صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

و تحته يومئذ شميلة بنت جنادة ابن بنت أبي أزهر الزهرانية وكانت قبله تحت مجاشع بن مسعود السلمي فأستأذن عليه فأذن له وكان لا يزال يأتي أمراء البصرة فيمدحهم فيعطونه و يخافون لسانه فلما دخل على ابن عباس قال له ما جاء بك إلي يا بن فسوة فقال له وهل عنك مقصر أو وراءك معدى جئتك لتعينني على مروءتي وتصل قرابتي فقال له ابن عباس وما مروءة من يعصي الرحمن ويقول البهتان و يقطع ما أمر الله به أن يوصل و الله لئن أعطيتك لاعيننك على الكفر و العصيان انطلق فأنا أقسم بالله لئن بلغني انك هجوت أحدا من العرب لأقطعن لسانك فأراد الكلام فمنعه من حضر وحبسه يومه ذلك ثم أخرجه عن البصرة
مدح الحسن و ابن جعفر
فوفد إلى المدينة بعد مقتل علي عليه السلام فلقي الحسن بن علي عليهما السلام وعبد الله بن جعفر عليهما السلام فسألاه عن خبره مع ابن عباس عليه السلام فأخبرهما فاشتريا عرضه بما أرضاه فقال عتيبة يمدح الحسن جعفر عليهما السلام و يلوم ابن عباس رضي الله عنهما
( أتيت ابن عباس فلم يقض حاجتي ... و لم يرج معروفي و لم يخش منكري )
( حبست فلم أنطق بعذر لحاجة ... وسد خصاص البيت من كل منظر )
( وجئت و أصوات الخصوم وراءه ... كصوت الحمام في القليب المغور )
( وما أنا إذ زاحمت مصراع بابه ... بذي صولة ضار ولا بحزور )

(22/230)


فلو كنت من زهران لم ينس حاجتي ... و لكنني مولى جميل بن معمر )
وكان حليفا لجميل بن معمر القرشي
( وباتت لعبد الله من دون حاجتي ... شميلة تلهو بالحديث المفتر )
( ولم يقترب من ضوء نار تحثها ... شميلة إلا أن تصلى بمجمر )
( تطالع أهل السوق و الباب دونها ... بمستفلك الذفرى أسيل المدثر )
( إذا هي همت بالخروج يردها ... عن الباب مصراعا منيف مجير )
وجدت بخط إسحاق الموصلي مجير محير و المحير المصهرج و الحيار الصهروج
( فليت قلوصي عربت أو رحلتها ... إلى حسن في داره و ابن جعفر )
( إلى ابن رسول الله يأمر بالتقى ... وللدين يدعو و الكتاب المطهر )
( إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يحضر )
( فلما عرفت البأس منه وقد بدت ... أيادي سبا الحاجات للمتذكر )
( تسنمت حرجوجا كان بغامها ... أحيح ابن ماء في يراع مفجر )
( فما زلت في التسيار حتى أنختها ... إلى ابن رسول الأمة المتخير )
( فلا تدعني إذ رحلت إليكم ... بني هاشم أن تصدروني بمصدر )

(22/231)


وهي قصيدة طويلة هذا ذكر في الخبر منها
وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري و احمد بن عبيد الله بن عمار عن عمر بن شبة عن المدائني مثل ما مضى أو قريبا منه ولم يتجاوز عمر بن شبة المدائني في إسناده
كان خبيث اللسان مخوف المعرة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال قال ابن الأعرابي
كان عتيبة بن مرداس السلمي شاعرا خبيث اللسان مخوف المعرة في جاهليته وإسلامه و كان يقدم على أمراء العراق وأشراف الناس فيصيب منهم بشعره فقدم على ابن عامر بن كريز و كان جوادا فلما استؤذن له عليه أرسل إليه انك و الله ما تسأل بحسب ولا دين ولا منزلة وما أرى لرجل من قريش أن يعطيك شيئا و أمر به فلكز و أهين فقال ابن فسوة
( و كائن تخطت ناقتي وزميلها ... إلى ابن كريز من نحوس وأسعد )
( وأغبر مسحول التراب ترى له ... حيا طردته الريح من كل مطرد )
( لعمرك إني عند باب ابن عامر ... لكالظبي عند الرمية المتردد )
( فلم أر يوما مثله إذ تكشفت ... ضبابته عني ولما أقيد )
فبلغ قوله ابن عامر فخاف لسانه وما يأتي به بعد هذا ورجع له وأحسن القوم رفدة و قالوا هذا شاعر فارس و شيخ من شيوخ قومه واليسير

(22/232)


يرضيه فقال ردوه فرد فقال له ايه يا عتيبة اردد علي ما قلت فقال ما قلت إلا خيرا قال هاته فقال قلت
( أتعرف رسم الدار من أم معبد ... نعم فرماك الشوق قبل التجلد )
( فيا لك من شوق ويا لك عبرة ... سوابقها مثل الجمان المبدد )
( وكائن تخطت ناقتي وزميلها ... إلى ابن كريز من نحوس وأسعد )
( فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد )
( إذا ما ملمات الأمور اعترينه ... تجلى الدجى عن كوكب متوقد )
فتبسم ابن عامر و قال لعمري ما هكذا قلت و لكنه قول مستأنف وأعطاه حتى رضي وانصرف
ابن الأعرابي يستجيد أبياتا له فينشدها
قال وأنشدنا ابن الأعرابي له بعقب هذا الخبر و كان يستحسن هذه الأبيات و يستجيدها
( منعمة لم يغذها أهل بلدة ... ولا أهل مصر فهي هيفاء ناهد )
( فريعت فلم تخبا و لكن تأودت ... كما انتص مكحول المدامع فارد )
( وأهوت لتنتاش الرواق فلم تقم ... إليه ولكن طأطأته الولائد )
( قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومحفوض من العيش بارد )
( تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقم قد أسلمته العوائد )
( ترى القرط منها في قناة كأنها ... بمهلكة لولا البرا والمعاقد )

(22/233)


وقال أبو عمرو الشيباني
أغار رجل من بني تغلب يقال له الهذيل بعقب مقتل عثمان على بني تميم فأصاب نعما كثيرا فورد بها ماء لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم يقال له سفار فإذا عليه الأسود و خالد ابنا نعيم بن قعنب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رباح في إبل لهما قد أورداها فأراد الهذيل أخذها فتفرقت فتفرق اصحابه في طلبها وهو قائم على راس ركية من سفار فرماه أحدهما فقتله فوقع في الركية فكانت قبره ويقال بل رماه عبد اسود لمالك بن عروة المازني فقال عتيبة بن مرداس الذي يقال له ابن فسوة في ذلك
( من مبلغ فتيان تغلب أنه ... خلا للهذيل من سفار قليب )
( إذا صوت الأصداء صوت وسطها ... فتى تغلبي في القليب غريب )
( فأعددت يربوعا لتغلب إنهم ... أناس غذتهم فتنة وحروب )
( حويت لقاح ابني نعيم بن قعنب ... وإنك إن أحرزتها لكسوب )
وقال أبو عمرو أيضا
كان عبد الله بن عامر بن كريز قد تزوج أخت بشر بن كهف أحد بني خزاعة بن مازن فكان أثيرا عنده واستعمله على الحمى فسأله ابن فسوة أن يرعيه فأبى ومنعه وطرد ابله فقال في ذلك
( من يك أرعاه الحمى أخواته ... فما لي من أخت عوان ولا بكر )

(22/234)


( وماضرها أن لم تكن رعت الحمى ... ولم تطلب الخير الممنع من بشر )
( متى يجيء يوما إلى المال وارثي ... يجد قبض كف غير ملأى ولا صفر )
( يجد مهرة مثل القناة طمرة ... وغضب إذا ماهز لم يرض بالهبر )
( فإن تمنعوا منها حماكم فإنه ... مباح لها ما بين إنبط فالكدر )
( إذا ما امرؤ أثنى بفضل ابن عمه ... فلعنه رب العالمين على بشر )
مدح قومه وهجا بني سعد
وقال أبو عمرو الشيباني ونسخته أيضا من خط إسحاق الموصلي وجمعت الروايتين
أن ابن فسوة نزل ببني سعد بن مالك من بني قيس بن ثعلبة وبات بهم ومعه جارية له يقال لها جوزاء فسرقوا عيبة له فيها ثيابه و ثياب جاريته فرحل عنهم فلما عاد إلى قومه أعلمهم ما فعله به بنو سعد بن مالك فركب معه فرسان منهم حتى اغاروا على إبل لبني سعد فأخذوا منها صرمة واستاقوها فدفعوها إليه فقال يمدح قومه ويهجو بني سعد بقوله
( جزى الله قومي من شفيع وشاهد ... جزاء سليمان النبي المكرم )
( هم القوم لا قوم ابن دارة سالم ... ولا ضابئ إذ أسلما شر مسلم )
( وما عيبة الجوزاء إذ غدرت بها ... سراة بني قيس بسر مكتم )

(22/235)


( إذا ما لقيت الحي سعد بن مالك ... على زم فانزل خائفا أو تقدم )
( أناس أجارونا فكان جوارهم ... شعاعا كلحم الجازر المتقسم )
( لقد دنست أعراض سعد بن مالك ... كما دنست رجل البغي من الدم )
( لهم نسوة طلس الثياب مواجن ... ينادين من يبتاع عودا بدرهم )
( إذا أيم قيسية مات بعلها ... و كان لها جار فليست بأيم )
( يمشي ابن بشر بينهن مقابلا ... بأير كإير الارجحي المخرم )
( إذا راح من أبياتهن كأنما ... طليت بتنوم قفاه وخمخم )
وفيه رواية إسحاق
( تسوق الجواري منخراه كأنما ... دلكن بتنوم قفاه و خمخم )
صوت
( قد طال شوقي وعادني طربي ... من ذكر خود كريمة النسب )
( غراء مثل الهلال صورتها ... أو مثل تمثال صورة الذهب )
و يروي بيعة الرهب الشعر لعبد الله بن العجلان النهدي و الغناء لمالك ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى

(22/236)


عن إسحاق وله فيه أيضا خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وذكر الهشامي انه لابن مسجح

(22/237)


أخبار عبد الله بن العجلان
هو عبد الله بن العجلان بن عبد الاحب بن عامر بن كعب بن صباح بن نهد بن زيد بن ليث بن اسود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة شاعر جاهلي أحد المتيمين من الشعراء ومن قتله الحب منهم
و كانت له زوجة يقال لها هند فطلقها ثم ندم على ذلك فتزوجت زوجا غيره فمات أسفا عليها
قصته مع امرأته هند
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال
كان عبد الله بن العجلان النهدي سيدا في قومه و ابن سيد من ساداتهم و كان أبوه أكثر بني نهد مالا و كانت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي يذكرها في شعره امرأة من قومه من بني نهد و كانت احب الناس إليه وأحظاهم عنده فمكثت معه سنين سبعا أو ثمانيا لم تلد فقال له أبوه انه لا ولد لي غيرك ولا ولد لك وهذه المرأة عاقر فطلقها و تزوج غيرها فأبى ذلك عليه فآلى إلا يكلمه أبدا حتى يطلقها فأقام على أمره ثم عمد إليه يوما وقد شرب الخمر حتى سكر وهو جالس مع هند فأرسل إليه أن صر إلي فقالت له هند لا تمض إليه فو الله ما

(22/238)


يريدك لخير و إنما يريدك لأنه بلغه انك سكران فطمع فيك أن يقسم عليك فتطلقني فنم مكانك ولا تمض إليه فأبى وعصاها فتعلقت بثوبه فضربها بمسواك فأرسلته و كان في يدها زعفران فأثر في ثوبه مكان يدها و مضى إلى أبيه فعادوه في أمرها وأنبه و ضعفه و جمع عليه مشيخة الحي وفتيانهم فتناولوه بألسنتهم و عيروه بشغفه بها و ضعف حزمه و لم يزالوا به حتى طلقها فلما اصبح خبر بذلك و قد علمت به هند فاحتجبت عنه و عادت إلى أبيها فأسف عليها أسفا شديدا فلما رجعت إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير فزوجها أبوها منه فبنى بها عندهم و أخرجها إلى بلده فلم يزل عبد الله بن العجلان دنفا سقيما يقول فيها الشعر ويبكيها حتى مات أسفا عليها و عرضوا عليه فتيات الحي جميعا فلم يقبل واحدة منهن و قال في طلاقه إياها
( فارقت هندا طائعا ... فندمت عند فراقها )
( فالعين تذري دمعة ... كالدر من آماقها )
( متحليا فوق الرداء ... يجول من رقراقها )
( خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها )
و لقد ألذ حديثها ... و أسر عند عناقها )

(22/239)


وفي هذه القصيدة يقول
( إن كنت ساقية ببزل ... الادم أو بحقاقها )
( فاسقي بني نهد إذا ... شربوا خيار زقاقها )
( فالخيل تعلم كيف نلحقها ... غداة لحاقها )
( بأسنة زرق صبحنا ... القوم حد رقاقها )
( حتى ترى قصد القنا ... والبيض في أعناقها )
قال أبو عمرو الشيباني
لما طلق عبد الله بن العجلان هندا أنكحت في بني عامر و كانت بينهم وبين نهد مغاورات فجمعت نهد لبني عامر جميعا فأغاروا على طوائف منهم فيهم بنو العجلان وبنو الوحيد و بنو الحريش و بنو قشير و نذروا بهم فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت بنو عامر و غنمت نهد أموالهم و قتل في المعركة ابن لمعاوية بن قشير بن كعب وسبعة بنين له و قرط وجدعان ابنا سلمة بن قشير و مرداس بن جزعة بن كعب و حسين بن عمرو بن معاوية ومسحقة بن المجمع الجعفي فقال عبد الله بن العجلان في ذلك
( ألا أبلغ بني العجلان عني ... فلا ينبيك بالحدثان غيري )
( بأنا قد قتلنا الخير قرطا ... و جرنا في سراة بني قشير )
( وأفلتنا بنو شكل رجالا ... حفاة يربئون على سمير )

(22/240)


امرأة قيسية ترثي قتلى قيس
وقالت امرأة من بني قيس ترثي قتلاهم
( أصبتم يا بني نهد بن زيد ... قروما عند قعقعة السلاح )
( إذا اشتد الزمان و كان محلا ... و حاذر فيه إخوان السماح )
( أهانوا المال في اللزبات صبرا ... و جادوا بالمتالي و اللقاح )
( فبكي مالكا وابكي بجيرا ... و شدادا لمشتجر الرماح )
( و كعبا فاندبيه معا و قرطا ... أولئك معشري هدوا جناحي )
( و بكي إن بكيت على حسيل ... و مرداس قتيل بني صباح )
قال و أسر عبد الله بن العجلان رجلا من بني الوحيد فمن عليه وأطلقه ووعده الوحيدي الثواب فلم يف فقال عبد الله
( و قالوا لن تنال الدهر فقرا ... إذا شكرتك نعمتك الوحيد )
( فيا ندما ندمت على رزام ... و مخلفه كما خلع العتود )
قال أبو عمرو ثم أن بني عامر جمعوا لبني نهد فقالت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي كانت ناكحا فيهم لغلام منهم يتيم فقير من بني عامر لك خمس عشرة ناقة على أن تأتي قومي فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر فقال أفعل فحملته على ناقة لزوجها ناجية وزودته تمرا ووطبا من لبن فركب فجد في السير و فني اللبن فأتاهم و الحي

(22/241)


خلوف في غزو و ميرة فنزل بهم و قد يبس لسانه فلما كلموه لم يقدر على أن يجيبهم وأومأ لهم إلى لسانه فأمر خراش بن عبد الله بلبن وسمن فأسخن و سقاه إياه فابتل لسانه و تكلم و قال لهم أتيتم أنا رسول هند إليكم تنذركم فاجتمعت بنو نهد و استعدت ووافتهم بنو عامر فلحقوهم على الخيل فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت بنو عامر فقال عبد الله بن العجلان في ذلك
( عاود عيني نصبها و غرورها ... أهم عناها أم قذاها يعورها )
( أم الدار أمست قد تعفت كأنها ... زبور يمان رقشته سطورها )
( ذكرت بها هندا وأترابها الألى ... بها يكذب الواشي ويعصى أميرها )
( فما معول تبكي لفقد أليفها ... إذا ذكرته لا يكف زفيرها )
( بأغزر مني عبرة إذ رأيتها ... بحث بها قبل الصباح بعيرها )
( ألم يأت هندا كيفما صنع قومها ... بني عامر إذ جاء يسعى نذيرها )
( فقالوا لنا إنا نحب لقاءكم ... و إنا نحيي أرضكم و نزورها )
( فقلنا إذا لا تنكل الدهر عنكم ... بصم القنا اللائي الدماء تميرها )
( فلا غرو أن الخيل تنحط في القنا ... تمطر من تحت العوالي ذكورها )
( تأوه مما مسها من كريهة ... و تصفي الخدود و الرماح تصورها )
( وأربابها صرعى ببرقة أخرب ... تجررهم ضبعانها ونسورها )

(22/242)


( فأبلغ أبا الحجاج عني رسالة ... مغلغلة لا يغلبنك بسورها )
( فأنت منعت السلم يوم لقيتنا ... بكفيك تسدي غية و تنيرها )
( فذوقوا على ما كان من فرط إحنة ... حلائبنا إذ غاب عنا نصيرها )
كيف انتهى حبه لهند
قال أبو عمرو فلما اشتد ما بعبد الله بن العجلان من السقم خرج سرا من أبيه مخاطرا بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشر و الترات حتى نزل ببني نمير و قصد خباء هند فلما قارب دارها رآها وهي جالسة على الحوض وزوجها يسقي و يذود الإبل عن مائة فلما نظر إليها و نظرت إليه رمى بنفسه عن بعيره و أقبل يشتد إليها وأقبلت تشتد إليه فاعتنق كل واحد منهما صاحبه و جعلا يبكيان و ينشجان و يشهقان حتى سقطا على وجوههما و أقبل زوج هند ينظر ما حالهما فوجدهما ميتين
قال أبو عمرو و أخبرني بعض بني نهد أن عبد الله بن العجلان أراد المضي إلى بلادهم فمنعه أبوه و خوفه الثارات و قال نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة و لم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت فحج و حج أبوه معه فنظر إلى زوج هند وهو يطوف بالبيت وأثر كفها في ثوبه بخلوق فرجع إلى أبيه في منزله و أخبره بما رأى ثم سقط على وجهه فمات هذه رواية أبي عمرو
وقد أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني عبد الله بن علي بن

(22/243)


الحسن قال حدثنا نصر بن علي عن الاصمعي عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب عن ابن سيرين قال
خرج عبد الله بن العجلان في الجاهلية فقال
( ألا إن هندا أصبحت منك محرما ... و أصبحت من أدنى حموتها حما )
( وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوسا وأسهما )
ثم مد بها صوته فمات
قال ابن سيرين فما سمعت أحدا مات عشقا غير هذا وهذا الخبر عندي خطأ لأن أكثر الرواة يروي هذين البيتين لمسافر بن أبي عمرو بن أمية قالهما لما خرج إلى النعمان بن المنذر يستعينه في مهر هند بنت عتبة بن ربيعة فقدم أبو سفيان بن حرب فسأله عن أخبار مكة و هل حدث بعده شيء فقال لا إلا أني تزوجت هندا بنت عتبة فمات مسافرا أسفا عليها و يدل على صحة ذلك قوله
( وأصبحت من أدنى حموتها حما ... )
لأنه ابن عم أبي سفيان بن حرب لحا و ليس النميري المتزوج هندا النهدية ابن عم عبد الله بن العجلان فيكون من أحمائها و القول الأول على هذا أصح

(22/244)


مختارات من شعره في هند
ومن مختار ما قاله ابن العجلان في هند
( ألا أبلغا هندا سلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف )
( ولم أر هندا بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف )
( أتت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أوهن منهن أقطف )
( بباكرن مرآة جليا و تارة ... ذكيا وبالأيدي مداك ومسوف )
( أشارت إلينا في خفاة وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف )
( وقالت تباعد يا بن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعنف )
أخبرني الحسن بن علي قال أنشدنا فضل اليزيدي عن إسحاق لعبد الله بن العجلان النهدي قال إسحاق وفيه غناء
( خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا )
( ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقي في التعجل أم رشدا )
( ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا )
( و قولا لها ليس الضلال أجازنا ... و لكننا جزنا لنلقاكم عمدا )
صوت
( ألا يا ظبية البلد ... براني طول ذا الكمد )

(22/245)


( فردي يا معذبتي ... فؤادي أو خذي جسدي )
( بليت لشقوتي بكم ... غلاما ظاهر الجلد )
( فشيب حبكم رأسي ... و بيض هجركم كبدي )
الشعر للمؤمل بن أميل و الغناء لإبراهيم ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق

(22/246)


أخبار المؤمل و نسبه
المؤمل بن أميل بن أسيد المحاربي من محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر شاعر كوفي من مخضرمي شعراء الدولتين الأموية و العباسية و كانت شهرته في العباسبة أكثر لأنه كان من الجند المرتزقة معهم ومن يخصهم و يخدمهم من أوليائهم وانقطع إلى المهدي في حياة أبيه و بعده وهو صالح المذهب في شعره ليس من المبرزين الفحول ولا المرذولين وفي شعره لين وله طبع صالح
و كان يهوى امرأة من أهل الحيرة يقال لها هند و فيها يقول قصيدته المشهورة
( شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر )
يقال إنه رأى في منامه رجلا أدخل أصبعيه في عينيه وقال هذا ما تمنيت فأصبح أعمى
المنصور يسترد ما اغدقه عليه المهدي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني قال حدثني أبو قدامة قال حدثني المؤمل قال

(22/247)


قدمت على المهدي وهو بالري وهو إذ ذاك ولي عهد فامتدحته بأبيات فأمر لي بعشرين ألف درهم فكتب بذلك صاحب البريد إلى أبي جعفر المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير المهدي أمر لشاعر بعشرين ألف درهم فكتب إليه يعذله و يلومه و يقول له إنما ينبغي أن تعطي لشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم و كتب إلى كاتب المهدي أن يوجه إليه بالشاعر فطلب ولم يقدر عليه وكتب إلى أبي جعفر انه قد يوجه إلى مدينة السلام فأجلس قائدا من قوداه على جسر النهروان وأمره أن يتصفح الناس رجلا رجلا فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفح من فيها حتى مرت به القافلة التي فيها المؤمل فتصفحهم فلما سأله من أنت قال أنا المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر أحد زوار الأمير المهدي فقال إياك طلبت قال المؤمل فكاد قلبي ينصدع خوفا من أبي جعفر
فقبض علي وأسلمني إلى الربيع فأدخلني إلى أبي جعفر و قال له هذا الشاعر الذي أخذ من المهدي عشرين آلفا قد ظفرنا به فقال أدخلوه الي فأدخلت إليه فسلمت تسليم فزع مروع فرد السلام و قال ليس لك ها هنا إلا خير أنت المؤمل بن أميل قلت

(22/248)


نعم اصلح الله أمير المؤمنين أنا المؤمل بن أميل قال أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع قلت نعم أصلح الله الأمير أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع قال فكأن ذلك أعجبه فقال أنشدني ما قلت فيه فأنشدته
قصيدته في المهدي
هو المهدي إلا أن فيه ... مشابهة من القمر المنير )
( تشابه ذا و ذا فهما إذا ما ... أنارا مشكلان على البصير )
( فهذا في الظلام سراج ليل ... و هذا في النهار ضياء نور )
( و لكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر و السرير )
( وبالملك العزيز فذا أمير ... و ماذا بالأمير ولا الوزير )
( و بعض الشهر ينقص ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور )
( فيا بن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور )
( لئن فت الملوك و قد توافوا ... إليك من السهولة والوعور )
( لقد سبق الملوك أبوك حتى ... بقوا من بين كاب أو حسير )
( و جئت مصليا تجري حثيثا ... و ما بك حين تجري من فتور )
( فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق إلى الجدير )
( لئن سبق الكبير لأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير )
( و إن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير )

(22/249)


فقال و الله لقد أحسنت و لكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم فأين المال قلت هو هذا قال يا ربيع امض معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ الباقي قال المؤمل فخرج معي الربيع وحط ثقلي ووزن لي من المال أربعة آلاف درهم و أخذ الباقي
فلما ولي المهدي الخلافة ولي ابن ثوبان المظالم فكان يجلس للناس بالرصافة فأذا ملأ كساءه رقاعا رفعها إلى المهدي فرفعت إليه رقعة فلما دخل بها ابن ثوبان جعل المهدي ينظر في الرقاع حتى إذا وصل إلى رقعتي ضحك فقال له ابن ثوبان أصلح الله أمير المؤمنين ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا الرقعة فقال هذه رقعة أعرف سببها ردوا إليه عشرين ألف درهم فردوها إلي و انصرفت
مبايعته لموسى و هارون
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن سعد بن أبي سعد قال حدثني الحكم بن موسى السلولي قال حدثني سعد بن أخي العوفي قال
قدم على المهدي في بيعة ابن ابنيه موسى وهارون المؤمل بن أميل المحاربي و الحسين بن يزيد بن أبي الحكم السلولي و قد أوفدهما هاشم بن سعد الحميري من الكوفة فقدما على المهدي في عسكره فأنشده المؤمل
( هاك بياعنا يا خير و ال ... فقد جدنا به لك طائعينا )
( فإن تفعل فأنت لذاك أهل ... ففضلك يا بن خير الناس فينا )
( وعدلك يا بن وارث خير خلق ... نبي الله خير المرسلينا )

(22/250)


( فإن أبا أبيك وأنت منه ... هو العباس وارثه يقينا )
( أبان به الكتاب وذاك حق ... ولسنا للكتاب مكذبينا )
( بكم فتحت وأنتم غير شك ... لها بالعدل أكرم خاتمينا )
( فدونكها فأنت لها محل ... حباك بها إله العالمينا )
( ولو قيدت لغيركم اشمأزت ... وأعيت أن تطيع القائدينا )
فأمر لهما بثلاثين ألف درهم فجيء بالمال فألقي بينهما فأخذ كل واحد منهما بدرة وصدع الأخرى بينهما فأخذ هذا نصفا وهذا نصفا
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن أمين عن أبي محمد اليزيدي عن المؤمل بن أميل قال
صرت إلى المهدي بجرجان فمدحته بقولي
( تعز ودع عنك سلمى وسر ... حثيثا على سائرات البغال )
( وكل جواد له ميعة ... يخب بسرحك بعد الكلال )
( إلى الشمس شمس بني هاشم ... وما الشمس كالبدر أو كالهلال )
( و يضحكه أن يدوم السؤال ... و يتلف في ضحكه كل مال )
فاستحسنها المهدي وأمر لي بعشرة آلاف ردهم و شاع الشعر و كان في عسكره رجل يعرف بأبي الهوسات يغني فغنى في الشعر لرفقائه و بلغ ذلك المهدي فبعث إليه سرا فدخل عليه فغناه فأمر له بخمسة

(22/251)


آلاف درهم و أمر لي بعشرة آلاف درهم أخرى و كتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور
ثم ذكر باقي الخبر على ما تقدم قبله و زاد فيه
أن المنصور قال له جئت إلى غلام حدث فخدعته حتى أعطاك من مال الله عشرين ألف درهم لشعر قلته فيه غير جيد و أعطاك من رقيق المسلمين ما لا يملكه و أعطاك من الكراع و الأثاث ما أسرف فيه يا ربيع خذ منه ثمانية عشر ألف درهم و أعطه ألفين و لاتعرض لشيء من الأثاث و الدواب و الرقيق ففي ذلك غناؤه فأخذت مني بخواتهما ووضعت في الخزائن فلما ولي المهدي دخلت إليه في المتظلمين فلما رآني ضحك و قال مظلمة أعرفها ولا احتاج إلى بينة عليها و جعل يضحك و أمر بالمال فرد إلي بعينه وزاد فيه عشرة آلاف
كان شيخا مصفرا أعمى
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني حذيفة بن محمد الطائي قال حدثني أبي قال
رأيت المؤمل شيخا مصفرا نحيفا أعمى فقلت له لقد صدقت في قولك
( وقد زعموا لي أنها نذرت دمي ... و مالي بحمد الله لحم و لا دم )
فقال نعم فديتك و ما كنت أقول إلا حقا
قال محمد بن القاسم و حدثني عبد الله بن طاهر أن أول هذا الشعر
( حلمت بكم في نومتي فغضبتم ... ولا ذنب لي أن كنت في النوم أحلم )

(22/252)


( سأطرد عني النوم كيلا أراكم ... إذا ما أتاني النوم و الناس نوم )
( تصارمني و الله يعلم أنني ... أبربها من والديها وأرحم )
صوت
( و قد زعموا لي إنها نذرت دمي ... وما لي بحمد الله لحم ولا دم )
( برى حبها لحمي ولم يبق لي دما ... وإن زعموا أني صحيح مسلم )
( فلم أر مثل الحب صح سقيمه ... ولا مثل من لا يعرف الحب يسقم )
( ستقتل جلدا باليا فوق أعظم ... وليس يبالي القتل جلد وأعظم )
في هذه الأبيات التي أولها
( وقد زعموا لي إنها نذرت دمي ... )
لنبيه لحم من خفيف الثقيل المطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن احمد بن علي قال لما قال المؤمل
( شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر )
عمي وأري في منامه هذا ما تمنيت
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال
را ى المؤمل في منامه قائلا يقول أنت المتألي على الله إلا يعذب المحبين حيث تقول

(22/253)


( يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... و الله لا عذبتهم بعدها سقر )
فقال له نعم فقال كذبت يا عدو الله ثم ادخل إصبعيه في عينيه و قال له أنت القائل
( شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر )
هذا ما تمنيت فانتبه فزعا فإذا هو قد عمي
اخبرني الحسن بن علي قال حدثنا احمد بن زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال
انشد المهدي قول المؤمل
( قتلت شاعر هذا الحي من مضر ... و الله يعلم ما ترضى بذا مضر )
فضحك و قال لو علمنا إنها فعلت ما رضينا ولغضبنا له وأنكرنا
صوت
( بكيت حذار البين علما بما الذي ... إليه فؤادي عند ذلك صائر )
( و قال أناس لو صبرت وإنني ... على كل مكروه سوى البين صابر )
الشعر لأبي مالك الأعرج و الغناء لإبراهيم الموصلي خفيف ثقيل بالوسطى من جامع صنعته ورواية الهشامي
قال الهشامي وفيه ليزيد حوراء ثاني ثقيل ولسليم ثقيل أول

(22/254)


أخبار أبي مالك ونسبه
أبو مالك النضر بن أبي النضر التميمي هذا اكثر ما وجدته من نسبه وكان مولده ومنشؤه بالبادية
ثم وفد إلى الرشيد و مدحه وخدمه فأحمد مذهبه ولحظته عناية من الفضل بن يحيى فبلغ ما أحب وهو صالح الشعر متوسط المذهب ليس من طبقة شعراء عصره المجيدين ولا من المرذولين
رثاؤه لأبيه
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا احمد بن الهيثم بن فراس قال
كان أبو مالك النضر بن أبي النضر التميمي مع الرشيد وكان أبوه مقيما بالبادية فأصاب قوم من عشيرته الطريق وقطعوه عن بعض القوافل فخرج عامل ديار مضر و كان يقال له جيال إلى ناحية كانت فيها طوائف من بني تميم فقصدهم وهم غارون فأخذ منهم

(22/255)


جماعة فيهم أبو النضر أبو أبي مالك الأعرج و كان ذا مال فطلبه فيمن طلب من الجناة وطمع في ماله فضربه ضربا أتى فيه على نفسه و بلغ ذلك أبا مالك فقال يرثيه
( فيم يلحى على بكائي العذول ... والذي نابني فظيع جليل )
( عد هذا الملام عني إلى غيري ... فقلبي ببثه مشغول )
( راعني والدي جنت كف جيال ... عليه فراح وهو قتيل )
( أيها الفاجعي بركني وعزي ... هبلتني إن أرعك الهبول )
( سمتني خطة الصغار وأظلمت ... نهاري علي غالتك غول )
( ما عداني الجفاء عنك ولكن ... لم يدلني من الزمان مديل )
( زال عنا السرور إذ زلت عنا ... وازدهانا بكاؤنا والعويل )
( ورأينا القريب منا بعيدا ... وجفانا صديقنا والخليل )
( ورمانا العدو من كل وجه ... وتجنى على العزيز الذليل )
( يا أبا النضر سوف أبكيك ما عشت ... سويا وذاك مني قليل )
( حملت نعشك الملائكة الأبرار ... إذ مالنا إليك سبيل )
( غير أني كذبتك الود لم تقطر ... جفوني دما وأنت قتيل )
( رضيت مقلتي بإرسال دمعي ... وعلى مثلك النفوس تسيل )
( أسواك الذي أجود عليه ... بدمي إنني إذا لبخيل )
( عثر الدهر فيك عثرة سوء ... لم يقل مثلها المعين المقيل )

(22/256)


( قل إن ضن بالحياة فإني ... بعده للحياة قال ملول )
( إن بالسفح من ضباعة قومي ... ليس منهم وهم أدان وصول )
( لا يزورون جارهم من قريب ... وهم في التراب صرعى حلول )
( حفرة حشوها وفاء وحلم ... وندى فاضل ولب أصيل )
( وعفاف عما يشين وحلم ... راجح الوزن بالرواسي يميل )
( ويمين بنانها غير جعد ... وجبين صلت وخد أسيل )
( وامرؤ أشرقت صفيحة خديه ... عليه بشاشة وقبول )
صوت
( لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأخلفني فيها الذي كنت آمل )
( فما كل ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل )
الشعر لأبي دهمان والغناء لابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي
انتهت أخبار مالك ونسبه

(22/257)


أخبار أبي دهمان
أبو دهمان الغلابي شاعر من شعراء البصرة ممن أدرك دولتي بني أمية وبني العباس ومدح المهدي وكان طيبا ظريفا مليح النادرة
وهو القائل لما ضرب المهدي أبا العتاهية بسبب عشقه عتبة
( لولا الذي أحدث الخليفة في العشاق ... من ضربهم إذا عشقوا )
( لبحت باسم الذي أحب ولكني ... امرؤ قد ثناني الفرق )
حدثني بذلك الصولي عن محمد بن موسى عن محمد بن أبي العتاهية وأخبرني جحظة عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال
قال رجل لأبي دهمان ألا أحدثك بظريفة قال بلى قال كنا عند فلان فمد رجله هكذا فضرط ومد المحدث رجله يحكيه فضرط فقال له أبو دهمان
يا هذا أنت أحذق خلق الله بحكاية
كان أميرا على نيسابور
نسخت من كتاب بخط ميمون بن هارون
بلغني أن أبا دهمان مر وهو أمير بنيسابور على رجل جالس ومعه صديق له يسايره فقام الناس إليه ودعوا له إلا ذلك الرجل فقال أبو دهمان لصديقه

(22/258)


وهو يسايره أما ترى ذلك الرجل في النظارة وترى تيهه علي فقال له وكيف يتيه عليك وأنت الأمير قال لأنه قد ناكني وأنا غلام
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال
مرض أبو دهمان مرضا أشفى منه على الموت فأوصى وأملى وصيته على كاتبه وأوصى فيها بعتق غلام كان له واقفا فلما فرغ غدا الغلام بالرقعة فأتربها ونظر إليه أبو دهمان فقال له نعم أتربها يا بن الزانية عسى أن يكون أنجح للحاجة لا شفاني الله إن أنجحت وأمر به فأخرج لوقته فبيع
صوت
( يكركما كر الكليبي مهره ... وما كر إلا خيفة أن يعيرا )
( فلا صلح حتى تزحف الخيل والقنا ... بنا وبكم او يصدر الأمر مصدرا )
الشعر لأبي حزابة التميمي والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر
وهذا الشعر يرثي به أبو حزابة رجلا من بني كليب بن يربوع يقال له ناشرة اليربوعي قتل بسجستان في فتنة ابن الزبير وكان سيدا شجاعا
رثاؤه لناشرة اليربوعي
أنشدنيه جعفر بن قدامة قال أنشدني أبو هفان وأحمد بن أبي طاهر قالا أنشدنا عبد الله بن احمد العدوي لأبي حزابة يرثي ناشرة اليربوعي وقتل بسجستان في فتنة ابن الزبير قال

(22/259)


( لعمري لقد هدت قريش عروشنا ... بأبيض نفاح العشيات أزهرا )
( وكان حصادا للمنايا زرعنه ... فهلا تركن النبت ما كان أخضرا )
( لحا الله قوما أسلموك وجردوا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمرا )
( أما كان فيهم ماجد ذو حفيظة ... يرى الموت في بعض المواطن أفخرا )
( يكر كما كر الكليبي مهره ... وما كر إلا خشية أن يعيرا )
يريد ما كان في هؤلاء القوم من يكر كما كر ناشرة الكليبي مهره

(22/260)


أخبار أبي حزابة ونسبه
أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ين تميم شاعر من شعراء الدولة الأموية بدوي حضر وسكن البصرة ثم اكتتب في الديوان و ضرب عليه البعث إلى سجستان فكان بها مدة وعاد إلى البصرة وخرج مع ابن الأشعث لما خرج على عبد الملك و أظنه قتل معه وكان شاعرا راجزا فصيحا خبيث اللسان هجاء
أبطىء عليه بالجائزة فأنشد
فأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا محمد الهيثم الشامي قال حدثني عمي أبو فراس عن العذري قال
دخل أبو حزابة على طلحة الطلحات الخزاعي وقد استعمله يزيد بن معاوية على سجستان و كان أبو حزابة قد مدحه فأبطأت عليه الجائزة من جهته ورأى ما يعطى غيره من الجوائز فأنشده

(22/261)


( وأدليت دلوي في دلاء كثيرة ... فجئن ملاء غير دلوي كما هيا )
( وأهلكني ألا تزال رغيبة ... تقصر دوني أو تحل ورائيا )
( أراني إذا استمطرت منك سحابة ... لتمطرني عادت عجاجا وسافيا )
قال فرماه طلحة بحق فيه درة فأصاب صدره ووقعت في حجره و يقال بل أعطاه أربعة أحجار و قال له لا تخدع عنها فباعها بأربعين آلفا ومات طلحة بسجستان
ثم ولي من بعده رجل من بني عبد شمس يقال له عبد الله بن علي بن عدي و كان شحيحا فقال له أبو حزابة
( يا بن علي برح الخفاء ... قد علم الجيران والاكفاء )
( انك أنت النزل واللفاء ... أنت لعين طلحة الفداء )
( بنو عدي كلهم سواء ... كأنهم زينية جراء )
قصيدة يرثي فيها طلحة ويذم عبد الله بن علي
قال ثم وليها بعد عبد الله بن علي عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن كريز أيام الفتنة فاستأذنه أبو حزابة أن يأتي البصرة فأذن له فقدمها وكان الناس يحضرون المربد ويتناشدون الاشعار ويتحادثون ساعة من

(22/262)


النهار فشهدهم أبو حزابة وأنشدهم مرثية له في طلحة الطلحات يضمنها ذما لعبد الله بن علي وهي قوله
( هيهات هيهات الجناب الأخضر ... والنائل الغمر الذي لا ينزر )
( واراه عنا الجدث المغور ... قد علم غداة استعبروا )
( والقبر بين الطلحات يحفر ... أن لن يروا مثلك حتى ينشروا )
( أنا أتانا جرز محمر ... أنكرة سريرنا و المنبر )
( و المسجد المحتضر المطهر ... وخلف يا طلح منك أعور )
( بلية يا ربنا لا نسخر ... أقل من شبرين حين يشبر )
( مثل أبي القعواء لا بل أقصر ... )
يهجو عون بن سلامة
قال وأبو القعواء حاجب لطلحة كان قصيرا
فقال عون بن عبد الرحمن بن سلامة وسلامة أمه وهو رجل من بني تميم بن مرة قيس بئسما قلت أتشاهر الناس بشتم قريش فقال له إني لم اعم إنما سميت رجلا واحدا فأغلظ له عون حتى انصرف عن ذلك الموضع ثم أمر عون ابن أخ له فدعا أبا حزابة فأطعمه وسقاه و خلط في شرابه شبرما فسلحه فخرج أبو حزابة وقد أخذه بطنه فسلح

(22/263)


على بابهم وفي طريقه حتى بلغ أهله ومرض أشهرا ثم عوفي فركب فرسا له ثم أتى المربد فإذا عون بن سلامة واقف فصاح به فوقف ولو لم يقف كان أخف لهجائه فقال له أبو حزابة
( يا عون قف واستمع الملامه ... لا سلم الله على سلامه )
( زنجية تحسبها نعامه ... شكاء شان جسمها دمامه )
( ذات حر كريشتي حمامه ... بينهما بظر كرأس الهامه )
( أعلمتها وعالم العلامه ... لو أن تحت بظرها صمامه )
( لدفعت قدما بها أمامه ... )
فكان الناس يصيحون به
( أعلمتها وعالم العلامة ... )
أخبرني عمي قال حدثنا احمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني عمي أبو فراس عن الهيثم بن عدي قال
كان عبد الله بن خلف أبو طلحة الطلحات مع عائشة يوم الجمل و قتل معها يومئذ وعلى بني خلف نزلت عائشة بالبصرة في القصر المعروف بقصر بني خلف وكان هوى طلحة الطلحات أمويا وكانت بنو أمية مكرمين له
فأنشد أبو حزابة يوما طلحة
( يا طلح بأبي مجدك الأخلافا ... والبخل لا يعترف اعترافا )

(22/264)


( إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا )
رفض الوقوف بباب يزيد بن معاوية
فأمر له طلحة بإبل ودراهم و قال له هذه مكان أحمرتك
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني العمري عن لقيط قال قيل لأبي حزابة لو أتيت يزيد بن معاوية لفرض لك وشرفك وألحقك بعلية أصحابه فلست دونهم وكان أبو حزابة يومئذ غلاما حدثا وكان معاوية حيا ويزيد أميرا يومئذ فلما أكثر قومه عليه في ذلك وفي قولهم إنك ستشرف بمصيرك إليه قال
( يشرفني سيفي وقلب مجانب ... لكل لئيم باخل ومعلهج )
( وكري على الأبطال طرءفا كأنه ... ظليم وضربي فوق رأس المدجج )
( وقولي إذا ما النفس جاشت وأجهشت ... مخافة يوم شره متأجج )
( عليك غمار الموت يا نفس إنني ... جريء على درء الشجاع المهجهج )
فلما أكثر عليه قومه وعنفوه في تأخره أتى يزيد بن معاوية فأقام ببابه شهرا لا يصل إليه فرجع و قال والله لا يراني ما حملت عيناي الماء إلا أسيرا أو قتيلا وأنشأ يقول
( فو الله لا آتي يزيد ولو حوت ... أنامله ما بين شرق إلى غرب )
( لأن يزيدا غير الله ما به ... جنوح إلى السوءى مصر على الذنب )
( فقل لبني حرب تقوا الله وحده ... ولا تسعدوه في البطالة واللعب )

(22/265)


( ولا تأمنوا التغيير أن دام فعله ... ولم ينهه عن ذاك شيخ بني حرب )
( أيشربها صرفا إذا الليل جنه ... معتقة كالمسك تختال في العلب )
( و يلحى عليها شاربيها وقلبه ... يهيم بها أن غاب يوما عن الشرب )
خبر رهن سرجه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة عن المدائني قال
لما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وكان معه أبو حزابة فمروا بدستبى وبها مستراد الصناجة وكانت لا يبيت بها أحد إلا بمائة درهم فبات بها أبو حزابة ورهن عندها سرجه فلما أصبح وقف لعبد الرحمن فلما أقبل صاح به وقال
( أمر عضال نابني في العج ... كأنني مطالب بخرج )
( ومستراد ذهبت بالسرج ... في فتنة الناس وهذا الهرج )
فعرف ابن الأشعث القصة وضحك وأمر بان يفتك له سرجه ويعطى معه ألف درهم وبلغت القصة الحجاج فقال أيجاهر في عسكره بالفجور فيضحك ولا ينكر ظفرت به أن شاء الله

(22/266)


هجوه عبد الله بن علي
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال
مدح أبو حزابة عبد الله بن علي العبشمي وهو على سجستان فلم يثبه فقال يهجوه
( هبت تعاتبني أما ... مة في السماحة والفضال )
( وأبيت عند عتابها ... إلا خلائق ذي النوال )
( أعطي أخي وأحوطه ... جهدي وأبذل جل مالي )
( وأقيه عند تشاجر الأبطال ... بالأسل النهال )
( حفظا له ورعاية ... للخاليات من الليالي )
( إذ نحن نشرب قهوة ... درياقة كدم الغزال )
( حمراء يذهب ريحها ... ما في الرؤوس من الخبال )
( وإذا تشعشع في الإناء ... رمت أخاها باغتيال )
( وعلا الحباب فخلته ... عقدا ينظم من لآلي )
( تشفي السقيم بريحها ... و تميته قبل الإجال )
( تلك التي تركت فؤاد ... أبي حزابة في ضلال )
( لا يستفيق ولا يفيق ... نزيفها في كل حال )
( وإذا الكماة تنازلوا ... ومشى الرجال إلى الرجال )

(22/267)


( وبدت كتائب تمتري ... مهج الكتائب بالعوالي )
( فأبو حزابة عند ذاك ... أخو الكريهة والنزال )
( يمشي الهوينى معلما ... بالسيف مشيا غير آل )
( كالليث يترك قرنه ... متجدلا بين الرمال )
( إني نذير بني تميم ... من أخي قيل وقال )
( من لا يجود ولا يسود ... ولا يجير من الهزال )
( وتراه حين يجيئه السؤال ... يولع بالسعال )
( متشاغلا متنحنحا ... كالكلب جمجم للعظال )
( فارفض قريشا كلها ... من أجل ذي الداء العضال )
يعني عبد الله بن علي العبشمي
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني محمد بن الهيثم الشامي قال حدثني عمي أبو فراس عن العذري قال
دخل أبو حزابة على عمارة بن تميم و محمد بن الحجاج وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وكان عبد الرحمن لما قدماها هرب ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا سبعمائة رجل من بني تميم كانوا مقيمين بها فقال لهما أبو حزابة إن الرجل قد هرب منكما ولم يبق من أصحابه أحد وإنما بسجستان من كان بها من بني تميم قبل قدومه فقالا

(22/268)


له ما لهم عندنا أمان لأنهم قد كانوا مع ابن الأشعث وخلعوا الطاعة فقال ما خلعوها ولكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة فلم يجيباه إلى ما أراد وعاد إلى قومه وحاصرهم أهل الشام فاستقتلت بنو تميم فكانوا يخرجون في كل يوم إليهم فيواقعونهم ويكسبونهم بالليل وينهبون أطرافهم حتى ضجروا بذلك فلما رأى عمارة فعلهم صالحهم وخرجوا إليه فلما رأى قلتهم قال أما كنتم إلا ما أرى قالوا نعم فان شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب فقال أنا غني عن ذلك وآمنهم فقال أبو حزابة في ذلك
مدحه لبني تميم
( لله عينا من رأى من فوارس ... أكر على المكروه منهم وأصبرا )
( وأكرم لو لاقوا سوادا مقاربا ... ولكن لقوا طما من البحر أخضرا )
( فما برحوا حتى أعضوا سيوفهم ... ذرى الهام منهم والحديد المسمرا )
( وحتى حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا )
صوت
( إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل )
( وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل )
( تكفكفه بالعشي الجنوب ... وتفرغه هزة الشمأل )

(22/269)


كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل )
الشعر لزهير السكب التميمي المازني والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش

(22/270)


نسب زهير السكب وأخباره
هو زهير بن عروة بن جلهمة بن حجر بن خزاعي شاعر جاهلي وإنما لقب السكب ببيت قاله وقال فيه
( برق يضيء خلال البيت أسكوب ... )
شعره في الرغبة بالعودة إلى عشيرته
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثنا أبو هفان عن سعيد بن هريم عن أبيه قال
كان زهير بن عروة المازني الملقب بالسكب جاهليا وكان من أشراف بني مازن وأشدائهم وفرسانهم وشعرائهم فغاضب قومه في شيء ذمه منهم وفارقهم إلى غيرهم من بني تميم فلحقه فيهم ضيم و أراد الرجوع إلى عشيرته فأبت نفسه ذلك عليه فقال يتشوق ناسا منهم كانوا بني عمه دينه يقال لهم بنو حنبل
( إذا لله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل )
( ملثا أحم دواني السحاب ... هزيم الصلاصل والأزمل )

(22/271)


( تكركره خضخضات الجنوب ... وتفرغه هزة الشمأل )
( كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل )
( فنعم بنو العم والأقربون ... لدى حطمة الزمن الممحل )
( ونعم المواسون في النائبات ... للجار والمعتفي المرمل )
( ونعم الحماة الكفاة العظيم ... إذا غائظ الأمر لم يحلل )
( ميامين صبر لدى المعضلات ... على موجع الحدث المعضل )
( مباذيل عفوا جزيل العطاء ... إذا فضلة الزاد لم تبذل )
( هم سبقوا يوم جري الكرام ... ذوي السبق في الزمن الاول )
( وساموا إلى المجد أهل الفعال ... فطالوا بفعلهم الأطول )
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
سأل رجل أبا عمرو بن العلاء عن الرباب فقال أما تراه معلقا بالسحاب كالذيل له أما سمعت قول صاحبنا السكب
( كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل )

(22/272)


صوت
( سلا عن تذكره تكتما ... وكان رهينا بها مغرما )
( وأقصر عنها وآثارها ... تذكره داءها الأقدما )
الشعر للنمر بن تولب والغناء لخزرج خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي

(22/273)


أخبار النمر بن تولب ونسبه
هو النمر بن تولب بن أقيش بن عبد كعب بن عوف بن الحارث بن عوف بن وائل بن قيس بن عكل واسم عكل عوف بن عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر مقل مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم فحسن إسلامه ووفد إلى النبي وكتب له كتابا فكان في أيدي أهله وروى عنه حديثا سأذكره في موضعه وكان النمر أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم
سمي بالكيس لجودة شعره
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرنا محمد بن حبيب قال قال الأصمعي
كان أبو عمرو بن العلاء يسمي النمر بن تولب الكيس لجودة شعره وحسنه
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن سلام الجمحي وأخبرنا به أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام قال

(22/274)


كان النمر بن تولب جوادا لا يليق شيئا وكان شاعرا فصيحا جريئا على المنطق وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس لحسن شعره
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال أخبرنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا قرة بن خالد عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مطرف وأخبرني أبو خليفة في كتابه إلي قال حدثنا محمد بن سلام قال
وفد النمر بن تولب على النبي وكتب له كتابا أخبرناه قرة بن خالد السدوسي وسعيد بن إياس الجريري عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مطرف
حظي بكتاب من رسول الله )
وأخبرني عمي عن القاسم عن محمد الأنباري عن أحمد بن عبيد عن الأصمعي عن قرة بن خالد عن يزيد بن عبد الله أخي مطرف واللفظ قريب بعضه من بعض قال
بينما نحن بهذا المربد جلوس يعني مربد البصرة إذ أتى علينا أعرابي أشعث الرأس فوقف علينا فقلنا والله لكأن هذا الرجل ليس من أهل هذا البلد قال أجل وإذا معه قطعة من جراب أو أديم فقال هذا كتاب كتبه لي رسول الله فقرأناه فإذا فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبني زهير هكذا قال أحمد بن عبيد وقال الباقون لبني زهير بن أقيش حي من عكل إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وفارقتم المشركين

(22/275)


وأعطيتم الخمس من الغنائم وسهم النبي والصفي فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله
وقال أحمد بن عبيد الله في خبرة خاصه لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم وقالوا جميعا في الخبر فقال له القوم حدثنا رحمك الله ما سمعت من رسول الله فقال سمعت رسول الله يقول ( صوم شهر الصبر وصوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرا من وحر الصدر )
فقال له القوم أأنت سمعت هذا من رسول الله فقال أراكم تخافون أن أكذب على رسول الله لا حدثتكم حديثا ثم أهوى إلى الصحيفة وانصاع مدبرا
قال يزيد بن عبد الله فقيل لي بعد ما مضى هذا النمر بن تولب العكلي الشاعر
كان مثالا للكرم
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن محمد بن خلف قال اخبرنا محمد بن سلام قال
خرج النمر بن تولب بعدما كبر في إبله فسأله سائل فأعطاه فحل إبله فلما رجعت الإبل إذا فحلها ليس فيها فهتفت به امرأته وعذلته وقالت فهلا غير فحل إبلك فقال له
( دعيني وأمري سأكفيكه ... وكوني قعيدة بيت ضباعا )
( فإنك لن ترشدي غاويا ... ولن تدركي لك حظا مضاعا )

(22/276)


وقال أيضا في عذلها إياه
( بكرت باللوم تلحانا ... في بعير ضل أو حانا )
( علقت لوا تكررها ... إن لوا ذاك أعيانا )
قال وأدرك الإسلام فأسلم
شعره بعد أن خدعته زوجه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سلام قال كان للنمر بن تولب أخ يقال له الحارث بن تولب وكان سيدا معظما فأغار الحارث على بني أسد فسبى امرأة منهم يقال لها جمرة بنت نوفل فوهبها لأخيه النمر بن تولب ففركته فحبسها حتى استقرت وولدت له أولادا ثم قالت له في بعض أيامها أزرني أهلي فإني قد اشتقت إليهم فقال لها أني أخاف أن صرت إلى اهلك أن تغلبيني على نفسك فواثقته لترجعن إليه فخرج بها في الشهر الحرام حتى أقدمها بلاد بني أسد فلما أطل على الحي تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول فمكثت طويلا فلم ترجع إليه فعرف ما صنعت وأنها اختدعته فانصرف و قال
( جزى الله عنا جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغل بالأمانة كاذب )
( لهان عليها أمس موقف راكب ... إلى جانب السرحات أخيب خائب )

(22/277)


( وقد سألت عني الوشاة ليكذبوا ... علي وقد أبليتها في النوائب )
( وصدت كأن الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب )
و قال فيها أيضا
( كل خليل عليه الرعاث ... والحبلات كذوب ملق )
الحبلات واحداتها حبلة وهي جنس من الحلي قدر ثمر الطلح
( وقامت إلي فأحلفتها ... بهدي قلائده تختفق )
( بأن لا أخونك فيما علمت ... فإن الخيانة شر الخلق )
و قال فيها أشعارا كثيرة يطول ذكرها
أخبرني اليزيدي عن محمد بن حبيب قال
كان أبو عمرو يشبه شعر النمر بشعر حاتم الطائي
صالح بن حسان يعتبره أفتى الشعراء
أخبرني الحسين بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال
بلغني أن صالح بن حسان قال يوما لجلسائه أي الشعراء أفتى قالوا عمر بن أبي ربيعة وقالوا جميل وأكثروا القول فقال أفتاهم النمر بن تولب حين يقول

(22/278)


( أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فواحزنا من ذا يهيم بها بعدي )
أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد بن زهير عن محمد بن سلام قال
حج النمر بن تولب بعد هرب جمرة منه فنزل بمنى ونزلت جمرة مع زوجها قريبا منه فعرفته فبعثت إليه بالسلام وسألته عن خبره ووصته خيرا بولده منها فقال
( فحييت عن شحط بخير حديثنا ... ولا يأمن الأيام إلا المضلل )
( يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف يرى طول السلامة يفعل )
أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا أبو محمد اليزيدي عن الأصمعي
وأخبرنا اليزيدي عن ابن حبيب عن الأصمعي قال
لما وفد النمر بن تولب على النبي أنشده
( يا قوم إني رجل عندي خبر ... لله من آياته هذا القمر )
( والشمس والشعرى آيات أخر ... من يتسام بالهدى فالخبث شر )
( إنا أتيناك وقد طال السفر ... نقود خيلا رجعا فيها ضرر )
( نطعمها اللحم إذا عز الشجر ... )
قال اليزيدي عن ابن حبيب خاصة قال الأصمعي أطعمها اللحم أسقيها اللبن والعرب تقول اللبن أحد اللحمين و قال ابن

(22/279)


حبيب قال ابن الأعرابي كانت العرب إذا لم تجد العلف دقت اللحم اليابس فأطعمته الخيل
نسي امرأته بحب جديد
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش وأخبرنا ابن المرزبان قال أخبرني عيسى بن يونس قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثنا الهيثم بن عدي عن ابن عباس قال
لما فارق النمر بن تولب امرأته الأسدية جزع عليها حتى خيف على عقله ومكث أياما لا يطعم ولا ينام فلما رأت عشيرته منه ذلك أقبلوا عليه يلومونه ويعيرونه و قالوا أن في نساء العرب مندوحة و متسعا وذكروا له امرأة من فخذه الأدنين يقال لها دعد ووصفوها له بالجمال و الصلاح فتزوجها ووقعت من قلبه وشغلته عن ذكر جمرة وفيها يقول
( أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي )
والناس يروون هذا البيت لنصيب وهو خطأ
أخبرني اليزيدي عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه
وأخبرني إبراهيم بن محمد الصائغ عن ابن قتيبة عن عبد الرحمن عن عمه عن حماد بن ربيعة انه قال
أظرف الناس النمر بن تولب حيث يقول

(22/280)


( أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي )
رثاؤه لزوجه جمرة
أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني عبد الله بن محمد قال أخبرني محمد بن سلام قال
لما بلغ النمر بن تولب أن امرأته جمرة توفيت نعاها له رجل من قومه يقال له حزام أو حرام فقال
( ألم تر أن جمرة جاء منها ... بيان الحق إن صدق الكلام )
( نعاها بالندي لنا حزام ... حديث ما تحدث يا حرام )
( فلا تبعد وقد بعدت وأجرى ... على جدث تضمنها الغمام )
قال الأصمعي يقال بعد وأبعد
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي عن أبي عمرو وأخبرني به هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة عن أبي عمرو و قال
أدرك النمر بن تولب النبي فأسلم وحسن إسلامه وعمر فطال عمره وكان جوادا واسع القرى كثير الأضياف وهابا لماله فلما كبر خرف وأهتر فكان هجيراه اصبحوا الراكب اغبقوا الراكب اقروا انحروا للضيف أعطوا السائل تحملوا لهذا في حمالته كذا و كذا

(22/281)


لعادته بذلك فلم يزل يهذي بهذا وشبهه مدة خرفه حتى مات
قال وخرفت امرأة من حي كرام عظيم خطرهم وخطرها فيهم فكان هجيراها زوجوني قولوا لزوجي يدخل مهدوا لي إلى جانب زوجي فقال عمر بن الخطاب وقد بلغه خبرها ما لهج به أخو عكل النمر بن تولب في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم ثم ترحم عليه
رثى اخاه الحارث
أخبرني ابن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري قال حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة قال
مات الحارث بن تولب فرثاه النمر فقال
( لا زال صوب من ربيع وصيف ... يجود على حسن الغميم فيثرب )
( فو الله ما أسقي البلاد لحبها ... و لكنما أسقيك حار بن تولب )
( تضمنت أدواء العشيرة بينها ... و أنت على أعواد نعش مقلب )
( كأن امرأ في الناس كنت ابن أمه ... على فلج من بطن دجلة مطنب )
قال حماد الراوية كان النمر بن تولب كثير البيت السائر و البيت المتمثل به فمن ذلك قوله
( لا تغضبن على امرئ في ماله ... و على كرائم صلب مالك فاغضب )
( و إذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... و إلى الذي يعطي الرغائب فارغب )

(22/282)


وقوله
( تلبس لدهرك أثوابه ... فلن يبتني الناس ما هدما )
( وأحبب حبيبك حبا رويدا ... فليس يعولك أن تصرما )
( و أبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما )
وقوله
( أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيد فأنى ناصري وقريبي )
( ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أفنيت كان نصيبي )
يتحمل دية عن صديقه
نسخت من كتاب بخط السكري أبي سعيد قال محمد بن حبيب
كان للنمر بن تولب صديق فأتاه النمر في ناس من قومه يسألونه في دية احتملوها فلما رآهم وسألوه تبسم فقال النمر
( تبسم ضاحكا لما رآني ... وأصحابي لدي عن التمام )
فقال له الرجل إن لي نفسا تأمرني أن أعطيكم ونفسا تأمرني ألا أفعل فقال النمر
( أما خليلي فإني غير معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما )
( نفس له من نفوس الناس صالحة ... تعطي الجزيل و نفس ترضع الغنما )
ثم قال النمر لأصحابه لا تسألوا أحدا فالدية كلها علي
خبر السيف الذي علاه الصدأ
أخبرني احمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا علي بن محمد

(22/283)


النوفلي قال حدثنا أبي قال حدثنا الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي قال
جاء أعرابي إلى أبي وهو مستتر بسويقة قبل مخرجه ومعه سيف قد علاه الصدأ فقال يا بن رسول الله إني كنت ببطن قديد أرعى إبلي و فيها فحل قطم قد كنت ضربته فحقد علي و أنا لا ادري فخلا بي فشد علي يريدني و أنا أحضر و دنا مني حتى أن لعابه ليسقط على رأسي لقربه مني فأنا اشتد وأنا أنظر إلى الأرض لعلي أرى شيئا أذبه عني به إذ وقعت عيني على هذا السيف قد فحص عنه السيل فظننته عودا باليا فضربت بيدي إليه فأخذته فإذا سيف فذببت به البعير عني ذبا و الله ما أردت به الذي بلغت منه فأصبت خيشومه فرميت بفقمه فعلمت انه سيف جيد وظننته من سيوف القوم الذين كانوا قتلوا في وقعة قديد و ها هوذا قد أهديته لك يا بن رسول الله قال فأخذه مني أبي وسر به و جلس الأعرابي يحادثه فبينا هو كذلك إذا أقبلت غنم لأبي ثلاثمائة شاة فيها رعاؤها فقال له أبي يا أعرابي هذه الغنم و الرعاة لك مكافأة لك عن هذا السيف قال ثم أرسل به إلى المدينة أو أرسل إلى قين فأتي به من المدينة فأمر به فحلي فخرج أكرم سيوف الناس فأمر ما تخذ له جفن ودفعه إلى أختي فاطمة بنت محمد فلما كان اليوم الذي قتل

(22/284)


فيه قاتل بغير ذلك السيف قال وبقي ذلك السيف عند أختي فاطمة بنت محمد فزرتها يوما وهي بينبع في جماعة من أهل بيتي و كانت عند ابن عمها الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم أجمعين السلام فخرجت إلينا وكانت برزة تجلس لاهلها كما يجلس الرجال و تحدثهم فجلست تحدثنا و أمرت مولى لها فنحر لنا جزورا ليهيئ لنا طعاما
فنظرت إليها و الجزور في النخل باركة و قد بردت وهي تسلخ فقالت أني لا أرى في هذه الجزور مضربا حسنا ثم دعت بالسيف و قالت يا حسن فدتك أختك هذا سيف أبيك فخذه واجمع يديك في قائمة ثم اضرب به أثناءها من خلفها تريد عراقيبها وقد أثبتها للبروك وهي أربعة أعظم قال فأخذت السيف ثم مضيت نحوها فضربت عراقيبها فقطعتها و الله أربعتها و سبقني السيف فدخل في الأرض فأشفقت عليه أن ينكسر أن اجتذبته فحفرت عنه حتى استخرجته قال فذكرت حينئذ قول النمر بن تولب
( أبقى الحوادث و الأيام من نمر ... أسباد سيف كريم أثره بادي )
( تظل تحفر عنه الأرض مندفعا ... بعد الذراعين و القيدين و الهادي )
و يروى
( تظل تحفر عنه إن ظفرت به ... )

(22/285)


مختارات من شعره
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني أحمد بن معاوية الباهلي عن أبي عبيدة قال
قيل للنمر بن تولب كيف أصبحت يا أبا ربيعة فأنشأ يقول
( أصبحت لا يحمل بعضي بعضا ... أشكو العروق الآبضات أبضا )
( كما تشكى الأرحبي الغرضا ... كأنما كان شبابي قرضا )
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال أنشدني حماد بن الأخطل بن النمر بن تولب لجده
( أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا )
( ومن حاجات نفس فاعصمني ... فإن لمضمرات النفس حاجا )
( فأنت وليها وبرئت منها ... إليك فما قضيت فلا خلاجا )
ثم قال كان النمر أفتى خلق الله فقلت وما كانت فتوته قال أو ليس فتى من يقول
( أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنا من ذا يهيم بها بعدي )
صوت
( أيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا )

(22/286)


( وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردا على عيني فضل ردائيا )
( ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا )
( لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا )
( فياليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا )
الشعر لمالك بن الريب و الغناء لمعبد مما لا يشك فيه من غنائه خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق و يونس و عمرو و دنانير وفيه خفيف ثقيل آخر لابن عائشة من رواية علي بن يحيى وفيه لابن سريج هزج بالخصر في مجرى البنصر عن ابن المكي وفيه لإبراهيم رمل بالوسطى عن عبد الله بن موسى في الأول و الثالث من الأبيات ولإبراهيم ثقيل أول في الخامس ثم الرابع عن الهشامي و قيل أن الرمل المنسوب إليه لنبيه

(22/287)


أخبار مالك بن الريب و نسبه
هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم
كان من الشعراء اللصوص )
وكان شاعرا فاتكا لصا و منشؤه في بادية بني تميم بالبصرة من شعراء الإسلام في أول أيام بني أمية
أخبرني بخبره علي بن سليمان الاخفش قال أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وعن هشام بن الكلبي وعن الفضل بن محمد وإسحاق بن الجصاص و حماد الرواية و كلهم قد حكى من خبره نحوا مما حكاه الآخرون قالوا
استعمل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان فمضى سعيد بجنده في طريق فارس فلقيه بها مالك بن الريب المازني و كان من أجمل الناس وجها و أحسنهم ثيابا فلما رآه سعيد أعجبه و قال له مالك و يحك تفسد نفسك بقطع الطريق وما يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العبث و الفساد وفيك هذا الفضل قال يدعوني إليه العجز عن المعالي ومساواة ذوي المروءات و مكافأة الإخوان قال فإن أنا أغنيتك

(22/288)


واستصحبتك أتكف عما كنت تفعل قال أي و الله أيها الأمير أكف كفا لم يكف أحد أحسن منه قال فاستصحبه وأجرى له خمسمائة درهم في كل شهر
قالوا
وكان السبب الذي من أجله وقع مالك بن الريب إلى ناحية فارس أنه كان يقطع الطريق هو وأصحاب له منهم شظاظ وهو مولى لبني تميم و كان أخبثهم وأبو حردبة أحد بني أثالة بن مازن و غويث أحد بني كعب بن مالك بن حنظلة و فيهم يقول الراجز
( الله نجاك من القصيم ... وبطن فلج وبني تميم )
( ومن بني حردبة الأثيم ... ومالك وسيفه المسموم )
( ومن شظاظ الأحمر الزنيم ... ومن غويث فاتح العكوم )
فساموا الناس شرا و طلبهم مروان بن الحكم وهو عامل على المدينة فهربوا فكتب إلى الحارث بن حاطب الجمحي وهو عامله على بني عمرو بن حنظلة يطلبهم فهربوا منه
توعد الحارث بن حاطب
وبلغ مالك بن الريب أن الحارث بن حاطب يتوعده فقال
( تألى حلفة في غير جرم ... أميري حارث شبه الصرار )

(22/289)


علي لأجلدن في غير جرم ... ولا أدنى فينفعني اعتذاري )
( وقلت وقد ضممت إلي جأشي ... تحلل لا تأل علي حار )
( فإني سوف يكفينيك عزمي ... ونص العيس بالبلد القفار )
( وعنس ذات معجمة أمون ... علنداة موثقة الفقار )
( تزيف إذا تواهقت المطايا ... كما زاف المشرف للخطار )
( وإن ضربت بلحييها و عامت ... تفصم عنهما حلق السفار )
( مراحا غير ما ضغن ولكن ... لجاجا حين تشتبه الصحاري )
( إذا ما استقبلت جونا بهيما ... تفرج عن مخيسة حضار )
( إذا ما حال روض رباب دوني ... وتثليث فشأنك بالبكاري )
( وأنياب سيخلفهن سيفي ... وشدات الكمي على التجار )
( فإن أسطع أرح منه أناسي ... بضربة فاتك غير اعتذار )
( وإن يفلت فإني سوف أبغي ... بنيه بالمدينة أو صرار )

(22/290)


( ألا من مبلغ مروان عني ... فإني ليس دهري بالفرار )
( ولا جزع من الحدثان يوما ... ولكني أرود لكم و بار )
و بار أرض لم يطأ أحد ثراها
( بهزمار تراد العيس فيها ... إذا أشفقن من قلق الصفار )
( وهن يحشن بالأعناق حوشا ... كأن عظامهن قداح بار )
( كأن الرحل أسأر من قراها ... هلال عشية بعد السرار )
( رأيت وقد أتى بحران دوني ... لليلى بالغميم ضوء نار )
( إذا ما قلت قد خمدت زهاها ... عصي الرند والعصف السواري )
( يشب وقودها ويلوح وهنا ... كما لاح الشبوب من الصوار )
( كأن النار اذ شبت لليلى ... أضاءت جيد مغزلة نوار )
( و تصطاد القلوب على مطاها ... بلا جعد القرون ولا قصار )
( وتبسم عن نقي اللون عذب ... كما شيف الأقاحي بالقطار )
( أتجزع أن عرفت ببطن قو ... و صحراء الأديهم رسم دار )

(22/291)


( وإن حل الخليط و لست فيهم ... مرابع بين دحل إلى سرار )
( إذا حلوا بعائجة خلاء ... يقطف نور حنوتها العذاري )
فبعث إليه الحارث رجلا من الأنصار فأخذه وأخذ أبا جردبة فبعث بأبي حردبة وتخلف الأنصاري مع القوم الذين كان مالك فيهم وأمر غلاما له فجعل يسوق مالكا فتغفل مالك غلام الأنصاري وعليه السيف فانتزعه منه وقتله به وشد على الأنصاري فضربه بالسيف حتى قتله وجعل يقتل من كان معه يمينا وشمالا
ثم لحق بأبي حردبة فتخلصه وركبا إبل الأنصاري و خرجا فرارا من ذلك هاربين حتى أتيا البحرين واجتمع إليهما أصحابهما ثم قطعوا إلى فارس فرارا من ذلك الحدث الذي أحدثه مالك فلم يزل بفارس حتى قدم عليه سعيد بن عثمان فاستصحبه
شعره في مهربه
فقال مالك في مهربه ذلك
( أحقا على السلطان أما الذي له ... فيعطي وأما ما يراد فيمنع )
( إذا ما جعلت الرمل بيني وبينه ... وأعرض سهب بين يبرين بلقع )

(22/292)


( من الأدمى لا يستجم بها القطا ... تكل الرياح دونه فتقطع )
( فشأنكم يا آل مروان فاطلبوا ... سقاطي فما فيه لباغيه مطمع )
( وما أنا كالغير المقيم لأهله ... على القيد في بحبوحة الضيم يرتع )
( ولولا رسول الله أن كان منكم ... تبين من بالنصف يرضى ويقنع )
وقال أيضا
( لو كنتم تنكرون العذر قلت لكم ... يا آل مروان جاري منكم الحكم )
( وأتقكم يمين الله ضاحية ... عند الشهود وقد توفي به الذمم )
( لا كنت أحدث سوءا في إمارتكم ... ولا الذي فات مني قبل ينتقم )
( نحن الذين إذا خفتم مجللة ... قلتم لنا إننا منكم لتعتصموا )
( حتى إذا انفرجت عنكم دجنتها ... صرتم كجرم فلا إل ولا رحم )
قوله في محاولة إغتياله
وقال مالك حين قتل غلام الأنصاري الذي كان يقوده
( غلام يقول السيف يثقل عاتقي ... إذا قادني وسط الرجال المجحدل )
( فلولا ذباب السيف ظل يقودني ... بنسعته شثن البنان حزنبل )
قالوا وبينما مالك بن الريب ذات ليلة في بعض هناته وهو نائم وكان

(22/293)


لا ينام إلا متوشحا بالسيف إذ هو بشيء قد جثم عليه لا يدري ما هو فانتفض به مالك فسقط عنه ثم انتحى له بالسيف فقده نصفين ثم نظر إليه فإذا هو رجل أسود كان يقطع الطريق في تلك الناحية فقال مالك في ذلك
( أدلجت في مهمه ما إن أرى أحدا ... حتى إذا حان تعريس لمن نزلا )
( وضعت جنبي وقلت الله يكلؤني ... مهما تنم عنك من عين فما غفلا )
( والسيف بيني وبين الثوب مشعره ... أخشى الحوادث إني لم أكن وكلا )
( ما نمت إلا قليلا نمته شئزا ... حتى وجدت على جثماني الثقلا )
( داهية من دواهي الليل بيتني ... مجاهدا يبتغي نفسي وما ختلا )
( أهويت نفحا له والليل ساتره ... إلا توخيته والجرس فانخزلا )
( لما ثنى الله عني شر عدوته ... رقدت لا مثبتا ذعرا ولا بعلا )
( أما ترى الدار قفرا لا أنيس بها ... إلا الوحوش وأمسى أهلها احتملا )
( بين المنيفة حيث استن مدفعها ... وبين فردة من وحشيها قبلا )
( وقد تقول وما تخفي لجارتها ... إني أرى مالك بن الريب قد نحلا )

(22/294)


( من يشهد الحرب يصلاها ويسعرها ... تراه مما كسته شاحبا وجلا )
( خذها فإني لضراب إذا اختلفت ... أيدي الرجال بضرب يختل البطلا )
وقال مالك في ذلك أيضا
( يا عاملا تحت الظلام مطية ... متخايلا لا بل وغير مخاتل )
( أني أنخت لشابك أنيابه ... مستأنس بدجى الظلام منازل )
( لا يستريع عظيمة يرمى بها ... حصبا يحفز عن عظام الكاهل )
( حربا تنصبه بنبت هواجر ... عاري الأشاجع كالحسام الناصل )
( لم يدر ما غرف القصور وفيؤها ... طاو بنخل سوادها المتمايل )
( يقظ الفؤاد إذا القلوب تآنست ... جزعا ونبه كل أروع باسل )
( حيث الدجى متطلعا لغفوله ... كالذئب في غلس الظلام الخاتل )
( فوجدته ثبت الجنان مشيعا ... ركاب منسج كل أمر هائل )
( فقراك أبيض كالعقيقة صارما ... ذا رونق يعني الضريبة فاصل )
( فركبت ردعك بين ثني فائز ... يعلو به أثر الدماء وشائل )
عرض عليه أن يكون سائس إبل فرفض
قال وانطلق مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان إلى خراسان حتى

(22/295)


إذا كانوا في بعض مسيرهم احتاجوا إلى لبن فطلبوا صاحب إبلهم فلم يجدوه فقال مالك لغلام من غلمان سعيد أدن مني فلانة لناقة كانت لسعيد عزيزة فأدناها منه فمسحها وأبس بها حتى درت ثم حلبها فإذا أحسن حلب حلبه الناس وأغزره درة فانطلق الغلام إلى سعيد فأخبره فقال سعيد لمالك هل لك أن تقوم بأمر إبلي فتكون فيها وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك وأضع عنك الغزو فقال مالك في ذلك
( أني لأستحيي الفوارس أن أرى ... بأرض العدا بو المخاض الروائم )
( وإني لأستحيي إذا الحرب شمرت ... أن ارخي دون الحرب ثوب المسالم )
( وما أنا بالنائي الحفيظة في الوغى ... ولا المتقي في السلم جر الجرائم )
( ولا المتأبي في العواقب للذي ... أهم به من فاتكات العزائم )
( ولكنني مستوحد العزم مقدم ... على غمرات الحادث المتفاقم )
( قليل اختلاف الرأي في الحر باسل ... جميع الفؤاد عند حل العظائم )
فلما سمع ذلك منه سعيد بن عثمان علم أنه ليس بصاحب إبل وأنه صاحب حرب فانطلق به معه
قالوا وبينما مالك بن الريب ليلة نائم في بعض مفازاته إذ بيته ذئب فزجره فلم يزدجر فأعاد فلم يبرح فوثب إليه بالسيف فضربه فقتله وقال مالك في ذلك
( أذئب الغضا قد صرت للناس ضحكة ... تغادي بك الركبان شرقا إلى غرب )
( فأنت وإن كنت الجريء جنانه ... منيت بضرغام من الأسد الغلب )

(22/296)


( بمن لا ينام الليل إلا وسيفه ... رهينة أقوام سراع إلى الشغب )
( ألم ترني يا ذئب إذ جئت طارقا ... تخاتلني أني أمرؤ وافر اللب )
( زجرتك مرات فلما غلبتني ... ولم تنزجر نهنهت غربك بالضرب )
( فصرت لقى لما علاك ابن حرة ... بأبيض قطاع ينجي من الكرب )
( ألا رب يوم ريب لو كنت شاهدا ... لهالك ذكري عند معمعمة الحرب )
( ولست ترى إلا كميا مجدلا ... يداه جميعا تثبتان من الترب )
( وآخر يهوي طائر القلب هاربا ... وكنت أمرأ في الهيج مجتمع القلب )
( أصول بذي الزرين أمشي عرضنة ... إلى الموت والأقران كالإبل الجرب )
( أرى الموت لا أنحاش عنه تكرما ... ولو شئت لم أركب على المركب الصعب )
( ولكن أبت نفسي وكانت أبية ... تقاعس أو ينصاع قوم من الرعب )
شعره حين فارق ابنته
قال أبو عبيدة لما خرج مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان تعلقت ابنته بثوبه وبكت وقالت له أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي فبكى وأنشأ يقول
( ولقد قلت لابنتي وهي تبكي ... بدخيل الهموم قلبا كئيبا )

(22/297)


وهي تذري من الدموع على الخدين ... من لوعة الفراق غروبا )
( عبرات يكدن يجرحن ما جزن ... به أو يدعن فيه ندوبا )
( حذر الحتف أن يصيب أباها ... ويلاقي في غير أهل شعوبا )
( اسكتي قد حززت بالدمع قلبي ... طالما حز دمعكن القلوبا )
( فعسى الله أن يدفع عني ... ريب ما تحذرين حتى أؤوبا )
( ليس شيء يشاؤه ذو المعالي ... بعزيز عليه فادعي المجيبا )
( ودعي أن تقطعي الأن قلبي ... أو تريني في رحلتي تعذيبا )
( أنا في قبضة الإله إذا كن ... ت بعيدا أو كنت منك قريبا )
( كم رأينا امرأ أتى من بعيد ... ومقيما على الفراش أصيبا )
( فدعيني من انتحابك إني ... لا أبالي إذا اعتزمت النحيبا )
( حسبي الله ثم قربت للسير ... علاة أنجب بها مركوبا )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال
كان سبب خروج مالك بن الريب إلى خراسان واكتتابه مع سعيد بن عثمان هربا من ضرطة فسألته كيف كان ذلك قال مر مالك بليلى الاخيلية فجلس إليها يحادثها طويلا وأنشدها فأقبلت عليه وأعجبت به حتى طمع في وصلها ثم إذا هو بفتى قد جاء إليها كأنه نصل

(22/298)


سيف فجلس إليها فأعرضت عن مالك وتهاونت به حتى كأنه عندها عصفور وأقبلت على صاحبها مليا من نهارها فغاظه ذلك من فعلها وأقبل على الرجل فقال من أنت فقال توبة بن الحمير فقال هل لك في المصارعة قال وما دعاك إلى ذلك وأنت ضيفنا وجارنا قال لا بد منه فظن أن ذلك لخوفه منه فازداد لجاجا فقام توبة فصارعه فلما سقط مالك إلى الأرض ضرط ضرطة هائلة فضحكت ليلى منه
واستحيا مالك فاكتتب بخراسان وقال لا أقيم في بلد العرب أبدا وقد تحدثت عني بهذا الحديث فلم يزل بخراسان حتى مات فقبره هناك معروف
يتذاكر واصحابه ماضيهم في السرقة
وقال المدائني وحدثني أبو الهيثم قال
اجتمع مالك بن الريب وأبو حردبة وشظاظ يوما فقالوا تعالوا نتحدث بأعجب ما عملناه في سرقتنا فقال أبو حردبة أعجب ما صنعت وأعجب ما سرقت أني صحبت رفقة فيها رجل على رحل فأعجبني فقلت لصاحبي والله لأسرقن رحله ثم لا رضيت أو آخذ عليه جعالة فرمقته حتى رأيته قد خفق برأسه فأخذت بخطام جمله فقدته وعدلت به عن الطريق حتى إذا صيرته في مكان لا يغاث فيه إن استغاث أنخت البعير وصرعته فأوثقت يده ورجله وقدت الجمل فغيبته ثم رجعت إلى الرفقة وقد فقدوا صاحبهم فهم يسترجعون فقلت ما

(22/299)


لكم فقالوا صاحب لنا فقدناه فقلت أنا أعلم الناس بأثره فجعلوا لي جعالة فخرجت بهم أتبع الأثر حتى وقفوا عليه فقالوا مالك قال لا أدري نعست فانتبهت لخمسين فارسا قد أخذوني فقاتلتهم فغلبوني
قال أبو حردبة فجعلت أضحك من كذبه وأعطوني جعالتي وذهبوا بصاحبهم
وأعجب ما سرقت انه مر بي رجل معه ناقة و جمل وهو على الناقة فقلت لأخذنهما جميعا فجعلت أعارضه وقد رأيته قد خفق برأسه فدرت فأخذت الجمل فحللته وسقته فغيبته في القصيم وهو الموضع الذي كانوا يسرقون فيه ثم انتبه فالتفت فلم ير جمله فنزل وعقل راحلته ومضى في طلب الجمل ودرت فحللت عقال ناقته و سقتها
فقالوا لأبي حردبة و يحك فحتام تكون هكذا قال اسكتوا فكأنكم بي وقد تبت واشتريت فرسا وخرجت مجاهدا فبينا أنا واقف إذ جاءني سهم كأنه قطعة رشاء فوقع في نحري فمت شهيدا قال فكان كذلك تاب وقدم البصرة فاشترى فرسا وغزا الروم فأصابه سهم في نحره فاستشهد
ثم قالوا لشظاظ أخبرنا أنت أعجب ما أخذت في لصوصيتك ورأيت فيها فقال نعم كان فلان رجل من أهل البصرة له بنت عم ذات مال كثير وهو وليها و كانت له نسوة فأبت أن تتزوجه فحلف ألا يزوجها من أحد ضرارا لها و كان يخطبها رجل غني من أهل البصرة فحرصت عليه وأبى الآخر أن يزوجها منه ثم إن ولي الأمر حج حتى إذا كان

(22/300)


بالدو على مرحلة من البصرة حذاءها قريب منه جبل يقال له سنام وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت مات الولي فدفن برابية وشيد على قبره فتزوجت الرجل الذي كان يخطبها قال شظاظ
و خرجت رفقة من البصرة معهم بز و متاع فتبصرتهم وما معهم وأتبعتهم حتى نزلوا فلما ناموا بيتهم وأخذت من متاعهم ثم إن القوم أخذوني وضربوني ضربا شديدا وجردوني قال وذلك في ليلة قرة و سلبوني كل قليل وكثير فتركوني عريانا وتماوت لهم وارتحل القوم فقلت كيف أصنع ثم ذكرت قبر الرجل فأتيته فنزعت لوحه ثم احتفرت فيه سربا فدخلت فيه ثم سددت علي باللوح و قلت لعلي الآن أدفأ فأتبعهم قال ومر الرجل الذي تزوج بالمرأة في الرفقة فمر بالقبر الذي أنا فيه فوقف عليه و قال لرفيقه و الله لأنزلن إلى قبر فلان حتى أنظر هل يحمي الآن بضع فلانة قال شظاظ فعرفت صوته فقلعت اللوح ثم خرجت عليه بالسيف من القبر بلى ورب الكعبة لأحمينها فوقع والله على وجهه مغشيا عليه لا يتحرك و لا يعقل فسقط من يده خطام الراحلة فأخذت وعهد الله بخطامها فجلست عليها و عليها كل أداة وثياب ونقد كان معه ثم وجهتها قصد مطلع الشمس هاربا من الناس فنجوت بها فكنت بعد ذلك أسمعه يحدث الناس بالبصرة ويحلف لهم أن الميت الذي كان منعه من تزويج المرأة خرج عليه من قبره بسلبه و كفنه
فبقي يومه ثم هرب منه والناس يعجبون منه فعاقلهم يكذبه و الأحمق

(22/301)


منهم يصدقه وأنا اعرف القصة فأضحك منهم كالمتعجب
قالوا فزدنا قال فأنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئا أسرقه قال فلا و الله ما وجدت شيئا قال و كان هناك شجرة ينام من تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظل غيرها وإذا أنا برجل يسير على حمار له فقلت أتسمع قال نعم قلت أن المقيل الذي تريد أن تقيله يخسف بالدواب فيه فاحذره فلم يلتفت إلى قولي قال ورمقته حتى إذا نام أقبلت على حماره فاستقته حتى إذا برزت به قطعت طرف ذنبه وأذنيه وأخذت الحمار فخبأته وأبصرته حين استيقظ من نومه فقام يطلب الحمار ويقفو أثره فبينا هو كذلك إذ نظر إلى طرف ذنبه و أذنيه فقال لعمري لقد حذرت لو نفعني الحذر واستمر هاربا خوف أن يخسف به فأخذت جميع ما بقي من رحله فحملته على الحمار واستمر فألحق بأهلي
قال أبو الهيثم ثم صلب الحجاج رجلا من الشراة بالبصرة وراح عشيا لينظر إليه فإذا برجل بإزائه مقبل بوجهه عليه فدنا منه فسمعه يقول للمصلوب طال ما ركبت فأعقب فقال الحجاج من هذا قالوا هذا شظاظ اللص قال لا جرم والله ليعقبنك ثم وقف أمر بالمصلوب فأنزل وصلب شظاظ مكانه
موته
قال ابن الأعرابي
مرض مالك بن الريب عند قفول سعيد بن عثمان من خراسان في

(22/302)


طريقه فلما أشرف على الموت تخلف معه مرة الكاتب و رجل آخر من قومه من بني تميم وهما اللذان يقول فيهما
( أيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا )
ومات في منزله ذلك فدفناه وقبره هناك معروف إلى الآن و قال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه
قال أبو عبيدة الذي قاله ثلاثة عشر بيتا و الباقي منحول ولده الناس عليه
صوت
( فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها حؤجؤا متجافيا )
( بأحسن منها يوم قالت أظاعن ... مع الركل أم ثاو ولدينا لياليا )
( وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا بردها وردائيا )
( وما زال بردى طيبا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا )
الشعر لعبد بني الحسحاس و الغناء لابن سريج في الأول و الثاني من الأبيات ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفي الثالث و الرابع لمخارق خفيف ثقيل عمله على صنعة إسحاق في
( أماوي إن المال غاد ورائح ... )
وكاده بذلك ليقال أن لحنه أخذه منه وألقاه على عجوز عمير فألقته

(22/303)


على الناس حتى بلغ الرشيد خبره ثم كشفه فعلم حقيقته ومن لا يعلم ينسبه إلى غيره وقد ذكر حبش انه لإبراهيم وذكر غيره أنه لابن المكي
وقد شرحت هذا الخبر في أخبار إسحاق

(22/304)


أخبار عبد بني الحسحاس
اسمه سحيم وكان عبدا أسود نوبيا أعجيما مطبوعا في الشعر فاشتراه بنو الحسحاس وهم بطن من بني أسد قال أبو عبيدة الحسحاس بن نفاثة بن سعيد بن عمرو بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة
قال أبو عبيدة فيما أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي عن أبي حاتم عنه كان عبد بني الحسحاس عبدا أسود أعجميا فكان إذا أنشد الشعر استحسنه أم استحسنه غيره منه يقول أهشنت والله يريد أحسنت والله وأدرك النبي ويقال إنه تمثل بكلمات من شعره غير موزونة
تمثل الرسول ببيت له
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أن النبي تمثل
( كفى بالإسلام والشيب ناهيا ... )
فقال أبو بكر يا رسول الله
( كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا ... )

(22/305)


فجعل لا يطيقه فقال أبو بكر أشهد انك رسول الله ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له )
قال محمد بن خلف وحدثني احمد بن شداد عن أبي سلمة التبوذكي عن حماد بن سلمة عن رجل عن الحسن مثله وروى عن أبي بكر الهذلي أن اسم عبد بني الحسحاس حية
وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال كان عبد بني الحسحاس حلو الشعر رقيق الحواشي وفي سواده يقول
( وما ضر أثوابي سوادي وإنني ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه )
( كسيت قميصا ذا سواد وتحته ... قميص من القوهي بيض بنائقه )
ويروى وتحته قميص من الإحسان
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال أنشدني مصعب بن عبد الله الزبيري لعبد بني الحسحاس و كان يستحسن هذا الشعر ويعجب به قال
( أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق )
( إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق )
وقال الأثرم حدثني السري بن صالح بن أبي مسهر قال أخبرني بعض الأعراب أن أول ما تكلم به عبد بني الحسحاس من الشعر أنهم أرسلوه رائدا فجاء وهو يقول

(22/306)


( أنعت غيثا حسنا نباته ... كالحبشي حوله بناته )
فقالوا شاعر و الله ثم انطلق بالشعر بعد ذلك
عمر بن الخطاب يستجيد بيتا له
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال أنشد سحيم عمر بن الخطاب قوله
( عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا )
فقال عمر لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه
عثمان بن عفان يقول لا حاجة لي إليه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثني خالي يوسف بن الماجشون قال
كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملا لعثمان بن عفان على الجند فكتب إلى عثمان إني قد اشريت غلاما حبشيا يقول الشعر فكتب إليه عثمان لا حاجة لي إليه فاردده فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه إن شبع أن يتشبب بنسائهم وإن جاع أن يهجوهم فرده فاشتراه أحد بني الحسحاس
وروى إبراهيم بن المنذر الحزامي هذا الخبر عن ابن الماجشون قال
كان عبد الله بن أبي ربيعة مثل ما رواه الزبير إلا أنه قال فيه إن جاع هر و إن شبع فر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن أبي عبيدة وأخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام قال أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله

(22/307)


( توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتحوي رجلها من ورائيا )
فقال عمر ويلك إنك مقتول
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني قال حدثني أحمد بن القاسم قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي عن ابن أبي عائشة قال
أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله ( كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا ... )
فقال له عمر لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا معاذ بن معاذ وأبو عاصم عن ابن عون عن محمد بن سيف أن عبد بني الحسحاس أنشد عمر هذا وذكر الحديث مثل الذي قبله
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا إسحاق بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال
كان عبد بني الحسحاس قبيح الوجه وفي قبحه يقول
( أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه يراه الله غير جميل )
( فشبهنني كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير قليل )
شبب بنساء مواليه
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
أتي عثمان بن عفان بعبد بني الحسحاس ليشتريه فأعجب به فقالوا انه شاعر وأرادوا أن يرغبوه فيه فقال لا حاجة لي به إذ الشاعر لا

(22/308)


حريم له إن شبع تشبب بنساء أهله وان جاع هجاهم فاشتراه غيره فلما رحل قال في طريقه
( اشوقا ولما تمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا )
( وما كنت أخشى مالكا أن يبيعني ... بشيء ولو أحست أنامله صفرا )
( أخوكم و مولى مالكم وحليفكم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا )
فلما بلغهم شعره هذا رثوا له فاستردوه
فكان يشبب بنسائهم حتى قال
( ولقد تحدر من كريمة بعضكم ... عرق على متن الفراش و طيب )
قال فقتلوه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون بمثل هذه الرواية وزاد فيها
فلما استردوه نشب يقول الشعر في نسائهم فأخبرني من رآه واضعا إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر ويشبب بأخت مولاه وكانت عليلة يقول
( ماذا يريد السقام من قمر ... كل جمال لوجهه تبع )
( ما يرتجي خاب من محاسنها ... آما له في القباح متسع )
( غير من لونها و صفرها ... فزيد فيه الجمال والبدع )

(22/309)


( لو كان يبغي الفداء قلت له ... ها أنا دون الحبيب يا وجع )
مجلس له مع نسوة من بني صبير بن يربوع
أ خبرني محمد بن خلف قال حدثنا أبو بكر العامري عن علي بن المغيرة الأثرم قال قال أبو عبيدة
الذي تناهى إلينا من حديث سحيم عبد بني الحسحاس انه جالس نسوة من بني صبير بن يربوع و كان من شأنهم إذا جلسوا للتغزل أن يتعابثوا بشق الثياب وشدة المغالبة على ابداء المحاسن فقال سحيم
( كأن الصبيريات يوم لقيننا ... ظباء حنت أعناقها في المكانس )
( فكم قد شققنا من رداء منير ... ومن برقع عن طفلة غير ناعس )
( إذا شق برد شق بالبرد برقع ... على ذاك حتى كلنا غير لابس )
فيقال إنه لما قال هذا الشعر اتهمه مولاه فجلس له في مكان كان إذا رعى نام فيه فلما اضطجع تنفس الصعداء ثم قال
( يا ذكرة مالك في الحاضر ... تذكرها وأنت في الصادر )
( من كل بيضاء لها كفل ... مثل سنام البكرة المائر )
قال فظهر سيده من الموضع الذي كان فيه كامنا و قال له مالك فلجلج في منطقه فاستراب به فأجمع على قتله فلما ورد الماء خرجت إليه صاحبته فحادثته وأخبرته بما يراد به فقام ينفض ثوبه

(22/310)


ويعفي أثره و يلقط رضا من مسكها كان كسرها في لعبه معها وأنشأ يقول
صوت
( أتكتم حييتم على النأي تكتما ... تحية من أمسى بحبك مغرما )
( وما تكتمين إن أتيت دنية ... ولا إن ركبنا يا بنة القوم محرما )
( ومثلك قد أبرزت من خدر أمها ... إلى مجلس تجر بردا مسهما )
الغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل قال
( وماشية مشي القطاة أتبعتها ... من الستر تخشى أهلها أن تكلما )
( فقالت صه يا ويح غيرك إنني ... سمعت حديثا بينهم يقطر الدما )
( فنفضت ثوبيها ونظرت حولها ... ولم أخش هذا الليل أن يتصرما )
( أعفي بآثار الثياب مبيتها ... وألقط رضا من وقوف تحطما )

(22/311)


أحرق في أخدود
قال وغدوا به ليقتلوه فلما رأته امرأة كانت بينها وبينه مودة ثم فسدت ضحكت به شماتة فنظر إليها و قال
( فإن تضحكي مني فيا رب ليلة ... تركتك فيها كالبقاء المفرج )
فلما قدم ليقتل قال
( شدوا وثاق العبد لا يفلتكم ... إن الحياة من الممات قريب )
( فلقد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على متن الفراش و طيب )
قال وقدم فقتل و ذكر ابن دأب أنه حفر له أخدود وألقي فيه وألقي عليه الحطب فأحرق
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال كان عبد بني الحسحاس يسمى حية وكان لسيده بنت بكر فأعجبها فأمرته أن يتمارض ففعل وعصب رأسه فقالت للشيخ أسرح أيها الرجل إبلك ولا تكلها إلى العبد فكان فيها أياما ثم قال له كيف تجدك قال صالحا قال فرح في إبلك العشية فراح فيها فقالت الجارية لأبيها ما أحسبك إلا قد ضيعت إبلك العشية أن وكلتها إلى حية فخرج في آثار إبله فوجده مستلقيا في ظل شجرة وهو يقول
( يارب شجو لك في الحاضر ... تذكرها وأنت في الصادر )
( من كل حمراء جمالية ... طيبة القادم و الآخر )

(22/312)


فقال الشيخ أن لهذا لشأنا وانصرف ولم يره وجهه وأتى أهل الماء و قال لهم تعلموا و الله أن هذا العبد قد فضحنا وأخبرهم الخبر وأنشدهم ما قال فقالوا اقتله فنحن طوعك فلما جاءهم وثبوا عليه فقالوا له قلت و فعلت فقال دعوني إلى غد حتى أعذرها عند أهل الماء فقالوا إن هذا صواب فتركوه فلما كان الغد اجتمعوا فنادى يا أهل الماء ما فيكم امرأة إلا قد أصبتها إلا فلانة فإني على موعد منها فأخذوه فقتلوه
ومما يغنى فيه من قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس و قال أن من الناس من يرويها لغيره
( تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى كملن ثمانيا )
( وأقبلن من أقصى الخيام يعلنني ... بقبة ما أبقين نصلا يمانيا )
( يعدن مريضا هن قد هجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا )
فيه لحنان كلاهما من الثقيل الأول و الذي ابتداؤه تجمعن من شتى ثلاث لبنان
و الذي أوله وأقبلن من أقصى الخيام ذكر الهشامي أنه لإسحاق وليس يشبه صنعته ولا أدري لمن هو
مخارق يكيد لإسحاق
أخبرني جحظة عن ابن حمدون أن مخارقا عمل لحنا في هذا الشعر
( وهبت شمالا آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا بردها وردائيا )

(22/313)


على عمل صنعة إسحاق في ( أماوي أن المال غاد ورائح ... )
ليكيد به إسحاق وألقاه على عجوز عمير الباذ عيسى و قال لها إذا سئلت عنه فقولي أخذته من عجوز مدنية ودار الصوت حتى غني به الخليفة فقال لإسحاق ويلك أخذت لحن هذا الصوت تغنيه كله فحلف له بكل يمين يرضاه أنه لم يفعل وتضمن له كشف القصة ثم أقبل على من غناهم الصوت فقال عمن أخذته فقال عن فلان فلقيه فسأله عمن أخذه فعرفه ولم يزل يكشف عن القصة حتى انتهت من كل وجه إلى عجوز عمير فسئلت عن ذلك فقالت أخذته عن عجوز مدنيه فدخل إسحاق على عمير فحلف له بالطلاق و العتاق وكل محرج من الأيمان ألا يكلمه أبدا و لا يدخل داره ولا يترك كيده وعداوته أو يصدقه عن حال هذا الصوت وقصته فصدقه عمير عن القصة فحدث بها الواثق بحضرة عمير ومخارق فلم يمكن مخارقا دفع ذلك و خجل خجلا بان فيه وبطل ما أراده بإسحاق
صوت
( ثلاثة أبيات فبيت أحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي )
( ألا أيها البيت الذي حيل دونه ... بنا أنت من بيت وأهلك من أهل )
الشعر لجميل و الغناء لإسحاق ماخوري بالبنصر من جامع أغانيه وفيه رمل مجهول ذكره حبش لعلويه ولم أجد طريقته

(22/314)


متمم العبدي و الجويرية
اعجب بفصاحة لسان الجويرية ورقة ألفاظها
أخبرني الحسين بن يحيى المرادي عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني متمم العبدي قال
خرجت من مكة زائرا لقبر النبي فإني لبسوق الجحفة إذا جويرية تسوق بعيرا وتترنم بصوت مليح طيب حلو في هذا الشعر
( ألا أيها البيت الذي حيل دونه ... بنا أنت من بيت وأهلك من أهل )
( بنا أنت من بيت وحولك لذة ... وظلك لو يسطاع بالبارد السهل )
( ثلاثة أبيات فبيت أحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي )
فقلت لمن هذا الشعر يا جويرية قالت أما ترى تلك الكوة الموقاة بالكلة الحمراء قلت أراها قالت من هناك نهض هذا الشعر قلت أو قائله في الأحياء قالت هيهات لو أن لميت أن يرجع لطول غيبته لكان ذلك فأعجبني فصاحة لسانها ورقة ألفاظها فقلت لها ألك أبوان فقالت فقدت خيرهما وأجلهما ولي أم قلت وأين أمك قالت منك بمرأى ومسمع قال فإذا امرأة تبيع الخرز على ظهر الطريق

(22/315)


بالجحفة فأتيتها فقلت يا أمتاه استمعي مني فقالت لها يا أمه فاستمعي من عمي ما يلقيه إليك فقالت حياك الله هيه هل من جائية خبر قلت أهذه ابنتك قالت كذا كان يقول أبوها قلت أفتزوجينها قالت ألعلة رغبت فيها فما هي و الله من عندها جمال ولا لها مال قلت لحلاوة لسانها و حسن عقلها فقالت أينا أملك بها أنا أم هي بنفسها قلت بل هي بنفسها قالت فإياها فخاطب فقلت لعلها أن تستحي من الجواب في مثل هذا فقالت ما ذاك عندها أنا أخبر بها فقلت يا جارية أما تستمعين ما تقول أمك قال قد سمعت قلت فما عندك قالت أو ليس حسبك أن قلت إني أستحي من الجواب في مثل هذا فإن كنت أستحي في شيء فلم أفعله أتريد أن تكون الأعلى وأكون بساطك لا والله لا يشد علي رجل حواءه وأنا أجد مذقة لبن أو بقلة ألين بها معاي قال فورد والله علي أعجب كلام على وجه الأرض فقلت أو أتزوجك و الإذن فيه إليك وأعطي الله عهدا أني لا أقربك أبدا إلا عن إرادتك قالت إذا و الله لا تكون لي في هذا إرادة أبدا ولا بعد الأبد إن كان بعده بعد فقلت فقد رضيت بذلك فتزوجتها وحملتها وأمها معي إلى العراق وأقامت معي نحوا من ثلاثين سنة ما ضممت عليها حواي قط و كانت قد علقت من أغاني المدينة أصواتا كثيرة فكانت ربما ترنمت بها فأشتهيها فقلت دعيني من أغانيك هذه فإنها تبعثني على الدنو منك قال فما سمعتها رافعة صوتها بغناء بعد ذلك حتى فارقت الدنيا وإن أمها عندي حتى الساعة فقلت ما ادري متى دار في سمعي حديث امرأة أعجب من حديث هذه

(22/316)


صوت
( أيها الناس إن رأيي يريني ... وهو الرأي طوفة في البلاد )
( بالعوالي وبالقنابل تردي ... بالبطاريق مشية العواد )
( وبجيش عرمرم عربي ... جحفل يستجيب صوت المنادي )
( من تميم وخندف وإياد ... و البهاليل حمير ومراد )
( فإذا سرت سارت الناس خلفي ... ومعي كالجبال في كل واد )
( سقني ثم سق حمير قومي ... كأس خمر أولي النهى و العماد )
الشعر لحسان بن تبع و الغناء لأحمد النصيبي خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه ليونس لحن من كتابه

(22/317)


أخبار حسان بن تبع
كان ينشد وجوه قومه
( أخبرني بخبر حسان الذي من أجله قال هذا الشعر علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي وعن أبي عبيدة و أبي عمرو وابن الكلبي وغيرهم قال
كان حسان بن تبع أحول أعسر بعيد الهمة شديد البطش فدخل إليه يوما وجوه قومه وهم الأقيال من حمير فلما أخذوا مواضعهم ابتدأهم فأنشدهم
( أيها الناس إن رأيي يريني ... وهو الرأي طوفة في البلاد )
( بالعوالي وبالقنابل تردي ... بالبطاريق مشية العواد )
وذكر الأبيات التي مضت آنفا ثم قال لهم استعدوا لذلك فلم يراجعه أحد لهيبته فلما كان بعد ثلاثة خرج وتبعه وطئ أرض العجم و قال لأبلغن من البلاد حيث لم يبلغ أحد من التبابعة فجال بهم في ارض خراسان ثم مضى إلى المغرب حتى بلغ رومية وخلف عليها

(22/318)


ابن عم له وأقبل إلى أرض العراق حتى إذا صار على شاطئ الفرات قالت وجوه حمير ما لنا نفني أعمارنا مع هذا نطوف في الأرض كلها ونفرق بيننا وبين بلدنا وأولادنا و عيالنا وأموالنا فلا ندري من نخلف عليهم بعدنا
فكلموا أخاه عمرا و قالوا له كلم أخاك في الرجوع إلى بلده وملكه قال هو أعسر من ذلك وأنكر فقالوا فاقتله ونملكك علينا فأنت أحق بالملك من أخيك وأنت أعقل وأحسن نظرا لقومك فقال أخاف ألا تفعلوا وأكون قد قتلت أخي وخرج الملك عن يدي فواثقوه حتى ثلج إلى قولهم وأجمع الرؤساء على قتل أخيه كلهم إلا ذا رعين فإنه خالفهم وقال ليس هذا برأي يذهب الملك من حمير فشجعه الباقون على قتل أخيه فقال ذو رعين أن قتلته باد ملكك
فلما رأى ذو رعين ما أجمع عليه القوم أتاه بصحيفة مختومة فقال يا عمرو إني مستودعك هذا الكتاب فضعه عندك في مكان حريز وكتب فيه
( ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين )
( فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين )
قتله أخوه وهو نائم فامتنع منه النوم
ثم إن عمرا أتى حسان أخاه وهو نائم على فراشه فقتله واستولى على ملكه فلم يبارك فيه وسلط الله عليه السهر وامتنع منه النوم فسأل الأطباء و الكهان و العياف فقال له كاهن منهم إنه ما قتل أخاه رجل قط إلا منع

(22/319)


نومه فقال عمرو هؤلاء رؤساء حمير حملوني على قتله ليرجعوا إلى بلادهم ولم ينظروا إلي ولا لأخي
فجعل يقتل من أشار عليه منهم بقتله فقتلهم رجلا رجلا حتى خلص إلي ذي رعين وأيقن بالشر فقال له ذو رعين ألم تعلم أني أعلمتك ما في قتله ونهيتك وبينت هذا قال وفيم هو قال في الكتاب الذي استودعتك
فدعا بالكتاب فلم يجده فقال ذو رعين ذهب دمي على أخذي بالحزم فصرت كمن أشار بالخطأ ثم سأل الملك أن ينعم في طلبه ففعل فأتى به فقرأه فإذا فيه البيتان فلما قرأهما قال لقد أخذت بالحزم قال إني خشيت ما رأيتك صنعت بأصحابي
قال وتشتت أمر حمير حين قتل أشرافها واختلفت عليه حتى وثب على عمرو لخيعة ينوف ولم يكن من أهل بيت المملكة فقتله واستولى على ملكه وكان يقال له ذو شناتر الحميري وكان فاسقا يعمل عمل قوم لوط وكان يبعث إلى أولاد الملوك فيلوط بهم و كانت حمير إذا ليط بالغلام لم تملكه ولم ترتفع به و كانت له مشربة يكون فيها يشرف على حرسه فإذا أتي بالغلام أخرج رأسه إليهم وفي فيه السواك فيقطعون مشافر ناقة المنكوح وذنبها فإذا خرج صيح به أرطب أم يباس فمكث بذلك زمانا
حتى نشأ زرعة ذو نواس و كانت له ذؤابة وبها سمي ذا نواس وهو الذي تهود وتسمى يوسف وهو صاحب الأخدود بنجران و كانوا نصارى فخوفهم وحرق الإنجيل وهدم الكنائس ومن أجله غزت الحبشة

(22/320)


اليمن لانهم نصارى فلما غلبوا على اليمن اعترض البحر واقتحمه على فرس فغرق
فلما نشأ ذو نواس قيل له كأنك وقد فعل بك كذا وكذا فأخذ سكينا لطيفا خفيفا وسمه وجعل له غلافا فلما دعا به لخيعة جعله بين أخمصه ونعله وأتاه على ناقة له يقال لها سراب فأناخها وصعد إليه فلما قام يجامعه كما كان يفعل انحنى زرعة فأخذ السكين فوجأ بها بطنه فقتله واحتز رأسه فجعل السواك في فيه وأطلعه من الكوة فرفع الحرس رؤوسهم فرأوه ونزل زرعة فصاحوا زرعة يا ذا نواس أرطب أم يباس فقال ستعلم الأحراس است ذي نواس رطب أم يباس وجاء إلى ناقته فركبها فلما رأى الحرس اطلاع الرأس صعدوا إليه فإذا هو قد قتل فأتوا زرعة فقالوا ما ينبغي أن يملكنا غيرك بعد أن أرحتنا من هذا الفاسق واجتمعت حمير إليه ثم كان من قصته ما ذكرناه آنفا
صوت
( يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم و القربا )
( في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا )
( لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خيشومه الذنبا )
الشعر لمرة بن محكان السعدي والغناء لابن سريج رمل بالوسطى وله فيه أيضا خفيف ثقيل بالوسطى كلاهما عن عمرو وذكر حبش أن فيه لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى و الله أعلم

(22/321)


أخبار مرة بن محكان
هو مرة بن محكان ولم يقع إلينا باقي نسبه أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم شاعر مقل إسلامي من شعراء الدولة الأموية وكان في عصر جرير والفرزدق فأحملا ذكره لنباهتهما في الشعر
كان شريفا جوادا شديد السخاء
وكان مرة شريفا جوادا وهو أحد من حبس في المناحرة والإطعام
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال
كان مرة بن محكان سخيا وكان أبو البكراء يوائمه في الشرف وهما جميعا من بني الربيع فأنهب مرة بن محكان ماله الناس فحبسه عبيد الله بن زياد فقال في ذلك الأبيرد الرياحي

(22/322)


( حبست كريما أن يجود بماله ... سعى في ثأى من قومه متفاقم )
( كأن دماء القوم إذ علقوا به ... على مكفهر من ثنايا المخارم )
( فإن أنت عاقبت ابن محكان في الندى ... فعاقب هداك الله أعظم حاتم )
قال فأطلقه عبيد الله بن زياد فذبح أبو البكراء مائة شاة فنحر مرة بن محكان مائة بعير فقال بعض شعراء بني تميم يمدح مرة
( شرى مائة فأنهبها جوادا ... وأنت تناهب الحدف القهادا )
الحدف صغار الغنم والقهاد البيض
أخبرني أحمد بن محمد الأسدي أبو الحسن قال حدثنا الرياشي قال سئل أبو عبيدة عن معنى قول مرة بن محكان
( ضمني إليك رحال القوم والقربا ... )
ما الفائدة في هذا فقال كان الضيف إذا نزل بالعرب في الجاهلية ضموا إليهم رحله وبقي سلاحه معه لا يؤخذ خوفا من البيات فقال مرة بن محكان يخاطب امرأته ضمي إليك رحال هؤلاء الضيفان و سلاحهم فإنهم عندي في عز وأمن من الغارات و البيات فليسوا ممن يحتاج أن يبيت لا بسا سلاحه
قتله مصعب بن الزبير
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس قال كان الحارث بن أبي ربيعة على البصرة أيام

(22/323)


ابن الزبير فخاصم إليه رجل من بني تميم يقال له مرة بن محكان رجلا فلما أراد إمضاء الحكم عليه نشأ مرة بن محكان يقول
( أحار تثبت في القضاء فإنه ... إذا ما إمام جار في الحكم أقصدا )
( وإنك موقوف على الحكم فاحتفظ ... ومهما تصبه اليوم تدرك به غدا )
( فإني مما أدرك الأمر بالأنى ... وأقطع في رأس الأمير المهندا )
فلما ولي مصعب بن الزبير دعاه فأنشده الأبيات فقال أما و الله لأقطعن السيف في رأسك قبل أن تقطعه في رأسي و أمر به فحبس ثم دس إليه من قتله
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن جامع عن يونس قال
جاء رجل من قريش إلى الغريض فقال له بأبي أنت و أمي إني جئتك قاصدا من الطائف أسألك عن صوت تغنيني إياه قال وما هو قال لحنك في هذا الشعر
( نشرب لون الرازقي بياضه ... أو الزعفران خالط المسك رادعه )

(22/324)


فقال لا سبيل إلى ذلك هذا الصوت قد نهتني الجن عنه ولكني أغنيك في شعر لمرة بن محكان وقد طرقه ضيف في ليلة شاتية فأنزلهم ونحر لهم ناقته ثم غناه قوله
( يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا )
فأطربه ثم قال له الغريض هذا لعن أخذته من عبيد بن سريج وسأغنيك لحنا عملته في شعر على وزن هذا الشعر ورويه للحطيئة ثم غناه
( ما نقموا من بغيض لا أبالهم ... في بائس جاء يحدو أينقا شزبا )
( جاءت به من بلاد الطور تحمله ... حصاء لم تترك دون العصا شذبا )
فقام القرشي فقبل رأسه فقال له فدتك نفسي وأهلي لو لم أقدم مكة لعمرة ولا لبر وتقوى ثم قدمت إليها لأراك وأسمع منك لكان ذلك قليلا
ثم انصرف
وحدثني بعض مشايخ الكتاب أنه دخل على أبي العبيس بن حمدون يوما فسأله أن يقيم عند فأقام وأتاهم أبو العبيس بالطعام فأكلوا ثم قدم الشراب فشربوا وغناهم أبو العبيس يومئذ هذا الصوت
( ألا مت أعطيت صبرا وعزمة ... غداة رأيت الحي للبين غاديا )

(22/325)


( ولم تعتصر عينيك فكهة مازح ... كأنك قد أبدعت إذ ظلت باكيا )
فأحسن ما شاء ثم ضرب ستارته و قال
( يا ربة البيت غني غير صاغرة ... )
فاندفعت عرفان فغنت
( يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا )
قال فما سمعت غناء قط أحسن مما سمعته من غنائهما يومئذ
نسبة هذا الصوت
صوت
( ألا مت لا أعطيت صبرا وعزمة ... غداة رأيت الحي للبين غاديا )
( ولم تعتصر عينيك فكهة مازح ... كأنك قد أبدعت إذ ظلت باكيا )
( فصيرت دمعا أن بكيت تلددا ... به لفراق الإلف كفؤا موازيا )
( لقد جل قدر الدمع عندك أن ترى ... بكاءك للبين المشت مساويا )
الشعر لأعرابي أنشدناه الحرمي بن أبي العلاء عن الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري عن إسحاق الموصلي لأعرابي
قال الديناري وكان إسحاق كثيرا ما ينشد الشعر للأعراب وهو قائله وأظن هذا الشعر له و الغناء لعمرو بن بانة ثقيل أول بالبنصر من كتابه

(22/326)


صوت
فإن تك من شيبان أمي فإنني ... لأبيض من عجل عريض المفارق )
( وكيف بذكري أم هارون بعد ما ... خبطن بأيديهن رمل الشقائق )
( كأن نقا من عالج أزرت به ... إذا الزل ألهاهن شد المناطق )
( وإنا لتغلي في الشتاء قدورنا ... ونصبر تحت اللامعات الخوافق )
عروضه من الطويل الشعر للعديل بن الفرخ العجلي و الغناء لمعبد خفيف ثقيل من أصوات قليلة الأشباه عن يونس وإسحاق وفيه لهشام بن المرية لحن من كتاب إبراهيم وفيه لسنان الكاتب ثقيل أول عن الهشامي وحبش و قال حبش خاصة فيه للهذلي أيضا ثاني ثقيل بالوسطى

(22/327)


أخبار العديل ونسبه
العديل بن الفرخ بن معن بن الأسود بن عمرو بن عوف بن ربيعة بن جابر بن ثعلبة بن سمي بن الحارث وهو العكابة بن ربيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار
و قال أبو عبيدة كان العكابة اسم كلب للحارث بن ربيعة بن عجل فلقب باسم كلبه وغلب عليه قال وكان عجل من محمقي العرب قيل له أن لكل فرس جواد اسما وان فرسك هذا سابق جواد فسمه ففقأ إحدى عينيه وقال قد سميته الأعور وفيه يقول الشاعر
( رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل )
( أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت بن الأمثال تضرب بالجهل )
عرفت أسرته بالشعر و الفروسية
والعديل شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية وكان له ثمانية إخوة وأمهم جميعا امرأة من بني شيبان ومنهم من كان شاعرا فارسا أسود وسوادة وشملة وقيل سلمة والحارث وكان يقال لأمهم درماء
وكان للعديل وإخوته ابن عم يسمى عمرا فتزوج بنت عم لهم بغير

(22/328)


أمرهم فغضبوا ورصدوه ليضربوه وخرج عمرو ومعه عبد له يسمى دابغا فوثب العديل وإخوته فأخذوا سيوفهم فقالت أمهم إني أعوذ بالله من شركم فقال لها ابنها الأسود وأي شيء تخافين علينا فو الله لو حملنا بأسيافنا على هذا الحنو حنو قراقر لما قاموا لنا فانطلقوا حتى لقوا عمرا فلما رآهم ذعر منهم وناشدهم فأبوا فحمل عليه سوادة فضرب عمرا ضربة بالسيف وضربه عمرو فقطع رجله فقال سوادة
( ألا من يشتري رجلا برجل ... تأبى للقيام فلا تقوم )
وقال عمرو ولدابغ اضرب وأنت حر فحمل دابغ فقتل منهم رجلا وحمل عمرو فقتل آخر وتداولاهم فقتلا منهم أربعة وضرب العديل على رأسه ثم تفرقوا وهرب دابغ حتى أتى الشأم فداوى ربضة بن النعمان الشيباني للعديل ضربته ومكث مدة
ثم خرج العديل بعد ذلك حاجا فقيل له إن دابغا قد جاء حاجا وهو يرتحل فيأخذ طريق الشأم وقد اكترى فجعل العديل عليه الرصد حتى إذا خرج دابغ ركب العديل راحلته وهو متلثم وانطلق يتبعه حتى لقيه خلف الركاب يحدو بشعر العديل ويقول
( يا دار سلمى أقفرت من ذي قار ... وهل بإقفار الديار من عار )
( وقد كسين عرقا مثل القار ... يخرجن من تحت خلال الأوبار )
فلحقه العديل فحبس عليه بعيره وهو لا يعرفه ويسير رويدا ودابغ

(22/329)


يمشي رويدا وتقدمت إبله فذهبت وإنما يريد أن يباعده عنها بوادي حنين ثم قال له العديل والله لقد استرخى حقب رحلي أنزل فأغير الرحل وتعينني فنزل فغير الرحل وجعل دابغ يعينه حتى إذا شد الرحل أخرج العديل السيف فضربه حتى برد ثم ركب راحلته فنجا وأنشأ يقول
( ألم ترني جللت بالسيف دابغا ... وإن كان ثأرا لم يصبه غليلي )
( بوادي حنين ليلة البدر رعته ... بأبيض من ماء الحديد صقيل )
( وقلت لهم هذا الطريق أمامكم ... ولم أك إذ صاروا لهم بدليل )
وقال أبو اليقطان كان العديل هجا جرثومة العنزي الجلاني فقال فيه
( أهاجي بني جلان إذ لم يكن لها ... حديث ولا في الأولين قديم )
فأجابه جرثومة فقال
( وإن امرأ يهجو الكرام ولم ينل ... من الثأر إلا دابغا للئيم )
( أتطلب في جلان وترا ترومه ... وفاتك بالأوتار شر غريم )
قالوا واستعدى مولى دابغ على العديل الحجاج بن يوسف وطالبه بالقود فيه فهرب العديل من الحجاج إلى بلد الروم فلما صار إلى بلد الروم لجأ إلى قيصر فأمنه فقال في الحجاج
( أخوف بالحجاج حتى كأنما ... يحرك عظم في الفؤاد مهيض )

(22/330)


( ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي الناعجات عريض )
( مهامه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدي الراحضات رحيض )
فبلغ شعره الحجاج فكتب إلى قيصر لتبعثن به أو لأغزينك جيشا يكون أوله عندك وآخره عندي فبعث به قيصر إلى الحجاج فقال له الحجاج لما أدخل عليه أأنت القائل
ودون يد الحجاج من أن تنالني فكيف رأيت الله أمكن منك قال بل أنا القائل أيها الأمير
( فلو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجاج علي سبيل )
( خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكل إمام مصطفى وخليل )
( بنى قبة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد الضلال رسول )
فخلى سبيله وتحمل دية دابغ في ماله
الحجاج يعفو عن العديل بعد ان هجاه ثم عاد فمدحه
أخبرني عمي وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن منصور بن عطية الغنوي قال أخبرني جعفر بن عبيد الله بن جعفر عن أبي عثمان البقطري قال
خرج العديل بن الفرخ يريد الحجاج فلما صار ببابه حجبه الحاجب فوثب عليه العديل وقال إنه لن يدخل على الأمير بعد رجالات قريش أكبر مني ولا أولى بهذا الباب فنازعه الحاجب الكلام فأحفظه وانصرف العديل

(22/331)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية