صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين
المؤلف : الخالديان
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

غيوث إذا راحوا ليوث إذا غدوا ... صروف إذا أعيا الرجال المصارف
أعرابي:
وذات حليل أيمتها رماحنا ... قديما وأخرى قد جعلنا لها بعلا
وما العدل أن يروى القنا من دمائنا ... وإن تعرضوا من دون أوتارنا العقلا
أعرابي ومدح قوما:
تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر
كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاير
قد ذكرنا هذا المعنى وشيئا من نظائره فيما تقدم وبقيت له نظائر نذكر منها هنا شيئا، فمما نذكره قديما قول الشاعر وهو مروان:
لعمر على حيى نزار كليهما ... أيادي كريم من فيها وأنعما
فتى لم يدع بابا من الخير مغلقا ... ولم يغش مما حرم الله محرما
وتلقاه من فرط الحياء كأنه ... سقيم وإن أمسى صحيحا مسلما
وأتى به آخر فقال:
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم
متهلل بنعم بلا متباعد ... سيان منه الوفر والعدم
شاعر من الخزرج:
وطاعنا وللنبل ... هرير يصدع القلبا
فلما طاعن القوم ... تركنا فيهم الضربا
يقول:طاعنا بالرماح وأعداؤنا يرمون بالنبل، فلما دنا بعضنا من بعض وأفضى أعداؤنا إلى الطعن بالرماح جالدناهم بالسيوف. وهذا المعنى من المعاني الجياد، فإن كان قائل هذا الشعر اخترعه وكان الأصل فيه، زاد زهير بقوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
لأن زهيرا أتى بالمعنى الذي قدمنا ذكره، وهو بيتان، في بيت واحد، وله أيضا فيه زيادة جيدة لأنه ذكر أنه يطعنهم وهم يرتمون ثم يضربهم وهم يتطاعنون فإذا اضطربوا بالسيوف عانق، ولم يتمم أحد هذا المعنى بمثل هذا، إلا أن زهيرا أخذه بغير شك من المهلهل بن ربيعة التغلبي في قوله:
أنبضوا معجس القسي وأبرق ... نا كما يوعد الفحول الفحولا
وبيت المهلهل، وإن كان سابقا للمعنى، فهو دون بيت زهير ودون بيت الأنصاري لأنه ذكر أنهم أنبضوا القسي وأبرقنا، فيجوز أن يكون أنبضوا قسيهم من بعد وأبرقنا من بعد، ولم يدن بعضهم من بعض، وهذا غير مستوف للمعنى استيفاء جيدا. وبيت الأنصاري، وإن كان دون بيت زهير أيضا، فهو أجود من بيت المهلهل لما قدمنا ذكره من العيب الظاهر فيه. وإلى هذا المعنى نظر البحتري في قوله:
فمن كان منهم ساكتا كنت ناطقا ... ومن كان منهم قائلا كنت فاعلا
ولهذا المعنى نظائر تأتي فيما يستأنف إن شاء الله.
قال عتيبة بن مرداس:
رأيت المعلى ليس يشبه عمه ... ولا خاله ولا أباه المقدما
أولئك ما زالوا عرانين خندف ... إذا كان يوما كاسف الشمس مظلما
وهذا فما نلقاه إلا مصمما ... على مال ذي القربى وإن كان معدما
فتى تكثر الأموال تحت عجانه ... إذا أكثر الناس الندى والتكرما
تراه كماء البحر يدفع ملحه ... لوراده عنه وإن كان مفعما
من هنا أخذ البحتري قوله:
جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يدفع ملحه عن مائه
ولقد جود البحتري، وإن كان قد أخذ المعنى بأسره وبعض اللفظ.
أعرابي:
لقد بان منا مالك وجياده ... تخمط فيما بينهن المذاود
ولا يبعدنك الله ميتا فإنما ... حياة الفتى سير إلى الموت قاصد
من هنا أخذ البحتري قوله:
وكانت حياة المرء سوقا إلى الردى ... وأيامه دون الممات مراحل
وله مثله:
وما أهل المنازل غير ركب ... مناياهم رواح وانتظار
أعرابي من كلب، يمدح مسلمة بن عبد الملك:
نزور امرأ من آل مروان لم يزل ... لنا منه علم لا يحد ونائل
تراه إذا ما أظلم الخطب مشرقا ... كمثل حسام أخلصته الصياقل
أخذه البحتري فجود فيه:
يتوقدن والكواكب مطفا ... ت ويقطعن والسيوف نوابي

(1/32)


هذا معنى قد اشترك فيه جماعة، فمن جوده أبو تمام في قوله:
ترمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
وأخذه البحتري فجود فيه:
يفيض سماحة والمزن مكد ... ويقطع والحسام العضب ناب
آخر:
نغدو فإما استعرنا من محاسنه ... فضلا وإما استمحنا من أياديه
ولقد أتى ابن الرومي في نهاية التجويد واستيفاء المعنى بقوله:
يقول علي مرة وأنالني ... وكان عليا في معانيه كاسمه
أرى فضل مال المرء داء لعرضه ... كما فضل طعم المرء داء لجسمه
فرحت برفديه وما زلت رابحا ... برفدين من شتى نداه وعلمه
أبو قيس بن الأسلت:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
أعددت للأعداء موضونة ... فضفاضة كالنهي بالقاع
أحفزها عني بذي رونق ... مهند كالملح قطاع
هلا سألت القوم إذ قلصت ... ما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذل المال على حبه ... فيهم وآتي دعوة الداعي
وأضرب القونس يوم الوغى ... بالسيف لم يقصر به باعي
وقال يزيد بن خذاق العبدي:
لن يجمعوا ودي ومعتبتي ... أو يجمع السيفان في غمد
ماذا بدا لك نحت أثلتنا ... فعليكها إن كنت ذا حرد
ومكرت ملتمسا مذلتنا ... والمكر منك علامة العمد
وهززت سيفك لي تحاربني ... فانظر لسيفك من به تردي
أخذ قوله " أو يجمع السيفان في غمد " أبو ذؤيب فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
وأخذه آخر فقال:
إذا جمع السيفان في الغمد فالتمس ... صلاح بني عمرو وآل رزين
ابن وعلة الشيباني:
غدونا إليهم والسيوف عصينا ... بأيماننا نعلو بهن الجماجما
لعمري لأشبعنا ضباع عنيزة ... إلى الحول منهم والنسور القشاعما
ومستلب من درعه ورماحه ... تركت عليه الذئب ينهش قائما
مقاس العائذي:
ألا أبلغ بني شيبان عني ... فلا يك من لقائكم الوداعا
إذا وضع الهزاهز آل قوم ... فزاد الله حيكم ارتفاعا
وقد جاورت أقواما كثيرا ... فلم أر مثلكم حزما وباعا
أخذ القطامي قوله " إذا وضع الهزاهز آل قوم " فقال:
إذا ما الله أوضع آل حي ... فزاد الله حيكم ارتفاعا
قال ذو الرمة:
وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
أحم علافي وأبيض صارم ... وأعيس مهري وأشعب ماجد
أخذه البحتري فقال:
يا نديمي بالسواجير من ود ... بن عمرو وبحتر بن عتود
اطلبا ثالثا سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
وما نعلم أن البحتري أخذ لمتقدم معنى أو لمحدث إلا زاد فيه أو ساواه بكلام عذب مليح إلا هذا المعنى فإنه لم يلحقه وقصر عنه. ولله در ذي الرمة فلقد طرف كلام بيته الأول وقد جود قسمة الثاني، وقد ذكر قوم ولم يصح عندنا أن البحتري رد هذا المعنى في قصيدة أولها:
ما لها أولعت بقطع الوداد ... كل يوم تروعني بالبعاد
وإن صح هذا الشعر للبحتري فإن ذي الرمة أجود كثيرا، يقول فيها:
عني الخضر بي فصيرني بع ... دك عينا على عيار البلاد
ثاني العيس ثالث الليل والس ... ير نديم النجوم ترب السهاد
عبد العزيز بن زرارة الكلابي:
رحلنا من الوعساء وعساء مالك ... لحين وكنا عندها بنعيم
فما لبثتنا العيس أن قذفت بنا ... لذي غربة والعهد غير قديم
فأصبحن قد ودعن نجدا وأهله ... وما عهد نجد عندنا بذميم
هذا مثل قول الآخر:
ولئن رحلنا عن دياركم ... فبها تعللنا عن الكرب
أعرابي:
أكف العشيرة أن ولوك أمرهم ... وإن كفوك فلا تحسد ولا تعب

(1/33)


احمل مجاهلهم واضمن مغارمهم ... رحب اللبان بها مسترخي اللبب
زهراء الأعرابية:
وسائلة بظهر الغيب عنا ... وما تدري أمتنا أم حيينا
فنحن كما يسرك غير أنا ... بنا الأيام بعدك يرتمينا
فإن نسلم نزرك على قلاص ... يجاذبن الأزمة والبرينا
أعرابي:
دفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان دفع الأصابع
فلما رأينا شركم غير منته ... وما غاب من أحلامكم غير راجع
مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
ما أحسن هذا المعنى وأجوده! وزاد أنه قال: ما زلنا نحلم عنكم وندفع بلاءكم بجهدنا، فلما رأيناكم غير مقلعين عن مكروهنا ذكرنا آباءكم، وهم أعمامنا، فلم نجد فيكم مطعنا، فلما ذكرنا أمهاتكم رأيناهن في الشرف دون أمهاتنا، لأن أمهاتنا أشرف، فعلمتم أنتم أن بني عمكم كانوا يضاجعون نساء كانوا أكرم ممن كان يضاجع آباءكم، ففضلنا عليكم بالأمهات، وإن كان الآباء واحدا.
أعرابي:
فإن يك إحسان يقرب حاجتي ... إليك ويدنيها فقد حان حينها
وقد أقسمت جهدا التجحد ديننا ... فقد حرجت فينا وبرت يمينها
سوار بن المصرب السعدي:
فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذووا أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني
بأني لا أزال أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجن جاني
طفيل الكلابي:
طلقت إن لم تسألي أي فارس ... حليلك إذ لاقى صداء وخشعما
أكر عليهم دعلجا ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما
وهذا مثل قول عنترة:
ما زلت أرميهم بغرة وجهه ... ولبانه حتى تسربل بالدم
وازور من وقع القنا بلبانه ... وشكى إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... أو كان لو عرف الكلام مكلمي
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لشكى الكميت الجري لما جهدته ... وأفصح لو يستطيع أن يتكلما
ومثله وأومى إلى فرس الممدوح فقال:
كم كم تجرعه المنون فيصبر ... لو يستطيع شكا إليك الأدهم
أنيف بن زبان الطائي:
دعوا لنزار وانتمينا لطيء ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها
فلما التقينا بين السيف بيننا ... لسائلة عنا حفي سؤالها
الفرار السلمي:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... وقتلت دون رجالهم لا تبعد
ومثل هذا قول الحارث بن هشام المخزومي:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرمى بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم موصد
كان سبب هذا الشعر أن الحارث بن هشام، وهو أحد الفرارين، فر من وقعة كان شهدها فقال فيه بعض الشعراء وهو حسان بن ثابت:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... وبحا برأس طمرة ولجام
فلما بلغ الحارث الشعر قال يعتذر بالشعر الذي قدمنا ذكره، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
وقعدت عنك ولو بمهجة فارس ... غيري أقوم إليهم لم أقعد
ما كان قلبك في سواد جوانحي ... فأكون ثم ولا لساني في يدي
وللشعراء في ذكر الفرار أشعار تكثر وتتسع جدا ونحن نأتي بأشياء من نظائره في غير هذا الموضع.
قال الحصين بن الحمام المري:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما

(1/34)


وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
قوله " تأخرت أستبقي " البيت، مثل قول الخنساء:
نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أبقى لها
ومثله أيضا:
ولا ينجي من الغمرات إلا ... براكاء القتال أو الفرار
وقوله " ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لصمما " يقول: يصيب صميم القلب بسنه فيقتل، وقد روي " فسمما " من طريق السم، وهذا جائز إلا أن الأول أجود تمييزا.
فأما قوله " لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا " البيت، فالأصل فيه أن ذا الأصبع العدواني كان حكم العرب في أيامه، يقضي بينهم في المشكلات في أمورهم حتى أسن وتغير عقله، فكان ربما أنى بالشيء الذي لا يجوز حتى يتبينه ثم يرجع. وكان له ابن عم يتصدر للحكومة، فقال أهل ذي الأصبع له: إنك ربما خلطت في أحكامك، ونحن نخاف أن ينزل بنا بلاء من هذا الأمر، قال: فاجعلوا بيني وبينكم علامة، إذا خلطت عرفتموني بغير كلام حتى أنتبه. فقالوا: إنا نقيم أمتك فلانة لهذا الأمر، وكانت فهمة لبيبة، فإذا خلطت قرعت العصا بالأرض فتعلم الخبر، فقال: افعلوا، فكانت الأمة لا تفارقه، فإذا اختلط قرعت العصا فانتبه وعلم أنه قد أخطأ فيرجع إلى فكره ويزول عنه خلطه. وقد ذكر أيضا في قرع العصا شيء آخر، وهو أن بعض الأعراب كان في ناحية عمرو بن هند الملك، وكان غالبا عليه، وكان عمرو بن هند جبارا لا يراجع في قول ولا فعل أمر، وكان لهذا الرجل أخ عاقل لبيب، فإذا أراد عمرو توجيهه إلى ناحية يرتاد فيها الكلأ لينتجعه توجه إلى تلك الناحية وحد له أياما، فتجاوز الحد بأيام أخر، فغاظ ذلك عمرا، فقال: والله إن جاءني حامدا للموضع أو ذاما له لأقتلنه. ثم ندم على يمينه وقال لأخيه: قد ندمت، ولا بد من إمضاء الألية، فقال له أخوه: أبيت اللعن! دعني أنذره ليتخلص. فقال: افعل فلما قدم على الملك قرع له أخوه العصا وكأنه علم ما في نفسه، ثم قال له الملك: كيف وجدت الأرض، قال: لم أجد خصبا يحمد ولا جدبا يذم، فتخلص من سطوته، وضربت العرب بقرع العصا مثلا. والأول من الخبرين أصح عندنا وأثبت في العقل. وقد قيل في ذلك أيضا إن جذيمة الأبرش لما سار إلى الزباء، وقد وجهت إليه أن يصير إليها لتتزوج به، وكانت ملكة شرقي الفرات، وكان مولاه قصير قد نهاه عن المصير إليها وحذره إياها، فلم يقبل. فلما شارف بلادها رأى أمارات استوحش لها، فقال لقصير: إيش الرأي عندك؟ قال: ببقة أبرم الرأي، وكان أشار عليه، وهو نازل ببقة أن يأتيها، وبقة ناحية الأنبار، فلم يقبل، فذهبت كلمته مثلا، وقال له جذيمة: دع عنك هذا، ما الرأي؟ وكانت لجذيمة فرس يقال لها العصا لا تجارى ولا يشق غبارها، فقال له قصير: قد صرنا في بلدها ودارت بنا عساكرها، فإذا قرعت لك العصا بالسوط فاعمل على أن تطرح نفسك عليها وتنجو بحشاشتك فضربت العرب بضرب العصا مثلا للرجل ينبه على الأمر الذي تخشى عاقبته.
قال إياس بن قبيصة الطائي وقد هرب من كسرى:
ما ولدتني حاصن ربعية ... لئن أنا مالأت الهوى لاتباعها
ألم تر أن الأرض رحب فسيحة ... فهل تعجزني بقعة من بقاعها
ومبثوثة بث الدبى مسيطرة ... رددنا على بطائها من سراعها
وأقدمت والخطي يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها
أعرابي قتل أخوه ابنا له فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وقال:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وهذا مثل قول الآخر:
وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليه مقدما
فلما استقاد الكف بالكف لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما
ولبعض المحدثين في مثل هذا:
لم أجن ذنبا ولم أرده فإن ... قارفت ذنبا فغير معتمد

(1/35)


قد تطرف الكف عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرشد
وإلى هذا نظر البحتري في قوله يخاطب قوما من طيئ:
إن أرمكم يك من بعضي لكم شعل ... تهوي إليكم ومن بعضي لكم جنن
رددت نفسي على نفسي فقلت لها ... بنو أبيك فما الأحقاد والإحن
وقد رد هذا المعنى في موضع آخر فقال:
لآل حميد مذهب في لم أكن ... لأذهبه فيهم وإن جدعوا أنفي
ولم أرم إلا كان عرض عدوهم ... من الناس قدامي وأعراضم خلفي
وقال لي الأعداء ما أنت صانع ... وليس يراني الله أنحت من حرفي
وإني لئيم إن تركت لأسرتي ... أوابد تبقى في القراطيس والصحف
وهذا المعنى كثير في المحدث والمتقدم، ولو أتينا به لكان كتابا مفردا، ولا بد أن نذكر فيه أشياء في مواضع من هذا الكتاب.
قال عمير بن الأهتم العبدي:
إذ دنونا ودنوا حتى إذا ... أمكن الطعن ومن شاء ضرب
ركدت فينا وفيهم ساعة ... سمهريات وبيض كالشهب
أعرابي:
أأمام إنا ما تزال جيادنا ... رجعا بهن من الجراح ندوب
يحملن كل مجرب يوم الوغى ... شاكي السلاح يحبه المكروب
ذكرت الرواة أنة منصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار، فأولها قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان بن سود ابن عذرة بن منبه ابن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار:
ألم تر أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
فداء خالتي لبني لكيز ... خصوصا يوم كس القوم روق
تلاقينا بسبسب ذي طريف ... وبعضهم على بعض حنيق
فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيل غص به الطريق
كأن النبل بينهم جراد ... تصفقه يمانية خريق
قليل ما ترى فيهم كميا ... كبا لديه إلا فيه فوق
كأن هريرنا لما التقينا ... هرير أباءة فيها حريق
بكل قرارة منا ومنهم ... بنان فتى وجمجمة فليق
فكم من سيد منا ومنهم ... بذي الطرفاء منطقه شهيق
فأشبعنا السباع وأشبعوها ... فراحت كلها تيق تفوق
وأبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يجف لهن موق
يجاوبن النياح بكل فجر ... فقد صحلت من النوح الحلوق
تركنا الأبيض الوضاح منهم ... كأن سواد قلته العذوق
تعاوره رماح بني لكيز ... فخر كأنه سيف دلوق
وقد قتلوا به منا غلاما ... كريما لم تأشبه العروق
وأفلتنا ابن قران جريضا ... يمر به مساعفة مروق
فلما استيقنوا بالصبر منا ... تذكرت الأواصر والحقوق
فأبقينا ولو شئنا تركنا ... لجيما لا يقود ولا يسوق
أما قوله " فداء خالتي لبني لكيز " البيت، فقد قدمنا شيئا من نظائره ومما لم يذكر قول الأعشى البكري:
وإذا ما الأكس شبه بالأر ... وق عند الهيجا وقل البصاق
وقول عنترة:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وقال آخر:
وتقلصت شفتاه عند نزالهم ... فكأنه يوم الوغى متبسم
وأخذه آخر فقال:
حين توخيته بذي شطب ... أبيض كالصبح كشف الحنكا
قابلني مبديا نواجذه ... كأنه ضاحك وما ضحكا
ولمقاس العائذي في هذا المعنى:
لما رآني في مجال ضنك ... والحيل تردى بالأسود المعك
أبدى الثنايا آئسا من تركي ... كأنه يضحك وهو يبكي
وللربيع بن زياد العبسي:
عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدم ... إذا السيوف أخرجت أقصى الفم
ونحن بمشيئة الله وعونه نذكر ما بقي من نظائر هذا المعنى في مواضع نستأنفها من هذا الكتاب.
المنصفة الثانية لعبد الشارق بن عبد العزيز الجهني:

(1/36)


ألا حييت عنا يا ردينا ... نحييها وإن بخلت علينا
ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماننا وقد احتوينا
وأرسلنا أبا عمرو رسولا ... فقال ألا انعموا بالقوم عينا
ودسوا فارسا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا
فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا
تنادوا يال بهثة إذ لقونا ... فقلنا أحسنوا قولا جهينا
سمعنا نبأة عن ظهر غيب ... فجلنا جولة ثم ارعوينا
فلما أن تواقفنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
ولما لم ندع سهما ورمحا ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنة برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسياف ردينا
فمن يرنا يقل سيل أتي ... نكر عليهم وهم علينا
شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وأسرت قينا
وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جوين ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا
وباتوا بالصعيد لهم أحاح ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا
للنصفة الثالثة للعباس بن مرداس السلمي وأولها:
لأسماء ربع أصبح اليوم دارسا ... وأقفر منها رحرحان فراكسا
يقول فيها:
فدعها ولكن هل أتاها مقادنا ... لأعدائنا نزجي الظباء الكوانسا
يقول: نسوق بين أيدينا الظباء والعرب تتشاءم بها.
نشد بتعطاف الملاء رؤوسنا ... على قلص نعلو بهن الأمالسا
سمونا لهم سبعا وعشرين ليلة ... نجوب من الأعراض قفرا بسابسا
فبتنا قعودا في الحديد وأصبحوا ... على الركبات يتقون الدنافسا
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
إذا ما شددنا شدة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح المداعسا
إذا الخيل أجلت عن قتيل نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابسا
وكنت أمام القوم أول ضارب ... وطاعنت إذ كان الطعان تخالسا
وكان شهودي معبد ومخارق ... وبشر وما استشهدت إلا الأكالسا
ومارس زيد ثم أقصد مهره ... وحق له في مثلها أن يمارسا
وقرة يحميهم إذا ما تبددوا ... ويطعننا شزرا فأبرحت فارسا
ولو مات منهم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا
ولكنهم في الفارسي فلا ترى ... من القوم إلا في المضاعف لابسا
فإن يقتلوا منا كريما فإننا ... أبأنا به قتلى تذل المعاطسا
قتلنا به في ملتقى القوم خمسة ... وقاتله زدنا مع الليل سادسا
وكنا إذا ما الحرب شبت نشبها ... ونضرب فيها الأبلج المتقاعسا
وتجاهل في أبيات فيها لم نذكرها.
وقال سعد بن مالك بن ضبيعة:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في الن ... جدات والفرس الوقاح
والنثرة الحصداء وال ... بيض المكلل والرماح
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح
فالهم بيضات الخدو ... ر هناك لا النعم المراح
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
أما قوله: " النعم المراح " فهو الأصل لكل من تبعه، ومنه أخذ أبو تمام قوله:
إن الأسود أسود الغيل همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
وأول من نطق بهذا المعنى عنترة في قوله:
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وقال المنخل اليشكري:
إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري

(1/37)


لا تسألي عن جل ما ... لي واسألي كرمي وخيري
وإذا الرياح تناوحت ... بجوانب البيت الكبير
ألفيتني هش اليدي ... ن بمري قدحي في الجزور
وفوارس كأوار حر ... النار أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهم ... في كل محكمة القتير
واستلئموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير
وعلى الجياد المضمرا ... ت فوارس مثل الصقور
أقررت عيني من أول ... ئك والكواعب كالبدور
يرفلن في المسك الذكي ... وصائك كدم النحير
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وعطفتها فتعطفت ... كتعطف الغصن النضير
يا رب يوم للمنخ ... ل قد لها فيه قصير
فإذا انتشيت فإنني ... رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير
أبو ثمامة العبدي:
أقول لمحرز لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام
فجارك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بيتي لا يرام
يقول: إن جارك مثل لحم الصيد وأنت لا تدفع عنه ولا تمنع منه، وجاري لا يرومه أحد لعزتي وامتناع جانبي.
أبو الطمحان القيني:
وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا فات منهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
معنى هذه الأبيات كثير ونظائره متسعة ونحن نذكر منها ههنا شيئا وندع أشياء لمواضع أخر، فمن ذلك قول طفيل الغنوي:
وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لما تغيبوا
نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب
وأخذه الآخر فقال:
ألست ابن قعقاع تكلله نحل ... وعمك إن عد العمومة صاحب
ومثله قول الخريمي:
بقية أقمار من العز لو خبت ... لظلت معد في الدجى تتكسع
إذا قمر منها تغور أو خبا ... بدا قمر في جانب الأفق يلمع
زياد الأعجم:
إذا مات منهم سيد ودعامة ... بدا في ركاب المجد آخر صالح
السموأل بن عاديا:
إذا مات منهم سيد قام سيد ... قؤول بأقوال الكرام فعول
عبد الصمد بن المعذل:
بنو قتيبة نور الأرض نورهم ... إذا خبا قمر منهم بدا قمر
ابن أبي حفصة:
وأبناء عباس نجوم مضيئة ... إذا غاب نجم لاح آخر زاهر
وأما قوله: " أضاءت لهم أحسابهم " البيت، فكثير أيضا، فمنه قوله:
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
والأصل في هذا المعنى قول امرئ القيس:
يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال
ومثله للنابغة الذبياني:
وتخالها في البيت إن فاجأتها ... قد كان محجوبا سراج الموقد
وأخذه قيس بن الخطيم فقال:
قضى لها الله حين صورها ... بأنها لا يكنها سدف
من ههنا أخذ أبو نواس قوله في صفة الخمر:
لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار
ومن المعنى الذي قدمنا ذكره:
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
ومثله للعباس بن الأحنف:
ومحجوبة بالستر عن كل ناظر ... ولو برزت بالليل ما ضل من يسري
أقول لها والعيس تحدج للنوى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقال آخر:
نمشي على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم الليل للساري

(1/38)


قد ذكرنا في هذا الموضع من نظائر هذا المعنى ما فيه مقنع إلى أن يأتي ما نحتاج أن نذكر منها شيئا آخر إن شاء الله، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
مد ليلا على الكماة فما ... يمشون فيه إلا بضوء السيوف
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء ولا خمر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر
ومثله للنمر بن تولب:
أعاذل أن يصبح صداي بقفرة ... تنكب عنها صاحبي وقريبي
ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وإن الذي أمضيت كان نصيبي
أعرابي:
هلالية أو من نمير بن عامر ... بذي السرح من وادي المياه خيامها
إذا ابتسمت في البيت والبيت مظلم ... أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها
تكشف برق من حبي تلألأت ... به سمحة الإيماض غر غمامها
قد أكثر الشعراء قديما ومحدثا في ذكر الابتسام وتشبيهه بالبرق، وأسهبوا أيضا في صفات الثغور وتشبيهها بالأقحوان والإغريض والبرد واللؤلؤ وغير ذلك، ونحن نذكر هنا من ذلك طرفا وفي غير هذا الموضع أشياء بمشيئة الله وعونه، فمن أحسن ما قيل في الابتسام وأجوده وأملحه قول الشاعر:
أحاذر في الظلماء أن تستشفني ... عيون الغيارى في وميض المضاحك
هذا البيت أجود ما قيل في هذا المعنى، وما نعرف مثله حسن كلام وجودة معنى وإحكام بناء. ومن ذلك قول مسلم:
تبسمن فاستضحكن طامسة الدجى ... عن الأفق والظلماء أوجهها طحل
مثله أيضا لحاتم:
يضيء بها البيت الظليل خصاصه ... إذا هي ليلا حاولت أن تبسما
ومثله:
كأن ابتسام البرق بيني وبينها ... إذا لاح من بعض الحديث ابتسامها
وهذان البيتان، وإن كانا للمتقدمين، فما يقصر بيت مسلم عنهما، بل هو أجود لولا استكراه في لفظه، وأما البيت الثاني الذي قدمناه فما لمسلم ولا لغير مسلم ممن أتينا بشعره أو نأتي، مثله، ولآخر في هذا المعنى:
يستبرق الأفق الغربي ما ابتسمت ... برق السيوف سوى أغمادها القضب
ومثله لجميل:
وتبسم عن لمع البروق منصب ... أغر الذرى يزجي صبيرا منضدا
كشمس تجلت عن فروج غمامة ... وقد وافقت طلقا من النجم أسعدا
وللبحتري:
فيرجع الليل مبيضا إذا ضحكت ... عن أبيض خصر السمطين وضاح
ومثله لذي الرمة:
إذا ما التقين من ثلاث وأربع ... تبسمن إيماض الغمام المكلل
وقال آخر:
إذا ما ابتسمن حسبت البروق ... بدت لك في الليلة المظلمه
قد ذكرنا ههنا طرفا مما ذكر به الابتسام، ونحن نأتي بما بقي في مواضع أخر من كتابنا هذا.
فأما ذكر الثغور فإن الشعراء قد أكثرت في وصفها، ونحن نذكر هنا شيئا من ذلك، قال الشاعر:
ومجدولة جدل العنان خريدة ... لها شعر جعد وجسم منعم
وثغر نقي اللون عذب مذاقه ... تضيء له الظلماء حين تبسم
قال آخر:
وشف عنها خمار القز عن برد ... كالبرق لا كسس فيه ولا ثعل
كأنه أقحوان بات يضربه ... ليل من الدجن سقاط الندى خضل
قد شاب هذان الشاعران شعرهما في صفات الثغور بذكر الابتسام لتقارب المعنيين، ومن جيد ما قيل في صفة الثغر ونادره قول مسلم بن الوليد:
تبسمن عن مثل الأقاحي تبسمت ... له مزنة صيفية فتبسما
وأحسن ما قيل في هذا المعنى للمتقدمين قول بشر بن أبي خازم:
يفلجن الشفاه عن أقحوان ... جلاه غب سارية قطار
ويروى عن الأصمعي أنه قال: أحسن بيت ذكر به الثغر بيت بشر هذا، وأحسن بيت قيل في فترة الجفون بيت ابن الرقاع:
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم

(1/39)


ولعمري أن بيتي ابن الرقاع هذين في نهاية الحسن، ونحن نأتي بالنظائر في تفتير العيون وسقامهن في مواضع أخر. فأما قوله إن بيت بشر أحسن ما قيل في صفة الثغر فالأمر عندنا بخلاف ذلك. والذي عندنا أن بيت مسلم، وإن كان قد أخذ المعنى من بشر، أجود تركيبا وأحسن لفظا وأبلغ معنى. وبعد إن للمحدثين في ذكر الثغور من البدائع ما لم يأت بمثلها المتقدمون وإن كانوا الإمام المتبع، ونحن نذكر ههنا شيئا من قول الجميع ونذكر أول من اخترع المعنى من المتقدمين. وأول من شبه الثغر بالأقحوان أبو دؤاد الإيادي بقوله:
قامت تريك غداة البين منسدلا ... وباردا كأقاحي الرمل براقا
ومنه أخذ سائر الشعراء هذا التشبيه، فممن أخذه النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالأثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
شبه شفتيها واللما الذي فيهما بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الذي في قوادم الجناح، لأنه أشد سوادا من الخوافي، فلذلك خص القوادم بالتشبيه، ويجوز أن يكون إنما عنى أصابعها وشبهها بقادمتي الحمامة وذكر أن أطراف أصابعها مخضوبة وأنه نظر إليها وهي تستاك فشبه أصابعها بقوادم ريش الجناح، وهذان القولان جميعا جائزان، وذكر الأصمعي أنه عنى سواد لحم الأسنان وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة ثم يذرون عليها الكحل لتسود فيكون سوادها مع بياض الأسنان حسنا، وهذا أيضا قول. وقد أخذ جماعة من الشعراء هذا المعنى من النابغة، فأحدهم الأعشى في قوله:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بسواد
ذكر أنها لمياء الشفتين، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع هذا المعنى امرؤ القيس فقال:
منابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال وهو عذب يفيض
السدوس: النيلنج، وهو أيضا الطيلسان الأسود، والسيال: نبت أصوله بيض أمثال الثنايا، فأخذ هذا المعنى الأعشى فقال:
باكرتها الأعراب في سنة النو ... م فتجري جلال شوك السيال
وأخذه أيضا أبو تمام فقال:
كان شوك السيال حسنا فأمسى ... وبه للعناد شوك القتاد
جود أبو تمام هذا البيت والمعنى بذكره شوك السيال في حسنه وشوك القتاد في صعوبته، وأخذ الأحوص معنى النابغة فقال:
تجلو بقادمتي قمرية بردا ... غرا في مجاري ظلمه أشرا
وقال آخر:
تريك ثغرا عذبا مقبله ... لا كسس عابه ولا روق
كأقحوان الكثيب باكره الط ... ل فأضحى يهتز يأتلق
وقال مسلم:
إذا ما اشتهينا الأقحوان تبسمت ... لنا عن ثنايا لا قصار ولا ثعل
بيت مسلم هذا مثل البيتين الذين كتبناهما قبله إلا أنه أحسن منهما لفظا وأجود تركيبا، وقد أخذ طرفة بن العبد معنى النابغة فقال:
وتبسم عن ألمى كأن منورا ... تخلل حر الرمل دعص له ند
وقال أيضا:
وإذا تضحك تبدي حببا ... عن شتيت كأقاحي الرمل حر
بدلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر
روي عن الشعبي أنه كان يسأل جلساءه عن معنى هذا البيت فلا يجيبون، ثم فسره لهم فقال: كان الغلام أو الجارية من غلمان العرب، إذا سقطت سنه، يقف بحذاء الشمس فيحذف بها ثم يقول يخاطب الشمس: أبدليني بها سنا أحسن منها، فهذا معنى قول طرفة بن العبد الذي ذكرنا. وقال ساعدة بن جؤية في ذلك وشب الثغر بالأقحوان:
ومنصب كالأقحوان منطق ... بالظلم مصقول العوارض أشنب
الظلم، مسكن اللام: الماء الذي يشف في الأسنان لمن تأملها. وروى بعضهم أنه سأل الخليل عن الظلم وكان الخليل يأكل رمانا فأخذ حبة من حب الرمان وقال للسائل: هذا الظلم، يريد الماء الذي يشف في حب الرمان، ويقال للثلج أيضا الظلم وأنشد:
أفي شنباء مشربة الثنايا ... بماء الظلم طيبة الرضاب

(1/40)


فهذا البيت شاهد في الثلج أنه يسمى الظلم، والعوارض: ما يبدو من الأسنان عند الضحك، ومنه يقال: فلانة مصقولة العوارض، والشنب: برد الفم ورقة الأسنان، وحد كل شيء غربه وهذا عندنا الصواب.
وقال آخر يشبه الأسنان بالأقحوان:
ويضحك عن غر الثنايا كأنه ... ذرى أقحوان نبته لم تنتل
وقال الأعشى:
وشتيت كالأقحوان جلاه الط ... ل فيه عذوبة واتساق
وقال سعيد بن سمي:
تجري السواك على حو مناصبه ... كأنه أقحوان حين تبتسم
وقال جميل:
بذي أشر كالأقحوان يزينه ... ندى الطل إلا أنه هو أملح
وقد شبه الثغر أيضا بالدر، قال الشاعر:
تبذ بالحسن كل جارية ... كما يبذ الكواكب القمر
كأن درا نظما إذا ابتسمت ... من ثغرها في الحديث ينتثر
ومن جيد ما وصف به الثغر قول الشاعر:
إذا ما اجتلى الرائي إليها بطرفه ... غروب ثناياها أضاء وأظلما
أراد أضاء من الضوء والتألق وأظلم من الظلم وهذا حسن جدا. وقد شبه أيضا الثغر بالإغريض وهو الطلع ويقال البرد، وقال الشاعر:
ليالي تصطاد الرجال بفاحم ... وأبيض كالإغريض لم يتثلم
ويقال الإغريض أيضا للقطر الكبار أول ما تأخذ السحابة في المطر، قال الشاعر وذكر امرأة:
فدانت سماحا واستهلت دموعها ... كإغريض مزن حطمته الجنائب
وممن شبه الثغر بالبرد جرير بقوله:
تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
وقال رؤبة بن العجاج:
تضحك عن أشنب عذب ملثمه ... يكاد شفاف الرياح يرأمه
كالبرق يجلو بردا تبسمه
وقال آخر:
إذا ضحكت لم تبتهر وتبسمت ... عن أشنب لا كس ولا متراكب
كنور النقا أصبحته حين أظهرت ... له الشمس قرنا بعد نوء الهواضب
يزل الندى عنه ومن تحته الثرى ... بأجرع ميث طيب الريق عازب
قد ذكرنا ها هنا قطعة من أشعار المتقدمين، وخلطنا بشيء يسير من أشعار المحدثين، إذ كانت أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين؛ إلا أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين الاتباع، ولو لم يكن للمحدثين في هذا المعنى غير قول أبي تمام والبحتري لكفاهم ذلك تجويدا وإصابة للمعنى وحذقا به. قال أبو تمام في الثغر والابتسام:
وثناياك إنها إغريض ... ولآل توام وبرق وميض
فأتى البحتري شبيها به في قوله:
يضحكن عن برد ونور أقاح
ثم زاد على هذا وعلى قول أبي تمام بقوله:
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح
فأتى في هذا البيت بأكثر ما وصفت به الثغور، وإنما أقصرنا عن أن نأتي بما نعرف للمحدثين في هذا المعنى ها هنا بحالين، إحداهما أنه كثير متسع، والأخرى أنا نحتاج إلى أن نأتي به معنى معنى في مواضع من الكتاب نضطر إليها.
خرج خراش بن أبي خراش الهذلي وعروة بن مرة، فأغارا على ثمالة، فنذر بهما حيان من ثمالة يقال لأحدهما بنو دارم والآخر بنو هلال فأخذوهما فأما بنو هلال فأخذوا عروة بن مرة فقتلوه، وأما بنو دارم فأخذوا خراش بن أبي خراش فأرادوا قتله، فألقى رجل منهم عليه ثوبا وقال: انجه، ففحص كأنه ظبي واتبعه القوم ففاتهم، وأتى أبا خراش فحدثه الخبر وعرفه أن بعضهم ألقى عليه ثوبه، فقال: وهل تعرفه؟ فقال: لا، فقال أبو خراش وذكر ذلك ورثى أخاه:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
فوالله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسي ما مشت على الأرض
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وان جل ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجد محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مهيجا ... أضاع الشباب في الربيلة والخفض
ولكنه قد نازعته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهض

(1/41)


كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبض
لا نعرف للعرب في معنى هذه الأبيات أجود منها، وله فيها أشياء نحن نبينها ونأتي بنظائرها، فمن ذلك قوله: " فوالله لا أنسى قتيلا " البيت، وهذا من إفراط جزعه، ثم تبين أنه سيسلو فقال: " بلى إنها تعفو الكلوم " البيت، يقول: إني وإن حلفت أني لا أنسى هذا القتيل فإن الكلوم تبرأ فضربه مثلا للمصائب التي تنسى، يقول: ينسى قديمها وتوكلوا بحديثها وإن كان القديم جليلا. وقوله: " نوكل بالأدنى " يقول: إنما نحزن على الأقرب فالأقرب، وكلما تقادم الشيء نسيناه، ومثل هذا أو قريب منه قول الآخر:
كلما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
وقال أبو العباس ثعلب: قلت لأبي عبد الله محمد بن الأعرابي: هل تعرف مثل شعر أبي خراش هذا؟ وأنشدته الأبيات، فقال:
آخر ما شيء يغولك وال ... أقدم تنساه وإن هو جل
قد نحدثني الحادثات فلا ... أجزع من شيء ولا أجذل
هذا الشعر من العروض الثانية والضرب الرابع من السريع وبيته:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
وأجود مما اختاره ابن الأعرابي قول الأحوص:
النفس فاستيقنا ليست بمعولة ... شيئا وإن جل إلا ريث تعترف
إن القديم وإن جلت رزيته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف
هذا معنى جيد مسفر وبيت أبي خراش أجود منه، وقال أبو العتاهية في هذا المعنى:
فإذا انقضى هم امرئ فقد انقضى ... إن الهموم أشدهن الأحدث
وقد رد أيضا أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
إنما أنت طول عمرك ما عم ... رت في الساعة التي أنت فيها
وبيت أبي العتاهية هذا في نهاية الجودة وإصابة المعنى، وقد ذكرنا شيئا من نظائر بيت أبي خراش هذا الذي قدمنا ذكره فيما تقدم من الكتاب.
وأما قوله: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " البيت، فهو أول من مدح من لا يعرف وذلك أن خراشا لما غشى ألقى عليه رجل ثوبه فواراه وشغلوا بقتل عروة عنه، فنجا خراش، فقال أبوه: ولم أدر من فعل هذا الفعل ولكن صاحب هذا الثوب قد سل عن ماجد محض، أي فعل هذا الفعل رجل كريم، وإلى هذا المعنى نظر أبو نواس في قوله:
ولم أدر ما هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الرسوم الدوارس
وقول أبي خراش يصف خراشا: " ولم يك مثلوج الفؤاد " البيت والذي بعده، يذكر أنه لم يكن منتفلا مقيما في الدعة والنعمة والأكل والشرب فيكون مهبجا لذلك، ولكنه قد جاذبه الجوع حتى خف لحمه، فإذا نهض نهض بحقيقة ولم يكذب، ثم وصف جودة حضره فقال: " كأنهم يشبثون بطائر " البيتين، لا نعرف في السرعة مثل هذا لأنه شبهه في الخفة بطائر فقال: " خفيف المشاش " ليكون أسرع له، ثم قال: " عظمه غير ذي نحض " أي ليس على عظمه لحم، ثم ذكر أنه يبادر بحث جناحه في البسط والقبض قرب الليل، فما نحسب أحدا ذكر في الكلام المنظوم والمنثور أحدا بالسرعة ولا وصفه بذلك إلا دون هذه الصفة، وكان أبو خراش أحد الفرارين ومن يحضر فلا يلحق، ومما ذكر من شدة حضره وخفته في فرة فرها من الخزاعيين، وكانوا يطلبونه بثأر، فقال:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
تذكرت ما أين المفر وإنني ... بغرز الذي ينجي من الموت معصم
فوالله ما ربداء أو عير عانة ... أقب وما أن تيس رمل مصمم
بأسرع مني إذ عرفت عديهم ... كأني لأولاهم من القرب توأم
أوائل بالشد الذليق وجنتي ... لدى المتن مشبوح الذراعين خلجم
فلولا دراك الشد ظلت حليلتي ... تخير في خطابها وهي أيم
فتسخط أو ترضى مكاني خليفة ... وكان خراش يوم ذاك تيتم
وقال أيضا في مثل هذا المعنى:
لما رأيت بني نفاثة أقبلوا ... يشلون كل مقلص خناب

(1/42)


ونشبت ريح الموت من تلقائهم ... وكرهت وقع مهند قرضاب
أقبلت لا يشتد شدي فادر ... علج أقب مشمر الأقراب
ودفعت ساقا لا أخاف عثارها ... وطرحت عني بالعراء ثيابي
وقد أخذ في شعره الضادي الذي قدمنا ذكره مصراعا بأسره لطرفة بن العبد فقال:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
وقال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقد أتى بهذا المعنى غير أبي خراش فقال:
ورفعت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أرفع من بعض
هذا الكلام حذو كلام طرفة، بل هو منه، وإن كان غير المعنى الذي أتى به خراش وطرفة. ولأبي خراش في الفرار والعدو على الرجلين أشياء كثيرة، قد ذكرنا بعضها وسنذكر منها شيئا آخر، فمن ذلك قوله في فرة فرها يعتذر منها:
لحا الله جدا راضعا لو أفادني ... غداة التقى الرجلان في كف شاهك
فإن تزعمي أني جبنت فإنني ... أفر وأرمي مرة كل ذلك
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا ما خفت بعض المهالك
ومن ههنا أخذ الآخر قوله:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب
وقال تأبط شرا وذكر شدة حضره من أعدائه:
إني إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الحبل أحذاق
نجوت منها نجائي من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الرمل أرواقي
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى بن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... وأم خشف بذي شت وطباق
حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قنيص الشد غيداق
وقال آخر:
فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... غداة الكلاب إذ تجن الدوائر
وأشعارهم في هذا المعنى كثيرة. وفي الاعتذار من الفرار في حال وتحسينه في حال وتقبيحه في أخرى أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا من ذلك شيئا في هذا الموضع وفي غيره من كتابنا ونذكر فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
وقال أبو خراش:
وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر عبدي من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
الحجاج بن عثمان التجيبي من قبيلة تجيب:
ولي صاحب ما خانني مذ حملته ... ولا كان إلا مسعدا لي على الدهر
شبيهي إرهافا وإن كنت فوقه ... بيانا إذا ما قوبل الأمر بالأمر
أنست به من دون أهلي ولو غدا ... ضجيعي في قبري لما هالني قبري
وما خفت مذ يوم ارتديت نجاده ... ظلامة وال أو مبادهة الفقر
أخذه عبيد الله بن طاهر فقال:
وما أخذت كفي بقائك نصله ... فحدثت نفسي بانهزام ولا فر
هذا معنى جيد قد تشارك فيه جماعة الشعراء، فمن أحسنهم قولا مسلم بن الوليد في قوله:
أتتك المطايا تهتدي بمطية ... عليها فتى كالنصل يؤنسه النصل
فلما انبعثن النور خوين تحته ... على أمل يشجى به اليأس والمطل
هذان البيتان من أحسن وصف، والبيت الأول منهما مليح التشبيه طريف المعنى في قوله: " يؤنسه النصل " وأتى بهذا المعنى آخر فجود بقوله:
رب ليل جعلته طيلساني ... مؤنسي صارمي وقلب مجني
ظرف في قوله: " قلبي مجني " ولا نعلم أن أحدا أتى بهذا قبله وجعل ترسه قلبه، وقد أخذه بعض العلويين فقال:
قومي إذا حضروا الوغى ... جعلوا الصدور لها مسالك
اللابسين قلوبهم ... فوق الدروع لدفع ذلك
وإليه نظر بعضهم فقال:
يلقى السيوف بنحره وبصدره ... ويقيم هامته مقام المغفر
وأتى به طاهر بن الحسين فقال:
سيفي رفيقي ومسعدي فرسي ... والكأس خدني وقينتي أنسي

(1/43)


أربعة لا أريد خامسة ... سوى نديم عار من الدنس
ومثله لآخر:
مهري جواد وسيفي صارم ذكر ... والزق خلفي ورزق الله قدامي
إنما أردنا من هذين البيتين أنه جعل سيفه رفيقه، وقال الحمدوني في هذا المعنى فجود:
تستأنس الظلماء منه بمخذم ... مستأنس بالمشرفي المخذم
أخذه أبو تمام فقال:
مستأنسين إلى الحتوف كأنها ... بين الحتوف وبينهم أرحام
وللبحتري مثله:
وما صاحبي إلا الحسام وبزه ... وإلا العلنداة الأمون وكورها
ولقد جود ابن أبي زرعة الدمشقي في هذا المعنى بقوله:
ليس لي صاحب على الهول إلا ... صاحب ما يزال من عن يساري
فإذا ما نسبته فيمان ... وهو في خندف قديم الجوار
أرتضيه للحادثات فيرضا ... ني لإيراده وللإصدار
وذكره آخر فقال:
لي صاحب لا أمل صحبته ... لا يمل الرواء من قبلي
كم من ظلام جعلته قبسي ... فيه وخطب أزاحه جلل
وقال أبو زبيد الطائي:
سأقطع ما بيني وبين ابن عامر ... قطيعة وصل لست أقطع جافيا
فتى يتبع النعمى بنعمى تربها ... ولا يتبع الإخوان بالذم زاريا
إذا كان شكري دون فيض بنانه ... وطاولني جودا فكيف اختياليا
هذا معنى حسن وقد تجاذبه جماعة من الشعراء وولدوا فيه أشياء بقرائحهم نحن نذكر بعضها إلا أن الأصل فيه المخترع له أبو زبيد في الأبيات التي قدمناها، وممن جود فيه أبو نواس بقوله:
قد قلت للعباس معتذرا ... من حمل شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم معذرة ... لاقتك بالتصريح منكشفا
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وأتى بهذا المعنى دعبل بقوله:
فأقسم لا عن جفوة لا ولا قلى ... ولا ملل أبطأت عنك أبا بكر
ولكنني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
فملآن لا آتيك إلا مسلما ... أسلم في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتني برا تزيدت جفوة ... فلا نلتقي حتى القيامة والحشر
وهذه الأبيات دون أبيات أبي نواس، لأن أبيات أبي نواس جيدة الألفاظ صحيحة المعنى، والذي أبدع في هذا المعنى حسن لفظ واستيفاء معنى البحتري بقوله:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبا وبر راح وهو جفاء
وقد رده البحتري أي هذا المعنى في شعر آخر وهو قوله:
إيها أبا الفضل شكري منك في نصب ... أقصر فما لي في جدواك من أرب
لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم به ... شكري ولو كان مسديه إلي أبي
ولئن كان لأبي زبيد فضيلة السبق وجودة الاختراع فإن للبحتري حسن اللفظ واستيفاء المعنى، بل هو أحق بهذا المعنى من كل من أتى به من المتقدمين والمحدثين. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى أيضا قول مسلم ابن الوليد:
ولي صاحب ما زال يصبح رفده ... ويمسي بلا من علي ولا كبر
رأى أن شكري مستقل ببذله ... فرب بعود لا بكي ولا نزر
متى أشكر النعمى وسهل يربها ... سيعجزني لا من جحود ولا كفر
وقد أخذ معنى أبي نواس والبحتري بعض الشعراء فقال:
إذا كنت قد قلدتني لك منة ... وحملت نعمى لا أطيق بها نهضا
فدعني أخفف ثقلها بتشكري ... لعل اضطلاعي بالتشكر أن يقضا
وما غبت عن عينيك مذ غبت عن قلى ... ولا كان إغفالي زيارتكم رفضا
بلى جزت حد البر حتى فضضت عن ... كتاب احتشامي خاتما لم يكن فضا

(1/44)


فإن زدتني برا تزيدت جفوة ... فلا نلتقي ما أمطرت مزنة أرضا
وهذه الأبيات لفظ دعبل برمته وأخذ هذا المعنى وأتى به وزاد فيه قليلا بقوله:
فإن يك أربى شكري على ندى ... أناس لقد أربى نداه على شكري
زيادته في هذا المعنى والبيت أنه ذكر أن شكره قد أربى على ندى أقوام، وإن ندى هذا الممدوح قد أربى على شكره، وقد نظر البحتري أيضا إلى هذا المعنى في مكان آخر فقال:
كلما قلت أعتق المدح رقي ... رجعتني له أياديه عبدا
ولسعيد بن هاشم الخالدي في هذا المعنى قوله:
ووالله ما عارضت جودك ساعة ... بشعري إلا كان اشعر من شعري
كأن عطاياك الجسيمة أقسمت ... بأني لا أنفك مهتضم الشكر
وقد ذكر جماعة من الشعراء أن الشكر يوازي النعمة، فإن زاد شكر على النعمة كان أفضل منها، وإن كان مثلها لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد، وهذه القطعة التي نذكرها من المعاني المخترعة الجياد، وهي قوله:
سبقت بمعروف فصلى ثنائيا ... فلما تمادى جرينا صرت تاليا
أبا حسن قد كنت قدمت نعمة ... وألحقت شكرا ثم أمسكت عانيا
فلا ضير لم يلحقك مني ملامة ... أسأت بنا عودا وأحسنت باديا
فملآن لا يغدو عليك مدائحي ... جوازي نعمى قد نضت أو رواجيا
لعلك يوما أن تسيء بصاحب ... فتذكر إحساني به وبلائيا
ما نعرف في معنى هذه الأبيات مثلها إلا أن عبد الصمد بن المعذل حذا حذوها وتناول معانيها فقال:
برز إحسانك في سبقه ... ثم تلاه شكر لاحق
حتى إذا امتد المدى بيننا ... جاء المصلى وهو السابق
هذا معنى مسلم بعينه، ومعنى هذين الشعرين أنهما أرادا أن هذا المعطي تقدمت عطيته وثنى الشاعر بالشكر، ثم إن الشاعر تابع شكره وقطع المعطي عطيته فصار الشكر ناميا زائدا وصار المعطي المبتدئ متخلفا تاليا. ألا ترى أن مسلما قال: " فلما تمادى جرينا صرت تاليا " أي لما أقمت أنا على الشكر وقطعت أنت النعمة سبقت أنا وصليت أنت، وكذلك أيضا قال ابن المعذل: " حتى إذا امتد المدى بيننا جاء المصلى وهو السابق " والدليل على صحة قولنا إن مسلما قال:
فأقسمت لا أجزيك بالسوء مثله ... كفى بالذي جازيتنا لك جازيا
هذا دليل واضح فمسلم وابن المعذل جعلا الشكر ثمنا للبر، وإذا انقطع عنهما البر قطعا الشكر، وممن فضل البر على الشكر الشاعر بقوله:
بأبي شكري قليل ... وأياديك كثيره
لم يقل فيك لساني ... قط فاستوفى ضميره
وممن فضل الشكر على النعمة الأخطل بقوله:
أبني أمية إن أخذت كثيركم ... دون الأنام فما أخذتم أكثر
أبني أمية لي مدائح فيكم ... تنسون إن طال الزمان وتذكر
ويروى أن ابنة زهير بت أبي سلمى حضرت موضعا فيه ابنة هرم بن سنان، فقيل لها: هذه ابنة زهير، فقالت لها: أخذ أبوك من أبي أموالا جمة، فقالت لها ابنة زهير: أخذ أبي مالا يفنى وأعطى أباك ذكرا يبقى وثناء يروى، فقطعتها، والذي قيل في الشكر أكثر من أن يحويه كتاب أو يدركه إحصاء وإنما ذكرنا في هذا الموضع منه ما روينا وأثبتنا ما عرفناه وتجنينا الكثير المشهور والمستفيض المعروف.
وقال بشامة بن عمرو بن هلال، وهو خال زهير:
هجرت أمامة هجرا طويلا ... وأعقبك النأي عبئا ثقيلا
وحملت منها على بعدها ... خيالا يوافي قليلا قليلا
ونظرة ذي شجن وامق ... إذا ما الركائب جاوزن ميلا
أتتنا لتسائل عن بثنا ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا
فبادرتاها بمستعجل ... من الدمع ينضح خدا أسيلا
وما كان أكثر ما تولت ... من القول إلا صفاحا وقيلا
وقربت للرحل عيرانة ... عذافرة عنتريسا ذمولا
مداخلة الخلق مضبورة ... إذا أخذ الخافقات المقيلا

(1/45)


إذا أقبلت قلت مذعورة ... من الربد تلحق هيقا ذمولا
وأن أدبرت قلت مشحونة ... أطاع لها الريح فلغا جفولا
كأن يديها إذا أرقلت ... وقد جرت ثم اهتدينا للسبيلا
يدا عائم خر في غمرة ... فداركه الموت إلا قليلا
وحبرت قومي ولم ألقهم ... أجدوا على ذي شويس جلولا
وإما هلكت ولم آتهم ... فأبلغ أمائل سهم رسولا
بأن قومكم خيروا خصلتي ... ن كلتاهما جعلوها عدولا
فخزي الحياة وخزي الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإلا يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا
ولا تقعدوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا
وحشوا الحروب إذا أوقدت ... رماحا طوالا وخيلا فحولا
ومن نسج داؤد موضونة ... ترى للقواضيب فيها صليلا
أما قوله في سير الناقة: " كأن يديها إذا أرقلت " البيت، وقوله: " يدا عائم " البيت فمعنى جيد نادر، وقد أكثرت الشعراء في سرعة السير ونحن نذكر مما قالوا ههنا طرفا إن شاء الله، فمن ذلك قول الشاعر:
كأن يديها إذا أرقلت ... وصام النهار يدا ملتدم
ومن جيد ما قيل في سرعة أيدي الإبل ما يروى لبعض شعراء الموصل:
كأنما طي الطريق الأطول ... ما بين أيديها وبين الأرجل
طي كتاب في يدي مستعجل
وقال رؤبة:
كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتناهبن الورق
وقال المثقب العبدي:
كأنما رجع يديها إلى ... حيزومها فوق حصى الجدجد
نوح ابنة الجون على هالك ... تندبه رافعة المجلد
وقال الآخر:
كأن يديها حين يقلق ظفرها ... يدا نصف غيرى تعذر من جرم
ومثل هذا البيت قول الآخر:
كأن يديها إذا أرقلت ... يدا ذات ضغن تريغ السباما
وقال جرير:
كأن العرمس الوجناء منها ... عجول خرمت عنها صدارا
ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول ابن أحمر:
إذا بركت خوت على ثفناتها ... مجافية صلبا كقنطرة الجسر
كأن يديها حين جد نجاؤها ... طريدان والرجلان طالبتا وتر
ولا نعرف في سرعة المشي أجود من هذين البيتين، وقال آخر:
كأن يديها يدا ماتح ... مدل إلى يوم ورد ورودا
يخاف العقاب وفي نفسه ... إذا هو أصدر ألا يعودا
وقال آخر:
كأن ذراعيها ذراعا بذية ... مفجعة لاقت حلائل عن عفر
سمعن لها واستفرغت في حديثها ... فلا شيء يفري باليدين كما تفري
ومثله:
كأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد السباب حاولت أن تعذرا
وقال آخر:
كأن ذراعيها وقد خبطت به ... وجوه الدجى والبيد كفا ملاطم
وقال آخر:
عفرناة كأن سدى يديها ... إذا شنقت وأوجعها القفار
يدا نواحة ثكلت أباها ... تشقق عن ترائبها الصدار
آخر:
كأن أيديهن في الموماة ... أيدي عذارى بين معولات
ومثل هذا البيت الأخير:
كأن يديها حين جد نجاؤها ... يدا معول خرقاء تسعد مأتما
ترائي الذين حولها وهي ليها ... رخي ولا تبكي بشجو فتيلما
يقول في هاتين القطعتين إن هذه الباكية غير حزينة ولكنها ترائي من هبل، وهو اشد لتحريك يديها لتشكر على ذلك وإن كان قلبها خليا من توجع المصيبة، وشبيه بهذا المعنى الذي تكلمنا عليه، لا الأول، قول بعض شعراء العرب يذكر النوائح، وإن بكاءهن ولطمهن الصدور والخدود مراءاة لا لفجيعة، وهو:
وهيج وجد الناعجات عشية ... نوائح أمثال النعام النوافر
بكى الشجو ما دون اللهى من حلوقها ... ولم يبك شجوا ما وراء الحناجر
وما يعرف في ذكر النوائح أحسن من هذا ولا أبدع إصابة معنى وجودة لفظ، ومن المعنى الأول في سرعة السير قول الشاعر:

(1/46)


قطعت قيعانها بقلقله ... تلعب في البيد بالحصى يدها
وقال أبو نواس:
ما رجلها قفا يدها ... رجل وليد يلهو بدبوق
وقال آخر:
خوص نواج إذا صاح الحداة بها ... رأيت أرجلها قدام أيديها
وهذا البيت من الإغراق المتفاوت، وهو من أحسن ما نعرف في هذا الباب، وقد ذكرنا من هذا المعنى شيئا وبقيت أشياء تأتي إن شاء الله.
حاول الشعراء أن يأتوا بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في البراق وهو يضع حافره منتهى بصره، فما بلغوه.
قال الشنفرى من قصيدة:
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة من تطول ... عليهم وكان الأفضل المتطول
وأستف ترب الأرض كي لا يرى له ... علي من الفضل امرؤ متفضل
ولولا اتقاء الذل لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا حرة لا تقيم بي ... على الخسف إلا ريثما أتحول
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متعزل
وهذه القصيدة كثيرة المحاسن، وقد قدمنا ذكر شيء منها في صدر كتابنا هذا، ونحن نذكر منها بعد هذا الاختيار أشياء أخر في مواضعها.
أما قوله: " ولكن نفسا حرة " البيت، " وفي الأرض منأى " البيت، فهو معنى قد أكثرت الشعراء فيه، ونحن نذكر منه شيئا، والأصل في هذا امرؤ القيس بقوله:
وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... إذ لا أقيم بغير دار مقام
فأخذه لبيد فقال:
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
نزال أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها
وقال جرير:
وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري احتماليا
وقال أوس بن حجر:
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحولا
وقال:
احذر محل السوء لا تحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتحول
ويروى أن هبنقة القيسي، الذي يحمق، سمع منشدا ينشد هذا البيت، فقال: أخطأ القائل، قيل له: ولم؟ قال: لأن أهل السجون قد نبا بهم منزلهم ولا يقدرون على التحول، ولكن الصواب أن يقول:
إذا كنت في دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحول
وقد أتى الراعي بهذا المعنى فقال:
لا خير في طول الإقامة لفتى ... إلا إذا ما لم يجد متحولا
وقال آخر:
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدا ... ر وإن كنت نازعا طربا
وأي أرض نبت بي الدار عجل ... ت إلى غير أهلها الهربا
قال آخر:
ودار هوان أنفت المقام ... بها فحللت محلا كريما
وقال مسكين الدارمي:
أقيم بدار الحي ما لم أهن بها ... وإن خفت من دار هوانا تركتها
آخر:
وكنت إذا دار نبت بي تركتها ... لغيري ولم أقعد على شر مقعد
آخر
فإن تنصفونا يال مروان نقترب ... إليكم وإلا فأذنوا ببعاد
فإن لنا عنكم مراحا ومرحلا ... بعيس إلى ريح الفلاة صوادي
وفي الأرض عن دار القلى متحول ... وكل بلاد أوطئت كبلادي
وقال عبد الله بن الحسن:
فإن بنت عني أو ترد لي إهانة ... أجد عنك في الأرض العريضة مذهبا
فلا تحسبن الأرض بابا سددته ... علي ولا المصرين أما ولا أبا
آخر:
لا خير في بلد يضام نزيله ... وعن الهوان مذاهب ومنادح
آخر:
فإن بلدة أعيا علي طلابها ... صرفت لأخرى رحلتي وركابي
آخر:
فإذا الديار تنكرت عن أهلها ... فدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك حتما واجبا ... في منزل يدع العزيز ذليلا
وقال أبو تمام الطائي:
فإن صريح الرأي والحزم لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا
وقال سعيد بن هاشم الخالدي:

(1/47)


غيري أقام بدار مضيعة ... ولسانه عضب ومنصله
وقال آخر:
إذا ما الرقتان تجافياني ... فما الدنيا علي الرقتان
سينصفني صديق من صديق ... ويحملني مكان عن مكان
آخر:
وقد عجنت مني الخطوب ابن حرة ... متى ما مرته منزل السوء يرحل
هذا الباب متسع، وقد ذكرنا منه ها هنا قطعة صالحة إلى أن نحتاج إلى ذكر شيء منه بعد هذا الموضع فنذكره.
قال العوام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى:
وخبرت ليلى بالعراق مريضة ... فأقبلت من مصر إليها أعودها
هذا البيت تناحر الشعراء فيه:
فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... ملاحة عيني أم يحيى وجيدها
وهل أخلقت أثوابها بعد جدة ... ألا حبذا خلقانها وجديدها
خليلي قوما بالعمامة واعصبا ... على كبد لم يبق إلا عميدها
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا ... إذا لم يكن صلبا على البري عودها
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمت ... ولكن شوقا كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت آياتها وعهودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يزيدها
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما قضت أحدوثة لو تعيدها
خليلي إني اليوم شاك إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها
حزازات شوق في الفؤاد وعبرة ... أظل بأطراف البنان أذودها
وتحت مجال الدمع حر بلابل ... من الشوق لا يدعى لخطب وليدها
نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر أنعام البلاد وسودها
إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدودا كأن النفس ليس تريدها
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
رفعت عن الدنيا المنى غير وجهها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدها
هذه الأبيات من جيد غزل الأعراب ونادره، وفيها أشياء لها نظائر نحن نذكر بعضها، فمن ذلك قوله: " وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي " البيت، وقوله " فقد جعلت في حبة القلب والحشا " البيت، وهذا المعنى جيد، يقول: كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا تطاولت الأيام، فلما اشتدت وتطاولت زادت صبابتي، وشبيه بهذا قول الشاعر وهو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة ... ترد علينا بالعشي المراميا
فشاب بنو ليلى وشاب بنو ابنها ... وهذي بقايا حب ليلى كما هيا
وقال آخر مثله:
فشاب بنو ليلى لصلبي وأدركوا ... وشاب بنوهم وهي مالكة قلبي
فأما قوله: " وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها " البيت، فقد أخذه أبو نواس فقال:
قالت لقد أبعد المسرى فقلت لها ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
ومثله قول الآخر:
وإذا أتيتك زائرا متشوقا ... قصر الطريق وطال عند رجوعي
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلت لزهراء الأعرابية: كم بيننا وبين منزلك؟ فقالت:
أما على كسلان وان فنازح ... وأما على ذي حاجة فقريب
وأما قوله " من الخفرات البيض " البيت، فأحسن ما قيل في معناه، وقد تركنا نظائر كثيرة له في صدر هذا الكتاب ونحن نذكر ههنا شيئا مما لم نذكره هناك، فمن ذلك قول الشاعر:
كأنما عسل رجعان منطقها ... لو أن رجع كلام يشبه العسلا
آخر:
وإنا ليجري بيننا حين نلتقي ... حديث له وشي كوشي المطارف
حديث كوقع القطر في المحل يشتفي ... به من جوى في داخل القلب شاغف
بشار:
ولها مضحك كغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
ذو الرمة:

(1/48)


ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النخل ممزوجا بماء الوقائع
آخر:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رقيق الحواشي لا هراء ولا نزر
وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:
وحديث بمثله تنزل العص ... م رخيم يشوب ذلك حلم
النابغة:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
كثير عزة:
وأدنيتني حتى إذا ما استبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تباعدت عني حين لا لي ملجأ ... وخليت ما خليت بين الجوانح
آخر:
ظللنا بيوم عند أم محلم ... نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا
إذا صمتت عنا أذنا بصمتها ... وإن نطقت هاجت لألبابنا سكرا
آخر:
وترى لها دلا إذا نطقت ... تركت بنات فؤاده صعرا
كتساقط الرطب الجني من ال ... أفناء لا نثرا ولا نزرا
ولأعرابي:
يا رب عيش بالشباك رغد ... من تمر برني وزبد جعد
وفتيات صادقات الوعد ... حديثهن مثل طعم الشهد
أبو حية النميري:
حديث إذا لم نخش عينا كأنه ... إذا ساقطته الشهد بل هو أطيب
لو انك تستشفي به بعد سكرة ... من الموت كادت سكرة الموت تذهب
وقال الأخطل:
وقد تكون بها سلمى تحدثني ... تساقط الحلي حاجاتي وأسراري
جران العود:
حديثا لو أن اللحم يولى ببعضه ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج
أبو حية النميري:
إذا هن ساقطن الحديث كأنه ... سقاط حصى المرجان من كف ناظم
وشبيه بقول الأعرابي:
نظرت إليها نظرة ما يسرني ... وإن كنت مسكينا بها ألف درهم
وهذا الأعرابي على ضعفه ومسكنته كانت نظرته إلى من يحب أكثر عنده من ألف درهم.
وقال كعب بن زهير:
لأي زمان يخبأ المرء نفعه ... غدا فغدا والدهر غاد ورائح
إذا المرء لم ينفعك حيا فنفعه ... قليل إذا رصت عليه الصفائح
الأصل في هذا المعنى قول الحطيئة:
لا أحسبنك بعد الموت تنفعني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
ومن أمثالهم في هذا قولهم: لأي يوم يخبأ المرء السعة، ومثل هذا قول الشاعر:
إني أريدك للدنيا وزينتها ... ولا أريدك يوم الدين للدين
آخر:
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
آخر:
إذا فاتني نفعه في الحياة ... فلست أؤمله في المعاد
آخر:
إذا فات في الدنيا الذي بك أرتجي ... فنفعك عني في المعاد قليل
آخر:
وإذا لم يرج للدنيا فتى ... فبعيد أن يرجى للمعاد
آخر:
إذا كان في الدنيا رجاءك شاسعا ... ففي الحشر يغدو وهو أنأى وأشسع
أعرابي:
ولست كمن لم يركب الهول بغتة ... وليس لرحل حطه الله حامل
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال ابن مقبل:
يهززن للمشي أعطافا منعمة ... هز الرياح ضحى أغصان يبرينا
يمشين مثل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا
هذا من جيد ما قيل في المشي وقد ذكرنا قطعة من هذا النوع فيما تقدم، ونحن نذكر ههنا أشياء أخر لم نذكرها قبل هذا الوقت، بل نذكر أمورا شتى من أمور مشي النساء والرجال على ضروب مختلفة مثل مشي السكران وغيره، إذ كان قصدنا أن نعدد في هذا الكتاب قطعة في كل نوع من أنواع الشعر. فمن أحسن ما نعرف، وهو أحق بالتقديم لجودة ألفاظه ورقة معانيه وإحكام بنيته، أبيات لمسلم بن الوليد يذكر فيها مشي امرأة، ولا نعرف في هذا المعنى أحسن من هذه الأبيات، وهي:
مريضة أثناء التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا
تسيب انسياب الأيم أخصره الندى ... فرفع من أعطافه ما ترفعا

(1/49)


تأملتها مغبرة وكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا
إذا ما ملأت العين منها ملأتها ... من الدمع حتى تنزف الدمع أجمعا
لولا أنا شرطنا ألا نقدم في هذا الكتاب إلا أشعار المتقدمين ثم نأتي بعد ذلك بالنظائر للمحدثين والمتقدمين، لكان سبيلنا أن نجعل هذه الأبيات الإمام في هذا المعنى لجودة ألفاظها وصحة معانيها وأنها واسطة القلادة في هذا المعنى والمعاني في صفة المشي كثيرة التصرف، فمن الشعراء من شبه المشي بتحريك الأغصان، ومنهم من ذكر ذلك بانسياب الحية، ومنهم من وصفه بمرور السحاب، إلى أشياء من التشبيهات كثيرة، ونحن نذكر من كل هذه الصفات والتشبيهات ما يعن لنا بحول الله وقوته.
العرجي:
يمشي كما حركت ريح يمانية ... غصنا من البان رطبا طله الرهم
وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبه ... مرور غيث من الوسمي صحاح
وقال ذو الرمة:
مشين كما اهتزت رماح فسفهت ... أعاليها مرضى الرياح النواعم
آخر:
تأودن لما أن تهادين نحونا ... كما حركت ريح العشيات خروعا
آخر:
يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... قب البطون رواجح الأكفال
وأول من شبه مشي المرأة بمشي السكران امرؤ القيس بقوله:
وإذ هي تمشي كمشي النزي ... ف يصرعه بالكثيب البهر
وشبهه المنخل اليشكري بمشي القطاة فقال:
ودفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وقال ابن ميادة:
إذا الطوال سدون المشي في خطل ... قامت تزيك قواما غير ذي أود
تمشي ككدرية في الجوف واردة ... تهدي سروب قطا يسرين للثمد
آخر وهو جران العود:
فلما رأين الصبح بادرن ضوءه ... رسيم قطا البطحاء أو هن أقطف
آخر:
وكأنهن إذا أردن خطا ... يقلعن أرجلهن من وحل
البحتري:
لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود
آخر:
وبيض تطلى بالعبير كأنما ... يطأن ولو أعنقن في جدد وحلا
هذا بيت جيد في هذا المعنى، لأنه لم يرض أن يجعلها تمشي في الجدد، وهو السهل المستوي من الأرض، حتى قال: كأنها تطأ الوحل وإن هي أسرعت في مشيها.
آخر:
خرجت تأطر في الثياب كأنها ... أيم يسيب على كثيب أهيل
وصفها بالتثني والمتثنية لا تكون إلا بطيئة المشي، والتأطر: التثني، يقال أطرت الغصن: أي ثنيته، قال كثير:
تأطرن حتى قلت لسن بوارحا ... وذبن كما ذاب السديف المسرهد
آخر:
يزجين بكرا ينهج الريط مشيها ... كما مار ثعبان الغضا المتدافع
فأما أول من شبه المشي بمشي السكران للتثني والانعطاف فامرؤ القيس في قوله:
وإذ هي تمشي كمشي النزي ... ف يصرعه بالكثيب البهر
أخذه مضرس الفقعسي فقال:
تساكر سلمى من سجية مشيها ... وما سكر سلمى من طلاء ولا خمر
وقال الشماخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافي الخيل في الأمعز الوجي
أخذه جرير فقال:
إذا ما مشت لم تبتهر وتأودت ... كما انآد من خيل وج غير منعل
وشبه عبد بني الحسحاس مشي النساء بتدافع السيل فقال:
تهادى سيل جاء من رأس تلعة ... إذا ما علا صمدا تفرع واديا
أخذه حميد بن ثور فقال:
فجاءت تهادى مشية مرجحنة ... تهادي سيل قد مضى وتصرما
وقال مسلم في صفة مشي السكران:
دارت عليه فزادت في شمائله ... لين القضيب ولحظ الشادن الفرد
مشته لما تمشت في مفاصله ... لعب الرياح بغصن البانة الخضد
أخذه خالد الكاتب فقال:
وولى وفعل السكر في حركاته ... كفعل نسيم الريح في الغصن الغض
فأما وصف مشية السكران على غير هذا المذهب فمثل قول الشاعر:
اسقني بالكبير يا سعد حتى ... أحسب الناس كلهم لي عبيدا
وأراني إذا مشيت كأني ... أعدل الأرض خشية أن تميدا

(1/50)


أخذه الآخر فقال:
وما زلت أشرب حتى اعتمدت ... على الأرض أعدلها أن تميلا
ومن جيد ما قيل في هذا المعنى قول الآخر:
سقاني هذيل من شراب كأنه ... دم الجوف يستدعي الحليم إلى الحبل
فما زلت أسقى شربة بعد شربة ... لعمرك حتى رحت متهم العقل
خرجت أجوب الأرض أركل متنها ... إذا هي مالت بي فيعدلها ركلي
يقدمني طورا أمامي قاصدا ... ويركض مشي القهقرى مرة رجلي
ترى عيني الحيطان حولي كأنها ... تدور ولو كلمتني قلت ذو خبل
فلا العين تهديني وبالرجل ما بها ... فلأيا بلأي ما بلغت إلى أهلي
آخر:
وذي غيد لم يدر ما الخمر قبلها ... سقيناه حتى صار قيدا له السكر
قد ذكرنا شيئا من ضروب المشي، وإنما ذكرنا من كل شيء ليسيرا كما شرطنا، ولو أردنا أن نأتي بما قيل في جميع الفنون بأسره لطال ذلك واتسع ولكان في شعر البحتري وحده ما يقع في كتاب مفرد، ولا بد بعد هذا أن نذكر منه شيئا آخر إن شاء الله.
العرندس بن وثاق اليربوعي وذكر منهزما:
فأولى على عمرو بن بدر فإنه ... يطوع في عال من الركض زائد
مضى يحمد الشقراء لما تمطرت ... به تحت جؤشوش من الليل وافد
إذا ما رأى لمع السيوف بدا له ... طريق نجاء للفرار مساعد
لئن جرعت منه القنا دون ريها ... لما هو عن رب القنا بمباعد
هذه أبيات جياد في صفة هارب. وأما قوله: " لئن جرعت منه القنا " البيت، فذكر أنه قد طعن طعنات لم تأت على نفسه لهربه، ثم هدده فقال: وما هو عن ربها ببعيد، وقد أخذ هذا المعنى منه مسلم بن الوليد فقال:
ولى وقد جرعت منه القنا جرعا ... حي المخافة ميتا غير موءود
والبيت الأول أجود من بيت مسلم هذا، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام فأتى به في غاية الجودة والصحة، وهو قوله:
من مشرق دمه في وجهه بطل ... أو ذاهل دمه للرعب قد نزفا
فذاك قد سقيت منه القنا جرعا ... وذاك قد سقيت منه القنا نطفا
بيت أبي تمام هذا، وإن كان أخذه ممن ذكرنا، فهو جيد التقسيم مطرد الصدر، والعجز مليح اللفظ، ونذكر ها هنا أشياء من ذكر المنهزمين، ولا نستغرق الكل في هذا الموضع إذ كنا نحتاج إلى بث ذلك في مواضع من الكتاب، وقال أبو تمام وذكر منهزما:
موكلا بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الروع لا من خفة الطرب
ومن الجيد النادر في صفة منهزم قول البحتري:
تحير في أمريه ثم تحببت ... إليه الحياة ماؤها غلل سكب
تكره طعم الموت والسيف آخذ ... مخنق ليث الحرب حاصله كلب
ولو كان حر النفس والعيش مدبر ... لمات وطعم الموت في فمه عذب
ولو لم يحاجز لؤلؤ بفراره ... لكان لصدر الرمح في لؤلؤ ثقب
تخطأ عرض الأرض راكب وجهه ... ليمنع منه البعد ما يبذل القرب
يحب البلاد وهي شرق لشخصه ... ويذعر منها وهي من فوقه غرب
إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوه ... وكان الصديق غدوة ذلك السهب
يقول: كل شيء يقطعه من الأرض فهو من قبل أن يجتازه مثل الصديق له، فإذا جازه صار عدوا لما يخاف من الطلب. وما نعرف مثل هذه الأبيات في المنهزمين إلا له في مواضع أخر، ثم نذكر بعضها ههنا وبعضها بعد وقت آخر، وقال يصف منهزما:
لما تضايق بالزحفين قطرهما ... فضارب بغرار الصيف أو واجي
قالت له النفس لا تألوه ما نصحت ... والخيل تخلط من نقع وأرهاج
إن المقيم قتيل لا رجوع له ... إلى الحياة وإن الهارب الناجي
فمر يهوي هوي الريح يسعده ... جو يشط وليل مظلم داجي
إن لا تنله العوالي وهو منجذب ... فقد كوت صلويه كي إنضاج
وله أيضا في مثله يصف منهزما في البحر:
مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يولي الصنيعة يشكر
إذا الموج لم يبلغه إدراك عينه ... ثنى في انحدار الموج لحظة أخزر
وله أيضا:

(1/51)


ومضى ابن عمرو قد أساء بعمره ... ظنا ينزق مهره تنزيقا
فاجتاز دجلة خائضا وكأنها ... قعب على باب الكحيل أريقا
لو خاضها عمليق أو عوج إذن ... ما خوضت عوجا ولا عمليقا
لولا اضطراب الخوف في أحشائه ... رسب العباب به فبات غريقا
خاض الحتوف إلى الحتوف معانقا ... زجلا كقهر المنجنيق عتيقا
يجتاب حرة سهلها وجبالها ... والطير هان مراره ودقوقا
لو نفسته الخيل لفتة ناظر ... ملأ البلاد زلازلا وفتوقا
وله أيضا:
أشلى على منويل أطراف القنا ... فنجا عتيق طمرة جرداء
لو أنه أبطى لهن هنيهة ... لصدرن عنه وهن غير ظماء
فلئن تبقاه القضاء لوقته ... فلقد عممت جنوده بفناء
أثكلته أشياعه وتركته ... للموت مرتقبا صباح مساء
حتى لو ارتشف الحديد أذابه ... بالوقد من أنفاسه الصعداء
وله أيضا:
كما انهزم المغرور من مرج دابق ... وخيلك في جنبي قويق تحاوله
تأوب من حموص أبواب بالس ... مسيرا لفرط الذعر تطوي مراحله
تقوس من حد الأسنة ظهره ... وقد سل منها منكباه وكاهله
يخيط عليه كاثب النقع مرعيا ... لكي تتغطى في العجاج مقاتله
إذا مر بالصحراء جانب قصدها ... يرى أنها أرسال خيل تقاتله
أتى سادرا بالبغي مستفتحا به ... وحاول نصر الله والله خاذله
وله:
بهتته أهوال الوغى فلو أنه ... عين لشدة رعبه لم تطرف
وله:
ولم ينج ابن جستان بشيء ... سوى الأقدار عاقبت المنونا
يلاوذ والأسنة تدريه ... شمالا حيث وجه أو يمينا
يصد عن الفوارس صد قال ... يرى العشرات يحسبها مئينا
لم نذكر من هذا المعنى في هذا الموضع أكثر مما ذكرناه للبحتري، ولم نترك أن نذكر لمسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي تمام، وابن الرومي وغيرهم من المجودين، إلا ليقع في مواضع أخر. ولا بد أن نشوب ما ذكر المحدثون في هذا المعنى والفن بشيء من أشعار المتقدمين، وإن كان ليس في هذا المعنى ما يكثر ويتسع، وقد ذكرنا فيما تقدم من ذلك أشياء، ونحن نذكر غيرها بعد هذا الموضع إن شاء الله.
أعرابي:
ونضو على نضو تجشم شقة ... إليك بعيد سهلها من جبالها
يشق على مر الرياح اعتسافها ... ويبعد قطراها علي من آلها
وتغدو بها الوجناء بعد مراحها ... وقد قيدت أرساغها بكلالها
فإن تفعلي فعل المحب فهين ... علينا سراها وامتداد ارتحالها
وإن كان ذاك البخل منك فعندنا ... لها دمع عين وكلت بانهمالها
أما قوله " بعيد سهلها من جبالها " فإنه ذكر برية بعيدة الأقطار مستوية، وإذا كانت البرية مستوية بغير جبال كان أبعد لها، فذكر أن سهلها بعيد من جبالها لاستوائها وبعد أطرافها.
وقوله " ونضو على نضو تجشم شقة " فهو معنى مليح جيد، وهو كثير في أشعارهم، فمن ذلك قول العباس بن الأحنف:
إنا من الدرب أقبلنا نؤمكم ... أنضاء شوق على أنضاء أسفار
آخر:
رأت نضو أشجان أمية شاحبا ... على نضو أسفار فجن جنونها
آخر:
باتت تشوقني برجع حنينها ... وأزيدها شوقا برجع حنيني
نضوان مغتربان عند تهامة ... طويا الضلوع على جوى مكنون
وقال أبو الشيص:
أكل الوجيف لحومهم ولحومها ... فأتوك أنقاضا على أنقاض
ومثل هذا قول أبي تمام:
فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصارت لها أشباحهم كالغوارب
آخر:
حتى انتضاه الصبح من ليل خضر ... مثل انتضاء النصل والسيف الذكر
نضو هوى بال على نضو سفر
والأصل في هذا المعنى على قول بعضهم قول امرئ القيس:
ألا إنني بال على جمل بال ... يسوق بنا بال ويتبعنا بال

(1/52)


يجوز أن يكون أراد في هذا البيت أنه وجمله وقائده وسائقه بالون على ما قدمنا من هذا المعنى. ويجوز أنه أراد أنه خبر بالموضع الذي يقصده وكذلك جمله وقائده وسائقه من بلوت الشيء أي خبرته. فإن قال قائل: ما لذكر القائد ههنا معنى، إذ كان الرجال لا يقاد بهم وإنما يقاد بالنساء، ولم يذكر أيضا أنه بال من السقم وقائده صحيح، بل هما باليان، قلنا: إن من شأن الملوك إذا قصدوا وجها وأرادوا سفرا وكانوا على نجائبهم أن يقاد بهم، وكان امرؤ القيس ملكا فلذلك ذكر القائد.
فأما قوله " وتغدو بها الوجناء بعد مراحها " البيت، فكثير أيضا في أشعارهم فمن ذلك قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيد ... وفي طول الكلال لها قيود
مثله قول نصيب:
أضر بها التهجير حتى كأنها ... بقايا سلال لم يدعها سلالها
ومثله قول الآخر:
كانت تقيد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا
وقال آخر:
قيدها الجهد ولم تقيد
وقال آخر:
إذا اطرحوا عنها الرحائل لم تزل ... كلالا وقد كانت تنافر بالعقل
وقال آخر:
وقيدها التهجير في كل سبسب ... بعيد المدى قطراه منتزحان
وقال آخر:
وما زال طول السير حتى لقد غدت ... ركائبنا حسرى بغير قيود
وقال آخر:
تشكى إلي الأرحبية ما بها ... وما بي مما بالنجيبة أكثر
غدوت طليحا وهي مثلي لقطعها ... فدافد أشباها تروح وتبكر
آخر:
وقيدها بعد ذاك المراح ... بكور تواصله بالرواح
وقال مخلد يصف ناقة حج عليها:
غدت بالقادسية وهي ترنو ... إلي بعين شيطان رجيم
فما وافت بنا عسفان حتى ... رنت بلحاظ لقمان الحكيم
وقال مروان بن أبي حفصة في مثل هذا:
فما بلغت حتى حماها كلالها ... إذا عريت أصلابها أن تقيدا
والأصل في هذا كله قول عباد بن أنف الكلب الصيداوي وهو:
فتمسي لا أقيدها بحبل ... بها طول الضرارة والكلال
أعرابي يخاطب ناقته:
فلله إن بلغت رحلي أهلها ... بهضب الصفا أن تطلقي من حبالك
وأن لا تخطي سبسبا بعد سبسب ... وأن لا تثنى ليلة في عقالك
والأصل في هذا قول الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي، وإن كان هذا الشاعر قد قلبه:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
هذا دعا عليها والأول نذر ألا يتعبها بسير ولا غيره. ولغيره من الشعراء في هذين المعنيين أشياء نذكر بعضها، فمن ذلك قول ذي الرمة في معنى شعر الشماخ يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
فأما من قلب هذا المعنى بالدعاء لها أو بالنذر أنها لا تتعب وجوده فأبو نواس بقوله:
أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين
فلم أجعلك للغربان نهبا ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين
ورد أيضا هذا المعنى في موضع آخر من شعره فقال:
فإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرحال حرام
ومن القديم الجيد في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري رحمه الله وقد وجهه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا بعد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رحمة الله عليهما على الجيش الذي أنفذه إلى غزوة مؤتة، وهو:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسافة أربع بعد الحساء
فدونك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
ومن القديم قول الفرزدق يخاطب ناقته:
علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي
وقد أخذه أبو تمام فقال:
ولست شماخا الذي ليم في ... سوء مكافاته ومجترمه
أشرقها في دم الوتين لقد ... ضل كريم الأخلاق عن شيمه
وذاك حكم قضى عليه به ... أحيحة بن الجلاح في أطمه

(1/53)


أراد بهذا القول أن الشماخ لما أنشد عرابة شعره وانتهى إلى قوله: " إذا بلغتني " البيت، قال له أحيحة: بئس ما كافأتها به، شماخ، ومعنى قول الفرزدق وغيره " متى تردي الرصافة " البيت، يريد أنا إذا وصلنا إلى هذا الممدوح أغنانا أن نطلب المعاش ونرحل في التماس الرزق بما يسدي إلينا ويهب لنا. وقد روى أهل السير أن امرأة من الأنصار كانت مأسورة بمكة، وأنها هربت من أيدي المشركين فنجت على ناقة من إبل الصدقة، فلما صارت إلى المدينة قالت: يا رسول الله! إني قد نذرت أني إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بئسما جازيتها، وقال: لا نذر في معصية. وقال آخر في هذا المعنى:
إذا بلغتنا الناجيات إليكم ... فقد أمنت من حلة ورحيل
آخر:
لا نالها الحل ولا الترحال ... إن بلغتني من له الأفضال
آخر:
إذا بلغت أرض الحبيبة ناقتي ... فقد أمنت من كل ما تحذر البزل
وقال ابن قيس الرقيات في حمزة بن عبد الله بن الزبير:
سأعفي ناقتي من كل شيء ... تخاف إذا أتت آل الزبير
قد ذكرنا من هذا الفن ههنا شيئا وبقي منه أشياء أخر لمواضع أخر من الكتاب إن شاء الله.
أعرابي:
وقافية غير معمورة ... قرضت من الشعر أمثالها
شرود تجول في الخافقين ... إذا أنشدت قيل من قالها
القول يتسع في وصف الشعراء لأشعارهم إذا أنشدت، إلا أننا نثبت منه ها هنا فنا واحدا ونترك فيه فنونا كثيرة تقارب هذا الفن لتقع في مواضعها، فمن ذلك قول الخنساء:
وقافية مثل حد السنا ... ن تبقى ويهلك من قالها
ومثل هذا قول دعبل:
إني إذا قلت بيتا مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت
ومثله أيضا:
يموت رديء الشعر من قبل ربه ... وجيده يبقى وإن مات قائله
وقريب منه:
قواف لو يكون لها شخوص ... لركبها الكمي على السنان
ومثله:
قواف لو تقارضها المنايا ... لركبها الكماة على الرماح
آخر:
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي ليس يلحقها الفناء
آخر:
لا يفرحن بموتي من تركت له ... عارا إلى آخر الأيام معروفا
قصائدا تترك الألباب حائرة ... من شاعر لم يزل بالحذق موصوفا
آخر:
خذوها هنيئا إنها لرقابكم ... قلائد عار ليس تزهى سموطها
ومما يقارب هذا المعنى وإن لم يكن مثله سواء قول الشاعر:
أليس إذا ما قلت بيتا تناوحت ... به الريح في شرقيها والمغارب
يقصر للسارين من ليلة السرى ... ويغدى عليه بالقيان الضوارب
ومن جيد هذا المعنى ونادره للخريمي:
من كل غائرة إذا وجهتها ... طلعت بها الركبان كل نجاد
طورا يمثلها الملوك وتارة ... بين الندي تراض والأكباد
ذكر أن الملوك كثيرة التمثل بأشعاره، وأن الغناء فيها أيضا كثير فهي تراض بين الندي والأكباد، وهناك مواقع العيدان. وقال ابن أبي حفصة في شبيه من ذلك:
إني أقول قصائدا جوالة ... أبدا تجول خوالعا أرسانها
من كل قافية إذا جربتها ... جمحت فلم تملك يداي عنانها
سارت بيوتي في البلاد فأمعنت ... وبيوت غيري لم ترم أوطانها
وقال بشار بن برد:
ومثلك قد سيرته بقصيدة ... فسار ولم يبرح عراص المنازل
رميت به شرقا وغربا فأصبحت ... به الأرض ملأى من مقيم وراحل
وقال مزرد بن ضرار:
زعيم لمن فارقته بأوابد ... يغني بها الساري وتحدي الرواحل
تكر فلا تزداد إلا استنارة ... إذا رازت الشعر الشفاه العوامل
وقال كثير:
وإلا يعقني الموت والموت غالب ... له شرك مبثوثة وحبائل
أحبر له قولا تناشد شعره ... إذا ما التقت بين الجبال القبائل
وتصدر شتى من مصب ومصعد ... إذا ما خلت ممن يحل المنازل
يغني بها الركبان من آل يحصب ... وبصرى وترويه تميم ووائل
وقال آخر أيضا وهو محمد بن حازم:

(1/54)


أبى لي أن أطيل الشعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب
فأبعثهن أربعة وستا ... مثقفة بألفاظ عذاب
وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم في الرقاب
وهن وإن أقمن مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب
وشبيه بما ذكرناه قول البحتري:
وأنا الذي أوضحت غير مدافع ... نهج القوافي وهو رسم دارس
وشهرت في شرق البلاد وغربها ... وكأنني في كل ناد جالس
ومثله:
فلا تبعدني من نداك فإن لي ... لسانا ملا الدنيا وأنت ابن خالد
آخر:
لأحملنك من شعري على فرس ... من المذبة مأمون على الزلق
يأتي بك الصين في يوم وليلته ... كالريح تأتي على مكران والسلق
والشعر في صفة الشعر كثير، وإنما أتينا بهذا الفن منه ههنا، وتركنا غيره لنأتي به في مواضع أخر إن شاء الله.
أعرابي يذكر ابنه:
فتى لم تلده بنت عم قريبة ... فيضوى وقد يضوى سليل القرائب
ولكنما أدته بنت محجب ... عظيم الرواق من خيار المرازب
تعلم من أعمامه البأس والندى ... وورثه الأخوال حسن التجارب
ومثل هذا قول جرير في ابنه بلال:
إن بلالا لم تشنه أمه ... لم يتناسب خاله وعمه
فريحه ريحي وشمي شمه
وإنما يعتد بأن خاله وعمه لم يتناسبا، لأن العرب تزعم أن ابن الغرائب أنجب، وأن ابن القريبين يكون ضاويا، ومن أمثالهم: اغتربوا لا تضووا، وأنشد:
نمت بي من شيبان أم نزيعة ... كذلك ضرب المنجبات النزائع
وهذا البيت لجرير، وكانت أمه نزيعة في بني شيبان. وروي أن نوح ابن جرير أنشد هذا البيت في مجلس يونس بن حبيب النحوي ورجل من بني شيبان حاضر المجلس، فالتفت إليه نوح فقال: أخذناها والله يا أخا بني شيبان بأطراف الرماح عنوة، فقال له الشيباني: أجل والله، ولولا ذلك لكان أبوك وجدك ألأم من أن ينكحاها عن رضى.
وقال آخر في المعنى الذي قدمنا ذكره:
تجنبت بنت العم وهي قريبة ... مخافة أن يضوى علي سليلي
وفي مثله لأخر:
أنذر من كان بعيد الهم ... تزويج أولاد بنات العم
وفي مثله لآخر:
تركت بنات العم واقتادني الهوى ... إلى ابنة عالي الذكر من آل فارس
وقال العتبي: تزوج أهل بيت بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف إلى أن كانوا يحبون حبوا لا يستطيعون القيام ضعفا.
وقال عمارة بن عقيل:
تبحثتم سخطي فغير بحثكم ... سجية نفس كان نصحا ضميرها
ولا يلبث التخشين نفسا كريمة ... عريكتها أن يستمر مريرها
وما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
أما قوله: " وما النفس " البيت، فمن أحسن الكلام وأوضح المعاني، وقريب منه قول الفرزدق وليس هو بعينه:
تصرم مني ود بكر بن وائل ... وما خلت باقي ودها يتصرم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإباء فيفعم
وما أنفس الفتيان إلا مناهل ... تضيء وإن كانت على الظلم تظلم
وشبيه بهذه الأبيات قول عمارة بن عقيل:
وما تنفك من سعد إلينا ... قطوع الرحم فارية الأديم
فنغفرها كأن لم يفعلوها ... وطول العفو أدرب للظلوم
الدربة: العادة، قال الراجز:
عفوك عن عبد لئيم دربه ... فأدب العبد وأحسن ضربه
عبيد بن ناقد:
أحوط العشيرة لم أبغها ... بعيب ولم ألتمس ذامها
وأعطي تلادي ذا فقرها ... وأضرب بالسيف من رامها
وعادية كمسيل الأتي ... نهنهت بالطعن قدامها
ترى لونها مثل لون النجو ... م ساعة تفرج إظلامها
فسائل هوازن عن وقعنا ... وحي تميم وهمامها
عشية لولا حياء النساء ... لسقنا الديار وآطامها
أما قوله: " أحوط العشيرة " البيت، فمعنى جيد، وقد أكثرت الشعراء الاشتراك فيه، فمن ذلك قول الجعفي:

(1/55)


أحوط عشيرتي من كل أمر ... تعاب به العشيرة أو تذم
وأضرب دونها في كل حرب ... بأبيض ليس يبرأ منه كلم
ومنه قول ليلى الأخيلية:
تحوط العشيرة أفعاله ... وتحمل عنها الذي آدها
وأما قوله: " وعادية كمسيل الأتي " البيت، فيصف كتيبة لقوتها، وقوله: " نهنهت بالطعن قدامها " يقول: طاعنت المتقدمين من فرسانها، والمتقدمون في وقت الحرب هم الأمراء الفرسان، وكذلك قول عنترة:
نهنهت أولهم بعاجل ضربة ... ورشاش نافذة كلون العندم
وأما قوله: " ترى لونها مثل لون النجوم " البيت، فإنه يريد بالنجوم ههنا الأسنة وبالظلام الغبار، وهذا كثير في الشعر، وإليه نظر ابن المعتز بقوله:
فما راعه إلا أسنة عسكر ... كظلمة ليل ثقبت بنجوم
وبيت ابن المعتز أظرف لفظا وأجود قسمة من الأول، ومثله لآخر يصف جيشا:
وملمومة لا يخرق الطرف عرضها ... لها كوكب فخم شديد وضوحها
تسير وتزجي السمر تحت نحورها ... كريه إلى من فاجأته صبوحها
مثله:
ونحن ضربنا الكبش حتى تساقطت ... كواكبه بكل عضب مهند
مثله:
ولما رأيت الصبر ليس بنافعي ... وإن كان يوما ذا كواكب أشهبا
مثله:
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام
مثله:
بجأواء ينفي وردها سرعانها ... كأن وميض البيض فيها الكواكب
وأما قوله: " عشية لولا حياء النساء " البيت، إغراق في الوصف شديد، وإياه أراد البحتري بقوله:
وأنزلت ما فوق المعاقل منهم ... فلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا
وبيت البحتري أحسن من الأول وأصح لأن البحتري أوقع شكا في بيته، وهذا ذكر أنه لولا حياؤهم من النساء لساقوا الديار والآطام وهذا محال.
بشر بن أبي خازم الأسدي ويهجو:
ألا قبحت خفارة آل لأم ... فلا شاة ترد ولا بعيرا
لئام الناس ما عاشوا حياة ... وأنتنهم إذا دفنوا قبورا
وأنكاس غداة الروع كشف ... إذا ما البيض خلين الخدورا
ذنابى لا يفون بعقد جار ... وليس ينعشون لهم فقيرا
إذا ما جئتهم تبغي قراهم ... وجدت الخير عندهم عسيرا
ومن خبيث الهجاء وممضه قول عمرو بن معدي كرب في جرم بن زبان:
ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول ماء أرسلت فاسبطرت
وجاشت إلي النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
ظللت كأني للرماح دريئة ... أقاتل عن أحساب جرم وفرت
أما قوله: " وجاشت إلي النفس " البيت، فلو أن شاعرا أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر على ذلك، لأنه ذكر أنة نفسه حسنت له الفرار وجاشت من الخوف فردها على المكروه حتى استقرت، إلا أن جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى واستحسنوا القبيح منه وهم فرسان العرب، منهم عمرو بن معدي كرب، وقد ذكرنا قوله، ومنهم عمرو بن الإطنابة في قوله: " وإقدامي على المكروه نفسي " وقد ذكرناها في أوائل هذا الكتاب، وأخذه آخر فقال:
فإنك لو سئلت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
وقد سبق ذكرها، وهي لقطري بن الفجاءة المازني، وقال آخر:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلي عتابا إنني غير مدبر
ومثله لدريد:
جاشت إلي النفس في يوم الفزع ... لا تكثري ما أنا بالنكس الورع
وهذا كثير جدا، فإذا كان عمرو بن معدي كرب وابن الإطنابة وأمثالهما من فرسان الجاهلية ومن شهرت لها المقاومة في الحروب يذكرون في أشعارهم أن نفسهم همت بالفرار فعذر الله أبا العمر الطبري وأشباهه في ذكرهم من الفرار ما استحسنه واستجاده غيرهم من الفرسان المعدودين، ولو تتبعنا في هذا الموضع نظائر هذا المعنى من أشعار القدماء لاتسع ذلك، ونحن نأتي به في مواضع أخر على ما شرطنا إن شاء الله.

(1/56)


أما قوله: " فلو أن قومي أنطقتني " البيت، الأصل فيه أن الفصيل إذا أرادوا فطامه شقوا لسانه فلم يقدر على الرضاع، فقال هذا: كأن لساني قد شق فليس أقدر أتكلم ولا أذكر لكم فخرا لما فعلتم من الفرار، ولو أنكم قاتلتم لجاز أن أذكر ذلك في الشعر وأفتخر به، فأما مع هربكم فمتى قلت شيئا أفتخر به كذبتني الناس، فهذا هجاء ممض، ومثله من الكلام المنثور قول الأعشى لبني شيبان يوم ذي قار: " يا معشر بكر بن وائل! أطلقوا لساني " أي افعلوا فعلا أستجيز أن أمدحكم به، وقد أخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فأتوا به في المدح والذم، فمن ذلك قول بعضهم في المدح:
هم عقلوا عني لسان مفاخري ... وهم أطلقوا يوم اللقاء لسانيا
وأخذه أبو هفان في المدح أيضا فقال:
وهم بسيوفهم الماضيا ... ت يوم الوغى أطلقوا منطقي
وقد تأول بعض العلماء أن قول النعمان بن عبد المدان:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... معاشر تيم أطلقوا عن لسانيا
مثل هذا المعنى، والأمر خلاف ذلك، لأن النعمان كان شاعرا فلما أسرته التيم خافوا هجاءه فشدوا لسانه لئلا يهجوهم، وقد ذكرنا هذا المعنى في مواضع أخر.
وأما قوله: " ظللت كأني للرماح دريئة " البيت، فليس يجوز أن يكون في الهجاء أشد منه لأنه ذكر قتاله عن قوم قد فروا، وليس هم منهم غير أنه يقاتل عنهم عصبية وغضبا لهم، وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
رأيت بني القلمس رهط سوء ... لهم غنم وليس لهم كلاب
أناظر عنهم وهم حضور ... وأطعن دونهم وهم غياب
وهذا أيضا من الهجاء الشديد، ذكر أن لهم أموالا وأن أعداءهم ينتهبونها طمعا فيهم وقلة خوف منهم، وقوله: " ليس لهم كلاب " يريد سفهاء يمنعون عنهم الظالم فيردون الباغي، ومثل هذا قول النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي
وقول هذا الشاعر: " أناظر عنهم وهم حضور " البيت، فقبيح أيضا إلا أن فيه للمعترض كلاما يقوله في قوله: " وأطعن عنهم وهم غياب " فيقول: فلعلهم لو شهدوا لقاتلوا، وليس هو مثل قول عمرو: " أقاتل عن أحساب جرم وفرت " فهذا جعلهم حضورا قد شهدوا الحرب ثم فروا، وأما قوله: " أناظر عنهم وهم حضور " فمثله قول جرير:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
ومثله قول الآخر:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
ذكر في هذين البيتين ذلهم وأنهم لا يحضرون عند مشاورة ولا أمر عظيم. ومن بديع ما قيل في الذلة والقلة قول الآخر:
قوم إذا حضر الملوك سراتهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
ومثل ذلك قول زياد الأعجم:
قم صاغرا يا شيخ جرم وإنما ... يقال لشيخ القوم قم غير صاغر
فمن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر
أأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائر
فلم تعرفوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
وقد ذكرنا أشياء مما قيل في الذلة والقلة فيما سلف ونذكر فيها أشياء فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
أعرابي من بني ذبيان:
رأستكم وما منكم رئيس ... أذود وليس فيكم من يذود
تفديني نساؤكم ومهري ... يكر وأنتم عصب شهود
فأين لواءكم إلا بكفي ... إذا كثر البوارق والرعود
وهذا أيضا هجاء ممض شديد وتقريع عظيم.
وأما قوله: " تفديني نساؤكم " البيت، فمثل قول الآخر:
وقد علمت هوازن كيف صبري ... إذا ما انحاز في الحرب اللواء
ويوم بني السقيفة أفردوني ... لطعن ما لجائفه دواء
فما إن زلت أضربهم بسيفي ... وما زالت تفديني النساء
ومثله لآخر:
وقد علمت نساؤكم بأنا ... غداة الروع أحمى للذمار
وأضرب منكم رأس المفدى ... وأعظم في الليالي ضوء نار
ومثله قول الآخر:
ورجعتم يوم الكريهة خشعا ... وسيوفنا وسيوفكم تترنم

(1/57)


فمتى جحدتم ما نقول فسائلوا ... عنا نساءكم لكيما تعلموا
ولنحن أكثر في صدور نسائكم ... منكم إذا ما الأرض طبقها الدم
وشبيه بهذا قول ابن هرمة:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... لمعتر فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم اللقاء ... بإلجامها قبل إسراجها
أشارت إليك أكف النساء ... بذلك من قبل أزواجها
وقد رد ابن هرمة شبيها بهذا القول في بعض شعره وإن لم يكن المعنى بعينه فقال:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... أهش إلى الطعن بالذابل
وأضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشارت إليك أكف الأنام ... إشارة غرقى إلى الساحل
يحيى بن مقسم السكوني:
قومي السكون فلا أبغي بهم بدلا ... نعم القبيلة في عسر وإيسار
فما تسود رب المال تتبعه ... ولا تقيم على خسف ولا عار
لكن تسود ذا رأي وذا كرم ... إن كان ذا نشب أو حلف إقتار
إلى هذا أشار حسان في قوله:
نسود ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان مصرما
ومثله:
لئن قلدوني أمرهم يوم عاقل ... فما كنت نكسا عند ذاك مزندا
وما سودوني أنني رب هجمة ... ولكن رأوني مصدر الأمر موردا
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى ... فلست تراه ما جرى الآل سيدا
وقريب منه قول الأشجع:
ولم يك أوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع
ومثله قول مروان بن معن:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
ومثله:
عطائي عطاء الأغنياء وإنما ... سوامي سوام المقترين المنائح
لنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح
وشبيه به قول الآخر:
ساد القبائل من ربي ... عة والقبائل من مضر
بحجى تمكن طوده ... لا بالضياع ولا البدر
أعرابي:
ولا خير في مولى يظل كأنه ... إذا ضيم مولاه مقيما على غنم
حريض على ظلم البريء مخالف ... عن القصد مأمون ضعيف عن الظلم
يرى الحزم إن ترمي العدى من ورائه ... وإن كان لا ينكأ عدوا ولا يرمي
حسود لذي القربى كأن ضلوعه ... من الغش للأدنى تبيت على كلم
قريب إذا عضت به الحرب عضة ... وأبعد شيء جانبا منك في السلم
فذاك كغث اللحم ليس بنافع ... ولا بد يوما أن يعد من اللحم
أما قوله: " قريب إذا عضت به الحرب عضة " البيت، فقد أكثرت الشعراء فيه وأسهبت فلا يذكر منه إلا ما يدل على المعنى، من ذلك قول أوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا
ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
ومثله لآخر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ومثله:
ولولا دفاعي في الملمات عنكم ... إذن لعرفتم غب هذي النوائب
إذا كان أمن كنتم الأسد شدة ... وإن كان خوفا كنتم كالثعالب
ومثله:
إذا أخصبتم كنتم عدوا ... وإن أجدبتم كنتم عيالا
ومثله لآخر:
لا تعرفونا إذا ما الأمن أبطركم ... وعند خوفكم أنتم لنا خول
ومثله لكعب الأشقري في يزيد بن المهلب:
أيزيد إنك لم تزل ... للأزد مذ خلقت دعامه
إني ألومك والذي ... أصفيتني يحدو الملامه
أدعى إلى الحرب العوا ... ن ولست أدعى للمدامه
وأما قوله: " فذاك كغث اللحم " البيت، فمثل قول أكثم بن صيفي: " أنفك منك وإن كان أجدع " ، وإليه نظر ابن المعتز فقال:
كماء طريق الحج في كل منهل ... يذم على ما كان منه ويشرب
ومثله قول الآخر:
أكلوا تالدي وذموا قدمي ... مثل خبز الشعير أكلا وذما

(1/58)


وكقول أبي علي البصير لابنه: خرجت يا بني من العدد ودخلت في العدد.
ومثله لسويد:
أنتم منا ولكنكم ... أجبن الأمة في يوم الفزع
ورفعنا قدركم في وائل ... طاقة الوسع ولكن ما ارتفع
ومثله لآخر:
رأيت بني الهجيم وإن تدانى ... بهم في دارم نسب قريب
هم منهم ولكن ليس منهم ... نجيب حين يختبر النجيب
أعرابي:
بليت وأفناني الزمان وأصبحت ... هنيدة قد أنضيت من بعدها عشرا
وقد عشت دهرا ما تجن عشيرتي ... لها ميتا حتى أخط لها قبرا
الطرماح وكان خارجيا:
وإني لمقتاد جوادي فقاذف ... به وبنفسي اليوم إحدى المقاذف
أكسب مالا أو أؤوب إلى غنى ... من الله يكفيني عذاب الخلائف
فيا رب لا تجعل وفاتي إذا أتت ... على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن أحن يومي شهيدا وعصبة ... يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب أشتات يؤلف بينهم ... هدى الله نزالون عند المواقف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
وذكر الأثر عن أبي عبيدة عن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت بالبصرة جنازة وعليها مطرف خز أخضر، فسألت عنها، فقيل: جنازة الطرماح، فذكرت قوله:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شرجع يعلى بخضر المطارف
فعلمت أن الله عز وجل لم يستجب له.
السموأل بن عاديا:
يا ليت شعري حين أندب هالكا ... ماذا تؤنبني به نواحي
أيقلن لا تبعد فرب كريهة ... فرجتها بشجاعة وسماح
ولقد أخذت الحق غير مخاصم ... ولقد بذلت الحق غير ملاح
البيت الأخير جيد، ومثله للأقوه:
وإني لأعطي الحق من لو ظلمته ... أقر وأعطاني الذي أنا طالب
وآخذ حقي من رجال أعزة ... وإن كرمت أعراقهم والمناسب
ومثله لعبد الله بن عبد الله بن طاهر:
لا يطمح الظالم في جانبي ... ولست ممن يمنع الواجبا
الشنفرى وقصيدته هذه من أجود أشعار العرب ونحن نأتي بأكثرها، أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وزمت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متنقل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
يقول فيها:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
ولي صاحب من دونهم لا يخونني ... إذا التبست كفي به يتأكل
ثلاثة أصحابي فوأد مشبع ... وأبيض مأثور وصفراء عيطل
إذا زل عنها النبل حنت كأنها ... مولهة ثكلى تحن وتعول
وأغدو خميص البطن لا يستفزني ... إلى الزاد حرص أو فوأد مؤكل
ويوم من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولا كن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل
ولولا اجتناب الذأم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا حرة ما تقيم بي ... على الخسف إلا ريثما أتحول
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحا وأذهل
وأستف ترب الأرض كي لا يرى له ... علي من الطول امرؤ متطول
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه المتالف أكحل
غدا طائرا يعارض الريح هافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما دعاه القوت من حيث أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل

(1/59)


مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقل
مهرتة شوه كأن شدوقها ... شقوق العصي كالحات وبسل
فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل
وأغضى وأغضت وائتسى وائتست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل
فإما تريني يا ابنة القوم ضاحيا ... على رقبة أحفى ولا أتنعل
وإني لمولى الصبر أجتاب بزه ... على مثل قلب السمع والصبر ينقل
ولست بمهياف يعشى سوامه ... مجدعة سقبانها وهي بهل
ولا جبأ أكتى مرب بعرسه ... يطالعها في أمره كيف يفعل
هذه القصيدة كثيرة المحاسن وقد ذكرنا فيها من النظائر في مواضع أخر. وبعد فليس فيها معنى غريب يقل مثله في الشعر، بل أكثر معانيها في أيدي الناس مشتهر، وليس سبيلنا في المعنى إذا كان كثيرا أن نأتي به، وإنما نأتي بما قل ولم يكن كثيرا أو معنى خفي فنبينه.
حاتم الطائي:
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء ولا خمر
ترى أن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر
وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادونا بأوا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وله أيضا:
رأتني كأشلاء اللجام وإن تري ... أخا الحرب إلا كاسف اللون أغبرا
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
فلا تسأليني واسألي أي فارس ... إذا الخيل جالت في قنا قد تكسرا
فمن شعر حاتم الذي يقول فيه: " أماوي إن يصبح " البيت وما بعده أخذ النمر بن تولب في قوله فقال:
أعاذل أن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا وينأى صاحبي وقريبي
ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أنفقت كان نصيبي
وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب
غدت وغدا رب سواه يسوقها ... وبدل أحجارا وجول قليب
وقال سحيم عبد بني الحسحاس، وكان المفضل الضبي يقول: قصيدة الأسود - يعني سحيما - ديباج خسرواني:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ليالي تصطاد الرجال بفاحم ... تراه أثيثا ناعم النبت عافيا
وجيد كجيد الريم ليس بعاطل ... من الدر والياقوت والشذر حاليا
كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وجمر غضا هبت له الريح ذاكيا
أرتك غداة البين كفا ومعصما ... ووجها كدينار الهرقلي صارفيا
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متعاليا
ويجعلها بين الجناح ودفه ... ويفرشها وحفا من الزف وافيا
بأحسن منها يوم قالت أراحل ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا
فإن تثو لا تملل وإن تك غاديا ... تزود وترجع عن عميرة راضيا
ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا
تهادي سيل في أباطح سهلة ... إذا ما علا صمدا تفرع واديا
ففاءت ولم تقض الذي أقبلت به ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا
توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتحنو رجلها من ورائيا
أميل بها ميل النزيف وأتقي ... بها البرد والشفان من عن شماليا
فما زال بردي طيبا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا

(1/60)


ألا أيها الوادي الذي صم سيله ... إلينا نوى ظمياء حييت واديا
ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما ما لهن وما ليا
تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
يعدن مريضا هن هيجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا
أشارت بمدراها وقالت لأختها ... أعبد بني الحسحاس يزجى القوافيا
رأت قتبا رثا وسما عباءة ... وأسود مما يملك الناس عاريا
فلو كنت وردا أبيضا لعشقنني ... ولكن ربي شانني بسواديا
يرجلن أقواما ويتركن لمتي ... وذاك هوان ظاهر بدا ليا
تحدرن من تلك الهضاب عشية ... إلى الطلح يبغين الهوى والتصابيا
وقلن ألا فالعبن ما لم يردنا ... نعاس وما لم يرسلوا لي داعيا
وقلن لصغراهن أنت أحقنا ... بطرح الرداء إن أردت التباهيا
تمارين حتى غاب نجم مكبد ... وحتى بدا النجم الذي كان تاليا
وحتى أنار الفجر أبيض ساطعا ... كأن على أعلاه ريطا شآميا
فأدبرن يخفضن الحديث كأنما ... قتلن قتيلا أو أتين الدواهيا
وأصبحن صرعى في الحجال كأنما ... شربن مداما أو سرين لياليا
قال المفضل: كان عبد بني الحسحاس أسود طمطانيا إلا أنه كان حسن الشعر رقيق الألفاظ وأتي به أول ما قال الشعر عثمان بن عفان فقيل له: اشتره فإنه شاعر، فقال: لا حاجة لي فيه؛ لأن العبد الأسود إذا كان شاعرا وجاع هجا مواليه، وإذا شبع شبب بنسائهم وهو آخر أمره مقتول. وكان الأمر كما قال. وسأل عمر بن الخطاب يوما أهل مجلسه عن الذي يقول: " كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا " فقيل: عبد بني الحسحاس، فقال: لو قدم الإسلام على الشيب لفرضت له. وقصيدته هذه التي كتبناها فقد تناول منها ألفاظا كثيرة، من ذلك قوله:
ليالي تصطاد القلوب بفاحم ... تراه أثيثا ناعم النبت عافيا
أخذه من قول الآخر:
ليالي تصطاد الرجال بفاحم ... وأبيض كالإغريض لم يتثلم
وهذا البيت أجود من بيت سحيم عبد بني الحسحاس لأن العبد ذكر في بيته الشعر فقط وهذا ذكر في صدر بيته الشعر وفي عجزه الثغر وهما متقاربان، ومثله لامرئ القيس:
ليالي تصطاد الرجال بفاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
وأخذ قوله أيضا: " وجيد كجيد الريم ليس بعاطل " البيت، من قول امرئ القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نضته ولا بمعطل
وأخذ قوله: " كأن الثريا علقت " البيت، من قول الآخر:
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وأخذ قوله: " فما بيضة بات الظليم " البيت وقوله: " ويجعلها دون الجناح " البيت بعده من قول أبي دؤاد الإيادي:
فما بيضة بات الظليم يكنها ... بأجرع من يبرين حرج نعامها
ويرخي جناحيه عليها ويتقي ... رياحا من الجوزاء طلا رهامها
وأما قوله: " أشارت بمدراها " البيت، فمثل قول عمر بن أبي ربيعة:
أشارت بمدراها وقالت لأختها ... أهذا المغيري الذي كان يذكر
ومثل قول أبي دهبل:
أشارت بمدراها وإياي حاولت ... وقالت لتربيها علي توقفا
والذي لا نشك فيه أن عمر بن أبي ربيعة وأبا دهبل أخذا هذا المعنى من العبد لأنه أقدم منهما.
وأما قوله: " ألكني إليها عمرك الله " البيت وقوله: " تهادي سيل " البيت بعده فهو حسن في مشي النساء وقد أخذه جماعة. فممن جود في أخذه وأبدع وزاد زيادة بينة وأتى به مع الزيادة الكثرة باللفظ العذب والاستعارة الجيدة والتشبيه المليح ابن الرومي في قوله:

(1/61)


جاءت تدافع في وشي لها حسن ... تدافع الماء في وشي من الحبب
وقد ذكرنا أكثر ما قيل في مشي النساء بل نظن أنا قد استغرقنا سائر ما قيل في مواضع هذا الكتاب فلذلك لم نذكر هنا منه شيئا.
وأما قوله: " توسدني كفا وتثني بمعصم " البيت، فهو مليح في وصف العناق. على إن للمحدثين في هذا المعنى صفات جودوا فيها وأحسنوا غاية الإحسان قد ذكرنا بعضها فيما تقدم. ومما لم نذكره هناك قول ابن الرومي:
ربما التفت إلى الصب ... ح لنا ساق بساق
في نقاب من لثام ... ورداء من عناق
وقول ابن الرومي هذا أتم في المعنى وأحسن في اللفظ والزيادة فيه لا تخيل لحسن الاستعارة، ومثله في الحسن له أيضا:
وكلانا مرتد صاحبه ... كارتداء السيف في يوم الوغا
نتساقى الريق مما بيننا ... زق أمات القطا زغب القطا
وممن جود في ذكر العناق بشار بقوله:
فبت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
وقد أخذ علي بن الجهم من بشار فقال:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب
ومن مليح ما قيل في العناق قول ابن المعتز:
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... ظننتنا في جسد واحد
وإلى هذا أشار ابن طباطبا في قوله:
وليل نصرت الغي فيه على الرشد ... وأعديت حال القرب منه على البعد
وضيقت فيه من عناق معانقي ... فظن وسادي أنني نائم وحدي
وللبحتري في العناق أيضا:
ومن قبل قبل التشاكي وبعده ... نكاد بها من لذة اللثم نشرق
وقد لفنا وشك الفراق وضمنا ... عناق على أعناقنا ثم ضيق
ليس يجوز أن نستقصي ما قيل في هذا الباب إذا عن في موضع واحد، لأنه لا بد أن تردد في مواضع؛ فلذلك نترك نظائر كثيرة احتياجا إليها لموضوع آخر.
قال: ولما طال تشبيب عبد بني الحسحاس بنساء قومه وذكرهن في الشعر بمثل قوله:
وهن بنات القوم أن يشعروا بنا ... يكن في بنات القوم إحدى الدهارس
وكم قد شققنا من رداء ومطرف ... ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لابس
توامر قومه في قتله واجتمعوا لذلك في شرب لهم وأحضروه معهم وكان شجاعا راميا وكانت قوسه لا تفارقه ولا يقدر أن يوترها غيره، فلما أخذ فيهم الشراب قال له بعضهم: يا سحيم أراك تقطع وتر قوسك هذه إن شددت به كتافا؟ قال: نعم، قالوا: حتى ننظر، فأمكنهم من نفسه حتى أوثقوه بالوتر. قالوا له: اقطع، فانتحى فيه فلم يقطعه، فحين رأوا ذلك وثبوا إليه بالخشب فضربوه حتى كادوا يقتلونه ثم تعاذلوا في أمره وتركوه رحمة له، فمرت به امرأة من نسائهم وهو مكتوف ونظر إليها فقال وهم يسمعون:
فإن تضحكي مني فيا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج
فوثبوا إليه بأجمعهم فلما علم أنه القتل قال أيضا:
ولقد تحدر من كرائم بعضكم ... عرق على متن الفراش وطيب
فلما سمعوا هذا البيت قتلوه، وبيته هذا بيت نكد وذلك أنه عمهم كلهم بالعار ورماهم بالفضيحة لقوله: " من كرائم بعضكم " أي من امرأته أو ابنته أو أخته، ولو أنه خص واحدا دون الجميع لكان العار لازما له دون غيره، ولكنه جمعهم كلهم، فيجوز أن يقول كل واحد منهم لصاحبه متى عيره بهذا البيت: إياك أراد بالقول دوني، وقد أحسن الكناية عن الجماع بقوله:
ولقد تحدر من كريمة بعضكم ... عرق على متن الفراش وطيب
لأن العرق يعتري المرأة في ذلك الوقت، ومن الكناية أيضا عن الجماع قول بعض الأعراب:
فإن كان فيكم بعل ليلى فإنني ... وذي العرش قد قبلت ليلى ثمانيا

(1/62)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية