صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

قال جرير بالكوفة
( لقد قادني من حب ماوية الهوى ... وما كنت تلقاني الجنيبة أقودا )
( أحب ثرى نجد وبالغور حاجة ... فغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا )
( أقول له يا عبد قيس صبابة ... بأي ترى مستوقد النار أوقدا )
( فقال أرى نارا يشب وقودها ... بحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا )
فأعجبت الناس وتناشدوها قال فحدثني جابر بن جندل قال فقال لنا جرير أعجبتكم هذه الأبيات قالوا نعم قال كأنكم بابن القين وقد قال
( أعد نظرا يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا )
قال فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده
( حمار بمروت السحامة قاربت ... وظيفيه حول البيت حتى ترددا )
( كليبية لم يجعل الله وجهها ... كريما ولم يسنح بها الطير أسعدا )
قال فتناشدها الناس فقال الفرزدق كأنكم بابن المراغة قد قال
( وما عبت من نار أضاء وقودها ... فراسا وبسطام بن قيس مقيدا )

(8/66)


قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه
( وأوقدت بالسيران نارا ذليلة ... وأشهدت من سوءات جعثن مشهدا )
رآه الأخطل عند عبد الملك فعرفه
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال
وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلم ثم جلس وقد عرفه الأخطل فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له من أنت فقال أنا الذي منعت نومك وتهضمت قومك فقال له جرير ذلك أشقى لك كائنا من كنت ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال من هذا يا أمير المؤمنين جعلني الله فداءك فضحك ثم قال هذا الأخطل يا أبا حزرة فرد عليه بصره ثم قال فلا حياك الله يابن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليه الذلة وباء بغضب من الله وأدى الجزية عن يد وهو صاغر وكيف تتهضم لا أم لك قوما فيهم النبوة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه لا حاكم ثم أقبل على عبد الملك فقال ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية فقال لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال

(8/67)


نازع جرير بني حمان في ركية لهم فصاروا إلى إبراهيم بن عدي باليمامة يتحاكمون إليه فقال جرير
( أعوذ بالأمير غير الجبار ... من ظلم حمان وتحويل الدار )
( ما كان قبل حفرنا من محفار ... وضربي المنقار بعد المنقار )
( في جبل أصم غير خوار ... يصيح بالجب صياح الصرار )
( له صهيل كصهيل الأمهار ... فاسأل بني صحب ورهط الجرار )
( والسلميين العظام الأخطار ... والجار قد يخبر عن دار الجار )
فقال الحماني
( ما لكليب من حمى ولا دار ... غير مقام أتن وأعيار )
( قعس الظهور داميات الأثفار ... )
قال فقال جرير فعن مقامهن جعلت فداك أجادل فقال ابن عدي للحماني قد أقررت لخصمك وحكم بها لجرير
قال ابن سلام وأخبرني أبو يحيى الضبي قال
بينا جرير يسير على راحلته إذ هجم على أبيات من مازن وهلال وهما بطنان من ضبة فخافهم لسوء أثره في ضبة فقال

(8/68)


( فلا خوف عليك ولن تراعي ... بعقوة مازن وبني هلال )
( هما الحيان إن فزعا يطيرا ... إلى جرد كامثال السعالي )
( أمازن يابن كعب إن قلبي ... لكم طول الحياة لغير قالي )
( غطاريف يبيت الجار فيهم ... قرير العين في أهل ومال )
قال أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك
تجمع الناس حوله في المسجد دون الفرزدق
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال شعيب بن صخر حدثني هارون بن إبراهيم قال
رأيت جريرا والفرزدق في مسجد دمشق وقد قدماها على الوليد بن عبد الملك والناس عنق واحد على جرير قيس وموالي بني أمية يسلمون عليه ويسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك وكيف أهلك وأسبابك وما يطيف بالفرزدق إلا نفر من خندف جلوس معه قال شعيب فقلت لهارون ولم ذلك قال لمدحه قيسا وقوله في العجم
( فيجمعنا والغر أولاد سارة ... أب لا نبالي بعده من تعذرا )
قال شعيب بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلة أهداها إليه الموالي سوى غيرهم وأخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلام عن شعيب بن صخر فذكر نحوا من حكاية أبي زيد إلا أنها أتم من حكاية ابن سلام وقال

(8/69)


أبو خليفة في خبره سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول وافته في يومه ذلك مائة حلة من بني الأحرار
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي قال
بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص وجرير ينشد قوله
( لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار )
فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر ورفع صوته يقول
( عوى الشعراء بعضهم لبعض ... علي فقد أصابهم انتقام )
( إذا أرسلت قافية شرودا ... رأوا أخرى تحرق فاستداموا )
( فمصطلم المسامع أو خصي ... وآخر عظم هامته حطام )
ثم عاد من حيث قطع فلما فرغ قيل له ولم قلت هذا قال قد نهيت الأحوص أن يعين علي الفرزدق فأنا والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوذت من شاعر قط ولولا حقكم ما تعوذت منه
محمد بن الحجاج يلح على عبد الملك بالإذن لجرير بالدخول عليه لإنشاده
أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال قال عمارة بن عقيل حدثني أبي عن أبيه
أن الحجاج أوفد ابنه محمد بن الحجاج إلى عبد الملك وأوفد إليه

(8/70)


جريرا معه ووصاه به وأمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه ومعاونته عليه فلما وردوا استأذن له محمد على عبد الملك فلم يأذن له وكان لا يسمع من شعراء مضر ولا يأذن لهم لأنهم كانوا زبيرية فلما استأذن له محمد على عبد الملك ولم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره ويقول إنه لم يكن ممن والى ابن الزبير ولا نصره بيده ولا لسانه وقال له محمد يا أمير المؤمنين إن العرب تتحدث أن عبدك وسيفك الحجاج شفع في شاعر قد لاذ به وجعله وسيلته ثم رددته فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد فقال له وما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجاج ألست القائل
( من سد مطلع النفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجاج )
إن الله لم ينصرني بالحجاج وإنما نصر دينه وخليفته أولست القائل
( أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج )
يا عاض كذا وكذا من أمه والله لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها أخرج عني فأخرج بشر فلما كان بعد ثلاث شفع إليه محمد لجرير وقال له يا أمير المؤمنين إني أديت رسالة عبدك الحجاج وشفاعته في جرير فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبه منه وأشمت به عدوه ولو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع فإن رأيت أن تهب كل ذنب له لعبدك الحجاج ولي فافعل فأذن له فاستأذنه في الإنشاد فقال لا تنشدني إلا في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصة فسأله أن ينشده مديحه فيه فأبى وأقسم ألا ينشده إلا من قوله في الحجاج فأنشده وخرج بغير جائزة فلما أزف الرحيل قال جرير لمحمد إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع مني ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر ولست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد وأمسك عبد الملك عن الإذن له فقال جرير ارحل أنت وأقيم أنا فدخل

(8/71)


محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له وسأله أن يسمع منه وقبل يده ورجله فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد فأمسك عبد الملك فقال له محمد أنشد ويحك فأنشده قصيدته التي يقول فيها
( ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح )
فتبسم عبد الملك وقال كذلك نحن وما زلنا كذلك ثم اعتمد على ابن الزبير فقال
( دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحا هل شفيت من الجماح )
( وقد وجدوا الخليفة هبرزيا ... ألف العيص ليس من النواحي )
( وما شجرات عيصك في قريش ... بعشات الفروع ولا ضواحي )
قال ثم أنشده إياها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال
( تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح )
( تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح )

(8/72)


فقال عبد الملك هل ترويها مائة لقحة فقال إن لم يروها ذلك فلا أرواها الله فهل إليها جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين من سبيل فأمر له بمائة لقحة وثمانية من الرعاء وكانت بين يديه جامات من ذهب فقال له جرير يا أمير المؤمنين تأمر لي بواحدة منهن تكون محلبا فضحك وندس إليه واحدة منهن بالقضيب وقال خذها لا نفعتك فأخذها وقال بلى والله يا أمير المؤمنين لينفعني كل ما منحتنيه وخرج من عنده قال وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك
( أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف )
هجا سراقة لأنه أعان الفرزدق عليه
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ أبو غسان عن أبي عبيدة قال
بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم وفرسا لمن فضل من الشعراء الفرزدق على جرير فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقي فإنه قال يفضل الفرزدق
( أبلغ تميما غثها وسمينها ... والحكم يقصد مرة ويجور )
( أن الفرزدق برزت أعراقه ... سبقا وخلف في الغبار جرير )
( ذهب الفرزدق بالفضائل والعلا ... وابن المراغة مخلف محسور )
( هذا قضاء البارقي وإنني ... بالميل في ميزانهم لبصير )
قال أبو عبيدة فحدثني أيوب بن كسيب قال حدثني أبي قال كنت مع

(8/73)


جرير فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه وقال له إنه قد أمرني أن أوصله إليك ولا أبرح حتى تجيب عن الشعر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا وأخرج إليه كتاب بشر وقد نسخ له القصيدة وأمره بأن يجيب عنها فأخذها ومكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه فهتف به صاحبه من الجن من زاوية البيت فقال له أزعمت أنك تقول الشعر ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا فهلا قلت
( يا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا قضيت لنا وأنت أمير )
فقال له جرير حسبك كفيتك قال وسمع قائلا يقول لآخر قد أنار الصبح فقال جرير
( يا صاحبي هل الصباح منير ... أم هل للوم عواذلي تفتير )
إلى أن فرغ منها وفيها يقول
( قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سب جرير )
( يعطى النساء مهورهن كرامة ... ونساء بارق ما لهن مهور )
فأخذها الرسول ومضى بها إلى بشر فقرئت بالعراق وأفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشيء من مناقضته
مناقضة بينه وبين عمر بن لجأ
أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال

(8/74)


كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله وجرير حاضر فقال فيها
( قد وردت قبل إنا ضحائها ... تفرس الحيات في خرشائها )
( جر العجوز الثني من ردائها ... )
فقال له جرير أخفقت فقال كيف اقول قال تقول
( جر العروس الثني من ردائها ... ) فقال له التيمي أنت أسوأ قولا مني حيث تقول
( وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرد السيف لامع )
فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهن عشية فقال كيف أقول قال تقول
( وأوثق عند المرهفات عشية ... )
فقال جرير والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حزرة ولكنك مجلب للفرزدق
وقال فيه جرير
( هلا سوانا ادرأتم يا بني لجأ ... شيئا يقارب أو وحشا لها غرر )
( أحين كنت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضر )
( خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر )

(8/75)


( أنت ابن برزة منسوبا إلى لجأ ... عند العصارة والعيدان تعتصر )
ويروى
( ألست نزوة خوار على أمة ... عند العصارة والعيدان تعتصر )
فقال ابن لجأ يرد عليه
( لقد كذبت وشر القول أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر )
( بل أنت نزوة خوار على أمة ... لا يسبق الحلبات اللؤم والخور )
( ما قلت من هذه إلا سأنقضها ... يابن الأتان بمثلي تنقض المرر )
وقال عمر بن لجأ
( عجبت لما لاقت رياح من الأذى ... وما اقتبسوا مني وللشر قابس )
( غضابا لكلب من كليب فرسته ... هوى ولشدات الأسود فرائس )
( إذا ما ابن يربوع أتاك لمأكل ... على مجلس إن الأكيل مجالس )
( فقل لابن يربوع ألست براحض ... سبالك عنا إنهن نجائس )
( تمسح يربوع سبالا لئيمة ... بها من مني العبد رطب ويابس )
قال ثم اجتمع جرير وابن لجأ بالمدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك وكان يتأله في نفسه فقال أتقذفان المحصنات وتغضبانهن ثم أمر ابا بكر محمد بن حزم الأنصاري وكان واليا له بالمدينة بضربهما فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين والتيمي يومئذ أشب من جرير فجعل يشول بجرير وجرير يقول وهو المشول به

(8/76)


( فلست مفارقا قرني حتى ... يطول تصعدي بك وانحداري )
فقال أبن لجأ
( ولما أن قرنت إلى جرير ... أبى ذو بطنه إلا انحدارا )
فقال له قدامة بن إبراهيم الجمحي وبئسما قلت جعلت نفسك المقرون إليه قال فكيف أقول قال تقول
( ولما لز في قرني جرير ... )
فقال جزيت خيرا لا أقوله والله ابدا إلا هكذا
حدثني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي قال حدثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال
وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده وقد كانا تهاجيا ولم يلق أحدهما صاحبه فلما أستأذنوا لجرير أذن له فسلم وجلس وقد عرفه الأخطل فطمح بصر جرير إليه فقال له من أنت فقال أنا الذي منعت نومك وهضمت قومك فقال له جرير ذاك أشقى لك كائنا من كنت ثم اقبل على عبد الملك فقال من هذا يا أمير المؤمنين فضحك وقال هذا الأخطل يا ابا حزرة فرد بصره إليه وقال فلا حياك الله يابن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك واما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية فقال لا يكون ذلك بين يدي فوثب جرير مغضبا فقال عبد الملك قم يا أخطل واتبع صاحبك فإنما قام غضبا علينا فيك فنهض الأخطل فقال عبد الملك لخادم له انظر ما يصنعان إذا برز له الأخطل فخرج جرير فدعا بغلام له فقدم إليه حصانا له أدهم فركبه وهدر

(8/77)


والفرس يهتز من تحته وخرج الأخطل فلاذ بالباب وتوارى خلفه ولم يزل واقفا حتى مضى جرير فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره فضحك وقال قاتل الله جريرا ما أفحله أما والله لو كان النصراني برز إليه لأكله
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال
سئل جرير أي الثلاثة أشعر فقال أما الفرزدق فيتكلف مني ما لا يطيقه وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للغرض وأما أنا فمدينة الشعر وقد حدثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن الأصمعي فذكر نحو ما ذكره الرياشي وقال في خبره وأما الأخطل فأنعتنا للخمر وأمدحنا للملوك
ابو مهدي الباهلي فضله على جميع الشعراء
أخبرنا عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب قال
قلت لأبي مهدي الباهلي وكان من علماء العرب أيما أشعر أجرير أم الفرزدق فغضب ثم قال جرير أشعر العرب كلها ثم قال لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجيء جرير فيحكم بينهم
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازني يقول
قال جرير هجوت بني طهية أنواع الهجاء فلم يحفلوا بقولي حتى قلت

(8/78)


في قصيدة الراعي
( كأن بني طهية رهط سلمى ... حجارة خارىء يرمي كلابا )
فجزعوا حينئذ ولاذوا بي
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال
كان جرير من أعق الناس بأبيه وكان بلال ابنه أعق الناس به فراجع جرير بلالا الكلام يوما فقال له بلال الكاذب مني ومنك ناك أمه فأقبلت أمه عليه وقالت له يا عدو الله أتقول هذا لأبيك فقال جرير دعيه فوالله لكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي
هجا عمر بن يزيد لأنه أعان الفرزدق عليه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط قال
كان عمر بن يزيد بن عمير الأسدي يتعصب للفرزدق على جرير فتزوج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم فقال جرير
( نكحت إلى بني عدس بن زيد ... فقد هجنت خيلهم العرابا )
( أتنسى يوم مسكن إذ تنادي ... وقد أخطأت بالقدم الركابا )
وهي قصيدة فأجتمعوا على عمر بن يزيد ولم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الهيثم قال حدثني عمي

(8/79)


أبو فراس قال حدثني ودقة بن معروف قال
نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجاج فلما دخل على عنبسة قال له ويحك لقد غررت بنفسك فما حملك على ما فعلت قال شعر قلته اعتلج في صدري وجاشت به نفسي وأحببت أن يسمعه الأمير قال فعنفه وأدخله بيتا في جانب داره وقال لا تطلعن رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك قال فأتاه رسول الحجاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ وهو قاعد في الخضراء وقد صب فيها ماء استنقع في أسفلها وهو قاعد على سرير وكرسي موضوع ناحية قال عنبسة فقعدت على الكرسي وأقبل علي الحجاج يحدثني فلما رأيت تطلقه وطيب نفسه قلت اصلح الله الأمير رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا اجاد فيه فاستخفه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له قال ومن هو قلت ابن الخطفي قال وأين هو قلت في المنزل قال يا غلام فأقبل الغلمان يتسارعون قال صف لهم موضعه من دارك فوصفت لهم البيت الذي هو فيه فانطلقوا حتى جاؤوا به فأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفش كما يتنفش الفرخ فقال له هيه ما اقدمك علينا بغير إذننا لا أم لك قال أصلح الله الأمير قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد فجاش به صدري وأحببت أن يسمعه مني الأمير فأقبلت به إليه قال فتطلق الحجاج وسكن واستنشده فأنشده ثم قال يا غلام فجاؤوا يسعون فقال علي

(8/80)


بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة فقال إن أصبت صفتها فهي لك فقال ما أسمها قال أمامة فأنشأ يقول
( ودع أمامة حان منك رحيل ... إن الوداع لمن تحب قليل )
( مثل الكثيب تهيلت أعطافه ... فالريح تجبر متنه وتهيل )
( تلك القلوب صواديا تيمتها ... وأرى الشفاء وما إليه سبيل )
فقال خذ بيدها فبكت الجارية وانتحبت فقال ادفعوها إليه بمتاعها وبغلها ورحالها
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال
قال الحجاج لجرير والفرزدق وهو في قصره بحزيز البصرة ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية فلبس الفرزدق الديباج والخز وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا له ما لباس آبائنا إلا الحديد فلبس جرير درعا وتقلد سيفا وأخذ رمحا وركب فرسا لعباد بن الحصين يقال له المنحاز وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع وجاء الفرزدق في هيئته فقال جرير
( لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله )
( أعدوا مع الحلي الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله )
ثم رجعا فوقف جرير في مقبرة بني حصن ووقف الفرزدق في المربد قال فأخبرني أبي عن محمد بن زياد قال كنت أختلف إلى جرير والفرزدق وكان جرير يومئذ كأنه أصغرهما في عيني

(8/81)


هجاؤه للفرزدق
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا ابو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال
قدم الفرزدق اليمامة وعليها المهاجر بن عبد الله الكلابي فقال لودخلت على هذا فأصبت منه شيئا ولم يعلم بي جرير فلم تستقر به الدار حتى قال جرير
( رأيتك إذ لم يغنك الله بالغنى ... رجعت إلى قيس وخدك ضارع )
( وما ذاك إن أعطى الفرزدق باسته ... بأول ثغر ضيعته مجاشع )
فلما بلغ ذلك الفرزدق قال لا جرم والله لا أدخل عليه ولا أرزؤه شيئا ولا أقيم باليمامة ثم رحل
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال قال أبو البيداء
لقي الفرزدق عمر بن عطية أخا جرير وهو حينئذ يهاجي ابن لجأ فقال له ويلك قل لأخيك ثكلتك أمك ائت التيمي من عل كما أصنع أنا بك وكان الفرزدق قد أنف لجرير وحمي من أن يتعلق به التيمي قال ابن سلام فأنشدني له خلف الأحمر يقوله للتيمي
( وما أنت إن قرما تميم تساميا ... أخا التيم إلا كالوشيظة في العظم )
( فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم )
فقال له التيمي

(8/82)


( كذبت أنا القرم الذي دق مالكا ... وأفناء يربوع وما أنت بالقرم )
قال أبن سلام فحدثني ابو الغراف أن رجال تميم مشت بين جرير والتيمي وقالوا والله ما شعراؤنا إلا بلاء علينا ينشرون مساوينا ويهجون أحياءنا وموتانا فلم يزالوا بهما حتى أصلحوا بينهما بالعهود والمواثيق المغلظة الا يعودا في هجاء فكف التيمي وكان جرير لا يزال يسل الواحدة بعد الواحدة فيه فيقول التيمي والله ما نقضت هذه ولا سمعتها فيقول جرير هذه كانت قبل الصلح
قال ابن سلام فحدثني عثمان بن عثمان عن عبد الرحمن بن حرملة قال لما ورد علينا هجاء جرير والتيمي قال لي سعيد بن المسيب ترو شيئا مما قالا فأتيته وقد أستقبل القبلة يريد أن يكبر فقال لي ارويت قلت نعم فأقبل علي بوجهه فأنشدته للتيمي وهو يقول هيه هيه ثم أنشدته لجرير فقال أكله اكله
قال أبن سلام وحدثني الرازي عن حجناء بن جرير قال قلت لأبي يا ابت ما هجوت قوما قط إلا فضحتهم إلا التيم فقال يا بني لم أجد بناء أهدمه ولا شرفا أضعه وكانت تيم رعاء غنم يغدون في غنمهم ثم يروحون وقد جاء كل رجل منهم بأبيات فينتحلها ابن لجأ فقيل لجرير ما صنعت في التيم شيئا فقال إنهم شعراء لئام
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني ابن النطاح قال حدثني أبو اليقظان قال
قال جرير لرجل من بني طهية ايما اشعر أنا أم الفرزدق فقال له أنت

(8/83)


عند العامة والفرزدق عند العلماء فصاح جرير أنا ابو حزرة غلبته ورب الكعبة والله ما في كل مائة رجل عالم واحد
طلب من الوليد بن عبد الملك أن يأذن له في ابن الرقاع
حدثنا أحمد بن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدثني أبن النطاح قال وحدثني أبو الأخضر لمخارق بن الأخضر القيسي قال إني كنت والله الذي لا إله إلا هو أخص الناس بجرير وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان عدي بن الرقاع خاصا بالوليد مداحا له فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحدا من النزارية ولا يجلس إلا إلى رجل من اليمن بحيث يقرب من مجلس ابن الرقاع إلى أن يأذن الوليد للناس فيدخل فقلت له يا ابا حزرة اختصصت عدوك بمجلسك فقال إني والله ما أجلس إليه إلا لأنشده اشعارا تخزيه وتخزي قومه قال ولم يكن ينشده شيئا من شعره وإنما كان ينشده شعر غيره ليذله ويخوفه نفسه فأذن الوليد للناس ذات عشية فدخلوا ودخلنا فأخذ الناس مجالسهم وتخلف جرير فلم يدخل حتى دخل الناس وأخذوا مجالسهم واطمأنوا فيها فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السماطين يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرقاع المتفرقة أؤلف بعضها إلى بعض قال وأنا جالس أسمع فقال الوليد والله لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس فقال جرير وهو قائم كما هو

(8/84)


( فإن تنهني عنه فسمعا وطاعة ... وإلا فإني عرضة للمراجم )
قال فقال له الوليد لا كثر الله في الناس أمثالك فقال له جرير يا أمير المؤمنين إنما أنا واحد قد سعرت الأمة فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا قال فنظرت والله إلى الوليد تبسم حتى بدت ثناياه تعجبا من جرير وجلده قال ثم أمره فجلس
أخبرني ابن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا أبن النطاح عن أبي عبيدة قال
كان جرير عند الوليد وعدي بن الرقاع ينشده فقال الوليد لجرير كيف تسمع قال ومن هو يا أمير المؤمنين قال عدي بن الرقاع قال فإن شر الثياب الرقاع ثم قال جرير ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) فغضب الوليد وقال يابن اللخناء ما بقي لك إلا أن تتناول كتاب الله والله ليركبنك يا غلام أوكفه حتى يركبه فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلمه وطلب إليه وقال هذا شاعر مضر ولسانها فإن رأى أمير المؤمنين ألا يغض منه ولم يزل به حتى أعفاه وقال له والله لئن هجوته أو عرضت به لأفعلن بك ولأفعلن فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها
( أقصر فإن نزارا لن يفاخرها ... فرع لئيم وأصل غير مغروس )
وذكر وقائع نزار في اليمن فعلمنا أنه عناه ولم يجبه الآخر بشيء

(8/85)


حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال
قال هشام بن عبد الملك لشبة بن عقال وعنده جرير والفرزدق والأخطل وهو يومئذ أمير ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزقوا أعراضهم وهتكوا أستارهم وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا بر ولا نفع أيهم أشعر فقال شبة أما جرير فيغرف من بحر وأما الفرزدق فينحت من صخر وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر فقال هشام ما فسرت لنا شيئا نحصله فقال ما عندي غير ما قلت فقال لخالد بن صفوان صفهم لنا يأبن الأهتم فقال أما أعظمهم فخرا وابعدهم ذكرا وأحسنهم عذرا وأسيرهم مثلا وأقلهم غزلا وأحلاهم عللا الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا خطر الذي إن هدر قال وإن خطر صال الفصيح اللسان الطويل العنان فالفرزدق وأما أحسنهم نعتا وامدحهم بيتا وأقلهم فوتا الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع فالأخطل وأما أغزرهم بحرا وارقهم شعرا وأهتكهم لعدوه سترا الأغر الأبلق الذي إن طلب لم يسبق وإن طلب لم يلحق فجرير وكلهم ذكي الفؤاد رفيع العماد واري الزناد فقال له مسلمة بن عبد الملك ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين ولا رأينا في الآخرين وأشهد أنك أحسنهم وصفا وألينهم عطفا وأعفهم مقالا وأكرمهم فعالا فقال خالد أتم الله عليكم نعمه وأجزل لديكم قسمه وآنس بكم الغربة وفرج بكم الكربة وأنت والله ما علمت أيها الأمير كريم الغراس عالم بالناس جواد في المحل بسام عند البذل حليم عند الطيش في ذروة قريش ولباب عبد شمس ويومك خير من أمس فضحك هشام وقال ما رأيت كتخلصك يابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم

(8/86)


قرنهما عمر بن عبد العزيز لأنهما تقاذفا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني مصعب الزبيري قال حدثني إبراهيم بن عبد الله مولى بني زهرة قال
حضرت عمر بن لجأ وجرير بن الخطفي موقوفين للناس بسوق المدينة لما تهاجيا وتقاذفا وقد أمر بهما عمر بن عبد العزيز فقرنا وأقيما قال وعمر بن لجأ شاب كأنه حصان وجرير شيخ قد أسن وضعف قال فيقول ابن لجأ
( رأوا قمرا بساحتهم منيرا ... وكيف يقارن القمر الحمارا )
قال ثم ينزو به وهما مقرونان في حبل فيسقطان إلى الأرض فأما ابن لجأ فيقع قائما وأما جرير فيخر لركبتيه ووجهه فإذا قام نفض الغبار عنه ثم قال بغنته قولا يخرج الكلام به من أنفه وكان كلامه كأن فيه نونا
( فلست مفارقا قرني حتى ... يطول تصعدي بك وانحداري )
قال فقال رجل من جلساء عمر له حين حضر غداؤه لو دعا الأمير بأسيريه فغداهما معه ففعل ذلك عمر وإنما فعله بهما لأنهما تقاذفا وكان جرير قال له
( تقول والعبد مسكين يجررها ... أرفق فديتك أنت الناكح الذكر )
قال وهذه قصيدته التي يقول فيها
( يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يوقعنكم في سوءة عمر )
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال

(8/87)


كنت باليمامة وأنا واليها فكان ابن لجرير يكثر عندي الدخول وكنت أوثره فلم اقل له قط أنشدني أجود شعر لأبيك إلا أنشدني الدالية
( أهوى أراك برامتين وقودا ... أم بالجنينة من مدافع أودا )
فأقول له ويحك لا تزيدني على هذه فيقول سألتني عن أجود شعر أبي وهذه أجود شعره وقد كان يقدمها على جميعه
حدثني ابن عمار قال حدثني النوفلي قال حدثني علي بن عبد الملك الكعبي من ولد كعب مولى الحجاج قال حدثني فلان العلامة التميمي يرويه عن جرير قال
ما ندمت على هجائي بني نمير قط إلا مرة واحدة فإني خرجت إلى الشام فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم وقد نظرت إليه من بين القصور مشيدا حسنا وسألت عن صاحبه فقيل لي هو رجل من بني نمير فقلت هذا شآم وأنا بدوي لا يعرفني فجئت فاستضفت فلما أذن لي ودخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين فلما أصبحت جلست ودعا بنية له فضمها إليه وترشفها فإذا هي أحسن الناس وجها ولها نشر لم اشم أطيب منه فنظرت إلى عينيها فقلت تالله ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبية ولا من حورها قط وعوذتها فقال لي يا ابا حزرة أسوداء المحاجر هي فذهبت أصف طيب رائحتها فقال أصن وبر هي فقلت يرحمك

(8/88)


الله إن الشاعر ليقول ووالله لقد ساءني ما قلته ولكن صاحبكم بدأني فانتصرت وذهبت أعتذر فقال دع ذا عنك أبا حزرة فوالله ما لك عندي إلا ما تحب قال وأحسن والله إلي وزودني وكساني فانصرفت وأنا أندم الناس على ما سلف مني إلى قومه
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود قال حدثني ابن أبي علقمة الثقفي قال
كان المفضل يقدم الفرزدق فأنشدته قول جرير
( حي الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس )
وقلت أنشدني لغيره مثلها فسكت قال وكان الفرزدق إذا أنشدها يقول مثلها فليقل ابن اللخناء
أخبرنا ابو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني عبد الجبار بن سعيد بن سليمان المساحقي عن المحرر بن أبي هريرة قال
إني لفي عسكر سليمان بن عبد الملك وفيه جرير والفرزدق في غزاة إذا أتانا الفرزدق في غداة ثم قال اشهدوا أن محمد ابن أخي ثم أنشأ يقول
( فبت بديري أريحاء بليلة ... خدارية يزداد طولا تمامها )

(8/89)


( أكابد فيها نفس أقرب من مشى ... أبوه بأم غاب عنها نيامها )
( وكنا نرى من غالب في محمد ... شمائل تعلو الفاعلين كرامها )
( وكان إذا ما حل أرضا تزينت ... بزينتها صحراؤها وإكامها )
( سقى أريحاء الغيث وهي بغيضة ... إلينا ولكن بي لتسقاه هامها )
قال ثم انصرف وجاء جرير فقال قد رأيت هذا وسمعت ما قال في ابن أخيه وما ابن أخيه فعل الله به وفعل قال ومضى جرير فوالله ما لبثنا إلا جمعا حتى جاءنا جرير فقام مقامه ونعى ابنه سواده فقال
رثاؤه ابنه
( أودى سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المربأ العالي )
( فارقتني حين كف الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرمة البالي )
( إلا تكن لك بالديرين باكية ... فرب باكية بالرمل معوال )
( قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي )
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد وأبو الغراف قالا
تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس على حكم أبيها فاحتكم مائة من الإبل فدخل على الحجاج يسأله ذلك فعذله وقال له أتتزوج امرأة على حكمها فقال عنبسة بن سعيد وأراد نفعه إنما هي من حواشي إبل الصدقة فأمر له الحجاج بها فوثب جرير فقال
( يا زيق قد كنت من شيبان في حسب ... يا زيق ويحك من أنكحت يا زيق )

(8/90)


( أنكحت ويحك قينا باسته حمم ... يا زيق ويحك هل بارت بك السوق )
( غاب المثنى فلم يشهد نجيكما ... والحوفزان ولم يشهدك مفروق )
( يا رب قائلة بعد البناء بها ... لا الصهر راض ولا ابن القين معشوق )
( أين الألى استنزلوا النعمان ضاحية ... أم أين ابناء شيبان الغرانيق )
قال فلم يجبه الفرزدق عنها فقال جرير ايضا
( فلا أنا معطي الحكم عن شف منصب ... ولا عن بنات الحنظليين راغب )
( وهن كماء المزن يشفى به الصدى ... وكانت ملاحا غيرهن المشارب )
( فلو كنت حرا كان عشرا سياقكم ... إلى آل زيق والوصيف المقارب )
فقال الفرزدق
( فنل مثلها من مثلهم ثم لمهم ... على دارمي بين ليلى وغالب )
( هم زوجوا قبلي لقيطا وأنكحوا ... ضرارا وهم أكفاؤنا في المناسب )
( ولو قبلوا مني عطية سقته ... إلى مال زيق من وصيف مقارب )
( ولو تنكح الشمس النجوم بناتها ... إذا لنكحناهن قبل الكواكب )
قال ابن سلام فحدثني الرازي عن أبيه قال ما كانت امرأة من بني حنظلة

(8/91)


إلا ترفع لجرير اللوية في عظمها لتطرفه بها لقوله
( وهن كماء المزن يشفى به الصدى ... وكانت ملاحا غيرهن المشارب )
فقلت للرازي ما اللوية قال الشريحة من اللحم أو الفدرة من التمر أو الكبة من الشحم أو الحفنة من الأقط فإذا ذهب الألبان وضاقت المعيشة كانت طرفة عندهم
قال وقال جرير أيضا في شأن حدراء
( أثائرة حدراء من جر بالنقا ... وهل لأبي حدراء في الوتر طالب )
( أتثأر بسطاما إذا ابتلت استها ... وقد بولت في مسمعيه الثعالب )
قال ابن سلام والنقا الذي عناه جرير هو الموضع الذي قتلت فيه بنو ضبة بسطاما وهو بسطام بن قيس قال فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم فلما أراد الفرزدق نقل حدراء اعتلوا عليه وقالوا له إنها ماتت فقال جرير
( فأقسم ما ماتت ولكنما التوى ... بحدراء قوم لم يروك لها أهلا )
( رأوا أن صهر القين عار عليهم ... وأن لبسطام على غالب فضلا )
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا محمد بن إدريس اليمامي قال حدثنا علي بن عبد الله بن محمد بن مهاجر عن أبيه عن جده قال
دخلنا على جرير في نفر من قريش نعوده في علته التي مات فيها فالتفت إلينا فقال

(8/92)


( أهلا وسهلا بقوم زينوا حسبي ... وإن مرضت فهم أهلي وعوادي )
( إن تجر طير بأمر فيه عافية ... أو بالفراق فقد أحسنتم زادي ) لو أن ليثا أبا شبلين أوعدني ... لم يسلموني لليث الغابة العادي )
رثاؤه الفرزدق
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو جناح أحد بني كعب بن عمرو بن تميم قال
نعي الفرزدق إلى المهاجر بن عبد الله وجرير عنده فقال
( مات الفرزدق بعد ما جدعته ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا )
فقال له المهاجر بئس لعمر الله ما قلت في ابن عمك أتهجو ميتا أما والله لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها فقال إن رأى الأمير أن يكتمها علي فإنها سوءة ثم قال من وقته
( فلا وضعت بعد الفرزدق حامل ... ولا ذات بعل من نفاس تعلت )
( هو الوافد الميمون والراتق الثأى ... إذا النعل يوما بالعشيرة زلت )
قال ثم بكى ثم قال أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده ولقد كان نجمنا واحدا وكل واحد منا مشغول بصاحبه وقلما مات ضد أو صديق إلا

(8/93)


تبعه صاحبه فكان كذلك مات بعد سنة وقد زاد الناس في بيتي جرير هذين أبياتا أخر ولم يقل غيرهما وإنما أضيف إلى ما قاله
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( رحل الخليط جمالهم بسواد ... وحدا على إثر البخيلة حادي )
( ما إن شعرت ولا علمت ببينهم ... حتى سمعت به الغراب ينادي )
الشعر لجميل والغناء لإبراهيم ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى

(8/94)


نسب جميل وأخباره
هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن ظبيان وقيل ابن معمر بن حن بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد وهو هذيم وسمي بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه ابن زيد بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة والنسابون مختلفون في قضاعة فمنهم من يزعم أن قضاعة بن معد وهو أخو نزار بن معد لأبيه وأمه وهي معانة بنت جوسم بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عدي بن دب بن جرهم ومنهم من يزعم أنهم من حمير وقد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معديا فقال
( أنا جميل في السنام من معد ... في الأسرة الحصداء والعيص الأشد )
وقال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير
( قضاعة الأثرون خير معشر ... قضاعة بن مالك بن حمير )
ولهم في هذا أراجيز كثيرة إلا أن قضاعة اليوم تنسب كلها في حمير فتزعم أن قضاعة بن مالك بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن

(8/95)


يشجب بن يعرب بن قحطان وقال القحذمي اسم سبأ عامر وإنما قيل له سبأ لأنه أول من سبى النساء وكان يقال له عب الشمس أي عديل الشمس سمي بذلك لحسنه ومن زعم من هؤلاء أن قضاعة ليس ابن معد ذكر أن أمه عكبرة امرأة من سبأ كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها وهي حامل فخلفه عليها معد بن عدنان فولدت قضاعة على فراشه وقال مؤرج بن عمرو هذا قول أحدثوه بعد وصنعوا شعرا ألصقوه به ليصححوا هذا القول وهو
( يا أيها الداعي ادعنا وأبشر ... وكن قضاعيا ولا تنزر )
( قضاعة الأثرون خير معشر ... قضاعة بن مالك بن حمير )
( النسب المعروف غير المنكر ... )
قال مؤرج وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أمية وشعراء قضاعة في الجاهلية والإسلام كلها تنتمي إلى معد قال جميل
( وأي معد كان فيء رماحهم ... كما قد أفأنا والمفاخر منصف )
وقال زيادة بن زيد يهجو بني عمه بني عامر رهط هدبة بن خشرم
( وإذا معد أوقدت نيرانها ... للمجد أغضت عامر وتضعضعوا )
روى له كثير
وجميل شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية كان راوية هدبة بن

(8/96)


خشرم وكان هدبة شاعرا راوية للحطيئة وكان الحطيئة شاعرا راوية لزهير وابنه وقال أبو محلم آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثير وكان راوية جميل وجميل راوية هدبة وهدبة راوية الحطيئة والحطيئة راوية زهير
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال كان جميل يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة تلتقي هي وجميل في حن من ربيعة في النسب
حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي وهاشم بن محمد أو دلف الخزاعي قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد قال
كان كثير راوية جميل وكان يقدمه على نفسه ويتخذه إماما وإذا سئل عنه قال وهل علم الله عز و جل ما تسمعون إلا منه
أخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية الزبيري قال
كان كثير إذا ذكر له جميل قال وهل علم الله ما تسمعون إلا منه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال

(8/97)


قدمت المدينة فسألت عن اعلم أهلها بالشعر فقيل لي الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلمي فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر فإنا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين طوال يقود راحلة عليها بزة حسنة فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر يا أبا جبير هذا جميل فأدعه لعله أن ينشدنا فصاح به عبد الرحمن هيا جميل هيا جميل فالتفت فقال من هذا فقال أنا عبد الرحمن بن أزهر فقال قد علمت أنه لا يجترىء علي إلا مثلك فأتاه فقال له أنشدنا فأنشدهم
( نحن منعنا يوم أول نساءنا ... ويوم أفي والأسنة ترعف )
( ويوم ركايا ذي الجذاة ووقعة ... ببنيان كانت بعض ما قد تسلفوا )
( يحب الغواني البيض ظل لوائنا ... إذا ما أتانا الصارخ المتلهف )
( نسير أمام الناس والناس خلفنا ... فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا )
( فأي معد كان فيء رماحه ... كما قد أفأنا والمفاخر ينصف )
( وكنا إذا ما معشر نصبوا لنا ... ومرت جواري طيرهم وتعيفوا )
( وضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... بما سوف نوفيها إذا الناس طففوا )
( إذا استبق الأقوام مجدا وجدتنا ... لنا مغرفا مجد وللناس مغرف )
قال ثم قال له أنشدنا هزجا قال وما الهزج لعله هذا القصير قال

(8/98)


نعم فأنشده قال الزبير لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين وأنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي
صوت
( رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله )
( موحشا ما ترى به أحدا تنتسج ... الريح ترب معتدله )
( وصريعا من الثمام ترى ... عارمات المدب في أسله )
( بين علياء وابش فبلي ... فالغميم الذي إلى جبله )
( واقفا في ديار أم جسير ... من ضحى يومه إلى أصله )
( يا خليلي إن أم جسير ... حين يدنو الضجيج من غلله )
( روضة ذات حنوة وخزامى ... جاد فيها الربيع من سبله )
( بينما هن بالأراك معا ... إذ بدا راكب على جمله )
( فتأطرن ثم قلن لها ... أكرميه حييت في نزله )
( فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله )

(8/99)


( قد أصون الحديث دون خليل ... لا أخاف الأذاة من قبله )
( غير ما بغضة ولا لاجتناب ... غير أني ألحت من وجله )
( وخليل صاقبت مرتضيا ... وخليل فارقت من ملله )
قال فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته موليا فقال ابن الأزهر هذا أشعر أهل الإسلام فقال ابن حسان نعم والله وأشعر أهل الجاهلية والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه فقال عبد الرحمن بن الأزهر صدقت قال نصيب وأنشدت الوليد فقال لي أنت أشعر أهل جلدتك والله ما زاد عليها فقلت يا أبا محجن أرضيت منه بأن تكون أشعر السودان قال وددت والله يا أبن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا ولكنه لم يفعل ولست بكاذبك
كان مقدما في النسيب على غيره
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
كان لكثير في النسب حظ وافر وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب وكان كثير راوية جميل وكان جميل صادق الصبابة والعشق ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب
( أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل )
قال ورأيت من يفضل عليه بيت جميل

(8/100)


( خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي )
قال ابن سلام وهذا البيت الذي لكثير أخذه من جميل حيث يقول
( أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى على كل مرقب )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب طلحة بن عبد الله بن عوف قال
لقي الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي نريد المسجد فقال له الفرزدق يا أبا صخر أنت أنسب العرب حين تقول
( أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل )
يعرض له بسرقته من جميل فقال له كثير وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول
( ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا )
قال عبد العزيز وهذا البيت أيضا لجميل سرقة الفرزدق فقال الفرزدق لكثير هل كانت أمك مرت بالبصرة قال لا ولكن أبي فكان نزيلا لأمك قال طلحة بن عبد الله فوالذي نفسي بيده لعجبت من كثير وجوابه وما رأيت أحدا قط أحمق منه رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش وكنا كثيرا ما نتهزأ به فقلنا كيف تجدك يا أبا صخر قال بخير أما سمعتم الناس يقولون شيئا قلنا نعم يتحدثون أنك الدجال فقال والله

(8/101)


لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال كتب إلي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال
كان أبو صخر كثير صديقا لي وكان يأتيني كثيرا فقلما استنشدته إلا بدأ بجميل وأنشد له ثم أنشد لنفسه وكان يفضله ويتخذه إماما
قال الزبير وكتب إلي إسحاق يقول حدثني صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير قال
ذكر جميل لكثير فقالوا ما تقول فيه فقال منه علم الله عز و جل
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن إسحاق بن قبيصة الكوفي عن رجل سماه قال
سألت نصيبا أجميل أنسب أم كثير فقال أنا سألت كثيرا عن ذاك فقال وهل وطأ لنا النسيب إلا جميل
قال عمر بن شبة وقال إسحاق حدثني السعيدي عن أبي مالك النهدي قال
جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلا فقال ذاك إمام المحبين وهل هدى الله عز و جل لما ترى إلا بجميل
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن

(8/102)


أسماء قال ما استنشدت كثيرا قط إلا بدأ بجميل وأنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه وكان يفضله ويتخذه إماما
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي قال
خبر تعرفه ببثينة
كان جميل ينسب بأم الجسير وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة بذنب الوادي فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء فمرتا على فصال له بروك فعرمتهن بثينة يقول نفرتهن وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبها جميل فأفترت عليه فملح إليه سبابها فقال
( وأول ما قاد المودة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب )
( وقلنا لها قولا فجاءت بمثله ... لكل كلام يا بثين جواب )
قال الزبير وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذري وكانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود وإياه يعني جميل بقوله
( لقد أنكحوا جهلا نبيها ظعينة ... لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل )
قال الزبير وحدثني أيضا الأسباط بن عيسى بن عبد الجبار العذري أن جميل بن معمر خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال وأن جميلا وقف على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني

(8/103)


الأحب وهن بنات عم عبيد الله بن قطبة أخي أبيه لحا فرأى منهن منظرا وأعجبنه وعشق بثينة وقعد معهن ثم راح وقد كان معه فتيان من بني الأحب فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه فراح وهو يقول
( عجل الفراق وليته لم يعجل ... وجرت بوادر دمعك المتهلل )
( طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف ... بين الحبيب غداة برقة مجول )
( وعرفت انك حين رحت ولم يكن ... بعد اليقين وليس ذاك بمشكل )
( لن تستطيع إلى بثينة رجعة ... بعد التفرق دون عام مقبل )
قال وإن بثينة لما أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث إليها ومع أخواتها حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدث إليها إذا خلا منهم وكانوا أصلافا غيرا أو قال غيارى فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف على بثينة وأم الجسير وهما يحدثانه وهو ينشدهما يومئذ
( حلفت برب الراقصات إلى منى ... هوي القطا يجتزن بطن دفين )

(8/104)


( لقد ظن هذا القلب أن ليس لاقيا ... سليمى ولا أم الجسير لحين )
( فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني )
فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به وهو يقول
( إذا جمع الاثنان جمعا رميتهم ... بأركانها حتى تخلى سبيلها )
فكان هذا أول سبب المهاجاة بينه وبين عبيد الله بن قطبة
تشكيه في شعره
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة
أن بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيء الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بها فقال في ذلك
صوت
( أبثين إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل )
( فأجبتها في القول بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي )
( فلرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل )

(8/105)


( لو كان في صدري كقدر قلامة ... فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي )
الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه
صوت
( ويقلن إنك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك في اجتناب الباطل )
( ولباطل مما أحب حديثه ... أشهى إلي من البغيض الباذل )
( ليزلن عنك هواي ثم يصلنني ... وإذا هويت فما هواي بزائل )
الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو وذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء وروى حماد عن أبيه في أخبار ابن سريج أن لابن سريج فيه لحنا ولم يجنسه
( صادت فؤادي يا بثين حبالكم ... يوم الحجون وأخطأتك حبائلي )
( منيتني فلويت ما منيتني ... وجعلت عاجل ما وعدت كآجل )
( وتثاقلت لمأ رأت كلفي بها ... أحبب إلي بذاك من متثاقل )
( وأطعت في عواذلا فهجرتني ... وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي )
( حاولنني لأبت حبل وصالكم ... مني ولست وإن جهدن بفاعل )

(8/106)


( فرددتهن وقد سعين بهجركم ... لما سعين له بأفوق ناصل )
( يعضضن من غيظ علي أناملا ... ووددت لو يعضضن صم جنادل )
( ويقلن إنك يا بثين بخيلة ... نفسي فداؤك من ضنين باخل )
قالوا وقال جميل في وعد بثينة بالتلاقي وتأخرها قصيدة أولها
( يا صاح عن بعض الملامة أقصر ... إن المنى للقاء أم المسور )
فمما يغنى فيه منها قوله
صوت
( وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهنا قد دنا لتغور )
( يستاف ريح مدامة معجونة ... بذكي مسك أو سحيق العنبر )
الغناء لابن جامع ثقيل أول بالبنصر من رواية الهشامي وذكر عمرو بن بانة أنه لابن المكي
ومما يغنى فيه منها قوله
صوت
( إني لأحفظ غيبكم ويسرني ... إذ تذكرين بصالح أن تذكري )

(8/107)


( ويكون يوم لا أرى لك مرسلا ... أو نلتقي فيه علي كأشهر )
( يا ليتني ألقى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر )
( أو أستطيع تجلدا عن ذكركم ... فيفيق بعض صبابتي وتفكري )
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي وفيه يقول
( لو قد تجن كما أجن من الهوى ... لعذرت أو لظلمت إن لم تعذر )
( والله ما للقلب من علم بها ... غير الظنون وغير قول المخبر )
( لا تحسبي أني هجرتك طائعا ... حدث لعمرك رائع أن تهجري )
( فلتبكين الباكيات وإن أبح ... يوما بسرك معلنا لم أعذر )
( يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت ... يتبع صداي صداك بين الأقبر )
( صوت
( إني إليك بما وعدت لناظر ... نظر الفقير إلى الغني المكثر )
( يعد الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر )
( ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر )
( قلبي نصحت له فرد نصيحتي ... فمتى هجرتيه فمنه تكثري )
الغناء في هذه الأبيات لسليم رمل عن الهشامي وفيه قدح طنبوري اظنه لجحظة أو لعلي بن مودة قالوا وقال في إخلافها إياه هذا الموعد
صوت
( ألا ليت ريعان الشباب جديد ... ودهرا تولى يا بثين يعود )

(8/108)


( فنغنى كما كنا نكون وأنتم ... قريب وإذ ما تبذلين زهيد ) ويروى
( ومما لا يزيد بعيد ... )
وهكذا يغنى فيه
الغناء لسليم خفيف ثقيل أول بالوسطى ومما يغنى فيه من هذه القصيدة
صوت
( ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد )
( وهل ألقين فردا بثينة مرة ... تجود لنا من ودها ونجود )
( علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد )
( وأفنيت عمري بانتظاري وعدها ... وأبليت فيها الدهر وهو جديد )
( فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد )
الغناء لمعبد ثقيل أول بالوسطى ومما يغنى فيه منها

(8/109)


صوت
( وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وقد قربت بصرى أمصر تريد )
( ولا قولها لولا العيون التي ترى ... لزرتك فاعذرني فدتك جدود )
( خليلي ما ألقى من الوجد قاتلي ... ودمعي بما قلت الغداة شهيد )
( يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأي جهاد غيرهن أريد )
( لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد )
الغناء للغريض خفيف ثقيل من رواية حماد عن أبيه وفي هذه القصيدة يقول
( إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد )
( وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد )
( ألا قد أرى والله أن رب عبرة ... إذا الدار شطت بيننا سترود )
( إذا فكرت قالت قد ادركت وده ... وما ضرني بخلي فكيف أجود )
( فلو تكشف الأحشاء صودف تحتها ... لبثنة حب طارف وتليد )
- تذكرنيها كل ريح مريضة ... لها بالتلاع القاويات وئيد )

(8/110)


( وقد تلتقي الأشتات بعد تفرق ... وقد تدرك الحاجات وهي بعيد )
التقى بثينة بعد غياب فتعاتبا
أخبرني علي بن صالح قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال
لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا فقالت له ويحك يا جميل أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول
( رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح )
فأطرق طويلا يبكي ثم قال بل أنا القائل
( ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى علي كلامها )
فقالت له ويحك ما حملك على هذه المنى أوليس في سعة العافية ما كفانا جميعا
قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال
سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما إن جميلا عندها الليلة فأتياها مشتملين على سيفين فرأياه جالسا حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه ثم قال لها يا بثينة أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه قالت بماذا قال بما يكون بين المتحابين فقالت له يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا فضحك وقال والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك

(8/111)


بسيفي هذا ما استمسك في يدي ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد أو ما سمعت قولي
( وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو ابصره الواشي لقرت بلابله )
( بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله )
( وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله )
قال فقال أبوها لأخيها قم بنا فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية عن رجل من عذرة قال
كنت تربا لجميل وكان يألفني فقال لي ذات يوم هل تساعدني على لقاء بثينة فمضيت معه فكمن لي في الوادي وبعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه فدفعته إليه فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه فلما كان الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته فلما استوى في غرزها وهي باركة قالت له ادن مني يا جميل
صوت
( إن المنازل هيجت أطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي )
( قفرا تلوح بذي اللجين كأنها ... أنضاء رسم أو سطور كتاب )
( لما وقفت بها القلوص تبادرت ... مني الدموع لفرقة الأحباب )

(8/112)


( وذكرت عصرا يا بثينة شاقني ... وذكرت أيامي وشرخ شبابي )
الغناء في هذه الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق
كثير يسعى لجمعهما
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق الموصلي عن السعيدي وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثنا أبو مالك النهدي قال
جلس إلينا كثير ذات يوم فتذاكرنا جميلا فقال لقيني مرة فقال لي من أين أقبلت قلت من عند أبي الحبيبة أعني بثينة فقال وإلى أين تمضي قلت إلى الحبيبة أعني عزة فقال لا بد من أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة فقلت عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع فقال لا بد من ذلك فقلت له فمتى عهدك ببثينة فقال في أول الصيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها فلما أبصرتني أنكرتني فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به وعرفتني الجارية فأعادت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت الشمس وسألتها الموعد فقالت أهلي سائرون وما وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها فقال له كثير فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال ذلك الصواب فأرسله إليها فقال له انتظرني ثم خرج كثير حتى أناخ بهم فقال له أبوها ما ردك قال ثلاثة

(8/113)


أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك قال هاتها قال كثير فأنشدته وبثينة تسمع
( فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولا والموكل مرسل )
( بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل )
( وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل )
قال فضربت بثينة جانب خدرها وقالت إخسأ إخسأ فقال أبوها مهيم يا بثينة قالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية ثم قالت للجارية ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له فقال كثير أنا أعجل من ذلك وراح إلى جميل فأخبره فقال له جميل الموعد الدومات وقالت لأم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلا معه وخرج كثير وجميل حتى أتيا الدومات وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ما أدري أيهما كان أفهم
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان

(8/114)


هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث من أهل العقيق يتقصف تقصفا قلت لا قال قد أجلتك حولا قلت لا أدري ما هو فقال قول جميل
( ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... )
كأنه أعرابي في شملة ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال
( أسائلكم هل يقتل الرجل الحب ... )
كأنه من كلام مخنثي العقيق
ماذا فعل بعد أن أهدر السلطان دمه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال
عشق جميل بثينة وهو غلام فلما بلغ خطبها فمنع منها فكان يقول فيها الأشعار حتى اشتهر وطرد فكان يأتيها سرا ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعي على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتها فاحتبس حينئذ
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدثني إبراهيم الرماح قال حدثنا جابر أبو العلاء التنوخي قال
لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل

(8/115)


فكان يصعد بالليل على قور رمل يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول
( أيا ريح الشمال أما تريني ... أهيم وأنني بادي النحول )
( هبي لي نسمة من ريح بثن ... ومني بالهبوب إلى جميل )
( وقولي يا بثينة حسب نفسي ... قليلك أو أقل من القليل )
فإذا بدا وضح الصبح انصرف وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران فيقلن لها اتقي الله فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له
تذاكر النسيب مع كثير
حدثني أحمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني أحمد بن يعلى قال حدثني سويد بن عصام قال حدثني روح أبو نعيم قال
التقى جميل وكثير فتذاكرا النسيب فقال كثير يا جميل اترى بثينة لم تسمع بقولك
( يقيك جميل كل سوء أما له ... لديك حديث أو إليك رسول )
( وقد قلت في حبي لكم وصبابتي ... محاسن شعر ذكرهن يطول )
( فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي ... هبوب الصبا يا بثن كيف أقول )
( فما غاب عن عيني خيالك لحظة ... ولا زال عنها والخيال يزول )
فقال جميل أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك
( يقول العدا يا عز قد حال دونكم ... شجاع على ظهر الطريق مصمم )
( فقلت لها والله لو كان دونكم ... جهنم ما راعت فؤادي جهنم )

(8/116)


( وكيف يروع القلب يا عز رائع ... ووجهك في الظلماء للسفر معلم )
( وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى ... فلا تنقمي حبي فما فيه منقم )
قال فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا
وقال الهيثم بن عدي ومن ذكر روايته معه من أصحابه
زار جميل بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أمة لها أو راعية فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشية معها قربة وكانت به عارفة وبما بينها وبينه فسلمت عليه وجلست معه وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويحدثها بخبره بعدها ويحملها رسائله ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعد عليها ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعللت فضربوها ضربا مبرحا فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه ومر بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصة كلها وعرفا الموضع الذي فيه جميل فأحبا أن يثبطا عنه فقالا للقوم إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه وأهل بثينة أعز عذرة فدعوا الأمة توصل خاتمه إلى بثينة فإذا زارها بيتموهما جميعا قالوا صدقتما لعمري إن هذا الرأي فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذروها أن تخبر بثينة بأنهم علموا القصة ففعلت ولم تعلم بثينة بما جرى ومضى الفتيان فأنذرا جميلا فقال والله ما أرهبهم وإن في كنانتي ثلاثين سهما والله لا أخطأ كل واحد منها رجلا منهم وهذا سيفي والله ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان فناشداه الله وقالا البقية أصلح فتقيم عندنا

(8/117)


في بيوتنا حتى يهدأ الطلب ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما غير مؤبن فقال أما الآن فابعثا إليها من ينذرها فأتياه براعية لهما وقالا له قل بحاجتك فقال ادخلي إليها وقولي لها إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة فمضت فأعلمتها ما قال لها فعرفت قصته وبحثت عنها فعرفتها فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصون أثره فرأوه بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم فقال جميل في ذلك
( خليلي عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر )
( ألما بها ثم اشفعا لي وسلما ... عليها سقاها الله من سبل القطر )
( إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت ... جزعت لنأي الدار منها وللبعد )
( أبى القلب إلآ حب بثنة لم يرد ... سواها وحب القلب بثنة لا يجدي )
قال وقال أيضا ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة وفيها أبيات معادة القوافي تدل على أنها مفردة عنها وهي
( ألم تسأل الدار القديمة هل لها ... بأم جسير بعد عهدك من عهد )
وفيها يقول
صوت
( سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة ... صدور المطايا وهي موقرة تخدي )
( وهل فاضت العين الشروق بمائها ... من اجلك حتى اخضل من دمعها بردي )

(8/118)


الغناء لأحمد بن المكي ثاني ثقيل بالوسطى
( وإني لأستجري لك الطير جاهدا ... لتجري بيمن من لقائك من سعد )
( وإني لأستبكي إذا الركب غردوا ... بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي )
( فهل تجزيني أم عمرو بودها ... فإن الذي أخفي بها فوق ما أبدي )
( وكل محب لم يزد فوق جهده ... وقد زدتها في الحب مني على الجهد )
( خبره مع أم منظور التي اؤتمنت على بثينة )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم وغيره وبهلول بن سليمان البلوي
أن رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها أم منظور فجاءها جميل فقال لها يا أم منظور أريني بثينة فقالت لا والله ما أفعل قد ائتمنوني عليها فقال أما والله لأضرنك فقالت المضرة والله في أن أريكها فخرج من عندها وهو يقول
( ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور )
( ولا انسلابتها خرسا جبائرها ... إلي من ساقط الأرواق مستور )
قال فما كان إلا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان قال فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها هكذا ذكر الزبير بن بكار في خبر أم منظور وقد ذكر فيه غير ذلك

(8/119)


مصعب يستفسر أم منظور عن قصة جميل وبثينة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي
أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير قول جميل
( ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور )
فقال لوددت أني عرفت كيف جلتها فقيل له إن أم منظور هذه حية فكتب في حملها إليه مكرمة فحملت إليه فقال لها أخبريني عن قول جميل
( ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور )
كيف كانت هذه الجلوة قالت ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق ومر بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا فقال لها مصعب فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ففعلت وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع

(8/120)


أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول عن بعض مشايخه
أن جميلا جاء إلى بثينة ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحي فوجد عندها ضيفانا لها فانتبذ ناحية فسألته من أنت فقال مسكين مكاتب فجلس وحده فعشت ضيفانها وعشته وحده ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين فقال جميل
( هل البائس المقرور دان فمصطل ... من النار أو معطى لحافا فلابس )
فقالت لجاريتها صوت جميل والله اذهبي فانظري فرجعت إليها فقالت هو والله جميل فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت احترق بردي فرجع القوم وارسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به فحبسته عندها ثلاث ليال ثم سلم عليها وخرج
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم
كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع فأتى لوعدها وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلوا بعض إبلكم فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيىء الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بها فقال في ذلك

(8/121)


( أبثين إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل )
صوت
( فلرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل )
( فأجبتها بالقول بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي )
( لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي )
الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية أحمد
( ويقلن إنك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك في اجتناب الباطل )
( ولباطل ممن أحب حديثه ... أشهى إلي من البغيض الباذل )
الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو وذكر عمر أنه ليزيد حوراء
شعره بعد أن علم زوج بثينة بمقامه معها
وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه أن جماعة من بني عذرة حدثوا أن جميلا رصد بثينة ذات ليلة في نجعة لهم حتى إذا صادف منها خلوة سكر ودنا منها وذلك في ليلة ظلماء ذات غيم وريح ورعد فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها ففزعت وقالت والله ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجن فقالت لها بثينة وقد فطنت إن جميلا فعل ذلك فانصرفي ناحية إلى منزلك حتى ننام فانصرفت وبقيت مع بثينة أم الجسير وأم منظور فقامت إلى جميل فأدخلته الخباء معها وتحدثا طويلا ثم اضطجع واضطجعت إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها فرآها نائمة مع جميل فمضى لوجهه حتى خبر سيده ورأته ليلى والصبوح معه وقد عرفت خبر جميل وبثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارية لها

(8/122)


وقالت حذري بثينة وجميلا فجاءت الجارية فنبهتهما فلما تبينت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين ارتاعت وقالت يا جميل نفسك نفسك فقد جاءني غلام نبيه بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين فقال لها جميل وهو غير مكترث لما خوفته منه
( لعمرك ما خوفتني من مخافة ... بثين ولا حذرتني موضع الحذر )
( فأقسم لا يلفى لي اليوم غرة ... وفي الكف مني صارم قاطع ذكر )
فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد وقالت إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك ففعل ذلك ونامت كما كانت واضجعت أم الجسير إلى جانبها وذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال له إني رأيت بثينة مضطجعة وجميل إلى جنبها فجاء نبيه إلى أخيها وأبيها فأخذ بأيديهما وعرفهما الخبر وجاؤوا بأجمعهم إلى بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الجسير إلى جانبها نائمة فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه الله وإياكما وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح وأقام جميل عند بثينة حتى أجنه الليل ثم ودعها وانصرف وحذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إياها فتحامته مدة فقال في ذلك
صوت
( أأن هتفت وورقاء ظلت سفاهة ... تبكي على جمل لورقاء تهتف )

(8/123)


( فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقة ... صرمت ولكني عن الصرم أضعف )
للهذلي في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق والآخر خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو وذكر غيره أنه لابن جامع وفيه لبذل الكبرى خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكي ومما يغنى فيه من هذه القصيدة قوله
صوت
( لها في سواد القلب بالحب ميعة ... هي الموت أو كادت على الموت تشرف )
( وما ذكرتك النفس با بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف )
( وإلا اعترتني زفرة واستكانة ... وجاد لها سجل مع الدمع يذرف )
( وما استطرفت نفسي حديثا لخلة ... أسر به إلا حديثك أطرف )
الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وأول هذه القصيدة
( أمن منزل قفر تعفت رسومه ... شمال تغاديه ونكباء حرجف )
( فأصبح قفرا بعد ما كان آهلا ... وجمل المنى تشتو به وتصيف )
( ظللت ومستن من الدمع هامل ... من العين لما عجت بالدار ينزف )
( أمنصفتي جمل فتعدل بيننا ... إذا حكمت والحاكم العدل ينصف )
( تعلقتها والجسم مني مصحح ... فما زال ينمي حب جمل وأضعف )
( إلى اليوم حتى سل جسمي وشفني ... وأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف )

(8/124)


( قناة من المران مما فوق حقوها ... وما تحته منها نقا يتقصف )
( لها مقلتا ريم وجيد جداية ... وكشح كطي السابرية أهيف )
( ولست بناس أهلها حين أقبلوا ... وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا )
( وقالوا جميل بات في الحي عندها ... وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا )
( وفي البيت ليث الغاب لولا مخافة ... على نفس جمل والإله لأرعفوا )
( هممت وقد كادت مرارا تطلعت ... إلى حربهم نفسي وفي الكف مرهف )
( وما سرني غير الذي كان منهم ... ومني وقد جاؤوا إلي وأوجفوا )
( فكم مرتج أمرا أتيح له الردى ... ومن خائف لم ينتقصه التخوف )
حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان
هل تعرف بيتا نصفه أعرابي في شملة وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق فقلت لا أدري قال قد أجلتك فيه حولا فقلت لو أجلتني حولين ما علمت قال قول جميل
( ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... )
هذا أعرابي في شملة ثم قال
( نسائلكم هل يقتل الرجل الحب ... )

(8/125)


كأنه والله من مخنثي العقيق في هذا الشعر غناء نسبته وشرحه
صوت
( ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... نسائلكم هل يقتل الرجل الحب )
( ألا رب ركب قد دفعت وجيفهم ... إليك ولولا أنت لم يوجف الركب )
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد وفيه لسليم ماخوري عن الهشامي وفيه لمالك ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وقيل إنه لمعبد وفيه لعريب هزج من رواية ابن المعتز وذكر عبد الله بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأول وأن خفيف الرمل لابن سريج وأن الهزج لحمدونة بنت الرشيد
حل جفاء بينه وبين بثينة بعد تعلقها بحجنة الهلالي
أخبرنا لحسين بن يحيى المرداسي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية المحرزي عن شيخ من رهط جميل من عذرة
أن بثينة لما علقت حجنة الهلالي جفاها جميل قال وأنشدني لجميل في ذلك

(8/126)


صوت
( بينا جبال ذات عقد لبثنة ... أتيح لها بعض الغواة فحلها )
( فعدنا كأنا لم يكن بيننا هوى ... وصار الذي حل الحبال هوى لها )
( وقالوا نراها يا جميل تبدلت ... وغيرها الواشي فقلت لعلها )
الغناء للهذلي خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى وذكره إسحاق في هذه الطريقة والإصبع ولم ينسبه إلى أحد
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرن قال
بعثني المنصور لأبتاع له جارية من المدينة وقال لي اعمل برأي ابن نفيس فكنت أفعل ذلك وأغشى ابنه وكانت له جارية مغنية قد كلف بها فتى من آل عثمان بن عفان فكان يبيع عقدة من ماله وينفق ثمنها عليها وابتلي برجل من أهل إفريقية ومعه ابن له فغشي ابن الإفريقي بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية وأهلها ويبرهم حتى حظي عندهم وغلب عليهم وتثاقلوا العثماني فقضي أن اجتمعنا عشية وحضر ابن الإفريقي والعثماني فنزع ابن الإفريقي خفه فتناثر المسك منه وأراد العثماني أن يكيده بفعله فجلسنا ساعة فقال لها ابن الإفريقي غني
( بينا حبال ذات عقد لبثنة ... أتيح لها بعض الغواة فحلها )
يعرض بالعثماني فقال لها العثماني لا حاجة لنا في هذا ولكن غني

(8/127)


( ومن يرع نجدا يلفني قد رعيته ... بجنيته الأولى ويورد على وردي )
قال فنكس ابن الإفريقي رأسه وخرج العثماني فذهب وخمد أهل البيت فما انتفعوا بقية يومهم
شعره بعد زواج بثينة من نبيه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وبهلول بن سليمان البلوي
أن جميلا قال لما زوجت بثينة نبيها
صوت
( ألا ناد عيرا من بثينة ترتعي ... نودع على شحط النوى ونودع )
( وحثوا على جمع الركاب وقربوا ... جمالا ونوقا جلة لم تضعضع )
في هذين البيتين رمل لابن سريج عن الهشامي ومما يغني فيه من هذه القصيدة
صوت
( أعيذك بالرحمن من عيش شقوة ... وأن تطمعي يوما إلى غير مطمع )
( إذا ما ابن ملعون تحدر رشحه ... عليك فموتي بعد ذلك أو دعي )
( مللن ولم أملل وما كنت سائما ... لأجمال سعدى ما أنخن بجعجع )
( وحثوا على جمع الركاب وقربوا ... جمالا ونوقا جلة لم تضعضع )

(8/128)


( ألا قد أرى إلا بثينة ها هنا ... لنا بعد ذا المصطاف والمتربع )
لمعبد في الثالث والرابع من هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق ولابن سريج في الأول والثاني والخامس خفيف رمل بالبنصر عن عمرو وللأبجر في الأول والخامس والثالث والرابع رمل بالبنصر وفي الأول والثاني خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وغيره ولم تعرف صحته من جهة يوثق بها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة وخاف السلطان وكان بهلول يعجب به
( ألا قد أرى إلا بثينة للقلب ... بوادي بدا لا بجسمى ولا الشغب )
( ولا ببصاق قد تيممت فاعترف ... لما أنت لاق أو تنكب عن الركب )
( أفي كل يوم أنت محدث صبوة ... تموت لها بدلت غيرك من قلب )
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزهري عن سليمان بن صخر الحرشي قال حدثنا سليمان بن زياد الثقفي
أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان فرأى امرأة خلفاء مولية

(8/129)


فقال لها ما الذي رأى فيك جميل قالت الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم العويثي
أن جمل جميل الذي كان يزور عليه بثينة يقال له جديل وفيه يقول
( أنخت جديلا عند بثنة ليلة ... ويوما أطال الله رغم جديل )
( أليس مناخ النضو يوما وليلة ... لبثنة فيما بيننا بقليل )
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى المكي
أن جميلا لما اشتهرت بثينة بحبه إياها اعترضه عبيد الله بن قطبة أحد بني الأحب وهو من رهطها الأدنين فهجاه وبلغ ذلك جميلا فأجابه وتطاولا فغلبه جميل وكف عنه ابن قطبة واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب فهجاه وإياه عنى جميل بقوله
( إذا الناس هابوا خزية ذهبت بها ... أحب المخازي كهلها ووليدها )
( لعمر عجوز طرقت بك إنني ... عمير بن رمل لابن حرب أقودها )
( بنفسي فلا تقطع فؤادك ضلة ... كذلك حزني وعثها وصعودها )
قال فاستعدوا عليه عامر بن ربعي بن دجاجة وكانت إليه بلاد عذرة وقالوا يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا فأباحهم دمه وطلب فهرب منه وغضبت بثينة لهجائه أهلها جميعا فقال جميل

(8/130)


( وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق )
( له من خوافي النسر حم نظائر ... ونصل كنصل الزاعبي فتيق
( على نبعة زوراء أما خطامها ... فمتن وأما عودها فعتيق )
( بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق )
( تفرق أهلانا بثين فمنهم ... فريق أقاموا واستمر فريق )
( فلو كنت خوارا لقد باح مضمري ... ولكنني صلب القناة عريق )
( كأن لم نحارب يا بثين لو انه ... تكشف غماها وأنت صديق )
قال ويدل على طلب عامر بن ربعي إياه قوله
( أضر بأخفاف البغيلة أنها
حذار ابن ربعي بهن رجوم )
هرب إلى اليمن بعد أن أهدر دمه
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال حدثني عمرو بن ابي عمرو الشيباني عن أبيه قال حدثني بعض رواة عذرة
أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم فحذرهم مدة ثم وجدوه عندها فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا أن ينشب بينهم

(8/131)


وبين قومه حرب في دمه وكان قومه أعز من قومها فأعادوا شكواه إلى السلطان فطلبه طلبا شديدا فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة وأنشدني له في ذلك
( ألم خيال من بثينة طارق ... على النأي مشتاق إلي وشائق )
( سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت ... إلي ودوني الأشعرون وغافق )
( كأن فتيت المسك خالط نشرها ... تغل به أردانها والمرافق )
( تقوم إذا قامت به عن فراشها ... ويغدو به من حضنها من تعانق )
قال أبو عمرو وحدثني هذا العذري
أن جميلا لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم وانتجعوا ناحية الشام فرحل إليهم قال فلقيته فسألته عما أحدث بعدي فأنشدني
( سقى منزلينا يا بثين بحاجر ... على الهجر منا صيف وربيع )
( ودورك يا ليلى وإن كن بعدنا ... بلين بلى لم تبلهن ربوع ) وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى ... لقمريها بالمشرقين سجيع )
( تزعزع منها الريح كل عشية ... هزيم بسلاف الرياح رجيع )
( وإني أن يعلى بك اللوم أو تري ... بدار أذى من شامت لجزوع )
( وإني على الشيء الذي يلتوى به ... وإن زجرتني زجرة لوريع )

(8/132)


( فقدتك من نفس شعاع فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع )
( فقربت لي غير القريب وأشرفت ... هناك ثنايا ما لهن طلوع )
( يقولون صب بالغواني موكل ... وهل ذاك من فعل الرجال بديع )
( وقالوا رعيت اللهو والمال ضائع ... فكالناس فيهم صالح ومضيع )
الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشامي وابن خرداذبة وإبراهيم وذكر حبش أن في هذه الأبيات لإسحاق لحنا من الثقيل بالوسطى ولم يذكر هذا أحد غيره ولا سمعناه ولا قرأناه إلا في كتابه ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على روي وقافية هذه القصيدة وليست له
كثير ينعته بأشعر الناس
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن أبي عبيدة عن أبيه قال
دخل علينا كثير يوما وقد أخذ بطرف ريطته وألقى طرفها الآخر وهو يقول هو والله أشعر الناس حيث يقول

(8/133)


( وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا )
( فهذي شهور الصيف عني قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا )
ويجر ريطته حتى يبلغ إلينا ثم يولي عنا ويجرها ويقول هو والله اشعر الناس حيث يقول
( وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا )
( وأنت التي ما من صديق ولا عدا ... يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا )
ثم يرجع إلينا ويقول هو والله أشعر الناس فقلنا من تعني يا أبا صخر فقال ومن أعني سوى جميل هو والله أشعر الناس حيث يقول هذا وتيماء خاصة منزل لبني عذرة وليس من منازل عامر وإنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه
وفي هذه القصيدة يقول جميل
( وما زلتم يا بثن حتى لوانني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا )
( إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها ... دعاء حبيب كنت أنت دعائيا )
( وما زادني النأي المفرق بعدكم ... سلوا ولا طول التلاقي تقاليا )
( ولا زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا )
( ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذا لم ألق وجهك صاديا )
( لقد خفت أن ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا )
أخبرنا الحرمي بن ابي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاري عن الأصبغ بن عبد العزيز قال
كنت عند طلحة بن عبد الله بن عوف فدخل عليه كثير فلما دخل من

(8/134)


الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش وهو يقول جميل والله أشعر العرب حيث يقول
( وخبرتماني أن تيماء منزل ... )
ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم السعدي
أن رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميل أمة لنا فواعد جميل بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال فتحادثا ليلا طويلا حتى أسحرا ثم قال لها هل لك أن ترقدي قالت ما شئت وأنا خائفة أن نكون قد أصبحنا فوسدها جانبه ثم اضطجعا ونامت فانسل واستوى على راحلته فذهبت وأصبحت في مضجعها فلم يرع الحي إلا بها راقدة عند مناخ راحلة جميل فقال جميل في ذلك
( فمن يك في حبي بثينة يمتري ... فبرقاء ذي ضال علي شهيد )
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة وزاد فيها فلما انتبهت بثينة علمت ما اراده جميل بها فهجرته وآلت ألا تظهر له فقال
( ألا هل إلى إلمامة أن ألمها ... بثينة يوما في الحياة سبيل )
( فإن هي قالت لا سبيل فقل لها ... عناء على العذري منك طويل )
( على حين يسلو الناس عن طلب الصبا ... وينسى اتباع الوصل منه خليل )

(8/135)


لامه أهله على حبه بثينة
وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم
تشكى زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها فوجهوا إلى جميل وأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم فيه وتوعدوه وأتاهم فلامه أهله وعنفوه وقالوا إنا نستحلف إليهم ونتبرأ منك ومن جريرتك فأقام مدة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعودا فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله
( وإني على الشيء الذي يلتوى به ... وإن زجرتني زجرة لوريع )
( فقدتك من نفس شعاع فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع )
( فقربت لي غير القريب وأشرفت ... هناك ثنايا ما لهن طلوع )
( يقولون صب بالغواني موكل ... وهل ذاك من فعل الرجال بديع )
( وقالوا رعيت اللهو والمال ضائع ... فكالناس فيهم صالح ومضيع )
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال
كانت تحت محمد بن عبد الله بن حسن امرأة من ولد الزبير يقال لها فليحة وكانت لها صبية يقال لها رخية قد ربتها لغير رشدة وكانت من أجمل النساء وجها فرأت محمدا وقد نظر إليها ذات يوم نظرا شديدا ثم تمثل قول جميل
( بثينة من صنف يقلبن أيدي الرماة ... وما يحملن قوسا ولا نبلا )
( ولكنما يظفرن بالصيد كلما ... جلون الثنايا الغر والأعين النجلا )
( يخالسن ميعادا يرعن لقولها ... إذا نطقت كانت مقالتها فصلا )

(8/136)


( يرين قريبا بيتها وهي لا ترى ... سوى بيتها بيتا قريبا ولا سهلا )
فقالت له فليحة كأنك تريد رخية قال إي والله قالت إني أخشى أن تجيء منك بولد وهي لغير رشدة فقال لها إن الدنس لا يلحق الأعقاب ولا يضر الأحساب فقالت له فماذا يضر إذا والله ما يضر إلا الأعقاب والأحساب وقد وهبتها لك فسر بذلك وقال أما والله لقد أعطيتك خيرا منها قالت وما هو قال أبيات جميل التي أنشدتك إياها لقد مكثت أسعى في طلبها حولين فضحكت وقالت ما لي ولأبيات جميل والله ما ابتغيت إلا مسرتك قال فولدت منه غلاما وكانت فليحة تدعو الله إلا يبقيه فبينا محمد في بعض هربه من المنصور والجارية وابنها معه إذ رهقهما الطلب فسقط الصبي من الجبل فتقطع فكان محمد بعد ذلك يقول أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة
وقال الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم
لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله أعذروا إلى أهله وكانت منازلهم متجاورة إنما هم بيوتات يفترقون كما يفترق البطون والأفخاذ والقبائل غير متباعدين ألم تر قول جميل
( أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها ... وأهلي قريب موسعون أولو فضل )
فمشت مشيخة الحي إلى أبيه وكان يلقب صباحا وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله فشكوه إليه وناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له ويفضحهم به في فتاتهم فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ثم انصرفوا فدعا به فقال له يا بني حتى متى أنت عمه في ضلالك لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرك

(8/137)


بخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها فيكون قولها لك تعليلا وغرورا فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة إن هذا لذل وضيم ما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك فأنشدك الله إلا كففت وتأملت أمرك فإنك تعلم أن ما قلته حق ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له وفي النساء عوض فقال له جميل الرأي ما رأيت والقول كما قلت فهل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن قلبه هواه أو ملك أن يسلي نفسه أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت ولكن لا سبيل إلى ذلك وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام بهم ولو مت كمدا وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه وقام وهو يبكي فبكى ابوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه فذلك حين يقول جميل
صوت
( ألا من لقلب لا يمل فيذهل ... أفق فالتعزي عن بثينة أجمل )
( سلا كل ذي ود علمت مكانه ... وأنت بها حتى الممات موكل )
( فما هكذا أحببت من كان قبلها ... ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل )
الغناء لمالك ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
( فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها ... وإن كنت تهواها تضن وتبخل )
( وقد أيأست من نيلها وتجهمت ... ولليأس إن لم يقدر النيل أمثل )
( وإلا فسلها نائلا قبل بينها ... وأبخل بها مسؤولة حين تسأل )
( وكيف ترجي وصلها بعد بعدها ... وقد جذ حبل الوصل ممن تؤمل )
( إن التي أحببت قد حيل دونها ... فكن حازما والحازم المتحول )

(8/138)


( ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلة ... وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل )
( بدا كلف مني بها فتثاقلت ... وما لا يرى من غائب الوجد أفضل )
( هبيني بريئا نلته بظلامة ... عفاها لكم أو مذنبا يتنصل )
( قناة من المران ما فوق حقوها ... وما تحته منها نقا يتهيل )
قال وقال أيضا في هذه الحال
صوت
( أعن ظعن الحي الألى كنت تسأل ... بليل فردوا عيرهم وتحملوا )
( فأمسوا وهم أهل الديار وأصبحوا ... ومن أهلها الغربان بالدار تحجل )
في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو
( على حين ولى الأمر عنا وأسمحت ... عصا البين وانبت الرجاء المؤمل )
( فما هو إلا أن أهيم بذكرها ... ويحظى بجدواها سواي ويجذل )
( وقد أبقت الأيام مني على العدا ... حساما إذا مس الضريبة يفصل )
( ولست كمن إن سيم ضيما أطاعه ... ولا كامرىء إن عضه الدهر ينكل )
لعمري لقد أبدى لي البين صفحه ... وبين لي ما شئت لو كنت اعقل )
( وآخر عهدي من بثينة نظرة ... على موقف كادت من البين تقتل )
( فلله عينا من رأى مثل حاجة ... كتمتكها والنفس منها تململ )

(8/139)


( وإني لأستبكي إذا ذكر الهوى ... إليك وإني من هواك لأوجل )
( نظرت ببشر نظرة ظلت أمتري ... بها عبرة والعين بالدمع تكحل )
( إذا ما كررت الطرف نحوك رده ... من البعد فياض من الدمع يهمل )
خروجه إلى الشام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال
لما أراد جميل الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة فقالت له أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف فقال لها هذا وجهي إلى الشام إنما جئتك مودعا فحادثها طويلا ثم ودعها وقال يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكيا طويلا ثم قال لها وهو يبكي
( ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا ... لنا منك رأي يا بثين جميل )
( وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي ... بنا بدلا أو كان منك ذهول )
( وإني وتكراري الزيارة نحوكم ... بثين بذي هجر بثين يطول )
( وإن صباباتي بكم لكثيرة ... بثين ونسيانيكم لقليل )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني شيوخ من عذرة
أن مروان بن الحكم خرج مسافرا في نفر من قريش ومعه جميل بن معمر وجواس بن قطبة أخو عبيد الله بن قطبة فقال مروان لجواس إنزل فارجز بنا وهو يريد أن يمدحه فنزل جواس وقال
( يقول أميري هل تسوق ركابنا ... فقلت له حاد لهن سوائيا )
( تكرمت عن سوق المطي ولم يكن ... سياق المطي همتي ورجائيا )

(8/140)


( جعلت أبي رهنا وعرضي سادرا ... إلى أهل بيت لم يكونوا كفائيا )
( إلى شر بيت من قضاعة منصبا ... وفي شر قوم منهم قد بدا ليا )
فقال مروان إركب لا ركبت ثم قال لجميل إنزل فارجز بنا وهو يريد أن يمدحه فنزل جميل فقال
( أنا جميل في السنام الأعظم ... الفارع الناس الأعز الأكرم )
( أحمي ذماري ووجدت أقرمي ... كانوا على غارب طود خضرم )
( أعيا على الناس فلم يهدم ... )
فقال عد عن هذا فقال جميل
( لهفا على البيت المعدي لهفا ... من بعد ما كان قد استكفا )
( ولو دعا الله ومد الكفا ... لرجفت منه الجبال رجفا )
فقال له إركب لا ركبت
قال الزبير وحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال
كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب فرجز به مكين العذري فقال
( يا بكر هل تعلم من علاكا ... خليفة الله على ذراكا )
فقال الوليد لجميل إنزل فارجز وظن الوليد أنه يمدحه فنزل فقال
( أنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد )

(8/141)


( والبيت من سعد بن زيد والعدد ... ما يبتغي الأعداء مني ولقد )
( أضري بالشتم لساني ومرد ... أقود من شئت وصعب لم أقد )
فقال له الوليد إركب لا حملك الله قال وما مدح جميل أحدا قط
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا يونس بن عبد الله بن سالم قال
وقف جميل على الحزين الديلي والحزين ينشد الناس فقال له الحزين وهو لا يعرفه كيف تسمع شعري قال صالح وسط فغضب الحزين وقال له ممن أنت فوالله لأهجونك وعشيرتك فقال جميل إذا تندم فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه فقال جميل
( الديل أذناب بكر حين تنسبهم ... وكل قوم لهم من قومهم ذنب )
فقامت له بنو الديل وناشدوه الله إلا كف عنهم ولم يزالوا به حتى أمسك وانصرف
أخبرني الحرمي ومحمد بن مزيد واللفظ له قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال
لما هاجى عبيد الله بن قطبة جميلا واستعلى عليه جميل أعرض عنه واعترضه أخوه جواس بن قطبة فهجاه وذكر أختا لجميل وكان جميل قبل ذلك يحتقره ولا ينصب له حتى هجا أخته فقال فيما ذكرها به من شعره

(8/142)


( إلى فخذيها العبلتين وكانتا ... بعهدي لفاوين أردفتا ثقلا )
فغضب جميل حينئذ فواعده للمراجزة قال الزبير فحدثني بعض آل العباس بن سهل بن سعد عن عباس قال
( قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني بردا كان ذلك البرد أفضل جائزتي فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي الذي من عند عبد الملك وقلت أصلي مع الناس فلقيني جميل وكان صديقا لي فسلم بعضنا على بعض وتساءلنا ثم افترقنا فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي فقال البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمل به فإن بيني وبين جواس مراجزة وتحضر فتسمع قال قلت لا بل هو لك كسوة فكسوته إياه وقلت لأصحابي ما من شيء أحب إلي من أن أسمع مراجزتهما فلما أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير وحضرت وأصحابي فإذا بجميل قد جاء وعليه حلتان ما رأيت مثلهما على أحد قط وإذا بردي الذي كسوته إياه قد جعله جلا لجمله فتراجزا فرجز جميل وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك فقال
( يا أم عبد الملك اصرميني ... فبيني صرمي أو صليني )
( أبكي وما يدريك ما يبكيني ... أبكي حذار أن تفارقيني )
( وتجعلي أبعد مني دوني ... إن بني عمك أوعدوني )
( أن يقطعوا رأسي إذا لقوني ... ويقتلوني ثم لا يدوني )
( كلا ورب البيت لو لقوني ... شفعا ووترا لتواكلوني )

(8/143)


( قد علم الأعداء أن دوني ... ضربا كإيزاغ المخاض الجون )
( ألا أسب القوم إذ سبوني ... بلى وما مر على دفين )
( وسابحات بلوى الحجون ... قد جربوني ثم جربوني )
( حتى إذا شابوا وشيبوني ... أخزاهم الله ولا يخزيني )
( أشباه أعيار على معين ... أحسسن حس أسد حرون )
( فهن يضرطن من اليقين ... أنا جميل فتعرفوني )
( وما تقنعت فتنكروني ... وما أعنيكم لتسألوني )
( أنمى إلى عادية طحون ... ينشق عنها السيل ذو الشؤون )
( غمر يدق رجح السفين ... ذو حدب إذا يرى حجون )
( تنحل أحقاد الرجال دوني ... )
قال ورجز جميل أيضا
( أنا جميل في السنام من معد ... )
وقد تقدمت هذه الأرجوزة ثم رجز بعده جواس فلم يصنع شيئا قال فما رأيت غلبة مثلها قط

(8/144)


شعره في هجاء خوات العذري وبني الأحب
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلوي وجماعة غيره من قومه
أن رجلا من بني عذرة كان يقال له خوات أمه بلوية وكان شاعرا وكان جميل بن جذامية فخرج جميل إلى أخواله بجذام وهو يقول
( جذام سيوف الله في كل موطن ... إذا أزمت يوم اللقاء أزام )
( هم منعوا ما بين مصر فذي القرى ... إلى الشام من حل به وحرام )
( بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاغ المخاض تؤام )
( إذا قصرت يوما أكف قبيلة ... عن المجد نالته أكف جذام )
فأعطوه مائة بكرة قال وخرج خوات إلى أخواله من بلي وهو يقول
( إن بليا غرة يهتدى بها ... كما يهتدي الساري بمطلع النجم )
( هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهم ... ولم أتخول جذم قوم بلا علم )
قال فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة ففخر على صاحبه وذكر أن الغرة الواحدة مما أتى به مما معه تعدل كل شيء أتى به جميل فقال عبيد الله بن قطبة
( ستقضي بيننا حكماء سعد ... أقطبة كان خيرا أم صباح )
قال وكان عبد الله بن معمر أبو جميل يلقب صباحا وكان عبيد الله بن قطبة يلقب حماظا فقال النخار العذري أحد بني الحارث بن

(8/145)


سعد قطبة كان خيرا من صباح فقال جميل يهجو بني الأحب رهط قطبة ويهجو النخار
( إن أحب سفل أشرار ... حثالة عودهم خوار )
( أذل قوم حين يدعى الجار ... كما أذل الحارث النخار )
وقال الأبيرق العتبي قطبة كان خيرا من صباح فقال جميل
( يابن الأبيرق وطب بت مسنده ... إلى وسادك من حم الذرى جون )
( وأكلتان إذا ما شئت مرتفقا ... بالسير من نغل الدفين مدهون )
( أذكر وأمك مني حين تنكبني ... جني فيغلب جني كل مجنون )
وقال جماعة من شعراء سعد في تفضيل قطبة على صباح أقوالا اجابهم عنها جميل فأفحمهم حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرة
( نحن منعنا ذا القرى من عدونا ... وعذرة إذ نلقى يهودا ويعشرا )
( منعناه من عليا معد وأنتم ... سفاسيف روح بين قرح وخيبرا )
( فريقان رهبان بأسفل ذي القرى ... وبالشام عرافون فيمن تنصرا )
فلما بلغت جميلا اتقاه وعلم أنه سيعلو عليه فقال جميل
( بني عامر أنى انتجعتم وكنتم ... إذا حصل الأقوام كالخصية الفرد )

(8/146)


( فأنتم ولأي موضع الذل حجرة ... وقرة أولى بالعلاء وبالمجد )
فأعرض عنه جعفر قال الزبير بنو عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن ابي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد وزيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم ولأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم قال فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد وأهدى له بردين من ثياب كساه إياهما سعيد بن العاصي وجاءه بنفقة فلما دخل عليه عرض ذلك عليه فقال هدبة أنت يابن قميئة الذي تقول
( بني عامر أنى انتجعتم وكنتم ... إذا عدد الأقوام كالخصية الفرد )
أما والله لئن خلص الله لي ساقي لأمدن لك مضمارك خذ برديك ونفقتك فخرج جميل فلما بلغ باب السجن خارجا قال اللهم أغن عني أجدع بني عامر وكانت بنو عامر قد قلوا فحالفوا لأيا
لقاؤه بعمر بن أبي ربيعة وتناشدهما الشعر
اخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي قال حدثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة

(8/147)


( يا أبا الحارث قلبي طائر ... )
قال شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح فأنشد جميل قصيدته
( لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل )
( يقولون مهلا يا جميل وإنني ... لأقسم ما بي عن بثينة من مهل )
( أحلما فقبل اليوم كان أوانه ... أم اخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل )
( لقد أنكحوا حربي نبيها ظعينة ... لطيفة طي البطن ذات شوى خدل )
( وكم قد رأينا ساعيا بنميمة ... لآخر لم يعمد بكف ولا رجل )
إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل )
صوت
( كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة ... إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي )
( فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي )
( فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي )
( وقالت لأتراب لها لا زعانف ... قصار ولا كس الثنايا ولا ثعل )
( إذا حميت شمس النهار اتقينها ... بأكسية الديباج والخز ذي الخمل )
( تداعين فاستعجمن مشيا بذي الغضا ... دبيب القطا الكدري في الدمث السهل )

(8/148)


( إذا ارتعن أو فزعن قمن حوالها ... قيام بنات الماء في جانب الضحل )
( أجدي لا ألقى بثينة مرة ... من الدهر إلا خائفا أو على رجل )
( خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي )
قال وأنشده عمر قوله
( جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي )
( فما أنس م الأشياء لا أنس موقفي ... وموقفها وهنا بقارعة النخل )
( فلما تواقفنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل )
( فقلن لها هذا عشاء وأهلنا ... قريب ألما تسأمي مركب البغل )
( فقالت فما شئتن قلن لها انزلي ... فللأرض خير من وقوف على رحل )
( فأقبلن أمثال الدمى فاكتنفنها ... وكل يفدي بالمودة والأهل )
( نجوم دراري تكنفن صورة ... من البدر وافت غير هوج ولا ثجل )
( فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدو مكاني أو يرى كاشح فعلي )
( فقالت وألقت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي )
( فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكن سري ليس يحمله مثلي )
( فلما اقتصرنا دونهن حديثنا ... وهن طبيبات بحاجة ذي التبل )
( عرفن الذي نهوى فقلن ائذني لنا ... نطف ساعة في برد ليل وفي سهل )
( فقالت فلا تلبثن قلن تحدثي ... أتيناك وانسبن انسياب مها الرمل )

(8/149)


( وقمن وقد أفهمن ذا اللب إنما ... أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي )
فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي وما خاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
( خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي )
( أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها ... وأهلي قريب موسعون ذوو فضل )
( فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وذكر حماد والهشامي أن فيه لنافع الخير مولى عبد الله بن جعفر لحنا من الثقيل الأول
ومنها
صوت
( ألا أيها البيت الذي حيل دونه ... بنا أنت من بيت وأهلك من أهل )
( ثلاثة أبيات فبيت أحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي )
( كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة ... إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي )
الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر
ومنها
صوت
( لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل )

(8/150)


( يقولون مهلا يا جميل وإنني ... لأقسم ما بي عن بثينة من مهل )
الغناء لابن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه وذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز وابن مسجح ولم يصح عنده لأيهما هو ولا ذكر طريقته
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسان قال أخبرني نافع مولى عبد الله بن جعفر وما رأيت أحدا قط كان أشكل ظرفا ولا أزين في مجلس ولا أحسن غناء منه قال
قدمنا مع عبد الله بن جعفر مرة على معاوية فأرسل إلي يزيد يدعوني ليلا فقلت أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك ونخلو نحن بما نريد قبل قيامهما قأتيته فغنيته فوالله ما رأيت فتى أشرف أريحية منه والله لألقى علي من الكسا الخز والوشي وغيره ما لم استطع حمله ثم أمر لي بخمسمائة دينار قال وذهب بنا الحديث وما كنا فيه حتى قام معاوية ونهض ابن جعفر معه وكان باب يزيد في سقيفة معاوية فسمع صوتي فقال لابن جعفر ما هذا يابن جعفر قال هذا والله صوت نافع فدخل علينا فلما أحس به يزيد تناوم فقال له معاوية ما لك يا بني قال

(8/151)


صدعت فرجوت أن يسكن عني بصوت هذا قال فتبسم معاوية وقال يا نافع ما كان أغنانا عن قدومك فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إن هذا في بعض الأحايين يذكي القلب قال فضحك معاوية وانصرف فقال لي ابن جعفر ويلك هل شرب شيئا قلت لا والله قال والله إني لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم قال نافع ثم قدمنا على يزيد مع عبد الله بن جعفر بعدما استخلف فأجلسه معه على سريره ودخلت حاشيته تسلم عليه ودخلت معهم فلما نظر إلي تبسم ثم نهض ابن جعفر وتبعناه فقيل له نظر إلى نافع وتبسم فقال ابن جعفر هذا تأويل تلك الليلة فقضى حوائج ابن جعفر وأضعف ما كان يصله به معاوية فلما أراد الانصراف أتاه يودعه ونحن معه فأرسل إلي يزيد فدخلت عليه قال ويحك يا نافع ما أخرتك إلا لأتفرغ لك هات لحنك
( خليلي فيما عشتما هل رايتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي )
فأسمعته فقال أعد ويلك فأعدته ثم قال أعد فأعدته ثلاثا فقال أحسنت فسل حاجتك فما سألته في ذلك اليوم شيئا إلا أعطانيه ثم قال إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزبير فلعلنا أن نحج فتلقانا بالمدينة فإن هذا الأمر لا يصلح إلا هناك قال نافع فمنعنا والله من ذلك شؤم ابن الزبير
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا القاسم بن أبي الزناد قال
خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشام فلما كان بالجناب لقيه جميل فقال له عمر أنشدني فأنشده
( خليلي فيما عشتما هل رايتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي )

(8/152)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية