صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

( فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم )
( أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم )
( من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم )
فحبسه هشام فقال الفرزدق - طويل -
( أيحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوي منيبها )
( يقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها )
فبعث إليه هشام فأخرجه ووجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال اعذر يا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به
فردها وقال ما قلت ما كان إلا لله وما كنت لأرزأ عليه شيئا
فقال له علي قد رأى الله مكانك فشكرك ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا ما نرجع فيه
فأقسم عليه فقبلها
ومن الناس أيضا من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس ومنهم من يرويها لخالد بن يزيد فيه فهي في روايته
- بسيط -
( كم صارخ بك من راج وراجية ... يرجوك يا قثم الخيرات يا قثم )
( أي العمائر ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم )
( في كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم )
( يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم )
وممن ذكر لنا ذلك الصولي عن الغلابي عن مهدي بن سابق أن داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة سوى البيت الأول في شعره في علي بن الحسين عليه السلام
وذكر الرياشي عن الأصمعي أن رجلا من العرب يقال له داود وقف لقثم

(15/317)


فناداه وقال - بسيط -
( يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم )
( كما صارخ بك من راج وراجية ... في الناس يا قثم الخيرات يا قثم )
فأمر له بجائزة سنية
والصحيح أنها للحزين في عبد الله بن عبد الملك
وقد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات
وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة تنبئ عن نفسها
وهي - بسيط -
( الله يعلم أن قد جبت ذا يمن ... ثم العراقين لا يثنيني السأم )
( ثم الجزيرة أعلاها وأسفلها ... كذاك تسري على الأهوال بي القدم )
( ثم المواسم قد أوطنتها زمنا ... وحيث تحلق عند الجمرة اللمم )
( قالوا دمشق ينبيك الخبير بها ... ثم ائت مصر فثم النائل العمم )
( لما وقفت عليها في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم )
( حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجة القوم عند الباب تزدحم )
( في كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم )
( يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم )
( ترى رؤوس بني مروان خاضعة ... يمشون حول ركابيه وما ظلموا )
( إن هش هشوا له واستبشروا جذلا ... وإن هم آنسوا إعراضه وجموا )
( كلتا يديه ربيع عند ذي خلف ... بحر يفيض وهادي عارض هزم )
ومن الناس من يقول إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان لذكره

(15/318)


دمشق ومصر
وقد كان ثم عبد الله بن عبد الملك أيضا في مصر والحزين بها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز بن عمران الزهري قال وفد الحزين على عبد الله بن عبد الملك وفي الرقيق أخوان فقال عبد الله للحزين أي الرقيق أعجب إليك قال ليختر لي الأمير
قال عبد الله قد رضيت لك هذا لأحدهما فإني رأيته حسن الصلاح
قال الحزين لا حاجة لي به فأعطني أخاه
فأعطاه إياه
قال والغلامان مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز وتميم أبو محمد بن تميم وهو الذي اختاره الحزين
قال فقال في عبد الله يمدحه - بسيط -
( الله يعلم أن قد حييت ذا يمن ... )
وذكر القصيدة بطولها على هذا السبيل
أخبرني وكيع عن محمد بن علي بن حمزة العلوي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال كان على المدينة طائف يقال له صفوان مولى لآل محرمة بن نوفل فجاء الحزين الديلي إلى شيخ من أهل المدينة فاستعاره حماره وذهب إلى العقيق فشرب وأقبل على الحمار وقد سكر فجاء به الحمار حتى وقف به على باب المسجد كما كان صاحبه عوده إياه فمر به صفوان فأخذه فحبسه وحبس الحمار فأصبح والحمار محبوس معه
فأنشأ يقول - وافر -
( أيا أهل المدينة خبروني ... بأي جريرة حبس الحمار )
( فما للعير من جرم إليكم ... وما بالعير إن ظلم انتصار )
فردوا الحمار على صاحبه وضربوا الحزين الحد فأقبل إلى مولى صفوان وهو في المسجد فقال - طويل

(15/319)


( نشدتك بالبيت الذي طيف حوله ... وزمزم والبيت الحرام المحجب )
( لزانية صفوان أم لعفيفة ... لأعلم ما آتي وما أتجنب )
فقال مولاه هو لزانية
فخرج وهو ينادي إن صفوان ابن الزانية فتعلق به صفوان فقال هذا مولاك يشهد أنك ابن زانية
فخلى عنه
وقال محمد بن علي بن حمزة وأخبرني الرياشي أن ابن عم للحزين استشاره في امرأة يتزوجها فقال له إن لها إخوة مشائيم وقد ردوا عنها غير واحد وأخشى أن يردوك فتطلق عليك ألسنا كانت عنك خرسا فخطبها ولم يقبل منه فردوه فقتال الحزين - طويل -
( نهيتك عن أمر فلم تقبل النهى ... وحذرتك اليوم الغواة الأشائما )
( فصرت إلى ما لم أكن منه آمنا ... وأشمت أعدائي وأنطقت لائما )
( وما بهم من رغبة عنك قل لهم ... فإن تسألوني تسألوا بي عالما )
نسخت من كتاب لعلي بن محمد الشامي حدثني أبو محلم
ولم يتجاوزه
وأخبرني عيسى بن الحسن قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثني عمر بن سلام مولى عمر بن الجعاب أن الحزين الديلي خرج مع ابن لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف إلى منتزه لهم فسكر الحزين وانصرف فبات في الطريق وسلب ثيابه فأرسل إلى سهيل يخبره الخبر ويستمنحه فلم يمنحه وبلغ الخبر سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان فأرسل إليه بجميع ما يحتاج إليه وعوضه ثمن ثيابه فقال الحزين في ذلك - منسرح -
( هلا سهيلا أشبهت أو بعض أعمامك ... يا ذا الخلائق الشكسه )

(15/320)


( ضيعت ندمانك الكريم ولم ... تشفق عليه من ليلة نحسه )
( ثم تعاللت إذ أتاك له ... صبحا رسول بعلة طفسه )
( لكن سفيان لم يكن وكلا ... لما أتتنا صلاته سلسه )
( سما به أروع ونفس فتى ... أروع ليست كنفسك الدنسه )
حدثنا الصولي قال حدثنا ثعلب قال حدثني عبد الله بن شبيب قال
مر الحزين الديلي على مجلس لبني كعب بن خزاعة وهو سكران فضحكوا عليه فوقف عليهم وقال - بسيط -
( لا بارك الله في كعب ومجلسهم ... ماذا تجمع من لؤم ومن ضرع )
( لا يدرسون كتاب الله بينهم ... ولا يصومون من حرص على الشبع )
فوثب إليه مشايخهم فاعتذروا منه وسألوه الكف وأن لا يزيد شيئا على ما قاله فأجابهم وانصرف
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عمرو بن أبي بكر المؤملي قال حدثني عبد الله بن أبي عبيدة قال كان الحزين قد ضرب على كل رجل من قريش درهمين درهمين في كل شهر منهم ابن أبي عتيق فجاءه لأخذ درهميه وهو على حمار أعجف قال وكثير مع ابن أبي عتيق فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين فقال له الحزين من هذا معك قال هذا أبو صخر كثير بن أبي جمعة
قال وكان قصيرا دميما فقال له الحزين أتأذن لي أن أهجوه ببيت قال لا لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي ولكن أشتري عرضه منك بدرهمين

(15/321)


آخرين
ودعا له بهما فأصغى ثم قال لا بد لي من هجائه ببيت
قال أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين ودعا له بهما فأخذهما وقال ما أنا بتاركه حتى أهجوه
قال أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين فقال له كثير ائذن له وما عسى أن يقول في فأذن له ابن أبي عتيق فقال - طويل -
( قصير القميص فاحش عند بيته ... يعض القراد باسته وهو قائم )
فوثب كثير إليه فوكزه فسقط هو والحمار وخلص ابن أبي عتيق بينهما وقال لكثير قبحك الله أتأذن له وتبسط إليه يدك قال كثير وأنا ظننته يبلغ في هذا كله في بيت واحد ولكثير مع الحزين أخبار أخر قد ذكرت في أخبار كثير
أخبرني الحرمي قال حدثني عمي عن الضحاك بن عثمان قال حدثني ابن عروة بن أذينة قال كان الحزين صديقا لأبي وعشيرا على النبيذ وكان كثيرا ما يأتيه وكان بالمدينة قينة يهواها الحزين ويكثر غشيانها فبيعت وأخرجت عن المدينة فأتى الحزين أبي وهو كئيب حزين كاسمه فقال له أبي ما لك يا أبا حكيم قال أنا والله يا أبا عامر كما قال كثير - طويل -
( لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى ... بغى سقما إني إذا لسقيم )
( سألت حكيما أين شطت بها النوى ... فخبرني ما لا أحب حكيم )
فقال له أبي أنت مجنون إن أقمت على هذا
أخبرني أحمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير قال حدثني مصعب قال
مر الحزين على جعفر بن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث وعليه

(15/322)


أطمار فقال له يا ابن أبي الشعثاء إلى أين أصبحت غاديا قال أمتع الله بك نزل عبد الله بن عبد الملك الحرة يريد الحج وقد كنت وفدت إليه بمصر فأحسن إلي
قال أفما وجدت شيئا تلبسه غير هذه الثياب قال قد استعرت من أهل المدينة فلم يعرني أحد منهم غير هذه الثياب
فدعا جعفر غلاما فقال ائتني بجبة صوف وقميص ورداء
فجاءه بذلك فقال أبل وأخلق
فلما ولى الحزين قال جلساء جعفر له ما صنعت إنه يعمد إلى هذه الثياب التي كسوته إياها فيبيعها ويفسد بثمنها
قال ما أبالي إذا كافأته بثيابه ما صنع بها
فسمع الحزين قولهم وما رد عليهم ومضى حتى أتى عبد الله بن عبد الملك فأحسن إليه وكساه
فلما أصبح الحزين أتى جعفرا ومعه القوم الذين لاموه بالأمس وأنشده - طويل -
( وما زال ينمو جعفر بن محمد ... إلى المجد حتى عبهلته عواذله )
( وقلن له هل من طريف وتالد ... من المال إلا أنت في الحق باذله )
( يحاولنه عن شيمة قد علمنها ... وفي نفسه أمر كريم يحاوله )
ثم قال له بأبي أنت وأمي سمعت ما قالوا وما رددت عليهم
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال صحب الحزين رجلا من بني عامر بن لؤي يلقب أبا بعرة وكان استعمل على سعايات فلم يصنع إليه خيرا وكان قد صحب قبله عمرو بن مساحق وسعد بن نوفل فأحمدهما فقال له - طويل

(15/323)


( صحبتك عاما بعد سعد بن نوفل ... وعمرو فما أشبهت سعدا ولا عمرا )
( وجادا كما قصرت في طلب العلا ... فحزت به ذما وحازا به شكرا )
قال وأبو بعرة هذا هو الذي كان يعبث بجارية لابن أبي عتيق فشكته إليه فقال لها عديه فإذا جاءك فأدخليه إلي
ففعلت فأدخلته عليه وهو وشيخ من نظرائه جالسان في حجلة فلما رآهما قال أقسم بالله ما اجتمعتما إلا على ريبة
فقال له ابن أبي عتيق استر علينا ستر الله عليك
قال وآل أبي بعرة هم موالي آل أبي سمير
قال فلما ولي المهدي باعوا ولاءهم منه
قال الزبير وأنشدني عمي تمام الأبيات التي هجا بها أبا بعرة وسماه لي فقال وكان اسمه عيسى وهي - طويل -
( أولاك الجعاد البيض من آل مالك ... وأنتم بنو قين لحقتم به نزرا )
نصب نزرا على الحال كأنه قال لحقتم به نزرا قليلا من الرجال
( نسوق بيعورا أميرا كأنما ... نسوق به في كل مجمعة وبرا )
( فإن يكن البيعور ذم رفيقه ... قراه فقد كانت إمارته نكرا )
( ومتبع البيعور يرجو نواله ... فقد زاده البيعور في فقره فقرا )
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني صالح عن عامر بن صالح قال مدح الحزين عمرو بن عمرو بن الزبير فلم يعطه شيئا
وأخبرني بهذا الخبر عمي تاما واللفظ له ولم يذكر الزبير منه إلا يسيرا قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري قال حدثني عطاء بن مصعب عن

(15/324)


عاصم بن الحدثان قال دخل الحزين على عمرو بن عمرو بن الزبير بن العوام منزله فامتدحه وسأله حاجة فقال له ليس إلى ما تطلب سبيل ولا نقدر أن نملأ الناس معاذير وما كل من سألنا حاجة استحق أن نقضيها ولرب مستحق لها قد منعناه حاجته
فقال الحزين أفمن المستحقين أنا قال لا والله وكيف تكون مستحقا لشيء من الخير وأنت تشتم أعراض الناس وتهتك حريمهم وترميهم بالمعضلات إنما المستحق من كف أذاه وبذل نداه ووقم أعداه
فقال له الحزين أفمن هؤلاء أنت فقال له عمرو أين تبعدني لا أم لك من هذه المنزلة وأفضل منها فوثب الحزين من عنده وأنشأ يقول - وافر -
( حلفت وما صبرت على يمين ... ولو أدعى إلى أيمان صبر )
( برب الراقصات بشعث قوم ... يوافون الجمار لصبح عشر )
( لو ان اللؤم كان مع الثريا ... لكان حليفه عمرو بن عمرو )
( ولو أني عرفت بأن عمرا ... حليف اللؤم ما ضيعت شعري )
فقال العمري وحدثني لقيط أن الحزين قال فيه أيضا يهجوه ويمدح محمد بن مروان بن الحكم وجاءه فشكا إليه عمرا فوصله وأحسن إليه
قال - طويل -
( إذا لم يكن للمرء فضل يزينه ... سوى ما ادعى يوما فليس له فضل )
( وتلقى الفتى ضخما جميلا رواؤه ... يروعك في النادي وليس له عقل )
( وآخر تنبو العين عنه مهذب ... يجود إذا ما الضخم نهنهه البخل )

(15/325)


( فيا راجيا عمرو بن عمرو وسيبه ... أتعرف عمرا أم أتاه بك الجهل )
( فإن كنت ذا جهل فقد يخطئ الفتى ... وإن كنت ذا حزم إذا حارت النبل )
( جهلت ابن عمرو فالتمس سيب غيره ... ودونك مرمى ليس في جده هزل )
( عليك ابن مروان الأغر محمدا ... تجده كريما لا يطيش له نبل )
قال لقيط فلما أنشد الحزين محمد بن مروان هذا الشعر أمر له بخمسة آلاف درهم وقال له اكفف يا أخا بني ليث عن عمرو بن عمرو ولك حكمك
فقال لا والله ولا بحمر النعم وسودها لو أعطيتها ما كففت عنه لأنه ما علمت كثير الشر قليل الخير متسلط على صديقه فظ على أهله
وخير ابن عمرو بالثريا معلق
فقال له محمد بن مروان هذا شعر
فقال بعد ساعة يصير شعرا ولو شئت لعجلته
ثم قال - طويل -
( شر ابن عمروحاضر لصديقه ... وخير ابن عمرو بالثريا معلق )
( ووجه ابن عمرو باسر إن طلبته ... نوالا إذا جاد الكريم الموفق )
( فبئس الفتى عمرو بن عمرو إذا غدت ... كتائب هيجاء المنية تبرق )
( فلا زال عمرو للبلايا درية ... تباكره حتى يموت وتطرق )
( يهر هرير الكلب عمرو إذا رأى ... طعاما فما ينفك يبكي ويشهق )
قال فزجره محمد عنه وقال له أف لك قد أكثرت الهجاء وأبلغت في الشتيمة

(15/326)


قال العمري وحدثني عطاء بن مصعب عن عبد الله بن الليث الليثي قال قال الحزين الديلي يهجو عمرو بن عمرو بن الزبير - طويل -
( لعمرك ما عمرو بن عمرو بماجد ... ولكنه كز اليدين بخيل )
( ينام عن التقوى ويوقظه الخنا ... فيخبط أثناء الظلام يجول )
( فلا خير في عمرو لجار ولا له ... ذمام ولكن للئام وصول )
( مواعيد عمرو ترهات ووجهه ... على كل ما قد قلت فيه دليل )
( جبان وفحاش لئيم مذمم ... وأكذب خلق الله حين يقول )
( كلام ابن عمرو صوفة وسط بلقع ... وكف ابن عمرو في الرخاء تطول )
( وإن حزبته الحازبات تشنجت ... يداه ورمح في الهياج كليل )
فبلغ شعره عمرا فقال ما له لعنه الله ولعن من ولده لقد هجاني بنية صادقة ولسان صنع ذلق وما عداني إلى غيري
قال فلقي الحزين عروة بن أذينة الليثي فأنشده هذه الأبيات فقال له ويحك بعضها كان يكفيك فقد بنيتها ولم تقم أودها وداخلتها وجعلت معانيها في أكمتها
قال الحزين ذلك والله أرغب للناس فيها
فقال له عروة خير الناس من حلم عن الجهال وما أراه إلا قد حلم عنك
فقال الحزين حلم والله عني شاء أو أبى برغمه وصغره
قال العمري فحدثنا عطاء عن عاصم بن الحدثان قال لقي شبان من ولد الزبير الحزين فتناولوه بألسنتهم وهموا بضربه فحال بينهم وبينه ابن لمصعب

(15/327)


ابن الزبير فقال الحزين يهجوهم ويهجو جماعة من بني أسد بن عبد العزى سوى بني مصعب الذين منعوهم منه قال - طويل -
( لحا الله حيا من قريش تحالفوا ... على البخل بالمعروف والجود بالنكر )
( فصاروا لخلق الله في اللؤم غاية ... بهم تضرب الأمثال في النثر والشعر )
( فيا عمرو لو أشبهت عمرا ومصعبا ... حمدت ولكن أنت منقبض البشر )
( بني أسد سادت قريش بجودها ... معدا وسادتكم معد يد الدهر )
( تجود قريش بالندى ورضيتم ... بني أسد باللؤم والذل والغدر )
( أعمرو بن عمرو لست ممن تعده ... قريش إذا ما كاثروا الناس بالفخر )
( أبت لك يا عمرو بن عمرو دناءة ... وخلق لئيم أن تريش وأن تبري )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك الحزامي قال حدثني أبي قال كان الحزين سفيها نذلا يمدح بالنزر إذا أعطيه ويهجو على مثله إذا منع فنزل بعاصم بن عمرو بن عثمان فلم يقره فقال يهجوه بقوله - طويل -
( سيروا فقد جن الظلام عليكم ... فباست الذي يرجو القرى عند عاصم )
( ظللنا عليه وهو كالتيس طاعما ... نشد على أكبادنا بالعمائم )
( وما لي من ذنب إليه علمته ... سوى أنني قد جئته غير صائم )
فقيل له إن عاصما كثيرا ما تسمي به قريش
فقال أما والله لأبيننه لهم فقال - طويل

(15/328)


( إليك ابن عثمان بن عفان عاصم بن ... عمرو سرت عنسي فخاب سراها )
( فقد صادفت كز اليدين مبخلا ... جبانا إذا ما الحرب شب لظاها )
( بخيلا بما في رحله غير أنه ... إذا ما خلت عرس الخليل أتاها )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال الحزين لهلال بن يحيى بن طلحة قوله - طويل -
( هلال بن يحيى غرة لا خفا بها ... على الناس في عسر الزمان ولا اليسر )
( وسعد بن إبراهيم ظفر موسخ ... فهل يستريح الناس من وسخ الظفر )
يعني سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وكان ولي قضاء المدينة من هشام بن عبد الملك فلم يعط الحزين شيئا فهجاه
وقال فيه أيضا - طويل -
( أتيت هلالا أرتجي فضل سيبه ... فأفلتني مما أحب هلال )
( هلال بن يحيى غرة لا خفا بها ... لكل أناس غرة وهلال )
صوت - طويل -
( ألم تشهد الجونين والشعب ذا الصفا ... وكرات قيس يوم دير الجماجم )

(15/329)


( تحرض يابن القين قيسا ليجعلوا ... لقومك يوما مثل يوم الأراقم )
( بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم )
( ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم ) الشعر لجرير والغناء لابن محرز ثقيل أول بالبنصر
وهذه الأبيات يقولها جرير يهجو الفرزدق ويعيره بضربة ضربها بسيفه رجلا من الروم فحضره سليمان بن عبد الملك فلم يصنع شيئا
فحدثنا بخبره في ذلك محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا صالح بن سليمان عن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي وكان شيخا كبيرا وكان من أصحاب عبد الملك بن مروان ثم كان من أصحاب المنصور قال كنت حاضرا سليمان بن عبد الملك
وأخبرنا علي بن سليمان الأخفش واليزيدي عن السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة وعن قتادة عن أبي عبيدة في كتاب النقائض عن رؤبة بن العجاج قال حج سليمان بن عبد الملك ومعه الشعراء وحججت معهم فمر بالمدينة منصرفا فأتي بأسرى من الروم نحو من أربعمائة فقعد سليمان وعنده عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام وعليه ثوبان ممصران وهو أقربهم منه مجلسا فأدنوا إليه بطريقهم وهو في جامعة فقال لعبد الله بن الحسن قم فاضرب عنقه
فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسي سيفا كليلا فضربه فأبان عنقه وذراعه وأطن ساعده وبعض الغل
فقال له سليمان اجلس فوالله ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك
وجعل يدفع الأسرى إلى

(15/330)


الوجوه وإلى الناس فيقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا فدست إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض فضربه فأبان رأسه ودفع إلى الفرزدق أسيرا فدست إليه القيسية سيفا كليلا فضرب به الأسير ضربات فلم يصنع شيئا فضحك سليمان وضحك الناس معه
هذه رواية أبي عبيدة عن رؤبة
وأما سليمان بن أبي شيخ فإنه ذكر في خبره أن سليمان لما دفع إليه الأسير دفع إليه سيفا وقال له اقتله به
فقال لا بل أضربه بسيف مجاشع واخترط سيفه فضربه به فلم يغن شيئا فقال له سليمان أما والله لقد بقي عليك عارها وشنارها فقال جرير قصيدته التي يهجوه فيها ومنها الصوت المذكور وأولها قوله - طويل -
( ألا حي ربع المنزل المتقادم ... وما حل مذ حلت به أم سالم )
وهي طويلة
فقال الفرزدق
صوت - طويل -
( فهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم )
( كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التمائم )
( ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم )
ذكر يونس أن في هذه الأبيات لحنا لابن محرز ولم يجنسه
وقال يعرض بسليمان ويعيره بنبو سيف ورقاء بن زهير العبسي عن خالد بن جعفر وبنو عبس أخوال سليمان قال - طويل

(15/331)


( فإن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتعجيل نفس حتفها غير شاهد )
( فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد )
( كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد )
وروي هذا الخبر عن عوانة بن الحكم قال فيه إن الفرزدق قال لسليمان يا أمير المؤمنين هب لي هذا الأسير
فوهبه له فأعتقه وقال الأبيات التي تقدم ذكرها ثم أقبل على رواته وأصحابه فقال كأني بابن المراغة وقد بلغه خبري فقال - طويل -
( بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم )
( ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم )
قال فما لبثنا غير مدة يسيرة حتى جاءتنا القصيدة وفيها هذان البيتان فعجبنا من فطنة الفرزدق
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن عيسى بن حمزة العلوي قال حدثنا أبو عثمان المازني قال زعم جهم بن خلف أن رؤبة بن العجاج حدثه
فذكر هذه القصيدة وزاد فيها
قال واستوهب الفرزدق الأسير فوهبه له سليمان فأعتقه وكساه وقال قصيدته التي يقول فيها - طويل -
( ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم )
قال وقال في ذلك - طويل

(15/332)


( تباشر يربوع بنبوة ضربة ... ضربت بها بين الطلا والحراقد )
( ولو شئت قد السيف ما بين عنقه ... إلى علق بين الحجابين جامد )
( فإن ينب سيف أو تراخت منية ... لميقات نفس حتفها غير شاهد )
( فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد )
قال وقال في ذلك - بسيط -
( أيضحك الناس أن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر )
( فما نبا السيف عن جبن ولا دهش ... عند الإمام ولكن أخر القدر )
( ولو ضربت به عمرا مقلده ... لخر جثمانه ما فوقه شعر )
( وما يقدم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر )
فأما يوم الجونين الذي ذكره جرير فهو اليوم الذي أغار فيه عتيبة بن الحارث بن شهاب على بني كلاب وهو يوم الرغام
أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي عن السكري عن ابن حبيب ودماذ عن أبي عبيدة وعن إبراهيم بن سعدان عن أبيه أن عتيبة بن الحارث بن شهاب أغار في بني ثعلبة بن يربوع على طوائف من بني كلاب يوم الجونين فاطرد إبلهم وكان أنس بن العباس الأصم أخو بني رعل من بني سليم مجاورا في بني كلاب وكان بين بني ثعلبة بن يربوع وبين بني رعل عهد لا يسفك دم ولا يؤكل مال
فلما سمع الكلابيون الدعوى يال ثعلبة يال

(15/333)


عبيد يال جعفر عرفوهم فقالوا لأنس بن العباس قد عرفنا ما بين بني رعل وبني ثعلبة بن يربوع فأدركهم فاحبسهم علينا حتى نلحق
فخرج أنس في آثارهم حتى أدركهم فلما دنا منهم قال عتيبة بن الحارث لأخيه حنظلة أغن عنا هذا الفارس فاستقبله حنظلة فقال له أنس إنما أنا أخوكم وعقيدكم وكنت في هؤلاء القوم فأغرتم على إبلي فيما أغرتم عليه وهو معكم
فرجع حنظلة إلى أخيه فأخبره الخبر فقال له حياك الله وهلم فوال إبلك أي اعزلها
قال والله ما أعرفها وبنو أخي وأهل بيتي معي وقد أمرتهم بالركوب في أثري وهم أعرف بها مني
فطلع فوارس بني كلاب فاستقبلهم حنظلة بن الحارث في فوارس فقال لهم أنس إنما هم بني وبنو أخي
وإنما يربثهم لتلحق فوارس بني كلاب
فلحقوا فحمل الحوثرة بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر على حنظلة فقتله وحمل لأم ابن سلمة أخو بني ضبارى بن عبيد بن ثعلبة على الحوثرة هو وابن مزنة أخو بني عاصم بن عبيد فأسراه ودفعاه إلى عتيبة فقتله صبرا وهزم الكلابيون ومضى بنو ثعلبة بالإبل وفيها إبل أنس فلم تقر أنسا نفسه حتى اتبعهم رجاء أن يصيب منهم غرة وهم يسيرون في شجراء
فتخلف عتيبة لقضاء حاجته وأمسك برأس فرسه فلم يشعر إلا بأنس قد مر في آثارهم فتقدم حتى وثب عليه فأسره فأتى به عتيبة أصحابه فقال بنو عبيدة قد عرفنا أن لأم بن سلمة وابن مزنة قد أسرا الحوثرة فدفعاه إليك فضربت عنقه فأعقبهما في أنس بن عباس فمن قتلته خير من أنس
فأبى عتيبة أن يفعل ذلك حتى افتدى أنس نفسه بمائتي بعير
فقال العباس بن مرداس يعير عتيبة بن الحارث بفعله - كامل

(15/334)


( كثر الضجاج وما سمعت بغادر ... كعتيبة بن الحارث بن شهاب )
( جللت حنظلة المخانة والخنا ... ودنست آخر هذه الأحقاب )
( وأسرتم أنسا فما حاولتم ... بإسار جاركم بني الميقاب )
الميقاب التي تلد الحمقى
والوقب الأحمق
( باست التي ولدتك واست معاشر ... تركوك تحرسهم من الأحساب )
فقال عتيبة بن الحارث - وافر -
( غدرتم غدرة وغدرت أخرى ... فليس إلى توافينا سبيل )
( كأنكم غداة بني كلاب ... تفاقدتم علي لكم دليل )
قوله تفاقدتم دعاء عليهم أن يفقد بعضهم بعضا
صوت - طويل -
( وبالعفر دار من جميلة هيجت ... سوالف حب في فؤادك منصب )
( وكنت إذا ناءت بها غربة النوى ... شديد القوى لم تدر ما قول مشغب )
( كريمة حر الوجه لم تدع هالكا ... من القوم هلكا في غد غير معقب )
( أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا ... بروق الثنايا ذات خلق مشرعب )
العفر منازل لقيس بالعالية
سوالف مواض
يقول هيجت حبا قد كان ثم انقطع
ومنصب ذو نصب
ونأت وناءت وبانت بمعنى واحد أي بعدت
ومشغب ذو شغب عليك وخلاف في حبها
ويروى مشعب أي متعدد

(15/335)


يصرفك عنها
وقوله لم تدع هالكا أي لم تندب هالكا هلك فلم يخلف غيره ولم يعقب
ومعنى ذلك أنها في عدد وقوم يخلف بعضهم بعضا في المكارم لا كمن إذا مات سيد قومها أو كريم منهم لم يقم أحد منهم مقامه
والمشرعب الجسيم الطويل
والشرعبي الطويل
الشعر لطفيل الغنوي والغناء لجميلة ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي
وذكره حماد عن أبيه لها ولم يجنسه
وروى إسحاق عن أبيه عن سياط عن يونس أن هذا أحسن صوت صنعته جميلة

(15/336)


22 - نسب الطفيل الغنوي وأخباره
قال ابن الكلبي هو طفيل بن عوف بن كعب بن خلف بن ضبيس بن خليف بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب بن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان
ووافقه ابن حبيب في النسب إلا في خلف بن ضبيس فإنه لم يذكر خلفا وقال هو طفيل بن عوف بن ضبيس
قال أبو عبيدة اسم غني عمرو واسم أعصر منبه وإنما سمي أعصر لقوله - كامل -
( قالت عميرة ما لرأسك بعد ما ... فقد الشباب أتى بلون منكر )
( أعمير إن أباك غير رأسه ... مر الليالي واختلاف الأعصر )
فسمي بذلك
وطفيل شاعر جاهلي من الفحول المعدودين ويكنى أبا قران يقال إنه من أقدم شعراء قيس
وهو من أوصف العرب للخيل

(15/337)


أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد الله بن مالك أبو دلف الخزاعي قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب الأنصاري قال قال لي عمي إن رجلا من العرب سمع الناس يتذاكرون الخيل ومعرفتها والبصر بها فقال كان يقال إن طفيلا ركب الخيل ووليها لأهله
وإن أبا دواد الأيادي ملكها لنفسه ووليها لغيره كان يليها للملوك وأن النابغة الجعدي لما أسلم الناس وآمنوا اجتمعوا وتحدثوا ووصفوا الخيل فسمع ما قالوه فأضافه إلى ما كان سمع وعرف قبل ذلك في صفة الخيل
وكان هؤلاء نعات الخيل
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثني عمي قال كان طفيل أكبر من النابغة وليس في قيس فحل أقدم منه
قال وكان معاوية يقول خلوا لي طفيلا وقولوا ما شئتم في غيره من الشعراء
أخبرني عبد الله بن مالك النحوي قال حدثنا محمد بن حبيب قال كان طفيل الغنوي يسمى طفيل الخيل لكثرة وصفه إياها
أخبرني محمد بن الحسين الكندي خطيب مسجد القادسية قال حدثني الرياشي قال حدثني الأصمعي قال كان أهل الجاهلية يسمون طفيلا الغنوي المحبر لحسن وصفه الخيل
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد قال قال أبو عبيدة طفيل الغنوي والنابغة الجعدي وأبو دواد الإيادي أعلم العرب بالخيل وأوصفهم لها
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال قال قتيبة بن مسلم لأعرابي من غني قدم عليه من خراسان أي بيت قالته العرب أعف قال قول طفيل الغنوي - بسيط

(15/338)


( ولا أكون وكاء الزاد أحبسه ... لقد علمت بأن الزاد مأكول )
قال فأي بيت قالته العرب في الحرب أجود قال قول طفيل - طويل -
( بحي إذا قيل اركبوا لم يقل لهم ... عواوير يخشون الردى أين نركب )
قال فأي بيت قالته العرب في الصبر أجود قال قول نافع بن خليفة الغنوي - طويل -
( ومن خير ما فينا من الأمر أننا ... متى ما نوافي موطن الصبر نصبر )
قال فقال قتيبة ما تركت لإخوانك من باهلة قال قول صاحبهم - طويل -
( وإنا أناس ما تزال سوامنا ... تنور نيران العدو مناسمه )
( وليس لنا حي نضاف إليهم ... ولكن لنا عود شديد شكائمه )
( حرام وإن صليته ودهنته ... تأوده ما كان في السيف قائمه )
وهذه القصيدة المذكورة فيها الغناء يقولها طفيل في وقعة أوقعها قومه بطيئ وحرب كانت بينه وبينهم
وذكر أبو عمرو الشيباني والطوسي فيما رواه عن الأصمعي وأبي عبيدة أن رجلا من غني يقال له قيس الندامى وفد على بعض الملوك

(15/339)


وكان قيس سيدا جوادا فلما حفل المجلس أقبل الملك على من حضره من وفود العرب فقال لأضعن تاجي على أكرم رجل من العرب
فوضعه على رأس قيس وأعطاه ما شاء ونادمه مدة ثم أذن له في الانصراف إلى بلده فلما قرب من بلاد طيىء خرجوا إليه وهم لا يعرفونه فلقوه برمان فقتلوه فلما علموا أنه قيس ندموا لأياديه كانت فيهم فدفنوه وبنوا عليه بيتا
ثم إن طفيلا جمع جموعا من قيس فأغار على طيىء فاستاق من مواشيهم ما شاء وقتل منهم قتلى كثيرة
وكانت هذه الوقعة بين القنان وشرقي سلمى فذلك قول طفيل في هذه القصيدة - طويل -
( فذوقوا كما ذقنا غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوب )
( فبالقتل قتل والسوام بمثله ... وبالشل شل الغائط المتصوب )
أخبرني علي بن الحسن بن علي قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن سلمة بن محارب قال لما مات محمد بن الحجاج بن يوسف جزع عليه الحجاج جزعا شديدا ودخل الناس عليه يعزونه ويسلونه وهو لا يسلو ولا يزداد إلا جزعا وتفجعا وكان فيمن دخل عليه رجل كان الحجاج قتل ابنه يوم الزاوية فلما رأى جزعه وقلة ثباته للمصيبة شمت به وسر لما ظهر له منه وتمثل بقول طفيل - طويل -
( فذقوا كما ذقنا غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوب )

(15/340)


وفي هذه القصيدة يقول طفيل - طويل -
( ترى العين ما تهوى وفيها زيادة ... من اليمن إذ تبدو وملهى لملعب )
( وبيت تهب الريح في حجراته ... بأرض فضاء بابه لم يحجب )
( سماوته أسمال برد محبر ... وصهوته من أتحمي معصب )
أخبرني عيسى بن الحسين بن الوراق قال حدثنا الرياشي عن العتبى عن عن أبيه قال قال عبد الملك بن مروان لولده وأهله أي بيت ضربته العرب على عصابة ووصفته أشرف حواء وأهلا وبناء فقالوا فأكثروا وتكلم من حضر فأطالوا فقال عبد الملك أكرم بيت وصفته العرب بيت طفيل الذي يقوله فيه - طويل -
( وبيت تهب الريح في حجراته ... بأرض فضاء بابه لم يحجب )
( سماوته أسمال برد محبر ... وصهوته من أتحمي معصب )
( وأطنابه أرسان جرد كأنها ... صدور القنا من بادىء ومعقب )
( نصبت على قوم تدر رماحهم ... عروق الأعادي من غرير وأشيب )
وقال أبو عمرو الشيباني كانت فزارة لقيت بني أبي بكر بن كلاب وجيرانهم من محارب فأوقعت بهم وقعة عظيمة ثم أدركتهم غني فاستنقذتهم فلما قتلت طيىء قيس الندامى وقتلت بنو عبس هريم بن سنان بن عمرو بن يربوع بن طريف ابن خرشة بن عبيد بن سعد بن كعب بن جلان بن غنم بن غني وكان فارسا حسيبا

(15/341)


قد ساد ورأس قتله ابن هدم العبسي طريد الملك فقال له الملك كيف قتلته قال حملت عليه في الكبة وطعنته في السبة حتى خرج الرمح من اللبة
وقتل أسماء بن واقد بن رفيد بن رياح بن يربوع بن ثعلبة بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان وهو من النجوم وحصن بن يربوع بن طريف وأمهم جندع بنت عمرو بن الأغر بن مالك بن سعد بن عوف
فاستغاثت غني ببني أبي بكر وبني محارب فقعدوا عنهم فقال طفيل في ذلك يمن عليهم بما كان منهم في نصرتهم ويرثي القتلى قال - طويل -
( تأوبني هم من الليل منصب ... وجاء من الأخبار ما لا أكذب )
( تتابعن حتى لم تكن لي ريبة ... ولم يك عما خبروا متعقب )
( وكان هريم من سنان خليفة ... وحصن ومن أسماء لما تغيبوا )
( ومن قيس الثاوي برمان بيته ... ويوم حقيل فاد آخر معجب )
( أشم طويل الساعدين كأنه ... فنيق هجان في يديه مركب )

(15/342)


( وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف أهل ومرحب )
صوت طويل
( كواكب دجن كلما انقض كوكب ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب )
الغناء لسليم أخي بابويه ثاني ثقيل عن الهشامي
وهي قصيدة طويلة وذكرت منها هذه الأبيات من أجل الغناء الذي فيها
ومن مختار مرثيته فيها قوله - طويل -
( لعمري لقد خلى ابن جندع ثلمة ... ومن أين إن لم يرأب الله ترأب )
( نداماي أمسوا قد تخليت عنهم ... فكيف ألذ الخمر أم كيف أشرب )
( مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلب )
صوت - سريع -
( فديت من بات يغنيني ... وبت أسقيه ويسقيني )
( ثم اصطبحنا قهوة عتقت ... من عهد سابور وشيرين )
الشعر والغناء لمحمد بن حمزة بن نصير وجه القرعة ولحنه فيه رمل أول بالبنصر لا نعرف له صنعة غيره

(15/343)


23 - سب محمد بن حمزة بن نصير الوصيف وأخباره
هو محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور ويكنى أبا جعفر ويلقب وجه القرعة
وهو أحد المغنين الحذاق الضراب الرواة
وقد أخذ عن إبراهيم الموصلي وطبقته وكان حسن الأداء طيب الصوت لا علة فيه إلا أنه كان إذا غنى الهزج خاصة خرج بسبب لا يعرف إلا لآفة تعرض للحس في جنس من الأجناس فلا يصح له بتة
فذكر محمد بن الحسن الكاتب أن إسحاق بن محمد الهاشمي حدثه عن أبيه أنه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلي عند عمه هارون بن عيسى وعنده محمد بن الحسن بن مصعب قال فأتانا محمد بن حمزة وجه القرعة فسر به عمي
وكان شرس الخلق أبي النفس فكان إذا سئل الغناء أباه فإذا أمسك عنه كان هو المبتدئ به فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتي به فغنى وقال - مجزوء الرمل -
( مر بي سرب ظباء ... رائحات من قباء )
قال وكان يحسنه ويجيده فجعل إسحاق يشرب ويستعيده حتى شرب ثلاثة

(15/344)


أرطال ثم قال أحسنت يا غلام هذا الغناء لي وأنت تتقدمني فيه ولا يخلق الغناء ما دام مثلك ينشأ فيه
قال وحدثني إسحاق الهاشمي عن أبيه قال كنا في البستان المعروف ببستان خالص النصراني ببغداد ومعنا محمد بن حمزة وجه القرعة فيغنينا قوله - مجزوء الكامل -
( يا دار أقفر رسمها ... بين المحصب والحجون )
( يا بشر إني فاعلمي ... والله مجتهدا يميني )
فإذا برجل راكب على حمار يؤمنا وهو يصيح أحسنت يا أبا جعفر أحسنت والله فقلنا اصعد إلينا كائنا من كنت
فصعد وقال لو منعتموني من الصعود لما امتنعت
ثم سفر اللثام عن وجهه فإذا هو مخارق
فقال يا أبا جعفر أعد علي صوتك
فأعاده فشرب رطلا من شرابنا وقال لولا أني مدعو الخليفة لأقمت عندكم واستمعت هذا الغناء الذي هو أحسن من الزهر غب المطر
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء
منها - مجزوء الرمل -
صوت
( مر بي سرب ظباء ... رائحات من قباء )

(15/345)


( زمرا نحو المصلى ... يتمشين حذائي )
( فتجاسرت وألقيت ... سرابيل الحياء )
( وقديما كان لهوي ... وفتوني بالنساء )
الغناء لإسحاق مما لا يشك فيه من صنعته ولحنه من ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى
وذكر محمد بن أحمد المكي أنه لجده يحيى
وذكر حبش أن فيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى
ومنها - مجزوء الكامل -
صوت
( يا بشر إني فاعلمي ... والله مجتهدا يميني )
( ما إن صرمت حبالكم ... فصلي حبالي أو ذريني )
( استبدلوا طلب الحجاز ... وسرة البلد الأمين )
( بحدائق محفوفة ... بالبيت من عنب وتين )
( يا دار أقفر رسمها ... بين المحصب والحجون )
( أقوت وغير آيها ... طول التقادم والسنين )
الشعر للحارث بن خالد والغناء لابن جامع في الأربعة الأبيات الأول رمل بالوسطى ولابن سريج في الخامس والسادس والأول والثاني ثقيل أول بالبنصر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن مهرويه قال حدثنا عبد الله ابن أبي سعد قال حدثني الفضل بن المغني عن محمد بن جبر قال دخلنا على

(15/346)


إسحاق بن إبراهيم الموصلي نعوده من علة كان وجدها فصادفنا عنده مخارقا وعلويه وأحمد بن المكي وهم يتحدثون فاتصل الحديث بينهم وعرض إسحاق عليهم أن يقيموا عنده ليتفرج بهم ويخرج إليهم ستارته يغنون من ورائها ففعلوا وجاء محمد بن حمزة وجه القرعة على بقية ذلك فاحتبسه إسحاق معهم ووضع النبيذ وغنوا فغنى مخارق أو علويه صوتا من الغناء القديم فخالفه محمد فيه وفي صانعه وطال مراؤهما في ذلك وإسحاق ساكت ثم تحاكما إليه فحكم لمحمد وراجعه علويه فقال له إسحاق حسبك فوالله ما فيكم أدرى بما يخرج من رأسه منه
ثم غنى أحمد بن يحيى المكي قوله - بسيط -
( قل للجمانة لا تعجل بإسراج ... )
فقال محمد هذا اللحن لمعبد ولا يعرف له هزج غيره
فقال أحمد أما على ما شرط أبو محمد آنفا من أنه ليس في الجماعة أدرى بما يخرج من رأسه منك فلا معارض لك
فقال له إسحاق يا أبا جعفر ما عنيتك والله فيما قلت ولكن قد قال إنه لا يعرف لمعبد هزج غير هذا وكلنا نعلم إنه لمعبد فأكذبه أنت بهزج آخر له مما لا يشك فيه
فقال أحمد ما أعرف
نسبة هذا الصوت
قال محمد بن الحسن وحدثني إسحاق الهاشمي عن أبيه أن محمدا دخل معه على إسحاق الموصلي مهنئا له بالسلامة من علة كان فيها فدعا بعود فأمر به إسحاق فدفع إلى محمد فغنى أصواتا للقدماء وأصواتا لإبراهيم وأصواتا لإسحاق في إيقاعات مختلفة فوجه إسحاق خادما بين يديه إلى جواري أبيه فخرجن حتى سمعنه من وراء حجاب ثم ودعه وانصرف فقال إسحاق

(15/347)


للجواري ما عندكن في هذا الفتى فقلن ذكرنا والله أباك فيما غناه
فقال صدقتن
ثم أقبل علينا فقال هو مغن محسن ولكنه لا يصلح للمطارحة لكثرة زوائده ومثله إذا طارح جسر الذي يأخذ عنه فلم ينتفع به ولكنه ناهيك به من مغن مطرب
قال إسحاق وحدثت أنه صار إلى مخارق عائدا فصادف عنده المغنين جميعا فلما طلع تغامزوا عليه فسلم على مخارق وسأله به فأقبل عليه مخارق ثم قال له يا أبا جعفر إن جواريك اللواتي في ملكي قد تركن الدرس من مدة فأحب أن تدخل إليهن وتأخذ عليهن وتصلح من غنائهن
ثم صاح بالخدم فسعوا بين يديه إلى حجرة الجواري ففعل ما سأله مخارق ثم خرج فأعلمه أنه قد أتى ما أحبه والتفت إلى المغنين فقال قد رأيت غمزكم فهل فيكم أحد رضي أبو المهنا أعزه الله حذقه وأدبه وأمانته ورضيه لجواريه غيري ثم ولى فكأنما ألقمهم حجرا فما أجابه أحد
صوت - كامل -
( عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها )
( فمدافع الريان عري رسمها ... خلقا كما ضمن الوحي سلامها )
( فاقنع بما قسم الإله فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها )
عروضه من الكامل
عفت درست
ومنى موضع في بلاد بني عامر وليس منى مكة
تأبد توحش
والغول والرجام جبلان بالحمى
والريان واد
مدافعه مجاري الماء فيه
وعري رسمها أي ترك وارتحل عنه
يقول عري من أهله
وسلامها صخورها واحدتها سلمة

(15/348)


الشعر للبيد بن ربيعة العامري والغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن محرز خفيف رمل أول بالوسطى عن حبش وذكر الهشامي أن فيه رملا آخر للهذلي في الثالث والأول

(15/349)


24 - نسب لبيد وأخباره
هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر
وكان يقال لأبيه ربيع المقترين لجوده وسخائه
وقتلته بنو أسد في الحرب التي كانت بينهم وبين قومهم وقومه
وعمه أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة سمي بذلك لقول أوس بن حجر فيه - طويل -
( فلاعب أطراف الأسنة عامر ... فراح له حظ الكتيبة أجمع )

(15/350)


وأم لبيد تامرة بنت زنباع العبسية إحدى بنات جذيمة بن رواحة
ولبيد أحد شعراء الجاهلية المعدودين فيها والمخضرمين ممن أدرك الإسلام وهو من أشراف الشعراء المجيدين الفرسان القراء المعمرين يقال إنه عمر مائة وخمسا وأربعين سنة
أخبرني بخبره في عمره أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة عن عبد الله بن محمد بن حكيم
وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن علي بن الصباح عن ابن الكلبي وعن علي بن المسور عن الأصمعي وعن المدائني وعن رجال ذكرهم منهم أبو اليقظان وابن دأب وابن جعدبة والوقاصي أن لبيد بن ربيعة قدم على رسول الله وفد بني كلاب بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطفيل فأسلم وهاجر وحسن إسلامه ونزل الكوفة أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأقام بها
ومات بها هناك في آخر خلافة معاوية فكان عمره مائة وخمسا وأربعين سنة منها تسعون سنة في الجاهلية وبقيتها في الإسلام
قال عمر بن شبة في خبره فحدثني عبد الله بن محمد بن حكيم أن لبيدا قال حين بلغ سبعا وسبعين سنة بسيط -
( قامت تشكى إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا )
( فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا )
فلما بلغ التسعين قال - طويل

(15/351)


( كأني وقد جاوزت عشرين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا )
فلما بلغ مائة وعشرا قال - بسيط -
( أليس في مائة قد عاشها رجل ... وفي تكامل عشربعدها عمر )
فلما جاوزها قال - كامل -
( ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد )
( غلب الرجال وكان غير مغلب ... دهر طويل دائم ممدود )
( يوما أرى يأتي علي وليلة ... وكلاهما بعد المضاء يعود )
( وأراه يأتي مثل يوم لقيته ... لم ينتقص وضعفت وهو يزيد )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم السجستاني قال حدثنا الأصمعي قال وفد عامر بن مالك ملاعب الأسنة وكان يكنى أبا البراء في رهط من بني جعفر ومعه لبيد بن ربيعة ومالك بن جعفر وعامر بن مالك عم لبيد على النعمان فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي وأمه فاطمة بنت الخرشب وكان الربيع نديما للنعمان مع رجل من تجار الشام يقال له زرجون بن توفيل وكان حريفا للنعمان يبايعه وكان أديبا حسن الحديث والندام فاستخفه النعمان وكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه وإلى النطاسي متطبب كان له وإلى الربيع بن زياد فخلا بهم فلما قدم الجعفريون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم فإذا خرجوا من عنده خلا به الربيع فطعن فيهم وذكر معايبهم وكانت بنو جعفر له أعداء فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم فدخلوا

(15/352)


عليه يوما فرأوا منه جفاء وقد كان يكرمهم ويقربهم فخرجوا غضابا ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ متاعهم ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع فسألهم عنه فكتموه فقال والله لا حفظت لكم متاعا ولا سرحت لكم بعيرا أو تخبروني فيم أنتم وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع فقالوا خالك قد غلبنا على الملك وصد عنا وجهه
فقال لبيد هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول ممض لا يلتفت إليه النعمان أبدا فقالوا وهل عندك شيء قال نعم
قالوا فإنا نبلوك
قال وما ذاك قالوا تشتم هذه البقلة وقدامهم بقلة دقيقة القضبان قلية الورق لاصقة بالأرض تدعى التربة فقال هذه التربة التي لا تذكي نارا ولا تؤهل دارا ولا تسر جارا عودها ضئيل وفرعها كليل وخيرها قليل أقبح البقول مرعى وأقصرها فرعا وأشدهما قلعا
بلدها شاسع وآكلها جائع والمقيم عليها قانع فالقوا بي أخا عبس أرده عنكم بتعس وأتركه من أمره في لبس
قالوا نصبح ونرى فيك رأينا
فقال عامر انظروا إلى غلامكم هذا يعني لبيدا فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء إنما هو يتكلم بما جاء على لسانه وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبه
فرمقوه فوجدوه وقد ركب رحلا وهو يكدم وسطه حتى أصبح فقالوا أنت والله صاحبه
فعمدوا إليه فحلقوا رأسه وتركوا دؤابته وألبسوه حلة ثم غدا معهم وأدخلوه على النعمان فوجدوه يتغدى ومعه الربيع بن زياد وهما يأكلان لا ثالث لهما والدار والمجالس مملوءة من الوفود فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه وقد كان أمرهم تقارب فذكروا الذي قدموا له من حاجتهم فاعترض الربيع بن زياد في كلامهم فقال لبيد في ذلك - رجز

(15/353)


( أكل يوم هامتي مقزعه ... يا رب هيجا هي خير من دعه )
( نحن بني أم البنين الأربعه ... سيوف حز وجفان مترعه )
( نحن خيار عامربن صعصعه ... الضاربون الهام تحت الخيضعه )
( والمطمعون الجفنة المدعدعه ... مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه )
( إن استه من برص ملمعه ... وإنه يدخل فيها إصبعه )
( يدخلها حتى يواري أشجعه ... كأنه يطلب شيئا ضيعه )
فرفع النعمان يده من الطعام وقال خبثت والله علي طعامي يا غلام وما رأيت كاليوم
فأقبل الربيع على النعمان فقال كذب والله ابن الفاعلة ولقد فعلت بأمه كذا وكذا
فقال له لبيد مثلك فعل ذلك بربيبة أهله والقريبة من أهله وإن أمي من نساء لم يكن فواعل ما ذكرت
وقضى النعمان حوائج الجعفريين ومضى من وقته وصرفهم ومضى الربيع بن زياد إلى منزله من وقته فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالانصراف إلى أهله فكتب إليه الربيع إني قد عرفت أنه قد وقع في صدرك ما قال لبيد وإني لست بارحا حتى تبعث إلي من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال لبيد
فأرسل إليه إنك لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا ولا قادرا على رد ما زلت به الألسن فالحق بأهلك
فلحق بأهله ثم أرسل إلى النعمان بأبيات شعر قالها وهي - بسيط -
( لئن رحلت جمالي لا إلى سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا )
( بحيث لو وردت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا )

(15/354)


( ترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا )
( فاثبت بأرضك بعدي واخل متكئا ... مع النطاسي طورا وابن توفيلا )
فأجابه النعمان بقوله - بسيط -
( شرد برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر علي ودع عنك الأباطيلا )
( فقد ذكرت بشيء لست ناسيه ... ما جاورت مصر أهل الشام والنيلا )
( فما انتفاؤك منه بعد ما جزعت ... هوج المطي به نحو ابن سمويلا )
( قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا )
( فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة ... فانشر بها الطرف إن عرضا وإن طولا )
قال وقال لبيد يهجو الربيع بن زياد ويزعمون أنها مصنوعة
قال - رجز -
( ربيع لا يسقك نحوي سائق ... فتطلب الأذحال والحقائق )
( ويعلم المعيا به والسابق ... ما أنت إن ضم عليك المازق )
( إلا كشيء عاقه العوائق ... إنك حاس حسوة فذائق )
( لا بد أن يغمز منك العاتق ... غمزا ترى أنك منه ذارق )
( إنك شيخ خائن منافق ... بالمخزيات ظاهر مطابق )
وكان لبيد يقول الشعر ويقول لا تظهروه حتى قال - كامل

(15/355)


( عفت الديار محلها فمقامها ... )
وذكر ما صنع الربيع بن زياد وضمرة بن ضمرة
ومن حضرهم من وجوه الناس فقال لهم لبيد حينئذ أظهروها
قال الأصمعي في تفسير قوله الخيضعة أصله الخضعة بغير ياء يعني الجلبة والأصوات فزاد فيها الياء
وقال في قوله بالمخزيات ظاهر مطابق يقال طابق الدابة إذا وضع يديه ثم رفعهما فوضع مكانهما رجليه وكذلك إذا كان يطأ في شوك
والمأزق المضيق
والنازق الخفيف
نسخت من كتاب مروي عن أبي الحكم قال حدثني العلاء بن عبد الله الموقع قال اجتمع عند الوليد بن عقبة سماره وهو أمير الكوفة وفيهم لبيد فسأل لبيدا عما كان بينه وبين الربيع بن زياد عند النعمان فقال له لبيد هذا كان من أمر الجاهلية وقد جاء الله بالإسلام
فقال له عزمت عليك وكانوا يرون لعزمة الأمير حقا فجعل يحدثهم فحسده رجل من غني فقال ما علمنا بهذا
قال أجل يا ابن أخي لم يدرك أبوك مثل ذلك وكان أبوك ممن لم يشهد تلك المشاهد فيحدثك
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثني العمري قال حدثني الهيثم عن ابن عياش عن محمد بن المنتشر قال لم يسمع من لبيد فخره في الإسلام غير يوم واحد فإنه كان في رحبة غني مستلقيا على ظهره قد سجى نفسه بثوبه إذ أقبل شاب من غني فقال قبح الله طفيلا حيث يقول - طويل -
( جزى الله عنا جعفرا حيث أشرفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت )
( أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت )
( فذو المال موفور وكل معصب ... إلى حجرات أدفأت وأظلت )

(15/356)


( وقالت هلموا الدار حتى تبينوا ... وتنجلي الغماء عما تجلت )
ليت شعري ما الذي رأى من بني جعفر حيث يقول هذا فيهم قال فكشف لبيد الثوب عن وجهه وقال يا ابن أخي إنك أدركت الناس وقد جعلت لهم شرطة يزعون بعضهم عن بعض ودار رزق تخرج الخادم بجرابها فتأتي برزق أهلها وبيت مال يأخذون منه أعطيتهم ولو أدركت طفيلا يوم يقول هذا لم تلمه
ثم استلقى وهو يقول أستغفر الله
فلم يزل يقول أستغفر الله حتى قام
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد قال مر لبيد بالكوفة على مجلس بني نهد وهو يتوكأ على محجن له فبعثوا إليه رسولا يسأله عن أشعر العرب فسأله فقال الملك الضليل ذو القروح
فرجع فأخبرهم فقالوا هذا امرؤ القيس
ثم رجع إليه فسأله ثم من فقال له الغلام المقتول من بني بكر
فرجع فأخبرهم فقالوا هذا طرفة
ثم رجع فسأله ثم من فقال ثم صاحب المحجن يعني نفسه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو عبيدة قال لم يقل لبيد في الإسلام إلا بيتا واحدا وهو - بسيط

(15/357)


( الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا )
أخبرني أحمد قال أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي قال حدثنا نصر بن دأب عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام
فأرسل إلى الأغلب الراجز العجلي فقال له أنشدني
فقال - رجز -
( أرجزا تريد أم قصيدا ... لقد طلبت هينا موجودا )
ثم أرسل إلى لبيد فقال أنشدني
فقال إن شئت ما عفي عنه يعني الجاهلية فقال لا أنشدني ما قلت في الإسلام
فانطلق فكتب سورة البقرة في صحيفة ثم أتى بها وقال أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر
فكتب بذلك المغيرة إلى عمر فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة فكتب الأغلب يا أمير المؤمنين أتنقص عطائي أن أطعتك فرد عليه خمسمائة وأقر عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة
قال أبو زيد وأراد معاوية أن ينقصه من عطائه لما ولي الخلافة وقال هذان الفودان يعني الألفين فما بال العلاوة يعني الخمسمائة
فقال له لبيد إنما أنا هامة اليوم أو غد فأعرني اسمها فلعلي لا أقبضها أبدا فتبقى لك العلاوة والفودان
فرق له وترك عطاءه على حاله فمات ولم يقبضه
وقال عمر بن شبة في خبره الذي ذكره عن عبد الله بن محمد بن حكيم

(15/358)


وأخبرني به إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قالا كان لبيد من جوداء العرب وكان قد آلى في الجاهلية أن لا تهب صبا إلا أطعم وكان له جفنتان يغدو بهما ويروح في كل يوم على مسجد قومه فيطعمهم فهبت الصبا يوما والوليد بن عقبة على الكوفة فصعد الوليد المنبر فخطب الناس ثم قال إن أخاكم لبيد بن ربيعة قد نذر في الجاهلية ألا تهب صبا إلا أطعم وهذا يوم من أيامه وقد هبت صبا فأعينوه وأنا أول من فعل
ثم نزل عن المنبر فأرسل إليه بمائة بكرة وكتب إليه بأبيات قالها - وافر -
( أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل )
( أشم الأنف أصيد عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل )
( وفى ابن الجعفري بحلفتيه ... على العلات والمال القليل )
( بنحر الكوم إذ سحبت عليه ... ذيول صبا تجاوب بالأصيل )
فلما بلغت أبياته لبيدا قال لابنته أجيبيه فلعمري لقد عشت برهة وما أعيا بجواب شاعر
فقالت ابنته - وافر -
( إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا )

(15/359)


( أشم الأنف أروع عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا )
( بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا )
( أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها فأطعمنا الثريدا )
( فعد إن الكريم له معاد ... وظني يا ابن أروى أن تعودا )
فقال لها لبيد أحسنت لولا أنك استطعمته
فقالت إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم
فقال وأنت يا بنية في هذه أشعر
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد ابن عمران الضبي قال حدثني القاسم بن يعلى عن المفضل الضبي قال قدم الفرزدق فمر بمسجد بني أقيصر وعليه رجل ينشد قول لبيد - كامل -
( وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها )
فسجد الفرزدق فقيل له ما هذا يا أبا فراس فقال أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب الثقفي وابن عياش ومسعر بن كدام كلهم عن عبد الملك بن عمير قال

(15/360)


أخبرني من أرسله القراء الأشراف قال الهيثم فقلت لابن عياش من القراء الأشراف قال سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري وخالد بن عرفطة الزهري ومسروق بن الأجدع الهمداني وهانئ بن عروة المرادي إلى لبيد ابن ربيعة وهو في المسجد وفي يده محجن فقلت يا أبا عقيل إخوانك يقرئونك السلام ويقولون أي العرب أشعر قال الملك الضليل ذو القروح
فردوني إليه وقولوا ومن ذو القروح قال امرؤ القيس
فأعادوني إليه وقالوا ثم من قال الغلام ابن ثماني عشرة سنة
فردوني إليه فقلت ومن هو فقال طرفة
فردوني إليه فقلت ثم من قال صاحب المحجن حيث يقول - رمل -
( إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل )
( أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل )
( من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل )
يعني نفسه
ثم قال أستغفر الله
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن ابن البواب قال جلس المعتصم يوما للشراب فغناه بعض المغنين قوله - رمل -
( وبنو العباس لا يأتون لا ... وعلى ألسنهم خفت نعم )
( زينت أحلامهم أحسابهم ... وكذاك الحلم زين للكرم )
فقال ما أعرف هذا الشعر فلمن هو قيل للبيد
فقال وما للبيد وبني العباس قال المغني إنما قال
( وبنو الديان لا يأتون ... )

(15/361)


فجعلته وبنو العباس
فاستحسن فعله ووصله
وكان يعجب بشعر لبيد فقال من منكم يروي قوله
( بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... ) - طويل -
فقال بعض الجلساء أنا
فقال أنشدنيها
فأنشد
( بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع )
( وقد كنت في أكناف جار مضنة ... ففارقني جار بأربد نافع )
فبكى المعتصم حتى جرت دموعه وترحم على المأمون وقال هكذا كان رحمة الله عليه ثم اندفع وهو ينشد باقيها ويقول
( فلا جزع إن فرق الدهر بيننا ... فكل امرىء يوما له الدهر فاجع )
( وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وبعد بلاقع )
( ويمضون أرسالا ونخلف بعدهم ... كما ضم إحدى الراحتين الأصابع )
( وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع )
( وما البر إلا مضمرات من التقى ... وما المال إلا عاريات ودائع )

(15/362)


( أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع )
( أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع )
( فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع )
( فلا تبعدن إن المنية موعد ... علينا فدان للطلوع وطالع )
( أعاذل ما يدريك إلا تظنيا ... إذا رحل الفتيان من هو راجع )
( أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى ... وأي كريم لم تصبه القوارع )
( لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع )
قال فعجبنا والله من حسن ألفاظه وصحة إنشاده وجودة اختياره
أخبرني الحسين بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه
وحدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال كان عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة فتفكر يوما في نفسه فقال والله ما ينبغي لمسلم أن يكون آمنا في جوار كافر ورسول الله خائف
فجاء إلى الوليد بن المغيرة فقال له أحب أن تبرأ من جواري
قال لعله رابك ريب
قال لا ولكن أحب أن تفعل
قال فاذهب بنا حتى أبرأ منك حيث أجرتك
فخرج معه إلى المسجد الحرام فلما وقف على جماعة قريش قال لهم هذا ابن مظعون قد كنت أجرته ثم سألني أن ابرأ منه أكذاك يا عثمان قال نعم
قال اشهدوا أني منه بريء
قال وجماعة يتحدثون من قريش معهم لبيد بن ربيعة ينشدهم فجلس عثمان مع القوم فأنشدهم لبيد - طويل -
( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... )

(15/363)


فقال له عثمان صدقت
فقال لبيد
( وكل نعيم لا محالة زائل ... )
فقال عثمان كذبت
فلم يدر القوم ما عنى
فأشار بعضهم إلى لبيد أن يعيد فأعاد فصدقه في النصف الأول وكذبه في الآخر لأن نعيم الجنة لا يزول
فقال لبيد يا معشر قريش ما كان مثل هذا يكون في مجلسكم
فقام أبي بن خلف أو ابنه فلطم وجه عثمان فقال له قائل لقد كنت في منعة من هذا بالأمس
فقال له ما أحوج عيني هذه الصحيحة إلى أن يصيبها ما أصاب الأخرى في الله
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش قال كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإشخاص الشعبي إليه فأشخصه فألزمه ولده وأمر بتخريجهم ومذاكرتهم قال فدعاني يوما في علته التي مات فيها فغص بلقمة وأنا بين يديه فتساند طويلا ثم قال أصبحت كما قال الشاعر - طويل -
( كأني وقد جاوزت سبعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجام )
( إذا ما رآني الناس قالوا ألم يكن ... شديد محال البطش غير كهام )
( رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... وكيف بمن يرمى وليس برام )
( ولو أنني أرمى بسهم رأيته ... ولكنني أرمى بغير سهام )
فقال الشعبي فقلت إنا لله استسلم الرجل والله للموت فقلت أصلحك الله ولكن مثلك ما قال لبيد - بسيط -
( باتت تشكى إلي الموت مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا )

(15/364)


( فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا )
فعاش إلى أن بلغ مائة تسعين سنة فقال - طويل -
( كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا )
فعاش إلى أن بلغ مائة وعشر سنين
قال - بسيط -
( أليس في مائة قد عاشها رجل ... وفي تكامل عشر بعدها عمر )
فعاش إلى أن بلغ مائة وعشرين سنة فقال - كامل -
( ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد )
( غلب الرجال وكان غير مغلب ... دهر جديد دائم ممدود )
( يوم أرى يأتي عليه وليلة ... وكلاهما بعد المضاء يعود )
ففرح واستبشر وقال ما أرى بأسا وقد وجدت خفا
وأمر لي بأربعة آلاف درهم فقبضتها وخرجت فما بلغت الباب حتى سمعت الواعية عليه
وغنى في هذه الأبيات التي أولها - كامل -
( غلب الرجال وكان غير مغلب ... )
عمر الوادي خفيف رمل مطلق بالوسطى عن عمرو
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا هارون بن مسلم عن العمري عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال

(15/365)


نظر النابغة الذبياني إلى لبيد بن ربيعة وهو صبي مع أعمامه على باب النعمان بن المنذر فسأل عنه فنسب له فقال يا غلام إن عينيك لعينا شاعر أفتقرض من الشعر شيئا قال نعم يا عم
قال فأنشدني شيئا مما قلته
فأنشده قوله - وافر -
( ألم تربع على الدمن الخوالي ... )
فقال له يا غلام أنت أشعر بني عامر زدني يا بني
فأنشده
( طلل لخولة بالرسيس قديم ... ) - كامل -
فضرب بيديه إلى جنبيه وقال اذهب فأنت أشعر من قيس كلها أو قال هوازن كلها
وأخبرني بهذا الخبر عمي قال حدثنا العمري عن لقيط عن أبيه وحماد الراوية عن عبد الله بن قتادة المحاربي قال كنت مع النابغة بباب النعمان بن المنذر فقال لي النابغة هل رأيت لبيد بن ربيعة فيمن حضر قلت نعم
قال أيهم أشعر قلت الفتى الذي رأيت من حاله كيت وكيت
فقال اجلس بنا حتى يخرج إلينا
قال فجلسنا فلما خرج قال له النابغة إلي يا ابن أخي
فأتاه فقال أنشدني
فأنشده قوله - وافر -
( ألم تلمم على الدمن الخوالي ... لسلمى بالمذانب فالقفال )
فقال له النابغة أنت أشعر بني عامر زدني
فأنشده - كامل -
( طلل لخولة بالرسيس قديم ... فبعاقل فالأنعمين رسوم )

(15/366)


فقال له أنت أشعر هوازن زدني فأنشده قوله - كامل -
( عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها )
فقال له النابغة اذهب فأنت أشعر العرب
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد أن لبيدا لما حضرته الوفاة قال لابن أخيه ولم يكن له ولد ذكر يا بني إن أباك لم يمت ولكنه فني
فإذا قبض أبوك فأقبله القبلة وسجه بثوبه ولا تصرخن عليه صارخة وانظر جفنتي اللتين كنت أصنعهما فاصنعهما ثم احملهما إلى المسجد فإذا سلم الإمام فقدمها إليهم فإذا طعموا فقل لهم فليحضروا جنازة أخيهم
ثم أنشد قوله - مجزوء الكامل -
( وإذا دفنت أباك فاجعل ... فوقه خشبا وطينا )
( وسقائفا صما رواسيها ... يسددن الغصونا )
( ليقين حر الوجه سفساف ... التراب ولن يقينا )
قال وهذه الأبيات من قصيدة طويلة
وقد ذكر يونس أن لابن سريج لحنا في أبيات من قصيدة لبيد هذه ولم يجنسه
صوت - مجزوء الكامل -
( أبني هل أبصرت أعمامي ... بني أم البنينا )

(15/367)


( وأبي الذي كان الأرامل ... في الشتاء له قطينا )
( وأبا شريك والمنازل في المضيق إذا لقينا )
( ما إن رأيت ولا سمعت ... بمثلهم في العالمينا )
( فبقيت بعدهم وكنت ... بطول صحبتهم ضنينا )
( دعني وما ملكت يميني ... إن سددت بها الشؤونا )
( وافعل بمالك ما بدا ... لك مستعانا أو معينا )
قال وقال لابنتيه حين احتضر وفيه غناء - طويل -
( تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر )
( فإن حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر )
( وقولا هو المرء الذي لا حليفه ... أضاع ولا خان الصديق ولا غدر )
( إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر )
في هذه الأبيات هزج خفيف مطلق في مجرى الوسطى
وذكر الهشامي أنه لإسحاق
وذكر أحمد بن يحيى أنه لإبراهيم
قال فكانت ابنتاه تلبسان ثيابهما في كل يوم ثم تأتيان مجلس بني

(15/368)


جعفر بن كلاب فترثيانه ولا تعولان فأقامتا على ذلك حولا ثم انصرفتا
صوت - وافر -
( سألناه الجزيل فما تأبى ... فأعطى فوق منيتنا وزادا )
( وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا )
( مرارا ما دنوت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا )
الشعر لزياد الأعجم والغناء لشارية خفيف رمل بالبنصر مطلق

(15/369)


25 - خبار زياد الأعجم ونسبه
زياد بن سليمان مولى عبد القيس أحد بني عامر بن الحارث ثم أحد بني مالك بن عامر الخارجية
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري
وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب قال هو زياد بن جابر بن عمرو مولى عبد القيس وكان ينزل إصطخر فغلبت العجمة على لسانه فقيل له الأعجم
وذكر ابن النطاح مثل ذلك في نسبه وخالف في بلده وذكر أن أصله ومولده ومنشأه بأصبهان ثم انتقل إلى خراسان فلم يزل بها حتى مات
وكان شاعرا جزل الشعر فصيح الألفاظ على لكنة لسانه وجريه على لفظ أهل بلده

(15/370)


أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثت عن المدائني أن زيادا الأعجم دعا غلاما له ليرسله في حاجة فأبطأ فلما جاءه قال له منذ لدن دأوتك إلى أن قلت لبي ما كنت تسنأ يريد منذ لدن دعوتك إلى إن قلت لبيك ماذا كنت تصنع
فهذه ألفاظه كما ترى في نهاية القبح واللكنة
وهو الذي يقول يرثي المغيرة بن المهلب بقوله - كامل -
صوت
( قل للقوافل والغزي إذا غزوا ... والباكرين وللمجد الرائح )
( إن المروءة والسماحة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح )
( فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح )
( وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح )

(15/371)


( يا من بمهوى الشمس من حي إلى ... ما بين مطلع قرنها المتنازح )
( مات المغيرة بعد طول تعرض ... للموت بين أسنة وصفائح )
( والقتل ليس إلى القتال ولا أرى ... حيا يؤخر للشفيق الناصح )
وهي طويلة
وهذا من نادر الكلام ونقي المعاني ومختار القصيد وهي معدودة من مراثي الشعراء في عصر زياد ومقدمها
لابن جامع في الأبيات الأربعة الأول غناء أوله نشيد كله ثم تعود الصنعة إلى الثاني والثالث في طريقة الهزج بالوسطى
وقد أخبرني علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب أن من الناس من يروي هذه القصيدة للصلتان العبدي
وهذا قول شاذ والصحيح أنها لزياد قد دونها الرواة غير مدفوع عنها
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال رثى زياد الأعجم المغيرة بن المهلب فقال - كامل -
( إن الشجاعة والسماحة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح )
( فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح )
فقال له يزيد بن المهلب يا أبا أمامة أفعقرت أنت عنده قال كنت على بنت

(15/372)


الهمار
يريد الحمار
أخبرني مالك بن محمد الشيباني قال كنت حاضرا في مجلس أبي العباس فقلت وقد قرئ عليه شعر زياد الأعجم فقرئت عليه قصيدته - كامل -
( قل للقوافل والغزي إذا غزوا ... والباكرين وللمجد الرائح )
قال فقلت إنها من مختار الشعر ولقد أنشدت لبعض المحدثين في نحو هذا المعنى أبياتا حسنة
ثم أنشدنا - خفيف -
( أيها الناعيان من تنعيان ... وعلى من أراكما تبكيان )
( اندبا الماجد الكريم أبا إسحاق ... رب المعروف والإحسان )
( واذهبا بي إن لم يكن لكما عقر ... إلى جنب قبره فاعقراني )
( وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان )
أخبرني وكيع قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي عن ابن عائشة عن أبيه قال كان المهلب بن أبي صفرة بخراسان فخرج إليه زياد الأعجم فمدحه فأمر له بجائزة فأقام عنده أياما
قال فإنا لبعشية نشرب مع حبيب بن المهلب في دار له وفيها حمامة إذ سجعت الحمامة فقال زياد - وافر -
( تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي إن لم تطاري )
( وبيتك فاصلحيه ولا تخافي ... على صفر مزغبة صغار )

(15/373)


( فإنك كلما غنيت صوتا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري )
( فإما يقتلوك طلبت ثأرا ... له نبأ لأنك في جواري )
فقال حبيب يا غلام هات القوس
فقال له زياد ما تصنع بها قال أرمي جارتك هذه
قال والله لئن رميتها لأستعدين عليك الأمير
فأتى بالقوس فنزع لها سهما فقتلها فوثب زياد فدخل على المهلب فحدثه الحديث وأنشده الشعر فقال المهلب علي بأبي بسطام فأتي بحبيب فقال له أعط أبا أمامة دية جارته ألف دينار
فقال أطال الله بقاء الأمير إنما كنت ألعب
قال أعطه كما آمرك
فأنشأ زياد يقول - طويل -
( فلله عينا من رأى كقضية ... قضى لي بها قرم العراق المهلب )
( رماها حبيب بن المهلب رمية ... فأثبتها بالسهم والسهم يغرب )
( فألزمه عقل القتيل ابن حرة ... وقال حبيب إنما كنت ألعب )
( فقال زياد لا يروع جاره ... وجارة جاري مثل جلدي وأقرب )
قال فحمل حبيب إليه ألف دينار على كره منه فإنه ليشرب مع حبيب يوما إذ عربد عليه حبيب وقد كان حبيب ضغن عليه مما جرى فأمر بشق قباء ديباج كان عليه فقام فقال - طويل -
( لعمرك ما الديباج خرقت وحده ... ولكنما خرقت جلد المهلب )
فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره وقال له صدق زياد ما خرقت إلا جلدي تبعث هذا على أن يهجوني
ثم بعث إليه فأحضره فاستل سخيمته من صدره وأمر له بمال وصرفه

(15/374)


وقد أخبرني وكيع بهذا الخبر أيضا
قال أحمد بن الهيثم بن فراس قال العمري عن الهيثم بن عدي قال تهاجى قتادة بن مغرب اليشكري وزياد الأعجم بخراسان وكان زياد يخرج وعليه قباء ديباج تشبها بالأعاجم فمر به يزيد بن المهلب وهو على حاله تلك فأمر به فقنع أسواطا ومزقت ثيابه وقال له أبأهل الكفر والشرك تتشبه لا أم لك فقال زياد - طويل -
( لعمرك ما الديباج خرقت وحده ... ولكنما خرقت جلد المهلب )
وذكر باقي الخبر مثله وقال فيه فدعا به المهلب فقال له يا أبا أمامة قلت شيئا آخر قال لا والله أيها الأمير
قال فلا تقل
وأعتبه وكساه وحمله وأمر له بعشرة آلاف درهم وقال له اعذر ابن أخيك يا أبا أمامة فإنه لم يعرفك
وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها زياد الأعجم في عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي
أخبرني بخبره في ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال أتى زياد الأعجم عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس وقدم عليه عراك بن محمد الفقيه من مصر فكان عراك يحدثه بحديث الفقهاء فقال زياد - طويل -
( يحدثنا أن القيامة قد أتت ... وجاء عراك يبتغي المال من مصر )
( فكم بين باب النوب إن كنت صادقا ... وإيوان كسرى من فلاة ومن قصر )

(15/375)


وقال يمدح عمر بن عبيد الله - وافر -
( سألناه الجزيل فما تأبى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا )
وذكر الأبيات الثلاثة
نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا أخبرني محمد بن زياد عن ابن عائشة
وأخبرني هاشم بن محمد قال حدثني عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة وخبر ابن أبي الدنيا أتم
قال كان زياد الأعجم صديقا لعمر بن عبيد الله بن معمر قبل أن يلي فقال له عمر يا أبا أمامة لو قد وليت لتركتك لا تحتاج إلى أحد أبدا
فلما ولي فارس قصده فلما لقيه أنشأ يقول - طويل -
( أبلغ أبا حفص رسالة ناصح ... أتت من زياد مستبينا كلامها )
( فإنك مثل الشمس لا ستر دونها ... فكيف أبا حفص علي ظلامها )
فقال له عمر لا يكون عليك ظلامها أبدا
فقال زياد - طويل -
( لقد كنت أدعو الله في السر أن أرى ... أمور معد في يديك نظامها )
فقال له قد رأيت ذلك
فقال
( فلما أتاني ما أردت تباشرت ... بناتي وقلن العام لا شك عامها )
قال فهو عامهن إن شاء الله تعالى
فقال
( فإني وأرضا أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرب لأرض حمامها )
قال فهي كذلك يا زياد
فقال
( إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يثقل علي مقامها )

(15/376)


( وكنت أمني النفس منك ابن معمر ... أماني أرجو أن يتم تمامها )
قال قد أتمها الله عليك
فقال
( فلا أك كالمجري إلى رأس غاية ... يرجي سماء لم يصبه غمامها )
قال لست كذلك فسل حاجتك
قال نجيبة ورحالتها وفرس رائع وسائسه وبدرة وحاملها وجارية وخادمها وتخت ثياب ووصيف يحمله
فقال قد أمرنا لك بجميع ما سألت وهو لك علينا في كل عام
فخرج من عنده حتى قدم على عبد الله بن الحشرج وهو بسابور فأنزله وألطفه فقال في ذلك - كامل -
( إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج )
( ملك أغر متوج ذو نائل ... للمعتفين يمينه لم تشنج )
( يا خير من صعد المنابر بالتقى ... بعد النبي المصطفى المتحرج )
( لما أتيتك راجيا لنوالكم ... ألفيت باب نوالكم لم يرتج )
فأمر له بعشرة آلاف درهم

(15/377)


أخبرنا محمد بن خلف وكيع عن عبد الله بن محمد عن عبيد بن الحسن بن عبد الرحمن بهذا الخبر فقال فيه أتى زياد عبد الله بن عامر بن كريز
والخبر الأول أصح
وزاد في الشعر - وافر -
( أخ لك لا تراه الدهر إلا ... على العلات بساما جوادا )
فقال له عمر أحسنت يا أبا أمامة ولك لكل بيت ألف
قال دعني أتمها مائة
قال أما إنك لو كنت فعلت لفعلت ولكن لك ما رزقت
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا ابن عائشة قال حدثني أبي قال لما خرج ابن الأشعث أرسل عبد الملك إلى عمر بن عبيد الله ابن معمر ليقدم عليه فلما كان بضمير وهي من الشأم مات بالطاعون فقام عبد الملك على قبره وقال أما والله لقد علمت قريش أن قد فقدت اليوم نابا من أنيابها
وقال جد خلاد بن أبي عمرو الأعمى وكانوا موالي أبي وجرة بن أبي عمرو بن أمية أهو اليوم ناب لما مات وكان أمس ضرسا كليلة أما والله لوددت أن السماء وقعت على الأرض فلم يعش بينهما أحد بعده وسمعها عبد الملك فتغافل عنها
قال وقال الفرزدق يرثيه - بسيط -
( يا أيها الناس لا تبكوا على أحد ... بعد الذي بضمير وافق القدرا )
( كانت يداه لنا سيفا نصول به ... على العدو وغيثا ينبت الشجرا )
( أما قريش أبا حفص فقد رزئت ... بالشام إذ فارقتك البأس والظفرا )
( من يقتل الجوع من بعد الشهيد ومن ... بالسيف يقتل كبش القوم إذ عكرا )
( إن النوائح لم يعددن في عمر ... ما كان فيه إذا المولى به افتخرا )
( إذا عددن فعالا أو له حسبا ... ويوم هيجاء يعشي بأسه البصرا )

(15/378)


( كم من جبان إلى الهيجا دنوت له ... يوم اللقاء ولولا أنت ما صبرا )
أخبرنا أحمد حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا حميد عن سليمان بن قتة قال بعث عمر بن عبيد الله ابن معمر إلى ابن عمر والقاسم بن محمد بألف دينار فأتيت عبد الله بن عمر وهو يغتسل في مستحم له فأخرج يده فصببتها في يده فقال وصلت رحما وقد جاءتنا على حاجة
وأتيت القاسم فأبى أن يقبلها فقالت لي امرأته إن كان القاسم ابن عمه فأنا لابنة عمه
فأعطيتها
قال فكان عمر يبعث بهذه الثياب العمرية يقسمها بين أهل المدينة فقال ابن عمر جزى الله من اقتنى هذه الثياب بالمدينة خيرا
وقال لي عمر لقد بلغني عن صاحبك شيء كرهته
قلت وما ذاك قال يعطي المهاجرين ألفا ألفا ويعطي الأنصار سبعمائة سبعمائة
فأخبرته فسوى بينهم
أخبرنا أحمد قال حدثنا أبو زيد قال كانت لرجل جارية يهواها فاحتاج إلى بيعها فابتاعها منه عمر بن عبيد الله بن معمر فلما قبض ثمنها أنشأت تقول - طويل -
( هنيئا لك المال الذي قد قبضته ... ولم يبق في كفي غير التحسر )
( فإني لحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التفكر )
فقال لا ترحلي
ثم قال
( ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري )
( عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر )
فقال قد شئت خذ الجارية وثمنها
فأخذها وانصرف
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن زياد

(15/379)


قال حدثني ابن عائشة قال استبطأ زياد الأعجم عمر بن عبيد الله بن معمر في زيارته إياه فقال - طويل -
( أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر )
( أصابتك عين في سماحك صلبة ... ويا رب عين صلبة تفلق الحجر )
( سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق يوما رقيناك بالسور )
فبلغته الأبيات فأرضاه وسرحه
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري قال حدثني من سمع حمادا الراوية يقول امتدح زياد الأعجم عباد بن الحصين الحبطي وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الذي يقال له القباع وطلب حاجة فلم يقضها فقال زياد - متقارب -
( سألت أبا جهضم حاجة ... وكنت أراه قريبا يسيرا )
( فلو أنني خفت منه الخلاف ... والمنع لي لم أسله نقيرا )
( وكيف الرجاء لما عنده ... وقد خالط البخل منه الضميرا )
( أقلني أبا جهضم حاجتي ... فإني امرؤ كان ظني غرورا )
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال مر يزيد بن حبناء الضبي بزياد الأعجم وهو ينشد شعرا قد هجا به قتادة بن مغرب فأفحش فيه فقال له يزيد بن حبناء ألم يأن لك أن ترعوي وتترك تمزيق أعراض قومك ويحك حتى متى تتمادى في الضلال

(15/380)


كأنك بالموت قد صبحك أو مساك فقال زياد فيه - طويل -
( يحذرني الموت ابن حبناء والفتى ... إلى الموت يغدو جاهدا ويروح )
( وكل امرىء لا بد للموت صائر ... وإن عاش دهرا في البلاد يسيح )
( فقل ليزيد يا ابن حبناء لا تعظ ... أخاك وعظ نفسا فأنت جنوح )
( تركت التقى والدين دين محمد ... لأهلي التقى والمسلمين يلوح )
( وتابعت مراق العراقين سادرا ... وأنت غليظ القصريين صحيح )
فقال له يزيد بن عاصم الشني قبحك الله أتهجو رجلا وعظك وأمرك بمعروف بمثل هذا الهجاء هلا كففت إذ لم تقبل أراه والله سيأتي على نفسك ثم لا تحبق فيك عنزان اذهب ويحك فأته واعتذر إليه لعله يقبل عذرك
فمشى إليه بجماعة من عبد القيس فشفعوا إليه فيه فقال لا تثريب لست واجدا عليه بعد يومي هذا
أخبرني أحمد بن علي قال سمعت جدي علي بن يحيى يحدث عن أبي الحسن عن رجل من جعفي قال كنت جالسا عند المهلب إذ أقبل رجل طويل مضطرب فلما رآه المهلب قال اللهم إني أعوذ بك من شره فجاء فقال أصلح الله الأمير إني قد مدحتك ببيت صفده مائة ألف درهم
فسكت المهلب فأعاد القول فقال له أنشده
فأنشده - طويل -
( فتى زاده السلطان في الخير رغبة ... إذا غير السلطان كل خليل )

(15/381)


فقال له المهلب يا أبا أمامة مائة ألف فوالله ما هي عندنا ولكن ثلاثون ألفا فيها عروض
وأمر له بها فإذا هو زياد الأعجم
أخبرني عمي قال حدثني الكراني وأبو العيناء عن القحذمي قال لقي الفرزدق زيادا الأعجم فقال له الفرزدق لقد هممت أن أهجو عبد القيس وأصف من فسوهم شيئا
قال له زياد كما أنت حتى أسمعك شيئا
ثم قال قل إن شئت أو أمسك
قال هات
قال - طويل -
( وما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصحا أراه في أديم الفرزدق )
( فإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق )
فقال له الفرزدق حسبك هلم نتتارك
قال ذاك إليك
وما عاوده بشيء
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا العتبى عن العباس بن هشام عن أبيه قال حدثني خراش وكان عالما راوية لأبي ولمؤرج ولجابر بن كلثوم قال أقبل الفرزدق وزياد ينشد الناس في المربد وقد اجتمعوا حوله فقال من هذا قيل الأعجم
فأقبل نحوه فقيل له هذا الفرزدق قد أقبل عليك
فقام فتلقاه وحيا كل واحد منهما صاحبه فقال له الفرزدق ما زالت تنازعني نفسي إلى هجاء عبد القيس منذ دهر
قال زياد وما

(15/382)


يدعوك إلى ذلك قال لأني رأيت الأشقري هجاكم فلم يصنع شيئا وأنا أشعر منه وقد عرفت الذي هيج بينك وبينه
قال وما هو قال إنكم اجتمعتم في قبة عبد الله بن الحشرج بخراسان فقلت له قد قلت شيئا فمن قال مثله فهو أشعر مني ومن لم يقل مثله ومد إلي عنقه فإني أشعر منه فقال لك وما قلت فقلت قلت - طويل -
( وقافية حذاء بت أحوكها ... إذا ما سهيل في السماء تلالا )
فقال لك الأشقري - طويل -
( وأقلف صلى بعد ما ناك أمه ... يرى ذاك في دين المجوس حلالا )
فأقبلت على من حضر فقلت يا لأم كعب أخزاها الله تعالى ما أنمها حين تخبر ابنها بقلفتي فضحك الناس وغلبت عليه في المجلس
فقال له زياد يا أبا فراس هب لي نفسك ساعة ولا تعجل حتى يأتيك رسولي بهديتي ثم ترى رأيك
وظن الفرزدق أنه سيهدي إليه شيئا يستكفه به فكتب إليه - طويل -
( وما ترك الهاجون لي إن أردته ... مصحا أراه في أديم الفرزدق )
( وما تركوا لحما يدقون عظمه ... لآكله ألقوه للمتعرق )
( سأحطم ما أبقوا له من عظامه ... فأنكت عظم الساق منه وأنتقي )

(15/383)


( فإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق )
فبعث إليه الفرزدق لا أهجو قوما أنت منهم أبدا
قال أبو المنذر زياد أهجى من كعب الأشقري وقد أوثر عليه في عدة قصائد
منها التي يقول فيها - متقارب -
( قبيلة خيرها شرها ... وأصدقها الكاذب الآثم )
( وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم )
وفيه يقول - طويل -
( إذا عذب الله الرجال بشعرهم ... أمنت لكعب أن يعذب بالشعر )
وفيه يقول - وافر -
( أتتك الأزد مصفرا لحاها ... تساقط من مناخرها الجواف )
أخبرني وكيع قال حدثني أحمد بن عمر بن بكير قال حدثنا الهيثم عن ابن عياش قال دخل أبو قلابة الجرمي مسجد البصرة وإذا زياد الأعجم فقال زياد من هذا قال أبو قلابة الجرمي فقام على رأسه فقال - طويل -
( قم صاغرا يا كهل جرم فإنما ... يقال لكهل الصدق قم غير صاغر )

(15/384)


( فإنك شيخ ميت ومورث ... قضاعة ميراث البسوس وقاشر )
( قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقية خلق الله آخر آخر )
( فلم تسمعوا إلا بما كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا بدق الحوافر )
( فلو رد أهل الحق من مات منكم ... إلى حقه لم تدفنوا في المقابر )
فقيل له فأين كانوا يدفنون يا أبا أمامة قال في النواويس

(15/385)


أخبار شارية
قال أبو الفرج علي بن الحسين
كانت شارية مولدة من مولدات البصرة يقال إن أباها كان رجلا من بني سامة بن لؤي المعروفين ببني ناجية وأنه جحدها وكانت أمها أمة فدخلت في الرق وقيل بل سرقت فبيعت فاشترتها امرأة من بني هاشم فأدبتها وعلمتها الغناء ثم اشتراها إبراهيم بن المهدي فأخذت غناءها كله أو أكثره عنه وبذلك يحتج من يقدمها على عريب ويقول إن

(16/5)


إبراهيم خرجها وكان يأخذها بصحة الأداء لنفسه وبمعرفة ما يأخذها به ولم تكن هذه حال عريب لأن المراكبي لم يكن يقارب إبراهيم في العلم ولا يقاس به في بعضه فضلا عن سائره
أخبرني بخبرها محمد بن إبراهيم قريض
أن ابن المعتز دفع إليه كتابه الذي ألفه في أخبارها وقال له أن يرويه عنه فنسخت منه ما كان يصلح لهذا الكتاب على شرطي فيه وأضفت إليه ما وجدته من أخبارها عن غيره في الكتب وسمعته أنا عمن رويته عنه
قال ابن المعتز حدثني عيسى بن هارون المنصوري
أن شارية كانت لامرأة من الهاشميات بصرية من ولد جعفر بن سليمان فحملتها لتبيعها ببغداد فعرضت على إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأعطى بها ثلثمائة دينار ثم استغلاها بذلك ولم يردها فجيء بها إلى إبراهيم بن المهدي فعرضت عليه فساوم بها فقالت له مولاتها قد بذلتها لإسحاق بن إبراهيم بثلثمائة دينار وأنت أيها الأمير أعزك الله بها أحق فقال زنوا لها ما قالت فوزن لها ثم دعا بقيمته فقال خذي هذه الجارية ولا ترينيها سنة وقولي للجواري يطرحن عليها فلما كان بعد سنة أخرجت إليه فنظر إليها وسمعها فأرسل إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي فدعاه وأراه إياها وأسمعه غناءها وقال هذه جارية تباع فبكم تأخذها

(16/6)


لنفسك قال إسحاق آخذها بثلاثة آلاف دينار وهي رخيصة بها قال له إبراهيم أتعرفها قال لا قال هذه الجارية التي عرضتها عليك الهاشمية بثلثمائة دينار فلم تقبل فبقي إسحاق متحيرا يعجب من حالها وما انقلبت إليه
وقال ابن المعتز حدثني الهشامي عن محمد بن راشد أن شارية كانت مولدة البصرة وكانت لها أم خبيثة منكرة تدعي أنها بنت محمد بن زيد من بني سامة بن لؤي
قال ابن المعتز وحدثني غيره أنها كانت تدعي أنها من بني زهرة
قال الهشامي فجيء بها إلى بغداد وعرضت على إبراهيم بن المهدي فأعجب بها إعجابا شديدا فلم يزل يعطي بها حتى بلغت ثمانية آلاف درهم فقال لي هبة الله بن إبراهيم بن المهدي إنه لم يكن عند أبي درهم ولا دانق فقال لي ويحك قد أعجبتني والله هذه الجارية إعجابا شديدا وليس عندنا شيء فقلت له نبيع ما نملكه حتى الخزف ونجمع ثمنها فقال لي قد فكرت في شيء اذهب إلى علي بن هشام فأقرئه مني السلام وقل له جعلني الله فداءك قد عرضت علي جارية قد أخذت بمجامع قلبي وليس عندي ثمنها فأحب أن تقرضني عشرة آلاف درهم فقلت له إن ثمنها ثمانية آلاف درهم فلم تكثر على الرجل بعشرة آلاف

(16/7)


درهم فقال إذا اشتريناها بثمانية آلاف درهم لا بد أن نكسوها ونقيم لها ما تحتاج إليه
فصرت إلى علي بن هشام فأبلغته الرسالة فدعا بوكيل له وقال له ادفع إلى خادمه عشرين ألفا وقل له أنا لا أصلك ولكن هي لك حلال في الدنيا والآخرة قال فصرت إلى أبي بالدراهم فلو طلعت عليه بالخلافة لم تكن تعدل عنده تلك الدراهم
وكانت أمها خبيثة فكانت كلما لم يعط إبراهيم ابنتها ما تشتهي ذهبت إلى عبد الوهاب بن علي ودفعت إليه رقعة يرفعها إلى المعتصم تسأله أن تأخذ ابنتها من إبراهيم
قال ابن المعتز وأخبرني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب قال ذكر يوسف بن إبراهيم المصري صاحب إبراهيم بن المهدي
أن إبراهيم وجه به إلى عبد الوهاب بن علي في حاجة كانت له قال فلقيته وانصرفت من عنده فلم أخرج من دهليز عبد الوهاب حتى استقبلتني امرأة فلما نظرت في وجهي سترت وجهها فأخبرني شاكري أن المرأة هي أم شارية جارية إبراهيم فبادرت إلى إبراهيم وقلت له أدرك فإني رأيت أم شارية في دار عبد الوهاب وهي من تعلم وما يفجؤك

(16/8)


إلا حيلة قد أوقعتها فقال لي في جواب ذلك أشهدك أن جاريتي شارية صدقة على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي ثم أشهد ابنة هبة الله على مثل ذلك وأمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دواد وإحضار من قدرت عليه من الشهود المعدلين عنده فأحضرته أكثر من عشرين شاهدا وأمر بإخراج شارية فخرجت فقال لها أسفري فجزعت من ذلك فأعلمها أنه إنما أمرها بذلك لخير يريده بها ففعلت فقال لها تسمي فقالت أنا شارية أمتك فقال لهم تأملوا وجهها ففعلوا ثم قال فإني أشهدكم أنها حرة لوجه الله تعالى وأني قد تزوجتها وأصدقتها عشرة آلاف درهم يا شارية مولاة إبراهيم بن المهدي أرضيت قالت نعم يا سيدي قد رضيت والحمد لله على ما أنعم به علي فأمرها بالدخول وأطعم الشهود وطيبهم وانصرفوا
فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دواد حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي فأقرأ عمه سلام المعتصم ثم قال له يقول لك يا أمير المؤمنين من المفترض علي طاعتك وصيانتك عن كل ما يعرك إذ كنت عمي وصنو أبي وقد رفعت إلي امرأة من قريش قصة ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة وأنها أم شارية واحتجت بأنه لا تكون بنت امرأة من قريش أمة

(16/9)


فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية بنتها وأنها من بني زهرة فمن المحال أن تكون شارية أمة والآشبه بك والأصلح إخراج شارية من دارك وسترها عند من تثق به من أهلك حتى نكشف ما قالت هذه المرأة فإن ثبت ما قالته أمرت من جعلتها عنده بإطلاقها وكان في ذلك الحظ لك في دينك ومروءتك وإن لم يصح ذلك أعيدت الجارية إلى منزلك وقد زال عنك القول الذي لا يليق بك ولا يحسن فقال له إبراهيم فديتك يا أبا إبراهيم هب شارية بنت زهرة بن كلاب أتنكر على ابن عباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها فقال عبد الوهاب لا فقال إبراهيم فأبلغ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السلامة وأخبره أن شارية حرة وأني قد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول
وقد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم صاروا إلى ابن أبي دواد فشم منهم من رائحة الطيب ما أنكره فسألهم عنه فأعلموه أنهم حضروا عتق شارية وتزوج إبراهيم إياها فركب إلى المعتصم فحدثه بالحديث معجبا له منه فقال ضل سعي عبد الوهاب ودخل عبد الوهاب على المعتصم فلما رآه يمشي في صحن الدار سد المعتصم أنف نفسه وقال يا عبد الوهاب أنا أشم رائحة صوف محرق وأحسب أن عمي لم يقنعه ردك إلا وعلى أذنك صوفة حتى أحرقها فشممت رائحتها منك فقال الأمر على ما ظن أمير المؤمنين وأقبح
ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم ابتاع إبراهيم من بنته ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم وستر ذلك عنها فكان عتقه إياها وهي في ملك غيره ثم ابتاعها من ميمونة فحل له فرجها فكان يطؤها على أنها أمته وهي تتوهم أنه يطؤها على أنها حرة فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد بنت خالد زوجته في الثمن فأظهرت خبرها وسئلت ميمونة وهبة الله عن الخبر فأخبرا به المعتصم فأمر المعتصم بابتياعها من ميمونة فابتيعت بخمسة آلاف

(16/10)


وخمسمائة دينار فحولت إلى داره فكانت في ملكه حتى توفي
قال ابن المعتز وقد قيل إن المعتصم ابتاعها بثلثمائة ألف درهم
قال وكان منصور بن محمد بن واضح يزعم أن إبراهيم اقترض ثمن شارية من ابنته وملكها إبراهيم ولها سبع سنين فرباها تربية الولد حتى لقد ذكرت أنها كانت في حجره جالسة وقد أعجب بصوت أخذته منه إذ طمثت أول طمثها فأحس بذلك فدعا قيمة له فأمرها بأن تأتيه بثوب خام فلفه عليها فقال احمليها فقد اقشعرت وأحسب برد الحش قد آذاها
قال وحدثت شارية أنها كانت معه في حراقة قد توسط بها دجلة في ليلة مقمرة وهي تغني إذ اندفعت فغنت
( لقد حثوا الجمال ليهربوا ... منا فلم يئلوا )
فقام إليها فأمسك فاها وقال أنت والله أحسن من الغريض وجها وغناء فما يؤمنني عليك أمسكي
قال وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يوما فقال له أتحب أن أسمعك شيئا لم تسمعه قط قال نعم فقال هاتوا شارية فخرجت فأمرها أن تغني لحن إسحاق
( هل بالديار التي حييتها أحد ... )

(16/11)


قال حمدون فغنتني شيئا لم أسمع مثله قط فقلت لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا فقال أتحب أن تسمعه أحسن من هذا فقلت لا يكون فقال بلى والله تقر بذاك فقلت على اسم الله فغناه هو فرأيت فضلا عجيبا فقلت ما ظننت أن هذا يفضل ذاك هذا الفضل قال أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذاك فقلت هذا الذي لا يكون فقال بلى والله فقلت فهات قال بحياتي يا شارية قوليه وأحيلي حلقك فيه فسمعت والله فضلا بينا فأكثرت التعجب فقال لي يا أبا جعفر ما أهون هذا على السامع تدري بالله كم مرة رددت عليها موضعا في هذا الصوت قلت لا قال فقل وأكثر قلت مائة مرة قال اصعد ما بدا لك قلت ثلثمائة قال أكثر والله من ألف مرة حتى قالته كذا
قال وكانت ريق تقول إن شارية كانت إذا اضطربت في صوت فغاية ما عنده من عقوبتها أنه يقيمها تغنيه على رجليها فإن لم تبلغ الذي يريد ضربت ريق
قال ويقال إن شارية لم تضرب بالعود إلا في أيام المتوكل لما اتصل الشر بينها وبين عريب فصارت تقعد بها عند الضرب فضربت هي بعد ذلك

(16/12)


إبراهيم يمتنع من بيعها
قال ابن المعتز وحدث محمد بن سهل بن عبد الكريم المعروف بسهل الأحول وكان قاضي الكتاب في زمانه وكان يكتب لإبراهيم وكان شيخا ثقة قال أعطى المعتصم إبراهيم بشارية سبعين ألف دينار فامتنع من بيعها فعاتبته على ذلك فلم يجبني بشيء ثم دعاني بعد أيام فدخلت وبين يديه مائدة لطيفة فأحضره الغلام سفودا فيه ثلاث فراريج فرمى إلي بواحدة فأكلتها وأكل اثنتين ثم شرب رطلا وسقانيه ثم أتي بسفود آخر ففعل كما فعل وشرب كما شرب وسقاني ثم ضرب سترا كان إلى جانبه فسمعت حركة العيدان ثم قال يا شارية تغني فسمعت شيئا ذهب بعقلي فقال يا سهل هذه التي عاتبتني في أن أبيعها بسبعين ألف دينار لا والله ولا هذه الساعة الواحدة بسبعين ألف دينار
قال وكانت شارية تقول إن أباها من قريش وإنها سرقت صغيرة فبيعت بالبصرة من امرأة هاشمية وباعتها من إبراهيم بن المهدي والله أعلم
أخبرني عمي قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال أمرني المعتز ذات يوم بالمقام عنده فأقمت فأمر فمدت الستارة وخرج

(16/13)


من كان يغني وراءها وفيهن شارية ولم أكن سمعتها قبل ذلك فاستحسنت ما سمعت منها فقال لي أمير المؤمنين المعتز يا عبيد الله كيف ما تسمع منها عندك فقلت حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب فاستحسن ذلك وأخبرها به فاستحسنته
قال ابن المعتز وأخبرني الهشامي قال قالت لي ريق كنت ألعب أنا وشارية بالنرد بين يدي إبراهيم وهو متكىء على مخدة ينظر إلينا فجرى بيني وبين شارية مشاجرة في اللعب فأغلظت لها في الكلام بعض الغلظة فاستوى إبراهيم جالسا وقال أراك تستخفين بها فوالله لا أحد يخلفك غيرها وأومأ إلى حلقه بيده
قال وحدثني الهشامي قال حدثني عمرو بن بانة قال حضرت يوما مجلس المعتصم وضربت الستارة وخرجت الجواري وكنت إلى جانب مخارق فغنت شارية فأحسنت جدا فقلت لمخارق هذه الجارية في حسن الغناء على ما تسمع ووجهها وجه حسن فكيف لم

(16/14)


يتحرم بها إبراهيم بن المهدي فقال لي أحد الحظوظ التي رفعت لهذا الخليفة منع إبراهيم بن المهدي من ذلك
قال عبد الله بن المعتز وحدثني أبو محمد الحسن بن يحيى أخو علي بن يحيى عن ريق قالت
استزار المعتصم من إبراهيم بن المهدي جواريه وكان في جفوة من السلطان تلك الأيام فنالته ضيقة قالت فتحمل ذهابنا إليه على ضعف فحضرنا مجلس المعتصم ونحن في سراويلات مرقعة فجعلنا نرى جواري المعتصم وما عليهن من الجوهر والثياب الفاخرة فلم تستجمع إلينا أنفسنا حتى غنوا وغنينا فطرب المعتصم على غنائنا ورآنا أمثل من جواريه فتحولت إلينا أنفسنا في التيه والصلف وأمر لنا المعتصم بمائة ألف درهم
غناؤها وكرمها
قال وحدثني أبو العبيس عن أبيه قال كانت شارية أحسن الناس غناء منذ توفي المعتصم إلى آخر خلافة الواثق

(16/15)


قال أبو العبيس وحدثتني ريق أن المعتصم افتضها وأنها كانت معها في تلك الليلة
قال أبو العبيس وحدثتني طباع جارية الواثق أن الواثق كان يسميها ستي وكانت تعلم فريدة فلم تبق في تعليمها غاية إلى أن وقع بينهما شيء بحضرة الواثق فحلفت أنها لا تنصحها ولا تنصح أحدا بعدها فلم تكن تطرح بعد ذلك صوتا إلا نقصت من نغمه وكان المعتمد قد تعشق شرة جاريتها وكانت أكمل الناس ملاحة وخفة روح وعجز عن شرائها فسأل أم المعتز أن تشتريها له فاشترتها من شارية بعشرة آلاف دينار وأهدتها إليه ثم تزوجت بعد وفاة المعتمد بابن البقال المغني وكان يتعشقها فقال عبد الله بن المعتز وكان يتعشقها
( أقول وقد ضاقت بأحزانها نفسي ... ألا رب تطليق قريب من العرس )
( لئن صرت للبقال يا شر زوجة ... فلا عجب قد يربض الكلب في الشمس )
وقال يعقوب بن بنان كانت شارية خاصة بصالح بن وصيف فلما بلغه رحيل موسى بن بغا من الجبل يريده بسبب قتله المعتز أودع شارية جوهره فظهر لها جوهر كثير بعد ذلك فلما أوقع موسى بصالح استترت شارية عند هارون بن شعيب العكبري وكان أنظف خلق الله طعاما وأسراه مائدة وأوسخه كل شيء بعد ذلك وكان له بسر من رأى منزل فيه بستان

(16/16)


كبير وكانت شارية تسميه أبي وتزوره إلى منزله فتحتمل معها كل شيء تحتاج إليه حتى الحصير الذي تقعد عليه
قال وكانت شارية من أكرم الناس عاشرها أبو الحسن علي بن الحسين عند هارون هذا ثم أضاق في وقت فاقترض منها على غير رهن عشرة آلاف دينار ومكثت عليه أكثر من سنة ما أذكرته بها ولا طالبته حتى ردها ابتداء
قال يعقوب بن بنان وكان أهل سر من رأى متحازبين فقوم مع شارية وقوم مع عريب لا يدخل أصحاب هذه مع هؤلاء ولا أصحاب هذه في هؤلاء فكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل عريبيا فدعا علي بن الحسين يوم جمعة أبا الصقر إسماعيل بن بلبل وعنده عريب وجواريها فاتصل الخبر بشارية فبعثت بجواريها إلى علي بن الحسين بعد يوم أو يومين وأمرت إحداهن وما أدري من هي مهرجان أو مطرب أو قمرية إلا أنها إحدى الثلاثة أن تغني قوله
( لا تعودن بعدها ... فترى كيف أصنع )
فلما سمع علي الغناء ضحك وقال لست أعود
قال وكان المعتمد قد وثق بشارية فلم يكن يأكل إلا طعامها فمكثت دهرا من الدهور تعد له في كل يوم جونتين وكان طعامه منهما في أيام المتوكل
قال ابن المعتز وحدثني أحمد بن نعيم عن ريق قالت كان مولاي إبراهيم يسمي شارية بنتي ويسميني أختي

(16/17)


حدثني جحظة قال كنت عند المعتمد يوما فغنته شارية بشعر مولاها إبراهيم بن المهدي ولحنه
( يا طول علة قلبي المعتاد ... إلف الكرام وصحبة الأمجاد )
فقال لها أحسنت والله فقالت هذا غنائي وأنا عارية فكيف لو كنت كاسية فأمر لها بألف ثوب من جميع أنواع الثياب الخاصية فحمل ذلك إليها فقال لي علي بن يحيى المنجم اجعل انصرافك معي ففعلت فقال لي هل بلغك أن خليفة أمر لمغنية بمثل ما أمر به أمير المؤمنين اليوم لشارية قلت لا فأمر بإخراج سير الخلفاء فأقبل بها الغلمان يحملونها في دفاتر عظام فتصفحناها كلها فما وجدنا أحدا قبله فعل ذلك
نسبة هذا الصوت
صوت
( يا طول علة قلبي المعتاد ... إلف الكرام وصحبة الأمجاد )
( ما زلت آلف كل قرم ماجد ... متقدم الآباء والأجداد )

(16/18)


الشعر لإبراهيم بن المهدي والغناء لعلويه - خفيف رمل - لشارية بالبنصر ولم يقع إلينا فيه طريقة غير هذه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني محمد بن مالك الخزاعي قال حدثتني ملح العطارة وكانت من أحسن الناس غناء وإنما سميت العطارة لكثرة استعمالها العطر المطيب قالت غنت شارية يوما بين يدي المتوكل وأنا واقفة مع الجواري
( بالله قولوا لي لمن ذا الرشا ... المثقل الردف الهضيم الحشا )
( أظرف ما كان إذا ما صحا ... وأملح الناس إذا ما انتشى )
( وقد بنى برج حمام له ... أرسل فيه طائرا مرعشا )
( يا ليتني كنت حماما له ... أو باشقا يفعل بي ما يشا )
( لو لبس القوهي من رقة ... أوجعه القوهي أو خدشا )
وهو - هزج - فطرب المتوكل وقال لشارية لمن هذا الغناء فقالت أخذته من دار المأمون ولا أدري لمن هو فقلت له أنا أعلم

(16/19)


لمن هو فقال لمن هو يا ملح فقلت أقوله لك سرا قال أنا في دار النساء وليس يحضرني إلا حرمي فقوليه فقلت الشعر والغناء جميعا لخديجة بنت المأمون قالته في خادم لأبيها كانت تهواه وغنت فيه هذا اللحن فأطرق طويلا ثم قال لا يسمع هذا منك أحد
صوت
( أحبك يا سلمى على غير ريبة ... وما خير حب لا تعف سرائره )
( أحبك حبا لا أعنف بعده ... محبا ولكني إذا ليم عاذره )
( وقد مات حبي أول الحب فانقضى ... ولو مت أضحى الحب قد مات آخره )
( ولما تناهى الحب في القلب واردا ... أقام وسدت فيه عنه مصادره )
الشعر للحسين بن مطير الأسدي والغناء لإسحاق هزج بالبنصر

(16/20)


أخبار الحسين بن مطير ونسبه
هو الحسين بن مطير بن مكمل مولى لبني أسد بن خزيمة ثم لبني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد وكان جده مكمل عبدا فأعتقه مولاه وقيل بل كاتبه فسعى في مكاتبته حتى أداها وأعتق وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية شاعر متقدم في القصيد والرجز فصيح قد مدح بني أمية وبني العباس
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن داود بن الجراح عن محمد بن الحسن بن الحرون أنه كان من ساكني زبالة وكان زيه وكلامه يشبه مذاهب الأعراب وأهل البادية وذلك بين في شعره
ومما يدل على إدراكه دولة بني أمية ومدحه إياهم ما أخبرنا به يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال أخبرني أبي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مروان بن أبي حفصة قال دخلت أنا وطريح بن

(16/21)


الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في عدة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها وإذا رجل كلما أنشد شاعر شعرا وقف الوليد على بيت بيت منه وقال هذا أخذه من موضع كذا وكذا وهذا المعنى نقله من شعر فلان حتى أتى على أكثر الشعراء فقلت من هذا قالوا هذا حماد الراوية فلما وقفت بين يدي الوليد لأنشده قلت ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحانة فتهانف الشيخ ثم قال يا بن أخي أنا رجل أكلم العامة وأتكلم بكلامها فهل تروي من أشعار العرب شيئا فذهب عني الشعر كله إلا شعر ابن مقبل فقلت نعم لابن مقبل فأنشدته
( سل الدار من جنبي جبر فواهب ... الى ما رأى هضب القليب المضيح )

(16/21)


ثم جزت فقال قف ماذا يقول فلم أدر ما يقول فقال يا بن أخي أنا أعلم الناس بكلام العرب يقال تراءى الموضعان إذا تقابلا
وفوده على معن بن زائدة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار والحسن بن علي ويحيى بن علي قالوا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي قال حدثني أبي
أن الحسين بن مطير وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن وقد مدحه فلما دخل عليه أنشده
( أتيتك إذ لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطي اللها والرغائبا )
فقال له معن يا أخا بني أسد ليس هذا بمدح إنما المدح قول نهار بن توسعة أخي بني تيم الله بن ثعلبة في مسمع بن مالك

(16/23)


( قلدته عرا الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور )
قال وأول هذا الشعر
( اظعني من هراة قد مر فيها ... حجج مذ سكنتها وشهور )
( اظعني نحو مسمع تجديه ... نعم ذو المنثنى ونعم المزور )
( سوف يكفيك إن نبت بك أرض ... بخراسان أو جفاك أمير )
( من بني الحصن عامل بن بريح ... لا قليل الندى ولا منزور )
( والذي يفزع الكماة إليه ... حين تدمى من الطعان النحور )
( فاصطنع يا بن مالك آل بكر ... واجبر العظم إنه مكسور )
فغدا إليه بأرجوزته التي مدحه بها وأولها
( حديث ريا حبذا إدلالها ... )
( تسأل عن حالي وما سؤالها ... )
( عن امرىء قد شفه خيالها ... )
( وهي شفاء النفس لو تنالها ... )
يقول فيها يمدحه
( سل سيوفا محدثا صقالها ... )
( صاب على أعدائه وبالها ... )
( وعند معن ذي الندى أمثالها ... )

(16/24)


فاستحسنها وأجزل صلته
أخبرني ابن عمار ويحيى بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو المثنى أحمد ابن يعقوب ابن أخت أبي بكر الأصم قال
كنا في مجلس الأصمعي فأنشده رجل لدعبل بن علي
( أين الشباب وأية سلكا ... )
فاستحسنا قوله
( لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى )
فقال الأصمعي هذا أخذه من قول الحسين بن مطير
( أين أهل القباب بالدهناء ... أين جيراننا على الأحساء )
( فارقونا والأرض ملبسة نور ... الأقاحي يجاد بالأنواء )
( كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء )
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني محمد بن القاسم الدينوري قال حدثني محمد بن عمران الضبي قال

(16/25)


أبياته تسهر المهدي
قال المهدي للمفضل الضبي أسهرتني البارحة أبيات الحسين بن مطير الأسدي قال وما هي يا أمير المؤمنين قال قوله
( وقد تغدر الدنيا فيضحي فقيرها ... غنيا ويغنى بعد بؤس فقيرها )
( فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها )
( وكم قد رأينا من تغير عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها )
فقال له المفضل مثل هذا فليسهرك يا أمير المؤمنين
وقد أخبرني بهذا الخبر عمي رحمه الله أتم من هذا قال نسخت من كتاب المفضل بن سلمة قال أبو عكرمة الضبي قال المفضل الضبي
كنت يوما جالسا على بابي وأنا محتاج إلى درهم وعلي عشرة آلاف درهم إذ جاءني رسول المهدي فقال أجب أمير المؤمنين فقلت ما بعث إلي في هذا الوقت إلا لسعاية ساع وتخوفته لخروجي كان مع إبراهيم بن

(16/26)


عبد الله بن حسن فدخلت منزلي فتطهرت ولبست ثوبين نظيفين وصرت إليه فلما مثلت بين يديه سلمت فرد علي وأمرني بالجلوس فلما سكن جأشي قال لي يا مفضل أي بيت قالته العرب أفخر فتشككت ساعة ثم قلت بيت الخنساء وكان مستلقيا فاستوى جالسا ثم قال وأي بيت هو قلت قولها
( وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار )
فأومأ إلى إسحاق بن بزيع ثم قال قد قلت له ذلك فأباه فقلت الصواب ما قاله أمير المؤمنين ثم قال حدثني يا مفضل قلت أي الحديث أعجب إلى أمير المؤمنين قال حديث النساء فحدثته حتى انتصف النهار ثم قال لي
يا مفضل أسهرني البارحة بيتا ابن مطير وأنشد البيتين المذكورين في الخبر الأول ثم قال ألهذين ثالث يا مفضل قلت نعم يا أمير المؤمنين فقال وما هو فأنشدته قوله
( وكم قد رأينا من تغير عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها )
وكان المهدي رقيقا فاستعبر ثم قال يا مفضل كيف حالك قلت كيف يكون حال من هو مأخوذ بعشرة آلاف درهم فأمر لي بثلاثين ألف درهم وقال اقض دينك وأصلح شأنك فقبضتها وانصرفت

(16/27)


مدحه المهدي
أخبرني يحيى بن علي عن علي بن يحيى إجازة وحدثنا الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم عن عبد الله بن أبي سعد قال حدثني إسحاق بن عيسى بن موسى بن مجمع أحد بني سوار بن الحارث الأسدي قال أخبرني جدي موسى بن مجمع قال
قال الحسين بن مطير في المهدي قصيدته التي يقول فيها
( إليك أمير المؤمنين تعسفت ... بنا البيد هوجاء النجاء خبوب )
( ولو لم يكن قدامها ما تقاذفت ... جبال بها مغبرة وسهوب )
( فتى هو من غير التخلق ماجد ... ومن غير تأديب الرجال أديب )
( علا خلقه خلق الرجال وخلقه ... إذا ضاق أخلاق الرجال رحيب )
( إذا شاهد القواد سار أمامهم ... جريء على ما يتقون وثوب )
( وإن غاب عنهم شاهدتهم مهابة ... بها يقهر الأعداء حين يغيب )
( يعف ويستحيي إذا كان خاليا ... كما عف واستحيا بحيث رقيب )
فلما أنشدها المهدي أمر له بسبعين ألف درهم وحصان جواد
وكان الحسين من الثعلبية وتلك داره بها قال ابن أبي سعد وأرانيها الشيخ

(16/28)


أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن إسحاق بن عيسى قال
دخل الحسين بن مطير على المهدي فأنشده قوله
( لو يعبد الناس يا مهدي أفضلهم ... ما كان في الناس إلا أنت معبود )
( أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صور الجود )
( لو أن من نوره مثقال خردلة ... في السود طرا إذن لابيضت السود )
فأمر له لكل بيت بألف درهم
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال حدثني أبي قال
خرج المهدي يوما فلقيه الحسين بن مطير فأنشده قوله
( أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صور الجود )
فقال كذبت يا فاسق وهل تركت من شعرك موضعا لأحد بعد قولك في معن بن زائدة حيث تقول
( ألما بمعن ثم قولا لقبره ... سقيت الغوادي مربعا ثم مربعا )

(16/29)


أخرجوه عني فأخرجوه
وتمام الأبيات
( أيا قبر معن كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للمكارم مضجعا )
( أيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا )
( بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا )
( فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه ممرعا )
( أبى ذكر معن أن تموت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماما ومصرعا )
أخبرني أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني علي بن عبيد الكوفي قال حدثني الحسين بن أبي الخصيب الكاتب عن أحمد بن يوسف الكاتب قال
كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلق على قفاه فقال لعبد الله بن طاهر يا أبا العباس من أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم قال أمير المؤمنين أعلم بهذا وأعلى عينا فقال له على ذاك فقل وتكلم أنت أيضا يا أحمد بن يوسف فقال عبد الله بن طاهر أشعرهم الذي يقول

(16/30)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية