صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند وبلغ ذلك العباس فتركها ولم ترض هي البديل بعد ذلك فعادت إلى العباس وكتبت إليه تعاتبه في جفائه فكتب إليها
( كتبت تلوم وتستريب زيارتي ... وتقول لست لنا كعهد العاهد )
( فأجبتها ودموع عيني جمة ... تجري على الخدين غير جوامد )
( يا فوز لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد )
( لكنني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد )
وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذه الأبيات وقال سرقها من أبي نواس حيث يقول
صوت
( ومظهرة لخلق الله ودا ... وتلقى بالتحية والسلام )
( أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام )
( فيا من ليس يكفيه محب ... ولا ألفا محب كل عام )
( أظنك من بقية قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام )
غنت فيه عريب لحنا ذكره ابن المعتز ولم يذكر طريقته

(17/78)


ومما يغنى فيه من شعر العباس في فوز قوله
صوت
( يا فوز ما ضر من يمسي وأنت له ... ألا يفوز بدنيا آل عباس )
( أبصرت شيبا بمولاها فواعجبا ... منه يراها ويبدو الشيب في الراس )
غناه سليم رمل مطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكي
وأخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود قال
قرأت على أحمد بن أبي فنن شعر العباس بن الأحنف وكان مشغوفا به فسمعته يقول وددت أن أبياته التي يقول فيها
( يا فوز ما ضر من يمسي وأنت له ... )
لي بكل شعري
وفي بذل يقول عبد الله بن العباس الربيعي يخاطب عمرا في بذل بقوله
صوت
( تسمع بحق الله يا عمرو من بذل ... فقد أحسنت والله واعتمدت قتلي )
( كأني أرى حبيك يرجح كلما ... تغنت لإعجابي وأفقد من عقلي )
غناه عبد الله بن العباس الربيعي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وغنى فيه عمرو بن بانة خفيف رمل بالبنصر عن حبش

(17/79)


ذكر بذل وأخبارها
كانت بذل صفراء مولدة من مولدات المدينة وربيت بالبصرة وهي إحدى المحسنات المتقدمات الموصوفات بكثرة الرواية يقال إنها كانت تغني ثلاثين ألف صوت ولها كتاب في الأغاني منسوب الأصوات غير مجنس يشتمل على اثني عشر ألف صوت يقال إنها عملته لعلي بن هشام وكانت حلوة الوجه ظريفة ضاربة متقدمة وابتاعها جعفر بن موسى الهادي فأخذها منه محمد الأمين وأعطاه مالا جزيلا فولدهما جميعا يدعون ولاءها فأخذت بذل عن أبي سعيد مولى فائد ودحمان وفليح وابن جامع وإبراهيم وطبقتهم
وقرأت على جحظة عن أبي حشيشة في كتابه الذي جمعه من أخباره وما شاهده قال
كانت بذل من أحسن الناس غناء في دهرها وكانت أستاذة كل محسن ومحسنة وكانت صفراء مدنية وكانت أروى خلق الله تعالى للغناء ولم يكن لها معرفة

(17/80)


وكانت لجعفر بن موسى الهادي فوصفت لمحمد بن زبيدة فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها فأبى فزاره محمد إلى منزله فسمع شيئا لم يسمع مثله فقال لجعفر يا أخي بعني هذه الجارية فقال يا سيدي مثلي لا يبيع جارية قال فهبها لي قال هي مدبرة فاحتال عليه محمد حتى أسكره وأمر ببذل فحملت معه إلى الحراقة وانصرف بها
فلما انتبه سأل عنها فأخبر بخبرها فسكت فبعث إليه محمد من الغد فجاءه وبذل جالسة فلم يقل شيئا فلما أراد جعفر أن ينصرف قال أوقروا حراقة ابن عمي دراهم فأوقرت
قال فحدثني عبد الله بن الحنيني - وكان أبوه على بيت مال جعفر بن موسى - أن مبلغ ذلك المال كان عشرين ألف ألف درهم
قال وبقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل ثم خرجت فكان ولد جعفر وولد محمد يدعون ولاءها فلما ماتت ورثها ولد عبد الله بن محمد بن زبيدة
وقد روى محمد بن الحسن الكاتب هذا الخبر عن ابن المكي عن أبيه وقال فيه إن محمدا وهب لها من الجوهر شيئا لم يملك أحد مثله فسلم لها فكانت تخرج منه الشيء بعد الشيء فتبيعه بالمال العظيم فكان ذلك معتمدها مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت وعندها منه بقية عظيمة
قال ورغب إليها وجوه القواد والكتاب والهاشميين في التزويج فأبت وأقامت على حالها حتى ماتت
بذل وعلي بن هشام
قال أبو حشيشة في خبره وكنت عند بذل يوما وأنا غلام وذلك في أيام

(17/81)


المأمون ببغداد وهي في طارمة لها تمتشط ثم خرجت إلى الباب فرأيت الموكب فظننت أن الخليفة يمر في ذلك الموضع فرجعت إليها فقلت يا ستي الخليفة يمر على بابك فقالت انظروا أي شيء هذا إذ دخل بوابها فقال علي بن هشام بالباب فقالت وما أصنع به فقامت إليها وشيكة جاريتها - وكانت ترسلها إلى الخليفة وغيره في حوائجها - فأكبت على رجلها وقالت الله الله أتحجبين علي بن هشام فدعت بمنديل فطرحته على رأسها ولم تقم إليه فقال إني جئتك بأمر سيدي أمير المؤمنين وذلك أنه سألني عنك فقلت لم أرها منذ أيام فقال هي عليك غضبى فبحياتي لا تدخل منزلك حتى تذهب إليها فتسترضيها
فقالت إن كنت جئت بأمر الخليفة فأنا أقوم فقامت فقبلت رأسه ويديه وقعد ساعة وانصرف فساعة خرج قالت يا وشيكة هاتي دواة وقرطاسا فجعلت تكتب فيه يومها وليلتها حتى كتبت اثني عشر ألف صوت - وفي بعض النسخ رؤوس سبعة آلاف صوت - ثم كتبت إليه يا علي بن هشام تقول قد استغنيت عن بذل بأربعة آلاف صوت أخذناها منها وقد كتبت هذا وأنا ضجرة فكيف لو فرغت لك قلبي كله وختمت الكتاب وقالت لها امضي به إليه
فما كان أسرع من أن جاء رسوله خادم أسود يقال له مخارق - بالجواب يقول فيه يا ستي لا والله ما قلت الذي بلغك ولقد كذب علي عندك إنما قلت لا ينبغي أن يكون في الدنيا غناء أكثر من أربعة آلاف صوت وقد بعثت إلي بديوان لا أؤدي شكرك عليه أبدا وبعث إليها عشرة آلاف درهم وتخوتا فيها خز ووشي وملح وتختا مطبقا فيه ألوان الطيب

(17/82)


أنشدني علي بن سليمان الأخفش لعلي بن هشام يعاتب بذلا في جفوة نالته منها
( تغيرت بعدي والزمان مغير ... وخست بعهدي والملوك تخيس )
( وأظهرت لي هجرا وأخفيت بغضة ... وقربت وعدا واللسان عبوس )
( ومما شجاني أنني يوم زرتكم ... حجبت وأعدائي لديك جلوس )
( وفي دون ذا ما يستدل به الفتى ... على الغدر من أحبابه ويقيس )
( كفرت بدين الحب إن طرت بابكم ... وتلك يمين - ما علمت - غموس )
( فإن ذهبت نفسي عليكم تشوقا ... فقد ذهبت للعاشقين نفوس )
( ولو كان نجمي في السعود وصلتم ... ولكن نجوم العاشقين نحوس )
وأخبرني أبو العباس الهشامي المشك عن أهله أن علي بن هشام كان يهوى بذلا ويكتم ذلك وأنها هجرته مدة فكتب إليها بهذه الأبيات
وذكر محمد بن الحسن أن أبا حارثة حدثه عن أخيه أن معاوية قال قالت لي بذل كنت أروي ثلاثين ألف صوت فلما تركت الدرس أنسيت نصفها فذكرت قولها لزرزر الكبير فقال كذبت الزانية
إجادتها صنعة الغناء
قال وحدثني أحمد بن محمد بن الفيزران عن بعض أصحابه - أن

(17/83)


إبراهيم بن المهدي كان يعظمها ويتوافى لها ثم تغير بعد ذلك استغناء عند نفسه عنها فصارت إليه فدعا بعود فغنت - في طريقة واحدة وإيقاع واحد وإصبع واحدة - مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها صوتا واحدا ووضعت العود وانصرفت فلم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه
وقال محمد بن الحسن وذكر أحمد بن سعيد المالكي أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي خالف بذلا في نسبة صوت غنته بحضرة المأمون فأمسكت عنه ساعة ثم غنت ثلاثة أصوات في الثقيل الثاني واحدا بعد واحد وسألت إسحاق عن صانعها فلم يعرفه فقالت للمأمون يا أمير المؤمنين هي والله لأبيه أخذتها من فيه فإذا كان هذا لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى رئي ذلك فيه
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني حماد بن إسحاق قال غنت بذل يوما بين يدي أبي
( إن تريني ناحل البدن ... فلطول الهم والحزن )

(17/84)


( كان ما أخشى بواحدتي ... ليته والله لم يكن )
فطرب أبي والله طربا شديدا وشرب رطلا وقال لها أحسنت يا بنتي والله لا تغنين صوتا إلا شربت عليه رطلا
قال أبو الفرج والغناء في هذا الشعر لبذل خفيف رمل بالوسطى
وذكر أحمد بن أبي طاهر أن محمد بن علي بن طاهر بن الحسين حدثه أن المأمون كان يوما قاعدا يشرب وبيده قدح إذ غنت بذل
( ألا لا أرى شيئا ألذ من الوعد ... )
فجعلته
( ألا لا أرى شيئا ألذ من السحق ... )
فوضع المأمون القدح من يده والتفت إليها وقال بلى يا بذل النيك ألذ من السحق فتشورت وخافت غضبه فأخذ قدحه ثم قال أتمي صوتك وزيدي فيه
( ومن غفلة الواشي إذا ما أتيتها ... ومن زورتي أبياتها خاليا وحدي )
( ومن صيحة في الملتقى ثم سكتة ... وكلتاهما عندي ألذ من الخلد )
نسبة هذا الصوت
( ألا لا أرى شيئا ألذ من الوعد ... ومن أملي فيه وإن كان لا يجدي )
الغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر في رواية عمرو بن بانة
صوت
( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم عندها لم يجز مكبول )

(17/85)


( وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول )
الشعر لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة والهشامي

(17/86)


أخبار كعب بن زهير
كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني وقد تقدم خبر أبيه ونسبه وأم كعب امرأة من بني عبد الله بن غطفان يقال لها كبشة بنت عمار بن عدي بن سحيم وهي أم سائر أولاد زهير
وهو من المخضرمين ومن فحول الشعراء
وسأله الحطيئة أن يقول شعرا يقدم فيه نفسه ثم يثني به بعده ففعل
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا
أتى الحطيئة كعب بن زهير - وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير - فقال له يا كعب قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك وقال أبو عبيدة في خبره تبدأ بنفسك فيه وتثني بي فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع فقال كعب

(17/87)


( فمن للقوافي شانها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول )
( يقول فلا تعيا بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل )
( كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخل منها مثل ما يتنخل )
( يثقفها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل )
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا علي بن الصباح عن هشام عن إسحاق بن الجصاص قال
قال زهير بيتا ونصفا ثم أكدى فمر به النابغة فقال له أبا أمامة أجز فقال وما قلت قال قلت
( تزيد الأرض إما مت خفا ... وتحيا إن حييت بها ثقيلا )
( نزلت بمستقر العرض منها ... )
أجز قال فأكدى والله النابغة وأقبل كعب بن زهير وإنه لغلام فقال أبوه أجز يا بني فقال وما أجيز فأنشده فأجاز النصف بيت فقال
( وتمنع جانبيها أن يزولا ... )
فضمه زهير إليه وقال أشهد أنك ابني
زهير ينهاه عن الشعر ثم يأذن له
وقال ابن الأعرابي قال حماد الراوية

(17/88)


تحرك كعب بن زهير وهو يتكلم بالشعر فكان زهير ينهاه مخافة أن يكون لم يستحكم شعره فيروى له ما لا خير فيه فكان يضربه في ذلك فكلما ضربه يزيد فيه فغلبه فطال عليه ذلك فأخذه فحبسه فقال والذي أحلف به لا تتكلم ببيت شعر إلا ضربتك ضربا ينكلك عن ذلك فمكث محبوسا عدة أيام ثم أخبر أنه يتكلم به فدعاه فضربه ضربا شديدا ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فرعى ثم راح عشية وهو يرتجز
( كأنما أحدو ببهمي عيرا ... من القرى موقرة شعيرا )
فخرج إليه زهير وهو غضبان فدعا بناقته فكفلها بكسائه ثم قعد عليها حتى انتهى إلى ابنه كعب فأخذ بيده فأردفه خلفه ثم خرج فضرب ناقته وهو يريد أن يبعث ابنه كعبا ويعلم ما عنده من الشعر فقال زهير حين برز إلى الحي
( إني لتعديني على الحي جسرة ... تخب بوصال صروم وتعنق )
ثم ضرب كعبا وقال له أجز يا لكع فقال كعب
( كبنيانة القرئي موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق )
فقال زهير

(17/89)


( على لاحب مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزا من الأرض مهرق )
أجزيا لكع فقال كعب
( منير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق )
قال فتبدى زهير في نعت النعام وترك الإبل يتعسفه عمدا ليعلم ما عنده قال
( وظل بوعساء الكثيب كأنه ... خباء على صقبي بوان مروق )
صقبي عمودي بوان عمود من أعمدة البيت فقال كعب
( تراخى به حب الضحاء وقد رأى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق )
فقال زهير
( تحن إلى مثل الحبابير جثم ... لدى منتج من قيضها المتفلق )
الحبابير جمع حبارى وتجمع أيضا حباريات فقال كعب
( تحطم عنها قيضها عن خراطم ... وعن حدق كالنبخ لم يتفتق )
الخراطم هاهنا المناقير والنبخ الجدري شبه أعين ولد النعامة به

(17/90)


قال فأخذ زهير بيد ابنه كعب ثم قال له قد أذنت لك في الشعر يا بني
فلما نزل كعب وانتهى إلى أهله - وهو صغير يومئذ - قال
( أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع ... بعرض أبيه في المعاشر ينفق )
قال وهي أول قصيدة قالها
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن مضرب بن كعب بن زهير بن أبي سلمى عن أبيه عن جده قال
خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله حتى بلغا أبرق العزاف فقال كعب لبجير الحق الرجل وأنا مقيم هاهنا فانظر ما يقول لك فقدم بجير على رسول الله فسمع منه وأسلم وبلغ ذلك كعبا فقال
( ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء - ويب غيرك - دلكا )
( على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا )
( سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا )

(17/91)


الرسول يهدر دمه
ويروى المأمور قال فبلغت أبياته هذه رسول الله فأهدر دمه وقال من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله
فكتب إليه أخوه بجير يخبره وقال له انجه وما أراك بمفلت وكتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول الله ويقول له إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله قبل منه وأسقط ما كان قبل ذلك فأسلم كعب وقال القصيدة التي اعتذر فيها إلى رسول الله
( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم عندها لم يجز مكبول )
قال ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله وكان مجلسه من أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة ثم حلقة ثم حلقة وهو وسطهم فيقبل على هؤلاء يحدثهم ثم على هؤلاء ثم على هؤلاء فأقبل كعب حتى دخل المسجد فتخطى حتى جلس إلى رسول الله فقال يا رسول الله الأمان قال ومن أنت قال كعب بن زهير قال أنت الذي يقول . . كيف قال يا أبا بكر فأنشده حتى بلغ إلى قوله
( سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا )
فقال رسول الله مأمون والله ثم أنشده - يعني كعبا -
( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... )
قال عمر بن شبة فحدثني الحزامي قال حدثني محمد بن فليح عن موسى بن عقبة وأخبرني بمثل ذلك أحمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة قال أنشدها رسول الله في مسجده فلما بلغ إلى قوله

(17/92)


( إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول )
( في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا )
( زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا خور معازيل )
أشار رسول الله إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير
قال الحزامي قال علي بن المديني لم أسمع قط في خبر كعب بن زهير حديثا قط أتم ولا أحسن من هذا ولا أبالي ألا أسمع من خبره غير هذا
إسلام بجير وكعب
قال أبو زيد عمر بن شبة ومما يروى من خبره أن زهيرا كان نظارا متوقيا وأنه رأى في منامه آتيا أتاه فحمله إلى السماء حتى كاد يمسها بيده ثم تركه فهوى إلى الأرض فلما احتضر قص رؤياه على ولده وقال إني لا أشك أنه كائن من خبر السماء بعدي شيء فإن كان فتمسكوا به وسارعوا إليه
فلما بعث النبي خرج إليه بجير بن زهير فأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه فلما هاجر رسول الله أتاه بجير بالمدينة - وكان من خيار المسلمين وشهد يوم الفتح مع رسول الله ويوم خيبر ويوم حنين وقال في ذلك
( صبحناهم بألف من سليم ... وألف من بني عثمان واف )
( فرحنا والجياد تجول فيهم ... بأرماح مثقفة خفاف )
( وفي أكتافهم طعن وضرب ... ورشق بالمريشة اللطاف )
ثم ذكر خبره وخبر أخيه كعب مثل ما ذكر الحزامي وزاد في الأبيات التي كتب بها كعب إليه

(17/93)


( فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا )
ثم قال في خبره أيضا إن كعبا نزل برجل من جهينة فلما أصبح أتى النبي عليه السلام فقال يا رسول الله أرأيت إن أتيتك بكعب بن زهير مسلما أتؤمنه قال نعم قال فأنا كعب بن زهير فتواثبت الأنصار تقول يا رسول الله ائذن لنا فيه فقال وكيف وقد أتاني مسلما وكف عنه المهاجرون ولم يقولوا شيئا فأنشد رسول الله قصيدته
( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... )
حتى انتهى إلى قوله
( لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل )
هكذا في رواية عمر بن شبة ورواية غيره تعليل
فعند ذلك أومأ رسول الله إلى الحلق حوله أن تسمع منه قال وعرض بالأنصار في قصيدته في عدة مواضع منها قوله
( كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل )

(17/94)


وعرقوب رجل من الأوس فلما سمع المهاجرون بذلك قالوا
ما مدحنا من هجا الأنصار فأنكروا قوله وعوتب على ذلك فقال
( من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار )
( الباذلين نفوسهم لنبيهم ... عند الهياج وسطوة الجبار )
( والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار )
( والضاربين الناس عن أديانهم ... بالمشرفي وبالقنا الخطار )
( يتطهرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار )
( صدموا الكتيبة يوم بدر صدمة ... ذلت لوقعتها رقاب نزار )
قال أبو زيد الذي عناه كعب رجل من الأوس كان وعد رجلا ثمر نخلة فلما أطلعت أتاه فقال دعها حتى تلقح فلما لقحت قال دعها حتى تزهي فلما أزهت أتاه فقال دعها حتى ترطب ثم أتاه فقال دعها حتى تتمر فلما أتمرت عدا عليها ليلا فجدها فضرب به في الخلف المثل وذلك قول الشماخ
( وواعدني ما لا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب )

(17/95)


وقال المتلمس لعمرو بن هند
( من كان خلف الوعد شيمته ... والغدر عرقوب له مثل )
وما قالته الشعراء في ذكر عرقوب يكثر
قال إبراهيم بن المنذر حدثني معن بن عيسى قال حدثني الأوقص محمد بن عبد الرحمن المخزومي قال
حدثني علي بن زيد أن كعب بن زهير أنشد رسول الله هذه القصيدة في المسجد الحرام لا في مسجد المدينة
قال إبراهيم حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه قال
عنى كعب بن زهير بقوله
( في فتية من قريش قال قائلهم ... )
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
صوت
( أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك )

(17/96)


( أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى أو خيفة من زيالك )
( تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك )
عروضه من الطويل الشعر لابن الدمينة بعضه وبعضه ألحقه المغنون به وهو لغيره والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالبنصر

(17/97)


أخبار ابن الدمينة ونسبه
الدمينة أمه وهي الدمينة بنت حذيفة السلولية واسم ابن الدمينة عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تيم الله بن مبشر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خثعم بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك
وقيل إن أكلب هو ابن ربيعة بن نزار ليس ابن ربيعة بن عفرس وإنهم حالفوا خثعم ونزلوا فيهم فنسبوا إليهم
ويكنى ابن الدمينة أبا السري
وكان بلغه أن رجلا من أخواله من سلول يأتي امرأته ليلا فرصده حتى أتاها فقتله ثم قتلها بعده ثم اغتالته سلول بعد ذلك فقتلته
أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة وابن الأعرابي وأضفت إلى ذلك ما رواه الزبير بن بكار عن أصحابه وما اتفقت الروايتان فيه فإذا اختلفتا نسبت كل خبر إلى راويه

(17/98)


مزاحم بن عمرو يرمى بامرأته ويشهر به
قال الزبير حدثني موهوب بن رشيد الكلابي وإبراهيم بن سعد السلمي وعمر بن إبراهيم السعدي عن ميناس بن عبد الصمد عن مصعب بن عمرو السلولي أخي مزاحم بن عمرو قالوا جميعا
إن رجلا من سلول يقال له مزاحم بن عمرو كان يرمى بامرأة ابن الدمينة وكان اسمها حماء قال السكري كان اسمها حمادة فكان يأتيها ويتحدث إليها حتى اشتهر ذلك فمنعه ابن الدمينة من إتيانها واشتد عليها فقال مزاحم يذكر ذلك - وهذا من رواية ابن حبيب وهي أتم وأصح -
( يا بن الدمينة والأخبار يرفعها ... وخد النجائب والمحقور يخفيها )
( يا بن الدمينة إن تغضب لما فعلت ... فطال خزيك أو تغضب مواليها )
( أو تبغضوني فكم من طعنة نفذ ... يغذو خلال اختلاج الجوف غاذيها )
( جاهدت فيها لكم إني لكم أبدا ... أبغي معايبكم عمدا فآتيها )
( فذاك عندي لكم حتى تغيبني ... غبراء مظلمة هار نواحيها )
( أغشى نساء بني تيم إذا هجعت ... عني العيون ولا أبغي مقاريها )
( كم كاعب من بني تيم قعدت لها ... وعانس حين ذاق النوم حاميها )

(17/99)


( كقعدة الأعسر العلفوف منتحيا ... متينة من متون النبل ينحيها )
( وشهقة عند حس الماء تشهقها ... وقول ركبتها قض حين تثنيها )
( علامة كية ما بين عانتها ... وبين سبتها لا شل كاويها )
( وتعدل الأير إن زاغت فتبعثه ... حتى يقيم برفق صدره فيها )
( بين الصفوقين في مستهدف ومد ... ذي حرة ذاق طعم الموت صاليها )
( ماذا ترى ابن عبيد الله في امرأة ... ليست بمحصنة عذراء حاويها )
( أيام أنت طريد لا تقاربها ... وصادف القوس في الغرات باريها )
( ترى عجوز بني تيم ملفعة ... شمطا عوارضها ربدا دواهيها )
( إذ تجعل الدفنس الورهاء عذرتها ... قشارة من أديم ثم تفريها )
( حتى يظل هدان القوم يحسبها ... بكرا وقبل هوى في الدار هاويها )
قال الزبير عن رجاله وابن حبيب عن ابن الأعرابي
لما بلغ ابن الدمينة شعر مزاحم أتى امرأته فقال لها قد قال فيك هذا الرجل ما قال وقد بلغك قالت والله ما أرى ذلك مني قط قال فمن أين له العلامات قالت وصفهن له النساء قال هيهات والله أن يكون ذلك كذلك ثم أمسك مدة وصبر حتى ظن أن مزاحما قد نسي القصة ثم أعاد عليها القول وأعادت الحلف أن ذلك مما وصفه له النساء فقال لها والله لئن لم تمكنيني منه لأقتلنك فعلمت أنه سيفعل ذلك فبعثت إليه وواعدته ليلا وقعد له ابن الدمينة وصاحب

(17/100)


له فجاءها للموعد فجعل يكلمها وهي مكانها فلم تكلمه فقال لها يا حماء ما هذا الجفاء الليلة قال فتقول له هي بصوت ضعيف ادخل فدخل فأهوى بيده ليضعها عليها فوضعها على ابن الدمينة فوثب عليه هو وصاحبه وقد جعل له حصى في ثوب فضرب بها كبده حتى قتله وأخرجه فطرحه ميتا فجاء أهله فاحتملوه ولم يجدوا به أثر السلاح فعلموا أن ابن الدمينة قتله
قال الزبير في حديثه وقد قال ابن الدمينة في تحقيق ذلك
( قالوا هجتك سلول اللؤم مخفية ... فاليوم أهجو سلولا لا أخافيها )
( قالوا هجاك سلولي فقلت لهم ... قد أنصف الصخرة الصماء راميها )
( رجالهم شر من يمشي ونسوتهم ... شر البرية واست ذل حاميها )
( يحككن بالصخر أستاها بها نقب ... كما يحك نقاب الجرب طاليها )
قال وقال أيضا يذكر دخول مزاحم ووضعه يده عليه
( لك الخير إن واعدت حماء فالقها ... نهارا ولا تدلج إذا الليل أظلما )
( فإنك لا تدري أبيضاء طفلة ... تعانق أم ليثا من القوم قشعما )
( فلما سرى عن ساعدي ولحيتي ... وأيقن أني لست حماء جمجما )
ابن الدمينة يقتل امرأته
قالوا جميعا ثم أتى ابن الدمينة امرأته فطرح على وجهها قطيفة ثم جلس عليها حتى قتلها فلما ماتت قال
( إذا قعدت على عرنين جارية ... فوق القطيفة فادعوا لي بحفار )

(17/101)


فبكت بنية له منها فضرب بها الأرض فقتلها وقال متمثلا لا تتخذن من كلب سوء جروا
قال الزبير في خبره عن عمه مصعب عن حميد بن أنيف قال
فخرج جناح أخو المقتول إلى أحمد بن إسماعيل فاستعداه على ابن الدمينة فبعث إليه فحبسه
وقالوا جميعا قالت أم أبان والدة مزاحم بن عمرو المقتول وهي من خثعم ترثي ابنها وتحضض مصعبا وجناحا أخويه
( بأهلي ومالي بل بجل عشيرتي ... قتيل بني تيم بغير سلاح )
( فهلا قتلتم بالسلاح ابن أختكم ... فتظهر فيه للشهود جراح )
( فلا تطمعوا في الصلح ما دمت حية ... وما دام حيا مصعب وجناح )
( ألم تعلموا أن الدوائر بيننا ... تدور وأن الطالبين شحاح )
قالوا فلما طال حبسه ولم يجد عليه أحمد بن إسماعيل سبيلا ولا حجة خلاه وقتلت بنو سلول رجلا من خثعم مكان المقتول وقتلت خثعم بعد ذلك نفرا من سلول ولهم في ذلك قصص وأشعار كثيرة
رواية مقتله
قالوا وأقبل ابن الدمينة حاجا بعد مدة طويلة فنزل بتبالة فعدا عليه مصعب أخو المقتول لما رآه وقد كانت أمه حرضته عليه وقالت اقتل ابن الدمينة فإنه قتل أخاك وهجا قومك وذم أختك وقد كنت أعذرك قبل هذا

(17/102)


لأنك كنت صغيرا وقد كبرت الآن فلما أكثرت عليه خرج من عندها وبصر بابن الدمينة واقفا ينشد الناس فغدا إلى جزار فأخذ شفرته وعدا على ابن الدمينة فجرحه جراحتين فقيل إنه مات لوقته وقيل بل سلم تلك الدفعة ومر به مصعب بعد ذلك وهو في سوق العبلاء ينشد فعلاه بسيفه حتى قتله وعدا وتبعه الناس حتى اقتحم دارا وأغلقها على نفسه فجاءه رجل من قومه فصاح به يا مصعب إن لم تضع يدك في يد السلطان قتلتك العامة فاخرج فلما عرفه قال له أنا في ذمتك حتى تسلمني إلى السلطان قال نعم فخرج إليه ووضع يده في يده فسلمه إلى السلطان فقذفه في سجن تبالة
قال السكري في خبره ومكث ابن الدمينة جريحا ليلته ومات في غد فقال في تلك الليلة يحرض قومه ويوبخهم
( هتفت بأكلب ودعوت قيسا ... فلا خذلا دعوت ولا قليلا )
( ثأرت مزاحما وسررت قيسا ... وكنت لما هممت به فعولا )
( فلا تشلل يداك ولا تزالا ... تفيدان الغنائم والجزيلا )
( فلو كان ابن عبد الله حيا ... لصبح في منازلها سلولا )
قال وبلغ مصعبا أن قوم ابن الدمينة يريدون أن يقتحموا عليه سجن تبالة فيقتلوه به غيلة فقال يحرض قومه
( لقيت أبا السري وقد تكالا ... له حق العداوة في فؤادي )
( فكاد الغيظ يفرطني إليه ... بطعن دونه طعن السداد )
( إذا نبحت كلاب السجن حولي ... طمعت هشاشة وهفا فؤادي )
( طماعة أن يدق السجن قومي ... وخوفا أن يبيتني الأعادي )
( فما ظني بقومي شر ظن ... ولا أن يسلموني في البلاد )

(17/103)


( وقد جدلت قاتلهم فأمسى ... يمج دم الوتين على الوساد )
فجاءت بنو عقيل إليه ليلا فكسروا السجن وأخرجوه منه
مصعب السلولي يهرب إلى صنعاء
قال مصعب فلما أفلت من السجن هرب إلى صنعاء فقدم علينا وأبى بها يومئذ وال فنزل على كاتب لأبي كان مولى لهم فرأيته حينئذ ولم يكن جلدا من الرجال
ومما يغنى به من شعر ابن الدمينة قوله من قصيدة أولها
( أقمت على زمان يوما وليلة ... لأنظر ما واشي أميمة صانع )
( فقصرك مني كل عام قصيدة ... تخب بها خوص المطي النزائع )
وهذه القصيدة ذكر أحمد بن يحيى ثعلب أن عبد الله بن شبيب أنشده إياها عن محمد بن عبد الله الكراني لابن الدمينة والذي يغني به منها قوله

(17/104)


صوت
( أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع )
( نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل شاقتني إليك المضاجع )
( لقد ثبتت في القلب منك محبة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع )
غناه إبراهيم رملا بالوسطى عن عمرو بن بانة
نسخت من كتاب أبي سعيد قال حدثنا ابن أبي السري عن هشام قال
هوي ابن الدمينة امرأة من قومه يقال لها أميمة فهام بها مدة فلما وصلته تجنى عليها وجعل ينقطع عنها ثم زارها ذات يوم فتعاتبا طويلا ثم أقبلت عليه فقالت
صوت
( وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم )
( وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم )
( فلولا أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم )
الشعر لأميمة امرأة ابن الدمينة والغناء لإبراهيم الموصلي خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي وذكر حبش أن لإبراهيم أيضا فيه لحنا من الثقيل الأول بالوسطى وذكر حكم الوادي أن هذا اللحن ليعقوب الوادي وفيه لعريب

(17/105)


خفيف ثقيل
قال فأجابها ابن الدمينة فقال
( وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... ومزقت قرح القلب فهو كليم )
( وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم )
( وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم )
قال ثم تزوجها بعد ذلك وقتل وهي عنده
قصة عاشقين
فأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق حدثني أبي قال حدثنا سعيد بن سلم عن أبي الحسن الينبعي قال
بينا أنا وصديق لي من قريش نمشي بالبلاط ليلا إذا بظل نسوة في القمر فالتفتنا فإذا بجماعة نسوة فسمعت واحدة منهن وهي تقول أهو هو فقالت الأخرى نعم والله إنه لهو هو فدنت مني ثم قالت يا كهل قل لهذا الذي معك
( ليست لياليك في خاخ بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم )

(17/106)


فقلت له أجب فقد سمعت فقال قد والله قطع بي وأرتج علي فأجب عني فالتفت إليها ثم قلت
( فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت )
فقالت المرأة أوه ثم مضت ومضينا حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله ومضيت أنا إلى منزلي فإذا أنا بجويرية تجذب ردائي فالتفت إليها فقالت المرأة التي كلمتك تدعوك فمضيت معها حتى دخلت دارا ثم صرت إلى بيت فيه حصير وثنيت لي وسادة فجلست عليها ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها وجاءت المرأة فجلست عليها وقالت أنت المجيب قلت نعم قالت ما كان أفظ جوابك وأغلظه قلت والله ما حضرني غيره فبكت ثم قالت لي والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من إنسان كان معك قلت أنا الضامن لك عنه ما تحبين قالت أو تفعل قلت نعم فوعدتها أن آتيها به في الليلة القابلة وانصرفت فإذا الفتى ببابي فقلت ما جاء بك قال علمت أنها سترسل إليك وسألت عنك فلم أجدك فعلمت أنك عندها فجلست أنتظرك فقلت فقد كان كل ما ظننت ووعدتها أن آتيها بك في الليلة القابلة فمضى ثم أصبحنا فتهيأنا ورحنا فإذا الجارية تنتظرنا فمضت أمامنا حتى دخلنا الدار فإذا برائحة الطيب وجاءت فجلست مليا ثم أقبلت عليه فعاتبته طويلا ثم قالت
صوت
( وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم )
( وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم )
( فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم )

(17/107)


ثم سكتت فسكت الفتى هنيهة ثم قال
( غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... وفي دون هذا للمحب عزاء )
( جزيتك ضعف الود ثم صرمتني ... فحبك في قلبي إليك أداء )
فالتفتت إلي وقالت ألا تسمع ما يقول قد أخبرتك قال فغمزته فكف ثم قالت
صوت
( تجاهلت وصلي حين لجت عمايتي ... وهلا صرمت الحبل إذ أنا مبصرا )
( ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته ... نصيب وإذ رأيي جميع موفر )
( ولكنما آذنت بالصرم بغتة ... ولست على مثل الذي جئت أقدر )
غنى في هذه الأبيات إبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وذكر حبش أن فيها ثاني ثقيل بالبنصر
قال فقال الفتى مجيبا لها
( لقد جعلت نفسي - وأنت اجترمته ... وكنت أحب الناس - عنك تطيب )
فبكت ثم قالت أو قد طابت نفسك لا والله ما فيك خير بعدها فعليك السلام ثم قامت والتفتت إلي وقالت قد علمت أنك لا تفي بضمانك عنه وانصرفنا
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق قال
حدثني أبي قال كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئا يستحسنه أطرفني به وأفعل مثل ذلك فجاءني يوما فوقف بين البابين وأنشد لابن الدمينة

(17/108)


صوت
( ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد )
( أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند )
( بكيت كما يبكي الحزين صبابة ... وذبت من الشوق المبرح والصد )
( بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جزوعا وأبديت الذي لم تكن تبدي )
( وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد )
( بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد )
وزيد على ذلك بيت وهو
( ولكن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود )
ثم ترنح ساعة وترجح أخرى ثم قال أنطح العمود برأسي من حسن هذا فقلت لا ارفق بنفسك
الغناء في هذه الأبيات لإبراهيم له فيه لحنان أحدهما ما خوري بالبنصر أوله البيت الثاني والآخر خفيف ثقيل بالوسطى أوله البيت الأول
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال
حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال حدثني أحمد بن سعيد عن ابن زبنج راوية ابن هرمة قال
لقي ابن هرمة بعض أصدقائه بالبلاط فقال له من أين أقبلت قال من

(17/109)


المسجد قال فأي شيء صنعت هناك قال كنت جالسا مع إبراهيم بن الوليد المخزومي قال فأي شيء قال لك قال أمرني أن أطلق امرأتي قال فأي شيء قلت له قال ما قلت له شيئا قال فوالله ما قال لك ذلك إلا لأمر أظهرته عليه وكتمتنيه أفرأيت إن أمرته بطلاق امرأته أيطلقها قال لا والله قال فابن الدمينة كان أنصف منك كان يهوى امرأة من قومه فأرسلت إليه إن أهلي قد نهوني عن لقائك ومراسلتك فأرسل إليها
صوت
( أطعت الآمريك بقطع حبلي ... مريهم في أحبتهم بذاك )
( فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك )
( أما والراقصات بكل فج ... ومن صلى بنعمان الأراك )
( لقد أضمرت حبك في فؤادي ... وما أضمرت حبا من سواك )
في هذه الأبيات لإسحاق رمل وفيها لشارية خفيف رمل بالوسطى ولعريب خفيف ثقيل ابتداؤه ينشد في الثالث والرابع ثم الثاني والأول وفيه لمتيم خفيف رمل آخر

(17/110)


وحدثني بعض أصدقائنا عن أبي بكر بن دريد - ولم أسمعه منه - قال حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه ووجدته أيضا في بعض الكتب بغير هذا الإسناد عن الأصمعي فجمعت الحكايتين قال
مررت بالكوفة وإذا أنا بجارية تطلع من جدار إلى الطريق وفتى واقف وظهره إلي وهو يقول لها أسهر فيك وتنامين عني وتضحكين مني وأبكي وتستريحين وأتعب وأمحضك المودة وتمذقينها لي وأصدقك وتنافقيني ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه ويأمرني نصيحي بذلك فأعصيه ثم تنفس وأجهش باكيا فقالت له إن أهلي يمنعونني منك وينهونني عنك فكيف أصنع فقال لها
( أطعت الآمريك بصرم حبلي ... مريهم في أحبتهم بذاك )
( فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك )
ثم التفت فرآني فقال يا فتى ما تقول أنت فيما قلت فقلت له والله لو عاش ابن أبي ليلى ما حكم إلا بمثل حكمك
تمت أخبار ابن الدمينة
صوت
( وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا )
( فما أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا )
( وليسوا إلى نصري سراعا وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدا )
( إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا )
( يعاتبني في الدين قومي وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدا )

(17/111)


عروضه من الطويل الشعر للمقنع الكندي والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو وفيه من روايته أيضا لمالك خفيف رمل بالوسطى وذكر علي بن يحيى أن لحن ابن سريج خفيف ثقيل وذكر إبراهيم أن فيه لقفا النجار لحنا لم يذكر طريقته وأظنه من خفيف الثقيل

(17/112)


نسب المقنع الكندي وأخباره
المقنع لقب غلب عليه لأنه كان أجمل الناس وجها وكان إذا سفر اللثام عن وجهه أصابته العين
قال الهيثم كان المقنع أحسن الناس وجها وأمدهم قامة وأكملهم خلقا فكان إذا سفر لقع - أي أصابته أعين الناس - فيمرض ويلحقه عنت فكان لا يمشي إلا مقنعا
واسمه محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرعان بن قيس بن الأسود ابن عبد الله بن الحارث الولادة - سمي بذلك لكثرة ولده - بن عمرو بن معاوية ابن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب قحطان شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية وكان له محل كبير وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته
قال الهيثم بن عدي أن عمير جده سيد كندة وكان عمه عمرو بن أبي شمر ينازع أباه الرياسة ويساجله فيها فيقصر عنه

(17/113)


المقنع متخرق في عطاياه سمح اليد
ونشأ محمد بن عمير المقنع فكان متخرقا في عطاياه سمح اليد بماله لا يرد سائلا عن شيء حتى أتلف كل ما خلفه أبوه من مال فاستعلاه بنو عمه عمرو بن أبي شمر بأموالهم وجاههم وهوي بنت عمه عمرو فخطبها إلى إخوتها فردوه وعيروه بتخرقه وفقره وما عليه من الدين فقال هذه الأبيات المذكورة
وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن زكريا الغلابي عن العتبي قال حدثني أبو خالد من ولد أمية بن خلف قال
قال عبد الملك بن مروان - وكان أول خليفة ظهر منه بخل - أي الشعراء أفضل فقال له كثير بن هراسة يعرض ببخل عبد الملك أفضلهم المقنع الكندي حيث يقول
( إني أحرض أهل البخل كلهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضي )
( ما قل مالي إلا زادني كرما ... حتى يكون برزق الله تعويضي )
( والمال يرفع من لولا دراهمه ... أمسى يقلب فينا طرف مخفوض )
( لن تخرج البيض عفوا من أكفهم ... إلا على وجع منهم وتمريض )

(17/114)


( كأنها من جلود الباخلين بها ... عند النوائب تحذى بالمقاريض )
فقال عبد الملك - وعرف ما أراد - الله أصدق من المقنع حيث يقول ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا )
صوت
( يا بن هشام يا علي الندى ... فدتك نفسي ووقتك الردى )
( نسيت عهدي أو تناسيتني ... لما عداني عنك صرف النوى )
الشعر والغناء لإسحاق الموصلي رمل بالبنصر

(17/115)


خبر لإسحاق وابن هشام
وهذا الشعر يقوله في علي بن هشام أيام كان إسحاق بالبصرة وله إليه رسالة حسنة هذا موضع ذكرها أخبرنا بها علي بن يحيى المنجم عن أبيه ووقعت إلينا من عدة وجوه
أن إسحاق كتب إلى علي بن هشام جعلت فداك بعث إلي أبو نصر مولاك بكتاب منك إلي يرتفع عن قدري ويقصر عنه شكري فلولا ما أعرف من معانيه لظننت أن الرسول غلط بي فيه فما لنا ولك يا عبد الله تدعنا حتى إذا أنسينا الدنيا وأبغضناها ورجونا السلامة من شرها أفسدت قلوبنا وعلقت أنفسنا فلا أنت تريدنا ولا أنت تتركنا فبأي شيء تستحل هذا فأما ما ذكرته من شوقك إلي فلولا أنك حلفت عليه لقلت
( يا من شكا عبثا إلينا شوقه ... شكوى المحب وليس بالمشتاق )
( لو كنت مشتاقا إلي تريدني ... ما طبت نفسا ساعة بفراقي )
( وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والميثاق )
( هيهات قد حدثت أمور بعدنا ... وشغلت باللذات عن إسحاق )
وقد تركت - جعلت فداك - ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره وقلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد وأستقبل الشمال وأتنسم أرواحكم

(17/116)


فيها ثم يكون ما الله أعلم به وإن كنت تكرهها تركتها إن شاء الله
( ألا قد أرى أن الثواء قليل ... وأن ليس يبقى للخليل خليل )
( وإني وإن مكنت في العيش حقبة ... كذي سفر قد حان منه رحيل )
( فهل لي إلى أن تنظر العين مرة ... الى ابن هشام في الحياة سبيل ! )
( فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة ... وفي النفس منه حاجة وغليل )
وأما بعد فإني أعلم أنك - وإن لم تسل عن حالي - تحب أن تعلمها وأن تأتيك عني سلامة فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن مريض القلب
وبعد فأنا - جعلت فداك - في صنعة كتاب مليح ظريف فيه تسمية القوم ونسبهم وبلادهم وأسبابهم وأزمنتهم وما اختلفوا فيه من غنائهم وبعض أحاديثهم وأحاديث قيان الحجاز والكوفة والبصرة المعروفات والمذكورات وما قيل فيهن من الأشعار ولمن كن وإلى من صرن ومن كان يغشاهن ومن كان يرخص في السماع من الفقهاء والأشراف فأعلمني رأيك فيما تشتهي لأعمل على قدر ذلك إن شاء الله
وقد بعثت إليك بأنموذج فإن كان كما قال القائل قبح الله كل دن أوله دردي لم نتجشم إتمامه وربحنا العناء فيه وإن كان كما قال العربي إن الجواد عينه فراره أعلمتنا فأتممناه مسرورين بحسن رأيك فيه إن شاء الله
وهذا مما يدل على أن كتاب الأغاني المنسوب إلى إسحاق ليس له وإنما ألف ما رواه حماد ابنه عنه من دواوين القدماء غير مختلط بعضها ببعض

(17/117)


وكان إسحاق يألف عليا وأحمد ابني هشام وسائر أهلهما إلفا شديدا ثم وقعت بينهم نبوة ووحشة في أمر لم يقع إلينا إلا لمعا غير مشروحة فهجاهم هجاء كثيرا وانفرجت الحال بينه وبينهم
نماذج من شعره
فأخبرني محمد بن خلف وكيع ويحيى بن علي بن يحيى وغيرهما عن أبي أيوب سليمان المديني عن مصعب قال
قال لي أحمد بن هشام أما تستحي أنت وصباح بن خاقان وأنتما شيخان من مشايخ المروءة والعلم والأدب أن شبب بذكركما إسحاق في الشعر وهو مغن مذكور فيقول
( قد نهانا مصعب وصباح ... فعصينا مصعبا وصباحا )
( عذلا ما عذلا أم ملاما ... فاسترحنا منهما فاستراحا )
ويروى
( علما في العذل أم قد ألاما ... )
ويروى
( عذلا عذلهما ثم أناما ... )
فقلت إن كان فعل فما قال إلا خيرا إنما ذكر أنا نهيناه عن خمر شربها وامرأة عشقها وقد أشاد باسمك في الشعر بأشد من هذا قال وما هو قلت قوله
( وصافية تغشى العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام )

(17/118)


( أدرنا بها الكأس الروية موهنا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام )
( فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام )
قال أو قد فعل العاض بظر أمه قلت إي والله لقد فعل
إلى هاهنا رواية مصعب
ووجدت هذا الخبر في غير روايته وفيه زيادة قد ذكرتها قال فآلى أحمد بن هشام أن يبلغ فيه كل مبلغ يقدر عليه وأن يجتهد في اغتياله
قال إسحاق حضرت بدار الخليفة وحضر علي بن هشام فقال لي أتهجو أخي وتذكره بما بلغني من القبيح فقلت أو يتعرض أخوك لي ويتوعدني فوالله ما أبالي بما يكون منه لأني أعلم أنه لا يقدر لي على ضر والنفع فلا أريده منه وأنا شاعر مغن والله لأهجونه بما أفري به جلده وأهتك مروءته ثم لأغنين في أقبح ما أقوله فيه غناء تسري به الركبان فقال لي أو تهب لي عرضه وأصلح بينكما فقلت ذاك إليك وإن فعلته فلك لا له ففعل ذلك وفعلته به
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال
كان صباح بن خاقان المنقري نديما لمصعب الزبيري فقال عبد الرحمن ابن أبي عبد الرحمن بن عائشة - وكان خليعا من أهل البصرة -
( من يكن إبطه كآباط ذا الخلق ... فإبطاي في عداد الفقاح )
( لي إبطان يرميان جليسي ... بشبيه السلاح بل بالسلاح )
( فكأني من نتن هذا وهذا ... جالس بين مصعب وصباح )

(17/119)


أخبرني علي بن يحيى المنجم قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق قال دخلت على الفضل بن الربيع يوما فقال ما عندك قلت بيتان أرجو أن يكونا فيما يستطرف وأنشدته
( سنغضي عن المكروه من كل ظالم ... ونصبر حتى يصنع الله بالفضل )
( فتنتصر الأحرار ممن يضيمها ... وتدرك أقصى ما تطالب من ذحل )
قال فدمعت عينه وقال من آذاك لعنه الله فقلت بنو هاشم وأخبرته الخبر
قال يحيى بن علي ولم يذكر بأي شيء أخبره
صوت
( قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع )
( أسعى على جل بني مالك ... كل امرىء في شأنه ساع )
( من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع )
( لا نألم القتل ونجزي به الأعداء ... كيل الصاع بالصاع )
الشعر لأبي قيس بن الأسلت والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل أول وقيل بل هو لمعبد

(17/120)


نسب أبي قيس بن الأسلت وأخباره
أبو قيس لم يقع إلي اسمه غير ابن الأسلت والأسلت لقب أبيه واسمه عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عمارة بن مرة بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر
وهو شاعر من شعراء الجاهلية وكانت الأوس قد أسندت إليه حربها وجعلته رئيسا عليها فكفى وساد وأسلم ابنه عقبة بن أبي قيس واستشهد يوم القادسية
وكان يزيد بن مرداس السلمي أخو عباس بن مرداس الشاعر قتل قيس بن أبي قيس بن الأسلت في بعض حروبهم فطلبه بثأره هارون بن النعمان بن الأسلت حتى تمكن من يزيد بن مرداس فقتله بقيس بن أبي قيس وهو ابن عمه
ولقيس يقول أبوه أبو قيس بن الأسلت

(17/121)


( أقيس إن هلكت وأنت حي ... فلا تعدم مواصلة الفقير )
وهذا الشعر الذي فيه الغناء يقوله أبو قيس في حرب بعاث
ابن الأسلت قائد الأوس في حربها
قال هشام بن الكلبي كانت الأوس قد أسندوا أمرهم في يوم بعاث إلى أبي قيس بن الأسلت الوائلي فقام في حربهم وآثرها على كل أمر حتى شحب وتغير ولبث أشهرا لا يقرب امرأة ثم إنه جاء ليلة فدق على امرأته وهي كبشة بنت ضمرة بن مالك بن عدي بن عمرو بن عوف ففتحت له فأهوى إليها بيده فدفعته وأنكرته فقال أنا أبو قيس فقالت والله ما عرفتك حتى تكلمت فقال في ذلك أبو قيس هذه القصيدة وأولها
( قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا فقد أبلغت أسماعي )
( استنكرت لونا له شاحبا ... والحرب غول ذات أوجاع )
( من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع )
يوم بعاث
سبب يوم بعاث
فأما السبب في هذا اليوم وهو يوم بعاث فيما أخبرني به محمد بن

(17/122)


جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق وأضفت إليه ما ذكره ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن أبي عبيدة عن محمد بن عمار بن ياسر وعن عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب
أن الأوس كانت استعانت ببني قريظة والنضير في حروبهم التي كانت بينهم وبين الخزرج وبلغ ذلك الخزرج فبعثت إليهم إن الأوس فيما بلغنا قد استعانت بكم علينا ولن يعجزنا أن نستعين بأعدادكم وأكثر منكم من العرب فإن ظفرنا بكم فذاك ما تكرهون وإن ظفرتم لم ننم عن الطلب أبدا فتصيروا إلى ما تكرهون ويشغلكم من شأننا ما أنتم الآن منه خالون وأسلم لكم من ذلك أن تدعونا وتخلوا بيننا وبين إخواننا فلما سمعوا ذلك علموا أنه الحق فأرسلوا إلى الخزرج إنه قد كان الذي بلغكم والتمست الأوس نصرنا وما كنا لننصرهم عليكم أبدا فقالت لهم الخزرج فإن كان ذلك كذلك فابعثوا إلينا برهائن تكون في أيدينا فبعثوا إليهم أربعين غلاما منهم ففرقهم الخزرج في دورهم فمكثوا بذلك مدة
ثم إن عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه بياضة إن عامرا أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل ثم راسهلم إما أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها وإما أن نقتل رهنكم فهموا أن يخرجوا من ديارهم فقال لهم كعب بن أسد القرظي يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الرهن والله ما هي إلا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته حتى يولد له غلام مثل أحد الرهن

(17/123)


فاجتمع رأيهم على ذلك فأرسلوا إلى عمرو بألا نسلم لكم دورنا وانظروا الذي عاهدتمونا عليه في رهننا فقوموا لنا به فعدا عمرو بن النعمان على رهنهم هو ومن أطاعه من الخزرج فقتلوهم وأبى عبد الله بن أبي وكان سيدا حليما وقال هذا عقوق ومأثم وبغي فلست معينا عليه ولا أحد من قومي أطاعني وكان عنده في الرهن سليم بن أسد القرظي - وهو جد محمد بن كعب القرظي - فخلى عنه وأطلق ناس من الخزرج نفرا فلحقوا بأهليهم فناوشت الأوس الخزرج يوم قتل الرهن شيئا من قتال غير كبير
واجتمعت قريظة والنضير إلى كعب بن أسد أخي بني عمرو بن قريظة ثم توامروا أن يعينوا الأوس على الخزرج فبعث إلى الأوس بذلك ثم أجمعوا عليه على أن ينزل كل أهل بيت من النبيت على بيت من قريظة والنضير فنزلوا معهم في دورهم وأرسلوا إلى النبيت يأمرونهم بإتيانهم وتعاهدوا ألا يسلموهم أبدا وأن يقاتلوا معهم حتى لا يبقى منهم أحد فجاءتهم النبيت فنزلوا مع قريظة والنضير في بيوتهم ثم أرسلوا إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج فأجابوهم إلى ذلك فاجتمع الملأ منهم واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم ودخلت معهم قبائل من أهل المدينة منهم بنو ثعلبة - وهم من غسان - وبنو زعوراء وهم من غسان
فلما سمعت بذلك الخزرج اجتمعوا ثم خرجوا وفيهم عمرو بن النعمان البياضي وعمرو بن الجموح السلمي حتى جاؤوا عبد الله بن أبي وقالوا له قد كان الذي بلغك من أمر الأوس وأمر قريظة والنضير واجتماعهم على حربنا وإنا نرى أن نقاتلهم فإن هزمناهم لم يحرز أحد منهم معقله ولا ملجأه حتى لا يبقى منهم أحد
فلما فرغوا من مقالتهم قام عبد الله بن أبي خطيبا وقال إن هذا بغي منكم

(17/124)


على قومكم وعقوق ووالله ما أحب أن رجلا من جراد لقيناهم وقد بلغني أنهم يقولون هؤلاء قومنا منعونا الحياة أفيمنعوننا الموت والله إني أرى قوما لا ينتهون أو يهلكوا عامتكم وإني لأخاف إن قاتلوكم أن ينصروا عليكم لبغيكم عليهم فقاتلوا قومكم كما كنتم تقاتلونهم فإذا ولوا فخلوا عنهم فإذا هزموكم فدخلتم أدنى البيوت خلوا عنكم فقال له عمرو بن النعمان انتفخ والله سحرك يا أبا الحارث حين بلغك حلف الأوس قريظة والنضير فقال عبد الله والله لا حضرتكم أبدا ولا أحد أطاعني أبدا ولكأني أنظر إليك قتيلا تحملك أربعة في عباءة
وتابع عبد الله بن أبي رجال من الخزرج منهم عمرو بن الجموح الحرامي واجتمع كلام الخزرج على أن رأسوا عليهم عمرو بن النعمان البياضي وولوه أمر حربهم ولبثت الأوس والخزرج أربعين ليلة يتصنعون للحرب ويجمع بعضهم لبعض ويرسلون إلى حلفائهم من قبائل العرب فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع فكان الذي ذهب إلى أشجع ثابت بن قيس بن شماس فأجابوه وأقبلوا إليهم وأقبلت جهينة إليهم أيضا وأرسلت الأوس إلى مزينة وذهب حضير الكتائب الأشهلي إلى أبي قيس بن الأسلت فأمره أن يجمع له أوس الله فجمعهم له أبو قيس فقام حضير فاعتمد على قوسه وعليه نمرة تشف عن عورته فحرضهم وأمرهم بالجد في حربهم وذكر ما صنعت بهم الخزرج من إخراج النبيت وإذلال من تخلف من سائر الأوس في كلام كثير
فجعل كلما ذكر ما صنعت بهم الخزرج وما ركبوه منهم يستشيط ويحمى وتقلص خصيتاه حتى تغيبا فإذا كلموه بما يحب تدلتا حتى ترجعا إلى حالهما

(17/125)


فأجابته أوس الله بالذي يحب من النصرة والموازرة والجد في الحرب
قال هشام فحدثني عبد المجيد بن أبي عيسى عن خير عن أشياخ من قومه أن الأوس اجتمعت يومئذ إلى حضير بموضع يقال له الجباة فأجالوا الرأي فقالت الأوس إن ظفرنا بالخزرج لم نبق منهم أحدا ولم نقاتلهم كما كنا نقاتلهم فقال حضير يا معشر الأوس ما سميتم الأوس إلا لأنكم تؤوسون الأمور الواسعة ثم قال
( يا قوم قد أصبحتم دوارا ... لمعشر قد قتلوا الخيارا )
( يوشك أن يستأصلوا الديارا ... )
قال ولما اجتمعوا بالجباة طرحوا بين أيديهم تمرا وجعلوا يأكلون وحضير الكتائب جالس وعليه بردة له قد اشتمل بها الصماء وما يأكل معهم ولا يدنو إلى التمر غضبا وحنقا فقال يا قوم اعقدوا لأبي قيس بن الأسلت فقال لهم أبو قيس لا أقبل ذلك فإني لم أرأس على قوم في حرب قط إلا هزموا وتشاءموا برياستي وجعلوا ينظرون إلى حضير واعتزاله أكلهم واشتغاله بما هم فيه من أمر الحرب وقد بدت خصيتاه من تحت البرد فإذا رأى منهم ما يكره من الفتور والتخاذل تقلصتا غيظا وغضبا وإذا رأى منهم ما يحب من الجد والتشمير في الحرب عادتا لحالهما

(17/126)


وأجابت إلى ذلك أوس مناة وجدوا في الموازرة والمظاهرة وقدمت مزينة على الأوس فانطلق حضير وأبو عامر الراهب بن صيفي إلى أبي قيس بن الأسلت فقالا قد جاءتنا مزينة واجتمع إلينا من أهل يثرب ما لا قبل للخزرج به فما الرأي إن نحن ظهرنا عليهم الإنجاز أم البقية فقال أبو قيس بل البقية فقال أبو عامر والله لوددت أن مكانهم ثعلبا ضباحا فقال أبو قيس اقتلوهم حتى يقولوا بزا بزا - كلمة كانوا يقولونها إذا غلبوا - فتشاجروا في ذلك وأقسم حضير ألا يشرب الخمر أو يظهر ويهدم مزاحما أطم عبد الله بن أبي
فلبثوا شهرين يعدون ويستعدون ثم التقوا ببعاث وتخلف عن الأوس بنو حارثة بن الحارث فبعثوا إلى الخزرج إنا والله ما نريد قتالكم فبعثوا إليهم أن ابعثوا إلينا برهن منكم يكونون في أيدينا فبعثوا إليهم اثني عشر رجلا منهم خديج أبو رافع بن خديج
وبعاث من أموال بني قريظة فيها مزرعة يقال لها قورى فلذلك تدعى بعاث الحرب
حشد القوات
وحشد الحيان فلم يتخلف عنهم إلا من لا ذكر له ولم يكونوا حشدوا قبل ذلك في يوم التقوا فيه فلما رأت الأوس الخزرج أعظموهم وقالوا لحضير يا أبا أسيد لو حاجزت القوم وبعثت إلى من تخلف من حلفائك من مزينة فطرح قوسا كانت في يده ثم قال أنتظر مزينة وقد نظر إلي القوم ونظرت إليهم الموت قبل ذلك ثم حمل وحملوا فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الأوس حين

(17/127)


وجدوا مس السلاح فولوا مصعدين في حرة قورى نحو العريض وذلك وجه طريق نجد فنزل حضير وصاحت بهم الخزرج أين الفرار ألا إن نجدا سنة - أي مجدب - يعيرونهم
فلما سمع حضير طعن بسنان رمحه فخذه ونزل وصاح واعقراه والله لا أريم حتى أقتل فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا
فتعطفت عليه الأوس وقام على رأسه غلامان من بني عبد الأشهل يقال لهما محمود ولبيد - ابنا خليفة بن ثعلبة - وهما يومئذ معرسان ذوا بطش فجعلا يرتجزان ويقولان
( أي غلامي ملك ترانا ... في الحرب إذ دارت بنا رحانا )
( وعدد الناس لنا مكانا ... )
مقتل عمرو بن النعمان وانهزام الخزرج
فقاتلا حتى قتلا وأقبل سهم حتى أصاب عمرو بن النعمان رأس الخزرج فقتله لا يدرى من رمى به إلا أن بني قريظة تزعم أنه سهم رجل يقال له أبو لبابة فقتله

(17/128)


فبينا عبد الله بن أبي يتردد على بغلة له قريبا من بعاث يتحسس أخبار القوم إذ طلع عليه بعمرو بن النعمان ميتا في عباءة يحمله أربعة إلى داره فلما رآه عبد الله بن أبي قال من هذا قالوا عمرو بن النعمان قال ذق وبال العقوق
وانهزمت الخزرج ووضعت الأوس فيهم السلاح وصاح صائح يا معشر الأوس أسجحوا ولا تهلكوا إخوتكم فجوارهم خير من جوار الثعالب
فتناهت الأوس وكفت عن سلبهم بعد إثخان فيهم وسلبتهم قريظة والنضير وحملت الأوس حضيرا من الجراح التي به وهم يرتجزون حوله ويقولون
( كتيبة زينها مولاها ... لا كهلها هد ولا فتاها )
وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها فخرج سعد بن معاذ الأشهلي حتى وقف على باب بني سلمة وأجارهم وأموالهم جزاء لهم بيوم الرعل وكان للخزرج على الأوس يوم يقال له يوم مغلس ومضرس وكان سعد بن معاذ حمل يومئذ جريحا إلى عمرو بن الجموح الحرامي فمن عليه

(17/129)


وأجاره وأخاه يوم رعل وهو على الأوس من القطع والحرق فكافأه سعد بمثل ذلك في يوم بعاث
وأقسم كعب بن أسد القرظي ليذلن عبد الله بن أبي وليحلقن رأسه تحت مزاحم فناداه كعب انزل يا عدو الله فقال له عبد الله أنشدك الله وما خذلت عنكم فسأل عما قال فوجده حقا فرجع عنه
وأجمعت الأوس على أن تهدم مزاحما أطم عبد الله بن أبي وحلف حضير ليهدمنه فكلم فيه فأمرهم أن يريثوا فيه فحفروا فيه كوة وأفلت يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن قيس بن شماس أخا بني الحارث بن الخزرج وهي النعمة التي كافأه بها ثابت في الإسلام يوم بني قريظة
وخرج حضير الكتائب وأبو عامر الراهب حتى أتيا أبا قيس بن الأسلت بعد الهزيمة فقال له حضير يا أبا قيس إن رأيت أن تأتي الخزرج قصرا قصرا ودارا دارا نقتل ونهدم حتى لا يبقى منهم أحد فقال أبو قيس والله لا نفعل ذلك فغضب حضير وقال ما سميتم الأوس إلا لأنكم تووسون الأمر أوسا ولو ظفرت منا الخزرج بمثلها ما أقالوناها ثم انصرف إلى الأوس فأمرهم بالرجوع إلى ديارهم
موت حضير الكتائب الأشهلي
وكان حضير جرح يومئذ جراحة شديدة فذهب به كليب بن صيفي بن عبد الأشهل إلى منزله في بني أمية بن زيد فلبث عنده أياما ثم مات من الجراحة التي كانت به فقبره اليوم في بني أمية بن زيد
قال وكان يهودي أعمى من بني قريظة يومئذ في أطم من آطامهم فقال لابنة له أشرفي على الأطم فانظري ما فعل القوم فأشرفت فقالت أسمع

(17/130)


الصوت قد ارتفع في أعلى قورى وأسمع قائلا يقول اضربوا يا آل الخزرج فقال الدولة إذا على الأوس لا خير في البقاء ثم قال ماذا تسمعين قالت أسمع رجالا يقولون يا آل الأوس ورجالا يقولون يا آل الخزرج قال الآن حمي القتال ثم لبث ساعة ثم قال أشرفي فاسمعي فأشرفت فقالت أسمع قوما يقولون
( نحن بنو صخرة أصحاب الرعل ... )
قال تلك بنو عبد الأشهل ظفرت والله الأوس - وصخرة أمهم بنت مرة بن ظفر أم بني عبد الأشهل - ثم وثب فرحا نحو باب الأطم فضرب رأسه بحلق بابه وكان من حجارة فسقط فمات
وكان أبو عامر قد حلف ليركزن رمحه في أصل مزاحم أطم عبد الله بن أبي فخرجت جماعة من الأوس حتى أحاطوا به وكانت تحت أبي عامر جميلة بنت عبد الله بن أبي وهي أم حنظلة الغسيل بن أبي عامر فأشرف عليهم عبد الله فقال إني والله ما رضيت هذا الأمر ولا كان عن رأيي وقد عرفتم كراهتي له فانصرفوا عني فقال أبو عامر لا والله لا أنصرف حتى أركز لوائي في أصل أطمك
فلما رأى حنظلة أنه لا ينصرف قال لهم إن أبي شديد الوجد بي فأشرفوا بي عليه ثم قولوا والله لئن لم تنصرف عنا لنرمين برأسه إليك فقالوا ذلك له فركز رمحه في أصل الأطم ليمينه ثم انصرف فذلك قول قيس بن الخطيم

(17/131)


( صبحنا به الآطام حول مزاحم ... قوانس أولى بيضنا كالكواكب )
وأسر أبو قيس بن الأسلت يومئذ مخلد بن الصامت الساعدي أبا مسلمة بن مخلد اجتمع إليه ناس من قومه من مزينة ومن يهود فقالوا اقتله فأبى وخلى سبيله وأنشأ يقول
( أسرت مخلدا فعفوت عنه ... وعند الله صالح ما أتيت )
( مزينة عنده ويهود قورى ... وقومي كل ذلكم كفيت )
رثاء حضير
( وقال خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب وكان نديمه وصديقه
( لو ان المنايا حدن عن ذي مهابة ... لهبن حضيرا يوم أغلق واقما )
( أطاف به حتى إذا الليل جنه ... تبوأ منه منزلا متناعما )
وقال أيضا يرثيه
( أتاني حديث فكذبته ... وقيل خليلك في المرمس )
( فيا عين بكي حضير الندى ... حضير الكتائب والمجلس )

(17/132)


( ويوم شديد أوار الحديد ... تقطع منه عرى الأنفس )
( صليت به وعليك الحديد ... ما بين سلع إلى الأعرس )
( فأودى بنفسك يوم الوغى ... ونقى ثيابك لم تدنس )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني داود بن محمد بن جميل عن ابن الأعرابي قال قال لي الهيثم بن عدي كنا جلوسا عند صالح بن حسان فقال لنا
وأخبرني عمي عن الكراني عن النوشجاني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لنا صالح بن حسان وأخبرني به الأخفش عن المبرد قال قال لي صالح بن حسان
أنشدوني بيتا خفرا في امرأة خفرة شريفة فقلنا قول حاتم
( يضيء لها البيت الظليل خصاصه ... إذا هي يوما حاولت أن تبسما )
فقال هذه من الأصنام أريد أحسن من هذا قلنا قول الأعشى
( كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل )
فقال هذه خراجة ولاجة كثيرة الاختلاف قلنا بيت ذي الرمة
( تنوء بأخراها فلأيا قيامها ... وتمشي الهوينا من قريب فتبهر )
فقال هذا ليس ما أردت إنما وصف هذه بالسمن وثقل البدن فقلنا ما عندنا شيء فقال قول أبي قيس بن الأسلت
( ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر )
( وليس لها أن تستهين بجارة ... ولكنها منهن تحيا وتخفر )

(17/133)


ثم قال أنشدوني أحسن بيت وصفت به الثريا قلنا بيت ابن الزبير الأسدي
( وقد لاح في القور الثريا كأنما ... به راية بيضاء تخفق للطعن )
قال أريد أحسن من هذا قلنا بيت امرىء القيس
( إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل )
قال أريد أحسن من هذا قلنا بيت ابن الظثرية
( إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمان وهى من سلكه فتسرعا )
قال أريد أحسن من هذا قلنا ما عندنا شيء قال قول أبي قيس بن الأسلت
( وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حين نورا )
قال فحكم له عليهم في هذين المعنيين بالتقدم
استشهاد عبد الملك بشعر ابن الأسلت
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن أحمد بن طالب الديناري قال حدثني أبو عدنان قال حدثني الهيثم بن عدي قال حدثني الضحاك بن زميل السكسكي قال

(17/134)


لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير خطب الناس بالنخيلة فقال في خطبته أيها الناس دعوا الأهواء المضلة والآراء المتشتتة ولا تكلفونا أعمال المهاجرين وأنتم لا تعملون بها فقد جاريتمونا إلى السيف فرأيتم كيف صنع الله بكم ولا أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جراءة فإني لا أزداد بعدها إلا عقوبة وما مثلي ومثلكم إلا كما قال أبو قيس بن الأسلت
( من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريم غير غدار )
( أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهي وإعذار )
( فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار )
( لتتركن أحاديثا ملعنة ... عند المقيم وعند المدلج الساري )
( وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه ... عندي وإني لطلاب لأوتار )
( أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوم قدح النبعة الباري )
صوت
( ترفع أيها القمر المنير ... لعلك أن ترى حجرا يسير )
( يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير )

(17/135)


( ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور )
( تنعمت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير )
الشعر لامرأة من كندة ترثي حجر بن عدي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه والغناء لحكم الوادي رمل بالوسطى وفيه لحنين هزج خفيف بالوسطى عن ابن المكي والهشامي

(17/136)


خبر مقتل حجر بن عدي
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم قال حدثنا أبو مخنف قال حدثنا خالد بن قطن عن المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير وفضيل بن خديج والحسن بن عقبة المرادي وقد اختصرت جملا من ذلك يسيرة تحرزا من الإطالة
استنكاره ذم علي ولعنه
أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة كان يقوم على المنبر فيذم علي بن أبي طالب وشيعته وينال منهم ويلعن قتلة عثمان ويستغفر لعثمان ويزكيه فيقوم حجر بن عدي فيقول ( يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو

(17/137)


على أنفسكم ) وإني أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ممن تطرون ومن تزكون أحق بالذم ممن تعيبون فيقول له المغيرة يا حجر ويحك أكفف من هذا واتق غضبة السلطان وسطوته فإنها كثيرا ما تقتل مثلك ثم يكف عنه
فلم يزل كذلك حتى كان المغيرة يوما في آخر أيامه يخطب على المنبر فنال من علي بن أبي طالب عليه السلام ولعنه ولعن شيعته فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه فقال له إنك لا تدري أيها الإنسان بمن تولع أو هرمت مر لنا بأعطياتنا وأرزاقنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك ولا لمن كان قبلك وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين فقام معه أكثر من ثلاثين رجلا يقولون صدق والله حجر مر لنا بأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا وأكثروا في ذلك
فنزل المغيرة ودخل القصر فاستأذن عليه قومه ودخلوا ولاموه في احتماله حجرا فقال لهم إني قد قتلته قالوا وكيف ذلك قال إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة إنه قد اقترب أجلي وضعف عملي وما أحب أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم فيسعدوا بذلك وأشقى ويعز معاوية في الدنيا ويذل المغيرة في الآخرة سيذكرونني لو قد جربوا العمال
قال الحسن بن عقبة فسمعت شيخا من الحي يقول قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم
زياد يحذره وينذره
قال ثم هلك المغيرة سنة خمسين فجمعت الكوفة والبصرة لزياد

(17/138)


فدخلها ووجه إلى حجر فجاءه وكان له قبل ذلك صديقا فقال له قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومودة وإني أخوك الذي تعهد إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك ولك عندي في كل يوم حاجتان حاجة غدوة وحاجة عشية إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك وتشط عندي دمك إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة ولا آخذ بغير حجة اللهم اشهد فقال حجر لن يرى الأمير مني إلا ما يحب وقد نصح وأنا قابل نصيحته
ثم خرج من عنده فكان يتقيه ويهابه وكان زياد يدنيه ويكرمه ويفضله والشيعة تختلف إلى حجر وتسمع منه
وكان زياد يشتو بالبصرة ويصيف بالكوفة ويستخلف على البصرة سمرة بن جندب وعلى الكوفة عمرو بن حريث فقال له عمارة بن عقبة

(17/139)


إن الشيعة تختلف إلى حجر وتسمع منه ولا أراه عند خروجك إلا ثائرا فدعاه زياد فحذره ووعظه وخرج إلى البصرة واستعمل عمرو بن حريث فجعلت الشيعة تختلف إلى حجر ويجيء حتى يجلس في المسجد فتجتمع إليه الشيعة حتى يأخذوا ثلث المسجد أو نصفه وتطيف بهم النظارة ثم يمتلىء المسجد ثم كثروا وكثر لغطهم وارتفعت أصواتهم بذم معاوية وشتمه ونقص زياد وبلغ ذلك عمرو بن حريث فصعد المنبر واجتمع إليه أشراف أهل المصر فحثهم على الطاعة والجماعة وحذرهم الخلاف فوثب إليه عنق من أصحاب حجر يكبرون ويشتمون حتى دنوا منه فحصبوه وشتموه حتى نزل ودخل القصر وأغلق عليه بابه وكتب إلى زياد بالخبر فلما أتاه أنشد يتمثل بقول كعب بن مالك
( فلما غدوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع )
ما أنا بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده ويل أمك حجر لقد سقط بك العشاء على سرحان
زياد يعود إلى الكوفة ويأمر بإحضاره
ثم أقبل حتى أتى الكوفة فدخل القصر ثم خرج وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر وحجر جالس في المسجد وحوله أصحابه ما كانوا فصعد المنبر فخطب وحذر الناس ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط اذهب

(17/140)


فائتني بحجر فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه لا يأتيه ولا كرامة فسبوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه فقال يا أشراف أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون بأخرى أبدانكم عندي وأهواؤكم مع هذا الهجاجة المذبوب أنتم معي وإخوتكم وأبناؤكم وعشيرتكم مع حجر فوثبوا إلى زياد فقالوا معاذ الله أن يكون لنا فيما ها هنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين وكل ما ظننت أن يكون فيه رضاك فمرنا به قال ليقم كل امرىء منكم إلى هذه الجماعة التي حول حجر فليدع الرجل أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم ففعلوا وجعلوا يقيمون عنه أصحابه حتى تفرق أكثرهم وبقي أقلهم
فلما رأى زياد خفة أصحابه قال لصاحب شرطته اذهب فائتني بحجر فإن تبعك وإلا فمر من معك أن ينتزعوا عمد السيوف ثم يشدوا عليه حتى يأتوا به ويضربوا من حال دونه
فلما أتاه شداد قال له أجب الأمير فقال أصحاب حجر لا والله ولا نعمة عين لا يجيبه فقال لأصحابه علي بعمد السيوف فاشتدوا إليها فأقبلوا بها فقال عمير بن زيد الكلبي أبو العمرطة إنه ليس معك رجل معه سيف غيري فما يغني سيفي قال فما ترى قال قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك فقام وزياد ينظر على المنبر إليهم فغشوا حجرا بالعمد فضرب رجل من الحمراء يقال له بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وأتاه أبو

(17/141)


سفيان بن العويمر والعجلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزد - فحملاه فأتيا به دار رجل من الأزد يقال له عبيد الله بن موعد فلم يزل بها متواريا حتى خرج منها
قال أبو مخنف فحدثني يوسف بن زياد عن عبيد الله بن عوف قال
لما انصرفنا عن عروة باجميرى قبل قتل عبد الملك مصعبا بعام فإذا أنا بالأحمري الذي ضرب عمرو بن الحمق يسايرني ولا والله ما رأيته منذ ذلك اليوم وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه فلما رأيته ظننته هو هو وذلك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة فكرهت أن أسأله أنت ضارب عمرو بن الحمق فيكابرني فقلت له ما رأيتك منذ اليوم الذي ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد فصرعته حتى يومي ولقد عرفتك الآن حين رأيتك
فقال لي لا تعدم بصرك ما أثبت نظرك كان ذلك أمر السلطان أما والله لقد بلغني أنه قد كان امرأ صالحا ولقد ندمت على تلك الضربة فأستغفر الله
فقلت له الآن ترى لا والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك في رأسك مثل الضربة التي ضربتها عمرو بن الحمق وأموت أو تموت

(17/142)


قال فناشدني وسألني بالله فأبيت عليه ودعوت غلاما يدعى رشيدا من سبي أصبهان معه قناة له صلبة فأخذتها منه ثم أحمل عليه فنزل عن دابته فألحقه حين استوت قدماه على الأرض فأصفق بها هامته فخر لوجهه وتركته ومضيت فبرأ بعد ذلك فلقيته مرتين من دهري كل ذلك يقول لي الله بيني وبينك فأقول له الله بينك وبين عمرو بن الحمق
رجع الحديث إلى سياقه الأول
قال فقال زياد - وهو على المنبر - لتقم همدان وتميم وهوازن وأبناء بغيض ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبانة كندة وليمضوا من ثم إلى حجر فليأتوني به ثم كره أن تسير مضر مع اليمن فيقع شغب واختلاف أو تنشب الحمية فيما بينهم فقال لتقم تميم وهوازن وأبناء بغيض وأسد وغطفان ولتمض مذحج وهمدان إلى جبانة كندة ثم ليمضوا إلى حجر فليأتوني به وليسير أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصيداويين وليمضوا إلى صاحبهم فليأتوني به
فخرجت الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وقضاعة وخزاعة فنزلوا جبانة الصيداويين ولم تخرج حضرموت مع اليمن لمكانهم من كندة
قال أبو مخنف فحدثني سعيد بن يحيى بن مخنف عن محمد بن مخنف قال فإني لمع أهل اليمن وهم يتشاورون في أمر حجر فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف أنا مشير عليكم برأي فإن قبلتموه رجوت أن تسلموا من اللائمة والإثم أن تلبثوا قليلا حتى تكفيكم عجلة في شباب مذحج وهمدان ما تكرهون أن يكون من مساءة قومكم في صاحبكم
فأجمع رأيهم على ذلك فلا والله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا فقيل لنا

(17/143)


إن شباب مذحج وهمدان قد دخلوا فأخذوا كل ما وجدوا في بني بجيلة
حجر الهارب لا يحب الهلاك لأصحابه
قال فمر أهل اليمن على نواحي دور كندة معذرين فبلغ ذلك زيادا فأثنى على مذحج وهمدان وذم أهل اليمن فلما انتهى حجر إلى داره ورأى قلة من معه قال لأصحابه انصرفوا فوالله ما لكم طاقة بمن اجتمع عليكم من قومكم وما أحب أن أعرضكم للهلاك فذهبوا لينصرفوا فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو وجماعة فتقاتلوا معهم فقاتلوا عنه ساعة فجرحوا وأسر قيس بن يزيد وأفلت سائر القوم فقال لهم حجر لا أبا لكم تفرقوا لا تقتلوا فإني آخذ في بعض هذه الطرق
ثم أخذ نحو طريق بني حرب من كندة حتى أتى دار رجل منهم يقال له سليمان بن يزيد فدخل داره وجاء القوم في طلبه ثم انتهوا إلى تلك الدار فأخذ سليمان بن يزيد سيفه ثم ذهب ليخرج إليهم فبكت بناته فقال له حجر ما تريد لا أبا لك فقال له أريد والله أن ينصرفوا عنك فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك فقال له حجر بئس والله إذن ما دخلت به على بناتك أما في دارك هذه حائط أقتحمه أو خوخة أخرج منها

(17/144)


عسى الله أن يسلمني منهم ويسلمك فإن القوم إن لم يقدروا علي في دارك لم يضرك أمرهم قال بلى هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر من كندة فخرج معه فتية من الحي يقصون له الطريق ويسلكون به الأزقة حتى أفضى إلى النخع فقال عند ذلك انصرفوا رحمكم الله
فانصرفوا عنه وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها فإنه لكذلك قد ألقى له عبد الله الفرش وبسط له البسط وتلقاه ببسط الوجه وحسن البشر إذ أتي فقيل له إن الشرط تسأل عنك في النخع وذلك أن أمة سوداء يقال لها أدماء لقيتهم فقالت لهم من تطلبون قالوا نطلب حجرا فقالت هو ذا قد رأيته في النخع فانصرفوا نحو النخع فخرج متنكرا وركب معه عبد الله ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجذ الأزدي فنزل بها فمكث يوما وليلة
فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد محمد بن الأشعث فقال أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم مني بذلك حتى أقطعك إربا إربا فقال له أمهلني أطلبه قال قد أمهلتك ثلاثا فإن جئت به وإلا فاعدد نفسك من الهلكى وأخرج محمد نحو السجن وهو منتقع اللون يتل تلا عنيفا فقال حجر بن يزيد الكندي من بني مرة لزياد ضمنيه وخل سبيله ليطلب صاحبه فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا قال أتضمنه لي قال نعم قال أما والله لئن حاص عنك لأوردنك شعوب وإن كنت الآن علي كريما قال إنه لا يفعل فخلى سبيله

(17/145)


ثم إن حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد وقد أتي به أسيرا فقال ما عليه من بأس قد عرفنا رأيه في عثمان رضي الله عنه وبلاءه مع أمير المؤمنين بصفين ثم أرسل إليه فأتي به فقال قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه ولكن قاتلت معه حمية وقد غفرنا لك لما نعلمه من حسن رأيك ولكن لا أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير قال آتيك به إن شاء الله قال هات من يضمنه معك قال هذا حجر بن يزيد قال حجر نعم على أن تؤمنه على ماله ودمه قال ذلك لك
فانطلقا فأتيا به فأمر به فأوقر حديدا ثم أخذته الرجال ترفعه حتى إذا بلغ سررها ألقوه فوقع على الأرض ثم رفعوه فألقوه ففعل به ذلك مرارا فقام إليه حجر بن يزيد فقال أولم تؤمنه قال بلى لست أهريق له دما ولا آخذ له مالا فقال هذا يشفي به على الموت
وقام كل من كان عنده من أهل اليمن فكلموه فيه فقال أتضمنونه لي بنفسه متى أحدث حدثا أتيتموني به قالوا نعم فخلى سبيله
ومكث حجر في منزل ربيعة بن ناجذ يوما وليلة ثم بعث إلى ابن الأشعث غلاما رشيدا من سبي أصبهان فقال له إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد فلا يهولنك شيء من أمره فإني خارج إليك فاجمع نفرا من قومك وادخل عليه واسأله أن يؤمنني حتى يبعثني إلى معاوية فيرى في رأيه
زياد يأمر بحبسه ويطلب رؤوس أصحابه
فخرج محمد إلى حجر بن يزيد وجرير بن عبد الله وعبد الله أخي الأشتر فدخلوا إلى زياد فطلبوا إليه فيما سأله حجر فأجاب فبعثوا إليه رسولا

(17/146)


يعلمونه بذلك فأقبل حتى دخل على زياد فقال له مرحبا يا أبا عبد الرحمن حرب في أيام الحرب وحرب وقد سالم الناس على نفسها تجني براقش فقال له ما خلعت يدا عن طاعة ولا فارقت جماعة وإني لعلى بيعتي فقال هيهات يا حجر أتشج بيد وتأسو بأخرى وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى هيهات والله فقال ألم تؤمنني حتى آتي معاوية فيرى في رأيه قال بلى انطلقوا به إلى السجن
فلما مضي به قال أما والله لولا أمانة ما برح حتى يلقط عصبه فأخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال وزياد ماله عمل غير الطلب لرؤوس أصحاب حجر
فخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق - وهو رجل من همدان يقال له عبيد الله بن بلتعة - خبرهما فسار إليهما في الخيل ومعه أهل البلد فلما انتهى إليهما خرجا فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده امتناع وأما رفاعة فكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو أقاتل عنك قال وما ينفعني أن تقتل انج بنفسك فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فلم يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه فأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت فقال من إن تركتموه كان أسلم لكم وإن قتلتموه كان أضر عليكم

(17/147)


فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعثوا به إلى عبد الرحمن بن عثمان وهو ابن أم الحكم الثقفي فلما رأى عمرا عرفه فكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات وإنه لا يتعدى عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان
فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهن أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الإسلام
وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له إن امرأ منا يقال له صيفي ابن فسيل من رؤوس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك فبعث إليه فأتي به فقال له زياد يا عدو الله ما تقول في أبي تراب فقال ما أعرف أبا تراب قال ما أعرفك به أما تعرف علي بن أبي طالب قال بلى قال فذاك أبو تراب قال كلا فذاك أبو الحسن والحسين فقال له صاحب الشرطة أيقول لك الأمير هو أبو تراب وتقول أنت لا قال أفإن كذب الأمير أردت أن أكذب وأشهد له بالباطل كما شهد قال له زياد وهذا أيضا مع ذنبك علي بالعصي فأتي بها فقال ما قولك في علي قال أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد الله أقوله في أمير المؤمنين قال اضربوا عاتقه بالعصي حتى يلصق بالأرض فضرب حتى لصق بالأرض ثم قال أقلعوا عنه ما قولك فيه قال والله لو شرحتني بالمدى والمواسي ما زلت عما سمعت قال لتلعننه أو لأضربن عنقك قال إذا والله تضربها قبل ذلك فأسعد وتشقى إن شاء الله قال أوقروه حديدا واطرحوه في السجن
زياد يأمر رؤوس الأرباع أن يشهدوا على حجر
وجمع زياد من أصحاب حجر بن عدي اثني عشر رجلا في السجن

(17/148)


وبعث إلى رؤوس الأرباع فأشخصهم فحضروا وقال اشهدوا على حجر بما رأيتموه وهم عمرو بن حريث وخالد بن عرفطة وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة وأبو بردة بن أبي موسى فشهدوا أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة وعيب زياد وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن هؤلاء الذين معه رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه
فنظر زياد في الشهادة فقال ما أظن هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة
فكتب أبو بردة بن أبي موسى
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله كفرة صلعاء
فقال زياد على مثل هذه الشهادة فاشهدوا والله لأجهدن في قطع عنق الخائن الأحمق فشهد رؤوس الأرباع الثلاثة الآخرون على مثل ذلك ثم دعا الناس فقال اشهدوا على مثل ما شهد عليه رؤوس الأرباع
فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس فقال اكتبوا اسمي فقال زياد ابدأوا بقريش ثم اكتبوا اسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالصحة والاستقامة فشهد إسحاق وموسى وإسماعيل بنو طلحة بن عبيد الله

(17/149)


والمنذر بن الزبير وعمارة بن عقبة وعبد الرحمن بن هبار وعمر بن سعد ابن أبي وقاص وشهد عنان ووائل بن حجر الحضرمي وضرار بن هبيرة وشداد بن المنذر أخو الحضين بن المنذر وكان يدعى ابن بزيعة
فكتب شداد بن بزيعة فقال أما لهذا أب ينسب إليه ألغوا هذا من الشهود فقيل له إنه أخو الحضين بن المنذر فقال انسبوه إلى أبيه فنسب فبلغ ذلك شدادا فقال والهفاه على ابن الزانية أوليست أمه أعرف من أبيه فوالله ما ينسب إلا إلى أمه سمية
وشهد حجار بن أبجر العجلي وعمرو بن الحجاج ولبيد بن عطارد ومحمد بن عمير بن عطارد وأسماء بن خارجة وشمر بن ذي الجوشن وزحر ابن قيس الجعفي وشبث بن ربعي وسماك بن مخرمة الأسدي صاحب مسجد سماك ودعا المختار بن أبي عبيد وعروة بن المغيرة بن شعبة إلى الشهادة فراغا وشهد سبعون رجلا ودفع ذلك إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب

(17/150)


وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجوهم
وكتب في الشهود شريح بن الحارث وشريح بن هانىء فأما شريح بن الحارث فقال سألني عنه فقلت أما إنه كان صواما قواما وأما شريح ابن هانىء فقال بلغني أن شهادتي كتبت فأكذبته ولمته
وجاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأخرجا القوم عشية وسار معهم أصحاب الشرط حتى أخرجوهم فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير أدنياني أوص أهلي فأدنياه فلما دنا منهن بكين فسكت عنهن ساعة ثم قال اسكتن فسكتن فقال اتقين الله واصبرن فإني أرجو من ربي في وجهي هذا خيرا إحدى الحسنيين إما الشهادة فنعم سعادة وإما الانصراف إليكن في عافية فإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تبارك وتعالى وهو حي لا

(17/151)


يموت وأرجو ألا يضيعكن وأن يحفظني فيكن ثم انصرف فجعل قومه يدعون له بالعافية
وجاء شريح بن هانيء بكتاب فقال بلغوا هذا عني أمير المؤمنين فتحمله وائل بن حجر
ومضوا بهم حتى انتهوا إلى مرج عذراء فحبسوا به وهم على أميال من دمشق وهم حجر بن عدي الكندي والأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي وكريم بن عفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان ومحرز بن شهاب المنقري وعبد الله بن جؤية التميمي وأتبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس السعدي وسعيد بن نمران الهمداني الناعطي فكانوا أربعة عشر
كتاب زياد إلى معاوية
فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير فأدخلهما وفض كتابهما وقرأه

(17/152)


على أهل الشام
بسم الله الرحمن الرحيم
لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان
أما بعد فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فأداله من عدوه وكفاه مؤونة من بغى عليه إن طواغيت الترابية السابة رأسهم حجر بن عدي خلعوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لنا حربا فأطفأها الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا وقد بعثت إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا
فلما قرأ الكتاب قال ما ترون في هؤلاء فقال يزيد بن أسد البجلي أرى أن تفرقهم في قرى الشام فتكفيكهم طواغيتها
كتاب شريح بن هانىء إلى معاوية
ودفع وائل كتاب شريح إليه فقرأه وهو
بسم الله الرحمن الرحيم
لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانىء
أما بعد فقد بلغني أن زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام المال والدم فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه
فقرأ كتابه على وائل وقال ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم فحبس القوم بعد هذا وكتب إلى زياد
فهمت ما اقتصصت من أمر حجر وأصحابه والشهادة عليهم فأحيانا أرى

(17/153)


أن قتلهم أفضل وأحيانا أرى أن العفو أفضل من قتلهم
فكتب زياد إليه مع يزيد بن حجية التيمي قد عجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم مع شهادة أهل مصرهم عليهم وهم أعلم بهم فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إليه
فمر يزيد بحجر وأصحابه فأخبرهم بما كتب به زياد فقال له حجر أبلغ أمير المؤمنين أنا على بيعته لا نقيلها ولا نستقيلها وإنما شهد علينا الأعداء والأظناء
فقدم يزيد بن حجية على معاوية بالكتاب وأخبره يقول حجر فقال معاوية زياد أصدق عندنا من حجر
وكتب جرير بن عبد الله في أمر الرجلين اللذين من بجيلة فوهبهما له وليزيد بن أسد وطلب وائل بن حجر في الأرقم الكندي فتركه وطلب أبو الأعور في عتبة بن الأخنس فوهبه له وطلب حمزة بن مالك الهمداني في سعيد ابن نمران فوهبه له وطلب حبيب بن مسلمة في عبد الله بن جؤية التميمي فخلى سبيله
فقام مالك بن هبيرة فسأله في حجر فلم يشفعه فغضب وجلس في بيته وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وآخر معهما يقال له أبو صريف البدري فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الأعور يقتل نصفنا وينجو نصفنا فقال سعيد بن نمران اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي اللهم اجعلني ممن يكرم بهوانهم وأنت عني راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد

(17/154)


رسول معاوية إلى أصحاب حجر
فجاء رسول معاوية إليهم فإنه لمعهم إذ جاء رسول بتخلية ستة منهم وبقي ثمانية فقال لهم رسول معاوية إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم هذا تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وأمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفا عن ذلك فابرأوا من هذا الرجل يخل سبيلكم قالوا لسنا فاعلين فأمر بقيودهم فحلت وأتي بأكفانهم فقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية يا هؤلاء قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان قالوا هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق فقالوا أمير المؤمنين كان أعرف بكم ثم قاموا إليهم وقالوا تبرأون من هذا الرجل قالوا بل نتولاه
فأخذ كل رجل منهم رجلا يقتله فوقع قبيصة في يدي أبي صريف البدري فقال له قبيصة إن الشر بين قومي وقومك أمين أي آمن فليقتلني غيرك فقال برتك رحم فأخذه الحضرمي فقتله
وقتل القضاعي صاحبه ثم قال لهم حجر دعوني أصلي ركعتين فإني والله ما توضأت قط إلا صليت فقالوا له صل فصلى ثم انصرف فقال والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولولا أن يروا أن ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها ثم قال اللهم إنا نستعديك على أمتنا فإن أهل الكوفة قد شهدوا علينا وإن أهل الشام يقتلوننا أما والله لئن قتلتمونا فإني أول فارس من المسلمين سلك في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها فمشى إليه هدبة بن الفياض الأعور بالسيف فأرعدت خصائله فقال كلا زعمت أنك لا تجزع من الموت فإنا ندعك فابرأ من صاحبك فقال ما لي لا أجزع وأنا أرى قبرا

(17/155)


محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا وإني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب فقتله
وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة نفر فقال عبد الرحمن بن حسان وكريم بن عفيف ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته فبعثوا إلى معاوية فأخبروه فبعث ائتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي لا تبعد يا حجر ولا يبعد مثواك فنعم أخو الإسلام كنت وقال الخثعمي نحو ذلك ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا
( كفى بشفاة القبر بعدا لهالك ... وبالموت قطاعا لحبل القرائن )
فلما دخل عليه الخثعمي قال له الله الله يا معاوية إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ومسؤول عما أردت بقتلنا وفيما سفكت دماءنا فقال ما تقول في علي قال أقول فيه قولك أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به وقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه فقال هو لك غير أني حابسه شهرا فحبسه ثم أطلقه على ألا يدخل الكوفة ما دام له سلطان فنزل الموصل فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة فمات قبل معاوية بشهر
وأقبل على عبد الرحمن بن حسان فقال له يا أخا ربيعة ما تقول في علي قال أشهد أنه من الذاكرين الله كثيرا والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والعافين عن الناس قال فما تقول في عثمان قال هو أول من فتح أبواب الظلم وأرتج أبواب الحق قال قتلت نفسك قال بل إياك قتلت لا

(17/156)


ربيعة بالوادي يعني أنه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه
فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه إن هذا شر من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شر قتلة
فلما قدم به على زياد بعث به إلى قس الناطف فدفنه حيا
قال أبو مخنف عن رجاله فكان من قتل منهم سبعة نفر حجر بن عدي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي ومحرز بن شهاب المنقري وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي ونجا منهم سبعة كريم بن عفيف الخثعمي وعبد الله بن جؤية التميمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وأرقم بن عبد الله الكندي وعتبة بن الأخنس السعدي من هوازن وسعيد بن نمران الهمداني
وبعث معاوية إلى مالك بن هبيرة لما غضب بسبب حجر مائة ألف درهم فرضي
قال أبو مخنف فحدثني ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق قال أدركت الناس يقولون أول ذل دخل الكوفة قتل حجر ودعوة زياد وقتل الحسين

(17/157)


قال وجعل معاوية يقول عند موته أي يوم لي من ابن الأدبر طويل
رسول عائشة إلى معاوية في أمر حجر
قال أبو مخنف وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي أن عائشة بعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه فقدم عليه وقد قتلهم فقال له أين غاب عنك حلم أبي سفيان فقال حين غاب عني مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت
قال وكانت عائشة رضي الله عنها تقول لولا أنا لم نغير شيئا قط إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر أما والله إن كان لمسلما ما علمته حاجا معتمرا
وقالت امرأة من كندة ترثي حجرا
( ترفع أيها القمر المنر ... لعلك أن ترى حجرا يسير )
( يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير )
( ألا يا ليت حجرا مات موتا ... ولم ينحر كما نحر البعير )
( ترفعت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير )
( وأصبحت البلاد له محولا ... كأن لم يحيها مزن مطير )
( ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور )
( أخاف عليك سطوة آل حرب ... وشيخا في دمشق له زئير )
( يرى قتل الخيار عليه حقا ... له من شر أمته وزير )
( فإن تهلك فكل زعيم قوم ... إلى هلك من الدنيا يصير )

(17/158)


صوت
( أحن إذا رأيت جمال سعدى ... وأبكي إن رأيت لها قرينا )
( وقد أفد الرحيل فقل لسعدى ... لعمرك خبري ما تأمرينا )
الشعر لعمر بن أبي ربيعة يقوله في سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن حبش وقد قيل إن عمر قال هذا البيت مع بيت آخر في ليلى بنت الحارث بن عوف المري وفيه أيضا غناء وهو
صوت
( ألا يا ليل إن شفاء نفسي ... نوالك إن بخلت فزودينا )
( وقد أفد الرحيل وحان منا ... فراقك فانظري ما تأمرينا )
غنى به الغريض ثقيلا أول بالبنصر عن عمرو وحبش وفيه خفيف ثقيل يقال إنه أيضا للغريض ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج

(17/159)


أخبار لعمر بن أبي ربيعة
أخبرني حرمي عن الزبير عن طارق بن عبد الواحد قال قال عبد الرحمن المخزومي
كانت سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف جالسة في المسجد فرأت عمر ابن أبي ربيعة في الطواف فأرسلت إليه إذا قضيت طوافك فائتنا فلما قضى طوافه أتاها فحادثها وأنشدها فقالت ويحك يابن أبي ربيعة ما تزال سادرا في حرم الله منتهكا تتناول بلسانك ربات الحجال من قريش فقال دعي هذا عنك أما سمعت ما قلت فيك قالت وما قلت في فأنشدها
( أحن إذا رأيت جمال سعدى ... وأبكي إن رأيت لها قرينا )
( أسعدى إن أهلك قد أجدوا ... رحيلا فانظري ما تأمرينا )
فقالت آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه
قال الزبير وحدثني عبد الله بن مسلم قال أنشد عمر بن أبي ربيعة ابن أبي عتيق قوله
( أحن إذا رأيت جمال سعدى ... )

(17/160)


قال فركب ابن أبي عتيق فأتى سعدى بالجناب من أرض بني فزارة فأنشدها قول عمر وقال لها ما تأمرين فقالت آمره بتقوى الله يا بن الصديق
قال الزبير وحدثني طارق بن عبد الواحد عن أبي عبيدة عن عبد الرحمن المخزومي قال
لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عوف المري وهو يسير على بغلة فقال لها قفي أسمعك بعض ما قلت فيك فوقفت فقال
( ألا يا ليل إن شفاء نفسي ... نوالك إن بخلت فنولينا )
قال فما بلغنا أنها ردت عليه شيئا ومضت
وقد روى هذا الخبر إبراهيم بن المنذر عن محمد بن معن فذكر أن ابن أبي عتيق إنما مضى إلى ليلى بنت الحارث بن عوف فأنشدها هذا البيت وهو الصحيح لأن حلولها بالجناب من أرض فزارة أشبه بها منه بسعدى بنت عبد الرحمن بن عوف ورواية الزبير فيما أروي وهم لاختلاط الشعرين في سعدى وليلى
أخبرني حرمي عن الزبير عن محمد بن سلام قال
كانت سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف جالسة في المسجد الحرام فرأت عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت فأرسلت إليه إذا فرغت من طوافك فائتنا فأتاها فقالت ألا أراك يابن أبي ربيعة إلا سادرا في حرم الله أما تخاف الله ويحك إلى متى هذا السفه قال أي هذه دعي عنك هذا من القول أما سمعت ما قلت فيك قالت لا فما قلت فأنشدها قوله
صوت
( قالت سعيدة والدموع ذوارف ... منها على الخدين والجلباب )

(17/161)


( ليت المغيري الذي لم أجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي )
( كانت ترد لنا المنى أيامنا ... إذ لا نلام على هوى وتصابي )
( أسعيد ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظمأ وحب شراب )
( بألذ منك وإن نأيت وقلما ... يرعى النساء أمانة الغياب )
عروضه من الكامل غناه الهذلي رملا بالوسطى عن الهشامي وغناه الغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو
فقالت أخزاك الله يا فاسق ما علم الله أني قلت مما قلت حرفا ولكنك إنسان بهوت
وهذا الشعر تغني فيه
( قالت سكينة والدموع ذوارف ... )
وفي موضع
( أسعيد ما ماء الفرات وبرده ... )
أسكين وإنما غيره المغنون ولفظ عمر ما ذكر فيه في الخبر
وقد أخبرني إسماعيل بن يونس عن ابن شبة عن إسحاق قال غنيت الرشيد يوما بقوله
( قالت سكينة والدموع ذوارف ... منها على الخدين والجلباب )
فوضع القدح من يده وغضب غضبا شديدا وقال لعنه الله الفاسق ولعنك معه فسقط في يدي وعرف ما بي فسكن ثم قال ويحك أتغنيني بأحاديث الفاسق ابن أبي ربيعة في بنت عمي وبنت رسول الله ألا تتحفظ في غنائك

(17/162)


وتدري ما يخرج من رأسك عد إلى غنائك الآن وانظر بين يديك فتركت هذا الصوت حتى أنسيته فما سمعه مني أحد بعده والله أعلم
صوت
( فلا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسمي جود ووابل )
( فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل )
عروضه من الطويل والشعر لحسان بن ثابت الأنصاري وهذا القبر الذي ذكره حسان فيما يقال قبر الأيهم بن جبلة بن الأيهم الغساني وقيل إنه قبر الحارث بن مارية الجفني وهو منهم أيضا والغناء لعزة الميلاء خفيف ثقيل أول بالوسطى مما لا يشك فيه من غنائها وقد نسبه قوم إلى ابن عائشة وذلك خطأ

(17/163)


أخبار عزة الميلاء
كانت عزة مولاة للأنصار ومسكنها المدينة وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء بالحجاز وماتت قبل جميلة وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهن جسما وسميت الميلاء لتمايلها في مشيها وقيل بل كانت تلبس الملاء وتشبه بالرجال فسميت بذلك وقيل بل كانت مغرمة بالشراب وكانت تقول خذ ملئا واردد فارغا - ذكر ذلك حماد بن إسحاق عن أبيه
والصحيح أنها سميت الميلاء لميلها في مشيتها
آراء في عزة وغنائها
قال إسحاق ذكر لي ابن جامع عن يونس الكاتب عن معبد قال كانت عزة الميلاء ممن أحسن ضربا بعود وكانت مطبوعة على الغناء لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه وكانت تغني أغاني القيان من القدائم مثل سيرين

(17/164)


وزرنب وخولة والرباب وسلمى ورائقة وكانت رائقة أستاذتها فلما قدم نشيط وسائب خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية فلقنت عزة عنهما نغما وألفت عليها ألحانا عجيبة فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء وحرض نساءهم ورجالهم عليه
قال إسحاق وقال الزبير إنه وجد مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزة قالوا لله درها ما كان أحسن غناءها ومد صوتها وأندى حلقها وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي وأجمل وجهها وأظرف لسانها وأقرب مجلسها وأكرم خلقها وأسخى نفسها وأحسن مساعدتها
قال إسحاق وحدثني أبي عن سياط عن معبد عن جميلة بمثل ذلك من القول فيها
قال إسحاق وحدثني أبي عن يونس قال
كان ابن سريج في حداثة سنه يأتي المدينة فيسمع من عزة ويتعلم غناءها

(17/165)


ويأخذ عنها وكان بها معجبا وكان إذا سئل من أحسن الناس غناء قال مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء
قال وحدثني هشام بن المرية أن ابن محرز كان يقيم بمكة ثلاثة أشهر ويأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزة وكان يأخذ عنها
قال إسحاق وحدثني الجمحي عن جرير المغني المديني أن طويسا كان أكثر ما يأوي إلى منزل عزة الميلاء وكان في جوارها وكان إذا ذكرها يقول هي سيدة من غنى من النساء مع جمال بارع وخلق فاضل وإسلام لا يشوبه دنس تأمر بالخير وهي من أهله وتنهى عن السوء وهي مجانبة له فناهيك ما كان أنبلها وأنبل مجلسها
ثم قال كانت إذا جلست جلوسا عاما فكأن الطير على رؤوس أهل مجلسها من تكلم أو تحرك نقر رأسه
قال ابن سلام فما ظنك بمن يقول فيه طويس هذا القول ومن ذلك الذي سلم من طويس
قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الأسلمي عن معبد
أنه أتى عزة يوما وهي عند جميلة وقد أسنت وهي تغني على معزفة في شعر ابن الإطنابة قال
( عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المروق ريا )

(17/166)


قال فما سمع السامعون قط بشيء أحسن من ذلك قال معبد هذا غناؤها وقد أسنت فكيف بها وهي شابة
قال إسحاق وذكر لي عن صالح بن حسان الأنصاري قال كانت عزة مولاة لنا وكانت عفيفة جميلة وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنيهم وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره فشق ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها فلما أفاق قال له القوم لغيرك الجهل يا أبا الخطاب قال إني سمعت والله ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي
وقال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الأسلمي المدني قال
كان حسان بن ثابت معجبا بعزة الميلاء وكان يقدمها على سائر قيان المدينة
عزة تغني شعرا لحسان فيبكي
أخبرني حرمي عن الزبير عن محمد بن الحسن المخزومي عن محرز ابن جعفر قال
ختن زيد بن ثابت الأنصاري بنته فأولم فاجتمع إليه المهاجرون

(17/167)


والأنصار وعامة أهل المدينة وحضر حسان بن ثابت وقد كف بصره يومئذ وثقل سمعه وكان يقول إذا دعي أعرس أم عذار فحضر ووضع بين يديه خوان ليس عليه إلا عبد الرحمن ابنه فكان يسأله أطعام يد أم يدين فلم يزل يأكل حتى جاؤوا بالشواء فقال طعام يدين فأمسك يده حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة وأقبلت الميلاء وهي يومئذ شابة فوضع في حجرها مزهر فضربت به ثم تغنت فكان أول ما ابتدأت به شعر حسان قال
( فلا زال قبر بين بصرى وجلق ... عليه من الوسمي جود ووابل )
فطرب حسان وجعلت عيناه تنضحان وهو مصغ لها
أخبرني ابن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الأصمعي عن أبي الزناد قال
قلت لخارجة بن زيد أكان يكون هذا الغناء عندكم قال كان يكون في العرسات ولم يكن يشهد بما يشهد به اليوم من السعة
وكان في إخواننا بني نبيط مأدبة فدعينا وثم قينة أو قينتان تنشدان شعر حسان بن ثابت قال

(17/168)


( انظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد )
قال وحسان يبكي وابنه يومىء إليهما أن زيدا فإذا زادتا بكى حسان فأعجبني ما يعجبه من أن تبكيا أباه وقد كف بصر حسان بن ثابت يومئذ
أخبرنا وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال
سمعت خارجة بن زيد يقول دعينا إلى مأدبة في آل نبيط قال خارجة فحضرتها وحسان بن ثابت قد حضرها فجلسنا جميعا على مائدة واحدة وهو يومئذ قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن فكان إذا أتى طعام سأل ابنه أطعام يد أم يدين يعني باليد الثريد وباليدين الشواء لأنه ينهش نهشا فإذا قال طعام يدين أمسك يده فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين إحداهما رائقة والأخرى عزة فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجيبا وغنتا بقول حسان
( انظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد )
فأسمع حسانا يقول
( قد أراني بها سميعا بصيرا ... )
وعيناه تدمعان فإذا سكتتا سكت عنه البكاء وإذا غنتا بكى فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكتتا يشير إليهما أن تغنيا فيبكي أبوه فأقول ما حاجته إلى إبكاء أبيه
قال الواقدي فحدثت بهذا الحديث يعقوب بن محمد الظفري فقال سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان يقول لما انقلب حسان من مأدبة بني

(17/169)


نبيط إلى منزله استلقى على فراشه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال لقد أذكرتني رائقة وصاحبتها أمرا ما سمعته أذناي بعيد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم فقلت يا أبا الوليد أكان القيان يكن عند جبلة فتبسم ثم جلس فقال لقد رأيت عشر قيان خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط وخمس يغنين غناء أهل الحيرة وأهداهن إليه إياس بن قبيصة وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها وكان إذا جلس للشرب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب وأتي بالمسك الصحيح في صحاف الفضة وأوقد له العود المندى إن كان شاتيا وإن كان صائفا بطن بالثلج وأتي هو وأصحابه بكسا صيفية يتفضل هو وأصحابه بها في الصيف وفي الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا خلع علي ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه هذا مع حلم عمن جهل وضحك وبذل من غير مسألة مع حسن وجه وحسن حديث ما رأيت منه خنى قط ولا عربدة ونحن يومئذ على الشرك فجاء الله بالإسلام فمحا به كل كفر وتركنا الخمرة وما كره وأنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ من التمر والفضيخ من الزهر والرطب فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتى

(17/170)


يصاحب صاحبته ويفارقها وتضربون فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أبي أيوب المديني عن مصعب الزبيري عن الضحاك عن عثمان بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد مثله وزاد فيه
فلما فرغنا من الطعام ثقل علينا جلوس حسان فأومأ ابنه إلى عزة الميلاء فغنت
( انظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد )
فبكى حسان حتى سدر ثم قال هذا عمل الفاسق أما لقد كرهتم مجالستي فقبح الله مجلسكم سائر اليوم وقام فانصرف
أخبرني حرمي عن الزبير عن عمه مصعب قال
ذكر هشام بن عروة عن أبيه أنه دعي إلى مأدبة في زمن عثمان ودعي حسان ومعه ابنه عبد الرحمن ثم ذكر نحو ما ذكره عمر بن شبة عن الأصمعي في الحديث الأول قال
نسبة هذا الصوت
( انظر خليلي بباب جلق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد )
( أجمال شعثا إن هبطن من المحبس ... بين الكثبان فالسند )
( يملن حورا حور المدامع في الريط ... وبيض الوجوه كالبرد )

(17/171)


( من دون بصرى ودونها جبل الثلج ... عليه السحاب كالقرد )
( إني وأيدي المخيسات وما ... يقطعن من كل سربخ جدد )
( أهوى حديث الندمان في فلق الصبح ... وصوت المسامر الغرد )
( تقول شعثا بعدما هبطت ... بصور حسنى من احتدى بلدي )
( لا أخدش الخدش بالحبيب ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي )
الشعر لحسان بن ثابت والغناء لعزة الميلاء رمل بالبنصر وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى ابن محرز وإلى عزة الميلاء وإلى الهذلي في
( تقول شعثاء بعدما هبطت ... )
وما بعده من الأبيات ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيها لعبد الرحيم ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
حسان بن ثابت وشعثاء
وشعثاء هذه التي شبب بها حسان - فيما ذكر الواقدي ومصعب الزبيري - امرأة من أسلم تزوجها حسان وولدت منه بنتا يقال لها أم فراس تزوجها عبد الرحمن بن أم الحكم وذكر أبو عمرو الشيباني مثل ما ذكره في نسبها ووصف له أنه خطبها إلى قومها من أسلم فردوه فقال يهجوهم
( لقد أتى عن بني الجرباء قولهم ... ودونهم قف جمدان فموضوع )

(17/172)


( قد علمت أسلم الأرذال أن لها ... جارا سيقتله في داره الجوع )
( وأن سيمنعهم ما نووا حسب ... - لن يبلغ المجد والعلياء - مقطوع )
( وقد علوا - زعموا - عني بأختهم ... وفي الذرا حسبي والمجد مرفوع )
( ويل أم شعثاء شيئا تستغيث به ... إذا تجللها النعظ الأفاقيع )
( كأنه في صلاها وهي باركة ... ذراع بكر من النياط منزوع )
أخبرني حرمي عن الزبير عن إبراهيم بن المنذر عن أبي القاسم بن أبي الزناد عن أخيه عبد الرحمن عن أبيه عن خارجة بن زيد قال شعثاء هذه بنت عمرو من بني ماسكة من يهود وكانت مساكن بني ماسكة بناحية القف وكان أبو الشعثاء قد رأس اليهود التي تلي بيت الدراسة للتوراة وكان ذا قدر فيهم فقال حسان يذكر ذلك
( هل في تصابي الكريم من فند ... أم هل لمدى الأيام من نفد )

(17/173)


( تقول شعثاء لو أفقت عن الكاس ... لألفيت مثري العدد )
( يأبى لي السيف واللسان وقوم ... لم يضاموا كلبدة الأسد )
وذكر باقي الأبيات التي فيها الغناء
ومما قاله حسان بن ثابت في شعثاء وغني به قوله
( ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام )
( والنؤي قد هدم أعضاده ... تقادم العهد بوادي تهام )
( قد أدرك الواشون ما حاولوا ... والحبل من شعثاء رث رمام )
( جنية أرقني طيفها ... يذهب صبحا ويرى في المنام )
( هل هي إلا ظبية مطفل ... مألفها السدر بنعفي برام )
( ترعى غزالا فاترا طرفه ... مقارب الخطو ضعيف البغام )
( كأن فاها ثغب بارد ... في رصف تحت ظلال الغمام )
( شج بصهباء لها سورة ... من بنت كرم عتقت في الخيام )

(17/174)


( تدب في الكأس دبيبا كما ... دب دبى وسط رفاق هيام )
( من خمر بيسان تخيرتها ... درياقة توشك فتر العظام )
( يسعى بها أحمر ذو برنس ... محتلق الذفرى شديد الحزام )
يقول فيها
( قومي بنو النجار إذ أقبلت ... شهباء ترمي أهلها بالقتام )
( لا تخذل الجار ولا تسلم المولى ... ولا تخصم يوم الخصام )
الشعر لحسان والغناء لمعبد خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى في البيت الأول من الأبيات والرابع والتاسع والحادي عشر وذكر الهشامي أن فيه لحنا لابن سريج من الرمل بالوسطى
وهذه الأبيات يقولها حسان في حرب كانت بينهم وبين الأوس تعرف بحرب مزاحم وهو حصن من حصونهم
أخبرني بخبره حرمي عن الزبير عن عمه مصعب قال
جمعت الأوس وحشدت بأحلافها ورأسوا عليهم أبا قيس بن الأسلت يومئذ فسار بهم حتى كان قريبا من مزاحم وبلغ ذلك الخزرج فخرجوا يومئذ عليهم سعد بن عبادة وذلك أن عبد الله بن أبي كان مريضا أو متمارضا

(17/175)


فاقتتلوا قتالا شديدا وقتلت بينهم قتلى كثيرة وكان الطول يومئذ للأوس فقال حسان في ذلك
( ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام )
وذكر الأبيات كلها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن القاسم بن الحسن عن محمد ابن سعد عن الواقدي عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي قال
قال رجل من أهل المدينة ما ذكر بيت حسان بن ثابت
( أهوى حديث الندمان في فلق الصبح ... وصوت المسامر الغرد )
إلا عدت في الفتوة كما كنت قال وهذا البيت من قصيدته التي يقول فيها
( انظر خليلي بباب جلق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد )
وقد روي أيضا في هذا الخبر غير الروايتين اللتين ذكرتهما
أخبرني بذلك حرمي عن الزبير عن وهب بن جرير عن جويرية بن أسماء عن عبد الوهاب بن يحيى عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن شيخ من قريش قال
إني وفتية من قريش عند قينة من قيان المدينة ومعنا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت إذ استأذن حسان فكرهنا دخوله وشق ذلك علينا فقال لنا عبد الرحمن أيسركم ألا يجلس قلنا نعم قال فمروها إذا نظرت إليه أن ترفع عقيرتها وتغني

(17/176)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية