صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

قال أبو زيد في خبره أيضا ولما أمنه عبد الملك دخل عليه في جبة صوف فلبث قائما فقال له عبد الملك أنشدني بعض ما قلت في غزوتك هذه وفجرتك فأنشده قوله
( صبرت سليم للطعان وعامر ... وإذا جزعنا لم نجد من يصبر )
فقال له عبد الملك بن مروان كذبت ما أكثر من يصبر ثم أنشده
( نحن الذين إذا علوا لم يفخروا ... يوم اللقا وإذا علوا لم يضجروا )
فقال عبدالملك صدقت حدثني أبي عن أبي سفيان بن حرب أنكم كنتم كما وصفت يوم فتح مكة
حدثت عن الدمشقي عن الزبير بن بكار وأخبرني وكيع عن عبد الله بن شبيب عن الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز بن مروان أنه حضر الجحاف عند عبد الملك بن مروان يوما والأخطل حاضر في مجلسه ينشد
( ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر )
قال فتقبض وجهه في وجه الأخطل ثم إن الأخطل لما قال له ذلك قال له
( نعم سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميرا بالرماح الخواطر )
ثم قال ظننت أنك يابن النصرانية لم تكن تجتريء علي ولو رأيتني لك مأسورا وأوعده فما برح الأخطل حتى حم فقال له عبد الملك أنا جارك

(12/240)


منه قال هذا أجرتني منه يقظان فمن يجيرني منه نائما قال فجعل عبد الملك يضحك قال فأما قول الأخطل
( ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر )
فإنه يعني اليوم الذي قتلت فيه بنو تغلب عمير بن الحباب السلمي
وكان السبب في ذلك فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش قال حدثني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة عن ابن الأعرابي عن المفضل أن قيسا وتغلب تحاشدوا لما كان بينهم من الوقائع منذ ابتداء الحرب بمرج راهط فكانوا يتغاورون وكانت بنو مالك بن بكر جامعة بالتوباذ وما حوله وجلبت إليها طوائف تغلب وجميع بطونها إلا أن بكر بن جشم لم تجتمع أحلافهم من النمر بن قاسط وحشدت بكر فلم يأت الجمع منهم على قدر عددهم وكانت تغلب بدوا بالجزيرة لا حاضرة لها إلا قليل بالكوفة وكانت حاضرة الجزيرة لقيس وقضاعة وأخلاط مضر ففارقتهم قضاعة قبل حرب تغلب وأرسلت تغلب إلى مهاجريها وهم بأذربيجان فأتاهم شعيب بن مليل في ألفي فارس واستنصر عمير تميما وأسدا فلم يأته منهم أحد فقال
( أيا أخوينا من تميم هديتما ... ومن أسد هل تسمعان المناديا )
( ألم تعلما مذ جاء بكر بن وائل ... وتغلب الفافا تهز العواليا )

(12/241)


( إلى قومكم قد تعلمون مكانهم ... وهم قرب أدنى حاضرين وباديا )
وكان من حضر ذلك من وجوه بكر بن وائل المجشر بن الحارث بن عامر بن مرة بن عبد الله بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان من سادات شيبان بالجزيرة فأتاهم في جمع كثير من بني أبي ربيعة وفي ذلك يقول تميم ابن الحباب بعد يوم الحشاك
( فإن تحتجز بالماء بكر بن وائل ... بني عمنا فالدهر ذو متغير )
( فسوف نخيض الماء أو سوف نلتقي ... فنقتص من أبناء عم المجشر )
وأتاهم زمام بن مالك بن الحصين من بني عمرو بن هاشم بن مرة في جمع كبير فشهدوا يوم الثرثار فقتل وكان فيمن أتاهم من العراق من بكر بن وائل عبيد الله بن زياد بن ظبيان ورهصة بن النعمان بن سويد بن خالد من بني أسعد بن همام فلذلك تحامل المصعب بن الزبير على أبان بن زياد أخي عبيد الله بن زياد فقتله وفي هذا السبب كانت فرقة عبيد الله لمصعب وجمعت تغلب فأكثرت فلما أتى عميرا كثرة من أتى من بني تغلب وأبطأ عنه أصحابه قال يستبطئهم
( أناديهم وقد خذلت كلاب ... وحولي من ربيعة كالجبال )
( أقاتلهم بحي بني سليم ... ويعصر كالمصاعيب النهال )
( فدى لفوارس الثرثار قومي ... وما جمعت من أهلي ومالي )
( فإما أمس قد حانت وفاتي ... فقد فارقت أعصر غير قال )
( أبعد فوارس الثرثار أرجو ... ثراء المال أو عدد الرجال )

(12/242)


ثم زحف العسكران فأتت قيس وتغلب الثرثار بين راس الأثيل والكحيل فشاهدوا القتال يوم الخميس وكان شعيب بن مليل وثعلبة بن نياط التغلبيان قدما في ألفي فارس في الحديد فعبروا على قرية يقال لها لبى على شاطيء دجلة بين تكريت وبين الموصل ثم توجهوا إلى الثرثار فنظر شعيب إلى دواخن قيس فقال لثعلبة بن نياط سر بنا إليهم فقال له الرأي أن نسير إلى جماعة قومنا فيكون مقاتلنا واحدا فقال شعيب والله لا تحدث تغلب أني نظرت إلى دواخنهم ثم انصرفت عنهم فأرسل ناسا من أصحابه قدامة وعمير يقاتل بني تغلب وذلك يوم الخميس وعلى تغلب حنظلة بن هوبر أحد بني كنانة بن تميم فجاء رجل من أصحاب عمير إليه فأخبره أن طلائع شعيب قد أتته وأنه قد عدل إليه فقال عمير لأصحابه اكفوني قتال ابن هوبر ومضى هو في جماعة من أصحابه فأخذ الذين قدمهم شعيب فقتلهم كلهم غير رجل من بني كعب بن زهير يقال له قتب بن عبيد فقال عمير يا قتب أخبرني ما وراءك قال قد أتاك شعيب بن مليل في أصحابه وفارق ثعلبة بن نياط شعيبا فمضى إلى حنظلة بن هوبر فقاتل معه القيسية فقتل فالتقى عمير وشعيب فاقتتلوا قتالا شديدا فما صليت العصر حتى قتل شعيب وأصحابه أجمعون وقطعت رجل شعيب يومئذ فجعل يقاتل القوم وهو يقول
( قد علمت قيس ونحن نعلم ... أن الفتى يفتك وهو أجذم )
فلما قتل شعيب نزل أصحابه فعقروا دوابهم ثم قاتلوا حتى قتلوا فلما رآه عمير قتيلا قال من سره أن ينظر إلى الأسد عقيرا فها هو ذا وجعلت تغلب يومئذ ترتجز وتقاتل وهي تقول

(12/243)


حذف

(12/0)


( انعوا إياسا واندبوا مجاشعا ... كلاهما كان كريما فاجعا )
( ويه بني تغلب ضربا ناقعا ... )
وانصرف عمير إلى عسكره وأبلغ بني تغلب مقتل شعيب فحميت على القتال وتذامرت على الصبر فقال محصن بن حصين بن جنجور أحد الأبناء مضيت أنا ومن أفلت من أصحاب شعيب بعد العصر فأتينا راهبا في صومعته فسألنا عن حالنا فأخبرناه فأمر تلميذا له فجاءه بخرق فداوى جراحنا وذلك غداة يوم الجمعة فلما كان آخر ذلك اليوم أتانا خبر مقتل عمير وأصحابه وهرب من أفلت منهم
صوت
( إن جنبي على الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب )
( من حديث نمى إلى فما أطعم ... غمضا ولا أسيغ شرابي )
( لشرحبيل إذ تعاوره الأرماح ... في حال شدة وشباب )
( فارس يطعن الكماة جريء ... تحته قارح كلون الغراب )
عروضه من الخفيف الأسر البعير الذي يكون به السرر وهي قرحة تخرج في كركرته لا يقدر أن يبرك إلا على موضع مستو من الأرض والظراب النشوز والجبال الصغار واحدها ظرب والشعر لغلفاء وهو معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي يرثي أخاه شرحبيل قتيل يوم الكلاب الأول والغناء للغريض ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ويونس وعمرو

(12/244)


قصة يوم الكلاب الاول
وكان السبب في مقتله وقصة يوم الكلاب فيما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش قالا حدثنا أبو سعيد السكري قال أخبرنا محمد بن حبيب عن أبي عبيدة قال أخبرني إبراهيم بن سعدان عن أبيه عن أبي عبيدة قال أخبرني دماذ عن أبي عبيدة قال كان من حديث الكلاب الأول أن قباذ ملك فارس لما ملك كان ضعيف الملك فوثبت ربيعة على المنذر الأكبر بن ماء السماء وهو ذو القرنين بن النعمان بن الشقيقة فأخرجوه وإنما سمي ذا القرنين لأنه كانت له ذؤابتان فخرج هاربا منهم حتى مات في إياد وترك ابنه المنذر الأصغر فيهم وكان أذكى ولده فانطلقت ربيعة إلى كندة فجاؤوا بالحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار فملكوه على بكر بن وائل وحشدوا له فقاتلوا معه فظهر على ما كانت العرب تسكن من أرض العراق وأبى قباذ أن يمد المنذر بجيش فلما رأى ذلك المنذر كتب إلى الحارث بن عمرو إني في غير قومي وأنت أحق من ضمني وأنا متحول إليك فحوله إليه وزوجه ابنته هندا ففرق الحارث بنيه في قبائل العرب فصار شرحبيل بن الحارث في بني بكر بن وائل وحنظلة بن مالك وبني أسيد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب وصار معد يكرب بن الحارث وهو غلفاء في قيس وصار سلمة بن الحارث في

(12/245)


بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة فلما هلك الحارث تشتت أمر بنيه وتفرقت كلمتهم ومشت الرجال بينهم وكانت المغاورة بين الأحياء الذين معهم وتفاقم الأمر حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه بين الأحياء الذين معهم وتفاقم الأمر حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع فسار شرحبيل ومن معه من بني تميم والقبائل فنزلوا الكلاب وهو فيما بين الكوفة والبصرة على سبع ليال من اليمامة وأقبل سلمة بن الحارث في تغلب والنمر ومن معه وفي الصنائع وهم الذين يقال لهم بنو رقية وهي أم لهم ينتسبون إليها وكانوا يكونون مع الملوك يريدون الكلاب وكان نصحاء شرحبيل وسلمة قد نهوهما عن الحرب والفساد والتحاسد وحذروهما عثرات الحرب وسوء مغبتها فلم يقبلا ولم يبرحا وأبيا إلا التتايع واللجاجة في أمرهم فقال امرؤ القيس بن حجر في ذلك
( أنى علي استتب لومكما ... ولم تلوما عمرا ولا عصما )
( كلا يمين الإله يجمعنا ... شيء وأخوالنا بني جشما )
( حتى تزور السباع ملحمة ... كأنها من ثمود أو إرما )
وكان أول من ورد الكلاب من جمع سلمة سفيان بن مجاشع بن دارم وكان نازلا في بني تغلب مع إخوته لأمه فقتلت بكر بن وائل بنين له فيهم مرة بن سفيان قتله سالم بن كعب بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فقال سفيان وهو يرتجز
( الشيخ شيخ ثكلان ... والجوف جوف حران )
( والورد ورد عجلان ... أنعى مرة بن سفيان )

(12/246)


وفي ذلك يقول الفرزدق
( شيوخ منهم عدس بن زيد ... وسفيان الذي ورد الكلابا )
وأول من ورد الماء من بني تغلب رجل من بني عبد جشم يقال له النعمان ابن قريع بن حارثة بن معاوية بن عبد بن جشم وعبد يغوث بن دوس وهو عم الأخطل دوس والفدوكس أخوان على فرس له يقال له الحرون وبه كان يعرف ثم ورد سلمة بين تغلب وسعد وجماعة الناس وعلى بني تغلب يومئذ السفاح واسمه سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب وهو يقول
( إن الكلاب ماؤنا فجلوه ... وساجرا والله لن تحلوه )
فاقتتل القوم قتالا شديدا وثبت بعضهم لبعض حتى إذا كان في آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل وانصرفت بنو سعد وألفافها عن بني تغلب وصبر ابنا وائل بكر وتغلب ليس معهم غيرهم حتى إذا غشيهم الليل نادى منادي سلمة من أتى برأس شرحبيل فله مائة من الإبل وكان شرحبيل نازلا في بني حنظلة وعمرو بن تميم ففروا عنه وعرف مكانه أبو حنش وهو عصم بن النعمان بن مالك بن غياث بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب فصمد نحوه فلما انتهى إليه رآه جالسا وطوائف الناس يقاتلون حوله فطعنه بالرمح ثم نزل إليه فاحتز رأسه وألقاه إليه ويقال إن بني حنظلة وبني عمرو بن تميم والرباب لما انهزموا خرج معهم شرحبيل فلحقه ذو السنينة واسمه حبيب بن عتيبة بن حبيب بن بعج بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر وكانت له سن زائدة فالتفت

(12/247)


شرحبيل فضرب ذا السنينة على ركبته فأطن رجله وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه أمهما سلمى بنت عدي بن ربيعة بنت أخي كليب ومهلهل فقال ذو السنينة قتلني الرجل فقال أبو حنش قتلني الله إن لم أقتله فحمل عليه فلما غشيه قال يا أبا حنش أملكا بسوقة قال إنه قد كان ملكي فطعنه أبو حنش فأصاب رادفة السرج فورعت عنه ثم تناوله فألقاه عن فرسه ونزل إليه فاحتز رأسه فبعث به إلى سلمة مع ابن عم له يقال له أبو أجأ بن كعب بن مالك بن غياث فألقاه بين يديه فقال له سلمة لو كنت ألقيته إلقاء رفيقا فقال ما صنع بي وهو حي أشد من هذا وعرف أبو أجأ الندامة في وجهه والجزع على أخيه فهرب وهرب أبو حنش فتنحى عنه فقال معد يكرب أخو شرحبيل وكان صاحب سلامة معتزلا عن جميع هذه الحروب
( ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فما لك لا تجيء إلى الثواب )
( تعلم أن خير الناس طرا ... قتيل بين أحجار الكلاب )
( تداعت حوله جشم بن بكر ... وأسلمه جعاسيس الرباب )
( قتيل ما قتيلك يابن سلمى ... تضر به صديقك أو تحابي )
فقال أبو حنش مجيبا له
( أحاذر أن أجيئكم فتحبو ... حباء أبيك يوم صنيبعات )
( فكانت غدرة شنعاء تهفو ... تقلدها أبوك إلى الممات )

(12/248)


ويقال إن الشعر الأول لسلمة بن الحارث
وقال معد يكرب المعروف بغلفاء يرثي أخاه شرحبيل بن الحارث
( إن جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسر فوق الظراب )
( من حديث نمى إلي فلا تر ... فأعيني ولا أسيغ شرابي )
( مرة كالذعاف أكتمها الناس ... على حر ملة كالشهاب )
( من شرحبيل إذ تعاوره الأر ... ماح في حال لذة وشباب )
( يابن أمي ولو شهدتك إذ تدعو ... تميما وأنت غير مجاب )
( لتركت الحسام تجري ظباه ... من دماء الأعداء يوم الكلاب )
( ثم طاعنت من ورائك حتى ... تبلغ الرحب أو تبز ثيابي )
( يوم ثارت بنو تميم وولت ... خيلهم يتقين بالأذناب )
( ويحكم يا بني أسيد إني ... ويحكم ربكم ورب الرباب )
( أين معطيكم الجزيل وحابيكم ... على الفقر بالمئين الكباب )
( فارس يضرب الكتيبة بالسيف ... على نحره كنضح الملاب )

(12/249)


( فارس يطعن الكماة جريء ... تحته قارح كلون الغراب )
قال ولما قتل شرحبيل قامت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم دون عياله فمنعوهم وحالوا بين الناس وبينهم ودفعوا عنهم حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم ولي ذلك منهم عوف بن شجنة بن الحارث بن عطارد بن عوف بن سعد بن كعب وحشد له فيه رهطه ونهضوا معه فأثنى عليهم في ذلك امرؤ القيس بن حجر ومدحهم به في شعره فقال
( ألا إن قوما كنتم أمس دونهم ... هم استنقذوا جاراتكم آل غدران )
( عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في يوم الهزاهز صفوان )
وهي قصيدة معروفة طويلة
صوت
( وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا )
( وأنت أخي مالم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا )
الشعر لعبد الله بن معاوية بن عبد الله الجعفري يقوله للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس هكذا ذكر مصعب الزبيري وذكر مؤرج فيما أخبرنا به اليزيدي عن عمه أبي جعفر عن مؤرج وهو الصحيح أن عبد الله بن معاوية قال هذا الشعر في صديق له يقال له قصي بن ذكوان وكان قد عتب عليه وأول الشعر
( رأيت قصيا كان شيئا ملففا ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا )
( فلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تنائيا )
والغناء لبنان بن عمرون رمل بالوسطى وفيه الثقيل الأول لعريب من رواية أبي العنبس وغيره

(12/250)


خبر عبد الله بن معاوية ونسبه
هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف وأم عبد الله بن جعفر وسائر بني جعفر أسماء بنت عميس بن معد بن تميم بن مالك بن قحافة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل وهوخماعة بن خثعم ابن أنمار وأمها هند بنت عوف امرأة من جرش هذه الجرشية أكرم الناس أحماء أحماؤها رسول الله وعلي وجعفر وحمزة والعباس وأبو بكر رضي الله تعالى عنهم وإنما صار رسول الله من أحمائها أنه كان لها أربع بنات ميمونة زوجة رسول الله وأم الفضل زوجة العباس وأم بنته وسلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب بنات الحارث وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن كانت عند جعفر بن أبي طالب ثم خلف عليها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ثم خلف عليها علي بن أبي طالب عليه السلام وولدت من جميعهم وهن اللواتي قال رسول الله لهن إنهن مؤمنات
حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثني يحيى بن الحسن

(12/251)


العلوي قال حدثنا هارون بن محمد بن موسى الفروي قال حدثنا داود بن عبد الله قال حدثني عبد العزيز الدراوردي عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله الأخوات المؤمنات ميمونة وأم الفضل وسلمى وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن
حدثني أحمد قال حدثني يحيى قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثني عبد الرزاق قال أخبرني يحيى بن العلاء البجلي عن عمه شعيب بن خالد عن حنظلة بن سمرة بن المسيب عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال دخل النبي على فاطمة وعلي عليهما السلام ليلة بنى بها فأبصر خيالا من وراء الستر فقال من هذا فقالت أسماء قال بنت عميس قالت نعم أنا التي أحرس بنتك يا رسول الله فإن الفتاة ليلة بنائها لا بد لها من امرأة تكون قريبا منها إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها فقال رسول الله فإني أسأل إلهي أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان
بعض من أخبار عبد الله بن جعفر
وقد أدرك عبد الله بن جعفر رحمه الله رسول الله وروى عنه
فمما روى عنه ما حدثنيه حامد بن محمد بن شعيب البلخي وأحمد بن محمد بن الجعد قالا حدثنا محمد بن بكار قال حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال رأيت النبي يأكل البطيخ بالرطب
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا يحيى بن الحسن قال حدثنا

(12/252)


سلمة بن شبيب قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن يحيى وعثمان بن أبي سليمان قالا مر النبي بعبد الله بن جعفر وهو يصنع شيئا من طين من لعب الصبيان فقال ما تصنع بهذا قال أبيعه قال ما تصنع بثمنه قال أشتري به رطبا فآكله فقال النبي اللهم بارك له في صفقة يمينه فكان يقال ما اشترى شيئا إلا ربح فيه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب أن الحزين قمر في العقيق في غداة باردة ثيابه فمر به عبد الله بن جعفر وعليه مقطعات خز فاستعار الحزين من رجل ثوبا ثم قام إليه فقال
( أقول له حين واجهته ... عليك السلام أبا جعفر )
فقال وعليك السلام فقال
( فأنت المهذب من غالب ... وفي البيت منها الذي تذكر )
فقال كذبت يا عدو الله ذاك رسول الله فقال

(12/253)


( فهذي ثيابي قد أخلقت ... وقد غضني زمن منكر )
قال هاك ثيابي فأعطاه ثيابه
قال الزبير قال عمي أما البيت الثاني فحدثني عمي عن الفضل بن الربيع عن أبي وما بقي فأنا سمعته من أبي
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال بلغني أن أعرابيا وقف على مروان بن عبد الحكم أيام الموسم بالمدينة فسأله فقال يا أعرابي ما عندنا ما نصلك ولكن عليك بابن جعفر فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فإذا ثقله قد سار نحو مكة وراحلته بالباب عليها متاعها وسيف معلق فخرج عبد الله من داره وأنشأ الأعرابي يقول
( أبو جعفر من أهل بيت نبوة ... صلاتهم للمسلمين طهور )
( أبا جعفر إن الحجيج ترحلوا ... وليس لرحلي فاعلمن بعير )
( أبا جعفر ضن الأمير بماله ... وأنت على ما في يديك أمير )
( وأنت امرؤ من هاشم في صميمها ... إليك بصير المجد حيث تصير )
فقال يا أعرابي سار الثقل فدونك الراحلة بما عليها وإياك أن تخدع عن السيف فإني أخذته بألف دينار فأنشأ الأعرابي يقول
( حباني عبد الله نفسي فداؤه ... بأعيس موار سباط مشافره )
( وأبيض من ماء الحديد كأنه ... شهاب بدا والليل داج عساكره )

(12/254)


( وكل امرىء يرجو نوال ابن جعفر ... سيجري له باليمن والبشر طائره )
( فيا خير خلق الله نفسا ووالدا ... وأكرمه للجار حين يجاوره )
( سأثني بما أوليتني يابن جعفر ... وما شاكر عرفا كمن هو كافره )
وحدثني أحمد بن يحيى عن رجل قال حدثني شيخ من بني تميم بخراسان قال جاء شاعر إلى عبد الله بن جعفر فأنشده
( رأيت أبا جعفر في المنام ... كساني من الخز دراعه )
( شكوت إلى صاحبي أمرها ... فقال ستؤتى بها الساعه )
( سيكسوكها الماجد الجعفري ... ومن كفه الدهر نفاعه )
( ومن قال للجود لا تعدني ... فقال لك السمع والطاعه )
فقال عبد الله لغلامه ادفع إليه دراعتي الخز ثم قال له كيف لو ترى جبتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلاثمائة دينار فقال له الشاعر بأبي دعني اغفي إغفاءة أخرى فلعلي أرى هذه الجبة في المنام فضحك منه وقال يا غلام ادفع إليه جبتي الوشي
حدثني أحمد قال يحيى قال ابن دأب وسمع قول الشماخ بن ضرار الثعلبي في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رحمه الله
( إنك يابن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى )
( وجار ضيف طرق الحي سرى ... صادف زادا وحديثا يشتهى )
( إن الحديث طرف من القرى ... )
فقال ابن دأب العجب للشماخ يقول مثل هذا القول لابن جعفر ويقول لعرابة

(12/255)


الأوسي
( إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين )
عبد الله بن جعفر كان أحق بهذا من عرابة
قال يحيى بن الحسن وكان عبد الله بن الحسن يقول كان أهل المدينة يدانون بعضهم من بعض إلى أن يأتي عطاء عبد الله بن جعفر
أخبرني أحمد قال حدثني يحيى قال حدثني أبو عبيد قال حدثني يزيد ابن هارون عن هشام عن ابن سيرين قال جلب رجل إلى المدينة سكرا فكسد عليه فقيل له لو أتيت ابن جعفر قبله منك وأعطاك الثمن فأتى ابن جعفر فأخبره فأمره بإحضاره وبسط له ثم أمر به فنثر فقال للناس انتهبوا فلما رأى الناس ينتهبون قال جعلت فداءك آخذ معهم قال نعم فجعل الرجل يهيل في غرائره ثم قال لعبد الله أعطني الثمن فقال وكم ثمن سكرك قال أربعة آلاف درهم فأمر له بها
أخبرنا أحمد قال حدثني يحيى بن علي وحدثني ابن عبد العزيز قال حدثنا أبو محمد الباهلي حسن بن سعيد عن الأصمعي نحوه وزاد فيه قال فقال الرجل مايدري هذا وما يعقل أخذ أم أعطى لأطلبنه بالثمن ثانية فغدا عليه فقال ثمن سكري فأطرق عبد الله مليا ثم قال يا غلام أعطه أربعة آلاف درهم فأعطاه إياها فقال الرجل قد قلت لكم إن هذا

(12/256)


الرجل لا يعقل أخذ أم أعطى لأطلبنه بالثمن فغدا عليه فقال أصلحك الله ثمن سكري فأطرق عبد الله مليا ثم رفع رأسه إلى رجل فقال ادفع إليه أربعة آلاف درهم فلما ولى ليقبضها قال له ابن جعفر يا أعرابي هذه تمام اثني عشر ألف درهم فانصرف الرجل وهو يعجب من فعله
وأخبرني أبو الحسن الأسدي عن دماذ عن أبي عبيدة أن أعرابيا باع راحلة من عبد الله بن جعفر ثم غدا عليه فاقتضى ثمنها فأمر له به ثم عاوده ثلاثا وذكر في الخبر مثل الذي قبله وزاد فيه فقال فيه
( لا خير في المجتدى في الحين تسأله ... فاستمطروا من قريش خير مختدع )
( تخال فيه إذا حاروته بلها ... من جوده وهو وافي العقل والورع )
وهذا الشعر يروى لابن قيس الرقيات
توفي في خلافة عبد الملك بن مروان
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني مصعب بن عثمان قال لما ولي عبد الملك الخلافة جفا عبد الله بن جعفر فراح يوما إلى الجمعة وهو يقول اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها فإن كان ذلك قد انقضى فاقبضني إليك فتوفي في الجمعة الأخرى قال يحيى توفي عبد الله وهو ابن سبعين سنة في سنة ثمانين وهو عام الجحاف لسيل كان بمكة جحف الحاج فذهب بالإبل عليها الحمولة وكان الوالي على المدينة يومئذ أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك بن مروان وهو الذي صلى عليه

(12/257)


حدثني أحمد بن محمد قال أخبرنا يحيى قال حدثنا الحسين بن محمد قال أخبرني محمد بن مكرم قال أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال أخبرني الأصمعي عن الجعفري قال لما مات عبد الله بن جعفر شهده أهل المدينة كلهم وإنما كان عبد الله بن جعفر مأوى المساكين وملجأ الضعفاء فما تنظر إلى ذي حجى إلا رأيته مستعبرا قد أظهر الهلع والجزع فلما فرغوا من دفنه قام عمرو بن عثمان فوقف على شفير القبر فقال رحمك الله يا بن جعفر إن كنت لرحمك لواصلا ولأهل الشر لمبغضا ولأهل الريبة لقاليا ولقد كنت فيما بيني وبينك كما قال الأعشى
( رعيت الذي كان بيني وبينكم ... من الود حتى غيبتك المقابر )
فرحمك الله يوم ولدت ويوم كنت رجلا ويوم مت ويوم تبعث حيا والله لئن كانت هاشم أصيبت بك لقد عم قريشا كلها هلكك فما أظن أن يرى بعدك مثلك
فقام عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق فقال لا إله إلا الله الذي يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون ما كان أحلى العيش بك يابن جعفر وما أسمج ما اصبح بعدك والله لو كانت عيني دامعة على أحد لدمعت عليك كان والله حديثك غير مشوب بكذب وودك غر ممزوج بكدر
فوثب ابن للمغيرة بن نوفل ولم يثبث الأصمعي اسمه فقال يا عمرو بمن تعرض بمزج الود وشوب الحديث أفبأبني فاطمة فهما والله خير منك ومنه فقال على رسلك يا لكع أردت أن أدخلك معهم هيهات لست هناك والله لو مت أنت ومات أبوك ما مدحت ولا ذممت فتكلم

(12/258)


بما شئت فلن تجد لك مجيبا فما هو إلا أن سمعهما الناس يتكلمان حتى حجزوا بينهما وانصرفوا قال يحيى وقال عبد الله بن قيس الرقيات في علة عبد الله بن جعفر التي مات فيها
( بات قلبي تشفه الأوجاع ... من هموم تجنها الأضلاع )
( من حديث سمعته منع النوم ... فقلبي مما سمعت يراع )
( إذ أتانا بما كرهنا أبو اللسلاس ... كانت بنفسه الأوجاع )
( قال ما قال ثم راح سريعا ... أدركت نفسه المنايا السراع )
( قال يشكو الصداع وهو ثقيل ... بك لا بالذي عنيت الصداع )
( ابن أسماء لا أبالك تنعى ... أنه غير هالك نفاع )
( هاشميا بكفه من سجال المجد ... سجل يهون فيه القباع )
( نشر الناس كل ذلك منه ... شيمة المجد ليس فيه خداع )
( لم أجد بعدك الأخلاء إلا ... كثماد به قذى أو نقاع )
( بيته من بيوت عبد مناف ... مد أطنابه المكان اليفاع )
( منتهى الحمد والنبوة والمجد ... إذا قصر اللئام الوضاع )
( فستأتيك مدحة من كريم ... ناله من ندى سجالك باع )
من هذا الشعر الذي قاله ابن قيس في عبد الله بن جعفر بيتان يغني فيهما وهما

(12/259)


صوت
( قد أتانا بما كرهنا أبو اللسلاس ... كانت بنفسه الأوجاع )
( قال يشكو الصداع وهو ثقيل ... بك لا بالذي ذكرت الصداع )
غناه عمرو بن بانة خفيف ثقيل الأول بالوسطى على مذهب إسحاق ويقال إن عمرو بن بانة صاغ هذا اللحن في هذا الشعر وغنى به الواثق بعقب علة نالته وصداع تشكاه قال فاستحسنه وأمر له بعشرة آلاف درهم وأم معاوية بن عبد الله بن جعفر أم ولد وكان من رجالات قريش ولم يكن في ولد عبد الله مثله
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي عبد الرحمن القرشي أن معاوية بن عبد الله بن جعفر ولد وأبوه عبد الله عند معاوية فأتاه البشير بذلك وعرف معاوية الخبر فقال سمه معاوية ولك مائة ألف درهم ففعل فأعطاه المال وأعطاه عبد الله للذي بشره به قال المدائني وكان عبد الله بن جعفر لا يؤدب ولده ويقول إن يرد الله جل وعز بهم خيرا يتأدبوا فلم ينجب فيهم غير معاوية
ابن هرمة ومعاوية بن عبد الله بن جعفر
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال هارون وحدثني محمد بن عبد الله بن موسى بن خالد بن الزبير بن العوام قال حدثني عمرو بن الحكم السعيدي وإبراهيم بن محمد ومحمد بن معن بن عنبسة قالوا

(12/260)


كان معاوية بن عبد الله بن جعفر قد عود ابن هرمة البر فجاءه يوما وقد ضاقت يده وأخذ خمسين دينارا بدين فرفع إليه مع جاريته رقعة فيها مديح له يسأله فيه أيضا برا فقال للجارية قولي له أيدينا ضيقة وما عندنا شيء إلا شيء أخذناه بكلفة فرجعت جاريته بذلك فأخذ الرقعة فكتب فيها
( فإني ومدحك غير المصيب ... كالكلب ينبح ضوء القمر )
( مدحتك أرجو لديك الثواب ... فكنت كعاصر جنب الحجر )
وبعث بالرقعة مع الجارية فدفعتها إلى معاوية فقال لها ويحك قد علم بها أحد قالت لا والله إنما دفعها من يده إلى يدي قال فخذي هذه الدنانير فادفعيها إليه فخرجت بها إليه فقال كلا أليس زعم أنه لا يدفع إلي شيئا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال سمى عبد الله بن جعفر ابنه معاوية بمعاوية بن أبي سفيان قال وكان معاوية بن عبد الله بن جعفر صديقا ليزيد بن معاوية خاصة فسمى ابنه بيزيد بن معاوية
وصية عبد الله بن جعفر
قال الزبير وحدثني محمد بن إسحاق بن جعفر عن عمه محمد

(12/261)


أن عبد الله بن جعفر لما حضرته الوفاة دعا ابنه معاوية فنزع شنفا كان في أذنه وأوصى إليه وفي ولده من هو أسن منه وقال له إني لم أزل أؤملك لها فلما توفي احتال بدين أبيه وخرج فطلب فيه حتى قضاه وقسم أموال أبيه بين ولده ولم يستأثر عليهم بدينار ولا درهم ولا غيرهما
وأم عبد الله بن معاوية أم عون بنت عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ويقال بنت عياش بن ربيعة وقد روى عباس عن النبي وكان معه يوم حنين وهو أحد من ثبت معه يومئذ
وكان عبد الله من فتيان بني هاشم وجودائهم وشعرائهم ولم يكن محمود المذهب في دينه وكان يرمى بالزندقة ويستولي عليه من يعرف ويشهر أمره فيها وكان قد خرج بالكوفة في آخر أيام مروان بن محمد ثم انتقل عنها إلى نواحي الجبل ثم إلى خراسان فأخذه أبو مسلم فقتله هناك ويكنى عبد الله بن جعفر أبا معاوية وله يقول ابن هرمة
( أحب مدحا أبا معاوية الماجد ... لا تلقه حصورا عييا )

(12/262)


( بل كريما يرتاح للمجد بساما ... إذا هزه السؤال حييا )
( إن لي عنده وإن رغم الأعداء حظا من نفسه وقفيا )
قفيا أثرة يقول إن لي عنده لأثرة على غيري وقال قوم آخرون القفي الكرامة
( إن أمت تبق مدحتي وإخائي ... وثنائي من الحياة مليا )
( يأخذ السبق بالتقدم في الجري ... إذا ما الندى انتحاه عليا )
( ذو وفاء عند العدات وأوصاه ... أبوه ألا يزال وفيا )
( فرعى عقدة الوصاة فأكرم ... بهما موصيا وهذا وصيا )
( يا بن أسماء فاسق دلوي فقد أوردتها ... منهلا يثج رويا )
يعني أمه أسماء وهي أم عون بنت العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأول هذه القصيدة
( عاتب النفس والفؤاد الغويا ... في طلاب الصبا فلست صبيا )
قال يحيى بن علي فيما أجازه لنا أخبرني أبو أيوب المديني وأخبرنا وكيع عن هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد بن إسحاق عن أبيه قالا مدح ابن هرمة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأتاه فوجد الناس بعضهم على بعض على بابه قال ابن هرمة ورآني بعض خدمه فعرفني فسألته عن الذي رأيتهم ببابه فقال عامتهم غرماء له فقلت ذاك شر واستؤذن لي عليه فقلت لم أعلم بهؤلاء الغرماء ببابك قال لا عليك أنشدني قلت أعيذك بالله واستحييت أن أنشد

(12/263)


فأبى إلا أن أنشده قصيدتي التي أقول فيها
( حللت محل القلب من آل هاشم ... فعشك مأوى بيضها المتفلق )
( ولم تك بالمعزى إليها نصابه ... لصاقا ولا ذا المركب المتعلق )
( فمن مثل عبد الله أو مثل جعفر ... ومثل أبيك الأريحي المرهق )
فقال من هاهنا من الغرماء فقيل فلان وفلان فدعا باثنين منهم فسارهما وخرجا وقال لي اتبعهما قال فأعطياني مالا كثيرا قال يحيى ومن مختار مدحه فيه منها قوله
( فإلا توات اليوم سلمى فربما ... شربنا بحوض اللهو غير المرنق )
( فدعها فقد أعذرت في ذكر وصلها ... وأجريت فيها شأو غرب ومشرق )
( ولكن لعبد الله فانطق بمدحة ... تجيرك من عسر الزمان المطبق )
( أخ قلت للاذنين لما مدحته ... هلموا وساري الليل م الآن فاطرق )
( شديد التأني في الأمور مجرب ... متى يعر أمر القوم يفر ويخلق )
( ترى الخير يجري في أسرة وجهه ... كما لألأت في السيف جرية رونق )
( كريم إذا ما شاء عد له أبا ... له نسب فوق السماك المحلق )
( وأما لها فضل على كل حرة ... متى ما تسابق بابنها القوم تسبق )
ومما يغني فيه من قصيدة ابن هرمة اليائية التي مدح بها ابن معاوية قوله

(12/264)


صوت
( عجبت جارتي لشيب علاني ... عمرك الله هل رأيت بديا )
( إنما يعذر الوليد ولا يعذر ... من عاش في الزمان عتيا )
غنى فيهما فليح رملا بالبنصر من رواية عمرو بن بانة ومن رواية حبش فيهما لابن محرز خفيف ثقيل بالبنصر
خروج عبد الله بن معاوية على بني أمية
حدثنا بالسبب في خروجه أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وعمه عيسى قال ابن عمار وأخبرنا أيضا ببعض خبره أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيري قال ابن عمار وأخبرني أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي اليقظان وشهاب بن عبد الله وغيرهما قال ابن عمار وحدثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره قال أبو الفرج الأصبهاني ونسخت أنا أيضا بعض خبره من كتاب محمد بن علي بن حمزة عن المدائني وغيره فجمعت معاني ما ذكروه في ذلك كراهة الإطالة أن عبد الله بن معاوية قدم الكوفة زائرا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومستميحا له فتزوج بالكوفة بنت الشرقي بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعي الرياحي فلما وقعت العصبية أخرجه أهل الكوفة على بني أمية وقالوا له أخرج فأنت أحق بهذا الأمر من غيرك واجتمعت له جماعة فلم يشعر به عبد الله بن عمر إلا وقد خرج عليه قال ابن عمار في خبره إنه إنما خرج في أيام

(12/265)


يزيد بن الوليد ظهر بالكوفة ودعا إلى الرضا من آل محمد ولبس الصوف وأظهر سيما الخير فاجتمع إليه وبايعه بعض أهل الكوفة ولم يبايعه كلهم وقالوا ما فينا بقية قد قتل جمهورنا مع أهل هذا البيت وأشاروا عليه بقصد فارس وبلاد المشرق فقبل ذلك وجمع جموعا من النواحي وخرج معه عبد الله بن العباس التميمي قال محمد بن علي بن حمزة عن سليمان بن أبي شيخ عن محمدد بن الحكم عن عوانة إن ابن معاوية قبل قصده المشرق ظهر بالكوفة ودعا إلى نفسه وعلى الكوفة يومئذ عامل ليزيد الناقص يقال له عبد الله بن عمر فخرج إلى ظهر الكوفة مما يلي الحرة فقاتل ابن معاوية قتالا شديدا قال محمد بن علي بن حمزة عن المدائني عن عامر بن حفص وأخبرني به ابن عمار عن أحمد بن الحارث عن المدائني أن ابن عمر هذا دس إلى رجل من أصحاب ابن معاوية من وعده عنه مواعيد على أن ينهزم عنه وينهزم الناس بهزيمته فبلغ ذلك ابن معاوية فذكره لأصحابه وقال إذا انهزم ابن حمزة فلا يهولنكم فلما التقوا انهزم ابن حمزة وانهزم الناس معه فلم يبق غير ابن معاوية فجعل يقاتل وحده ويقول
( تفرقت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد )
ثم ولى وجهه منهزما فنجا وجعل يجمع من الأطراف والنواحي من أجابه حتى

(12/266)


صار في عدة فغلب على ماه الكوفة وماه البصرة وهمذان وقم والري وقومس وأصبهان وفارس وأقام هو بأصبهان قال وكان الذي أخذ له البيعة بفارس محارب بن موسى مولى بني يشكر فدخل دار الإمارة بنعل ورداء واجتمع الناس إليه فأخذهم بالبيعة فقالوا علام نبايع فقال على ما أحببتم وكرهتم فبايعوا على ذلك
وكتب عبد الله بن معاوية فيما ذكر محمد بن علي بن حمزة عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن جعفر بن الوليد مولى أبي هريرة ومحرز بن جعفر أن عبد الله بن معاوية كتب إلى الأمصار يدعو إلى نفسه لا إلى الرضا من آل محمد قال واستعمل أخاه الحسن على إصطخر وأخاه يزيد على شيراز وأخاه عليا على كرمان وأخاه صالحا على قم ونواحيها وقصدته بنو هاشم جميعا منهم السفاح والمنصور وعيسى بن علي وقال ابن أبي خيثمة عن مصعب وقصده وجوه قريش من بني أمية وغيرهم فممن قصده من بني أمية سليمان بن هشام بن عبد الملك وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان فمن أراد منهم عملا قلده ومن أراد منهم صلة وصله

(12/267)


فلم يزل مقيما في هذه النواحي التي غلب عليها حتى ولي مروان بن محمد الذي يقال له مروان الحمار فوجه إليه عامر بن ضبارة في عسكر كثيف فسار إليه حتى إذا قرب من أصبهان ندب له ابن معاوية أصحابه وحضهم على الخروج إليه فلم يفعلوا ولا أجابوه فخرج على دهش هو وإخوته قاصدين لخراسان وقد ظهر أبو مسلم بها ونفى عنها نصر بن سيار فلما صار في بعض الطريق نزل على رجل من التناء ذي مروءة ونعمة وجاه فسأله معونته فقال له من أنت من ولد رسول الله أأنت إبراهيم الإمام الذي يدعى له بخراسان قال لا قال فلا حاجة لي في نصرتك
فخرج إلى أبي مسلم وطمع في نصرته فأخذه أبو مسلم وحبسه عنده وجعل عليه عينا يرفع إليه أخباره فرفع إليه أنه يقول ليس في الأرض أحمق منكم يا أهل خراسان في طاعتكم هذا الرجل وتسليمكم إليه مقاليد أموركم من غير

(12/268)


أن تراجعوه في شيء أو تسألوه عنه والله ما رضيت الملائكة الكرام من الله تعالى بهذا حتى راجعته في أمر آدم عليه السلام فقالت ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) حتى قال لهم ( إني أعلم ما لا تعلمون )
كتابه إلى أبي مسلم وهو في حبسه
ثم كتب إليه عبد الله بن معاوية رسالته المشهورة التي يقول فيها إلى أبي مسلم من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه أما بعد فإنك مستودع ودائع ومولي صنائع وإن الودائع مرعية وإن الصنائع عارية فاذكر القصاص واطلب الخلاص ونبه للفكر قلبك واتق الله ربك وآثر ما يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا فإنك لاق ما أسلفت وغير لاق ما خلفت وفقك الله لما ينجيك وآتاك شكر ما يبليك
قال فلما قرأ كتابه رمى به ثم قال قد أفسد علينا أصحابنا وأهل طاعتنا وهو محبوس في أيدينا فلو خرج وملك أمرنا لأهلكنا ثم أمضى تدبيره في قتله وقال آخرون بل دس إليه سما فمات منه ووجه برأسه إلى ابن ضبارة فحمله إلى مروان فأخبرني عمر بن عبد الله العتكي قال حدثنا عن عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أن عبد العزيز بن عمران حدثه عن عبد الله بن الربيع عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة أنه حضر مروان يوم الزاب وهو يقاتل عبد الله بن علي فسأل عنه فقيل له هو الشاب المصفر الذي كان يسب عبد الله بن معاوية يوم جيء برأسه إليك فقال والله لقد هممت بقتله مرارا كل ذلك يحال بيني وبينه ( وكان أمر الله قدرا مقدورا )

(12/269)


علاقته بالزنادقة
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني النوفلي عن أبيه عن عمه قال كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة فاستكتبه ابن معاوية وكان له نديم يعرف بمطيع بن إياس وكان زنديقا مأبونا وكان له نديم آخر يعرف بالبقلي وإنما سمي بذلك لأنه كان يقول الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع فقتله المنصور لما أفضت الخلافة إليه فكان هؤلاء الثلاثة خاصته وكان له صاحب شرطة يقال له قيس وكان دهريا لا يؤمن بالله معروفا بذلك فكان يعس بالليل فلا يلقاه أحد إلا قتله فدخل يوما على ابن معاوية فلما رآه قال
( إن قيسا وإن تقنع شيبا ... لخبيث الهوى على شمطه )
( ابن تسعين منظرا ومشيبا ... وابن عشر يعد في سقطه )

(12/270)


وأقبل على مطيع فقال أجز أنت فقال
( وله شرطة إذا جنه الليل فعوذوا بالله من شرطه )
قال ابن عمار أخبرني أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي اليقظان وشباب بن عبد الله وغيرهما قال ابن عمار وحدثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره
أن ابن معاوية كان يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط وهو يتحدث ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط وأنه فعل ذلك برجل فجعل يستغيث فلا يلتفت إليه فناداه يا زنديق أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك فلم يلتفت إليه وضربه حتى مات
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني النوفلي عن أبيه عن عمه عيسى قال كان ابن معاوية أقسى خلق الله قلبا فغضب على غلام له وأنا جالس عنده في غرفة بأصبهان فأمر بأن يرمى به منها إلى أسفل ففعل ذلك به فتعلق بدرابزين كان على الغرفة فأمر بقطع يده التي أمسكه بها فقطعت ومر الغلام يهوي حتى بلغ إلى الأرض فمات
وكان مع هذه الأحوال من ظرفاء بني هاشم وشعرائهم وهو الذي يقول
( ألا تزع القلب عن جهله ... وعما تؤنب من أجله )
( فأبدل بعد الصبا حلمه ... وأقصر ذو العذل عن عذله )
( فلا تركبن الصنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله )
( ولا يعجبنك قول امرىء ... يخالف ما قال في فعله )

(12/271)


( ولا تتبع الطرف ما لا تنال ... ولكن سل الله من فضله )
( فكم من مقل ينال الغنى ... ويحمد في رزقه كله )
أنشدنا هذا الشعر له ابن عمار عن أحمد بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وذكر محمد بن علي العلوي عن أحمد بن ابي خيثمة أن يحيى بن معين أنشده أيضا لعبد الله بن معاوية
( إذا افتقرت نفسي قصرت افتقارها ... عليها فلم يظهر لها أبدا فقرى )
( وإن تلقني في الدهر مندوحة الغنى ... يكن لأخلائي التوسع في اليسر )
( فلا العسر يزري بي إذا هو نالني ... ولا اليسر يوما إن ظفرت به فخري )
وهذا الشعر الذي غني به أعني قوله
( وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... )
يقوله ابن معاوية للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان الحسين أيضا سيء المذهب مطعونا في دينه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثني إبراهيم بن يزيد الخشاب قال كان ابن معاوية صديقا للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان حسين هذا وعبد الله بن معاوية يرميان بالزندقة فقال الناس إنما تصافيا على ذلك ثم دخل بينهما شيء من الأشياء فتهاجرا من أجله فقال عبد الله بن معاوية
( وإن حسينا كان شيئا ملففا ... فمحصه التكشيف حتى بدا ليا )
( وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا )

(12/272)


( وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا )
وله في الحسين أشعار كلها معاتبات فمنها ما أخبرني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال أنشدني يحيى بن الحسن لعبد الله بن معاوية يقوله في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب
( قل لذي الود والصفاء حسين ... اقدر الود بيننا قدره )
( ليس للدابغ المقرظ بد ... من عتاب الأديم ذي البشره )
قال وقال له أيضا
( إن ابن عمك وابن أمك ... معلم شاكي السلاح )
( يقص العدو وليس يرضى ... حين يبطش بالجناح )
( لا تحسبن أذى ابن عم ... ك شرب ألبان اللقاح )
( بل كالشجا تحت اللهاة ... إذا يسوغ بالقراح )
( فانظر لنفسك من يجيبك ... تحت أطراف الرماح )
( من لا يزال يسوءه ... بالغيب أن يلحاك لاحي )

(12/273)


عبد الله بن معاوية وجده عبد الحميد
أخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا يحيى بن الحسن قال حدثنا الزبير وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن يحيى أن عبد الله بن معاوية مر بجده عبد الحميد في مزرعته بصرام وقد عطش فاستسقاه فخاض له سويق لوز فسقاه إياه فقال عبد الله بن معاوية
( شربت طبرزذا بغريض مزن ... كذوب الثلج خالطه الرضاب )
قال يحيى قال الزبير الرضاب ماء المسك ورضاب كل شيء ماؤه فقال عبد الحميد بن عبيد الله يجيب عبد الله بن معاوية على قوله
( ما إن ماؤنا بغريض مزن ... ولكن الملاح بكم عذاب )
( وما إن بالطبرزذ طاب لكن ... بمسك لا به طاب الشراب )
( وأنت إذا وطئت تراب أرض ... يطيب إذا مشيت بها التراب )
( لأن نداك يطفي المحل عنها ... وتحييها أياديك الرطاب )
قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم الموصلي قال بينا نحن عند الرشيد أنا وابن جامع وعمرو الغزال إذ قال صاحب الستارة

(12/274)


لأبن جامع تغن في شعر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال ولم يكن ابن جامع يغني في شيء منه وفطنت لما أراد من شعره وكنت قد تقدمت فيه فأرتج على ابن جامع فلما رأيت ما حل به اندفعت فغنيت
صوت
( يهيم بجمل وما إن يرى ... له من سبيل إلى جمله )
( كأن لم يكن عاشق قبله ... وقد عشق الناس من قبله )
( فمنهم من الحب أودى به ... ومنهم من اشفى على قتله )
فإذا يد قد رفعت الستارة فنظر إلي وقال أحسنت والله أعد فأعدته فقال أحسنت حتى فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال لصاحب الستارة كلاما لم أفهمه فدعا صاحب الستارة غلاما فكلمه فمر الغلام يسعى فإذا بدرة دنانير قد جاءت يحملها فراش فوضعت تحت فخذي اليسرى وقيل لي اجعلها تكأتك قال فلما انصرفنا قال لي ابن جامع هل كنت وضعت لهذا الشعر غناء قبل هذا الوقت فقلت ما شعر قيل في الجاهلية ولا الإسلام يدخل فيه الغناء إلا وقد وضعت له لحنا خوفا من أن ينزل بي ما نزل بك فلما كان المجلس الثاني وحضرنا قال صاحب الستارة يابن جامع تغن في شعر عبد الله بن معاوية فوقع في مثل الذي وقع فيه بالأمس قال إبراهيم فلما رأيت ما حل به اندفعت فغنيت
صوت
( يا قوم كيف سواغ عيش ليس تؤمن فاجعاته )

(12/275)


( ليست تزال مطلة ... تغدو عليك منغصاته )
( الموت هول داخل ... يوما على كره أناته )
( لا بد للحذر النفور ... من ان تقنصه رماته )
( قد أمنح الود الخليل ... بغير ما شيء رزاته )
( وله أقيم قناة ودي ... ما استقامت لي قناته )
قال فأومأ إلي صاحب الستارة أن أمسك ووضع يده على عينه كأنه يوميء إلي أنه يبكي قال فأمسكت ثم انصرفنا فقال لي ابن جامع ما صب أمير المؤمنين على ابن جعفر قلت صبه الله عليه لبدرة الدنانير التي أخذتها قال ثم حضر بعد ذلك فلما اطمأن بنا مجلسنا قال ابن جامع بكلام خفي اللهم أنسه ذكر ابن جعفر قال فقلت اللهم لا تستجب فقال صاحب الستارة يابن جامع تغن في شعر عبد الله بن معاوية قال فقال ابن جامع لو كان عندهم في عبد الله بن معاوية خير لطار مع أبيه ولم يقبل على الشعر قال إبراهيم فسمعنا ضحكة من وراء الستارة قال إبراهيم فاندفعت أغني في شعره
( سلا ربة الخدر ما شأنها ... ومن أيما شأننا تعجب )
( فلست بأول من فاته ... على إربه بعض ما يطلب )

(12/276)


( وكائن تعرض من خاطب ... فزوج غير التي يخطب )
( وأنكحها بعده غيره ... وكانت له قبله تحجب )
( وكنا حديثا صفيين لا ... نخاف الوشاة وما سببوا )
( فإن شطت الدار عنا بها ... فبانت وفي الناس مستعتب )
( وأصبح صدع الذي بيننا ... كصدع الزجاجة ما يشعب )
( وكالدر ليست له رجعة ... إلى الضرع من بعدما يحلب )
غنى في البيتين الأولين إبراهيم الموصلي خفيف ثقيل الأول بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكي ووجدتهما في بعض الكتب خفيف رمل غير منسوب قال فقال لي صاحب الستارة أعد فأعدته فأحسب أمير المؤمنين نظر إلى ابن جامع كاسف البال فأمر له بمثل الذي أمر لي بالأمس وجاؤوني ببدرة دنانير فوضعت تحت فخذي اليسرى أيضا وكان ابن جامع فيه حسد ما يستتر منه فلما انصرفنا قال اللهم أرحنا من ابن جعفر هذا فما أشد بغضي له لقد بغض إلى جده فقلت ويحك تدري ما تقول قال فمن يدري ما يقول إذا لوددت أني لم أر إقباله عليك وعلى غنائك في شعر هذا البغيض ابن البغيضة وأني تصدقت بها يعني البدرة
وهذا الصوت الأخير يقول شعره عبد الله بن معاوية في زوجته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام
أخبرني الطوسي والحرمي قالا حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال خطب عبد الله بن معاوية ربيحة بنت محمد بن عبد الله بن علي بن عبد

(12/277)


الله بن جعفر وخطبها بكار بن عبد الملك بن مروان فتزوجت بكارا فشمتت بعبد الله امرأته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين فقال في ذلك
( سلا ربة الخدر ما شأنها ... ومن أيما شأننا تعجب )
فقال ابن أبي خيثمة في خبره عن مصعب قالت له والله ما شمت ولكني نفست عليك فقال لها لا جرم والله لا سؤتك أبدا ما حييت
صوت
( طاف الخيال من ام شيبة فاعترى ... والقوم من سنة نشاوى بالكرى )
( طافت بخوص كالقسي وفتية ... هجعوا قليلا بعد ما ملوا السرى )
الشعر لأبي وجزة السعدي والغناء لإسحاق ثقيل أول بالبنصر

(12/278)


أخبار أبي وجزة ونسبه
اسمه يزيد بن عبيد فيما ذكره أصحاب الحديث وذكر بعض النسابين أن اسمه يزيد بن أبي عبيد وأنه كان له أخ يقال له عبيد وانتسب إلى بني سعد بن بكر بن هوازن لولائه فيهم
وأصله من سليم من بني ضبيس بن هلال بن قدم بن ظفر بن الحارث بن بهثة بن سليم ولكنه لحق أباه وهو صبي سباء في الجاهلية فبيع بسوق ذي المجاز فابتاعه رجل من بني سعد واستعبده فلما كبر استعدى عمر رضي الله عنه وأعلمه قصته فقال له إنه لا سباء على عربي وهذا الرجل قد امتن عليك فإن شئت فأقم عنده وإن شئت فالحق بقومك فأقام في بني سعد وانتسب إليهم هو وولده
وبنو سعد أظآر رسول الله كان مسترضعا فيهم عند امرأة يقال لها حليمة فلم يزل فيهم عليه السلام حتى يفع ثم أخذه جده عبد المطلب

(12/279)


منهم فرده إلى مكة وجاءته حليمة بعد الهجرة فأكرمها وبرها وبسط لها رداءه فجلست عليه وبنو سعد تفتخر بذلك على سائر هوازن وحقيق بكل مكرمة وفخر من اتصل منه رسول الله بأدنى سبب أو وسيلة
أخبرني بخبره الذي حكيت جملا منه في نسبه وولائه أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي عن يونس وأخبرني أبو خليفة فيما كتب به إلي عن محمد بن سلام عن يونس وأخبرني به عمي عن الكراني عن الرياشي عن محمد بن سلام عن يونس وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري عن يعقوب بن السكيت قالوا جميعا سوى يعقوب
كان عبيد أبو أبي وجزة السعدي عبد بيع بسوق ذي المجاز في الجاهلية فابتاعه وهيب بن خالد بن عامر بن عمير بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن فأقام عنده زمانا يرعى إبله ثم إن عبيدا ضرب ضرع ناقة لمولاه فأدماه فلطم وجهه فخرج عبيد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستعديا فلم قدم عليه قال يا أمير المؤمنين أنا رجل من بني سليم ثم من بني ظفر أصابني سباء في الجاهلية كما يصيب العرب بعضها من بعض وأنا معروف النسب وقد كان رجل من بني سعد ابتاعني فأساء إلي وضرب

(12/280)


وجهي وقد بلغني أنه لا سباء في الإسلام ولا رق على عربي في الإسلام فما فرغ من كلامه حتى أتى مولاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أثره فقال يا أمير المؤمنين هذا غلام ابتعته بذي المجاز وقد كان يقوم في مالي فأساء فضربته ضربة والله ما أعلمني ضربته غيرها قط وإن الرجل ليضرب ابنه أشد منها فكيف بعبده وأنا أشهدك أنه حر لوجه الله تعالى فقال عمر لعبيد قد امتن عليك هذا الرجل وقطع عنك مؤنة البينة فإن أحببت فأقم معه فله عليك منة وإن أحببت فالحق بقومك فأقام مع السعدي وانتسب إلى بني سعد بن بكر بن هوازن وتزوج زينب بنت عرفطة المزنية فولدت له أبا وجزة وأخاه وقال يعقوب وأخاه عبيدا وذكر أن أباهما كان يقال له أبو عبيد ووافق من ذكرت روايته في سائر الخبر فلما بلغ ابناه طلباه بأن يلحق بأصله وينتمي إلى قومه من بني سليم فقال لا أفعل ولا ألحق بهم فيعيروني كل يوم ويدفعوني وأترك قوما يكرموني ويشرفوني فوالله لئن ذهبت إلى بني ظفر لا أرعى طمة ولا أرد جمة إلا قالوا لي يا عبد بني سعد قال وطمة جبل لهم فقال أبو وجزة في ذلك
( أنمى فأعقل في ضبيس معقلا ... ضخما مناكبه تميم الهادي )
( والعقد في ملان غير مزلج ... بقوى متينات الحبال شداد )
كان ابو وجزة من التابعين
وكان أبو وجزة من التابعين وقد روى عن جماعة من أصحاب رسول الله ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يسند إليه حديثا ولكنه حدث عن ابيه عنه بحديث الاستسقاء ونقل عنه جماعة من الرواة

(12/281)


أخبرني محمد بن خلف وكيع وعمي قالا حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني إبراهيم بن حمزة قال حدثني موسى بن شيبة قال سمعت أبا وجزة السعدي يقول قال رسول الله ليس شعر حسان بن ثابت ولا كعب بن مالك ولا عبد الله بن رواحة شعرا ولكنه حكمة
فأما خبر الاستسقاء الذي رواه عن أبيه عن عمر فإن الحسن بن علي أخبرنا به قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثني عبد الله بن عمرو عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد عن أبيه عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال شهدت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد خرج بالناس ليستسقي عام الرمادة فقام وقام الناس خلفه فجعل يستغفر الله رافعا صوته لا يزيد على ذلك فقلت في نفسي ما له لا يأخذ فيما جاء له ولم أعلم أن الاستغفار هو الاستسقاء فما برحنا حتى نشأت سحابة وأظلتنا فسقي

(12/282)


الناس وقلدتنا السماء قلدا كل خمس عشرة ليلة حتى رأيت الأرينة تأكلها صغار الإبل من وراء حقاق العرفط
وأخبرني أبو الحسن الأسدي وهاشم بن محمد الخزاعي جميعا عن الرياشي عن الأصمعي عن عبد الله بن عمر العمري عن أبي وجزة السعدي عن أبيه وذكر الحديث مثله وأخبرني به إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة واللفظ متقارب وزاد الرياشي في خبره فقلت لأبي وجزة ما حقاق العرفط قال نبات سنتين وثلاث وزاد ابن قتيبة في خبره عليهم قال ومات أبو وجزة سنة ثلاثين ومائة
وهو أحد من شبب بعجوز حيث يقول
( يأيها الرجل الموكل بالصبا ... فيم ابن سبعين المعمر من دد )
( حتام أنت موكل بقديمة ... أمست تجدد كاليماني الجيد )
( زان الجلال كمالها ورسا بها ... عقل وفاضلة وشيمة سيد )
( ضنت بنائلها عليك وأنتما ... غران في طلب الشباب الأغيد )
( فالآن ترجو أن تثيبك نائلا ... هيهات نائلها مكان الفرقد )
وأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء والطوسي جميعا قالا حدثنا الزبير بن بكار

(12/283)


قال حدثني محمد بن الحسن المخزومي عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال استسقى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلما وقف على المنبر أخذ في الاستغفار فقلت ما أراه يعمل في حاجته ثم قال في آخر كلامه اللهم إني قد عجزت وما عندك أوسع لهم ثم أخذ بيد العباس رضي الله تعالى عنه ثم قال وهذا عم نبيك ونحن نتوسل إليك به فلما أراد عمر رضي الله تعالى عنه أن ينزل قلب رداءه ثم نزل فتراءى الناس طرة في مغرب الشمس فقالوا ما هذا وما رأينا قبل ذلك قزعة سحاب أربع سنين قال ثم سمعنا الرعد ثم انتشر ثم اضطرب فكان المطر يقلدنا قلدا في كل خمس عشرة ليلة حتى رأيت الأرينة خارجة من حقاق العرفط تأكلها صغار الإبل
أبو وجزة يمدح بني الزبير
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن جدي قال خرج أبو وجزة السعدي وأبو زيد الأسلمي يريدان المدينة وقد امتدح أبو وجزة آل الزبير وامتدح أبو زيد إبراهيم بن هشام المخزومي فقال له أبو

(12/284)


وجزة هل لك في أن أشاركك فيما أصيب من آل الزبير وتشاركني فيما تصيب من إبراهيم فقال كلا والله لرجائي في الأمير أعظم من رجائك في آل الزبير فقدما المدينة فأتى أبو زيد دار إبراهيم فدخلها وأنشد الشعر وصاح وجلب فقال إبراهيم لبعض أصحابه اخرج إلى هذا الأعرابي الجلف فاضربه وأخرجه فأخرج وضرب وأتى أبو وجزة أصحابه فمدحهم وأنشدهم فكتبوا له إلى مال لهم بالفرع أن يعطى منه ستين وسقا من التمر فقال أبو وجزة يمدحهم
( راحت قلوصي رواحا وهي حامدة ... آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا )
( راحت بستين وسقا في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السددا )
( ذاك القرى لا كأقوام عهدتهم ... يقرون ضيفهم الملوية الجددا )
يعني السياط
قال أبو الفرج الأصفهاني قول أبي وجزة
( راحت بستين وسقا في حقيبتها ... )
أنها حملت ستين وسقا ولا تحمل ناقة ذلك ولا تطيقه ولا نصفه وإنما عنى أنه انصرف عنهم وقد كتبوا له بستين وسقا فركب ناقته والكتاب معه بذلك قد حملته في حقيبتها فكأنها حاملة بالكتاب ستين وسقا لأ أنها أطاقت حمل ذلك وهذا بيت معنى يسأل عنه

(12/285)


وقال يعقوب بن السكيت فيما حكيناه من روايته التي ذكرها الأخفش لنا عن السكري في شعر ابي وجزة وأخباره كان أبو وجزة قد جاور مزينة وانتجع بلادهم لصهره فيهم فنزل على عمرو بن زياد بن سهيل بن مكدم بن عقيل بن وهب بن عمرو بن مرة بن مازن بن عوف بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان فأحسن عمرو جواره وأكرم مثواه فقال أبو وجزة يمدحه
( لمن دمنة بالنعف عاف صعيدها ... تغير باقيها ومح جديدها )
( لسعدة من عام الهزيمة إذ بنا ... تصاف وإذ لما يرعنا صدودها )
( وإذ هي أما نفسها فأريبه ... للهو وأما عن صبا فتذودها )
( تصيد ألباب الرجال بدلها ... وشميتها وحشية لا نصيدها )
( كباسقة الوسمي ساعة أسبلت ... تلألأ فيها البرق وابيض جيدها )
الباسقة التي فضلت غيرها من الغمام وطالت عليه قال الله تبارك وتعالى ( والنخل باسقات )
( كبكر تراني فرقدين بقفرة ... من الرمل أو فيحان لم يعس عودها )
( لعمرو الندى عمرو بن آل مكدم ... كثير عليات الأمور جليدها )
( فتى بين مسروج وآل مكدم ... وعمرو فتى عثمان طرا وسيدها )

(12/286)


( حليم إذا ما الجهل أفرط ذا النهى ... على أمره حامي الحصاة شديدها )
( وما زال ينحو فعل من كان قبله ... من ابنائه يجني العلا ويفيدها )
( فكم من خليل قد وصلت وطارق ... وقربت من أدماء وار قصيدها )
( وذي كربة فرجت كربة همه ... وقد ظل مستدا عليه وصيدها )
أبو وجزة يتزوج زينب بنت عرفطة
أخبرني عمي قال حدثني العنزي قال حدثنا محمد بن معاوية عن يعقوب بن سلام بن عبد الله بن أبي مسروج قال تزوج أبو وجزة السعدي زينب بنت عرفطة بن سهل بن مكدم المزنية فولدت له عبيدا وكانت قد عنست وكان أبو وجزة يبغضها وإنما أقام عليها لشرفها فقال لها ذات يوم
( أعطى عبيدا وعبيد مقنع ... من عرمس محزمها جلنفع )
( ذات عساس ما تكاد تشبع ... تجتلد الصحن وما إن تبضع )

(12/287)


( تمر في الدار ولا تورع ... كأنها فيهم شجاع أقرع )
فقالت زينب أم وجزة تجيبه
( أعطى عبيدا من شييخ ذي عجر ... لا حسن الوجه ولا سمح يسر )
( يشرب عس المذق في اليوم الخصر ... كأنما يقذف في ذات السعر )
( تقاذف السيل من الشعب المضر ... )
قال وقال أبو وجزة لابنه عبيد
( يا راكب العنس كمرادة العلم ... أصلحك الله وأدنى ورحم )
( إن أنت أبلغت وأديت الكلم ... عنى عبيد بن يزيد لو علم )
( قد علم الأقوام أن سينتقم ... منك ومن أم تلقتك وعم )
( رب يجازى السيئات من ظلم ... أنذرتك الشدة من ليث أضم )
( عاد أبي شبلين فرفار لحم ... فارجع إلى أمك تفرشك ونم )
( إلى عجوز رأسها مثل الإرم ... واطعم فإن الله رزاق الطعم )
فقال عبيد لأبيه

(12/288)


( دعها أبا وجزة واقعد في الغنم ... فسوف يكفيك غلام كالزلم )
( مشمر يرقل في نعل خذم ... وفي قفاه لقمة من اللقم )
( قد ولهت ألافها غير لمم ... حتى تناهت في قفا جعد أحم )
قال يعقوب وقال أبو المزاحم يهجو أبا وجزة ويعيره بنسبه
( دعتك سليم عبدها فأجبتها ... وسعد وما ندري لأيهما العبد )
فأجابه أبو وجزة فقال
( أعيرتموني أن دعتني أخاهم ... سليم وأعطتني بأيمانها سعد )
( فكنت وسيطا في سليم معاقدا ... لسعد وسعد ما يحل لها عقد )
أبو وجزة يمدح عبد الله بن الحسن وإخوته
أخبرني أبو جعفر أحمد بن محمد بن نصر الضبعي إجازة قال حدثنا محمد بن مسعود الزرقي عن مسعود بن المفضل مولى آل حسن بن حسن قال
قدم أبو وجزة السعدي على عبد الله بن الحسن وإخوته سويقة وقد

(12/289)


أصابت قومه سنة مجدبة فأنشده قوله يمدحه
( أثني على ابني رسول الله أفضل ما ... أثنى به أحد يوما على أحد )
( السيدين الكريمي كل منصرف ... من والدين ومن صهر ومن ولد )
( ذرية بعضها من بعضها عمرت ... في اصل مجد رضيع السمك والعمد )
( ما ذا بنى لهم من صالح حسن ... وحسن وعلي وابتنوا لغد )
( فكرم الله ذاك البيت تكرمة ... تبقى وتخلد فيه آخر الأبد )
( هم السدى والندى ما في قناتهم ... إذا تعوجت العيدان من أود )
( مهذبون هجان أمهاتهم ... إذا نسبن زلال البارق البرد )
( بين الفواطم ماذا ثم من كرم ... إلى العواتك مجد غير منتقد )
( ما ينتهي المجد إلا في بني حسن ... وما لهم دونه من دار ملتحد )
قال فأمر له عبد الله بن الحسن وحسن وإبراهيم بمائة وخمسين دينارا وأوقروا له رواحله برا وتمرا وكسوه ثوبين ثوبين

(12/290)


أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان والمدائني جميعا
أن عبد الملك بن يزيد بن محمد بن عطية السعدي كان قد ندب لقتال أبي حمزة الأزدي الشاري لما جاء إلى المدينة فغلب عليها قال وبعث إليه مروان بن محمد بمال ففرقه فيمن خف معه من قومه فكان فيمن فرض له منهم أبو وجزة وابناه فخرج معترضا للعسكر على فرس وهو يرتجز ويقول
( قل لأبي حمزة هيد هيد ... جئناك بالعادية الصنديد )
( بالبطل القرم أبي الوليد ... فارس قيس نجدها المعدود )
( في خيل قيس والكماة الصيد ... كالسيف قد سل من الغمود )
( محض هجان ماجد الجدود ... في الفرع من قيس وفي العمود )
( فدى لعبد الملك الحميد ... ما لي من الطارف والتليد )
( يوم تنادى الخيل بالصعيد ... كأنه في جنن الحديد )
( سيد مدل عز كل سيد ... )
قال وسار ابن عطية في قومه ولحقت به جيوش أهل الشأم فلقي أبا حمزة في اثني عشرة ألفا فقاتله يوما إلى الليل حتى أصاب صناديد عسكره فنادوه يابن عطية إن الله جل وعز قد جعل الليل سكنا فاسكنوا حتى

(12/291)


نسكن فأبى وقاتلهم حتى قتلهم جميعا
أبو وجزة مداح ابن عطية
قال وكان أبو وجزة منقطعا إلى ابن عطية يقوم بقوت عياله وكسوته ويعطيه ويفضل عليه وكان أبو وجزة مداحا له وفيه يقول
( حن الفؤاد إلى سعدى ولم تثب ... فيهم الكثير من التحنان والطرب )
( قالت سعاد أرى من شيبه عجبا ... مهلا سعاد فما في الشيب من عجب )
غنى في هذين البيتين إسحاق خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من كتابه
( إما تريني كساني الدهر شيبته ... فإن ما مر منه عنك لم يغب )
( سقيا لسعدى على شيب ألم بنا ... وقبل ذلك حين الرأس لم يشب )
( كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... صوب الثريا بماء الكرم من حلب )
وهي قصيدة طويلة يقول فيها
( أهدي قلاصا عناجيجا أضر بها ... نص الوجيف وتقحيم من العقب )
( يقصدن سيد قيس وابن سيدها ... والفارس العد منها غير ذي الكذب )
( محمد وأبوه وابنه صنعوا ... له صنائع من مجد ومن حسب )

(12/292)


( إني مدحتهم لما رأيت لهم ... فضلا على غيرهم من سائر العرب )
( إلا تثبني به لا يجزني أحد ... ومن يثيب إذا ما أنت لم تثب )
والأبيات التي ذكرت فيها الغناء المذكور معه أمر أبي وجزة من قصيدة له مدح بها أيضا عبد الملك بن عطية هذا ومما يختار منها قوله
( حتى إذا هجدوا ألم خيالها ... سرا ألا بلمامه كان المنى )
( طرقت بريا روضة من عالج ... وسمية عذبت وبيتها الندى )
( يا أم شيبة أي ساعة مطرق ... نبهتنا أين المدينة من بدا )
( إني متى أقض اللبانة أجتهد ... عنق العتاق الناجيات على الوجى )
( حتى أزورك إن تيسر طائري ... وسلمت من ريب الحوادث والردى )
وفيها يقول
( فلأ مدحن بني عطية كلهم ... مدحا يوافي في المواسم والقرى )
( الأكرمين أوائلا وأواخرا ... والأحلمين إذا تخولجت الحبا )
( والمانعين من الهضيمة جارهم ... والجامعين الراقعين لما وهى )

(12/293)


( والعاطفين على الضريك بفضلهم ... والسابقين إلى المكارم من سعى )
وهي قصيدة طويلة يمدح فيها بني عطية جميعا ويذكر وقعتهم بأبي حمزة الخارجي ولا معنى للإطالة بذكرها
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال كان أبو وجزة السعدي منقطعا إلى آل الزبير وكان عبد الله بن عروة بن الزبير خاصة يفضل عليه ويقوم بأمره فبلغه أن أبا وجزة أتى عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام فمدحه فوصله فاطرحه ابن عروة وأمسك يده عنه فسأل عن سبب غضبه فأخبره به الأصم بن أرطاة فلم يزل أبو وجزة يمدح آل الزبير ولا يرجع له عبد الله بن عروة إلى ما كان عليه ولا يرضى عنه حتى قال فيه
( آل الزبير بنو حرة ... مروا بالسيوف صدورا خنافا )
( سل الجرد عنهم وأيامها ... إذا امتعطوا المرهفات الخفافا )
امتعطوا سلوا ومنه ذئب أمعط منسل من شعره
( يموتون والقتل داء لهم ... ويصلون يوم السياف السيافا )
( إذا فرج القتل عن عيصهم ... أبى ذلك العيص إلا التفافا )

(12/294)


( مطاعيم تحمد أبياتهم ... إذا قنع الشاهقات الطخافا )
( وأجبن من صافر كلبهم ... إذا قرعته حصاة أضافا )
فلما أنشد ابن عروة هذه الأبيات رضي عنه وعاد له إلى ما كان عليه
صوت
من المائة المختارة
( ألا هل أسير المالكية مطلق ... فقد كاد لو لم يعفه الله يغلق )
( فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا منعم يوما عليه فمعتق )
الشعر لعقيل بن علفة البيت الأول منه والثاني لشبيب بن البرصاء والغناء لأحمد بن المكي خفيف ثقيل بالوسطى من كتابه فيه لدقاق رمل بالوسطى من كتاب عمرو بن بانة وأوله
( سلا أم عمرو فيم أضحى أسيرها ... يفادى الأسارى حوله وهو موثق )
وبعده البيت الثاني وهو
( فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا منعم يوما عليه فمعتق )
والبيتان على هذه الرواية لشبيب بن البرصاء

(12/295)


أخبار عقيل بن علفة
عقيل بن علفة بن الحارث بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر ويكنى أبا العملس وأبا الجرباء
وأم عقيل بن علفة العوراء وهي عمرة بنت الحارث بن عوف بن ابي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة وأمها زينب بنت حصن بن حذيفة هذا قول خالد بن كلثوم والمدائني وقال ابن الأعرابي كانت عمرة العوراء أم عقيل ابن علفة والبرصاء أم شبيب بن البرصاء أختين وهما ابنتا الحارث بن عوف واسم البرصاء قرصافة أمها بنت نجبة بن ربيعة بن رياح بن مالك بن شمخ
وعقيل شاعر مجيد مقل من شعراء الدولة الأموية وكان أعرج جافيا شديد الهوج والعجرفية والبذخ بنسبه في بني مرة لا يرى أن له كفئا وهو في بيت شرف في قومه من كلا طرفيه وكانت قريش ترغب في مصاهرته

(12/296)


تزوج إليه خلفاؤها وأشرافها منهم يزيد بن عبد الملك تزوج ابنته الجرباء وكانت قبله عند ابن عم لعقيل يقال له مطيع بن قطعة بن الحارث بن معاوية وولدت ليزيد بنيا درج وتزوج بنته عمرة سلمة بن عبد الله بن المغيرة فولدت له يعقوب بن سلمة وكان من أشراف قريش وجودائها وتزوج أم عمرو بنته ثلاثة نفر من بني الحكم بن أبي العاص يحيى والحارث وخالد
أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل قال دخل عقيل بن علفة على عثمان بن حيان وهو يومئذ على المدينة فقال له عثمان زوجني ابنتك فقال أبكرة من إبلي تعني فقال له عثمان ويلك أمجنون أنت قال أي شيء قلت لي قال قلت لك زوجني ابنتك فقال أفعل إن كنت عنيت بكرة من إبلي فأمر به فوجئت عنقه فخرج وهو يقول
( كنا بني غيظ الرجال فأصبحت ... بنو مالك غيظا وصرنا كمالك )

(12/297)


( لحى الله دهرا ذعذع المال كله ... وسود أشباه الإماء العوارك )
عقيل يكتف خاطب ابنته ويلقيه في قرية النمل
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال كان لعقيل بن علفة جار من بني سلامان بن سعد فخطب إليه ابنته فغضب عقيل وأخذ السلاماني فكتفه ودهن استه بشحم وألقاه في قرية النمل فأكلن خصييه حتى ورم جسده ثم حله وقال يخطب إلي عبد الملك فأرده وتجترىء أنت علي قال ثم أجدبت مراعي بني مرة فانتجع عقيل أرض جذام وقربهم عذرة قال عقيل فجاءني هني مثل البعرة فخطب إلي ابنتي أم جعفر فخرجت إلى أكمة قريبة من الحي فجعلت أنبح كما ينبح الكلب ثم تحملت وخرجت فاتبعني جمع من حن بطن من عذرة فقالوا اختر إن شئت حبسناك وإن شئت حدرناك وبعيرة من رأس الجبل فإن سبقتها خلينا عنك فأرسلوا بعيرة فسبقتها

(12/298)


فخلوا سبيلي فقلت لهم ما طمعتم بهذا من أحد قالوا أردنا أن نضع منك حيث رغبت عنا فقلت فيهم
( لقد هزئت حن بنا وتلاعبت ... وما لعبت حن بذي حسب قبلي )
( رويدا بني حن تشيحوا وتأمنوا ... وتنتشر الأنعام في بلد سهل )
والله لأموتن قبل أن أضع كرائمي إلا في الأكفاء
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال وجدت في كتاب بخط الضحاك قال خرج عقيل بن علفة وابناه علفة وجثامة وابنته الجرباء حتى أتوا بنتا له ناكحا في بني مروان بالشام فآمت ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق فقال عقيل بن علفة
( قضت وطرا من دير سعد وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم )
( إذا هبطت أرضا يموت غرابها ... بها عطشا أعطينهم بالخزائم )
ثم قال أنفذ يا علفة فقال علفة
( فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم )
( إذا علم غادرنه بتنوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم )

(12/299)


ثم قال أنفذي يا جرباء فقالت وأنا آمنة قال نعم فقالت
( كأن الكرى سقاهم صرخدية ... عقارا تمشى في المطا والقوائم )
فقال عقيل شربتها ورب الكعبة لولا الأمان لضربت بالسيف تحت قرطك أما وجدت من الكلام غير هذا فقال جثامة وهل أساءت إنما أجازت وليس غيري وغيرك فرماه عقيل بسهم فأصاب ساقه وأنفذ السهم ساقه والرحل ثم شد على الجرباء فعقر ناقتها ثم حملها على ناقة جثامة وتركه عقيرا مع ناقة الجرباء ثم قال لولا أن تسبني بنو مرة ما ذقت الحياة ثم خرج متوجها إلى أهله وقال لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون لأقتلنك فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على فعله بجثامة فقال لهم هل لكم في جزور انكسرت قالوا نعم قال فالزموا أثر هذه الراحلة حتى تجدوا الجزور فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة فوجدوه قد أنزفه الدم فاحتملوه وتقسموا الجزور وأنزلوه عليهم وعالجوه حتى برأ وألحقوه بقومه
ونسخت هذا الخبر من كتاب أبي عبد الله اليزيدي بخطه ولم أجده ذكر سماعه إياه من أحد قال قرىء على علي بن محمد المدائني عن الطرماح بن خليل بن أبرد فذكر مثل ما ذكره الزبير منه وزاد فيه أن القوم احتملوا جثامة ليلحقوه بقومه حتى إذا كانوا قريبا منهم تغنى جثامة
( أيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان إلا شقائق )

(12/300)


فقال له القوم إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفا وقد عاودت ما يكرهه فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته لا يلحقك منه شر وعر فقال إنما هي خطرة خطرت والراكب إذا سار تغنى
عقل يصاب بالقولنج
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال قدم عقيل بن علفة المدينة فنزل على ابن بنته يعقوب بن سلمة المخزومي فمرض وأصابه القولنج فنعتت له الحقنة فأبى وقدم ابنه عليه فبلغه ذلك فقال
( لقد سرني والله وقاك شرها ... نجاؤك منها حين جاء يقودها )
( كفى خزية ألا تزال مجبيا ... على شكوة توكى وفي استك عودها )
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا علي بن محمد عن زيد بن عياش التغلبي والربيع بن ثميل قالا غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته فأطلقها ثم رجع فإذا بنوه مع بناته وأمهم مجتمعون فشد على عملس فحاد عنه وتغنى علفة فقال
( قفي يابنة المري أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل )

(12/301)


( نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذوا خلة لم يبق بينهما وصل )
( فإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل )
فقال عقيل يابن اللخناء متى منتك نفسك هذا وشد عليه بالسيف وكان عملس أخاه لأمه فحال بينه وبينه فشد على عملس بالسيف وترك علفة لا يلتفت إليه فرماه بسهم فأصاب ركبته فسقط عقيل وجعل يتمعك في دمه ويقول
( إن بني سربلوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم )
( ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم )
قال المدائني شنشنة أعرفها من أخزم مثل ضربه وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا فضرب في إبل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم
عمر بن عبد العزيز يعاتبه في شأن بناته
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني سليمان المدائني قال حدثني

(12/302)


مصعب بن عبد الله قال قال عمر بن عبد العزيز لعقيل بن علفة إنك تخرج إلى أقاصي البلاد وتدع بناتك في الصحراء لا كاليء لهن والناس ينسبونك إلى الغيرة وتأبى أن تزوجهن إلا الأكفاء قال إني أستعين عليهن بخلتين تكلآنهن وأستغني عن سواهما قال وما هما قال العري والجوع
نسخت من كتاب محمد بن العباس اليزيدي قال خالد بن كلثوم لما رمى عملس بن عقيل أباه فأصاب ركبته غضب وأقسم ألا يساكن بنيه فاحتمل وخرج إلى الشام فلما استوى على ناقته المسماة بأطلال بكت ابنته جرباء وحنت ناقته فقال
( ألم تريا أطلال حنت وشاقها ... تفرقنا يوم الحبيب على ظهر )
( وأسبل من جرباء دمع كأنه ... جمان أضاع السلك أجرته في سطر )
( لعمرك إني يوم أغدو عملسا ... لكالمتربي حتفه وهو لا يدري )
( وإني لأسقيه غبوقي وإنني ... لغرثان منهوك الذراعين والنحر )
قال ومضى علفة أيضا فافترض بالشام وكتب إلى أبيه
( ألا أبلغا عني عقيلا رسالة ... فإنك من حرب علي كريم )
( أما تذكر الأيام إذ أنت واحد ... وإذ كل ذي قربى إليك ذميم )
( وإذ لا يقيك الناس شيئا تخافه ... بأنفسهم إلا الذين تضيم )
( تناول شأو الأبعدين ولم يقم ... لشأوك بين الأقربين أديم )

(12/303)


( فأما إذا عضت بك الحرب عضة ... فإنك معطوف عليك رحيم )
( وأما إذا آنست أمنا ورخوة ... فإنك للقربى ألد ظلوم )
فلما سمع عقيل هذه الأبيات رضي عنه وبعث إليه فقدم عليه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن محمد بن سلام قال حدثني ابن جعدبة قال عاتب عمر بن عبد العزيز رجلا من قريش أمه أخت عقيل بن علفة فقال له قبحك الله أشبهت خالك في الجفاء فبلغت عقيلا فجاء حتى دخل على عمر فقال له ماوجدت لابن عمك شيئا تعيره به إلا خؤولتي فقبح الله شركما خالا فقال له صخير بن أبي الجهم العدوي وأمه قرشية آمين يا أمير المؤمنين فقبح الله شركما خالا وأنا معكما أيضا فقال له عمر إنك لأعرابي جلف جاف أما لو كنت تقدمت إليك لأدبتك والله لا أراك تقرأ من كتاب الله شيئا قال بلى إني لأقرأ قال فاقرأ فقرأ ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) حتى بلغ إلى آخرها فقرأ فمن يعمل مثقال ذرة شرا يره ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فقال له عمر ألم أقل لك إنك لا تحسن أن تقرأ قال أو لم أقرأ قال لا لأن الله جل وعز قدم الخير وأنك قدمت الشر فقال عقيل
( خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق )
فجعل القوم يضحكون من عجرفيته
وروى هذا الخبر علي بن محمد المدائني فذكر انه كان بين عمر بن

(12/304)


عبد العزيز وبين يعقوب بن سلمة وأخيه عبد الله كلام فأغلظ يعقوب لعمر في الكلام فقال له عمر اسكت فإنك ابن أعرابية جافية فقال عقيل لعمر لعن الله شر الثلاثة مني ومنك ومنه فغضب عمر فقال له صخير بن ابي الجهم آمين فهو والله أيها الأمير شر الثلاثة فقال عمر والله إني لأراك لو سألته عن آية من كتاب الله ما قرأها فقال بلى والله إني لقاريء لآية وآيات فقال فاقرأ فقرأ إنا بعثنا نوحا إلى قومه فقال له عمر قد أعلمتك أنك لا تحسن ليس هكذا قال الله قال فكيف قال قال ( إنا أرسلنا نوحا ) فقال وما الفرق بين أرسلنا وبعثنا
( خذ أنف هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق )
عقيل يضحك الناس في المسجد
أخبرني عبيد الله بن أحمد الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثني علي بن محمد المدائني عن عبد الله بن أسلم القرشي قال قدم عقيل بن علفة المدينة فدخل المسجد وعليه خفان غليظان فجعل يضرب برجليه فضحكوا منه فقال ما يضحككم فقال له يحيى بن الحكم وكانت ابنة عقيل تحته يضحكون من خفيك وضربك برجليك وشدة جفائك قال لا ولكن يضحكون من إمارتك فإنها أعجب من خفي فجعل يحيى يضحك
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثني عمي عن عبد الله بن مصعب قاضي المدينة قال دخل عقيل بن علفة على يحيى بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة فقال له يحيى أنكح ابن خالي يعني ابن أوفى فلانة ابنتك فقال إن ابن

(12/305)


خالك ليرضى مني بدون ذلك قال وما هو قال أن أكف عنه سنن الخيل إذا غشيت سوامه فقال يحيى لحرسيين بين يديه أخرجاه فأخرجاه فلما ولى قال أعيداه إلي فأعاداه فقال عقيل له مالك تكرني إكرار الناضح قال أما والله إني لأكرك أعرج جافيا فقال عقيل كذلك قلت
( تعجبت إذ رأت رأسي تجلله ... من الروائع شيب ليس من كبر )
( ومن أديم تولى بعد جدته ... والجفن يخلق فيه الصارم الذكر )
فقال له يحيى أنشدني قصيدتك هذه كلها قال ما انتهيت إلا إلى ما سمعت فقال أما والله إنك لتقول فتقصر فقال إنما يكفي من القلادة ما أحاط بالرقبة قال فأنكحني أنا إحدى بناتك قال أما أنت فنعم قال أما والله لأملأنك مالا وشرفا قال أما الشرف فقد حملت ركائبي منه ما أطاقت وكلفتها تجشم ما لم تطق ولكن عليك بهذا المال فإن فيه صلاح الأيم ورضا الأبي فزوجه ثم خرج فهداها إليه فلما قدمت عليه بعث إليها يحيى مولاة له لتنظر إليها فجاءتها فجعلت تغمز عضدها فرفعت يدها فدقت أنفها فرجعت إلى يحيى وقالت بعثتني إلى أعرابية مجنونة صنعت بي ما ترى فنهض إليها يحيى فقال لها مالك قالت ما أردت أن بعثت إلي أمة تنظر إلي ما أردت بما فعلت إلا أن يكون نظرك إلي قبل كل

(12/306)


ناظر فإن رأيت حسنا كنت قد سبقت إلى بهجته وإن رأيت قبيحا كنت أحق من ستره فسر بقولها وحظيت عنده
وذكر المدائني هذا الخبر مثله إلا أنه قال فيه فإن كان ما تراه حسنا كنت أول من رآه وإن كان قبيحا كنت أول من واراه
أخبرني ابن دريد قال حدثنا عبد الرحمن عن عمه قال خطب يزيد بن عبد الملك إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال له عقيل قد زوجتكها على أن لا يزفها إليك أعلاجك أكون أنا الذي أجيء بها إليك قال ذلك لك فتزوجها ومكثوا ما شاء الله ثم دخل الحاجب على يزيد فقال له بالباب أعرابي على بعير معه امرأة في هودج قال أراه والله عقيلا قال فجاء بها حتى أناخ بعيرها على بابه ثم أخذ بيدها فأذعنت فدخل بها على الخليفة فقال له إن أنتما ودن بينكما فبارك الله لكما وإن كرهت شيئا فضع يدها في يدي كما وضعت يدها في يدك ثم برئت ذمتك فحملت الجرباء بغلام ففرح به يزيد ونحله وأعطاه ثم مات الصبي فورثت أمه منه الثلث ثم ماتت فورثها زوجها وأبوها فكتب إليه إن ابنك وابنتك هلكا وقد حسبت ميراثك منهما فوجدته عشرة آلاف دينار فهلم فاقبضه فقال إن مصيبتي بابني وابنتي تشغلني عن المال وطلبه فلا حاجة لي في ميراثهما وقد رأيت عندك فرسا سبقت عليه الناس فأعطنيه أجعله فحلا لخيلي وأبى أن يأخذ المال فبعث إليه يزيد بالفرس

(12/307)


أخبرنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا الخراز عن المدائني عن إسحاق بن يحيى قال رأيت رجلا من قريش يقول له عقيل بن علفة بالرفاء والبنين والطائر المحمود فقلت له يابن علفة إنه يكره أن يقال هذا فقال يابن أخي ما تريد إلى ما أحدث إن هذا قول أخوالك في الجاهلية إلى اليوم لا يعرفون غيره قال فحدثت به الزهري فقال إن عقيلا كان من أجهل الناس قال وإنما قال لإسحاق بن يحيى بن طلحة هذا قول أخوالك لأن أم يحيى بن طلحة مرية
قال المدائني وحدثني علي بن بشر الجشمي قال قال الرميح خطب إلى عقيل رجل من بني مرة كثير المال يغمز في نسبه فقال
( لعمري لئن زوجت من أجل ماله ... هجينا لقد حبت إلي الدراهم )
( أأنكح عبدا بعد يحيى وخالد ... أولئك أكفائي الرجال الأكارم )
( أبى لي أن أرضى الدنية أنني ... أمد عنانا لم تخنه الشكائم )
نسخت من كتاب محمد بن العباس اليزيدي بخطه يأثره عن خالد بن كلثوم بغير إسناد متصل بينهما أن رجلا من بني مرة يقال له داود أقبل على ناقة له فخطب إلى عقيل

(12/308)


ابن علفة بعض بناته فنظر إليه عقيل وإن السيف لا يناله فطعن ناقته بالرمح فسقطت وصرعته وشد عليه عقيل فهرب وثار عقيل إلى ناقته فنحرها وأطعمها قومه وقال
( ألم تقل يا صاحب القلوص ... داود ذا الساج وذا القميص )
( كانت عليه الأرض حيص بيص ... حتى يلف عيصه بعيصي )
( وكنت بالشبان ذا تقميص ... )
فقال داود فيه من أبيات
( أراه فتى جعل الحلال ببيته ... حراما ويقري الضيف عضبا مهندا )
وقال المدائني حدثني جوشن بن يزيد قال لما تزوج عقيل بن علفة زوجته الأنمارية وقد كبر فرت منه فلقيها جحاف وأحد بني قتال بن يربوع فحملها إلى عامل فدك واصبح عقيل معها فقال الأمير لعقيل ما لهذه تستعدي عليك يا أبا الجرباء فقال عقيل كل ذكري وذهب ذفري وتغايب نفري فقال خذ بيدها فأخذها وانصرف فولدت له بعد ذلك علفة الأصغر

(12/309)


شعره يحرض بني سهم على بني جوشن
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال لما نشبت الحرب بين بني جوشن وبين بني سهم بن مرة رهط عقيل بن علفة المري وهو من بني غيظ بن مرة بن سهم بن مرة إخوتهم فاقتتلوا في أمر يهودي خمار كان جارا لهم فقتلته بنو جوشن من غطفان وكانوا متقاربي المنازل وكان عقيل بن علفة بالشأم غائبا عنهم فكتب إلى بني سهم يحرضهم
( فإما هلكت ولم آتكم ... فأبلغ أماثل سهم رسولا )
( بأن التي سامكم قومكم ... لقد جعلوها عليكم عدولا )
( هوان الحياة وضيم الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا )
( فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا )
( ولا تقعدوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا )
قال فلما وردت الأبيات عليهم تكفل بالحرب الحصين بن الحمام المري أحد بني سهم وقال إلي كتب وبي نوه خاطب أماثل سهم وأنا من أماثلهم فأبلى في تلك الحروب بلاء شديدا وقال الحصين بن الحمام في ذلك من قصيدة طويلة له
( يطأن من القتلى ومن قصد القنا ... خبارا فما ينهضن إلا تقحما )

(12/310)


( عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما )
( صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطردا من نسج داود محكما )
( تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما )
وقال المدائني قال جراح بن عصام بن بجير عدت بنو جعفر بن كلاب على جار لعقيل فأطردت إبله وضربوه فغدا عقيل على جار لهم فضربه وأخذ إبله فأطردها فلم يردها حتى ردوا إبل جاره وقال في ذلك
( إن يشرق الكلبي فيكم بريقه ... بني جعفر يعجل لجاركم القتل )
( فلا تحسبوا الإسلام غير بعدكم ... رماح مواليكم فذاك بكم جهل )
( بني جعفر إن ترجعوا الحرب بيننا ... ندنكم كما كنا ندينكم قبل )
( بدأتم بجاري فانثنيت بجاركم ... وما منهما إلا له عندنا حبل )
وذكر المدائني أيضا
بنو سلامان يأسرونه ويطلقه بنو القين
أن عقيلا كان وحده في إبله فمر به ناس من بني سلامان فأسروه ومروا به في طريقه علىناس من بني القين فانتزعوه منهم وخلوا سبيله فقال عقيل في ذلك

(12/311)


( أسعد هذيم إن سعدا أباكم ... أبي لا يوافي غاية القين من كلب )
( وجاء هذيم والركاب مناخة ... فقيل تأخر يا هذيم على العجب )
( فقال هذيم إن في العجب مركبي ... ومركب آبائي وفي عجبها حسبي )
قال وسعد هذيم هم عذرة وسلامان والحارث وضبة
عقيل يرثي ابنه علفة
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم عن المدائني عن عبد الحميد بن أيوب بن محمد بن عميلة قال مات علفة بن عقيل الأكبر بالشأم فنعاه مضرس بن سوادة لعقيل بأرض الجناب فلم يصدقه وقال
( قبح الآله ولا أقبح غيره ... ثفر الحمار مضرس بن سواد )
( تنعى امرأ لم يعل أمك مثله ... كالسيف بين خضارم أنجاد )
ثم تحقق الخبر بعد ذلك فقال يرثيه
( لعمري لقد جاءت قوافل خبرت ... بأمر من الدنيا علي ثقيل )
( وقالوا ألا تبكي لمصرع فارس ... نعته جنود الشام غير ضئيل )

(12/312)


( فأقسمت لا أبكي على هلك هالك ... أصاب سبيل الله خير سبيل )
( كأن المنايا تبتغي في خيارنا ... لها نسبا أو تهتدي بدليل )
( تحل المنايا حيث شاءت فإنها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل )
( فتى كان مولاه يحل بربوة ... محل الموالي بعده بمسيل )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان عقيل بن علفة قد أطرد بنيه فتفرقوا في البلاد وبقي وحده ثم إن رجلا من بني صرمة يقال له بجيل وكان كثير المال والماشية حطم بيوت عقيل بماشيته ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلا لقي شرا فطردت صافنة أمة له الماشية فضربها بجيل بعصا كانت معه فشجها فخرج إليه عقيل وحده وقد هرم يومئذ وكبرت سنه فزجره فضربه بجيل بعصاه واحتقره فجعل عقيل يصيح يا علفة يا عملس يا فلان يا فلان بأسماء أولاده مستغيثا بهم وهو يحسبهم لهرمه أنهم معه فقال له أرطاة بن سهية
( أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل )
( ولو كان الألى غابوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل )
وبلغ خبر عقيل ابنه العملس وهو بالشام فأقبل إلى أبيه حتى نزل إليه ثم عمد إلى بجيل فضربه ضربا مبرحا وعقر عدة من إبله وأوثقه بجبل وجاء

(12/313)


به يقوده حتى ألقاه بين يدي أبيه ثم ركب راحلته وعاد من وقته إلى الشام لم يطعم لأبيه طعاما ولم يشرب شرابا
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا ابن عائشة قال نزل أعرابي على المقشعر بن عقيل بن علفة المري فشربا حتى سكرا وناما فانتبه الأعرابي مروعا في الليل وهو يهذي فقال له المقشعر مالك قال هذا ملك الموت يقبض روحي فوثب ابن عقيل فقال لا والله ولا كرامة ولا نعمة عين له أيقبض روحك وأنت ضيفي وجاري فقال بأبي أنتم وأمي طال والله ما منعتم الضيم وتلفف ونام
تمت أخبار عقيل ولله الحمد والمنة
قد مضت أخبار عقيل فيما تقدم من الكتاب ونذكرها هنا أخبار شبيب ابن البرصاء ونسبه لأن المغنين خلطوا بعض شعره ببعض شعر عقيل في الغناء الماضي ذكره ونعيدها هنا من الغناء ما شعره لشبيب خاصة وهو
صوت
من المائة المختارة
( سلا أم عمرو فيم أضحى أسيرها ... تفادى الأسارى حوله وهو موثق )
( فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا منعم يوما عليه فمطلق )
ويروى
( ولا هو ممنون عليه فمطلق ... )

(12/314)


الشعر لشبيب بن البرصاء والغناء لدقاق جارية يحيى بن الربيع رمل بالوسطى عن عمرو وذكر حبش أن فيه رملا آخر لطويس

(12/315)


أخبار شبيب بن البرصاء ونسبه
هو شبيب بن يزيد بن جمرة وقيل جبر بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان والبرصاء أمه واسمها قرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو ابن خالة عقيل بن علفة وأم عقيل عمرة بنت الحارث بن عوف ولقبت قرصافة البرصاء لبياضها لا لأنها كان بها برص وشبيب شاعر فصيح إسلامي من شعراء الدولة الأموية بدوي لم يحضر إلا وافدا أو منتجعا وكان يهاجي عقيل بن علفة ويعاديه لشراسة كانت في عقيل وشر عظيم وكلاهما كان شريفا سيدا في قومه في بيت شرفهم وسؤددهم وكان شبيب أعور أصاب عينة رجل من طيء في حرب كانت بينهم
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة قال

(12/316)


دخل أرطاة بن سهية على عبد الملك بن مروان وكان قد هاجى شبيب بن البرصاء فأنشده قوله فيه
( أبي كان خيرا من أبيك ولم يزل ... جنيبا لآبائي وأنت جنيب )
فقال له عبد الملك كذبت ثم أنشده البيت الآخر فقال
( وما زلت خيرا منك مذ عض كارها ... برأسك عادي النجاد ركوب )
فقال له عبد الملك صدقت وكان أرطاة أفضل من شبيب نفسا وكان شبيب أفضل من أرطاة بيتا
شبيب يهجو عقيل بن علفة
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال فاخر عقيل بن علفة شبيب بن البرصاء فقال شبيب يهجوه ويعيره برجل من طيء كان يأتي أمه عمرة بنت الحارث يقال له حيان ويهجو غيظ بن مرة
( ألسنا بفرع قد علمتم دعامة ... ورابية تنشق عنها سيولها )

(12/317)


( وقد علمت سعد بن ذبيان أننا ... رحاها الذي تأوى إليها وجولها )
( إذا لم نسسكم في الأمور ولم نكن ... لحرب عوان لاقح من يؤولها )
( فلستم بأهدى في البلاد من التي ... تردد حيرى حين غاب دليلها )
( دعت جل يربوع عقيلا لحادث ... من الأمر فاستخفى وأعيا عقيلها )
( فقلت له هلا أجبت عشيرة ... لطارق ليل حين جاء رسولها )
( وكائن لنا من ربوة لا تنالها ... مراقيك أو جرثومة لا تطولها )
( فخرت بأيام لغيرك فخرها ... وغرتها معروفة وحجولها )
( إذا الناس هابوا سوءة عمدت لها ... بنو جابر شبانها وكهولها )
( فهلا بني سعد صبحت بغارة ... مسومة قد طار عنها نسيلها )
( فتدرك وترا عند ألأم واتر ... وتدرك قتلى لم تتمم عقولها )
وقال أبو عمرو اجتمع عقيل بن علفة وشبيب بن البرصاء عند يحيى بن الحكم فتكلما في بعض الأمر فاستطال عقيل على شبيب بالصهر الذي بينه وبين بني مروان وكان زوج ثلاثا من بناته فيهم فقال شبيب يهجوه
( ألا أبلغ أبا الحرباء عني ... بآيات التباغض والتقالي )

(12/318)


( فلا تذكر أباك العبد وافخر ... بأم لست مكرمها وخال )
( وهبها مهرة لقحت ببغل ... فكان جنينها شر البغال )
( إذا طارت نفوسهم شعاعا ... حمين المحصنات لدى الحجال )
( بطعن تعثر الأبطال منه ... وضرب حيث تقتنص العوالي )
( أبى لي أن آبائي كرام ... بنوا لي فوق أشراف طوال )
( بيوت المجد ثم نموت منها ... إلى علياء مشرفة القذال )
( تزل حجارة الرامين عنها ... وتقصر دونها نبل النضال )
( أبالحفاث شر الناس حيا ... وأعناق الأيور بني قتال )
( رفعت مساميا لتنال مجدا ... فقد أصبحت منهم في سفال )
قال أبو عمرو بنو قتال إخوة بني يربوع رهط عقيل بن علفة وهم قوم فيهم جفاء قال أبو عمرو مات رجل منهم فلفه أخوه في عباءة له وقال أحدهما للآخر كيف تمله قال كما تحمله القربة فعمد إلى حبل فشد طرفه في عنقه وطرفه في ركبتيه وحمله على ظهره كما تحمل القربة فلما صار به إلى الموضع الذي يريد دفنه فيه حفر له حفيرة وألقاه فيها وهال عليه التراب حتى واراه فلما انصرفا قال له يا هناه أنسيت الحبل في عنق

(12/319)


أخي ورجليه وسيبقى مكتوفا إلى يوم القيامة قال دعه يا هناه فإن يرد الله به خيرا يحلله
خطب بنت يزيد بن هاشم فرده ثم قبله فأبى
وقال أبو عمرو خطب شبيب بن البرصاء إلى يزيد بن هاشم بن حرملة المري ثم الصرمي ابنته فقال هي صغيرة فقال شبيب لا ولكنك تبغي أن تردني فقال له يزيد ما أردت ذاك ولكن أنظرني هذا العام فإذا انصرم فعلي أن أزوجك فرحل شبيب من عنده مغضبا فلما مضى قال ليزيد بعض أهله والله ما أفلحت خطب إليك شبيب سيد قومك فرددته قال هي صغيرة قال إن كانت صغيرة فستكبر عنده فبعث إليه يزيد ارجع فقد زوجتك فإني أكره أن ترجع إلى أهلك وقد رددتك فأبى شبيب أن يرجع وقال
( لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة ... على رغبة لو شد نفسي مريرها )
( ولكن ضعف الأمر ألا تمره ... ولا خير في ذي مرة لا يغيرها )
( تبين أدبار الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها )
( ترجي النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها )
( ألا إنما يكفي النفوس إذا اتقت ... تقى الله مما حاذرت فيجيرها )
( ولا خير في العيدان إلا صلابها ... ولا ناهضات الطير إلا صقورها )

(12/320)


( ومستنبح يدعو وقد حال دونه ... من الليل سجفا ظلمة وستورها )
( رفعت له ناري فلما اهتدى لها ... زجرت كلابي أن يهر عقورها )
( فبات وقد أسرى من الليل عقبة ... بليلة صدق غاب عنها شرورها )
( وقد علم الأضياف أن قراهم ... شواء المتالي عندنا وقديرها )
( إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم يجد ... سوى ما بنينا ما يعد فخورها )
( وإني لتراك الضغينة قد بدا ... ثراها من المولى فلا أستثيرها )
( مخافة أن تجني علي وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها )
( إذا قيلت العوراء وليت سمعها ... سواي ولم أسمع بها ما دبيرها )
( وحاجة نفس قد بلغت وحاجة ... تركت إذا ما النفس شح ضميرها )
( حياء وصبرا في المواطن إنني ... حيي لدى أمثال تلك ستيرها )
( وأحبس في الحق الكريمة إنما ... يقوم بحق النائبات صبورها )
( أحابي بها الحي الذي لا تهمه ... وأحساب أموات تعد قبورها )
( ألم تر أنا نور قوم وإنما ... يبين في الظلماء للناس نورها )
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي قال كانت بين بني كلب وقوم من قيس ديات فمشى القوم إلى أبناء أخواتهم

(12/321)


من بني أمية يستعينون بهم في الحمالة فحملها محمد بن مروان كلها عن الفريقين ثم تمثل بقول شبيب بن البرصاء
( ولقد وقفت النفس عن حاجاتها ... والنفس حاضرة الشعاع تطلع )
( وغرمت في الحسب الرفيع غرامة ... يعيا بها الحصر الشحيح ويظلع )
( إني فتى حر لقدري عارف ... أعطي به وعليه مما أمنع )
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني الحرمازي قال نزل شبيب بن البرصاء وأرطاة بن زفر وعويف القوافي برجل من أشجع كثير المال يسمى علقمة فأتاهم بشربة لبن ممذوقة ولم يذبح لهم فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى رواحلهم فركبوها ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب فقال شبيب
( أفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري الضيف علقما )
وقال أرطاة

(12/322)


( لبثنا طويلا ثم جاء بمذقة ... كماء السلا في جانب القعب أثلما )
وقال عويف
( فلما رأينا أنه شر منزل ... رمينا بهن الليل حتى تخرما )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال غاب شبيب بن البرصاء عن أهله غيبة ثم عاد بعد مدة وقد مات جماعة من بني عمه فقال شبيب يرثيهم
( تخرم الدهر إخواني وغادرني ... كما يغادر ثور الطارد الفئد )
( إني لباق قليلا ثم تابعهم ... ووارد منهل القوم الذي وردوا )
قال أبو عمرو هاجى شبيب بن البرصاء رجلا من غني أو قال من باهلة فأعانه أرطاة بن سهية على شبيب فقال شبيب
( لعمري لئن كانت سهية أوضعت ... بأرطاة في ركب الخيانة والغدر )
( فما كان بالطرف العتيق فيشترى ... لفحلته ولا الجواد إذا يجري )
( أتنصر مني معشرا لست منهم ... وغيرك أولى بالحياطة والنصر )
ويروى وقد كنت أولى بالحياطة وهو أجود

(12/323)


وقال أبو عمرو استعدى رهط أرطأة بن سهية على شبيب بن البرصاء إلى عثمان بن حيان المري وقالوا له يعمنا بالهجاء ويشتم أعراضنا فأمر بإشخاصه إليه فأشخص ودخل إلى عثمان وقد أتي بثلاثة نفر لصوص قد أفسدوا في الأرض يقال لهم بهدل ومثغور وهيصم فقتل بهدلا وصلبه وقطع مثغورا والهيصم ثم أقبل على شبيب فقال كم تسب أعراض قومك وتستطيل عليهم أقسم قسما حقا لئن عاودت هجاءهم لأقطعن لسانك فقال شبيب
( سجنت لساني يابن حيان بعدما ... تولى شبابي إن عقدك محكم )
( وعيدك أبقى من لساني قذاذة ... هيوبا وصمتا بعد لا يتكلم )
( رأيتك تحلولي إذا شئت لامرىء ... ومرا مرارا فيه صاب وعلقم )
( وكل طريد هالك متحير ... كما هلك الحيران والليل مظلم )
( أصبت رجالا بالذنوب فأصبحوا ... كما كان مثغور عليك وهيصم )
( خطاطيفك اللاتي تخطفن بهدلا ... فأوفى به الأشراف جذع مقوم )
( يداك يدا خير وشر فمنهما ... تضر وللأخرى نوال وأنعم )
دعيج بن سيف يرميه فيصيب عينه
وقال أبو عمرو استاق دعيج بن سيف بن جذيمة بن وهب الطائي ثم الجرمي إبل شبيب بن البرصاء فذهب بها وخرج بنو البرصاء في الطلب فلما واجهوا بني جرم قال شبيب اغتنموا بني جرم فقال أصحابه لسنا طالبين إلا أهل القرحة فمضوا حتى أتوا دعيجا وهو برأس الجبل فناداه

(12/324)


شبيب يا دعيج إن كانت الطراف حية فلك سائر الإبل فقال يا شبيب تبصر رأسها من بين الإبل فنظر فأبصرها فقال شبيب شدوا عليه واصعدوا وراءه فأبوا عليه فحمل شبيب عليه وحده ورماه دعيج فأصاب عينه فذهب بها وكان شبيب أعور ثم عمي بعد ما أسن فانصرف وانصرف معه بنو عمه وفاز دعيج بالإبل فقال شبيب
( أمرت بني البرصاء يوم حزابة ... بأمر جميع لم تشتت مصادره )
( بشول ابن معروف وحسان بعدما ... جرى لي يمن قد بدا لي طائره )
( أيرجع حر دون جرم ولم يكن ... طعان ولا ضرب يذعذع عاسره )
( فأذهب عيني يوم سفح سفيرة ... دعيج بن سيف أعوزته معاذره )
( ولما رأيت الشول قد حال دونها ... من الهضب مغبر عنيف عمائره )
( وأعرض ركن من سفيرة يتقى ... بشم الذرا لا يعبد الله عامره )
( أخذت بني سيف ومالك موقع ... بما جر مولاهم وجرت جرائره )
( ولو أن رجلي يوم فر ابن جوشن ... علقن ابن ظبي أعوزته مغاوره )

(12/325)


أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن عاصم بن الحدثان قال هجا أرطاة بن سهية شبيب بن البرصاء ونفاه عن بني عوف فقال
( فلو كنت عوفيا عميت وأسهلت ... كداك ولكن المريب مريب )
قال فعمي شبيب بن البرصاء بعد موت أرطاة بن سهية فكان يقول ليت ابن سهية حيا حتى يعلم أني عوفي قال والعمى شائع في بني عوف إذا أسن الرجل منهم عمي وقل من يفلت من ذلك منهم
وحدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قوله
( بكر العواذل يبتدرن ملامتي ... والعاذلون فكلهم يلحاني )
( في أن سبقت بشربة مقدية ... صرف مشعشعة بماء شنان )
فقال له عبد الملك شبيب بن البرصاء أكرم منك وصفا لنفسه حيث يقول
( وإني لسهل الوجه يعرف مجلسي ... إذا أحزن القاذورة المتعبس )
( يضيء سنا جودي لمن يبتغي القرى ... وليل بخيل القوم ظلماء حندس )
( ألين لذي القربى مرارا وتلتوي ... بأعناق أعدائي حبال تمرس )

(12/326)


قال وكان عبد الملك يتمثل بقول شبيب في بذل النفس عند اللقاء ويعجب به
( دعاني حصن للفرار فساءني ... مواطن أن يثنى علي فأشتما )
( فقلت لحصن نح نفسك إنما ... يذود الفتى عن حوضه أن يهدما )
( تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما )
( سيكفيك أطراف الأسنة فارس ... إذا ريع نادى بالجواد وبالحمى )
( إذا المرء لم يغش المكاره أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تجذما )
نسخت من كتاب أبي عبد الله اليزيدي ولم أقرأه عليه قال خالد بن كلثوم كان الذي هاج الهجاء بين شبيب بن البرصاء وعقيل بن علفة أنه كان لبنى نشبة جار من بني سلامان بن سعد فبلغ عقيلا عنه أنه يطوف في بني مرة يتحدث إلى النساء فامتلأ عليه غيظا فبينا هو يوما جالس وعنده غلمان له وهو يجز إبلا له على الماء ويسمها إذ طلع عليه السلاماني على راحلته فوثب عليه هو وغلمانه فضربوه ضربا مبرحا وعقر راحلته وانصرف من عنده بشر فلم يعد إلى ذلك الموضع ولج الهجاء بينهما وكان عقيل شرسا سيء الخلق غيورا

(12/327)


أخبار دقاق
كانت دقاق مغنية محسنة جميلة الوجه قد أخذت عن أكابر مغني الدولة العباسية وكانت ليحيى بن الربيع فولدت له أحمد ابنه وعمر عمرا طويلا وحدثنا عنه جحظة ونظراؤه من أصحابنا وكان عالما بأمر الغناء والمغنين وكان يغني غناء ليس بمستطاب ولكنه صحيح ومات يحيى بن الربيع فتزوجت بعده من القواد والكتاب بعده فماتوا وورثتهم
فحدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال كانت دقاق أم ولد يحيى بن الربيع أحمد المعروف بابن دقاق مغنية محسنة متقنة الأداء والصنعة وكانت قد انقطعت إلى حمدونة بنت الرشيد ثم إلى غضيض وكانت مشهورة بالظرف والمجون والفتوة قال أحمد بن الطيب وعتقت دقاق فتزوجها بعد مولاها ثلاثة من القواد من وجوههم فماتوا جميعا فقال عيسى بن زينب يهجوها
( قلت لما رأيت دار دقاق ... حسنها قد أضر بالعشاق )
( حذروا الرابع الشقي دقاقا ... لا يكونن نجمه في محاق )

(12/328)


( أله عن بضعها فإن دقاقا ... شؤم حرها قد سار في الآفاق )
( لم تضاجع بعلا فهب سليما ... بل جريحا وجرحه غير راقي )
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني الهدادي الشاعر قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون وأخبرني جحظة عن ابن حمدون ورواية الكوكبي أتم قال كتبت دقاق إلى أبي تصف هنها صفة أعجزه الجواب عنها فقال له صديق له ابعث إلى بعض المخنثين حتى يصف متاعك فيكون جوابها فأحضر بعضهم وأخبره الخبر اكتب إليها عندي القوق البوق الأصلع المزبوق الأقرع المفروق المنتفخ العروق يسد البثوق ويفتق الفتوق ويرم الخروق ويقضي الحقوق أسد بين جملين بغل بين حملين منارة بين صخرتين رأسه رأس كلب واصله مترس درب إذا دخل حفر وإذا خرج قشر لو نطح الفيل كوره ولو دخل البحر كدره إذا رق الكلام وتقاربت الأجسام والتفت الساق بالساق ولطخ باطنها بالبصاق وقرع البيض بالذكور وجعلت الرماح تمور بطعن الفقاح

(12/329)


وشق الأحراح صبرنا فلم نجزع وسلمنا طائعين فلم نخدع قال فقطعها
حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب قال حدثني أحمد بن علي بن جعفر قال حضرت مرة مجلسا وفيه ابن دقاق وفيه النصراني المعروف بأبي الجاموس اليعقوبي البزاز قرابة بلال قال فعبث ابن دقاق بأبي الجاموس فلما أكثر عليه قال اسمعوا مني ثم حلف بالحنيفية أنه لا يكذب وحدثنا قال مضيت وأنا غلام مع أستاذي إلى باب حمدونة بنت الرشيد ومعنا بز نعرضه للبيع فخرجت إلينا دقاق أم هذا تقاولنا في ثمن المتاع وفي يدها مروحة على أحد وجهيها منقوش الحر إلى أيرين أحوج من الأير إلى حرين وعلى الوجه الآخر كما أن الرحا إلى بغلين أحوج من البغل إلى رحوين قال فأسكته والله سكوتا علمنا معه أنه لو خرس لكان الخرس أصون لعرضه مما جرى
قال أحمد وفي دقاق يقول عيسى بن زينب وكان لها غلامان خلاسيان يروحانها في الخيش فتحدث الناس أنها قالت لواحد منهما أن

(12/330)


ينيكها فعجز فقالت له نكني وأنت حر فقال لها نيكيني أنت وبيعيني في الأعراب فقال فيها عيسى بن زينب
( أحسن من غنى لنا أو شدا ... دقاق في خفض من العيش )
( لها غلامان ينيكانها ... بعلة الترويح في الخيش )
حدثني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال كانت دقاق جارية يحيى بن الربيع تواصل جماعة كانوا يميلون إليها وتري كل واحد منهم أنها تهواه وكانت أحسن أهل عصرها وجها وأشأمهم على من رابطها وتزوجها فقال فيها أبو إسحاق يعني أباه
صوت
( عدمتك يا صديقة كل خلق ... أكل الناس ويحك تعشقينا )
( فكيف إذا خلطت الغث منهم ... بلحم سمينهم لا تبشمينا )
فيه خفيف رمل ينسب إلى إبراهيم بن المهدي وإلى ريق وإلى شارية

(12/331)


أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثنا أبو هفان قال خرج يحيى بن الربيع مولى دقاق وكانت قد ولدت منه ابنه أحمد بن يحيى إلى بعض النواحي وترك جاريته دقاق في داره فعملت بعده الأوابد وكانت من أحسن الناس وجها وغناء وأشأمه على أزواجها ومواليها وربطائها فقال أبو موسى الأعمى فيه
( قل ليحيى نعم صبرت على الموت ... ولم تخش سهم ريب المنون )
( كيف قل لي أطقت ويحك يا يحيى ... على الضعف منك حمل القرون )
( ويح يحيى ما مر باست دقاق ... بعد ما غاب من سياط البطون )
صوت من المائة المختارة
( تكاشرني كرها كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي )
( لسانك لي حلو وعينك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك ملتوي )
الشعر ليزيد بن الحكم الثقفي والغناء لابراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لجهم العطار خفيف ثقيل عن الهشامي

(12/332)


نسب يزيد بن الحكم وأخباره
هو يزيد بن الحكم بن عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله كذلك وجدت نسبه في نسخة ابن الأعرابي وذكر غيره أنه يزيد بن الحكم بن أبي العاص وأن عثمان عمه وهذا هو القول الصحيح وأبو العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي وهو ثقيف
وعثمان جده أو عم أبيه أحد من أسلم من ثقيف يوم فتح الطائف هو وأبو بكرة وشط عثمان بالبصرة منسوب إليه كانت له هناك أرض أقطعها وابتاعها وقد روى عن رسول الله الحديث وروى عنه الحسن بن أبي الحسن ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهما من التابعين
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان سمعه من محمد بن اسحاق وسمعه محمد من سعيد بن أبي هند وسمعه سعيد بن أبي هند من مطرف بن عبد الله بن الشخير قال سمعت عثمان بن أبي العاص الثقفي يقول قال لي رسول الله

(12/333)


أم قومك واقدرهم بأضعفهم فإن منهم الضعيف والكبير وذا الحاجة قال الحميدي وحدثنا الفضيل بن عياض عن أشعب عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله اتخذوا مؤذنا ولا يأخذ على أذانه أجرا
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا العلاء بن الفضل قال حدثني أبي قال مر الفرزدق بيزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي وهو ينشد في المجلس شعرا فقال من هذا الذي ينشد شعرا كأنه من أشعارنا فقالوا يزيد بن الحكم فقال نعم أشهد بالله أن عمتي ولدته وأم يزيد بكرة بنت الزبرقان بن بدر وأمها هنيدة بنت صعصعة بن ناجية وكانت بكرة أول عربية ركبت البحر فأخرج بها إلى الحكم وهو بتوج وكان الزبرقان يكنى أبا العباس وكان له بنون منهم العباس وعياش
أخباره مع الحجاج
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثنا الحزامي قال

(12/334)


دعا الحجاج بن يوسف بيزيد بن الحكم الثقفي فولاه كورة فارس ودفع إليه عهده بها فلما دخل عليه ليودعه قال له الحجاج أنشدني بعض شعرك وإنما أراد أن ينشده مديحا له فأنشده قصيدة يفخر فيها ويقول
( وأبي الذي سلب ابن كسرى راية ... بيضاء تخفق كالعقاب الطائر )
فلما سمع الحجاج فخره نهض مغضبا فخرج يزيد من غير أن يودعه فقال الحجاج لحاجبه ارتجع منه العهد فإذا رده فقل له أيهما خير لك ما ورثك أبوك أم هذا فرد على الحاجب العهد وقال قل له
( ورثت جدي مجده وفعاله ... وورثت جدك أعنزا بالطائف )
وخرج عنه مغضبا فلحق بسليمان بن عبد الملك ومدحه بقصيدته التي أولها
( أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا )
يقول فيها
( سميت باسم امريء أشبهت شيمته ... عدلا وفضلا سليمان بن داودا )
( أحمد به في الورى الماضين من ملك ... وأنت أصبحت في الباقين محمودا )
( لا يبرأ الناس من أن يحمدوا ملكا ... أولاهم في الأمور الحلم والجودا )
فقال له سليمان وكم كان أجرى لك لعمالة فارس قال عشرين

(12/335)


ألفا قال فهي لك علي ما دمت حيا وفي أول هذه القصيدة غناء نسبته
صوت
( أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا )
( كأن أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لها شبه العينين والجيدا )
( أجري على موعد منها فتخلفني ... فلا أمل ولا توفي المواعيدا )
( كأنني يوم أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا )
ومن الناس من ينسب هذه الأبيات إلى عمر بن أبي ربيعة وذلك خطأ
- عروضه من البسيط - والغناء للغريض ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق وذكر عمرو بن بانة أنه لمعبد ثقيل أول بالوسطى
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال أخبرنا ابن عياش عن أبيه قال سمعت الحجاج واستوى جالسا ثم قال صدق والله زهير بن أبي سلمى حيث يقول
( وما العفو إلا لامرىء ذي حفيظة ... متى يعف عن ذنب امرىء السوء يلجج )
فقال له يزيد بن الحكم أصلح الله الأمير إني قد رثيت ابني عنبسا ببيت إنه لشبيه بهذا قال وما هو قال قلت
( ويأمن ذو حلم العشيرة جهله ... عليه ويخشى جهله جهلاؤها )

(12/336)


قال فما منعك أن تقول مثل هذا لمحمد ابني ترثيه به فقال إن ابني والله كان أحب إلي من ابنك
وهذه الأبيات من قصيدة أخبرني بها عمي عن الكراني عن الهيثم بن عدي قال كان ليزيد بن الحكم ابن يقال له عنبس فمات فجزع عليه جزعا شديدا وقال يرثيه
( جزى الله عني عنبسا كل صالح ... إذا كانت الأولاد سيئا جزاؤها )
( هو ابني وأمسى أجره لي وعزني ... على نفسه رب إليه ولاؤها )
( جهول إذا جهل العشيرة يبتغى ... حليم ويرضى حلمه حلماؤها )
وبعد هذا البيت المذكور في الخبر الأول
عبد الملك يفضله على شاعر ثقيف
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال قال عبد الملك بن مروان كان شاعر ثقيف في الجاهلية خيرا من شاعرهم في الإسلام فقيل له من يعني أمير المؤمنين فقال لهم أما شاعرهم في الإسلام فيزيد بن الحكم حيث يقول
( فما منك الشباب ولست منه ... إذا سألتك لحيتك الخضابا )
( عقائل من عقائل أهل نجد ... ومكة لم يعقلن الركابا )
( ولم يطردن أبقع يوم ظعن ... ولا كلبا طردن ولا غرابا )
وقال شاعرهم في الجاهلية

(12/337)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية