صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

( فإن كنت عن بردي مستغنيا لقد ... أراك بأسمال الملابس كاسيا )
( وعشت زمانا أن أعينك كسوتي ... قنعت بأخلاق وأمسيت عاريا )
( وبردين من حوك العراق كسوتها ... على حاجة منها لأمك باديا ) - طويل -
فقال الأبيرد يهجو حارثه بن بدر
( زعمت غدانة أن فيها سيدا ... ضخما يواريه جناح الجندب )
( يرويه ما يروي الذباب وينتشي ... لؤما ويشبعه ذراع الأرنب ) - كامل -
وقال أيضا لحارثة بن بدر
( ألا ليت حظي من غدانة أنها ... تكون كفافا لا علي ولاليا )
( أبى الله أن يهدي غدانة للهدى ... وأن لا تكون الدهر إلا مواليا )
( فلو أنني ألقى ابن بدر بموطن ... نعد به من أولينا المساعيا )
( تقاصر حتى يستقيد وبذه ... قروم تسامى من رياح تساميا )
( أيا فارط الحي الذي قد حشا لكم ... من المجد أنهاء ملاء الخوابيا )

(13/142)


( وعمي الذي فك السميذع عنوة ... فلست بنعمى يا ابن عقرب جازيا )
( كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا )
( ألم ترنا إذ سقت قومك سائلا ... ذوي عدد للسائلين معاطيا )
( بني الردف حمالين كل عظيمة ... إذا طلعت والمترعين الجوابيا )
( وإنا لنعطي النصف من لو نضيمه ... أقر ولكنا نحب العوافيا ) - طويل -
الردف الذي عناه ها هنا جده عتاب بن هرمي بن رياح كان ردف ابن المنذر إذا ركب ركب وراءه وإذا جلس جلس عن يمينه وإذا غزا كان له المرباع وإذا شرب الملك سقي بكأسه بعده وكان بعده ابنه قيس بن عتاب يردف النعمان وهو جد الأبيرد أيضا
الابيرد وسعد العجلي
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان عن أبي عبيدة قال كانت بنو عجل قد جاورت بني رياح بن يربوع في سنة أصابت عجلا فكان الأبيرد يعاشر رجلا منهم يقال له سعد ويجالسه وكان قصده امرأة سعد هذا فمالت إليه فومقته وكان الأبيرد شابا جميلا ظريفا طريرا وكان سعد شيخا هما فذهب بها كل مذهب حتى ظهر أمرهما وتحدث بهما

(13/143)


واتهم الأبيرد بها فشكاه إلى قومه واستعذرهم منه فقالوا له مالك تتحدث إلى امرأة الرجل فقال وما بأس بذلك وهل خلا عربي منه قالوا قد قيل فيكما ما لا قرار عليه فاجتنب محادثتها وإياك أن تعاودها فقال الأبيرد إن سعدا لا خير فيه لزوجته قالوا وكيف ذلك قال لأني رأيته يأتي فرسه البلقاء ولا فضل فيه لامرأته فهي تبغضه لفعله وهو يتهمها لعجزه عنها فضحكوا من قوله وقالوا له وما عليك من ذلك دع الرجل وامرأته ولا تعاودها ولا تجلس إليها فقال الأبيرد في ذلك
( ألم تر أن ابن المعذر قد صحا ... وودع ما يلحى عليه عواذله )
( غدا ذو خلاخيل علي يلومني ... وما لوم عذال عليه خلاخله )
( فدع عنك هذا الحلي إن كنت لائمي ... فإني امرؤ لا تزدهيني صلاصله )
( إذا خطرت عنس به شدنية ... بمطرد الأرواح ناء مناهله )
( تبين أقوام سفاهة رأيهم ... ترحل عنهم وهو عف منازله )
( لهم مجلس كالردن يجمع مجلسا ... لئاما مساعيه كثيرا هتامله )
( تبرأت من سعد وخلة بيننا ... فلا هو معطيني ولا أنا سائله )

(13/144)


( متى تنتج البلقاء يا سعد أم متى ... تلقح من ذات الرباط حوائله )
( يحدث سعد أن زوجته زنت ... ويا سعد إن المرء تزنى حلائله )
( فإن تسم عيناها إلي فقد رأت ... فتى كحسام أخلصته صياقله )
( فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وأباجله ) - طويل -
وهذا البيت الأخير يروى للعجير السلولي ولأخت يزيد بن الطثرية فاعترضه سلمان العجلي فهجاه وهجا بني رياح فقال
( لعمرك إنني وبني رياح ... لكالعاوي فصادف سهم رام )
( يسوقون ابن وجرة مزمئرا ... ليحميهم وليس لهم بحام )
( وكم من شاعر لبني تميم ... قصير الباع من نفر لئام )
( كسونا إذ تخرق ملبساه ... دواهي يبترين من العظام )
( وإن يذكر طعامهم بشر ... فإن طعامهم شر الطعام )
( شريج من مني أبي سواج ... وآخر خالص من حيض آم )

(13/145)


( وسوداء المغابن من رياح ... على الكردوس كالفأس الكهام )
( إذا ما مر بالقعقاع ركب ... دعتهم من ينيك على الطعام )
( تداولها غواة الناس حتى ... تؤوب وقد مضى ليل التمام ) - وافر -
وقال الأبيرد أيضا مجيبا له
( عوى سلمان من جو فلاقى ... أخو أهل اليمامة سهم رامي )
( عوى من جبنه وشقي عجل ... عواء الذئب مختلط الظلام )
( بنو عجل أذل من المطايا ... ومن لخم الجزور على الثمام )
( تحيا المسلمون إذا تلاقوا ... وعجل ما تحيا بالسلام )
( إذا عجلية ولدت غلاما ... إلى عجل فقبح من غلام )
( يمص بثديها فرخ لئيم ... سلالة أعبد ورضيع آم )
( خبيث الريح ينشأ بالمخازي ... لئيم بين آباء لئام )
( أنا ابن الأكرمين بني تميم ... ذوي الآكال والهمم العظام )
( وكائن من رئيس قطرته ... عواملنا ومن ملك همام )
( وجيش قد ربعناه وقوم ... صبحناه بذي لجب لهام ) - وافر

(13/146)


وقال أيضا الأبيرد مجيبا له
( أخذنا بآفاق السماء فلم ندع ... لسلمان سلمان اليمامة منظرا )
( من القلح فساء ضروط يهره ... إذا الطير مرات على الدوح صرصرا )
( وأقلح عجلي كأن بخطمه ... نواجذ خنزير إذا ما تكشرا )
( يزل النوى عن ضرسه فيرده ... إلى عارض فيه القوادح أبخرا )
( إذا شرب العجلي نجس كأسه ... وظلت بكفي جأنب غير أزهرا )
( شديد سواد الوجه تحسب وجهه ... من الدم بين الشاربين مقيرا )
( إذا ما حساها لم تزده سماحة ... ولكن أرته أن يصر ويحصرا )
( فلا يشربن في الحي عجل فإنه ... إذا شرب العجلي أخنى وأهجرا )
( يقاسي نداماهم وتلقى أنوفهم ... من الجدع عند الكأس أمرا مذكرا )
( ولم تك في الإشراك عجل تذوقها ... ليالي يسبيها مقاول حميرا )
( وينفق فيها الحنظليون مالهم ... إذا ما سعى منهم سفيه تجبرا )

(13/147)


( ولكنها هانت وحرم شربها ... فمالت بنو عجل لما كان أكفرا )
( لعمري لئن أزننتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا ) - طويل -
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال كان مجائل بن مرة بن محكان السعدي وابن عم له يقال له عرادة وقد كان عرادة اشترى غنما له فأنهبها وكانت مائة شاة فاشترى مرة بن محكان مائة من الإبل فأنحر بعضها وأنهب باقيها وقال أبو عبيدة إنهما تفاخرا فغلبه مرة فقال الأبيرد لعرادة
( شرى مائة فأنهبها جميعا ... وبت تقسم الحذف النقادا ) - وافر -
فبعث عبيد الله بن زياد فأخذ مرة بن محكان فحبسه وقيده ووقع بعد ذلك من قومه لحاء فكانت بينهم شجاج ثم تكافأوا وتوافقوا على الديات فأنبئ مرة بن محكان وهو محبوس فعرف ذلك فتحمل جميعها في ماله فقال فيه الأبيرد
( لله عينا من رأى من مكبل ... كمرة إذ شدت عليه الأداهم )
( فأبلغ عبيد الله عني رسالة ... فإنك قاض بالحكومة عالم )
( فإن أنت عاقبت ابن محكان في الندى ... فعاقب هداك الله أعظم حاتم )

(13/148)


( تعاقب خرقا أن يجود بماله ... سعى في ثأى من قومه متفاقم )
( كأن دماء القوم إذ علقت به ... على مكفهر من ثنايا المخارم ) - طويل -
الابيرد والأحوص يحرضان على سحيم الرياحي
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثنا عمي قال أتى رجل الأبيرد الرياحي وابن عمه الأخوص وهما من رهط ردف الملك من بني رياح يطلب منهما قطرانا لإبله فقالا له إن أنت بلغت سحيم بن وثيل الرياحي هذا الشعر أعطيناك قطرانا فقال قولا فقالا اذهب فقل له
( فإن بداهتي وجراء حولي ... لذو شق على الحطم الحرون ) - وافر -
قال فلما أتاه وأنشد الشعر أخذ عصاه وانحدر في الوادي وجعل يقبل فيه ويدبر ويهمهم بالشعر ثم قال اذهب فقل لهما
( فإن علالتي وجراء حولي ... لذو شق على الضرع الظنون )
( أنا ابن الغر من سلفي رياح ... كنصل السيف وضاح الجبين )
( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني )
( وإن مكاننا من حميري ... مكان الليث من وسط العرين )

(13/149)


( وإن قناتنا مشظ شظاها ... شديد مدها عنق القرين )
قال الأصمعي إذا مسست شيئا خشنا فدخل في يدك قيل مشظت يدي والشظا ما تشظى منها
( وإني لا يعود إلي قرني ... غداة الغب إلا في قرين )
( بذي لبد يصد الركب عنه ... ولا تؤتى فريسته لحين )
( عذرت البزل إذ هي صاولتني ... فما بالي وبال ابني لبون )
( وماذا تبتغي الشعراء مني ... وقد جاوزت رأس الأربعين )
( أخو الخمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون )
( سأحيا ما حييت وإن ظهري ... لذو سند إلى نضد أمين ) - وافر -
قال فأتياه فاعتذرا إليه فقال إن أحدكم لا يرى أن يصنع شيئا حتى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بنا استطافة المهر الأرن فقالا له فهل إلى النزع من سبيل فقال إننا لم تبلغ أنسابنا

(13/150)


قال اليزيدي أبيات سحيم هذه من اختيارات الأصمعي
الابيرد يرثي أخاه
والقصيدة التي رثى بها الأبيرد أخاه بريدا وفي أولها الغناء المذكور من جيد الشعر ومختار المراثي المختار منها قوله
( تطاول ليلي لم أنمه تقلبا ... كأن فراشي حال من دونه الجمر )
( أراقب من ليل التمام نجومه ... لدن غاب قرن الشمس حتى بدا الفجر )
( تذكرت قرما بان منا بنصره ... ونائله يا حبذا ذلك الذكر )
( فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابتنا العذر )
( وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا لا بل الموت التفرق والهجر )
( أحقا عباد الله أن لست لاقيا ... بريدا طوال الدهر ما لألأ العفر )
( فتى إن استغنى تخرق في الغنى ... فإن قل مالا لم يؤد متنه الفقر )

(13/151)


( وسامى جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى أدرك العسر اليسر )
( ترى القوم في العزاء ينتظرونه ... إذا ضل رأي القوم أو حزب الأمر )
( فليتك كنت الحي في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي غيب القبر )
( فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السنة الشهباء قل بها القطر )
( كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة ... ولم يأتنا يوما بأخباره السفر )
( لعمري لنعم المرء عالى نعيه ... لنا ابن عزيز بعد ما قصر العصر )

(13/152)


( تمضت به الأخبار حتى تغلغلت ... ولم تثنه الأطباع دوني ولا الجدر )
( ولما نعى الناعي بريدا تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر )
( عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو سكرة طارت بهامته الخمر )
( إلى الله أشكو في بريد مصيبتي ... وبثي وأحزانا تضمنها الصدر )
( وقد كنت أستعفي إلهي إذا شكا ... من الأجر لي فيه وإن سرني الأجر )
( وما زال في عيني بعد غشاوة ... وسمعي عما كنت أسمعه وقر )
( على أنني أقنى الحياء وأتقي ... شماتة أعداء عيونهم خزر )
( فحياك عني الليل والصبح إذ بدا ... وهوج من الأرواح غدوتها شهر )

(13/153)


( سقى جدثا لو أستطيع سقيته ... بأود فرواه الروافد والقطر )
( ولا زال يرعى من بلاد ثوى بها ... نبات إذا صاب الربيع بها نضر )
( حلفت برب الرافعين أكفهم ... ورب الهدايا حيث حل بها النحر )
( ومجتمع الحجاج حيث توافقت ... رفاق من الآفاق تكبيرها جأر )
( يمين امرئ آلى وليس بكاذب ... وما في يمين قالها صادق وزر )
( لئن كان أمسى ابن المعذر قد ثوى ... بريد لنعم المرء غيبه القبر )
( هو الخلف المعروف والدين والتقى ... ومعسر حرب لا كهام ولا غمر )
( أقام فنادى أهله فتحملوا ... وصرمت الأسباب واختلط النجر )
( فتى كان يغلي اللحم نيئا ولحمه ... رخيص لجاديه إذا تنزل القدر )
( فتى الحي والأضياف إن روحتهم ... بليل وزاد السفر إن أرمل السفر )

(13/154)


( إذا جارة حلت لديه وفى بها ... فآبت ولم يهتك لجارته ستر )
( عفيف عن السوءات ما التبست به ... صليب فما يلفى لعود به كسر )
( سلكت سبيل العالمين فما لهم ... وراء الذي لاقيت معدى ولا قصر )
( وكل امرىء يوما سيلقى حمامه ... وإن نأت الدعوى وطال به العمر )
( وأبليت خيرا في الحياة وإنما ... ثوابك عندي اليوم أن ينطق الشعر ) - طويل -
وقال يرثيه أيضا وهي قصيدة طويلة
( إذا ذكرت نفسي بريدا تحاملت ... إلي ولم أملك لعيني مدمعا )
( وذكرنيك الناس حين تحاملوا ... علي وأضحوا جلد أجرب مولعا )
( فلا يبعدنك الله خير أخي امرىء ... فقد كنت طلاع النجاد سميذعا )

(13/155)


( وصولا لذي القربى بعيدا عن الخنى ... إذا ارتادك الجادي من الناس أمرعا )
( أخو ثقة لا ينتحي القوم دونه ... إذا القوم خالوا أو رجا الناس مطمعا )
( ولا يركب الوجناء دون رفيقه ... إذا القوم أزجوهن حسرى وظلعا ) - طويل -
صوت مخلع
( يا زائرينا من الخيام ... حياكما الله بالسلام )
( يحزنني أن أطفتما بي ... ولم تنالا سوى الكلام )
( بورك هارون من إمام ... بطاعة الله ذي اعتصام )
( له إلى ذي الجلال قربى ... ليست لعدل ولا إمام ) - مخلع البسيط -
الشعر لمنصور النمري والغناء لعبد الله بن طاهر رمل ذكر ذلك عبيد الله ابنه ولم ينسبه إلى الأصابع التي بنى عليها وفيه للرف خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة وفيه ثقيل أول بالبنصر مجهول الأصابع ذكر حبش أنه للرف أيضا

(13/156)


أخبار منصور النمري ونسبه
منصور بن الزبرقان بن سلمة وقيل منصور بن سلمة بن الزبرقان ابن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر بن سعد الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وإنما سمي عامر الضحيان لأنه كان سيد قومه وحاكمهم وكان يجلس لهم إذا أضحى النهار فسمي الضحيان وسمي جد منصور مطعم الكبش الرخم لأنه أطعم ناسا نزلوا به ونحر لهم ثم رفع رأسه فإذا رخم يحمن حول أضيافه فأمر بأن يذبح لهم كبش ويرمى به بين أيديهم ففعل ذلك فنزلن عليه فمزقنه فسمي مطعم الكبش الرخم وفي ذلك يقول أبو نعيجة النمري يمدح رجلا منهم
( أبوك زعيم بني قاسط ... وخالك ذو الكبش يقري الرخم ) - متقارب

(13/157)


وكان منصور شاعرا من شعراء الدولة العباسية من أهل الجزيرة وهو تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي وراويته وعنه أخذ ومن بحره استقى وبمذهبه تشبه والعتابي وصفه للفضل بن يحيى بن خالد وقرضه عنده حتى استقدمه من الجزيرة واستصحبه ثم وصله بالرشيد وجرت بعد ذلك بينه وبين العتابي وحشة حتى تهاجرا وتناقصا وسعى كل واحد منهما على هلاك صاحبه وأخبار ذلك تذكر في مواضعها من أخبارهما إن شاء الله تعالى وكان النمري قد مدح الفضل بقصيدة وهو مقيم بالجزيرة فأوصلها العتابي إليه واسترفده له وسأله استصحابه فأذن له في القدوم فحظي عنده وعرف مذهب الرشيد في الشعر وإرادته أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي بن أبي طالب عليهم السلام والطعن عليهم وعلم مغزاه في ذلك مما كان يبلغه من تقديم مروان بن أبي حفصة وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز فسلك مذهب مروان في ذلك ونحا نحوه ولم يصرح بالهجاء والسب كما كان يفعل مروان ولكنه حام ولم يقع وأومأ ولم يحقق لأنه كان يتشيع وكان مروان شديد العداوة لآل أبي طالب وكان ينطق عن نية قوية يقصد بها طلب الدنيا فلا يبقي ولا يذر
منصور النمري يمدح الرشيد
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثني عبد الله بن أبي سعد الكراني وأخبرني به عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد حديث محمد بن جعفر النحوي أنه قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي قال حدثنا ثابت ابن الحارث الجشمي قال
كان منصور النمري مصافيا للبرامكة وكان مسكنه بالشأم فكتب

(13/158)


يسألهم أن يذكروه للرشيد فذكروه ووصفوه فأحب أن يسمع كلامه فأمرهم بإقدامه فقدم ونزل عليهم فأخبروا الرشيد بموضعه وأمرهم بإحضاره وصادف دخوله إليه يوم نوبة مروان على ما سمعه من بيانه وكان مروان يقول قبل قدومه هذا شامي وأنا حجازي أفتراه يكون أشعر مني ودخله من ذلك ما يدخل مثله من الغم والحسد واستنشد الرشيد منصورا فأنشده
( أمير المؤمنين إليك خضنا ... غمار الهول من بلد شطير )
( بخوص كالأهلة خافقات ... تلين على السرى وعلى الهجير )
( حملن إليك أحمالا ثقالا ... ومثل الصخر الدر النثير )
( فقد وقف المديح بمنتهاه ... وغايته وصار إلى المصير )
( إلى من لا يشير إلى سواه ... إذا ذكر الندى كف المشير ) - وافر -
فقال مروان وددت والله أنه أخذ جائزتي وسكت
وذكر في القصيدة يحيى بن عبد الله بن حسن فقال
( يذلل من رقاب بني علي ... ومن ليس بالمن الصغير )
( مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير )

(13/159)


مروان ينشد الرشيد وعدم اهتمام النمري به
قال مروان فما برحت حتى أمرني هارون أمير المؤمنين أن أنشده وكان يتبسم في وقت ما كان ينشده النمري ويأخذ على بطنه وينظر إلى ما قال فأنشدته
( موسى وهارون هما اللذان ... في كتب الأخبار يوجدان )
( من ولد المهدي مهديان ... قدا عنانين على عنان )
( قد أطلق المهدي لي لساني ... وشد أزري ما به حباني )
( من اللجين ومن العقيان ... عيدية شاحطة الأثمان )
( لو خايلت دجلة بالألبان ... إذا لقيل اشتبه النهران ) - رجز -
قال فوالله ما عاج النمري بذلك ولا احتفل به فأومأ إلي هارون أن زده فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها
( خلوا الطريق لمعشر عاداتهم ... حطم المناكب كل يوم زحام )
( إرضوا بما قسم الإله لكم به ... ودعوا وراثة كل أصيد حام )
( أني يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام ) - كامل -
قال فوالله ما عاج بشيء منها وخرجت الجائزتان فأعطى مروان مائة ألف وأعطى النمري سبعين ألفا وقال أنت مزيد في ولد علي
قال ولقد تخلص النمري إلى شيء ليس عليه فيه شيء وهو قوله
( فإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلا فالندامة للكفور )

(13/160)


( وإن قالوا بنو بنت فحق ... وردوا ما يناسب للذكور ) - وافر -
قال فكان مروان يتأسف على هذا المعنى أن يكون قد سبقه إليه وإلى قوله
( وما لبني بنات من تراث ... مع الأعمام في ورق الزبور ) - وافر -
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الغنوي عن محمد بن محمد بن عبد الله بن آدم عن أبي معشر العبدي فذكر القصة قريبا مما ذكره محمد بن جعفر النحوي يزيد وينقص والمعنى متقارب
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان السلمي قال حدثني أحمد بن سيار الشيباني الشاعر قال كان هارون أمير المؤمنين يحتمل أن يمدح بما تمدح به الأنبياء فلا ينكر ذلك ولا يرده حتى دخل عليه نفر من الشعراء فيهم رجل من ولد زهير بن أبي سلمى فأفرط في مدحه حتى قال فيه
( فكأنه بعد الرسول رسول ... ) - كامل -
فغضب هارون ولم ينتفع به أحد يومئذ وحرم ذلك الشاعر فلم يعطه شيئا وأنشد منصور النمري قصيدة مدحه بها وهجا آل علي وثلبهم فضجر هارون وقال له يا ابن اللخناء أتظن أنك تتقرب إلي بهجاء قوم أبوهم أبي ونسبهم نسبي وأصلهم وفرعهم أصلي وفرعي فقال وما شهدنا إلا بما علمنا فازداد غضبه وأمر مسرورا فوجأ في عنقه وأخرج ثم وصل إليه يوما آخر بعد ذلك فأنشده
( بني حسن ورهط بني حسين ... عليكم بالسداد من الأمور )

(13/161)


( فقد ذقتم قراع بني أبيكم ... غداة الروع بالبيض الذكور )
( أحين شفوكم من كل وتر ... وضموكم إلى كنف وثير )
( وجادوكم على ظمإ شديد ... سقيتم من نوالهم الغزير )
( فما كان العقوق لهم جزاء ... بفعلهم وادى للثؤور )
( وإنك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحزون الضمير ) - وافر -
فقال له صدقت وإلا فعلي وعلي وأمر له بثلاثين ألف درهم
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال دخل مروان بن أبي حفصة وسلم الخاسر ومنصور النمري على الرشيد فأنشده مروان قصيدته التي يقول فيها
( أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام ) - كامل -
وأنشده سلم فقال

(13/162)


( حضر الرحيل وشدت الأحداج ... ) - كامل -
وأنشده النمري قصيدته التي يقول فيها
( إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع ) - بسيط -
فأمر لكل واحد منهم بمائة ألف درهم فقال له يحيى بن خالد يا أمير المؤمنين مروان شاعرك خاصة قد ألحقتم به قال فليزد مروان عشرة آلاف
إعجاب الرشيد بشعر النمري
أخبرني عمي قال أخبرنا ابن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال أخبرني أبو حاتم الطائي عن يحيى بن ضبيئة الطائي عن الفضل قال حضرت الرشيد وقد دخل منصور النمري عليه فأنشده
( ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع )
( بان الشباب وفاتتني بلذته ... صروف دهر وأيام لها خدع )
( ما كنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع ) - بسيط -
قال فتحرك الرشيد لذلك ثم قال أحسن والله لا يتهنأ أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب

(13/163)


أخبرني عمي قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن آدم العبدي عن أبي ثابت العبدي عن مروان بن أبي حفصة قال خرجنا مع الرشيد إلى بلاد الروم فظفر الرشيد وقد كاد أن يعطب لولا الله عز و جل ثم يزيد بن مزيد فقال لي وللنمري أنشدا فأنشدته قولي
( طرقتك زائرة فحي خيالها ... غراء تخلط بالحياء دلالها ) - كامل -
ووصفت الرجال من الأسرى كيف أسلموا نساءهم والظفر الذي رزقه فقال عدوا قصيدته فكانت مائة بيت فأمر لي بمائة ألف درهم ثم قال للنمري كيف رأيت فرسي فإني أنكرته فقال النمري
( مضز على فأس اللجام كأنه ... إذا ما اشتكت أيدي الجياد يطير )
( فظل على الصفصاف يوم تباشرت ... ضباع وذؤبان به ونسور )
( فأقسم لا ينسى لك الله أجرها ... إذا قسمت بين العباد أجور )
قال النمري ثم قلت في نفسي ما يمنعني من إذكاره بالجائزة فقلت
( إذا الغيث أكدى واقشعرت نجومه ... فغيث أمير المؤمنين مطير )

(13/164)


( وما حل هارون الخليفة بلدة ... فأخلفها غيث وكاد يضير ) - طويل -
فقال أذكرتني ورأيته متهللا لذلك قال فألحقني بمروان وأمر لي بمائة ألف درهم
أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان قال حدثني محمد الراوية المعروف بالبيدق وكان قصيرا فلقب بالبيدق لقصره وكان ينشد هارون أشعار المحدثين وكان أحسن خلق الله إنشادا قال دخلت على الرشيد وعنده الفضل بن الربيع ويزيد بن مزيد وبين يديه خوان لطيف عليه جديان ورغفان سميد ودجاجتان فقال لي أنشدني فأنشدته قصيدة النمري العينية فلما بلغت إلى قوله
( أي امرئ بات من هارون في سخط ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع )
( إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تتسع )
( إذا رفعت امرأ فالله يرفعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع )
( نفسي فداؤك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينها قرع ) - بسيط -
قال فرمى بالخوان بين يديه وصاح وقال هذا والله أطيب من كل طعام وكل شيء وبعث إليه بسبعة آلاف دينار فلم يعطني منها ما يرضيني

(13/165)


وشخص إلى رأس العين فأغضبني وأحفظني فأنشدت هارون قوله
( شاء من الناس راتع هامل ... يعللون النفوس بالباطل )
فلما بلغت إلى قوله
( إلا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل ) - منسرح -
قال أراه يحرض علي ابعثوا إليه من يجيء برأسه فكلمه فيه الفضل ابن الربيع فلم يغن كلامه شيئا وتوجه إليه الرسول فوافاه في اليوم الذي مات فيه ودفن قال وكان إنشاد محمد البيدق يطرب كما يطرب الغناء
سبب غضب الرشيد على النمري
أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الحسين الشيباني قال أخبرني منصور بن جمهور قال سألت العتابي عن سبب غضب الرشيد عليه فقال لي استقبلت منصورا النمري يوما من الأيام فرأيته مغموما واجما كئيبا فقلت له ما خبرك فقال تركت امرأتي تطلق وقد عسر عليها ولادها وهي يدي ورجلي والقيمة بأمري وأمر منزلي فقلت له لم لا تكتب على فرجها هارون الرشيد قال ليكون ماذا قال لتلد على المكان قال وكيف ذلك قلت لقولك

(13/166)


( إن أخلف الغيث لم تخلف مخايله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع ) - بسيط -
فقال لي يا كشخان والله لئن تخلصت امرأتي لأذكرن قولك هذا للرشيد فلما ولدت امرأته خبر الرشيد بما كان بيني وبينه فغضب الرشيد لذلك وأمر بطلبي فاستترت عند الفضل بن الربيع فلم يزل يسأل في حتى أذن لي في الظهور فلما دخلت عليه قال لي قد بلغني ما قلته للنمري فاعتذرت إليه حتى قبل ثم قلت والله يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذب علي إلا وقوفي على ميله إلى العلوية فإن أراد أمير المؤمنين أن أنشده شعره في مديحهم فعلت فقال أنشدني فأنشدته قوله
( شاء من الناس راتع هامل ... يعللون النفوس بالباطل ) - منسرح - حتى بلغت إلى قوله
( إلا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل )
فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال للفضل بن الربيع أحضره الساعة فبعث الفضل في ذلك فوجده قد توفي فأمر بنبشه ليحرقه فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني بعض الزينبيين قال حبس الرشيد منصورا النمري بسبب الرفض فتخلصه الفضل بن الربيع ثم بلغه شعره

(13/167)


في آل علي عليه السلام فقال للفضل اطلبه فستره الفضل عنده وجعل الرشيد يلح في طلبه حتى قال يوما للفضل ويحك يا فضل تفوتني النمري قال يا سيدي هو عندي قد حصلته قال فجئني به وكان الفضل قد أمره أن يطول شعره ويكثر مباشرة الشمس ليشحب وتسوء حالته ففعل فلما أراد إدخاله عليه ألبسه فروة مقلوبة وأدخله عليه وقد عفا شعره وساءت حالته فلما رآه قال السيف فقال الفضل يا سيدي من هذا الكلب حتى تأمر بقتله بحضرتك قال أليس هو القائل
( إلا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل )
فقال منصور لا يا سيدي ما أنا قائل هذا ولقد كذب علي ولكني القائل مخلع
( يا منزل الحي ذا المغاني ... انعم صباحا على بلاكا )
( هارون يا خير من يرجى ... لم يطع الله من عصاكا )
( في خير دين وخير دنيا ... من اتقى الله واتقاكا ) - مخلع بسيط -
فأمر بإطلاقه وتخلية سبيله فقال منصور يمدح الفضل بن الربيع
( رأيت الملك مذ آزرت ... قد قامت محانيه )
( هو الأوحد في الفضل ... فما يعرف ثانيه ) - هزج -
عفة النمري
أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني علي بن مسلم ابن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل قال اجتمع عند المأمون قبل

(13/168)


خلافته وذلك في أيام الرشيد منصور النمري والخريمي والعباس بن زفر وعنده جعفر بن يحيى فحضر الغداء فأتي المأمون بلون من الطعام فأكل منه فاستطابه فأمر به فوضع بين يدي جعفر بن يحيى فأصاب منه ثم أمر به فوضع بين يدي العباس فأكل منه ثم نحاه فأكل منه بعده الخريمي وغيره ولم يأكل منه النمري وذلك بعين المأمون فقال له لم لم تأكل فقال لئن أكلت ما أبقى هؤلاء إني لنهم قال فهل قلت في هذا شيئا قال نعم قلت
( لهفي أتطعمها قيسا وآكلها ... إني إذا لدنيء النفس والخطر )
( ما كان جدي ولا كان الهمام أبي ... ليأكلا سؤر عباس ولا زفر )
( شتان من سؤر عباس وفضلته ... وسؤر كلب مغطى العين بالوبر )
( ما زال يلقم والطباخ يلحظه ... وقد رأى لقما في الحلق بالعجر ) - بسيط -
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وعمي قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال أخبرني علقمة بن نصر بن واصل النمري قال سمعت أشياخنا يقولون إن منصور بن بجرة بن منصور بن صليل بن أشيم ابن قطن بن سعد بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر ابن قاسط قال هذه القصيدة
( ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع )
( بان الشباب وفاتتني بشرته ... صروف دهر وأيام لها خدع )

(13/169)


( ما كنت أول مسلوب شبيبته ... مكسو شيب فلا يذهب بك الجزع ) - بسيط -
فسمعها منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر الضحيان فاستحسنها فاستوهبها منه فوهبها له وكان منصور بن بجرة هذا موسرا لا يتصدى لمدح ولا يفد إلى أحد ولا ينتجعه بالشعر وكان هارون الرشيد قد جرد السيف في ربيعة فوجه منصور بن سلمة هذه القصيدة إلى الرشيد وكان رجلا تقتحمه العين جدا ويزدريه من رآه لدمامة خلقه فأمر الرشيد لما عرضت عليه بإحضار قائلها قال منصور فلما وصلت إليه عرفني الحاجب أنه لما عرضت عليه قرأها واختارها على جميع شعر الشعراء جميعا وأمره بإدخالي فلما قربت من حاجبه الفضل بن الربيع آزدراني لدمامة خلقي وكان قصيرا أزرق أحمر أعمش نحيفا قال فردني وأمر بإخراجي فأخرجت فمر بي ذات يوم يزيد بن مزيد الشيباني فصحت به يا أبا خالد أنا رجل من عشيرتك وقد لحقني ضيم وعذت بك فوقف فعرفته خبري وسألته أن يذكرني إذا مرت به رقعتي ويتلطف في إيصالي ففعل ذلك فلما دخلت على أمير المؤمنين أنشدته هذه القصيدة
( أتسلو وقد بان الشباب المزايل ... ) - طويل -
الرشيد يرفع السيف عن ربيعة
فقال لي غدا إن شاء الله آمر برفع السيف عن ربيعة وخرج يزيد يركض فما جاءت العصر من الغد حتى رفع السيف عن ربيعة بنصيبين وما يليها وأنشدته القصيدة فلما صرت إلى هذا الموضع

(13/170)


( يجرد فينا السيف من بين مارق ... وعان بجود كلهم متحامل )
قالوا فلما سمع الجلساء هذا البيت قالوا ذهب الأعرابي وافتضح فلما قلت
( وقد علم العدوان والجور والخنا ... بأنك عياف لهن مزايل )
( ولو علموا فينا بأمرك لم يكن ... ينال بريا بالأذى متناول )
( لنا منك أرحام ونعتد طاعة ... وبأسا إذا اصطك القنا والقنابل )
( وما يحفظ الأنساب مثلك حافظ ... ولا يصل الأرحام مثلك واصل )
( جعلناك فامنعنا معاذا ومفزعا ... لنا حين عضتنا الخطوب الجلائل )
( وأنت إذا عاذت بوجهك عوذ ... تطامن خوف واستقرت بلابل ) - طويل -
فقال الجلساء أحسن والله الأعرابي يا أمير المؤمنين فقال الرشيد يرفع السيف عن ربيعة ويحسن إليهم
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي ابن الحسن بن عبيد البكري قال أخبرني أبو خالد الطائي عن الفضل قال كنا عند الرشيد وعنده الكسائي فدخل إليه منصور النمري فقال له الرشيد أنشدني فأنشده قوله
( ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع )
فتحرك الرشيد ثم أنشده حتى انتهى إلى قوله

(13/171)


( ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع ) - بسيط -
فطرب الرشيد وقال أحسنت والله وصدقت لا والله لا يتهنا أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب وأمر له بجائزة سنية
الشعراء يتهكمون عليه لعدم شربه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد ابن عبد الله بن طهمان السلمي قال حدثني أحمد بن سنان البيساني وأخبرني عمي قال أخبرنا ابن أبي سعد قال حدثنا مسعود بن عيسى عن موسى بن عبد الله التميمي أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد وفيهم النمري وكانوا على نبيذ فأبى منصور أن يشرب معهم فقالوا له إنما تعاف الشرب لأنك رافضي وتسمع وتصغي إلى الغناء وليس تركك النبيذ من ورع فقال منصور
صوت
( خلا بين ندماني موضع مجلسي ... ولم يبق عندي للوصال نصيب )
( وردت على الساقي تفيض وربما ... رددت عليه الكاس وهي سليب )
( وأي امرئ لا يستهش إذا جرت ... عليه بنان كفهن خضيب ) - طويل -
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل مطلق من مجرى البنصر ومن الناس من ينسبه إلى مخارق هكذا في الخبر
قصيدة للعتابي كتبها للنمري
وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد

(13/172)


المبرد قال كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى منصور النمري قوله
( تقضت لبانات ولاح مشيب ... وأشفى على شمس النهار غروب )
( وودعت إخوان الصبا وتصرمت ... غواية قلب كان وهو طروب )
( وردت على الساقي تفيض وربما ... رددت عليه الكأس وهي سليب )
( ومما يهيج الشوق لي فيرده ... خفيف على أيدي القيان صخوب )
( عطون به حتى جرى في أديمه ... أصابيغ في لباتهن وطيب ) - طويل -
فأجابه النمري وقال
( أوحشة ندمانيك تبكي فربما ... تلاقيهما والحلم عنك عزوب )
( ترى خلفا من كل نيل وثروة ... سماع قيان عودهن قريب )
( يغنيك يا بنتي فتستصحب النهى ... وتحتازك الآفات حين أغيب )
( وإن امرأ أودى السماع بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب ) - طويل -
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد ابن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي أبو مسعر قال أتى النمري يزيد بن مزيد ويزيد يومئذ في إضاقة وعسرة فقال اسمع مني جعلت فداك فأنشده قصيدة له يقول فيها

(13/173)


( لو لم يكن لبني شيبان من حسب ... سوى يزيد لفاتوا الناس في الحسب )
( تأوي المكارم من بكر إلى ملك ... من آل شيبان يحويهن من كثب )
( أب وعم وأخوال مناصبهم ... في منبت النبع لا في منبت الغرب )
( إن أبا خالد لما جرى وجرت ... خيل الندى أحرز الأولى من القصب )
( لما تلغبهن الجري قدمه ... عتق مبين ومحض غير مؤتشب )
( إن الذين اغتزوا بالحر غرته ... كمغتزي الليث في عريسه الأشب )
( ضربا دراكا وشدات على عنق ... كأن إيقاعها النيران في الحطب )
( لا تقربن يزيدا عند صولته ... لكن إذا ما احتبى للجود فاقترب ) - بسيط -
فقال يزيد والله ما أصبح في بيت مالي شيء ولكن انظر يا غلام كم عندك فهاته فجاءه بمائه دينار وحلف أنه لا يملك يومئذ غيرها
تحسره على شبابه
وقد أخبرني عمي بهذ الخبر قال حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي قال حدثني عمي عن جدي قال قال لي منصور النمري كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد الله بن هشام بن عمرو التغلبي وقد وخطني الشيب يومئذ وعبيد الله شاب حديث السن فإذا أنا بقصرية

(13/174)


ظريفة قد وقفت فجعلت أنظر إليها وهي تنظر إلى عبيد الله بن هشام ثم انصرفت وقلت فيها
( لما رأيت سوام الشيب منتشرا ... في لمتي وعبيد الله لم يشب )
( سللت سهمين من عينيك فانتضلا ... على سبيبة ذي الأذيال والطرب )
( كذا الغواني نرى منهن قاصدة ... إلى الفروع معراة عن الخشب )
( ولا أنت أصبحت تعتديننا أربا ... ولا وعيشك ما أصبحت من أربي )
( إحدى وخمسين قد أنضيت جدتها ... تحول بيني وبين اللهو واللعب )
( لا تحسبني وإن أغضيت عن بصري ... غفلت عنك ولا عن شأنك العجب )
ثم عدلت عن ذلك فمدحت فيها يزيد بن مزيد فقلت
( لو لم يكن لبني شيبان من حسب ... سوى يزيد لفاقوا الناس بالحسب )
( لا تحسب الناس قد حابوا بني مطر ... إذ أسلم الجود فيهم عاقد الطنب )
( الجود أخشن لمسا يا بني مطر ... من أن تبزكموه كف مستلب )
( ما أعرف الناس أن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتي على النشب ) - بسيط

(13/175)


قال فأعطاني يزيد عشرة آلاف درهم
حدثني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي الحزنبل قال حدثني عمرو بن عثمان الموصلي قال حدثني ابن أبي روق الهمداني قال قال لي منصور النمري دخلت على الرشيد يوما ولم أكن أعددت له مدحا فوجدته نشيطا طيب النفس فرمت شيئا فما جاءني ونظر إلي مستنطقا فقلت
( إذا اعتاص المديح عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا )
( وعد بفنائه واجنح إليه ... تنل عرفا ولم تذلل سؤالا )
( فناء لا تزال به ركاب ... وضعن مدائحا وحملن مالا ) - وافر -
فقال والله لئن قصرت القول لقد أطلت المعنى وأمر لي بصلة سنية
صوت
( طربت إلى الحي الذين تحملوا ... ببرقة أحواذ وأنت طروب )
( فبت أسقاها سلافا مدامة ... لها في عظام الشاربين دبيب ) - طويل -
الشعر لعبد الله بن الحجاج الثعلبي والغناء لعلويه رمل بالوسطى عن الهشامي وفيه لسليم خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى

(13/176)


نسب عبد الله بن الحجاج وأخباره
هو عبد الله بن الحجاج بن محصن بن جندب بن نصر بن عمرو بن عبد غنم بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض ابن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر ويكنى أبا الأقرع شاعر فاتك شجاع من معدودي فرسان مضر ذوي البأس والنجدة فيهم وكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد على عبد الملك بن مروان فلما قتل عبد الملك بن مروان عمرا خرج مع نجدة بن عامر الحنفي ثم هرب فلحق بعبد الله بن الزبير فكان معه إلى أن قتل ثم جاء إلى عبد الملك متنكرا واحتال عليه حتى أمنه
وأخباره تذكر في ذلك وغيره ها هنا
أخبرني بخبره في تنقله من عسكر إلى عسكر ثم استئمانه جماعة من شيوخنا فذكروه متفرقا فابتدأت بأسانيدهم وجمعت خبره من روايتهم
فأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس ببعضه قال حدثني سليمان ابن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي وأخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا محمد بن معاوية الأسدي قال حدثنا محمد بن كناسة وأخبرني عمي قال حدثنا عبد الله

(13/177)


ابن أبي سعد قال حدثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل ونسخت بعض هذه الأخبار من نسخة أبي العباس ثعلب والألفاظ تختلف في بعضها والمعاني قريبة قالوا
كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي شجاعا فاتكا صعلوكا من صعاليك العرب وكان متسرعا إلى الفتن فكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد بن العاص فلما ظفر به عبد الملك هرب إلى ابن الزبير فكان معه حتى قتل ثم اندس إلى عبد الملك فكلم فيه فأمنه
احتياله في الدخول على عبد الملك
هذه رواية ثعلب وقال العنزي وابن أبي سعد في روايتهما لما قتل عبد الله بن الزبير وكان عبد الله بن الحجاج من أصحابه وشيعته احتال حتى دخل على عبد الملك بن مروان وهو يطعم الناس فدخل حجرة فقال له مالك يا هذا لا تأكل قال لا أستحل أن آكل حتى تأذن لي قال إني قد أذنت للناس جميعا قال لم أعلم فآكل بأمرك قال كل فأكل وعبد الملك ينظر إليه ويعجب من فعاله فلما أكل الناس وجلس عبد الملك في مجلسه وجلس خواصه بين يديه وتفرق الناس جاء عبد الله بن الحجاج فوقف بين يديه ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده
( أبلغ أمير المؤمنين فإنني ... مما لقيت من الحوادث موجع )
( منع القرار فجئت نحوك هاربا ... جيش يجر ومقنب يتلمع ) - كامل -
فقال عبد الملك وما خوفك لا أم لك لولا أنك مريب فقال عبد الله
( إن البلاد علي وهي عريضة ... وعرت مذاهبها وسد المطلع ) - كامل

(13/178)


فقال له عبد الملك ذلك بما كسبت يداك وما الله بظلالم للعبيد فقال عبد الله
( كنا تنحلنا البصائر مرة ... وإليك إذ عمي البصائر نرجع )
( إن الذي يعصيك منا بعدها ... من دينه وحياته متودع )
( آتي رضاك ولا أعود لمثلها ... وأطيع أمرك ما أمرت وأسمع )
( أعطي نصيحتي الخليفة ناخعا ... وخزامة الأنف المقود فأتبع ) - كامل -
فقال له عبد الملك هذا لا نقبله منك إلا بعد المعرفة بك وبذنبك فإذا عرفت الحوبة قبلنا التوبة فقال عبد الله
( ولقد وطئت بني سعيد وطأة ... وابن الزبير فعرشه متضعضع ) - كامل -
فقال عبد الملك لله الحمد والنمة على ذلك فقال عبد الله
( ما زلت تضرب منكبا عن منكب ... تعلو ويسفل غيركم ما يرفع )
( ووطئتم في الحرب حتى أصبحوا ... حدثا يكوس وغابرا يتجعجع )
( فحوى خلافتهم ولم يظلم بها ... ألقرم قرم بني قصي الأنزع )

(13/179)


( لا يستوي خاوي نجوم أفل ... والبدر منبلجا إذا ما يطلع )
( وضعت أمية واسطين لقومهم ... ووضعت وسطهم فنعم الموضع )
( بيت أبو العاصي بناه بربوة ... عالي المشارف عزه ما يدفع )
فقال له عبد الملك إن توريتك عن نفسك لتريبني فأي الفسقة أنت وماذا تريد فقال
( حربت أصيبيتي يد أرسلتها ... وإليك بعد معادها ما ترجع )
( وأرى الذي يرجو تراث محمد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع ) - كامل -
فقال عبد الملك ذلك جزاء أعداء الله فقال عبد الله بن الحجاج
( فانعش أصيبيتي الألاء كأنهم ... حجل تدرج بالشربة جوع ) - كامل -
فقال عبد الملك لا أنعشهم الله وأجاع أكبادهم ولا أبقى وليدا من نسلهم فإنهم نسل كافر فاجر لا يبالي ما صنع فقال عبد الله
( مال لهم مما يضن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع ) - كامل

(13/180)


فقال له عبد الملك لعلك أخذته من غير حله وأنفقته في غير حقه وأرصدت به لمشاقة أولياء الله وأعددته لمعاونة أعدائه فنزعه منك إذ استظهرت به على معصية الله فقال عبد الله
( أدنو لترحمني وتجبرفاقتي ... فأراك تدفعني فأين المدفع ) - كامل -
فتبسم عبد الملك وقال له إلى النار فمن أنت الآن قال أنا عبد الله بن الحجاج الثعلبي وقد وطئت دارك وأكلت طعامك وأنشدتك فإن قتلتني بعد ذلك فأنت وما تراه وأنت بما عليك في هذا عارف ثم عاد إلى إنشاده فقال
( ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع ) - كامل -
فنبذ عبد الملك إليه رداء كان على كتفه وقال البسه لا لبست فالتحف به ثم قال له عبد الملك أولى لك والله لقد طاولتك طمعا في أن يقوم بعض هؤلاء فيقتلك فأبى الله ذلك فلا تجاورني في بلد وانصرف آمنا قم حيث شئت
قال اليزيدي في خبره قال عبد الله بن الحجاج ما زلت أتعرف منه ما أكره حتى أنشدته قولي
( ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع )
فرمى عبد الملك مطرفه وقال البسه فلبسته

(13/181)


ثم قال آكل يا أمير المؤمنين قال كل فأكل حتى شبع ثم قال أمنت ورب الكعبة فقال كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج قال فأنا والله هو وقد أكلت طعامك ولبست ثيابك فأي خوف علي بعد ذلك فأمضى له الأمان
ونسخت من كتاب أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال
كان عبد الله بن الحجاج قد خرج مع نجدة بن عامر الحنفي الشاري فلما انقضى أمره هرب وضاقت عليه الأرض من شدة الطلب فقال في ذلك
( رأيت بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطرود كفة حابل )
( تودي إليه أن كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل ) - طويل -
التجاؤه إلى أحيح وهجاؤه بعد غدره به
قال ثم لجأ إلى أحيح بن خالد بن عقبة بن أبي معيط فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك فبعث إليه بالشرط فأخذ من دار أحيح فأتي به الوليد فحبسه فقال وهو في الحبس
( أقول وذاك فرط الشوق مني ... لعيني إذ نأت ظمياء فيضي )
( فما للقلب صبر يوم بانت ... وما للدمع يسفح من مغيض )
( كأن معتقا من أذرعات ... بماء سحابة خصر فضيض )

(13/182)


( بفيها إذ تخافتني حياء ... بسر لا تبوح به خفيض )
يقول فيها
( فإن يعرض أبو العباس عني ... ويركب بي عروضا عن عروض )
( ويجعل عرفه يوما لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض )
( فإني ذو غنى وكريم قوم ... وفي الأكفاء ذو وجه عريض )
( غلبت بني أبي العاصي سماحا ... وفي الحرب المذكرة العضوض )
( خرجت عليهم في كل يوم ... خروج القدح من كف المفيض )
( فدى لك من إذا ما جئت يوما ... تلقاني بجامعة ربوض )
( على جنب الخوان وذاك لؤم ... وبئست تحفة الشيخ المريض )
( كأني إذ فزعت إلى أحيح ... فزعت إلى مقوقية بيوض )
( إوزة غيضة لقحت كشافا ... لقحقحها إذا درجت نقيض ) - وافر -
قال فدخل أحيح على الوليد بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين أن عبد الله بن الحجاج قد هجاك قال بماذا فأنشده قوله
( فإن يعرض أبو العباس عني ... ويركب بي عروضا عن عروض )
( ويجعل عرفه يوما لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض )

(13/183)


فقال الوليد وأي هجاء هذا هو من بغيض إن أعرضت عنه أو أقبلت عليه أو أبغضته ثم ماذا فأنشده
( كأني إذ فزعت إلى أحيح ... فزعت إلى مقوقية بيوض ) - وافر - فضحك الوليد ثم قال ما أراه هجا غيرك فلما خرج من عنده أحيح أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجاج فأطلق وكان الوليد إذا رأى أحيحا ذكر قول عبد الله فيه فيضحك منه
هجاؤه لكثير بن شهاب
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا خلاد بن يزيد الأرقط عن سالم بن قتيبة وحدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال حدثني غير واحد منهم عبد الرحمن بن محمد الطلحي قال حدثني أحمد بن معاوية قال سمعت أبا علقمة الثقفي يحدث قال أبو زيد وفي حديث بعضهم ما ليس في حديث الآخر وقد ألفت ذلك قال كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب على ثغر الري ولاه إياه المغيرة بن شعبة إذ كان خليفة معاوية على الكوفة وكان عبد الله بن الحجاج معه فأغار الناس على الديلم فأصاب عبد الله بن الحجاج رجلا منهم فأخذ سلبه فانتزعه منه كثير وأمر بضربه فضرب مائة سوط وحبس فقال عبد الله في ذلك وهو محبوس
( تسائل سلمى عن أبيها صحابه ... وقد علقته من كثير حبائل )
( فلا تسألي عني الرفاق فإنه ... بأبهر لا غاز ولا هو قافل )

(13/184)


( ألست ضربت الديلمي أمامهم ... فجدلته فيه سنان وعامل ) - طويل -
فمكث في الحبس مدة ثم أخلي سبيله فقال
( سأترك ثغر الري ما كنت واليا ... عليه لأمر غالني وشجاني )
( فإن أنا لم أدرك بثأري وأتئر ... فلا تدعني للصيد من غطفان )
( تمنيتني يا ابن الحصين سفاهة ... ومالك بي يا ابن الحصين يدان )
( فإني زعيم أن أجلل عاجلا ... بسيفي كفاحا هامة ابن قنان ) - طويل -
قال فلما عزل كثير وقدم الكوفة كمن له عبد الله بن الحجاج في سوق التمارين وذلك في خلافة معاوية وإمارة المغيرة بن شعبة على الكوفة وكان كثير يخرج من منزله إلى القصر ليحدث المغيرة فخرج يوما من داره إلى المغيرة يحدثه فأطال وخرج من عنده ممسيا يريد داره فضربه عبد الله بعمود حديد على وجهه فهتم مقاديم أسنانه كلها وقال في ذلك
( من مبلغ قيسا وخندف أنني ... ضربت كثيرا مضرب الظربان )
( فأقسم لا تنفك ضربة وجهه ... تذل وتخزي الدهر كل يمان )
( فإن تلقني تلق امرأ قد لقيته ... سريعاإلى الهيجاء غير جبان )

(13/185)


( وتلق امرأ لم تلق أمك بره ... على سابح غوج اللبان حصان )
( وحولي من قيس وخندف عصبة ... كرام على البأساء والحدثان )
( وإن تك للسنخ الذي غص بالحصى ... فإني لقرم يا كثير هجان )
( أنا ابن بني قيس علي تعطفت ... بغيض بن ريث بعد آل دجان ) - طويل -
وقال في ذلك أيضا عبد الله بن الحجاج
( من مبلغ قيسا وخندف أنني ... أدركت مظلمتي من ابن شهاب )
( أدركته أجري على محبوكة ... سرح الجراء طويلة الأقراب )
( جرداء سرحوب كأن هويها ... تعلو بجؤجئها هوي عقاب )
( خضت الظلام وقد بدت لي عورة ... منه فأضربه على الأنياب )
( فتركته يكبو لفيه وأنفه ... ذهل الجنان مضرج الأثواب )
( هلا خشيت وأنت عاد ظالم ... بقصور أبهر نصرتي وعقابي )
( إذ تستحل وكان ذاك محرما ... جلدي وتنزع ظالما أثوابي )
( ما ضره والحر يطلب وتره ... بأشم لا رعش ولا قبقاب ) - كامل

(13/186)


انتصار معاوية لعبد الله بن الحجاج
قال فكتب ناس من اليمانية من أهل الكوفة إلى معاوية إن سيدنا ضربه خسيس من غطفان فإن رأيت أن تقيدنا من أسماء بن خارجة فلما قرأ معاوية الكتاب قال ما رأيت كاليوم كتاب قوم أحمق من هؤلاء وحبس عبد الله بن الحجاج وكتب إليهم إن القود ممن لم يجن محظور والجاني محبوس حبسته فليقتص منه المجني عليه فقال كثير بن شهاب لا أستقيدها إلا من سيد مضر فبلغ قوله معاوية فغضب وقال أنا سيد مضر فليستقدها مني وأمن عبد الله بن الحجاج وأطلقه وأبطل ما فعله بابن شهاب فلم يقتص ولا أخذ له عقلا
قال أبو زيد وقال خلاد الأرقط في حديثه إن عبد الله بن الحجاج لما ضربه بالعمود قال له أنا عبد الله بن الحجاج صاحبك بالري وقد قابلتك بما فعلت بي ولم أكن لأكتمك نفسي وأقسم بالله لئن طالبت فيها بقود لأقتلنك فقال له أنا أقتص من مثلك والله لا أرضى بالقصاص إلا من أسماء بن خارجة وتكلمت اليمانية وتحارب الناس بالكوفة فكتب معاوية إلى المغيرة أن أحضر كثيرا وعبد الله بن الحجاج فلا يبرحان من مجلسك حتى يقتص كثير أو يعفو فأحضرهما المغيرة فقال قد عفوت وذلك لخوفه من عبد الله بن الحجاج أن يغتاله قال وقال لي يا أبا الأقيرع والله لا نلتقي أنت ونحن جميعا أهتمان وقد عفوت عنك
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال كان لعبد الله بن الحجاج ابنان يقال لأحدهما عوين والثاني جندب فمات جندب وعبد الله حي فدفنه بظهر الكوفة فمر أخوه عوين بحراث إلى جانب قبر جندب

(13/187)


فنهاه أن يقربه بفدانه وحذره ذلك فلما كان الغد وجده قد حرث جانبه وقد نبشه وأضر به فشد عليه فضربه بالسيف وعقر فدانه وقال
( أقول لحراثي حريمي جنبا ... فدانيكما لا تحرثا قبر جندب )
( فإنكما إن تحرثاه تشردا ... ويذهب فدان منكما كل مذهب ) - طويل -
استعطافه عبد الملك
قال فأخذ عوين فاعتقله السجان فضربه حتى شغله بنفسه ثم هرب فوفد أبوه إلى عبد الملك فاستوهب جرمه فوهبه وأمر بألا يتعقب فقال عبد الله بن الحجاج يذكر ما كان من ابنه عوين
( لمثلك يا عوين فدتك نفسي ... نجا من كربة إن كان ناجي )
( عرفتك من مصاص السنخ لما ... تركت ابن العكامس في العجاج )
قال ولما وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد الملك بسبب ما كان من ابنه عوين مثل بين يديه فأنشده
( يابن أبي العاصي ويا خير فتى ... أنت النجيب والخيار المصطفى )
( أنت الذي لم تدع الأمر سدى ... حين كشفت الظلمات بالهدى )
( ما زلت إن ناز على الأمر انتزى ... قضيته إن القضاء قد مضى )
( كما أذقت ابن سعيد إذ عصى ... وابن الزبير إذ تسمى وطغى )

(13/188)


( وأنت إن عد قديم وبنى ... من عبد شمس في الشماريخ العلى )
( جيبت قريش عنكم جوب الرحى ... هل أنت عاف عن طريد قد غوى )
( أهوى على مهواة بئر فهوى ... رمى به جول إلى جول الرجا )
( فتجبر اليوم به شيخا ذوى ... يعوي مع الذئب إذ الذئب عوى )
( وإن أراد النوم لم يقض الكرى ... من هول ما لاقى وأهوال الردى )
( يشكر ذاك ما نفت عين قذى ... نفسي وآبائي لك اليوم الفدا ) - رجز -
فأمر عبد الملك بتحمل ما يلزم ابنه من غرم وعقل وأمنه
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد العزيز بن مروان ومدحه فأجزل صلته وأمره بأن يقيم عنده ففعل فلما طال مقامه اشتاق إلى الكوفة وإلى أهله فاستأذن عبد العزيز فلم يأذن له فخرج من عنده غاضبا فكتب عبد العزيز إلى أخيه بشر أن يمنعه عطاءه فمنعه ورجع عبد الله لما أضر به ذلك إلى عبد العزيز وقال يمدحه
( تركت ابن ليلى ضلة وحريمه ... وعند ابن ليلى معقل ومعول )
( ألم يهدني أن المراغم واسع ... وأن الديار بالمقيم تنقل )

(13/189)


( سأحكم أمري إن بدا لي رشده ... وأختار أهل الخير إن كنت أعقل )
( وأترك أوطاري وألحق بامرىء ... تحلب كفاه الندى حين يسأل )
( أبت لك يا عبد العزيز مآثر ... وجري شأى جري الجياد وأول )
( أبي لك إذ أكدوا وقل عطاؤهم ... مواهب فياض ومجد مؤثل )
( أبوك الذي ينميك مروان للعلى ... وسعد الفتى بالخال لا من يخول ) - طويل -
فقال له عبد العزيز أما إذ عرفت موضع خطئك واعتزمت به فقد صفحت عنك وأمر باطلاق عطائه ووصله وقال له أقم ما شئت عندنا أو انصرف مأذونا لك إذا شئت
ونسخت من كتابه أيضا
كان عمر بن هبيرة بن معية بن سكين قد ظلم عبد الله بن الحجاج حقا له واستعان عليه بقومه فلقوه في بعلبك فعاونوا عبد الله بن الحجاج عليه وفرقوه بالسياط حتى انتزعوا حقه منه فقال عبد الله في ذلك
( ألا أبلغ بني سعد رسولا ... ودونهم بسيطة فالمعاط )
( أميطوا عنكم ضرط ابن ضرط ... فإن الخبث مثلهم يماط )

(13/190)


( ولي حق فراطة أولينا ... قديما والحقوق لها افتراط )
( فما زالت مباسطتي ومجدي ... وما زال التهايط والمياط )
( وجدي بالسياط عليك حتى ... تركت وفي ذناباك انبساط )
( متى ما تعترض يوما لحقي ... تلاقك دونه سعر سباط )
( من الحيين ثعلبة بن سعد ... ومرة أخذ جمعهم اعتباط )
( تراهم في البيوت وهم كسالى ... وفي الهيجا إذا هيجوا نشاط ) - وافر -
والقصيدة التي فيها الغناء بذكر أمر عبد الله بن الحجاج أولها
( نأتك ولم تخش الفراق جنوب ... وشطت نوى بالضاعنين شعوب )
( طربت إلى الحي الذين تحملوا ... ببرقة أحواز وأنت طروب )
( فظلت كأني ساورتني مدامة ... تمنى بها شكس الطباع أريب )
( تمر وتستحلي على ذاك شربها ... لوجه أخيها في الإناء قطوب )
( كميت إذا صبت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب )
( تذكرت ذكرى من جنوب مصيبة ... ومالك من ذكرى جنوب نصيب )
( وأنى ترجي الوصل منها وقد نأت ... وتبخل بالموجود وهي قريب )
( فما فوق وجدي إذ نأت وجد واجد ... من الناس لو كانت بذاك تثيب )

(13/191)


( برهرهة خود كأن ثيابها ... على الشمس تبدو تارة وتغيب )
وهي قصيدة طويلة
الحجاج يحرض عبد الملك عليه
ونسخت من كتاب ثعلب عن ابن الأعرابي قال كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يعرفه آثار عبد الله بن الحجاج وبلاءه من محاربته وأنه بلغه أنه أمنه ويحرضه ويسأله أن يوفده إليه ليتولى قتله وبلغ ذلك عبد الله بن الحجاج فجاء حتى وقف بين يدي عبد الملك ثم أنشده
( أعوذ بثوبيك اللذين ارتداهما ... كريم الثنا من جيبه المسك ينفح )
( فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإن كنت مذبوحا فكن أنت تذبح ) - طويل -
فقال عبد الملك ما صنعت شيئا فقال عبد الله
( لأنت وخير الظافرين كرامهم ... عن المذنب الخاشي العقاب صفوح )
( ولو زلقت من قبل عفوك نعله ... ترامى به دحض المقام بريح )
( نمى بك إن خانت رجالا عروقهم ... أروم ودين لم يخنك صحيح )
( وعرف سرى لم يسر في الناس مثله ... وشأو على شأو الرجال متوح )
( تداركني عفو ابن مروان بعدما ... جرى لي من بعد الحياة سنيح )
( رفعت مريحا ناظري ولم أكد ... من الهم والكرب الشديد أريح ) - طويل

(13/192)


فكتب عبد الملك إلى الحجاج إني قد عرفت من خبث عبد الله وفسقه ما لا يزيدني علما به إلا أنه اغتفلني متنكرا فدخل داري وتحرم بطعامي واستكساني فكسوته ثوبا من ثيابي وأعاذني فأعذته وفي دون هذا ما حظر علي دمه وعبد الله أقل وأذل من أن يوقع أمرا أو ينكث عهدا في قتله خوفا من شره فإن شكر النعمة وأقام على الطاعة فلا سبيل عليه وإن كفر ما أوتي وشاق الله ورسوله وأولياءه فالله قاتله بسيف البغي الذي قتل به نظراؤه ومن هو أشد بأسا وشكيمة منه من الملحدين فلا تعرض له ولا لأحد من أهل بيته إلا بخير والسلام
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال كانت في القريتين بركة من ماء وكان بها رجل من كلب يقال له دعكنة لا يدخل البركة معه أحد إلا غطه حتى يغلبه فغط يوما فيها رجلا من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتى خرج هاربا فقال ابن هبيرة وهو جالس عليها يومئذ اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد الله بن الحجاج فكان أول رجل انحدرت به راحلته فأناخها ونزل فقال ابن هبيرة للوليد هذا أبو الأقيرع والله يا أمير المؤمنين أيهما أخزى الله صاحبه به فأمره الوليد أن ينحط عليه في البركة والكلبي فيها واقف متعرض للناس وقد صدوا عنه فقال له يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلا بقتله أو أقتله فلا ترضى قومه إلا بمثل ذلك وأنا رجل

(13/193)


بدوي ولست بصاحب مال فقال دعكنة يا أمير المؤمنين هو في حل وأنا في حل فقال له الوليد دونك فتكأكا ساعة كالكارة حتى عزم عليه الوليد فدخل البركة فاعتنق الكلبي وهوى به إلى قعرها ولزمه حتى وجد الموت ثم خلى عنه فلما علا غطه غطة ثانيه وقام عليه ثم أطلقه حتى تروح ثم أعاده وأمسكه حتى مات وخرج ابن الحجاج وبقي الكلبي فغضب الوليد وهم به فكلمه يزيد وقال أنت أكرهته أفكان يمكن الكلبي من نفسه حتى يقتله فكف عنه فقال عبد الله بن الحجاج في ذلك
( نجاني الله فردا لا شريك له ... بالقريتين ونفس صلبة العود )
( وذمة من يزيد حال جانبها ... دوني فأنجيت عفوا غير مجهود )
( لولا الإله وصبري في مغاطستي ... كان السليم وكنت الهالك المودي ) - بسيط -
صوت
( يا حبذا عمل الشيطان من عمل ... إن كان من عمل الشيطان حبيها )
( لنظرة من سليمى اليوم واحدة ... وأشهى إلي من الدنيا وما فيها ) - بسيط -
الشعر لناهض بن ثومة الكلابي أنشدنيه هاشم بن محمد الخزاعي قال أنشدنا الرياشي قال أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابي هذين البيتين لنفسه وأخبرني بمثل ذلك عمي عن الكراني عن الرياشي والغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول ينشد بالوسطى

(13/194)


أخبار ناهض بن ثومة ونسبه
هو ناهض بن ثومة بن نصيح بن نهيك بن إمام بن جهضم بن شهاب بن أنس بن ربيعة بن كعب بن بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدوي فارس فصيح من الشعراء في الدولة العباسية وكان يقدم البصرة فيكتب عنه شعره وتؤخذ عنه اللغة روى عنه الرياشي وأبو سراقة ودماذ وغيرهم من رواة البصرة وكان يهجوه رجل من بني الحارث بن كعب يقال له نافع بن أشعر الحارثي فأثرى عليه ناهض فمما قاله في جواب قصيدة هجا بها قبائل قيس قصيدة ناهض التي أولها
( ألا يا اسلما يأيها الطللان ... وهل سالم باق على الحدثان )
( أبينا لنا حييتما اليوم إننا ... مبينان عن ميل بما تسلان )
( متى العهد من سلمى التي بتت القوى ... وأسماء إن العهد منذ زمان )
( ولا زال ينهل الغمام عليكما ... سبيل الربى من وابل ودجان )
( فإن أنتما بينتما أو أجبتما ... فلا زلتما بالنبت ترتديان )
( وجر الحرير والفرند عليكما ... بأذيال رخصات الأكف هجان )

(13/195)


( نظرت ودوني قيد رمحين نظرة ... بعينين إنساناهما غرقان )
( إلى ظعن بالعاقرين كأنها ... قرائن من دوح الكثيب ثمان )
( لسلمى وأسماء اللتين أكنتا ... بقلبي كنيني لوعة وضمان )
( عسى يعقب الهجر الطويل تدانيا ... ويا رب هجر معقب بتداني )
( خليلي قد أكثرتما اللوم فاربعا ... كفاني ما بي لو تركت كفاني )
( إذا لم تصل سلمى وأسماء في الصبا ... بحبليهما حبلي فمن تصلان )
( فدع ذا ولكن قد عجبت لنافع ... ومعواه من نجران حيث عواني )
( عوى أسدا لا يزدهيه عواؤه ... مقيما بلوذي يذبل وذقان )
( لعمري لقد قال ابن أشعر نافع ... مقالة موطوء الحريم مهان )

(13/196)


( أيزعم أن العامري لفعله ... بعاقبة يرمى به الرجوان )
( ويذكر إن لاقاه زلة نعله ... فجىء للذي لم يستبن ببيان )
( كذبت ولكن بابن علبة جعفر ... فدع ما تمنى زلت القدمان )
( أصيب فلم يعقل وطل فلم يقد ... فذاك الذي يخزى به الأبوان )
( وحق لمن كان ابن أشعر ثائرا ... به الطل حتى يحشر الثقلان )
( ذليل ذليل الرهط أعمى يسومه ... بنو عامر ضيما بكل مكان )
( فلم يبق إلا قوله بلسانه ... وما ضر قول كاذب بلسان )
( هجا نافع كعبا ليدرك وتره ... ولم يهج كعب نافعا لآوان )
( ولم تعف من آثار كعب بوجهه ... قوارع منها وضح وقوان )
( وقد خضبوا وجه ابن علبة جعفر ... خضاب نجيع لا خضاب دهان )
( فلم يهج كعبا نافع بعد ضربة ... بسيف ولم يطعنهم بسنان )
( فما لك مهجى يا ابن أشعر فاكتعم ... على حجر واصبر لكل هوان )
( إذا المرء لم ينهض فيثأر بعمه ... فليس يجلى العار بالهذيان )
( أبي قيس عيلان وعمي خندف ... ذوا البذخ عند الفخر والخطران )
( إذا ما تجمعنا وسارت حذاءنا ... ربيعة لم يعدل بنا أخوان )
( أليس نبي الله منا محمد ... وحمزة والعباس والعمران )

(13/197)


( ومنا ابن عباس ومنا ابن عمه ... علي إمام الحق والحسنان )
( وعثمان والصديق مناوإننا ... لنعلم أن الحق ما يعدان )
( ومنا بنو العباس فضلا فمن لكم ... هلموه أولا ينطقن يمان ) - طويل -
قال فأنشد ناهض هذه االقصيدة أيوب بن سليمان بن علي بالبصرة وعنده خال له من الأنصار فلما ختمها بهذا البيت قال الأنصاري أخرسنا أخرسه الله وكان جده نصيح شاعرا وهو الذي يقول
( ألا من لقلب في الحجاز قسيمه ... ومنه بأكناف الحجاز قسيم )
( معاود شكوى أن نأت أم سالم ... كما يشتكي جنح الظلام سليم )
( سليم لصل أسلمته لما به ... رقى قل عنه دفعها وتميم )
( فلم ترم الدار البريصاء فالصفا ... صفاها فخلاها فأين تريم )
( وقفت عليها بازلا ناهجية ... إذا لم أزعها بالزمام تعوم )
( كنازا من الاتي كأن عظامها ... جبرن على كسر فهن عثوم ) - طويل -
الفضل بن العباس يتحدث في بداوة ناهض
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني الفضل بن العباس الهاشمي من ولد قثم بن جعفر بن سليمان

(13/198)


عن أبيه قال
كان ناهض بن ثومة الكلابي يفد على جدي قثم فيمدحه ويصله جدي وغيره وكان بدويا جافيا كأنه من الوحش وكان طيب الحديث فحدثه يوما أنهم انتجعوا ناحية الشام فقصد صديقا له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه وكان برا به قال فمررت بقرية يقال لها قرية بكر بن عبد الله الهلالي فرأيت دورا متباينة وخصاصا قد ضم بعضها إلى بعض وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر فقلت في نفسي هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر ثم ثاب إلي ما عزب عن عقلي فقلت خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك فما هذا الذي أرى فبينا أنا واقف متعجب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء وأدخلني منها بيتا قد نجد في وجهه فرش ومهدت وعليها شاب ينال فروع شعره منكبيه والناس حوله سماطان فقلت في نفسي هذا الأمير الذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه فقلت وأنا ماثل بين يديه السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته فجذب رجل يدي وقال اجلس فإن هذا ليس بأمير قلت فما هو قال عروس فقلت واثكل أماه لرب عروس رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه فلم أنشب أن دخل رجال يحملون هنات مدورات أما ما خف منها فيحمل حملا وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا وتحلق القوم عليه حلقا ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين

(13/199)


أيدينا فظننتها ثيابا وهممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطعها قميصا وذلك أني رأيت نسجا متلاحما لا يبين له سدى ولا لحمة فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه ثم أتينا بطعام كثير بين حلو وحامض وحار وبارد فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم ثم أتينا بشراب أحمر في عساس فقلت لا حاجة لي فيه فإني أخاف أن يقتلني وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن الله جزاءه فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس فقال يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام وإن شربت الماء همى بطنك فلما ذكر البطن تذكرت شيئا أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي قالوا لا تزال حيا ما كان بطنك شديدا فأذا اختلف فأوص فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به وجعلت أكثر منه فلا أمل شربه فتداخلني من ذلك صلف لا أعرفه من نفسي وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله واقتدار على أمري أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت الأسد لقتلته وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه وأهم أحيانا أن أقول له يا بن الزانية فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة أحدهم قد علق في عنقه جعبة فارسية مشنجة الطرفين دقيقة الوسط مشبوحة بالخيوط شبحا منكرا ثم بدر الثاني فاستخرج من كمه

(13/200)


هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضعها في فيه وضرط ضراطا لم أسمع وبيت الله أعجب منه فاستتم بها أمرهم ثم حرك أصابعه على أجحرة فيها فأخرج منها أصواتا ليس كما بدأ تشبه بالضراط ولكنه أتى منها لما حرك أصابعه بصوت عجيب متلائم متشاكل بعضه لبعض كأنه علم الله ينطق ثم بدا ثالث كز مقيت عليه قميص وسخ معه مرآتان فجعل يصفق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان لا ساق لواحد منهما فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب ثم التبط به على الأرض فقلت معتوه ورب الكعبة ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي ورأيت القوم يحذفونه بالدراهم حذفا منكرا ثم أرسل النساء إلينا أن أمتعونا من لهوكم هذا فبعثوا بهم وجعلنا نسمع أصواتهن من بعد وكان معنا في البيت شاب لا آبه له فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء فخرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها فيها خيوط أربعة فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه ثم عرك آذانها وحركها بخشبة في يده فنطقت ورب الكعبة وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط وغنى عليها فأطربني حتى استخفني من مجلسي فوثبت فجلست بين يديه وقلت بأبي أنت وأمي ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبا فقال هذا

(13/201)


البربط فقلت بأبي أنت وأمي فما هذا الخيط الأسفل قال الزير قلت فالذي يليه قال المثنى قلت فالثالث قال المثلث قلت فالأعلى قال البم قلت آمنت بالله أولا وبك ثانيا وبالبربط ثالثا وبالبم رابعا
قال فضحك أبي والله حتى سقط وجعل ناهض يعجب من ضحكه ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا الحديث ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه
وقد أخبرني بهذ الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال كان محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب فأتاه أعرابي فقال له حدث أبا عبد الله يعني الهيثم بن النخعي بما رأيت في حاضر المسلمين فحدثه بنحو من هذا الحديث ولم يسم الأعرابي باسمه وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الذي حدث به النوفلي عنه
الكعبي يستعدي قومه على من عقر إبله
نسخت من كتاب لعلي بن محمد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال كان رجل من بني كعب قد تزوج امرأة من بني كلاب فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلقها وأقام بموضعه في بني كلاب وكانوا لا يزالون يستحفون به ويظلمونه وإن رجلا منهم أورد إبله الماء

(13/202)


فوردت إبل الكعبي عليها فزاحمته لكنها ألفته على ظهره فتكشف فقام مغصبا بسيفه إلى إبل الكعبي فعقر منها عدة وجلاها عن الحوض ومضى الكعبي مستصرخا بني كلاب على الرجل فلم يصرخوه فساق باقي إبله واحتمل بأهله حتى رجع إلى عشيرته فشكا ما لقي من القوم واستصرخهم فغضبوا له وركبوا معه حتى أتوا حلة بني كلاب فاستاقوا إبل الرجل الذي عقر لصاحبهم ومضى الرجل فجمع عشيرته وتداعت هي وكعب للقتال فتحاربوا في ذلك حربا شديدا وتمادى الشر بينهم حتى تساعى حلماؤهم في القضية فأصلحوها على أن يعقل القتلى والجرحى وترد الإبل وترسل من العاقر عدة الإبل التي عقرها للكعبي فتراضوا بذلك واصطلحوا وعادوا إلى الإلفة فقال في ذلك ناهض بن ثومة
( أمن طلل بأخطب أبدته ... نجاء الوبل والديم النضاح )
( ومر الدهر يوما بعد يوم ... فما أبقى المساء ولا الصباح )
( فكل محلة غنيت بسلمى ... لريدات الرياح بها نواح )

(13/203)


( تطل على الجفون الحزن حتى ... دموع العين ناكزة نزاح )
وهي طويلة يقول فيها
( هنيئا للعدى سخط وزعم ... وللفرعين بينهما اصطلاح )
( وللعين الرقاد فقد أطالت ... مساهرة وللقلب انتجاح )
( وقد قال العداة نرى كلابا ... وكعبا بين صلحهما افتتاح )
( تداعوا للسلام وأمر نجح ... وخير الأمر ما فيه النجاح )
( ومدوا بينهم بحبال مجد ... وثدي لا أجد ولا ضياح )
( ألم تر أن جمع القوم يحشى ... وأن حريم واحدهم مباح )
( وأن القدح حين يكون فردا ... فيصهر لا يكون له اقتداح )
( وإنك إن قبضت بها جميعا ... أبت ما سمت واحدها القداح )
( أنا الخطار دون بني كلاب ... وكعب إن أتيح لهم متاح )
( أنا الحامي لهم ولكل قرم ... أخ حام إذا جد النضاح )
( أنا الليث الذي لا يزدهيه ... عواء العاويات ولا النباح )
( سل الشعراء عني هل أقرت ... بقلبي أو عفت لهم الجراح )
( فما لكواهل الشعراء بد ... من القتب الذي فيه لحاح )

(13/204)


( ومن توريك راكبه عليهم ... وإن كرهوا الركوب وإن ألاحوا ) - وافر -
شعره في وقعة بين بني نمير وكلاب
ونسخت من هذا الكتاب الذي فيه شعره أن وقعة كانت بين بني نمير وبني كلاب بنواحي ديار مضر وكانت لكلاب على بني نمير وأن نميرا استغاثت ببني تميم ولجأت إلى مالك بن زيد سيد تميم يومئذ بديار مضر فمنع تميما من إنجادهم وقال ما كنا لنلقي بين قيس وخندف دماء نحن عنها أغنياء وأنتم وهم لنا أهل وإخوة فإن سعيتم في صلح عاونا وإن كانت حمالة أعنا فأما الدماء فلا مدخل لنا بينكم فيها فقال ناهض بن ثومة في ذلك
( سلام الله يا مال بن زيد ... عليك وخير ما أهدي السلاما )
( تعلم أينا لكم صديق ... فلا تستعجلوا فينا الملاما )
( ولكنا وحي بني تميم ... عداة لا نرى أبدا سلاما )
( وإن كنا تكاففنا قليلا ... كحرف السيف ينهار انهداما )
( وهيض العظم يصبح ذا انصداع ... وقد ظن الجهول به التئاما )
( فلن ننسى الشباب المود منا ... ولا الشيب الجحاجح والكراما )
( ونوح نوائح منا ومنهم ... مآتم ما تجف لهم سجاما )
( فكيف يكون صلح بعد هذا ... يرجي الجاهلون لهم تماما )

(13/205)


( ألا قل للقبائل من تميم ... وخص لمالك فيها الكلاما )
( فزيدوا يا بني زيد نميرا ... هوانا إنه يدني الفطاما )
( ولا تبقوا على الأعداء شيئا ... أعز الله نصركم وداما )
( وجدت المجد في حيي تميم ... ورهط الهذلق الموفي الذماما )
( نجوم القوم مازالوا هداة ... وما زالوا لآبيهم زماما )
( هم الرأس المقدم من تميم ... وغاربها وأوفاها سناما )
( إذا ما غاب نجم آب نجم ... أغر ترى لطلعته ابتساما )
( فهذي لابن ثومة فانسبوها ... إليه لا اختفاء ولا اكتتاما )
( وإن رغمت لذاك بنو نمير ... فلا زالت أنوفهم رغاما )
قال يعني بالهذلق الهذلق بن بشير أخا بني عتيبة بن الحارث بن شهاب وابنيه علقمة وصباحا
قال وكانت بنو كعب قد اعتزلت الفريقين فلم تصب كلابا ولا نميرا فلما ظفرت كلاب قال لهم ناهض
( ألا هل أتى كعبا على نأي دارهم ... وخذلانهم أنا سررنا بني كعب )
( بما لقيت منا نمير وجمعها ... غداة أتينا في كتائبنا الغلب )
( فيا لك يوما بالحمى لا نرى له ... شبيها وما في شيبان من عتب )

(13/206)


( أقامت نمير بالحمى غير رغبة ... فكان الذي نالت نمير من النهب )
( رؤوس وأوصال يزايل بينها ... سباع تدلت من أبانين والهضب )
( لنا وقعات في نمير تتابعت ... بضيم على ضيم ونكب على نكب )
( وقد علمت قيس بن عيلان كلها ... وللحرب أبناء بأنا بنو الحرب )
( ألم ترهم طرا علينا تحزبوا ... وليس لنا إلا الرديني من حزب )
( وإنا لنقتاد الجياد على الوجى ... لأعدائنا من لا مدان ولا صقب )
( ففي أي فج ما ركزنا رماحنا ... مخوف بنصب للعدا حين لا نصب ) - طويل -
أخبرنا جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثني أبو هفان قال حدثني غرير بن ناهض بن ثومة الكلابي قال كان شاعر من نمير يقال له رأس الكبش قد هاجى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير زمانا وتناقضا الشعر بينهما مدة فلما وقعت الحرب بيننا وبين بني نمير قال عمارة يحرض كعبا وكلابا ابني ربيعة على بني نمير في هذه الحرب التي كانت بينهم فقال
( رأيتكما يابني ربيعة خرتما ... وعولتما والحرب ذات هرير )

(13/207)


( وصدقتما قول الفرزدق فيكما ... وكذبتما بالأمس قول جرير )
( فإن أنتما لم تقذعا الخيل بالقنا ... فصيرا مع الأنباط حيث تصير )
( تسومكما بغيا نمير هضيمة ... ستنجد أخبار بهم وتغور ) - طويل -
قال فارتحلت كلاب حين أتاها هذا الشعر حتى أتوا نميرا وهم في هضبات يقال لهن واردات فقتلوا واجتاحوا وفضحوا نميرا ثم انصرفوا فقال ناهض بن ثومة يجيب عمارة عن قوله
( ويحضضنا عمارة في نمير ... ليشغلهم بنا وبه أرابوا )
( ويزعم أننا خرنا وأنا ... لهم جار المقربة المصاب )
( سلوا عنا نميرا هل وقعنا ... بنزوتها التي كانت تهاب )
( ألم تخضع لهم أسد ودانت ... لهم سعد وضبة والرباب )
( ونحن نكرها شعثا عليهم ... عليها الشيب منا والشباب )
( رغبنا عن دماء بني قريع ... إلى القلعين إنهما اللباب )
( صبحناهم بأرعن مكفهر ... يدف كأن رايته العقاب )

(13/208)


( أجش من الصواهل ذي دوي ... تلوح البيض فيه والحراب )
( فأشعل حين حل بواردات ... وثار لنقعه ثم انصباب )
( صبحناهم بها شعث النواصي ... ولم يفتق من الصبح الحجاب )
( فلم تغمد سيوف الهند حتى ... تعيلت الحليلة والكعاب ) - وافر -
صوت
( أعرفت من سلمى رسوم ديار ... بالشط بين مخفق وصحار )
( وكأنما أثر النعاج بجوها ... بمدافع الركبين ودع جواري )
( وسألتها عن أهلها فوجدتها ... عمياء جاهلة عن الأخبار )
( فكأن عيني غرب أدهم داجن ... متعود الإقبال والإدبار ) - كامل -
الشعر للمخبل السعدي والغناء لإبراهيم هزج بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق قال الهشامي فيه لإبراهيم ثقيل أول ولعنان بنت خوط خفيف رمل

(13/209)


أخبار المخبل ونسبه
قال ابن الكلبي اسمه الربيع بن ربيعة وقال ابن دأب اسمه كعب ابن ربيعة وقال ابن حبيب وأبو عمرو اسمه ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم شاعر فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام ويكنى أبا يزيد وإياه عنى الفرزدق بقوله
( وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول )
ذو القروح امرؤ القيس وجرول الحطيئة وأبو يزيد المخبل وذكره ابن سلام فجعله في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء وقرنه بخداش بن زهير والأسود بن يعفر وتميم بن مقبل وهو من المقلين وعمر في الجاهلية والإسلام عمرا كثيرا وأحسبه مات في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما وهو شيخ كبير وكان له ابن فهاجر إلى الكوفة في أيام

(13/210)


عمر فجزع عليه جزعا شديدا حتى بلغ خبره عمر فرده عليه
هجره ولده وجزعه عليه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه وأخبرني به هاشم بن محمد الخزاعي عن أبي غسان دماذ عن ابن الأعرابي قال هاجر شيبان بن المخبل السعدي وخرج مع سعد بن أبي وقاص لحرب الفرس فجزع عليه المخبل جزعا شديدا وكان قد أسن وضعف فافتقر إلى ابنه فافتقده فلم يملك الصبر عنه فكاد أن يغلب على عقله فعمد إلى إبله وسائر ماله فعرضه ليبيعه ويلحق بابنه وكان به ضنينا فمنعه علقمة بن هوذة بن مالك وأعطاه مالا وفرسا وقال أنا أكلم أمير المؤمنين عمر في رد ابنك فإن فعل غنمت مالك وأقمت في قومك وإن أبى استنفقت ما أعطيتك ولحقت به وخلفت إبلك لعيالك ثم مضى إلى عمر رضوان الله عليه فأخبره خبر المخبل وجزعه على ابنه وأنشده قوله
( أيهلكني شيبان في كل ليلة ... لقلبي من خوف الفراق وجيب )
( أشيبان ما أدراك أن كل ليلة ... غبقتك فيها والغبوق حبيب )
( غبقتك عظماها سناما أو انبرى ... برزقك براق المتون أريب )
( أشيبان إن تأبى الجيوش بحدهم ... يقاسون أياما لهن خطوب )
( ولا هم إلا البز أو كل سابح ... عليه فتى شاكي السلاح نجيب )
( يذودون جند الهرمزان كأنما ... يذودون أوراد الكلاب تلوب )

(13/211)


( فإن يك غصني أصبح اليوم ذاويا ... وغصنك من ماء الشباب رطيب )
( فإني حنت ظهري خطوب تتابعت ... فمشيي ضعيف في الرجال دبيب )
( إذا قال صحبي يا ربيع ألا ترى ... أرى الشخص كالشخصين وهو قريب )
( ويخبرني شيبان أن لن يعقني ... تعق إذا فارقتني وتحوب )
( فلا تدخلن الدهر قبرك حوبة ... يقوم بها يوما عليك حسيب ) - طويل -
يعني بقوله حسيب الله عز ذكره
قال فلما أنشد عمر بن الخطاب هذه الأبيات بكى ورق له فكتب إلى سعد يأمره أن يقفل شيبان بن المخبل ويرده على أبيه فلما ورد الكتاب عليه أعلم شيبان ورده فسأله الإغضاء عنه وقال لا تحرمني الجهاد فقال له أنها عزمة من عمر ولا خير لك في عصيانه وعقوق شيخك فانصرف إليه ولم يزل عنده حتى مات
وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار والجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة أن شيبان بن المخبل كان يرعى إبل أبيه فلا يزال أبوه يقول أحسن رعية إبلك يا بني فيقول أراحني الله من رعية إبلك ثم فارق أباه وغزا مع أبي موسى وانحدر إلى البصرة وشهد فتح تستر

(13/212)


فقال فذكر أبوه الأبيات وزاد فيها قوله
( إذا قلت ترعى قال سوف تريحني ... من الرعي مذعان العشي خبوب ) - طويل -
قال أبو يزيد وحدثناه عتاب بن زياد قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا مسعود عن معن بن عبد الرحمن فذكر نحوه ولم يقل شيبان بن المخبل ولكنه قال انطلق رجل إلى الشام وذكر القصة والشعر
الزبرقان يرفض تزويج اخته للمخبل
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب قال خطب المخبل السعدي إلى الزبرقان بن بدر أخته خليدة فمنعه إياها ورده لشيء كان في عقله وزوجها رجلا من بني جشم بن عوف يقال له مالك بن أمية بن عبد القيس من بني محارب فقتل رجلا من بني نهشل يقال له الجلاس بن مخربة بن جندل بن جابر بن نهشل اغتيالا ولم يعلم به أحد ففقد ولم يعلم له خبر فبينما جار الزبرقان الذي من عبد القيس قاتل الجلاس ليلة يتحدث إذ غلط فحدث هزالا بقتله الرجل وذلك قبل أن يتزوج هزال إلى الزبرقان فأتى هزال عبد عمرو بن ضمرة بن جابر بن نهشل فأخبره فدعا هزال قاتل الجلاس فأخرجه عن البيوت ثم اعتوره هو وعبد عمرو فضرباه حتى قتلاه ورجع هزال إلى الحي وضرب عبد عمرو حتى لجأ إلى أخواله بني عطارد بن عوف فقالت امرأة مالك بن أمية المقتول
( أجيران ابن مية خبروني ... أعين لابن مية أم ضمار )

(13/213)


( تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لنسلهم منها اعتذار ) - وافر -
قال فلما زوج الزبرقان أخته خليدة هزالا بعد قتله جاره عيب عليه وعير به وهجاه المخبل فقال
( لعمرك إن الزبرقان لدائم ... على الناس تعدو نوكه ومجاهله )
( أأنكحت هزالا خليدة بعدما ... زعمت بظهر الغيب أنك قاتله )
( فأنكحته رهوا كأن عجانها ... مشق إهاب أوسع السلخ ناجله )
( يلاعبها فوق الفراش وجاركم ... بذي شبرمان لم تزيل مفاصله ) - طويل -
قال ولج الهجاء بين المخبل والزبرقان حتى تواقفا للمهاجاة واجتمع الناس عليهما فاجتمعا لذلك ذات يوم وكان الزبرقان أسودهما فابتدأ المخبل فأنشده قصيدته
( أنبئت أن الزبرقان يسبني ... سفها ويكره ذو الحرين خصالي ) - كامل -
قال وإنما سماه ذا الحرين لأنه كان مبدنا فكان له ثديان عظيمان فسبه بهما وشبههما بالحرين ويقال إنه إنما عيره بأخته وابنته ولم يكن للمخبل ابن في الجاهلية قال
( أفلا يفاخرني ليعلم أينا ... أدنى لأكرم سودد وفعال )

(13/214)


فلما بلغ إلى قوله
( وأبوك بدر كان مشترط الخصى ... وأبي الجواد ربيعة بن قتال ) - كامل -
فلما أنشده هذا البيت قال
( وأبوك بدر كان مشترط الخصى ... وأبي )
ثم انقطع عليه كلامه إما بشرق أو انقطاع نفس فما علم الناس ما يريد أن يقوله بعد قوله وأبي فسبقه الزبرقان قبل أن يتم ويبين فقال صدقت وما في ذاك إن كان شيخانا قد اشتركا في صنعه فغلبه الزبرقان وضحكوا من قوله وتفرقوا وقد انقطع بالمخبل قوله
أخبرنا اليزيدي قال حدثني عمي عن عبيد الله عن ابن حبيب قال كان زرارة بن المخبل يليط حوضه فأتاه رجل من بني علباء بن عوف فقال له صارعني فقال له زرارة إني عن صراعك لمشغول فجذب بحجزته وهو غافل فسقط فصاح به فتيان الحي صرع زرارة وغلب فأخذ زرارة حجرا فأخذ به رأس العلباوي فسأل المخبل بغيض بن عامر بن شماس أن يتحمل عن ابنه الدية فتحملها وتخلصه وكسا المخبل حلة حسنة وأعطاه ناقة نجيبة فقال المخبل يمدحه
( لعمر أبيك لا ألقى ابن عم ... على الحدثان خيرا من بغيض )
( أقل ملامة وأعز نصرا ... إذا ما جئت بالأمر المريض )
( كساني حلة وحبا بعنس ... أبس بها إذا اضطربت غروضي )

(13/215)


( غداة جنى بني علي جرما ... وكيف يداي بالحرب العضوض )
( فقد سد السبيل ابوحميد ... كما سد المخاطبة ابن بيض ) - وافر -
خبر ابن بيض
أبو حميد بغيض بن عامر وأما قوله كما سد المخاطبة ابن بيض فإن ابن بيض رجل من بقايا قوم عاد كان تاجرا وكان لقمان بن عاد يجيز له تجارته في كل سنة بأجر معلوم فأجازه سنة وسنتين وعاد التاجر ولقمان غائب فأتى قومه فنزل فيهم ولقمان في سفره ثم حضرت التاجر الوفاة فخاف لقمان على بنيه وماله فقال لهم إن لقمان صائر إليكم وإني أخشاه إذا علم بموتي على مالي فاجعلوا ماله قبلي في ثوبه وضعوه في طريقه إليكم فإن أخذه واقتصر عليه فهو حقه فادفعوه إليه واتقوه وإن تعداه رجوت أن يكفيكم الله إياه ومات الرجل وأتاهم لقمان وقد وضعوا حقه علي طريقه فقال سد ابن بيض الطريق فأرسلها مثلا وانصرف وأخذ حقه وقد ذكرت ذلك الشعراء فقال بشامة بن عمرو
( كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا ) - متقارب -
قال ابن حبيب ولما حشدت بنو علباء للمطالبة بدم صاحبهم حشدت بنو قريع مع بغيض لنصر المخبل ومشت المشيخة في الأمر وقالوا هذا قتل خطأ فلا تواقعوا الفتنة واقبلوا الدية فقبلوها وانصرفوا فقال زرارة بن المخبل يفخر بذلك
( فاز المخالس لما أن جرى طلقا ... أما حطيم بن علباء فقد غلبا )

(13/216)


( إني رميت بجلمود على حنق ... مني إليه فكانت رمية غربا )
( ليثا إلي يشق الناس منفرجا ... لحياه عنانة لا يتقي الخشبا )
( فأورثتني قتيلا إن لقيت وإن ... أملت كانت سماع السوء والحربا ) - بسيط -
ثم أخذ بنو حازم جارا لبني قشير فأغار عليه المنتشر بن وهب الباهلي فأخذ إبله فسأل في بني تميم حتى انتهى إلى المخبل فلما سأله قال له إن شئت فاعترض إبلي فخذ خيرها ناقة وإن شئت سعيت لك في إبلك فقال بل إبلي فقال المخبل
( إن قشيرا من لقاح ابن حازم ... كراحضة حيضا وليست بطاهر )
( فلا يأكلنها الباهلي وتقعدوا ... لدي غرض أرميكم بالنواقر )
( أغرك أن قالوا لعزة شاعر ... فناك أباه من خفير وشاعر ) - طويل -
فلما بلغهم قول المخبل سعوا بإبله فردها عليهم حزن بن معاوية بن خفاجة بن عقيل فقال المخبل في ذلك
( تدارك حزن بالقنا آل عامر ... قفا خضن والكر بالخيل أعسر )

(13/217)


( فإني بذا الجار الخفاجي واثق ... وقلبي من الجار العبادي أوجر )
( إذا ما عقيلي أقام بذمة ... شريكين فيها فالعبادي أوجر )
( لعمري لقد خارت خفاجة عامرا ... كما خير بيت بالعراق المشقر )
( وإنك لو تعطي العبادي مشقصا ... لراشى كما راشى على الطبع أبخر ) - طويل -
راشى من الرشوة
المخبل وخليدة بنت بدر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال مر المخبل السعدي بخليدة بنت بدر أخت الزبرقان ابن بدر بعد ما أسن وضعف بصره فأنزلته وقربته وأكرمته ووهبت له وليدة وقالت له إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها فقال ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك قالت لا عليك قال بلى والله أسألك قالت أنا بعض من هتكت بشعرك ظالما أنا خليدة بنت بدر فقال واسوأتاه منك فإني أستغفر الله عز و جل وأستقيلك وأعتذر إليك ثم قال
( لقد ضل حلمي في خليدة إنني ... سأعتب نفسي بعدها وأموت )
( فأقسم بالرحمن إني ظلمتها ... وجرت عليها والهجاء كذوب ) - طويل

(13/218)


والقصيدة التي فيها الغناء المذكور بشعر المخبل وأخباره يمدح بها علقمة بن هوذة ويذكر فعله به وما وهبه له من ماله ويقول
( فجزى الإله سراة قومي نضرة ... وسقاهم بمشارب الأبرار )
( قوم إذا خافوا عثار أخيهم ... لا يسلمون أخاهم لعثار )
( أمثال علقمة بن هوذة إذ سعى ... يخشى علي متالف الأبصار )
( أثنوا علي وأحسنوا وترافدوا ... لي بالمخاض البزل والأبكار )
( والشول يتبعها بنات لبونها ... شرقا حناجرها من الجرجار ) - كامل -
أخبرنا أبو زيد عن عبد الرحمن عن عمه وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب وأخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قالوا اجتمع الزبرقان بن بدر والمخبل السعدي وعبدة بن الطبيب وعمرو بن الأهتم قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي فنحروا جزورا واشتروا خمرا ببعير وجلسوا يشوون ويأكلون فقال بعضهم لو أن قوما طاروا من جودة أشعارهم لطرنا فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي وقال اليزيدي فجاءهم رجل من بني يربوع يسأل عنهم فدل عليهم وقد نزلوا

(13/219)


بطن واد وهم جلوس يشربون فلما رأوه سرهم وقالوا له أخبرنا أينا أشعر قال أخاف أن تغضبوا فآمنوه من ذلك فقال أما عمرو فشعره برود يمنية تنشر وتطوى وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزورا قد نحرت فأخذ من أطايبها وخلطه بغير ذلك
وقال لقيط في خبره قال له ربيعة بن حذار وأما أنت يا زبرقان فشعرك كلحم لم ينضج فيؤكل ولم يترك نيئا فينتفع به وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار الله يلقيها على من يشاء وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء
أخبرنا اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب قال كان رجل من بني امرئ القيس يقال له روق مجاورا في بكر بن وائل باليمامة فأغاروا على إبله وغدروا به فأتى المخبل يستمنحه فقال له إن شئت فاختر خير ناقة في إبلي فخذها وإن شئت سعيت لك فقال أن تسعى بي أحب إلي فخرج المخبل فوقف على نادي قومه ثم قال
( أدوا إلى روح بن حسسان ... بن حارثة بن منذر )
( كوماء مدفأة كأنن ... ضروعها حماء أجفر )
( تأبى إلى بصص تسحح ... المحض باللبن الفضنفر ) - مجزوء الكامل -
فقالوا نعم ونعمة فجمعوا له بينهم الناقة والناقتين من رجلين حتى أعطوه بعدة إبله

(13/220)


وقال ابن حبيب في هذه الرواية كان رجل من بني ضبة
صوت
( أسل عن ليلى علاك المشيب ... وتصابي الشيخ شيء عجيب )
( وإذا كان النسيب بسلمى ... لذ في سلمىوطاب النسيب )
( إنما شبهتها إذ تراءت ... وعليها من عيون رقيب )
( بطلوع الشمس في يوم دجن ... بكرة أو حان منها غروب )
( إنني فاعلم وإن عز أهلي ... بالسويداء الغداة غريب ) - مديد -
الشعر لغيلان بن سلمة الثقفي وجدت ذلك في جامع شعره بخط أبي سعيد السكري والغناء لابن زرزور الطائفي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن يحيى المكي وفيه ليونس الكاتب لحن ذكره في كتابه ولم يجنسه

(13/221)


أخبار غيلان ونسبه
غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف وأمه سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أخت أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
أدرك الإسلام فأسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر وأسلم ابنه عامر قبله وهاجر ومات بالشام في طاعون عمواس وأبوه حي
وغيلان شاعر مقل ليس بمعروف في الفحول
وبنته بادية بنت غيلان التي قال هيت المخنث لعمر بن أم سلمة أم المؤمنين أو لأخيه سلمة إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول

(13/222)


الله أن يهب لك باديه بنت غيلان فإنها كحلاء شموع نجلاء خمصانة هيفاء إن مشت تثنت وإن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت تقبل بأربع وتدبر بثمان وبين فخذيها كالإناء المكفإ
وغيلان فيما يقال أحد من قال من قريش للنبي وآله ( لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين )
قال ابن الكلبي حدثني أبي قال تزوج غيلان بن سلمة خالدة بنت أبي العاص فولدت له عمارا وعامرا فهاجر عمار إلى النبي فلما بلغه خبره عمد خازن كان لغيلان إلى مال له فسرقه وأخرجه من حصنه فدفنه وأخبر غيلان أن ابنه عمارا سرق ماله وهرب به فأشاع ذلك غيلان وشكاه إلى الناس وبلغ خبره عمارا فلم يعتذر إلى أبيه ولم يذكر له براءته مما قيل له فلما شاع ذلك جاءت أمه لبعض ثقيف إلى غيلان فقالت له أي شيء لي عليك إن دللتك على مالك قال ما شئت قالت تبتاعني وتعتقني قال ذلك لك قالت فاخرج معي فخرج معها فقالت إني رأيت عبدك فلانا قد احتفر ها هنا ليلة كذا وكذا ودفن شيئا وإنه لا يزال يعتاده ويراعيه ويتفقده في اليوم مرات وما أراه إلا المال فاحتفر الموضع فإذا هو بماله

(13/223)


فأخذه وابتاع الأمة فأعتقها وشاع الخبر في الناس حتى بلغ ابنه عمارا فقال والله لا يراني غيلان أبدا ولا ينظر في وجهي وقال
( حلفت لهم بما يقول محمد ... وبالله إن الله ليس بغافل )
( برئت من المال الذي يدفنونه ... أبرىء نفسي أن ألط بباطل )
( ولو غير شيخي من معد يقوله ... تيممته بالسيف غير مواكل )
( وكيف انطلاقي بالسلاح إلى امرىء ... تبشره بي يبتدرن قوابلي ) - طويل -
رثاؤه لولده عامر
فلما أسلم غيلان خرج عامر وعمار مغاضبين له مع خالد بن الوليد فتوفي عامر بعمواس وكان فارس ثقيف يومئذ وهو صاحب شنوءة يوم تثليث وهو قتل سيدهم جابر بن سنان أخا دمنة فقال غيلان يرثي عامرا
( عيني تجود بدمعها الهتان ... سحا وتبكي فارس الفرسان )
( يا عام من للخيل لما أحجمت ... عن شدة مرهوبة وطعان )
( لو أستطيع جعلت مني عامرا ... بين الضلوع وكل حي فان )
( يا عين بكى ذا الحزامة عامرا ... للخيل يوم تواقف وطعان )

(13/224)


( وله بتثليثات شدة معلم ... منه وطعنة جابر بن سنان )
( فكأنه صافي الحديدة مخذم ... مما يحير الفرس للباذان ) - كامل -
نسخت من كتاب أبي سعيد السكري قال كان لغيلان بن سلمة جار من باهلة وكانت له إبل يرعاها راعيه في الإبل مع إبل غيلان فتخطى بعضها إلى أرض لأبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب فضرب أبو عقيل الراعي واستخف به فشكا الباهلي ذلك إلى غيلان فقال لأبي عقيل
( ألا من يرى ترى رأي امرىء ذي قرابة ... أبى صدره بالضغن إلا تطلعا )
( فسلمك أرجو لا العداوة إنما ... أبوك أبي وإنما صفقنا معا )
( وإن ابن عم المرء مثل سلاحه ... يقيه إذا لاقى الكمي المقنعا )
( فإن يكثر المولى فإنك حاسد ... وإن يفتقر لا يلف عندك مطمعا )
( فهذا وعيد وادخار فإن تعد ... وجدك أعلم ما تسلفت أجمعا ) - طويل -
تهديده لامرأته
ونسخت من كتابه قال لما أسن غيلان وكثرت أسفاره ملته زوجته وتجنت عليه وأنكر أخلاقها فقال فيها
( يا رب مثلك في النساء غريرة ... بيضاء قد صبحتها بطلاق )
( لم تدر ما تحت الضلوع وغرها ... مني تحمل عشرتي وخلاقي ) - كامل -
ونسخت من كتابه إن بني عامر بن ربيعة جمعوا جموعا كثيرة من

(13/225)


أنفسهم وأحلافهم ثم ساروا إلى ثقيف بالطائف وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافا لثقيف فلما بلغ ثقيفا ميسر بني عامر استنجدوا بني نصر فخرجت ثقيف إلى بني عامر وعليهم يومئذ غيلان بن سلمة بن معتب فلقوهم وقاتلتهم ثقيف قتالا شديدا فانهزمت بنو عامر بن ربيعة ومن كان معهم وظهرت عليهم ثقيف فأكثروا فيهم القتل فقال غيلان في ذلك ويذكر تخلف بني نصر عنهم
( ودع بذم إذا ما حان رحلتنا ... أهل الحظائر من عوف ودهمانا )
( ألقائلين وقد حلت بساحتهم ... جسر تحسحس عن أولاد هصانا )
( والقائلين وقد رابت وطابهم ... أسيف عوف ترى أم سيف غيلانا )
( أغنوا الموالي عنا لا أبالكم ... إنا سنغني صريح القوم من كانا )
( لا يمنع الخطر المظلوم قحمته ... حتى يرى بالعين من كانا ) - بسيط -
شعره في هزيمة خثعم
ونسخت من كتابه قال جمعت خثعم جموعا من اليمن وغزت ثقيفا بالطائف فخرج إليهم غيلان بن سلمة في ثقيف فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر عدة منهم ثم من عليهم وقال في ذلك
( ألا يا أخت خثعم خبرينا ... بأي بلاء قوم تفخرينا )

(13/226)


( جلبنا الخيل من أكناف وج ... وليث نحوكم بالدارعينا )
( رأيناهن معلمة روحا ... يقيتان الصباح ومعتدينا )
( فأمست مسي خامسة جميعا ... تضابع في القياد وقد وجينا )
( وقد نظرت طوالعكم إلينا ... بأعينهم وحققنا الظنونا )
( إلى رجراجة في الدار تعشي ... إذا استنت عيون الناظرينا )
( تركن نساءكم في الدار نوحا ... يبكون البعولة والبنينا )
( جمعتم جمعكم فطلبتمونا ... فهل أنبئت حال الطالبينا ) - وافر -
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال أخبرني محمد بن سعد الشامي قال حدثني أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو الثقفي قال خرجت مع كيسان بن أبي سليمان أسايره فأنشدني شعر غيلان بن سلمة ما أنشدني لغيره حتى صدرنا عن الأبلة ثم مر بالطف وهو يريد

(13/227)


الطابق فأنشدني له
( وليلة أرقت صحابك بالططف ... وأخرى بجنب ذي حسم )
( فالجسر فالقصران فالنهر المربد ... بين النخيل والأجم )
( معانق الواسط المقدم أو ... أدنو من الأرض غير مقتحم )
( أستعمل العنس بالقياد إلى الآفاق ... أرجو نوافل الطعم ) - منسرح -
وصيته لبنيه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال حدثني عمر بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه قال لما حضرت غيلان بن سلمة الوفاة وكان قد أحصن عشرا من نساء العرب في الجاهلية قال يا بني قد أحسنت خدمة أموالكم وأمجدت أمهاتكم فلن تزالوا بخير ما غذوتم من كريم وغذا منكم فعليكم ببيوتات العرب فإنها معارج الكرم وعليكم بكل رمكاء مكينة ركينة أو بيضاء رزينة في خدر بيت يتبع أوجد يرتجى وإياكم والقصيرة الرطلة فإن أبغض الرجال إلي أن يقاتل عن إبلي أو يناضل عن حسبي

(13/228)


القصير الرطل ثم أنشأ يقول
( وحرة قوم قد تنوق فعلها ... وزينها أقوامها فتزينت )
( رحلت إليها لا ترد وسيلتي ... وحملتها من فوقها فتحملت ) - طويل -
وفوده على كسرى
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال كان غيلان بن سلمة الثقفي قد وفد إلى كسرى فقال له ذات يوم يا غيلان أي ولدك أحب إليك قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يقدم قال له ما غذاؤك قال خبز البر قال قد عجبت من أن يكون لك هذا العقل وغذاؤك غذاء العرب إنما البر جعل لك هذا العقل
قال الكراني قال العمري روى الهيثم بن عدي هذا الخبر أتم من هذه الرواية ولم أسمعه منه قال الهيثم حدثني أبي قال خرج أبو سفيان ابن حرب في جماعة من قريش وثقيف يريدون العراق بتجارة فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان فقال لهم أنا من مسيرنا هذا لعلى خطر ما قدومنا على ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه وليست بلاده لنا بمتجر ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن برآء من دمه وإن غنم فله نصف الربح فقال غيلان بن سلمة دعوني إذا فأنا لها فدخل الوادي فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول
( ولو رآني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الأمور إلى أمر له طبق )
( لقال رغب ورهب يجمعان معا ... حب الحياة وهول النفس والشفق )
( إما بقيت على مجد ومكرمة ... أو أسوة لك فيمن يهلك الورق ) - بسيط

(13/229)


ثم قال أنا صاحبكم ثم خرج في العير وكان أبيض طويلا جعدا ضخما فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين أصفرين وشهر أمره وجلس بباب كسرى حتى أذن له فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب فخرج إليه الترجمان وقال له يقول لك الملك من أدخلك بلادي بغير إذني فقال قل له لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوسا لضد من أضدادك وإنما جئت بتجارة تستمتع بها فإن أردتها فهي لك وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها وإن لم تأذن في ذلك رددتها قال فإنه ليتكلم إذ سمع صوت كسرى فسجد فقال له الترجمان يقول لك الملك لم سجدت فقال سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاما له قال فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له بمرفقة توضع تحته فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك فوضعها على رأسه فاستجهله كسرى واستحمقه وقال للترجمان قل له إنما بعثنا إليك بهذه لتجلس عليها قال قد علمت ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي فاستحسن فعله جدا ثم قال له ألك ولد قال نعم قال فأيهم أحب إليك قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يؤوب فقال كسرى زه ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك فهذا فعل

(13/230)


الحكماء وكلامهم وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك قال خبز البر قال هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه وبعث معه من الفرس من بنى له أطما بالطائف فكان أول أطم بني بها
رثي نافع بن سلمة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال استشهد نافع بن سلمة الثقفي مع خالد بن الوليد بدومة الجندل فجزع عليه غيلان وكثر بكاؤه وقال يرثيه
( ما بال عيني لا تغمض ساعة ... إلا اعترتني عبرة تغشاني )
( أرعى نجوم الليل عند طلوعها ... وهنا وهن من الغروب دوان )
( يا نافعا من للفوارس أحجمت ... عن فارس يعلو ذرى الأقران )
( فلو استطعت جعلت مني نافعا ... بين اللهاة وبين عكد لساني ) - كامل -
قال وكثر بكاؤه عليه فعوتب في ذلك فقال والله لا تسمح عيني بمائها فأضن به على نافع فلما تطاول العهد انقطع ذلك من قوله فقيل له فيه فقال بلي نافع وبلي الجرع وفني وفنيت الدموع واللحاق به قريب

(13/231)


صوت
( ألا عللاني قبل نوح النوادب ... وقبل بكاء المعولات القرائب )
( وقبل ثوائي في تراب وجندل ... وقبل نشوز النفس فوق الترائب )
( فإن تأتني الدنيا بيومي فجاءة ... تجدني وقد قضيت منها مآربي ) - طويل -
الشعر لحاجز الأزدي والغناء لنبيه هزج بالبنصر عن الهشامي

(13/232)


أخبار حاجز ونسبه
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخثم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج بن مالك بن زهران بن عوف بن ميدعان بن مالك ابن نصر بن الأزد وهو خليف لبني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي وفي ذلك يقول
( قومي سلامان إما كنت سائلة ... وفي قريش كريم الحلف والحسب )
( إني متى أدع مخزوما تري عنقا ... لا يرعشون لضرب القوم من كثب )
( يدعى المغيرة في أولى عديدهم ... أولاد مرأسة ليسوا من الذنب ) - بسيط -
وهو شاعر جاهلي مقل ليس من مشهوري الشعراء وهو أحد الصعاليك المغيرين على قبائل العرب وممن كان يعدو على رجليه عدوا يسبق به الخيل
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني العباس بن هشام عن أبيه عن عوف بن الحارث الأزدي أنه قال لابنه حاجز بن عوف أخبرني يا بني بأشد عدوك قال نعم أفزعتني خثعم فنزوت نزوات ثم

(13/233)


استفزتني الخيل واصطف لي ظبيان فجعلت أنهنههما بيدي عن الطريق ومنعاني أن أتجاوزها في العدو لضيق الطريق حتى اتسع واتسعت بنا فسبقتهما فقال له فهل جاراك أحد في العدو قال ما رأيت أحدا جاراني إلا أطيلس أغيبر من النقوم فإنا عدونا معا فلم أقدر على سبقه
قال النقوم بطن من الأزد من ولد ناقم واسمه عامر بن حوالة بن الهنو بن الأزد
نسخت أخبار حاجز من رواية ابي عمرو الشيباني
من كتاب بخط الموهبي الكوكبي قال أغار عوف بن الحارث بن الأخثم على بني هلال بن عامر بن صعصعة في يوم داج مظلم فقال لأصحابه انزلوا حتى أعتبر لكم فانطلق حتى أتى صرما من بني هلال وقد عصب على يد فرسه عصابا ليظلع فيطمعوا فيه فلما أشرف عليهم استرابوا به فركبوا في طلبه وانهزم من بين أيديهم وطمعوا فيه فهجم بهم على أصحابه بني سلامان فأصيب يومئذ بنو هلال وملأ القوم أيديهم من الغنائم ففي ذلك يقول حاجز بن عوف
( صباحك واسلمي عنا أماما ... تحية وامق وعمي ظلاما )
( برهرهة يحار الطرف فيها ... كحقة تاجر شدت ختاما )

(13/234)


( فإن تمس ابنة السهمي منا ... بعيدا لا تكلمنا كلاما )
( فإنك لا محالة أن تريني ... ولو أمست حبالكم رماما )
( بناجية القوائم عيسجور ... تدارك نيها عاما فعاما )
( سلي عني إذا اغبرت جمادى ... وكان طعام ضيفهم الثماما )
( السنا عصمة الأضياف حتى ... يضحى مالهم نفلا تواما )
( أبي ربع الفوارس يوم داج ... وعمي مالك وضع السهاما )
( فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما ) - وافر -
يعني بقوله وضع السهام أن الحارث بن عبد الله بن بكر بن يشكر ابن مبشر بن صقعب بن دهمان بن نصر بن زهران كان يأخذ من جميع الأزد إذا غنموا الربع لأن الرياسة في الأزد كانت لقومه وكان يقال لهم الغطاريف وهم أسكنوا الأسد بلد السراة وكانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم فغزتهم بنو فقيم بن عدي ابن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فظفرت بهم فاستغاثوا ببني سلامان فأغاثوهم حتى هزموا بني فقيم وأخذوا منهم الغنائم وسلبوهم فأراد

(13/235)


الحارث أن يأخذ الربع كما كان يفعل فمنعه مالك بن ذهل بن مالك بن سلامان وهو عم أبي حاجز وقال هيهات ترك الربع غدوة فأرسلها مثلا فقال له الحارث أتراك يا مالك تقدر أن تسود فقال هيهات الأزد أمنع من ذاك فقال أعطني ولو جعبا والجعب البعر في لغتهم لئلا تسمع العرب أنك منعتني فقال مالك فمن سماعها أفر ومنعه الربيع فقال حاجز في ذلك
( ألا زعمت أبناء يشكر أننا ... بربعهم باؤوا هنالك ناضل )
( ستمنعنا منكم ومن سوء صنعكم ... صفائح بيض أخلصتها الصياقل )
( وأسمر خطي إذا هز عاسل ... بأيدي كماة جربتها القبائل ) - طويل -
وقال أبو عمرو جمع حاجز ناسا من فهم وعدران فدلهم على خثعم فأصابوا منهم غرة وغنموا ما شاؤوا فبلغ حاجزا أنهم يتوعدونه ويرصدونه فقال
( وإني من إرعادكم وبروقكم ... وإيعادكم بالقتل صم مسامعي )
( وإني دليل غير مخف دلالتي ... على ألف بيت جدهم غير خاشع )
( ترى البيض يركضن المجاسد بالضحى ... كذا كل مشبوح الذراعين نازع )
( على أي شيء لا أبا لأبيكم تشيرون نحوي نحوكم بالأصابع ) - طويل -
طعنه واحاطة خثعم به
وقالوا أبو عمرو أغارت خثعم على بني سلامان وفيهم عمرو بن معد

(13/236)


يكرب وقد استنجدت به خثعم على بني سلامان فالتقوا واقتتلوا فطعن عمرو بن معد يكرب حاجزا فأنفذ فخذه فصاح حاجز يا آل الأزد فندم عمرو وقال خرجت غازيا وفجعت أهلي وانصرف فقال عزيل الخثعمي يذكر طعنة عمرو حاجزا فقال
( أعجز حاجز منا وفيه ... مشلشلة كحاشية الإزار )
( فعز علي ما أعجزت مني ... وقد أقسمت لا يضربك ضار ) - وافر -
فأجابه حاجز فقال
( إن تذكروا يوم القري فإنه ... بواء بأيام كثير عديدها )
( فنحن أبحنا بالشخيصة واهنا ... جهارا فجئنا بالنساء نقودها )
( ويوم كراء قد تدارك ركضنا ... بني مالك والخيل صعر خدودها )
( ويوم الأراكات اللواتي تأخرت ... سراة بني لهبان يدعو شريدها )
( ونحن صبحنا الحي يوم تنومة ... بملمومة يهوي الشجاع وئيدها )

(13/237)


( ويوم شروم قد تركنا عصابة ... لدى جانب الطرفاء حمرا جلودها )
( فما رغمت حلفا لأمر يصيبها ... من الذل إلا نحن رغما نزيدها ) - طويل -
وقال أبو عمرو بينما حاجز في بعض غزواته إذ أحاطت به خثعم وكان معه بشير ابن أخيه فقال له يا بشير ما تشير قال دعهم حتى يشربوا ويقفلوا ويمضوا ونمضي معهم فيظنونا بعضهم ففعلا وكانت في ساق حاجز شامة فنظرت إليها امرأة من خثعم فصاحت يا آل خثعم هذا حاجز فطاروا يتبعونه فقالت لهم عجوز كانت ساحرة أكفيكم سلاحه أو عدوه فقالوا لا نريد أن تكفينا عدوه فإن معنا عوفا وهو يعدو مثله ولكن اكفينا سلاحه فسحرت لهم سلاحه وتبعه عوف بن الأغر بن همام بن الأسربن عبد الحارث بن واهب بن مالك بن صعب بن غنم بن الفزع الخثعمي حتى قاربه فصاحت به خثعم يا عوف ارم حاجزا فلم يقدم عليه وجبن فغضبوا وصاحوا يا حاجز لك الذمام فاقتل عوفا فإنه قد فضحنا فنزع في قوسه ليرميه فانقطع وتره لأن المرأة الخثعمية كانت قد سحرت سلاحه فأخذ قوس بشير ابن أخيه فنزع فيها فانكسرت وهربا من القوم ففاتاهم ووجد حاجز بعيرا في طريقه فركبه فلم يسر في الطريق الذي يريده ونحا به نحو خثعم فنزل حاجز عنه فمر فنجا وقال في ذلك
( فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... بسعيكما بين الصفا والأثائب )
( أوان سمعت القوم خلفي كأنهم ... حريق إباء في الرياح الثواقب )

(13/238)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية