا غلاما أسود ليس به عيب قالوا مائة دينار قال إنه راع للإبل يبصرها ويحسن القيام عليها قالوا حينئذ مائتا دينار قال إنه يبري القسي ويثقفها ويرمي النبل ويريشها قالوا أربعمائة دينار قال إنه راوية للشعر بصير به قالوا ستمائة دينار قال إنه شاعر لا يلحق حذقا قالوا ألف دينار قال عبد العزيز ادفعوا إليه قال أصلح الله الأمير ثمن بعيري الذي أضللت قال وكم ثمنه قال خمسة وعشرون دينارا قال ادفعوا إليه قال أصلح الله الأمير جائزتي لنفسي عن مديحي إياك قال اشتر نفسك ثم عد إلينا فأتى الكوفة وبها بشر بن مروان فاستأذن عليه فاستصعب الدخول إليه وخرج بشر بن مروان متنزها فعارضه فلما ناكبه أي صار حذاء منكبه ناداه
( يا بشر يابن الجعفرية ما ... خلق الإله يديك للبخل )

(1/320)


( جاءت به عجز مقابلة ... ما هن من جرم ولا عكل )
قال فأمر له بشر بعشرة آلاف درهم الجعفرية التي عناها نصيب أم بشر ابن مروان وهي قطية بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنة بن مالك بن جعفر بن كلاب
أخبرنا اليزيدي عن الخراز عن المدائني عن عبد الله بن مسلم وعامر بن حفص وغيرهما
أن مروان بن الحكم مر ببادية بني جعفر فرأى قطية بنت بشر تنزع بدلو على إبل لها وتقول
( ليس بنا فقر إلى التشكي ... جربة كحمر الأبك ... لا ضرع فيها ولا مذكي )
ثم يقول
( عامان ترقيق وعام تمما ... لم يترك لحما ولم يترك دما )
( ولم يدع في رأس عظم ملدما ... إلا رذايا ورجالا رزما )

(1/321)


فخطبها مروان فتزوجها فولدت له بشر بن مروان
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن إسحاق بن أيوب عن خليل بن عجلان في خبر النصيب مثل ما ذكره الزبير وإسحاق سواء
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
دعا النصيب مواليه أن يستلحقوه فأبى وقال والله لأن أكون مولى لائقا أحب إلي من أن أكون دعيا لاحقا وقد علمت أنكم تريدون بذلك مالي ووالله لا أكسب شيئا أبدا إلا كنت أنا وأنتم فيه سواء كأحدكم لا استأثر عليكم منه بشيء أبدا قال وكان كذلك معهم حتى مات إذا أصاب شيئا قسمه فيهم فكان فيه كأحدهم
النصيب يلتقي الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبيري وحدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفري قال
دخل النصيب على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق فاستنشد الفرزدق وهو يرى أنه سينشده مديحا له فأنشده قوله يفتخر

(1/322)


( وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب )
( سروا يركبون الريح وهي تلفهم ... على شعب الأكوار من كل جانب )
( إذا استوضحوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب )
قال وعمامته على رأسه مثل المنسف فغاظ سليمان وكلح في وجهه وقال لنصيب قم فأنشد مولاك ويلك فقام نصيب فأنشده قوله
( أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب )
( قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب )
( فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب )
( وقالوا عهدناه وكل عشية ... بأبوابه من طالب العرف راكب )
( هو البدر والناس الكواكب حوله ... ولا تشبه البدر المضيء الكواكب )
فقال له سليمان أحسنت والله يا نصيب وأمر له بجائزة ولم يصنع ذلك بالفرزدق فقال الفرزدق وقد خرج من عنده

(1/323)


( وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد )
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عمه موسى بن عبد العزيز قال
حمل عبد العزيز بن مروان النصيب بالمقطم مقطم مصر على بختي قد رحله بغبيط فوقه وألبسه مقطعات وشي ثم أمره أن ينشد فاجتمع حوله السودان وفرحوا به فقال لهم أسررتكم قالوا إي والله قال والله ما لما يسوءكم من أهل جلدتكم أكثر
جرير يعترف بشاعرية النصيب
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو العراف قال
مر جرير بنصيب وهو ينشد فقال له اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك قال وجلدتك يا أبا حزرة
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أيوب بن عباية قال
بلغني أن النصيب كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه واستنشده مراثي بني أمية فإذا أنشده بكى وبكى معه فأنشده يوما قصيدة له مدحه بها يقول فيها
( إذا استبق الناس العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثم صلت شمالها )

(1/324)


فقال له هشام يا أسود بلغت غاية المدح فسلني فقال يدك بالعطية أجود وأبسط من لساني بمسألتك فقال هذا والله أحسن من الشعر وحباه وكساه وأحسن جائزته
النصيب يعتق ذوي قرابته
أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال
أصاب نصيب من عبد العزيز بن مروان معروفا فكتمه ورجع إلى المدينة في هيئة بذة فقالوا لم يصب بمدحه شيئا فمكث مدة ثم ساوم بأمه فابتاعها وأعتقها ثم ابتاع أم أمه بضعف ما ابتاع به أمه فأعتقها وجاءه ابن خالة له اسمه سحيم فسأله أن يعتقه فقال له ما معي والله شيء ولكني إذا خرجت أخرجتك معي لعل الله أن يعتقك فلما أراد الخروج دفع غلاما له إلى مولى سحيم يرعى إبله وأخرجه معه فسأل في ثمنه فأعطاه وأعتقه فمر به يوما وهو يزفن ويزمر مع السودان فأنكر ذلك عليه وزجره فقال له إن كنت أعتقتني لأكون كما تريد فهذا والله ما لا يكون أبدا وإن كنت أعتقتني لتصل رحمي وتقضي حقي فهذا والله الذي أفعله هو الذي أريده أزفن وأزمر وأصنع ما شئت فانصرف النصيب وهو يقول
( إني أراني لسحيم قائلا ... إن سحيما لم يثبني طائلا )
( نسيت إعمالي لك الرواحلا ... وضربي الأبواب فيك سائلا )
( عند الملوك أستثيب النائلا ... حتى إذا آنست عتقا عاجلا )
( وليتني منك القفا والكاهلا ... أخلقا شكسا ولونا حائلا )

(1/325)


النصيب يستعجل جائزة عند عبد العزيز بن مروان
قال إسحاق وأبطأت جائزة النصيب عند عبد العزيز فقال
( وإن وراء ظهري يابن ليلى ... أناسا ينظرون متى أؤوب )
( أمامة منهم ولمأقييها ... غداة البين في أثري غروب )
( تركت بلادها ونأيت عنها ... فأشبه ما رأيت بها السلوب )
( فأتبع بعضنا بعضا فلسنا ... نثيبك لكن الله المثيب )
فعجل جائزته وسرحه قال إسحاق فحدثني ابن كناسة قال ليلى أم عبد العزيز كلبية وبلغني عنه أنه قال لا أعطي شاعرا شيئا حتى يذكرها في مدحي لشرفها فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن عباية قال
وقفت سوداء بالمدينة على نصيب وهو ينشد الناس فقالت بأبي أنت يابن عمي وأمي ما أنت والله علي بخزي فضحك وقال والله لمن يخزيك من بني عمك أكثر ممن يزينك
قال إسحاق وحدثني ابن عباية وغيره أن ابنا لنصيب خطب بعد وفاة سيده الذي أعتقه بنتا له من أخيه فأجابه إلى ذلك وعرف أباه فقال له اجمع وجوه الحي لهذا الحال فجمعهم فلما حضروا أقبل نصيب على أخي سيده فقال أزوجت ابني هذا من ابنة أخيك قال نعم فقال لعبيد له سود خذوا برجل ابني هذا فجروه فاضربوه ضربا مبرحا ففعلوا وضربوه ضربا مبرحا وقال لأخي سيده لولا أني أكره أذاك لألحقتك به ثم نظر إلى شاب من أشراف الحي فقال زوج هذا ابنة أخيك وعلي ما يصلحهما في مالي ففعل

(1/326)


أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال
دخل نصيب على عبد الملك فتغدى معه ثم قال هل لك فيما نتنادم عليه فقال تؤمنني ففعل فقال لوني حائل وشعري مفلفل وخلقتي مشوهة ولم أبلغ ما بلغت من إكرامك إياي بشرف أب أو أم أو عشيرة وإنما بلغته بعقلي ولساني فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحول بيني وبين ما بلغت به هذه المنزلة منك فأعفاه
سبب تسمية النصيب بهذا الاسم
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال بلغني عن خلاد بن مرة عن أبي بكر بن مزيد قال
لقيت النصيب يوما بباب هشام فقلت له يا أبا محجن لم سميت نصيبا ألقولك في شعرك عاينها النصيب فقال لا ولكني ولدت عند أهل بيت من ودان فقال سيدي إيتونا بمولودنا هذا لننظر إليه فلما رآني قال إنه لمنصب الخلق فسميت النصيب ثم اشتراني عبد العزيز بن مروان فأعتقني
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة أبي يحيى الأسدي قال
قال أبو عبد الله بن أبي إسحاق البصري لإن وليت العراق لأستكتبن نصيبا لفصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام
أخبرني الأسدي قال حدثني محمد بن صالح عن أبيه عن محمد بن عبد العزيز الزهري قال حدثني نصيب قال
دخلت على عبد العزيز بن مروان فقال أنشدني قولك

(1/327)


( إذا لم يكن بين الخليلين ردة ... سوى ذكر شيء قد مضى درس الذكر )
فقلت ليس هذا لي هذا لأبي صخر الهذلي ولكني الذي أقول
( وقفت بذي دوران أنشد ناقتي ... وما إن بها لي من قلوص ولا بكر )
فقال لي عبد العزيز لك جائزة على صدق حديثك وجائزة على شعرك فأعطاني على صدق حديثي ألف دينار وعلى شعري ألف دينار
أوصاف نصيب الجسدية
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن أبيه قال رأيت النصيب وكان أسود خفيف العارضين ناتىء الحنجرة
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني إبراهيم بن يزيد السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن أبيها عن جدها قال
رأيت رجلا أسود مع امرأة بيضاء فجعلت أعجب من سواده وبياضها فدنوت منه وقلت من أنت قال أنا الذي أقول
( ألا ليت شعري ما الذي تحدثين بي ... غدا غربة النأي المفرق والبعد )
( لدى أم بكر حين تقترب النوى ... بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي )
( أتصرمني عند الألى هم لنا العدا ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد )
قال فصاحت بل والله تدوم على العهد فسألت عنهما فقيل هذا نصيب وهذه أم بكر

(1/328)


عبد الله بن جعفر يسخو في عطائه للنصيب
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال
أتى النصيب عبد الله بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال له قائل يا أبا جعفر أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا فقال والله لئن كان أسود إن ثناءه لأبيض وإن شعره لعربي ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وما ذاك إنما هي رواحل تنضى وثياب تبلى ودراهم تفنى وثناء يبقى ومدائح تروى
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال قال أبو الأسود امتدح نصيب عبد الله بن جعفر وذكر مثله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال
قيل لنصيب إن هاهنا نسوة يردن أن ينظرن إليك ويسمعن منك شعرك قال وما يصنعن بي يرين جلدة سوداء وشعرا أبيض ولكن ليسمعن شعري من وراء ستر
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن رجل ذكره قال
أتاني منقذ الهلالي ليلا فضرب علي الباب فقلت من هذا فقال منقذ الهلالي فخرجت إليه فزعا فقال البشرى فقلت وأي بشرى أتتني بك في هذا الليل فقال خير أتاني أهلي بدجاجة مشوية بين رغيفين فتعشيت بها ثم

(1/329)


أتوني بقنينة من نبيذ قد التقى طرفاها صفاء ورقة فجعلت أشرب وأترنم بقول نصيب
( بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب ... )
ففكرت في إنسان يفهم حسنه ويعرف فضله فلم أجد غيرك فأتيتك مخبرا بذلك فقلت ما جاء بك إلا هذا فقال أولا يكفى ثم انصرف
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال
قال مسلمة لنصيب أنت لا تحسن الهجاء فقال بلى والله أتراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله قال فإن فلانا قد مدحته فحرمك فاهجه قال لا والله ما ينبغي أن أهجوه وإنما ينبغي أن أهجو نفسي حين مدحته فقال مسلمة هذا والله أشد من الهجاء
عمر بن عبد العزيز يطلب إلى النصيب إنشاده
أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن ابن عباية عن الضحاك الحزامي قال
دخل نصيب مسجد رسول الله وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يومئذ أمير المدينة وهو جالس بين قبر النبي ومنبره فقال أيها الأمير ائذن لي أن أنشدك من مراثي عبد العزيز فقال لا تفعل فتحزنني ولكن أنشدني قولك قفا أخوي فإن شيطانك كان

(1/330)


لك فيها ناصحا حين لقنك إياها فأنشده
صوت
( قفا أخوي إن الدار ليست ... كما كانت بعهدكما تكون )
( ليالي تعلمان وآل ليلى ... قطين الدار فاحتمل القطين )
( فعوجا فانظرا أتبين عما ... سألناها به أم لا تبين )
( فظلا واقفين وظل دمعي ... على خدي تجود به الجفون )
( فلولا إذ رأيت اليأس منها ... بدا أن كدت ترشقك العيون )
( برحت فلم يلمك الناس فيها ... ولم تغلق كما غلق الرهين )
في البيتين الأولين من هذه الأبيات والأخيرين لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو ويونس
قصة النصيب مع ابنة العجوز في الجحفة
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية قال
كان نصيب ينزل على عجوز بالجحفة إذا قدم من الشام وكان لها بنية صفراء وكان يستحليها فإذا قدم وهب لها دراهم وثيابا وغير ذلك فقدم عليهما قدمة وبات بهما فلم يشعر إلا بفتى قد جاءها ليلا فركضها برجله فقامت معه فأبطأت ثم عادت وعاد إليها بعد ساعة فركضها برجله فقامت معه فأبطأت ثم عادت فلما أصبح نصيب رأى أثر معتركهما ومغتسلهما فلما أراد أن يرتحل قالت

(1/331)


له العجوز وبنتها بأبي أنت عادتك فقال لها
( أراك طموح العين ميالة الهوى ... لهذا وهذا منك ود ملاطف )
( فإن تحملي ردفين لا أك منهما ... فحبي فرد لست ممن يرادف )
ولم يعطها شيئا ورحل
قال أيوب وكانت بملل امرأة ينزل بها الناس فنزل بها أبو عبيدة بن عبد الله ابن زمعة وعمران بن عبد الله بن مطيع ونصيب فلما رحلوا وهب لها القرشيان ولم يكن مع نصيب شيء فقال لها اختاري إن شئت أن أضمن لك مثل ما أعطياك إذا قدمت وإن شئت قلت فيك أبياتا تنفعك قالت بل الشعر أحب إلي فقال
( ألا حي قبل البين أم حبيب ... وإن لم تكن منا غدا بقريب )
( لئن لم يكن حبيك حبا صدقته ... فما أحد عندي إذا بحبيب )
( تهام أصابت قلبه مللية ... غريب الهوى يا ويح كل غريب )
فشهرها بذلك فأصابت بقوله ذلك فيها خيرا
النصيب يعاهد الله ألا يقول نسيبا
قال أيوب ودخل النصيب على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بعد ما ولي الخلافة فقال له إيه يا أسود أنت الذي تشهر النساء بنسيبك فقال إني قد تركت ذلك يا أمير المؤمنين وعاهدت الله عز و جل ألا أقول نسيبا وشهد له

(1/332)


بذلك من حضر وأثنوا عليه خيرا فقال أما إذ كان الأمر هكذا فسل حاجتك فقال بنيات لي نفضت عليهن سوادي فكسدن أرغب بهن عن السودان ويرغب عنهن البيضان قال فتريد ماذا قال تفرض لهن ففعل قال ونفقة لطريقي قال فأعطاه حلية سيفه وكساه ثوبيه وكانا يساويان ثلاثين درهما
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال
اجتمع النصيب والكميت وذو الرمة فأنشدهما الكميت قوله
( هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب ... )
حتى بلغ إلى قوله فيها
( أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب )
فعقد نصيب واحدة فقال له الكميت ماذا تصحي قال خطأك باعدت في القول ما الأنس من الشنب ألا قلت كما قال ذو الرمة
( لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنب )
ثم أنشدهما قوله

(1/333)


( أبت هذه النفس إلا ادكارا ... )
حتى بلغ إلى قوله
( إذا ما الهجارس غنينها ... تجاوبن بالفلوات الوبارا )
فقال له النصيب وبالوبار لا تسكن الفلوات ثم أنشد حتى بلغ منها
( كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا )
فقال النصيب ما هجت أسلم غفارا قط فانكسر الكميت وأمسك
النصيب يمدح عبد الرحمن بن الضحاك
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي
أن نصيبا مدح عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري فأمر له بعشر قلائص وكتب بها إلى رجلين من الأنصار واعتذر إليه وقال له والله ما أملك إلا رزقي وإني لأكره أن أبسط يدي في أموال هؤلاء القوم فخرج حتى أتى الأنصاريين فأعطاهما الكتاب مختوما فقرآه وقالا قد أمر لك بثمان قلائص ودفعا ذلك إليه ثم عزل وولي مكانه رجل من بني نصر بن هوازن فأمر بأن يتتبع ما أعطى ابن الضحاك ويرتجع فوجد باسم نصيب عشر قلائص فأمر بمطالبته بها فقال والله ما دفع إلي إلا ثماني قلائص فقال والله ما تخرج من الدار حتى تؤدي عشر قلائص أو أثمانها فلم يخرج حتى قبض ذلك منه فلما قدم على هشام سمر عنده ليلة وتذاكروا النصري فأنشده قوله فيه

(1/334)


( أفي قلائص جرب كن من عمل ... أردى وتنزع من أحشائي الكبد )
( ثمانيا كن في أهلي وعندهم ... عشر فأي كتاب بعدنا وجدوا )
( أخانني أخوا الأنصار فانتقصا ... منها فعندهما الفقد الذي فقدوا )
( وإن عاملك النصري كلفني ... في غير نائرة دينا له صعد )
( أذنب غيري ولم أذنب يكلفني ... أم كيف أقتل لا عقل ولا قود )
قال فقال هشام لا جرم والله لا يعمل لي النصري عملا أبدا فكتب بعزله عن المدينة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا الزبير بن بكار إجازة عن هارون بن عبد الله الزبيري عن شيخ من الجفر قال
قدم علينا النصيب فجلس في هذا المجلس وأومأ إلى مجلس حذاءه فاستنشدناه فأنشدنا قوله
( ألا يا عقاب الوكر وكر ضرية ... سقتك الغوادي من عقاب ومن وكر )
( تمر الليالي ما مررن ولا أرى ... مرور الليالي منسياتي ابنة النضر )
( وقفت بذي دوران أنشد ناقتي ... ومالي لديها من قلوص ولا بكر )

(1/335)


( وما أنشد الرعيان إلا تعلة ... بواضحة الأنياب طيبة النشر )
( أما والذي نادى من الطور عبده ... وعلم أيام المناسك والنحر )
( لقد زادني للجفر حبا وأهله ... ليال أقامتهن ليلى على الجفر )
النصيب يصف ابنة عم له نوبية
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عمر بن إبراهيم السعدي عن يوسف بن يعقوب بن العلاء بن سليمان عن سلمة بن عبد الله بن أبي مسروح قال
قال عبد الملك بن مروان لنصيب أنشدني فأنشده قصيدته التي يقول فيها
( ومضمر الكشح يطويه الضجيع به ... طي الحمائل لا جاف ولا فقر )
( وذي روادف لا يلفى الإزار بها ... يلوى ولو كان سبعا حين يأتزر )
فقال له عبد الملك يا نصيب من هذه قال بنت عم لي نوبية لو رأيتها ما شربت من يدها الماء فقال له لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا الحارث بن محمد بن أسامة قال حدثنا المدائني قال
كان عبد العزيز بن مروان اشترى نصيبا وأهله وولده فأعتقهم وكان نصيب يرحل إليه في كل عام مستميحا فيجيزه ويحسن صلته فقال فيه نصيب

(1/336)


( يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول )
( فتى لا يرزأ الخلان إلا ... مودتهم ويرزؤه الخليل )
( فبشر أهل مصر فقد أتاهم ... مع النيل الذي في مصر نيل )
شاعر من أهل الحجاز يهجو النصيب
أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد الله بن مالك الخزاعي أبو دلف قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
كان نصيب يكنى أبا الحجناء فهجاه شاعر من أهل الحجاز فقال
( رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم )
( تراه على ما لاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم )
فقيل لنصيب ألا تجيبه فقال لا ولو كنت هاجيا لأحد لأجبته ولكن الله أوصلني بهذا الشعر إلى خير فجعلت على نفسي ألا أقوله في شر وما وصفني إلا بالسواد وقد صدق أفلا أنشدكم ما وصفت به نفسي قالوا بلى فأنشدهم قوله
( ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان إلى فؤاد ثابت )
( من كان ترفعه منابت أصله ... فبيوت أشعاري جعلن منابتي )
( كم بين أسود ناطق ببيانه ... ماضي الجنان وبين أبيض صامت )
( إني ليحسدني الرفيع بناؤه ... من فضل ذاك وليس بي من شامت )
ويروى مكان من فضل ذاك فضل البيان وهو أجود
أخبرني عمي ومحمد بن خلف قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني سعيد بن يحيى الأموى قال حدثني عمي عن محمد بن سعد قال
قال قائل للنصيب أيها العبد مالك وللشعر فقال أما قولك عبد فما

(1/337)


ولدت إلا وأنا حر ولكن أهلي ظلموني فباعوني وأما السواد فأنا الذي أقول
( وإن أك حالكا لوني فإني ... لعقل غير ذي سقط وعاء )
( وما نزلت بي الحاجات إلا ... وفي عرضي من الطمع الحياء )
النصيب يشبب بجارية سقته ماء
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثت عن السدوسي قال
وقف نصيب على أبيات فاستسقى ماء فخرجت إليه جارية بلبن أو ماء فسقته وقالت شبب بي فقال وما اسمك فقالت هند ونظر إلى جبل وقال ما اسم هذا العلم قالت قنا فأنشأ يقول
( أحب قنا من حب هند ولم أكن ... أبالي أقربا زاده الله أم بعدا )
( ألا إن بالقيعان من بطن ذي قنا ... لنا حاجة مالت إليه بنا عمدا )
( أروني قنا أنظر إليه فإنني ... أحب قنا إني رأيت به هندا )
قال فشاعت هذه الأبيات وخطبت هذه الجارية من أجلها وأصابت بقول نصيب فيها خيرا كثيرا
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل بن نبيه قال حدثنا محمد بن سلام قال
دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك فقال له حدثني يا نصيب ببعض ما مر عليك فقال نعم يا أمير المؤمنين علقت جارية حمراء فمكثت زمانا تمنيني بالأباطيل فلما ألححت عليها قالت إليك عني فوالله لكأنك من طوارق

(1/338)


الليل فقلت لها وأنت والله لكأنك من طوارق النهار فقالت ما أظرفك يا أسود فغاظني قولها فقلت لها هل تدرين ما الظرف إنما الظرف العقل ثم قالت لي انصرف حتى أنظر في أمرك فأرسلت إليها هذه الأبيات
( فإن أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جلدي من دواء )
( ولي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض من جو السماء )
( ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء )
( فإن ترضي فردي قول راض ... وإن تأبي فنحن على السواء )
قال فلما قرأت الشعر قالت المال والشعر يأتيان على غيرهما فتزوجتني
الأصمعي ينشد شعرا للنصيب
أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال
أنشدنا الأصمعي لنصيب وكان يستجيد هذه الأبيات ويقول إذا أنشدها قاتل الله نصيبا ما أشعره
( فإن يك من لوني السواد فإنني ... لكا لمسك لا يروى من المسك ذائقه )
( وما ضر أثوابي سوادي وتحتها ... لباس من العلياء بيض بنائقه )
( إذا المرء لم يبذل من الود مثل ما ... بذلت له فاعلم بأني مفارقه )

(1/339)


أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام عن خلف أن نصيبا أنشد جريرا شيئا من شعره فقال له كيف ترى يا أبا حزرة فقال له أنت أشعر أهل جلدتك
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد ابن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران بن محمد عن المسور بن عبد الملك قال قال نصيب لعبد الرحمن بن أزهر أنشدت الوليد بن عبد الملك فقال لي أنت أشعر أهل جلدتك والله ما زاد عليها فقال لي عبد الرحمن يا أبا محجن أفرضيت منه أن جعلك أشعر السودان فقط فقال له وددت والله يابن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا ولكنه لم يفعل ولست بكاذبك
النصيب يصنف شعره وشعر معاصريه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال
قال لي محمد بن عبد ربه دخلت مسجد الكوفة فرأيت رجلا لم أر قط مثله ولا أشد سوادا منه ولا أنقى ثيابا منه ولا أحسن زيا فسألت عنه فقيل هذا نصيب فدنوت منه فحدثته ثم قلت له أخبرني عنك وعن أصحابك فقال جميل إمامنا وعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال وكثير أبكانا على الدمن وأمدحنا للملوك وأما أنا فقد قلت ما سمعت فقلت له إن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو فضحك ثم قال أفتراهم يقولون إني لا أحسن أن أمدح فقلت لا فقال أفما تراني أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك

(1/340)


الله قال قلت بلى قال فإني رأيت الناس رجلين إ ما رجل لم أسأله شيئا فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه وإما رجل سألته فمنعني فنفسي كانت أحق بالهجاء إذ سولت لي أن أسأله وأن أطلب ما لديه
نصيب وكثير والأحوص ينزلون في مجلس امرأة من بني أمية
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني عبد الله بن إسماعيل بن أبي عبيد الله كاتب المهدي قال وجدت في كتاب أبي بخطه حدثني أبو يوسف التجيبي قال حدثني إسماعيل بن المختار مولى آل طلحة وكان شيخا كبيرا قال
حدثني النصيب أبو محجن أنه خرج هو وكثير والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء فقال هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتى نأتي العقيق فنمتع فيه أبصارنا فقالوا نعم فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب وتنكروا ثم ساروا حتى أتوا العقيق فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون حتى رفع لهم سواد عظيم فأموه حتى أتوه فإذا وصائف ورجال من الموالي ونساء بارزات فسألنهم أن ينزلوا فاستحيوا أن يجيبوهن من أول وهلة فقالوا لا نستطيع أو نمضي في حاجة لنا فحلفنهم أن يرجعوا إليهن ففعلوا وأتوهن فسألنهم النزول فنزلوا ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت ادخلوا فدخلنا على امرأة جميلة برزة على فرش لها فرحبت وحيت وإذا كراسي موضوعة فجلسنا جميعا في صف واحد كل إنسان على كرسي فقالت إن أحببتم أن ندعو بصبي لنا فنصيحه ونعرك أذنه فعلنا وإن شئتم بدأنا بالغداء فقلنا بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء

(1/341)


فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا كلا ولا حتى جاءت جارية جميلة قد سترت بمطرف فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها ثم كشف عنها وإذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها فرحبت بهم وحيتهم فقالت لها مولاتها خذي ويحك من قول النصيب عافى الله أبا محجن
( ألا هل من البين المفرق من بد ... وهل مثل أيام بمنقطع السعد )
( تمنيت أيامي أولئك والمنى ... على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي )
فغنته فجاءت به كأحسن ما سمعته قط بأحلى لفظ وأشجى صوت ثم قالت لها خذي أيضا من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن
( أرق المحب وعاده سهده ... لطوارق الهم التي ترده )
( وذكرت من رقت له كبدي ... وأبى فليس ترق لي كبده )
( لا قومه قومي ولا بلدي ... فنكون حينا جيرة بلده )
( ووجدت وجدا لم يكن أحد ... قبلي من اجل صبابة يجده )

(1/342)


( إلا ابن عجلان الذي تبلت ... هند ففات بنفسه كمده )
قال فجاءت به أحسن من الأول فكدت أطير سرورا ثم قالت لها ويحك خذي من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن
( فيا لك من ليل تمتعت طوله ... وهل طائف من نائم متمتع )
( نعم إن ذا شجو متى يلق شجوه ... ولو نائما مستعتب أو مودع )
( له حاجة قد طالما قد أسرها ... من الناس في صدر بها يتصدع )
( تحملها طول الزمان لعلها ... يكون لها يوما من الدهر منزع )
( وقد قرعت في أم عمرو لي العصا ... قديما كما كانت لذي الحلم تقرع )
قال فجاءت والله بشيء حيرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها الغناء في شعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها ثم قالت لها خذي أيضا من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن

(1/343)


( يا أيها الركب إني غير تابعكم ... حتى تلموا وأنتم بي ملمونا )
( فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم ... يدعوهم ذو هوى إلا يعوجونا )
( أم خبروني عن دائي بعلمكم ... وأعلم الناس بالداء الأطبونا )
غضب الأحوص وكثير لأن المرأة لم تهتم بهما
قال نصيب فوالله لقد زهيت بما سمعت زهوا خيل إلي أني من قريش وأن الخلافة لي ثم قالت حسبك يا بنية هات الطعام يا غلام فوثب الأحوص وكثير وقالا والله لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا وقدمت شعر هذا على أشعارنا واستمعت الغناء فيه وإن في أشعارنا لما يفضل شعره وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا فقالت على معرفة كل ما كان مني فأي شعركما أفضل من شعره أقولك يا أحوص
( يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت )
أو قولك يا كثير في عزة
( وما حسبت ضمرية جدوية ... سوى التيس ذي القرنين أن لها بعلا )
أم قولك فيها
( إذا ضمرية عطست فنكها ... فإن عطاسها طرف السفاد )
قال فخرجنا مغضبين واحتبستني فتغديت عندها وأمرت لي بثلثمائة دينار

(1/344)


وحلتين وطيب ثم دفعت إلي مائتي دينار وقالت ادفعها إلى صاحبيك فإن قبلاها وإلا فهي لك فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصة فأما الأحوص فقبلها وأما كثير فلم يقبلها وقال لعن الله صاحبتك وجائزتها ولعنك معها فأخذتها وانصرفت فسألت النصيب ممن المرأة فقال من بني أمية ولا أذكر اسمها ما حييت لأحد
رثاء نصيب عبد العزيز بن مروان وقد مات بسكر من قرى الصعيد
أخبرني عيسى بن يحيى الوراق عن أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال
وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان إياها فخرج هاربا منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها سكر فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك فقال له عبد العزيز ما اسمك فقال طالب بن مدرك فقال أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبدا ومات في تلك القرية فقال نصيب يرثيه
( أصبت يوم الصعيد من سكر ... مصيبة ليس لي بها قبل )

(1/345)


( تالله أنسى مصيبتي أبدا ... ما أسمعتني حنينها الإبل )
( ولا التبكي عليه أعوله ... كل المصيبات بعده جلل )
( لم يعلم النعش ما عليه من العرف ... ولا الحاملون ما حملوا )
( حتى أجنوه في ضريحهم ... حين انتهى من خليلك الأمل )
غنى في هذه الأبيات ابن سريج ولحنه رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر الهشامي أن له فيه لحنا من الهزج وذكر ابن بانة أن الرمل لابن الهربذ
نصيب ينشد عبد الملك بن مروان رثاء في أخيه عبد العزيز
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزبيري عن مشيخة من أهل الحجاز
أن نصيبا دخل على عبد الملك بن مروان فقال له أنشدني بعض ما رثيت به أخي فأنشده قوله
( عرفت وجربت الأمور فما أرى ... كماض تلاه الغابر المتأخر )
( ولكن أهل الفضل من أهل نعمتي ... يمرون أسلافا أمامي وأغبر )
( فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسى ... بصبر فمثلي عندما اشتد يصبر )
( وكانت ركابي كلما شئت تنتحي ... إليك فتقضي نحبها وهي ضمر )

(1/346)


( ترى الورد يسرا والثواء غنيمة ... لديك وتثنى بالرضا حين تصدر )
( فقد عريت بعد ابن ليلى فإنما ... ذراها لمن لاقت من الناس منظر )
( ولو كان حيا لم يزل بدفوفها ... مراد لغربان الطريق ومنقر )
( فإن كن قد نلن ابن ابن ليلى فإنه ... هو المصطفى من أهله المتخير )
فلما سمع عبد الملك قوله
( فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسى ... بصبر فمثلي عندما اشتد يصبر )
قال له ويلك أنا كنت أحق بهذه الصفة في أخي منك فهلا وصفتني بها وجعل يبكي
نصيب وعبد الله بن إسحاق البصري
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي يحيى محمد بن كناسة قال
قال لي عبد الله بن إسحاق البصري لو وليت العراق لاستكتبت نصيبا قالت لماذا قال لفصاحته وحسن تخلصه إلى جيد الكلام ألم تسمع قوله
( فلا النفس ملتها ولا العين تنتهي ... إليها سوام الطرف عنها فترجع )

(1/347)


( رأتها فما ترتد عنها سآمة ... ترى بدلا منها به النفس تقنع )
نصيب يمدح إبراهيم بن هشام فلا يعجبه المديح
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الحسن قال
دخل نصيب على إبراهيم بن هشام فأنشده مديحا له فقال إبراهيم ما هذا بشيء أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث يقول
( إن تغد من منقلي نخلان مرتحلا ... يرحل من اليمن المعروف والجود )
قال فغضب نصيب ونزع عمامته وبرك عليها وقال لئن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمثل مديح أبي دهبل أو أحسن إن المديح والله إنما يكون على قدر الرجال قال فأطرق ابن هشام وعجبوا من إقدام نصيب عليه ومن حلم ابن هشام وهو غير حليم
نصيب وأم بكر الخزاعية
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري أن نصيبا كان ربما قدم من الشام فيطرح في حجر أم بكر الخزاعية أربعمائة دينار وأن عبد الملك بن مروان ظهر على تعلقه بها ونسيبه فيها فنهاه عن ذلك حتى كف

(1/348)


نصيب ينشد شعرا في مديح ابن هشام في مجلس ثقيف
أخبرني محمد بن يزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عثمان بن حفص الثقفي عن أبيه قال
رأيت النصيب بالطائف فجاءنا وجلس في مجلسنا وعليه قميص قوهي ورداء وحبرة فجعل ينشدنا مديحا لابن هشام ثم قال إن الوادي مسبعة فمن أهل المجلس قالوا ثقيف فعرف أنا نبغض ابن هشام ويبغضنا فقال إنا لله أبعد ابن ليلى أمتدح ابن جيداء فقال له أهل المجلس يا أبا محجن أتطلب القريض أحيانا فيعسر عليك فقال إي والله لربما فعلت فآمر براحلتي فيشد بها رحلي ثم أسير في الشعاب الخالية وأقف في الرباع المقوية فيطربني ذلك ويفتح لي الشعر والله إني على ذلك ما قلت بيتا قط تستحي الفتاة الحيية من إنشاده في ستر أبيها قال إسحاق قال عثمان بن حفص فوصفه أبي وقال كأني أراه صدعا خفيف العارضين ناتىء الحنجرة
نصيب وابن أبي عتيق
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال أنشد نصيب قوله

(1/349)


( وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... لها بارق نحو الحجاز أطير )
فسمعه ابن أبي عتيق فقال يابن أم هل غاق فإنك تطير يعني أنه غراب أسود
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني أحمد بن محمد الأسدي أسد قريش قال
قال ابن أبي عتيق لنصيب إني خارج أفترسل إلى سعدى بشيء قال نعم بيتي شعر قال قل فقال
( أتصبر عن سعدى وأنت صبور ... وأنت بحسن الصبر منك جدير )
( وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنى بارق نحو الحجاز أطير )
قال فأنشد ابن أبي عتيق سعدى البيتين فتنفست تنفسة شديدة فقال ابن أبي عتيق أوه أجبته والله بأجود من شعره ولو سمعك خليلك لنعق وطار إليك
نصيب والحكم بن المطلب
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الكاتب قال حدثني أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن المسيبي قال
قال أبو النجم أتيت الحكم بن المطلب فمدحته وخرج إلى السعاية فخرجنا معه ومعه عدة من الشعراء فبينا هو مع أصحابه يوما واقف إذا براكب يوضع في السراب وإذا هو نصيب فتقدم إليه فمدحه فأمر بإنزاله فمكث أياما حتى أتاه فقال إني قد خلفت صبية صغارا وعيالا ضعافا فقال له ادخل

(1/350)


الحظيرة فخذ منها سبعين فريضة فقال له جعلني الله فداك قد أحسنت ومعي ابن لي أخاف أن يثلمها علي قال فادخل فخذ له سبعين فريضة أخرى فانصرف بمائة وأربعين فريضة
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن عثمان عن أبيه قال
قيل لنصيب هرم شعرك قال لا والله ما هرم ولكن العطاء هرم ومن يعطيني مثل ما أعطاني الحكم بن المطلب خرجت إليه وهو ساع على بعض صدقات المدينة فلما رأيته قلت
( أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال )
( أغر إذا الرواق انجاب عنه ... بدا مثل الهلال على المثال )
( تراءاه العيون كما تراءى ... عشية فطرها وضح الهلال )
قال فأعطاني أربعمائة ضائنة ومائة لقحة وقال ارفع فراشي فرفعته فأخذت من تحته مائتي دينار
نصيب وكثير عند أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير قال حدثني أسعد بن عبد

(1/351)


الله المري عن إبراهيم بن سعيد بن بشر بن عبد الله بن عقيل الخارجي عن أبيه قال
والله إني لمع أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة في حواء له إذ جاءه كثير فحياه فاحتفى به ودعا بالغداء فشرعنا فيه وشرع معنا كثير وجاء رجل فسلم فرددنا عليه السلام واستدنيناه فإذا نصيب في بزة جميلة قد وافى الحج قادما من الشام فأكب على أبي عبيدة فعانقه وسأله ثم دعاه إلى الغداء فأكل مع القوم فرفع كثير يده وأقلع عن الطعام وأقبل عليه أبو عبيدة والقوم جميعا يسألونه أن يأكل فأبى فتركوه وأقبل كثير على نصيب فقال والله يا أبا محجن إن أثر أهل الشام عليك لجميل لقد رجعت هذه الكرة ظاهر الكبر قليل الحياء فقال له نصيب لكن أثر الحجاز عليك يا أبا صخر غير جميل لقد رجعت وإنك لزائد النقص كثير الحماقة فقال كثير أنا والله أشعر العرب حيث أقول لمولاتك
( إذا أمسبت بطن مجاح دوني ... وعمق دون عزة فالبقيع )
( فليس بلائمي أحد يصلي ... إذا أخذت مجاريها الدموع )
فقال له نصيب أنا والله أشعر منك حيث أقول لابنة عمك
( خليلي إن حلت كلية فالربا ... فذا أمج فالشعب ذا الماء والحمض )
( فأصبح من حوران رحلي بمنزل ... يبعده من دونها نازح الأرض )

(1/352)


( وأيأستما أن يجمع الدهر بيننا ... فخوضا لي السم المصرح بالمحض )
( ففي ذاك من بعض الأمور سلامة ... وللموت خير من حياة على غمض )
قال فاقتحم إليه كثير وثبت له النصيب فلما نالته رجلاه رمحه نصيب بساقه رمحة طاح منها بعيدا عنه فما زال راقدا حتى أيقظناه عشيا لرمي الجمار
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن موسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن عثمان النحوي عن أنيس بن ربيعة الأسلمي أنه قال
غدوت يوما إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة وهو محتل بالرحبة فألفيت عنده جماعة منا ومن غيرنا فأتاه آت فقال له ذاك النصيب منذ ثلاث بالفرش من ملل متلدد كأنه واله في أثر قوم ظاعنين فنهض أبو عبيدة ونهضنا معه فإذا نصيب على المنحر من صفر فلما عايننا وعرف أبا عبيدة هبط فسأله عن أمره فأخبره أنه تبع قوما سائرين وأنه وجد آثارهم ومحلهم بالفرش فاستولهه ذلك فضحك به أبو عبيدة والقوم وقالوا له إنما يهتر إذا

(1/353)


عشق من انتسب عذريا فأما أنت فما لك ولهذا فاستحيا وسكن وسأله أبو عبيدة هل قلت في مقامك شعرا قال نعم وأنشد
( لعمري لئن أمسيت بالفرش مقصدا ... ثوياك عبود وعدنة أو صفر )
( ففرع صبا أو تيمم مصعدا ... لربع قديم العهد ينتكف الأثر )
( دعا أهله بالشام برق فأوجفوا ... ولم أر متبوعا أضر من المطر )
( لتستبدلن قلبا وعينا سواهما ... وإلا أتى قصدا حشاشتك القدر )
( خليلي فيما عشتما أو رأيتما ... هل اشتاق مضرور إلى من به أضر )
( نعم ربما كان الشقاء متيحا ... يغطي على سمع ابن آدم والبصر )
قال فانصرف به أبو عبيدة إلى منزله وأطعمه وكساه وحمله وانصرف وهو يقول
( أصاب دواء علتك الطبيب ... وخاض لك السلو ابن الربيب )
( وأبصر من رقاك منفثات ... وداؤك كان أعرف بالطبيب )

(1/354)


نصيب ويزيد بن عبد الملك
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال
دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك ذات يوم فأنشده قصيدة امتدحه بها فطرب لها يزيد واستحسنها فقال له أحسنت يا نصيب سلني ما شئت فقال يدك يا أمير المؤمنين بالعطاء أبسط من لساني بالمسألة فأمر به فملىء فمه جوهرا فلم يزل به غنيا حتى مات
هشام بن محمد يكرم نصيبا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزبة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال دخل نصيب على إبراهيم بن هشام وهو وال على المدينة فأنشده قوله
( يابن الهشامين لا بيت كبيتهما ... إذا تسامت إلى أحسابها مضر )
فقال له إبراهيم قم يا أبا محجن إلى تلك الراحلة المرحولة فخذها برحلها فقام إليها نصيب متباطئا والناس يقولون ما رأينا عطية أهنأ من هذه ولا أكرم ولا أعجل

(1/355)


ولا أجزل فسمعهم نصيب فأقبل عليهم وقال والله إنكم قلما صاحبتم الكرام وما راحلة ورحل حتى ترفعوهما فوق قدرهما
هشام بن عبد الملك يعفو عن نصيب ويصله
أخبرني الحرمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا الزبير عن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه قال
استبطأ هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة نصيبا ألا يكون جاءه وافدا عليه مادحا له ووجد عليه وكان نصيب مريضا فبلغه ذلك حين برأ فقدم عليه وعليه أثر المرض وعلى راحلته أثر النصب فأنشده قصيدته التي يقول فيها
( حلفت بمن حجت قريش لبيته ... وأهدت له بدنا عليها القلائد )
( لئن كنت طالت غيبتي عنك إنني ... بمبلغ حولي في رضاك لجاهد )
( ولكنني قد طال سقمي وأكثرت ... علي العهاد المشفقات العوائد )
( صريع فراش لا يزلن يقلن لي ... بنصح وإشفاق متى أنت قاعد )
( فلما زجرت العيس أسرت بحاجتي ... إليك وذلت للسان القصائد )
( وإني فلا تستبطني بمودتي ... ونصحي وإشفاقي إليك لعامد )

(1/356)


( فلا تقصني حتى أكون بصرعة ... فييأس ذو قربى ويشمت حاسد )
( أنلني وقربني فإني بالغ ... رضاك بعفو من نداك وزائد )
( أبت نائما أما فؤادي فهمه ... قليل وأما مس جلدي فبارد )
( وقد كان لي منكم إذا ما لقيتكم ... ليان ومعروف وللخير قائد )
( إليك رحلت العيس حتى كأنها ... قسي السرى ذبلا برتها الطرائد )
( وحتى هواديها دقاق وشكوها ... صريف وباقي النقي منها شرائد )
( وحتى ونت ذات المراح فأذعنت ... إليك وكل الراسمات الحوافد )
قال فرق له هشام وبكى وقال له ويحك يا نصيب لقد أضررنا بك وبرواحلك ووصله وأحسن صلته واحتفل به
نصيب عند عبد الواحد النصري أمير المدينة
أخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه عن أيوب بن عباية قال
قدم نصيب على عبد الواحد النصري وهو أمير المدينة بفرش من أمير المؤمنين يضعه في قومه من بني ضمرة فأدخلهم عليه ليفرض لهم وفيهم أربعة غلمة لم يحتلموا فردهم النصري فكلمه نصيب كلاما غليظا إدلالا بمنزلته عند الخليفة فأشار إليه إبراهيم بن عبد الله بن مطيع أن اسكت وكف واخرج فإني كافيك فلما خرج إبراهيم لقيه نصيب فقال له أشرت إلي فكرهت أن أغضبك

(1/357)


فما كرهت لي من مراجعته والصلابة له ومن ورائي المستعتب من أمير المؤمنين فقال إبراهيم هو رجل عربي حديد غلق وخشيت إن جاذبته شيئا ألا يرجع عنه وأن يمضي عليه ويلج فيه وهو مالك للأمر وله فيه سلطان فأردت أن تخرج قبل أن يلج ويظهر منه ما لا يرجع عنه فيمضى عليه ويلج فيه فتنتظر لتصادف منه طيب نفس فتكلمه ونرفدك عنده فقال نصيب
( يومان يوم لرزيق فسل ... ويومه الآخر سمح فضل )
أنا جعلت فداءك فاعل ذلك فإذا رأيت القول فأشر إلي حتى أكلمه قال ودخل إليه نصيب عشيات كل ذلك يشير إليه ابن مطيع ألا يكلمه حتى صادف عشية من العشيات منه طيب نفس فأشار إليه أن كلمه فكلمه نصيب فأصاب مختله بكلامه ثم قال إني قد قلت شعرا فاسمعه أيها الأمير وأجزه ثم قال
( أهاج البكا ربع بأسفل ذي السدر ... عفاه اختلاف العصر بعدك والقطر )
( نعم فثناني الوجد فاشتقت للذي ... ذكرت وليس الشوق إلا مع الذكر )
( حلفت برب الموضعين لربهم ... وحرمة ما بين المقام إلى الحجر )
( لئن حاجتي يوما قضيت ورشتني ... بنفحة عرف من يديك أبا بشر )
( لتعترفن الدهر مني مودة ... ونصحا على نصح وشكرا على شكر )

(1/358)


( سقى الله صوب المزن أرضا عمرتها ... بري وأسقاها بلاد بني نصر )
( بوجهك فاستعملت ما دمت خائفا ... لربك تقضي راشدا آخر الدهر )
( لتنقذ أصحابي وتستر عورة ... بدت لك من صحبي فإنك ذو ستر )
( فما بأمير المؤمنين إلى التي ... سألت فأعطاني لقومي من فقر )
( وقد خرجت منه إليك فلا تكن ... بموضع بيضات الأنوق من الوكر )
قال فقال عثمان بن حيان المري وهو عنده وكان قد جاءه بالقود من ابن حزم قد احتلم الآن القوم أيها الأمير واستوجبوا الفرض ورفده ابن مطيع فأحسن واشتد عليه أن شركه ابن حيان في رفده وتشييعه وقال النصري لابن مطيع وابن حيان صدقتما ما قد احتلموا واستوجبوا الفرض افرض لهم يا فلان لكاتب من كتابه ففرض لهم
حديث نصيب عن نفسه أنه عشق أمة لبني مدلج وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني جعفر بن علي اليشكري

(1/359)


قال حدثني الرياشي عن العتبي قال
دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان فقال له عبد العزيز وقد طال الحديث بينهما هل عشقت قط قال نعم أمة لبني مدلج قال فكنت تصنع ماذا قال كانوا يحرسونها مني فكنت أقنع أن أراها في الطريق وأشير إليها بعيني أو حاجبي وفيها أقول
( وقفت لها كيما تمر لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلم )
( ولما رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها خوفا ولم تتكلم )
( مساكين أهل العشق ما كنت أشتري ... جميع حياة العاشقين بدرهم )
فقال عبد العزيز ويحك فما فعلت قال بيعت فأولدها سيدها قال فهل في نفسك منها شيء قال نعم عقابيل أحزان
عبد العزيز بن مروان يحمل دينا عن نصيب
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي
أن إبلا لنصيب أجدبت وحالت وكان لرجل من أسلم عليه ثمانية آلاف درهم قال فأخبرني أبي وعمي أنه وفد على عبد العزيز بن مروان فقال له

(1/360)


جعلني الله فداءك إني حملت دينا في إبل ابتعتها مجدبات حيال وقد قلت فيها شعرا قال أنشده فأنشده
( فلما حملت الدين فيها وأصبحت ... حيالا مسنات الهوى كدت أندم )
( على حين أن راث الربيع ولم يكن ... لها بصعيد من تهامة مقضم )
( ثمانية للأسلمي وما دنا ... لفحش ولا تدنو إلى الفحش أسلم )
فقال له عبد العزيز فما دينك ويحك قال ثمانية آلاف فأمر له بثمانية آلاف درهم فلما رجع أنشد الأسلمي الشعر فترك ماله عليه وقال الثمانية الآلاف لك
نصيب ونسوة كن يتناشدن الشعر في المسجد الحرام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني الموصلي عن ابن أبي عبيدة قال
أتى نصيب مكة فأتى المسجد الحرام ليلا فبينما هو كذلك إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريبا منه وجعلن يتحدثن ويتذاكرن الشعر والشعراء وإذا هن من أفصح النساء وآدبهن فقالت إحداهن قاتل الله جميلا حيث يقول
( وبين الصفا والمروتين ذكرتكم ... بمختلف ما بين ساع وموجف )
( وعند طوافي قد ذكرتك ذكرة ... هي الموت بل كادت على الموت تضعف )
فقالت الأخرى بل قاتل الله كثير عزة حيث يقول
( طلعن علينا بين مروة والصفا ... يمرن على البطحاء مور السحائب )

(1/361)


( فكدن لعمر الله يحدثن فتنة ... لمختشع من خشية الله تائب )
فقالت الأخرى قاتل الله ابن الزانية نصيبا حيث يقول
( ألام على ليلى ولو أستطيعها ... وحرمة ما بين البنية والستر )
( لملت على ليلى بنفسي ميلة ... ولو كان في يوم التحالق والنحر )
فقام نصيب إليهن فسلم عليهن فرددن عليه السلام فقال لهن إني رأيتكن تتحادثن شيئا عندي منه علم فقلن ومن أنت فقال اسمعن أولا فقلن هات فأنشدهن قصيدته التي أولها
( ويوم ذي سلم شاقتك نائحة ... ورقاء في فنن والريح تضطرب )
فقلن له نسألك بالله وبحق هذه البنية من أنت فقال أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم نصيب فقمن إليه فسلمن عليه ورحبن به واعتذرت إليه القائلة وقالت والله ما أردت سوءا وإنما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعك فضحك وجلس إليهن فحادثهن إلى أن انصرفن

(1/362)


أخبار ابن محرز ونسبه
نسب ابن محرز
هو مسلم بن محرز فيما روى ابن المكي ويكنى أبا الخطاب مولى بني عبد الدار بن قصي وقال ابن الكلبي اسمه سلم قال ويقال اسمه عبد الله وكان أبوه من سدنة الكعبة أصله من الفرس وكان أصفر أحنى طويلا
أخذه عن الفرس والروم
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك ابن الماجشون قال
اسم ابن محرز سلم وهو مولى بني مخزوم وذكر إسحاق أنه كان يسكن المدينة مرة ومكة مرة فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة الميلاء ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر ثم شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين وأخذ محاسنها فمزج بعضها

(1/363)


ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب فأتى بما لم يسمع مثله وكان يقال له صناج العرب
ابن محرز أول من غنى الرمل
أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
قال أبي أول من غنى الرمل ابن محرز وما غني قبله فقلت له ولا بالفارسية قال ولا بالفارسية وأول من غنى رملا بالفارسية سلمك في أيام الرشيد استحسن لحنا من ألحان ابن محرز فنقل لحنه إلى الفارسية وغنى فيه
بعده عن الناس وخمول ذكره إلا غناءه
قال أبو أيوب وقال إسحاق كان ابن محرز قليل الملابسة للناس فأخمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلا غناؤه وأخذت أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها ومات بداء كان به وسقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس وإلى الشام فأخذ غناء الروم فتخير من نغمهم ما تغنى به غناءه وكان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء لا يسأله عن

(1/364)


شيء منه حتى إذا كاد أن ينفد جهزه وأصلح من أمره وقال له إذا شئت فارحل فيرحل ثم يعود فلم يزل كذلك حتى مات قال وهو أول من غنى بزوج من الشعر وعمل ذلك بعده المغنون اقتداء به وكان يقول الأفراد لا تتم بها الألحان وذكر أنه أول ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح قال إسحاق وكانت العلة التي مات به الجذام فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس لأجل ذلك
قال أبو أيوب قال إسحاق قدم ابن محرز يريد العراق فلما نزل القادسية لقيه حنين فقال له كم منتك نفسك من العراق قال ألف دينار قال فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألا لا تعود
أخبار في حسن غنائه
وقال إسحاق وقلت ليونس من أحسن الناس غناء قال ابن محرز قلت وكيف قلت ذاك قال إن شئت فسرت وإن شئت أجملت قلت أجمل قال كأنه خلق من كل قلب فهو يغني لكل إنسان بما يشتهي وهذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج ولا أدري أيهما الحق
قال إسحاق وأخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء من أحسن الناس غناء فقال أمن الرجال أم من النساء فقلت من الرجال فقال ابن محرز فقلت فمن النساء فقال ابن سريج قال وكان إسحاق يقول الفحول ابن سريج ثم ابن محرز ثم معبد ثم الغريض

(1/365)


ثم مالك
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي حدثنا بعض أهل المدينة وأخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال
كان ابن محرز أحسن الناس غناء فمر بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني حليف قريش فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها ففعل وقال أغنيكن صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص ابن هشام أن أغنيه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله في شعر له قاله فيها وهو يومئذ أمير مكة قلن نعم فعناهن
صوت
( فوددت إذ شحطوا وشطت دارهم ... وعدتهم عنا عواد تشغل )
( أنا نطاع وأن تنقل أرضنا ... أو أن أرضهم إلينا تنقل )
( لترد من كثب إليك رسائلي ... بجوابها ويعود ذاك المرسل )
عروضه من الكامل الغناء في هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر ذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز وذكر إسحاق أنه لابن سريج

(1/366)


ابن محرز وحنين الحيري
وقال أبو أيوب المديني في خبره بلغني أن ابن محرز لما شخص يريد العراق لقيه حنين فقال له غنني صوتا من غنائك فغناه
صوت
( وحسن الزبرجد في نظمه ... على واضح الليت زان العقودا )
( يفصل ياقوته دره ... وكالجمر أبصرت فيه الفريدا )
عروضه من المتقارب الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر قال فقال له حنين حينئذ كم أملت من العراق قال ألف دينار فقال له هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف ولما شاع ما فعل لامه أصحابه عليه فقال والله لو دخل العراق لما كان لي معه فيه خبز آكله ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر وهذا الصوت أعني
( وحسن الزبرجد في نظمه ... )
من صدور أغاني ابن محرز وأوائلها وما لا يتعلق بمذهبه فيه ولا يتشبه به أحد
ومما يغنى فيه من قصيدة نصيب التي أولها
( أهاج هواك المنزل المتقادم ... )

(1/367)


صوت
( لقد راعني للبين نوح حمامة ... على غصن بان جاوبتها حمائم )
( هواتف أما من بكين فعهده ... قديم وأما شجوهن فدائم )
الغناء لابن سريج من رواية يونس وعمرو وابن المكي وهو ثاني ثقيل بالبنصر وهو من جيد الألحان وحسن الأغاني وهو مما عارض ابن سريج فيه ابن محرز وانتصف منه
ذكر الأصوات التي رواها جحظة عن أصحابه وحكى أنها من الثلاثة المختارة
صوت
( إلى جيداء قد بعثوا رسولا ... ليحزنها فلا صحب الرسول )
( كأن العام ليس بعام حج ... تغيرت المواسم والشكول )
الشعر للعرجي والغناء لإبراهيم الموصلي ولحنه المختار ماخوري بالوسطى وهو من خفيف الثقيل الثاني على مذهب إسحاق وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر وذكر عمرو بن بانة أن الماخوري لابن سريج

(1/368)


أخبار العرجي ونسبه
نسب العرجي من قبل أبويه
هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس وقد شرح هذا النسب في نسب أبي قطيفة وأم عفان وجميع بني أبي العاصي آمنة بنت عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وهي أخت عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله لأمه وأبيه ولدا في بطن واحد وأم عمرو بن عثمان أم أبان بنت جندب الدوسية
خبر أم أبان جدة أبيه عمر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن يعقوب بن محمد عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال حدثني محرز بن جعفر عن أبيه عن جده قال
قدم جندب بن عمرو بن حممة الدوسي المدينة مهاجرا في خلافة عمر بن

(1/369)


الخطاب ثم مضى إلى الشأم وخلف ابنته أم أبان عند عمر وقال له يا أمير المؤمنين إن وجدت لها كفئا فزوجه بها ولو بشراك نعله وإلا فأمسكها حتى تلحقها بدار قومها بالسراة فكانت عند عمر واستشهد أبوها فكانت تدعو عمر أباها ويدعوها ابنته قال فإن عمر على المنبر يوما يكلم الناس في بعض الأمر إذ خطر على قلبه ذكرها فقال من له في الجميلة الحسيبة بنت جندب بن عمرو بن حممة وليعلم امرؤ من هو فقام عثمان فقال أنا يا أمير المؤمنين فقال أنت أنا لعمر الله كم سقت إليها قال كذا وكذا قال قد زوجتكها فعجله فإنها معدة قال ونزل عن المنبر فجاء عثمان رضي الله عنه بمهرها فأخذه عمر في ردنه فدخل به عليها فقال يا بنية مدي حجرك ففتحت حجرها فألقى فيه المال ثم قال يا بنية قولي اللهم بارك لي فيه فقالت اللهم بارك لي فيه وما هذا يا أبتاه قال مهرك فنفحت به وقالت واسوأتاه فقال احتبسي منه لنفسك ووسعي منه لأهلك وقال لحفصة يا بنتاه أصلحي من شأنها وغيري بدنها واصبغي ثوبها ففعلت ثم أرسل بها مع نسوة إلى عثمان فقال عمر لما فارقته إنها أمانة في عنقي أخشى أن تضيع بيني وبين عثمان فلحقهن فضرب على عثمان بابه ثم قال خذ أهلك بارك الله لك فيهم فدخلت على عثمان فأقام عندها مقاما طويلا لا يخرج إلى حاجة فدخل عليه سعيد بن العاص فقال له يا أبا عبد الله لقد أقمت عند هذه الدوسية مقاما ما كنت تقيمه عند النساء فقال أما إنه ما بقيت خصلة كنت أحب أن تكون في امرأة إلا صادفتها فيها ما خلا خصلة واحدة

(1/370)


قال وما هي قال إني رجل قد دخلت في السن وحاجتي في النساء الولد وأحسبها حديثة لا ولد فيها اليوم قال فتبسمت فلما خرج سعيد من عنده قال لها عثمان ما أضحكك قالت قد سمعت قولك في الولد وإني لمن نسوة ما دخلت امرأة منهن على سيد قط فرأت حمراء حتى تلد سيد من هو منه قال فما رأت حمراء حتى ولدت عمرو بن عثمان وأم عمر بن عمرو بن عثمان أم ولد وأم العرجي آمنة بنت عمر بن عثمان وقال إسحاق بنت سعيد بن عثمان وهي لأم ولد
سبب تلقبه بالعرجي ونحوه نحو عمر بن أبي ربيعة في شعره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي
أنه إنما لقب العرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف وقيل بل سمي بذلك لماء كان له ومال عليه بالعرج وكان من شعراء قريش ومن شهر بالغزل منها ونحا نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد وكان مشغوفا باللهو والصيد حريصا عليهما قليل المحاشاة لأحد فيهما ولم يكن له نباهة في أهله وكان أشقر أزرق جميل الوجه وجيداء التي شبب بها هي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي وكان ينسب بها ليفضح ابنها لا لمحبة كانت بينهما فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له حتى مات في السجن
وأخبرني محمد بن مزيد إجازة عن حماد بن إسحاق فذكر أن حمادا حدثه عن إسحاق عن أبيه عن بعض شيوخه
أن العرجي كان أزرق كوسجا ناتىء الحنجرة وكان صاحب غزل

(1/371)


وفتوة وكان يسكن بمال له في الطائف يسمى العرج فقيل له العرجي ونسب إلى ماله وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم وكان له معه بلاء حسن ونفقة كثيرة
قال إسحاق قد ذكر عتبة بن إبراهيم اللهبي أن العرجي فيما بلغه باع أموالا عظاما كانت له وأطعم ثمنها في سبيل الله حتى نفد ذلك كله وكان قد اتخذ غلامين فإذا كان الليل نصب قدره وقام الغلامان يوقدان فإذا نام واحد قام الآخر فلا يزالان كذلك حتى يصبحا يقول لعل طارقا يطرق
العرجي خليفة عمر بن أبي ربيعة
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثني مصعب وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه مصعب وعن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه قال دخل حديث بعضهم في بعض وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن مصعب قال
كانت حبشية من مولدات مكة ظريفة صارت إلى المدينة فلما أتاهم موت عمر بن أبي ربيعة اشتد جزعها وجعلت تبكي وتقول من لمكة وشعابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن ووصف ما فيها فقيل لها خفضي عليك فقد نشأ فتى من ولد عثمان رضي الله عنه يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه فقالت أنشدوني من شعره فأنشدوها فمسحت عينها وضحكت وقالت الحمد لله الذي لم يضيع حرمه

(1/372)


العرجي وكلابة مولاة عبد الله بن القاسم العبلي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عورك اللهبي
أن مولاة لثقيف يقال لها كلابة كانت عند عبد الله بن القاسم الأموي العبلي وكان يبلغها تشبيب العرجي بالنساء وذكره لهن في شعره وكانت كلابة تكثر أن تقول لشد ما اجترأ العرجي على نساء قريش حين يذكرهن في شعره ولعمري ما لقي أحدا فيه خير ولئن لقيته لأسودن وجهه فبلغه ذلك عنها قال إسحاق في خبره وكان العبلي نازلا على ماء لبني نصر بن معاوية يقال له الفتق على ثلاثة أميال من مكة على طريق من جاء من نجران أو تبالة إلى مكة والعرج أعلاها قليلا مما يلي الطائف فبلغ العرجي أنه خرج إلى مكة فأتى قصره فأطاف به فخرجت إليه كلابة وكان خلفها في أهله فصاحت به إليك ويلك وجعلت ترميه بالحجارة وتمنعه أن يدنو من القصر فاستسقاها ماء فأبت أن تسقيه وقالت لا يوجد والله أثرك عندي أبدا فيلصق بي منك شر فانصرف وقال ستعلمين وقال
صوت
( حور بعثن رسولا في ملاطفة ... ثقفا إ ذا غفل النساءة الوهم )

(1/373)


( إلي أن إيتنا هدأ إذا غفلت ... أحراسنا وافتضحنا إن هم علموا )
( فجئت أمشي على هول أجشمه ... تجشم المرء هولا في الهوى كرم )
( إذا تخوفت من شيء أقول له ... قد جف فامض بشيء قدر القلم )
( أمشي كما حركت ريح يمانية ... غصنا من البان رطبا طله الديم )
( في حلة من طراز السوس مشربة ... تعفو بهدابها ما أثرت قدم )
( خلت سبيلي كما خليت ذا عذر ... إذا رأته عتاق الخيل ينتحم )
( وهن في مجلس خال وليس له ... عين عليهن أخشاها ولا ندم )
( حتى جلست إزاء الباب مكتتما ... وطالب الحاج تحت الليل مكتتم )
( أبدين لي أعينا نجلا كما نظرت ... أدم هجان أتاها مصعب قطم )

(1/374)


( قالت كلابة من هذا فقلت لها ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا )
( أنا امرؤ جد بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم )
( لا تكليني إلى قوم لو انهم ... من بغضنا أطعموا لحمي إذا طعموا )
( وأنعمي نعمة تجزي بأحسنها ... فطالما مسني من أهلك النعم )
( ستر المحبين في الدنيا لعلهم ... أن يحدثوا توبة فيها إذا أثموا )
( هذي يميني رهن بالوفاء لكم ... فارضي بها ولأنف الكاشح الرغم )
( قالت رضيت ولكن جئت في قمر ... هلا تلبثت حتى تدخل الظلم )
( فبت أسقى بأكواس أعل بها ... من بارد طاب منها الطعم والنسم )
( حتى بدا ساطع للفجر نحسبه ... سنى حريق بليل حين يضطرم )
( كغرة الفرس المنسوب قد حسرت ... عنه الجلال تلالا وهو يلتجم )
( ودعتهن ولا شيء يراجعني ... إلا البنان وإلا الأعين السجم )
( إذا أردن كلامي عنده اعترضت ... من دونه عبرات فانثنى الكلم )
( تكاد إذ رمن نهضا للقيام معي ... أعجازهن من الأنصاف تنقصم )

(1/375)


قال فسمع ابن القاسم العبلي بالشعر يغني به وكان العرجي قد أعطاه جماعة من المغنين وسألهم أن يغنوا فيه فصنعوا في أبيات منه عدة ألحان وقال والله لا أجد لهذه الأمة شيئا أبلغ من إيقاعها تحت التهمة عند ابن القاسم ليقطع مأكلتها من ماله قال فلما سمع العبلي بالشعر يغنى به أخرج كلابة واتهمها ثم أرسل بها بعد زمان على بعير بين غزارتي بعر فأحلفها بمكة بين الركن والمقام أن العرجي كذب فيما قاله فحلفت سبعين يمينا فرضي عنها وردها فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجي
( فطالما مسني من أهلك النعم ... )
قال كذب والله ما مسه ذلك قط وقال إسحاق وقد قيل إن صاحب هذه القصيدة والقصة أبو حراب العبلي وأن كلابة كانت أمة لسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان وكان العرجي قد خطبها وسميت به ثم خطبها يزيد بن عبد الملك أو الوليد بن يزيد فزوجته فقال العرجي هذا الشعر فيها غنى في قوله
( أمشي كما حركت ريح يمانية ... )
علي بن هشام هزجا مطلقا بالبنصر وفيه للمسدود هزج آخر طنبوري ذكر ذلك جحظة وفي
( لا تكليني إلى قوم لو انهم ... )

(1/376)


رمل لابن سريج عن ابن المكي وإسحاق في السبابة في مجرى الوسطى وفي قالت كلابة والذي بعده لعبيد الله بن أبي غسان لحن من خفيف الرمل ولنبيه في أنا امرؤ جد بي وما بعده هزج بالوسطى ولدحمان في حور بعثن وما بعده هزج بالوسطى وروى عنه الهشامي فيه ثقيلا أول ولأبي عيسى بن المتوكل في وأنعمي نعمة وبيتين بعده ثقيل أول
وأخبرني بخبر العرجي وكلابة هذه الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب وأخبرني به وكيع عن أبي أيوب المديني عن مصعب وذكر نحوا مما ذكره إسحاق وزعما أن كلابة كانت قيمة لأبي حراب العبلي وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس
أيوب بن مسلمة وأشعب يتذكران شعرا للعرجي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مسلمة ابن إبراهيم بن هشام قال
كنت عند أيوب بن مسلمة ومعنا أشعب فذكر قول العرجي
( أين ما قلت مت قبلك أينا ... أين تصديق ما وعدت إلينا )
( فلقد خفت منك أن تصرمي الحبل ... وأن تجمعي مع الصرم بينا )

(1/377)


( ما تقولين في فتى هام إذ هام ... بمن لا ينال جهلا وحينا )
( فاجعلي بيننا وبينك عذلا ... لا تحيفي ولا يحيف علينا )
( واعلمي أن في القضاء شهودا ... أو يمينا فأحضري شاهدينا )
( خلتي لو قدرت منك على ما ... قلت لي في الخلاء حين التقينا )
( ما تحرجت من دمي علم الله ... ولو كنت قد شهدت حنينا )
قال فقال أيوب لأشعب ما تظن أنها وعدته قال أخبرك يقينا لا ظنا أنها وعدته أن تأتيه في شعب من شعاب العرج يوم الجمعة إذا نزل الرجال إلى الطائف للصلاة فعرض لها عارض شغل فقطعها عن موعده قال فمن كان الشاهدان قال كسير وعوير وكل غير خير فند أبو زيد مولى عائشة بنت سعد وزور الفرق مولى الأنصار قال فمن العدل الحكم قال حصين بن غرير الحميري قال فما حكم به قال أدت إليه حقه وسقطت المؤنة عنه قال يا أشعب لقد أحكمت صناعتك قال سل علامة عن علمه

(1/378)


شعره في عاتكة زوجة طريح بن إسماعيل الثقفي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عورك اللهبي قال
قال العرجي في امرأة من بني حبيب بطن من بني نصر بن معاوية يقال لها عاتكة وكانت زوجة طريح بن إسماعيل الثقفي
( يا دار عاتكة التي بالأزهر ... أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر )
( لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم ... يا ليت أن لقاءهم لم يقدر )
صوت
( بفناء بيتك وابن مشعب حاضر ... في سامر عطر وليل مقمر )
( مستشعرين ملاحفا هروية ... بالزعفران صباغها والعصفر )

(1/379)


( فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر )
الأزهر على ثلاثة أميال من الطائف وابن مشعب الذي عناه مغن من أهل مكة كان في زمن ابن سريج والغناء في هذه الأبيات له رمل بالوسطى قال إسحاق كان ابن مشعب من أحسن الناس وجها وغناء ومات في تلك الأيام فأدخل الناس غناءه في غناء ابن سريج والغريض قال وهذا الصوت ينسبه من لا يعلم إلى ابن محرز يعني
( بفناء بيتك وابن مشعب حاضر ... )
قال وهو الذي غنى
( أقفر ممن يحله السند ... فالمنحنى فالعقيق فالجمد )
( ويحي غدا إن غدا علي بما ... أحذر من فرقة الحبيب غد )
والناس ينسبونه إلى ابن سريج
العرجي يواقع امرأة في عرج الطائف
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن ثابت بن إبراهيم الأنصاري قال حدثني ابن مخارق قال
واعد العرجي هوى له شعبا من شعاب عرج الطائف إذا نزل رجالها يوم

(1/380)


الجمعة إلى مسجد الطائف فجاءت على أتان لها معها جارية لها وجاء العرجي على حمار معه غلام له فواقع المرأة وواقع الغلام الجارية ونزا الحمار على الأتان فقال العرجي هذا يوم قد غاب عذاله
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا النضر بن عمرو عن ابن داحة قال
كان العرجي يستقي على إبله في شملتين ثم يغتسل ويلبس حلتين بخمسمائة دينار ثم يقول
( يوما لأصحابي ويوما للمال ... مدرعة يوما ويوما سربال )
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجاله
أن العرجي كان غازيا فأصابت الناس مجاعة فقال للتجار أعطوا الناس وعلي ما تعطون فلم يزل يعطيهم ويطعم الناس حتى أخصبوا فبلغ ذلك عشرين ألف دينار فألزمها العرجي نفسه وبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز فقال بيت المال أحق بهذا فقضى التجار ذلك المال من بيت المال
العرجي وأم الأوقص
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري وغيره

(1/381)


أن العرجي خرج إلى جنبات الطائف متنزها فمر ببطن النقيع فنظر إلى أم الأوقص وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي وكان يتعرض لها فإذا رآها رمت بنفسها وتسترت منه وهي امرأة من بني تميم فبصر بها في نسوة جالسة وهن يتحدثن فعرفها وأحب أن يتأملها من قرب فعدل عنها ولقي أعرابيا من بني نصر على بكر له ومعه وطبا لبن فدفع إليه دابته وثيابه وأخذ قعوده ولبنه ولبس ثيابه ثم أقبل على النسوة فصحن به يا أعرابي أمعك لبن قال نعم ومال إليهن وجلس يتأمل أم الأوقص وتواثب من معها إلى الوطبين وجعل العرجي يلحظها وينظر أحيانا إلى الأرض كأنه يطلب شيئا وهن يشربن من اللبن فقالت له امرأة منهن أي شيء تطلب يا أعرابي في الأرض أضاع منك شيء قال نعم قلبي فلما سمعت التميمية كلامه نظرت إليه وكان أزرق فعرفته فقالت العرجي بن عمر ورب الكعبة ووثبت وسترها نساؤها وقلن انصرف عنا لا حاجة بنا إلى لبنك فمضى منصرفا وقال في ذلك
( أقول لصاحبي ومثل ما بي ... شكاه المرء ذو الوجد الأليم )
( إلى الأخوين مثلهما إذا ما ... تأوبه مؤرقة الهموم )
( لحيني والبلاء لقيت ظهرا ... بأعلى النقع أخت بني تميم )

(1/382)


( فلما أن رأت عيناي منها ... أسيل الخد في خلق عميم )
( وعيني جؤذر خرق وثغرا ... كلون الأقحوان وجيد ريم )
( حنا أترابها دوني عليها ... حنو العائدات على السقيم )
قال إسحاق في خبره فقال رجل من بني جمح يقال له ابن عامر للأوقص وقضى عليه بقضية فتظلم منه والله لو كنت أنا عبد الله بن عمر العرجي لكنت قد أسرفت علي فضربه الأوقص سبعين سوطا
أبو السائب المخزومي وشعر العرجي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال
أتاني أبو السائب المخزومي ليلة بعد ما رقد السامر فأشرفت عليه فقال سهرت وذكرت أخا لي أستمتع به فلم أجد سواك فلو مضينا إلى العقيق فتناشدنا وتحدثنا فمضينا فأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجي
( باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح تلوح كالأغر الأشقر )
( فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر )
فقال أعده علي فأعدته فقال أحسن والله امرأته طالق إن نطق بحرف غيره حتى يرجع إلى بيته قال فلقينا عبد الله بن حسن بن حسن فلما صرنا إليه وقف بنا وهو منصرف من ماله يريد المدينة فسلم ثم قال كيف أنت يا أبا السائب فقال

(1/383)


( فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر )
فالتفت إلي فقال متى أنكرت صاحبك فقلت منذ الليلة فقال إنا لله وأي كهل أصيبت منه قريش ثم مضينا فلقينا محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة يريد مالا له على بغلة له ومعه غلام على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة فسلم ثم قال كيف أنت يا أبا السائب فقال
( فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر )
فالتفت إلي فقال متى أنكرت صاحبك قلت آنفا فلما أراد المضي قلت أفتدعه هكذا والله ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق قال صدقت يا غلام قال قيد البغلة فأخذ القيد فوضعه في رجله وهو ينشد البيت ويشير بيده إليه يري أنه يفهم عنه قصته ثم نزل الشيخ وقال لغلامه يا غلام احمله على بغلتي وألحقه بأهله فلما كان بحيث علمت أنه قد فاته أخبرته بخبره فقال قبحك الله ماجنا فضحت شيخا من قريش وغررتني
ابن أبي عتيق وشعر العرجي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عروة بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عروة بن أذينة قال
أنشد ابن جندب الهذلي ابن أبي عتيق قول العرجي
( وما أنس م الأشياء لا انس قولها ... لخادمها قومي اسألي لي عن الوتر )
( فقالت يقول الناس في ست عشرة ... فلا تعجلي منه فإنك في أجر )

(1/384)


( فما ليلة عندي وإن قيل جمعة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر )
( بعادلة الاثنين عندي وبالحرى ... يكون سواء منهما ليلة القدر )
فقال ابن أبي عتيق أشهدكم أنها حرة من مالي إن أجاز ذلك أهلها هذه والله أفقه من ابن شهاب
شعر العرجي في زوجته أم عثمان
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال
تزوج العرجي أم عثمان بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان وأمها سكينة بنت مصعب بن الزبير فقال فيها
( إن عثمان والزبير أحلا ... دارها باليفاع إذ ولداها )
( إنها بنت كل أبيض قرم ... نال في المجد من قصي ذراها )
( سكن الناس بالظواهر منها ... وتبوا لنفسه بطحاها )
قال إسحاق ولما تزوج الرشيد زوجته العثمانية أعجب بها فكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات
العرجي وأبو عدي العبلي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال

(1/385)


حدثت أن أبا عدي العبلي خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان فمر بعبد الله بن عمر العرجي وهو نازل هناك بواد يقال له العرج فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه فأتاه الغلام فقال له هذا أبو عدي فأمر أن ينزله في مسجد الخيف فأنزله وأبطأ عليه في الخروج فقال للغلام ويحك ما يحبس مولاك قال عنده ابن وردان مولى معاوية وهما يأكلان القسب والجلجلان ثم بعث إليه بخبز ولبن وبعث لرواحله بحمض وقدم إلى رواحل ابن وردان القت والشعير فكتب إليه أبو عدي
( أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتوا ... منازلهم والركب يحفون بالركب )
( رفعت لئام الناس فوق كرامهم ... وآثرتهم بالجلجلان وبالقسب )
( فأما بعيرانا فبالحمض غذيا ... وأوثر عباد بن وردان بالقضب )
فكتب إليه العرجي
( أتانا فلم نشعر به غير أنه ... له لحية طالت على حمق القلب )

(1/386)


( كراية بيطار بأعلى حديدة ... إذا نصبت لم تكسب الحمد بالنصب )
( أتانا على سغب يعرض بالقرى ... وهل فوق قرص من قرى صاحب السغب )
قال فارتحل أبو عدي مغضبا وقال مزحت معه فهجاني وأنشأ يقول في العرجي
( سرت ناقتي حتى إذا ملت السرى ... وعارضها عرج الجبانة والخصب )
( طواها الكرى بعد السرى بمعرس ... جديب وشيخ بئس مستعرض الركب )
( وهمت بتعريس فحلت قيودها ... إلى رجل بالعرج ألأم من كلب )
( تمطى قليلا ثم جاء بصربة ... وقرص شعير مثل كركرة السقب )
( فقلت له أردد قراك مذمما ... فلست إليه بالفقير ولا صحبي )
( جزى الله خيرا خيرنا عند بيته ... وأنحرنا للكوم في اليوم ذي السغب )
( لقد علمت فهر بأنك شرها ... وآكل فهر للخبيث من الكسب )
( وتلبس للجارات إتبا ومئزرا ... ومرطا فبئس الشيخ يرفل في الإتب )
( يدخن بالعود اليلنجوج مرة ... وبالضرو والسوداء والمائع الرطب )

(1/387)


( فإن قلت عثمان بن عفان والدي ... فقد كان عثمان بريئا من الوشب )
( وقدما يجيء الحي بالنسل ميتا ... ويأتي كريم الناس بالوكل الثلب )
( له لحية قد مزقت فكأنها ... مقمة حشاش محالفه العشب )
فلما بلغ ذلك العرجي أتى عمه علي بن عبد الله بن علي العبلي فشق قميصه بين يديه وشكاه إليه فبعث إلى أبي عدي فنهاه عنه وقال لئن عدت لا كلمتك أبدا فكف عنه
كان العرجي من أفرس الناس وأرماهم
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سليمان بن عثمان بن يسار رجل من أهل مكة وكان هيبا أديبا قال
كان للعرجي حائط يقال له العرج في وسط بلاد بني نصر بن معاوية فكانت إبلهم وغنمهم تدخل فيه فيعقر كل ما دخل منها فكانت تضر به ويضر بأهلها ويشكونه ويشكوهم وكان من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم فكان ربما برى مائة سهم من الرمان ثم يقول والله لا أنقلب حتى أقتل بها مائة خلفة من إبل بني نصر فيفعل ذلك

(1/388)


حبس العرجي
قال إسحاق فحدثني ابن غرير قال لما حبس العرجي وضرب وأقيم على البلس قال
( معي ابن غرير واقفا في عباءة ... لعمري لقد قرت عيون بني نصر )
فقال فتى من بني نصر يجيبه وكان حاضرا لضربه وإقامته
( أجل قد أقر الله فيك عيوننا ... فبئس الفتى والجار في سالف الدهر )
وقال إسحاق في خبره قال رجل للعرجي جئتك أخطب إليك مودتك قال بل خذها زنا فإنها أحلى وألذ
امرأة تمثلت بشعر العرجي وقد ليمت على رفثها في الحج
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني عن عبد الله بن سلم قال
قال عبد الله بن عمر العمري خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام أرفثت فيه فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها يا أمة الله ألست حاجة أما

(1/389)


تخافين الله فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت تأمل يا عم فإنني ممن عنى العرجي بقوله
صوت
( أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين بردا مهلهلا )
( من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا )
قال فقلت لها فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار قال وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها أعزبي قبحك الله ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز وقد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم الأعرج وهو سلمة بن دينار وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وغيرهما وروى عنه مالك وابن أبي أيوب والحكاية عنه في هذا أصح منها عن عبد الله العمري حدثنا بهذا وكيع والغناء في هذه الأبيات لعرار المكي ثاني ثقيل وفيه خفيف ثقيل لمعبد وفيها لعبد الله بن العباس الربيعي ثقيل أول ويقال إن خفيف الثقيل لابن سريج ويقال للغريض
غناء عبد الله بن العباس الربيعي في شعر العرجي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة قال

(1/390)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية